صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تلبيس إبليس - ابن الجوزي ]
الكتاب : تلبيس إبليس
المؤلف : عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج
الناشر : دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الأولى ، 1405 - 1985
تحقيق : د. السيد الجميلي
عدد الأجزاء : 1

قال المصنف رحمه الله قلت وقد أخبرنا محمد بن القاسم البغدادي عن أبي محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال اشترى سعد بن عبد الله الدمشقي جارية قوالة للفقراء وكانت تقول لهم القصائد
قال المصنف رحمه الله قلت وقد ذكر أبو طالب المكي في كتابه قال أدركنا مروان القاضي وله جوار يسمعن التلحين قد أعدهن للصوفية قال وكانت لعطاء جاريتان تلحنان وكان اخوانه يسمعون التلحين منهما
قال المصنف رحمه الله قلت أما سعد الدمشقي فرجل جاهل والحكاية عن عطاء محال وكذب وان صحت الحكاية عن مروان فهو فاسق والدليل على ما قلنا ما ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه وهؤلاء القوم جهلوا العلم فمالوا إلى الهوى وقد أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري قال أكثر ما التقيت أنا وفارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الابريسمي للسماع من هزارة رحمها الله فانها كانت من مستورات القوالات
قال المصنف قلت وهذا أقبح شيء من مثل الحاكم كيف خفي عليه أنه لا يحل له أن يسمع من امرأة ليست بمحرم ثم يذكر هذا في كتاب تاريخ نيسابور وهو كتاب علم من غير تحاش عن ذكر مثله لقد كفاه هذا قد حافى عدالته
قال المصنف رحمه الله فان قيل ما تقول فيما أخبركم به اسماعيل بن احمد السمرقندي نا عمر بن عبد الله نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن احمد نا حنبل بن اسحاق ثنا هرون بن معروف ثنا جرير عن مغيرة قال كان عون بن عبد الله يقص فاذا فرغ أمر جارية له تقص وتطرب قال المغيرة فأرسلت اليه أو أردت أن أرسل اليه إنك من أهل بيت صدق وأن الله عز و جل لم يبعث نبيه بالحمق وان صنيعك هذا صنيع أحمق فالجواب أنا لا نظن بعون أنه أمر

(1/297)


الجارية أن تقص على الرجال بل أحب أن يسمعها منفردا وهي ملكه فقال له مغيرة الفقيه هذا القول وكره أن تطرب الجارية له فما ظنك بمن يسمعن الرجال ويرقصهن ويطربهن وقد ذكر أبو طالب المكي أن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء
قال المصنف رحمه الله وإنما كان يسمع إنشاد جواريه وقد أردف ابن طاهر الحكاية التي ذكرها عن الشافعي وقد ذكرناها آنفا بحكاية عن أحمد بن جنبل رواها من طريق عبد الرحمن السلمي قال حدثنا الحسين بن احمد قال سمعت أبا العباس الفرغاني يقول سمعت صالح بن احمد بن حنبل يقول كنت أحب السماع وكان أبي أحمد يكره ذلك فوعدت ليلة ابن الخبازة فمكث عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام وأخذ يغني فسمعت حس أبي فوق السطح فصعدت فرأيت أبي فوق السطح يسمع وذيله تحت أبطه يتبخطر على السطح كأنه يرقص
قال المصنف رحمه الله هذه الحكاية قد بلفتنا من طرق ففي بعض الطرق عن صالح قال كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي في الزقاق يذهب ويجيء ويسمع اليه وكان بيننا وبينه باب وكان يقف من وراء الباب يستمع
وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز نا أبو بكر احمد بن علي بن ثابت نا احمد بن علي بن الحسين النوري ثنا يوسف بن عمر القواس قال سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي أظنه عن عبد الله بن احمد قال كنت ادعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي ينهاني عن التغني فكنت إذا كان

(1/298)


ابن الخبازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يغني فعرضت لأبي عندنا حاجة وكنا في زقاق فجاء فسمعه يغني فتسمع فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجت لأنظر فإذا بأبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب فدخلت فلما كان من الغد قال لي يا بني إذا كان هذا نعم الكلام أو معناه
قال المصنف رحمه الله وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزهديات التي فيها ذكر الآخرة ولذلك استمع اليه احمد وقول من قال ينزعج فإن الإنسان قد يزعجه الطرب فيميل يمينا وشمالا وأما رواية ابن طاهر التي فيها فرأيته وذيله تحت أبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص فإنما هو من تغيير الرواة وتغييرهم لا يظنونه المعنى تصحيحا لمذهبهم في الرقص وقد ذكرنا القدح في السلمي وفي ابن طاهر الراويين لهذه اللفظات وقد احتج لهم أبو طالب المكي على جواز السماع بمنامات وقسم السماع إلى أنواع وهو تقسيم صوفي لا أصل له وقد ذكرنا أن من أدعى أنه يسمع الغناء ولا يؤثر عنده تحريك النفس إلى لهوى فهو كاذب وقد أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي طالب الطبري قال قال بعضهم انا لا نسمع الغناء بالطبع الذي يشترك فيه الخاص والعام قال وهذا تجاهل منه عظيم لأمرين
أحدهما أنه يلزمه على هذا أن يستبيح العود والطنبور وسائر الملاهي لأنه يسمعه بالطبع الذي لا يشاركه فيه أحد من الناس فإن لم يستبح ذلك فقد نقض قوله وإن استباح فقد فسق
والثاني أن هذا المدعي لا يخلو من أن يدعي أنه فارق طبع البشر وصار بمنزلة الملائكة فإن قال هذا فقد تخرص على طبعه وعلم كل عاقل كذبه إذا رجع إلى نفسه ووجب أن لا يكون مجاهدا لنفسه ولا مخالفا لهواه ولا يكون له ثواب على ترك اللذات والشهوات وهذا لا يقوله عاقل وإن قال أنا على طبع البشر المجبول على الهوى والشهوة قلنا له فكيف تسمع الغناء المطرب بغير

(1/299)


طبعك أو تطرب لسماعه لغير ما غرس في نفسك
اخبرنا ابن ناصر نا احمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول سئل أبو علي الرودباري عمن سمع الملاهي ويقول هي لي حلال لأني قدوصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الاحوال فقال نعم قد وصل لعمري ولكن إلى سقر
قال المصنف رحمه الله فإن قيل قد بلغنا عن جماعة أنهم سمعوا عن المنشد شيئا فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به قلنا لا ينكر أن يسمع الإنسان بيتا من الشعر أو حكمة فيأخذها إشارة فتزعجه بمعناها لا لأن الصوت مطرب كما سمع بعض المريدين صوت مغنية تقول
كل يوم تتلون ... غير هذا بك أجمل فصاح ومات فهذا لم يقصد سماع المرأة ولم يلتفت إلى التلحين وإنما قتله المعنى ثم ليس سماع كلمة أو بيت لم يقصد سماعة كالاستعداد لسماع الأبيات المذكورة الكثيرة المطربة مع انضمام الضرب بالقضيب والتصفيق إلى غير ذلك ثم إن ذلك السامع لم يقصد السماع ولو سألنا هل يجوز لي أن أقصد سماع ذلك منعناه
قال المصنف رحمه الله وقد احتج لهم أبو حامد الطوسي بأشياء نزل فيها عن رتبته عن الفهم مجموعها أنه قال ما يدل على تحريم السماع نص ولا قياس وجواب هذا ما قد أسلفناه وقال لا وجه لتحريم سماع صوت طيب فاذا كان موزونا فلا يحرم أيضا وإذا لم يحرم الآحاد فلا يحرم المجموع فان أفراد المباحات إذا اجتمعت كان المجموع مباحا قال ولكن ينظر فيما يفهم من ذلك فان كان فيه شيء محظور حرم نثره ونظمه وحرم التصويت به
قال المصنف رحمه الله قلت وإني لأتعجب من مثل هذا الكلام فان الوتر بمفردة أو العود وحده من غير وتر لو ضرب لم يحرم ولم يطرب فاذا اجتمعا

(1/300)


وضرب بهما على وجه مخصوص حرم وأزعج وكذلك ماء العنب جائز شربه وإذا حدثت فيه شدة مطربة حرم
وكذلك هذا المجموع يوجب طربا يخرج عن الاعتدال فيمنع منه ذلك وقال ابن عقيل الأصوات على ثلاثة أضرب محرم ومكروه ومباح فالمحرم الزمر والناي والسرنا والطنبور والمعزفة والرباب وما ماثلها نص الإمام أحمد بن حنبل على تحريم ذلك ويلحق به الجرافة والجنك لأن هذه تطرب فتخرج عن حد الاعتدال وتفعل في طباع الغالب من الناس ما يفعله المسكر وسواء استعمل على حزن يهيجه أو سرور لأن النبي نهى عن صوتين أحمقين صوت عند نغمة وصوت عند مصيبة والمكروه القضيب لكنه ليس بمطرب في نفسه وإنما يطرب بما يتبعه وهو تابع للقول والقول مكروه ومن أصحابنا من يحرم القضيب كما يحرم آلات اللهو فيكون فيه وجهان كالقول نفسه والمباح الدف وقد ذكرنا عن أحمد أنه قال أرجوا أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل وقد قال أبو حامد من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فالسماع في حقه مؤكد لعشقه
قال المصنف رحمه الله قلت وهذا قبيح أن يقال عن الله عز و جل يعشق وقد بينا فيما تقدم خطأ هذا القول ثم أي توكيد لعشقه في قول المغنى
ذهبي اللون تحسب من ... وجنتيه النار تقتدح
قال المصنف رحمه الله قلت وسمع ابن عقيل بعض الصوفية يقول أن

(1/301)


مشايخ هذه الطائفة كلما وقفت طباعهم حداها الحادي إلى الله بالأناشيد فقال ابن عقيل لا كرامة لهذا القائل إنما تحدى القلوب بوعد الله في القرآن ووعيده وسنة الرسول لأن الله سبحانه وتعالى قال وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وما قال وإذا أنشدت عليه القصائد طربت فأما تحريك الطباع بالألحان فقاطع عن الله والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتعدد عنه فتنه ومن سولت له نفسه التقاط العبر من محاسن البشر وحسن الصوت فمفتون
بل ينبغي النظر إلى المحال التي أحالنا عليها الإبل والخيل والرياح ونحو ذلك فانها منظورات لا تهيج طبعا بل تورث استعظاما للفاعل وإنما خدعكم الشيطان فصرتم عبيد شهواتكم ولم تقفوا حتى قلتم هذه الحقيقة وأنتم زنادقة في زي عباد شرهين في زي زهاد مشبهة تعتقدون أن الله عز و جل يعشق ويهام فيه ويؤلف ويؤنس به وبئس التوهم لأن الله عز و جل خلق الذوات مشاكلة لأن أصولها مشاكلة فهي تتوانس وتتألم بأصولها العنصرية وتراكيبها المثلية في الأشكال الحديثة فمن ههنا جاء التلاوم والميل وعشق بعضهم بعضا وعلى قدر التقارب في الصورة يتأكد الأنس
والواحد منا يأنس بالماء لأن فيه ماء وهو بالنبات آنس لقربه من الحيوانية بالقوة النمائية وهو بالحيوان آنس لمشاركته في أخص النوع به أو أقربه إليه فأين المشاركة للخالق والمخلوق حتى يحصل الميل إليه والعشق والشوق وما الذي بين الطين والماء وبين خالق السماء من المناسبة وإنما هؤلاء يصورون الباري سبحانه وتعالى صورة تثبت في القلوب وما ذاك الله عز و جل ذاك صنم شكله الطبع والشيطان وليس لله وصف تميل إليه الطباع ولا تشتاق إليه الأنفس وإنما مباينة الإلهية للمحدث أوجبت في الأنفس هيبة وحشمة فما يدعيه عشاق الصوفية لله في محبة الله إنما هو وهم اعترض وصورة شكلت في نفوس فحجبت عن

(1/302)


عبادة القديم فتجدد بتلك الصورة أنس فاذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل أقلقهم الشوق اليها فنالهم من الوجد وتحرك الطبع والهيمان ما ينال الهائم في العشق فنعوذ بالله من الهواجس الرديئة والعوارض الطبيعية التي يجب بحكم الشرع محوها عن القلوب كما يجب كسر الأصنام نقد مسالك الصوفية في السماع
قال المصنف رحمه الله وقد كان جماعة من قدماء الصوفية ينكرون على المبتدىء السماع لعلمهم بما يثير من قلبه أخبرنا عمر بن ظفر المقري نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي ثنا بن جهضم ثني أبو عبد الله المقري ثنا عبد الله بن صالح قال قال لي جنيد إذا رأيت المريد يسمع السماع فاعلم أن فيه بقايا من اللعب
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه قال سمعت احمد بن محمد البردعي يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابه إذا رأيت المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترج خيره
قال المصنف رحمه الله هذا قول مشايخ القوم وإنما ترخص المتأخرون حب اللهو فتعدى شرهم من وجهين أحدهما سوء ظن العوام بقدمائهم لأنهم يظنون أن الكل كانوا هكذا والثاني أنهم جرأوا العوام على اللعب فليس للعامي حجة في لعبه إلا أن يقول فلان يفعل كذا ويفعل كذا
فصل قال المصنف رحمه الله وقد نشب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه
على قراءة القرآن ورقت قلوبهم عنده بما لا ترق عند القرآن وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه وغلبه طبع وهم يظنون غير هذا أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا عبد الكريم بن هوزان وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي

(1/303)


وقال سمعت أبا حاتم محمد بن احمد بن يحيى السجستاني قال سمعت أبا نصر السراج يقول
حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج قال قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد فلما دخلت الري سألت عن منزله وكل من أساله عنه يقول إيش تفعل بذلك الزنديق فضيقوا صدري حتى عزمت على الإنصراف فبت تلك الليلة في مسجد ثم قلت جئت إلى هذه البلدة فلا أقل من زيارته فلم أزل أسأل عنه حتى دفعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب بين يديه رجل على يديه مصحف وهو يقرأ فدنوت فسلمت فرد السلام وقال من أين قلت من بغداد قصدت زيارة الشيخ فقال تحسن أن تقول شيئا فقلت نعم وقلت
رأيتك تبني دائما في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه ثم قال لي يا بني تلوم أهل الري على قولهم يوسف بن الحسين زنديق ومن وقت الصلاة هوذا أقرأ القرآن لم تقطر من عيني قطرة وقد قامت علي القيامة بهذا البيت
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن نا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول فأخرجت إلى مرو في حياة الاستاذ أبي سهيل الصعلوكي وكان له قبل خروجي أيام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس وعقد لابن الفرعاني في ذلك الوقت مجلس القوال يعني المغني فتداخلني من ذلك شيء فكنت أقول قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوال فقال لي يوما أي شيء تقول الناس فقلت يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القوال فقال من قال لأستاذه لم لم يفلح
قال المصنف رحمه الله هذه دعاة الصوفية يقولون الشيخ يسلم له حاله وما لنا أحد يسلم اليه حاله فإن الآدمي يرد عن مراداته بالشرع والعقل والبهائم بالسوط

(1/304)


حكم الغناء عند الصوفية
وقد اعتقد قوم من الصوفية أن هذا الغناء الذي ذكرنا عن قوم تحريمه وعن آخر كراهته مستحب في حق قوم وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري قال حدثنا أبي قال سمعت أبا علي الدقاق يقول السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم مباح الزهاد لحصول مجاهداتهم مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم
قال المصنف رحمه الله قلت وهذا غلط من خمسة أوجه أحدها انا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزالي أنه يباح سماعه لكل أحد وأبو حامد كان أعرف من هذا القائل
والثاني أن طباع النفوس لا تتغير وإنما المجاهدة تكف عملها فمن ادعى تغير الطباع ادعى المحال فاذا جاء ما يحرك الطباع واندفع الذي كان يكفها عنه عادت العادة
والثالث أن العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته وليس فيهم من نظر في السامع لعلمهم أن الطباع تتساوى فمن ادعى خروج طبعه عن طباع الآدميين ادعى المحال
والرابع أن الاجماع انعقد على انه ليس بمستحب وإنما غايته الإباحة فادعاء الاستحباب خروج عن الاجماع
والخامس انه يلزم من هذا أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبا عند من لا يغير طبعه لأنه إنما حرم لأنه يؤثر في الطباع ويدعوها إلى الهوى فاذا أمن ذلك فينبغي أن يباح وقد ذكرنا هذا عن أبي الطيب الطبري
فصل قال المصنف رحمه الله وقد ادعى قوم منهم أن هذا السماع قربة
إلى الله عز و جل قال أبو طالب المكي حدثني بعض أشياخنا عن الجنيد انه قال تنزل

(1/305)


الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند المذاكرة لأنهم يتجاوزون في مقامات الصديقين وأحوال النبيين وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا
قال المصنف رحمه الله قلت وهذا إن صح عن الجنيد وأحسنا به الظن كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزهدية فانها توجب الرقة والبكاء فأما أن تنزل الرحمة عند وصف سعدى وليلى ويحمل ذلك على صفات الباري سبحانه وتعالى فلا يجوز اعتقاد هذا ولو صح أخذ الإشارة من ذلك كانت الإشارة مستغرقة في جنب غلبة الطباع ويدل على ما حملنا الأمر عليه انه لم يكن ينشد في زمان الجنيد مثل ما ينشد اليوم إلا أن بعض المتأخرين قد حمل كلام الجنيد على كل ما يقال فحدثني أبو جعفر أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السباك عن شيخنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال كان أبو الوفا الفيروزبادي شيخ رباط الزوزني صديقا لي فكان يقول لي والله إني لأدعو لك وأذكرك وقت وضع المخدة والقول قال فكان الشيخ عبد الوهاب يتعجب ويقول أترون هذا يعتقد أن ذلك وقت إجاية إن هذا لعظيم وقال ابن عقيل قد سمعنا منهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخدة مجاب وذلك أنهم يعتقدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى قال وهذا كفر لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا قال والناس بين تحريمه وكراهيته
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر احمد بن علي بن ثابت قال أخبرني علي بن أيوب قال أخبرنا محمد بن عمران بن موسى قال حدثنا محمد بن احمد الكاتب قال حدثنا الحسين بن فهم قال حدثني أبو همام قال حدثني ابراهيم بن أعين قال قال صالح المري أبطأ الصرعي نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربة وأثبت الناس قدما يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول

(1/306)


سمعت أبا بكر النهاوندي يقول سمعت عليا السائح يقول سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم ثياب لطاف فقال لطائفة منهم قولوا وغنوا فاستغرقني طيبة حتى هممت أن أطرح نفسي من السطح ثم قال أرقصوا فرقصوا أطيب ما يكون ثم قال لي يا أبا الحارث ما أصبت منكم شيئا أدخل به عليكم إلا هذا
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد
قال المصنف رحمه الله هذه الطائفة إذا سمعت الغناء تواجدت وصفقت وصاحت ومزقت الثياب وقد لبس عليهم إبليس في ذلك وبالغ
وقد أحتجوا بما أخبرنا به أبو الفتح محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني قال أخبرنا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب قال أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي قال وقد قيل له انه لما نزلت وأن جهنم لموعدهم أجمعين صاح سلمان الفارسي صيحة ووقع على رأسه ثم خرج هاربا ثلاثة أيام واحتجوا بما أخبرنا به عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط قال أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست قال أخبرنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي قال وأخبرنا علي بن الجعد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال خرجنا مع عبد الله ينظر إلى حديدة في النار فنظر الربيع اليها فمال ليسقط ثم أن عبد الله مضى حتى أتينا على أنون على شاطىء الفرات فلما راه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية إذا رأتهم من

(1/307)


مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا إلى قوله ثبورا كثيرا فصعق الربيع واحتملناه إلى أهله ورابطه عبد الله حتى يصلي الظهر فلم يفق ثم رابطه إلى العصر فلم يفق ثم رابطه إلى المغرب فأفاق فرجع عبد الله إلى أهله قالوا وقد اشتهر عن خلق كثير من العباد أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن فمنهم من يموت ومنهم من يصعق ويغشى عليه ومنهم من يصيح وهذا كثير في كتب الزهد والجواب أما ما ذكره عن سلمان فمحال وكذب ثم ليس له إسناد والآية نزلت بمكة وسلمان إنما أسلم بالمدينة ولم ينقل عن أحد من الصحابة مثل هذا أصلا وأما حكاية الربيع بن خثيم فان راويها عيسى بن سليم وفيه معمر
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو بكر محمد المظفر الشامي قال أخبرنا أبو الحسن احمد بن محمد العتيقي قال أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن احمد الصيدلاني قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي قال قال احمد بن حنبل عيسى بن سليم عن أبي وائل لا أعرفه
قال العقيلي وحدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثني بن آدم قال سمعت حمزة الزيات قال لسفيان انهم يروون عن الربيع بن خثيم أنه صعق قال ومن يروي هذا إنما كان يرويه ذاك القاص يعني عيسى بن سليم فلقيته فقلت عمن تروي أنت ذا منكرا عليه
قال المصنف رحمه الله قلت فهذا سفيان الثوري ينكر أن يكون الربيع ابن خثيم جرى له هذا لأن الرجل كان على السمت الأول وما كان في الصحابة من يجري له مثل هذا ولا التابعين ثم نقول على تقدير الصحة ان الإنسان قد يخشى عليه من الخوف فيسكنه الخوف ويسكته فيبقى كالميت

(1/308)


وعلامة الصادق أنه لو كان على حائط لوقع لأنه غائب
فأما من يدعي الوجد ويتحفظ من أن تزل قدمه ثم يتعدى إلى تخريق الثياب وفعل المنكرات في الشرع فإنا نعلم قطعا أن الشيطان يلعب به
وأخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا محمد بن علي بن الفتح قال أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري قال سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول كان للشبلي يوم الجمعة نظرة ومن بعدها صيحة فصاح يوما صيحة تشوش من حوله من الخلق وكان بجنب حلقته حلقة أبي عمران الأشيب فحرد أبو عمران وأهل حلقته
قال المصنف رحمه الله واعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع فجرى من بعض غرائبهم نحو ما أنكرناه فبالغ رسول الله في الإنكار عليه فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ وأنبأنا ابن الحصين قال أنبأنا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أبو حفص بن شاهين قال حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي قال حدثنا عبد المتعال بن طالب قال حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس قال وعظ رسول الله يوما فإذا رجل قد صعق فقال النبي من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا فقد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله قال ابن شاهين وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعت قال حدثنا عبد الله بن يوسف الجبيري قال حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمون عن أبيه عن أنس بن مالك قال ذكر عنده هؤلاء الذين يصعقون عند القراءة فقال أنس لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله

(1/309)


ذات يوم حتى سمعنا للقوم حنينا حين أخذتم الموعظة وما سقط منهم أحد
قال المصنف رحمه الله وهذا حديث العرياض بن سارية وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب قال أبو بكر الآجري ولم يقل صرخنا ولا ضربنا صدورنا كما يفعل كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان أخبرنا عبد الله بن علي المقري قال أخبرنا أبو ياسر أحمد بن بندار بن ابراهيم قال أخبرنا محمد بن عمر بن بكير النجار قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال أخبرنا ابراهيم بن عبد الله البصري قال حدثنا أبو عمر حفص بن عبد الله الضرير قال أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي قال حدثنا حصين بن عبد الرحمن قال قلت لأسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله وآله عند قراءة القرآن قالت كانوا كما ذكرهم الله أو كما وصفهم عز و جل تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم فقلت لها إن ههنا رجالا إذا قرىء على أحدهم القرآن غشي عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن محمد السراج نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن شجاع ثنا اسحاق الحلبي ثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة قال سألت أسماء بنت أبي بكر هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف قالت لا ولكنهم كانوا يبكون
أخبرنا بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي وأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ قالا أخبرنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثنا سريح بن يونس ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن أبي حازم قال مر ابن عمر رضي الله عنه برجل ساقط من العراق فقال ما شأنه فقالوا إذا قرىء عليه القرآن يصيبه هذا قال انا لنخشى الله عز و جل وما نسقط

(1/310)


أخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي نا أبو الحسين بن بشران ثنا اسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان ابن عيينه عن عبد الله بن أبي بردة عن ابن عباس أنه ذكر الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن فقال انهم ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم مضلون
أنبأنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو حفص بن شاهين ثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق نا ابراهيم بن فهد عن ابراهيم بن الحجاج الشامي ثنا شبيب بن مهران عن قتادة قال قيل لأنس بن مالك ان ناسا إذا قرىء عليهم القرآن يصعقون فقال ذاك فعل الخوارج
أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا عمر بن علي بن الفتح نا أحمد بن محمد الكاتب ثنا عبد الله بن المغيرة ثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال بلغ عبد الله بن الزبير ان ابنه عامرا صحب قوما يتصعقون عند قراءة القرآن فقال له يا عامر لأعرفن ما صحبت الذين يصعقون عند القرآن لأوسعك جلدا
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن احمد نا حمد بن احمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس ثنا الزبير بن بكارثني عبد الله بن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير قال ثني أبي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال جئت إلى أبي فقال لي أين كنت فقلت وجدت أقواما ما رأيت خيرا منهم يذكرون الله عز و جل فيرعد أحدهم حتى يخشى عليه من خشية الله عز و جل فقعدت معهم قال لا تقعد معهم بعدها فرآني كأني لم

(1/311)


يأخذ ذلك في فقال رأيت رسول الله يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن ولا يصيبهم هذا أفتراهم أخشع الله من أبي بكر وعمر فرأيت أن ذلك كذلك فتركتهم
أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن احمد نا أبو نعيم الحافظ نا محمد بن احمد في كتابه ثنا محمد بن أيوب ثنا حفص بن عمر النميري ثنا حماد بن زيد ثنا عمرو بن مالك قال بينا نحن عند أبي الجوزاء يحدثنا إذا خر رجل فاضطرب فوثب أبو الجوزاء يسعى قبله فقيل له يا أبا الجوزاء انه رجل به الموتة فقال إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين ولو كان منهم لأمرت به فأخرج من المسجد إنما ذكرهم الله تعالى فقال تفيض أعينهم من الدمع أو قال تقشعر جلودهم
أخبرنا أبو محمد بن علي المقري نا احمد بن بندار بن ابراهيم نا محمد بن عمر بن بكير النجار نا احمد بن جعفر بن حمدان ثنا ابراهيم بن عبد الله البصري ثنا أبو عمر حفص بن عمر الضرير نا حماد بن زيدني عمر بن مالك البكري قال قرأ قارىء عند أبي الجوزاء قال فصاح رجل من أخريات القوم أو قال من القوم فقام اليه أبو الجوزاء فقيل له يا أبا الجوزاء انه رجل به شيء فقال طبيب انه من هؤلاء النفارين فلو كان منهم لوضعت رجلي على عنقه
وقال أبو عمر أخبرنا جرير بن حازم انه شهد محمد بن سيرين وقيل له أن ههنا رجالا إذا قرىء على أحدهم القرآن غشي عليه فقال محمد بن سيرين يقعد أحدهم على جدار ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فان وقع فهو صادق قال أبو عمرو وكان محمد بن سيرين يذهب إلى أن تصنع وليس بحق من قلوبهم
أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا حمد بن احمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو محمد بن حبان ثنا محمد بن العباس ثنا زياد عن يحيى عن عمران بن عبد العزيز قال سمعت محمد بن سيرين وسئل عن من يستمع القرآن فيصعق فقال ميعاد

(1/312)


ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فان سقطوا فهم كما يقولون
أخبرنا ابن ناصر نا أبو طاهر عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العشاري نا محمد بن عبد الله الدقاق نا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا محمد بن علي عن ابراهيم بن الأشعت قال سمعت أبا عصام الرمل عن رجل عن الحسن انه وعظ يوما فتنفس رجل في مجلسه فقال الحسن إن كان لله تعالى شهرت نفسك وإن كان لغير الله فقد هلكت
أخبرنا بن ناصر نا جعفر بن احمد نا الحسن بن علي نا احمد بن جعفر ثنا عبد الله بن احمد ثني أبي ثنا روح ثنا السري بن يحيى ثنا عبد الكريم بن رشيد قال كنت في حلقة الحسن فجعل رجل يبكي وارتفع صوته فقال الحسن إن الشيطان ليبكي هذا الآن
أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو غالب عمر بن الحسين الباقلاني نا أبو العلاء الواسطي نا محمد بن الحسين الأزدي ثنا ابراهيم بن رحمون ثنا اسحق بن ابراهيم البغدادي قال سمعت أبا صفوان يقول قال الفضيل بن عياض لابنه وقد سقط يا بني إن كنت صادقا لقد فضحت نفسك وإن كنت كاذبا فقد أهلكت نفسك
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا محمد بن احمد النجار ثنا المرتعش قال رأيت أبا عثمان سعيد بن عثمان الواعظ وقد تواجد إنسان بين يديه فقال له يا بني إن كنت صادقا فقد أظهرت كل مالك وإن كنت كاذبا فقد أشركت بالله نقد مسالك الصوفية في الوجد
قال المصنف رحمه الله فان قال قائل إنما يفرض الكلام في الصادقين لا في أهل الرياء فما تقول فمن أدركه الوجد ولم يقدر على دفعه فالجواب إن أول الوجد إنزعاج في الباطن فان كف الإنسان نفسه كيلا يطلع على حاله يئس

(1/313)


الشيطان منه فبعد عنه كما كان أيوب السختياني إذا تحدث فرق قلبه مسح أنفه وقال ما أشد الزكام
وان أهمل الإنسان ولم يبال بظهور وجده أو أحب اطلاع الناس على نفسه نفخ فيه الشيطان فانزعج على قدر نفخه كما أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا احمد بن جعفر ثنا عبد الله ثني أبي ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخراز عن ابن أخي زينب عن امرأة عبد الله قالت جاء عبد الله ذات يوم وعندي عجوز ترقيني من الحموة فأدخلتها تحت السرير قالت فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا فقال ما هذا الخيط قلت خيط رقي لي فيه رقية فأخذه وقطعه ثم قال إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك
سمعت رسول الله يقول إن في الرقي والتمائم والتولة شركا قالت فقلت له لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها فكان إذا رقاها سكنت قال إنما ذاك من عمل الشيطان كان ينخسها بيده فاذا رقيتها كف عنها إنما كان يكفيك أن تولي كما قال رسول الله أذهب البأس رب الناس إشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما
قال المصنف رحمه الله التولة ضرب من السحر يحبب المرأة إلى زوجها أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن احمد نا الحسن بن عبد الملك بن يوسف نا أبو محمد الخلال ثنا أبو عمر بن حياة ثنا أبو بكر بن أبي داود ثنا هارون بن زيد عن أبي الزرقاء ثنا أبي قال ثنا سفيان عن عكرمة بن عمار عن شعيب بن أبي السني عن أبي عيسى أو عيسى قال ذهبت إلى عبد الله بن عمر فقال أبو السوار يا أبا عبد الرحمن ان قوما عندنا إذا قرىء عليهم القرآن يركض أحدهم من خشية الله قال كذبت قال بلى ورب هذه البنية قال ويحك إن كنت صادقا فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم والله ما هكذا كان أصحاب محمد

(1/314)


دفع الوجد
فإن قال قائل فنفرض أن الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد فلم يقدر عليه وغلبه الأمر فمن أين يدخل الشيطان فالجواب إنا لا ننكر ضعف بعض الطباع عن الدفع إلا أن علامة الصادق انه لا يقدر على أن يدفع ولا يدري ما يجري عليه فهو من جنس قوله عز و جل فخر موسى صعقا
وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن احمد نا احمد بن عبد الله ثنا ابراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحق الثقفي ثني حاتم بن الليث الجوهري ثنا خالد بن خداش قال قرىء على عبد الله بن وهب كتاب أهوال القيامة فخر مغشيا عليه فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام
قال المصنف رحمه الله قلت وقد مات خلق كثير من سماع الموعظة وغشي عليهم قلنا هذا التواجد الذي يتضمن حركات المتواجدين وقوة صياحهم وتخبطهم فظاهره انه متعمل والشيطان معين عليه
قال المصنف رحمه الله فان قيل فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه قيل نعم من جهتين أحدهما انه لو قوى العلم أمسك والثاني انه قد خولف به طريق الصحابة والتابعين ويكفي هذا نقصا
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا هبة الله بن عبد الرزاق السني وأخبرنا سعيد بن احمد بن البنا نا أبو سعد محمد بن علي ارستمي قالا نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي اسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان بن عيينة قال سمعت خلف بن حوشب يقول كان خوات يرعد عند الذكر فقال له ابراهيم إن كنت تملكه فلا أبالي أن لا أعتد بك وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك وفي رواية فقد خالفت من هو خير منك
قال المصنف رحمه الله قلت ابراهيم هو النخعي الفقيه وكان متمسكا

(1/315)


بالسنة شديد الاتباع للأثر وقد كان خوات من الصالحين البعداء عن التصنع وهذا خطاب ابراهيم له فكيف بمن لا يخفي حاله في التصنع اذا طرب اهل التصوف صفقوا
فاذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا سليمان المغربي يقول سمعت أبا علي بن الكاتب يقول كان ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له
قال المصنف رحمه الله قلت والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال وتتنزه عن مثله العقلاء ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية وهي التي ذمهم الله عز و جل بها فقال وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فالمكاء الصفير والتصدية التصفيق
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ نا أبو الفضل بن حيرون نا أبو علي بن شاذان نا احمد بن كامل ثنى محمد بن سعد ثنى أبي ثني عمى عن أبيه عن جده عن ابن عباس الامكاء يعني التصفير وتصدية يقول التصفيق
قال المصنف رحمه الله قلت وفيه أيضا تشبه بالنساء والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة اذا قوي طربهم رقصوا
فاذا قوي طربهم رقصوا وقد احتج بعضهم بقوله تعالى لأيوب أركض برجلك

(1/316)


قال المصنف رحمه الله قلت وهذا الاحتجاج بارد لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه شبهة وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء قال ابن عقيل أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازا من الرقص ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الإسلام جاز أن يجعل قوله تعالى لموسى أضرب بعصاك الحجر دلالة على ضرب الجماد بالقضبان نعوذ بالله من التلاعب بالشرع
واحتج بعض ناصريهم بأن رسول الله قال لعلي أنت مني وأنا منك فحجل وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي فحجل وقال لزيد أنت أخونا ومولانا فحجل ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت والنبي ينظر اليهم فالجواب أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح فأين هو من الرقص وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي بتشبيب يفعل عند اللقاء بالحرب
واحتج لهم أبو عبد الرحمن السلمي على جواز الرقص بما أخبرنا به أبو نصر محمد بن منصور الهمداني نا اسماعيل بن احمد بن عبد الملك المؤذن نا أبو صالح احمد بن عبد الملك وأبو سعيد محمد بن عبد العزيز وأبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن قالوا ثنا أبو عبد الرحمن السلمي ثنا أبو العباس احمد بن سعيد المعداني ثنا محمد بن سعيد المروزي ثنا عباس الرقيقي ثنا عبد الله بن عمر الوراق ثنا الحسن بن علي بن منصور ثنا أبو عتاب المصري عن ابراهيم بن محمد الشافعي أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقة مكة فسمع الأخضر الحداء يتغنى في دار العاص بن وائل بهذا
تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة عطرات
فلما رأت ركب النميري أعرضت ... وهن من أن يلقينه حذرات قال فضرب برجله الأرض زمانا وقال هذا مما يلذ سماعه وكانوا يروون الشعر لسعيد بن المسيب

(1/317)


قال المصنف قلت هذا إسناده مقطوع مظلم لا يصح عن ابن المسيب ولا هذا شعره كان ابن المسيب أوقر من هذا وهذه الأبيات مشهورة لمحمد بن عبد الله بن نمير النميري الشاعر ولم يكن نمريا وإنما نسب إلى اسم جده وهو ثقفي وزينب التي يشبب بها هي ابنة يوسف أخت الحجاج وسأله عبد الملك بن مروان عن الركب ما كان فقال كانت أحمرة عجافا حملت عليها قطرانا من الطائف فضحك وأمر الحجاج أن لا يؤذيه
قال المصنف رحمه الله ثم لو قدرنا أن ابن المسيب ضرب برجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص فان الإنسان قد يضرب الأرض برجله أو يدقها بيده لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصا فما أقبح هذا التعلق وأين ضرب الأرض بالقدم مرة أو مرتين من رقصهم الذي يخرجون به عن سمت العقلاء ثم دعونا من الاحتجاج تعالوا نتقاضى إلى العقول أي معنى في الرقص إلا اللعب الذي يليق بالأطفال وما الذي فيه من تحريك القلوب الى الآخرة هذه والله مكبر باردة ولقد حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب وقال أبو الوفاء بن عقيل قد نص القرآن علىالنهي عن الرقص فقال عز و جل لا تمش في الأرض مرحا وذم المختال فقال الله تعالى إنه لا يحب كل مختال فخور والرقض أشد المرح والبطر أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الاطراب والسكر
فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما في الاطراب وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص فكيف اذا كانت شيبة ترقص وتصفق على وقاع الألحان والقضبان خصوصا إذا كانت أصوات نسوان ومردان وهل يحسن بمن بين يديه الموت السؤال والحشر والصراط ثم هو إلى إحدى الدارين

(1/318)


صائران يشمس بالرقص شمس البهائم ويصفق تصفيق النسوة والله لقد رأيت مشايخ في عصري ما بان لهم سن في تبسم فضلا عن ضحك مع إدمان مخالطتي لهم كالشيخ أبي القاسم بن زيدان وعبد الملك بن بشران وأبي طاهر بن العلاف والجنيد والدينوري حالات الطرب الشديدة لدى الصوفية
فاذا تمكن الطرب من الصوفية في رحال رقصهم جذب أحدهم بعض الجلوس ليقوم معه ولا يجوز على مذهبهم للمجذوب أن يقعد فاذا قام قام الباقون تبعا له فاذا كشف أحدهم رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح وفيه إسقاط مروءة وترك أدب وإنما يقع في المناسك تعبدا لله وذلا له
فصل فاذا اشتد طربهم رموا ثيابهم على المغني فمنهم من يرمي بها
صحاحا ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها وقد احتج لهم بعض الجهال فقال هؤلاء في غيبة فلان يلامون فان موسى عليه السلام لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل رمى الألواح فكسرها ولم يدر ما صنع
والجواب أن نقول من يصحح عن موسى بأنه رماها رمي الكاسر والذي ذكر في القرآن إلقاءها فحسب فمن أين لنا أنها تكسرت ثم لو قيل تكسرت فمن أين لنا انه قصد كسرها ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة حتى لو كان بين يديه حينئذ بحر من نار لخاضه ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغني من غيره ويحذرون من بئر إن كانت عندهم ثم كيف يقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء ولقد رأيت شابا من الصوفية يمشي

(1/319)


في الأسواق ويصيح والغلمان يمشون خلفه وهو يبربر ويخرج إلى الجمعة فيصيح صيحات وهو يصلي الجمعة فسئلت عن صلاته فقلت إن كان وقت صياحه غائبا فقد بطل وضوءه وإن كان حاضرا فهو متصنع وكان هذا الرجل جلدا لا يعمل شيئا بل يدار له بزنبيل في كل يوم فيجمع له ما يأكل هو وأصحابه فهذه حالة المتأكلين لا المتوكلين
ثم لو قدرنا أن القوم يصيحون عن غيبة فان تعرضهم لما يغطي على العقول من سماع ما يطرب منهي عنه كالتعرض لكل ما غلبه الأذى وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال خطأ وحرام وقد نهى رسول الله عن أضاعة المال وعن شق الجيوب فقال له قائل فإنهم لا يعقلون ما يفعلون قال إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم اثموا بما يدخل عليهم من التخريق وغيره مما يفسد ولا يسقط عنهم خطاب الشرع لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذه المواضع التي تفضي إلى ذلك كما هم منهيون عن شرب المسكر فاذا سكروا وجرى منهم إفساد الأموال لم يسقط الخطاب لسكرهم كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا فيه فسكر طبع وإن كذبوا فنبيذ ومع الصحو فلا سلامة فيه مع الحالين وتجنب مواضع الريب واجب
واحتج لهم ابن طاهر في تريفهم الثياب بحديث عائشة رضي الله عنها قالت نصبت حجلة لي فيها رقم فمدها النبي فشقها
قال المصنف رحمه الله فانظر إلى فقه هذا الرجل المسكين كيف يقيس حال من يمزق ثيابه فيفسدها وقد نهى رسول الله عن إضاعة المال على مد ستر ليحط فانشق لا عن قصد أو كان عن قصد لأجل الصور التي كانت فيه
وهذا من التشديد في حق الشارع عن المنهيات كما أمر بكسر الدنان في الخمور فإن ادعى مخرق ثيابه أنه غائب قلنا الشيطان غيبك لأنك لو كنت مع الحق لحفظك فإن الحق لا يفسد

(1/320)


وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن احمد نا أبو نعيم الحاف ثنا محمد بن علي بن حشيش ثنا عبد الله بن الصقر ثنا الصلت بن مسعود ثنا جعفر بن سليمان قال سمعت أبا عمران الجوني يقول وعظ موسى بن عمران عليه السلام يوما فشق رجل منهم قميصه فأوحى الله عز و جل لموسى قل لصاحب القميص لا يشق قميصه أيشرح لي عن قلبه نقد مسالك الصوفية في تقطيع الثياب خرقا
وقد تكلم مشايخ الصوفية في الخرق المرمية فقال محمد بن طاهر الدليل على أن الخرقة إذا طرحت صارت ملكا لمن طرحت بسببه حديث جرير جاء قوم مجتابي النمار فحض رسول الله على الصدقة فجاء رجل من الأنصار بصرة فتتابع الناس حتى رأيت كومتين من ثياب وطعام قال والدليل على أن الجماعة إذا قدموا عند تفريق الخرقة أسهم لهم حديث أبي موسى قدم على رسول الله بغنيمة وسلب فأسهم لنا
قال المصنف رحمه الله لقد تلاعب هذا الرجل بالشريعة واستخرج بسوء فهمه ما يظنه يوافق مذهب المتأخرين من الصوفية فإذا ما عرفنا هذا في أوائلهم وبيان فساد استخراجه أن هذا الذي خرق الثوب ورمى به إن كان حاضرا فما جاز له تخريقه وإن كان غائبا فليس له تصرف جائز شرعا لا هبة ولا تمليكا وكذلك يزعمون بأن ثوبه كان كالشيء الذي يقع من الإنسان ولا يدري به فلا يجوز لأحد أن يتملكه وإن كان رماه في حال حضوره لا على أحد فلا وجه لتملكه ولو رماه على المغني لم يتملكه لأن التملك يكون إلا بعقد شرعي والرمي ليس بعقد ثم نقدر أنه ملك للمغني فما وجه تصرف الباقين فيه ثم إذا أنصرفوا فيه خرقوه خرقا وذلك لا يجوز لوجهين
أحدهما انه تصرف فيما لا يملكونه
والثاني أنه اضاعة للمال ثم ما وجه أسهام من لم يحضر فأما حديث أبي موسى فقال العلماء منهم الخطابي يحتمل أن يكون رسول الله أجازه عن رضى

(1/321)


ممن شهد الواقعة أو من الخمس الذي هو حقه وعلى مذهب الصوفية تعطى هذه الخرقة لمن جاء وهذا مذهب خارج عن إجماع المسلمين وما أشبه ما وضع هؤلاء بأرائهم الفاسدة إلا بما وضعت الجاهلية من أحكام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام قال ابن طاهر أجمع مشايخنا على أن الخرقة المخرقة وما انبعث من الخرق الصحاح الموافقة لها ان ذلك كله يكون بحكم الجمع يفعلون فيه ما يراه المشايخ
واحتجوا بقول عمر رضي الله عنه الغنيمة لمن شهد الواقعة وخالفهم شيخنا أبو إسماعيل الانصاري فجعل الخرقة على ضربين ما كان مجروحا قسم على الجميع وما كان سليما دفع إلى القوال واحتج بحديث سلمة من قتل الرجل قالوا سلمة بن الأكوع قال له سلبه أجمع فاقتل إنما وجد من جهة القوال فالسلب له
قال المصنف رحمه الله أنظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من تلبيس إبليس إلى تلاعب هؤلاء الجهلة بالشريعة وإجماع مشايخهم الذي لا يساوي أجماعهم بعرة فان مشايخ الفقهاء أجمعوا على أن الموهوب لمن وهب له سواء كان مخرقا أو سليما ولا يجوز لغيره التصرف فيه ثم إن سلب القتيل كل ما عليه فما بالهم جعلوه ما رمي به ثم ينبغي أن يكون الأمر على عكس ما قاله الأنصاري لأن المجروح من الثياب ما كان بسبب الوجد فينبغي أن يكون المجروح المغني دون الصحيح وكل أقوالهم في هذا محال وهذيان
وقد حكى لي أبو عبد الله التكريتي الصوفي عن أبي الفتوح الاسفرايني وكنت أنا قد رأيته وأنا صغير السن وقد حضر في جمع كثير في رباط وهناك المخاد والقضبان ودف بجلاجل فقام يرقص حتى وقعت عمامته فبقي مكشوف الرأس قال التكريتي إنه رقص يوما في خف له ثم ذكر أن الرقص في الخف خطأ عند القوم فانفرد وخلعه ثم نزع مطرفا كان عليه فوضعه بين أيديهم كفارة لتلك الجناية فاقتسموه خرقا
قال ابن طاهر والدليل على أن الذي يطرح الخرقة لا يجوز أن يشتريها

(1/322)


من الجمع حديث عمر لا تعوذن في صدقتك قال المصنف أنظر إلي بعد هذا الرجل عن فهم معاني الأحاديث فان الخرقة المطروحة باقية على ملك صاحبها فلا يحتاج إلى أن يشتريها
فصل وأما تقطيعهم الثياب المطروحة خرقا وتفريقها فقد بينا أنه إن كان
صاحب الثوب رماه إلى المغني لم يملكه بنفس الرمي حتى يملكه إياه فإذا ملكه إياه فما وجه تصرف الغير فيه ولقد شهدت بعض فقهائهم يخرق الثياب ويقسمها ويقول هذه الخرق ينتفع بها وليس هذا بتفريط فقلت وهل التفريط إلا هذا ورأيت شيخا آخر منهم يقول خرقت خرقا في بلدنا فأصاب رجل منها خريقة فعملها كفنا فباعه بخمسة دنانير فقلت له إن الشرع لا يحيز هذه الرعونات لمثل هذه النوادر
وأعجب من هذين الرجلين أبو حامد الطوسي فانه قال يباح لهم تمزيق الثياب إذا خرقت قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات فإن الثوب يمزق حتى يخاط منه قميص ولا يكون ذلك تضييعا ولقد عجبت من هذا الرجل كيف سلبه حب مذهب التصوف عن أصول الفقه ومذهب الشافعي فنظر إلى أنتفاع خاص ثم ما معنى قوله مربعة فان المطاولة ينتفع بها أيضا ثم لو مزق الثوب قرامل لانتفع بها ولو كسر السيف نصفين لانتفع بالنصف غير أنالشرع يتلمح الفوائد العامة ويسمي ما نقص منه للانتفاع إتلافا ولهذ ينهي عن كسر الدرهم الصحيح لأنه يذهب منه قيمه بالإضافة إلى المكسور وليس العجب من تلبيس إبليس على الجهال منهم بل على الفقهاء الذين اختاروا بدع الصوفية على حكم أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين
فصل ولقد أغربوا فيما ابتدعوا وأقام لهم الأعذار من إلى هواهم مال
ولقد

(1/323)


ذكر محمد بن طاهر في كتابه باب السنة في أخذ شيء من المستغفر واحتج بحديث كعب بن مالك في توبته يجزئك الثلث ثم قال باب الدليل على أن من وجبت عليه غرامة فلم يؤدها ألزموه أكثر منها واستدل بحديث معاوية بن جعدة عن النبي أنه قال في الزكاة من منعها فانا آخذها وشطر ماله
قال المصنف رحمه الله قلت فانظر إلى تلاعب هؤلاء وجهل هذا المحتج لهم وتسمية ما يلزم بعضهم بما لا يلزمه غرامة وتسمية ذلك واجبا وليس لنا غرامة ولا وجوب إلا بالشرع ومتى اعتقد الإنسان ما ليس بواجب واجبا كفر ومن مذهبهم الرؤوس عند الاستغفار وهذه بدعة تسقط المروءة وتنافي الوقار ولولا ورود الشرع بكشفه في الإحرام ما كان له وجه وأما حديث كعب بن مالك فإنه قال إن من توبتي ان انخلع من مالي فقال له رسول الله يجزئك الثلث لا على سبيل الالزام له وإنما تبرع بذلك فأخذه منه وأين إلزام الشرع تارك الزكاة فما يزيد عليها عقوبة من إلزامهم المريد غرامة لا تجب عليه فاذا امتنع ضاعفوها وليس إليهم الإلزام إنما ينفرد بالالزام الشرع وحده وهذا كله جهل وتلاعب بالشريعة فهؤلاء الخوارج عليها حقا
ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الأحداث
قال المصنف اعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن واشتغلوا بالتعبد عن النكاح واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة فأمالهم إبليس إليهم
واعلم أن الصوفية في صحبة الأحداث على سبعة أقسام القسم الأول أخبث القوم وهم ناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن احمد بن سليمان نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال بلغني أن جماعة

(1/324)


من الحلولية زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية ومنهم من قال هو حال في المستحسنات
وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا أن طائفة من الصوفية قالوا انهم يرون الله عز و جل في الدنيا وأجازوا أن يكون في صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود القسم الثاني قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق القسم الثالث قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه سنن الصوفية فقال في أواخر الكتاب باب في جوامع رخصهم فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه الحسن وذكر فيه ما روى عن النبي عليه السلام أنه قال اطلبوا الخير عند حسان الوجوه وانه قال ثلاثة تجلو البصر النظر إلى الخضرة والنظر إلى الماء والنظر إلى الوجه الحسن
قال المصنف رحمه الله وهذان الحديثان لا أصل لهما عن رسول الله أما الحديث الأول فأخبرنا به عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن احمد بن حمويه نا ابراهيم بن خزيم ثنا عبد بن حميد ثنا يزيد بن هرون ثنا محمد بن عبد الرحمن بن المخير عن نافع عن ابن عمر أن النبي قال اطلبوا الخير عند حسان الوجوه قال يحيى بن معين محمد بن عبد الرحمن ليس بشيء قال المصنف قلت وقد روى هذا الحديث من طرق قال العقيلي لا يثبت عن النبي عليه السلام في هذا شيء وأما الحديث الآخر فأنبأنا أبو منصور بن خيرون نا احمد بن علي بن ثابت بن احمد بن محمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي نا أبو بكر محمد بن احمد بن هرون نا احمد بن عمر بن عبيد الريحاني قال سمعت أبا البختري وهب بن وهب يقول كنت

(1/325)


أدخل على الرشيد وابنه القاسم بين يديه فكنت أدمن النظر اليه فقال أراك تدمن النظر إلى القاسم تريد أن تجعل انقطاعه اليك قلت أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس في وأما ادمان النظر اليه فان جعفرا الصادق ثنا عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ثلاث يزدن في قوة النظر النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحسن
قال المصنف رحمه الله هذا حديث موضوع ولا يختلف العلماء في أبي البختري أنه كذاب وضاع واحمد بن عمر بن عبيد أحد المجهولين ثم قد كان ينبغي لأبي عبد الرحمن السلمي إذ ذكر النظر إلى المستحسن أن يقيده بالنظر إلى وجه الزوجة أو المملوكة فأما اطلاقه ففيه سوء ظن وقال شيخنا محمد بن ناصر الحافظ كان ابن طاهر المقدسي قد صنف كتابا في جواز النظر إلى المراد
قال المصنف رحمه الله قلت والفقهاء يقولون من ثارت شهوته عند النظر إلى الأمرد حرم عليه أن ينظر إليه ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب وإنما أبيح على الأطرق لئلا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع فاذا وقع الإلحاح في النظر دل على العمل بمقتضى ثوران الهوى قال سعيد بن المسيب إذا رأيتم الرجل يلح النظر الى غلام أمرد فاتهموه القسم الرابع قوم يقولون نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر نظر اعتبار فلا يضرنا النظر وهذا محال منهم فان الطباع تتساوى فمن ادعى تنزه نفسه عن أبناء جنسه في الطبع ادعى المحال وقد كشفنا هذا في أول كلامنا في السماع
أخبرتنا شهدة بن أحمد الأبري قالت بإسناد مرفوع إلى محمد بن جعفر الصوفي قال قال أبو حمزة الصوفي حدثني عبد الله بن الزبير الخفي قال كنت جالسا مع أبي النضر الغنوي وكان من المبرزين العابدين فنظر إلى غلام جميل

(1/326)


فلم تزل عيناه واقعتين عليه حتى دنا منه فقال سألتك بالله السميع وعزة الرفيع وسلطانه المنيع الا وقفت على أروي من النظر اليك فوقف قليلا ثم ذهب ليمضي فقال له سألتك بالحكيم المجيد الكريم المبدي المعيد ألا وقفت فوقف ساعة فأقبل يصعد النظر اليه ويصوبه ثم ذهب ليمضي فقال سألتك بالواحد الأحد الجبار الصمد الذي لم يلد ولم يولد إلا وقفت فوقف ساعة فنظر اليه طويلا ثم ذهب ليمضي فقال سألتك باللطيف الخبير السميع البصير وبمن ليس له نظير إلا وقفت فوقف فأقبل ينظر اليه ثم اطرق رأسه إلى الأرض ومضى الغلام فرفع رأسه بعد طويل وهو يبكي فقال قد ذكرني هذا بنظري اليه وجها جل عن التشبيه وتقدس عن التمثيل وتعاظم عن التحديد والله لأجهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي أعدائه وموالاتي لأوليائه حتى أصير إلى ما أردته من نظري الى وجهه الكريم وبهائه العظيم ولوددت أنه قد أراني وجهه وحبسني في النار ما دامت السموات والأرض ثم غشي عليه وحدثنا محمد بن عبد الله الفزاري قال سمعت خيرا النساج يقول كنت مع محارب بن حسان الصوفي في مسجد الخيف ونحن محرمون فجلس الينا غلام جميل من أهل المغرب فرأيت محاربا ينظر اليه نظرا أنكرته فقلت له بعد أن قام انك محرم في شهر حرام في بلد حرام في مشعر حرام وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا لا ينظره إلا المفتونون فقال لي تقول هذا يا شهواني القلب والطرف ألم تعلم أنه قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث فقلت وما هي قال سر الإيمان وعفة الإسلام وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطلع علي وأنا جاثم على منكر نهاني عنه ثم صعق حتى اجتمع الناس علينا
قال المصنف رحمه الله قلت أنظروا إلى جهل الأحمق الأول ورمزه الى التشبيه وإن تلفظ بالتنزيه وإلى حماقة هذا الثاني الذي ظن أن المعصية هي الفاحشة فقط وما علم أن نفس النظر بشهوة يحرم ومحا عن نفسه أثر الطبع بدعواه التي تكذبها شهوة النظر
وقد حدثني بعض العلماء أن صبيا أمرد حكى له قال قال لي فلان

(1/327)


الصوفي وهو يحبني يا نبي الله فيك اقبال والتفات حيث جعل حاجتي اليك وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على احمد الغزالي وعنده أمرد وهو خال به وبينهما ورد وهو ينظر إلى الورد تارة وإلى الأمرد تارة فلما جلسوا قال بعضهم لعلنا كدرنا فقال أي والله فتصايح الجماعة على سبيل التواجد
وحكى أبو الحسين بن يوسف انه كتب اليه في رقعة انك تحب غلامك التركي فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد اليه النظر فقبله بين عينيه وقال هذا جواب الرقعة
قال المصنف رحمه الله قلت اني لا أعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس
وأخبرنا أبو القاسم الحريري أنبأنا أبو الطيب الطبري قال بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع انها تضيف اليه النظر الى وجه الأمرد وربما زينته بالحلى والمصبغات من الثياب والحواشي وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم قال الله تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون وقال أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وقال أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض فعدلوا عما أمرهم الله به من الإعتبار إلى ما نهاهم عنه وإنما تفعل هذه الطائفة ما ذكرناه بعد تناول الألوان الطيبة والمآكل الشهية فاذا استوفت منها نفوسهم طالبتهم بما يتبعها من السماع والرقص والاستمتاع بالنظر الى وجوه المرد ولو أنهم تقللوا من الطعام لم يحنوا الى سماع ونظر قال أبو الطيب وقد أخبر بعضهم في شعره عن أحوال المستمعين للغناء وما يجدونه حال السماع فقال

(1/328)


أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا ... على طيب السماع الى الصباح
ودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح
فلم نر فيهم إلا نشاوى ... سرورا والسرور هناك صاحي
إذا لبى أخو اللذات فيه ... منادى اللهو حي على الفلاح
ولم نملك سوى المهجات شيئا ... أرقناها لالحاظ ملاح
قال فاذا كان السماع تأثيره في قلوبهم ما ذكره هذا القائل فكيف يجدي السماع نفعا أو يفيد فائدة قال ابن عقيل قول من قال لا أخاف من رؤية الصور المستحسنة ليس بشيء فان الشريعة جاءت عامة الخطاب لا تميز الأشخاص وآيات القرآن تنكر هذه الدعاوى قال الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وقال أفلا ينظرون إلا الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت فلم يحل النظر إلا على صور لا ميل للنفس اليها ولاحظ فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة ولا تعتريها لذة فأما صور الشهوات فانها تعبر عن العبرة بالشهوة وكل صورة ليست بعبرة لا ينبغي أن ينظر اليها لأنها قد تكون سببا للفتنة ولذلك ما بعث الله تعالى امرأة بالرسالة ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا
كل ذلك لأنها محل فتنة وشهوة وربما قطعت عما قصدته الشريعة بالنظر وكل من قال أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا بالدعوى كذبناه وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين القسم الخاص قوم صحبوا المردان ومنعوا أنفسهم من الفواحش يعتقدون ذلك مجاهدة وما يعلمون أن نفس صحبتهم والنظر اليهم بشهوة معصية وهذه من خلال الصوفية المذمومات وقد كان قدماؤهم على غير هذا وقيل كانوا على هذا بدليل وهو ما أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنشدنا أبو علي الروزباري
أنزه في روض المحاسن مقلتى ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى مالو أنه ... على الجبل الصلد الأصم تهدما

(1/329)


قال المصنف رحمه الله وسيأتي حديث يوسف بن الحسين وقوله عاهدت ربي أن لا أصحب حدثا مائة مرة ففسحنا على قوام القدود وغنج العيون
أخبرتنا شهدة الكاتبة باسناد عن أبي المختار الضبي قال حدثني أبي قال قلت لأبي الكميت الأندلسي وكان جوالا في أرض الله حدثني بأعجب ما رأيت من الصوفية قال صحبت رجلا منهم يقال له مهرجان وكان مجوسيا فأسلم وتصوف فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه وكان إذا جاء الليل قام فصلى ثم ينام إلى جانبة ثم يقوم فزعا فيصلي ما قدر له ثم يعود فينام إلى جانبه حتى فعل ذلك مرارا فاذا اسفر الصبح أو كان يسفر أوتر ثم رفع يديه وقال اللهم إنك تعلم أن الليل قد مضى علي سليما لم أقترف فيه فاحشة ولا كتبت على الحفظة فيه معصية وأن الذي أضمره بقلبي لو حملته لتصدعت أو كان بالأرض لتدكدكت ثم يقول يا ليل إشهد بما كان مني فيك فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام والتعرص للآثام ثم يقول سيدي أنت تجمع بيننا على تقى فلا تفرق بيننا يوم تجمع فيه الأحباب فأقمت معه مدة طويلة أراه يفعل ذلك كل ليلة وأسمع هذا القول منه فلما هممت بالإنصراف من عنده قلت إذا انقضى الليل كذا وكذا فقال وسمعتني قلت نعم قال فوالله يا أخي إني لأداري من قلبي ما لو داراه سلطان من رعيته لكان الله حقيقا بالمغفرة له فقلت وما الذي يدعوك إلى صحبة من تخاف على نفسك العنت من قبله وقال أبو محمد بن جعفر بن عبد الله الصوفي قال أبو حمزة الصوفي رأيت ببيت المقدس فتى من الصوفية يصحب غلاما مدة طويلة فمات الفتى وطال حزن الغلام عليه حتى صار جلدا وعظما من الضنا والكمد فقلت له يوما لقد طال حزنك على صديقك حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبدا فقال كيف أسلو عن رجل أجل الله عز و جل أن يصيبه معي طرفة عين أبدا وصانني عن نجاسة الفسوق في خلول صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار
قال المصنف رحمه الله هؤلاء قوم رآهم إبليس لا ينجذبون معه إلى

(1/330)


الفواحش فحسن لهم بداياتها فتعجلوا لذة النظر والصحبة والمحادثة وعزموا على مقاومة النفس في ضدها عن الفاحشة فان صدقوا وتم لهم ذلك فقد اشتغل القلب الذي ينبغي أن يكون شغله بالله تعالى لا يغيره وصرف الزمان الذي ينبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفع به في الآخرة بمجاهدة الطبع في كفه عن الفاحشة وهذا كله جهل وخروج عن آداب الشرع فأن الله عز و جل أمر بغض البصر لأنه طريق إلى القلب ليسلم القلب لله تعالى من شائب تخاف منه وما مثل هؤلاء إلا كمثل من أقبل إلى سباع في غيضة متشاغلة عنه لا تراه فأثارها وحاربها وقاومها فيا بعد سلامته من جراحه إن لم يهلك مجاهدة النفس
في هؤلاء من قويت مجاهدته مدة ثم ضعفت فدعته نفسه إلى الفاحشة فامتنع حينئذ من صحبة المرد
أخبرتنا شهدة الكاتبة عن عمر بن يوسف الباقلاني قال قال أبو حمزة قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي وكان سيد الصوفية وقد رأيته يماشي غلاما وضيئا مدة ثم فارقه فقلت له لم هجرت ذلك الفتى الذي كنت أراه معك بعد ان كنت له مواصلا وإليه مائلا فقال والله لقد فارقته عن غير قلا ولا ملل قلت ولم فعلت ذلك قال رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت به وقرب مني لو أتيته سقطت من عين الله عز و جل فهجرته لذلك تنزيها لله تعالى ولنفسي من مصارع الفتن التوبة وإطالة البكاء
ومنهم من تاب وأطال البكاء عن إطلاق نظره أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن عبيد الله قال سمعت أخي أبا عبد الله محمد بن محمد يقول سمعت خيرا النساج يقول كنت مع أمية بن الصامت الصوفي إذ نظر إلى غلام فقرأ وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ثم قال

(1/331)


وأين الفرار من سجن الله وقد حصنه بملائكة غلاظ شداد تبارك الله فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام ما شبهت نظري اليه إلا بنار وقعت على قصب في يوم ريح فما أبقت ولا تركت ثم قال استغفر الله من بلاء جنته عيناي على قلبي لقد خفت ألا أنجوا من معرته ولا أتخلص من أثمه ولو وافيت القيامة بعمل سبعين صديقا ثم بكى حتى كاد يقضي نحبه فسمعته يقول في بكائه يا طرف لأشغلنك بالبكاء عن النظر إلى البلاء المرض من شدة المحبة
ومنهم من تلاعب به المرض من شدة الحبة أخبرتنا شهدة الكاتبة باسناد عن أبي حمزة الصوفي قال كان عبد الله بن موسى من رؤساء الصوفية ووجوههم فنظر إلى غلام حسن في بعض الأسواق فبلى به وكاد يذهب عقله عليه صبابة وحبا وكان يقف كل يوم في طريقه حتى يراه إذا أقبل وإذا أنصرف فطال به البلاء وأقعده عن الحركة الضنا وكان لا يقدر أن يمشي خطوة فأتيته يوما لأعوده فقلت يا أبا محمد ما قصتك وما هذا الأمر الذي بلغ بك ما أرى فقال أمور أمتحنني الله بها فلم أصبر على البلاء فيها ولم يكن لي بها طاقة ورب ذنب يستصغره الانسان هو عند الله أعظم من كبير وحقيق بمن تعرض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام ثم بكى قلت ما يبكيك قال أخاف أن يطول في النار شقائي فأنصرفت عنه وأنا راحم له لما رأيت به من سوء الحال
قال أبو حمزة ونظر محمد بن عبد الله بن الأشعت الدمشقي وكان من خيار

(1/332)


عباد الله إلى غلام جميل فغشي عليه فحمل إلى منزله واعتاده السقم حتى أقعد من رجليه وكان لا يقوم عليهما زمانا طويلا فكنا نأتيه نعوده ونسأله عن حاله وأمره وكان لا يخبرنا بقصته ولا سبب مرضه وكان الناس يتحدثون بحديث نظره فبلغ ذلك الغلام فأتاه عائدا فهش اليه وتحرك وضحك في وجهه واستبشر برؤيته فما زال يعوده حتى قام على رجليه وعاد إلى حالته فسأله الغلام يوما أن يسير معه إلى منزله فأبى أن يفعل ذلك فسألني أن أسأله أن يتحول اليه فسألته فأبى أن يفعل فقلت للشيخ وما الذي تكره من ذلك فقال لست بمعصوم من البلاء ولا آمن من الفتنة وأخاف أن يقع علي الشيطان محنة فتجري بيني وبينه معصية فأكون من الخاسرين قتل النفس خوف الوقوع في الفاحشة
وفيهم من همت نفسه إلى الفاحشة فقتل نفسه حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني قال كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلى بحدث فلم يملك نفسه ان دعته إلى فاحشة فراقب الله عز و جل ثم ندم على هذه الهمة وكان منزله على مكان عال ووراء منزله بحر من الماء فلما أخذته الندامة صعد السطح ورمى نفسه إلى الماء وتلى قوله تعالى فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم فغرق في البحر
قال المصنف رحمه الله أنظر إلى إبليس كيف درج هذا المسكين من رؤية هذا الأمرد وإلى إدمان النظر اليه إلى أن مكن المحبة من قلبه إلى أن حرضه على الفاحشة فلما رأى أستعصامه حسن له بالجهل قتل نفسه فقتل نفسه ولعله هم بالفاحشة ولم يعزم والهمةمعفو عنها لقوله عليه السلام عني لأمتي عما حدثت به نفوسها ثم إنه ندم على همته والندم توبة فأراه إبليس أن من تمام الندم قتل نفسه كما فعل بنو إسرائيل فأولئك أمروا بذلك بقوله تعالى فاقتلوا أنفسكم ونحن نهينا عنه بقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم فلقد أتى

(1/333)


بكبيرة عظيمة وفي الصحيحين عن النبي أنه قال من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا
فصل وفيهم من فرق بينه وبين حبيبه فقتل حبيبه بلغني عن بعض الصوفية
أنه كان في رباط عندنا ببغداد ومعه صبي في البيت الذي هو فيه فشنعوا عليه وفرقوا بينهما فدخل الصوفي إلى الصبي ومعه سكين فقتله وجلس عنده يبكي فجاء أهل الرباط فرأوه فسألوه عن الحال فأقر بقتل الصبي فرفعوه إلى صاحب الشرطة فأقر فجاء والد الصبي يبكي فجلس الصوفي يبكي ويقول له بالله عليك الا ما أقدتني به فقال الآن قد عفوت عنك فقام الصوفي إلى قبر الصبي فجعل يبكي عليه ثم لم يزل يحج عن الصبي ويهدي له الثواب مقاربة الفتنة والوقوع فيها
ومن هؤلاء من قارب الفتنة فوقع فيها ولم تنفعه دعوى الصبر والمجاهدة والحديث باسناد عن إدريس بن إدريس قال حضرت بمصر قوما من الصوفية ولهم غلام أمرد يغنيهم قال فغلب على رجل منهم أمره فلم يدر ما يصنع فقال يا هذا قل لا إله إلا الله فقال الغلام لا إله إلا الله فقال أقبل الفم الذي قال لا إله إلا الله القسم السادس قوم لم يقصدوا صحبة المردان وإنما يتوب الصبي ويتزهد ويصحبهم على طريق الإرادة فلبس إبليس عليهم ويقول لا تمنعوه من الخير ثم يتكرر نظرهم إليه لا عن قصد فيثير في القلب الفتنة إلى أن ينال الشيطان منهم قدر ما يمكنه وربما وثقوا بدينهم فاستفزهم الشيطان فرماهم إلى أقصى المعاصي كما فعل ببرصيصا

(1/334)


قال المصنف رحمه الله وقد ذكرنا قصته في أول الكتاب وغلطهم من جهة تعرضهم بالفتن وصحبة من لا يؤمن الفتنة في صحبته
القسم السابع قوم علموا أن صحبة المردان والنظر إليهم لا يجوز غير أنهم لم يصبروا عن ذلك والحديث بإسناد عن الرازي يقول قال يوسف بن الحسين كل ما رأيتموني أفعله فأفعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن ولقد عاهدت ربي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا ففسخها علي حسن الحدود وقوام القدود وغنج العيون وما سألني الله معهم عن معصية وأنشد صريع الغواني في معنى ذلك شعرا
إن ورد الخدود والحدق النج ... ل وما في الثغور من أقحوان
واعوجاج الأصداع في ظاهر الخد ... وما في الصدور من رمان
تركتني بين الغواني صريعا ... فلهذا أدعى صريع الغواني
قال المصنف رحمه الله قلت هذا الرجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه وأخبر أنه كلما رأى فتنة نقض التوبة فأين عزائم التصوف في حمل النفس على المشاق ثم ظن بجهله أن المعصية هي الفاحشة فقط ولو كان له علم لعلم أن صحبتهم والنظر اليهم معصية فانظر إلى الجهل كيف يصنع بأربابه
والحديث بإسناد عن محمد بن عمر أنه قال حكي لي عن أبي مسلم الخمشوعي أنه نظر إلى غلام جميل فأطال ثم قال سبحان الله ما أهجم طرفي عن مكروه نفسه وأدمنه على سخط سيده وإغراه بما قد نهى عنه وأبهجه بالأمر الذي قد حزر منه لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسب إلا أنه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصات القيامة ولقد تركني نظري هذا وأنا أستحي من الله تعالى وإن غفر لي ثم صعق وبإسناد عن أبي بكر محمد بن عبد يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول رأيت غلاما جميلا ببغداد فنظرت إليه ثم أردت أن

(1/335)


أردد النظر فقلت له تلبسون النعال الصرارة وتمشون في الطرقات فقال أحسنت الحشر بالعلم
فائدة العلم وكل من فاته العلم تخبط فان حصل له وفاته العلم به
كان أشد تخبيطا ومن استعمل أدب الشرع في قوله عز و جل قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم سلم في البداية بما صعب أمره في النهاية وقد ورد الشرع بالنهي عن مجالسة المردان وأوصى العلماء بذلك
والحديث بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تجالسوا أبناء الملوك فإن النفوس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق والحديث بإسناده عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال لا تملأوا أعينكم من أولاد الملوك فإن لهم فتنة أشد من فتنة العذارى والحديث بإسناد عن الشعبي قال قدم وفد عبد القيس على رسول الله وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضأة فأجلسه النبي وراء ظهره وقال كانت خطيئة داود عليه السلام النطر وعن أبي هرير قال نهي رسول الله أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد وقال عمر بن الخطاب ما أتى على عالم من سبع ضار أخوف عليه من غلام أمرد وبإسناد عن الحسن بن ذكوان أنه قال لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى
وبإسناد عن محمد بن حمير عن النجيب السري قال كان يقال لا يبيت الرجل في بيت مع المرد

(1/336)


وبإسناد عن عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه قال لانا أخوف على عابد من غلام من سبعين عذراء وعن أبي علي الروزباري قال سمعت جنيدا يقول جاء رجل إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فقال له من هذا قال ابني فقال أحمد لا تجىء به معك مرة أخرى فلما قام قال له محمد بن عبد الرحمن الحافظ وفي رواية الخطيب فقيل له أيد الله الشيخ أنه رجل مستور وأبنه أفضل منه فقال أحمد الذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع منه سترهما على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم
وباسناد عن أبي بكر المرزوي قال جاء حسن البزاز إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فتحدث معه فلما أراد أن ينصرف قال له أبو عبد الله يا أبا علي لا تمش مع هذا الغلام في طريق فقال له إنه ابن أختي قال وإن كان لا يهلك الناس فيك
وبإسناد من شجاع بن مخلد أنه سمع بشر بن الحارث يقول أخذروا هؤلاء الأحداث وباسناد عن فتح الموصلي أنه قال صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصوني عند فراقي لهم اتقي معاشرة الأحداث وبإسناد عن الحلبي أنه يقول نظر سلام الأسود إلى رجل ينظر إلى حدث فقال له يا هذا ابق على جاهك عند الله فإنك لا تزال ذا جاه ما دمت له معظما
وباسناد عن أبي منصور بن عبد القادر بن طاهر يقول من صحب الأحداث وقع في الأحداث وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال قال مظفر القرميسيني من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصيحة اداه ذلك إلى البلاء فكيف بمن يصحبهم على غير وجه السلامة الاعراض عن المرد
وقد كان السلف يبالغون في الأعراض عن المرد وقد روينا عن رسول الله أنه أجلس الشاب الحسن الوجه وراء ظهره والحديث باسناد عن عطاء بن

(1/337)


مسلم قال كان سفيان لا يدع أمردا يجالسه وروى إبراهيم بن هانيء عن يحيى بن معين قال ما طمع أمرد بصحبتي ولاحمد بن حنبل قال في طريق
وباسناد عن أبي يعقوب قال كنا مع أبي نصر بن الحرث فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها فقالت يا شيخ أين مكان باب حرب فقال لها هذا الباب الذي يقال له باب حرب ثم جاء بعدها غلام ما رأينا أحسن منه فسأله فقال يا شيخ أين مكان باب حرب فأطرق الشيخ رأسه فرد عليه الغلام السؤال وغمض عينيه فقلنا للغلام تعال أيش تريد فقال باب حرب فقلنا له ها هو بين يديك فلما غاب قلن للشيخ يا أبا نصر جاءتك جارية فأجبتها وكلمتها وجاءك غلام فلم تكلمه فقال نعم يروى عن سفيان الثوري أنه قال مع الجارية شيطان ومع الغلام شيطانان فخشيت على نفسي من شيطانيه
وبإسناد عن عبد الله بن المبارك يقول دخل سفيان الثوري الحمام فدخل عليه غلام صبيح فقال اخرجوه اخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطانا ومع كل غلام عشرة شياطين وباسناد عن محمد بن احمد بن أبي القسم قال دخلنا على محمد بن الحسين صاحب يحيى بن معين وكان يقال انه ما رفع رأسه إلى السماء من منذ أربعين سنة وكان معنا غلام حدث في المجلس بين يديه فقال له قم من حذائي فأجلسه من خلفه وباسناد عن أبي إمامة قال وكنا عند شيخ يقرىء فبقي عنده غلام يقرأ عليه فردت الانصراف فأخذ بثوبي وقال أصبر حتى يفرغ هذا الغلام وكره أن يخلو مع هذا الغلام وباسناد عن أبي الروزباري قال قال لي أبو العباس أحمد المؤدب يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الانس بالاحداث فقلت له يا سيدي أنت بهم أعرف وقد تصحبهم السلامة لي كثير من الأمور فقال هيهات قد رأينا من كان أقوى إيمانا منهم إذا رأى الحدث قد أقبل فر كفرارة من الزحف وإنما ذلك حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها فتأخذها عن تصرف الطباع ما أكثر الخطر ما أكثر الغلط صحبة الأحداث
وصحبة الأحداث أقوى حبائل إبليس التي يصيد بها الصوفية أخبرنا ابن

(1/338)


ناصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الرازي يقول قال يوسف بن الحسين نظرت في آفات الخلق فعرفت من أين أتوا ورأيت آفة الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد والرفاق والنسوان وباسناد عن ابن الفرج الرستمي الصوفي يقول رأيت إبليس في النوم فقلت له كيف رأيتنا أعرضنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها فليس لك الينا طريق فقال كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع الغناء ومعاشرة الأحداث
وبإسناد عن ابن سعيد الخراز يقول رأيت إبليس في النوم يمرغني ناحية فقلت تعال فقال أيش أعمل بكم أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس قلت ما هو قال الدنيا فلما ولى التفت إلي فقال غير ان فيكم لطيفة قلت وما هي قال صحبة الأحداث قال أبو سعيد وقل من يتخلص منها من الصوفية عقوبة النظر إلى المردان
في عقوبة النظر إلى المردان عن أبي عبد الله بن الجلاء قال كنت أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه فمر بي أبو عبد الله البلخي فقال أيش وقوفك فقلت يا عم أما ترى هذه الصورة كيف تعذب بالنار فضرب بيده بين كتفي وقال لتجدن غبها ولو بعد حين قال فوجدت غبها بعد أربعين سنة أن أنسيت القرآن
وبإسناد عن أبي الأديان وقال كنت مع أستاذي وأبي بكر الدقاق فمر حدث فنظرت إليه فرآني أستاذي وأنا أنظر إليه فقال يا بني لتجدن غبة ولو بعد حين فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي فما أجد ذلك الغب فنمت ذات ليلة وأنا مفكر فيه فأصبحت وقد أنسيت القرآن كله وعن أبي بكر الكتاني قال رأيت بعض أصحابنا في المنام فقلت ما فعل الله بك قال عرض علي سيئاتي وقال فعلت كذا وكذا فقلت نعم
ثم قال وفعلت كذا وكذا فاستحييت أن أقره فقلت اني استحي أن أقر

(1/339)


فقال اني غفرت لك بما أقررت فكيف بما استحييت فقلت له ما كان ذلك الذنب فقال مر بي غلام حسن الوجه فنظرت اليه وقد روى نحو هذه الحكاية عن أبي عبد الله الزراد انه رؤى في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي كل ذنب أقررت به في الدنيا إلا واحدا فاستحييت أن أقر به فوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي فقيل له ما الذنب فقال نظرت إلى شخص جميل
وقد بلغنا عن أبي يعقوب الطبري انه قال كان معي شاب حسن الوجه يخدمني فجاءني انسان من بغداد صوفي فكان كثير الإلتفات إلى ذلك الشاب فكنت أجد عليه لذلك فنمت ليلة من الليالي فرأيت رب العزة في المنام فقال يا أبا يعقوب لم لم تنهه وأشار إلى البغدادي عن النظر إلى الأحداث فوعزتي اني لا اشغل بالأحداث إلا من باعدته عن قربي قال أبو يعقوب فانتبهت وأنا أضطرب فحكيت الرؤيا للبغدادي فصاح صيحة ومات فغسلناه ودفناه واشتغل عليه قلبي فرأيته بعد شهر في النوم فقلت له ما فعل الله بك قال وبخني حتى خفت أن لا أنجوا ثم عفا عني
قلت إنما مددت النفس يسيرا في هذا الباب لأنه ما تعم به البلوى عند الأكثرين فمن أراد الزيادة فيه وفيما يتعلق باطلاق البصر وجميع أسباب الهوى فلينظر في كتابنا المسمى بذم الهوى ففيه غاية المراد من جميع ذلك
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ادعاء التوكل وقطع الأسباب وترك الاحتراز
في الأموال
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن احمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان الداراني يقول لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان ولا جعلنا لباب الدار غلقا مخافة اللصوص وباسناد عن ذي النون المصري انه قال سافرت سنين وما صح لي التوكل إلا وقتا واحدا ركبت البحر فكسر المركب فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي ان حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة فخليت الخشبة فطفت على الماء فوقعت على الساحل

(1/340)


أخبرنا محمد قال سألت أبا يعقوب الزيات عن مسألة في التوكل فأخرج درهما كان عنده ثم أجابني فأعطي التوكل حقه ثم قال استحييت أن أجيبك وعندي شيء وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال جاء رجل إلى عبد الله بن الجلاء فسأله عن مسألة في التوكل وعنده جماعته فلم يجبه ودخل البيت فأخرج اليهم صرة فيها أربعة دوانق فقال اشتروا بهذه شيئا ثم أجاب الرجل عن سؤاله فقيل له في ذلك فقال استحييت من الله تعالى أن أتكلم في التوكل وعندي أربعة دوانق وقال سهل بن عبد الله من طعن في الإكتساب فقد طعن على السنة ومن طعن على التوكل فقد طعن على الإيمان
قال المصنف قلت قلة العلم أوجبت هذا التخطيط ولو عرفوا ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب ولا ادخار المال فقد قال تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما أي قواما لأبدانكم وقال نعم المال الصالح مع الرجل الصالح وقال إنك تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس واعلم أن الذي أمر بالوكل أمر بأخذ الحذر فقال خذوا حذركم وقال وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة وقال أن أسر بعبادي ليلا وقد ظاهر رسول الله بين درعين وشاور طبيبين واختفى في الغار وقال من يحرسني الليلة وأمر بغلق الباب
وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي قال اغلق بابك وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز
أخبرنا إسماعيل بن احمد السمرقندي نا عبد الله بن يحيى الموصلي

(1/341)


ونصر بن أحمد قالا أخبرنا أبو الحسين بن بشران ثنا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنى أبو جعفر الصيرفي ثنا يحيى بن سعيد ثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي قال سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول جاء رجل إلى النبي وترك ناقته بباب المسجد فسأله رسول الله عنها فقال أطلقتها وتوكلت على الله قال اعقلها وتوكل
أخبرنا أبن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني ثني عبد الرحمن بن محمد بن سلام ثنا الحسين بن زياد المروزي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول تفسير التوكل أن يرضى بما يفعل به وقال ابن عقيل يظن أقوام ان الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل وإن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط الذي يقتضي من العقلاء التوبيخ والتهجين ولم يأمر الله بالتوكل الا بعد التحرز واستفراغ الوسع في التحفظ فقال تعالى وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله فلو كان التعلق بالاحتياط قادحا في التوكل لما خص الله به نبيه حين قال له وشاورهم في الأمر وهل المشاورة الا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم حتى نص عليه وجعله عملا في نفس الصلاة وهي أخص العبادات فقال فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم وبين علة ذلك بقوله تعالى ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ومن علم أن الإحتياط هكذا لا يقال أن التوكل عليه ترك ما علم لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة قال عليه الصلاة و السلام اعقلها وتوكل ولو كان التوكل ترك

(1/342)


التحرز لخص به خير الخلق في خير الأحوال وهي حالة الصلاة وقد ذهب الشافعي رحمه الله إلى وجوب حمل السلاح حينئذ بقوله وليأخذوا أسلحتهم فالتوكل لا يمنع من الإحتياط والاحتراز فإن موسى عليه السلام لما قيل له إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك خرج ونبينا خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه ووقاه أبو بكر رضي الله عنه بسد أثقاب الغار وأعطى القوم التحرز حقه ثم توكلوا وقال عز و جل في باب الإحتياط لا تقصص رؤياك على إخوتك وقال لا تدخلوا من باب واحد وقال فامشوا في مناكبها وهذا لأن الحركة للذب عن النفس إستعمال لنعمة الله تعالى وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمة المبدأة يريد إظهار وداعه فلا وجه لتعطيل ما أودع اعتمادا على ما جاد به لكن يجب استعمال ما عندك ثم أطلب ما عنده وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عدة وأسلحة تدفع عنها الشرور كالمخلب والظفر والناب وخلق للآدمي عقلا يقوده إلى حمل والأسلحة ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع ومن عطل نعمة الله بترك الاحتراز فقد عطل حكمته كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعا أو مرضا
ولا أبله ممن يدعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب وقلبه ساكن مفوض إلى الحق منع أو أعطى لأن لا يرى إلا أن الحق سبحانه وتعالى لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة فمنعه عطاء في المعنى وكم زين للعجزة عجوزهم وسولت لهم أنفسهم أن التفريط توكل فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة والخور حزما ومتى وضعت أسباب فاهملت كان ذلك جهلا بحكمة الواضع مثل وضع الطعام سببا للشبع والماء للري والدواء للمرض فإذا ترك الإنسان ذلك إهوانا بالسبب ثم دعا وسأل فربما قيل له قد جعلنا لعافيتك سببا فإذا لم تتناوله كان إهوانا لعطائنا فربما

(1/343)


لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب وما هذا إلى بمثابة من بين قراحة وماء الساقية رفسه بمسحاة فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر فإنه لا يستحسن منه ذلك شرعا ولا عقلا
قال المصنف رحمه الله فان قال قائل كيف أحترز مع القدر قيل له وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدر فالذي قدر هو الذي أمر وقد قال تعالى وخذوا حذركم أنبأنا إسماعيل بن احمد نا عاصم بن الحسين نا ابن بشران ثنا أبو صفوان نا أبو بكر القرشي ثني شريح بن يونس نا علي بن ثابت عن خطاب بن القاسم عن أبي عثمان قال كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر قال نعم قال فألق نفسك من الجبل وقل قدر علي فقال يا لعين الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى
فصل وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب انه قد
لبس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم احمد بن عبد الله قال سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان ومن طعن على الكسب فقد طعن على السنة
أخبرنا محمد بن ناصر نا احمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع أنحن مستعبدون بالكسب أم بالتوكل فقال التوكل حال رسول الله والكسب سنة رسول الله وإنما سن الكسب لمن ضعف عن التوكل وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله فمن أطاق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونه لا كسب اعتماد عليه ومن ضعف عن حال التوكل التي هي

(1/344)


حال رسول الله أبيح له طلب المعاش في الكسب لئلا يسقط عن درجة سنته حين سقط عن درجة حاله
أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال سمعت محمد بن الحسين قال سمعت أبا القاسم الرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين قال إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب فليس يجيء منه شيء
قال المصنف رحمه الله قلت هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل وظنوا أنه ترك الكسب وتعطيل الجوارح عن العمل وقد بينا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلين فقد كان آدم عليه السلام حراثا ونوح وزكريا نجارين وإدريس خياطا وابراهيم ولوط زراعين وصالح تاجرا وكان سليمان يعمل الخوص وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة صلوات الله عليهم أجمعين وقال نبينا كنت أرعى غنما لأهل مكة بالقراريط فلما أغناه الله عز و جل بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله تعالى عليهم بزازين وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزازين وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزازين وكذلك أبو حنيفة وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل وكان عثمان بن طلحة خياطا وما زال التابعون ومن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب
أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن ابن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا مسلم بن ابراهيم نا هشام الدستوائي قال حدثنا عطاء بن السائب قال لما استخلف أبو بكر رضي الله عنه أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا أين تريد فقال السوق قالا تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي قال ابن سعد وأخبرنا احمد بن عبد

(1/345)


الله بن يونس ثنا أبو بكر بن عياش عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال زيدوني فان لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة
قال المصنف رحمه الله قلت لو قال رجل للصوفية من أين أطعم عيالي لقالوا قد أشركت ولو سئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا ليس بمتوكل ولا موقن وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم لكنهم بين أمرين أما الغالب من الناس فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجديا ومنهم من يبعث غلامه فيدور بالزنبيل فيجمع له وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح كما لا تخلو الدكان من أن يقصد للبيع والشراء
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو طالب العشاري نا محمد بن عبد الرحمن المخلص نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري ثنا أبو بكر بن عبيد قال حدثت عن الهيثم بن خارجة ثنا سهل بن هشام عن إبراهيم بن أدهم قال كان سعيد بن المسيب يقول من لزم المسجد وترك الحرفة وقبل ما يأتيه فقد ألحف في السؤال
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن احمد نا أبو نعيم الحافظ قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت جدي إسماعيل بن نجيدي يقول كان أبو تراب يقول لأصحابه من لبس منكم مرقعة فقد سأل ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل
قال المصنف رحمه الله قلت وقد كان السلف ينهون عن التعرض لهذه الأشياء ويأمرون بالكسب أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا محمد بن علي بن الفتح نا محمد بن عبد الرحمن المخلص نا عبيد الله ابن عبد الرحمن السكري نا أبو بكر بن عبيد القرشي نا عبيد بن الجعد نا المسعودي عن خوات التيمي قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا معشر الفقراء أرفعوا رؤسكم فقد وضح الطريق فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالا على المسلمين

(1/346)


أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وأبو الخير القزويني قالوا نا أبو عمر بن حياة نا محمد بن خلف ثنا أبو جعفر اليماني نا أبو الحسن المدايني عن محمد بن عاصم قال بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل عنه هل له حرفة فإن قيل لا قال سقط من عيني
أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا عمر بن عبد الله النقال نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد الدقاق نا حنبل ثنى أبو عبد الله نا معاذ بن هشام ثني أبي عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال كان أصحاب رسول الله يتجرون في تجر الشام منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا جعفر بن أحمد السراج نا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب نا أبي نا أحمد بن مروان المالكي نا أبو القاسم بن الختلي سألت أحمد بن حنبل وقلت ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي فقال أحمد هذا رجل جهل العلم أما سمعت قول رسول الله جعل الله رزقي تحت ظل رمحي وحديث الآخر في ذكر الطير تغدو خماصا فذكر أنها تغدو في طلب الرزق قال تعالى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقال ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم وكان أصحاب رسول الله يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم ولنا القدوة بهم وقد ذكرنا فيما مضى عن احمد أن رجلا قال له أريد الحج على التوكل فقال له فأخرج في غير القافلة قال لا قال فعلى جراب الناس توكلت
أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابراهيم بن محمد بن جعفر الناجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر احمد بن محمد الخلال نا أبو بكر المروزي قال قلت لأبي عبد الله

(1/347)


هؤلاء المتوكلة يقولون نقعد وأرزاقنا على الله عز و جل فقال هذا قول ردىء أليس قد قال الله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ثم قال إذا قال لا أعمل وجيء إليه بشيء قد عمل وأكتسب لأي شيء يقبله من غيره قال الخلال وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال سألت أبي عن قوم يقولون نتوكل على الله ولا نكتسب فقال ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب هذا قول انسان أحمق
قال الخلال وأخبرني محمد بن علي قال ثنا صالح انه سأل أباه يعني أحمد ابن حنبل عن التوكل فقال التوكل حسن ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل قال وسئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون نحن المتوكلون فقال هؤلاء مبتدعون
قال الخلال وأخبرنا المروزي انه قال لأبي عبد الله أن ابن عيينة كان يقول هم مبتدعة فقال أبو عبد الله هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا وقال الخلال وأخبرنا المروزي قال سألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته وقال اجلس واصبر واقعد في البيت ولا أطلع على ذلك أحدا فقال لو خرج فاحترف كان أحب إلي فاذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه الى غير هذا قلت الى أي شيء يخرجه قال يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل اليه قال الخلال وحدثنا أبو بكر المروزي قال سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل اني في كفاية قال إلزم السوق تصل به الرحم وتعود به على عيالك وقال لرجل آخر إعمل وتصدق بالفضل على قرابتك وقال احمد بن حنبل قد أمرتهم يعني أولاده أن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة
قال الخلال وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن محمد بن زياد حدثهم قال سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق ويقول ما أحسن الاستغناء عن الناس وقال الخلال وأخبرني يعقوب بن يوسف المطوعي قال سمعت أبا بكر بن جناد يقول الجصاصي قال سمعت احمد بن حنبل يقول أحب الدراهم إلي درهم من تجارة وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان

(1/348)


قال المصنف رحمه الله قلت وكان ابراهيم بن أدهم يحصد وسلمان الخواص يلقط وحذيفة المرعشي يضرب اللبن وقال ابن عقيل التسبب لا يقدح في التوكل لأن تعاطى رتبة ترقى على رتبة الأنبياء نقص في الدين ولما قيل لموسى عليه السلام إن الملأ يأتمرون بكليقتلوك خرج ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه أجر نفسه ثمان سنين وقال الله تعالى فامشوا في مناكبها وهذا لأن الحركة استعمال بنعمة الله وهي القوى فاستعمل ما عندك ثم أطلب ما عنده وقد يطلب الإنسان من ربه وينسى ما له عنده من الذخائر فاذا تأخر عنه ما يطلبه يسخط فترى بعضهم يملك عقارا وأثاثا فاذا ضاق به القوت واجتمع عليه دين فقيل له لو بعت عقارك قال كيف أفرط في عقاري وأسقط جاهي عند الناس وإنما يفعل هذه الحماقات العادات وإنما قعد أقوام عن الكسب استثقالا له فكانوا بين أمرين قبيحين إما تضييع العيال فتركوا الفرائض أو التزين باسم انه متوكل فيحن عليهم المكتسبون فضيقوا على عيالهم لأجلهم وأعطوهم وهذه الرذيلة لم تدخل قط إلا على دنيء النفس الرذيلة وإلا فالرجل كل الرجل من لم يضيع جوهرة الذي أودعه الله إيثارا للكسل أو لإسم يتزين به بين الجهال فان الله تعالى قد يحرم الانسان المال ويرزقه جوهرا يتسبب به إلى تحصيل الدنيا بقبول الناس عليه
فصل وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة منا أنهم قالوا لا
بد من أن يصل الينا رزقنا وهذا في غاية القبح فان الإنسان لو ترك الطاعة وقال لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي فان كنت من أهل الجنة فانا إلى الجنة أو

(1/349)


من أهل النار فأنا من أهل النار قلنا له هذا يرد الأوامر كلها ولو صح لأحد ذلك لم يخرج آدم من الجنة لأنه كان يقول ما فعلت إلا ما قضى علي ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر ومنها أنهم يقولون أين الحلال حتى نطلب وهذا قول جاهل لأن الحلال لا ينقطع أبدا لقوله الحلال بين والحرام بين ومعلوم أن الحلال ما أذن الشرع في تناوله وإنما قولهم هذا احتجاج للكسل ومنها أنهم قالوا إذا كسبنا أعنا الظلمة والعصاة مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر نا جعفر بن احمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن جهضم نا علي بن محمد السيرواني قال سمعت ابراهيم الخواص يقول طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك فأخذت قصبة وجعلت فيها شعرا وجلست على الماء فألقيت الشص فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض وألقيت الثانية فخرجت لي سمكة فأنا اطرحها ثالثة اذا من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي ولا رأيت أحدا وسمعت قائلا يقول أنت لم تصب رزقا في شيء إلا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله قال فقطعت الشعر وكسرت القصبة وانصرفت
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري ثنا أبي قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا عثمان بن الآدمي قال سمعت ابراهيم الخواص يقول طلبت فقصدت الخ ما تقدم
قال المصنف رحمه الله قلت وهذه القصة ان صحت فان في الروايتين بعض من يتهم فان اللاطم إبليس وهو الذي هتف به لأن الله تعال أباح الصيد فلا يعاقب على ما أباحه وكيف يقال له تعمد الى من يذكرنا فتقتله وهو الذي أباح له قتله وكسب الحلال ممدوح ولو تركنا الصيد وذبح الأنعام لأنها تذكر الله تعالى لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان لأنه لا يقيمها إلا اللحم فالتحري من أخذ السمك وذبح الحيوان مذهب البراهمة فانظر إلى الجهل ما يصنع وإلى إبليس كيف يفعل أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا عبد العزيز بن

(1/350)


علي الأزجي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا محمد بن جعفر ثنا احمد بن عبد الله بن عبد الملك قال سمعت شيخا يكنى أبا تراب يقول قيل لفتح الموصلي أنت صياد بالشبكة ولم تصد شيئا إلا وتطعمه لعيالك فلم تصد وتبيع ذلك الناس فقال أخاف أن أصطاد مطيعا لله تعالى في جوف الماء فأطعمه عاصيا لله على وجه الأرض
قال المصنف رحمه الله قلت أن صحت هذه الحكاية عن فتح الموصلي فهو من التعلل البارد المخالف للشرع والعقل لأن الله تعال أباح الكسب وندب اليه فإذا قال قائل ربما خبزت خبزا فأكله عاص كان حديثا فارغا لأنه لا يجوز لنا إذا أن نبيع الخبز لليهود والنصارى
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التداوي
قال المصنف رحمه الله لا يختلف العلماء أن التداوي مباح وإنما رأى بعضهم أن العزيمة تركه وقد ذكرنا كلام الناس في هذا وبينا بما اخترناه في كتابنا لقط المنافع في الطب والمقصود ههنا انا نقول إذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب اليه عند بعض العلماء فلا يلتفت إلى قول قوم قد رأوا أن التداوي خارج من التوكل لأن الإجماع على انه لا يخرج من التوكل وقد صح عن رسول الله انه تداوى وأمر بالتداوي ولم يخرج بذلك من التوكل ولا أخرج من أمره أن يتداوى من التوكل
وفي الصحيح من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي رخص إذا أشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر قال ابن جرير الطبري وفي هذا الحديث دليل على فساد ما يقوله ذوو الغباوة من أهل التصوف والعباد من أن التوكل لا يصح لأحد عالج علة به في جسده بدواء إذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضر والنفع وفي إطلاق النبي للمحرم علاج عينه بالصبر لدفع المكروه أدل دليل على أن معنى التوكل غير ما قاله الذين ذكرنا قولهم وان ذلك غير مخرج فاعله من الرضا بقضاء الله كما أن من عرض له كلب الجوع لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضا بالقضاء لأن الله

(1/351)


تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا الموت وجعل أسبابا لدفع الادواء كما جعل الأكل سببا لدفع الجوع وقد كان قادرا أن يحيى خلقه بغير هذا ولكنه خلقهم ذوي حاجة فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببا لدفعه عنهم فكذا الداء العارض والله الهادي
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة
قال المصنف كان خيار السلف يؤثرون الوحدة والعزلة عن الناس اشتغالا بالعلم والتعبد إلا أن عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة ولا جماعة ولا عيادة مريض ولا شهود جنازة ولا قيام بحق وإنما هي عزلة عن الشر وأهله مخالطة البطالين وقد لبس إبليس على جماعة من المتصوفة فمنهم من أعتزل في جبل كالرهبان يبيت وحده ويصبح وحده ففاتته الجمعة وصلاة الجماعة ومخالطة أهل العلم وعمومهم اعتزل في الأربطة ففاتهم السعي إلى المساجد وتوطنوا على فراش الراحة وتركوا الكسب
وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء مقصودة الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك إلا بخلوة في مكان مظلم وقال فان لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر بكساء أو أزار ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية
قال المصنف رحمه الله قلت أنظر إلى هذه الترتيبات والعجب كيف تصدر من فقيه عالم ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق وأن الذي يشاهده جلال الربوبية وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم فإنه يغلب عليه الماليخوليا
وقد يسلم الإنسان في مثل هذه الحالة من الوساوس إلا أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الأشياء لأن في الدماغ ثلاث قوى قوة يكون بها التخيل وقوة يكون بها الفكرة وقوة يكون بها الذكر وموضع التخيل البطنان

(1/352)


المقدمان من بطون الدماغ وموضع التفكر البطن الأوسط من بطون الدماغ وموضع الحفظ الموضع المؤخر فإن أطرق الإنسان وغمض عينيه جال الفكر والتخيل فيرى خيالات فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية إلى غير ذلك نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر البجلي يقول سمعت أبا عثمان بن الآدمي قال كان أبو عبيد التستري إذا كان أول يوم من شهر رمضان يدخل البيت ويقول لامرأته طيني باب البيت وألق إلي كل ليلة من الكوة رغيفا فإذا كان يوم العيد دخلت فوجدت ثلاثين رغيفا في الزاوية ولا أكل ولا شرب ولا يتهيأ لصلاة ويبقى على طهر واحد إلى آخر الشهر
قال المصنف رحمه الله هذه الحكاية عندي بعيدة عن الصحة من وجهين أحدها بقاء الآدمي شهرا لا يحدث بنوم ولا بول ولا غائط ولا ريح والثاني ترك المسلم صلاة الجمعة والجماعة وهي واجبة لا يحل تركها فإن صحت هذه الحكاية فما أبقى إبليس لهذا في التلبيس بقية قال أنبأنا زاهر بن طاهر نا احمد بن الحسين البيهقي ثنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وسمعت أبا الحسن البوشنجي الصوفي غير مرة يعاتب في ترك الجمعة والجماعة والتخلف عنها فيقول ان كانت البركة في الجماعة فإن السلامة في العزلة النهي عن الإنفراد
وقد جاء النهي عن الإنفراد الموجب للبعد عن العلم والجهاد للعدو أخبرنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا معان بن رفاعة ثني علي بن زيد عن القاسم عن أبي امامة قال خرجنا مع رسول الله في سرية من سراياه قال فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه وفيه شيء من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا ثم قال لو أني أتيت نبي الله فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال

(1/353)


يا نبي الله اني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى عن الدنيا قال فقال نبي الله اني لن أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطأطأة الرأس وإقامة الناموس
قال المصنف رحمه الله إذا سكن الخوف القلب أوجب خشوع الظاهر ولا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك وكان محمد بن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوام فإن ذلك يؤذيهم فقد روي عن علي رضي الله عنه إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك فتمجه القلوب ومثل هذا لا يسمى رياء لأن قلوب العوام تضيق عن التأويل للعالم اذا تفسح في المباح فينبغي أن يتلقاهم بالصمت والأدب وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي ومطأطأة الرأس ليرى الإنسان بعين الزهد والتهيؤ للمصافحة وتقبيل اليد وربما قيل له ادع لنا فيتهيأ للدعاء كأنه يستنزل الإجابة وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي أنه قيل له ادع لنا فكره ذلك واشتد عليه
وقد كان من الخائفين من حملة الخوف على شدة الذل والحياء فلم يرفع رأسه إلى السماء وليس هذا بفضيلة لأنه لا خشوع فوق خشوع رسول الله
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال كان رسول الله كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء وفي هذا الحديث دليل على استحباب النظر إلى السماء لأجل الاعتبار بآياتها وقد قال الله تعالى أولم يروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وقال قل انظروا ماذا في السموات والأرض وفي هذا رد على المتصوفين فإن أحدهم يبقى سنين لا ينظر إلى السماء وقد ضم هؤلاء الى ابتداعهم الرمز إلى التشبيه ولو علموا أن اطراقهم كرفعهم في باب الحياء من الله

(1/354)


تعالى لم يفعلوا ذلك غير أن ما شغل إبليس إلا التلاعب بالجهلة فأما العلماء فهو بعيد عنهم شديد الخوف منهم لأنهم يعرفون جميع أمره ويحترزون من فنون مكره
أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر قالا أخبرنا محمد بن الحسن الباقلاني نا القاضي أبو العلاء الواسطي نا أبو نصر احمد بن محمد نا أبو الخير احمد بن محمد البزاز ثنا البخاري ثنا إسحاق ثنا محمد بن المفضل ثنا الوليد بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال لم يكن أصحاب رسول الله منحرفين ولا متماوتين وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم فإذا أريد احد منهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون أخبرنا عبد الوهاب الحافظ ثنا جعفر بن احمد نا عبد العزيز الحسن بن إسماعيل الضراب نا أبي ثنا احمد بن مروان ثنا إبراهيم الحربي ثنا محمد بن الحارث عن المدايني عن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه قال نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه فقال له يا هذا ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق
أخبرنا عبد الوهاب نا المبارك بن عبد الجبار نا علي بن احمد الملطي ثنا احمد بن محمد بن يوسف ثنا ابن صفوان نا أبو بكر القرشي ثنى يعقوب بن إسماعيل قال قال عبد الله أخبرنا المعتمر عن كهمس بن الحسين أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه
أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن احمد نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن احمد ثنى أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن عاصم بن كليب الجرمي قال لقى أبي عبد الرحمن بن الأسود وهو يمشي وكان إذا مشى يمشي جنب الحائط متخشعا هكذا وأمال أبو بكر عنقه شيئا فقال أبي مالك إذا مشيت مشيت إلى جنب الحائط أما والله ان عمر إذا مشى لشديد الوطء على الأرض جهوري الصوت

(1/355)


أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن ابن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد يرفعه إلى سليمان بن أبي خيثمة عن أبيه قال قالت الشفا بنت عبد الله ورأت فتيانا يقصرون في المشي ويتكلمون رويدا فقالت ما هذا قالوا نساك قالت كان والله عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وهو الناسك حقا
قال المصنف رحمه الله قلت وقد كان السلف يسترون أحوالهم ويتصنعون بترك التصنع وقد ذكرنا عن أيوب السختياني أنه كان في ثوبه بعض الطول ليستر حاله وكان سفيان الثوري يقول لا أعتد بما ظهر من عملي وقال لصاحب له ورآه يصلي ما أجرأك تصلي والناس يرونك قال حدثنا محمد بن ناصر ثنا عبد القادر بن يوسف نا ابن المذهب نا القطيعي ثنا عبد الله بن احمد ثنا أبو عبد الله يعني السلمي ثنا بقية عن محمد بن زياد قال مر أبو أمامة برجل ساجد فقال يا لها من سجدة لو كانت في بيتك
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا الجوهري ثنا محمد بن العباس ثنا محمد بن القاسم الأنباري ثنا الحارث بن محمد ثنا يحيى بن أيوب ثنا شعيب بن حرب ثنا الحسين بن عمار قال رجل في مجلس الحسن بن عمارة آه قال فجعل يتبصره ويقول من هذا حتى ظننا أنه لو عرفه أمر به
أخبرنا اسماعيل بن احمد المقري نا احمد بن احمد الحداد ثناأبو نعيم الحافظ نا أبو عبد الله محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب ثنا أبو حاتم ثنا حرملة قال سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول
ودع الذين اذا أتوك تنسكوا ... واذا خلوا فهم ذئاب خفاف
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا احمد بن علي بن ثابت نا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ نا جعفر بن محمد الواسطي نا الحسين بن عبد الله الابزاري قال سمعت ابراهيم بن سعيد يقول كنت واقفا على رأس المأمون فقال لي يا ابراهيم قلت لبيك قال عشرة من أعمال البر لا يصعد الى الله والله لا يقبل منها شيء قلت ما هي يا أمير المؤمنين فقال بكاء ابراهيم على المنبر

(1/356)


وخشوع عبد الرحمن بن اسحاق وتقشف ابن سماعة وصلاة خيعويه بالليل وصلاة عباس الضحى وصيام ابن السندي الاثنين والخميس وحديث أبي رجاء وقصص الحاجبي وصدقة حفصويه وكتاب الشامي ليعلى بن قريش
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك النكاح
قال المصنف النكاح مع خوف العنت واجب ومن غير خوف العنت سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء ومذهب أبي حنيفة واحمد ابن حنبل انه حينئذ أفضل من جميع النوافل لأنه سبب في وجود الولد قال عليه الصلاة و السلام تناكحوا تناسلوا وقال رسول الله النكاح من سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا احمد بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا سليمان بن داود الطيالسي نا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال لقد رد رسول الله على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له في ذلك لاختصينا
قال ابن سعد وأخبرنا ابن عفان نا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن نفرا من أصحاب رسول الله سألوا أزواج النبي عليه السلام عن عمله في السر فأخبروهم فقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا أنام الليل على فراش وقال بعضهم أصوم ولا أفطر فحمد الله النبي عليه الصلاة و السلام وأثنى عليه ثم قال ما بال أقوم قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني
قال ابن سعد وأخبرنا سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن عطاء بن السايب عن سعيد بن عبيد قال قال ابن عباس رضي الله عنه إن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء قال ابن سعد وأخبرنا احمد بن عبد الله بن قيس ثنا ميذل عن أبي

(1/357)


رجاء الجزري عن عثمان بن خالد بن محمد بن مسلم قال قال شداد بن أوس زوجوني فإن رسول الله أوصاني أن لا ألقى الله عزبا
وأخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا احمد بن جعفر ثنا عبد الله بن احمد ثنى أبي ثنا عبد الرزاق نا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي ذر قال دخل على رسول الله رجل يقال له عكاف بن بشر التميمي الهلالي فقال له النبي يا عكاف هل لك من زوجة قال لا قال ولا جارية قال لا قال وأنت موسر بخير قال وأنا موسر قال أنت إذا من إخوان الشياطين لو كنت من النصارى لكنت من رهبانهم إن سنتنا النكاح شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم فما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من ترك النساء أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا احمد بن جعفر نا عبد الله بن احمد بن حنبل ثني أبي ثني أيوب بن النجار عن طيب بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال لعن رسول الله مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال والمتبتلين من الرجال الذين يقولون لا نتزوج والمتبتلات من النساء اللاتي يقلن ذلك أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد القادر بن محمد قال نا أبو بكر الخياط نا أبو الفتح بن أبي الفوارس نا احمد بن جعفر الجيلي ثنا احمد بن محمد بن عبد الخالق ثنا أبو بكر المروزي قال سمعت أبا عبد الله احمد بن حنبل يقول ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء النبي عليه الصلاة و السلام تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع ثم قال لو كان بشر بن الحارث تزوج كان قد تم أمره كله لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا ولم يكن كذا وقد كان النبي عليه الصلاة و السلام يصبح وما عندهم شيء وكان يختار النكاح ويحث عليه وينهى عن التبتل فمن رغب عن فعل النبي عليه الصلاة و السلام فهو على غير الحق
ويعقوب عليه السلام في حزنه قد تزوج وولد له والنبي عليه الصلاة و السلام قال حبب إلي النساء قلت فإن ابراهيم بن آدم يحكى عنه بأنه قال لروعة صاحب عيال فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي وقال وقعنا في بنيات الطريق أنظر عافاك الله ما كان عليه نبينا محمد وأصحابه ثم قال

(1/358)


لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه خبزا أفضل من كذا وكذا انى يلحق المتعبد المتعزب المتزوج نقد مسالك الصوفية في تركهم النكاح
وقد لبس إبليس على كثير من الصوفية فمنعهم من النكاح فقدماؤهم تركوا ذلك تشاغلا بالتعبد ورأوا النكاح شاغلا عن طاعة الله عز و جل وهؤلاء وإن كانت بهم حاجة إلى النكاح أو بهم نوع تشوق اليه فقد خاطروا بأبدانهم وأديانهم وان لم يكن بهم حاجة اليه فأتتهم الفضيلة
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر قالوا نعم قال وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ثم قال أفتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير ومنهم من قال النكاح يوجب النفقة والكسب صعب وهذه حجة للترفه عن تعب الكسب
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار أنفقته في الصدقة ودينار أنفقته على عيالك أفضلها الدينار الذي أنفقته على عيالك ومنهم من قال النكاح يوجب الميل إلى الدنيا فروينا عن أبي سليمان الداراني انه قال اذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا
قال المصنف رحمه الله قلت وهذا كله مخالف للشرع وكيف لا يطلب الحديث والملائكة تضع أجنحتها لطلب العلم وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله وكيف لا يتزوج وصاحب الشرع يقول تناكحوا تناسلوا فما أرى هذه الأوضاع الا على خلاف

(1/359)


الشرع فأما جماعة من متأخري الصوفية فانهم تركوا النكاح ليقال زاهد والعوام تعظم الصوفي اذا لم تكن له زوجة فيقولون ما عرف امرأة قط فهذه رهبانية تخالف شرعنا
قال أبو حامد ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج فانه يشغله عن السلوك ويأنس بالزوجة ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى
قال المصنف رحمه الله وإني لأعجب من كلامه أتراه ما علم أن من قصد عفاف نفسه ووجود ولد أو عفاف زوجته فانه لم يخرج عن جادة السلوك أو يرى الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله تعالى والله تعالى قد من على الخلق بقوله وجعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة وفي الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه عن النبي قال له هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك وما كان بالذي ليدله على ما يقطع أنسه بالله تعالى أترى رسول الله لما كان ينبسط إلى نسائه ويسابق عائشة رضي اله عنها أكان خارجا عن الأنس بالله هذه كلها جهالات بالعلم محاذير ترك النكاح
واعلم انه اذا دام ترك النكاح على شبان الصوفية أخرجهم إلى ثلاثة أنواع النوع الأول المرض بحبس الماء فان المرء إذا طال احتقانه تصاعد إلى الدماغ منه منيه قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أعرف قوما كانوا كثيري المنى فلما منعوا أنفسهم من الجماع لضرب من التفلسف بردت أبدانهم وعسرت

(1/360)


حركاتهم ووقعت عليهم الكآبة بلا سبب وعرضت لهم أعراض الماليخوليا وقلت شهواتهم وهضمهم قال ورأيت رجلا ترك الجماع ففقد شهوة الطعام وصار أن أكل القليل لم يستمره وتقايأه فلما عاد إلى عادته من الجماع سكنت عنه هذه الأعراض سريعا
النوع الثاني الفرار إلى المتروك فان منهم خلقا كثيرا صابروا على ترك الجماع فاجتمع الماء فأقلقوا جعوا فلامسوا النساء ولابسوا من الدنيا أضعاف ما فروا منه فكانوا كمن أطال الجوع ثم أكل ما ترك في زمن الصبر النوع الثالث الإنحراف إلى صحبة الصبيان فان قوما منهم أيسوا أنفسهم من النكاح فأقلقهم ما اجتمع عندهم فصاروا يرتاحون إلى صحبة المرد
فصل وقد لبس على قوم منهم تزوجوا وقالوا انا لا ننكح شهوة فان
أرادوا أن الأغلب في طلب النكاح إرادة السنة جاز وان زعموا انه لا شهوة لهم في نفس النكاح فمحال ظاهر
فصل وقد حمل الجهل أقواما فجبوا أنفسهم وزعموا انهم فعلوا ذلك حياء
من الله تعالى وهذه غاية الحماقة لأن الله تعالى شرف الذكر على الأنثى بهذه الآلة وخلفها لتكون سببا للتناسل والذي يجب نفسه يقول بلسان الحال الصواب ضد هذا ثم قطعهم الآلة لا تزيل شهوة النكاح من النفس فما حصل لهم مقصودهم
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك طلب الأولاد
أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن احمد نا أبو نعيم احمد بن عبد الله ثنا إسحاق بن احمد ثنا ابراهيم بن يوسف ثنا احمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان الداراني يقول الذي يريد الولد أحمق لا

(1/361)


للدنيا ولا للآخرة ان أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغص عليه وان أراد أن يتعبد شغله
قال المصنف رحمه الله قلت وهذا غلط عظيم وبيانه انه لما كان مراد الله تعالى من إيجاد الدنيا إتصال دوامها إلى ان ينقضي أجلها وكان الآدمي غير ممتد البقاء فيها إلا إلى أمد يسير أخلف الله تعالى منه مثله فحثه على سببه في ذلك تارة من حيث الطبع بايقاد نار الشهوة وتارة من باب الشرع بقوله تعالى وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وقول الرسول تناكحوا تناسلوا فاني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط وقد طلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأولاد فقال تعالى حكاية عنهم رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي إلى غير ذلك من الآيات وتسبب الصالحون إلى وجودهم ورب جماع حدث منه ولد مثل الشافعي واحمد بن حنبل فكان خيرا من عبادة ألف سنة وقد جاءت الأخبار بإثابة المباضعة والإنفاق على الأولاد والعيال ومن يموت له ولد ومن يخلف ولدا بعده فمن أعرض عن طلب الأولاد والتزوج فقد خالف المسنون والأفضل وحرم أجرا جسيما ومن فعل ذلك فإنما يطلب الراحة أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن احمد بن السراج نا أبو القاسم الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال سمعت الجنيد يقول الأولاد عقوبة شهوة الحلال فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام
قال المصنف رحمه الله وهذا غلط فان تسمية المباح عقوبة لا يحسن لأنه لا يباح شيء ثم يكون ما تجدد منه عقوبة ولا يندب إلى شيء إلا وحاصله مثوبة

(1/362)


ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الأسفار والسياحة
قد لبس إبليس على خلق كثير منهم فأخرجهم إلى السياحة لا إلى مكان معروف ولا إلى طلب علم وأكثرهم يخرج على الوحدة ولا يستصحب زادا ويدعي بذلك الفعل التوكل فكم تفوته من فضيلة وفريضة وهو يرى أنه في ذلك على طاعة وأنه يقرب بذلك من الولاية وهو من العصاة المخالفين لسنة رسول الله
وأما السياحة والخروج لا إلى مكان مقصود فقد نهى رسول الله عن السعي في الأرض في غير أرب حاجة أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا إبراهيم بن عمر البرمكي نا ابن حياة نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري قال سمعت أبا محمد بن قتيبة يقول ثني محمد بن عبيد عن معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق عن سفيان عن ابن جريج عن مسلم عن طاوس أن رسول الله قال لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام قال ابن قتيبة الزمام في الأنف والخزام حلقة من شعر يجعل في أحد جانبي المنخرين وأراد ما كان عباد بني إسرائيل يفعلونه من خزم التراقي وزم الأنوف والتبتل وترك النكاح والسياحة مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض
وروى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلا قال يا رسول الله إئذن لي في السياحة فقال النبي إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله
قال المصنف رحمه الله وقد ذكرنا فيما تقدم من حديث ابن مظعون إنه قال يا رسول الله إن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض فقال النبي له مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانىء عن احمد بن حنبل انه سئل عن الرجل

(1/363)


يسيح يتعبد أحب اليك أو المقيم في الأمصار قال ما السياحة من الأسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين نقد مالك الصوفية في السياحة
وأما الخروج على الوحدة فقد نهى رسول الله أن يسافر الرجل وحده فأخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا احمد بن علي بن ثابت نا محمد بن الطيب الصباغ نا احمد بن سليمان النجاد ثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب ثنا علي بن عاصم ثنا عبد الرحمن بن يزيد ثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال الراكب شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا احمد بن جعفر ثنا عبد الله بن احمد ثني أبي ثنا أيوب بن النجار عن طيب بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال لعن رسول الله راكب الفلاة وحده المشي في الليل
وقد يمشون بالليل أيضا على الوحدة وقد نهى النبي عن ذلك وأخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا احمد بن جعفر ثنا عبد الله بن احمد ثني أبي ثنا محمد بن عبيد ثنا عاصم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال النبي لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار أحد وحده بليل أبدا قال عبد الله وحدثني أبي ثنا محمد بن أبي عدي ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله أقلو الخروج إذا هدأت الرجل فإن الله تعالى يبث في خلقه ما شاء
قال المصنف رحمه الله وفيهم من جعل دأبة السفر والسفر لا يراد لنفسه قال النبي السفر قطعة من العذاب فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله فمن جعل دأبة السفر فقد جمع بين تضييع العمر

(1/364)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية