صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : بلوغ الأماني في الرد على مفتاح التيجاني
المصدر : ملتقى أهل الحديث

2- قال في الرماح ما نصه: " وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة (1) اهـ فانظر كيف جعل الشيخ ربا يعلم { ما تخفي الصدور } .
3 - وفي الرماح ما نصه: " حكى القشيري في رسالته أن شقيقا البلخي وأبا تراب النخشى قدما على أبي يزيد وقدمت السفرة وشاب يخدم أبا يزيد فقال شقيق كل معنا يا فتى فقال أنا صائم فقال أبو تراب ولك أجر صوم شهر فأبي فقال شقيق كل ولك أجر صوم سنة فأبى فقال أبويزيد دعوا من سقط من عين الله فأخذ ذلك الشاب بعد مدة وقطعت يده بسرقة (2) اهـ
4 - وقال في بغية المستفيد: " وأما مكاشفاته - رضي الله عنه - بمعنى إخباره بالأمر قبل وقوعه فيقع على وفق ما أخبر به فلا يكاد ينحصر ما حدث به الثقات عنه - رضي الله عنه - وقد ذكر في الجامع أنه - رضي الله عنه - كان كثيرا ما يستره بقوله قلبي يحدثني بكذا أو وقع في خاطري كذا فيخرج كما قال وذكر فيه أيضا ما يفيد أنه - رضي الله عنه -كان يخبر بقدوم الغائب قبل أن يقدم فيكون ذلك وفق ما أخبر به وذكر من ذلك أنه أخبره مرة وهو معه في بلاد الصحراء بقدوم الأمير الظالم إذ ذاك فكان ذلك وأنه - رضي الله عنه - أخبره مرة أخرى بخراب قرية قبل وقوعه فوقع وأنه أخبر مرة أخرى أيضا بقدوم بعض أصحابه فكان كما قال (3) اهـ
__________
(1) رماح حزب الرحيم1/28
(2) الرماح 1/ 338
(3) بغية المستفيد ص 246 والدرة الخريدة 1/64

(1/201)


5 - وقال أيضا ما نصه: " أن الخليفة المعظم سيدي علي حرازم - رضي الله عنه - كان حين أراد التوجه إلى بيت الله الحرام يذكر لبعض الخاصة ممن يساره بالأمور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجه بنت بتونس وكان يصفها وربما ذكر اسمها واسم أبيها ثم لما سافر ووصل تونس حرسها الله كان ما أخبر به قال المحدث فلم نلبث أن جاء الخبر بأنه طلقها قال فكان يقع في باطني شيء من جهة تطليقه إياها وهو أخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجه بها قال وكان الشيطان لعنه الله كثيرا ما يكدر عليه وقته بالوسوسة في ذلك وخصوصا حين يطيب وقته قال لي فجلست يوما مع الشيخ - رضي الله عنه - ولم يحضر معنا ثالث فطاب لي الوقت بمحادثة الشيخ - رضي الله عنه - ولان القلب وخشعت الجوارح فلم أشعر حتى ألقي ذلك الخاطر ببالى وأشتغل به فكري وكدر على صفوي فرفع - رضي الله عنه - بصره إلي وأدنى رأسه مني وقال لي كانت لا تصلي ولم يزد - رضي الله عنه - على ذلك شيئا قال: فعلمت أن ذلك موجب لطلاقه إياها "(1) اهـ
فانظر إلى هذه القصة المخترعة التي يهدف من خلالها الاستدلال على أن شيخه يعلم خفيات الضمائر وما توسوس به النفوس فلم يبق له إلا أن يدعي له الخلق { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } [ ق 16 ].
ثم ليت شعرى كيف يأمره - صلى الله عليه وسلم - بالزواج بهذه الكافرة التي لا تصلى ؟! وكيف يرغب هو عما اختار له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟!
6 - وقال في الدرة الخريدة: قلت لا مانع من كونه تعالى يطلع على غيبه بعض أصفيائه كما قال تعالى: { فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارضى من رسول } يعني أو ولي كما قال بعض العارفين والصحيح أنه لم ينقل من هذه الدار حتى أطلعه الله على مفاتيح الغيب فلتكن بعض خواص أمته كذلك بطريق الوراثة المحمدية.(2)
__________
(1) المرجع السابق 248
(2) الدرة الخريدة 1/ 219

(1/202)


فانظر إلى دعوى علم مفاتح الغيب مع قوله تعالى { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } [ الأنعام 59 ].
7 - وفي بغية المستفيد: " ومن إخباره بالغيب عن طريق كشفه - رضي الله عنه - إخباره بأمور لم تقع إلا بعد وفاته إما بالتصريح أو التلويح فأخبر بالفتن التي وقعت بالقرب من وفاته في الغرب فكان الأمر وفق ما أخبر به وأخبر بالمسغبة العظيمة أعاذنا الله منها التي كانت بعد وفاته بنحو تسع سنين "(1) اهـ
8 - وفي كشف الحجاب ما نصه: " فمن ذلك ما بلغني عن أن سيدنا - رضي الله عنه - قال له - رضي الله عنه - بعد الاجتماع ما هذا التواني الذي فيك يا فلان حتى أنك لم تسارع للدخول في طريقتنا من أول وهلة مع أني مربيك وكفيلك قبل أن تلدك أمك ولقد كانت أمك حاملة بك فسقطت يوما على شيء كاد أن يثقب جنينها ويؤذيك في جسدك فتلقيتها برفق ولين فلم يؤثر ذلك في جسمك تأثيرا يؤدي إلى فساد الخلقة وتشويه الصورة بإذن الله تعالى وإذن رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإنما أصابك بعض الضرر في رأسك ودليل ذلك وجود أثر فيه وكان في رأس صاحب الترجمة حفرة "(2) اهـ
الوجه الثاني:
وأعلم أن ما يدعون لشيخهم من معرفة الغيب يكذبه الواقع وإليك أمثلة على ذلك:
__________
(1) بغية المستفيد ص 247
(2) كشف الحجاب ص 172

(1/203)


1 - تقول الكاهنة المشهورة لالة منانة المعروفة بشنيورة: " كنت يوما جالسة فأتانى مشاوريان فقالا لي قومي تكلمي السلطان فظننت السلطان مولانا سليمان وكان كثيرا ما يرسل إليها وتذهب إليه وكان يحبها محبة خاصة قالت فذهبت معهما حتى خرجنا على باب الفتوح أحد أبواب فاس فوجدت هناك المحلة فتقدمت إلى السلطان فلم أجده مولانا سليمان، وإنما وجدته سيد أحمد التجاني - رضي الله عنه - ولم أعرفه من قبل قالت فصرت أتعجب مما رأيت ثم قال لي السلطان سيد أحمد التجاني ما تقولين أنت في دخول الطاعون إلى هذه المدينة فإنه لا بد من دخوله لهؤلاء الناس الذين اتصفوا بكذا وكذا وعد جملة فعال.
قال فلما سمعت منه ذلك قالت له إذا وقع الإجماع عليه من الأولياء الموجودين ولم يقدروا على حمل هذا البلاء فأنا ألقي الباس عن الناس فقال لها أو تقدري على ذلك وتتحملي به فقالت نعم فأمرها أن ترجع لمحلها فلما دخلت على باب المدينة سمعت من وراءها عمارة بارود فأصابتها فسقطت على وجهها وبقيت ساقطة حتى جاء الناس بالنعش وحملوها عليه حتى أوصلوها إلى محلها وكان الناس يسمعون البارود يتكلم فيها وهي تصيح في كل مرة إلى أن قضى الله برفع ذلك البلاء عن هذه البلد "(1) اهـ
__________
(1) كشف الحجاب 190

(1/204)


2 - وذكر صاحب كشف الحجاب أن جماعة من تلاميذ التجاني: " ارتحلوا إلى فاس قاصدين زيارة سيدنا - رضي الله عنه - وكان سيدنا - رضي الله عنه - في مرضه الذي توفي فيه وقد حصل لهم في طريق سفرهم مانع أخرهم عن الوصول حتى بعث سيدنا - رضي الله عنه - إلى الولية الصالحة لالة منان شنيورة المتقدمة وسألها عن سبب تأخرهم فأخبرته بأن سبب ذلك أن الترك عمال تلمسان أخذوا إبلهم فارغة لقضاء بعض أغراضهم وقد ردوها لهم ولا بأس عليهم وعما قريب يدخلون لهذه البلدة ثم بعد أن دخلت قافلتهم بنحو عشرة أيام بعث لها وقال لها أنه يحب أن يرسل القافلة لمحلها فما تقولين فقالت إن بعثها قبل يومين أو ثلاثة فذاك وإن زاد على ذلك تقع لها عطلة بسبب موت السلطان فسأل صاحبه وأي سلطان تعنى ورده إليها وقال لها لم تتيسر لنا هذه المدة فأعادت قولها الأول فبقي سيدنا - رضي الله عنه - يومين أو ثلاثة ثم توفي - رضي الله عنه - فحضرت جنازته فقيل لها أليس قد قلت السلطان فقالت نعم هذا هو السلطان "(1) اهـ
هكذا ترى أن التجاني مولع بسؤال الكهان عن الغيب لأنه لا علم له به.
3 - ونقل في بغية المستفيد عن بعض علمائهم قال " حضرت مع والدي وكان ممن أخذ الطريقة في أول ظهورها عن سيدنا الشيخ جعلنا الله في حماه وكان قد طال عهده - رضي الله عنه - برؤيته يعني والده المذكور فسأله الشيخ من أنت فقال له إن المشايخ يعرفون تلاميذهم بظهر الغيب ويحضرون معهم عند الموت في كلام ينحو منحى هذا فقال سيدنا - رضي الله عنه - مجيبا له عند ذلك هو - صلى الله عليه وسلم - كفاني الحضور مع أصحابي عند الموت وعند سؤال الملكين في القبر "(2) اهـ
فانظر كيف ألقمه هذا الرجل حجرا وأفحمه في دعواه علم الغيب.
الوجه الثالث:
وإذا علمت ادعاءهم علم الغيب فإليك بيان حكم مدعيه:
__________
(1) كشف الحجاب 197 ـ 198
(2) بغية المستفيد 279 ـ 280 والدرة الخريدة 1/102

(1/205)


قال الله تعالى { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } [ النمل 65 ] و قال: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } [ آل عمران 179 ] وقال: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضي من رسول } [ الجن 26 ] وقال: { قل إنما الغيب لله } [ يونس 20 ] وقال { ولله غيب السماوات والأرض } [ النحل 77 ] وقال { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب } [ الأنعام 50 ]وقال: { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } [ الأعراف 188 ] وقال: { قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض } [ الكهف 26 ] وقال: { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } [ فاطر 38 ] وقال: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } [ الأنعام 59 ] وقال: { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت } [ لقمان 34 ] وقال - صلى الله عليه وسلم - (( مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ))(1)
وفي حديث جبريل أنه قال: متى الساعة فقال له - صلى الله عليه وسلم -:(( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشرا طها إذا ولدت الأمة ربتها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الله عنده علم الساعة.. الآية )) (2)
__________
(1) صحيح البخاري كتاب التوحيد باب قول الله تعالي: عالم الغيب الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الحديث رقم 7379.
(2) صحيح البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل... الحديث رقم 50

(1/206)


وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول قل لا يعلم من في السماوات والأرض إلا الله "(1)

من أقوال العلماء في كفر مدعي علم الغيب:
1 - قال القرطبي: "فمن قال إنه ينزل الغيث غدا وجزم به فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا وكذلك من قال إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر - إلى أن قال - وأما من أدعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر أو أخبر عن الكوائن المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريب في كفره أيضا "(2) اهـ
2 - قال أبو حيان الأندلسي: " ولقد يظهر من هؤلاء المنتسبة إلى التصوف أشياء من إدعاء علم المغيبات والاطلاع على علم عواقب أتباعهم وأنهم معهم في الجنة مقطوع لهم ولأتباعهم بها يخبرون بذلك على رؤوس المنابر ولا ينكر ذلك أحد هذا مع خلوهم من العلوم يوهمون أنهم يعلمون الغيب.. "(3) اهـ
3- قال ابن حجر:"وفي الآية - يعني { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } - رد على المنجمين وعلى كل من يدعي أنهه يطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير ذلك لأنه مكذب للقرآن وهم أبعد شيء من الارتضاء مع سلب صفة الرسلية عنهم "(4) اهـ
__________
(1) صحيح البخاري كتاب التوحيد باب قول الله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا...ح (7380) وصحيح مسلم مع شرح النووي 3/9 واللفظ له.
(2) تفسير القرطبي 7 /2-3
(3) البحر المحيط 4 /145 و436 و5/ 93
(4) فتح الباري 3/3300

(1/207)


4- قال الشوكاني:" وفي هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم ولقد ابتلي الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - (( من أتى كاهنا أومنجما فقد كفر بما أنزل على محمد ))"(1) اهـ
5- قال شارح الطحاوية: " والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى والقرع والقالات ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات أو يدخلوا على الناس في منازلهم لذلك - إلى أن قال - وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة أنواع:
- نوع منهم أهل تلبيس وكذب وخداع الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له.
- أو يدعي الحال من أهل المحال من المشايخ النصابين والفقراء الكاذبين والطرقية الماكرين، فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس، وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل " (2) اهـ
6- وقال آب ولد اخطور الشنقيطي: " وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله وهو كذلك لأن الخلق لايعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا "(3) اهـ
__________
(1) فتح القدير 2/123 والحديث عند أحمد والحاكم وصححه الألباني في تخريج شرح الطحاوية (768)
(2) شرح الطحاوية ص504
(3) أضواء البيان 2/149

(1/208)


7- قال محمد رشيد رضا: " وإذا كان الله تعالى لم يؤت الرسل ما لم يؤت غيرهم من أسباب التصرف في المخلوقات ومن علم الغيب وكان كل من التصرف بالقدرة الذاتية وعلم الغيب خاصا به عزوجل يستحيل أن يشاركه غيره فيه فمن أين جاءت دعوى التصرف في الكون وعلم الغيب لمن هم دون الرسل منزلة وكرامة عند الله تعالى من المشايخ المعروفين وغير المعروفين حتى صاروا يدعون من دون الله تعالى لما عز نيله من الأسباب والسنن الإلهية " (1) اهـ
الوجه الرابع:
لقد ذكرت لك يا مفتاح أربعة نصوص في هذه المسألة الأول من جواهر المعاني والثاني في الرماح والثالث في الدرة الخريدة والرابع في بغية المستفيد، ورددت بزعمك على الأول فقط ولم تستطع تأويل وتحريف الثلاثة الأخرى.
ومن قدمته نفسه دون غيره
رأى غيره التأخير ذاك التقدما
تقدمت للتصدير جهلا مؤخرا
ذوي الرأي والتصدير أن تتقدما
الفراسة ليست حجة شرعية:
قال مفتاح التجاني:
"خامسها أنه لما انقطع الوحي التشريعي بانتقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى أكرم الله أمته بأن أبقى لها ثلاثة أبواب مفتوحة للاطلاع على الغيب هي الفراسة والرؤيا والإلهام.
أما الفراسة فدليلها من القرآن قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } قال السيوطي في الدر المنثور ج4 ص 103 ما لفظه:( أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } قال هم المتفرسون وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبن السني وأبو نعيم معا في الطب وأبن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنورالله ثم قرأ { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ... " ثم ذكر شواهد هذا الحديث عن ثوبان وأنس وأبي الدرداء وأبي أمامة انظر ص 40 - 41 اهـ
__________
(1) تفسير المنار 7/425

(1/209)


والرد عليه من وجوه ثمانية:
الوجه الأول:
الفراسة ليست وحيا ولا علما وإنما هي ظن وتخمين قال ابن الأثير وابن منظور في تعريف الفراسة: " ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس "(1) اهـ
الوجه الثاني:
أما الآية التي استدل بها فليست صريحة فيما قال وبيان ذلك:
- قال آب بن اخطور الشنقيطي " يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن فيما أوقع من النكال بقوم لوط آيات للمتأملين في ذلك تحصل لهم بها الموعظة والإعتبار والخوف من معصية الله أن ينزل بهم مثل ذلك العذاب الذي أنزل بقوم لوط لما عصوه وكذبوا رسله ويبين هذا المعنى في مواضع أخرى كقوله في العنكبوت { ولقد تركنا فيها آية بينة لقوم يعقلون } وقوله في الذاريات { وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم } وقوله هنا { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } وقوله في الشعراء بعد ذكر قصة قوم لوط { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } كما صرح بمثل ذلك في إهلاك قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب في الشعراء، وقوله { المتوسمين } أصل التوسم تفعل من الوسم وهو العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها يقال توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسمه فيه أي علامته التي تدل عليه ومنه قول عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - في النبي - صلى الله عليه وسلم -:
إني توسمت فيك الخير أعرفه
والله يعلم إني ثابت النظر

وقال آخر
توسمته لما رأيت مهابة
عليه وقلت المرء من آل هاشم
__________
(1) النهاية في غريب الحديث 3/428 ولسان العرب 6/160

(1/210)


هذا أصل التوسم وللعلماء فيه أقوال متقاربة يرجع معناها كلها إلى شيء واحد فعن قتادة:" { للمتوسمين } أي المعتبرين " وعن مجاهد:" { للمتوسمين } أي المتفرسين " وعن ابن عباس والضحاك:" { للمتوسمين } أي للناظرين " وعن مالك عن بعض أهل المدينة:" { للمتوسمين } أي للمتأملين " ولا يخفى أن الإعتبار والنظر والتفرس والتأمل معناهما واحد وكذلك قول ابن زيد ومقاتل:" { للمتوسمين } أي للمتفكرين " وقول أبي عبيدة:" { للمتوسمين } أي للمتبصرين " فمآل جميع الأقوال راجع إلى شيء وهو أن ما وقع لقوم لوط فيه موعظة وعبرة لمن نظر في ذلك وتأمل فيه حق التأمل وإطلاق التوسم على التأمل والنظر والإعتبار مشهور في كلام العرب ومنه قول زهير:
وفيهن ملهى للصديق ومنظر
أنيق لعين الناظر المتوسم
أي المتأمل في ذلك الحسن .
وقول طريف بن تميم العنبري:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة
بعثوا إلي عريفهم يتوسم

أي ينظر ويتأمل " (1) اهـ
- قال ابن كثير:" أي إن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته كما قال مجاهد في قوله { للمتوسمين } قال المتفرسين وعن ابن عباس والضحاك للناظرين وقال قتادة للمعتبرين وقال مالك عن بعض أهل المدينة { للمتوسين } للمتأملين "(2)
- قال الشوكاني: " { إن في ذلك } أي في المذكور من قصتهم وبيان ما أصابهم { لآيات } لعلامات يستدل بها { للمتوسمين } للمتفكرين الناظرين في الأمر ومنه قول زهير:
وفيهن ملهى للصديق ومنظر
أنيق لعين الناظر المتوسم
وقال الآخر:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة
بعثوا إلي عريفهم يتوسم
__________
(1) أضواء البيان 3/118 ـ 119
(2) تفسير ابن كثير 2/ 1554

(1/211)


وقال أبو عبيدة:" للمتبصرين " وقال ثعلب:" الواسم الناظر إليك من قرنك إلى قدمك " والمعنى متقارب وأصل التوسم التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير "(1)
- قال الرازي " واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل المتفرسين وقيل الناظرين وقيل المتفكرين وقيل المعتبرين وقيل المتبصرين قال الزجاج حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته " (2) اهـ
- قال أبو السعود " { إن في ذلك } أي في ما ذكر من القصة { لآيات } لعلامات يستدل بها على حقيقة الحق { للمتوسمين } أي المتفكرين المتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيئ بسمته " (3) اهـ
الوجه الثالث:
أما الحديث الذي تعلق به (( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله )) فلا يصح بحال من الأحوال وإليك البيان:
ورد هذا الحديث عن أبي سعيد و أبي أمامة وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وثوبان رضي الله عنهم.
- أما حديث أبي سعيد فيرويه عمرو بن قيس عن عطية عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره، أخرجه البخاري في التاريخ الكبير(4/1/354) والترمذي(4/132) والطبري في تفسيره (14/31) وأبو نعيم (10/281 -282) والسلمي في طبقات الصوفية ص156 والخطيب في تاريخه(7/242) والعقيلبي في الضعفاء (396) وأبو الشيخ في الأمثال (127) وابن عساكر في تاريخ دمشق (4/337 /1-2) والمايليني في الأربعين الصوفية(3/1) من طرق عن عمرو بن قيس به وقال الترمذي " حديث غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه "
قلت: معلول بثلاث علل:
__________
(1) فتح القدير 3/138
(2) التفسير الكبير 5/279
(3) تفسير أبى السعود 6/285 بحاشية التفسير الكبير.

(1/212)


العلة الأولى: ضعف عطية وهو ابن سعد العوفي الكوفي قال أبو حاتم " يكتب حديثه ضعيف " وقال سالم المرادي " كان عطية يتشيع " وقال ابن معين " صالح " وقال أحمد " ضعيف الحديث " وكان هشيم يتكلم فيه وضعفه الثوري و النسائي وابن عدي والذهبي وقال ابن حبان" لا يكتب حديثه إلا على التعجب"(1)
العلة الثانية: تدليس عطية وهو شر أنواع التدليس فإنه يدلس تدليس التسوية قال أحمد:" بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير وكان يكنى بأبي سعيد فيقول قال أبو سعيد " قال الذهبي " يعني يوهم أنه الخدري "(2)
وذكره ابن حجر في الطبقة الرابعة من المدلسين وهم من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل وقال " ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح "(3) اهـ
العلة الثالثة: الإرسال فالصواب إرساله لا وصله قال العقيلي بعد أن رواه من طريق سفيان بن عمرو بن قيس الملائي قال:" كان يقال فذكره، قال هذا أولى "(4) وقال الخطيب:" وهو الصواب والأول وهم "(5) اهـ
- وأما حديث أبي أمامة فيرويه أبو صالح عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عنه به، أخرجه الطبراني وعنه أبو نعيم في الحلية(6/118) وابن عدي في الكامل(4/206) وابن نصر في الفوائد (2/229 /2) والخطيب في التاريخ (5/99) وابن عبد البر في الجامع (1/196) والضياء المقدسي في المنتقى من مسموعاته بمرو (32/2و127/2) من طرق.
__________
(1) انظر ترجمته في الكبير للبخاري 8/7 والميزان 3/79 وتهذيب التهذيب 5/591-592 والضعفاء للنسائي ص225
(2) الميزان 3/79
(3) تعريف أهل التقديس ص 130
(4) الضعفاء للعقيلي ص396
(5) تاريخ بغداد3/191

(1/213)


وهذا الحديث ضعيف علته أبو صالح عبد الله بن صالح فإنه كثير الغلط فاحش الغفلة قال صالح جزرة:" كان ابن معين يوثقه وهو عندي يكذب في الحديث "وقال النسائي:" ليس بثقة " وقال ابن المديني:" لاأروي عنه شيئا " وقال ابن حبان:" كان في نفسه صدوقا إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له وسمعت ابن خزيمة يقول كان له جار كان بينه وبينه عداوة كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله ويرميه في داره بين كتبه فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدث به " وقال ابن عدي:" هو عندي مستقيم الحديث إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يتعمد " وقال أحمد بن حنبل:" كان أول أمره متماسكا ثم فسد بآخرة وليس هو بشيء يروي عن ليث عن ابن أبي ذئب ولم يسمع الليث من أبن أبي ذئب شيئا " (1) اهـ
وأما حديث أبي هريرة فيرويه أبو معاذ الصائغ عن الحسن عن أبي هريرة أخرجه أبو الشيخ ص 126 وابن بشران في مجلسين من الأمالي 210-211 وابن الجوزي في الموضوعات (2/ 329 - 330) وقال:" لا يصح أبو معاذ هو سليمان بن أرقم متروك"
__________
(1) انظر ترجمته في الكامل 4/206 والميزان2/337 وتهذيب التهذيب 5/256 -261

(1/214)


قلت: هو واه شديد الضعف آفته سليمان بن أرقم قال أحمد:" لا يساوي حديثه شيئا " وقال ابن معين:" ليس بشيء، ليس يساوي فلسا " وقال عمرو بن علي:"ليس بثقة روى أحاديث منكرة " وقال:" وقال: محمد بن عبد الله الأنصاري كانوا ينهوننا عنه ونحن شبان " وذكر عنه أمرا عظيما وقال البخاري:" تركوه وقال أبو داوود:" متروك الحديث وقال أبو حاتم والترمذي وابن خراش وغير واحد:" متروك الحديث " وقال أبو زرعة:" ضعيف الحديث ذاهب الحديث " وقال الجوزقاني:" ساقط " وقال ابن عدي:" عامة ما يرويه لا يتابع عليه " وقال أبو أحمد الحاكم والنسائي:" متروك الحديث" وقال مسلم في الكنى:" منكر الحديث "(1) اهـ
وأما حديث ابن عمر فيرويه فرات بن السائب عن ميمون بن مهران عنه أخرجه ابن جرير في التفسير(24 - 32) وأبو نعيم في الحلية (4/ 94) وقال:" غريب من حديث ميمون لم نكتبه إلا من هذا الوجه ".
قلت: هذا الحديث شديد الضعف علته الفرات ابن السائب قال البخاري:" تركوه منكر الحديث " وقال ابن معين:" ليس بشيء " وقال الدارقطني وغيره:" متروك " وقال أحمد:" قريب من محمد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذاك " قال النسائي وابن الجوزي:" متروك الحديث "(2)
وأما حديث ثوبان فيرويه سليمان بن سلمة ثنا مؤمل بن سعيد بن يوسف حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي قال حدثني وهب بن منبه عن طاووس عنه أخرجه ابن جرير (24/32) وأبو الشيخ في الأمثال 128 وطبقات الأصبهانيين (223-224) وأبو نعيم في الأربعين الصوفية (ق 62/ 1) والحلية (4/81).
قلت:" هذا الحديث منكر فيه ثلاث علل ".
__________
(1) انظر ترجمته في الكبير للبخاري 2/ 2 والميزان 2/154 وتهذيب التهذيبب 4/ 168 ـ 169
(2) انظر ترجمته في الكبير 7/ 130 والميزان 3/ 330 وضعفاء النسائي 226 والضعفاء الصغير للبخاري 98

(1/215)


أسد بن وداعة شامي من صغار التابعين ناصبي يسب قال ابن معين:" كان هو وأزهر الحراني وجماعة يسبون عليا وقال النسائي ثقة "(1)
مؤمل بن سعيد قال فيه ابن أبي حاتم (4/1 /375) عن أبيه:" هو منكر الحديث وسليمان بن سلمة منكر الحديث ".
سليمان بن سلمة هو الخبائري تقدم قريبا قال ابن أبي حاتم:" هو منكر الحديث " وقال أيضا:" متروك لا يشتغل به " وقال ابن الجنيد:" كان يكذب ولا يحدث عنه " وقال النسائي:"ليس بشيء " وقال ابن عدي:" له غير حديث منكر " وقال الخطيب:" الخبائري مشهور بالضعف "، ذكر له الذهبي حديثا موضوعا (2) ويكفي حديث ثوبان ضعفا أن السيوطي ضعفه وأقره المناوي في فيض القدير (1/186) ويتحصل مما تقدم أن قول من قال أنه حديث حسن ليس بحسن فإنه إن لم يكن حكم ابن الجوزي عليه بالوضع صحيح فهو واه شديد الضعف.
وأما حديث أنس بن مالك بلفظ (( إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم )) أخرجه الطبراني في الأوسط (3086) والقضاعي (2/84) فليس شاهدا له لأنه يختلف عنه في اللفظ والمعنى ولأنه منكر مداره على أبي بشر المزلق عن ثابت عن أنس به وأبو بشر المزلق اسمه بكر بن الحكم التميمي جار حماد بن زيد قال أبو زرعة:" ليس بالقوي " قال الذهبي:" روى خبرا منكرا قاله أبو حاتم عن ثابت عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (( إن لله رجالا يعرفون الناس بالتوسم ))(3) " وقال ابن حجر:"صدوق فيه لين "(4) اهـ
وهكذا حكم عليه أبو حاتم الرازي والذهبي بأنه منكر والمنكر لا يعتبر به.
الوجه الرابع:
وأما القصص التي ذكرت في شأن الفراسة فلم تذكر لها أسانيد حتى ننظر في صحتها على أنه لا حجة في كلام البشر دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الخامس:
__________
(1) الميزان 1/ 229
(2) انظر الكامل لابن عدي 3/ 293 و الميزان 2/ 164 ـ 165
(3) الميزان 1/ 353
(4) التقريب 65

(1/216)


كثير من القصص التي ذكرت تتعلق بالتأمل في سنن الله الجارية في الكون والتي من خلالها يمكن الجزم ببعض الأمور المستقبلية كالجزم الآن بسقوط الحضارة الأمريكية.
الوجه السادس:
الفراسة ثلاثة أنواع:
أ - فراسة إيمانية وهي خاطر يهجم على القلب ينفي ما يضاده يثب على القلب كوثوب الأسد على الفريسة (1).
قلت: فالفراسة خواطر وأفكار ظنية تخمينية وليست أدلة مقطوعا بها ولذلك لا تثبت بها الأحكام الشرعية بإجماع المسلمين.
ب - فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلي فإن النفس إذا تجردت من العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر ولا تدل على إيمان ولا على ولاية وكثير من الجهال يغتر بها وللرهبان فيها وقائع معلومة(2).
ج - الفراسة الخلقية وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله (3).
الوجه السابع:
أما إقسام بعض الناس على أمور لم تقع فليس له علاقة بالفراسة وإنما هي من باب (( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ))(4).
الوجه الثامن:
لم يثبت أحد من السلف الصالح حكما شرعيا واحدا بالفراسة عكس ما تلهجون به معاشر الصوفية.
قال الشاطبي:" وعلى هذا لو حصلت له مكاشفة بأن هذا المعين مغصوب أو نجس أو أن هذا الشاهد كاذب أو أن المال لزيد وقد تحصل بالحجة لعمرو أو ما أشبه ذلك فلا يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعين سبب ظاهر فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم ولا ترك قبول الشاهد ولا الشهادة بالمال لزيد على حال فإن الظواهر قد تعين فيها بحكم الشريعة أمر آخر فلا يتركها اعتمادا على مجرد المكاشفة أو الفراسة "(5) اهـ

الاحتجاج بالرؤى والمنامات
قال مفتاح التجاني:
__________
(1) مدارج السالكين3/ 360
(2) المرجع السابق 3/364
(3) المرجع السابق 3/ 365
(4) البخاري ح 2703 ومسلم ح 4374
(5) الموافقات 2/ 184

(1/217)


" أما الرؤيا فقد ثبتت بنص القرآن ومتواتر السنة وثبت العمل بمقتضاها فيهما أما القرآن فدليلها منه قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: { يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } وقوله على لسان يعقوب عليه السلام: { يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين } ... إلخ " ص 44 اهـ
والرد عليه من واحد وعشرين وجها:
الوجه الأول:
هذه الآيات التي ذكرتها حول رؤيا الأنبياء وقياس غيرهم عليهم باطل لأنه قياس مع وجود الفارق لأن رؤيا الأنبياء وحي قال ابن القيم: " ورؤيا الأنبياء وحي فإنها معصومة من الشيطان وهذا باتفاق الأمة ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح فإن وافقته وإلا لم يعمل بها "(1).
الوجه الثاني:
أنه لجهله إنما ذكر الآيات التي فيها رؤيا غير نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وجهل الآيات التي فيها رؤياه - صلى الله عليه وسلم - مثل { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } [ الإسراء 60 ] وفي الآية الأخرى { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله } [ الفتح 27 ]ونحو ذلك.
الوجه الثالث:
كل الآيات التي ذكر هي في الأنبياء السابقين والخلاف في شرع من قبلنا معروف لأن الله تعالى يقول: { ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } [ المائدة 48 ] أما الأحاديث فلم يذكر منها إلا اثنان:
حديث (( الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة )) وحديث (( لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات قال: الرؤيا الصالحة )) وهذا يدل على قصر باعه في علم الحديث.
الوجه الرابع:
__________
(1) مدارج السالكين 1/123

(1/218)


الرؤيا الصالحة جزء من النبوة في حق الأنبياء فقط. قال أبو زرعة العراقي: " لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء عليهم السلام وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة "(1) اهـ
الوجه الخامس:
إنما المعنى أن الرؤيا الواقعة للصالح تشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء التي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه (2).
الوجه السادس:
قال الخطابي:"وإنما كانت من أجزاء النبوة في حق الأنبياء صلوات الله عليهم دون غيرهم لأن الأنبياء صلوات الله عليهم يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة ثم قال وقال بعض أهل العلم معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة "(3) اهـ
ورجح ابن حزم هذا القول قال " وهذا هو الأظهر والله أعلم ويكون خارجا على مقتضى ألفاظ الحديث بلا تأويل يتكلف " ورجحه أيضا ابن العربي "(4) اهـ
الوجه السابع:
__________
(1) طرح التثريب 8/214
(2) المرجع السابق.
(3) معالم السنن للخطابي 4/129
(4) الفصل لابن حزم 3/ 190 وعارضة الأحوذي 9/125

(1/219)


الإجماع منعقد على أن الرؤيا لا تثبت الأحكام. قال العراقي:" قد يفهم من كون الرؤيا جزء من أجزاء النبوة ولم يذكر أنها جزء من الرسالة أنه لا يعتمد عليها في إثبات حكم وإن أفادت الاطلاع على غيب فشأن النبوة الاطلاع على الغيب وشأن الرسالة تبليغ الأحكام للمكلفين ويترتب على ذلك أنه لو أخبر صادق عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم بحكم شرعي مخالف لما تقرر في الشريعة لم نعتمده وذكر بعضهم أن سبب ذلك نقص الرائى لعدم ضبطه وقد حكي عن القاضي حسين أن شخصا قال له ليلة شك رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال لي صم غدا أو نحو ذلك فقال له القاضي: قد قال لنا في اليقظة لا تصوموا غدا فنحن نعتمد ذلك أو ما هذا معناه " اهـ.
وحكى القاضي عياض الإجماع على عدم اعتماد المنام في ذلك.(1)
الوجه الثامن:
والرؤيا لا تكون لبيان الأحكام الشرعية بل للبشارة في الغالب قال - صلى الله عليه وسلم -: (( لم يبق من النبوة إلا المبشرات )) قالوا: وما المبشرات: (( الرؤيا الصالحة )) (2)
الوجه التاسع:
الرؤيا منها ما هو رحماني ومنها ما هو نفساني ومنها ما هو شيطاني قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( الرؤيا ثلاث:حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله ))(3) متفق عليه واللفظ للبخاري وعليه فلا اعتبار إلا لنوع واحد منها.
الوجه العاشر:
__________
(1) طرح التثريب 8/215
(2) الموطأ 2/957 والبخاري في التعبير باب المبشرات ح (6990 ) بنحوه
(3) البخاري في التعبير باب القيد في المنام (7017) بنحوه ومسلم برقم( 2263)

(1/220)


قال عبد العزيز بن ناصر الجليل: " ينبغي الحذر من تلاعب الشيطان بالناس في رؤيا المنامات فكم ضل أفراد بل أقوام بسبب الرؤيا في النوم فعطلت أحكام واتخذت مواقف بنيت عليه أعمال ما أنزل الله بها من سلطان بل واعتدي بسببها على معصومين كل ذلك بسبب رؤيا في النوم من ورائها الشيطان في غالب الأحيان وقد يبرم الشيطان كيده وألاعيبه مع ذريته في نشر رؤيا واحدة بين فئام من الناس حتى تتواطأ رؤياهم فلا يشكون بصدقها فيعملون بها ويبنون عليها مواقف وهذا حاصل مشاهد "(1) اهـ
الوجه الحادي عشر:
قال الشاطبي: " وأضعف هؤلاء احتجاجا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات وأقبلوا وأعرضوا بسببها فيقولون رأينا فلانا الرجل الصالح فقال لنا اتركوا كذا واعملوا كذا ويتفق مثل هذا كثيرا للمتمرسين برسم التصوف وربما قال بعضهم رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقال لي كذا وأمرني بكذا فيعمل بها ويترك بها معرضا عن الحدود الموضوعة في الشريعة وهو خطأ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا "(2) اهـ
الوجه الثاني عشر:
__________
(1) هامش مدارج السالكين 1/124
(2) الإعتصام للشاطبي 1/189

(1/221)


وقد كمل الدين بنزول { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة 3 ] فلا يحتاج إلى رؤيا ولا غيرها ولا تقبل أيضا إن غيرت ما كان مستقرا في الشرع لو قال الشخص أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الشاطبي: " وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضا لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر وإن أخبر مخالف فمحال لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائى النومية لأن ذلك باطل بالإجماع فمن رأى شيئا من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول إن رؤياه غير صحيحة إذ لو رآه حقا لم يخبره بما يخالف الشرع "(1) اهـ
الوجه الثالث عشر:
قال محمد أفندي الرومي في كتابه الطريقة المحمدية حاكيا عن الصوفية: " وأنا إذا صدر منا مكروه أو حرام نبهنا بالنوم بالرؤيا فنعرف بها الحلال والحرام وإنما فعلنا مما قلتم أنه حرام لم ننه عنه في المنام فعلمنا أنه حلال قال: ونحو هذا من الترهات كله إلحاد وضلال إذ فيه ازدراء للشريعة الحنيفية والكتاب والسنة النبوية وعدم الاعتماد عليهما وتجويز الخطأ والبطلان فيهما العياذ بالله فالواجب على كل من سمع مثل هذه الأقاويل الباطلة الانكار على قائله والجزم ببطلان مقاله بلا شك ولا تردد ولا توقف ولا تلبث وإلا فهو من جملتهم فيحكم بالزندقة عليهم " (2) اهـ
الوجه الرابع عشر:
__________
(1) الاعتصام 1/191
(2) الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية 162 ـ 164

(1/222)


وقال عبد الغني النابلسي في شرحه لهذا الموضع: " وهذا القول من غلبة الجهل عليهم وفساد عقولهم لأنهم في أحكام شريعتهم يتكلون على ما يرونه في مناماتهم من الخيالات الشيطانية والوساوس النفسانية لعدم اعتنائهم بالحلال والحرام ورفضهم بالكلية لشرائع الإسلام " (1) اهـ
الوجه الخامس عشر:
وأعلم أن رؤيا أهل الكفر والفسوق والعصيان لا تنسب إلى النبوة لقوله في الحديث (( الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح )) قال القاضي أبو بكر بن العربي: " رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة ومعنى صلاحها استقامتها وانتظامها قال وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزاء النبوة " (2) اهـ
قلت: وأي كفر وفسوق بعد القول بوحدة الوجود ومحبة الله للكفار وإنكار الوعيد وتفضيل كلام البشر على كلام خالق البشر.... إلخ
الوجه السادس عشر:
قال سيد عبد الله بن الحاج إبراهيم: " وكذا من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم يأمره وينهاه لا يجوز اعتماده وإن كان من رآه في النوم فقد رآه حقا وإن كان على غير صفته المعروفة في الدنيا عند الجمهور لعدم ضبط الرائى"(3) اهـ
الوجه السابع عشر:
قال آب بن اخطور الشنقيطي في معرض كلامه على الإلهام: " والحق فيه ما ذكره المؤلف من أنه ينبذ بالعراء أي يلغى ويطرح بالفضاء إذ لا يثبت الشرع إلا بدليل ومثل الإلهام ما لو رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يامره أو ينهاه في النوم لأن النائم لا يضبط "(4) اهـ
الوجه الثامن عشر:
__________
(1) الحديقة الندية ص 162
(2) عارضة الأحوذي 9/127
(3) نشر البنود 2/170
(4) نثر الورود 2/576

(1/223)


الاحتجاج بالرؤيا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - طعن في كمال الدين واستدراك على رب العالمين قال الشوكاني: " ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد كمله الله عز وجل وقال: { اليوم أكملت لكم دينكم } ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته - صلى الله عليه وسلم - إذا قال فيها بقول أو فعل فيها فعلا يكون دليلا وحجة بل قبضه الله إليه عند أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة فى أمر دينها وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت وإن كان رسولا حيا وميتا وبهذا تعلم أن لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة " (1) اهـ
الوجه التاسع عشر:
أن الرؤيا تحتاج إلى تعبير غالبا ولا يمكن أن يجزم بالتأويل الصحيح على سبيل القطع إلا بالنسبة للأنبياء قال العلامة رشيد رضا: " والرؤى صور حسية في الخيال تذهب الآراء والأفكار في تعبيرها مذاهب شتى قلما يعرف تأويل الصادق منها غير الأنبياء كرؤيا ملك مصر التي عبرها يوسف عليه السلام ورؤياه هو في صغره " (2) اهـ
الوجه العشرون:
قال الشاطبي: " ومن أمثلة ذلك مسألة سئل عنها ابن رشد في حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في أمر فرأى الحاكم في منامه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له لا تحكم بهذه الشهادة فإنها باطل فمثل هذا من الرؤيا لا معتبر بها في أمر ولا نهي ولا بشارة ولا نذارة لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة وكذلك سائر ما يأتى من هذا النوع "(3) اهـ
الإلهام ليس حجة شرعية
قال مفتاح التجاني:
__________
(1) إرشاد الفحول ص 416
(2) تفسير المنار 11/150
(3) الموافقات 2/183-184

(1/224)


" وأما الإلهام فدليله من القرآن قوله تعالى: { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } قال القرطبي ج 13 ص 259 كان إلهاما قال وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية وقال ابن كثير ج 2 ص 78 الذى عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى } وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله على ذلك الإجماع...." إلخ ص 45
والرد عليه من ثمانية عشر وجها:
الوجه الأول:
كل ما قلته من كلام في هذا الموضوع فهو حول إثبات الإلهام وهذا لا نزاع فيه أصلا وإنما النزاع في الاحتجاج به لكنك عند ما لم تجد دليلا على حجيته لجأت كعادتك على ما لا علاقة له بالموضوع.
الوجه الثاني:
عامة أهل العلم على أن الإلهام ليس بحجة في دين الله قال العلامة تاج الدين السبكي " الإلهام إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر يخص به الله تعالى بعض أوليائه وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره خلافا لبعض الصوفية " (1)؛ قلت وقد نقله القسطلاني محتجا به ومقررا له. (2)
الوجه الثالث:
قال سيد عبد الله بن الحاج إبراهيم في المراقي:
وينبذ الإلهام بالعراء أعني به إلهام الأولياء
وقال في الشرح: والإلهام إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة يخص به الله تعالى بعض أصفيائه وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان فيها وهذا هو معنى قولنا " وينبذ الإلهام " البيت (3)
الوجه الرابع:
__________
(1) جمع الجوامع في أصول الفقه ص 111
(2) المواهب اللدنية( 2/300 )
(3) نشر البنود ( 2/170 )

(1/225)


قال الشيخ آب بن اخطور الشنقيطي في شرح هذا البيت: " يعني أن الإلهام ليس بحجة لعدم الثقة بإلهام من ليس معصوما فلا تؤمن دسيسة الشيطان فيه والنبذ الطرح والإلغاء والعراء الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر والإلهام إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال يخص الله به من شاء والحق فيه ما ذكره المؤلف من أنه ينبذ بالعراء أي يلغي ويطرح بالفضاء إذ لا يثبت الشرع إلا بدليل " (1)
قال عند قول المصنف:
" لا يحكم الولي بلا بدليل من النصوص ومن التأويل
هذا البيت بين فيه المؤلف نبذ إلهام الأولياء بالعراء فبين أن معناه أنهم لا يحكمون أي لا يثبتون حكما من أحكام الله تعالى إلا بدليل من الأدلة الشرعية من نص صريح أو مؤول غير ذلك لانعقاد الإجماع على ان الأحكام الشرعية لا تعرف إلا بأدلتها وقد كان - صلى الله عليه وسلم - ينتظر الوحي فيما لم يرد عليه فيه نص " (2)
الوجه الخامس:
وقد كان الأكثرون من الصوفية لا يحتجون بالإلهام حتى قال الشاذلي: " ضمنت لنا العصمة في الشريعة ولم تضمن لنا في الخواطر " (3)
الوجه السادس:
قال صاحب الطريقة المحمدية: " وقد صرح العلماء بأن الإلهام ليس من أسباب المعرفة بالأحكام " (4)
الوجه السابع:
قال في شرح مرقاة الوصول: " إن إلهام النبي - صلى الله عليه وسلم - وحي بأن يريه الله تعالى بنوره كما قال تعالى { لتحكم بين الناس بما أراك الله } وهو حجة منه لأمته يجب عليهم اتباعه بخلاف إلهام الأولياء فإنه لا يكون حجة على غيره.(5)
الوجه الثامن:
في شرح العقائد للتفتزانى: " والإلهام المفسر بإلقاء معنى في القلب بطريق الفيض ليس من أسباب المعرفة بصحة الشيء عند أهل الحق " (6)
الوجه التاسع:
__________
(1) نثر الورود شرح مراقي السعود ( 2/576 )
(2) المرجع السابق ( 2/577 )
(3) نشر البنود (2/170 )
(4) الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية ص 164
(5) المرجع السابق ص 164
(6) الحديقة الندية ص 164

(1/226)


قال صاحب الحديقة الندية وهو من أكابر الصوفية: " فأعلم أن الإلهام ليس حجة عند علماء الظاهر والباطن بحيث تثبت به الأحكام الشرعية فيستغنون بذلك عن النقل من الكتاب والسنة، بل هو طريق صحيح لفهم معاني الكتاب والسنة عند المحققين من علماء الباطن بعد تصحيح العمل على مقتضى ما فهم بالاجتهاد من معاني الكتاب والسنة وإلا كان وسوسة شيطانية لا يجوز العمل به"(1)
الوجه العاشر:
ثم ما يلقى في قلب الملهم ليس محققا من كونه من عند الله تعالى قال ابن القيم: " فمن أين للمخاطب أن هذا خطاب رحماني أو ملكي ؟ بأي برهان أو بأي دليل ؟ والشيطان يقذف في النفس وحيه ويلقي في السمع خطابه فيقول المغرور المخدوع " قيل لي وخوطبت " صدقت لكن الشأن في القائل لك والمخاطب وقد قال عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - لغيلان بن سلمة وهو من الصحابة لما طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه " إني لأظن الشيطان - فيما يسترق من السمع - سمع بموتك فقذفه في نفسك " فمن يأمن القراء بعدك يا شهر " (2)
الوجه الحادي عشر:
قال الشوكاني: " ثم على تقدير الاستدلال لثبوت الإلهام بمثل ما تقدم من الأدلة من أين لنا أن دعوى هذا الفرد لحصول الإلهام له صحيحة وما الدليل على أن قلبه من القلوب التي ليست بموسوسة ولا بمتساهلة " (3)
الوجه الثاني عشر:
إذا عرفت أن الإلهام ليس حجة شرعية فلا بد إذن لصاحبه من رده إلى كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن حجر العسقلاني: " إن المحدث منهم إذا تحقق وجوده لا يحكم بما وقع له بل لا بد له من عرضه على القرآن فإن وافقه أو وافق السنة عمل به وإلا تركه ". (4)
الوجه الثالث عشر:
__________
(1) المرجع السابق ص 165
(2) مدارج السالكين ( 1/114 )
(3) إرشاد الفحول ص 415
(4) فتح الباري ( 3/1670 )

(1/227)


أن كثيرا مما يسميه الصوفية إلهام إلهي إنما هو خطاب حالي نفسي قال شمس الدين ابن القيم في كلامه على الإلهام: " النوع الثالث خطاب حالي تكون بدايته من النفس وعوده إليها فيتوهمه من خارج وإنما هو من نفسه منها بدأ وإليها يعود وهذا كثيرا ما يعرض للسالك فيغلط فيه ويعتقد أنه خطاب من الله كلمه به منه إليه "(1)
الوجه الرابع عشر:
لقد أثبت الطب النفسي المعاصر أن كثيرا مما تدعيه النصرانية والصوفية من الإلهامات أنه أمراض نفسية قال عبد العزيز بن ناصر الجليل: " وقد تكون أيضا نتاج مرض نفسي ألم بهذه النفوس فتخيلت ما لم يكن موجودا وهذا ما أثبته الطب النفسي المعاصر وأنه عرض من أعراض ما يسمى بانفصام الشخصية " (2)
الوجه الخامس عشر:
واعلم أن الصوفية إنما يتشبثون بالإلهام لأنهم يجعلونه وسيلة إلى قولهم بوحدة الوجود قال ابن القيم: وحاصل هذا الإلهام أنه إلهام ترتفع معه الوسائط وتضمحل وتعدم لكن في الشهود لا في الوجود وأما الاتحادية القائلون بوحدة الوجود فإنهم يجعلون ذلك اضمحلالا وعدما في الوجود " (3)
الوجه السادس عشر:
قال آب بن اخطور الشنقيطي: " وما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث (( استفت قلبك وإن أفتاك وأفتوك )) لا دليل فيه البتة على اعتبار الإلهام " (4)
الوجه السابع عشر:
قال الشاطبي: " فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية ومن هنا لم يعبأ الناس من الأولياء وغيرهم بكل كشف أو خطاب خالف المشروع بل عدوا أنه من الشيطان "(5) اهـ
الوجه الثامن عشر:
__________
(1) مدارج السالكين ( 1/115 )
(2) المرجع السابق هامش ( 1/116 )
(3) المرجع السابق ( 1/119 )
(4) أضواء البيان 4/124
(5) الموافقات 2/188

(1/228)


لو قلنا بحجية الإلهام لكان حاكما على الشرع والشريعة حاكمة لا محكومة قال الشاطبي:" الثاني أن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها فلو كان ما يقع من الخوارق والأمور الغيبية حاكما عليها بتخصيص عموم أو تقييد إطلاق أو تأويل ظاهر أو ما أشبه ذلك لكان غيرها حاكما عليها وصارت هي محكوما عليها بغيرها وذلك باطل باتفاق فكذلك ما يلزم منه " (1)

خرافة العلم اللدني حيلة لإلغاء الشرع
قال مفتاح التجاني:
" وأما قول هذا المعترض: هل يمكن أن تستغني عن الرسل وتأخذ العلم عن الله مباشرة مع أن الله يقول: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } الآية واعتراضه على ما نقله علي حرازم في جواهر المعاني ج 1 ص 12 عن الشيخ محيى الدين بن عربي أنه كتب إلى الشيخ فخر الدين الرازي صاحب التفسير رسالة يقول فيها " اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الرجل لا يكمل في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ، فإن من كان علمه مستفادا من نقل أو شيخ فما برح من الأخذ عن المحدثات إلى أن قال له فيها: وكان الشيخ الكامل أبو يزيد البسطامي - رضي الله عنه - يقول لعلماء عصره " أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت " واعتراضه أيضا على قول الشيخ التجاني في جواهر المعاني ج 1 ص 153 قيل إن أبا يزيد باسطه الحق في بعض مباسطاته فقال له يا عبد السوء لو أخبرت الناس بمساويك لرجموك بالحجارة فقال له: وعزتك لو أخبرت الناس بما كشفت لي من سعة رحمتك لما عبدك أحد فقال لا تفعل فسكت " اهـ ص 48.
__________
(1) المرجع السابق 2/190 ـ 191

(1/229)


إلى أن قال مفتاح التجاني: " ثالثها أن المحققين من فهماء العلماء وصلت عقولهم إلى أن العلم ينقسم إلى أربعة أقسام: علم الرواية وقد فاز به الحفاظ وعلم الدراية وقد فاز به الفقهاء وعلم النظر والقياس والاستنباط وقد فاز به المجتهدون وعلم المكافحة وهو العلم اللدني الذي يفيضه الله على قلوب أوليائه المقربين من غير واسطة مشهودة " اهـ ص 50
والرد عليه من اثنا عشر وجها:
الوجه الأول:
كل شيء في جواهر المعاني فهو كلام التجاني وهو ملزم به لأن على حرازم لما كتب أجازه التجانى بل تدعون معشر التجانيين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجازه واعتمده ونسبه إلى نفسه وهذا الكلام نقله في جواهر المعاني مقررا له ومستدلا به. قال في بغية المستفيد: " وبعد أن فرغ منه - يعني جواهر المعاني- أحضره بين يديه يعني التجاني - وأجازه في سائر ما فيه وكتب له بخط يده المباركة أوله وآخره بذلك في مسجد الديوان " (1) اهـ
وقال في بغية المستفيد أيضا: " ومما بلغنا في فضل هذا الكتاب عن سيدنا - رضي الله عنه - أن سيد الوجود - صلى الله عليه وسلم - نسبه إليه فقال فيه كتابي هذا وأنا ألفته " (2) اهـ
وفي كشف الحجاب " ولم يؤلفه - رضي الله عنه - إلا بعد إذنه - صلى الله عليه وسلم - له فيه " (3) اهـ
الوجه الثاني:
__________
(1) بغية المستفيد ص 183
(2) المرجع السابق
(3) كشف الحجاب ص 71

(1/230)


لقد حذفت من وسط كلام صاحب جواهر المعاني ما فيه الحجة الدامغة عليك حيث حذفت بعد قوله: " فما برح الأخذ عن المحدثات... ما نصه: " وذلك معلوم عند أهل الله عز وجل ومن قطع عمره في معرفة المحدثات وتفصيلها فإنه حظه من ربه عز وجل لأن العلوم المتعلقة بالمحدثات يفنى الرجل فيها ولا يبلغ إلى حقيقتها ولو أنك يا أخى سلكت على يد شيخ من أهل الله عز وجل لأوصلك حضرة شهود الحق تعالى فتأخذ منه العلم بالأمور عن طريق الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصب ولا سهر كما أخذه الخضر عليه السلام فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظن وتخمين وكان الشيخ الكامل أبو يزيد البسطامي..."(1) إلخ ما تقدم .
فانظر إلى الكذب والخيانة والخديعة التي وقعت فيها وإن تعجب فعجب قول شيخه الذي حذفه " فلا علم إلا ما كان عن كشف... إلى آخره. فهل يقول هذا مؤمن بالرسل والكتب ؟!!
العلم للرجل اللبيب زيادة
... ...
ونقيصة للأحمق الطياش

مثل النهار يزيد أبصار الورى
... ...
نورا ويعمى أعين الخفاش
الوجه الثالث:
وإليك أخي القارئ الكريم أمثلة على ادعائهم للوحي من نصوص كلام التجاني:
أ - قال التجاني: " الأمر العام الذي كان يأتيه عاما للأمة طوي بساط ذلك بموته - صلى الله عليه وسلم - وبقي الأمر الخاص الذي كان يلقيه للخاص فإن ذلك في حياته وبعد مماته دائما لا ينقطع " (2) اهـ
فانظر كيف جعل الشرع للعوام وجعل لهم شرعا خاصا بهم.
__________
(1) جواهر المعاني 1/14 ـ 15
(2) جواهر المعاني 1/103

(1/231)


ب - قال التجاني: " وأما أصحاب باطن الألوهية وهم الصديقون فوحيه إليهم أن كشف لهم أحوال الغيب جهارا وأسمعهم سبحانه وتعالى لذة مساررته لهم لتبدي حقائق تلك الأسرار لكن وإن بلغوا ما بلغوا من وحي الله إليهم تقصر رتبتهم عن مرتبة الأقطاب كما أن الأقطاب وإن بلغوا ما بلغوا من وحي الله إليهم تقتصر مرتبتهم عن مرتبة النبيين عليه الصلاة والسلام "(1) اهـ
ج - وقال التجاني: " ومن الوحي أيضا ما يكون بالنظر في مراتب الأسماء والصفات وما تستحقه من الخواص فيأخذ منها فيضا إلهيا ووحيا ربانيا يعلم به حكم الغيب وصريح الأمر الإلهي ومن الوحي ما يكون بطريق الورود يرد عليه الوارد في حضرته من عند الله تعالى في منزلة الرسول من عنده فيلقى إليه ما يلقى من التعريفات والأسرار والعلوم وكشف الغيوب وتحقيق الأمر " (2) اهـ فانظر كيف جعلوا أنفسهم في الوحي في منزلة الرسول أليس هذا هو ادعاء النبوة بصريح العبارة يا عباد الله ؟
د - وقال التجاني: " اعلم أن عند الصديق بل عند كل صديق من العلم القطعي من عند الله بطريق الوحي التحقيقي بما أفاض عليه من العلوم وعرفه من حقائقها "(3) اهـ
بهذه النصوص الصريحة يتبين لكل أحد ما هم عليه من ادعاء النبوة حيث يدعون الوحي إليهم وحصولهم على العلم من غير طريق رسول - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الرابع:
__________
(1) المصدر السابق 1/203- 204
(2) المصدر السابق 1/204
(3) المصدر السابق 1/ 215

(1/232)


قال القرطبي قال شيخنا أبو العباس: " ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه الأحكام الشرعية فقالوا هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها الأنبياء والعامة وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم وقالوا وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسي من تلك الفهوم وقد جاء فيما ينقلون " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون " قال شيخنا - رضي الله عنه -: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب لأنه إنكار ما علم من الشرائع فإن الله تعالى قد أجرى سنته وانفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه وهم المبلغون عنه رسالتهم وكلامه المبينون شرائعه وأحكامه اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك كما قال تعالى: { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير } وقال تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } وقال تعالى: { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين } إلى غير ذلك من الآيات وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري وإجماع السلف والخلف على أن لا طريق إلى معرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل فمن قال إن هنالك طريق أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حتى يستغني عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله فلا نبي بعده ولا رسول وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى

(1/233)


وأنه يعمل بمقتضاه وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة فإن هذا نحو ما قاله - صلى الله عليه وسلم -:" إن روح القدس نفث في روعي.... " اهـ (1)
الوجه الخامس:
قال البقاعي: " ومن يعتقد أن لأحد من الخلق طريقا إلى الله من غير متابعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر من أولياء الشيطان بالاجماع فإن رسالته - صلى الله عليه وسلم - عامة ودعوته شاملة " (2)
الوجه السادس:
قال ابن حجر العسقلاني: " ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء أما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم... إلى أن قال نقلا عن أبي العباس القرطبي: وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت وكذا قال آخر أنا آخذ عن قلبي عن ربي وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع ونسأل الله الهداية والتوفيق ". (3)
الوجه السابع:
__________
(1) تفسير القرطبي 11/40 ـ41 وعنه الشنقيطي في أضواء البيان 4/ 123 ـ 124
(2) مصرع التصوف ص 24
(3) فتح الباري 1/351

(1/234)


قال القسطلاني: " وأما قصة موسى مع الخضر فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد وكفر يخرج عن الإسلام، موجب لإراقة الدم والفرق أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته ولو كان مأمورا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل قال نعم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى جميع الثقلين فرسالته عامة للجن والإنس في كل زمان ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه. فمن ادعى أنه مع محمد كالخضر مع موسى أو جوز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه وليشهد بشهادة الحق فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية فضلا عن أن يكون من خاصة أولياء الله تعالى وإنما هو من أولياء الشيطان وحلفائه ونوابه " (1)
الوجه الثامن:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فهذا كافر ملحد وإذا قال أنا محتاج إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - في علم الظاهر دون علم الباطن أو علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود والنصارى "(2) اهـ
قال أيضا: " ومن اعتقد أن في أولياء الله من لا يجب عليه اتباع المرسلين وطاعتهم فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل مثل من يعتقد أن في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من يستغني عن متابعته كما استغنى الخضر عن متابعة موسى فإن موسى لم تكن دعوته عامة بخلاف محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه مبعوث إلى كل أحد فيجب على كل أحد متابعة أمره "(3) اهـ
الوجه التاسع:
__________
(1) المواهب اللدنية 2/492- 493
(2) مجموع الفتاوى 11/225
(3) مجموع الفتاوى 4 /318

(1/235)


قال القاضي عياض المالكي: "... أو من ادعى النبوة لنفسه أو جوز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء ويدخل الجنة ويأكل من ثمارها ويعانق الحور العين فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه خاتم النبيين لا نبي بعده وأخبر عنه الله تعالى أنه خاتم النبيين وأنه أرسل كافة للناس؛ وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره وأن مفهومه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعا اجماعا وسمعا "(1) اهـ
الوجه العاشر:
قال محمد عليش المالكي: " ويكفر إن جوز اكتساب النبوة بتصفية القلب وتهذيب النفس والجد في العبادة لاستلزامه جوازها بعد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وتوهين ما جاء به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم"(2) اهـ
الوجه الحادي عشر:
وقال الشربينى: " من نفى الرسل بأن قال لم يرسلهم الله أو نفى نبوة نبي أو ادعى النبوة بعد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أو صدق مدعيها أو قال النبوة مكتسبة أو تنال رتبتها بصفاء القلوب أو أوحى إليه ولم يدع النبوة... فقد كفر "(3) اهـ
الوجه الثاني عشر:
__________
(1) انظر الشفاء 2/586-587
(2) منح الجليل شرح مختصر خليل 4/464 وانظر حاشية الدسوقي 4/269 والشرح الصغير للدردير 6/149
(3) مغني المحتاج 4/135 بتصرف وانظر نهاية المحتاج للرملي 7/395

(1/236)


قال محمد أفندي الرومي ممزوجا بكلام الشارح عبد الغني النابلسي الدمشقي ما نصه: " (فإن حصل لنا) بفتوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قناعة) أي اكتفاء (فيها) أي فقد رضينا بها (وإلا) أي وإن لم يحصل لنا قناعة بذلك (رجعنا) في تلك المسألة (إلى الله تعالى بالذات) تأكيد لاسم الجلالة... (فنأخذ) حكم تلك المسألة التي اشكلت علينا (منه) سبحانه بلا واسطة أحد وهذا القول كفر أيضا لا محالة بالاجماع من وجوه الأول التصريح بعدم الدخول تحت أحكام الكتاب والسنة مع وجود شروط التكليف بذلك من العقل والبلوغ ووصول الدعوة والكون في دار الإسلام ومنها التصريح بعدم قبول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أفتاه في حكم من الأحكام وأنه مخير فيه إن شاء قبله وإن شاء رده ومنها دعوى تلقى الأحكام الشرعية من الله تعالى بلا واسطة نبي وذلك دعوى نبوة "(1) اهـ
رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة مستحيلة عقلا وشرعا
قال مفتاح التجاني:
" وأما اعتراض هذا الجاهل المغرض على قول الشيخ التجاني - رضي الله عنه - في جواهر المعاني ج 1 ص 114 " ثم أمرني بالرجوع إلى صلاة الفاتح لما أغلق فلما أمرني بالرجوع إليها سألته - صلى الله عليه وسلم - عن فضلها؛ فالجواب عنه أن ما ثبت بنص القرآن ومتواتر السنة من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء ليلة أسري به ونصيحة موسى له بطلب التخفيف عن أمته ونصيحة إبراهيم الخليل له بأن يأمر أمته بالاكثار من الحوقلة أصل أصيل فيما يقع للأولياء الورثة المحمديين من الإجتماع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة وأخذ العلوم عنه في حياته البرزخية " اهـ ص 51 .
والرد عليه من اثنا عشر وجها:
الوجه الأول:
__________
(1) الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية ص 158.

(1/237)


اعلم أن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة بعد موته لم يقل بها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أتباع التابعين ولا من بعدهم من الأئمة المجتهدين ولا أحد من المسلمين إلا ثلة قليلة من غلاة المتصوفة القائلين بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود فخالفوا إجماع الأمة خلفا عن سلف قال القاضي أبو بكر بن العربي: " ووغلا صالح فيه فقال كل الرؤيا والرؤية بعين الرأس حقيقة وهذا حماقة " (1)
الوجه الثاني:
رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة بعد وفاته مستحيل شرعا من عدة وجوه:
1 - أنه - صلى الله عليه وسلم - قد مات فادعاء حياته بعد موته قبل البعث تكذيب لقوله تعالى: { إنك ميت وإنهم ميتون } [ الزمر 30 ] وقوله تعالى: { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } [ الأنبياء 95 ].
2 - إذا كان يحيا لكل شخص ممن ادعى رؤيته فسوف يموت موتات كثيرة ويحيى عدة مرات وهذا مخالف لقوله تعالى { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } [ البقر 28 ]. ولا يتعارض ذلك مع حياة الأنبياء في قبورهم فإن تلك حياة برزخية تختلف عن هذه الحياة الدنيوية وهي من الغيب والغيب لا يكيف قال العلامة محمد رشيد رضا: " والحق أن كل ما ورد في حياة الشهداء والأنبياء بعد الموت فهو من أخبار الغيب التي لا يقاس عليها ولا يتعدى فيها ما صح منها عن المعصوم باجماع علماء المسلمين " (2) اهـ
3 - أنه قال في الحديث (( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة )) (3) وقد رآه ملايين البشر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في المنام ولم يدع أحد منهم أنه رآه في اليقظة فحمل الحديث على الرؤية في اليقظة في الدنيا يؤدي إلى تكذيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتلك غاية الكفر والإلحاد.
__________
(1) عارضة الأحوذي 9/130
(2) تفسير المنار 11/432
(3) البخاري ح ( 6993 ) ومسلم ( 266)

(1/238)


قال ابن حجر العسقلاني: " ويعكر عليه أن جمعا جما رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف "(1) اهـ
4 - القول برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة والأخذ عنه بعد موته يستلزم وصفه - صلى الله عليه وسلم - بالتقصير في نصح الأمة وتبليغها وإصلاح أمرها لأنه لم يأت لمحاصري دار عثمان فينهاهم كما لم يرشد الصحابة في وقعة الجمل وصفين وتركهم يتقاتلون ولو رأوه يقظة لتوقفوا عن ذلك وكذلك ما خرج لجيش بني أمية في وقعة الحرة فينهاهم إلى غير ذلك من الحوادث العظيمة والخطوب الجليلة.
الوجه الثالث:
القول برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة بعد موته مستحيل عقلا قال القرطبي: " وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانيين وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من المعقول وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول " (2) اهـ
الوجه الرابع:
وأما تعلقه بحادثة الإسراء والمعراج فمردود من وجهين:
أ - الإسراء والمعراج كانا معجزتين للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة لا يقاس عليه غيره من الأنبياء أحرى من دونهم.
ب - أن هذه المسألة من باب العقائد وهي توقيفية لا يدخلها القياس.
الوجه الخامس:
__________
(1) فتح الباري 3/3124
(2) فتح الباري 3/3123 والمواهب اللدنية 3/399

(1/239)


وأما تعلقه بحديث (( من رآنى في المنام فسيراني في اليقظة ))(1) وفي رواية (( فقد رآني ))(2) وفي رواية (( من رآني فقد رأى الحق ))(3).
فمردود من وجوه:
أ - لا يمكن حمله على رؤيته يقظة في الدنيا لما تقدم من رؤية كثير من الناس له من عصر الصحابة إلى الآن في النوم ولم يره أحد منهم في اليقظة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الصادق المصدوق.
ب - قال ابن بطال قوله (( فسيراني في اليقظة )) يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق " (4) وقد رجح هذا الوجه ابن حجر العسقلاني فقال: " والذي يظهر لي أن المراد (( من رآني في المنام )) على أي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله لا الباطل الذي هو الحلم " ورجحه ابن العربي في العارضة (5). قلت ويؤيده رواية (( فقد رأى الحق )).
ج - وقال ابن التين " المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز " (6) اهـ
د - وقيل معنى الحديث أنه يراه يقظة في الآخرة وفي هذا بشارة لرائيه بحسن الخاتمة وهذا قول الدماميني ونصره محمد الخضر الشنقيطي (7) وتؤيده رواية (( فسيراني )).
هـ - وقيل أنه على التشبيه والتمثيل ويدل على ذلك رواية (( لكأنما رآني في اليقظة ))(8).
__________
(1) تقدم قريبا
(2) البخاري ح ( 6994 ) و مسلم ح ( 2264 )
(3) البخاري ح (6996 ) ومسلم ح ( 2261 )
(4) فتح الباري 3/3123
(5) المرجع السابق 3/3125 وعارضة الأحوذي 9/131
(6) المرجع السابق 3/3123
(7) انظر فتح الباري 3/3124 والمواهب اللدنية 2/296 ومشتهي الخارف الجاني ص 93 وعون المعبود 7/249
(8) مسلم ح ( 5920 ) وأبو داود ح ( 5023 ) وابن ماجه ح ( 3904)

(1/240)


و – وقيل إذا رؤي على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة كحاله فإن رؤي على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤية حقيقة فإن من الرؤيا ما يخرج عن وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل وعبارة. (1)
الوجه السادس:
وأما ادعاؤه بأن رؤيته - صلى الله عليه وسلم - يقظة بعد موته من باب الكرامة فباطل من وجوه:
أ - أن الكرامة هبة من الله تعالى لمن يشاء من عباده الصالحين لا تطلب ابتداءا (2) وأما هم فهذه المسألة هي غاية مطلوبهم حتى قال في الدرة الخريدة: " وأما الذي هو أفضل وأعز من دخول الجنة فهو رؤية سيد الوجود - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة فيراه الولي اليوم كما يراه الصحابة رضي الله عنهم فهي أفضل من الجنة "(3) اهـ
ب - أن الكرامة لا تدرك بالتعلم وهم يدعون أن رؤيته - صلى الله عليه وسلم - يقظة تدرك بتعلم رياضات وأذكار بصيفة مخصوصة ومن أمثلة ذلك قوله في بغية المستفيد ما نصه: " طريقتنا أن نكثر من الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - حتى نصير من جلسائه ونصحبه يقظة مثل أصحابه ونسأله عن أمور ديننا وعن الأحاديث التي ضعفها الحفاظ عندنا ونعمل بقوله فيها "(4) اهـ
قال الشيخ صنع الله الحلبي: " أما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغالطة لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه لا قصد لهم فيها ولا تحد ولا قدرة ولا علم كما في قصة مريم بنت عمران وأسيد بن حضير وأبي مسلم الخولاني "(5) اهـ
ج - أن الكرامة أمر خارق للعادة لا يخالف النصوص الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة ورؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة بعد موته في الدنيا معارضة للشرع كما تقدم .
__________
(1) إكمال المعلم بفوائد مسلم 7/219
(2) محموع الفتاوى 11/360
(3) الدرة الخريدة شرح الياقوتة الفريدة 1/84
(4) بغية المستفيد ص 79.
(5) تيسير العزيز الحميد ص 198.

(1/241)


د - أن الكرامة لا تكون إلا نادرة ولا تتكرر غالبا أما أنتم تدعون كثرة هذه الرؤية المزعومة بل دوامها حتى قال شيخكم الاكبر أبو العباس المرسي: " لو حجب عني النبي - صلى الله عليه وسلم - طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين "(1) اهـ
الوجه السابع:
وأما من نسب إليه مفتاح القول برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة بعد وفاته فهم أربعة أنواع:
أ - علماء افترى عليهم لم يقولوا بذلك بل بعضهم أنكره مثل ابن العربي فإنه قال إنها " غلو وحماقة " (2) والعز ابن عبد السلام فإنه نقل كلام ابن الحاج في ذلك فقط ولم يقل به (3) وابن الحاج فإنه قال فقط أنه لا ينكر على من يقول بها (4) والقاضي شرف الدين البارزي فإنه نقلها عن غيره فقط ولم يقل بها (5) ومنهم أبو عبد الله القرطبي فإنه إنما ادعي سماع الكلام ورد السلام ولم يدع الرؤية مطلقا (6) ومنهم نور الدين فإنه ادعي أنه سمع رد السلام من القبر الشريف ولم يدع الرؤية أصلا (7). فأنظر إلى تعمد الكذب على العلماء نصرة لباطله.
ب - صوفيون يؤمنون بوحدة الوجود فلا غرو في دعواهم رؤيته - صلى الله عليه وسلم - لأنهم يعتقدون انه - صلى الله عليه وسلم - حال في كل شيء من الكون.
__________
(1) شرح المواهب اللدنية 5/300 ـ301
(2) المواهب اللدنية 2/300
(3) الحاوي للفتاوى 2/245
(4) الحاوي للفتاوى 2/245
(5) المرجع السابق 2/245
(6) المرحع السابق 2/247
(7) المرجع السابق 2/248

(1/242)


قال التجاني: قوله " (الساري) معناه أنه - صلى الله عليه وسلم - سار في جميع الموجودات كسريان الماء في الأشجار لا قيام لها بدونه وتلك السراية منه - صلى الله عليه وسلم - في الموجودات لا مطمع للعقل في دركها ولا أن يحوم حول حماها فما وصل إليها أحد من خلق الله ولا عرف لها كيفية ولا صورة وكل الوجود في حجاب عن هذا الإدراك يعني إدراك السراية منه في الموجودات فما أدركتها أكابر الملائكة العالين ولا أكابر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كلهم لم يشموا لها رائحة فمن دونهم أحرى وأولى لا يذوق منها شيئا وغاية السريان أنه - صلى الله عليه وسلم - لو فقد سريانه في ذاته من ذوات الأكوان لصارت محض العدم من ساعتها "(1) اهـ
ج - من ذكره مرتين ليكثر به العدد كأبي عبد الله الأسنوي هو نفس محمد بن يحي الأسنوي(2).
د - الجماعة الرابعة قالت برؤية الروح أو الرؤية الحالية كالسيوطي حيث قال: " ليست الرؤيا البصرية كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشره " (3) اهـ
الوجه الثامن:
أعلم أن الصوفية القائلين برؤية الأنبياء يقظة إنما يقلدون النصارى فإنهم قد اشتهروا بذلك.
__________
(1) جواهر المعاني 2/421
(2) الحاوي 2/246
(3) الحاوي 2/249

(1/243)


قال العلامة رشيد رضا: " إن الذين يتراءى لهم المسيح أو أمه عليهما السلام أو غيرهما من القديسين عندهم كثيرون ومن الرجال المشهورين بهذا في هذا الزمان رشيد بك مطران وهو وجيه سوري من بعلبك مشهور يقيم في أروبه ويكون غالبا في باريس فهو يرى أو يتراءى له مثال السيدة مريم العذراء في اليقظة كثيرا ويسألها عن كثير مما يشكل عليه فتجيبه وحدثني الأمير شكيب أرسلان عنه أنه سألها مرة عن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فأجابته مثنية عليه - صلى الله عليه وسلم - ثناء عظيما لم أحفظه " وقرأت في جريدة مرآة الغرب العربية التي صدرت في نيويورك في مارس سنة 1933 م رسالة من عمان عاصمة إمارة شرق الأردن كتبت في 26 من كانون الثاني ( يناير ) سنة 1933 م (الموافق 29 رمضان سنة 1351 هـ ) ملخصها أن امرأة نصرانية في عمان اسمها حنة بنت إلياس غابى الملقب صهر الله متزوجة ولها أولاد وأخ فقيرة مشهورة بالتقوى عرض لها منذ سنة ونصف نزيف دموي عقب الولادة وأريد عمل عملية جراحية لها فأرشدت إلى التوجه أولا إلى الطبيب السماوي فدعت يسوع ليلا ثم ذهبت إلى الكنيسة بعد منتصف الليل لتصلي وهي في حال غيبوبة أو عقب رؤيا فرأت الكنيسة خالية وشاهدت في الهيكل شخصا يحيط به نور عظيم فاشتد خوفها ورعبها فدعاها وقال لها لا تخافي أنا المسيح فركعت على قدميه وقالت له اشفني يا سيدي فقال لها حسب إيمانك يكون لك فبرئت وقرر الأطباء بعد فحصها أنه لم تبق حاجة إلى العملية الجراحية فازدادت عبادة وتقوى. ولما كان اليوم الرابع من هذا الشهر ك 2 من يناير شعرت في منتصف الساعة الثالثة بعد نصف الليل بيد تهزها من الكتف ففتحت عينيها فإذا نور عظيم في الغرفة وفي وسط النور شخص ملاك يقول لها سيحدث ضيق عظيم في العالم ولكن لا تخافوا وستكون لكم هذه العلامة وكان بيده كأس فغمس اليد الأخرى في الكأس وبأصابعه الثلاثة وضع على جبينها علامة ثم تركها وقال اعطوا مجد الله فقامت

(1/244)


وصارت تمجد الله بصوت عال فهب أهلها وقالوا لها ماذا جرى لك ؟ فقالت لم تروا النور وتسمعوا الصوت ؟ قالوا لا قالت جيئوني بالضوء فلما أحضروا القنديل رأوا في جبينها علامة طائر يشبه النسر صافا جناحيه ممتدا على طول جبينها وعرضه ( أي جبهتها ) وليس ماسا للحاجبين ولا شعر الرأس ولونه عنابي كالدم ورسمه متقن كأنه رسم فنان عظيم " (1) اهـ
فهؤلاء النصارى هم سلفكم في هذه المسألة ما لكم سلف سواهم.
الوجه التاسع:
وأما احتفاله بأن السيوطي ألف في هذا الموضوع رسالة فتلك قاصمة ظهره لأن السيوطي على سعة اطلاعه وضخامة المكتبة المحمودية التي كان فيها لم يستطع أن يورد حديثا واحدا في المسألة لا صحيحا ولا ضعيفا ولا مرفوعا ولا موقوفا ولا مقطوعا مع حاجته الشديدة إليه، بل صرح الحفاظ أن هذه المسألة لم ير فيها أي حديث البتة.
منهم العلامة شمس الدين السخاوي خليفة الحافظ بن حجر قال: " لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه - صلى الله عليه وسلم - حتى ماتت كمدا بعد ستة أشهر على الصحيح وبيتها مجاور لضريحه الشريف ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرت عنه "(2) اهـ
الوجه العاشر:
ثم هؤلاء الذين يدعون الرؤية إنما يرون صور الشياطين فتخدعهم لأنها تتمثل لهم في أي صورة جميلة وتقول أنها محمد - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الأنبياء قال العلامة أدييج الكمليلي:
وما ادعوا من أخذ هذا الورد
عن الرسول يقظة لا يجدي
إذ لم تحقق في اللقاء الدعوى
ولم تنل كرامة بطغوى
ولم يرد عن النبي المصطفي
لقياه يقظة بنور ما انطفي
فصح أن يخاطب التجاني
شيطانه من جهة العدنانى(3)
__________
(1) تفسير المنار 11/437 ـ 438
(2) المواهب اللدنية 2/297
(3) مشتهي الخارف ص 108

(1/245)


وقال العلامة بدر الدين ابن الأهدل: " ومراتبهم في الرؤية متفاوتة وكثيرا ما يغلط فيها رواتها فقل ما تجد رواية متصلة صحيحة عمن يوثق به أما من لا يوثق به فقد يكذب وقد يرى مناما أو في غيبة حس فيظنه يقظة وقد يرى خيالا ونورا فيظنه الرسول وقد يلبس عليه الشيطان فيجب التحرز في هذا الباب "(1) اهـ
قال العلامة محمد رشيد رضا: " والراجح عندنا أن أكثر المدعين لذلك أولو كذب وحيل وتلبيس وأن أقلهم يرون بعض الشياطين من جند إبليس ولا سيما شياطين الموتي وقرنائهم العارفين بأحوالهم "(2) اهـ
قلت: من تمثل الشيطان للصوفية ما حدث لعبد القادر الجيلاني فقد رأى الشيطان في النوم فقال أنا ربك قد أبحت لك المحرمات فقال اخسأ يا لعين فقيل له بم عرفت أنه شيطان قال بقوله أبحت لك المحرمات وبقوله أنا ربك ولم يقل أنا الله (3) .
الوجه الحادي عشر:
__________
(1) المواهب اللدنية 2/299
(2) تفسير المنار 11/439
(3) شرح المواهب اللدنية 5/298

(1/246)


لو كانت هذه الرؤية حقا لسبقنا إليها خير القرون وأفضل هذه الأمة صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع حاجتهم إليه - صلى الله عليه وسلم - قال الآلوسي عند قوله تعالى: { خاتم النبيين } ما نصه: " إن ما نسب إلى بعض الكاملين من أرباب الأحوال من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة بعد موته وسؤاله والأخذ عنه لم نعلم وقوعه في الصدر الأول وقد وقع اختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم من حين توفي عليه الصلاة والسلام إلى ما شاء الله تعالى في مسائل دينية وأمور دنيوية وفيهم أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما وإليهما ينتهي أغلب سلاسل الصوفية الذين تنسب إليهم تلك الرؤية ولم يبلغنا أن أحد منهم ادعي أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة وأخذ عنه ما أخذ وكذلك لم يبلغنا أنه - صلى الله عليه وسلم - ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال حيرته وقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال في بعض الأمور يا ليتني كنت سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه ولم يصح عندنا أنه توسل إلى السؤال عنه - صلى الله عليه وسلم - نظير ما يحكي عن بعض أرباب الأحوال وقد وقفت على اختلافهم في حكم الجد مع الإخوة فهل وقفت على أن أحدا منهم ظهر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرشده إلى ما هو الحق فيه ؟ وقد بلغك ما عرى فاطمة البتول رضي الله تعالى عنها من الحزن العظيم بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وما جرى في أمر فدك فهل بلغك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهر لها كما ظهر للصوفية فبل لوعتها وهون حزنها وبين لها الحال وقد سمعت بذهاب عائشة رضي الله عنها إلى البصرة وما كان من وقعة الجمل فهل سمعت تعرضه - صلى الله عليه وسلم - لها قبل الذهاب وصده إياها عن ذلك لئلا يقع أو تقوم الحجة عليها على أكمل وجه إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى كثرة والحاصل أنه لم يبلغنا ظهوره عليه الصلاة والسلام لأحد من

(1/247)


الصحابة وأهل بيته وهم هم مع احتياجهم الشديد لذلك وظهوره عند باب قباء كما يحكيه بعض الشيعة افتراء محض وبهت بحت وبالجملة عدم ظهوره لأولئك الكرام وظهوره لمن بعده مما يحتاج إلى توجيه يقنع به ذووا الأفهام " (1)

الوجه الثاني عشر:
قال ابن الجوزي: " وقد أشكل على الناس رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله (( من رآني في المنام فقد رآني )) فقال ظاهر الحديث أنه يراه حقيقة وفي الناس من يراه شيخا وشابا ومريضا ومعافى فالجواب أنه من ظن أن جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المودع في المدينة خرج من القبر وحضر في المكان الذي رآه هو فيه فهذا جهل لا جهل يشبهه فقد يراه في وقت واحد ألف شخص في ألف مكان على صور مختلفة فكيف يتصور هذا في شخص واحد ؟ وإنما الذى يرى مثاله لا شخصه فيبقي (( من رآني فقد رآني )) معناه قد رأى مثالى الذي يعرفه الصواب وتحصل به الفائدة المطلوبة "(2) اهـ
تفضيل صلاة الفاتح على القرآن الكريم ستة آلاف مرة
قال مفتاح التجاني:
" وأما اعتراضه على قول التجاني - رضي الله عنه - في جواهر المعاني ج 1 ص 114: " فأخبرني - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - - أولا بأن المرة الواحدة منها - يعني صلاة الفاتح - تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير ومن القرآن ستة آلاف مرة " فإن غاية ما يريده هذا الجاهل المغرض وأضرابه المعترضون على الشيخ التجاني في هذه المسألة قديما وحديثا هو أن يلزموه بالقول بتفضيل صلاة الفاتح على القرآن وذلك مندفع بأمور... إلخ " ص 58.
والرد عليه من أربعة وعشرين وجها:
الوجه الأول:
__________
(1) روح المعاني تفسير سورة الأحزاب الآية وخاتم النبيين 12/55-56
(2) صيد الخاطر 497 ـ498

(1/248)


اعلم أن هذه الصلاة المخترعة مبنية على أساس عقيدة الحلول وذلك أن معني الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق أنه - صلى الله عليه وسلم - هو الإله المتصرف في الكون فلا يفتح فيه شيء من رزق أو تدبير إلا وهو - صلى الله عليه وسلم - الذي يفتح ذلك وأعلق الله به صور تجلياته فهو آخر صورة تجلى فيها الله تعالى كما قال أحمد التجاني إذ قال:" معناه الفاتح لما أغلق من صور الأكوان فإنها كانت مغلقة في حجاب البطون وصورة العدم وفتحت مغاليقها بسبب وجوده - صلى الله عليه وسلم - وخرجت من صورة العدم إلى صورة الوجود ومن حجابية البطون إلى نفسها في عالم الظهور إذ لولاه ما خلق الله موجودا ولا أخرجه من العدم إلى الوجود " (1)
الرماح: " وكذا الخاتم لما سبق من صور التجليات الإلهية التي تجلى الحق سبحانه بصورها في عالم الظهور لأنه - صلى الله عليه وسلم - أول موجود أوجده الله في العالم من حجاب البطون وصورة العماء الرباني ثم ما زال يبسط صورة العالم بعدها في ظهور أجناسها بالترتيب القائم على المشيئة الربانية جنسا بعد جنس إلى أن كان آخر ما تجلى به في عالم الظهور الصورة الآدمية على صورته - صلى الله عليه وسلم - وهو المراد بالصورة الآدمية " (2) اهـ
الوجه الثاني:
تفضيلكم صلاة الفاتح على القرآن الكريم صريح صراحة لا تقبل التأويل من ذلك:
__________
(1) جواهر المعاني 1/106
(2) رماح حزب الرحيم 2/458

(1/249)


- نص التجاني الذي قطعته وبترت منه ما شئت قصد التشويش على القارئ وأنا أذكره بحروفه قال أحمد التجاني: " ثم أمرني بالرجوع - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة الفاتح لما أغلق فلما أمرني بالرجوع إليها سألته - صلى الله عليه وسلم - عن فضلها فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات ثم أخبرني ثانيا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبيرا أو صغيرا ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار " (1) اهـ
فأي شيء أصرح من هذا ؟ وليتهم اكتفوا بتفضيلها على القرآن وحده لقد فضلوها على كل الكتب الإلهية.
- قال صاحب الرماح: " أما المرتبة الظاهرة في الفاتح لما أغلق مهما قرأها أحد بشرطها كتب الله له فيها أن يأخذ جميع تلك الأذكار من تسبيح وتهليل وتكبير وتحميد واستغفار وصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - وقراءة القرآن وغيره من الكتب الإلهية كلها مثل التوراة والإنجيل مثلا من أول منشأ العالم إلى بروز تلك الصلاة من الذاكر وتجمع تلك الجمعية المذكورة وتتضاعف ستة آلاف مرة ثم تحسب ألسنة جميع المخلوقات من كل ما سوى الله تعالى وتتضاعف فيها تلك الجمعية بعد مضاعفتها ستة آلاف مرة " (2)
الوجه الثالث:
تفضيل صلاة الفاتح على القرآن الكريم وغيره من الكتب السماوية هو غاية الإستهزاء والاستخفاف بها بل لو أنهم قالوا بأن القرآن أفضل من صلاة الفاتح لكان في ذلك تنقيصا له كما قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
ولا خلاف في أن سب القرآن والاستخفاف به كفر مخرج من الملة
__________
(1) جواهر المعاني 1/100 والدرة الخريدة 4/218
(2) رماح حزب الرحيم 2/441

(1/250)


ا - قال قاضي القضاة عياض: " أعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحده أو خوفا منه أو آية أو كذب به أو بشيء منه أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفي ما اثبته على علم منه بذلك أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع " إلى أن قال " وكذلك إن جحد التوراة والإنجيل وكتب الله المنزلة أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها فهو كافر " (1)
ب - قال ابن نجيم: " ويكفر إذا أنكر آية من القرآن أو سخر بآية منه إلا المعوذتين ففي إنكارهما اختلاف والصحيح كفره " البحر الرائق 5/131
ج - وجاء في الفتاوي البزارية: " وادخال القرآن في المزاح والدعابة كفر لأنه استخفاف به " الفتاوى البزازية 3/338
د - وفي يتيمة الفتاوى: " من استخف بالقرآن أو بالمسجد أو بنحوه مما يعظم في الشرع كفر " تهذيب رسالة البدر الرشيد في المكفرات 22 ـ 23
هـ - كما حكم ابن قدامة بالكفر على من استهزأ بآيات الله. المغني 10/113
و - وقال البهوتي: " من جحد كتابا من كتب الله أو شيئا منه أو استهزأ بالله تعالى أو بكتبه أو رسله فهو كافر لقوله تعالى: { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } . كشاف القناع 6/168 وانظر المبدع 9/171 اهـ
وقال تعالى { وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزؤا أولئك لهم عذاب مهين } وقال تعالى { وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزؤا وغرتكم الحياة الدنيا } [ الجاثية 34 ـ 35 ]
الوجه الرابع:
اعلم أنهم يدعون أن صلاة الفاتح من كلام الله ؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
أ - قال الفوتي في الرماح أن من شروطها " أن يعتقد أنها من كلام الله " الرماح 2/139 اهـ
__________
(1) الشفاء 2/1101 ـ 1105 باختصار.

(1/251)


وقال صاحب الدرة الخريدة: " وفي [د] ومن لم يعتقد أنها من كلام الله ل يصح له الثواب المذكور فيها يعني صلاة الفاتح … وفي [جع] والفضل المذكور في الياقوتة الفريدة لا يحصل لذاكرها إلا بشرطين الأول: الإذن والثاني: يعتقد الذاكر أن هذه الصلاة من كلام الله تعالى كالأحاديث القدسية وليست من تأليف مؤلف " الدرة الخريدة 4/128- 219 اهـ
قال صاحب بغية المستفيد عند شرح قول الناظم:
وفضلها يحصل مع شرطين
من ذاك إذن الشيخ دون مين
ثم اعتقاد أنها قد برزت
من حضرة الغيب لمن له سرت
قال: " وأشار بهذا إلى ما ثبت عن سيدنا - رضي الله عنه - بأن الفضل المذكور يعني الخاص لا العام الذي هو مذكور في وردة الجيوب عن القطب سيدى محمد البكري - رضي الله عنه - لا يحصل لذاكرها إلا بشرطين: الأول الإذن الصحيح من الشيخ - رضي الله عنه - إذ هو - رضي الله عنه - المأذون له من الحضرة المحمدية - صلى الله عليه وسلم - في إبرازه والشرط الثاني اعتقاد المصلى أنها ليست من تأليف البشر وذلك لأن القطب البكري المذكور - رضي الله عنه - توجه إلى الله تعالى مدة يسأله أن يمنحه صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها سر جميع الصلوات فنزلت عليه مكتوبة بقلم القدرة في صحيفة من نور " بغية المستفيد 375.
وقال أيضا: " فهي يعني الصلاة الشريفة المذكورة وردت من حضرة الحق تبارك وتعالى على طريق التعليم وفق ما قالوه في فاتحة الكتاب. اهـ المرجع السابق 376.
وقد اتفق العلماء على أن زيادة حرف واحد في كلام الله تعالى كفر فكيف بمن زاد هذه الصلاة المخترعة الطويلة:

(1/252)


أ - قال ابن حزم في مراتب الإجماع: " واتفقوا أن الملائكة حق..... إلى أن قال: وأن كل ما في القرآن حق وأن من زاد فيه حرفا من غير القراءات المروية المحفوظة المنقولة نقل الكافة أو نقص منه حرفا أو بدل منه حرفا مكان حرف وقد قامت عليه الحجة أنه من القرآن فتمادي متعمدا لكل ذلك عالما بأنه بخلاف ما فعل فإنه كافر " مراتب الإجماع ص 270 اهـ
ب – قال القاضي عياض:" وقد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعته الدفتان من أول ( لحمد لله رب العالمين ( إلى أخر ( قل أعوذ برب الناس ( أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا بكل هذا أنه كافر اهـ الشفاء 2/597
ج - قال ابن جزي: " لا خلاف في تكفير من نفي الربوبية أو الوحدانية " إلى أن قال: " أو قال بسقوط العبادة عن بعض الأولياء أو جحد حرفا فأكثر من القرآن أو زاده أو غيره " القوانين الفقهية ص 313 بتصرف
الوجه الخامس:
أما اشتراطهم الإذن في حصول الثواب المزعوم فإنه من أعاجيب الدنيا إذ لا يستأذن في أمور الإيمان إلا في دين فرعون { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } [ ] لأنه إن كان حقا ودينا فلا يحتاج فيه إلى إذن مخلوق وإن كان باطلا لم يزده الإذن إلا بطلانا ولكنها المتاجرة بالدين وحتى على حساب قوانين التجارة فحق الإبتكار للبكري لا للتجاني.
الوجه السادس:

(1/253)


قوله أن المراد في كلام التجاني بالقرآن القراءة باطل منقوض بما تقدم في الرماح من قوله: " أن يأخذ جميع الأذكار من تسبيح وتهليل وتكبير وتحميد واستغفار وصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقراءة القرآن وغيره من الكتب الإلهية كلها مثل التوراة والإنجيل مثلا من أول منشأ العالم إلى بروز تلك الصلاة من الذاكر وتجمع تلك الجمعية المذكورة وتضاعف ستة آلاف مرة " انظر رماح 2/441
الوجه السابع:
قوله أن ما يقرأ ليس هو القرآن فلسفة مناقضة للكتاب العظيم والسنة وإجماع السلف قال الله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } [ التوبة 06 ]
قال شارح الطحاوية: " وهو لا يسمع كلام الله من الله وإنما يسمعه من مبلغه عن الله والآية تدل على فساد قول من قال إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله فإنه تعالى قال: { حتى يسمع كلام الله } ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله والأصل الحقيقة ومن قال: إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله أو حكاية كلام الله وليس فيها كلام الله فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة وكفى بذلك ضلالا " شرح الطحاوية ص 181 اهـ
الوجه الثامن:
وأما قوله " أن العدد كثيرا ما يرد في الكتاب والسنة ويكون غير مراد فيحمل على الغاية والمبالغة " .

(1/254)


وهذا حجة عليه لأن مقتضى ذلك أن التجاني أراد الغاية والمبالغة في تفضيل الفاتح على القرآن ولم يرد حصر هذا العدد وهذا ما تقدم تصريح صاحب الرماح به حيث قال: " وتتضاعف ستة آلاف مرة ثم تحسب ألسنة جميع المخلوقات من كل ما سوى الله تعالى وتتضاعف فيها تلك الجمعية بعد مضاعفتها ستة آلاف مرة تتضاعف أيضا على عدد ألسن جميع العوالم من كل ماسوى الله تعالى ثم تتضاعف مضاعفة ثالثة على قدر مرتبة كل إنسان فإن من الألسن من ليس له من ذكره إلا مرة واحدة من كل لفظ وفيهم من له التضاعف مائة مرة كل كلمة من كل ذكر وفيهم من له عشرة آلاف وفيهم من له ألف ألف إلى عشرة آلاف ألف إلى مائة ألف ألف إلى ألف ألف ألف إلى ما وراء ذلك مما يكثر ذكره " الرماح 2/441 اهـ
الوجه التاسع:
وأما قوله " أن المزية وكثرة الثواب لا يستلزمان الأفضلية المطلقة " فنعم لكن المزية تقتضي الأفضلية من وجه على الأقل هذا يقضى أنه معترف بأن صلاة الفاتح أفضل من القرآن من بعض الأوجه وهذا كفر محض.
قال العلامة محمد الخضر الجكني: " فإن هذا استهزاء وتحقير لا تفضيل فلا يشك في كفر قائله وإنما كان تفضيل غير القرآن عليه كفرا لأن القرآن كلام الله تعالى وفضله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه فتفضيل كلام بعض المخلوقين عليه كتفضيل بعض المخلوقين على الله تعالى وكفر فاعل ذلك لا يشك فيه أحد " مشتهي الخارف ص 259
الوجه العاشر:
ما نقل عن التجاني من أن العاصي تكون صلاة الفاتح أفضل له من تلاوة القرآن حيث قال التجاني: " المرتبة الرابعة رجل يتلو القرآن سواء علم معانيه أو لم يعلم إلا أنه متجرئ على معصية الله غير متوقف على شيء منها فهذا لا يكون القرآن في حقه أفضل بل كلما ازداد تلاوة ازداد ذنبا وتعاظم عليه الهلاك " اهـ
والرد عليه من خمسة وجوه:

(1/255)


أ - فهذا من أعظم الكفر البواح لأنه جعل تلاوة القرآن للعاصي المذنب ذنبا وهلاكا عظيما فانظر إلى هذا الاعتذار الذي هو أقبح من الذنب.
ب - بل العاصي المذنب لا علاج له إلا كتاب الله تعالى فهو الشفاء من أدواء الشبهات والشهوات { قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمومنين } .
ج - أن القرآن الكريم هو السبيل الوحيد لهداية هذا العاصي فكيف يكون هلاكا له ؟ قال تعالى { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [ ] وقال: { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } وقال: { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } [ ] وقال: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } [ ] وقال: { قد جاءتكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } [ ] وقال { لقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } [ ] وقال: { هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يومنون } [ ] وقال تعالى: { وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يومنون } [ ] وقال: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } [ ] وقال: { طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمومنين } [ النمل 01-02 ] وقال: { الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين } [ ] وقال: { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } [ الجاثية 20].

(1/256)


د - اعلم أن العاصي أحوج ما يكون إلى إقناع عاطفي ولا يكون ذلك إلا بترغيب القرآن وترهيبه ووعده ووعيده ولهذا حصر الله النذارة فيه قال تعالى: { قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون } [ الأنبياء 45 ] وقال: { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } [ الأنعام 19 ] وقال: { كتاب أنزلناه إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمومنين } [ الأعراف 2 ] وقال: { وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين } [ الاحقاف 12 ] وقال تعالى: { هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب } [إبراهيم 52 ].
هـ - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيه العاصي يشكو إليه حاله سواء أكان زانيا أو قاتلا أو غير ذلك ولم ينه أحدا منهم عن تلاوة القرآن بل كل الأوامر بالتلاوة في الكتاب والسنة عامة في العاصى وغيرهم قال تعالى: { ورتل القرآن ترتيلا } [ ] وقال: { فاقرأوا ما تيسر من القرآن } [ ] وقال: { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث } [ ] وقال - صلى الله عليه وسلم -: (( اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه )) مسلم ح (1874) وقال: - صلى الله عليه وسلم - ((أقرأوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه... )) الخطيب وأبو جعفر النحاس في الوقف والإبتداء والسجزي في الإبانة ( انظر السلسلة الصحيحة 660 ) وقال: (( تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها )) متفق عليه: البخاري ح (5033) ومسلم ح (1844) والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة.
الوجه الحادي عشر:

(1/257)


أن قوله هذا صد عن كتاب الله وصرف للناس عن قراءته وتدبر معانيه وداع إلى هجره فإذا كانت صلاة الفاتح لما أغلق وهي لا تتجاوز ثلاثة أسطر تعدل ستة آلاف ختمة من القرآن فإن من يعتقد ذلك سينصرف عن قراءة القرآن إلى هذه الصلاة التي لا تتطلب منه وقتا ولا جهدا.
الوجه الثاني عشر:
هذه المقولة الشنعاء تتضمن صرف الناس عن الإسلام الصحيح المأخوذ من ينابيعه الصافية: الكتاب والسنة ليصبحوا فريسة لخرافات الصوفية وعقائدها انظر مصرع الشرك والخرافة لخالد محمد ص 523 الباطلة.
الوجه الثالث عشر:
قوله أنه ورد في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفضائل ما لم يرد في عمل آخر يعني القرآن الكريم لأنه هو الذي يدور البحث حوله هذا كفر وكذب محض لأنه ورد في فضل القرآن والثناء عليه وبيان علو منزلته ما يزيد على سبعين آية ولم يرد في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا آية واحدة.
الوجه الرابع عشر:
أما الأحاديث التي سردتها في فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي كلها مأخوذة من كتاب ابن القيم جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام من ص 5 إلى ص 56 فحذفت بعضها وذكرت البعض الآخر دون أن تشير إلى هذا الكتاب أدنى إشارة خوفا من تحسب من الوهابيين فالحمد لله الذي جعلك عالة عليهم أحببت أم كرهت.
على أن الأمانة العلمية تقتضي منك ألا تتنكر لمن أنت عالة عليه وتصرح بما سرقت من كتابه ونسبته إلى نفسك تشبعا بمالم تعط فهنيئا لك ثوبي زورك
وينسب إبداء المعاني لنفسه ليوهم أغمارا وإن كان سارقا
الوجه الخامس عشر:
صلاة الفاتح لا تدخل في عموم نصوص الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -:

(1/258)


أ - لأنها مبنية على عقيدة وحدة الوجود كما تقدم ذلك صريحا في شرح التجاني لها وإلا فما معنى " ناصر الحق بالحق " إذا علمت أنهم صرحوا بأن المقصود بالحق في اللفظين هو الله قال في الرماح: " قال - رضي الله عنه - في شرح ياقوتة الحقائق أن الحق في اللفظين هو الله تعالى ومعناه أنه نصر الله تعالى بالله سبحانه نهض إلى نصرة الله تعالى حيث توجه إليه أمر الله تعالى بالنصرة له فنهض مسرعا إلى نصرة الله تعالى بالله تعالى " الرماح 2/459 والدرة الخريدة 4/201 اهـ
ب - لو كانت صلاة حقيقية لسبقنا إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه وسائر السلف الصالح مع ما تدعون فيها من الفضل العميم الذي لا يمكن أن يفوت هؤلاء لو كان حقا.
ج - ليتكم سويتموها بالصلوات الإبراهيمية الثابتة ! لقد فضلتموها عليها وعلى كل الصلوات الأخرى قال التجاني: " قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صلى علي أحد بأفضل من صلاة الفاتح لما أغلق " جواهر المعاني 1/109 والدرة الخريدة 4/202 اهـ
وهذا يستلزم أنه - صلى الله عليه وسلم - علم الصحابة صلاة مفضولة وكتم عنهم الصلاة الفاضلة وهو كفر بواح ممن قاله.
د - أن الصحابة لم يستطيعوا اختراع صلاة مع علمهم بالشرع واللغة حتى جاء البكري فاخترعها بل بادر الصحابة بسؤاله - صلى الله عليه وسلم - عن كيفية الصلاة عليه فقالوا: عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك…الحديث البخاري ح (3370) و( 4797 ) و(6357 ) ومسلم 2/4/ 125- 126 .
هـ - أنه - صلى الله عليه وسلم - أجابهم بصيغة محددة ولم يقل لهم اخترعوا لأنفسكم ما شئتم من الصلوات أو نحوها من الألفاظ التي تدل على ذلك.
و - ثم لو سلمنا جدلا بدخولها في عموم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس في هذا ما يجعلها أفضل من القرآن الكريم وغيره من الكتب السماوية وجميع العبادات الأخرى.

(1/259)


قال التجاني: " فلما تأملت هذه الصلاة وجدتها لا تزنها عبادة جميع الجن والإنس والملائكة " جواهر المعاني 1/101
اهـ
الوجه السادس عشر:
ومما يدل على أنهم يتعمدون الكذب على الله تعالى أنه قال بأن صلاة الفاتح من كلام الله وهي تبدأ بقوله " اللهم صل على سيدنا محمد " فهل محمد سيد لله تعالى الهدية الهادية ص 106 ؟!! بل هي عقيدة وحدة الوجود التي لا فرق فيها بين الخالق والمخلوق.
الوجه السابع عشر:
هذه الصلاة المفضلة على القرآن الكريم بدعة محدثة لم ترد كاملة في آية قرآنية ولا حديث نبوي صحيح أو ضعيف ولا أثر عن أحد من السلف الصالح ولا نقلت عن أحد من علماء الأمة الذين تدور عليهم الفتيا وبهذا يتبين بطلانها بإجماع أهل العلم في كل العصور.
الوجه الثامن عشر:
ومن العجب أن يتصور التجاني هذا القول وأن ينطق به لسانه مع معرفته أنه كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قال جمهور العلماء من اعتقد حل الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر. انظر فتح الباري 1/342
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار )) البخاري ح (106) ومسلم (01) وهو حديث متواتر.
الوجه التاسع عشر:

(1/260)


ثم هو من الكذب على الله تعالى الذي هو كفر بإجماع العلماء انظر مشتهي الخارف ص 253 قال الله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } [ الأنعام 93 ] وقال: { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } [ المائدة 103 ] وقال أبو حيان: " نص الشعبي وغيره أن المفترين هم المبتدعون وأن الذين لا يعقلون هم الأتباع " البحر المحيط 4/34 وقال تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته } [ الأنعام 21 ] وقال: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه } [ العنكبوت 68 ] وقال: { فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه } [ الزمر 36 ] وقال: { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون } [ آل عمران 94 ] وقال: { انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا } [ النساء 50 ] وقال: { قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } [ يونس 68 - 69 ] وقال: { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم } [ النحل 116 - 117 ].
الوجه العشرون:

(1/261)


أن الكلام صفة من صفات الله الهدية الهادية 105 والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فكما أن ذات الله لا تشبهها ذوات المخلوقين فإن كلام الله لا يشبهه كلام المخلوقين وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله فقال سبحانه: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } [ الإسراء 88 ] وقال ابن كثير: " نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم واتفقوا على أن ياتوا بمثل ما أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه ولو تعاونوا وتساعدوا وتظاهروا فإن هذا أمر لا يستطاع وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثال له ولا عديل له ؟ " تفسير ابن كثير 3/1693
الوجه الواحد والعشرون:
وأما قولك: " وقد ذكر ابن القيم في جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص 129 - 135 أربعين فائدة من فوائد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلصها من الأحاديث الواردة في فضلها " ثم سردها ص 84 - 76
قلت: ما علمناك إلا محاربا لشيخ الإسلام ابن القيم فلماذا تنقل عنه هذه الفوائد أما وجدت في التجانيين الذين يتلقون الوحي عن الله وعن الرسول يقظة من يستطيع جمع هذه الفوائد!!
الوجه الثاني والعشرون:
ما نقله من قول صاحب بغية المستفيد عن صلاة الفاتح: " وأنها وردت من الحضرة القدسية مكتوبة بقلم القدرة في صحيفة نورانية " ص 97.
والرد عليه من وجوه خمسة:
أ - خرافة باطلة وما سمعنا ذلك وقع لأحد من المسلمين وإنما يذكر هذا وأمثاله دجاجلة النصارى وأذنابهم من المتصوفة.
ب - لو وقع مثل هذا لذاع وانتشر وتواتر نقله لتوفر دواعي ذلك ولغرابته.

(1/262)


ج - لم يرد في آية ولا خبر صحيح أن محمد - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الأنبياء نزلت عليه صحيفة نورانية فهل أنتم أقرب إلى الله عز وجل منهم أم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟.
د - أن هذا محال لأن النور لا يمكن أن يجسم فتجعل منه صحيفة أو ورقة أو غير ذلك.
هـ - من أدراه أنها من عند الله ؟ ‍‍‍‍ ومن علمه بماذا كتبت هذه الصحيفة يا ترى ؟ ‍
ولا شك أن هذه خيالات شيطانية وخزعبلات خرافية لا تروج على عاقل يفهم الأمور وإنما غرهم بذلك الغرور.
الوجه الثالث والعشرون:
وأما ما نقل عن صاحب الدرة الخريدة أنه قال في صلاة الفاتح: " واعتقاد المصلي أنها في صحيفة من نور أنزلت بأقلام إلهية وليست من تأليف زيد ولا عمرو بل هي من كلامه سبحانه وتعالى كالأحاديث القدسية " ص 98.
والرد عليه من وجوه ثلاث:
أ - هذا شيء لا يعقل ولا يصح في الشرع حيث لم يجعلها من الأحاديث القدسية وإنما هي تشبهها وليت شعري فيم تشبهها ؟!!
ب - هذا تناقض عجيب لأنه أخبر أنها نزلت في صحيفة من نور كتبها الله فيها وأنزلها على البكري ثم جعلها كالأحاديث القدسية وهي التي يرويها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه وهذه لم يرويها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه أصلا.
ج - هذا ادعاء للوحي بل ادعاء للنبوة حيث جعل نفسه في منزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث أنه - صلى الله عليه وسلم - يروي الأحاديث القدسية عن ربه وهو أيضا يرويها عن ربه.
الوجه الرابع والعشرون:

(1/263)


قوله بأن الفاتح من كلمات الله المذكورة في قوله تعالى: { قل لو كان البحر مدادا لكمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي } [ الكهف 109] جهل عظيم بالفرق بين كلمات الله الشرعية وكلماته القدرية الكونية فكلماته الشرعية هي القرآن الكريم وغيره من الكتب السماوية وكلمات الله الكونية القدرية فهي الواردة في هذه الآية وفي قوله تعالى: { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } [ الأعراف 137] قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر )) أحمد 3/419 وابن السني 631 عن عبد الرحمن بن حنيش مرفوعا بسند صحيح. وهذه الكلمات لا حصر لها كما قال سبحانه: { كل يوم هو في شأن } [ الرحمن 29] ولأنه { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } [ آل عمران 47] وقال تعالى: { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } [ لقمان 27] فهذه كلمات الله الكونية أي المتعلقة بالخلق والرزق وتدبير الكون بأسره. انظر شرح الطحاوية ص 448 وأضواء البيان 4/151 وفتح القدير ( 3/318 ).
اتهام التجانية النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكتمان
قال مفتاح التجاني:
" وأما اعتراض هذا الجاهل المغرض على قول علي حرازم في جواهر المعاني ج 1 ص 119 " قلت لسيدنا - رضي الله عنه - وهل كان سيد الوجود - صلى الله عليه وسلم - عالما بهذا قلت لم يذكره لاصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لما فيه من هذا الخير الذي لا يكيف قال: منعه أمران: الأول أنه علم بتأخر وقته وعدم وجود من يظهره الله على يديه في ذلك الوقت " اهـ ص 104
الرد عليه من أكثرمن خمسين وجها ترجع إجمالا إلى تسعة عشر:
الوجه الأول:

(1/264)


مثل هذا في الصراحة ما قال صاحب الجيش ونصه: " وسئل هل كان - صلى الله عليه وسلم - عالما بفضل صلاة الفاتح لما أغلق ؟ فقال نعم كان عالما به قالوا: ولم لم يذكره لأصحابه ؟ قال: لعلمه - صلى الله عليه وسلم - بتأخر وقته وعدم وجود من يظهره الله على يديه في ذلك الوقت " الجيش ص 110 اهـ
وبهذا يتضح لك اتفاق التجانية على اتهام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكتمان.
الوجه الثاني:
وأصرح من هذا، قول كبيرهم أحمد التجاني: " الأمر العام الذي كان يأتيه عاما للأمة طوي بساط ذلك بموته - صلى الله عليه وسلم - وبقي الأمر الخاص الذي كان يلقيه للخاص فإن ذلك في حياته وبعد مماته دائما لا ينقطع " ا هـ
الوجه الثالث:
وإذا اتضح لك أنهم واصفين للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكتمان فأعلم أنه لا خلاف في أن ذلك كفر مخرج من الملة وقد أحسن العلامة محمد الخضر حين قال في الرد على كلام التجاني السابق " هذا الذي قاله زور عظيم وبهتان من أشنع ما يختلسه الشيطان من الإنسان يخرج قائله من دين الإسلام خروج السهم من الرمية بإجماع الأمة المعصومة من الإجتماع على الضلال والطغيان أعاذنا الله وجميع الإخوان من الزيغ عن الطريق المستقيم إلى طريق الخذلان " مشتهي الخارف الجاني ص 19 اهـ
الوجه الرابع:

(1/265)


وممن نقل الإجماع على ذلك الإمام ابن حزم إذ قال: " وأعلموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ابنة عم أو ابن عم أو صاحب على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم ولا كان عنده عليه السلام سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه ولو كتمهم شيئا لما بلغ كما أمر ومن قال هذا فهو كافر فإياكم وكل قول لم يبين سبيله ولا وضح دليله ولا تعوجوا عما مضى عليه نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم " الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/116 اهـ
الوجه الخامس:
قال القاضي عياض:" وكذلك من أضاف إلى نبينا - صلى الله عليه وسلم - تعمد الكذب فيما بلغه أو أخبر به أو شك في صدقه أو سبه أو قال إنه لم يبلغ أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم أو قتل نبيا أو حاربه فهو كافر بإجماع " الشفاء 2/586 اهـ
الوجه السادس:
قال علي دخيل الله: " ومن اعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كتم شيئا مما أوحاه الله إليه فقد كفر لمخالفته لصريح القرآن والسنة المطهرة وإجماع الأمة " التجانية ص 165 اهـ
الوجه السابع:
قال الرازي: " أجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يخون في الوحي والتنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه لأن تجويزه يؤدي إلى الشك في كل الشرائع والتكاليف وذلك يقدح في النبوة وأيضا فالمقصود من الرسالة تبليغ تكاليف الله تعالى وأحكامه فإن لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها المطلوبة منها " التفسير الكبير 17/193 اهـ
الوجه الثامن:
لقد تولى الله الرد عليكم وعلى أمثالكم إذ شهد لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالبلاغ في آيات كثيرة بأساليب متنوعة وإليك أمثلة منها:
- قال تعالى: { فإن تولوا فإنما عليك البلاغ } [ آل عمران 20 ].

(1/266)


- وقال: { فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } [ المائدة 92 ].
- وقال: { ما على الرسول إلا البلاغ } [ المائدة 99 ].
- وقال تعالى: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ المبين } [ الرعد 40 ].
- وقال: { هذا بلاغ للناس ولينذروا به } [ إبراهيم 52 ].
- وقال: { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } [ النحل 35 ].
- وقال: { فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين } [ النحل 82 ].
- وقال: { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } [ النور 54 ].
- وقال: { فإن اعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ } [ الشورى 48].
- وقال: { إلا بلاغا من الله ورسالاته } [ الجن 23 ].
- وقال: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } [ المائدة 67 ].
- وقال: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } [ فاطر 08].
- وقال: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يومنوا بهذا الحديث أسفا } [ الكهف 06].
- وقال: { فلعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } [ الشعراء 3 ].
فهل يمكن لمن يدعي الإسلام بعد هذه الآيات كلها أن يدعي أنه - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئا من الدين ؟! { كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } .
الوجه التاسع:
إذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كتم صلاة الفاتح عن أبي بكر وعمر وسائر الصحابة فكيف تشيعونها أنتم بين النساء والأطفال وسوقة الناس ؟!
الوجه العاشر:
هذا الكلام الذي قاله التجاني يؤدي إلى أنه هو وأتباعه أفضل سائر الصحابة والتابعين وتابعيهم باحسان وكفى بقول يؤول إلى هذا ضلالا بطلانا.
الوجه الحادي عشر:

(1/267)


وأما احتجاج مفتاح التجاني على ما اتهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكتمان بحديث ابن عباس قال لما اشتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وجعه قال: (( إيتوني بكتاب أكتب لكم فيه كتابا لا تضلوا بعده )) قال عمر إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتد عليه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط قال: ((قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع )) فخرج ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين كتابه " اهـ ص 106
والرد عليه من وجوه:
أ - اعلم أن الذي عليه أهل العلم من السلف قاطبة أن الذي أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب هو استخلاف أبي بكر الصديق. قال البيهقي: " وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر - رضي الله عنه - ثم ترك ذلك اعتمادا على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك كما هم بالكتاب في أول مرضه حين قال (( وارأساه )) ثم ترك الكتاب وقال:(( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر )) أحمد 6/48- 106 ومسلم 7/110 وللبخاري نحوه 4/46- 47 و405-406 ثم نبه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة. المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ص 1041
قال ابن حجر العسقلاني: " ويؤيده أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: (( ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمومنون إلا أبا بكر )) أخرجه مسلم وللمصنف معناه. أحمد 6/48- 106 ومسلم 7/110 وللبخاري نحوه 4/46- 47 و405-406 ومع ذلك فلم يكتب فتح الباري ص 345.

(1/268)


ب - تركه - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على الكتمان كما زعمت ولكن رفع أو قل نسخ حكم تعيين الخلفاء من بعده بسبب الاختلاف كما رفع تعيين ليلة القدر بسبب خصومة بين رجلين من المسلين قال النووي: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة أو أوحي إليه بذلك ثم ظهر له أن المصلحة تركه أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول النووي على مسلم (1041). " اهـ
ج - أن الدين كمل بشهادة القرآن وهذا هو غاية تبليغه - صلى الله عليه وسلم - قال النووي: " وأما كلام عمر - رضي الله عنه - فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره لأنه خشي أن يكتب - صلى الله عليه وسلم - أمورا ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها فقال عمر حسبنا كتاب الله لقوله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وقوله: { اليوم أكملت لكم دينكم } فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة وأراد الترفيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه " النووي على مسلم ص 1041 اهـ
د - أنه - صلى الله عليه وسلم - عاش بعد ذلك مدة وأوصاهم بعدة أمور فلو لم تنسخ هذه المسألة لأوصى بها شفويا كما أوصى بغيرها فعند البخاري في هذا الحديث: " وأوصى عند موته بثلاث: (( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم )) ونسيت الثالثة صحيح البخاري ح (3053) و(3168) قيل هي الوصية بالقرآن وبه جزم ابن التين. وقال المهلب بل هو تجهيز جيش أسامة وقال عياض يحتمل أن تكون هي قوله (( لا تتخذوا قبري وثنا )).
وقال ابن حجر ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله (( الصلاة وما ملكت أيمانكم )) انظر الفتح ص 1923 .

(1/269)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية