صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تبيين كذب المفتري - ابن عساكر ]
الكتاب : تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري
المؤلف : علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي
الناشر : دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة ، 1404
عدد الأجزاء : 1

عليه وسلم حين افتتح خيبر ثم ذكر من فضل أبي موسى بعض ما قدمته بأسانيده إلى أن قال ورزق من الولاد والأحفاد مع الدراية والرواية والرعاية ما يكثر نشره وأساميهم في التواريخ مثبتة ومعرفتهم عند أهل العلم بالرواية مشهورة إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله فلم يحدث في دين الله حدثا ولم يأت فيه ببدعة بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين وأن ما قالوا في الأصول وجاء به الشرع صحيح في العقول خلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء فكان في بيانه تقوية ما لم يدل عليه من أهل السنة والجماعة ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من اهل الكوفة والأوزاعي وغيره من أهل الشام ومالك والشافعي من أهل الحرمين ومن نجا نحوهما من الحجاز وغيرها من سائر البلاد وكأحمد ابن حنبل وغيره من أهل الحديث والليث بن سعد وغيره وأبي عبد الله محمد بن اسمعيل البخاري وأبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار وحفاظ السنن التي عليها مدار الشرع رضي الله عنهم أجمعين وذلك دأب من تصدى من الأئمة في هذه الأمة وصار رأسا في العلم من أهل السنة في قديم الدهر وحديثه وبذلك وعد سيدنا المصطفى صلى الله عليه و سلم أمته فيما روي عنه أبو هريرة رضي الله عنه إنه قال
يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها وهم هؤلاء الأئمة الذين قاموا في كل عصر من أعصار أمته

(1/103)


بنصرة شريعته ومن قام بها إلى يوم القيامة وحين نزل قول الله عز و جل يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم أشار المصطفى صلى الله عليه و سلم إلى أبي موسى وقال
قوم هذا فوعد الله عز ثناؤه وجل شيئا معلقا بشيء وخص النبي المصطفى صلى الله عليه و سلم به قوم أبي موسى فكان خبره حقا ووعد الله صدقا وحين خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من بين أمته وقبضه الله عزوجل إلى رحمته إرتد ناس من العرب فجاهدهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم ابو موسى وقومه حتى عاد أهل الردة إلى الإسلام كما وعد رب الأنام وحين كثرت المبتدعة في هذه الأمة وتركوا ظاهر الكتاب والسنة وأنكروا ما ورد به من صفات الله عزوجل نحو الحياة والقدرة والعلم والمشيئة والسمع والبصر والكلام وجحدوا مادلا عليه من المعراج عذاب القبر والميزان وأن الجنة والنار مخلوقتان وأن أهل الإيمان يخرجون من النيران وما لنبينا صلى الله عليه و سلم من الحوض والشفاعة وما لأهل الجنة من الرؤية وأن الخلفاء الأربعة كانوا محقين فيما قاموا به من الولاية وزعموا أن شيئا من ذلك لا يستقيم على العقل ولا يصح في الرأي أخرج الله عزوجل من نسل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه إماما قام بنصرة دين الله وجاهد بلسانه وبيانه من صد عن سبيل الله وزاد

(1/104)


في التبيين لأهل اليقين أن ما جاء به الكتاب والسنة وماكان عليه سلف هذه الأمة مستقيم على العقول الصحيحة والآراء تصديقا لقوله وتحقيقا لتخصيص رسوله صلى الله عليه و سلم قوم أبي موسى بقوله فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه هذا والكلام في علم الأصول وحدث العالم ميراث أبي الحسن الأشعري عن أجداده وأعمامه الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألوه عن علم الأصول وحدث العالم إلا وفد الأشعريين من أهل اليمن ثم ذكر حديث عمران بن الحصين حين أتاه نفر من بني تميم وقد ذكرته في الجزء الأول باسناده ثم قال فمن تأمل هذه الأحاديث وعرف مذهب شيخنا أبي الحسن رضي الله عنه في علم الأصول وعلم تبحره فيه أبصر صنع الله عزت قدرته في تقديم هذا الأصل الشريف لما ذخر لعباده من هذا الفرع المنيف الذي أحيا به السنة وأمات به البدعة وجعله خلف حق لسلف صدق وبالله التوفيق هذا وعلماء هذه الأمة من أهل السنة والجماعة في الإشتغال بالعلم مع الإتفاق في أصول الدين على اضرب منهم من قصر همته على التفقه في الدين بدلائله وحججه من التفسير والحديث والإجماع والقياس دون التبحر في دلائل الأصول ومنهم من قصر همته على التبحر في دلائل الأصول دون التبحر في دلائل الفقه ومنهم من جعل همته فيهما جميعا كما فعل الأشعريون من أهل اليمن حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/105)


أتيناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر كيف كان وفي ذلك تصديق ما روي عن المصطفى صلى الله عليه و سلم
إختلاف أمتي رحمة كما سمعت من الشيخ الإمام أبي الفتح ناصر بن الحسن العمري قال سمعت الشيخ الإمام أبا بكر القفال المرزوي رحمه الله يقول معناه إختلاف هممهم رحمة يعني فهمة واحد تكون في الفقه وهمة آخر تكون في الكلام كما تختلف همم اصحاب الحرف في حرفهم ليقوم كل واحد منهم بما فيه مصالح العباد والبلاد ثم كل من جعل همته في معرفة دلائل الفقه وحججه لم ينكر في نفسه ما ذهب إليه أهل الأصول منهم بل ذهب في إعتقاد المذهب مذهبهم بأقل ما دله على صحته من الحجج إلا إنه رأى أن إشتغاله بذلك أنفع وأولى ومن صرف همته منهم إلى معرفة دلائل الأصول وحججه ذهب في الفروع مذهب أحد الأئمة الذين سميناهم من فقهاء الأمصار إلا إنه رأى أن اشتغاله بذلك عند ظهور البدع أنفع وأحرى فعلماء السنة إذن مجتمعون والأشعريون منهم لجماعتهم في علم الأصول موافقون إلا أن الله جل ثناؤه جعل إستقامة أحوالهم بإستقامة ولاتهم وسلامة أغراضهم بذب ولاتهم عنهم وبذلك أخبر من جعل الله تعالى الحق على لسانه وقلبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك فيما اخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنا ابو عمرو بن السماك نا حنبل بن اسحق نا أبو نعيم نا ملك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عمر رضي الله عنه عند موته إعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم

(1/106)


ولاتهم وهداتهم وقال أبو حازم ما أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن أنا حاجب بن أحمد نا محمد بن حماد حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال سمعت أبا حازم يقول لا يزال الناس بخير ما لم يقع هذه الأهواء في السلطان هم الذين يذبون عن الناس فإذا وقعت فيهم فمن يذب عنهم وأخبرنا بهاتين الحكايتين أبو القسم الشحامي أنا ابو بكر البيهقي مثل ما ههنا ثم رجعنا إلى رواية أبي بكر بن حبيب نسأل الله عزوجل عصمة الأمير وإطالة بقائه وإدامة نعمائه وزيادة توفيقه لإحياء السنة بتقريب أهلها من مجلسه وقمع البدعة بتبعيد أهلها من حضرته ليكثر سرور أهل السنة والجماعة من الفريقين جميعا بمكانه وينتشر صالح دعواتهم له في مشارق الأرض ومغاربها بإحسانه ويرغب إلى الله عزوجل ويتضرع إليه في إمتاع المسلمين ببقاء الشيخ العميد وإدامة نعمته وزيادة توفيقه وعصمته فعلى حسن إعتقاده وصحة دينه وقوة يقينه وكمال عقله وكبر محله إعتماد الكافة في استدراك ما وقع من هذه الواقعة التي هي لمعالم الدين خافضة ولآثار البدع رافعة ومصيبتها أن دامت والعياذ بالله في كل مصر من أمصار المسلمين داخلة وقلوب أهل السنة والجماعة بها واجفة وما ذلك على الله بعزيز أن يوفق الشيخ العميد أدام الله تسديده للإجتهاد في إزالة هذه الفتنة والسعي في إطفاء هذه الثائرة موقنا بما يتبعه في دنياه من الثناء الجميل وفي عقباه من الأجر الجزيل قاضيا حق هذه الدولة العالية التي جعل الله تدبيرها إليه وزمامها بيديه فبقاء الملك بالعدل وصلاحه بصلاح الدين وحلاوته بما

(1/107)


يتبعه من الثناء الجميل والله يوفقه ويسدده وعن المكارة يقيه ويحفظه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته
قال الإمام الحافظ قدس الله روحه وإنما كان إنتشار ما ذكره أبو بكر البيهقي رحمه الله من المحنة وإستعار ما أشار باطفائه في رسالته من الفتنة مما تقدم به من سب حزب الشيخ أبي الحسن الأشعري في دولة السلطان طغرلبك ووزارة أبي منصور بن محمد الكندري وكان السلطان حنفيا سنيا وكان وزيره معتزليا رافضيا فلما أمر السلطان بلعن المبتدعة على المنابر في الجمع قرن الكندري للتسلي والتشفي اسم الأشعرية بأسماء أرباب البدع وامتحن الأئمة الأماثل وقصد الصدور الأفاضى وعزل أبا عثمان الصابوني عن الخطابة بنيسابور وفوضها إلى بعض الحنفية فأم الجمهور وخرج الإستاذ أبو القسم والإمام أبو المعالي الجويني رحمة الله عليهما عن البلد وهان عليهما في مخالفته الإغتراب وفراق الوطن والأهل والولد فلم يكن إلا يسيرا حتى تقشعت تلك السحابة وتبدد بهلك الوزير شمل تلك العصابة ومات ذلك السلطان وولي ابنه آلب أرسلان وأستوزر الوزير الكامل والصدر العالم العادل أبا علي الحسن بن علي بن اسحق فأعز أهل السنة وقمع أهل النفاق وأمر باسقاط ذكرهم من السب وإفراد من عداهم باللعن والثلب واسترجع من خرج منهم إلى وطنه واستقدمه مكرما بعد بعده وظعنه وبنى لهم المساجد والمدارس وعقد لهم الحلق والمجالس وبنى لهم الجامع المنيعي في أيام ولد ذلك السلطان وكان ذلك تداركا لما سلف في

(1/108)


حقهم من الإمتحان فاستقام في وزارته الدين بعد اعوجاجه وصفا عيش أهل السنه بعد تكدره وامتزاجه واستقر الأمر بيمن نقيبته على ذلك إلى هذا الوقت ونظر أرباب البدع بعين الإحتقار والمقت ولم يضر جمع الفرقة المنصورة ما فرط في حقهم في المدة اليسيرة ممن قصدهم بالمساءة ورماهم بالشناعة لما ظهر فيهم اللعن إذ كانوا براء عند العقلاء وأهل العلم من الابتداع والذم والطعن ولهم في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه اسوة حسنة فقد كان يسب على المنابر في الدولة الأموية نحوا من ثمانين سنة فما ضر ذلك عليا رضوان الله عليه ولا التحق به ما نسب إليه مقتل الوزير شر قتلة بعد ما مثل به كل مثلة فقال الأستاذ أبو القسم القشيري رضي الله عنه فيه ... عميد الملك ساعدك الليالي ... على ما شئت في درك المعالي ... فلم يك منك شيء غير أمر ... بلعن المسلمين على التوالي ... فقابلك البلاء بما تلاقي ... فذق ما تستحق من الوبال ...
أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل الفقيه أخبرنا الأستاذ أبو القسم القشيري رضي الله عنه قال الحمد لله المجمل في بلائه المجزل في عطائه العدل في قضائه المكرم لأوليائه المنتقم من أعدائه الناصر لدينه بايضاح الحق وتبينه المبيد للأفك وأهله المجتث للباطل من أصله فاضح البدع بلسان العلماء وكاشف الشبه ببيان الحكماء وممهل الغواة حينا غير مهملهم ومجازي كل غدا على مقتضى عملهم نحمده على ما عرفنا من

(1/109)


توحيده ونستوقفه على ما كلفنا من رعاية حدوده ونستعصمه من الخطأ والخطل والزيغ والزلل في القول و العمل ونسأله أن يصلي على سيدنا المصطفى وعلى آله مصابيح الدجى وأصحابه أئمة الورى هذه قصة سميناها شكاية أهل السنة بحاكية ما نالهم من المحنة تخبر عن بثة مكروب ونفثة مغلوب وشرح ملم مؤلم وذكر مهم موهم وبيان خطب فادح وشر سائح للقلوب جارح رفعها عبد الكريم بن هوازان القشيري إلى العلماء الأعلام بجميع بلاد الإسلام أما بعد فإن الله إذا أراد أمرا قدره فمن ذا الذي أمسك ما سيره أو قدم ما أخره أو عارض حكمه فغيره أو غلبه على أمره فقهره كلا بل هو الله الواحد القهار الماجد الجبار ومما ظهر ببلد نيسابور من قضايا التقدير في مفتتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة من الهجرة ما دعا أهل الدين إلى شق صدور صبرهم وكشف قناع ضرهم بل ظلت الملة الحنيفية تشكو غليلها وتبدي عويلها وتنصب غزائر رحمة الله على من يسمع شكوها وتصغي ملائكة السماء حين تندب شجوها ذلك مما أحدث من لعن إمام الدين وسراج ذوي اليقين محي السنة وقامع البدعة وناصر الحق وناصح الخلق الزكي الرضي أبي الحسن الأشعري قدس الله روحه وسقى بماء الرحمة ضريحه وهو الذي ذب عن الدين بأوضح حجج وسلك في قمع المعتزلة وسائر أنواع المبتدعة أبين منهج واستنفد عمره في النصح عن الحق وأورث المسلمين بعد وفاته كتبه الشاهدة بالصدق ولما من الله الكريم على الإسلام بزمان السلطان المعظم المحكم بالقوة السماوية في رقاب الأمم الملك الأجل شاها نشاه يمين

(1/110)


خليفة الله وغياث عباد الله طغرلبك أبي طالب محمد بن ميكائيل وقام باحياء السنة والمناضلة عن الملة حتى لم يبق من أصناف المبتدعة حزبا حزبا إلا سل لإستئصالهم سيفا عضبا وأذاقهم ذلا وخسفا وعقب لآثارهم نسفا حرجت صدور أهل البدع عن تحمل هذه النقم وضاق صبرهم عن مقاساة هذا الألم ومنوا بلعن أنفسهم على رؤس الشهاد بألسنتهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت بانفرادهم بالوقوع في مهواة محنتهم فسولت لهم أنفسهم أمرا فظنوا أنهم بنوع تلبيس وضرب تدلي سيجدون لعسرهم يسرا فسعوا إلى عالي مجلس السلطان المعظم بنوع نميمة ونسبوا الأشعري إلى مذاهب ذميمة وحكوا عنه مقالات لا يوجد في كتبه منها حرف ولم ير في المقالات المصنفة للمتكلمين الموافقين والمخالفين من وقت الأوائل إلى زماننا هذا لشيء منها حكاية ولا وصف بل كل ذلك تصوير بتزوير وبهتان بغير تقدير وما نقموا من الأشعري إلا أنه قال باثبات القدر لله خيره وشره نفعه وضره واثبات صفات الجلال لله من قدرته وعلمه وإراداته وحياته وبقائه وسمعه وبصره وكلامه ووجهه ويده وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وإنه تعالى موجود تجوز رؤيته وإن إرادته نافذة في مراداته وما لايخفى من مسائل الأصول التي تخالف طرقه طرق المعتزلة والمجسمة فيها معاشر المسلمين الغياث الغياث سعوا في إبطال الدين وراموا هدم قواعد المسلمين وهيهات هيهات يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا ان يتم نوره وقد وعد الله للحق نصره وظهوره وللباطل محقه وثبوره

(1/111)


إلا أن كتب الأشعري في الآفاق مبثوثه ومذاهبه عند أهل السنة من الفريقين معروفة ومشهورة فمن وصفه بالبدعة علم إنه غير محق في دعواه وجميع أهل السنة خصمه فيما افتراه ثم ذكر أربع مسائل شنع بها عليه وبين براءة ساحته فيما نسب منها إليه ثم قال ولما ظهر ابتداء هذه الفتنة بنيسابور وانتشر في الافاق خبره وعظم على قلوب كافة المسلمين من أهل السنة والجماعة أمره ولم يبعد أن يخامر قلوب بعض أهل السلامة والوداعة توهم في بعض هذه المسائل أن لعل الإمام أبا الحسن علي بن اسمعيل الأشعري رحمه الله قال ببعض هذه المقالات في بعض كتبه ولقد قيل
من يسمع يخل أثبتنا هذه الفصول في شرح هذه الحالة وأوضحنا صورة الأمر بذكر هذه الجملة ليضرب كل من أهل السنة إذا وقف عليها بسهمه في الإنتصار لدين الله من دعاء يخلصه واهتمام يصدقه وكل عن قلوبنا بالإستماع إلى هذه القصة يحمله بل ثواب من الله على التوجع بذلك يستوحيه والله غالب على أمره وله الحمد على ما يمضيه من أحكامه ويبرمه ويقضيه من أفعاله فيما يؤخره ويقدمه وصلواته على سيدنا المصطفى وعلى آله وسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
قال الإمام الحافظ أبو القسم علي بن اسمعيل بن الحسن رضي الله عنه دفع إلي أبو محمد عبد الواحد بن عبد الماجد بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الصوفي النيسابوري بدمشق مكتوبا بخط جده الإمام أبي القسم القشيري وأنا أعرف الخط فوجدت فيه

(1/112)


بسم الله الرحمن الرحيم اتفق أصحاب الحديث أن ابا الحسن علي بن اسماعيل الأشعري رضي الله عنه كان إماما من أئمة أصحاب الحديث ومذهبه مذهب أصحاب الحديث تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من اهل الزيغ والبدعة وكان من المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين من الملة سيفا مسلولا ومن طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الذكر في ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر وكتبه عبد الكريم بن هوازن القشيري وفيه بخط أبي عبد الله الخبازي المقري كذلك يعرفه محمد بن علي الجنازي وهذا خطه وبخط الإمام أبي محمد الجويني الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه وكتبه عبد الله بن يوسف وبخط أبي الفتح الشاشي الأمر على هذه الجملة التي ذكرت وكتبه نصر بن محمد الشاشي بخطه وبخط آخر الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه وكتبه علي بن أحمد الجويني بخطه وبخط أبي الفتح العمري الهروي الفقيه الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه وكتبه ناصر بن الحسين بخطه وبخط الأيوبي الأمر على الجملة التى ذكرت فيه وكتبه احمد بن محمد بن الحسن بن أبي أيوب بخطه وبخط آخيه الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه وكتبه علي بن محمد بن أبي أيوب بخطه وبخط الإمام أبي عثمان الصابوني الأمر على الجملة المذكورة وكتبه اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وبخط ابنه أبي نصر الصابوني الأمر

(1/113)


على الجملة المذكورة صدر هذا الذكر وكتبه عبد الله بن اسماعيل الصابوني وبخط الشريف البكري الأمر على نحو ما بين درج هذا الذكر وكتبه علي بن الحسن البكري الزبيري بخطه وبخط آخر هو إمام من أئمة أصحاب الحديث والأمر على ما وصف في هذا الذكر وكتبه محمد بن الحسن بيده وبخط أبي الحسن الملقاباذي أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه إمام من أئمة أصحاب الحديث ورئيس من رؤسائهم في أصول الدين وطريقته طريقة السنة والجماعة ودينه واعتقاده مرضي مقبول عند الفريقين وكتبه علي بن محمد الملقاباذي بخطه وبخط عبد الجبار الاسفرايني بالفارسية أين بو الحسن أشعري إمام أست كه خداوند عزوجل اين آيت درشان وي فرستاد فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ومصطفى عليه السلام درآن وقت بجدوى اشارت كردبو موسى اشعري فقال
هم قوم هذا وكتبه عبد الجبار بن علي بن محمد الاسفرايني بخطه وبخط إبنه هكذا يقول محمد بن عبد الجبار بن محمد قال الإمام الحافظ رضي الله عنه نقلت هذه الخطوط على نصها من ذلك الدرج ونقلها غيري من الفقهاء وتفسير قول هذا الفارسي
هذا أبو الحسن كان إماما ولما أنزل الله عزوجل قوله فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أشار المصطفى صلى الله عليه و سلم إلى أبي موسى رضي الله عنه وقال
هم قوم هذا

(1/114)


وذكر الشيخ الإمام ركن الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني رحمه الله في آخر كتاب صنفه وسماه عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي رحمه الله وكافة أهل السنة والجماعة وقال ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد ويجب التعيين في الأصول فاما الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى ومذهب الشيخ أبي الحسن رحمه الله تصويب المجتهدين في الفروع وليس ذلك مذهب الشافعي رضي الله عنه وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي رضي الله عنهم فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه ومن هذا القبيل قوله أن لا صيغة للأمر وتقل وتعز مخالفته أصول الشافعي رضي الله عنه ونصوصه وربما نسب المبتدعون إليه إنه يقول ليس في المصحف قرآن ولا في القبر نبي وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي قدرة الخلق في الأزل وتكفير العوام وإيجاب علم الدليل عليهم وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه وتأملت نصوصه في هذه المسائل فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه ولا عجب أن إعترضوا عليه واخترصوا فإنه رحمه الله فاضح القدرية وعامة المبتدعة وكاشف عوراتهم ولا خير فيمن لا يعرف حاسده
قال الإمام الحافظ رضي الله عنه قرأت في كتاب أبي يعقوب

(1/115)


يوسف بن علي بن محمد المؤدب الذي قرأه على أبي الفتوح بن عباس عن عبيد الله بن أحمد بن محمد الرجراجي قال نا أبو عبد الله محمد بن موسى بن عمار الكلاعي المايرقي الفقيه قال
أعظم ما كانت المحنة يعني المعتزلة زمن المأمون والمعتصم فتورع من مجادلتهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه فموهوا بذلك على الملوك وقالوا لهم إنهم يعنون أهل السنة يفرون من المناظرة لما يعلمونه من ضعفهم عن نصرة الباطل وإنهم لا حجة بأيدهم وشنعوا بذلك عليهم حتى امتحن في زمانهم أحمد ابن حنبل وغيره فأخذ الناس حينئذ بالقول بخلق القرآن حتى ما كان تقبل شهادة شاهد ولا يستقضي قاض ولا يفتى مفت لا يقول بخلق القرآن وكان في ذلك الوقت من المتكلمين جماعة كعبد العزيز المكي والحارث المحاسبي وعبد الله بن كلاب وجماعة غيرهم وكانوا أولي زهد وتقشف لم يروا احد منهم أن يطأ لأهل البدع بساطا ولا أن يداخلهم فكانوا يردون عليهم ويؤلفون الكتب في إدحاض حججهم إلى أن نشأ بعدهم وعاصر بعضهم بالبصرة أيام اسماعيل القاضي ببغداد أبو الحسن علي بن اسماعيل بن أبي بشر الأشعري رضي الله عنه وصنف في هذا العلم لأهل السنة التصانيف وألف لهم التواليف حتى أدحض حجج المعتزلة وكسر شوكتهم وكان يقصدهم بنفسه يناظرهم فكلم في ذلك وقيل له كيف تخالط أهل البدع وتقصدهم بنفسك وقد أمرت بهجرهم فقال هم أولوا رياسة معهم الوالي والقاضي ولرياستهم لا ينزلون إلي فإذا كانوا هم لا ينزلون إلي ولا أسير أنا إليهم فكيف يظهر الحق

(1/116)


ويعلمون أن لأهل السنة ناصرا بالحجة وكان أكثر مناظرته مع الجبائي المعتزلي وله معه في الظهور عليه مجلس كثيرة فلما كثرت تواليفه ونصر مذهب السنة وبسطه تعلق بها اهل السنة من المالكية والشافعية وبعض الحنفية فأهل السنة بالمغرب والمشرق بلسانه يتكلمون وبحجته يحتجون وله من التواليف والتصانيف ما لا يحصى كثرة وكان ألف في القرآن كتابه الملقب بالمختزن ذكر لي بعض أصحابنا إنه رأى منه طرفا وكان بلغ سورة الكهف وقد انتهى مائة كتاب ولم يترك آية تعلق بها بدعي إلا بطل تعلقه بها وجعلها حجة لأهل الحق وبين المجمل وشرح المشكل ومن وقف على تواليفه رأى أن الله تعالى قد أمده بمواد توفيقه وأقامه لنصرة الحق والذب عن طريقه وكان في مذهبه مالكيا على مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه وقد كان ذكر لي بعض من لقيت من الشافعية انه كان شافعيا حتى لقيت الشيخ الفاضل رافعا الحمال الفقيه فذكر لي عن شيوخه أن ابا الحسن الأشعري رضي الله عنه كان مالكيا فنسب من تعلق اليوم بمذهب

(1/117)


أهل السنة وتفقه في معرفة أصول الدين من سائر المذاهب إلى الأشعري لكثرة تواليفه وكثرة قراءة الناس لها ولم يكن هو اول متكلم بلسان أهل السنة إنما جرى على سنن غيره وعلى نصرة مذهب معروف فزاد المذهب حجة وبيانا ولم يبتدع مقالة أخترعها ولا مذهبا إنفرد به إلا ترى ان مذهب أهل المدينة ينسب إلى مالك بن أنس رضي الله عنه ومن كان على مذهب اهل المدينة يقال له مالكي ومالك رضي الله عنه إنما جرى على سنن من كان قبله وكان كثير الإتباع لهم إلا إنه زاد المذهب بيانا وبسطا وحجة وشرحا وألف كتابه الموطأ وما أخذ عنه من الأسمعة والفتاوي فنسب المذهب إليه لكثرة بسطه له وكلامه فيه فكذلك أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه لا فرق وليس له في المذهب اكثر من بسطه وشرحه وتواليفه في نصرته فنجب من تلامذته خلق كثير بالمشرق وكانت شوكة المعتزلة بالعراق شديدة إلى أن كان زمن الملك فناخسره وكان ملكا يحب العلم والعلماء وكانت له مجالس يقعد فيها للعلماء ومناظرتهم وكان قاضي القضاة في وقته معتزليا فقال له فناخسره يوما هذا المجلس عامر من العلماء إلا إني لا أرى

(1/118)


أحدا من أهل السنة والاثبات ينصر مذهبه فقال له إن هؤلاء القوم عامة رعاع أصحاب تقليد وأخبار وروايات يروون الخبر وضده ويعتقدونهما وأحدهما ناسخ للثاني أو متأول ولا أعرف منهم أحدا يقوم بهذا الأمر وهذا الفاسق إنما أراد إطفاء نور الحق ويأبى الله إلا أن يتم نوره ثم أقبل يمدح المعتزلة ويثني عليهم بما استطاع فقال الملك محال أن يخلو مذهب طبق الأرض من ناصر ينصره فانظروا أي موضع يكون مناظر ليكتب فيه ويحضر مجلسنا فلما عزم في ذلك وكان ذلك العزم امرا من الله أراد به نصرة الحق فقال له اصلح الله الملك أخبروني أن بالبصرة رجلين شيخا وشابا أحدهما يعرف بأبي الحسن الباهلي والشاب يعرف بابن الباقلاني وكانت حضرة الملك يومئذ بشيراز فكتب الملك إلى العامل ليبعثهما إليه وأطلق مالا لنفقتهما من طيب المال قال القاضي أبو بكر بن الباقلاني فلما وصل الكتاب إلينا قال الشيخ وبعض أصحابنا هؤلاء القوم فسقة لا يحل لنا ان نطأ بساطهم وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال إن مجلسه مشتمل على اصحاب المحابر كلهم ولو كان ذلك لله عزوجل خالصا لنهضت فأنا لا أحضر عند قوم هذه صفتهم فقال القاضي رضي الله عنه كذا قال ابن كلاب والمحاسبي ومن كان في عصرهما من المتكلمين أن المأمون لا نحضر مجلسه حتى ساق أحمد إلى طرسوس ثم مات المأمون وردوه إلى المعتصم فامتحنه وضربه وهؤلاء أسلموه ولو مروا إليه وناظروه لكفوه عن هذا الأمر فإنه كان يزعم أن القوم ليست لهم حجة على

(1/119)


دعاويهم فلو مروا إليه وبينوا للمعتصم لارتدع المعتصم ولكن اسلموه فجرى على احمد بن حنبل رضي الله عنه ما جرى وأنت أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على احمد ويقولون بخلق القرآن ونفي رؤية الله تعالى وها أنا خارج إن لم تخرج قال فخرجت مع الرسول نحو شيراز في البحر حتى وصلت إليها ثم ذكر من دخوله على الملك ومناظرته مع المعتزلة وقطعه إياهم ما ذكر قال ثم دفع إليه الملك ابنه يعلمه مذهب أهل السنة وألف له كتاب التمهيد فتعلق أهل السنة به تعلقا شديدا وكان القاضي أبو بكر رضي الله عنه فارس هذا العلم مباركا على هذه الأمة كان يلقب شيخ السنة ولسان الأمة وكان مالكيا فاضلا متورعا ممن لم يحفظ عليه زلة قط ولا انتسبت إليه نقيصة ذكر يوما عند شيخنا أبي عبد الله الصيرفي رحمة الله عليه فقال كان صلاح القاضي أكثر من علمه وما نفع الله هذه الأمة بكتبه وبثها فيهم إلا لحسن سريرته ونيته واحتسابه ذلك عند ربه وذكر من فضله كثيرا وحكى بعض شيوخنا أن القاضي كان يدرس نهاره وأكثر ليله وكان حصنا من حصون المسلمين وما سر أهل البدعة بشيء كسرورهم بموته رحمة الله عليه ورضوانه إلا إنه خلف بعده من تلاميذه جماعة كثيرة تفرقوا في البلاد اكثرهم بالعراق وخراسان ونزل منهم إلى المغرب رجلان أحدهما أبو عبد الله الأندي رضي الله عنه وبه انتفع أهل القيروان وترك بها من تلاميذه مبرزين مشاهير جماعة أدركت أكثرهم وكان رجلا ذا علم وأدب أخبرني بعض شيوخنا عنه رحمه الله

(1/120)


إنه قال لي خمسون عاما متغربا عن أهلي ووطني ولم أكن فيها إلا على كور جمل أو بيت فندق أطلب العلم آخذا له ومأخوذا عني وقال لي غيره من شيوخنا ما قدر أحد من تلاميذه يعطيه على تعليمه له شيئا من عرض الدنيا وكان يقول تعليمي هذا العلم أوثق أعمالي عندي فأخاف أن تدخله داخلة أن أخذت عليه أجرا ولا أحتسب أجري فيه إلا على الله ولقد كان يتركنا في بيته ونحن جماعة ثم يذهب إلى السوق فيشتري غداءه أو عشاءه ثم ينصرف به في يده فكنا نقول له ياسيدنا الشيخ نحن شباب جماعة كلنا نرغب في قضاء حاجتك في المهم العظيم فكيف في هذا الأمر اليسير نسألك بالله العظيم إلا ما تركتنا وقضاء حوائجك فإن هذا من العار العظيم علينا فكان يقول لنا بارك الله فيكم ما يخفى علي أنكم مسارعون لهذا الأمر ولكن قد علمتم عذري وأخاف أن يكون هذا من بعض أجري على تعليمي وتوفي بالقيروان غريبا رحمة الله عليه ورضوانه والثاني أبو طاهر البغدادي الناسك الواعظ كان رجلا صالحا شيخا كبيرا منقطعا في طرف البلد أدركته بالقيروان لا يدرس لكبره وكنا نقصده في الجامع لفضله ودعائه وكان يذكر لنا بعض المسائل وشيئا من أخبار القاضي رحمه الله وكان الفقيه أبو عمران يعني الفاسي رحمه الله يقول لو كان علم الكلام طيلسانا ما تطيلس به إلا أبو طاهر البغدادي وكان رحمه الله حسن الخط مليح اللفظ جميل الشيبة غزير الدمعة كان يعظ في مؤخر الجامع بعد صلاة الجمعة ولم يكن بالقيروان عالم مذكور وهو عالم بعلم الأصول إلا وقد

(1/121)


أخذ ذلك عنه كمحمد بن سحنون وابن الحداد ولولاه لضاع العلم بالمغرب ومن الشيوخ المتأخرين المشاهير أبو محمد بن ابي زيد وشهرته تغني عن ذكر فضله اجتمع فيه العقل والدين والعلم والورع وكان يلقب بمالك الصغير وخاطبه من بغداد رجل معتزلي يرغبه في مذهب الإعتزال ويقول له إنه مذهب مالك واصحابه فجاوبه بجواب من وقف عليه علم إنه كان نهاية في علم الأصول رضي الله عنه وبعده ومعه الشيخ الفاضل الكامل أبو الحسن القابسي متأخر في زمانه متقدم في شأنه جمع العلم والعمل والرواية والدراية من ذوي الإجتهاد في العباد والزهاد مجاب الدعوة له مناقب يضيق عنها هذا الكتاب كان عالما بالأصول والفروع والحديث وغير ذلك من الرقائق ودقيق الورع وله رسالة في أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه أحسن الثناء عليه وذكر فضله وإمامته ثم ذكر الكلاعي جماعة من أفاضل هذا العلم بالمغرب تركت ذكرهم تجنبا للإطالة خوفا من السآمة والملالة قال الشيخ الإمام الحافظ رضي الله عنه قرأت بخط بعض أهل العلم بالفقه والحديث من أهل الأندلس ممن أثق به فيما يحكيه وأصدقه فيما يرويه في جواب سؤال سئل عنه ابو الحسن علي الفقيه القيرواني المعروف بابن القابسي وهو من كبار أئمة المالكية بالمغرب سأله عنه بعض أهل تونس من بلاد المغرب فكان في جوابه له أن قال واعلموا أن ابا الحسن الأشعري رضي الله عنه لم يأت من هذا الأمر يعني الكلام إلا مااراد به إيضاح السنن والتثبيت عليها ودفع الشبه عنها فهمه من فهمه بفضل الله عليه وخفي عمن

(1/122)


خفي بقسم الله وله وما ابو الحسن الأشعري إلا واحد من جملة القائمين بنصر الحق ما سمعنا من أهل الإنصاف من يؤخره عن رتبته ذلك ولا من يؤثر عليه في عصره غيره ومن بعده من أهل الحق سلكوا سبيله في القيام بأمر الله عزوجل والذب عن دينه حسب اجتهادهم قال وأما قولكم وإن كان التوحيد لا يتم إلا بمقالة الأشعري فهذا يدل على إنكم فهمتم أن الأشعري قال في التوحيد قولا خرج به عن أهل الحق فإن كان قد نسب هذا المعنى عدكم إلى الأشعري فقد ابطل من قال ذلك عليه لقد مات الأشعرى رضي الله عنه يوم مات وأهل السنة باكون عليه وأهل البدع مستريحون منه فما عرفه من وصفه بغير هذا قال رضي الله عنه وقرأت بخط علي بن بقاء المصري الوراق المحدث في رسالة كتب بها ابو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي جوابا لعلي بن أحمد بن اسمعيل البغدادي المعتزلي حين ذكر أبا الحسن الأشعري رضي الله عنه ونسبه إلى ما هو بريء منه مما جرت عادة المعتزلة باستعمال مثله في حقه فقال ابن ابي زيد في حق أبي الحسن هو رجل مشهور إنه يرد على أهل البدع وعلى القدرية والجهمية متمسك بالسنن حدثني الثقة من أصحابنا قال نا القاضي أبو اسحق

(1/123)


إبراهيم بن علي بن الحسين الشيباني الطبري ثم المكي من لفظه ببغداد وقد لقيت أنا القاضي أبا اسحق ببغداد وصاحبته في طريق مكة ولم اسمع منه شيئا قال نا الحافظ أبو نعيم عبيد الله بن الحسن بن أحمد بن الحسن بأصبهان نا ابو إبراهيم أسعد بن مسعود العتبي بنيسابور أخبرنا الأستاذ الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي قال سمعت عبد الله بن محمد بن طاهر الصوفي يقول رأيت أبا الحسن الأشعري رضي الله عنه في مسجد البصرة وقد أبهت المعتزلة في المناظرة فقال له بعض الحاضرين قد عرفنا تبحرك في علم الكلام وأنا أسألك عن مسألة ظاهرة في الفقه فقال سل عما شئت فقال له ما تقول في الصلاة بغير فاتحة الكتاب فقال نا زكريا بن يحيى الساجي نا عبد الجبار نا سفيان حدثني الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه و سلم قال
لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب قال وحدثنا زكريا نا بندار نا يحيى بن سعيد عن جعفر بن ميمون حدثني أبو عثمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أمرني رسول الله صلى عليه وسلم أن أنادي بالمدينة إنه لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب قال فسكت السائل ولم يقل شيئا قال الإمام الحافظ رضي الله عنه وفي هذه الحكاية دلالة للذكي الألمعي أن ابا الحسن كان يذهب مذهب الشافعي وكذلك

(1/124)


ذكر أبو بكر بن فورك الأصبهاني في كتاب طبقات المتكلمين وذكره غيره من أئمتنا وشيوخنا الماضين فكفى أبا الحسن فضلا أن يشهد بفضله مثل هؤلاء الأئمة وحسبه فحرا أن يثني عليه الأماثل من علماء الأمة ولا يضره قدح من قدح فيه لقصور الفهم ودناءة الهمة ولم يبرهن على ما يدعيه في حقه إلا بنفس الدعوى ومجرد التهمة باب ذكر مااشتهر به أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه من العلم وظهر به من وفور المعرفة به والفهم
أخبرنا الشيخ أبو المظفر أحمد بن الحسن بن محمد البسطامي بها أنا جدي لأمي الشيخ الإمام أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد بن الحسين بن سهل السهلكي ببسطام قال سمعت سفيان المتكلم الصوفي رحمه الله يقول سمعت الشيخ أحمد العريماني رحمه الله يقول سمعت الأستاذ أبا اسحق يعني إبراهيم بن محمد الاسفرايني الفقيه الصولي يقول كنت في جنب الشيخ أبي الحسن الباهلي كقطرة في البحر سمعت الشيخ أبا الحسن الباهلي قال كنت أنا في جنب الشيخ الأشعري كقطرة في جنب البحر قرأت بخط بعض أهل العلم فيما حكى عن ابي عمرو عثمن ابن أبي بكر حمود السفاقسي قال سمعت القاضي تاج العلماء أبا جعفر السمناني بالموصل يقول سمعت القاضي لسان الأمة أبا بكر بن الطيب يقول وقد قيل له كلامك أفضل وأبين من كلام أبي الحسن الأشعري

(1/125)


رحمه الله فقال والله إن افضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن رحمه الله أخبرنا الشيخ أبو المعالي محمد بن اسميل بن محمد بن الحسين الفارسي أنا ابو بكر أحمد بن الحسين بن علي الحافظ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أحمد بن محمد بن سلمة العنزي نا عثمان بن سعيد الدارمي نا عبد الله بن صالح عن معوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عزوجل أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم قال يعني أهل الفقه والدين وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم ويامرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر فأوجب الله عزوجل طاعتهم وأخبرنا الشيخ أبو المعالي الفارسي أنا ابو بكر الحافظ نا ابو بكر محمد بن الحسن بن فورك أنا عبد الله بن جعفر نا يونس بن حبيب نا ابو داود نا الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي اسحق عن سويد بن غفلة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
أي عرى الإسلام أوثق قال قلت الله ورسوله أعلم قال الولاية في الله الحب في الله والبغض في الله ويا عبد الله أتدري أي الناس أعلم قلت الله ورسوله أعلم قال فإن أعلم الناس أعلمهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على أسته قال ونا ابو بكر بن فورك أنا عبد الله بن جعفر نا يونس بن حبيب نا ابو داود نا جرير بن حازم عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال من كان عنده علم فليقل بعلمه ومن لم يكن عنده علم فليقل الله أعلم

(1/126)


قال الإمام الحافظ رضي الله عنه فكانت هذه صفة الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه عند ظهور البدع ووقوع الفتن فعلم الناس معاني دينهم وأوضح الحجج لتقوية يقينهم وأمرهم بالمعروف فيما يجب اعتقاده من تنزيه الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته وبين لهم ما يجوز اطلاقه عليه عزوجل من أسمائه الحسنى وصفاته ونهاهم عن المنكر من تشبيه صفات المحدثين وذواتهم بأوصافه أو ذاته فكانت طاعته فيما أمربه من التوحيد مقربة للمقتدي به إلى مرضاته لأنه كان في عصره علم الخلق بما يجوز أن يطلق في وصف الحق فأظهر في مصنفاته ما كان عنده من علمه فهدى الله به من وفقه من خلقه لفهمه قال أبو بكر بن فورك رحمه الله انتقل الشيخ أبو الحسن علي بن اسمعيل الأشعري رضي الله عنه من مذاهب المعتزلة إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة بالحجج العقلية وصنف في ذلك الكتب وهو بصري من أولاد أبي موسى الأشعري رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو الذي فتح كثيرا من بلاد العجم منها كور الأهواز ومنها أصبهان وكان نفر من أولاد أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بالبصرة وإلى وقت الشيخ أبي الحسن منهم من كان يذكر بالرياسة فلما وفق الله الشيخ أبا الحسن ما كان عليه من بدع المعتزلة وهداه إلى ما يسره من نصرة أهل السنة والجماعة ظهر امره وانتشرت كتبه بعد الثلثمائة وبقى إلى سنة أربع وعشرين وثلثمائة وممن تخرج به ممن اختلف إليه واستفاد منه المعروف بأبي الحسن الباهلي وكان إماميا في الأول رئيسيا مقدما

(1/127)


فانتقل عن مذهبهم بمناظرة جرت له مع الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه ألزمه فيها الحجة حتى بان له الخطأ فيما كان عليه من مذاهب الإمامية فتركها واختلف إليه ونشر علمه بالبصرة واستفاد منه الخلق الكثيرون ثم تخرج به أيضا المعروف بأبي الحسن الرماني وكان مقدما في أصحابه وكذلك تخرج به أبو عبد الله حمويه السيرافي وطالت صحبته له وعاد إلى سيراف وانتفع به من هناك ورأيت من أصحابه بشيراز من لقيه ودرس عليه وممن صحب الشيخ أبا الحسن ببغداد واستفاد منه من اهل خراسان الشيخ أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي وكذلك الفقيه أبو زيد المرزوي والفقيه أبو سهل الصعلوكي النيسابوري وممن صحبه أبو نصر الكوازي بشيراز فإنه قصده ونسخ منه كثيرا من كتبه منها كتابه في النقض على الجبائي في الأصول يشتمل على نحو من أربعين جزءا نسخت أنا من كتابه الذي نسخه من نسخة الشيخ أبي الحسن بالبصرة
فأما أسامي كتب الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه مما صنفه إلى سنة عشرين وثلثمائة فإنه ذكر في كتابه الذي سماه العمد في الرؤية أسامي أكثر كتبه فمن ذلك إنه ذكر إنه صنف كتابا سماه الفصول في الرد على الملحدين والخارجين عن الملة كالفلاسفة والطبائعيين والدهريين وأهل التشبيه والقائلين بقدم الدهر على اختلاف مقالاتهم وأنواع مذاهبهم ثم رد فيه على البراهمة واليهود والنصارى والمجوس وهو كتاب كبير يشتمل على اثني عشر كتابا

(1/128)


أول كتاب اثبات النظر وحجة العقل والرد على من أنكر ذلك ثم ذكر علل الملحدين والدهريين مما احتجوا بها في قدم العالم وتكلم عليها واستوفى ما ذكره ابن الراوندي في كتابه المعروف بكتاب التاج وهو الذي نصر فيه القول بقدم العالم وذكر بعده الكتاب الذي سماه كتاب الموجز وذلك يشتمل على اثني عشر كتابا على حسب تنوع مقالات المخالفين من الخارجين عن الملة والداخلين فيها وآخره كتاب الإمامة تكلم في اثبات إمامة الصديق رضي الله عنه وابطل قول من قال بالنص وإنه لا بد من إمام معصوم في كل عصر قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في كتاب العمد وألفنا كتابا في خلق الأعمال نقضنا فيه اعتلالات المعتزلة والقدرية في خلق الأعمال وكشفنا عن تمويههم في ذلك قال وألفنا كتابا كبيرا في الإستطاعة على المعتزلة نقضنا فيه استدلالاتهم على إنها قبل الفعل ومسائلهم وجواباتهم قال وألفنا كتابا كبيرا في الصفات تكلمنا على اصناف المعتزلة والجهمية والمخالفين لنا فيها في نفيهم علم الله وقدرته وسائر صفاته وعلى أبي الهذيل ومعمر والنظام والفوطي وعلى من قال بقدم العالم وفي فنون كثيرة من فنون الصفات في اثبات الوجه لله واليدين وفي استوائه على العرش وعلى الناشي ومذهبه في الأسماء والصفات قال وألفنا كتابا في جواز رؤية الله بالأبصار نقضنا فيه جميع إغتلالات المعتزلة في نفيها وإنكارها وإبطالها قال وألفنا كتابا كبيرا ذكرنا فيه إختلاف الناس في الأسماء والأحكام والخاص والعام قال وألفنا

(1/129)


كتابا في الرد على المجسمة وألفنا كتابا آخر في الجسم نرى أن المعتزلة لا يمكنهم أن يجيبوا عن مسائل الجسمية كما يمكننا ذلك وبينا لزوم مسائل الجسمية على اصولهم قال وألفنا كتابا سميناه كتاب ايضاح البرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان جعلناه مدخلا إلى الموجز تكلمنا فيه في الفنون التي تكلمنا فيها في الموجز وألفنا كتابا لطيفا سميناه كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع وألفنا كتابا سميناه اللمع الكبير جعلناه مدخلا إلى ايضاح البرهان وألفنا اللمع الصغير جعلناه مدخلا إلى اللمع الكبير والفنا كتابا سميناه كتاب الشرح والتفصيل في الرد على أهل الافك والتضليل جعلناه للمبتدئين ومقدمة ينظر فيها قبل كتاب اللمع وهو كتاب يصلح للمتعلمين وألفنا كتابا مختصرا جعلناه مدخلا إلى الشرح والتفصيل قال وألفنا كتابا كبيرا نقضنا فيه الكتاب المعروف بالأصول على محمد ابن عبد الوهاب الجبائي كشفنا عن تمويهه في سائر الأبواب التي تكلم فيها من أصول المعتزلة وذكرنا ما للمعتزلة من الحجج في ذلك بما لم يأت به ونقضناه بحجج الله الزاهرة وبراهينه الباهرة يأتي كلامنا عليه في نقضه في جميع مسائل المعتزلة وأجوبتها في الفنون التي اختلفنا نحن وهو فيها قال وألفنا كتابا كبيرا نقضنا فيه الكتاب المعروف بنقض تأويل الأدلة على البلخي في أصول المعتزلة وأبنا عن شبهه التي أوردها بأدلة الله الواضحة وأعلامه اللائحة وضممنا إلى ذلك نقض ما ذكره من الكلام في الصفات في عيون المسائل والجوابات وألفنا كتابا في

(1/130)


مقالات المسلمين يستوعب جميع اختلافاتهم ومقالاتهم وألفنا كتابا في جمل مقالات الملحدين وجمل أقاويل الموحدين سميناه كتاب جمل المقالات والفنا كتابا كبيرا في الصفات وهو أكبر كتبه سميناه كتاب الجوابات في الصفات عن مسائل أهل الزيغ والشبهات نقضنا فيه كتابا كنا ألفناه قديما فيها على تصحيح مذهب المعتزلة لم يؤلف لهم كتاب مثله ثم أبان الله سبحانه لنا الحق فرجعنا عنه فنقضناه وأوضحنا بطلانه والنفا كتابا على ابن الراوندي في الصفات والقرىن وألفنا كتابا نقضنا فيه كتابا للخالدي ألفه في القرآن والصفات قبل أن يؤلف كتابه الملقب بالملخص والفنا كتابا نقضنا به كتابا للخالذي في اثبات حدث إرادة الله تعالى و وأنه شاء ما لم يكن وكان ما لم يشأ وأوضحنا بطلان قوله في ذلك وسميناه القامع لكتاب الخالدي في الإرادة والفنا كتابا نقضنا فيه كتابا للخالدي في المقالات سماه المهذب سمينا نقضه فيما نخالفه فيه من كتابه الدافع للمهذب ونقضنا كتابا للخالدي نفى فيه رؤية الله تعالى بالأبصار والفنا على الخالدي كتابا نقضنا فيه كتابا ألفه في نفي خلق الأعمال وتقديرها عن رب العالمين وألفنا كتابا نقضنا به على البلخي كتابا ذكر إنه أصلح به غلط ابن الراوندي في الجدل والفنا كتابا في الاستشهاد أرينا فيه كيف يلزم المعتزلة على محجتهم في الاستشهاد بالشاهد على الغائب أن يثبتوا علم الله وقدرته وسائر صفاته والفنا كتابا سميناه المختصر في التوحيد والقدر في أبواب من الكلام منها الكلام في اثبات رؤية الله بالأبصار والكلام

(1/131)


في سائر الصفات والكلام في أبواب القدر كلها وفي التوليد وفي التعجيز والتجوير وسألناهم فيه عن مسائل كثيرة ضاقوا بالجواب عنها ذرعا ولم يجدوا إلى الإنفكاك عنها بحجة سبيلا وألفنا كتابا في شرح أدب الجدل وألفنا كتابا سميناه كتاب الطبريين في فنون كثيرة من المسائل الكثيرة وألفنا كتابا سميناه جواب الخراسانية في ضروب من المسائل كثيرة وألفنا كتابا سميناه كتاب الارجانيين في أبواب مسائل الكلام وألفنا كتابا سميناه جواب السيرافيين في أجناس الكلام وألفنا كتابا سميناه جواب العمانيين في أنواع من الكلام والفنا كتابا سميناه جواب الجرجانيين في مسائل كانت تدور بيننا وبين المعتزلة وألفنا كتابا سميناه جواب الدمشقيين في لطائف من الكلام وألفنا كتابا سميناه جواب الواسطيين في فنون من الكلام وألفنا كتابا سميناه جوابات الرامهرمزيين وكان بعض المعتزلة من رامهرمز كتب إلي يسألني الجواب عن مسائل كانت تدور في نفسه فأجبت عنها وألفنا كتابا سميناه المسائل المنثورة البغدادية وفيه مجالس دارت بيننا وبين أعلام المعتزلة وألفنا كتابا سميناه المنتخل في المسائل المنثورات البصريات وألفنا كتابا سميته كتاب الفنون في الرد على الملحدين والفت كتاب النوادر في دقائق الكلام وألفت كتابا سميته كتاب الإدراك في فنون من لطائف الكلام وألفت نقض الكتاب المعروف باللطيف على الاسكافي وألفت كتابا نقضت

(1/132)


فيه كلام عباد بن سليمان في دقائق الكلام والفت كتابا نقضت فيه كتابا على علي بن عيسى من تأليفه وألفنا كتابا في ضروب من الكلام سميناه المختزن ذكرنا فيه مسائل للمخالفين لم يسألونا عنها ولا سطروها في كتبهم ولم يتجهوا للسؤال وأجبنا عنها بما وفقنا الله تعالى له والفنا كتابا في باب شىء وأن الأشياء هي أشياء وإن عدمت رجعنا عنه ونقضناه فمن وقع إليه فلا يعولن عليه وألفنا كتابا في الإجتهاد في الأحكام والفنا كتابا في أن القياس يخص ظاهر القرآن والفنا كتابا في المعارف لطيفا والفنا كتابا في الأخبار وتخصيصها وألفنا كتابا سميناه الفنون في أبواب من الكلام غير كتاب الفنون الذي ألفناه على الملحدين والفنا كتابا سميناه جواب المصريين أتينا فيه على كثير من ابواب الكلام والفنا كتابا في ان العجز عن الشيء غير العجز عن ضده وأن العجز لا يكون إلا من الموجود نصرنا فيه من قال من أصحابنا بذلك وألفنا كتابا فيه مسائل على أهل التثنية سميناه كتاب المسائل على أهل التثنية وألفنا كتابا مجردا ذكرنا فيه جميع إعتراض الدهريين في قول الموحدين أن الحوادث أولا إنها لا تصح وأنها لا تصح إلا من محدث وفي أن المحدث واحد وأجبناهم عنه بما فيه اقناع للمسترشدين وذكرنا أيضا اعتلالات لهم في قدم الأجسام وهذا الكتاب غير كتبنا التي ذكرناها في صدر كتابنا هذا وهو مرسوم بالاستقصاء لجميع اعتراض الدهريين وسائر أصناف الملحدين وألفنا كتابا على الدهريين في اعتلالاتهم

(1/133)


في قدم الأجسام بأنها لا تخلو أن لو كانت محدثة من أن يكون أحدثها لنفسه أو لعلة والفنا كتابا نقضنا به اعتراضا على داود بن علي الأصبهاني في مسئلة الإعتقاد وألفنا كتاب تفسير القرآن رددنا فيه على الجبائي والبلخي ما حرفا من تأويله وألفنا كتاب زيادات النوادر والفنا كتابا سميناه جوابات أهل فارس والفنا كتابا أخبرنا فيه عن اعتلال من زعم أن الموات يفعل بطبعه ونقضنا عليهم اعتلالهم وأوضحنا عن تمويههم وألفنا كتابا في الرؤية نقضنا به اعتراضات اعترض بها علينا الجبائي في مواضع متفرقة من كتب جمعها محمد بن عمر الصيمري وحكاها عنه فأبنا عن فسادها وأوضحناه وكشفناه وألفنا كتابا سميناه الجوهر في الرد على أهل الزيغ والمنكر وألفنا كتابا أجبنا فيه عن مسائل الجبائي في النظر والاستدلال وشرائطه وألفنا كتابا سميناه أدب الجدل وألفنا كتابا في مقالات الفلاسفة خاصة وألفنا كتابا في الرد على الفلاسفة يشتمل على ثلاث مقالات ذكرنا فيه نقض علل ابن قيس الدهري وتكلمنا فيه على القائلين بالهيولي والطبائع ونقضنا فيه علل أرسطو طاليس في السماء والعالم وبينا ما عليهم في قولهم باضافة الأحداث إلى النجوم وتعليق أحكام السعادة والشقاوة بها

(1/134)


قال أبو بكر محمد بن فورك هذا هو أسامي كتبه التي ألفها إلى سنة عشرين وثلثمائة سوى أماليه على الناس والجوابات المتفرقة عن المسائل الواردات من الجهات المختلفات وسوى ما أملاه على الناس مما لم يذكر أساميه ههنا وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وثلثمائة وصنف فيها كتبا منها كتاب نقض المضاهاة على الاسكافي في التسمية بالقدر وكتاب العمد في الرؤية وكتاب في معلومات الله ومقدوراته إنه لا نهاية لها على أبي الهذيل وكتاب على حارث الوراق في الصفات فيما نقض على ابن الراوندي وكتاب على اهل التناسخ وكتاب في الرد في الحركات على أبي الهذيل وكتاب على أهل المنطق ومسائل سئل عنها الجبائي في الأسماء والأحكام ومجالسات في خبر الواحد واثبات القياس وكتاب في أفعال النبي صلى الله عليه و سلم تسليما وكتاب في الوقوف والعموم وكتاب في متشابه القرآن جمع فيه بين المعتزلة والملحدين فيما يطعنون به في متشابه الحديث ونقض كتاب التاج على ابن الراوندي وكتاب فيه بيان مذهب النصارى وكتاب في الإمامة وكتاب فيه الكلام على النصارى مما يحتج به عليهم من سائر الكتب التي يعترفون بها وكتاب في النقض على ابن الراوندي في إبطال التواتر وفيما يتعلق به الطاعنون على التواتر ومسائل في اثبات الإجماع وكتاب في حكايات مذاهب المجسمة وما يحتجون به وكتاب نقض شرح الكتاب وكتاب في مسائل جرت بينه وبين أبي الفرج

(1/135)


المالكي في علة الخمر ونقض كتاب آثار العلوية على أرسطو طاليس وكتاب في جوابات مسائل لأبي هاشم استملاها ابن أبي صالح الطبري وكتابه الذي سماه الاحتجاج وكتاب الأخبار الذي أملاه على البرهان وذلك آخر ما بلغنا من أسامي تصانيفه وله كتاب في دلائل النبوة مفرد وكتاب آخر في الإمامة مفرد
قال الشيخ الإمام الحافظ رضي الله عنه هذا آخر ما ذكره أبو بكر بن فورك من تصانيفه وقد وقع إلي أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه فمنها رسالة الحث على البحث ورسالة في الإيمان وهل يطلق عليه اسم الخلق وجواب مسائل كتب بها إلى أهل الثغر في تبيين ما سألوه عنه من مذهب أهل الحق وأخبرني الشيخ أبو القاسم بن نصر الواعظ في كتابه عن أبي المعالي بن عبد الملك القاضي قال سمعت من أثق به قال رأيت تراجم كتب الإمام أبي الحسن فعددتها أكثر من مائتين وثلثمائة مصنف وفي ذلك ما يدل على سعة علمه وينبىء الجاهل به عن غزارة فهمه وخطبته في أول كتابه الذي صنفه في تفسير القرآن أدل دليل على تبريزه في العلم به على الإقران وهو الذي سماه تفسير القرآن والرد على من خالف البيان من أهل الإفك

(1/136)


والبهتان ونقض ما حرفه الجبائي والبلخي في تأليفهما قال في أوله الحمد لله الحميد المجيد المبدىء المعيد الفعال لما يريد الذي افتتح بحمده كتابه وأوضح فيه برهانه وبين فيه حلاله وحرامه وفرق بين الحق والباطل والعالم والجاهل وأنزله محكما ومتشابها وناسخا ومنسوخا ومكيا ومدنيا وخاصا وعاما ومثلا مضروبا أخبر فيه عن أخبار الأولين وأقاصيص المتقدمين ورغب فيه في الطاعات ورهب فيه وزجر عن الزلات والتبعات وخطوات الشيطان والضلالات ووعد فيه بالثواب لمن عمل بطاعته ليوم المآب وتوعد فيه من كفر به وجانب الصواب ولم يعمل بالطاعة ليوم الحشر والحساب جعله موعظة للمؤمنين وعبرة للغابرين وحجة على العالمين لئلا يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين جمع فيه علم الأولين والآخرين وأكمل فيه الفرائض والدين فهو صراط الله المستبين وحبله المتين من تمسك به نجا ومن جانبه ضل وغوى وفي الجهل تردى وجعله قرآنا عربيا غير ذي عوج بلسان العرب الأميين الذين لم يأتهم رسول قبله من عند رب العالمين بكتاب يتلوه بلسانهم من عند فاطر السموات

(1/137)


والأرضين وقطع به عذر المخالفين لنبوة سيد المرسلين إذ جعله معجزا يعجزون عن الإتيان بمثله وهم أرباب اللسان والنهاية في البيان بين لهم فيه ما يأتون وما يتقون وما يحلون وما يحرمون وأوضح لهم فيه سبل الرشاد والهدى والسداد وما صنعه بالأولين الذين كانوا لديه مخالفين وعنه منحرفين وما ينزله من النقمات بالكافرين أن أقاموا على الكفر وكانوا به متمسكين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم أما بعد فإن أهل الزيغ والتضليل تأولوا القرآن على آرائهم وفسروه على أهوائهم تفسيرا لم ينزل الله به سلطانا و لا أوضح به برهانا ولا رووه عن رسول رب العالمين ولا عن أهل بيته الطيبين ولا عن السلف المتقدمين من أصحابه والتابعين افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين وإنما أخذوا تفسيرهم عن أبي الهذيل بياع العلف ومتبعيه وعن إبراهيم نظام الخرز ومقلديه وعن الفوطي وناصريه وعن المنسوب إلى قرية جبى ومنتحليه وعن الأشج جعفر بن حرب ومجتبيه وعن جعفر بن مبشر القصبي ومتعصبيه وعن الاسكافي الجاهل ومعظميه وعن الفروي المنسوب إلى مدينة بلخ وذويه فإنهم قادة الضلال من المعتزلة الجهال الذين قلدوهم دينهم وجعلوهم معولهم الذي عليه يعولون وركنهم الذي إليه يستندون ورأيت الجبائي ألف في تفسير القرآن كتابا أوله على خلاف ما أنزل الله عزوجل وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجبي وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن وما روى في كتابه حرفا وأحدا عن أحد من المفسرين وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره

(1/138)


وشيطانه ولولا إنه استغوى بكتابه كثيرا من أهل العوام واستزل به عن الحق كثيرا من الطغام لم يكن لتشاغلي به وجه قال الإمام الحافظ أبو القسم رضي الله عنه ثم ذكر بعض المواضع التي أخطأ فيها الجبائي في تفسيره وبين ما أخطأ فيه من تأويل القرآن بعون الله له وتيسيره وكل ذلك مما يدل على نبله وكثرة علمه وظهور فضله فجزاه الله على جهاده في دينه بلسانه الحسنى وأحله باحسانه في مستقر جنانه المحل الأسني
وذكر أبو العباس المعروف بقاضي العسكر وكان من كبراء أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه إنه نظر في كتب صنفها المتقدمون في علم التوحيد قال فوجدت بعضها للفلاسفة مثل اسحق الكندي والاسفرازي وأمثالهما وذلك كله خارج عن الطريق المستقيم زائغ عن الدين القويم لا يجوز النظر في تلك الكتب لأنه يجر إلى المهالك لأنها مملوءة من الشرك والنفاق مسماة باسم التوحيد ولهذا ما أمسك المتقدمون من أهل السنة والجماعة شيئا من كتبهم ووجدت تصانيف كثيرة في هذا الفن من العلم للمعتزلة مثل عبد الجبار الرازي والجبائي والكعبي والنظام وغيرهم ولا يجوز إمساك تلك الكتب ولا النظر فيها كيلا تحدث الشكوك ويوهن الاعتقاد ولئلا ينسب ممسكها إلى البدعة ولهذا ما أمسكها المتقدمون من أهل السنة والجماعة فكذا المجسمة صنفوا كتبا في هذا الفن مثل محمد بن لهيصم وامثاله ولا يحل النظر فيها ولا إمساكها فإنهم شر أهل البدع وقد وقع في يدي بعض هذه التصانيف فما أمسكت منها شيئا وقد وجدت لأبي

(1/139)


الحسن الأشعري رضي الله عنه كتبا كثيرة في هذا الفن وهي قريبة من مائتي كتاب والموجز الكبير يأتي على عامة ما في كتبه وقد صنف الأشعري كتابا كبيرا لتصحيح مذهب المعتزلة فإنه كان يعتقد مذهب المعتزلة في الابتداء ثم أن الله تعالى بين له ضلالهم فبان عما اعتقده من مذهبهم وصنف كتابا ناقضا لما صنف للمعتزلة وقد اخذ عامة أصحاب الشافعي بما استقر عليه مذهب أبي الحسن الأشعري وصنف أصحاب الشافعي كتبا كثيرة على وفق ما ذهب إليه الأشعري إلا أن بعض أصحابنا من أهل السنة والجماعة خطأ أبا الحسن الأشعري في بعض المسائل مثل قوله التكوين والمكون واحد ونحوها على ما يبين في خلال المسائل إن شاء الله تعالى فمن وقف على المسائل التي أخطأ فيها ابو الحسن وعرف خطأه فلا بأس له بالنظر في كتبه فقد أمسك كتبه كثير من أصحابنا من أهل السنة والجماعة ونظروا فيها
قال الإمام الحافظ رضي الله عنه وهذه المسائل التي أشار إليها لا تكسب أبا الحسن تشنيعا ولا توجب له تكفيرا ولا تضليلا ولا تبديعا ولو حققوا الكلام فيها لحصل الإتفاق وبان بأن الخلاف فيها حاصله الوفاق وما زال العلماء يخالف بعضهم بعضا ويقصد دفع قول خصمه إبراما ونقضا ويجتهد في إظهاره خلافه بحثا وفحصا ولا يعتقد ذلك في حقه عيبا ونقصا وقديما ما خالف أبا حنيفة صاحباه وأجابا في كثير من المسائل بما أباه والله يتغمد جميع العلماء برحمته ويحشرنا في زمرتهم بلطفه ورأفته

(1/140)


باب ذكر ما عرف من أبي الحسن رضي الله عنه من الاجتهاد في العبادة ونقل عنه من التقلل من الدنيا والزهادة
أخبرنا الشيخ أبو المظفر بن أبي العباس الشعيري الصوفي قال أخبرنا الإمام أبو الفضل محمد بن علي بن احمد بن أحمد بن الحسين البسطامي جدي لأمي قال سمعت علي بن محمد الطبري المتكلم قال سمعت أبا الحسين السروي الفاضل في الكلام يقول كان الشيخ أبو الحسن يعني الأشعري قريبا من عشرين سنة يصلي صلاة الصبح بوضوء العتمة وكان لا يحكي عن اجتهاده شيئا إلى أحد
كتب إلي الشيخ أبو القاسم نصر بن نصر بن علي عن يونس بن العكبري من بغداد يخبرني عن القاضي أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك شيذلة قال سمعت الشيخ الإمام أبا عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني قال سمعت الإمام أبا الحسين محمد بن أحمد بن سمعون قال سمعت أبا عمران موسى بن أحمد بن علي الفقيه قال سمعت أبي يقول خدمت الإمام أبا الحسن بالبصرة سنين وعاشرته ببغداد إلى أن توفي رحمه الله فلم أجد أورع منه ولا أغض طرفا ولم أر شيخا أكثر حياء منه في أمور الدنيا و لا أنشط منه في أمور الآخرة قال القاضي أبو المعالي فأظهر الحق ونصره وأدحض الباطل وزجره وأعلن معالم الدين وأقام دعائم اليقين وصنف كتبا هي في الآفاق مشهورة معروفة وعند المخالف والمؤالف مثبوتة موصوفة فلم تزل وجوه الدين بجانبه مكشوفة القناع وايدي الشريعة بنصرته مبسوطة الباع وكلمة البدع منقمعة الأمر

(1/141)


وشبه الباطل منقصمة الظهر إلى أن مات رضوان الله عليه
أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور القفيه بدمشق قال ثنا والشيخ أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خيرون المقري ببغداد قال أنا ابو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ قال ثنا القاضي أبو محمد عبد الله ابن محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني قال سمعت أبا عبد الله بن دانيال يقول سمعت بندار بن الحسين وكان خادم أبي الحسن علي بن اسماعيل بالبصرة قال كان أبو الحسن ياكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على عقبه قال وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهما باب ذكر ما يسر لأبي الحسن رحمه الله من النعمة من كونه من خير قرون هذه الأمة
أخبرنا الشيخ أبو القسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين قال أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن التميمي قال أنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال ثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ثنا هشيم قال أنا ابو بشر بن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والله أعلم قال الثالثة أم لا ثم يجيء قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا

(1/142)


رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن هشيم بن بشير الواسطي وقد جاء هذا الحديث من وجهين آخرين من غير شك في ذكر القرن الثالث بعد ذكر القرنين أخبرنا به الشيخ ابو بكر محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الفرضي المقري ببغداد قال ثنا القاضي أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله ح وأخبرنا به الشيخ أبو القاسم اسمعيل بن أحمد بن عمر بن السمرقندي قال أنا ابو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد البزاز قالا أنا ابو القاسم عيسى بن علي بن عيسى الوزير قال أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال ثنا داود بن عمرو الضبي قال ثنا سلام أبو الأحوص قال ثنا منصور عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته قال إبراهيم فكنا ننهى أن نحلف بالعهد والشهادات هذا حديث متفق على صحته رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن كثير العبدي عن سفيان بن سعيد الثوري عن منصور ورواه مسلم في صحيحه عن قتيبة بن سعيد وهناد بن السري عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي إلا إنهما لم يذكرا
ثم الذين يلونهم الثالثة كما ذكرها داود بن عمرو الضبي في حديثه وأخبرنا به الشيخ أبو أبو القسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد الشيباني قال أنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان الهمذاني قال أنبأ أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال ثنا الحرث

(1/143)


ابن أبي أسامة قال ثنا أبو النضر قال ثنا أبو معاوية شيبان عن عاصم عن خيثمة والشعبي عن النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال
خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتى يقوم تسبق إيمانهم شهادتهم وتسبق شهادتهم إيمانهم أخرجه أبو عبد الله أحمج بن محمد بن حنبل رحمه الله في مسنده عن ابي النضر هاشم بن القسم البغدادي هكذا وذكر فيه القرن الثالث بعد قرن النبي صلى الله عليه و سلم وفيه أوفى دليل على المعنى الذي أشرت في ترجمة الباب إليه لأنه لا يخلو ان يكون وقته ابتداء القرن من مبعثه أو من حين توفاه الله عزوجل ونقله إلى جدته ومدة القرن من الزمان مائة سنة ففي الروايتين ما يدل على منقبة لأبي الحسن حسنة فإنه ولد في القرن الثالث بعد قرن المصطفى فكان مما اختاره الله من أمة محمد صلى الله عليه و سلم واصطفى فهو لا شك من قرن شهد له رسول الله صلى الله عليه سلم بالخيرية مع ما انضاف إلى ذلك من كونه من الجرثومة الأشعرية التي وصفها نبي هذه الأمة فيما صح عنه بالايمان والحكمة إذ لا نعلم إماما من الأشعريين تجرد لا فحام الملاحدة والمفترين في سالف أو آنف من الزمن كتجرد الإمام العالم أبي الحسن فهو المستحق لهذه المرتبة والمخصوص من الأشعريين بشرف المنقبة ويدل على مبلغ قدر القرن وأمده مما لا يتمارى أحد في صحة سنده ما أخبرنا الشيخ أبو المظفر عبد المنعم بن الأستاذ أبي القسم عبد الكريم بن هوازن القشيري بنيسابور قال أنا ابي رحمه الله قال أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد

(1/144)


الأزهري قال أنا أبو عوانة يعقوب بن اسحق بن إبراهيم بن الاسفرايني قال ثنا السلمي يعني احمد بن يوسف قال ثنا عبد الرزاق قال أنا معمر عن الزهري عن سالم وأبي بكر بن سليمان يعني ابن أبي خيثمة أن عبد الله بن عمر قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قال
أرأيتم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن ظهر على الأرض أحدا يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن فلا يبقى أحد متفق على صحته رواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد وعن عبد الرزاق ويدل عليه ايضا ما أخبرنا الشيخ أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد بن محمد بن يوسف الماهاني بأصبهان قال أنا أبو منصور شجاع بن علي بن شجاع المصقلي الصوفي قال أنا عبد الله محمد بن اسحق بن محمد بن يحيى العبدي قال أنا أحمد بن سليمان بن أيوب بن حزام قال ثنا موسى بن أبي عوف قال ثنا سلمة بن خداش قال ثنا محمد بن القسم الطائي أن عبد الله بن بسر كان معهم في قريته فقال هاجر أبي وأمي إلى النبي صلى الله عليه و سلم وأن النبي صلى الله عليه و سلم مسح بيده رأسي وقال ليعيشن هذا الغلام قرنا قلت بأبي وأمي يا رسول الله وكم القرن قال مائة سنة قال عبد الله فلقد عشت خمسا وتسعين سنة وبقيت خمس سنين إلى أن أتم قول رسول الله صلى الله عليه و سلم قال محمد فحسبنا بعد ذلك خمس سنين ثم مات وأخبرنا الشيخان أبو غالب أحمد وأبو عبد الله يحيى ابنا الحسن بن أحمد بن البناء ببغداد قالا أنا ابو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن

(1/145)


الأبنوسي قال انا ابو بكر أحمد بن عبيد بن الفضل بن البيري أجازة قال أنا محمد بن الحسين بن محمد بن سعيد الزعفراني قال ثنا أبو بكر أحمد ابن أبي خيثمة زهير بن حرب قال ثنا علي بن بحر بن بري ويعقوب ابن كعب الأنطاكي قالا حدثنا عيسى عن يونس قال ثنا الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة قال كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون القرن مائة عام وكان بين نوح وإبرهيم عليهما السلام عشرة قرون أخبرنا الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الفرضي قال أنا ابو محمد الحسن ابن علي بن محمد الجوهري قال أنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد الخزاز قال أنا ابو الحسن أحمد بن معروف بن بشر الخشاب قال أنا أبو محمد حارث ابن أبي أسامة قال أنا أبو عبد الله محمد بن سعد قال أنا محمد بن عمر الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا كان بين آدم ونوح عشرة قرون القرن مائة عام وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون والقرن ماية سنة وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون والقرن ماية سنة
فأما معرفة زمان أبي الحسن وتاريخ مولده وذكر وفاته ومبلغ عمره ومنتهى أمده فأخبرنا الشيخ أبو القسم نصر بن أحمد بن مقاتل قال أخبرنا جدي أبو محمد بن أحمد المقري قال أنا ابو علي بن إبراهيم الفارسي قال سمعت أبا الحسن محمد بن محمد الوزان بالبصرة يقول سمعت أبا بكر الوزان يقول ولد ابن أبي بشر سنة ستين ومأتين ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولده مخالفا ولكن أراه في تاريخ وفاته رحمه الله مجازفا ولعله أراد سنة نيف

(1/146)


وعشرين فإن ذلك وفاته قول إلا كثيرين فقد ذكر لي الشيخان الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد بن قبيس وأبو منصور محمد بن عبد الملك المقري أن أبا بكر الخطيب الحافظ ذكر لهما قال ذكر أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد أن أبا الحسن مات في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة قال الخطيب أبو بكر وذكر لي أبو القسم عبد الواحد بن علي الأسدي إنه مات ببغداد بعد سنة عشرين وقبل سنة ثلاثين وثلاثمائة وقرأت في تاريخ أبي يعقوب اسحق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الهدوي بخط بعض أهل المعرفة قال سنة أربع وعشرين وثلاثمائة فيها مات أبو الحسن علي بن اسماعيل الأشعري وكذا ذكر الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني تلميذ تلميذه أبي الحسن الباهلي وهو أعلم بأمره وأخبرنا الشيخ أبو القسم نصر بن نصر بن علي العكبري في كتابه عن القاضي أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك قال قيل أن أبا الحسن مات قبل الثلاثين ونودي على جنازته بناصر الدين وروى الشيخ أبو الحسين بن سمعون قال كان لي صاحب يلازم مجلسي متصاون جميل الظاهر كثير المجاهدة فمات فحسنت تجهيزه ودفنته بباب حرب فلما كان بعد أيام رأيته في النوم عريانا مشوه الخلق على صورة قبيحة فقلت له ياأبا عبد الله ما فعل الله بك فقال أنا مطرود كما ترى فقلت أما كنت حسن الظن بالله تعالى فقال نعم ولكني كنت مسيء الظن بهذا الشيخ فنظرت فإذا أنا بشيخ طوال بهى المنظر حسن الهيئة طيب الرائحة جميل المحاسن وهو يقرأ بصوت جهورى طيب قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما

(1/147)


وعد ربكم حقا وينظر إلى ذلك المسكين صاحبي وكان معه خلق عظيم فوق الإحصاء فسألت عنه فقيل لي هذا أبو الحسن الأشعري قد غفر الله له قال الشيخ أبو الحسين وأظنهم قالوا وشفعه في أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وقد كان الشيخ أبو الحسن كجده أبي موسى الأشعري موصوفا بحسن الصوت فيما بلغني من بعض الوجوه كما رآه أبو الحسين ابن سمعون في منامه بعد الموت باب ما وصف من مجانبته لأهل البدع وجهاده وذكر ما عرف من نصيحته للأمة وصحة اعتقاده
أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي بنيسابور قال سمعت الأستاذ أبا القسم عبد الملك بن هوازن القشيري يقول سمعت الإستاذ الشهيد أبا علي الحسن بن علي الدقاق رحمه الله يقول سمعت أبا علي زاهر بن أحمد الفقيه رحمه الله يقول مات أبو الحسن الأشعري رحمه الله ورأسه في حجري وكان يقول شيئا في حال نزعه من داخل حلقه فأدنيت إليه رأسي وأصغيت إلى ما كان يقرع سمعي فكان يقول لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا سمعت الشيخين أبا محمد عبد الجبار ابن أحمد بن محمد البيهقي الفقيه وأبا القسم زاهر بن طاهر المعدل بنيسابور يقولان سمعنا الشيخ أبا بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي يقول سمعت أبا حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ يقول سمعت أبا

(1/148)


علي زاهر بن أحمد السرخسي يقول لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري رحمه الله في داري ببغداد دعاني فأتيته فقال اشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد وإنما هذا كله اختلاف العبارات كتب إلي الشيخ أبو القسم نصر بن نصر الواعظ يخبرني عن القاضي أبي المعالي بن عبد الملك وذكر أبا الحسن الأشعري فقال نضر الله وجهه وقدس روحه فإنه نظر في كتب المعتزلة والجهمية والرافضة وإنهم عطلوا وأبطلوا فقالوا لا علم لله ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا بقاء ولا إرادة وقالت الحشوية والمجسمة والمكيفة المحددة أن لله علما كالعلوم وقدرة كالقدر وسمعا كالأسماع وبصرا كالأبصار فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال إن لله سبحانه وتعالى علما لا كالعلوم وقدرة لا كالقدر وسمعا لا كالأسماع وبصرا لا كالأبصار وكذلك قال جهم بن صفوان العبد لا يقدر على إحداث شيء ولا على كسب شيء وقالت المعتزلة هو قادر على الإحداث والكسب معا فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال العبد لا يقدر على الإحداث ويقدر على الكسب ونفى قدرة الإحداث وأثبت قدرة الكسب وكذلك قالت الحشوية المشبهة أن الله سبحانه وتعالى يرى مكيفا محدودا كسائر المرئيات وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية إنه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال يرى من غير حلول ولا حدود ولا تكييف كما يرانا هو سبحانه وتعالى وهو

(1/149)


غير محدود ولا مكيف فكذلك نراه وهو غير محدود ولا مكيف وكذلك قالت النجارية ان الباري سبحانه بكل مكان من غير حلول ولا جهة وقالت الحشوية والمجسمة إنه سبحانه حال في العرش وأن العرش مكان له وهو جالس عليه فسلك طريقة بينهما فقال كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه وقالت المعتزلة له يد يد قدرة ونعمة ووجهه وجه وجود وقالت الحشوية يده يد جارحة ووجهه وجه صورة فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال يده يد صفة ووجهه وجه صفة كالسمع والبصر وكذلك قالت المعتزلة النزول نزول بعض آياته وملائكته والإستواء بمعنى الإستيلاء وقالت المشبهة والحشوية النزول نزول ذاته بحركة وانتقال من مكان إلى مكان والإستواء جلوس على العرش وحلول فيه فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال النزول صفة من صفاته والإستواء وكذلك قالت المعتزلة كلام الله مخلوق مخترع مبتدع وقالت الحشوية المجسمة الحروف المقطعة والأجسام التي يكتب عليها والألوان التي يكتب بها وما بين الدفتين كلها قديمة أزلية فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال القرآن كلام الله قديم غير مغير ولا مخلوق ولا حادث ولا مبتدع فأما الحروف المقطعة والأجسام والألوان والأصوات والمحدودات وكل ما في العالم من المكيفات مخلوق مبتدع مخترع وكذلك قالت المعتزلة والجهمية والنجارية الإيمان مخلوق على

(1/150)


الإطلاق وقالت الحشوية المجسمة الإيمان قديم على الإطلاق فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما وقال الإيمان إيمانان إيمان لله فهو قديم لقوله المؤمن المهيمن وإيمان للخلق فهو مخلوق لأنه منهم يبدو وهم مثابون على إخلاصه معاقبون على شكه وكذلك قالت المرجئة من أخلص لله سبحانه وتعالى مرة في إيمانه لا يكفر بارتداد ولا كفر ولا يكتب عليه كبيرة قط وقالت المعتزلة إن صاحب الكبيرة مع إيمانه وطاعاته ماية سنة لا يخرج من النار قط فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما وقال المؤمن الموحد الفاسق هو في مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة وإن شاء عاقبه بفسقه ثم أدخله الجنة فأما عقوبة متصلة مؤبدة فلا يجازى بها كبيرة منفصلة منقطعة وكذلك قالت الرافضة أن للرسول صلوات الله عليه وسلامه ولعلي عليه السلام شفاعة من غير أمر الله تعالى ولا إذنه حتى لو شفعا في الكفار قبلت وقالت المعتزلة لا شفاعة له بحال فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال بان للرسول صلوات الله عليه وسلامه شفاعة مقبولة في المؤمنين المستحقين للعقوبة يشفع لهم بأمر الله تعالى وإذنه ولا يشفع إلا لمن ارتضى وكذلك قالت الخوارج بكفر عثمان وعلي رضي الله عنهما ونص هو رضي الله عنه على موالاتهما وتفضيل المقدم على المؤخر وكذلك قالت المعتزلة إن أمير المؤمنين معاوية وطلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة وكل من تبعهم رضي الله عنهم على الخطأ ولو شهدوا كلهم بحبة واحدة لم تقبل شهادتهم وقالت الرافضة إن هؤلاء كلهم كفار ارتدوا بعد إسلامهم

(1/151)


وبعضهم لم يسلموا وقالت الأموية لا يجوز الخطأ بحال فسلك رضي الله عنه طريقة بينهم وقال كل مجتهد مصيب وكلهم على الحق وإنهم لم يختلفوا في الأصول وإنما اختلفوا في الفروع فأدى اجتهاد كل واحد منهم إلى شيء فهو مصيب وله الأجر والثواب على ذلك إلى غير ذلك من أصول يكثر تعدادها وتذكارها وهذه الطرق التي سلكها لم يسلكها شهوة وإرادة ولم يحدثها بدعة واستحسانا ولكنه أثبتها ببراهين عقلية مخبورة وأدلة شرعية مسبورة وأعلام هادية إلى الحق وحجج داعية إلى الصواب والصدق هي الطرق إلى الله سبحانه وتعالى والسبيل إلى النجاة والفوز من تمسك بها فاز ونجا ومن حاد عنها ضل وغوى
فإذا كان أبو الحسن رضي الله عنه كما ذكر عنه من حسن الإعتقاد مستوصب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد يوافقه في اكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد فلا بد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة ونجتنب ان نزيد فيه أو ننقص منه تركا للخيانة ليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سماه بالإبانة فإنه قال الحمد لله الأحد الواحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد المتمجد بالتمجيد الذي لا تبلغه صفات العبيد وليس له مثل ولا نديد وهو المبدىء المعيد جل عن اتخاذ الصاحبة والأبناء وتقدس عن ملامسة النساء فليست له عزة تنال ولا حد تضرب له فيه الأمثال لم يزل بصفاته أولا قديرا

(1/152)


ولا يزال عالما خبيرا سبق الإشياء علمه ونفذت فيها إرادته فلم تعزب عنه خفيات الأمور ولم تغيره سوالف صروف الدهور ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب ولا مسه لغوب ولا نصب خلق الأشياء بقدرته ودبرها بمشيئته وقهرها بجبروته وذللها بعزته فذل لعظمته المتكبرون واستكان لعظم ربوبيته المتعظمون وانقطع دون الرسوخ في علمه الممترون وذلت له الرقاب وحارت في ملكوته فطن ذوي الألباب وقامت بكلمته السموات السبع واستقرت الأرض المهاد وثبتت الجبال الرواسي وجرت الرياح اللواقح وسار في جو السماء السحاب وقامت على حدودها البحار وهو إله قاهر يخضع له المتعززون ويخشع له المترفعون ويدين طوعا وكرها له العالمون نحمده كما حمد نفسه وكما ربنا له أهل ونستعينه إستعانة من فوض أمره إليه وأقر أنه لا ملجأ ولا منجي منه إلا إليه ونستغفره إستغفار مقر بذنبه معترف بخطيئته ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بوحدانيته وإخلاصا لربوبيته وإنه العالم بما تبطنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر وما تخفيه النفوس وما تخزن البحار وما تواري الأسرار وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار لا توارى منه كلمة ولا تغيب عنه غائبة وما تسقط من ورقة من شجرة ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ويعلم ما يعمل العاملون وإلى أين ينقلب المنقلبون ونستهدي الله بالهدى ونسأله التوفيق لمجانبة الردى ونشهد أن محمدا عبده ونبيه ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه أرسله

(1/153)


بالنور الساطع والسراج اللامع والحجج الظاهرة والبراهين الزاهرة والأعاجيب القاهرة فبلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته وجاهد في الله حق الجهاد ونصح له في البلاد وقابل أهل العناد حتى تمت كلمة الله وظهر أمره وإنقاد الناس للحق أجمعين حتى أتاه اليقين لا وانيا ولا مقصرا فصلوات الله عليه من قائد إلى الهدى ومبين عن ضلالة وعمى وعلى أهل بيته الطيبين وعلى أصحابه المنتجبين وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين صلوات الله على من أظهر الشرائع والأحكام والحلال والحرام وبين لنا به شريعة الإسلام حتى انجلت به عنا طخياء الظلام وانحسرت به عنا الشبهات وانكشفت به عنا الغيابات وظهرت لنا به البينات جاءنا بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد جمع فيه علم الأولين والآخرين وأكمل به الفرائض والدين وهو صراط الله المستقيم وحبله المتين من تمسك به نجا ومن خالفه ضل وغوى وحثنا في كتابه على التمسك بسنة رسوله صلى الله عليه و سلم فقال ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال فليحذر الذين يخالفون عن أمره وقال ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقال وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله يقول إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم قال وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وقال قل ما يكون لي من أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي وقال إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إن

(1/154)


يقولوا سمعنا وأطعنا وأمرهم أن يسمعوا قوله ويطيعوا أمره وقال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فأمرهم بطاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم كما أمرهم بطاعته ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه صلى الله عليه و سلم كما أمرهم بالعمل بكتابه فنبذ كثير ممن غلبت عليه شقوته واستحوذت عليه بليته سنة نبي الله صلى الله عليه و سلم وراء ظهورهم ومالوا إلى أسلافهم وقلدوهم دينهم ودانوا بديانتهم وأبطلوا سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم ورفضوها وأنكروها وجحدوا افتراء منهم على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين وأوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة تغر أهلها وتخدع سكانها قال الله عزوجل وأضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا إن امرأ لم يكن منها في حيرة إلا أعقبته بعدها عبرة لم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهورا غراره غرور ما فيها فانية فان من عليها كما حكم عليها ربها بقوله كل من عليها فان فاعملوا رحمكم الله للحياة الدائمة ولخلود الأبد فإن الدنيا تنقضي عن اهلها وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها واعلموا إنكم ميتون ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم تصيرون ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى وكونوا بطاعة ربكم عاملين وعما نهاكم عنه منتهين أما بعد فإن كثيرا من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأولوا القرآن على أرائهم تأويلا لم ينزل الله به سلطانا ولا

(1/155)


أوضح به برهانا ولا نقلوه عن رسول رب العالمين ولا عن السلف المتقدمين فخالفوا رواية الصحابة عن نبي الله صلى الله عليه و سلم في رؤية الله بالأبصار وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم وردوا الرواية في ذلك عن السلف المتقدمين وجحدوا عذاب القبر وان الكفار في قبورهم يعذبون وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا إن هذا إلا قول البشر فزعموا أن القرآن كقول البشر وأثبتوا وأيقنوا ان العباد يخلقون الشر نظيرا لقول المجوس الذين يثبتون خالقين احدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشر وزعمت القدرية ان الله تعالى يخلق الخير وأن الشيطان يخلق الشر وزعموا ان الله عزوجل يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء خلافا لما أجمع عليه المسلمون من ان ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون وردا لقول الله وما تشاءون إلا أن يشاء الله فأخبر انا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء أن نشاءه ولقوله ولو شاء الله ما اقتتلوا ولقوله ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولقوله تعالى فعال لما يريد ولقوله مخبرا عن شعيب إنه قال وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه و سلم مجوس هذه الأمة لأنهم دانو بديانة المجوس وضاهوا أقوالهم وزعموا أن للخير والشر خالقين كما زعمت المجوس وإنه يكون من الشر مالا يشاء كما قالت المجوس ذلك

(1/156)


وزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم ردا لقول الله تعالى قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله وانحرافا عن القرآن وعما اجمع المسلمون عليه وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم وأثبتوا لأنفسهم غنى عن الله عزوجل ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه كما أثبت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله عزوجل فكانوا مجوس هذه الأمة إذ دانوا بديانة المجوس وتمسكوا بأقوالهم ومالوا إلى أضاليلهم وقنطوا الناس من رحمة الله وآيسوهم روحه وحكموا على العصاة بالنار والخلود خلافا لقول الله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ان الله عزوجل يخرج من النار قوما بعد ما امتحشوا فيها وصاروا حمما ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وانكروا أن يكون لله يدان مع قوله لما خلقت بيدي وأنكروا أن يكون له عين مع قوله تجري بأعيننا ولقوله ولتصنع على عيني ونفوا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قوله إن الله ينزل إلى سماء الدني وأنا ذاكر ذلك أن شاء الله بابا بابا وبه المهونة والتأييد ومنه التوفيق والتسديد فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي به تقول وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله

(1/157)


عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولمن خالف قوله قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين وجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا نرد من ذلك شيئا وأن الله إله واحد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله استوى على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى وأن له وجها كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وأن له يدا كما قال بل يداه مبسوطتان وقال لما خلقت بيدي وان له عينا بلا كيف كما قال تجري بأعيننا وأن من زعم أن اسم الله غيره كان ضالا وان لله علما كما قال أنزله بعلمه وقوله وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ونثبت لله قدرة كما قال أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج وتقول أن كلام الله غير مخلوق وإنه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن فيكون كما قال إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وإنه لا يكون في

(1/158)


الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله وإن الأشياء تكون بمشيئة الله وان أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله الله ولا نستغني عن الله ولا نقدر على الخروج من علم الله وإنه لا خالق إلا الله وإن أعمال العبادة مخلوقة لله مقدورة له كما قال والله خلقكم وما تملون وإن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا وهم يخلقون كما قال هل من خالق غير الله وكما قال لا يخلقون شيئا وهم يخلقون وكما قال أفمن يخلق كمن لا يخلق وكما قال أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون وهذا في كتاب الله كثير وأن الله وفق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظرهم وأصلحهم وهداهم وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالإيمان كما زعم أهل الزيغ والطغيان ولو لطف بهم وأصلحهم كانوا صالحين ولو هداهم كانوا مهتدين كما قال تبارك وتعالى من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف لهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وإنه خذلهم وطبع على قلوبهم وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره وأنا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره وحلوه ومره ونعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأنا لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله وإنا نلجيء أمورنا إلى الله ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه ونقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق وإن من قال بخلق القرآن كان كافرا وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات

(1/159)


عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ونقول ان الكافرين إذا رآه المؤمنون عنه محجوبون كما قال الله عز و جل كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وإن موسى سأل الله الرؤية في الدنيا وأن الله تجلى للجبل فجعله دكا وأعلم بذلك موسى إنه لا يره في الدنيا ونرى أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرق وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعموا أنهم بذلك كافرون ونقول أن من عمل كبيرة من الكبائر وما أشبهها مستحلا لها كان كافرا إذا كان غير معتقد تحريمها ونقول أن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل الإسلام بإيمان وندين بأنه يقلب القلوب وأن القلوب بين اصبعين من أصابعه وندين بأن لا ننزل أحدا من الموحدين المستمسكين بالإيمان جنة و لا نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه و سلم بالجنة ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين ونقول ان الله يخرج من النار قوما بعدما امتحشوا بشفاعة محمد صلى الله عليه و سلم ونؤمن بعذاب القبر ونقول أن الحوض والميزان حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق وأن الله يوقف العباد بالموقف ويحاسب المؤمنين وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم للروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وندين بحب السلف الذين اختارهم لصحبة نبيه ونثني عليهم بما أثنى الله عليهم ونتولاهم ونقول إن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أبو

(1/160)


بكر رضي الله عنه وأن الله تعالى أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون للإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه و سلم للصلاة ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم عثمان نضر الله وجهه قتله قاتلوه ظلما وعدوانا ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وخلافتهم خلافة النبوة ونشهد للعشرة بالجنة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ونتولى سائر أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ونكف عما شجر بينهم وندين الله أن الأئمة الأربعة راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم ونصدق بجميع الروايات التي ثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأن الرب يقول هل من سائر هل من مستغفر وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال وجاء ربك والملك صفا صفا وأن الله تعالى يقرب من عباده كيف يشاء كما قال ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وكما قال ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد خلف كل بر وفاجر وكذلك شروط الصلوات الجماعات كما روي عن عبد الله بن عمر إنه كان يصلي خلف الحجاج وأن المسح على الخفين في الحضر والسفر خلافا لمن أنكر ذلك ونرى الدعاء لآئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم وتضليل من رأى

(1/161)


الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الإستقامة وندين الخروج عليهم بالسيف وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج الدجال كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومساءلتهم المدفونين في قبورهم ونصدق بحديث المعراج ونصحح كثيرا من الرؤيا في المنام ونقول أن لذلك تفسيرا ونرى الصدقة عن موتى المؤمنين والدعاء لهم ونؤمن أن الله ينفعهم بذلك ونصدق بأن في الدنيا سحرا وأن السحر كائن موجود في الدنيا وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم ومواريثهم ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان وأن من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل وان الارزاق من قبل الله عزوجل يرزقها عباده حلالا وحراما وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه خلافا لقول المعتزلة والجهمية كما قال الله عزوجل الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وكما قال من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ونقول أن الصالحين يجوز أن يخصهم الله بآيات ويظهرها عليهم وقولنا في أطفال المشركين أن الله عزوجل يؤجج لهم نارا في الآخرة ثم يقول اقتحموها كما جاءت الرواية بذلك وندين بأن الله تعالى يعلم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون وما يكون وما لايكون أن لو كان كيف يكون فبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين ونرى مفارقة

(1/162)


كل داعية لبدعة ومجانبة أهل الأهواء وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقى منه وما لم نذكره بابا بابا وشيئا شيئا
فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه واعترفوا بفضل هذا الإمام العالم الذي شرحه وبينه وانظروا سهولة لفظه فما أفصحه وأحسنه وكونوا مما قال الله فيهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وتبينوا فضل أبي الحسن وأعرفوا أنصافه واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل واعترافه لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين ولم تزل الحنابلة ببغداد في قديم الدهر على ممر الأوقات تعتضد بالأشعرية على أصحاب البدع لأنهم المتكلمون من أهل الإثبات فمن تكلم منهم في الرد على مبتدع فبلسان الأشعرية يتكلم ومن حقق منهم في الأصول في مسألة فمنهم يتعلم فلم يزالوا كذلك حتى حدث الاختلاف في زمن أبي نصر القشيري ووزارة النظام ووقع بينهم الإنحراف من بعضهم عن بعض لإنحلال النظام وعلى الجملة فلم يزل في الحنابلة طائفة تغلو في السنة وتدخل فيما لا يعنيها حبا للخفوف في الفتنة ولا عار على أحمد رحمه الله من صنيعهم وليس يتفق على ذلك رأي جميعهم ولهذا قال أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين وهو من أقران الدارقطني ومن أصحاب الحديث المتسننين ما قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الكريم بن حمزة ابن الخضر بدمشق عن أبي محمد عبد العزيز بن أحمد قال حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي قال ثنا ابو ذر عبد بن

(1/163)


أحمد الهروي قال سمعت ابن شاهين يقول رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء جعفر بن محمد بن حنبل كتب إلي أبو القسم العكبري يخبرني عن أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك قال لما تم للهجرة مايتان وستون سنة رفعت أنواع البدع رؤسها وتسقت عوام الخلائق كؤوسها حتى أصبحت آيات الدين منطمسة الآثار وأعلام الحق مندرسة الأخبار فأظهر الله سبحانه وتعالى ناصر الحق وناصر الخلق محي السنن مرضي السنن الإمام الرضي الزكي أبا الحسن سقى الله بماء الرحمة تربته وأعلى في غرفات الجنان درجته من أصل باذخ الذري وشرف شامخ القوى وهو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقاضيه والمستخلف من قبل الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين على القضاء والصلوات والجيوش والإمارة على المؤمنين وتعليم الشريعة للمسلمين وكان زوج أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب وهي أم أبي بردة بن أبي موسى الأشعري جد الإمام أبي الحسن الأشعري وروى دعلج بن أحمد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل نبأ معمر قال ثنا عبد الله بن ادريس عن أبيه عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى الأشعري قال قرئت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فقال صلوات الله عليه وسلامه
هم قومك ياأبا موسى أهل اليمن ومعلوم بأدلة العقول وبراهين الأصول أن أحدا من أولاد أبي موسى لم

(1/164)


يرد على أصحاب الأباطيل ولم يبطل شبه أهل البدع والأضاليل بحجج قاهرة من الكتاب والسنة ودلائل باهرة من الإجماع والقياس إلا الإمام أبو الحسن الأشعري وحديث أبي موسى دليل واضح على فضيلة الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه فجاهد أعداء الحق وقمعهم وفرق كلمتهم وبدد جمعهم بالحجج القاهرة العقلية والأدلة الباهرة السمعية باب ذكر بعض ما رؤي من المنامات التي تدل على أن أبا الحسن من مستحقي الإمامات
حدثني الشيخ أبو عبد الله طرخان بن ماضي بن جوشن المقري الفقيه الضرير قال جرى بيني وبين والدي كلام غضبت منه فخرجت إلى مسجد السوسي بالشاغور ونمت فيه نهارا فبينما أنا نائم إذ رأيت في المنام كأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد دخل من باب الشباك الذي من شرقي المسجد فجلست وقلت السلام عليك يارسول الله فكان كالمغضب علي فقال لي أنت تقرأ القرآن وتغضب أباك فقلت الآن أرجو أن يغفر الله لي ما كان مني في حق أبي بحضورك فإن الله عزوجل قال وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين فكأنه رضي عني ودعا لي وأخذ ليقوم فسألته عن حديث أبي حميد الساعدي في سؤاله إياه عن كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم فقال صدق أبو حميد وأثنى عليه وسألته عن قوله

(1/165)


لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه
لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت فقال صدق أنا أمرته بذلك ثم خرج من المسجد فاتبعته وقلت يارسول الله إن قوما يقولون إن الحرف ! مخلوق وقوما يقولون غير مخلوق وقد تحيرنا بينهم فما ندري ما نقول فقال
قل كما قالت الأشعرية فقلت يارسول الله كذا كما قالت الأشعرية على وجه الاستنكار فقال ثلاث مرات
قل كما قالت الأشعرية ثم توجه رسول الله صلى الله عليه و سلم نحو قبلة الشاغور خارجا من الباب وأنا أقول هذا المزمل هذا المدثر وهو واضع يديه على صدره كهيئة المصلي فوضعت يدي اليسرى على يده وأنا أقول هذا المزمل هذا المدثر ثم استيقظت وكانت عندي الرسالة القدسية للغزالي وكنت لا أحسن رأيي فيها وأقول ما أصنع بها فحسن رأيي فيها بعد ذلك وقرأتها وقرأت غيرها والحمد لله وحكى لي بعض أصحابنا عن أبي القسم بن إبراهيم بن حسين الدقاق المعروف بالزبير رؤيا رآها فلقيته في الجامع بدمشق فسألته عن رؤياه وقلت له بلغني أنك رأيت الفقيه أبا الحسن رحمه الله في المنام فقال أي والذي قبض روحه لقد رأيته في المنام كأنه ههنا وأشار إلى مكان من الجامع بقرب باب البرادة وخلفته وهو داخل إلى صدر المسجد فقال لي يا أبا القسم مذهب الأشعري حق مذهب الأشعري حق مذهب الأشعري حق ثم استيقظت فقلت له ما قال لك حق فإنه كان صادق اللهجة وهو في دار حق فلا يقول إلا الحق حدثني أبو علي الحسن بن علي بن أحمد بن علي ابن يوسف الهكاري وكتبه لي بخطه قال رأيت في النوم كأني دخلت

(1/166)


دار فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها مستلقيا على قفاه وأخمص قدميه إلى جهة القبلة فجلست محاذيا كتفه اليسرى فالتفت إلي وقال صلى الله عليه و سلم
لا تكن تترك دين الإسلام قفلت حاشا لله يارسول الله كيف أترك دين الإسلام ثم أخذت بكفه اليمنى وقلت ها أنا أجدد الإسلام فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد إنك رسول الله ثم قلت عقيب ذلك يا رسول الله أرى الناس اختلفوا في الحرف والصوت الحق مع من فقال عليه السلام
الحق ما قاله أبو الحسن وكان في نفسي سؤاله عن حدث الحروف وقدمها فأجابني عليه السلام بما ذكرت باب ذكر بعض ما مدح به ابو الحسن من الأشعار على وجه الإيجاز في ابرازها والاختصار
أنشدني الشيخ الحافظ أبو المحاسن عبد الرزاق بن محمد بن أبي نصر ابن محمد الطبسي بنيسابور قال أنشدنا إمام الأئمة أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري لنفسه ... شيآن من يعذلني فيهما ... فهو على التحقيق مني بري ... حب أبي بكر إمام الهدى ... ثم اعتقادي مذهب الأشعري ...
وأنشدني غير أبي المحاسن لبعضهم في هذا المعنى ... من كان في الحشر له عدة ... تنفعه في عرصة المحشر ... فعدتي حب بنى الهدى ... ثم اعتقادي مذهب الأشعري

(1/167)


أنشدني الشيخ الزاهد أبو محمد عبد الوارث بن عبد الغني الأصولي لبعضهم وكتب إلي الشيخ أبو القسم نصر بن نصر العكبري يخبرني عن القاضي أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك قال أنشدنا القاضي الإمام أبو الحسن هبة الله بن عبد الله السيبي مدرس وملقن ولي العهد في العالمين أبي القسم عبد الله بن محمد بن الإمام أمير المؤمنين القائم بأمر الله عبد الله أبي جعفر ... إذا كنت في علم الأصول موافقا ... بعقدك قول الأشعري المسدد ... وعاملت مولاك الكريم مخالصا ... بقول الإمام الشافعي المؤيد ... وأتقنت حرف بن العلا مجردا ... ولم تعد في الأعراب رأي المبرد ... فأنت على الحق اليقين موافق ... شريعة خير المرسلين محمد ...
أنشدني الشيخ أبو الفتح ناصر بن عبد الرحمن القرشي لبعضهم
أصبح الناس في عمى ... بين ساه وممتري ... جعلوا دينهم هوى ... والهوى غير مبصر ... وتعاموا عن الهدى ... ليس فيهم بمنكر ... شبهوا الله بالورى ... وهو من جهلهم بري ... حرم الرشد من غدا ... يتعامى ويفتري ... فالزم الحق لا تزغ ... واعتقد عقد الأشعري ...
أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد الإسكندراني لأبي القسم الجزري الاسكندارني

(1/168)


خذ ما بدا لك فدع ... كترث مقالات البدع ... إن النبي المصطفى ... دينا حنيفيا شرع ... ورضي به لعباده ... رب تعالى فارتفع ... قد كان دينا واحدا ... حتى تفرق ما اجتمع ... قوم أضلهم الهوى ... والآخرون لهم تبع ... الله أيد شيخنا ... وبه البرية قد نفع ... الأشعري إمامنا ... شيخ الديانة والورع ... بسط المقالة بالهدى ... وفظيع حجتهم قطع ... حتى استضىء بنوره ... والله يتقن ما صنع ... من قال غير مقاله ... أخطأ الطريقة وابتدع ... لا ينكرون كلامه ... إلا أخو جهل لكع ... أهل العقول تيقظوا ... فالفجر في الأفق انصدع ... نسبوا إلى رب العلى ... ما قوله منه منع ... زعموا بأن كلامه ... مثل الكلام المستمع ... فبرئت منهم إنهم ... ركبوا قبيحات الشنع ...
وأنشدني بعض أصحابنا لبعض أهل العصر في وزن هذه الأبيات ... قل للمخالف يا لكع ... كف اللسان عن البدع ... وذر التعصب جانبا ... واللعن للعلماء دع ... فظلام جهلك في العقي ... دة قد تلاشى وانقشع

(1/169)


لما بدا فجر الهدى ... ممن ينزه وانصدع ... وغراس ما أسقيته ... ماء الخداع قد انقطع ... ما أنت حلف زهادة ... بل أنت عبد للطمع ... كم تزرع التشبيه في ... سبخ القلوب فما انزرع ... فأهجر دمشق وأهلها ... واسكن ببصرى أوزرع ... فهناك يمكن أن يصدق ... ما تقول ويستمع ... وأعلم بأن الأشعري ... عدو أصحاب البدع ... فهو المجيد الذب عن ... سنن الرسول وما شرع ... حبر تقي عالم ... جمع الديانة والورع ... رفع الاله محله ... عند البرية فارتفع ... واختار ما قال الرسو ... ل من الأصول وما اخترع ... لكنه نصب الدلي ... ل لمن تسنن واتبع ... وأبان أن العقل لا ... ينفي الصواب المتبع ... من آية أو سنة ... كان الرسول بها صدع ... يا حسن ما ابدى لنا ... وجه الدليل وما انتزع ... فغدا به شمل الهدى ... للمسلمين قد اجتمع ... وتفرقت فرق الضلا ... ل وذل مذموم الشيع ... وتعطلت ممن يعطل ... بعد كثرتهم بقع ... فلأي حزب منهم ... قصد الجدال فما قمع ... ما امه ذو بدعة ... لجاجة إلا انقطع

(1/170)


لو لم يصنف عمره ... غير الإبانة واللمع ... لكفى فكيف وقد تفنن ... في العلوم بما جمع ... مجموعة تربي على ال ... مائتين مما قد صنع ... لم يأل في تصنيفها ... أخذا بأحسن ما استمع ... فهدى بها المسترشد ب ... ن ومن تصفحها انتفع ... تتلى معاني كتبه ... فوق المنابر في الجمع ... ويخاف من افحامه ... أهل الكنائس والبيع ... فهو الشجا في حلق من ... ترك المحجة وابتدع ... فعليه رحمة ربه ... ما غاب نجم أو طلع ...
أنشدنا الشيخ أبو الحسين بن المبارك بن محمد البغدادي المعروف بابن الخل ببغداد في المدرسة النظامية قصيدة لنفسه مدح بها الشيخ أبا الفتوح محمد بن الفضل بن محمد الاسفرايني رحمة الله عليه وذكر فمنها قوله ... ورعى المعتضد الناس فلم ... يك للمظلوم إلا وزرا ... وتلاه المكتفي بالله عن ... كل شيء يقدم المقتدرا ... واستشاط الناس في عصريهما ... بخلاف عم حتى اشتهرا ... منهم من شبه الله ومن ... لم يقل ذاك أحال القدرا ... أثبتوا ربا ولكن زعموا ... إنه ممتنع أن يبصرا ... وأراد الله إيضاح الهدى ... حين زاغوا بفتى من أشعرا

(1/171)


في صميم النجب الأنصار من ... خير من يوم حنين نصرا ... أوضح الحجة حتى ظهرت ... وأعز الحق حتى استظهرا ...
وأنشدنا أيضا الشيخ الأديب أبو الحسين بن الخل من قصيدة لنفسه مدح بها الشيخ الإمام أبا المظفر أحمد بن الإمام أبي بكر محمد بن احمد بن الحسين الشاشي رحمه الله ... حجة الأشعرري حجتنا العل ... يا كما قدره الرفيع العالي ... البعيد المدى أبي الحسن المح ... سن في النصح للورى غير آل ... والذي أصل الأصول بوصفي ... نظر باليقين واستدلال ... لم تشب صفو عقدة شبه التش ... بيه في معزل عن الإعتزال ... وحد الله مصلتا صارم الحق ... مطيحا به دم الضلال ... قصد الله أمة قصدته ... بالشناعات بالوبا والوبال ... جهلوا قدره فكل سفيه ... منهم جاهل لما قال قالي ...
وأنشدت لبعض أهل النحقيق في مديحه رحمه الله ... الأشعري ماله شبيه ... حبر إمام عالم فقيه ... مذهبه التوحيد والتنزيه ... وما عداه النفي والتشبيه ... وليس فيما قاله تمويه ... وصحبه كلهم نبيه ... في قوله على الهدى تنبيه ... ما فيهم إلا أمرؤ وجيه ... فمن قلا أصحابه سفيه ... ومن رأى تضليلهم معتوه

(1/172)


أنشدني الشيخ الفقيه الشهيد أبو الحجاج يوسف بن دوناس الفندلاوي رحمه الله فيما أرى لبعضهم بدمشق ... الأشعرية قوم ... قد وفقوا للصواب ... لم يخرجوا في اعتقاد ... عن سنة أو كتاب ...
قال شيخنا أبو محمد القسم أنشدنيها عبد الوهاب بن عيسى اليشكري وزادني بعدهما ... وكل منزاغ عنهم ... مصيره لعذاب ...
ولبعضهم في هذا المعنى على هذا الوزن ... الأشعرية قوم ... قد وفقوا للسداد ... وبينوا للبرايا ... طرا طريق الرشاد ... ونزهوا الله عما ... يقول أهل العناد ... وقدسوه عن المث ... ل جل والإنداد ... ونزهوه عن الزو ... ج عز والأولاد ... وهم نفوا عنه مالا ... يصح في الاعتقاد ... وأثبتوا كل وصف ... يصح بالاسناد ... فهم بدور الدياجي ... وهم هداة العباد ... وهم بحار علوم ... وهم صدور البلاد ... وهم كرام السجايا ... وهم وجوه النوادي ... لم يخرجوا عن كتاب ... أو سنة في اعتقاد ... ليسوا أولي تعطيل ... ولا ذوي الحاد

(1/173)


أنشدني الشيخ أبو زكريا يحيى بن محمد بن يحيى وقد قدم من مصر لبعض أهل العصر ... إن اعتقاد الأشعري ... مثل عقود الجوهر ... ما ينكر اعتقاده ... غير جهول مفتري ... كم يدعي تقصيره ... من جاهل مقصر ... ليست له معرفة ... بمثمنات الدرر ... يريد أن ينالها ... جهلا ببذل الكسر ... والدر لا يطمع في ... حصوله لمعسر ... فمن بدا افلاسه ... فليس ممن يشتري ... ومن غدا ذا ثروة ... حصله بالبدر ... ونال منه ما اشتهى ... كذاك علم الأشعري ... من رام أن يناله ... وهو من الفضل عري ... ما اكتحلت أجفانه ... في درسه بالسهر ... ولا لقي مبرزا ... في حضر أو سفر ... ولا سعى في جمعه ... في أصل أو بكر ... ولا اغتدى مسترشدا ... فيه فحول النظر ... ينظر فيما ذكروا ... بالسبر والتفكر ... كمن تمنى سفها ... نيل السهى والمشتري ... أو فاتح قد فاته ... مفتاح قفل عسر ... فلا تطع في ذمه ... كل عدو أبتر

(1/174)


وأعلم يقينا إنه ... مما يقولون بري ... فهو إمام عالم ... ما فضله بمنكر ... شرف في علومه ... بفضل طيب العنصر ... ذو همة بكرية ... عزما وعدل عمري ... ورأفة نورية ... حلما وعلما حيدري ... ما زاغ في اعتقاده ... عن آيه أو خبر ... أو حجة عقلية ... تصح في المعتبر ... موحد في عقده ... ومثبت للقدر ... والكسب لا ينكره ... مثل جحود المجبر ... منزه لربه ... عن محدثات الصور ... وعن أفول ذاته ... كالشمس أو كالقمر ... وهل يكون صورة ... للخالق المصور ... لأنه ليس بذي ... جسم ولا بجوهر ... ولا يرى صفاته ... مثل صفات البشر ... لأنه جل عن ال ... حدوث والتغير ... وليس ينفي صفة ... له كنفي المنكر ... بل يثبت الحياة وال ... قدرة للمقتدر ... والعلم لكن لا يرى ال ... علم كعلم نظري ... وإنه أراد ما ... كان من المقدر ... ويثبث السمع كما ... يثبت وصف البصر

(1/175)


ويثبت القول ولا ... يجحده كالقدري ... ولا يرى المسطور في ال ... ألواح نقش الأسطر ... ويثبت استواءه ... كما أتى في السور ... يثبت النزول لا ... كهابط منحدر ... من غير تشبيه كما ... يثبت أهل الأثر ... ولا يعادي أحدا ... من صحب خير النذر ... بل يتوالى حصبه ... والآل خير العتر ... ويعرف الفضل لهم ... كما أتى في السير ... ولا يرى المسلم في ... بدعته بمكفر ... فهل ترى في عقده ... من بدعة أو من خرى ! ... فكن به مستمسكا ... فإنه العقد السري ... وحزبه زين الورى ... أكرم بهم من معشر ... كم بحر علم زاخر ... وبدر تم مقمر ... منهم ومن مقدم ... قد حاز كل مفخر ... ونال حسن منظر ... حقا وطيب مخبر ... لا يمتري في فضلهم ... إلا حسود ممتري ... هم دراري أنجم ... وهم لآلي أبحر ... بحبهم ينجو الذي ... يحبهم في المحشر ... فرحمة الله على ... أمواتهم في الحفر ... وأيد الباقين في ال ... ورد وحين الصدر

(1/176)


باب ذكر جماعة من أعيان مشاهير أصحابه إذ كان فضل المقتدي يدل على فضل المقتدى به
وقد قسمتهم خمس طبقات وجدتها على تصحيح قوله متفقات فالطبقة الأولى هم أصحابه الذين أخذوا عنه ومن أدركه ممن قال بقوله أو تعلم منه فمنهم أبو عبد الله بن مجاهد البصري رحمه الله
أخبرنا الشريف أبو القسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني الخطيب وأبو الحسن علي بن أحمد بن منصور الغساني الفقيه بدمشق وأبو منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون المقري ببغداد قالوا انا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ البغدادي قال محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد أبو عبد الله الطائي المتكلم صاحب أبي الحسن الأشعري وهو من أهل البصرة سكن ببغداد وعليه درس القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الكلام وله كتب حسان في الأصول وذكر لنا غير واحد من شيوخنا عنه إنه كان حسن السيرة حسن التدين جميل الطريقة وكان أبو بكر البرقاني يثني عليه ثناء حسنا وقد أدركه ببغداد فيما أحسب والله أعلم
أبو بكر البرقاني هو أحمد بن محمد ابن أحمد بن غالب الخوارزمي شيخ الخطيب وكان فقيها حافظا متقنا

(1/177)


ومنهم أبو الحسن الباهلي البصري رحمه الله
أخبرني الشيخ أبو المظفر أحمد بن الحسن بن محمد الشعيري ببسطام قال أنا جدي لأمي أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي قال حكى لي واحد من أهل العلم والتصوف عن القاضي أبي بكر بن الباقلاني رحمه الله قال كنت أنا والأستاذ أبو إسحق الاسفرايني والأستاذ ابن فورك رحمهما الله معا في درس الشيخ أبي الحسن الباهلي تلميذ الشيخ أبي الحسن الأشعري قال القاضي أبو بكر كان الشيخ الباهلي يدرس لنا في كل جمعة مرة واحدة وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه كي لا نراه قال وكان من شدة اشتغاله بالله تعالى مثل واله أو مجنون لم يكن يعرف مبلغ درسنا حتى نذكره ذلك قال وكنا نسأل عن سبب النقاب وإرسال الحجاب بينه وبين هؤلاء الثلاثة كاحتجابه عن الكل فأجاب إنكم ترون السوقة وهم أهل الغفلة فتروني بالعين التي ترونهم قال وكانت أيضا جارية تخدمه فكان حالها أيضا كحال غيرها معه من الحجاب وإرخائه الستر قال أبو المظفر وسمعت جدي يقول سمعت سفيان المتكلم الصوفي رحمه الله يقول سمعت أحمد الفرساني رحمه الله يقول سمعت الأستاذ أبا إسحق رحمه الله يقول كنت في جنب الشيخ أبي الحسن الباهلي كقطرة في البحر وسمعت الشيخ أبا الحسن الباهلي قال كنت أنا في جنب الشيخ الأشعري كقطرة في جنب البحر

(1/178)


ومنهم أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي الصوفي خادم أبي الحسن رحمهما الله
أخبرنا الشيخ أبو الحسن عبد الغافر بن اسماعيل بن عبد الغافر في كتابه قال أنا أبو بكر محمد بن يحيى بن ابراهيم المزكي قال أنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي في كتاب تاريخ الصوفية قال بندار ابن الحسين بن محمد بن المهلب أبو الحسين من أهل شيراز سكن أرجان وكان عالما بالأصول له اللسان المشهور في علم الحقيقة كان الشبلي يكرمه ويقدمه وبينه وبين محمد بن خفيف مفاوضات في مسائل رد على محمد بن خفيف في مسألة الإيمان وغيرها حين رد محمد بن خفيف على أقاويل المشايخ فصوب بندار أقاويل المشايخ ورد عليه ما رد عليهم قال أبو عبد الرحمن السلمي سمعت عبد الواحد بن محمد يقول توفي بندار سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وغسله أبو زرعة الطبري اخبرنا الشيخ أبو السعود أحمد بن علي بن محمد بن المجلي الواعظ ببغداد قال أنا أبو بكر احمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ قال أخبرنا محمد بن أبي علي الأصبهاني قال سمعت أبا بكر النسوي يقول سمعت بندار بن الحسين يقول من مشى في الظلمة إلى ذي النعم أجلسه على بساط الكرم ومن قطع لسانه بشفرة السكوت بني له بيت في الملكوت ومن واصل اهل الجهالة ألبس ثوب البطالة ومن أكثر ذكر الله تعالى شغله عن ذكر الناس ومن هرب من الذنوب هرب به من النار

(1/179)


ومن رجا شيئا طلبه قال أبو بكر الخطيب بندار بن الحسين الصوفي كان من اهل الفضل المتميزين بالمعرفة والعلم و يحكى عنه حكايات كثيرة ولم نكتب له مسندا غير حديث واحد قال أخبرنيه أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الماليني قال أنا أبو أحمد عبد الله بن عمر بن عبد العزيز السكري قال ثنا أبو الحسين بندار بن الحسين قال ثنا إبراهيم بن عبد الصمد قال ثنا الحسين بن الحسن قال ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ثنا زهير بن محمد عن موسى ابن وردان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم المرؤ على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل أخبرنا الشيخ أبو الحسن ابن اسماعيل الفارسي في كتابه قال أنا أبو بكر بن زكريا بن أبي اسحق قال أنا محمد بن الحسين الصوفي قال سمعت عبد الواحد بن محمد يقول سمعت بندارا يقول أول ما دخلت على الشبلي وكان معي جهاز نحو أربعين ألف دينار فنظر الشبلي في المرآة فقال يا أبا الحسن المرآة تقول أن ثم سبب فقلت صدق المرآة فحملت إليه ست بدر ثم نظر بعد ذلك في المرآة تقول ان ثم سبب فقلت صدق المرآة فحملت أليه ثلاث بدر فكلما اجتمع عندي من جهازي شيء كان ينظر في المرآة ويقول المرآة تقول ان ثم سبب حتى حملت جميع مالي إليه فنظر في المرآة وقال المرآة تقول ليس ثم من سبب قلت صدق المرآة أخبرنا الشيخ أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوزان في كتابه قال سمعت أبي الأستاذ أبا القسم يقول كان الأستاذ أبو بكر بن فورك رحمه الله يحكي

(1/180)


عن بندار بن الحسين الشيرازي إنه كان من أصحاب الشبلي وكان أبوه جهزه إلى بغداد للتجارة فوقع إلى مجلس الشبلي فأثر فيه كلامه فأمره الشبلي بالخروج عن المال فكان كلما حضر الشبلي نظر الشبلي في مرآة عنده وكان يقول المرآة تقول قد بقي شيء وكانت المرآة على الحقيقة قلبه فكان بندار يقول صدقت المرآة وكان الشبلي يكثر النظر في المرآة فسئل عن ذلك فقال بيني وبين الله عهد إن ملت عنه عاقبني فأنا أنظر في كل ساعة في المرآة هل أسود وجهي فلما لم يبقى لبندار شيء قال الشبلي المرآة تقول لم يبق شيء فقال صدقت المرآة فقال الشبلي فأخرج الآن من الجاه فجعل يدور على معارفه يكدي فكان بعضهم يقول مسكين وبعضهم يقول مجنون قال بندار فما كان شيء أصعب علي من الخروج من الجاه والرجل كل الرجل من طهر عن مرآه الخلق أخبرنا الشيخ أبو المظفر بن الأستاذ أبي القسم القشيري قال قال لنا أبي أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي كان عالما بالأصول كبيرا في الحال صحب الشبلي مات بأرجان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة قال بندار بن الحسين لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لك دعها لمالكها يفعل بها ما يريد قال بندار صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق وقال بندار أترك ما تهوى لما تأمل
ومنهم أبو محمد الطبري المعروف بالعراقي رحمه الله
كتب إلي الشيخ الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم

(1/181)


القشيري قال أنا الأستاذ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الحافظ قال أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال عبد الله بن علي بن عبد الله القاضي أبو محمد الطبري ويعرف بالعراقي وأهل جرجان يعرفونه بالمنجنيقي وقد كان ولي قضاء جرجان قديما وقلما رأيت من الفقهاء أفصح لسانا منه يناظر على مذهب الشافعي في الفقه وعلى مذهب الأشعري في الكلام ورد نيسابور غير مرة وآخرها أني صحبته سنة تسع وخمسين يعني وثلاثمائة من نيسابور إلى بخارى ثم توفي بقرب ذلك ببخارى رحمه الله سمع بخراسان عمران بن موسى وأقرانه وبالعراق أبا محمد بن صاعد وأقرانه روى عنه الحاكم
ومنهم ابو بكر القفال الشاشي الفقيه رحمه الله
قرأت على الشيخ أبي القسم زاهر بن طاهر الشحامي عن أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال قال لنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ محمد بن علي بن اسماعيل الفقيه الأديب أبو بكر الشاشي إمام عصره بما وراء النهر للشافعيين وأعلمهم بالأصول وأكثرهم رحلة في طلب الحديث سمع بخراسان وبالعراق وبالجزيرة وبالشام توفي الفقيه أبو بكر القفال بالشاش في ذي الحجة سنة خمس وستين وثلاثمائة كتبت عنه وكتب عني بخط يده أخبرنا الشيخ أبو القسم اسماعيل ابن أحمد بن عمر بن السمرقندي ببغداد قال ثنا الشيخ الإمام أبو اسحق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروز آبادي رحمه الله قال

(1/182)


أبو بكر محمد بن علي بن اسماعيل القفال الشاشي درس على أبي العباس بن سريج وكان إماما وله مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء وله كتاب في أصول الفقه وله شرح الرسالة وعنه انتشر فقه الشافعي فيما وراء النهر وبلغني إنه كان في أول أمره مائلا عن الإعتدال قائلا بمذاهب أهل الإعتزال والله أعلم
ومنهم أبو سهل الصعلوكي النيسابوري رحمه الله
ذكر الإستاذ أبو بكر بن فورك أن ابا سهل رحل إلى العراق وقت الشيخ أبي الحسن ودرس عليه كتب إلى الشيخ أبو نصر بن أبي القسم ابن هوزان قال أنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هرون بن عيسى بن ابراهيم بن بشير الحنفي العجلي الإمام الهمام المتكلم المفسر سهل الصلعوكي الفقيه الأديب اللغوي النحوي الشاعر المتكلم المفسر المفتي الصوفي الكاتب العروضي حبر زمانه وبقية أفرانه رضي الله عنه ولد سنة ست وسبعين ومائتين وسمع أول ما سمع سنة خمس وثلاثمائة طلب الفقه وتبحر في العلوم قبل خروجه إلى العراق بسنين وأنه ناظر في مجالس أبي الفضل البلعمي الوزير سنة سبع عشرة وثلاثمائة وكان يقدم في المجلس إذ ذاك ثم خرج إلى العراق سنة اثنتين وعشرين

(1/183)


وثلاثمائة وهو إذ ذاك أوحد بين أصحابه ثم دخل البصرة ودرس بها سنين إلى أن أستدعي إلى أصبهان وأقام بها سنين ونزلها فلما نعي إليه عمه أبو الطيب وعلم أن أهل أصبهان لا يتخلون عنه في انصرافه خرج مختفيا منهم فورد نيسابور في رجب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وهو على الرجوع إلى الأهل والولد والمستقر من أصبهان فلما ورد جلس لمأتم عمه ثلاثة أيام فكان الشيخ أبو بكر بن اسحق يحضر كل يوم فيقعد معه هذا على قلة حركته وقعوده عن قضاء الحقوق وكذلك كل رئيس ومرؤوس وقاض ومفت من الفريقين فلما انقضت الأيام للمعزى عقدوا له المجلس غداة كل يوم للتدريس والإلقاء ومجلس النظر عشية الآربعاء واستقر به ولم يبق في البلد موافق ولا مخالف إلا وهو مقر له بالفضل والتقدم وحضره المشايخ مرة بعد أخرى يسألون أن ينقل من خلفهم وراءه بأصبهان فأجاب إلى ذلك ودرس وأفتى ورأس أصحابه بنيسابور اثنتين وثلاثين سنة سمع بخراسان أبا بكر بن خريمة وأبا العباس الثقفي وأبا علي أحمد بن عمر بن يزيد المحمد أبا ذي وأبا العباس الأزهري وأبا قريش الحافظ وأبا العباس الماسرجسي وأقرانهم وسمع بالري أبا محمد بن أبي حاتم وأبا عبد الله المحاملي القاضي وأبا عبد الله محمد ابن مخلد الدوري وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي وأبا بكر محمد بن القسم بن الأنباري وأقرانهم ثم أن الأستاذ قعد للحديث عشية الجمعة وحدث الناس قال أبو عبد الله سمعت أبا بكر أحمد بن اسحق الإمام

(1/184)


رحمه الله غير مرة وهو يعوذ الأستاذ أبا سهل وينفث على دعائه ويقول بارك الله فيك لا أصابك العين في مجالس النظر عشية السبت للكلام وعشية الثلاثاء للفقه قال وسمعت أبا علي الأسفرايني يقول سمعت أبا اسحق المرزوي يقول ذهبت الفائدة من مجلسنا بعد خروج أبي سهل النيسابوري وقال سمعت أبا الطاهر الأنماطي الفقيه بالري يقول سمعت الصاحب أبا القسم يعني ابن عباد يقول لا نرى مثله ولا رأى هو مثل نفسه يعني أبا سهل وقال سمعت أبا منصور الفقيه يقول سئل أبو الوليد عن أبي بكر القفال وأبي سهل أيهما أرجح فقال ومن يقدر أن يكون مثل أبي سهل قال أبو عبد الله سمعت أبا الفضل ابن يعقوب يقول سمعت أبا الحسن علي بن أحمد البنوجردي يقول كنت في حلقة أبي بكر الشافعي الصيرفي فسمعته يقول خرج أبو سهل الصعلوكي إلى خراسان ولم ير أهل خراسان مثله اخبرنا الشيخ أبو القسم بن السمرقندي قال قال لنا الشيخ الإمام أبو إسحق الشيرازي أبو سهل محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هرون الصعلوكي الحنفي من بني حنيفة صاحب أبي اسحق المرزوي مات في آخر سنة تسع وستين وثلاثمائة وكان فقيها أديبا شاعرا متكلما صوفيا كاتبا وعنه أخذ ابنه أبو الطيب وفقهاء نيسابور سمعت أبا المظفر بن القشيري يقول سمعت أبي الأستاذ ابا القسم يقول سمعت ابا عبد الرحمن السلمى يقول وهب الإستاذ أبو سهل جبته من انسان في الشتاء وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى التدريس إذ لم يكن له جبة أخرى فقدم الوفد

(1/185)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية