صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الوجيز في عقيدة السلف الصالح ( أهل السنة والجماعة )
المؤلف : عبد الله بن عبد الحميد الأثري & مراجعة وتقديم صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الطبعة : الأولى
الناشر : وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
تاريخ النشر : 1422هـ
عدد الصفحات : 239
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

تقديم معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
" وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد " الحمد لله المتفرد بصفات الكمال والجمال والجلال ، أحمده تعالى وأشكره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته ، ولا ند له في ربوبيته ، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [ الشورى : 11 ] . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، المبعوث رحمة للعالمين ، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد : فقد كان الناس قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم- في جاهلية جهلاء ؛ يعيشون في ظلمات من الشرك والجهل ، وتسيطر عليهم الخرافات ، ويتطاحنون في نزاعات وصراعات قبلية ، يسبي بعضهم بعضا ، ويقتل بعضهم بعضا ، يعيشون في تخلف وهمجية وفرقة ، شعارهم :

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

(1/1)


حتى إذا أذن الله لشمس الإسلام أن تشرق بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم- ليعلن للبشرية أنه : " لا إله إلا الله ، ولا معبود بحق سواه " .
لقد جاء بالتوحيد الذي هو حق الله على العبيد ، والغاية العظمى من الخلق : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [ الذاريات 56 ] به بعث الرسل وأنزلت الكتب ، ورفع من أجله علم الجهاد .
ثلاث عشرة سنة في مكة والنبي- صلى الله عليه وسلم- يدعو إليه ، ويغرس جذوره في أعماق النفوس ، ويبني أسسه ودعائمه في سويداء القلوب ، ويثبت أركانه في الوجدان ؛ حتى اتضحت سبيله للسالكين ، وبانت معالمه للراغبين ، فأظهر الله الحق وأزهق الباطل ، وأضاءت القلوب أنوار التوحيد الخالص ، فجلته من أوضار الشرك ، وصقلته من أدران التنديد .
لقد جاء النبي- صلى الله عليه وسلم- والقلوب أرض جرداء فسقاها من نمير التوحيد ، وأرواها من سلسبيل الإخلاص ، وساقها إلى الله دليل المتابعة ، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، فعزت الأمة بعد ذلتها ، واجتمعت بعد فرقتها ، وصارت غالبة بعد أن كانت مغلوبة .

(1/2)


بقيت العقيدة على صفائها ونقائها وطهرها ، حتى إذا قضى الله أمرا كان مفعولا ، ودخل في دين الله من لم يتشرب قلبه التوحيد الخالص ، حدث في الناس الخلل ، وتفرقت بهم السبل ، وراجت المذاهب المنحرفة ، والأفكار الهدامة ، وأطلت الفتن برأسها ، وفشت البدع ببؤسها ، حتى إذا زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ؛ قيض الله من أئمة الهدى ، وأعلام الدجى من يعيد الناس إلى مشكاة النبوة وقلعة الإيمان ، ويكشف لهم زيوف الباطل ، ويدحض شبه المبطلين ، ويردهم إلى منهج السلف الصالح .
إن المتبصر في تاريخ الأمة الإسلامية ؛ ليرى أن عزتها وعلوها وغلبتها ودينونة الأمم لها مرتبطة بصفاء عقيدتها ، وصدق توجهها إلى الله ، واتباعها لأثر النبي- صلى الله عليه وسلم- وسيرها على منهج السلف الصالح ، واجتماعها على أئمتها ، وعدم منازعتهم في ذلك ، وأن ذلها وضعفها وانخذالها ، وتسلط الأمم عليها مرتبط بانتشار البدع والمحدثات في الدين ، واتخاذ الأنداد والشركاء مع الله ، وظهور الفرق الضالة ، ونزع يد الطاعة ، والخروج على الأئمة .

(1/3)


إن الانحرافات العقدية ، والحيدة عن منهج السلف الصالح ، والانخداع بزخرف قول أرباب المذاهب المنحرفة هو الذي فرق الأمة ، وأضعف قوتها ، وكسر شوكتها ، والواقع شاهد على ذلك ، ولا مخرج لها من ذلك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وأئمة الهدى ، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها . وإن النكوص عن جادة التوحيد ، والرغبة عن منهج السلف الصالح ، منافاة للعدل ، ومجافاة للعقل . قال تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } [ الحديد : 25 ] .
وإن أعظم القسط التوحيد ، وهو رأس العدل وبه قوامه ، وإن أظلم الظلم الشرك ، قال تعالى حكاية عن لقمان في وصيته لابنه : { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] .

(1/4)


وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال : « قال الله عز وجل : " وإني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري » [ رواه الطبراني في " مسند الشاميين " والبيهقي في " شعب الإيمان " والديلمي في " مسند الفردوس " ] .
وإن أعظم الفرية أن تشرك بالله وقد خلقك .
وإذا كان الله- سبحانه وتعالى- قد أمر بالإصلاح ، ونهى عن الفساد والإفساد ، فقال تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين } [ الأعراف : 56 ] .
فإن أعظم الإفساد أن تفسد عقائد الناس ، وتصوراتهم ، وأفكارهم ، ويقطع عليهم الطريق في مسيرهم إلى الله ويحاد بهم عن الفطرة التي فطرهم الله عليها ، ففي الحديث :
« كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » [ رواه مسلم ] .
ويعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(1/5)


« ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ، مما علمني يومي هذا : كل ما نحلته عبدا حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا . . . » [ رواه مسلم ] .
ولا شك أن هذا أعظم الظلم وأشنعه ، كيف لا ، وقد صار عاقبة ذلك خسران الدنيا والآخرة .
وفي هذه الأزمنة المتأخرة التي حدثت فيها الغير ، وتزينت الدنيا لخطابها ، كشف أهل الأهواء عن أقنعتهم ، وانتشرت بدعهم ، وأحييت مذاهب أسلافهم بعد أن كانت بائدة ، ونبشت كتب لهم كانت منسية ، وظهرت أفكار جديدة ، وبرزت جماعات معاصرة متباينة في مقاصدها ، مختلفة في توجهاتها ، متناقضة في غاياتها ووسائلها ، كلما خرجت جماعة أو فرقة لعنت أختها ، وتطاول أناس على قامة التوحيد والسنة ، ولوثرا أفكار الناس ، وأفسدوا عليهم عقائدهم ، وهونوا عليهم أمر الشرك ، ورفعوا أعلام الفتن ، ونازعوا ذوي السلطان في سلطانهم ، وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ، واتبعوا غير سبيل المؤمنين .

(1/6)


مما يوجب على الغيورين من علماء الأمة ودعاة السنة المقتفين للأثر ؛ القيام بواجب الإبانة عن أصول الديانة ، وتبيين معالم منهج السلف ، وإيضاح سبيله ، وتقريب كتب أئمة الهدى ، وإبرازها بالتحقيق وشرح عبارات الأئمة ، وبيان مقاصدهم والعناية بأمر التوحيد والمنهج في دروسهم وخطبهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم ، وإرشاد العباد إلى اتباع خطى النبي- صلى الله عليه وسلم- ولزوم سنته ، والسير على أثر أصحابه امتثالا لقوله تعالى :
{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } [ آل عمران : 31 ] .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
« أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ، وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كبيرا ؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ؛ تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة » [ رواه أبو داود ] .
فهذا هو الصراط المستقيم ، الموصل إلى رضا رب العالمين .

(1/7)


قال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } [ الأنعام : 153 ] .
وهو السبيل الذي دعا إليه رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم- قال تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } [ يوسف : 108 ] .
وهو عقيدة الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي- صلى الله عليه وسلم- بقوله :
« لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم ؛ حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك » . [ رواه البخاري : باب " 28 " ، حديث (3641) ] .
وهي التي بقيت على ما كان عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ؛ ففي الحديث أنه- صلى الله عليه وسلم- قال : ( . . . « وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة » قال- أي عبد الله بن عمرو راوي الحديث- :
من هي يا رسول الله ؟ قال :
« ما أنا عليه وأصحابي » [ رواه الترمذي ] .

(1/8)


ومن هنا تأتي أهمية العناية بهذا الأمر ، وتربية الناشئة عليه ، وتصحيح مسيرة الصحوة إليه ؛ حتى لا تتشعب بها السبل ، فتضل في متاهات الأهواء والفتن .
وقد وفق الله- سبحانه وتعالى- عددا من مشايخنا ، وعلمائنا ، ونفرا من طلبة العلم المخلصين إلى الاهتمام بهذا الموضوع تدريسا ، وتحقيقا ، وتأليفا ، وكان منهم :
الأخ الشيخ عبد الله بن عبد الحميد الأثري في كتابه الماتع : (الوجيز في عقيدة السلف الصالح)
وقد رغب إلي في قراءته والتقديم له ، وباطلاعي عليه وقراءتي له ألفيته قد أجاد فيه وأفاد ، وبذل فيه جهدا مشكورا ، وذكر فيه مجمل اعتقاد السلف بأسلوب أخاذ ، وعبارة سهلة ، وعرض حسن ، وقد وفق في تبويبه وترتيبه ، وقد جاءت هذه الطبعة التي نحن بصدد التقديم لها ، فظهرت منقحة ومصححة ، مستدركا فيها ما فاته في سابقها من ملحوظات يسيرة .
وإن مما يميز هذا الكتاب اعتماده على المصادر الأصلية ، وعنايته بذكر عبارات السلف ، وحشد الأدلة من الكتاب والسنة ، وذكر أقوال الصحابة والتابعين وأئمة السلف .
وإن هذا الكتاب وأمثاله لمما تقر به عيون الموحدين ، وتفرح به قلوبهم ، وتشرق به حلوق المناوئين ، وتضيق به صدورهم :

(1/9)


{ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [ يوسف : 21 ] . والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول :
« ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر ؛ إلا أدخله الله هذا الدين ، بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزا يعز الله به الإسلام وأهله ، وذلا يذل به الكفر وأهله » [ رواه الإمام أحمد ] .
وإذ أشكر لفضيلته عنايته بهذا الموضوع ، وحرصه عليه ، وإخراج هذا الكتاب ، فإني أسال الله أن يجزيه خير الجزاء ، وأن يبارك في جهوده ، وأن يحفظ لهذه الأمة عقيدتها ، وأن يوفق العلماء إلى السير بها إلى ما يحبه ويرضاه ، اقتداء بالنبي- صلى الله عليه وسلم- واقتفاء لأثر أصحابه واتباعا لمنهج أئمة السلف .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
جمادى الأولى 1421

(1/10)


تعريفات ضرورية
تعريف العقيدة
العقيدة في اللغة : من العقد ؛ وهو الربط ، والإبرام ، والإحكام ، والتوثق ، والشد بقوه ، والتماسك ، والمراصة ، والإثبات ؛ ومنه اليقين والجزم .
والعقد نقيض الحل ، ويقال : عقده يعقده عقدا ، ومنه عقدة اليمين والنكاح ، قال الله تبارك وتعالى :
{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } (1) والعقيدة : الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده ، والعقيدة في الدين ما يقصد به الاعتقاد دون العمل ؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل . والجمع : عقائد .
(2) وخلاصته : ما عقد الإنسان عليه قلبه جازما به ؛ فهو عقيدة ؛ سواء أكان حقا ، أم باطلا .
وفي الاصطلاح :
هي الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب ، وتطمئن إليها النفس ، حتى تكون يقينا ثابتا لا يمازجها ريب ، ولا يخالطها شك .
أي : الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده ، ويجب أن يكون مطابقا للواقع ، لا يقبل شكا ولا ظنا ؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة .
_________
(1) سورة المائدة : الآية ، 89 .
(2) انظر معاجم اللغة : لسان العرب ، القاموس المحيط ، المعجم الوسيط : « مادة عقد » .

(1/11)


وسمي عقيدة ؛ لأن الإنسان يعقد عليه قلبه .
والعقيدة الإسلامية :
هي الإيمان الجازم بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، وسائر ما ثبت من أمور الغيب ، وأصول الدين ، وما أجمع عليه السلف الصالح ، والتسليم التام لله تعالى في الأمر ، والحكم ، والطاعة ، والاتباع لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
والعقيدة الإسلامية : إذا أطلقت فهي عقيدة أهل السنة والجماعة ؛ لأنها هي الإسلام الذي ارتضاه الله دينا لعباده ، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان .
وللعقيدة الإسلامية :
أسماء أخرى عند أهل السنة والجماعة ؛ ترادفها ، وتدل عليها ، منها :
" التوحيد " ، " السنة " ، " أصول الدين " ، " الفقه الأكبر " ، " الشريعة " ، " الإيمان " .
هذه أشهر إطلاقات أهل السنة على علم العقيدة .

(1/12)


تعريفات ضرورية
تعريف العقيدة
العقيدة في اللغة : من العقد ؛ وهو الربط ، والإبرام ، والإحكام ، والتوثق ، والشد بقوه ، والتماسك ، والمراصة ، والإثبات ؛ ومنه اليقين والجزم .
والعقد نقيض الحل ، ويقال : عقده يعقده عقدا ، ومنه عقدة اليمين والنكاح ، قال الله تبارك وتعالى :
{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } (1) والعقيدة : الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده ، والعقيدة في الدين ما يقصد به الاعتقاد دون العمل ؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل . والجمع : عقائد .
(2) وخلاصته : ما عقد الإنسان عليه قلبه جازما به ؛ فهو عقيدة ؛ سواء أكان حقا ، أم باطلا .
وفي الاصطلاح :
هي الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب ، وتطمئن إليها النفس ، حتى تكون يقينا ثابتا لا يمازجها ريب ، ولا يخالطها شك .
أي : الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده ، ويجب أن يكون مطابقا للواقع ، لا يقبل شكا ولا ظنا ؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة .
_________
(1) سورة المائدة : الآية ، 89 .
(2) انظر معاجم اللغة : لسان العرب ، القاموس المحيط ، المعجم الوسيط : « مادة عقد » .

(1/13)


وسمي عقيدة ؛ لأن الإنسان يعقد عليه قلبه .
والعقيدة الإسلامية :
هي الإيمان الجازم بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، وسائر ما ثبت من أمور الغيب ، وأصول الدين ، وما أجمع عليه السلف الصالح ، والتسليم التام لله تعالى في الأمر ، والحكم ، والطاعة ، والاتباع لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
والعقيدة الإسلامية : إذا أطلقت فهي عقيدة أهل السنة والجماعة ؛ لأنها هي الإسلام الذي ارتضاه الله دينا لعباده ، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان .
وللعقيدة الإسلامية :
أسماء أخرى عند أهل السنة والجماعة ؛ ترادفها ، وتدل عليها ، منها :
" التوحيد " ، " السنة " ، " أصول الدين " ، " الفقه الأكبر " ، " الشريعة " ، " الإيمان " .
هذه أشهر إطلاقات أهل السنة على علم العقيدة .

(1/14)


تعريف السلف
السلف في اللغة :
ما مضى وتقدم ، يقال : سلف الشيء سلفا : أي مضى ، والسلف : الجماعة المتقدمون ، أو القوم المتقدمون في السير .
قال تعالى : { فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين }{ فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين }
(1) أي : جعلناهم سلفا متقدمين لمن عمل بعملهم ، وذلك ليعتبر بهم من بعدهم ، وليتعظ بهم الآخرون .
والسلف : (من تقدمك من آبائك ذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل ، ولهذا سمي الصدر الأول من الصحابة والتابعين : السلف الصالح)
(2) وفي الاصطلاح :
إذا أطلق السلف عند علماء الاعتقاد فإنما تدور كل تعريفاتهم حول الصحابة ، أو الصحابة والتابعين ، أو الصحابة والتابعين وتابعيهم من القرون المفضلة ؛ من الأئمة الأعلام المشهود لهم بالإمامة والفضل واتباع السنة والإمامة فيها ، واجتناب البدعة والحذر منها ، وممن اتفقت الأمة على إمامتهم وعظيم شأنهم في الدين ، ولهذا سمي الصدر الأول بالسلف الصالح .
_________
(1) سورة الزخرف : الآيتان ، 55 ، 56 .
(2) انظر معاجم اللغة : تاج العروس ، لسان العرب ، القاموس المحيط : مادة « سلف » .

(1/15)


قال الله تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } (1) وقال : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } (2) وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
« خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم »
(3) ورسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصحابته والتابعون لهم بإحسان هم سلف هذه الأمة ، وكل من يدعو إلى مثل ما دعا إليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصحابته والتابعون لهم بإحسان ، فهو على نهج السلف .
_________
(1) سورة النساء : الآية ، 115 .
(2) سورة التوبة : الآية ، 100 .
(3) رواه البخاري ومسلم .

(1/16)


والتحديد الزمني ليس شرطا في ذلك ؛ بل الشرط هو موافقة الكتاب والسنة في العقيدة والأحكام والسلوك بفهم السلف ، فكل من وافق الكتاب والسنة فهو من أتباع السلف ، إن باعد بينه وبينهم المكان والزمان ، ومن خالفهم فليس منهم وإن عاش بين ظهرانيهم .
وإمام السلف الصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال تعالى : { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره }
(1) وقد قرن الله تعالى بين طاعته وطاعة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال تعالى :
_________
(1) سورة الفتح : الآية ، 29 .

(1/17)


{ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } (1) وجعل الله طاعة الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طاعة له سبحانه ، فقال عز وجل :
{ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا } (2) وأخبر تعالى أن عدم طاعة الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- محبط ومبطل للأعمال ، فقال :
_________
(1) سورة النساء : الآية ، 69 .
(2) سورة النساء : الآية ، 80 .

(1/18)


{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } (1) ونهانا عن مخالفة أمره- صلى الله عليه وآله وسلم - فقال : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } (2) وأمرنا الله تعالى أن نأخذ ما أمرنا به- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونترك ما نهانا عنه ، فقال عز وجل : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } (3) وأمرنا تعالى أن نحكمه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في كل شأن من شؤون حياتنا ، وأن نرجع إلى حكمه ، فقال :
{ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } سورة النساء: الآية،65. وبلغنا الله تعالى بأن نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الأسوة الحسنة ، والقدوة الصالحة ، والنموذج الأمثل الذي يجب اتباعه والاقتداء به ، فقال عز وجل :
_________
(1) سورة محمد- صلى الله عليه وسلم - : الآية ، 33 .
(2) سورة النساء : الآية ، 14 .
(3) سورة الحشر : الآية ، 7 .

(1/19)


{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } سورة الأحزاب: الآية،21. وقرن الله رضاه برضا رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم - فقال تعالى : { والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } سورة التوبة: الآية،62. وجعل اتباع رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علامة على محبته- سبحانه وتعالى- فقال : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } (1) ولهذا كان مرجع السلف الصالح عند التنازع هو كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما قال تعالى :
_________
(1) سورة آل عمران : الآية ، 31 .

(1/20)


{ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } (1) وأفضل السلف بعد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصحابة الذين أخذوا دينهم عنه بصدق وإخلاص ، كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز ، بقوله : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } (2) ثم الذين يلونهم من القرون المفضلة الأولى ؛ الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم » (3) ولذا ؛ فالصحابة والتابعون أحق بالاتباع من غيرهم ، وذلك لصدقهم في إيمانهم ، وإخلاصهم في عبادتهم ، وهم حراس العقيدة ، وحماة الشريعة العاملون بها قولا وعملا ، ولذلك اختارهم الله تعالى لنشر دينه ، وتبليغ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
_________
(1) سورة النساء : الآية ، 59 .
(2) سورة الأحزاب : الآية ، 23 .
(3) رواه البخاري ومسلم .

(1/21)


« تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ؛ كلهم في النار ، إلا ملة واحدة » قالوا : من هي يا رسول الله؟ قال : « ما أنا عليه وأصحابي » (1) ويطلق على كل من اقتدى بالسلف الصالح ، وسار على نهجهم في سائر العصور " سلفي " نسبة إليهم ، وتمييزا بينه وبين من يخالفون منهج السلف ويتبعون غير سبيلهم .
قال تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } (2) ولا يسع أي مسلم إلا أن يفتخر بالانتساب إليهم . ولفظ " السلفية " أصبح علما على طريقة السلف الصالح في تلقي الإسلام وفهمه وتطبيقه ، وبهذا فإن مفهوم السلفية يطلق على المتمسكين بكتاب الله ، وما ثبت من سنة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تمسكا كاملا بفهم السلف .
_________
(1) صحيح سنن الترمذي : للألباني .
(2) سورة النساء : الآية ، 115 .

(1/22)


تعريف أهل السنة والجماعة
السنة في اللغة :
السنة في اللغة مشتقة من : سن يسن ، ويسن سنا ، فهو مسنون . وسن الأمر : بينه .
والسنة : الطريقة والسيرة ، محمودة كانت أم مذمومة .
ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
« لتتبعن لسنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع » (1) أي : طريقتهم في الدين والدنيا .
وقوله : « من سن في الإسلام سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده ؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة » (2) - أي : " سيرة . . . الحديث " (3)
السنة في الاصطلاح
الهدي الذي كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه ، علما ، واعتقادا ، وقولا ، وعملا ، وتقريرا . وتطلق السنة أيضا على سنن العبادات والاعتقادات ، ويقابل السنة : البدعة .
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين » (4)
الجماعة في اللغة :
_________
(1) رواه البخاري ومسلم .
(2) رواه مسلم .
(3) انظر معاجم اللغة : لسان العرب، مختار الصحاح، القاموس المحيط : مادة « سنن ».
(4) صحيح سنن أبي داود : للألباني .

(1/23)


(مأخوذة من الجمع ، وهو ضم الشيء، بتقريب بعضه من بعض ، يقال جمعته ، فاجتمع) .
ومشتقة من الاجتماع ، وهو ضد التفرق ، وضد الفرقة .
والجماعة : العدد الكثير من الناس ، وهي أيضا طائفة من الناس يجمعها غرض واحد .
والجماعة : هم القوم الذين اجتمعوا على أمر ما .
(1)
الجماعة في الاصطلاح :
جماعة المسلمين ، وهم سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ؛ الذين اجتمعوا على الكتاب والسنة ، وساروا على ما كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ظاهرا وباطنا .
وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين وحثهم على الجماعة والائتلاف والتعاون ونهاهم عن الفرقة والاختلاف والتناحر ، فقال :
{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } (2) وقال : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } (3) وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
_________
(1) انظر معاجم اللغة : لسان العرب ، مختار الصحاح ، القاموس المحيط : مادة : « جمع » .
(2) سورة آل عمران : الآية ، 103 .
(3) سورة آل عمران : الآية ، 105 .

(1/24)


« وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة ، وهي : " الجماعة » (1) وقال : « عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ؛ فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، ومن أراد بحبوحة الجنة ، فليلزم الجماعة » (2) وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (الجماعة ما وافق الحق ، وإن كنت وحدك) (3)
فأهل السنة والجماعة :
هم المتمسكون بسنة النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه ومن تبعهم وسلك سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل ، والذين استقاموا على الاتباع وجانبوا الابتداع ، وهم باقون ظاهرون منصورون إلى يوم القيامة فاتباعهم هدى ، وخلافهم ضلال .
_________
(1) صحيح سنن أبي داود : للألباني .
(2) رواه الإمام أحمد في : « مسنده » وصححه الألباني في (السنة ) لابن أبي عاصم .
(3) أخرجه اللالكائي في : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة » .

(1/25)


وأهل السنة والجماعة : يتميزون عن غيرهم من الفرق ؛ بصفات وخصائص وميزات منها :
ا- أنهم أهل الوسط والاعتدال بين الإفراط والتفريط ، وبين الغلو والجفاء سواء أكان في باب العقيدة أم الأحكام والسلوك ، فهم وسط بين فرق الأمة ، كما أن الأمة وسط بين الملل .
2 - اقتصارهم في التلقي على الكتاب والسنة ، والاهتمام بهما والتسليم لنصوصهما ، وفهمهما على مقتضى منهج السلف .
3 - ليس لهم إمام معظم يأخذون كلامه كله ويدعون ما خالفه إلا رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم أعلم الناس بأحواله ، وأقواله ، وأفعاله ، لذلك فهم أشد الناس حبا للسنة ، وأحرصهم على اتباعها ، وأكثرهم موالاة لأهلها .
4 - تركهم الخصومات في الدين ، ومجانبة أهلها ، وترك الجدال والمراء في مسائل الحلال والحرام ، ودخولهم في الدين كله .
5 - تعظيمهم للسلف الصالح ، واعتقادهم بأن طريقة السلف أسلم ، وأعلم ، وأحكم .
6 - رفضهم التأويل ، واستسلامهم للشرع ، مع تقديمهم النقل على العقل- تصورات الأذهان- وإخضاع الثاني للأول .

(1/26)


7 - جمعهم بين النصوص في المسألة الواحدة وردهم المتشابه إلى المحكم .
8 - أنهم قدوة الصالحين ؛ الذين يهدون إلى الحق ، ويرشدون إلى الصراط المستقيم ؛ بثباتهم على الحق وعدم تقلبهم ، واتفاقهم على أمور العقيدة ، وجمعهم بين العلم والعبادة ، وبين التوكل على الله ، والأخذ بالأسباب ، وبين التوسع في الدنيا والورع فيها ، وبين الخوف والرجاء ، والحب والبغض في الله ، وبين الرحمة واللين للمؤمنين والشدة والغلظة على الكافرين ، وعدم اختلافهم مع اختلاف الزمان والمكان .
9- أنهم لا يتسمون بغير الإسلام ، والسنة ، والجماعة .
10- حرصهم على نشر العقيدة الصحيحة ، والدين القويم ، وتعليمهم الناس وإرشادهم ، والنصيحة لهم ، والاهتمام بأمورهم .
11- أنهم أعظم الناس صبرا على أقوالهم ، ومعتقداتهم ، ودعوتهم .
12- حرصهم على الجماعة والألفة ، ودعوتهم إليها وحث الناس عليها ، ونبذهم للاختلاف والفرقة ، وتحذير الناس منها .
13- أن الله- عز وجل- عصمهم من تكفير بعضهم بعضا ، ثم هم يحكمون على غيرهم بعلم وعدل .

(1/27)


14- محبة بعضهم لبعض ، وترحم بعضهم على بعض ، وتعاونهم فيما بينهم ، وسد بعضهم لنقص بعض ، ولا يوالون ولا يعادون إلا في الله .
وبالجملة : فهم أحسن الناس أخلاقا ، وأحرصهم على زكاة أنفسهم بطاعة الله تعالى ، وأوسعهم أفقا ، وأبعدهم نظرا ، وأرحبهم بالخلاف صدرا ، وأعلمهم بآدابه وأصوله .

(1/28)


وصفوة القول في مفهوم أهل السنة والجماعة :
أنهم الفرقة التي وعدها النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالنجاة من بين الفرق ، ومدار هذا الوصف على اتباع السنة ، وموافقة ما جاء بها من الاعتقاد والعبادة والهدي والسلوك والأخلاق ، وملازمة جماعة المسلمين .
وبهذا لا يخرج تعريف أهل السنة والجماعة عن تعريف السلف ، وقد عرفنا أن السلف هم العاملون بالكتاب المتمسكون بالسنة ؛ إذن فالسلف هم أهل السنة الذين عناهم النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأهل السنة هم السلف الصالح ومن سار على نهجهم .
وهذا هو المعنى الأخص لأهل السنة والجماعة ؛ فيخرج من هذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأهل الأهواء، كالخوارج ، والجهمية ، والقدرية ، والمعتزلة ، والمرجئة ، والرافضة . . وغيرهم من أهل البدع ممن سلكوا مسلكهم .
فالسنة هنا تقابل البدعة ، والجماعة تقابل الفرقة ، وهو المقصود في الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة والنهي عن التفرق .
فهذا الذي قصده ترجمان القرآن ، عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- في تفسير قول الله تبارك وتعالى :

(1/29)


{ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } قال : (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة) (1)
ولفظ " السلف الصالح " يرادف مصطلح أهل السنة والجماعة ، كما يطلق عليهم- أيضا- أهل الأثر ، وأهل الحديث ، والطائفة المنصورة ، والفرقة الناجية ، وأهل الاتباع ، وهذه الأسماء والإطلاقات مستفيضة عن علماء السلف .
_________
(1) انظر : « تفسير ابن كثير » ج ا ، ص390 ، والآية : 106 من سورة آل عمران .

(1/30)


خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة
لماذا كانت عقيدة السلف الصالح أولى بالاتباع؟
العقيدة الصحيحة هي أساس هذا الدين ، وكل ما يبنى على غير هذا الأساس ؛ فمآله الهدم والانهيار ، ومن هذا نرى اهتمام النبي- صلى الله عليه وسلم -بإرساء هذه العقيدة وترسيخها في قلوب أصحابه طيلة عمره ، وذلك من أجل بناء الرجال على قاعدة صلبة وأساس متين .
وظل القرآن في مكة يتنزل ثلاثة عشر عاما يتحدث عن قضية واحدة لا تتغير ، وهي قضية العقيدة والتوحيد لله تعالى والعبودية له ، ومن أجلها ولأهميتها كان النبي- صلى الله عليه وسلم -في مكة لا يدعو إلا إليها ، ويربي أصحابه عليها .
وترجع أهمية دراسة عقيدة السلف الصالح إلى أهمية تبيين العقيدة الصافية ، وضرورة العمل الجاد في سبيل العودة بالناس إليها ، وتخليصهم من ضلالات الفرق واختلاف الجماعات ، وهي أول ما يجب على الدعاة الدعوة إليه .
فالعقيدة على منهج السلف الصالح: لها مميزات وخصائص فريدة تبين قيمتها ، وضرورة التمسك بها ، ومن أهم هذه المميزات :

(1/31)


أولا- أنها السبيل الوحيد للخلاص من التفرق والتحزب ، وتوحيد صفوف المسلمين عامة ، والعلماء والدعاة خاصة ؛ حيث هي وحي الله تعالى وهدي نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما كان عليه الرعيل الأول الصحابة الكرام ، وأي تجمع على غيرها مصيره- كما نشاهده اليوم من حال المسلمين- التفرق ، والتنازع ، والإخفاق ، قال الله تبارك وتعالى :
{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } (1)
ثانيا- أنها توحد وتقوى صفوف المسلمين ، وتجمع كلمتهم على الحق وفي الحق ؛ لأنها استجابة لقول الله تبارك وتعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } (2) ولذا فإن من أهم أسباب اختلاف المسلمين اختلاف مناهجهم وتعدد مصادر التلقي عندهم ، فتوحيد مصدرهم في العقيدة والتلقي سبب مهم لتوحيد الأمة ، كما تحقق في صدرها الأول .
_________
(1) سورة النساء : الآية ، 115 .
(2) سورة آل عمران : الآية ، 103 .

(1/32)


ثالثا- أنها تربط المسلم مباشرة بالله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبحبهما وتعظيمهما ، وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك لأن عقيدة السلف منبعها : قال الله ، وقال رسوله ؛ بعيدا عن تلاعب الهوى والشبهات ، وخالية من التأثر بالمؤثرات الأجنبية من فلسفة ومنطق وعقلانية ، فليس إلا الكتاب والسنة .
رابعا- أنها سهلة ميسرة واضحة ، لا لبس فيها ولا غموض بعيدة عن التعقيد وتحريف النصوص ، معتقدها مرتاح البال ، مطمئن النفس ، بعيد من الشكوك والأوهام ووساوس الشيطان ، قرير العين لأنه سائر على هدي نبي هذه الأمة- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، قال الله تعالى :
{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } (1)
خامسا : أنها من أعظم أسباب القرب من الله- عز وجل- والفوز برضوانه سبحانه وتعالى .
_________
(1) سورة الحجرات : الآية ، 15 .

(1/33)


وهذه المميزات والسمات ثابتة لأهل السنة والجماعة ، لا تكاد تختلف في أي مكان أو زمان ، والحمد لله .
(1)
_________
(1) ومن هنا نعلم عدم صحة دعوى أن « السلفية مرحلة زمنية لا مذهب إسلامي . . ! » لأن مذهب السلف مشتمل على أساسين عظيمين : . القدوة الحسنة . . والمنهج الصحيح المتبع . فالقدوة ؛ هم أصحاب العصور الثلاثة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان . والمنهج ؛ هو الطريقة المتبعة في هذه العصور ، في الفهم العقدي ، والاستدلال والتقرير ، والعلم ، والإيمان ، وجميع جوانب الشريعة . وبهذا يتضح جليا أن الاتصاف بالسلفية مدح وثناء لكل من اتخذها قدوة ومنهجا لأن له فيها سلفا صالحا ، وهم خيرة هذه الأمة بشهادة نبيها- صلى الله عليه وسلم - وأما الاتصاف بها دون تحقيق ما دلت عليه من الاعتقاد والعمل ظاهرا وباطنا فليس فيه مدح وثناء ؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمصطلحات .

(1/34)


الركن الأول
الإيمان بالله
الإيمان بالله تعالى ؛ هو التصديق الجازم بوجود الله ، واتصافه بكل صفات الكمال ، ونعوت الجلال ، واستحقاقه وحده العبادة ، واطمئنان القلب بذلك اطمئنانا ترى آثاره في سلوك الإنسان ، والتزامه بأوامر الله ، واجتناب نواهيه . وهو أساس العقيدة الإسلامية ولبها ؛ فهو الأصل ، وكل أركان العقيدة مضافة إليه وتابعة له .
فالإيمان بالله يتضمن الإيمان بوحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده ؛ لأن وجوده لا شك فيه ، وقد دل على وجوده سبحانه وتعالى :
الفطرة ، والعقل ، والشرع ، والحس .

(1/35)


ومن الإيمان بالله تعالى ؛ الإيمان بوحدانيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وذلك بإقرار أنواع التوحيد الثلاثة ، واعتقادها ، والعمل بها ، وهي : 1- توحيد الربوبية . 2- توحيد الألوهية . 3- توحيد الأسماء والصفات .
1 - توحيد الربوبية :
معناه الاعتقاد الجازم بأن الله وحده رب كل شيء ومليكه ، لا شريك له ، وهو الخالق وحده وهو مدبر العالم والمتصرف فيه ، وأنه خالق العباد ورازقهم ومحييهم ومميتهم ، والإيمان بقضاء الله وقدره وبوحدانيته في ذاته ، وخلاصته هو : توحيد الله تعالى بأفعاله .

(1/36)


وقد قامت الأدلة الشرعية على وجوب الإيمان بربوبيته سبحانه وتعالى ، كما في قوله : { الحمد لله رب العالمين } (1) . وقوله : { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } (2) . وقوله : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } (3) . وقوله تعالى : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } (4) . وهذا النوع من التوحيد لم يخالف فيه كفار قريش ، وأكثر أصحاب الملل والديانات ؛ فكلهم يعتقدون أن خالق العالم هو الله وحده ، قال الله تبارك وتعالى عنهم :
_________
(1) سورة الفاتحة : الآية ، 1.
(2) سورة الأعراف : الآية ، 54.
(3) سورة البقرة : الآية ، 29.
(4) سورة الذاريات : الآية ، 58.

(1/37)


{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله } (1) . وقال : { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون }{ سيقولون لله قل أفلا تذكرون }{ قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم }{ سيقولون لله قل أفلا تتقون }{ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون }{ سيقولون لله قل فأنى تسحرون }{ بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون } (2) . وذلك لأن قلوب العباد مفطورة على الإقرار بربوبيته- سبحانه وتعالى- ولذا فلا يصبح معتقده موحدا ، حتى يلتزم بالنوع الثاني من أنواع التوحيد ، وهو :
2 - توحيد الألوهية :
هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد ، ويسمى توحيد العبادة ، ومعناه الاعتقاد الجازم بأن الله- سبحانه وتعالى- هو :
_________
(1) سورة لقمان : الآية ، 25.
(2) سورة المؤمنون : الآية ، 84 - 90.

(1/38)


الإله الحق ولا إله غيره ، وكل معبود سواه باطل ، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة ، وأن لا يشرك به أحد كائنا من كان ، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره ؛ كالصلاة ، والصيام ، والزكاة ، والحج ، والدعاء ، والاستعانة ، والنذر ، والذبح ، والتوكل ، والخوف والرجاء ، والحب ، وغيرها من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة ، وأن يعبد الله بالحب والخوف والرجاء جميعا ، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال .
قال الله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } (1) . وقال : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون } (2) . وتوحيد الألوهية هو ما دعت إليه جميع الرسل ، وإنكاره هو الذي أورد الأم السابقة موارد الهلاك .
وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره ، وهو أول دعوة الرسل وآخرها ولأجله أرسلت الرسل ، وأنزلت الكتب ، وسلت سيوف الجهاد ، وفرق بين المؤمنين والكافرين ، وبين أهل الجنة وأهل النار .
_________
(1) سورة الفاتحة : الآية ، 5.
(2) سورة المؤمنون : الآية ، 117.

(1/39)


وهو معنى قوله تعالى : { لا إله إلا الله } قال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } (1) . ومن كان ربا خالقا ، رازقا ، مالكا ، متصرفا ، محييا ، مميتا ، موصوفا بكل صفات الكمال ، ومنزها من كل نقص ، بيده كل شيء ، وجب أن يكون إلها واحدا لا شريك له ، ولا تصرف العبادة إلا إليه ، قال تعالى :
{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } (2) . وتوحيد الربوبية من مقتضيات توحيد الألوهية ؛ لأن المشركين لم يعبدوا إلها واحدا ، وإنما عبدوا آلهة متعددة ، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وهم مع ذلك معترفون بأنها لا تضر ولا تنفع ، لذلك لم يجعلهم الله مؤمنين رغم اعترافهم بتوحيد الربوبية ؛ بل جعلهم في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة .
ومن هنا يختلف معتقد السلف- أهل السنة والجماعة- عن غيرهم في الألوهية ؛ فلا يعنون كما يعني البعض أن معنى التوحيد أنه لا خالق إلا الله فحسب ؛ بل إن توحيد الألوهية عندهم لا يتحقق إلا بوجود أصلين :
_________
(1) سورة الأنبياء : الآية ، 25.
(2) سورة الذاريات : الآية ، 56.

(1/40)


الأول : أن تصرف جميع أنواع العبادة له- سبحانه- دون ما سواه ، ولا يعطى المخلوق شيئا من حقوق الخالق وخصائصه .
فلا يعبد إلا الله ، ولا يصلى لغير الله ، ولا يسجد لغير الله ، ولا ينذر لغير الله ، ولا يتوكل على غير الله ، وإن توحيد الألوهية يقتضي إفراد الله وحده بالعبادة .
والعبادة : إما قول القلب واللسان وإما عمل القلب والجوارح .
قال تعالى : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين }{ لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } (1) . وقال . سبحانه : { ألا لله الدين الخالص } (2) . الثاني : أن تكون العبادة موافقة لما أمر الله تعالى به ، وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
فتوحيد الله سبحانه بالعبادة والخضوع والطاعة هو تحقيق شهادة أن : (لا إله إلا الله) .
ومتابعة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- والإذعان لما أمر به ونهى عنه هو تحقيق أن : ( محمدا رسول الله) .
فمنهج أهل السنة والجماعة :
_________
(1) سورة الأنعام : الآيتان ، 162 - 163.
(2) سورة الزمر : الآية ، 3.

(1/41)


أنهم يعبدون الله تعالى ولا يشركون به شيئا ، فلا يسألون إلا الله ، ولا يستعينون إلا بالله ، ولا يستغيثون إلا به سبحانه ، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا ، ولا يخافون إلا منه ، ويتقربون إلى الله تعالى بطاعته ، وعبادته ، وبصالح الأعمال ، قال تعالى :
{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } (1) .
3 - توحيد الأسماء والصفات :
معناه الاعتقاد الجازم بأن الله- عز وجل- له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وهو متصف بجميع صفات الكمال ، ومنزه عن جميع صفات النقص ، متفرد بذلك عن جميع الكائنات .
_________
(1) سورة النساء : الآية ، 36.

(1/42)


وأهل السنة والجماعة : يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة ، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ولا يلحدون (1) في أسمائه وآياته ، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيل ، ولا تكييف ، ولا تعطيل ، ولا تحريف ، وقاعد تهم في كل ذلك قول الله تبارك وتعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } (2) . وقوله : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } (3) .
وأهل السنة والجماعة :
_________
(1) الإلحاد : هو الميل عن الحق والانحراف عنه ؛ ويدخل فيه : « التعطيل ، والتحريف والتكييف ، والتمثيل » . * التعطيل : عدم إثبات الصفات ، أو إثبات بعضها ونفي الباقي . * التحريف : تغيير النص لفظا أو معنى ، وصرفه عن معناه الظاهر إلى معنى لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح ؛ فكل تحريف تعطيل ، وليس كل تعطيل تحريفا . * التكييف : بيان الهيئة التي تكون عليها الصفات . * التمثيل : إثبات المثل للشيء ؛ مشابها له من كل الوجوه .
(2) سورة الشورى : الآية ، 11.
(3) سورة الأعراف : الآية ، 180.

(1/43)


لا يحددون كيفية صفات الله- جل وعلا- لأنه تبارك وتعالى لم يخبر عن الكيفية ، ولأنه لا أحد أعلم من الله سبحانه بنفسه ، قال تعالى : { قل أأنتم أعلم أم الله } (1) . وقال تعالى : { فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } (2) . ولا أحد أعلم بالله بعد الله من رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي قال الله تبارك وتعالى في حقه : { وما ينطق عن الهوى }{ إن هو إلا وحي يوحى } (3) .
وأهل السنة والجماعة :
يؤمنون أن الله- سبحانه وتعالى- هو الأول ليس قبله شيء ، والآخر الذي ليس بعده شيء ، والظاهر الذي ليس فوقه شيء ، والباطن الذي ليس دونه شيء ، كما قال سبحانه :
{ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } (4) .
_________
(1) سورة البقرة : الآية ، 140.
(2) سورة النحل : الآية ، 74.
(3) سورة النجم : الآيتان ، 3-4.
(4) سورة الحديد : الآية ، 3.

(1/44)


وكما أن ذاته- سبحانه وتعالى- لا تشبه الذوات ، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات ، لأنه سبحانه لا سمي له ، ولا كفء له ولا ند له ، ولا يقاس بخلقه ؛ فيثبتون لله ما أثبته لنفسه إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل ؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون ، وإذا نزهوه لا يعطلون الصفات التي وصف نفسه بها (1) .
وأنه- تعالى- محيط بكل شيء ، وخالق كل شيء ، ورازق كل حي ، قال الله تبارك وتعالى :
_________
(1) وأنه لا يجوز أبدا أن يتخيل كيفية ذات الله أو كيفية صفاته.

(1/45)


{ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } (1) . وقال : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } (2) . ويؤمنون بأن الله تعالى استوى (3) . على العرش فوق سبع سماوات ، بائن من خلقه ، أحاط بكل شيء علما ، كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات بلا تكييف (4) . قال تعالى : { الرحمن على العرش استوى } . (5) " . وقال : { ثم استوى على العرش } (6) . وقال : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور }{ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير } (7) . وقال : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } (8) . وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ » (9)
_________
(1) سورة الملك : الآية ، 14.
(2) سورة الذاريات : الآية ، 58.
(3) والاستواء على العرش والعلو صفتان نثبتهما لله تعالى إثباتا يليق بجلاله ، وتفسير كلمة استوى عند السلف : (استقر ، علا ، ارتفع ، صعد) والسلف يفسرونها بهذه الكلمات لا يتجاوزونها ولا يزيدون عليها ، ولم يرد في تفسير السلف تفسيرها بمعنى : (استولى ، ولا ملك ، ولا قهر) . * والكيف مجهول ؛ لا يعلمه إلا الله * والأيمان به واجب ؛ لثبوت الأدلة . * والسؤال عنه بدعة ؛ لأن كيفية الاستواء لا يعلمها إلا الله ولأن الصحابة أيضا لم يسألوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الكيفية.
(4) وهي على الترتيب : سورة الأعراف : الآية ، 54 . سورة يونس : الآية ، 3 . وسورة الرعد : الآية ، 2 . وسورة طه : الآية ، 5 . وسورة الفرقان : الآية ، 59 . وسورة السجدة : الآية ، 4 . وسورة الحديد : الآية ، 4.
(5) سورة طه : الآية ، 5 . قال الإمام الحافظ إسحاق بن راهويه- رحمه الله - عن هذه الآية : (إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة) رواه الإمام الذهبي في « العلو للعلي الغفار.
(6) سورة الحديد : الآية ، 4.
(7) سورة الملك : الآيتان ، 16 -17.
(8) سورة فاطر : الآية ، 10.
(9) رواه البخاري ومسلم .

(1/46)


وأهل السنة والجماعة : يؤمنون بأن الكرسي والعرش حق . قال تعالى : { وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } (1) والعرش لا يقدر قدره إلا الله ، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السموات والأرض ، والله مستغن عن العرش والكرسي ، ولم يستو على العرش لاحتياجه إليه ؛ بل لحكمة يعلمها ، وهو منزه عن أن يحتاج إلى العرش أو ما دونه ، فشأن الله تبارك وتعالى أعظم من ذلك ؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه .
وأن الله تعالى خلق آدم - عليه السلام- بيديه ، وأن كلتا يديه يمين ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء كما وصف نفسه سبحانه ، فقال : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } (2) وقال : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } (3)
وأهل السنة والجماعة :
_________
(1) سورة البقرة : الآية ، 255 .
(2) سورة المائدة : الآية ، 64 .
(3) سورة ص : الآية ، 75 .

(1/47)


يثبتون لله سمعا ، وبصرا ، وعلما ، وقدرة ، وقوة ، وعزا ، وكلاما ، وحياة ، وقدما وساقا ، ويدا ، ومعية . . وغيرها من صفاته - عز وجل- التي وصف بها نفسه في كتابه العزيز ، وعلى لسان نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها ؛ لأنه تعالى لم يخبرنا عن الكيفية ، قال تعالى : { إنني معكما أسمع وأرى } (1) وقال : { وهو العليم الحكيم } (2) { وكلم الله موسى تكليما } (3) . { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } (4) . { رضي الله عنهم ورضوا عنه } (5) . { يحبهم ويحبونه } (6) . { فلما آسفونا انتقمنا منهم } (7) . { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } (8) . { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } (9) . { وغضب الله عليهم } (10) . وغيرها من آيات الصفات .
وأهل السنة والجماعة :
يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ، ويزورونه ، ويكلمهم ويكلمونه ، قال تعالى :
_________
(1) سورة طه : الآية ، 46.
(2) سورة التحريم : الآية ، 2.
(3) سورة النساء : الآية ، 164.
(4) سورة الرحمن : الآية ، 27.
(5) سورة المائدة : الآية ، 119.
(6) سورة المائدة : الآية ، 54.
(7) سورة الزخرف : الآية ، 55.
(8) سورة القلم : الآية ، 42.
(9) سورة آل عمران : الآية ، 2.
(10) سورة الممتحنة : الآية ، 13.

(1/48)


{ وجوه يومئذ ناضرة }{ إلى ربها ناظرة } (1) . وسوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته ، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليله البدر ، لا تضامون في رؤيته » . . " . (2)
وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولا حقيقيا يليق بجلاله وعظمته .
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ؛ فيقول : من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟ » (3) .
_________
(1) سورة القيامة : الآيتان ، 22 - 23.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.

(1/49)


ويؤمنون بأنه تعالى يجيء يوم الميعاد للفصل بين العباد ، مجيئا حقيقيا يليق بجلاله ، قال سبحانه وتعالى : { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }{ وجاء ربك والملك صفا صفا } (1) . وقوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر } (2) . فمنهج أهل السنة والجماعة في كل ذلك الإيمان الكامل بما أخبر به الله تعالى ، وأخبر به رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والتسليم به ؛ كما قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى : (من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم (3) " .
_________
(1) سورة الفجر : الآيتان ، 21 - 22.
(2) سورة البقرة : الآية ، 210.
(3) أخرجه الإمام البغوي في : « شرح السنة.

(1/50)


وكما قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى :
(كل ما وصف الله تعالى به نفسه في القرآن فقراءته ؛ تفسيره لا كيف ، ولا مثل (1) وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى :
(آمنت بالله ، وبما جاء عن الله على مراد الله ، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله (2) وقال الوليد بن مسلم : سألت الأوزاعي ، وسفيان بن عيينة ، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية ، فقالوا : (أمروها كما جاءت بلا كيف)
(3) وقال الإمام مالك بن أنس - إمام دار الهجرة- رحمه الله : (إياكم والبدع) قيل : وما البدع؟ قال : (أهل البدع هم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان)
(4) وسأله رجل عن قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } كيف استوى؟ فقال : (الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالا) وأمر به أن يخرج من المجلس .
(5) وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى :
_________
(1) رواه الإمام اللالكائي في : (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ).
(2) انظر : « لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد للإمام ابن قدامة المقدسي .
(3) أخرجه الإمام البغوي في : « شرح السنة ».
(4) أخرجه الإمام البغوي في : « شرح السنة ».
(5) أخرجه الإمام البغوي في : « شرح السنة ».

(1/51)


( لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء ؛ بل يصفه بما وصف به نفسه ، ولا يقول فيه برأيه شيئا ؛ تبارك الله تعالى رب العالمين)
(1) ولما . سئل- رحمه الله- عن صفة النزول ، فقال : (ينزل بلا كيف) (2) وقال الحافظ الإمام نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله : (من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر ، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها)
(3) وقال بعض السلف :
(قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم) (4) لذا فإنه من سلك مسلك السلف في الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته ؛ يكون ملتزما بمنهج القرآن في أسماء الله وصفاته سواء كان السالك في عصر السلف ، أو في العصور المتأخرة .
وكل من خالف السلف في منهجهم ؛ فلا يكون ملتزما بمنهج القرآن ، وإن كان موجودا في عصر السلف ، وبين أظهر الصحابة والتابعين .
_________
(1) انظر : « شرح العقيدة الطحاوية » .
(2) انظر : « شرح العقيدة الطحاوية » .
(3) رواه الإمام الذهبي في : العلو للعلي الغفار « .
(4) رواه الإمام البغوي في : « شرح السنة » .

(1/52)


الركن الثاني
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة : هو الإيمان بوجودهم إيمانا جازما لا يتطرق إليه شك ، ولا ريب ، قال الله تعالى : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله }
فمن ينكر وجود الملائكة ؛ فقد كفر ، لقوله تعالى : { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا }
فأهل السنة والجماعة :
يؤمنون بهم إجمالا ، وأما تفصيلا فما صح به الدليل ، ومن سماه الله ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منهم كجبريل الموكل بالوحي ، وميكائيل الموكل بالمطر ، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور ، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح ، ومالك خازن النار ، ورضوان خازن الجنة ، وملكي القبر منكر ونكير .
وأهل السنة والجماعة :
يؤمنون بوجودهم ، وأنهم عباد مخلوقون ، خلقهم الله من نور ، وهم ذوات محسوسة ، وليسوا أمورا معنوية ، ولا قوى خفية ، وهم خلق من خلق الله ، يسكنون السماء .

(1/53)


والملائكة خلقتهم عظيمة ، منهم من له جناحان ، ومنهم من له ثلاثة ، ومنهم له أربعة ، ومنهم من له أكثر من ذلك ، وثبت أن جبريل- عليه السلام- له ستمائة جناح .
وهم جند من جنود الله ، قادرون على التمثل بأمثال الأشياء ، والتشكل بأشكال جسمانية ؛ حسبما تقتضيها الحالات التي يأذن بها الله- سبحانه وتعالى- وهم مقربون من الله ومكرمون ، لا يوصفون بالذكورة والأنوثة ، ولا يتناكحون ، ولا يتناسلون .
والملائكة لا يأكلون ولا يشربون ، وإنما طعامهم التسبيح والتهليل ولا يملون ، ولا يفترون ، ولا يتعبون ، ويتصفون بالحسن ، والجمال ، والحياء ، والنظام .

(1/54)


والملائكة يختلفون عن البشر ؛ بأنهم جبلوا على الطاعة وعدم العصيان ، خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره ، قال تعالى عنهم : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون }{ لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون }{ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } والملائكة يسبحون الله ليلا ونهارا ، ويطوفون بالبيت المعمور في السماء ، وهم يخشون الله تعالى ويخافونه .

(1/55)


والملائكة أصناف كثيرة :
منهم الموكلون بحمل العرش ، ومنهم الموكلون بالوحي ، ومنهم الموكل بالجبال ، ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار .
ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد ، ومنهم الموكلون بقبض أرواح المؤمنين ، ومنهم الموكلون بقبض أرواح الكافرين ، ومنهم الموكلون بسؤال العبد في القبر .
ومنهم من يستغفر للمؤمنين ويصلون عليهم ويحبونهم ، ومنهم من يشهد مجالس العلم وحلقات الذكر ، فيحفونهم بأجنحتهم ، ومنهم من هو قرين للإنسان لا يفارقه ، ومنهم من يدعو العباد إلى فعل الخير ، ومنهم من يشهد جنائز الصالحين ، ويقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في جهادهم مع أعداء الله .
ومنهم الموكلون بحماية الصالحين ، وتفريج كربهم ، ومنهم الموكلون بالعذاب .
والملائكة لا يدخلون بيتا فيه تمثال ، ولا صورة ، ولا كلب ، ولا جرس ، ويتأذون مما يتأذى منه بنو آدم ، قال النبي- صلى الله عليه وسلم - : « إن البيت الذي فيه الصور ؛ لا تدخله الملائكة » (1) وقال- صلى الله عليه وسلم - : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير » (2)
_________
(1) متفق عليه .
(2) رواه البخاري .

(1/56)


والملائكة كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل ، قال تعالى :
{ وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر } (1) وقد حجبهم الله تعالى عنا ؛ فلا نراهم في صورهم التي خلقوا عليها ، ولكن كشفهم لبعض عباده ، كما رأى النبي- صلى الله عليه وسلم - جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين ، قال الله تبارك وتعالى :
{ ولقد رآه نزلة أخرى }{ عند سدرة } (2) وقال : { وما صاحبكم بمجنون }{ ولقد رآه بالأفق المبين } (3)
_________
(1) سورة المدثر : الآية ، 31 .
(2) سورة النجم : الآيتان ، 13-14 .
(3) سورة التكوير : الآيتان ، 22 - 23 .

(1/57)


الركن الثالث
الإيمان بالكتب
أهل السنة والجماعة : يؤمنون بالله ويعتقدون اعتقادا جازما أن الله- عز وجل- أنزل على رسله كتبا فيها : أمره ، ونهيه ، ووعده ووعيده ، وما أراده الله من خلقه ، وفيها هدى ونور ، قال تعالى : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } (1)
وأن الله أنزل كتبه على رسله لهداية البشرية ، قال تعالى :
{ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } (2)
وهذه الكتب هي : القرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وصحف إبراهيم وموسى ، وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن ، وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها هو القرآن . وعندما أنزل الله الكتب- عدا القرآن- لم يتكفل بحفظها ؛ بل استحفظ عليها الأحبار والربانيون ، لكنهم لم يحافظوا عليها ، وما رعوها حق رعايتها ، فحصل فيها تغيير وتبديل .
_________
(1) سورة البقرة : الآية ، 285 .
(2) سورة إبراهيم : الآية ، 1 .

(1/58)


والقرآن الكريم : هو كلام رب العالمين ، وكتابه المبين ، وحبله المتين ، أنزله الله على رسوله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليكون دستورا للأمة ، ومخرجا للناس من الظلمات إلى النور ، وهاديا لهم إلى الرشاد وإلى الصراط المستقيم .
وقد بين الله فيه أخبار الأولين والآخرين ، وخلق السماوات والأرضين ، وفصل فيه الحلال والحرام ، وأصول الآداب والأخلاق وأحكام العبادات والمعاملات ، وسيرة الأنبياء والصالحين ، وجزاء المؤمنين والكافرين ، ووصف الجنة دار المؤمنين ، ووصف النار دار الكافرين ، وجعله شفاء لما في الصدور ، وتبيانا لكل شيء ، وهدى ورحمة للمؤمنين ، قال الله تعالى :
{ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } (1) ويجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صح من السنة عن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأن الله بعث رسوله إلى جميع الثقلين ؛ ليبين لهم ما أنزله إليهم ، قال تعالى :
_________
(1) سورة النحل : الآية ، 89 .

(1/59)


{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } (1)
وأهل السنة والجماعة :
يؤمنون بأن القرآن كلام الله- حروفه ومعانيه- منه بدأ وإليه يعود ، منزل غير مخلوق ، تكلم الله به حقا ، وأوحاه إلى جبريل ؛ فنزل به جبريل- عليه السلام- على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
أنزله الحكيم الخبير بلسان عربي مبين ، ونقل إلينا بالتواتر الذي لا يرقى إليه شك ، ولا ريب ، قال الله تعالى :
{ وإنه لتنزيل رب العالمين }{ نزل به الروح الأمين }{ على قلبك لتكون من المنذرين }{ بلسان عربي مبين } (2)
والقرآن الكريم : مكتوب في اللوح المحفوظ ، وتحفظه الصدور ، وتتلوه الألسن ، ومكتوب في الصحف ، قال الله تعالى : { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } (3) وقال : { إنه لقرآن كريم }{ في كتاب مكنون }{ لا يمسه إلا المطهرون }{ تنزيل من رب العالمين } (4)
_________
(1) سورة النحل : الآية ، 44 .
(2) سورة الشعراء : الآيات ، 192 - 195 .
(3) سورة العنكبوت : الآية ، 49 .
(4) سورة الواقعة : الآيات ، 77 - 80 .

(1/60)


والقرآن الكريم : المعجزة الكبرى الخالدة لنبي الإسلام محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -وهو آخر الكتب السماوية ، لا ينسخ ولا يبدل ، وقد تكفل الله بحفظه من أي تحريف ، أو تبديل ، أو زيادة ، أو نقص إلى يوم يرفعه الله تعالى ، وذلك قبل يوم القيامة .
قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (1)
وأهل السنة والجماعة :
يكفرون من أنكر حرفا منه أو زاد أو نقص ، وعلى هذا فنحن نؤمن إيمانا جازما بأن كل آية من آيات القرآن منزلة من عند الله ، وقد نقلت إلينا بطريق التواتر القطعي .
والقرآن الكريم : لم ينزل جملة واحدة على رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل نزل منجما ، أي مفرقا حسب الوقائع ، أو جوابا عن أسئلة أو حسب مقتضيات الأحوال في ثلاث وعشرين سنة .
والقرآن الكريم : يحتوي على " 114 " سورة " 86 " منها نزلت في مكة ، و " 28 " منها نزلت في المدينة ، وتسمى السور التي نزلت في مكة بالسور المكية ، والسور التي نزلت في المدينة بالسور المدنية ، وفيه تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة .
_________
(1) سورة الحجر : الآية ، 9 .

(1/61)


وقد كتب القرآن في عهد النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبمرأى منه ؛ حيث كان للوحي كتبة من خيرة الصحابة- رضي الله عنهم- يكتبون كل ما نزل من القرآن وبأمر من النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم جمع في عهد أبي بكر بين دفتي المصحف ، وفي عهد عثمان على حرف واحد ؛ رضي الله تعالى عنهم أجمعين .
وأهل السنة والجماعة :
يهتمون بتعليم القرآن ، وحفظه ، وتلاوته وتفسيره ، والعمل به . قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب } (1)
ويتعبدون الله تعالى بقراءته ؛ لأن في قراءة كل حرف منه حسنة كما أخبر النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حيث قال : « من قرأ حرفا من كتاب الله ؛ فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، ولا أقول الم حرف ؛ ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف » (2)
_________
(1) سورة ص : الآية ، 29 .
(2) صحيح سنن الترمذي : للألباني .

(1/62)


وأهل السنة والجماعة : لا يجوزون تفسير القرآن بالرأي المجرد فإنه من القول على الله بغير علم ومن عمل الشيطان ، قال تعالى : { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين }{ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } (1)
بل يفسر القرآن بالقرآن ، ثم بالسنة ، ثم بأقوال الصحابة ، ثم بأقوال التابعين ، ثم باللغة العربية التي نزل بها القرآن .
_________
(1) سورة البقرة : الآيتان ، 168 -169 .

(1/63)


وأهل السنة والجماعة :
يؤمنون بهم جميعا من سمى الله منهم ومن لم يسم ، من أولهم آدم عليه السلام . . . إلى آخرهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد بن عبد الله ، صلى الله عليهم أجمعين .
والإيمان بالرسل إيمان مجمل ، والإيمان بنبينا محمد - صلى الله عليه وعلى آله ومسلم- إيمان مفصل يقتضي ذلك منهم اتباعه فيما جاء به على وجه التفصيل .
( محمد رسول الله)
" صلى الله عليه وعلى آله وسلم "
هو : أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وعدنان من ولد نبي الله إسماعيل بن إبراهيم الخليل على نبينا وعليهما السلام .
وهو خاتم الأنبياء والمرسلين ، ورسول الله إلى الناس أجمعين ، هو عبد لا يعبد ، ورسول لا يكذب ، وهو خير الخلائق ، وأفضلهم وأكرمهم على الله تعالى ، وأعلاهم درجة ، وأقربهم إلى الله وسيلة .

(1/64)


وهو المبعوث إلى الثقلين ، بالحق والهدى ، بعثه الله رحمة للعالمين ، قال تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (1)
أنزل عليه كتابه وائتمنه على دينه ، وكلفه بتبليغ رسالته ، وقد عصمه من الزلل في تبليغه لهذه الرسالة ، قال تعالى : { وما ينطق عن الهوى }{ إن هو إلا وحي يوحى } (2)
ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ، ويشهد بنبوته ، ومن أطاعه دخل الجنة ، ومن عصاه دخل النار ، قال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } (3)
فقد كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، ومحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث إلى الناس كافة ، قال تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا } (4)
_________
(1) سورة الأنبياء : الآية ، 107 .
(2) سورة النجم : الآيتان ، 3-4 .
(3) سورة النساء : الآية ، 65 .
(4) سورة سبأ : الآية ، 28 .

(1/65)


وأهل السنة والجماعة : يؤمنون بأن الله تعالى أيد نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسالم- بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة : * ومن تلك المعجزات وأعظمها القرآن الذي تحدى الله به أفصح الأم وأبلغها وأقدرها على المنطق . * ومن أكبر المعجزات- بعد القرآن- التي أيد الله نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بها ؛ معجزة الإسراء والمعراج . فأهل السنة : يؤمنون أن النبي- صلى الله عليه وسلم -عرج به في اليقظة بروحه وجسده إلى السماء ، وذلك في ليلة الإسراء ، وقد أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بنص القرآن .
قال تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } (1)
ثم عرج به- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى السماء ، حيث صعد حتى السماء السابعة ، ثم فوق ذلك حيث شاء الله من العلا ، وكان ذلك عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى .
_________
(1) سورة الإسراء : الآية ، 1 .

(1/66)


وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه وكلمه ، وشرع له خمس صلوات في اليوم والليلة ، ودخل الجنة فاطلع عليها ، واطلع على النار ، ورأى الملائكة ، ورأى جبريل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها ، وما كذب فؤاد النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما رأى ، بل كان كل ما رآه بعيني رأسه حقا ، تعظيما له وتشريفا على سائر الأنبياء وإظهارا لعلو مقامه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فوق الجميع ، ثم نزل بيت المقدس وصلى إماما بالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- ثم عاد إلى مكة قبل الفجر . (1)
قال تعالى : { أفتمارونه على ما يرى }{ ولقد رآه نزلة أخرى }{ عند سدرة المنتهى }{ عندها جنة المأوى }{ إذ يغشى السدرة ما يغشى }{ ما زاغ البصر وما طغى }{ لقد رأى من آيات ربه الكبرى } (2)
ومن معجزاته أيضا ؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
* انشقاق القمر : آية عظيمة أعطاها الله لنبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دليلا على نبرته ، وكان ذلك في مكة حينما طلب المشركون منه آية .
_________
(1) وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب السنن والمسانيد تفاصيل ما كان في تلك الليلة المباركة .
(2) سورة النجم : الآيات ، 12 - 18 .

(1/67)


* تكثير الطعام له ، وقد وقع هذا منه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكثر من مرة .
* تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة ، وتسبيح الطعام له وهو يؤكل ، وقد وقع هذا الشيء كثيرا من الرسول- صلى الله عليه وسلم - .
* إبراء المرضى ، وشفاء بعض أصحابه على يديه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بدون دواء حسي .
* أدب الحيوان معه ، وإذعان الأشجار إليه ، وتسليم الأحجار عليه ؛ صلوات الله وسلامه عليه .
* الانتقام العاجل من بعض من خانه وعانده- صلى الله عليه وسلم - .
* إخباره ببعض الأمور الغيبية ، وإخباره عن الأمور التي وقعت بعيدا عنه فور وقوعها ، وإخباره عن أمور غيبية لم تكن حدثت ، فحدثت بعد ذلك كما أخبر به صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
* إجابة دعائه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عامة .

(1/68)


* وحفظ الله له- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكف الأعداء عنه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال : « قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قال : فقيل : نعم ! قال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب . قال : فأتى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته ، قال : فما فجأهم منه ؛ إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه ، قال : فقيل له : ما لك؟ فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " لو دنا ، لاختطفته الملائكة ؛ عضوا عضوا » (1)
_________
(1) رواه مسلم .

(1/69)


الركن الخامس
الإيمان باليوم الآخر
أهل السنة والجماعة : يعتقدون ويؤمنون باليوم الآخر ، ومعناه الاعتقاد الجازم والتصديق الكامل ؛ بيوم القيامة ، والإيمان بكل ما أخبر به الله- عز وجل- في كتابه الكريم ، وأخبر به رسوله الأمين - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مما يكون بعد الموت ، وحتى يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار .
لقد أكد الله- سبحانه وتعالى- ذكر اليوم الآخر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة وربط الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله .
قال تعالى : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } (1)
وأهل السنة والجماعة : يؤمنون بأن وقت قيام الساعة علمه عند الله تعالى ، لا يعلمه أحد إلا الله ، قال تعالى :
{ إن الله عنده علم الساعة } (2)
وإذا كان الله قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده ، فإنه قد جعل لها أمارات وعلامات وأشراطا تدل على قرب وقوعها .
ويؤمنون بكل ما يقع من أشراط الساعة الصغرى والكبرى التي هي أمارات على قيام الساعة لأنها تدخل في الإيمان باليوم الآخر .
_________
(1) سورة البقرة : الآية ، 4 .
(2) سورة لقمان : الآية ، 34 .

(1/70)


علامات الساعة الصغرى :
وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة ، وتكون من النوع المعتاد وقد يظهر بعضها مصاحبا للأشراط الكبرى ، وعلامات أشراط الساعة الصغرى كثيرة جدا ونذكر الآن شيئا مما صح منها : فمن ذلك بعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وختم النبوة والرسالة به ، وموته- صلى الله عليه وسلم - ، وفتح بيت المقدس ، وظهور الفتن ، واتباع سنن الأم الماضية من اليهود والنصارى ، وخروج الدجالين ، وأدعياء النبوة .
ووضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله- صلى الله عليه وسلم -ورفض سنته ، وكثرة الكذب ، وعدم التثبت في نقل الأخبار ، ورفع العلم والتماس العلم عند الأصاغر ، وظهور الجهل والفساد ، وذهاب الصالحين ، ونقض عرى الإسلام عروة عروة ، وتداعي الأم على أمة محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم غربة الإسلام وأهله .

(1/71)


وكثرة القتل ، وتمني الموت من شدة البلاء ، وغبطة أهل القبور وتمني الرجل أن يكون مكان الميت من شدة البلاء ، وكثرة موت الفجأة والموت في الزلازل والأمراض ، وقلة عدد الرجال ، وكثرة النساء ، وظهورهن كاسيات عاريات ، وتفشي الزنا في الطرقات ، وظهور أعوان الظلمة من الشرطة الذين يجلدون الناس .
وظهور المعازف ، والخمر ، والزنا ، والربا ، والحرير ، واستحلالها ، وظهور الخسف والمسخ والقذف .
وتضييع الأمانة ، وإسناد الأمر إلى غير أهله ، وزعامة الأراذل من الناس ، وارتفاع أسافلهم على خيارهم ، وولادة الأمة ربتها ، والتطاول في البنيان ، وتباهي الناس في زخرفة المساجد ، وتغير الزمان ؛ حتى تعبد الأوثان ، ويظهر الشرك في الأمة .
والسلام على المعارف فقط ، وكثرة التجارة ، وتقارب الأسواق ووجود المال الكثير في أيدي الناس مع عدم الشكر ، وكثرة الشح ، وكثرة شهادة الزور ، وكتمان شهادة الحق ، وظهور الفحش ، والتخاصم والتباغض والتشاحن ، وقطيعة الرحم ، وسوء الجوار .

(1/72)


وتقارب الزمان وقلة البركة في الأوقات ، وانتفاخ الأهلة ، وحدوث الفتن كقطع الليل المظلم ، ووقوع التناكر بين الناس ، والتهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام ، وتشبه الشيوخ بالشباب . وكلام السباع والجمادات للإنس ، وحسر ماء الفرات عن جبل من ذهب ، وصدق رؤيا المؤمن .
وما يقع من مدينة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - حيث تنفي الخبث ، فلا يبقى فيها إلا الأتقياء الصالحون ، وعودة جزيرة العرب مروجا وأنهارا ، وخروج رجل من قحطان يدين له الناس .
وكثرة الروم وقتالهم للمسلمين ، وقتال المسلمين لليهود حتى يقول الحجر والشجر : « يا مسلم هذا يهودي ؛ فتعال فاقتله » (1) . وفتح روما كما فتحت القسطنطينية . . إلى غير ذلك من علامات الساعة الصغرى الثابتة في الأحاديث الصحيحة .
_________
(1) رواه البخاري .

(1/73)


علامات الساعة الكبرى :
وهذه هي التي تدل على قرب قيام الساعة ، فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها ، وأهل السنة يؤمنون بها كما جاءت عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومنها :
ظهور المهدي : وهو محمد بن عبد الله ؛ من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ويخرج من قبل المشرق يملك سبع سنين ، يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا ، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط ، تخرج الأرض نباتها ، وتمطر السماء قطرها ، ويعطي المال بغير عدد .
وخروج المسيح الدجال (1) ونزول المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام- عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام ، وينزل حاكما بشريعة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم- عاملا بها ، وأنه يقتل الدجال ، ويحكم في الأرض بالإسلام ، ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق ، وتكون مجتمعة لقتال الدجال ، فينزل وقت إمامة الصلاة يصلي خلف أمير تلك الطائفة .
_________
(1) وفتنة ظهور المسيح الدجال من أعظم الفتن ؛ لأن الدجال هو منبع الكفر والضلال والفتن ، ومن أجل ذلك فقد حذر منه الأنبياء أقوامهم ، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم -يستعيذ من فتنة الدجال دبر كل صلاة ، وحذر منه أمته .

(1/74)


وخروج يأجوج ومأجوج ، والخسوفات الثلاثة : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، وخروج الدخان ، وطلوع الشمس من مغربها ، وخروج دابة الأرض وتكليمها للناس ، والنار التي تحشر الناس .
وأهل السنة والجماعة :
يؤمنون بكل ما يكون من أمور الغيب بعد الموت ، مما أخبر به الله ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من سكرات الموت ، وحضور ملائكة الموت ، وفرح المؤمن بلقاء ربه ، وحضور الشيطان عند الموت ، وعدم قبول إيمان الكافر عند الموت ، وعالم البرزخ ، ونعيم القبر وعذابه وفتنته ، وسؤال الملكين وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وأن أرواح أهل السعادة منعمة ، وأرواح أهل الشقاوة معذبة .
ويؤمنون بيوم القيامة الكبرى الذي يحيي الله فيه الموتى ، ببعث العباد من قبورهم ، ثم يحاسبهم .
ويؤمنون بالنفخ في الصور ، وهي ثلاث نفخات :
الأولى : نفخة الفزع .
الثانية : نفخة الصعق ؛ التي يتغير بها العالم المشاهد ، ويختلف نظامه ، وفيها الفناء والصعق ، وفيها هلاك من قضى الله إهلاكه .
الثالثة : نفخة البعث والنشور والقيام لرب العالمين .

(1/75)


ويؤمنون بالبعث والنشور ، وأن الله يبعث من في القبور ؛ فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا ، تدنو منهم الشمس ، ومنهم من يلجمه العرق ، وأول من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -وعلى آله وسلم .
وفي ذلك اليوم العظيم يخرج الناس من الأجداث كأنهم جراد نشر ، مسرعين مهطعين إلى الداعي ، وقد خفتت كل حركة ، وخيم الصمت الرهيب ، حيث تنشر صحف الأعمال ؛ فيكشف المخبوء ، ويظهر المستور ، ويفتضح المكنون في الصدور ، ويكلم الله عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم ترجمان ، ويدعى الناس بأسمائهم وأسماء آبائهم .
ويؤمنون بالميزان الذي له كفتان توزن به أعمال العباد .
ويؤمنون بما يكون من نشر الدواوين ، وهي صحائف الأعمال ، فآخذ كتابه بيمينه ، وآخذ كتابه بشماله ، أو من وراء ظهره .
والصراط منصوب على متن جهنم ، يتجاوزه الأبرار ، ويزل عنه الفجار (1)
_________
(1) وهو الجسر الذي يمرون عليه إلى الجنة ، ويمر الناس على الصراط بقدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر ، ومنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالريح المرسلة ومنهم من يمر كالفرس الجواد ، ومنهم من يمر كركاب الإبل ، ومنهم من يعدو عدوا ، ومنهم من يمشي مشيا ، ومنهم من يزحف زحفا ، ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم ؛ كل بحسب عمله ، حتى يطهر من ذنوبه وآثامه ومن اجتاز الصراط تهيأ لدخول الجنة ؛ فإذا عبروا الصراط وقفرا على قنطرة بين الجنة والنار ؛ فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة .

(1/76)


والجنة والنار مخلوقتان ، وموجودتان الآن ، لا تفنيان أبدا ، وقد خلقهما الله تعالى قبل الخلق ، والجنة دار المؤمنين الموحدين والمتقين ، والنار دار الكافرين ؛ من المشركين ، واليهود ، والنصارى ، والمنافقين ، والملحدين ، والوثنيين ؛ ودار المذنبين .
ويؤمنون بأن أمة محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أولى الأمم محاسبة يوم القيامة ، وأولى الأم في دخول الجنة ، وهم نصف أهل الجنة ، ويدخل الجنة منهم سبعون ألفا بغير حساب .
ويؤمنون بعدم خلود الموحدين في النار ، وهم الذين دخلوا النار بمعاص ارتكبوها غير الإشراك بالله تعالى ، لأن المشركين خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا ، والعياذ بالله .
ويؤمنون بأن حوض نبينا- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في عرصات القيامة ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وريحه أطيب من المسك ، وآنيته عدد نجوم السماء ، وطوله شهر وعرضه شهر ، من شرب منه لا يظمأ أبدا ، ويحرم ذلك على من ابتدع في الدين ، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :

(1/77)


« حوضي مسيرة شهر ، ماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من شرب منها فلا يظمأ أبدا » (1) وقال : « إني فرطكم على الحوض ، من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا . ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثم يحال بيني وبينهم » . وفي رواية : « فأقول : إنهم مني ؛ فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدي » (2)
والشفاعة والمقام المحمود لنبينا محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم القيامة ، وشفاعته لأهل الموقف لفصل القضاء بينهم هي المقام المحمود ، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة ، ويكون الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أول داخل فيها ، وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من العذاب .
وهذه الشفاعات الثلاث خاصة بالنبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وليست لأحد غيره .
_________
(1) رواه البخاري .
(2) رواه البخاري .

(1/78)


وشفاعته- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لرفع درجات بعض أمته ممن يدخلون الجنة إلى درجات عليا ، وشفاعته- صلى الله عليه وآله وسلم- لطائفة من أمته يدخلون الجنة بغير حساب .
وشفاعته- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة ، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها .
والشفاعة في إخراج عصاة الموحدين من النار ، فيشفع لهم فيدخلون الجنة .
وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة ، والنبيون ، والشهداء ، والصديقون ، والصالحون ، والمؤمنون ، ثم يخرج الله- تبارك وتعالى- من النار أقواما بغير شفاعة ؛ بل بفضله ورحمته (1) فأما الكفار فلا شفاعة لهم ، لقوله تعالى :
{ فما تنفعهم شفاعة الشافعين } (2)
وعمل المؤمن يوم القيامة يشفع له أيضا ، كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال :
« الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة » (3) والموت يؤتى به يوم القيامة ؛ فيذبح كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
_________
(1) ويشترط لهذه الشفاعة شرطان : الأول : إذن الله تعالى في الشفاعة ، لقوله : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه سورة البقرة : الآية ، 255 . الثاني : رضا الله تعالى عن الشافع والمشفوع له ، لقوله : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى . سورة الأنبياء : الآية ، 28 .
(2) سورة المدثر : الآية ، 48 .
(3) انظر : (صحيح الجامع الصغير) للألباني ، برقم : (3882) .

(1/79)


« إذا صار أهل الجنة إلى الجنة ، وصار أهل النار إلى النار ، أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ؛ ثم يذبح ، ثم ينادي مناد : يا أهل الجنة! لا موت . ويا أهل النار! لا موت ؛ فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم » (1)
_________
(1) رواه مسلم .

(1/80)


الركن السادس
الإيمان بالقدر
أهل السنة والجماعة : يعتقدون اعتقادا جازما أن كل خير وشر يكون بقضاء الله وقدره ، وأن الله فعال لما يريد فكل شيء بإرادته ولا يخرج عن مشيئته وتدبيره ، وعلم كل ما كان وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل ، وقدر المقادير للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته ، وعلم أحوال عباده ، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم ، وغير ذلك من شؤونهم ؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته . وملخصه : هو ما سبق به العلم وجرى به القلم ، مما هو كائن إلى الأبد ، قال تعالى :
{ سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا } (1) وقال : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } (2)
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله ، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه » (3)
_________
(1) سورة الأحزاب : الآية ، 38 .
(2) سورة القمر : الآية ، 49 .
(3) صحيح سنن الترمذي : للألباني.

(1/81)


وأهل السنة يقولون : الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور ، وتسمى : مراتب القدر ، أو أركانه ، وهذه الأمور هي المدخل لفهم مسألة القدر ، ولا يتم الإيمان بالقدر إلا بتحقيق جميع أركانه ؛ لأن بعضها مرتبط مع بعض فمن أقر بها جميعا اكتمل إيمانه بالقدر ، ومن انتقص واحدا منها ، أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر .
المرتبة الأولى : العلم :
الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن ، لو كان كيف يكون ؛ جملة وتفصيلا ، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل خلقهم ، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكناتهم ، وعلم منهم الشقي والسعيد ، وذلك بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا ، قال الله تعالى :
{ إن الله بكل شيء عليم } (1)
المرتبة الثانية : الكتابة :
وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء ؛ فكل ما جرى وما يجري وكل كائن إلى يوم القيامة ؛ فهو مكتوب عند الله تعالى في أم الكتاب ، ويسمى : الذكر ، والإمام ، والكتاب المبين ، قال تعالى :
_________
(1) سورة التوبة : الآية ، 115 .

(1/82)


{ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } (1)
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « إن أول ما خلق الله القلم فقال : اكتب ، قال : ما أكتب؟ قال : اكتب القدر ، ما كان ، وما هو كائن إلى الأبد » (2)
المرتبة الثالثة : الإرادة والمشيئة :
أي : أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة ، يهدي من يشاء برحمته ، ويضل من يشاء بحكمته ، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه ، وهم يسألون ، وما وقع من ذلك ، فإنه مطابق لعلمه السابق المكتوب في اللوح المحفوظ ، فمشيئة الله نافذة ، وقدرته شاملة ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يخرج عن إرادته شيء .
قال تعالى : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } (3)
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن ، كقلب واحد ؛ يصرفه حيث يشاء » (4)
المرتبة الرابعة : الخلق :
_________
(1) سورة يس : الآية ، 12 .
(2) صحيح سنن الترمذي : للألباني .
(3) سورة التكوير : الآية ، 29 .
(4) رواه مسلم.

(1/83)


وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء ، لا خالق غيره ولا رب سواه ، وأن كل ما سواه مخلوق ؛ فهو خالق كل عامل وعمله ، وكل متحرك وحركته ، قال الله تعالى : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } (1)
وأن كل ما يجري من خير وشر ، وكفر وإيمان ، وطاعة ومعصية شاءه الله ، وقدره ، وخلقه ، قال الله تعالى :
{ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } (2) وقال : { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } (3)
وأن الله تعالى الخالق المتفرد بالخلق والإيجاد ؛ فهو خالق كل شيء بلا استثناء ، لا خالق غيره ولا رب سواه ، قال تعالى :
{ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل } (4)
وأن الله يحب الطاعة ويكره المعصية ، ويهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله ، قال الله تعالى :
{ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى } (5)
_________
(1) سورة الفرقان : الآية ، 2 .
(2) سورة يونس : الآية ، 100 .
(3) سورة التوبة : الآية ، 51 .
(4) سورة الزمر : الآية ، 62 .
(5) سورة الزمر : الآية ، 7 .

(1/84)


ولا حجة لمن أضله ولا عذر له ؛ لأن الله قد أرسل الرسل لقطع الحجة ، وأضاف عمل العبد إليه وجعله كسبا له ، ولم يكلفه إلا بما يستطيع ، قال الله تبارك وتعالى :
{ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم } (1)
وقال : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } (2) وقال : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } (3) . وقال : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } (4)
ولكن لا ينسب الشر إلى الله لكمال رحمته ؛ لأنه أمر بالخير ونهى عن الشر ، وإنما يكون الشر في مقتضياته وبحكمته .
قال تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } (5)
والله تعالى منزه عن الظلم ، ومتصف بالعدل ، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة ، وكل أفعاله عدل ورحمة ، قال الله تعالى :
{ وما أنا بظلام للعبيد } (6) .
وقال : { ولا يظلم ربك أحدا } (7) .
وقال : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } (8)
_________
(1) سورة غافر : الآية ، 17 .
(2) سورة الإنسان : الآية ، 3 .
(3) سورة النساء : الآية ، 165 .
(4) سورة البقرة : الآية ، 286 .
(5) سورة النساء : الآية ، 79 .
(6) سورة ق : الآية ، 29 .
(7) سورة الكهف : الآية ، 49 .
(8) سورة النساء : الآية ، 40 .

(1/85)


والله تعالى لا يسأل عما يفعل وعما يشاء ، لقوله تعالى : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } (1)
فالله تعالى خلق الإنسان وأفعاله ، وجعل له إرادة ، وقدرة ، واختيارا ، ومشيئة وهبها الله له لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازا ، ثم جعل له عقلا يميز به بين الخير والشر ، ولم يحاسبه إلا على أعماله التي هي بإرادته واختياره ؛ فالإنسان غير مجبر بل له مشيئة واختيار فهو يختار أفعاله وعقائده ؛ إلا أنه تابع في مشيئته لمشيئة الله ، وكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فالله تعالى هو الخالق لأفعال العباد ، وهم الفاعلون لها ؛ فهي من الله خلقا وإيجادا وتقديرا ، ومن العبد فعلا وكسبا .
قال تعالى : { لمن شاء منكم أن يستقيم }{ وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } (2)
_________
(1) سورة الأنبياء : الآية ، 23 .
(2) سورة التكوير : الآيتان ، 28 - 29 .

(1/86)


ولقد رد الله تعالى على المشركين حين احتجوا بالقدر ، وقالوا : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } (1) فرد الله عليهم كذبهم ، بقوله : { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } (2)
وأهل السنة والجماعة :
يعتقدون أن القدر سر الله في خلقه ، لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، والتعمق والنظر في ذلك ضلالة ، لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ، ونهاهم عن مرامه ، قال تعالى : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } (3)
وأهل السنة والجماعة :
يخاطبون ويحاجون من خالفهم من الفرق الضالة والمنحرفة ؛ بقول الله تبارك وتعالى : { قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } (4)
وهذا هو الذي آمن به السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ؛ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
_________
(1) سورة الأنعام : الآية ، 148 .
(2) سورة الأنعام : الآية ، 148 .
(3) سورة الأنبياء : الآية ، 23 .
(4) سورة النساء : الآية ، 78 .

(1/87)


الأصل الثاني
مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة
مسمى الإيمان
ومن أصول عقيدة السلف الصالح ، أهل السنة والجماعة :
أن الإيمان عندهم : تصديق بالجنان ، وقول باللسان ، وعمل بالجوارح والأركان ، يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية .
والإيمان (1) : قول وعمل :
* قول القلب واللسان . * وعمل القلب واللسان والجوارح . * فقول القلب : اعتقاده ، وتصديقه ، وإقراره ، وإيقانه .
* وقول اللسان : إقراره العمل ؛ أي النطق بالشهادتين ، والعمل بمقتضياتها .
* وعمل القلب : نيته ، وتسليمه ، وإخلاصه ، وإذعانه ، وحبه وإرادته للأعمال الصالحة .
وعمل اللسان والجوارح : فعل المأمورات ، وترك المنهيات .
(ولا إيمان إلا بالعمل ، ولا قول ولا عمل إلا بنية ، ولا قول ولا عمل ولا نيه إلا بموافقة السنة) (2)
وقد أطلق الله تعالى صفة المؤمنين حقا في القرآن للذين آمنوا ، وعملوا بما آمنوا به من أصول الدين وفروعه ، وظاهره وباطنه وظهرت آثار هذا الإيمان في عقائدهم ، وأقوالهم ، وأعمالهم الظاهرة والباطنة ، قال الله تبارك وتعالى :
_________
(1) الإيمان : لغة التصديق وإظهار الخضوع والإقرار ، وشرعا : جميع الطاعات الباطنة والظاهرة ؛ فالباطنة كأعمال القلب وهو تصديق القلب ، والظاهرة هي أفعال البدن من الواجبات والمندوبات ، وملخصه : هو ما وقر في القلب وصدقه العمل ، وبدت ثمراته واضحة في امتثال أوامر الله والابتعاد عن نواهيه ؛ فإذا تجرد العلم عن العمل ؛ فلا فائدة فيه ، ولو كان العلم المجرد في العمل ينفع أحدا لنفع إبليس ؛ فقد كان يعرف أن الله واحد لا شريك له ، وأن مصيره لا شك إليه ؛ لكن حين صدر إليه الأمر من الله تعالى : أن اسجد لآدم ، أبى واستكبر وكان من الكافرين ، ولم يشفع له علمه بالوحدانية ؛ ذلك أن العلم المجرد عن العمل لا وزن له عند رب العالمين ، وهكذا كان فهم السلف . والإيمان لم يأت في القرآن مجردا عن العمل ؛ بل عطف عليه العمل الصالح في كثير من الآيات .
(2) قال هذا الإمام الأوزاعي وسفيان الثوري والحميدي وغيرهم ، وهو مشهور عنهم ؛ كما رواه اللالكائي وابن بطة .

(1/88)


{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون }{ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون }{ أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } (1)
وقد قرن الله- عز وجل- الإيمان مع العمل في كثير من الآيات في القرآن الكريم ، فقال تعالى :
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } (2) . وقال : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا } (3) . وقال : { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } (4) . وقال : { والعصر }{ إن الإنسان لفي خسر }{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } (5) .
_________
(1) سورة الأنفال : الآيات ، 2 - 4 .
(2) سورة الكهف : الآية ، 107 .
(3) سورة فصلت : الآية ، 30.
(4) سورة الزخرف : الآية ، 72.
(5) سورة العصر : الآيات ، 1-3.

(1/89)


وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « قل آمنت بالله ؛ ثم استقم » (1) وقال : « الإيمان بضع وسبعون شعبة ؛ فأفضلها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان » (2)
فالعلم والعمل متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر ، والعمل صورة العلم وجوهره .
وقد وردت أدلة كثيرة من الآيات والأحاديث على أن الإيمان درجات وشعب ، يزيد وينقص ، وأن أهله يتفاضلون فيه .
قال الله تعالى : { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } (3) وقال : { أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } (4) . وقال : { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } (5) . وقال : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } (6) .
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « من أحب لله ، وأبغض لله فقد استكمل الإيمان » (7)
_________
(1) رواه مسلم .
(2) رواه البخاري .
(3) سورة المدثر : الآية ، 31 .
(4) سورة التوبة : الآية ، 124.
(5) سورة الأنفال : الآية ، 2.
(6) سورة الفتح : الآية ، 4.
(7) صحيح سنن أبي داود : للألباني .

(1/90)


وقال : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » (1)
وهكذا تعلم الصحابة وفهموا - رضوان الله تعالى عليهم- من رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن الإيمان اعتقاد ، وقول ، وعمل ، يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية .
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، من لا صبر له لا إيمان له) (2)
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (اللهم زدنا إيمانا ، ويقينا ، وفقها) (3)
وكان عبد الله بن عباس ، وأبو هريرة ، وأبو الدرداء - رضي الله عنهم- يقولون : (الإيمان يزيد وينقص) (4)
وقال وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى : (أهل السنة يقولون : الإيمان قول وعمل) (5)
وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : (الإيمان يزيد وينقص ؛ فزيادته بالعمل ، ونقصانه بترك العمل) (6)
_________
(1) رواه مسلم .
(2) أخرج هذه الآثار بأسانيد صحيحة الإمام اللالكائي في كتابه القيم : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ».
(3) أخرج هذه الآثار بأسانيد صحيحة الإمام اللالكائي في كتابه القيم : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة إجماع الصحابة والتابعين ».
(4) أخرج هذه الآثار بأسانيد صحيحة الإمام اللالكائي في كتابه القيم : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة إجماع الصحابة والتابعين ».
(5) أخرج هذه الآثار بأسانيد صحيحة الإمام اللالكائي في كتابه القيم : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة إجماع الصحابة والتابعين ».
(6) أخرج هذه الآثار بأسانيد صحيحة الإمام اللالكائي في كتابه القيم : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة إجماع الصحابة والتابعين ».

(1/91)


وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى : ( ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال) (1)
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : (الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ثم تلا : { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } (2)
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ، في " التمهيد " : (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ، ولا عمل إلا بنية ، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، والطاعات كلها عندهم إيمان) (3)
وعلى هذا كان جميع الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من المحدثين والفقهاء وأئمة الدين ومن تبعهم ، ولم يخالفهم أحد من السلف والخلف ؛ إلا الذين مالوا عن الحق في هذا الجانب .
وأهل السنة يقولون : من أخرج العمل عن الإيمان فهو مرجئ مبتدع ضال . ومن يقر بالشهادتين بلسانه ويعتقد وحدانية الله بقلبه ، ولكن قصر في أداء بعض أركان الإسلام بجوارحه لم يكتمل إيمانه ، ومن لم يقر بالشهادتين أصلا لا يثبت له اسم الإيمان ولا الإسلام .
_________
(1) انظر : (كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية .
(2) انظر : « فتح الباري » ج1 ، ص 62 ؛ كتاب الإيمان .
(3) انظر : « كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية .

(1/92)


وأهل السنة والجماعة :
يرون الاستثناء في الإيمان ، أي القول " أنا مؤمن إن شاء الله " ولا يجزمون لأنفسهم بالإيمان ، وذلك من شدة خوفهم من الله ، وإثباتهم للقدر ، ونفيهم لتزكية النفس ؛ لأن الإيمان المطلق يشمل فعل جميع الطاعات ، وترك جميع المنهيات ، ويمنعون الاستثناء إذا كان على وجه الشك في الإيمان . والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة وآثار السلف ، وأقوال العلماء ، قال الله تعالى : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا }{ إلا أن يشاء الله } (1)
وقال : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } (2)
وكان النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول حين يدخل المقبرة : « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، أسأل الله لنا ولكم العافية » (3)
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (من شهد على نفسه أنه مؤمن ؛ فليشهد أنه في الجنة) (4)
_________
(1) سورة الكهف : الآيتان ، 23 - 24 .
(2) سورة النجم : الآية ، 32 .
(3) رواه مسلم .
(4) أخرجها الإمام اللالكائي في : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ».

(1/93)


وقال جرير : سمعت منصور بن المعتمر ، والمغيرة ، والأعمش والليث ، وعمارة بن القعقاع ، وابن شبرمة ، والعلاء بن المسيب ويزيد بن أبي زياد وسفيان الثوري ، وابن المبارك ، ومن أدركت : (يستثنون في الإيمان ، ويعيبون على من لا يستثني) (1)
وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن الإيمان ؛ فقال : (قول وعمل ونية) . قيل له : فإذا قال الرجل : مؤمن أنت ؟ قال : (هذه بدعة) . قيل له : فما يرد عليه؟ قال : يقول : (مؤمن إن شاء الله ) (2)
والعبد- عند أهل السنة والجماعة- لا يسلب وصف الإيمان منه بفعل ما لا يكفر فاعله من المحذورات ، أو ترك ما لا يكفر تاركه من الواجبات ، والعبد لا يخرج من الإيمان إلا بفعل ناقض من نواقضه .
ومرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان ، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان ؛ مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ، وفي الآخرة تحت مشيئة الله ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه .
_________
(1) أخرجها الإمام اللالكائي في : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ».
(2) أخرجها الإمام اللالكائي في : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ».

(1/94)


والإيمان يقبل التبعيض والتجزئة ، وبقليله يخرج الله من النار من دخلها ، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان » (1)
ولذلك فأهل السنة والجماعة لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بكل ذنب إلا بذنب يزول به أصل الإيمان ، قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } (2)
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « أتاني جبريل- عليه السلام- فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : وإن زنى وإن سرق ؛ قال : وإن زنى وإن سرق » (3)
وقال أبو هريرة رضي الله عنه : (الإيمان نزه ؛ فمن زنا فارقه الإيمان ، فإن لام نفسه وراجع ؛ راجعه الإيمان) (4)
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : (ما الإيمان ؛ إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى ، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه فوجد فقده) (5)
_________
(1) رواه مسلم .
(2) سورة النساء : الآية ، 48 .
(3) رواه البخاري ومسلم .
(4) أخرجه الإمام اللالكائي في : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة » .
(5) أخرجه الإمام اللالكائي في : « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة » . يقول الإمام البخاري رحمه الله : ( لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم ؛ أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر : لقيتهم كرات قرنا بعد قرن ثم قرنا بعد قرن ، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة- ويذكر أسماء العلماء وهم أكثر من خمسين عالما ثم يقول : - واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرا وأن لا يطول ذلك ، فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء : أن الدين قول وعمل ، لقول الله : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة [ سورة البينة : 5 ] . . . ثم يسرد بقية اعتقادهم) . انظر : (شرح أصول اعتقاد أهل السنة « للالكائي .

(1/95)


وقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنه- أنه كان يدعو غلمانه غلاما غلاما ، فيقول : (ألا أزوجك؟ ما من عبد يزني ؛ إلا نزع الله منه نور الإيمان) (1)
وسأله عكرمة ، كيف ينزع منه الإيمان ؛ قال : (هكذا- وشبك بين أصابعه ثم أخرجها- فإن تاب عاد إليه هكذا- وشبك بين أصابعه) (2)
_________
(1) انظر : « فتح الباري » ج 12 ، ص 59 .
(2) رواه البخاري.

(1/96)


الأصل الثالث
موقف أهل السنة من مسألة التكفير
موقف أهل السنة من مسألة التكفير
ومن أصول عقيدة السلف الصالح ؛ أهل السنة والجماعة :
أنهم لا يكفرون أحدا بعينه من المسلمين ارتكب مكفرا إلا بعد إقامة الحجة التي يكفر بموجبها ؛ فتتوافر الشروط ، وتنتفي الموانع ، وتزول الشبهة عن الجاهل والمتأول ، ومعلوم أن ذلك يكون في الأمور الخفية التي تحتاج إلى كشف وبيان ، بخلاف الأشياء الظاهرة ؛ مثل جحد وجود الله ، وتكذيب الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجحد عموم رسالته ، وختمه للنبوة .
وأهل السنة لا يكفرون المكره إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان . ولا يكفرون أحدا من المسلمين بكل ذنب ، ولو كان من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك ؛ فإنهم لا يحكمون على مرتكبها بالكفر ، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان ، ما لم يستحل ذنبه ؛ لأن الله- تبارك وتعالى- يقول : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } (1)
_________
(1) سورة النساء : الآية ، 48 .

(1/97)


ويقول سبحانه : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } (1)
وإذا مات العبد على ذنب- دون الشرك- لم يستحله ؛ فأمره إلى الله تعالى ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ؛ خلافا للفرق الضالة التي تحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر ، أو بالمنزلة بين المنزلتين .
وقد حذر النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يكفر أحد أحدا دون برهان ، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه » (2)
وقال : « من دعا رجلا بالكفر ، أو قال : عدو الله ، وليس كذلك إلا حار عليه » (3)
وقال : « لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ، ولا يرميه بالكفر ، إلا ارتدت عليه ، إن لم يكن صاحبه كذلك » (4)
وقال : « ومن رمى مؤمنا بكفر ، فهو كقتله » (5)
_________
(1) سورة الزمر : الآية ، 53 .
(2) رواهما مسلم .
(3) رواهما مسلم .
(4) رواه البخاري .
(5) رواه البخاري .

(1/98)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية