صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الولاء والبراء

(1) إذا جحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله. وهو معنى ما روى عن ابن عباس، واختاره ابن جرير، وجحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم، إن من جحد أصلا من أصول الدين أو فرعا مجمعا عليه، أو أنكر حرفا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قطعيا فإنه كافر كفرا ينقل عن الملة (1) .
(2) إن لم يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أن حكم الله ورسوله حق، ولكنه اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس وما استجد لهم من حوادث نشأت عن تطور الزمان، وتغير الأحوال فهذا أيضا لا ريب في كفره لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي زبالة الأذهان وحثالة الأفكار على حكم الحكيم الخبير. فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصا أو ظاهرا أو استنباطا أو غير ذلك، علم ذلك من علمه وجهله من جهله.
(3) أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا
ص84
كالنوعين السابقين كافر كفرا ينقل عن الملة لما في ذلك من تسوية المخلوق بالخالق
(4) من اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فهو كالذي قبله.
(5) من أعظم ذلك وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله: إيجاد المحاكم الوضعية التي مراجعها القانون الوضعي، كالقانون الفرنسي أو الأمريكي أو البريطاني أو غيرها من مذاهب الكفار، وأي كفر فوق هذا الكفر؟! وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟! (2).
(6) ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها (سلومهم) يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به رغبة وإعراضا عن حكم الله.
__________
(1) 111) تحكيم القوانين (ص5) .
(2) 112) المصدر السابق (ص7) .

(1/66)


(أما الكفر الذي لا ينقل عن الملة: والذي ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما بأنه كفر دون كفر وقوله أيضا: (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه) فذلك مثل، أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى. وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه كفرا أعظم من معصية لم يسمها الله كفرا)(1).
وإن الذي جعلنا نسهب في ذكر شؤون الحاكمية وتفصيل أحوالها هو خطورتها وعظمها. فإن موالاة الحاكم بغير ما أنزل الله وإقرار تشريعه للناس من عند نفسه وتحليله وتحريمه ما لم يأذن به الله، مناقضة بأن الله هو الإله الذي تألهه القلوب بالحب والتعظيم والطاعة والانقياد، ومناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله فهو المطاع فيما أمر ونهى عنه وزجر ولو فهم الناس هذا لما بقي لطاغية في
ص85
الأرض حق الوجود والتشريع. وإقرار الكفر وتنحيه شرع الله المحكم.
الثاني: من الأمور التي يجب أن نتدبرها بروية – من نواقض الإسلام – مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى:
{ومن يتولهم منكم فإنه منهم { [سورة المائدة:51].
وهذا من أعظم النواقض التي وقع فيها سواد الناس اليوم في الأرض، وهم بعد ذلك يحسبون على الإسلام ويتسمون بأسماء إسلامية. فلقد صرنا في عصر يستحي فيه أن يقال للكافر: يا كافر!! بل زاد الأمر عتوا بنظرة الإعجاب والإكبار والتعظيم والمهابة لأعداء الله، وأصبحوا موضع القدوة والأسوة لضعاف الإيمان، ينظرون إلى أعداء الله نظرة انبهار ملؤها التمني أن يكونوا مثلهم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه.
__________
(1) 113) المصدر السابق (ص 8) .

(1/67)


مظاهرة أخذت صورا شتى فمن الميل القلبي إلى انتحال مذاهبهم الإلحادية إلى مجاراتهم في تشريعاتهم، إلى كشف عورات المسلمين لهم، إلى كل صغير وكبير في حياتهم. وسيأتي تفصيل الحديث في هذا الأمر - إن شاء الله - في فصل صور الموالاة.
من هنا فإن إدراك حقيقة هذه العقيدة ونواقضها، أمر كفيل بأن يجعل المسلم على بصيرة من أمره في عقيدة الولاء والبراء. حسب المقياس الشرعي الصحيح، وليس حسب مقياس أهواء البشر. إنه لا ولاء إلا لله ولرسوله ودينه والمؤمنين. والبراء من كل متبوع أو مرغوب أو مرهوب يحاد الله ورسوله.

ص87
الباب الأول

ص89
الباب الأول مفهوم الولاء البراء
الفصل الأول
تعريفه وأهميته في الكتاب والسنة
الولاء في اللغة: جاء في لسان العرب: الموالاة - كما قال ابن الأعرابي -: إن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه. ووالى فلان فلانا: إذا أحبه.
والمولى: اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو: الرب، والمالك، والسيد والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق، والمنعم عليه. ويلاحظ في هذه المعاني أنها تقوم على النصرة والمحبة (1)1).
والولاية - بالفتح - في النسب والنصرة والعتق.
والموالاة - بالضم - من والى القوم. قال الشافعي في قوله صلى الله عليه وسلم (من كنت مولاه فعلي مولاه)(2) يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى:
__________
(1) لسان العرب لابن منظور (ج3/985 - 986) وانظر القاموس المحيط الطبعة الرابعة/294 الطبعة الثالثة .
(2) أخرجه أحمد في المسند عن البراء (4/281) وأيضا عن زيد بن أرقم 4/368 ، 370 ، 372 والترمذي في المناقب (ج9/300 ح3714) وقال حديث حسن صحيح غريب . وقال الألباني صحيح . انظر صحيح الجامع الصغير (ج6/353 ح6399) .

(1/68)


{ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم{ [سورة محمد:11].
ص90
والموالاة ضد المعاداة، والولي ضد العدو، قال تعالى:
{يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا{ [سورة مريم: 45].
قال ثعلب: كل من عبد شيئا من دون الله فقد اتخذه وليا. وقوله تعالى:
{الله ولي الذين آمنوا{ [سورة البقرة: 257].
وليهم في نصرهم على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم
وقيل: وليهم أي: يتولى ثوابهم ومجازاتهم بحسن أعمالهم
والولي: القرب والدنو(1). والموالاة: المتابعة.
والتولي: يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع. قال تعالى:
{وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم{ [سورة محمد: 38].
أي: أن تعرضوا عن الإسلام.
وقوله تعالى:{ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين{ [سورة المائدة:51].
معناه – من يتبعهم وينصرهم (2)
ص91
وقال صاحب (المصباح المنير)الولي فعيل بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، ومنه قوله تعالى:
{الله ولي الذين ءامنوا{ [سورة البقرة: 257].
ويكون الولي: بمعنى مفعول، في حق المطيع، فيقال: المؤمن ولي الله. ووالاه موالاة وولاء: من باب (قاتل) أي تابعه) (3).
تعريف البراء في اللغة: قال ابن الأعرابي: برئ إذا تخلص، وبرئ، إذا تنزه وتباعد، وبرئ: إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله{ [سورة التوبة: 1]
أي إعذار وإنذار.
__________
(1) لسان العرب (3/986) .
(2) لسان العرب (ج3/988) .
(3) المصباح المنير للفيومي 2/841 .

(1/69)


وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه لما دعاه عمر إلى العمل فأبى قال عمر: إن يوسف قد سأل العمل، فقال أبو هريرة: إن يوسف مني برئ وأنا منه براء (1). أي برئ عن مساواته في الحكم وإن أقاس به، ولم يرد براءة الولاية والمحبة لأنه مأمور بالإيمان به، انتهى من النهاية .
والبراء والبريء سواء.
وليلة البراء: ليلة يتبرأ القمر من الشمس، وهي أول ليلة من الشهر (2)
ص92
تعريف الولاء بالمعنى الاصطلاحي: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرا. قال تعالى:{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات{ [سورة البقرة: 257] (3).
فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم وإظهار الود لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا (4)
تعريف البراء بالمعنى الاصطلاحي: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.
شرح تعريف الولاء والبراء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الولاية: ضد العداوة: البغض والبعد).. والولي: القريب يقال: هذا يلي هذا: أي يقرب منه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)(5) أي لأقرب رجل إلى الميت.
فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه و يرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديا له. كما قال تعالى:
__________
(1) هذا الأثر ذكره ابن الأثير في كتابه 0النهاية في غريب الأحاديث (ج1/112) تحقيق الزاوي والطناحي .
(2) لسان العرب (ج1/183) والقاموس المحيط (ج1/8) .
(3) شرح الطحاوية (ص403) وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (ص422) .
(4) كتاب الإيمان لنعيم ياسين (ص145) .
(5) 10) هذا الحديث أخرجه البخاري كتاب الفرائض (12/11 ح 6732) ومسلم (ج3/1233 ح1615) كتاب الفرائض.

(1/70)


{لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة { [سورة الممتحنة: 1].
ص93
فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه ولهذا جاء في الحديث (ومن عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة) (1).
ومسمى الموالاة (لأعداء الله): يقع على شعب متفاوتة منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات (2). ولما عقد الله الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى وملحدين ومشركين وغيرهم كان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين: أن كل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان.
وحيث أن الولاء والبراء تابعان للحب والبغض، فإن أصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه وأتباعهم، وتبغض في الله أعداءه وأعداء رسله.(3).
وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله (من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا)(4).
__________
(1) 11) الفرقان لابن تيمية (ص7 ) أما الحديث فقد رواه البخاري في كتاب الرقائق باب التواضع (ج11/341 ح6502) .
(2) 12) انظر الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ص43) .
(3) 13) انظر الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي 1/98 .
(4) 14) سبق تخريجه .

(1/71)


وإذا كان حبر هذه الأمة يذكر أن مؤاخاة الناس في زمانه قد أصبحت على أمر الدنيا وأن ذلك لا يجدي على أهله شيئا، وهذا في القرن الذي هو خير القرون: فجدير بالمؤمن أن يعيي ويعرف من يحب ومن يبغض، ومن يوالي ومن يعادي ثم يزن نفسه بميزان الكتاب والسنة ليرى أواقف هو في صف الشيطان وحزبه أم في صف عباد الرحمن وحزب الله الذين هم المفلحون، وما عداهم فأولئك هم الذين خسروا الدنيا والآخرة!
ص94
وإذا أصبحت المؤاخاة والمحبة على أمر الدنيا – كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن عباس – فإن تلك المحبة والمؤاخاة لا تلبث أن تزول بزوال العرض الزائل وحينئذ لا يكون للأمة شوكة ومنعة أمام أعدائها.
وفي عصرنا الحاضر عصر المادة والدنيا قد أصبحت محبة الناس في الأغلب على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا. ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة إلا بالرجوع إلى الله والاجتماع على الحب فيه والبغض فيه والولاء له والبراء ممن أمرنا الله بالبراء منه، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
ص95
أهمية هذا الموضوع في الكتاب والسنة
ونصيبه من الدراسة والتأليف
إنه من الجدير بالذكر أن هذا الموضوع – الولاء والبراء – رغم أهميته ووضوحه في الكتاب والسنة إلا أن نصيبه من الدراسة والتأليف في الكتب العقدية القديمة قليل جدا. وذلك راجع في نظري إلى ثلاثة أمور:
(1) إن هذا المفهوم العقدي كان من الوضوح والنصاعة عند المسلمين الأولين بمكان، حيث إنهم – من خلال سيرتهم وتاريخهم الوضيء – كانوا على درجة عالية جدا من الصفاء العقدي، والتميز الواضح، وقيامهم أيضا – بالجهاد في سبيل الله. كل ذلك جعل هذا الأمر واضحا وجليا في حسهم وأيضا رجوعهم للكتاب والسنة في كل شيء.

(1/72)


(2) إن طبيعة المجتمع الإسلامي الأول خاصة بعد الخلافة الراشدة لم تبرز فيه مشاكل عقدية حول هذا الموضوع وإنما نشأت حول صفات الله جل جلاله، وقامت الفرق المختلفة بالخوض فيها , فكان لا بد أن يتصدى أهل السنة والجماعة لمعالجة ذلك الانحراف بأن يبينوا للناس أن لله صفات تليق بجلاله وعظمته. نثبتها له كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل.
من هنا زخرت مؤلفاتهم رحمهم الله بالحديث في هذه الشأن، ولا تجد لهم ذكرا لقضية الولاء والبراء إلا في كلمات موجزة صغيرة كقولهم (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم)(1).
(3) وبعد خول علم الكلام في مؤلفات المسلمين العقدية، وتعكير صفوها بما ليس منها: لم يعد لهذا الموضوع ذكر البتة: وليس هو المنفرد بهذا الإقصاء، بل أنه تابع لإقصاء موضوع (لا إله إلا الله وما تقتضيه من توحيد الألوهية وما
ص96
__________
(1) 15) الطحاوية مع شرحها (ص 528) الطبعة الرابعة .

(1/73)


يضاد ذلك من نواقض الإسلام، التي لو شغل المسلمون أنفسهم ببيانها وعرضها للناس عرضا صحيحا سليما بدلا من تحويلها إلى قضايا ذهنية تجريدية لا علاقة لها بالسلوك الواقعي ولا بمعاني الإسلام الحقيقية لكان ذلك أجدى وأنفع للناس، وأقوم للقيام بما أراده الله منهم. ولو أن الأمة الإسلامية تقيدت بقول رسولها صلى الله عليه وسلم (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)(1). وعضت على ذلك بالنواجذ ما طمع فيها شرق ولا غرب، ولا تخبطت في متاهات التبعية العمياء للإلحاد والفكر الجاهلي سواء كان شرقيا أم غربيا على حد سواء.
وحين اقتصر المسلمون الأوائل على الوحيين العزيزين خرج منهم جيل فريد ليس له مثال لا سابق ولا لاحق، جيل اعتز بانتمائه لدينه الخالص، ففتح الدنيا ومزق ظلام الكفر والشرك وصدع باسم الله في الأرض من مشارف فرنسا غربا إلى حدود الصين شرقا.
ولعل من المناسب هنا أن نتحدث – ولو قليلا – عن طريقة القرآن والسنة في عرض العقيدة بصفة عامة وجناية علم الكلام على المسلمين لنقف من خلال هذه النبذة على مدى الهوة بين صفاء النبع العقدي الرباني وبين جهالات علم الكلام.
__________
(1) 16) مسند أحمد (ج4/126) وجامع بيان العلم لابن عبد البر 2/222 وسنن ابن ماجة : المقدمة (ج1/16 ح43) وفي سنده عبد الرحمن بن عمرو السلمي لم يوثقه غير ابن حبان . وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1/46 عن أبي عاصم في كتاب السنة وقال إسناده حسن . انظر جامع الأصول (ج1/293) (حاشية) .

(1/74)


لقد أدرك سلف هذه الأمة رحمهم الله أن كتاب الله العزيز هو: كتاب هداية وليس كتاب فلسفة ونظريات فارغة لا تمس الواقع. وأيقن ذلك الجيل أن الله هو خالق النفس البشرية وأنه هو العليم وحده بما يصلحها، فلما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم كان هو النور الهادي للنفوس، ومصدر كل خير لها، وهو أيضا النذير لها من كل ما يورد موارد الهلاك والخسران. وميزة الخطاب القرآني: أنه يخاطب (الإنسان) كوحدة متصلة فيها الروح والجسد وفيها العقل والعاطفة، وفيها حب
ص97
الخير وكره الشر:
{ونفس وما سواها {7} فألهمها فجورها وتقواها {8} قد أفلح من زكاها {9} وقد خاب من دساها{ [سورة الشمس: 7-10].
هكذا هي الطريقة القرآنية في عرضها للعقيدة:
إنها (طريقة لا تخاطب الذهن المجرد ولكنها تخاطب (الإنسان) كله، وتخاطبه – أول ما تخاطبه 0 عن طريق الوجدان ولا يمنع هذا أن تدعو عقله للمشاركة في الأمر، ولكنها لا تخاطبه منفردا إنما تخاطبه دائما والوجدان مستجاش، فيأخذ دوره في التلقي منفعلا بالقضية، متحركا للإيمان بها، لا مجرد مساجل فيها بالمنطق والبرهان: والقرآن حين يصنع ذلك فهو يستجيب للفطرة البشرية كما خلقها الله فالله الذي خلق هذه الفطرة هو الذي أنزل هذا القرآن مفصلا على قدها، مستجيبا لها، ومجيبا لها، وباعثا ومقوما في آن. والعقل جزء من هذه الفطرة ولا شك، وله دوره في قضية الإيمان.. ولكن الله يعلم الشروط اللازمة لهذا العقل حين يتناول قضية من قضايا (الحياة) أنه يمكن أن يعمل وحده حين يكون دوره هو التعرف على سنة من سنن الكون لا مجال فيها للوجدان، أما في قضية الإيمان فإنه لا يستقل بهذا الأمر وحده، بل تشاركه العاطفة والوجدان)(1).
__________
(1) 17) دراسات قرآنية للأستاذ محمد قطب (ص149) بقليل من التصرف .

(1/75)


وإذا تصفحنا التاريخ الإسلامي لنبحث عن تاريخ الانحراف في الدراسات العقدية لوجدنا أن ذلك قد وقع في العهد الأموي بشكل بسيط ولكنه بلغ قمته في العهد العباسي إبان ترجمة العلوم اليونانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية.
فبعد أن اتسعت الفتوحات وامتدت رقعة الدولة الإسلامية ودخل في الإسلام أناس أظهروا الإسلام وأبطنوا النفاق والزندقة حصل خلط في المترجمات، فلم يفرق بين الغث والسمين من تلك العلوم الأجنبية.
ولما أصبح شغل أكثر الناس هو الترف العقلي: رأوا أن يستوردوا غثاء الجاهلية الإغريقية وسمي ذلك عند المخدوعين به (فلسفة)!! وانبهروا بهذا
ص98
المستورد الدخيل وما فيه من عجمة تعقيد ولعب بالألفاظ ودلالتها. وقادهم هذا الانبهار إلى إلباس التصور الإسلامي قناعا غريبا عليه في ذاته، وغريبا عليه في عرضه، وغريبا أيضا على أهله. وسر ذلك: أن (هناك جفوة أصيلة بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التي تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية) (1).
وحري بنا أن نسأل: ما هو سر محاولة التوفيق بين الفلسفة البشرية الجاهلية التي نمت وترعرعت في جو وثني كافر، وبين المورد العذب دين الله (الإسلام)؟.
هل كان ذلك نتيجة للتقليد الأعمى والسعي وراء كل ناعق؟
أم أنه كان نتيجة للقعود عن الجهاد ونشر العقيدة في ربوع الأرض؟
أم هو الترف العقلي ومجابهة أصحاب الجدل بنفس أسلوبهم؟
أم أن وراء ذلك كيدا من أعداء الإسلام في محاولة تشويه صفاء هذه العقيدة وخلطها بالشوائب الغريبة عنها؟!
__________
(1) 18) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته للأستاذ سيد قطب (ص10– 11) دار الشروق .

(1/76)


والذي يظهر لي – والله أعلم – أن هذه الأسباب مجتمعة لها دورها كل بحسب أهميته إلا أنه من خلال تتبع قصة الترجمة في عهدها الأول يظهر لي: أن كيد أعداء الدين وافق هوى عند بعض المسلمين خاصة بعض الحكام في العهد العباسي – كالمأمون مثلا – فحدث ما حدث من ترجمة لكتب المباحث السوفسطائية اليونانية وغيرها.
ويصدق ذلك: أن المأمون بعث إلى حاكم صقلية المسيحي يطلب منه أن يبادر بإرسال مكتبه صقلية الشهيرة الغنية بكتب الفلسفة!!
وتردد الحاكم في إرسالها، وجمع رجالات دولته واستشارتهم حول هذا الطلب فأشار عليه المطران الأكبر بقوله: (إرسلها إليه، فوالله ما دخلت هذه العلوم في أمة إلا أفسدتها) فأذعن الحاكم لمشورته وعمل بها. ثم أحضر المأمون حنين بن
ص99
إسحاق (1)
__________
(1) 19) هو حنين بن اسحاق ، طبيب ، مؤرخ ، مترجم ، كان أبوه صيدلانيا من أهل الحيرة ، أخذ العربية عن الخليل بن أحمد ، وأخذ الطب عن يوحنا بن ماسويه وغيره ، وتمكن من اللغات اليونانية والسريانية والفارسية فانتهت إليه رئاسة المترجمين في عهد المأمون الذي عينه رئيسا لديوان الترجمة وبذل له الأموال والعطايا .
لخص كثيرا من كتب أبقراط وجالينوس ، وكان يحفظ الياذة هوميروس ومترجماته تزيد على المائة .

انظر الأعلام للزركلي (ج2/287) الطبعة الرابعة .

(1/77)


- وكان فتى لسنا – وأمره بنقل ما يقدر عليه من كتب حكماء اليونان إلى العربية، فامتثل لأمره. وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربية مثلا بمثل. مما جعل حنينا يكتب على ورق غليظ ويباعد بين الأسطر ويكتب بالحروف الكبيرة (1)!!؟ وصدق – والله – المطران الصقلي: إن هذه الكتب ما دخلت أمة إلا أفسدتها ترى من أين جاءت محنة الإمام أحمد بن حنبل وظهور المبتدعة أيام المأمون وغيره. ومن أين جاءت المصطلحات المبتدعة كالجوهر والعرض والواجب والممكن وغيرها؟ إنه لم يأت كل ذلك إلا من ترجمة علم الكلام الجاهلي وخلطه بالعقيدة الإسلامية ليصنع من ذلك كله ما يسمي بـ "الفلسفة الإسلامية"!!
وإذا علمنا: أن المترجمين كان جلهم نصارى (2). وقد كتبوا في الترجمة العربية ما يعتقدونه ويدينون به. فكيف يوثق بنصراني يعتقد التثليث وهو يترجم للمسلمين كتبا يتعلمونها ويعلمونها أبناءهم ويستفيدون منها في مؤلفاتهم؟ لقد صدق الشاعر حين قال:
ومن جعل الغرب له دليلا………يمر به على جيف الكلاب
ولمزيد من إيضاح وبيان البون الشاسع بين طريقة القرآن والسنة في عرض العقيدة وبين علم الكلام نذكر الأمور التالية في المباينة بينهما، لا من باب المقارنة فلا وجه للمقارنة في الحقيقة، إذ الأمر كما يقول الشاعر:
ص100
ألم تر أن السيف ينقص قدره………إذا قيل أن السيف أمضى من العصا
وإنما من باب التنبيه والتذكير (3).
__________
(1) 20) انظر كتاب "عصر المأمون" (ص375 – 377) للدكتور أحمد مزيد رفاعي الطبعة الثانية سنة 1346 هـ الناشر دار الكتب المصرية .
(2) 21) انظر في هذا كتاب الجانب الإلهي للأستاذ محمد البهي (ص177) .
(3) 22) ينظر في هذا الموضوع كتاب "العقيدة في الله " للأستاذ عمر سليمان الأشقر: (ص27) إلى (ص38) الطبعة الأولى سنة 1399 مـ الناشر مكتبة الفلاح بالكويت .

(1/78)


(1) في المصدر: فمصدر العقيدة القرآنية: الله رب العالمين. أما مصدر "علم الكلام" فعقول البشر القاصرة الهزيلة.
(2) في المنهج والسبيل: فغاية علم الكلام: إثبات وحدانية الخالق، وإنه لا شريك له ويظن المتكلمون أن هذا هو المراد بـ " لا إله إلا الله " بينما المراد منها ما سبق أن شرحناه في التمهيد ثم إن علم الكلام يسعى لتحقيق "المعرفة" في الوقت الذي نجد فيه الطريقة القرآنية تهدف إلى "الحركة" من وراء المعرفة، فتحول تلك المعرفة إلى قوة دافعة لتحقيق مدلولها في عالم الواقع وتستجيش الضمير الإنساني ليحقق وجوده في الأرض إلى ربها، وتحيا حياة كريمة رفيعة تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان (1).
ثم إن المنهج القرآني يدعو إلى (عبادة الله وحده) قال تعالى:
{وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون { [سورة الأنبياء: 25].
وأوصى المصطفى صلى الله عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن: أن يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فإذا عرفوا ذلك دعاهم للفرائض (2) ولم يأمره أن يدعوهم أولا إلى "الشك " أو "النظر" كما هي طريقة المتكلمين!!.
ص101
(والله سبحانه وتعالى عندما يبعث الناس لا يسألهم عن العلوم الحسية والبدهية، والمنطق، والطبيعي، والجوهر والعرض – بل يسألهم عن استجابتهم للرسل أو عدمها
__________
(1) 23) انظر : خصائص التصور الإسلامي ومقوماته (ص10-11).
(2) 24) الحديث موجود في : صحيح البخاري (ج3/322 ح 1458) وصحيح مسلم (ج1/50 ح19) كتاب الإيمان .

(1/79)


{كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير {8}قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير {9} وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير {10} فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير{ [سورة الملك 8-11].(1)
ووحدانية الخالق التي هي غاية علم الكلام: لم تنفع المشركين الذين حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يقرون بها كما أخبر الله عنهم:
{ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون{ [سورة لقمان:25].
(3) قوة التأثير: الذي هو طابع العقيدة الربانية: مما يجعل لها سلطانا قويا على نفوس معتنقيها. بعكس الفلسفة والكلام اللذين يدلان على جهل أصحابها كما قال أحدهم – وهو سقراط – (الشيء الذي لا أزال أعلمه جيدا هو أنني لست أعلم شيئا) (2).
(4) الأسلوب: فالعقيدة الربانية تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع. واللمسة المباشرة والإيحاء بالحقائق الكبيرة، مع بساطة في العرض ووضوح في البيان وإعجاز في اللفظ والمعنى.
ص102
مما يجعل إدراك هذه العقيدة سهلا لكافة المستويات البشرية. وهذا كله بخلاف الفلسفة والكلام، وبخلاف تلك المصطلحات المعقدة التي لا تزيد الشك إلا شكا وحيرة وضلالا (3).
وأسلوب المتكلمين يسير على نمط واحد في كل قضية يتحدث عنها فهو لا يخرج عن قوله: (فإن قيل لنا كذا: قلنا لهم كذا).
أما الأسلوب القرآني فإنه يعرض العقيدة على نمطين:
__________
(1) 25) "العقيدة في الله " للأشقر (ص31)
(2) 26) المصدر السابق (ص32) .
(3) 27) انظر خصائص التصور الإسلامي والعقيدة للأشقر (ص35) .

(1/80)


الأول: توحيد في الإثبات والمعرفة. أي إثبات حقيقة الرب وصفاته وأفعاله وأسمائه كما أخبر به عن نفسه وكما أخبر رسوله الكريم، وهذا موجود في أول سورة الحديد وطه، وآخر الحشر، وأول السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها (1).
الثاني: توحيد في الطلب والقصد: وهذا ما تضمنته سورة
{قل يا أيها الكافرون { و{تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون { [سورة آل عمران: 64].
وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها وأول سورة الأعراف وآخرها وجملة سورة الأنعام.
ص103
ويعرف الأول: بأنه توحيد علمي خبري، والثاني بأنه: توحيد إرادي طلبي (2).
ونظرة واحدة إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في عرضه لهذه العقيدة وتربيته الفذة لصحابته كافية في الدلالة على أن من سلك طريقا غير طريق القرآن والسنة في عرض العقيدة فقد سلك "سبلا" لا تلتقي مع صراط الله المستقيم .
روى الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن (3).
__________
(1) 28) شرح العقيدة الطحاوية (ص 88) طبع المكتب الإسلامي
(2) 29) المصدر السابق (ص88) .
(3) 30) مقدمة الحفاظ ابن كثير لتفسيره (ج1/13) .

(1/81)


وقال أبو عبد الرحمن السلمي: (1) حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا (2).
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:
(لقد كان تلقي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه العقيدة أشبه ما يكون بتلقي الجندي في الميدان " الأمر اليومي" ليعمل به فور تلقيه، ولذلك لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود) (3).
هكذا كان صدر هذه الأمة مقتصرا على كتاب الله وسنة رسوله في عقيدته. ولكن الانحراف الذي طرأ على المسائل العقدية في العصور المتأخرة سببه حركة الترجمة والانبهار بفلسفة اليونان وعلومهم. ولو كان هناك وعي وتفكير في الأشياء المترجمة لاقتصر على ترجمة العلوم البحتة كالهندسة والكيمياء والطب وغيرها من العلوم النافعة وبشرط أن تكون صياغة ترجمتها متفقة مع عقيدة المسلمين. ولكن
ص104
الخطأ الذي حصل كان ترجمة جميع العلوم ومنها "الإلهيات" عند أرسطو وأفلاطون وغيرهم!
إنه خطأ فاحش وقع فيه من وقع وإلا فما هو الدافع لاستيراد ما عند الوثنيين واستخدام أهل الكتاب في ذلك؟
وصدق حبر هذه الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما حين قال محذرا (.. أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم) (4).
والذي حصل كما يقول الشيخ محمد الغزالي:
__________
(1) 31) هو عبدالله بن حبيب السلمي القارىء لأبيه صحبة . روى عن مجموعة من كبار الصحابة وهو تابعي ثقة توفي سنة 72 هـ وقيل 85 هـ وانظر تهذيب التهذيب (ج5/183) .
(2) 32) المصدر السابق (ج1/13) .
(3) 33) معالم في الطريق (ص15) .
(4) 24) صحيح البخاري (ج13/496 ح 7523) كتاب التوحيد .

(1/82)


(إن صفو هذه العقيدة قد تعكر بالفكر الأجنبي الذي أقحم على الحياة الإسلامية وبضروب الجدل التي زجى بها المتبطلون أوقات فراغهم) (1).
ولكن رحمة الله بعباده تكفله جل جلاله بحفظ هذا الدين تجلت في إيجاد علماء أعلام، في كل عصر ومصر، قاموا بواجب الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وتبصير الأمة بما شردت عنه، وزهدت فيه.
لذلك حين رأى كثير من الأئمة رحمهم الله هذا الداء الدخيل يحل على المسلمين في تصورهم وعقيدتهم قاموا بواجبهم الجهادي نحوه.
فهذا الإمام الجليل الشافعي رحمه الله يقول:
"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام " (2).
ويقول أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله:
" العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم " (3).
ثم عقب شارح الطحاوية على ذلك بقوله:
" كيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير اتباع ما جاء به الرسول " (4)
ص105
وذكر ابن الجوزي رحمه الله:
(أن أصل الدخل في العلم والاعتقاد: من الفلسفة وذلك أن خلقا من العلماء في ديننا لم يقنعوا بما قنع رسول الله صلى عليه وسلم من الانعكاف على الكتاب والسنة، بل أوغلوا في النظر في مذاهب أهل الفلسفة وخاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب ردية أفسدوا بها العقائد) (5).
أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيقول:
__________
(1) 35) الإسلام والطاقات المعطلة (ص112) الطبعة الثانية .
(2) 36) شرح الطحاوية (ص72) .
(3) 37) المصدر السابق (ص73 ) .
(4) 38) المصدر السابق (ص73) .
(5) 39) صيد الخاطر : تحقيق الطنطاوي (ص205) الطبعة الثانية 1398 هـ .

(1/83)


(هؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة الذين ذمهم السلف والأئمة، أنهم لم يقوموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد، بل أخذوا يناظرون أقواما من الكفار وأهل البدع الذين هم أبعد عن السنة منهم، بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء به الرسول، وهذا لا يقطع أولئك الكفار بالعقول فلا آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان، ولا جاهدوا حق الجهاد. وأخذوا يقولون: أنه لا يمكن الإيمان بالرسول ولا جهاد الكفار، والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من المعقولات!!، وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده تكذيبا، أو تأويلا، أو تفويضا. لأنها أصل السمعيات، وإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس)(1).
وكلمة أخيرة نذكرها للعبرة والعظة، وهي كلمة لأحد أولئك الذين خاضوا في بحر الكلام اللجي ثم خرجوا منه يطلبون النجاة. إنها كلمة أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي حيث قال:
(لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. ورأيت أقرب الطرق. طريقة القرآن.. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي)(2). هذا وإنه لحري بالأمة، وبعد أن عاشت قرونا من الضياع والتخبط أن تعود إلى المشكاة الربانية كتاب الله وسنة رسوله، فتتدبر معانيها، وتعمل بما فيها ففي ذلك النجاح
ص106
والفلاح وطمأنينة القلب
{ألا بذكر الله تطمئن القلوب{ [سورة الرعد: 28].
__________
(1) 40) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول (1/238) تحقيق محيي الدين عبد الحميد ومحمد حامد الفقي .
(2) 41) شرح الطحاوية (ص227) .

(1/84)


وعلى الرغم من أنه سيتضح للقارئ – إن شاء الله – من خلال قراءة هذا البحث: طريقة القرآن والسنة في غرس عقيدة (الولاء والبراء في النفوس، وذلك من خلال سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العهدين المكي والمدني ومن خلال الأمثلة والصور الكثيرة في هذا الشأن إلا أنني أرى أنه لا بأس بأن أورد هنا طرفا من هذا الموضوع خاصة وأنني قد تكملت حول علم الكلام وجنايته على الأمة الإسلامية.
إن من أولى البدهيات في هذا الشأن أن الإسلام قد حرص على أن يكون انتماء المسلم لدينه فقط منذ أول لحظة يعلن فيها (لا إله إلا الله محمد رسول الله). والبراءة من كل معبود أو متبوع أو مطاع سوى الله تعالى.
والأدلة على ذلك كثيرة جدا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى{ [سورة البقرة: 256].
وقال: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون{ [سورة آل عمران: 103].
ص107
ويقول سبحانه:
{قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين{[سورة الأنعام: 71].
{ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى{ [سورة لقمان: 22].
{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين { [سورة آل عمران:85].

(1/85)


{ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين{ [سورة فصلت: 33].
فهذه النصوص الكريمة تثبت مدى منة الله سبحانه وتعالى بإنعامه على المسلمين بهذا الدين، فالولاء له مصدر القوة والعزة.
فمن استمسك بهذا الولاء، وحققه فقد استمسك بالعروة الوثقى. أما الحديث – فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية (1)، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها
ص108
النتن)(2). وحرص المصطفى صلى الله عليه وسلم على تربية أمته والبعد بها عن مفاخر الأنساب والأحساب التي لا تستمد قوتها وحيويتها من هذا الدين القيم، فنجده عليه الصلاة والسلام يحثهم على أن يكون انتمائهم للصف الإسلامي وحسب. ففي الحديث عن أبي عقبة – وكان مولى من أهل فارس قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، فضربت رجلا من المشركين، فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي! فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (فهلا قلت خذها مني وأنا الغلام الأنصاري)(3).
ولقد كان دين العقيدة الإسلامية هو: إفراد الله تعالى بالتعلق والحب والتعظيم والطاعة والإنابة والخشوع والخوف والرجاء وتجريد النفس من كل محبوب أو مرهوب أو مرغوب سوى الله تعالى، قال جل شأنه:
__________
(1) 42) العبية – كما قال الخطابي – الكبر والنخوة . انظر سنن أبي داود (ج5/340) .
(2) 43) سنن أبي داود كتاب الأدب (ج 5/340 ح 5116) وأخرجه الترمذي في المناقب (9/430 ح3950) وقال حديث حسن .
(3) 44) سنن أبي داود كتاب الأدب 5ج/343 ح 5123 قال الألباني في المشكاة في إسناده عنعنة محمد بن إسحاق (3/1374) وأخرجه ابن ماجه في الجهاد (ج2/931 ح 2784) .

(1/86)


{وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله{ [سورة يونس: 107].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما (...واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)(1).
(فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة... ويتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه،
ص109
واشتغاله به من نقص توحيده(2) وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا.. ومعلوم أن التوحيد حصن الله الأعظم من دخله كان من الآمنين. قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء)(3).
هذا طريق من طرق منهج العقيدة في غرسها للولاء والبراء في النفوس. وطريق آخر: وهو استخدام مشاهد يوم القيامة، لتصوير الخصومة والعداء بين الأتباع والمتبوعين – الذين سلكوا غير منهج الله في الدنيا ووالوا وعادوا حسب العادات ودين الآباء – وتبرؤ كل فريق من صاحبه.
__________
(1) 45) سنن الترمذي في أبواب صفة القيامة (ج7/204 ح 2518) وقال حديث حسن صحيح .
(2) 46) يشترط في هذا عدم ترك الأسباب لأن فعل السبب من باب التوكل (اعقلها وتوكل)
(3) 47) بدائع الفوائد لابن القيم (2/245) – بتصرف .

(1/87)


{إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب {166} وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار{ [سورة البقرة: 166– 167].
ولا شك أن هذه حال من اتخذ من دون الله ورسوله وليجة و أولياء، يوالي لهم ويعادي لهم، ويرضى لهم، ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها، وشدة تعبه فيها ونصبه، إذ لم يخلص موالاته ومعاداته، ومحبته وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله.
ويوم القيامة ينقطع كل سبب ووسيلة وموالاة كانت لغير الله، ولا يبقى إلا من كان له سبب يصل بينه وبين ربه وهو حظه من الهجرة إلى الله ورسوله وعبادة الله وحده وما يلزم ذلك من الحب والبغض والعطاء والمنع والولاء والعداء والقرب
ص110
والبعد وتجريد متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإعراض والترك لما خالف سنته وهديه)(1).
ومن منهج القرآن أيضا في موضوع الولاء والبراء ضرب المثل، وهذا كثير في القرآن الكريم وأبرز مثال في هذه القضية هو إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن وأبو الأنبياء. فإنه هو القدوة الأولى في الولاء والبراء. ونظرا لأهمية ذلك أترك الحديث عنه إلى فصل مستقل في هذا الباب إن شاء الله.
وإذا وجدت محبة الله في القلب، تحمل المؤمن حينئذ وتقبل تكاليف هذه المحبة ولوازم عبادته لله تعالى ومن ذلك جهاد أعداء الله وبغضهم وهجرتهم والصبر على الأذى في سبيل الله.
ثم يمضي القرآن الكريم في أسلوب عرض هذه العقيدة مستخدما التهديد والوعيد بعد البيان والإيضاح وإقامة الحجة على الناس فيقول عز وجل:
__________
(1) 48) انظر الرسالة التبوكية لابن القيم (ص51) .

(1/88)


{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم{ [سورة المائدة:54].
أما المستجيبون لأمر الله فإن الله يحبهم وهو ناصرهم ومولاهم
{إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص{ [سورة الصف:4]
ص111
{بل الله مولاكم وهو خير الناصرين{ [سورة آل عمران: 150].
{واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير { [سورة الحج: 78].
ومن لوازم محبة الله اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم
{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم{ [سورة آل عمران: 31].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فاتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته باطنا وظاهرا هو موجب محبة الله، كما أن الجهاد في سبيل الله، وموالاة أولياؤه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها) (1).
ويقول الحسن البصري رحمه الله:
(زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (2) لقد ربى الكتاب والسنة الأمة على الحب في الله والبغض في الله، والولاء في الله والبراء في الله، حتى وصلت إلى حد أن لو قذفت في النار لكان أحب إليها من أن تعود في الكفر بعد إذ أنقذها الله منه.
ولئن كان الولاء والبراء قد غاب اليوم في واقع حياة المسلمين – إلا من رحم ربك – فإن هذا الغياب لا يغير من الحقيقة الناصعة الجلية شيئا لأن هذا الأمر العظيم كما يقول الشيخ حمد بن عتيق (3):
__________
(1) 49) التحفة العراقية (ص76) .
(2) 50) تفسير ابن كثير (ج2/25) .
(3) 51) ستأتي ترجمته قريبا .

(1/89)


(ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده)(1). وما
ص112
سر استيراد مذاهب البشر الإلحادية وأفكارهم القاصرة إلا نتيجة حتمية لغياب ولائهم لله ورسوله وعدم براءتهم من الطواغيت المقنعة ببهرج الباطل وزيف الحقيقة.
ص113

الفصل الثاني
أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وطبيعة العداوة بينهما
إن وجود أولياء الرحمن وأولياء الشيطان أمر قديم نشأ منذ خلق آدم عليه السلام وأمر الله للملائكة بالسجود له فسجدت إلا إبليس أبى واستكبر.
وقد تحدث القرآن الكريم عن قصة هذه العداوة بين آدم وإبليس في سور شتى من أبرزها سورة البقرة وسورة الأعراف وسورة طه وغيرها.
قال تعالى:
{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين {34}وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين {35} فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين {36} فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم {37}قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا
ص114
خوف عليهم ولا هم يحزنون{ [سورة البقرة:34 - 38].
وفي سورة الأعراف يأتي بيان عدم سجود إبليس:
{قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين{[سورة الأعراف:12] .
__________
(1) 52) النجاة والفكاك (ص14) .

(1/90)


لقد كان أمر الله لإبليس أن يسجد فكان رده لعنه الله الامتناع والاستكبار مستخدما في ذلك قياسه الفاسد: إن النار أشرف من الطين! وهو بهذا ينصب نفسه ندا لله سبحانه وتعالى: الله يقول كذا. فيقول إبليس أنا أرى كذا. ولذلك استحق اللعنة والطرد من رحمة الله.
وانقسام الناس إلى فريق الهدى وفريق الضلال بدأ بهذه البداية كما ذكر ذلك المولى سبحانه:
{هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير {[سورة التغابن: 2].
فأما الفريق الذي أجاب دعوة الرسل وآمن بكتب الله المنزلة ورسله المبعوثين رحمة للناس فهؤلاء أولياء الرحمن.
ص115
وأما الفريق الذي أعرض واستكبر فهم أولياء الشيطان.
وقبل الحديث عن الفريقين لا بد أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أقام الحجة على عباده فبين لهم عداوة الشيطان – حتى بعد قصته مع آدم –
فهو سبحانه لم يذكر قصة آدم وعداوة إبليس له عدة مرات في القرآن فحسب، بل زاد الأمر بيانا فحذر بني آدم في مواضع كثيرة من القرآن أن يستمعوا لغواية الشيطان ويعرضوا عن طريق الله المستقيم قال تعالى:
{ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين{[سورة البقرة: 208].
ثم يأتي التذكير مع التحذير في قوله تعالى:
{يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون{[سورة الأعراف: 27].
ولم يقتصر البيان القرآني الكريم على هذا بل قد كشف للناس المخطط الشيطاني، حتى يبصر كل ذي عينين ويتفكر أولوا الألباب فقال تعالى عن إبليس:

(1/91)


{وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا {118} ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم
ص116
فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا {119} يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا{[سورة النساء: 118 – 120] .
ثم يذكر الله للناس مشهدا من مشاهد يوم القيامة حين يندم أولياء الشيطان ولات ساعة مندم فيقول سبحانه: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون {59} ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين {60}وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم{ [سورة يس: 59 – 61].
ومشهد آخر لإبليس حين يتبرأ من أتباعه:
{وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم{ [سورة إبراهيم: 22].
ص117
إنه ليس بعد بيان الله بيان. والأشياء لأصلها تعود كما يقولون فما دام أن إبليس عدو لآدم فلا شك أن أتباع إبليس وحزبه أعداء لأولياء الرحمن وأتباع المرسلين. ومن ثم فلا التقاء بين الفريقين ولا هوادة بينهما.
إنها الحرب والعداوة والحسد والاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة وكل ما يوحي به إبليس لأتباعه ذلك سلاح حزب الشيطان.

(1/92)


وحزب الشيطان أناس يتربصون بالمؤمنين يحاولون ما استطاعوا أن يصدوهم عن ذكر الله، ولقد أخبرنا الله جل جلاله بذلك في مواضع عدة من كتابه الكريم فقال سبحانه عن سخرية أعداء الله بحزب الله.
{ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب{ [سورة البقرة: 212].
{قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين{ [سورة الأعراف: 66].
{إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون {29} وإذا مروا بهم يتغامزون {30}وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين {31}وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون{ [سورة المطففين: 29- 32].
ص118
وانظر إلى تصوير القرآن لعداوة حزب الشيطان، وما تنطوي عليه نفوسهم ضد المؤمنين في قوله تعالى:
{وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير{ [سورة الحج: 72].
وهاهنا حقيقة هامة وهي: أن العداوة التي وقعت بين آدم عليه السلام وبين إبليس هي عداوة قائمة بين إبليس وبني آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وتاريخ البشرية كله ما هو إلا مصداق لحقيقة انقسام الناس إلى فريق الهدى والرشاد وفريق الهوى والشهوة والشيطان.
{هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير{ [سورة التغابن:2].

(1/93)


وعلى ذلك فإنه لا التقاء بين الفريقين في الدنيا ولا في الآخرة ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)(1)
ص119
وانظر إلى عداوة قوم نوح عليه السلام له وقوم عاد وقوم صالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ثم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم العداوة التي تقابل بها الجاهلية أهل الإيمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وإذا كان أولياء الرحمن مصرين على اتباع هدي ربهم فإن أولياء الشيطان يصرون أيضا على التردي في حمأة الجهل والضلال، عابدين للطاغوت سواء كان هذا الطاغوت ندا يعبد أو شهوة يراد إشباعها أو جنسا أو لغة أو سلطة أو أرضا أو دين الآباء الأولين. وصدق الله العظيم إذ يقول:
{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون{ [سورة البقرة: 257].
أما حزب الرحمن فهم (الذين ينتمون إليه سبحانه، ويستظلون برايته، ويتولونه ولا يتولون أحدا غيره، وهم أسرة واحدة وأمة واحدة من وراء الأجيال والقرون، ومن وراء المكان والأوطان ومن وراء القوميات والأجناس، ومن وراء الأرومات والبيوت) (2).
__________
(1) 53) مجموع الفتاوى (ج28/57) .
(2) 54) في ظلال القرآن (ج1/413) .

(1/94)


وقد جاء الدين الإسلامي بفيصل التفرقة بين الحق والباطل، وبين الإسلام والجاهلية فلم يجعل التقاء الناس على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو التراب كما تفعل ذلك الجاهليات القديمة والحديثة على سواء- بل جعل التقاء الناس على العقيدة في الله، وجعل المفاضلة بينهم بالعمل الصالح قال تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا
ص120
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير { [سورة الحجرات: 13].
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. كلكم لآدم وآدم من تراب)(1).
وقال أيضا: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي أو فاجر شقي)(2). ولقد تبرأ المصطفى صلى الله عليه وسلم من أقرباء له ليسوا على دينه، ليضع من نفسه قدوة للمؤمنين فقال فيما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارا من غير سر (إن آل فلان – أناس من أقاربه – ليسوا لي بأولياء، وإنما ولي الله وصالح المؤمنين) متفق عليه)(3).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا)(4) وهذا موافق لقوله تعالى:
{إن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين{ [سورة التحريم: 4].
__________
(1) 55) مسند الإمام أحمد (ج5/411) عن أبي نضرة وإسناده صحيح إلا أنه مرسل لأن أبا نضرة ليس صحابيا .
(2) 56) سبق تخريجه .
(3) 57) صحيح البخاري كتاب الأدب (ج10/419 ح 5990) ومسلم في الإيمان (1/197 ح 215) .
(4) 58) مسند أحمد : (ج5/235) وهو حديث صحيح . انظر تخريج كتاب فقه السيرة للغزالي (ص485) وصحيح الجامع الصغير (ج2/181 ح 2008) .

(1/95)


من هنا: كان المؤمنون هم أولياء الله لأنهم استجابوا لما أراد الله فتلقوا منه وحده، وعبدوه وحده، وخافوه وحده. بعكس الفريق الثاني فإنهم كلما دعاهم رسول من رسل الله قالوا
{بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو
ص121
كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون{ [سورة البقرة: 170].
{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون{ [سورة المائدة: 104].
ومن صفات أولياء الرحمن: الاستجابة والانقياد لحكم الله وشرعه واتباع أمره قال تعالى:
{إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون { [سورة النور: 51].
أما أولياء الشيطان: فمن سماتهم الاعراض عن حكم الله وشرعه، واتباع الهوى والشيطان قال تعالى:
{ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ورعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين{ [سورة النساء: 46].
ص122
وقال
{ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون { [سورة السجدة: 22] .
يقول العلامة ابن القيم:
(كل من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرض عن متابعته، وحاد عن شريعته، ورغب عن ملته، واتبع غير سنته، ولم يتمسك بعهده، ومكن الجهل من نفسه، والهوى والفساد من قلبه، والجحود والكفر من صدره، والعصيان والمخالفة من جوارحه فهو ولي الشيطان)(1).
ومن سمات أولياء الشيطان أنهم:
__________
(1) 59) هداية الحيارى : (ص7) .

(1/96)


(إذا جاء الحق معارضا في طريق رياستهم طحنوه، وداسوه بأرجلهم، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان، فإن لم يجدوا منه بدا أعطوه السكة والخطبة، وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء الحق ناصرا لهم، وكان لهم صالوا به وجالوا، وأتوا إليه مذعنين لا لأنه حق بل لموافقته غرضهم وأهوائهم،
{وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون {48} وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين {49}أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون {(1) [سورة النور 48-50].
ص123
طبيعة العداوة بين الفريقين
بعد أن بينا سمات الفريقين، نتحدث الآن عن العداوة بينهما، ومعرفة هذه العداوة أمر لا بد منه لتمييز الخبيث من الطيب.
{ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب{ [سورة آل عمران: 179].
ومعرفة العداوة بين الفريقين أمر هام يكشف ألعوبة بعض المتسمين بأسماء إسلامية وهم يسعون لتذويب المسلم في خضم الجو الجاهلي المعاصر وتمييع ولائه لربه ودينه وإخوانه المسلمين. وأمانة براءته وعداوته لكل عدو لهذا الدين.
__________
(1) 60) مدارج السالكين (ج1/53) .

(1/97)


هذه الحقيقة الهامة الناصعة يحاول أعداؤنا تزييفها: بأن الكفار أصدقاء أوفياء شرفاء يجب أن يكون لهم الحب والتقدير، والإجلال والإكبار والتعظيم، يقولون أننا متأخرون وهؤلاء القوم متقدمون يجب أن نسلك مسلكهم، وننهج نهجهم نقتفي آثارهم في كل وضع وحال، نأخذ حضارتهم بكاملها حلوها ومرها، حقها وباطلها، بل إنه لا باطل فيها (1).
ولكن هيهات خسئوا وخابوا، إن حزب الله هم الأعلون عند الله قدرا، وهم الأعلون ولو كانوا أقل عددا، وحزب الشيطان هم الخاسرون ولو كانوا عدد الحصى.
ولا بد أن يسبق حديث العداوة بين الفريقين، نبذة بسيطة عن عداوة إبليس للإنسان حتى نعلم مداخل الشيطان لهذه النفس البشرية، ومدى تلبيسه الحق بالباطل على أوليائه فيبين الحق للمؤمن فيأخذ الحذر على نفسه ومن معه، ويعبد الله على بصيرة منه ونور من شرعه.
ص124
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن عداوة الشيطان للإنسان تتمثل في سبع مراتب أذكرها هنا بالاختصار.
(1) الكفر والشرك، ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر الشيطان بذلك من ابن آدم برد أنينه، واستراح من تعبه معه، وهو أول ما يريد من العبد، فإن ظفر به صيره من عسكره ونوابه، فصار من دعاة إبليس، فإن يئس من ذلك نقله للمرتبة الثانية من الشر وهي.
(2) البدعة: لأنها أحب إليه من: الفسوق والعصيان، وذلك أن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد، وهي مخالفة لدعوة الرسل، فإن كان الشخص ممن يعادي أهل البدع والضلال نقله إلى المرتبة الثالثة وهي:
(3) الكبائر على اختلاف أنواعها، فيحرص أن يوقعه فيها، خاصة إذا كان عالما متبوعا لينفر الناس عنه. ومن المعلوم أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، هذا إذا أحبوا إشاعتها، فكيف إذا تولوا هم إذاعتها؟ فإن عجز عن هذه نقله للتي بعدها وهي:
__________
(1) 61) ممن تزعم هذا الاتجاه طه حسين وأضرابه . انظر إذا شئت كتابه مستقبل الثقافة في مصر .

(1/98)


(4) الصغائر التي إذا اجتمعت ربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك قوم نزلوا بفلاة من الأرض)(1). وذكر حديثا معناه أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة فطبخوا واشتووا. ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها. فيكون صاحب الكبيرة الخائف أحسن حالا منه، فإن أعجزه العبد عن هذه نقله للخامسة.
(5) إشغاله بالمباحات التي لا ثواب ولا عقاب، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها، فإن أعجزه العبد عن هذه بأن كان حافظا لوقته شحيحا به، يعلم مقدار أنفاسه وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله للتي بعدها.
ص125
(6) إشغاله بالعمل المفضول عن الفاضل ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل، ويفتح له أبواب خير كثيرة، كما ورد أنه يأمر بسبعين بابا من أبواب الخير إما ليتوصل إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيرا أعظم من تلك السبعين وأجل وأفضل. وهذا أمر لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله، وأحبها إليه، وأرضاها له، وهذا لا يعرفه إلا من كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في الأمة، وخلفائه في الأرض والله يمن بفضله على من يشاء من عباده (2).
__________
(1) 62) الحديث في مسند أحمد (ج5/331) وهو حديث صحيح انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح389) وصحيح الجامع (ج2/386 ح 2683 و 2684) .
(2) 63) بدائع الفوائد (2/260 – 262) بتصرف .

(1/99)


(7) فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست: سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفاءه ليشوش عليه قلبه، ويمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه لا يفتر ولا يني فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.
وما دام أن هذا هو كيد الشيطان للإنسان فما هو سبب العداوة ومثيرتها بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؟
والجواب على ذلك أحد أمور أربعة أو الأربعة مجتمعة.
(1) الكبر: فأولياء الشيطان استكبروا على الحق وعلى الرسول وعلى الرسالة.
قال الله تعالى فيهم:
{إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير{ [سورة غافر: 56].
ص126
وقال تعالى:
{أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون{ [سورة البقرة: 7].
وقال تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم{ [سورة لقمان: 7].
(2) استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، واللصوق بالشهوات واللذائذ قال تعالى: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين { [سورة النحل: 107].
{الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد { [سورة إبراهيم: 3].

(1/100)


وإذا وجد الكبر وحب الدنيا على الآخرة أو أحدهما: فإن أرباب ذلك ينزعجون من وجود عباد الله المخلصين، حتى ولو لم يظهر لهم منهم أي احتكاك فإن وجودهم بهذا النقاء وبهذه الطهارة وبذلك الاستعلاء أمر يغيظ أعداء الله قال تعالى: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء{ [سورة النساء: 89].
ص127
ذلك أن وجود الفريق الطاهر يشعر الفريق الدنس بخبث طويته وقبيح فعله، فمن هنا يبدأ كيد أعداء الله لأولياء الله بكل ما تعني كلمة (كيد) سواء كان ذلك بالسخرية أو الاستهزاء، أو العذاب والاضطهاد، أو التربص للمؤمنين بكل ما يسوء.
(3) الحسد: فثائرة أولياء الشيطان لا تهدأ، ولذلك يكنون للمؤمنين الحسد والحقد، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز بقوله تعالى:
{ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير{ [سورة البقرة:109].
أجل هذه هي أمنيتهم أن يكفر عباد الله ليتساووا معهم في الكفر والضلال، وقد بين الله عظيم حقدهم وحسدهم لو ظهروا على المؤمنين فقال تعالى:{كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة{ [سورة التوبة:8].
(4) سلب الهيمنة والولاء: وهذا أمر يختص بـ(الملأ) أي السادة والطواغيت الذين يستعبدون الناس، حيث يتقدم الناس لهم بالإجلال والتعظيم والرغبة والرهبة، والخوف والرجاء. فإذا جاء دين الله وشرعه الذي يحرر الناس من عبودية العبيد إلى عبادة الواحد القهار فإن (الملأ) يثورون ويعادون عادة الخير، لأنهم يشعرون حينئذ أن سلطانهم قد سلب وأن شرفهم قد زال، وأن الناس لم يعودوا يخشونهم أو يرهبونهم، لأن دين الله قد حررهم وأعزهم
ص128

(1/101)


وعبدهم لله فخوفهم من الله، وحبهم لله، وولاؤهم لله، وبغضهم في الله.
ودليل هذا فعل كسرى حين جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الدخول في الإسلام فاستكبر في نفسه وكأنه يقول: أمر عجيب الأعراب الذين كانوا رعاة لنا يأتون إلي لأدخل في دينهم الجديد! وظن أن ملكه سيزول إذا دخل في الدين الجديد، فما كان منه إلا أن مزق الكتاب. وقد استجاب الله دعوة نبيه فمزق الله ملك كسرى شر ممزق، فهكذا الطواغيت التي لا تدين لله بالولاء والسلطة والحاكمية تعادي أولياء الرحمن وتصب عليهم أشد أنواع العذاب كما قال تعالى:
{وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد{ [سورة البروج: 8].
(والجاهلية لا تكره الإسلام لأنها – في دخيلة نفسها – لا تعرف ما فيه من الحق والخير، أو لأنها بينها وبين نفسها – تعتقد حقا أن باطلها الذي تعيش فيه أصوب وأقوم من الإسلام! كلا! فهي تكرهه وهي عالمة بما فيه من الحق والخير وبأنه هو الذي يقوم ما آعوج من شؤون الحياة، وإنما تكرهه لأنها حريصة على هذا العوج لا تريد تقويمه، وتود أن تبقى الأمور على آعوجاجها ولا تستقيم،! تكرهه لأنها هي الجاهلية.. وهو الإسلام!
{ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى{(1) [سورة فصلت:17].
ص129
أما طبيعة عداوة أولياء الرحمن لأعدائهم: فهي جزء من عقيدتهم وأحسب أني فصلت القول في هذا في التمهيد حين تكلمت عن لوازم لا إله إلا الله – أنهم يبغضون في الله من حاد الله ورسوله قال تعالى:
__________
(1) 64) جاهلية القرن العشرين للأستاذ محمد قطب (ص322) .

(1/102)


{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون{ [سورة المجادلة: 22].
إنهم لا يلتقون مع أعدائهم في منتصف الطريق بل يقولون كما قال إمامهم إبراهيم عليه السلام:
{إنا براءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده{ [سورة الممتحنة:4].
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
(إنه لا يستقيم للإنسان إسلام – ولو وحد الله وترك الشرك – إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض كما قال تعالى:
{لا تجد قوما... { [سورة المجادلة: 22] (1)
ص130
وما دمنا قد عرفنا منطلق العداوة وحقيقتها فيجب أن نعلم أن هذا هو (القاسم المشترك) بين أعداء الإسلام بشتى أصنافهم كفار ومشركين ومنافقين وكل من كره الإسلام وعاداه.
__________
(1) 65) مجموعة التوحيد (ص19) (ستة مواضع من السيرة ) طبعة دار الفكر .

(1/103)


إن طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيدا أصحاب المناهج الأخرى طبيعة الإصرار على إقامة مملكة الله في الأرض، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين الناس كافة وبين حرية الاختيار الحقيقية.. ثم إنها طبيعة التعارض بين منهجين للحياة، لا التقاء بينهما في صغيرة ولا كبيرة وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم، فهي حتمية لا اختيار فيها في الحقيقة لهؤلاء ولا لهؤلاء... وهذه الظاهرة يقررها القرآن بقوله (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)(1).
ونذكر بعض عداوات هذه الأصناف حسبما نص عليه القرآن الكريم فأما الكفار فقد قال الله تعالى عنهم:
{يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون{ [سورة الصف: 8].
وقال في شأن "المشركين ":
{ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم{ [سورة البقرة: 105].
ص131
{هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون{ [سورة الصف:9].
وأما عداوة " أهل الكتاب" فالله يقول عنهم:
{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم { [سورة البقرة: 120].
{لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود { [سورة المائدة:82].
{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل{ [سورة النساء:44].
__________
(1) 66) انظر طريق الدعوة في ظلال القرآن (ج1/80) .

(1/104)


{وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور{ [سورة آل عمران: 119]
ص132
أما عداوة " المنافقين ": فقد نبه القرآن الكريم على ذلك في مواضع كثيرة ومن ذلك ما ورد في أول سورة البقرة حيث ذكرهم في ثلاث عشرة آية من آية 8 – 20 (وذلك لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا، لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد.
(فلله كم معقل للإسلام قد هدموه! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من لواء مرفوع قد وضعوه.. اتفقوا على مفارقة الوحي فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون:
{ فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون{ [سورة المؤمنون:53].
(رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم العقل المعيشي: إن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون.
{يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون{ [سورة البقرة: 9]
(من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات فركبوا مراكب الشبه والشكوك، تجري بهم في موج الخيالات، فلعبت
ص133
بسفنهم الريح العاصف، فألقتها بين سفن الهالكين.
{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين{(1) [سورة البقرة: 16].
__________
(1) 67) مدارج السالكين (ج1/347 – 349) بتصرف .

(1/105)


وقد نزل بخصوصهم سورة كاملة في القرآن هي سورة (المنافقون) وقد ورد فيها صريح عداوتهم للمؤمنين في قوله تعالى عنهم:
{هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون {7} يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون{ [سورة المنافقون: 7-8].
وما دمنا قد عرفنا عداوات هذه الأصناف للإسلام، فإنه لجدير بنا أن نؤكد خطورة عداوة اليهود والنصارى لأنهم هم المسيطرون اليوم على معظم بقاع الأرض، وهم الذين يثبتون غزوهم بشتى الأساليب، وهم رمز (البهرج
ص134
والانبهار) أمام المخدوعين من أبناء المسلمين.
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:
(إن حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة هي من أجل العقيدة. وهم قد يختصمون فيما بينهم ولكنهم يلتقون دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين.
(وقد يرفعون لهذه المعركة أعلاما شتى – في خبث ومكر وتورية – لأنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة، فخوفا من حماس العقيدة الإسلامية وجيشانها: أعلنوا الحرب باسم الأرض والاقتصاد والسياسة والمراكز العسكرية، وألقوا في روع المخدوعين منا: إن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها! ولا يجوز رفع رايتها، وخوض المعركة باسمها، فهذه سمة المتخلفين المتعصبين! وذلك ليأمنوا جيشان العقيدة من جديد، بينما هم في قرارة نفوسهم جميعا: يخوضون المعركة أولا وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلا فأدمتهم جميعا!

(1/106)


فإذا نحن خدعنا بخدعتهم فلا نلومن إلا أنفسنا، ونحن نبتعد عن توجيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته وهو سبحانه أصدق القائلين:
{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم { [سورة البقرة:120].
(هذا هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه وما سواه فمرفوض ومردود. ولكن الأمر الحازم والتوجيه الصادق ((قل إن هدى الله هو الهدى)) على سبيل القصر والحصر هدى الله هو الهدى وما عداه فليس بهدى)(1).
ص135
وخلاصة القول:
إن حقيقة العداوة وطبيعتها هو اختلاف الدينين، وافتراق المنهجين. فإما دين الله واتباع شرعه وموالاة عباده المؤمنين.
وإما دين الباطل واتباع الهوى والشهوات والانضمام إلى حزب الشيطان، فعلى أولياء الله أن يعتزوا بدينهم، وأن يستعلوا فوق وطأة الباطل فإنهم هم المنصورون، وإذا كان أعداء الله يتباهون بقوتهم وكثرة عددهم وعدتهم فإن المؤمنين يفخرون بنصر الله وكريم معيته وعونه لهم.
فقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال (يقول الله تعالى ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)) (2).
ويقول الله تبارك وتعالى:
{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون { [سورة النحل:128].
ويقول:
__________
(1) 68) بتصرف : في ظلال القرآن (ج1/108) .
(2) 69) سبق تخريجه .

(1/107)


{ذ يوحي ربك إلى الملآئكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب{ [سورة الأنفال: 12].
ص136
ويقول تعالى:
{فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم{ [سورة محمد: 35].
وإذا قلبنا صفحات التاريخ وجدنا مصداق ذلك، ففي غزوة بدر نصر الله القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، وأعز دينه ونصر حزبه، وفتوحات المسلمين شرقا وغربا وتحطيم عروش كسرى وقيصر ليست بغائبة عن الأذهان.
ونصر الله وتأييده للمؤمنين في معركتهم مع التتار ومع الصليبين الحاقدين. وغيرها من مئات الحوادث سواء كانت على مستوى الفرد أم الجماعة خير شاهد على ما نقول.
وسيبقى النصر والعون والمدد لأولياء الله إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما على المؤمنين إلا الصدق مع الله والإخلاص في العمل ابتغاء مرضاته هو وحده، والعمل وفق كتابه وسنة نبيه ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
ص137

الفصل الثالث
عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء
لابد أن نذكر معتقد أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء حتى يخرج بذلك أرباب البدع والأهواء التي لا تستند إلى دليل قوي من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
على المؤمن أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه – وإن ظلمه. فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية.
قال تعالى :
{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما { [سورة الحجرات:9].

(1/108)


(فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه.
(وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة
ص138
والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) (1).
ولما كان الولاء والبراء مبنيين على قاعدة الحب والبغض كما أسلفنا فيما سبق فإن الناس في نظر أهل السنة والجماعة – بحسب الحب والبغض والولاء والبراء – ثلاثة أصناف:
الأول: من يحب جملة. وهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علما وعملا واعتقادا. وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهى عما نهى الله عنه، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول كل أحد كائنا من كان (2).
__________
(1) 70) انظر مجموع الفتاوى (ج28/208 – 209) .
(2) 71) إرشاد الطالب لابن سحمان (ص13) .

(1/109)


الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه، فهو المسلم الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، فيحب ويوالي على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادي على قدر ما معه من الشر ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.. وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار (1). وهو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) (2) مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه (3).
ص139
__________
(1) 72) عبد الله بن حمار هكذا أورده ابن سحمان والموجودة في (صحيح البخاري) : (12/75) أنه عبد الله ، كان يلقب حمارا .وقال ابن حجر : كان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويضحكه في كلامه . انظر الاصابة (ج4/275) تحقيق البخاري .
(2) 73) صحيح البخاري كتاب الحدود باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة (ج12/75 ح 6780) .
(3) 74) سنن أبي داود : (ج4/82، ح3764) كتاب الأشربة ، وابن ماجة : (ج2/122، ح3380) في الأشربة وقال الشيخ الألباني : صحيح . انظر صحيح الجامع الصغير (ج5/19 ح 4967) .

(1/110)


الثالث: من يبغض جملة وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره وأنكر البعث بعد الموت، وترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحدا من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعا من أنواع العبادة كالحب والدعاء، والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل، والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر والإبانة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق، أو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك كل من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها (1).
فأهل السنة والجماعة – إذن – يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاء كاملا ويحبونه وينصرونه نصرة كاملة، ويتبرأون من الكفرة والملحدين والمشركين والمرتدين ويعادونهم عداوة وبغضا كاملين. أما من خلط عملا صالحا وآخر سيئا فيوالونه بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادونه بحسب ما هو عليه من الشر.
وأهل السنة والجماعة يتبرأون ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى:
{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم{ [سورة المجادلة:22].
ويمتثلون لنهيه تعالى في قوله:
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون {23} قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم
ص140
__________
(1) 75) ارشاد الطالب (ص19) .

(1/111)


وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين{ [سورة التوبة:23-24].
ويلخص الإمام ابن تيمية مذهب أهل السنة والجماعة فيقول:
(الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرا وجبت معاداته من أي صنف كان.
قال تعالى:
{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون {55} ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون{ [سورة المائدة: 55-56].
وقال:
{يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض{ [سورة المائدة: 51].
وقال:
{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض{ [سورة التوبة:71].
ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج والمعتزلة.
ص141
ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة
قال تعالى:
{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما
إلى قوله:
إنما المؤمنون إخوة{ [سورة الحجرات: 9-10].
فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.

(1/112)


(... ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم بشهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك) (1).
الولاء والبراء القلبي:
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع أن الولاء القلبي وكذلك العداوة يجب أن تكون كاملة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فأما حب القلب وبغضه، وإرادته وكراهته، فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل.
ذلك أن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله، وبغض الله ورسوله وهذا نوع من الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من
ص142
الله{ [سورة القصص: 50].(2)
موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب البدع والأهواء:
يدخل في معتقد أهل السنة والجماعة البراءة من أرباب البدع والأهواء.
والبدعة: مأخوذة من الابتداع وهو الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذي ولا ألف مثله ومنه قولهم: ابتدع الله الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى:
{بديع السماوات والأرض{ [سورة البقرة: 117].
وقوله: {قل ما كنت بدعا من الرسل{ [سورة الأحقاف: 9].
أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.
__________
(1) 76) مجموع الفتاوى لابن تيمية (ص 108 –201) الطبعة الأولى سنة 1349 هـ مطبعة المنار بمصر .
(2) 77) شذرات البلاتين (ج1/354) و(الأمر المعروف لابن تيمية).

(1/113)


وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (1).
قال ابن الجوزي:
((البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتدع. والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان))(2).
ص143
ولقائل أن يقول: ما شأننا الآن وأصحاب البدع لا سيما وأنت تتكلم عن ولاء الكفار والبراء منهم وموالاة المؤمنين ونصرتهم؟؟
والجواب على ذلك: أولا: أن البدعة خطرها عظيم وكبير، والدليل على ذلك أنها تنقسم إلى رتب متفاوتة ما بين الكفر الصريح إلى الكبيرة والصغيرة، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي:
(البدعة تنقسم إلى رتب متفاوتة منها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بقوله:
{وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا{ [سورة الأنعام: 136].
وقوله تعالى:
{وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء { [سورة الأنعام: 139].
وقوله:
{ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام{[سورة المائدة: 103].
وكذلك بدعة المنافقين حين اتخذوا الدين ذريعة بحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح)(3).
وقضية التحليل والتحريم خصوصية لله عز وجل، فمن ادعى التحليل والتحريم فقد شرع ومن شرع فقد أله نفسه. وكما أن الله سبحانه وتعالى هو
ص144
الخالق فهو أيضا صاحب الأمر والسلطان، قال تعالى:
{ألا له الخلق والأمر{ [سورة الأعراف: 54].
وقال سبحانه:
__________
(1) 78) كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي (38 – 39) تحقيق محمد الطالبي .
(2) 79) تلبيس إبليس (ص26) .
(3) 80) الاعتصام (ج2/37) .

(1/114)


{ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب { [سورة النحل:116].
فهذه البدعة الكفرية وأمثالها لأصحابها منا العداء والبغض والكره والجهاد بعد الإعذار والإنذار،. والبراءة منهم لا تختلف عن البراءة من الكافر الأصلي. فقد قال صلى الله عليه وسلم ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (1)
قال البغوي:
(وقد اتفق علماء السنة على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم) (2).
ونعود لرتب البدع كما ذكرها الشاطبي فقال:
(ومن البدع ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف فيها هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر، كبدعة التبتل (3) والصيام قائما في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.
ومنها: ما هو مكروه كالاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في
ص145
خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي (4) وما أشبه ذلك)(5).
فأرباب هذه البدع يتبرأ منهم أهل السنة والجماعة.
__________
(1) 81) رواه البخاري في الصلح (ج5/301 ح 2697) ومسلم كتاب الأقضية (3/1343 ح 1718) .
(2) 82) شرح السنة (ج1/227) .
(3) 83) التبتل : هو الانقطاع عن الدنيا إلى الله . انظر مختار الصحاح ص 53 .
(4) 84) هو سلطان العلماء عبد العزيز السلمي الدمشقي فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد ولد سنة 577 هـ وتوفي سنة 660 هـ من مؤلفاته التفسير الكبير ، والإلمام في أدلة الأحكام ، وقواعد الشريعة وقواعد الأحكام والفتاوى . انظر الأعلام للزركلي (ج4/21) الطبعة الرابعة وفية أن له ترجمة في فوات الوفيات (ج1/287) وطبقات السبكي (ج5/80) والنجوم الزاهرة (7/208) وذيل الروضتين 216 – ومفتاح السعادة 2/212 .
(5) 85) الاعتصام (ج2/37) .

(1/115)


ثانيا لخطورة البدع على الدين أورد هنا نماذج من أقوال سلف الأمة في التحذير من البدع وأصحابها. ومن ذلك ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث يقول:
((من كان مستنا فليستن بمن قد مات: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم كانوا على الهدى المستقيم)(1). وقال سفيان الثوري رحمه الله: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها (2) .
وقال الإمام مالك رحمه الله: من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين، لأن الله تعالى يقول:
{اليوم أكملت لكم دينكم{[سورة المائدة:3].
فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا (3).
ص146
وذكر الشاطبي رحمه الله أن مفاسد البدع تنحصر في أمرين:
(1) أنها مضادة للشارع، ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة لا منصب المكتفي بما حد له.
(2) أن كل بدعة – وإن قلت – تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقا بما هو مشروع فيكون قادحا في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدا، لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير – قل أو كثر – كفر (4).
__________
(1) 86) شرح السنة للبغوي (ج1/214) .
(2) 87) شرح السنة للبغوي (1ج/216) .
(3) 88) الاعتصام (ج2/53) .
(4) 89) الاعتصام (ج2/61) بتصرف بسيط .

(1/116)


ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم ((كل بدعة ضلالة))(1) وقوله صلى الله عليه وسلم ((من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)) (2).
وقال أحد علماء السلف:
(لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون)(3).
فالخلاصة: أنه من معتقد أهل السنة والجماعة البراء من البدعيين خاصة أصحاب البدع الكفرية ولذلك سيرد مزيد من تفصيل هذا في الباب الثاني إن شاء الله.

ص147
الفصل الرابع
أسوة حسنة في الولاء والبراء من الأمم الماضية
أ- إبراهيم الخليل عليه السلام :
لقد كان نبي الله إبراهيم عليه السلام: أسوة حسنة وقدوة طيبة في ولائه لربه ودينه وعباد الله المؤمنين، وبرائه ومعاداته لأعداء الله ومنهم أبوه.
لقد كانت سيرة نبي الله إبراهيم عليه السلام مع قومه كأي نبي رسول حيث دعاهم بالتي هي أحسن إلى عبادة الله وتوحيده، وإفراده بالعبادة، والكفر بكل طاغوت يعبد من دون الله.
قال تعالى:
{واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا {41}إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا {42}يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا {43}يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا {44} يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا {45} قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك
__________
(1) 90) صحيح مسلم كتاب الجمعة (2ج/592 ح 867) .
(2) 91) صحيح مسلم كتاب العلم (ج4/2060 ح 2674) .
(3) 92) شرح السنة للبغوي (ج1/227) .

(1/117)


ص148
واهجرني مليا {46}قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا {47}وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا {48}فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا { [سورة مريم: 41 – 49].
تلك هي نقطة البدء في دعوة خليل الرحمن، دعوة بالحسنى، مبتدئا بأقرب الناس إليه، فإن لم يكن هناك تجاوب مع هذه الدعوة فالاعتزال لهذا الباطل وأصحابه عل في ذلك ردا وزجرا وتفكرا في هذا الأمر الجديد، ونجاة للداعي من مشاركة أهل الباطل في باطلهم إذا كان لابد له من مخالطتهم ومعاشرتهم وعدم تمكنه من الهجرة من أرضهم.
ثم يمضي القرآن في بيان دعوة إبراهيم عليه السلام، مبينا أنه استخدم مع قومه كل حجة ودليل:
{واتل عليهم نبأ إبراهيم {69} إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون {70} قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين {71} قال هل يسمعونكم إذ تدعون {72} أو ينفعونكم أو يضرون {73} قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون {74} قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون {75} أنتم وآباؤكم الأقدمون {76} فإنهم عدو لي إلا رب العالمين{ [سورة الشعراء70-78].
ص149
ولما لم يجدوا حجة وإنما هو التقليد الأعمى لفعل الآباء والأجداد قال لهم إبراهيم عليه السلام أنا عدو آلهتكم، وهذا كما قال نوح عليه السلام فيما أخبر الله عنه بقوله:
{فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون { [سورة يونس: 71].
وقال هود عليه السلام:

(1/118)


{إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون {54} من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون {55} إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم{ [سورة هود:54 – 56].
وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده { (1) [سورة الممتحنة: 4].
ص150
وعقيدة إبراهيم عليه السلام هذه هي التي عبر عنها علماؤنا الأجلاء علماء سلف هذه الأمة بقولهم: لا موالاة إلا بالمعاداة. كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله:
(لا تصح الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين، أنه قال لقومه:
(أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة. فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بالبراء من كل معبود سواه قال تعالى:
{وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براءؤا مما تعبدون {26} إلا الذي فطرني فإنه سيهدين {27} وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون{ [سورة الزخرف: 26-28].
__________
(1) 93) انظر تفسير الآيات السابقة في ابن كثير (ج6 / 156) .

(1/119)


(أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، وهي كلمة لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة) (1).
ويقول الإمام الطبري:
قد كانت لكم يا أمة محمد أسوة حسنة في فعل إبراهيم والذين معه في هذه الأمور من مباينة الكفار، ومعاداتهم، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم
{لأستغفرن لك{ [سورة الممتحنة: 4].
(فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك لأن ذلك كان من إبراهيم عن موعدة ودعدها إياه، قبل أن يتبين له أنه عدو لله فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، فتبرأوا من
ص151
أعداء الله، ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده ويتبرؤا من عبادة ما سواه، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء (2).
وقد كان من نتيجة هذه المعاداة وهذا البراء القوي أن أجمع الطغاة على قتل إبراهيم – كما هو حال كل طاغية على مر عصور التاريخ في إبادة الدعاة إلى الله، لا لشيء إلا أنهم يدعونهم إلى عبادة الله وحده -
{وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد{ [سورة البروج:8].
وجمعوا له نارا عظيمة فكانت رعاية الله وحفظه تحوطان خليله الصادق عليه الصلاة والسلام فصارت النار بردا وسلاما عليه
{قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم {97} فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين { [سورة الصافات: 97 – 98].
(لقد عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب جل جلاله، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى:
__________
(1) 94) الجواب الكافي (ص213) وانظر تفسير ابن كثير (ج7/212) ومجموعة التوحيد (ص133) .
(2) 95) تفسير الطبري (28/62)

(1/120)


{قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين {68} قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم {69} وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين{ (1) [سورة الأنبياء: 68-70].
ص152
وتأتي التوجيهات الربانية لخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم باتباع ملة أبيه إبراهيم عليه السلام
{ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين{ [سورة النحل: 123]
{قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين{ [سورة آل عمران: 95].
{وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين{ [سورة البقرة 135].
{إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين{ [سورة آل عمران: 68].
{ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا{ [سورة النساء: 125].
{وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل
ص153
عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل{ [سورة الحج: 78].
{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه{ [سورة البقرة: 130].
__________
(1) 96) قصص الأنبياء ، للحافظ ابن كثير (1/181) وانظر تفاصيل القصة في نفس المصدر

(1/121)


فهذه الأخبار من الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عن فعل إبراهيم عليه السلام من أجل الاقتداء به في الإخلاص، والتوكل على الله وحده، وعبادة الله وحده والبراء من الشرك وأهله ومعاداة الباطل وحزبه.
(ب) أمثلة أخرى على طريق الحق والهدى:
كما سبق أن ذكرنا أن دعوة الأنبياء واحدة. دعوة لعبادة الله وحده وإفراده بالدينونة والتأله والحب والرضى بحكمه وشرعه، والبراءة من كل طاغوت معبود من دون الله سواء بالرغبة أو الرهبة
{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت{ [سورة النحل: 36].
فإننا نجد أمثلة مشرقة ونماذج إيمانية رفيعة على طريق العقيدة الغراء.
إنهم المؤمنون، أينما وحيثما كانوا وحلوا وفي أي عصر ومصر عاشوا. يوردها ربنا تبارك وتعالى في محكم تنزيله، حتى تكون لنا أسوة حسنة. وتسلية لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عما كان يلاقيه هو وصحابته الأخيار.
وما أحوج الداعية المسلم – وهو الحريص على حب الخير لكل الناس – أن يتدبر هذه الأمثلة والنماذج الإيمانية فسيجد فيها العزاء والتسلية فيما يلاقيه من
ص154
مشقة وعنت. وإذا كانت هذه سنة الله في أنبيائه وعباده الصالحين أن يتعرضوا للأذى والعنت – وهم أكرم خلق الله على الله – فمن باب أولى أن يلاقي دعاة الهدى والخير صنوفا شتى من الأذى والسخرية والاستهزاء والعذاب وسيجدون معية الله تصحبهم وترعاهم وحفظه وقدره يحوطهم. وكل ما يلقونه إنما هو ابتلاء واختيار كما قال تعالى:
{ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب{ [سورة آل عمران: 179].

(1/122)


وحين يثبت المؤمنون على الحق، ويتوكلون على الله حق توكله، ويخافونه وحده، ولا يخافون إلا الله، فسيكون هذا دافعا عظيما لدخول الناس في دين الله، والاهتداء بهديه، والاقتداء بهؤلاء الصادقين الذين ضحوا بكل غال ونفيس، وزهدوا فيما عند الناس راغبين ومؤملين فيما عند الله.
ومن هذه الأمثلة التي نريد الحديث عنها باختصار، نوح عليه الصلاة والسلام فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يؤمن معه إلا القليل، والموقف الذي نريد أن نتحدث عنه من مواقفه عليه السلام هو موقفه مع ابنه الذي عصاه وأبى أن يستجيب لدعوة أبيه. قال تعالى:
{ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين {42} قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين {43}وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت
ص155
على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين {44} ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين {45} قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين {46} قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين{ [سورة هود: 42 – 47].

(1/123)


" إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين ليست وشيجة الدم والنسب، وليست وشيجة الأرض والوطن، وليست وشيجة القوم والعشيرة. وليست وشيجة اللون واللغة. ولا الجنس والعنصر، ولا الحرفة والطبقة إنها وشيجة العقيدة.
"أما الوشائج الأخرى فقد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد.
(ويبين الله لنوح لماذا لا يكون ابنه من أهله؟ " إنه عمل غير صالح " فوشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما " فلا تسألن ما ليس لك به علم " إنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك) (1).
وهنا يأتي الإذعان الكامل والخوف من الله سبحانه وطلب مرضاته ورحمته فيقول عبده الصالح نوح {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}.
ص156
لقد استعلى نبي الله على العاطفة ورضي بحكم الله، فلا لجاجة ولا التواء، ولا معذرة ولا تأويل، بل تسليم مطلق، واتباع لما يحب الله ويرضى، واعرض عما يكره ويبغض وولاء بمن يحب الله وبراء وعداء لمن حاد الله ولو كان أقرب قريب.
ولم يكن شأن نبي الله نوح عليه السلام هذا مقصورا على هذا الابن الكافر، بل أيضا مع زوجته، ويا له من امتحان عظيم في الزوجة والابن!
هذه الزوجة تحدث عنها القرآن وعن نظيرة لها وشبيهة بفعلها وهي زوجة لوط عليه السلام، فقد ابتلى هذان النبيان بزوجتين فاسدتين ذكرهما الله لنا مثلا في كتابه العزيز فقال:
{ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين{ [سورة التحريم: 10].
على أن مما يجب التنويه عنه هنا – استطرادا – أن هذه الخيانة في الدين، وليست في الفاحشة، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء عليهم السلام.
__________
(1) 97) في ظلال القرآن (4/1887)

(1/124)


أما امرأة نوح فكانت تفشي سره، إذا آمن معه أحد أخبرت الجبابرة من قومها، وامرأة لوط تخبر قومها بضيوف زوجها من أجل فعل السوء القبيح (1).
وعلى النقيض من هذا الفعل المشين من هاتين المرأتين يضرب لنا القرآن مثلا عاليا في الإيمان والاستعلاء على الكفار من قبل امرأة مؤمنة هي زوجة فرعون اللعين قال تعالى:
{وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت
ص157
رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين{ [سورة التحريم: 11].
(إن هذه المرأة لم يصدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه، في قصر فرعون عن طلب النجاة وحدها، وقد تبرأت من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتا في الجنة وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه، وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس به. " ونجني من فرعون وعمله" وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش بينهم " ونجني من القوم الظالمين " أنه مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صورة، فقد كانت امرأة فرعون، أعظم ملوك الأرض يومئذ!! في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي! لقد استعلت على هذا بالإيمان ولم تعرض عنه فحسب، بل اعتبرته شرا ودنسا وبلاء تستعيذ بالله منه.
إنها امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية. وقفت وحدها في وسط ضغط المجتمع وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، ورفعت رأسها للسماء! إنه التجرد الكامل من كل هذه المؤثرات والأواصر) (2).
إن وقوف هذه المرأة أمام ذلك الجبار من الأهمية بمكان، عل في ذلك ما يدفع تثبيط الشيطان وحزبه لبعض دعاة الإسلام وهم يخافون أن يمسهم الناس بشيء لم يكتبه الله عليهم.
__________
(1) 98) انظر تفسير ابن كثير (8/198)
(2) 99) في ظلال القرآن (6/3622) بتصرف

(1/125)


ألا فلنأخذ من قرآننا عبرة وعظة،وشحنة عمل، ومنهاج دنيا وآخرة حتى نقوم بما كلفنا الله به وشرفنا بالانتساب إليه وهي الدعوة إلى الله.
يقول قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده ـ فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه (1)
ص158
وهناك أيضا نموذج آخر، وعلم من أعلام دعاة صراط الله المستقيم. أنه مثل رفيع في الولاء لله ودينه وعبادة الصالحين في النصرة والجهاد بقدر الطاقة لإعلاء كلمة الله، والبراءة من الكفار بعد إقامة الحجة والبرهان عليهم، إنه مؤمن آل فرعون.
لننظر في موقفه وفي ولائه حين عزم الطاغية فرعون على قتل رسول الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. لقد قال مؤمن آل فرعون كما حكاه القرآن عنه:
{وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب{[سورة غافر: 26].
واسم هذا الرجل حبيب النجار والمشهور أنه قبطيا من آل فرعون. وكان يكتم إيمانه عن قومه القبط، ولم يظهره إلا هذا اليوم حين قال فرعون
{ذروني أقتل موسى{ [سورة غافر: 26].
فأخذت الرجل غضبه لله عز وجل و(أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)(2).
__________
(1) 100) تفسير ابن كثير (8/199)
(2) 101) أخرجه أبو داود (4/514 ح 4344) في كتاب الملاحم والترمذي (6/338 ح 2175) في كتاب الفتن وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه ، وابن ماجة (2/1329 ح 4011) في الفتن ومسند أحمد (3/19) والنسائي في البيعة (7/161) وقال الألباني صحيح : انظر المشكاة (2/1094) .

(1/126)


ولا أعظم من هذه الكلمة وهي قوله أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله (1).
ص159
فانظر إلى ولاء هذا الرجل المؤمن لنبي الله موسى ونصرته له، وتدبر براءة من الطاغية حتى وهو يصب عليه العذاب.
وأخيرا نقف مع الفتية الصلحاء (أصحاب الكهف) الذين تركوا الأهل والولد والوطن والعشيرة حين علموا أنه لا طاقة لهم بمواجهة ومجابهة قومهم فنجوا بأنفسهم إلى ذلك الكهف الذي تجلت فيه معجزة عظيمة يسوقها الله لنا عبرة وعظة في حفظه لعباده الصالحين.
قال تعالى :
{إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى {13}وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا {14} هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا {15}وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا {[سورة الكهف: 13-16].
لقد كان موقف هؤلاء الفتية صريحا وواضحا وحاسما. وحين تتباين الطريقان ويختلف المنهجان لا يعود هناك سبيل إلى الالتقاء ولا للمشاركة في الحياة. بل لا بد من الفرار بالعقيدة.
انهم ليسوا رسلا إلى قومهم فيواجهوا بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل، إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها. وهم أيضا لا
ص160
يطيقون مداراة قومهم، وعبادة آلهتهم على سبيل التقية وإخفاء عبادتهم لله.
__________
(1) 102) انظر تفسير ابن كثر (7/130) .

(1/127)


على أن الأرجح أن أمرهم قد كشف فلا بد من الفرار بدينهم إلى الله، وقد فروا إلى كهف خشن ضيق، مؤثرين له على كل زينة من زينة الحياة الدنيا.
إنهم يستروحون رحمة الله ويحسونها ظليلة فسيحة ممتدة (ينشر لكم ربكم من رحمته) ولفظه (ينشر) تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب، تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها.
إنه الإيمان! وما قيمة الظواهر؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضية؟
إن هناك عالما آخر في جنبات القلب المعمور بالإيمان، المأنوس بالرحمن عالما تظلله الرحمة والرفق والاطمئنان والرضوان (1).
وهكذا تتعد الأمثال في جميع الوشائج والروابط، وشيجة الأبوة في قصة نوح ووشيجة البنوة والوطن في قصة إبراهيم، ووشيجة الأهل والعشيرة والوطن جميعا في قصة أصحاب الكهف، ورابطة الزوجية في قصص امرأتي نوح ولوط وامرأة فرعون.
هكذا يمضي الموكب الكريم حتى تجيء الأمة الوسط، فنجد هذا الرصيد من الأمثال والنماذج والتجارب، فتمضي على النهج الرباني للأمة المؤمنة وتفترق العشيرة الواحدة والبيت الواحد حيث تفترق العقيدة.
{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم{ [سورة المجادلة: 22].
ص161
__________
(1) 103) الظلال (4/2262) بتصرف بسيط .

(1/128)


لقد جمعت هذه العقيدة صهيبا الرومي وبلالا الحبشي، وسلمان الفارسي وأبا بكر العربي القرشي تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله (وتوارت عصبية القبيلة والجنس والأرض وقال لهم صلى الله عليه وسلم (دعوها فإنها منتنة)(1). وقال (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية)(2) فانتهى أمر هذا النتن، وماتت نعرة الجنس. واختفت لوثة القوم، واستروح البشر أرج الآفاق العليا، ومنذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض وإنما وطنه هو (دار الإسلام)، تلك الدار التي تسيطر عليها عقيدة، وتحكم فيها شريعة الله وحدها (3).
وتبقى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته الأخيار منار هدي وإصلاح لمن سلك ذلك السبيل، ورضي بذلك النهج القويم.
أما من حاد عن ذلك وابتعد فالله ليس بوليه، وإنما وليه (الطاغوت)
{والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون{ [سورة البقرة: 257].

ص162
الفصل الخامس
الولاء والبراء في العهد المكي
كان الحديث في الفصل السابق عن أمثلة مشرقة، وصور مضيئة من ولاء وبراء الأنبياء والرسل، والصالحين عبر تاريخ البشرية الطويل.
ونتحدث هنا عن الولاء والبراء من خلال سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مستمدين ذلك من الوحيين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكتب السير والمغازي.
__________
(1) 104) صحيح البخاري (8/648 ح 4095) كتاب التفسير وصحيح مسلم (4/1999 ح 2584) كتاب البر والصلة.
(2) 105) صحيح مسلم (ج 3/1476 ح 1848 و ح 1850) كتاب الإمارة وأبو داود (5/342 ح 5121) كتاب الأدب.
(3) 106) انظر معالم في الطريق (ص 143) .

(1/129)


وقد اعتمدنا في تقسيم الآيات إلى مكي ومدني، على ما ذكره العلماء في كتب التفسير وعلوم القرآن من أن المكي: - على الأشهر – هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها (1).
وسبق أن قلنا في التمهيد: أن المسلم منذ أن يعلن شهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإن ذلك يعني إفراد الله سبحانه وتعالى بالوحدانية والألوهية والربوبية وخلع كل ولاء وعبودية وطاعة وخضوع وخوف ورجاء لأي معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله. وقصر هذا الولاء والحب والتعظيم لله سبحانه وتعالى.
وقد نزل الوحي الآلهي أول ما نزل على المصطفى صلى الله عليه وسلم في غار حراء بقوله سبحانه:
{اقرأ باسم ربك الذي خلق {1}خلق الإنسان
ص163
من علق {2} اقرأ وربك الأكرم {3} الذي علم بالقلم {4} علم الإنسان ما لم يعلم{ [سورة العلق: 1-5]
ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى:{يا أيها المدثر {1}قم فأنذر {2}{ [سورة المدثر: 1-2].
وبدأ المصطفى صلى الله عليه وسلم يدعو الناس سرا إلى الإسلام وأسلم معه نفر قليل، منهم أبو بكر الصديق، وعلى بن أبي طالب وخديجة بنت خويلد زوجته رضي الله عنهم جميعا. وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرس في نفوس أصحابه محبة لله ومحبة رسوله والاجتماع على ذلك وإخلاص الحب والولاء والنصرة للمؤمنين وبغض الكفر والشرك وأهله وهذا هو لازم كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله.
__________
(1) 107) انظر : الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (1/37) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم .

(1/130)


وهنا نشأت الوشيجة الجديدة وشيجة العقيدة في نفوس المؤمنين وبدأ يقر في نفوسهم أن هذه هي الرابطة الحقيقية. هي الرابطة التي تطمئن لها نفس المؤمن ومع نمو هذه الغرسة الجديدة بدأت تذبل شجرة العصبية الجاهلية، والروابط الجاهلية، وبدأت نظرة الريب والاحتقار لتلك الروابط تكبر يوما فيوما في نفس كل من آمن بالله ورسوله.

الملتقى الأول
وأولى خطوات الطريق
اختار المصطفى صلى الله عليه وسلم دار الأرقم لتلقين من آمن معه أمور هذا الدين. ولقد كانت هذه الدار هي الملتقى الأول لأولئك القادة العظام، كانت هي الدار التي بدأ يشع منها ذكر الله وتوحيده في الأرض.
ص164
ترى ما هو حال المسلمين آنذاك؟ وماذا بعد النطق بالشهادتين؟
يجيب على ذلك الأستاذ سيد قطب رحمه الله فيقول: إنه لم يكن للإسلام والمسلمين في مكة شريعة ولا دولة، ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية، ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة. وكان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، ويبدأ عهدا جديدا، منفصلا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية. إنه يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف.
(لقد كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، ونشأت عن هذه العزلة، عزلة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية أيضا.
(إنه قد انفصل نهائيا من بيئة الجاهلية، واتصل نهائيا ببيئته الإسلامية، حتى لو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي.
فالعزلة الشعورية شيء، والتعامل اليومي شيء آخر.

(1/131)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية