صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ أقاويل الثقات - الكرمي ]
الكتاب : أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات
المؤلف : مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي
الناشر : مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1406
تحقيق : شعيب الأرناؤوط
عدد الأجزاء : 1

بسم الله الرحمن الرحيم
قال العبد الفقير إلى الله تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي
الحمد لله المنزه عما يخطر بالبال أو يتوهم في الفكر والخيال المحتجب برداء العز والجلال لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير تحيرت العقول في حقيقة ذاته وتخبطت الأفهام في أسمائه وصفاته واندهشت الأبصار في جلال حضراته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
والصلاة والسلام على من منحته بغاية تكرمتك وخصصته بمشاهدة رؤيتك وهو مع ذلك يقول سبحانك ما عرفناك حق معرفتك يا من لا مثل له ولا نظير وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا طريق الأدب مع الله ورسوله وسلموا فسلموا من مزلة القدم ومذلة التقصير
وبعد فإن العلم بالتفسير أمر مهم والعلم بالتأويل أهم وتصفية القلب من شوائب الأوهام أسنى وأتم ومن السلامة للمرء

(1/45)


في دينه اقتفاء طريقة السلف الذين أمر أن يقتدي بهم من جاء بعدهم من الخلف فمذهب السلف أسلم ودع ما قيل من أن مذهب الخلف أعلم فإنه من زخرف الأقاويل وتحسين الأباطيل فإن أولئك قد شاهدوا الرسول والتنزيل وهم أدرى بما نزل به الأمين جبريل ومع ذلك فلم يكونوا يخوضون في حقيقة الذات ولا في معاني الأسماء والصفات ويؤمنون بمتشابه القرآن وينكرون على من يبحث عن ذلك من فلانة وفلان
وإنكار الإمام مالك على من سأله عن معنى الإستواء أمر مشهور وهو في عدة من الكتب منقول مسطور

(1/46)


هذا وقد أحببت أن أذكر بعض كلام الأئمة الخائضين في معاني الأسماء والصفات الواردة في الأحاديث والآيات وإن كان الأولى ترك ذلك خوف الوقوع في الزلل الذميم لكن لا بأس بذلك مع قصد الإرشاد والتعليم
هذا ولم أقف في هذا الفن على مصنف ولم أظفر فيه بمؤلف وإنما جمعته من كلام الأئمة مفرقا وذممته هنا ملفقا يحتاج إليه الطالب وهو من أجل المطالب وسميته
أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات
فأقول وبالله التوفيق ومنه أرجو الهداية إلى أقوم طريق
مقدمة
أعلم وفقك الله أن التفسير هو بيان معنى اللفظ

(1/47)


الخفي والتأويل هو أن يراد باللفظ ما يخالف ظاهره أو هو صرف اللفظ عن ظاهره لمعنى آخر وهو في القرآن كثير ومن ذلك آيات الصفات المقدسة وهي من الآيات المتشابهات
وقد اختلفوا فقيل القرآن كله محكم لقوله تعالى كتاب أحكمت آياته هود 1
وقيل كله متشابه لقوله تعالى نزل أحسن الحديث كتابا متشابها الزمر 23
والأصح إنقسامه إليهما والمراد بأحكمت آياته أتقنت

(1/48)


وتنزهت عن نقص يلحقها رب متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز
واختلفوا في المحكم والمتشابه
فقيل المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه
وقيل المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل أوجها
وقيل المحكم ما تأويله تنزيله والمتشابه ما لا يدرى إلا بالتأويل
وقيل المحكم ما لم تتكرر ألفاظه والمتشابه القصص والأمثال
وقيل المحكم ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما ينفرد الله بعلمه
وقيل المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور وما سوى ذلك محكم وقيل غير ذلك
وقال جماعة من الأصوليين المحكم ما عرف المراد منه قيل ولو بالتأويل والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كالحروف المقطعة وهو معنى قول بعضهم إن المحكم هو المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال والمتشابه ما يتعارض

(1/49)


فيه الإحتمال ويجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة كالقرء وكاللمس المتردد بين المس والوطء وقد يطلق على ماورود في صفات الله تعالى مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى تأويله
قيل والحكمة في المتشابه الإبتلاء بإعتقاده فإن العقل مبتلى بإعتقاد حقيقة المتشابه كإبتلاء البدن بأداء العبادة
وقيل هو لإظهار عجز العباد كالحكيم إذا صنف كتاب أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره ولأنه لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف ما في الإنسان لاستمر في أبهة العلم على التمرد فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها
وقال الفخر من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات وقال إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة

(1/50)


بهذا القرآن إلى قيام الساعة ثم إنه يتمسك به كل ذي مذهب على مذهبه فالجبري يتمسك بآيات الجبر كقوله وجعلنا على قلوبهم أكنة الآية الأنعام 25 الإسراء 46
والقدري يقول هذا مذهب الكفار لقوله وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر فصلت 5 وقوله وقالوا قلوبنا غلف البقرة 88
ومنكر الرؤية يتمسك بقوله لا تدركه الأبصار الأنعام 102
ومثبت الجهة بآيات الجهة وغير ذلك ويسمي كل واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة له متشابهة فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجع في الدين هكذا
قال والجواب أن العلماء ذكروا لذلك فوائد كمزيد المشقة لزيادة الثواب وليجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب يعني فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ في الفروع فله أجر وفي الأصول خلاف إلى غير ذلك من الفوائد
واختلفوا هل المتشابه مما يعلم على قولين منشؤهما الوقف على الله أو العلم في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم آل عمران 7

(1/51)


قال الإمام الخطابي مذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية على الله وأن ما بعده وهو قوله والراسخون في العلم استئناف روي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة
ومال إلى هذا الحافظ السيوطي في الإتقان وحكاه عن الأكثرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم خصوصا أهل السنة قال وهو أصح الروايات عن ابن عباس
قال ويدل لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبدالرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ وما يعلم تأوليه إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به فهذا يدل على أن الواو للإستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه
وعن الفراء أن في قراءة أبي بن كعب أيضا ويقول

(1/52)


الراسخون
وعن الأعمش قال في قراءة ابن مسعود وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به
وذهب قوم إلى أن الواو في قوله والراسخون للعطف لا للإستئناف منهم مجاهد والضحاك والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر ويروى أيضا عن ابن عباس
قال ابن عباس أنا ممن يعلم تأويله
ورجح هذا جماعات من المحققين كابن فورك والغزالي والقاضي أبي بكر بن الطيب وقال النووي إنه الأصح وابن الحاجب إنه المختار محتجين أن الله تعالى لا يخاطب العرب بما لا سبيل إلى معرفته لأحد من الخلق وأيضا فالإيمان به واجب على عموم المؤمنين فلا يبقى لوصفهم بالرسوخ في العلم وأنهم أولوا الألباب فائدة تميزهم عن عموم المؤمنين
وقال أهل التحقيق والتحقيق أن المتشابه يتنوع
فمنه ما لا يعلم بيقين ألبتة كالحروف المقطعة في أوائل السور والروح والساعة مما استأثر الله بغيبه وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره
ومن قال من العلماء الحذاق إن الراسخين لا يعلمون

(1/53)


المتشابه فإنما أراد هذا النوع
وأما ما يمكن حمله في وجوه اللغة فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ويزال ما فيه من تأويل غير مستقيم
وقال الخطابي المتشابه على ضربين
أحدهما ما إذا رد إلى المحكم واعتبر به عرف معناه
والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كنهه فيرتابون فيه فيفتنون
وقال الإمام الراغب جميع المتشابه على ثلاثة أضرب
ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك
وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ العربية والأحكام الغلقة
وضرب متردد بين الأمرين يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه و سلم لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل

(1/54)


قال وإذا عرفت هذا عرفت أن الوقوف على قوله وما يعلم تأويله إلا الله ووصله بقوله والراسخون في العلم جائزان وأن لكل واحد منهما وجها حسبما دل عليه التفصيل المتقدم
وقال أيضا والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه انتهى
وهو كلام في غاية الحسن والتحقيق
واختلفوا هل يجوز الخوض في المتشابه على قولين
مذهب السلف وإليه ذهب الحنابلة وكثير من المحققين عدم الخوض خصوصا في مسائل الأسماء والصفات فإنه ظن والظن يخطئ ويصيب فيكون من باب القول على الله بلا علم وهو محظور ويمتنعون من التعيين خشية الإلحاد في الأسماء والصفات ولهذا قالوا والسؤال عنه بدعة فإنه لم يعهد من الصحابة التصرف في أسمائه تعالى وصفاته بالظنون وحيث عملوا بالظنون فإنما عملوا بها في تفاصيل الأحكام الشرعية لا في المعتقدات الإيمانية
وروى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية هو الذي أنزل عليك

(1/55)


الكتاب إلى قوله أولوا الألباب آل عمران 7 قالت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم
وروى الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لاأخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الحديث
وفي حديث ابن مردويه إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به

(1/56)


وروى الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا وروى البيهقي في الشعب نحوه من حديث أبي هريرة
وروى ابن جرير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس موقوفا بنحوه
وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي

(1/57)


الله عنه قال نؤمن بالمحكم وندين به ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به وهو من عند الله كله
وروى أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه
وروى الدارمي في مسنده عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال من أنت قال عبدالله بن صبيغ فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه
وفي رواية فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ثم أعاد عليه الضرب ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعيده عليه فقال إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا أو ردني إلى أرضي فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين

(1/58)


وفي كتاب الفروع لابن مفلح الحنبلي وعمر بن الخطاب أمر بهجر صبيغ بسؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات انتهى
وهذا منه رضي الله عنه لسد باب الذريعة
والآية الشريفة قد دلت على ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة وعلى تمدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه كما مدح الله المؤمنين بالغيب
وقال الإمام فخر الدين صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل وهو إما لفظي أو عقلي فالأول لا يمكن إعتباره في المسائل الأصولية لأنه لا يكون قاطعا لأنه موقوف على انتفاء الإحتمالات العشرة المعروفة وانتفاؤها مظنون والوقوف على المظنون مظنون والظني لا يكتفى به في الأصول
وأما العقلي فإنما يفيد صرف اللفظ عن ظاهره لكون الظاهر محالا
وأما إثبات المعنى المراد فلا يمكن بالعقل لأن طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز وتأويل على تأويل وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدليل اللفظي والدليل اللفظي في الترجيح ضعيف لا يفيد إلا الظن والظن لا يعول عليه في المسائل الأصولية

(1/59)


القطعية فلهذا اختار الأئمة المحققون من السلف والخلف بعد إقامة الدليل القاطع على أن حمل اللفظ على ظاهره محال ترك الخوض في تعيين التأويل انتهى
وتوسط ابن دقيق العيد فقبل التأويل إن قرب في لسان العرب نحو على ما فرطت في جنب الله الزمر 56 أي في حقه وما يجب له لا إن بعد أي كتأويل استوى باستولى
إذا تقرر هذا فاعلم أن من المتشابهات آيات الصفات التي التأويل فيها بعيد فلا تؤول ولا تفسر
وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها
فقد روى الإمام اللالكائي الحافظ عن محمد بن الحسن قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه
وقد روى اللاكائي أيضا في السنة من طريق قرة بن

(1/60)


خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى طه 5 الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعه والبحث عنه كفر
وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبيل الرأي
وقال الإمام الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري وابن المبارك ومالك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم
وذكرت في كتابي البرهان في تفسير القرآن عند قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام البقرة 210 وبعد أن ذكرت مذاهب المتأولين أن مذهب السلف هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى

(1/61)


قال ابن عباس هذا من المكتوم الذي لا يفسر فالأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى وعلى ذلك مضت أئمة السلف
وكان الزهري ومالك والأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون في هذه الآية وأمثالها أمروها كما جاءت
وقال سفيان بن عيينة وناهيك به كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله
وسئل الإمام ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات فقال ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب أئمة الدين مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن المبارك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف يتكلمون في ذلك وينهون أصحابهم عن الخوض فيه ويدلونهم على الكتاب والسنة
وسمع الإمام أحمد شخصا يروي حديث النزول ويقول

(1/62)


ينزل بغير حركة ولا انتقال ولا تغير حال فأنكر أحمد ذلك وقال قل كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو كان أغير على ربه منك
وقال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول يفعل الله ما يشاء
وقال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء
واعلم أن المشهور عند أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة كالمجيء والإتيان في الظلل والنزول كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف
وفي كتاب الفقه الأكبر في العقائد تصنيف الإمام أبي حنيفة وهو سبحانه شيء لا كالأشياء بلا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا حد له ولا ضد له ولا ند ولا مثل وله يد ووجه ونفس فما ذكر الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والإعتزال ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف والقضاء والقدر والمشيئة صفاته في الأزل بلا كيف انتهى

(1/63)


قال العلامة ابن الهمام إن الإصبع واليد صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه أعلم وسيأتي تتمة كلامه
ومن العجب أن أئمتنا الحنابلة يقولون بمذهب السلف ويصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ومع ذلك فتجد من لا يحتاط في دينه ينسبهم للتجسيم ومذهبهم أن المجسم كافر بخلاف مذهب الشافعية فإن المجسم عندهم لا يكفر فقوم يكفرون المجسمة فكيف يقولون بالتجسيم وإنما نسبوا لذلك مع أن مذهبهم هو مذهب السلف والمحققين من الخلف لما أنهم بالغوا في الرد على المتأولين للإستواء واليد والوجه ونحو ذلك كما يأتي وهم وإن أثبتوا ذلك متابعة للسلف لكنهم يقولون كما هو في كتب عقائدهم إنه تعالى ذات لا تشبه الذوات مستحقة للصفات المناسبة لها في جميع ما يستحقه
قالوا فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف تلقي في التسمية بالقبول ووجب إثباته له على ما يستحقه ولا يعدل به عن حقيقة الوصف إذ ذاته تعالى قابلة للصفات اللائقة بها
قالوا فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه ولا نزيد عليه

(1/64)


فإن ظاهر الأمر في صفاته سبحانه أن تكون ملحقة بذاته فإذا امتنعت ذاته المقدسة من تحصيل معنى يشهد الشاهد فيه معنى يؤدي إلى كيفية فكذلك القول فيما أضافه إلى نفسه من صفاته
هذا كلام أئمة الحنابلة ولا خصوصية لهم في ذلك بل هذا مذهب جميع السلف والمحققين من الخلف
قال الحافظ السيوطي في كتابه الإتقان من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو الرحمن على العرش استوى طه 5 كل شيء هالك إلا وجهه القصص 88 ويبقى وجه ربك الرحمن 27 ولتصنع على عيني طه 39 يد الله فوق أيديهم الفتح 10 لما خلقت بيدي ص 75 والسموات مطويات بيمينه الزمر 67
وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها
قال وذهبت طائفة من أهل السنة إلى أنا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف
قال وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال

(1/65)


في الرسالة النظامية الذي نرتضيه رأيا وندين الله تعالى به عقدا هو اتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر سائغا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة فإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب
وقال الإمام ابن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها انتهى
قلت وهذا القول هو الحق وأسلم الطرق فإنك تجد كل فريق من المتأولين يخطئ الأخر ويرد كلامه ويقيم البرهان على صحة قوله ويعتقد أنه هو المصيب وأن غيره هو المخطئ ومن طالع كلام طوائف المتكلمين والمتصوفين علم ذلك علم اليقين ... الناس شتى وآراء مفرقة ... كل يرى الحق فيما قال واعتقدا

(1/66)


قال أصحابنا أسلم الطرق التسليم فما سلم دين من لم يسلم لله ورسوله ويرد علم ما اشتبه إلى عالمه ومن أراد علم ما يمتنع علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة والإيمان والتعمق في الفكر ذريعة الخذلان وسلم الحرمان والإسراف في الجدال يوجب عداوة الرجال إذا علمت هذا فهذا أوان الشروع في المراد بعون الله تعالى
اعلم أيدني الله وإياك بروح منه أن من المتشابه صفات الله تعالى فإنه يتعذر الوقوف على تحقيق معانيها والإحاطة بها بل على تحقيق الروح والعقل القائمين بالإنسان وأهل الإسلام قد اتفقوا على إثبات ما أثبته الله لنفسه من أوصافه التي نطق بها القرآن من نحو سميع وبصير وعليم وقدير ونافي ذلك كافر لأنه مكذب لصريح القرآن
واختلفوا في المشتقات منها فقالت المعتزلة ومن وافقهم إنه تعالى عليم بذاته بصير بذاته سميع بذاته لا بعلم وسمع وبصر وهكذا بقية الصفات قد ثبتوا المشتق بدون المشتق منه فرارا من تعدد القدماء مع الله تعالى محتجين بما يطول تقريره قائلين لا يخبر عنه تعالى بما يخبر به عن شيء من خلقه إلا أن يأتي نص بشيء من ذلك فيوقف عنده وما لا فلا ولأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز وكل متحيز فجسم مركب أو جوهر فرد ومن قال ذلك فهو مشبه لأن الأجسام متماثلة

(1/67)


قالوا وأما كونه لا يعقل عليم إلا بعلم وسميع إلا بسمع وبصير إلا ببصر كضارب لا يعقل إلا بضرب وقائم بقيام فهذا في الشاهد وأما في الغائب فلا فقد صح النص بأن له تعالى عينا وأعينا فيلزمكم أن تقولوا إنه تعالى ذو حدقة وناظر لأنه لا يوجد في الشاهد إلا مثل ذلك ولا يكون ألبتة سميع في العالم إلا بأذن ذات صماخ
وقالوا أيضا التعليل بالإشتقاق في مثل ذلك ليس بحجة فقد علمنا يقينا أنه تعالى بنى السماء كما قال والسماء بنيناها الذاريات 47 ولا يجوز أن يسمى سبحانه بناء ونحو ذلك
وأجيب بأنه قد صرحت النصوص من الكتاب والسنة بإثبات الصفات كقوله تعالى أنزله بعلمه النساء 166 وقوله وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه فاطر 11 وقوله إن الله هو الرزاق ذو القوة الذاريات 58 فأثبت لنفسه القوة وهي القدرة باتفاق المفسرين
وفي الحديث اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك

(1/68)


وأيضا قيل إنه يلزمهم أن تكون الذات علما وقدرة وحياة لثبوت خصائص هذه الصفات لها فإنه قد تحقق في المعقول أن ما يعلم به المعلوم علم وأيضا فهذه الصفات لا تقوم بنفسها والذات قائمة بنفسها وهو جمع بين النقيضين
وأجابوا بأن المراد أنزله وهو يعلمه أو أنزله بإذنه وأمره لأن ما تعدى من الأفعال بحرف الباء فإن الداخلة عليه يكون آلة كضربت زيدا بالسوط وأخذت المنديل بيدي وكون العلم هو الذي نزل به لا يتصور إذ علمه تعالى لا ينفصل عن ذاته
والمناقشة في مثل هذا تطول وتخرج عن المقصود والمقصود إنما هو الإشارة إلى أن كل واحد يدعي أن الحق بيده ويقيم الدليل عليه كما تقدم فنسكت نحن عن الخوض في ذلك ولا نبحث في تحقيقه فإنه بدعة ونفوض علمه إلى الله تعالى ولا نكفر أحدا من أهل الفرق بما ذهب إليه واعتقده خصوصا مع قيام الشبهة والدليل عنده فإن الإيمان المعتبر في الشرع هو تصديق القلب الجازم بما علم ضرورة مجيء الرسول به من عند الله تفصيلا فيما علم تفصيلا كالتوحيد والنبوة وإجمالا فيما علم إجمالا كالأنبياء السالفة والصفات القديمة التي نطق بها القرآن
وهذا هو الحق فلا نكفر بقية الفرق خلافا لمن زعم من المتكلمين أن الإيمان هو العلم بالله وصفاته على سبيل الكمال والتمام فبهذا لا جرم اقدم كل طائفة على تكفير من عداه من الطوائف لكن لا بأس بالقول بتكفير بعض الغلاة من أهل البدع فإن من الجهمية من غلا حتى رمى بعض الأنبياء

(1/69)


بالتشبيه فقال ثلاثة من الأنبياء مشبهة موسى حيث قال إن هي إلا فتنتك وعيسى حيث قال تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ومحمد حيث قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا
ومن المتشابه صفة الرحمة والغضب والرضا والحياء والإستهزاء والمكر والعجب في قوله تعالى الرحمن الرحيم الفاتحة 1 3 النمل 30 غضب الله عليهم المجادلة 14 الممتحنة 13 رضي الله عنهم المائدة 119 والله لا يستحيي من الحق الأحزاب 53 الله يستهزئ بهم البقرة 15 ومكروا ومكر الله آل عمران 54 بل عجبت بضم التاء ويسخرون الصافات 12

(1/70)


فمذهب السلف في هذا ونحوه أنهم يقولون صفات الله تعالى لا يطلع لها على ماهية وإنما تمر كما جاءت
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب سلف الأمة وأئمتها أن يصفو الله بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا يجوز نفي صفات الله التي وصف بها نفسه ولا تمثيلها بصفات المخلوقين
ومذهب الخلف قالوا الرحمة لغة رقة القلب وانعطافه وذلك من الكيفيات التابعة للمزاج والله منزه عنها فالمراد بها في حقه تعالى إرادة الخير والإحسان إلى من يرحمه فإن أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي انفعالات
والغضب هيجان النفس لإرادة الإنتقام أو غليان دم القلب وعند إسناده إليه تعالى يراد به غايته فإن كان إرادة الإنتقام من العاصي فإنه من صفات الذات وإن كان إحلال العقوبة كان من صفات الفعل
والحياء هو انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم واشتقاقه من الحياة فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها وإذا وصف به البارئ تعالى كما في قوله والله لا يستحيي من الحق الأحزاب 53 وكما في حديث إن ربكم حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه إليه فيردهما صفرا حتى

(1/71)


يضع فيهما خيرا فالمراد به الترك اللازم للإنقباض العرضي كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة الخير والإنتقام
والإستهزاء من باب العبث والسخرية والله تعالى منزه عن ذلك فمعنى يستهزئ بهم البقرة 15 أي يجازيهم على استهزائهم وهو من باب المشاكلة في اللفظ ليزدوج الكلام ك جزاء سيئة مثلها الشورى 40 نسوا الله فنسيهم التوبة 67 أو المعنى يعاملهم معاملة المستهزئ أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين علهيم وإستدراجهم بالإمهال وأما في الآخرة فيروى أنه يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيسرع نحوه فإذا صار إليه سد دونه ثم يفتح له باب آخر فإذا أقبل إليه سد دونه
والمكر في الأصل حيلة يتوصل بها إلى مضرة الغير والله منزه عن ذلك فلا يمكن إسناده إليه سبحانه إلا بطريق المشاكلة
والضحك هو رضاه تعالى بفعل عبده ومحبته إياه وإظهار

(1/72)


نعمته عليه وقال بعضهم الضحك استعارة في حق الرب سبحانه لأنه لا يجوز عليه تغير الحالات
والتعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه وخرج عن نظائره ولهذا يقال إذا ظهر السبب بطل العجب فلا يطلق على الله أنه متعجب لأنه لا يخفى عليه شيء ولهذا قال شريح لما قرئ عنده بل عجبت بضم التاء إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم قال الأعمش فذكرت ذلك لإبراهيم فقال إن شريحا كان يعجبه رأيه إن عبدالله يعني ابن مسعود كان أعلم من شريح وكان يقرؤها عبدالله بل عجبت يعني بضم التاء وكذلك قرأ الكوفيون إلا عاصما قالوا فالعجب من الله تعالى إما على الفرض والتخييل أو هو مصروف للمخاطب بمعنى أنه يجب أن يتعجب منه أو هو على معنى الإستعظام اللازم له فإنه روعة تعتري الإنسان عند استعظامه الشيء
وقيل إنه مقدر بالقول أي قل يا محمد بل عجبت وحينئذ فمعنى القراءتين واحد
وقال المهدوي يجوز أن يكون إخبار الله عن نفسه بالعجب محمولا على أنه ظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين كما يخبر عنه تعالى بالضحك عمن رضي عنه بمعنى أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم مقام الضحك من

(1/73)


المخلوقين مجازا واتساعا وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله ظيما فقوله بل عجبت أي بل عظم فعلهم عندي
قال البيهقي ويشبه أن يكون هذا معنى حديث عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول عجب ربك من شاب ليست له صبوة
قال الحسن بن الفضل التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه وهو لغة العرب وقد جاء في الخبر عجب ربكم
وقال الهروي ويقال معنى عجب ربكم أي رضي وأثاب فسماه عجبا وليس بعجب في الحقيقة كقوله ويمكرون ويمكر الله الأنفال 30 أي يجازيهم على مكرهم
وسئل الجنيد عن قوله تعالى وإن تعجب فعجب قولهم الرعد 5 فقال إن الله لا يعجب من شيء
وقال الإمام فخر الدين جميع الأعراض النفسانية أعني الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والإستهزاء ونحو ذلك لها أوائل ولها غايات مثاله الغضب فإن أوله غليان دم

(1/74)


القلب وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب بل على غايته أو غرضه الذي هو إرادة الإضرار وكذلك الحياء له أول وهو إنكسار يحصل في النفس وله غرض وهو ترك الفعل فلفظ الحياء في حقه تعالى يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس انتهى
قلت وعلى هذا الضابط فكذلك يقال في الرضا والكرم والحلم والشكر والمحبة ونحو ذلك فإن الظاهر أن هذه كلها في حقنا كيفيات نفسانية قيل والحق أن الكيفيات النفسانية تحتاج إلى تعريف لكونها وجدانيات
وفي تفسير القرطبي في قوله تعالى وإن تشكروا يرضه لكم الزمر 7 ويرضى بمعنى يثيب ويثنى فالرضا على هذا إما ثوابه فيكون صفة فعل كقوله لئن شكرتم لأزيدنكم إبراهيم 7 وإما ثناؤه فهو صفة ذات انتهى
قلت ومن هذا يعلم جواب سؤال كنت أوردته في مؤلف لطيف سميته الأسئلة عن مسائل مشكلة قلت فيه ومنها أن أهل السنة جعلوا الصفات القديمة لله سبحانه ثمانية وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام والبقاء وبعضهم يقول والتكوين محتجين في ذلك بالإشتقاق وأنه لا يعقل مفهوم عليم إلا بعلم وسميع إلا بسمع وهكذا

(1/75)


وحينئذ فيقال موجه الإقتصار على هذه الصفات الثمان مع أنه تعالى عزيز فمن أوصافه العزة وعظيم فيمن أوصافه العظمة وحليم فمن أوصافه الحلم فهل يصح أن يقال مثلا حليم بحلم كما يقال عليم بعلم وهكذا في البقية
ولعل الجواب على طريقة الخلف أن هذه الأوصاف كلها كيفيات وإنفعالات تحدث في النفس والله منزه عنها فتؤخذ كلها بإعتبار الغايات بخلاف العلم والقدرة والسمع والبصر ونحوهما فإنها من الأوصاف الذاتية لا من الكيفيات النفسانية
وللسلف أن يقولوا إن هذه الأوصاف على ظاهرها وهذا التعليل لا يستلزم أن يكون كذلك في حقه تعالى كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر تستلزم من النقص في حقنا ما يجب تنزيه الله تعالى عنه من جهة أنها أعراض ونحوه فمذهب السلف أسلم لا سيما وقد نقل البخاري وغيره عن الفضيل بن عياض قدس الله روحه أنه قال ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو لأن الله عز و جل وصف نفسه فأبلغ فقال قل هو الله أحد السورة فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه فهذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الإطلاع كما شاء الله أن ينزل وكما شاء أن يباهي وكما شاء أن يضحك وكما شاء أن يطلع فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف فإذا قال الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء أنتهى
وقال بعض من انتصر لمذهب السلف ردا على الخلف

(1/76)


جميع ما يلزمون به في الإستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه
فلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم فكما لا يجعلونها أعراضا كذلك نحن لا نجعلها جوارح ولا ما يوصف به المخلوق ويأتي كلامه كله
ومن المتشابه المحبة في وصفه تعالى بها في قوله يحبهم ويحبونه المائدة 54 وقوله وألقيت عليك محبة مني طه 39 لأن المحبة ميل القلب إلى ما يلائم الطبع والله منزه عن ذلك وحينئذ فمحبة الله تعالى للعبد هي إرادة اللطف به والإحسان إليه ومحبة العبد لله هي محبة طاعته في أوامره ونواهيه والإعتناء بتحصيل مراضيه فمعنى يحب الله أي يحب طاعته وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه وهذا مذهب جمهور المتكلمين
قال العلامة الطوفي ذهب طوائف من المتكلمين والفقهاء إلى أن الله تعالى لا يحب وإنما محبته محبة طاعته وعبادته وقالوا هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين وإنما محبته إرادته الإحسان إليهم قال والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وجميع مشايخ الطريق أن الله تعالى يحب ويحب لذاته وأما حب ثوابه فدرجة نازلة
قال وأول من أنكر المحبة في الإسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبدالله القسري وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد

(1/77)


ابن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه برضا علماء الإسلام
قال وهؤلاء الذي ينكرون حقيقة محبة الرب ينكرون التلذذ بالنظر إليه ولهذا ظن كثير من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة أن الجنة ليست إلا التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ولباس ونكاح وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة لا نعيم غير ذلك ثم من هؤلاء من أنكر أن يكون المؤمنون يرون ربهم كالجهمية والمعتزلة ومنهم من أقر بالرؤية إما بالتي أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بها كأهل السنة والجماعة وإما برؤية هي زيادة كشف أو علم أو بحاسة سادسة ونحو ذلك من الأقوال
والمقصود هنا أن طوائف ممن أثبت الرؤية أنكروا أن يكون المؤمنون يتنعمون بنفس رؤيتهم ربهم قالوا لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي والإمام ابن عقيل حتى نقل عنه أنه سمع قائلا يقول أسألك لذة النظر إلى وجهك فقال يا هذا هب أن له وجها أله وجه يتلذذ بالنظر إليه وذكر أبو المعالي أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية فأما التنعم بنفس الرؤية فأنكره وجعل

(1/78)


هذا من أسرار التوحيد
قال الطوفي وأكثر مثبتي الرؤية يقرون بتنعم المؤمنين برؤية ربهم وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم قال وهذا متفق عليه بين السلف والأئمة ومشايخ الطريق
ويدل لذلك حديث النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم وفيه وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة
وفي صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب من النظر إليه
وقال ابن تيمية إن المؤمنين ينظرون إلى خالقهم في الجنة ويتلذذون بذلك لذة تنغمر في جانبها جميع اللذات
وأما العشق فالله سبحانه لا يعشق ولا يعشق قال الشيخ عز

(1/79)


الدين بن عبدالسلام لأن العشق فساد يخيل أن أوصاف المعشوق فوق ما هي عليه ولا يتصور ذلك هنا
ومن المتشابه العندية في قوله تعالى بل أحياء عند ربهم آل عمران 169 وقوله للذين اتقوا عند ربهم آل عمران 15 وقوله إن الذين عند ربك الأعراف 206
قال أهل التأويل إن المراد بقوله بل أحياء عند ربهم هو مزيد التقرب والزلفى والتكرمة فهي عندية كرامة لا عندية قرب ومسافة كما يقال فلان عند الأمير في غاية الكرامة
وقوله إن الذين عند ربك يعنى الملائكة بالإجماع
قال القرطبي وقال عند ربك والله سبحانه بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمته فهو عنده هذا عن الزجاج وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل لأنهم رسل الله وجنده كما يقال عند الخليفة جيش كثير وقيل هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة
وفي تفسير البيضاوي في قوله تعالى وله من في

(1/80)


السموات ومن في الأرض ومن عنده الأنبياء 19 يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك وهو معطوف على من في السموات وإفراده للتعظيم والمراد به نوع من الملائكة متعال عن السماء والأرض
وقال ابن اللبان وقد جاء الكتاب العزيز بالتنبيه على أن حضرة عنديته وراء دوائر السماوات والأرض لأن العطف يقتضي المغايرة فدل على أن حضرة عنديته وراء دوائر السماوات والأرض محيطة بها كإحاطة ربنا بذلك كله مباينة لها كمباينته لا إله إلا هو
ومن المتشابه الجهة والمعية في قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده الأنعام 61 أأمنتم من في السماء الملك 16 تعرج الملائكة والروح إليه المعارج 4 وقوله تعالى وهو معكم أينما كنتم الحديد 4 وقوله إلا هو معهم المجادلة 7 وغير ذلك من الآيات والأحاديث
وأعلم أن أهل التأويل افترقوا هنا ثلاثة فرق
فقال قوم بالجهة وإنه تعالى فوق العرش على الوجه الذي يستحقه
وقال قوم بالمعية الذاتية وإنه تعالى مع كل أحد بذاته
وقال قوم إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارج العالم

(1/81)


وقد بالغ كل فريق في تضليل الفريق الآخر وفي الرد عليه وفي زعمه أنه هو الذي على الحق وأن خصمه لا على شيء وأنه هو العارف بالحق دون خصمه
ولقد تدبرت بعين البصيرة فرأيت كل فريق منهم لا يعرف مذهب الفريق الآخر على سبيل التفصيل بل من حيث الإجمال وهذا هو الموجب للتضليل ومع ذلك فرأيت أهل هذه الفرق الذين ارتكبوا غير طريقة السلف إنما هم كما قيل ... وكل يدعون وصال ليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا ...
وها أنا أذكر لك شبهة كل فريق منهم على سبيل التلخيص ولا أرضى بواحدة منها بل بطريقة السلف
فاحتج القائل بالجهة بقوله تعالى وهو القاهر فوق

(1/82)


3 - عباده الأنعام 18 61 تعرج الملائكة والروح إليه المعارج 4 إليه يصعد الكلم الطيب فاطر 10 يخافون ربهم من فوقهم النحل 50 أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض تبارك 16 وفي هنا بمعنى على كما في قوله تعالى يتيهون في الأرض المائدة 26 وقوله ولأصلبنكم في جذوع النخل طه 71 والمراد بالسماء هنا ما فوق العرش لأن ما علا يقال له سماء وبقوله الرحمن على العرش استوى طه 5 وبقوله لعلي أطلع إلى إله موسى القصص 38
قالوا فهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه فوق السماء ولهذا قال وإني لأظنه من الكاذبين القصص 38 ولو كان موسى أخبره أنه في كل جهة أو في كل مكان بذاته لطلبه في نفسه أو في بيته ولم يجهد نفسه في بنيان الصرح
وبقوله عليه السلام إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سماواته وسماواته فوق أرضه مثل القبة وأشار عليه السلام بيده مثل القبة

(1/83)


وفي حديث آخر والعرش فوق ذلك والله تعالى فوق عرشه
وبأحاديث المعراج وبآثار كثيرة عن الصحابة كقول أبي بكر الصديق لما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي في السماء لا يموت رواه البخاري
وكقول عبدالله بن رواحة رضي الله عنه في شعره المشهور بحضرته عليه السلام ... وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا ...
ويجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ورسوله في ذلك

(1/84)


نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني ويجد الرسول تارة قد صرح بها مخبرا بها عن ربه واصفا له بها ومن المعلوم أنه عليه السلام كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي ثم لايجد شيئا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها لا نصا و ظاهرا كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين ولم ينقل عنه عليه السلام أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين ونحو ذلك ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها ولما قال للجارية أين الله فقالت في السماء لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه بل أقرها وقال أعتقها فإنها مؤمنة إلى غير ذلك من الدلائل التي يطول ذكرها ولم يقل الرسول ولا أحد من سلف الأمة يوما من الدهر هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه وكيف يجوز على الله ورسوله والسلف أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر في خلاف

(1/85)


الحق ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يتكلمون به ولا يدلون عليه
واحتجوا أيضا على أنه في جهة العلو بأنه هو الذي طبع الله عليه أهل الفطرة العقلية السليمة من الأولين والآخرين الذين يقولون إنه فوق العالم إذ العلم بذلك فطري عقلي ضروري لا يتوقف على سمع
قالوا ولم يقال قائل يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو بحيث لا يمكن دفع هذه الضرورة عن القلوب ولا يلتفت الداعي يمنة ولا يسرة
وأما العلم بأنه سبحانه استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام فهذا سمعي علم من جهة إخبار الأنبياء عليهم السلام حتى قال الشيخ عبدالقادر الجيلي قدس سره في كتابه الغنية وهو تعالى بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر 10 يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه الآية السجدة 5 ولا يجوز وصفه بأنه في مكان بل يقال إنه على العرش كما قال الرحمن على العرش استوى طه 5 من غير تأويل وكونه على العرش في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف انتهى

(1/86)


ومن التعسف قول بعضهم إن قول الشيخ وهو بجهة العلو مستو على العرش هو مبتدأ ومستو خبره وبجهة العلو متعلق بمستو بعد تعلق على العرش ولولا ذلك لنصب مستو على الحال فهذا تعسف وتحريف للكلم عن مواضعه فإن هو مبتدأ وبجهة العلو خبره ومستو خبر بعد خبر وبجعل مستو هو الخبر والعرش هو الذي بجهة العلو أي فائدة في ذلك ومن المعلوم لكل أحد أن العرش في جهة العلو
واحتجوا أيضا بأن الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ولا خلاء ولا ملاء منفردا في قدمه لا يوصف بأنه فوق كذا إذ لا شيء غيره فلما اقتضت الإرادة حدوث الكون اقتضت أن يكون له جهة علو وسفل واقضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جهة التحت والسفل لكونه مربوبا مخلوقا وأن يكون هو فوق الكون بإعتبار الكون لا بإعتبار فردانيته تعالى إذ لا فوق فيها ولا تحت فإذا أشير إليه سبحانه يستحيل أن يشار إليه من جهة التحت ونحوها بل من جهة العلو والفوقية
قالوا ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه وتسفله فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة وتقع على عظمة البارئ كما يليق به لا كما تقع على الحقيقة المعقولة عندنا فإنها إشارة إلى جسم وهذه إشارة إلى إثبات
واحتجوا أيضا بالإستواء على العرش والإستواء صفة كانت له سبحانه لكن لم يظهر حكمها إلا عند خلق العرش كما أن الحساب صفة قديمة له لا يظهر حكمها إلا في الآخرة فالإشارة تقع على العرش حقيقة إشارة معقولة وتنتهي الجهات عند

(1/87)


العرش ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكيفه الوهم فتقع الإشارة عليه كما يليق به سبحانه مثبتا مجملا لا مكيفا ولا ممثلا ولا مصورا سبحانه وتعالى وعلى هذه الكيفية وقعت الإشارة عليه سبحانه في الحديث الصحيح الشهور الذي رواه الأئمة في كتبهم بأسانيدهم وتلقته الأمة بالقبول أن معاوية بن الحكم جاء بجارية حبشية وقال يا رسول الله إني نذرت أن أعتق رقبة مسلمة أو قال مؤمنة فما تقول في هذه الجارية فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم أين الله فقالت في السماء
وفي رواية أخرى فأشارت برأسها إلى السماء فقال لها من أنا فقالت أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة
وكذلك الحديث المشهور الذي رواه أحمد وغيره عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق العرش قال كان في عماء فوقه ماء وتحته هواء والعماء بالمد هو السحاب كما ذكره أهل اللغة

(1/88)


وهذا الحديث من المشكلات حيث قال عليه السلام كان في عماء وهو سبحانه منزه عن الظرفية ولم أر من كشف عن حقيقته بما يرفع إشكاله إلا أن يقال إن في بمعنى على كما قالوا في قوله أأمنتم من في السماء الملك 16
واحتجوا أيضا بما نقل عن السلف من التلويح أو التصريح بالقول بجهة العلو حتى قال الإمام القرطبي في تفسيره في سورة الأعراف وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله قال ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه تعالى استوى على العرش حقيقة انتهى
وقال ابن تيمية قال أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية في عقيدة له طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة قال فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت في العرش وإستواء الله يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه

(1/89)


وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه محجة الواثقين وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه مستو عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية وساق الآيات المشعرة بالجهة
وقال ابن رشد المالكي في كتابه المسمى ب الكشف وأما هذه الصفة يعني القول بالجهة فلم تزل أهل الشريعة يثبتونها حتى نفتها المعتزلة ومتأخروا الأشاعرة كأبي المعالي ومن اقتدى بقولهم إلى أن قال فقد ظهر أن إثبات الجهة واجب شرعا وعقلا إلى آخر كلامه
وروى الدارمي بإسناده عن ابن المبارك قيل له كيف نعرف ربنا قال بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري إن الله مستو على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى طه 5 وقال إليه يصعد الكلم الطيب فاطر 10 وقال لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا غافر 37 وقال أأمنتم من في السماء لأنه مستو على العرش الذي هو فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلا السماوات

(1/90)


قال ورأيت المسلمين جميعا يرفعون أيديهم نحو السماء إذا دعوا لأن الله على العرش ولولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يخفضونها إذا دعوا إلى الأرض وأطال الكلام على ذلك في كتابه الإبانة فراجعه
وقال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني وهو أفضل المتكلمين الأشعرية فإن قال قائل فهل تقولون إنه تعالى في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر وقال إليه يصعد الكلم الطيب وساق الآيات المتقدمة ثم قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان والحشوش ولصح أن يرغب إليه نحو الأرض وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله انتهى
وأختار هذه المذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وقال ولكن كثير من الناس قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين متوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم فلو أتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشىء من كلامهم ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم

(1/91)


قال ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ولا يتبع ما جاءه من الحق ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما رواءه وهو الحق مصدقا لما معهم البقرة 91 قال الله لهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين البقرة 91 بما أنزل عليكم فكذلك حال من يتعصب لطائفة بلا برهان من الله انتهى
وأعلم أن كثيرا من الناس يظنون أن القائل بالجهة هو من المجسمة لأن من لازم الجهة التجسيم وهذا ظن فاسد فإنهم لا يقولون بذلك لأن لازم المذهب ليس بلازم عند المحققين فكيف يجوز أن ينسب للإنسان شيء من لازم كلامه وهو يفر منه بل قالوا نحن أشد الناس هربا من ذلك وتنزيها للباري تعالى عن الحد الذي يحصره فلا يحد بحد يحصره بل بحد يتميز به عظمة ذاته من مخلوقاته هذا السمع والبصر والقدرة والعلم من لازم وجودها أن تكون أعراضا ولذلك نفاها المعتزلة ولكن هذا اللازم ليس بلازم كما هو مقرر معلوم فتأمل ولا تخض مع الخائضين
ومنهم من يتوهم أنه يلزم على ذلك قدم الجهة ولا قديم إلا الله ويلزم أنه يكون مظروفا في الجهة وهو محال وهذا كله

(1/92)


لعدم فهم مذهب القائل بالجهة فإن القائل بالجهة يقول إن الجهات تنقطع بانقطاع العالم وتنتهي بإنتهاء آخر جزء من الكون والإشارة إلى فوق تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة كما مر
قالوا ومما يحقق هذا أن الكون الكلي لا في جهة لأن الجهة عبارة عن المكان والكون الكلي لا في مكان فلما عدمت الأماكن من جوانبه لم يقل إنه يمين ولا يسار ولا قدام ولا وراء ولا فوق ولا تحت
وقالوا إن ما عدا الكون الكلي وما خلا الذات القديمة ليس بشيء ولا يشار إليه ولا يعرف بخلاء ولا ملاء وانفرد الكون الكلي بوصف التحت لأن الله تعالى وصف نفسه بالعلو وتمدح به
وقالوا إنه سبحانه أوجد الأكوان في محل وحيز وهو سبحانه في قدمه منزه عن المحل والحيز فيستحيل شرعا وعقلا عند حدوث العالم أن يحل فيه أو يختلط به لأن القديم لا يحل في الحادث وليس هو محلا للحوادث فلزم أن يكون بائنا عنه وإذا كان بائنا عنه فيستحيل أن يكون العالم في جهة الفوق والرب في جهة التحت بل هو فوقه بالفوقية اللائقة به التي لا تكيف ولا تمثل بل تعلم من حيث الجملة والثبوت لا من حيث التمثيل والتكييف فيوصف الرب بالفوقية كما يليق بجلاله وعظمته ولا يفهم منها ما يفهم من صفات المخلوقين
وقالوا إن الدليل القاطع دل على وجود البارئ وثبوته ذاتا بحقيقة الإثبات وأنه لا يصلح أن يماس المخلوقين أو تماسه

(1/93)


المخلوقات حتى إن الخصم يسلم أنه تعالى لا يماس الخلق
قالوا ومن عنى هذا المعنى الفاسد فهو مبتدع ضال تجب استتابته فإذا قامت عليه الحجة البلاغية فلم يرجع ضربت عنقه بل ولا يماسونه وإنه متميز بذاته منفرد مباين لخلقه متنزه عن المماسة والإمتزاج
قال ابن تيمية ومن توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه أو أنه محتاج إلى مخلوقاته أو أنه محصور فيها فهو مبطل كاذب إن نقله عن غيره وضال إن أعتقده في ربه فإنه لم يقل به أحد من المسلمين بل لو سئل العوام هل تفهمون من قول الله ورسوله إن الله في السماء أن السماء تحويه ؟ لبادر كل أحد منهم بقوله هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا بل عند المسلمين أن معنى كون الله في السماء وكونه على العرش واحدا بمعنى أنه تعالى في العلو لا في السفل ولا يتوهم أن خلقا يحصره ويحويه تعالى عن ذلك
قالوا والقول الحق أن البارئ تعالى يحيط بذاته علما وأنه لا يجهل نفسه بل يعلمها علما حقا يثبت إنفصالها ويميزها عما سواها وأنها قائمة بذاتها مستغية بقدرتها عما تقوم به ويقلها ويحملها وما يحيط به علمه تعالى من غايات ذاته فإنه محدود بعلمه معلوم عند نفسه لا إله إلا هو لا تحيط به العقول ولا تدركه الأوهام استوى علىالعرش كما ذكر لا كما يخطر للبشر

(1/94)


قالوا فإذا أيقن العبد أن الله فوق عرشه كما وردت به النصوص بلا حصر ولا كيفية وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه ومن لا يعرف ربه أنه فوق سماواته على عرشه فإنه يبقى حائرا لا يعرف وجهة معبوده لكن ربما عرفه بسمعه وبصره وقدمه ونحو ذلك لكنها معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء وأنه مع علوه قريب من خلقه هو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته
هذا البدر وهو من أصغر مخلوقاته في السماء وهو مع كل أحد أينما كان فإذا كان هذا البدر فكيف بالرب سبحانه فمتى شعر قلب العبد بذلك في صلاته ودعائه وتوجهه أشرق قلبه واستنار وانشرح لذلك صدره وقوي إيمانه بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال حائرا مظلم القلب والعياذ بالله تعالى قالوا وهذا مشاهد محسوس ولا ينبئك مثل خبير
واحتج القائل بالمعية وأنه تعالى مع كل أحد بذاته بقوله تعالى وهو معكم أينما كنتم الحديد 4 وقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلى قوله إلا هو معهم المجادلة 7 وقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق 16 وقوله ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون الواقعة 85 ولا تبصر إلا الذوات فلو أراد معية العلم كما يقول المخالف لقال ولكن لا تشعرون وقوله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب

(1/95)


البقرة 186 وقوله عليه السلام كما في الصحيحين لله أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته
ثم انقسم أهل هذا القول إلى قسمين
قسم يقولون إنه تعالى حال بذاته المقدسة في كل شيء
قال ابن تيمية وهذا القول يحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانو يكفرونهم بذلك
وقسم يقولون إنه تعالى مع كل أحد بذاته ومع كل شيء لكن معية تليق به وهذا المذهب هو قول كثير من متأخري الصوفية
واحتجوا بأنه تعالى فوق عرشه إلى ما لا نهاية له وما دون العرش ومع كل شيء معية تليق به فكما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ليس كمثله شيء في صفاته فليس معيته وقربه كمعية أحد منا وقربه
قالوا فلسنا معطلين لأن تعظيمنا أبلغ من تعظيمهم والتعطيل إنما يكون مع من خلا توحيده عن التعظيم ومن قال إن الله تعالى عند كل الجهات وإن لم يكن فيها ومع كل

(1/96)


شيء وإن لم يكن في شيء لا بالحلول ولا بالمجاورة ودليله ونحن أقرب إليه منكم ولكلن لا تبصرون فلا تعطيل معه ولا تجسيم ونقل هذا الذي قررته عن سيدي الشيخ أبي السعود الجارحي المدفون بمصر وقال عن هذا فهذا مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم وهو الحق الذي اختاره الصوفية الكرام وفقهاء الإسلام انتهى
ورأيت بعض أكابر مشايخهم صرح في تصنيف له أنه لا تخلو ذرة من ذرات العالم من ذات البارئ تقدس وتعالى
قلت وهذا شيء ينفر منه الطبع والشرع ولكن لعل تقريبه للعقل أن البارئ سبحانه كان موجودا قبل وجود عالم الكون وهذا المقدار الذي وجد العالم فيه كان غير خال من وجود ذات البارئ فلما حدث العالم استمرت الذات المقدسة على حالها وهو الآن على ما عليه كان فهي مع العالم بأسره بذاتها وهي ايضا بعد وجود العالم كما كانت بلا حد ولا نهاية لكن هنا تتخبط العقول في هذه المعية الذاتية وربما تحصل لكثيرين الزندقة ويتدرج منها إلى القول بالوحدة المطلقة كما سيأتي الكلام على ذلك
وقال أهل التأويل من أهل الحق وأصحاب المذاهب من الفقهاء والمفسرين إن الآيات المشعرة بالمعية الذاتية مصروفة

(1/97)


عن ظواهرها إلى المعية بالعلم بل معية العلم هي الظاهرة منها فإن سياق الآيات الشريفة يدل على ذلك
وقال الإمام ابن عبدالبر أجمع علماء الصحابة والتابعين الذي حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله انتهى
فقوله سبحانه ولقد خلقنا الإنسان ونعمل ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد قال المفسرون جميعا هو كناية عن العلم به وبأحواله أي ونحن أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه من حبل الوريد فهو تجوز بقرب الذات لقرب العلم لأنه موجبه بحيث لا يخفى عليه شيء من خفياته فكأن ذاته قريبة منه
قال الإمام أبو حيان كما يقال إنه تعالى في كل مكان أي بعلمه وهو تعالى منزه عن الأمكنة انتهى
والذي يدل على أن المراد بالقرب هو القرب بالعلم سياق الآية فإنه سبحانه قال ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ثم قال ونحن أقرب إليه أي بالعلم المفهوم من نعلم وحبل الوريد مثل في فرط القرب كقول العرب هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار والحبل العرق فشبه بواحد

(1/98)


الحبال والوريدان عرقان مكتنفان لصفحتي العنق وكذا قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم أي بعلمه لا بذاته بدليل سياق الآية وهي قوله ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم الحديد 4 أي بعلمه المفهوم من يعلم وكذا قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا أي بعلمه فإن الآية مصدرة بالعلم وهي ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة الآية
والحاصل أن الآيات المشعرة بالمعية الذاتية إنما هي صريحة في المعية بالعلم وأن المراد منها إنما هو الإشارة إلى إحاطة علمه بجميع المخلوقات وكذا قوله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أي قريب منهم فهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بمنزلة من قرب مكانه منهم ويوضحه ما قيل لو اجتمع قوم بمحل وناظر ينظر إليهم من العلو فقال لهم إني لم أزل معكم أراكم وأعلم مناجاتكم لكان صادقا ولله المثل الأعلى عن شبه الخلق فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا هذا منكم دعوى خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة لأن من هو مع الإثنين أو أكثر هو معهم لا فيهم وما قرب من الشيء ليس هو في الشيء
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى إن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبرهما وقصد اتباع الحق

(1/99)


وأعرض عن تحريف الكلم مثل أن يقول القائل ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه قوله وهم معكم أينما كنتم الحديد 4 وقوله عليه السلام إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه ونحو ذلك ولا مخالفة وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش وهو ظاهر قوله تعالى ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض إلى أن قال وهو معكم أينما كنتم وقوله عليه السلام والعرش فوق ذلك والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه وذلك أن كلمة مع في اللغة التي خوطبنا بها إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى فإنه يقال ما زلنا نسير والقمر والنجم معنا وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال يعلم ما يلج في الأرض إلى قوله وهو معكم أينما كنتم دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم عالم بكم وهذا معنى قول السلف إنه معكم بعلمه ولما قال عليه السلام في الغار لصاحبه لاتحزن إن الله معنا التوبة 40 كان هذا أيضا حقا على ظاهره ودلت الحال على النصر والتأييد مع المعية العلم ومثله قوله لموسى وهارون إنني معكما أسمع وأرى طه 46

(1/100)


وأطال ابن تيمية الكلام في تقرير ذلك
وأما قوله تعالى ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فالمراد به قرب أعوان ملك الموت من المحتضر بدليل سياق الآية وهو قوله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون الواقعة 83 84 ونحن أي ملائكتنا وعبر بهم عنه سبحانه لأنهم رسله ومأموروه أو المراد ونحن أقرب إليه أي بالعلم
فإن قيل لو كان المراد به العلم لما صح أن يقول ولكن لا تبصرون لأن العلم لا يبصر بل كان يقول ولكن لا تبصرون لأن العلم لا يبصر
فجوابه أن تبصرون يطلق على البصر بالعين ويطلق على الشعور والعلم بالغيب كما قاله أهل اللغة لأنه يقال بصرته بعيني وبصرته بقلبي فارتفع الإشكال
ومن العجب أني اجتمعت بأكابر محققي بعض المتصوفة فحصلت المذاكرة فطعن في الفقهاء والمتكلمين والأشاعرة وقال إنهم يحرفون معاني كلام الله تعالى ويخرجون كلام الله عن مراد الله بحسب عقولهم فقلت له وكيف تقرأ قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم إلى قوله إلا هو معهم فقال هي معية ذات لا معية علم كما يقولون ويدل لذلك قوله تعالى ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلو كانت معية علم لما صح أن يقول ولكن لا تبصرون لأن العلم لا يبصر وإنما تبصر الذوات فتعجبت من مقالته وتصميمه عليها وغفلته عن كلام الأئمة المحققين من الفقهاء والمفسرين فنسأل الله تعالى العافية والسلامة في الدين

(1/101)


قال الشيخ الإمام العيني الحنفي في أثناء ترجمته للشيخ تقي الدين ابن تيمية ومدحه إياه وتنزيهه عما ينسبه له بعض الجهال وهذا الإمام مع جلالة قدره في العلوم نقلت عنه على لسان جم غفير من الناس كرامات ظهرت منه بلا التباس وأجوبة قاطعة عند السؤال من المعضلات من غير توقف بحالة من الحالات ومن جملة ما سئل عنه وهو على كرسيه يعظ الناس والمجلس غاص بأهله في رجل يقول ليس إلا الله ويقول الله في كل مكان هو هو كفر أو إيمان فأجاب على الفور من قال إن الله تعالى بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين بل هو مخالف للملل الثلاث بل الخالق سبحانه وتعالى بائن من المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل هو الغني عنها والبائن بنفسه منها وقد اتفق الأئمة من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر أئمة الدين أن قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ليس معناه أنه مختلط بالمخلوقات وحال فيها ولا أنه بذاته في كل مكان بل هو سبحانه وتعالى مع كل شيء بعلمه وقدرته ونحو ذلك فالله سبحانه مع العبد أينما كان يسمع كلامه ويرى أفعاله ويعلم سره ونجواه رقيب عليهم مهيمن عليهم بل السماوات والأرض وما بينهما كل ذلك مخلوق لله ليس الله بحال في شيء منه سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى 11

(1/102)


لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله بل يوصف الله بما يوصف به نفسه وإما وصفه به رسوله من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثل صفاته بصفات خلقه ومذهب السلف إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل
وقد سئل الإمام مالك رضي الله عنه عن قوله الرحمن على العرش استوى فقال الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة انتهى ما حكاه الشيخ العيني عن ابن تيمية رحمهما الله
ومن هنا تعرف معنى قوله عليه السلام لله أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته أن المراد به قرب علم
وأما حديث البخاري ومسلم إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه فقال ابن عبدالبر هو مخرج على التعظيم لشأن القبلة
وقال الخطابي معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد إلى ربه فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته ولا حجة

(1/103)


فيه للقائلين بأنه تعالى في كل مكان لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه أو هو على حذف مضاف أي فإن قبلة الله أو رحمة الله قبل وجهه
وقال بعضهم الحديث حق على ظاهره فهو سبحانه فوق العرش وهو قبل وجه المصلي بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات فإن الإنسان لو ناجى السماء لكانت فوقه وكانت أيضا قبل وجهه وقد ضرب عليه السلام المثل بذلك ولله المثل الأعلى والمقصود بالتمثيل إنما هو جواز هذا وإمكانه لا تشبيه الخالق بالمخلوق فقد قال عليه السلام ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به فقال له أبو رزين العقيلي كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع فقال له النبي صلى الله عليه و سلم سأنبئك مثل ذلك في آلاء الله هذا القمر كلكم يراه مخليا به وهو آية من آيات الله فالله تعالى أكبر أو كما قال النبي صلى الله عليه و سلم
وأيضا فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر ولذلك قال عليه السلام إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر فشبه الرؤية بالرؤية وإن لم يكن المرئي مشابها للمرئي انتهى والله أعلم

(1/104)


واحتج القائل بأنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه وأنه سبحانه لا متصلا به ولا منفصلا عنه بأمور عقلية وهذا مذهب كثير من متأخري الأشاعرة ومن وافقهم والعقل في هذا بمجرده لا اعتبار به ما لم يستند إلى النقل الصحيح
واحتجوا من النقل بآيات لا تصلح لهم وإنما تصلح للقائلين بأنه مع كل أحد بذاته فمن جملة ما احتجوا به قوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله الزخرف 84 وقوله تعالى وهو الله في السموات وفي الأرض الأنعام 3 وقوله فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة 115 وقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون والقرب بالعلم لا بالإبصار وأنت قد عرفت مما مر أن أهل السنة قاطبة جعلوا هذا قرب علم لا قرب ذات وسيأتي الكلام على قوله فثم وجه الله وأما قوله في السماء إله وفي الأرض إله فهو باتفاق المفسرين بمعنى مألوه أي معبود فإنه معبود فيهما وكذلك وهو الله في السموات وفي الأرض فإن الجار والمجرور متعلق بالله لأنه بمعنى مألوه أو متعلق بما بعده ولولا ذلك للزم عليه الظرفية تعالى الله عنها
وعندي معنى آخر لم أر من قاله وهو أن يكون على معنى

(1/105)


هو المسمى فيهما بهذا الإسم فهو كما أنه هو الله في السماوات هو الله في الأرض كقولك موسى أخو هارون في جميع الدنيا والكعبة هي البيت الحرام في السماء والأرض وكقولهم فلان أمير في خراسان وأمير في بلخ وسمرقند وهو في موضع واحد وهذا موجود في اللغة
قال ابن تيمية ولم يقل أحد من السلف إنه تعالى في كل مكان ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه انتهى
واعلم أنه قد ثبت بلا ريب خلافا للفلاسفة أن الذات المقدسة كانت موجودة قبل حدوث العالم قائمة بنفسها فلما حدث العالم فإما أن يكون حدث بائنا منها منفصلا عنها وهذا مسلم عند كل مسلم ولهذا حمل المفسرون الآيات الدالة على المعية والقرب على معية العلم وقربه وإما أن يكون حدث مماسا لها قائما بها الوجود بأسره كما يقوله بعض المتصوفة أو قريبا منها كما يدل علي كلام كثير من الصوفية وعلى هذين القولين يصح حمل الآيات على القرب بالذات والمعية بالذات والأشاعرة وافقوا أهل السنة والمفسرين فحملوا الآيات المشعرة بقرب أو معية الذات على أن المراد بها العلم وهذا صحيح على قولهم بإعتبار أنه تعالى لا داخل العالم وبأعتبار أنه لا خارج العالم فكان القياس صحة حملها أيضا على القرب بالذات ومعية الذات لكنهم لم يقولوا بذلك ولم يرتكبوا في

(1/106)


التفسير القول بذلك أصلا فليتأمل
وأعلم أيضا أن الذي ذهب إليه جمهور متأخري المتكلمين هو تنزيه الله تعالى عن الجهة فليس هو مخصوصا بجهة فوق عندهم ولا بجهة غيرها لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز وأنه غير قديم أو أنه جسم ومفهومه أن من ليس في جهة لا يكون متحيزا وأنه هو القديم المستغني عن محل يقوم به وأورد على هذا أن الكون الكلي والدائر المحيط بالعالم فإنه لا في مكان وهو حادث وغير مستغن بنفسه وذاته وإن استغنى عن المكان لأنه لو افتقر إلى مكان لافتقر المكان الثاني إلى ثالث ويتسلسل إلى ما لا نهاية له وهو محال
وأيضا فيلزم القائل بنفي الجهة عنه سبحانه أحد أمرين لا محيص عنهما
إما أن يقول إنه سبحانه بعد انتهاء العالم محيط به من سائر جوانبه وجهاته وحينئذ فهو تعالى لا في جهة بل في جميع الجهات لكن هذا لا يقال به ولا أعلم أحدا قال به
وإما أن يقول إنه سبحانه داخل العالم أو معه ساريا في جميعه كما يقول به بعض المتصوفة حتى رأيت أكابر مشايخهم قد صرح في تصنيف له أنه لا تخلو ذرة من ذرات العالم من ذات الباري سبحانه
وهذا لا يقال به لأنه إما يوهم الحلول أو هو لازمه وأنه

(1/107)


سبحانه مختلط بالمخلوقات تعالى الله عن ذلك وهذا خلاف إجماع المسلمين وقد وقع في هذا كثير من المتصوفة فجعلوا الوجود قائما بالرب محدودا بحدوده متكلما بحروفه ويجعلونه سبحانه هو المتكلم على ألسنتهم كالجني على لسان المصروع
واعلم أيضا أنه قد تخبطت في هذا المقام عقول كثير من ذوي الأفهام وتفرقوا في الأقوال وهم كقول من قال ... الناس شتى وآراء مفرقة ... كل يرى الحق فيما قال واعتقدا ...
ولقد صرح كثير من المتصوفة أن البارئ سبحانه هو عين ما ظهر وما بطن من الوجود وأنه تعالى هو العالم بأسره وقد شافهني بعض مشايخهم المتعمقين بذلك فقلت له ومن أين دليل هذا فقال من قوله سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن الحديد 3 فإذا كان هو يقول هو الظاهر والباطن أتقول أنت لا فعجبت من مقالته ومن تحسين الشيطان لعقول هؤلاء الخرافات والمحالات فقرأ في المجلس قارئ عشر قرآن وهو لله ما في السموات وما في الأرض الآية فقلت له أيها الشيخ هذه الآية ترد ما قلت حيث جعل لله ما فيهما فهو سبحانه غيرهما لا عينهما فقال على الفور لله ما في السموات وما في الأرض بفتح لام لله فعجبت من هذه الفلسفة والزندقة والسفسطة المحققة أعاذنا الله تعالى منها ومن الزيغ والضلال

(1/108)


وقد قال أهل الشريعة رضي الله عنهم كما قررة أئمتنا في كتب عقائدهم إن المراد بقوله سبحانه والظاهر والباطن أي الظاهر في المعرفة لأن دلائل توحيده وبراهين ألوهيته وربوبيته جلية للأفهام وظاهرة عند ذوي المعارف واضحة الدليل عن عارض الشبهات فهو بذلك الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن أي الباطن في الإستتار بذاته فلا علم يحيط به ولا معرفة تقف على كنه معرفته ولا فكر يصل إلى جميع ما يستحقه من صفات الكمالات ولا عقل يقف على حقيقة الذات وتحقيق الصفات فهو سبحانه الظاهر والباطن بهذا الإعتبار لا أنه تعالى هو عين ما ظهر وما بطن كما يقوله الملاحدة ويقولون سبحان من هو الكل ولا شيء سواه الواحد في نفسه المتعدد بنفسه
ويقولون أيضا ... وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائق ...
تعاليت يا ألله عن ذلك ... وما أنت عين الكون بل أنت غيره ... ويفهم هذا القول من هو مسلم ...
ويرتكبون القول بالوحدة المطلقة ويصرحون بذلك وتقرير مذهبهم على سبيل الإحاطة والتطويل يطول

(1/109)


وحاصله أن البارئ عندهم هو مجموع ما ظهر وما بطن وأنه لا شيء خلاف ذلك هكذا موجود في كتبهم ومن شك في ذلك فليراجعها وقد أشرت إلى شيء من ذلك في كتابي الأدلة الوفية بتصويب قول الفقهاء والصوفية وفي كتابي سلوك الطريقة في الجمع بين كلام أهل الشريعة والحقيقة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أثناء كلام طويل وهؤلاء القوم الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر ولا سابقة إلا من حين ظهرت دولة التتار قال وأما الحلول وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا يحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرونهم بذلك وأطال الكلام على ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى
نصيحة
اعلم وفقك الله أنه ليس للمرء أسلم في دينه من ترك الخوض في مثل هذا والإعراض عن الخوض في علم الكلام المذموم واقتفاء طريقة السلف فإنهم لم يخوضوا في شيء من هذا ولم يبحثوا عنه معتقدين أن لنا ربا موجودا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير أفلا يسعنا ما وسعهم من السكوت والتسليم ومن طلب الوقوف على حقيقة البارئ سبحانه فقد طلب المحال
قال الطوفي وقد اعترف أكثر أئمة أهل الكلام والفلسفة من

(1/110)


الأولين والآخرين أن الطرائق التي سلكوها في أمور الربوبية بالأقيسة التي ضربوها لا تفضي بهم إلى العلم واليقين في الأمور الإلهية مثل تكلمهم بالجسم والعرض في دلائلهم ومسائلهم ومقالة أساطين الفلسفة من الأوائل أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين وإنما يتكلم فيه بالأولى والأحرى قال ولهذا أتفق كل من خبر مقالة هؤلاء المتفلسفة في العلم الإلهي أن غالبه ظنون كاذبة وأقيسة فاسدة وأن الذي فيه من العلم والحق قليل انتهى
هذا والفلاسفة هم أرباب النهاية في العقول لكن العقول إذا لم تستند إلى الشرع المنقول وقعت في الحيرة والضلالات وطرأت عليها الخيالات والإستبعادات لما جاءت به الرسل ولهذا كانت الفلاسفة يعتقدون أن عندهم من العلوم والمعارف ما يستغنون به عن علم الأنبياء عليهم السلام
قال أبو حيان وكانوا إذا سمعوا بوحي الله تعالى دفعوه وصغروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم
قال ولما سمع بقراط الحكيم بموسى عليه السلام قيل له لو هاجرت إليه فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا
قلت وهذه الخصلة بعينها موجودة في المتصوفة المتفلسفة

(1/111)


فإنهم يحتقرون علم الفقهاء بالنسبة لعلمهم ويزعمون أنهم محجوبون وأنهم هم الواصلون نعم ولكن إلى سقر اتخذوا الكلام على الذات والصفات ديدنا لهم فإذا دخل إلى مجلسهم العامي وهو لا يحسن الوضوء كلموه بدقائق الجنيد وإشارات الشبلي
قال ابن الجوزي وترى الحائك والسوقي الذي لا يعرف فرائض الصلاة يمزق أثوابه دعوى لمحبة الله وأصلحهم حالا يتخايل بوهمه شخصا هو الخالق فيبكيه شوقه إليه لما يسمع من عظمته ورحمته وجماله وليس ما يتخايلونه الإله المعبود فإنه تعالى لا يقع في خيال وربما خايلت له الماخوليا أشباحا يظنهم الملائكة
وبالجملة فالحق هو اتباع ما كان عليه السلف قولا وفعلا واعتقادا وما سواه فهو اتباع هوى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما قاله الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه و سلم والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذي أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وفي غيره وأطال الكلام في ذلك وذم المتفلسفين والمتكلمين وقال ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا

(1/112)


حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص معرفته خبر ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر
وعن الجنيد قدس الله سره قال أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب من القلب والقلب إذا عري من الهيبة من الله عري من الإيمان
وقال بعد كلام طويل ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه السابقون الأولون لا نتجاوز القرآن والحديث ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل
قال وهذا هو قول الذين وافقوا سنة النبي صلى الله عليه و سلم ظاهرا وباطنا لكن لا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به ويسمونهم بأسماء مكذوبة كقول القدري من اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد فقد سلب العباد الإختيار والقدرة وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة وكقول الجهمي من قال إن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور وأنه جسم مركب مشابه لخلقه وكقول الجهمية والمعتزلة من قال إن لله علما وقدرة فقد زعم أنه جسم مركب وهو مشبه لأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا

(1/113)


بجوهر متحيز وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد ومن قال ذلك فهو مشبه لأن الأجسام متماثلة
قال ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة أخذا من لازم عقيدتهم فهو وربه أعلم والله من ورائه بالمرصاد ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فاطر 43
قال والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل لا نصا ولا ظاهرا على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر وما رأيت أحدا منهم نفاها وإنما ينفون التشبيه وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه وينكرون على من ينفي الصفات كقول نعيم بن حماد شيخ البخاري من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها

(1/114)


وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا هذا جهمي معطل فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئا من الصفات مشبها كذبا منهم وإفتراء فالروافض تسمي أهل السنة نواصب والقدرية يسمونهم مجبرة والمرجئة يسمونهم شكاكا والجهمية يسمونهم مشبهة وأهل الكلام يسمونهم حشوية والمتصوفة يسمونهم محجوبين كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه و سلم تارة مجنونا وتارة شاعرا وتارة كاهنا وتارة مفتريا وهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة
ثم قال ابن تيمية في آخر كلامه وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة
وسيأتي الكلام على ذكر هذه الأقسام آخر الكتاب

(1/115)


ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول
ومن المتشابه الكرسي في قوله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض البقرة 255 وقد اختلف أهل التأويل فيه
فقيل الكرسي هو علمه تعالى أي أحاط علمه سبحانه بأهل السماء والأرض
وقيل هو السلطان والقدرة
وقيل هو تمثيل لعظمة شأنه وسعة سلطانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة وليس ثمة كرسي ولا قاعد ولا قعود
وقيل هو مكان لعبادة الملائكة والإضافة كما في الكعبة بيت الله
وقيل هو العرش نفسه
والمشهور أنه جسم عظيم بين يدي العرش يسع السبع سماوات والأرض كما دلت عليه الأحاديث والآثار
وعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه
قال البيهقي كذا في هذه الرواية موضع قدميه
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس وسع كرسيه السموات والأرض قال موضع القدمين ولا يقدر قدر العرش

(1/116)


قال القرطبي كذا قال موضع القدمين من غير إضافة
وقال أبو موسى الأشعري الكرسي موضع القدمين
قال فالسلف لم يفسروا مثال هذا ولم يشتغلوا بتأويله مع إعتقادهم أن الله تعالى غير متبعض ولا ذي حاجة
قال يحيى بن معين شهدت زكريا بن عدي سأل وكيعا فقال يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعني مثل الكرسي موضع القدمين ونحو هذا فقال وكيع أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرا يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئا منها
وأما الخلف فأولوا قال ابن عطية يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين في أسرة الملوك فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إلى العرش كنسبة الكرسي إلى سرير الملك
وقال أبو حيان إنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم
واعلم أن هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض

(1/117)


معناها إلى الله أو تؤول بما يليق بجلاله سبحانه ولا ترد بمجرد العناد والمكابرة كما ذكر القرطبي قال تكلمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم وبصر بمنية بني خصيب فيما ذكره ابن عبدالبر من قوله الرحمن على العرش استوى فذكرت له حديث عروج الملائكة بالروح بعد قبضها من سماء إلى سماء حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله فما كان إلا أن بادر إلى عدم صحته ولعن رواته فقلت له الحديث صحيح والذين رووه لنا هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس وأحكامها فإن صدقوا هناك صدقوا هنا وإن كذبوا هناك كذبوا هنا ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه ومعنى قوله إلا السماء التي فيها الله أي أمره وحكمه وهي السماء السابعة التي عندها سدرة المنتهى إليها يصعد وينتهي ما يعرج به من الأرض ومنها يهبط ما ينزل به منها

(1/118)


وكما اعترض بعضهم على الحنابلة في حديث رووه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال استوى على العرش فما يفضل منه إلا مقدار أربع أصابع قال المعترضون للحنابلة وهذا يوهم دخول كمية وإجراء هذا مستحيل في حق الرب إلا على قول المشبهة والمجسمة الذين يثبتون لله ذاتا لها كمية وضخامة وهذا مما اتفقنا نحن وأنتم على تكفير القائل به
فقال الحنابلة أما هذا الحديث فنحن لم نقله من عند أنفسنا فقد رواه عامة أئمة الحديث في كتبهم التي قصدوا فيها نقل الأخبار الصحيحة وتكلموا على توثقة رجاله وتصحيح طرقه ورواه من الأئمة جماعة أحدهم إمامنا أحمد وأبو بكر الخلال صاحبه وابن بطة والدارقطني في كتاب الصفات الذي جمعه وضبط طرقه وحفظ عدالة رواته وهو حديث ثابت لا سبيل إلى دفعه ورده إلا بطريق العناد والمكابرة والتأويل يمكن فإنه قد يطلق الفضل والمراد به الخروج عن حد الوصف والإختصاص ولهذا يقال حقق ملك فلان فلم يفضل منه إلا مقدار جريب بمعنى أنه لم يدخل تحت وصف الإختصاص

(1/119)


بالملكية إلا هذا المقدار وحينئذ فيقال فما خرج عن الإختصاص بوصف الإستواء إلا هذا المقدار وله تعالى أن يخص ما يشاء منه بوصف الإختصاص دون ما شاء والله أعلم
ومن المتشابه الإستواء في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى وقوله ثم استوى على العرش الأعراف 54 وهو مذكور في سبع آيات من القرآن
فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به
وروى الإمام اللالكائي الحافظ في السنة من طريق قرة ابن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى قالت الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة والبحث عنه كفر
وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبيل الرأي
وفي لفظ آخر قالت الكيف غير معقول والإستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر

(1/120)


وروى أيضا عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أنه سئل عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى فقال الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق
وروى أيضا عن مالك أنه سئل عن الآية فقال الكيف غير معقول والإستواء غير مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة
ويروى عن الشعبي أنه سئل عن الإستواء فقال هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه
وعن الشفاعي أنه قال لما سئل عن الإستواء آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك
وعن أحمد بن حنبل أنه قال استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر
وكلام السلف مستفيض بمثل هذا
وقد قال كثير من المتكلمين كابن التلمساني وغيره أن معنى قولهم والإستواء معلوم يعني أن محامل الإستواء معلومة في اللغة بعد نفي الإستقرار من القهر والغلبة والقصد إلى خلق شيء

(1/121)


في العرش ونحو ذلك من محامل الإستواء فهذه المحامل معلومة في اللسان العربي والكيف مجهول أي تعيين بعض منها مرادا لله مجهول لنا والسؤال عنه بدعة يعني أن تعيينه بطريق الظنون بدعة فإنه لم يعهد عن الصحابة التصرف في أسماء الله وصفاته بالظنون
قلت وهذا التفسير عندي غير مرضي فإنه لو كان المراد ذلك لقال والجواب عنه بدعة لأن المجيب هو الذي يطلب منه التعيين وأما السائل فمجمل وقوله والإستواء معلوم يعني بإعتبار محامله في اللغة ولو كان كذلك لقال والمراد مجهول
والذي يقتضيه صريح اللفظ أن المراد بقولهم الإستواء معلوم أي وصفه تعالى بأنه على العرش استوى معلوم بطريق القطع الثابت بالتواتر فالوقوف على حقيقته أمر يعود إلى الكيفية وهو الذي قيل فيه والكيف مجهول والجهالة فيه من جهة أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الكيفية فإن الكيفية تبع للماهية وقولهم والسؤال عنه بدعة لأن الصحابة لم يسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم والتابعين لم يسألوا الصحابة ولأن جوابه يتضمن الكيفية ولهذا قيل في الجواب لمن دخلت عليهم الشبهة طالبين بسؤالهم التكييف والكيف مجهول فالذي ثبت نفيه بالشرع والعقل واتفاق السلف إنما هو علم العباد بالكيفية فعندها تنقطع الأطماع وعن دركها تقصر العقول بل هي قاصرة عما هو دون ذلك هذه الروح من المعلوم لكل أحد خروجها من الجسد وأن

(1/122)


الملك يقبضها وهذا المعلوم لكل أحد كيفيته مجهولة لكل أحد بل كيفية نزول الطعام والشراب إلى الجوف واستقرار كل في محل وتفريق خاصيته في الجسد مجهولة أفلا يعتبر العقل القاصر بذلك عن تعلقه بإدراك كيفية استواء ربه على عرشه سبحانه وتعالى
وأما أهل التأويل من الخلف فقد اختلفوا في الإستواء على نحو العشرين قولا
وقال الحافظ السيوطي في الإتقان وحاصل ما رأيت في ذلك سبعة أجوبة
أحدها ما روى مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن استوى بمعنى استقر وهذا إن صح يحتاج إلى تأويل فإن الإستقرار مشعر بالتجسيم
قلت ولعل المراد أن هذا إنما هو تفسير لمجرد معنى أصل الإستواء فإنه الإستقرار كما في قوله تعالى واستوت على الجودي هود 44 وقوله فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك المؤمنون 28
ثانيها أن استوى بمعنى استولى
يعني فالإستواء هو القهر والغلبة ومعناه الرحمن غلب العرش وقهره يقال استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها

(1/123)


وقهرهم قال الشاعر ... قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق ...
ورد بوجهين
أحدهما أن الله تعالى مستول على الكونين والجنة والنار وأهلهما فأي فائدة في تخصيص العرش بالذكر
ولا يكفي في الجواب أنه حيث قهر العرش على عظمته واتساعه فغيره أولى لأن الأنسب في مقام التمدح بالعظمة التعميم بالذكر لقهره الأكوان الكلية بأسرها
ثانيهما أن الإستيلاء إنما يكون بعد قهره وغلبته والله تعالى منزه عن ذلك
وقد سئل الخليل بن أحمد إمام أهل اللغة والنحو هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى فقال هذا مما لا تعرفه العرب ولا هو جار في لغتها سأله عن ذلك بشر المريسي
وأخرج اللالكائي في السنة عن ابن الأعرابي أنه سئل

(1/124)


عن معنى استوى فقال هو على عرشه كما أخبر فقيل له يا أبا عبدالله معناه استولى فقال اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا إذا كان له مضاد فإذا غلب أحدهما قيل استولى
وفي رواية أخرى والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر
ثالثها أن الكلام تم عند قوله الرحمن على العرش ثم ابتدأ بقوله استوى له ما في السموات وما في الأرض ورد بأنه يزيل الأية عن نظمها ومرادها
رابعها أن الوقف على على والعرش مستأنف
قيل وهذا مما لا ينبغي أن يحكى لاستحالته وبعده عما نقله أهل التواتر من جر العرش وهو قد رفعه ولم يرفعه أحد من القراء وقد جعل على فعلا وهي هنا حرف باتفاق وأيضا فلو كانت فعلا لكتبت بالألف
وذكر البيهقي بإسناده عن ابن الأعرابي صاحب النحو

(1/125)


قال قال لي أحمد بن أبي داود يا أبا عبدالله يصح هذا في اللغة قال قلت يجوز على معنى ولا يجوز على معنى إذا قلت الرحمن علا من العلو فقد تم الكلام ثم قلت العرش استوى يجوز إن رفعت العرش لأنه فاعل ولكن إذا قلت له ما في السموات وما في الأرض فهو العرش فهذا كفر
خامسها أنه بمعنى صعد قاله أبو عبيد
ورد بأنه تعالى منزه عن الصعود
نعم الإستواء في اللغة يطلق على العلو والإستقرار نحو استوى على ظهر دابته وعلى الصعود نحو استوى على السطح وعلى القصد نحو ثم استوى إلى السماء فصلت 11 وعلى الإستيلاء نحو استوى على العراق أي استولى وظهر وعلى الإعتدال نحو استوى الشيء أي اعتدل وعلى الإنتهاء نحو استوى الرجل أي انتهى شأنه
وقال بعض المحققين من متكلمي الحنابلة الإستواء يقع على وجهين ما يتم معناه بنفسه وما يتم بحرف الجر
فالأول كقوله استوى النبات واستوى الطعام والمراد به تم وكمل ومنه قوله تعالى ولما بلغ أشده واستوى

(1/126)


القصص 14 أي تم وكمل
والثاني يختلف معناه باختلاف الحروف الجارة كقوله ثم استوى إلى السماء وقوله الرحمن على العرش استوى واستوى الأمر برأي الأمير واستوت لفلان الحال واستوى الماء مع الخشبة
سادسها أن معنى استوى أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله ثم استوى إلى السماء أي قصد وعمد إلى خلقها قاله الفراء والأشعري وجماعة من أهل المعاني وقال إسماعيل الضرير إنه الصواب
قال السيوطي ويبعده تعديته ب على ولو كان كما ذكروه لتعدى ب إلى كما في قوله ثم استوى إلى السماء انتهى
قلت وأيضا فالعرش مخلوق قبل السموات والأرض كما وردت به النصوص وثم للترتيب فكيف عمد إلى خلقه بعدهما قال سبحانه إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش الأعراف 54
سابعها أنه يحمل على القصد إلى خلق شيء في العرش كما صار إليه الثوري
قلت هو قريب لكن يرده تعديه ب على كما تقدم
ثامنها أن الإستواء بمعنى العلو بالعضمة والعزة وأن صفاته

(1/127)


تعالى أرفع من صفات العرش على جلالة قدره
تاسعها أنه بمعنى قدر على العرش وهو قول القدرية والفرق بينه وبين قهر العرش وغلبه كما مر أن ذاك يحصل منه صفة فعل وهو القهر وهذا يحصل منه صفة ذات وهي القدرة
عاشرها قال ابن اللبان الإستواء المنسوب إليه تعالى بمعنى اعتدل أي قام بالعدل كقوله قائما بالقسط آل عمران 18 فقيامه بالقسط والعدل هو استواؤه ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعزته كل شيء خلقه موزونا بحكمته البالغة
قلت ويرده أنه تعدى ب على ف يجيء ما قاله كما مر قريبا
الحادي عشر أن المراد بالعرش جملة المملكة
قال القرطبي وهذا غير صحيح لقوله تعالى وترى الملائكة حافين من حول العرش الزمر 75 وما كان حوله فهو خارج عنه والملائكة ليست خارجة عن جملة المملكة
الثاني عشر أن المراد بالإستواء هو انفراده بالتدبير فإنه قد استوى له جميع ما خلقه لعدم ما يشاركه فيه

(1/128)


قال القرطبي وهذا غير صحيح لأنه يقال انفرد بكذا ولا يقال على كذا ثم هو يؤدي إلى أنه لم يكن منفردا بالتدبير حتى خلق العرش
قال وهذا فساده يغني عن جوابه
الثالث عشر أن استوى بمعنى استوى عنده الخلائق القريب والبعيد فصاروا عند سواء نقله الكلبي عن ابن عباس
قال القرطبي وفيه ركاكة ومثله لا يليق بقول ابن عباس وإذا كان الاستواء بمعنى استوى الخلائق فأي شيء المعنى في قوله استوى على العرش
وقال هو وغيره الكلبي كذاب لا يحتج بشيء من روايته
الرابع عشر أن الإستواء بمعنى العلو بالغنى عن العرش
قال القرطبي وهذا فاسد لأن العرب تقول استغنى عن الشيء ولا تقول استغنى على الشيء ولأنه لو كان معنى الإستغناء لأدى إلى أن يكون إنما استغنى بعد خلق العرش
وأيضا فليس لتخصيص العرش بالذكر فائدة
الخامس عشر أن الإستواء صفة فعل بمعنى أنه تعالى فعل في العرش فعلا سمى به نفسه مستويا
وقال بهذا طائفة منهم الجنيد والشبلي
السادس عشر أن استوى بمعنى تجلى فالإستواء بمعنى التجلي

(1/129)


وقال بهذا كثير من مشايخ الصوفية وقالوا قد ثبت له سبحانه صفة التجلي بقوله سبحانه فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا الأعراف 143 ومعنى التجلي هو رفع الحجاب عن العرش الذي كان محجوبا به ولم يرتفع حجابة جملة إذ لو ارتفع جملة لتدكدك من هيبة الله تعالى جبل موسى عليه السلام
قلت وربما يرد هذا بأن الإستواء ذكر في سبع مواضع من القرآن فلو كان المراد به التجلي لعبر عنه في بعضها بالتجلي كما في قوله فلما تجلى ربه للجبل
السابع عشر قول الشيخ أبي الحسن الأشعري حيث قال أثبته مستويا على عرشه وأنفي كل استواء يوجب حدوثه
قال القرطبي فجعل الإستواء في هذا القول من مشكل القرآن الذي لا يعلم تأويله انتهى
وقد كانت طائفة من الأشعرية يثبتون لفظه ويمتنعون من تأويله
الثامن عشر قول الطبري وابن أبي زيد والقاضي عبدالوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه وابن عبدالبر والقاضي أبي بكر ابن العربي وابن فورك أنه سبحانه مستو على العرش بذاته وأطلقوا في بعض الأماكن فوق عرشه
قال القاضي أبوبكر وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكين في مكان ولا مماسة

(1/130)


قال ابن تيمية على الوجه الذي يستحقه سبحانه من الصفات اللأئقة به
قال فإن قال قائل لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويا وذلك كله محال ونحو ذلك من الكلام فهذا لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت للأجسام وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم
أما استواء يليق بجلال الله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام
وصار هذا مثل قول القائل إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهرا أو عرضا وكلاهما محال إذ لا يعقل موجود إلا كذلك وقوله إذا كان مستويا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير والفلك إذ لا يعلم استواء إلا هكذا لأن هذا القائل لم يفهم إلا إثبات استواء هو من خصائص المخلوقين
قال والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله فكما أنه موصوف بالعلم والبصر والقدرة ولا يثبت لذلك خصائص الأعراض التي للمخلوقين فكذلك سبحانه هو فوق عرشه لا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق تعالى الله عن ذلك انتهى

(1/131)


وقال القرطبي أظهر الأقوال وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار أن الله سبحانه على عرشه كما أخبر في كتابه بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا جملة مذهب السلف الصالح انتهى
والعجب من القرطبي حيث يقول وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ولعله خشي من تحريف الحسدة فدفع وهمهم بذلك
وبهذا قال جماعة من الحنابلة لكن قالوا استوى على الوجه الذي يستحقه لذاته مما لا يشاركه فيه المحدث ولا يشابهه ولا يماثله ولا يدل على إثبات كمية ولا صفة كيفية بل على الوجه الذي يستحقه الله لنفسه
قالوا وإلى هذا الإشارة في حديث أم سلمة رضي الله عنها الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عند بدعة والبحث عنه كفر ورضي الله تعالى عن مالك بن أنس حيث قال أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه و سلم لجدل هؤلاء وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر فلم يبق إلا الرجوع لما قاله الله ورسوله والتسليم لهما
تنبيه
قال الكمال بن الهمام الحنفي بعد أن تكلم على

(1/132)


الإستواء ما حاصله وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه وأما كون الإستواء بمعنى الإستيلاء على العرش مع نفي التشبيه فأمر جائز الإرادة إذ لا دليل على إرادته عينا فالواجب عينا ما ذكرنا لكن قال إذا خيف على العامة عدم فهم الإستواء إلا بالإتصال ونحوه من لوازم الجسمية فلا بأس بصرف فهمهم إلى الإستيلاء
قال وعلى نحو ما ذكر كل ما ورد مما ظاهره الجسمية في الشاهد كالإصبع واليد والقدم فإن الإصبع واليد صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه أعلم به
وقد تؤول اليد والإصبع بالقدرة والقهر وقد يؤول اليمين في قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض على التشريف والإكرام لما ذكرنا من صرف فهم العامة عن الجسمية

(1/133)


قال وهو ممكن أن يراد ولا يجزم بإرادته على قول أصحابنا أنه من المتشابه وحكم المتشابه انقطاع معرفة المراد منه في هذه الدار وإلا لكان قد علم انتهى كلام ابن الهمام باب
في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا
اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ ليس كمثله شيء ألا ترى أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظيم هيبته فكما أنه لا يتجلى لشيء إلى اندك كذلك لا يتوهمه قلب إلا هلك وارض لله بما رضيه لنفسه وقف عند خبره لنفسه مسلما مستسلما مصدقا بلا

(1/134)


مباحثة التنقير ولا مقايسة التفكير وله تعالى صفات مقدسة طريق إثباتها السمع فنثبتها ولا نعطلها لورود النص بها ولا نكيفها ولا نمثلها
وقد غلت طائفة في النفي فعطلته محتجين بأن الإشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الإشتباه فزعموا أنه سبحانه لا يوصف بالوجود بل يقال إنه ليس بمعدوم ولا يوصف بأنه حي ولا قادر ولا عالم بل يقال إنه ليس بميت ولا عاجز ولاجاهل وهذا مذهب أكثر الفلاسفة والباطنية
وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه جسم
قال وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال إنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيء
تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق النساء 171

(1/135)


وقال ابن تيمية وأول من قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم الرافضي
وفرقة أخرى أثبتت ما أثبته السمع من نحو سميع بصير عليم قدير وامتنعت من إطلاق السمع والبصر والعلم والقدرة وهم المعتزلة كما تقدم
وفرقة أخرى أثبتت الصفات المعنوية من نحو السمع والبصر والعلم والقدرة والكلام وهو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة ومنهم أتباع أئمة المذاهب الأربعة
ثم اختلفوا فيما ورد به السمع من لفظ العين واليد والوجه والنفس والروح
ففرقة أولتها على ما يليق بجلال الله تعالى وهم جمهور المتكلمين من الخلف فعدلوا بها عن الظاهر إلى ما بحتمله التأويل من المجاز والإتساع خوف توهم التشبيه والتمثيل
وفرقة أثبتت ما أثبته الله ورسوله منها وأجروها على ظواهرها ونفوا الكيفية والتشبيه عنها قائلين إن إثبات البارئ سبحانه إنما هو الكيفية إثبات وجود بما ذكرنا لا إثبات كيفية فكذلك إثبات صفاته إنما هي إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف فإذا قلنا يد ووجه وسمع وبصر فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه فلا نقول إن معنى اليد القوة والنعمة ولا معنى السمع والبصر العلم ولا نقول إنها جوارح

(1/136)


وهذا المذهب هو الذي نقل الخطابي وغيره أنه مذهب السلف ومنهم الأئمة الأربعة وبهذا المذهب قال الحنفية والحنابلة وكثير من الشافعية وغيرهم وهو إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها محتجين بأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف فكذلك إثبات صفاته إنما هي إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف
وقالوا إنا لا نلتفت في ذلك إلى تأويل لسنا منه على ثقة ويقين لإحتمال أن يكون المراد غيره لأن التأويل إنما هو أمر مأخوذ بطريق الظن والتجويز لا على سبيل القطع والتحقيق فلا يجوز أن يبنى الإعتقاد على أمور مظنونة ويعرض عن ما ثبت بالقطع والنص وهذا مذموم عند السلف
قال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات لله لا تشبه صفات الخلق ولا نعتقد التشبيه فيها لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة وذكر بعض كلام الزهري ومكحول ومالك والثوري والليث وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة والفضيل بن عياض ووكيع وعبدالرحمان بن مهدي وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم في هذا الباب وفي حكاية ألفاظهم طول إلى أن قال ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة والتابعين حملوها على ظواهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق لما فيه من

(1/137)


إزالة التشبيه ورفع الشبهة انتهى
وقال القرطبي قال الإمام الترمذي بعد ذكره حديث ما تصدق أحد بصدقة إلا أخذها الرحمان بيمينه وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما أشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا نثبت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك وهذا وقول أهل العلم من أهل السنة والجماة وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه وقد ذكر الله تعالى في غير موضع من كتابه اليد ونحوها فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم فقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده وقالوا معنى اليد ها هنا القدرة
قال الخطابي إنها ليست بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء

(1/138)


ولكنها صفات لا كيفية لها ولا تتأول فيقال معنى اليد النعمة أو القوة ومعنى السمع والبصر العلم ومعنى الوجه الذات على ما ذهب إليه نفات الصفات
وقال ابن عبدالبر أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة مخصوصة
وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود
والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة انتهى كلام الحافظ ابن عبدالبر إمام أهل المغرب في عصره
وقال القرطبي قال إسحاق بن إبراهيم إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال لله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى 11

(1/139)


وروى حرملة بن يحيى قال سمعت عبدالله بن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول من وصف شيئا من ذات الله تعالى مثل قوله وقالت اليهود يد الله مغلولة المائدة 64 فأشار بيده إلى عنقه قطعت ومثل قوله وهو السميع البصير فأشار إلى عينيه أو أذنيه أو شيء من بدنه قطع ذلك منه لأنه شبه الله تعالى بنفسه
وقال بعض المحققين إن صفات الرب تعالى معلومة من حيث الجملة والثبوت غير معقولة من حيث التكييف والتحديد فيكون المؤمن بها مبصرا من وجه أعمى من وجه مبصرا من حيث الإثبات والوجود أعمى من حيث التكييف والتحديد
قال ولهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف وذلك هو مراد الرب منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل وانتهى
قال الخطابي فإن قيل كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علما بحقيقته أو كيف نتعاطى وصفا بشيء لا درك له في عقولنا
قيل له إن إيماننا صحيح بحق ما كلفناه منها وعلمنا يحيط بالأمر الذي ألزمناه فيها وإن لم نعرف لماهيتها حقيقة وكيفية وقد أمرنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة ونعيمها والنار وأليم عذابها وعقابها ومعلوم أنا لا نحيط بكل شيء منها على التفصيل وإنما كلفنا الإيمان بها جملة ألا ترى أنا نعلم عدد أسماء الأنبياء وكثير من الملائكة ولا نحيط

(1/140)


بصفاتهم ولا نعلم خواص معانيهم ولم يكن ذلك قادحا في إيماننا بما أمرنا أن نؤمن به من أمرهم وقد حجب عنا علم الروح ومعرفة كيفيته مع علمنا بأنه آلة التمييز وبه تدرك المعارف وهذه كلها مخلوقة لله فما ظنك بصفات رب العالمين سبحانه
إذا تقرر هذا فمن المتشابه الوجه في قوله تعالى ويبقى وجه ربك الرحمن 27 وقوله فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة 115 وقوله إنما نطعمكم لوجه الله الإنسان 9
وفي الحديث من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله
وفي حديث آخر أعوذ بوجهك والأحاديث كثيرة
وتأويله عند أهل التأويل أن المراد بالوجه الذات المقدسة فأما صفة زائدة على الذات فلا وهو قول المعتزلة وجمهور المتكلمين
ويروى عن ابن عباس الوجه عبارة عنه عز و جل كما قال ويبقى وجه ربك
وقال ابن فورك قد تذكر صفة الشيء والمراد به الموصوف

(1/141)


توسعا كما يقول القائل رأيت علم فلان ونظرت إلى علمه والمراد بذلك نظرت إلى العالم
وقال القرطبي قال الحذاق الوجه راجح إلى الوجود والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في المشاهدة
وقال أبو المعالي وأما الوجه فالمراد به وجود البارئ تعالى عند معظم أئمتنا والدليل على ذلك قوله تعالى ويبقى وجه ربك والموصوف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء هو وجود البارئ تعالى
وقوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله المراد به لله الذي له الوجه أي الوجود
وكذلك قوله إلا ابتغاء وجه ربك الأعلى الليل 20 أي الذي له الوجه
وقيل في قوله فأينما تولوا فثم وجه الله أي فثم رضا الله وثوابه و إنما نطعمكم لوجه الله أي لرضاه وطلب ثوابه ومنه من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله
وقيل المراد فثم الله والوجه صلة أو الوجه عبارة عن الذات أي فثم ذاته بمعنى الحصول العلمي أي فعلمه معكم أينما كنتم

(1/142)


وقيل المراد بالوجه الجهة التي وجهنا الله إليها أي القبلة
وحكى المزني عن الشافعي فأينما تولوا فثم وجه الله أي فثم الوجه الذي وجهكم إلي أي فهناك جهته وقبلته التي أمر بها
ومذهب السلف أن الوجه صفة ثابتة لله ورد بها السمع فتتلقى بالقبول
ويبطل مذهب أهل التأويل ما قاله البيهقي والخطابي في قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال فأضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال ذو الجلال ولو كان ذكر الوجه صلة ولم يكن صفة للذات لقال ذي الجلال فلما قال ذو الجلال علمنا أنه نعت للوجه وأن الوجه صفة للذات
وقالت الحنابلة لتأييد مذهب السلف إنه قد ثبت في الخطاب العربي الذي أجمع عليه أهل اللغة أن تسمية الوجه في أي محل وقع من الحقيقة والمجاز يزيد على قولنا ذات فأما في الحيوان فذلك مشهور حقيقة ولا يمكن دفعه وأما في مقامات المجاز فكذلك أيضا لأنه يقال فلان وجه القوم لا يراد به ذوات القوم إذ ذوات القوم غيره قطعا ويقال هذا وجه الثوب لما هو أجوده ويقال هذا وجه الرأي أي أصحه وأقومه وأتيت بالخبر على وجهه أي على حقيقته إلى غير ذلك مما

(1/143)


يقال فيه الوجه
فإذا كان هذا هو المستقر في اللغة وجب أن يحمل الوجه في حق البارئ على وجه يليق به صفة زائدة على تسمية قولنا ذات
فإن قيل يلزم أن يكون عضوا وجارحة ذات كمية وكيفية وهو باطل
فالجواب ما قالوه إن هذا لا يلزم لأن ما ذكره المعترض ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه ولكن من جهة نسبة الوجه إلى جملة الذات فيما ثبت للذات من الماهية المركبة وذلك أمر أدركناه بالحس في جملة الذات فكانت الصفات مساوية للذات بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء من الكل
فأما الوجه المضاف للبارئ سبحانه فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه
وقد ثبت أن الذات في حق البارئ لا توصف بأنها جسم مركب تدخله الكمية وتتسلط عليها الكيفية ولا نعلم لها ماهية فصفته التي هي الوجه كذلك لا يوصل لها إلى ما هية ولا يوقف لها على كيفية ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجساما والله منزه عن ذلك ولو جاز هذا الإعتراض في الوجه لقيل مثله في السمع والبصر والعلم فإن العلم في الشاهد عرض قائم بقلب يثبت بطريق ضرورة أو اكتساب وذلك غير لازم في حق البارئ لأنه مخالف للشاهد

(1/144)


في الذاتية وغير مشارك لها في إثبات ماهية أو كمية أو كيفية
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري إن الله على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى وإن له يدين بلا كيف كما قال خلقت بيدي ص 75 وإن له عينين بلا كيف كما قال تجري بأعيننا القمر 14 وإن له وجها بلا كيف كما قال ويبقى وجه ربك وإنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال وجاء ربك والملك صفا صفا الفجر 22 وإنه يقرب من عباده كيف شاء كما قال ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وندين أنه يقلب القلوب بين إصبعين من أصابعه وأنه يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع كما جاءت به الرواية إلى أن قال ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأطال الكلام في هذا وأمثاله في كتابه الذي سماه الإبانة في أصول الديانة وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه
وقال القاضي ابن الباقلاني فإن قال قائل فما الدليل على أن لله وجها ويدا قيل له قوله ويبقى وجه ربك وقوله لما خلقت بيدي فأثبت لنفسه وجها ويدا
وقد تقدم كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله حيث قال

(1/145)


وله تعالى وجه ويد ونفس فما ذكر الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والإعتزال إلى آخر ما قال كما تقدم
تنبيه
روى مسلم وابن ماجة حديث إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
قال النوري معناه الإخبار أنه تعالى لا ينام وأنه مستحيل في حقه النوم فإن النوم انغمار وغلبة على العقل يسقط به الإحساس والله منزه عن ذلك وسبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه بضم السين والباء
وقيل سبحات الوجه محاسنه لأنه يقال سبحان الله عند رؤيتها
والحجاب أصله في اللغة المنع والستر وهو إنما يكون للأجساد والله منزه عن ذلك

(1/146)


والمراد هنا المانع من رؤيته وسمى ذلك المانع نور لأنه يمنع في العادة من الإدراك كشعاع الشمس والمراد بالوجه الذات والمراد بما انتهى إليه بصره جميع المخلوقات لأن بصره سبحانه محيط بجميع الكائنات والتقدير لو زال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نورا وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته لكنه محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله
وقيل الحجاب المذكور في هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه فالحجاب راجع إلى منع الإبصار من الإصابة بالرؤية فلو كشف الحجاب الذي على أعين الناس ولم يثبتهم لرؤيته لاحترقوا من جلاله وهيبته كما خر موسى صعقا وتقطع الجبل دكا حين تجلى سبحانه له
ومن المتشابه العين في قوله تعالى ولتصنع على عيني طه 39 وقوله فإنك بأعيننا الطور 48 وقوله تجري بأعيننا القمر 14
وتأويله أن المراد تجري بأعيننا أي بمرأى منا أي ونحن نراها أو أن المراد بأعيننا أي بحفظنا وكلاءتنا أو أن المراد به أعين الماء أي تجري بأعين خلقناها وفجرناها فهي إضافة ملك لا إضافة صفة ذاتية والمراد تجري بأوليائنا وخيار خلقنا

(1/147)


وقوله ولتصنع على عيني أي تربى وتغذى على مرأى مني وكذا فإنك بأعيننا أي بمرأى منا وفي حفظنا كقولهم أنت بعين الله أي في حفظه
وقال بعضهم العين مؤولة بالبصر والإدراك بل قيل إنها حقيقة في ذلك خلافا لتوهم بعض الناس أنا مجاز قال وإنما المجاز في تسمية العضو بها
ومذهب السلف إثبات ذلك صفة له تعالى لحديث البخاري ومسلم وغيرهما حين ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينيه الحديث
قال القرطبي قال العلماء منهم البيهقي وفي هذا نفي نقص العور عن الله تعالى وإثبات العين له صفة وعرفنا بقوله تعالى ليس كمثله شيء أنها ليست بحدقة وأن الوجه ليس بصورة وأنها صفة ذات انتهى
وقالت الحنابلة قد ورد السمع بإثبات صفة له تعالى وهي العين تجري مجرى السمع والبصر وليس المراد إثبات عين هي حدقة ماهيتها شحمة لأن هذه العين من جسم محدث وأما العين التي وصف بها البارئ فهي مناسبة لذاته في كونها غير

(1/148)


جسم ولا جوهر ولا عرض ولا يعرف لها ماهية ولا كيفية قالوا وقد امتنعت المعتزلة والأشعرية من أن يقال لله عين فأما المعتزلة فيقوى ذلك عندهم لأنهم لا يقولون سميع بسمع بصير ببصر بل يقولون بصير لذاته سميع لذاته وأما الأشعرية فيضعف هذا على قولهم لأنهم يوافقون على أنه بصير ببصر سميع بسمع وإنما امتنعوا من تسمية عين لما استوحشوا من معنى العين في الشاهد فقاوا بالتأويلات ومن الفاسد قياس الغائب على الشاهد
ومن المتشابه اليد في قوله تعالى يد الله فوق أيديهم الفتح 10 لما خلقت بيدي ص 75 بل يداه مبسوطتان المائدة 64 مما عملت أيدينا يس 71 قل إن الفضل بيد الله آل عمران 73
وتأويله أن المراد باليد القدرة
وقال الأشعري اليد صفة ورد بها الشرع والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفا لازما
وذهبت المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أن المراد باليدين في قوله لما خلقت بيدي معنى النعمتين وطائفة من الأشعرية أن المراد باليدين هنا القدرة لأن اليد في اللغة عبارة عن القدرة كقوله

(1/149)


فقمت ومالي بالأمور يدان ...
ويحقق هذا ويوضحه أن الخلق من جهة الله إنما هو مضاف إلى قدرته لا إلى يده ولهذا يستقل في إيجاد الخلق بقدرته ويستغني عن يد وآلة يفعل بها مع قدرته
وقوله بل يداه مبسوطتان المائدة 64 ثنى اليد مبالغة في الرد على اليهود ونفي البخل عنه وإثباتا لغاية الجود فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه بيديه وتنبيها على منح الدنيا والآخرة
أو المراد بالتثينة باعتبار نعمة الدنيا ونعمة الآخرة
أو باعتبار قوة الثواب وقوة العقاب
ومذهب السلف والحنابلة أن المراد إثبات صفتين ذاتيتين تسميان يدين يزيدان على النعمة والقدرة محتجين بأن الله تعالى أثبت لآدم من المزية والإختصاص ما لم يثبت مثله لإبليس بقوله لما خلقت بيدي ص 75 وإلا فكان إبليس يقول وأنا أيضا خلقتني بيديك فلا مزية لآدم ولا تشريف
فإن قيل إنما أضيف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفا وتظيما على إبليس ومجرد النسبة في ذلك كافي في التشريف كناقة الله وبيت الله فهذا كاف في التشريف وإن كانت النوق والبيوت كلها لله
فالجواب ما قالوه أن التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت النسبة فإن قولنا خلق الله الخلق بقدرته لما نسب الفعل إلى تعلقه بصفة

(1/150)


الله اقتضى ذلك إثبات الصفة وكذا أحاط بالخلق بعلمه يقتضي إحاطة بصفة هي العلم فكذلك هنا لما كان ذكر التخصيص مضافا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة على وجه يليق به سبحانه لا بمعنى العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية تعالى الله عن ذلك
وأيضا فلو أراد باليد النعمة لقال لما خلقت ليدي لأنه خلق لنعمة لا بنعمة
وأيضا فقدرة الله واحدة لا تدخلها التثنية والجمع
وقال البغوي في قوله بيدي في تحقيق الله التثنية في اليد دليل على أنها ليست بمعنى القدرة والقوة والنعمة وأنهما صفتان من صفات ذاته
وقال ابن اللبان فإن قلت فما حقيقة اليدين في خلق آدم قلت الله أعلم بما أراد قال والذي يظهر أن اليدين استعارة لنور قدرته القائم بصفة فضله وصفة عدله
وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة قال الله يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ص 75 وقال بل يداه مبسوطتان المائدة 64 وذكر الأحاديث الصحاح في ذلك

(1/151)


كحديث يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده وحديث أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ وكتب لك التوراة بيده وذكر أحاديث كثيرة مثل والخير بيديك
وقال البيهقي قال بعض أهل النظر قد تكون اليد بمعنى القوة كقوله داود ذا الأيد ص 17 ذا القوة وبمعنى الملك والقدرة كقوله إن الفضل بيد الله آل عمران 73 وبمعنى النعمة كقولهم لي عند فلان يد وتكون صلة أي زائدة كقوله مما عملت أيدينا أنعاما يس 71 أي مما عملناه نحن وبمعنى الجارحة كقوله وخذ بيدك ضغثا ص 44
قال فأما قوله لما خلقت بيدي فلا يحمل على الجارحة لأن البارئ واحد لا يتبعض ولا على القوة والقدرة والملك والنعمة والصلة لأن الإشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم

(1/152)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية