صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ كتاب المواقف - الإيجي ]
الكتاب : كتاب المواقف
المؤلف : عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي
الناشر : دار الجيل - بيروت
الطبعة الأولى ، 1997
تحقيق : د.عبد الرحمن عميرة
عدد الأجزاء : 3

بسم الله الرحمن الرحيم
سبحات من تقدست سبحان جماله عن سمة الحدوث والزوال وتنزهت سرادقات جلاله عن وصمة التغير والانتقال تلألأت على صفحات الموجودات أنوار جبروته وسلطانه وتهللت على وجنات الكائنات آثار ملكوته وإحسانه تحيرت العقول والأفهام في كبرياء ذاته وتولهت الأذهان والأوهام في بيداء عظمة صفاته يا من دل على ذاته بذاته وشهد بوحدانيته نظام مصنوعاته صل على نبيك المصطفى ورسولك المجتبي محمد المبعوث بالهدى إلى كافة الورى وعلى آله البررة الأتقياء وأصحابه الخيرة الأصفياء ما تعاقبت الظلم والضياء
وبعد فإن أنفع المطالب حالا ومالا وأرفع المآرب منقبة وكمالا وأكمل المناصب مرتبة وجلالا وأفضل الرغائب أبهة وجمالا هو المعارف الدينية والمعالم اليقينية إذ يدور عليها الفوز بالسعادة العظمى والكرامة الكبرى في الآخرة والأولى وعلم الكلام في عقائد الإسلام من بينها

(1/5)


شأنا وأقواها برهانا وأوثقها بنيانا وأوضحها تبيانا فإنه مأخذها وأساسها وإليه يستند اقتناصها واقتباسها بل هو كما وصف به رئيسها ورأسها ومما صنف فيه من الكتب المنقحة المعتبرة وألف فيه من الزبر المهذبة المحررة كتاب المواقف الذي إحتوى من أصوله وقواعده على أهمها وأولاها ومن شعبه وفوائده على ألطفها وأسناها ومن دلائله العقلية على أعمدها وأجلاها ومن شواهده النقلية على أفيدها وأجداها كيف لا وقد انطوى على خلاصة أبكار الأفكار وزبدة نهاية العقول والأنظار ومحصل ما لخصه لسان التحقيق وملخص ما حرره بنان التدقيق في ضمن عبارات رائقة معجزة وإشارات شائقة موجزة فصار بذلك في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار واستمال إليه بصائر أولي الأبصار من أذكياء الأمصار والأقطار فاستهتروا بكنوز عباراته الجامعة ولم يجدوا عليها دليلا واستهيموا برموز إشاراته اللامعة ولم يهتدوا إليها سبيلا فاجتمع إلي نفر من أجلة الأحباب المتطلعين إلى سرائر الكتاب واقترحوا علي أن أكشف لهم عن مخدراته الأستار وأبرز لهم من نقاب الحجاب هاتيك الأسرار ليجتلوها بأعينهم متبرجات بزينتها متبخترات بمحاسن فطرتها فأسعفتهم إلى ذلك متمسكا بحبل التوفيق ومستهديا إلى الطريق وشرحته بحمد الله سبحانه شرحا يذلل من شوارده صعابها ويميط عن خرائده نقابها يهتدي به السادي إلى لب الألباب ويطلع به الناشي على التعجب العجاب وضمنته جميع ما يحتاج إليه من بيان ما فيه وما له وما عليه مراعيا في ذلك شريطة الإنصاف مجانبا عن طريقة الاعتساف ولما تيسر لي إتمامه وختم بالخير اختتامه خبرت بالدعاء لمن أيده الله بالسلطنة العظمى والخلافة الكبرى وزاده بسطة في الفضل والندى وشيد ملكه بجنود لا قبل لها من العدى وأمده بمعقبات من السموات العلى يحفظونه من بين يديه ومن خلفه بأمر ربه الأعلى وذلك

(1/6)


فضل الله يؤتيه من يشاء ليحق به الحق ويقطع دابر الكافرين ويبطل به الباطل ويشفي غيظ صدور قوم مؤمنين ويجعل له لسان صدق في الآخرين ويرفع مكانه يوم الدين في أعلى عليين وما هو إلا حضرة المولى السلطان الأعظم والخاقان الأعلم الأكرم مالك رقاب الأمم من طوائف العرب والعجم المختص من لدن حكيم عليم بفضل جسيم وخلق عظيم ولطف عميم شمل الورى ألطافه وعمهم أعطافه وصانهم أكنافه من كل ما لا يرتضي مكارمه لا تحصى ومآثره لا تستقصى
مولى عطاياه سمت فوق المدى ... وتباعدت عن رتبة الإدراك
الدر والدرى خافا جوده ... فتحصنا في البحر والأفلاك
من التجأ إلى جنابه يجد له مكانا عليا ومن أعرض عن بابه لم يجد له نصيرا ولا وليا إذا هم بمنقبة أمضى وإذا عن له مكرمة أسرع إليها ومضى
عزماته مثل السيوف صوارما ... لو لم يكن للصارمات فلول
ناشر العدل والإحسان على الأنام وباسط الأمن والأمان في الأيام هو الذي رفع رايات العلم والكمال بعد انتكاسها وعمر رباع الفضل والإفضال بعد اندراسها فعادت رياض العلوم إلى روائها مخضرة الأطراف وآضت حدائقها إلى بهائها مزهرة الجوانب والأكناف ملجأ سلاطين العالم بالاستحقاق ومفخر أساطين بني آدم في الآفاق السلطان المؤيد المنصور المظفر غياث الحق والدولة والدين بير محمد اسكندر خلد الله ملكه وسلطانه وأفاض على العالمين بره وإحسانه
وهذا دعاء لا يرد لأنه ... صلاح لأصناف البرية شامل
وها أنا أفيض في المقصود متوكلا على الصمد المعبود فأقول قال المص

(1/7)


8 - بسم الله الرحمن الرحيم
ضمن خطبة كتابه الإشارة إلى مقاصد علم الكلام رعاية لبراعة الاستهلال فبسمل أولا تيمنا ثم قال الحمد لله العلي شأنه أمره وحاله في ذاته وصفاته وأفعاله فإنه تعالى جامع لجهات علو الشأن لا يتطرق إلى سرادقات قدسه شائبة النقصان الجلي برهانه حجته القاطعة التي نصبها دالة على وجود ذاته واتصافه بكمالاته وهي آياته المنبثة في الآفاق والأنفس تجتليها بصائر أولي الأبصار وتشاهد بها أسرارا يضيق عن تصويرها نطاق الإظهار القوي سلطانه سلطنته ونفاذ حكمه إذ لا يستعصى على إرادته شيء من الأشياء ولا يجري في ملكوته إلا ما يشاء الكامل حوله قوته المحولة للممكنات من حال إلى حال إيجادا وإفناء إعادة وابداء الشامل طوله فضله ونواله فإن رحمته وسعت كل شيء على حسب حاله ثم أنه قرر جميع ما ذكر بما اقتبس من قوله تعالى الذي خلق سبع سموات
هي أفلاك الكواكب السبعة السيارة فإن الفلكين الآخرين يسميان كرسيا وعرشا
ومن الأرض مثلهن
مثل السموات في العدد كما ورد في الأثر من أن الأرض أيضا سبع طبقات وفي كل طبقة منها مخلوقات وما يعلم جنود ربك إلا هو
وقد تؤول تارة بالأقاليم السبعة وأخرى بطبقات العناصر الأربعة حيث

(1/8)


سبعا بكمال قدرته متعلق بخلق وجعل الأمر أي حكمه أو تدبيره يتنزل بينهن من السماء السابعة إلى الأرض السفلى ببالغ حكمته التي هي إتقانه وإحكامه في علمه وفعله وكرم بني آدم نوع الإنسان على غيره بالعقل الغريزي أي بالقوة المستعدة لإدراك المعقولات التي جبلت عليها فطرتهم ويسمى عقلا هيولانيا والعلم الضروري الحاصل لهم بلا اكتساب المسمى عقلا بالملكة وأهلهم جعلهم أهلا وفي نسخة الأصل وأهله بتأويل الإنسان للنظر والاستدلال بالعلوم الضرورية والارتقاء في مدارج الكمال وذلك بأن يرتقي أولا من الضروريات إلى مشاهدة النظريات ويسمى عقلا مستفادا ثم تتكرر مشاهدتها مرة بعد أخرى حتى تحصل له ملكة استحضارها متى أريد بلا تجشم كسب جديد ويسمى عقلا بالفعل وهو وإن كان متأخرا عن المستفاد في الحدوث لكنه وسيلة إليه متقدمة عليه في البقاء وقد يقال العقل المستفاد هو أن تصير النفس الناطقة بحيث تشاهد معقولاتها بأسرها دفعة واحدة فلا يغيب عنها شيء منها أصلا وهذا هو الغاية القصوى في الارتقاء في الكمالات العلمية ومستقره الدار الآخرة وأما في الدار الدنيا فقد يرتجى لمحات منه للنفوس المجردة عن العلائق البشرية ثم أمرهم عطف على كرم مع ما عطف عليه وكلمة ثم على معناها الأصلي الذي هو المهلة والمراد أنه تعالى أمرهم على ألسنة الرسل بالتفكر في مخلوقاته وأحوالها والتدبر لمصنوعاته وأطوارها وفي قوله ليؤديهم أي التفكر والتدبر فيها مع ما في حيزه نوع تفصيل لما أجمله من مباحث الإلهيات والاستدلال عليها بالممكنات في قوله العلي شأنه وما يعقبه إلى العلم بوجود صانع لأن المخلوقات حادثة ولا بد للحادث من صانع قديم لا أول لوجوده إذ لو كان أيضا حادثا لاحتاج

(1/9)


إلى صانع آخر فتسلسل أو دار قيوم قائم بنفسه مقيم لغيره فإن ذلك لازم لكونه صانعا حقيقيا
حكيم لظهور إتقانه في آثاره الصادرة عنه واحد في صفات الألوهية لا شريك له فيها وإلا لاختل النظام المشاهد في العالم
أحد في حد ذاته لا تركيب فيه وإلا لكان ممكنا وحادثا
فرد لا شفع له من صاحبة أو ولد لعدم مجانسته غيره
صمد سيد يقصد في الحوائج من صمده يصمده صمدا أي قصده منزه عن الأشباه المشاركة له في صفاته والأمثال الموافقة إياه في حقيقة ذاته
متصف بصفات الجلال أي العظمة يقال جل فلان إذا عظم قدره وجلال الله عظمته
مبرأ عن شوائب النقص جامع لجهات الكمال أي في الذات

(1/10)


والصفات والأفعال غني في جميع ذلك عما سواه فلا يحتاج إلى شيء من الأشياء فيما ذكرناه
عالم بجميع المعلومات لما سيأتي من أن المقتضى لعلمه خصوصية ذاته والمصحح للمعلومية ذوات المفهومات ولا شك أن نسبة ذاته إلى جميعها على السواء فوجب عموم علمه إياها فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء أي لا يبعد ولا يغيب عنه أقل قليل هو مثل في القلة فكيف بالزائد المشتمل عليه
قادر على جميع الممكنات لأن مقتضى القدرة ذاته ومصحح المقدورية هو الإمكان المشترك بينها فوجب شمول قدرته أياها على سبيل الاختراع والإنشاء أي بلا احتذاء مثال يقال اخترعه أي ابتدعه وأصل الخرع هو الشق وأنشأ يفعل كذا أي ابتدأ يفعل كذا
مريد لجميع الكائنات خيرها وشرها لأن وقوع ما لا يريده بل يكرهه كما زعمت المعتزلة يستلزم عجزه المنافي للألوهية
تفرد بمتقنات الأفعال بالأفعال المتقنة المحكمة الخالية عن الاختلال وأحاسن الأسماء وإنما اختار صيغة الفعل أعني تفرد على متفرد تنبيها على أنه استئناف يدل على اتصاف ذاته بما ذكر من الصفات فإن الإتقان المشير إليه قوله تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء

(1/11)


يدل على ذلك علمه وقدرته وإرادته كما أن أسماءه الحسنى تنبىء عن اتصاف المسمى بالكمالات والتبرؤ من النقائص
أزلي هو أعم من القديم لأن إعدام الحوادث أزلية وليست بقديمة وإنما ذكره مع الاستغناء عنه بقديم ليقارنه لفظ أب دي فإنهما يذكران غالبا معا
توحد بالقدم والبقاء ربط بالأزلي على طريق الاستئناف بصيغة الفعل توحده بالقدم وذلك لا ينافي كون صفاته الزائدة على ذاته قديمة لأنها ليست مغايرة له وربط بالأبدي توحده بالبقاء فإنه الباقي بذاته وما سواه إنما هو باق به وبإرادته وقضى أي حكم على ما عداه بالعدم والفناء هو العدم الطارىء على الوجود فهو أخص من العدم مطلقا له الملك توطئة لما يذكره من صفاته الفعلية وما يتعلق بها وإنما ذكرها بصيغ الأفعال لمناسبتها إياها يحيي ويبيد من الإبادة بمعنى الإهلاك ويبديء ويعيد وينقص من خلقه ويزيد كل ذلك على وفق مشيئته لا يجب عليه شيء من الأفعال كما يزعمه أهل الاعتزال إذ لا حاكم فوقه يوجبه عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا وكون العقل حاكما باطلا كما ستعرفه له الخلق والأمر له الإيجاد والحكم يفعل ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد بحكمته لا مانع لمشيئته ولا راد لحكمه لا تعلل أفعاله بالأغراض والعلل لأن ثبوت الغرض للفاعل من فعل يستلزم استكماله بغيره وثبوت علة لفعله يستلزم نقصانه في فاعليته وليس من يلزم من ذلك عبث في أفعاله تعالى لأنها مشتملة على حكم ومصالح لا تحصى إلا أنها ليست عللا لأفعاله ولا أغراضا له منها
وقدر الأرزاق والآجال في الأزل أشار به إلى القضاء الذي يتبعه القدر والرزق عندنا ما ينتفع به حلالا كان أو حراما والأجل يطلق على جميع مدة الشيء كالعمر وعلى آخره الذي ينقرض فيه كوقت الموت
وقوله ثم أنه بعث إليهم الأنبياء والرسل إشارة إلى مباحث النبوات

(1/12)


وكلمة ثم للتراخي في الرتبة فإن البعثة مشتملة على أحكام كثيرة أشار إليها ههنا سوى الأمر بالتفكر الذي ذكره فيما سبق ولا يجوز حملها على المهلة بناء على أن ذلك الأمر يعرف بالعقل فإنه باطل عند المصنف والرسول نبي معه كتاب والنبي غير الرسول من لا كتاب معه بل أمر بمتابعة شرع من قبله كيوشع عليه السلام مثلا مصدقا لهم للأنبياء والرسل بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة فإن ما يصدق الله به أنبياءه في دعوى النبوة يسمى معجزة لإعجازه الناس عن الإتيان بمثله وآية أيضا لكونه علامة دالة على تصديقه إياهم والباهرة الغالبة من بهر القمر إذا أضاء حتى غلب ضوءه ضوء الكواكب ليدعوهم بتسكين الواو إلى تنزيهه عن النقائص وتوحيده عن الشركاء وخص التوحيد بالذكر مع اندراجه في التنزيه لمزيد اهتمام بشأنه ويأمروهم بمعرفته بمعرفة وجوده وتعظيمه بإثبات الكمالات الوصفية الذاتية وتمجيده بإثبات الكمالات الفعلية تكميلا للمبعوث إليهم في قوتهم النظرية ويبلغوا أحكامه المتعلقة بأفعالهم إليهم تكميلا لهم في قوتهم العملية مبشرين ومنذرين بوعده بنعيمه المقيم ووعيده بنار الجحيم فأقام بهم على المكلفين الحجة وأوضح المحجة فانقطعت بذلك أعذارهم بالكلية قال الله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
وأما من نشأ على شاهق جبل ولم تبلغه دعوة نبي أصلا فإنه معذور عند الإشاعرة في ترك الأعمال والإيمان أيضا ثم ختمهم بأجلهم قدرا مرتبة وشرفا وأتمهم بدرا شرعا يهتدى به في ظلمات الهوى

(1/13)


وأشرفهم نسبا فإن الله اصطفاه من أشرف القبائل كما نطق به الحديث المشهور وأزكاهم مغرسا مكان غرس وأطيبهم منبتا موضع نبات وأكرمهم محتدا مكان إقامة من حتد بالمكان يحتد إذا أقام به والمراد بهذه الثلاثة مكة شرفها الله فإن الأماكن لها مدخل في زكاء الأخلاق وطهارتها وطيب الأوصاف ووسامتها وحسن الأفعال وكرامتها وهي أزكى البلاد عند المشركين الذين هم نجس قد طردوا عنها بقوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام به عامهم هذا
وأطيبها وأحبها إلى رسول الله لقوله عليه السلام ما أطيبك من بلد وأحبك إلي
وأكرمها عند الله لقوله عليه السلام إنك لخير أرض وأحب أرض الله إلى الله
وأقوامهم دينا وأعدلهم ملة الدين والملة يتحدان بالذات ويختلفان بالاعتبار فإن الشريعة من حيث أنها تطاع تسمى دينا ومن حيث أنها يجتمع عليها تسمى ملة وإنما كان شرعه أقوم وأعدل لخلوه عن الآصار والتكاليف الشاقة التي كانت على اليهود من وجوب قطع موضع النجاسة وحرمة البيتوتة

(1/14)


مع الحائض في بيت واحد وتعين القود وعن التخفيف المفرط المفوت لمحاسن الآداب الذي كان في دين النصارى من مخامرة النجاسات ومباضعة الحيض وتعين العفو في القصاص إلى غير ذلك
وأوسطهم أمة الأوسط كالوسط بمعنى الأفضل وكذلك جعلناكم أمة وسطا
وأسدهم أصوبهم قبلة فإن الكعبة أول بيت وضع للناس مباركا وأسد ما استقبل إليه وأشدهم عصمة فإن الأنبياء معصومون وكان عليه الصلاة و السلام أشدهم وأقواهم في العصمة لأن الله تعالى أعانه على قرينه من الجن فلم يأمره إلا بخير
وأكثرهم حكمة علمية وعملية كما تشهد به سيرته لمن تتبعها وأعزهم نصرة فإنه خص بالرعب مسيرة شهر قال تعالى وينصرك الله نصرا عزيزا بالغا في العز والغلبة
سيد البشر كما اشتهر في الخبر
المبعوث إلى الأسود والأحمر إلى العرب والعجم وقيل إلى الأنس والجن
الشفيع المشفع المقبول الشفاعة يقال شفعته أي قبلت شفاعته يوم المحشر بكسر الشين من حشر يحشر ويحشر حبيب الله
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله

(1/15)


أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم كني عليه السلام بأبي القاسم إما لأن القاسم أكبر أولاده وإما لأنه يقسم للناس حظوظهم في دينهم ودنياهم وذكر الأب حينئذ مبالغة في مباشرة القسمة
وأنزل معه عطف على ختمهم وأشار إلى أظهر معجزاته الدالة على نبوته فإن الباقي على وجه كل زمان والدائر على كل لسان بكل مكان كتابا عربيا مبينا أي ظاهرا إعجازه أو مظهرا للأحكام من أبان بمعنى ظهر أو أظهر فأكمل لعباده دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام دينا مأخوذ من قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم الآية
كتابا بدل من كتابا عربيا
كريما مرضيا جامعا لمنافع لا تستقصى
وقرآنا مقروءا قديما لأن كلامه تعالى من صفاته الحقيقية التي لا مجال للحدوث فيها ذا غايات هي أواخر السور ومواقف هي فواصل الآيات محفوظا في القلوب ويروى في الصدور مقروءا بالألسن مكتوبا في المصاحف وصف القرآن بالقدم ثم صرح بما يدل على أن هذه العبارات المنظومة كما هو مذهب السلف حيث قالوا إن الحفظ والقراءة والكتابة حادثة لكن متعلقها أعني المحفوظ والمقروء والمكتوب قديم وما يتوهم من أن ترتب الكلمات والحروف وعروض الانتهاء والوقوف مما يدل على الحدوث فباطل لأن ذلك لقصور في آلات القراءة وأما ما اشتهر عن الشيخ أبي الحسن الأشعري من أن القديم معنى قائم بذاته تعالى قد عبر عنه بهذه العبارات الحادثة فقد قيل إنه غلط من الناقل منشأة اشتراك لفظ المعنى بين ما يقابل اللفظ وبين ما يقوم بغيره وسيزداد ذلك وضوحا فيما بعد إن شاء الله تعالى

(1/16)


لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لا يجد إليه الباطل سبيلا من جهة من الجهات إلا أنه خص هاتين الجهتين لأن من يأتي شيئا يأتيه غالبا من قدامه أو من خلفه ولا يتطرق إليه نسخ أي لا ينتهي حكمه بعد زمانه عليه السلام وذلك لانقطاع الوحي وتقرر أحكامه إلى يوم القيامة
ولا تحريف في أصله بأن تبدل كلماته عن مواضعها كما فعلت اليهود بكلم التوراة أو وصفه بأن يغير مثلا إعرابه أو تشديده كما غيرت النصارى تشديد ما أنزل إليهم في الإنجيل من قوله ولد الله عيسى من جارية عذراء أي جعله متولدا منها وإنما لم يتطرق إلى القرآن تحريف أصلا لقوله تعالى وإنا له لحافظون
ولما توفاه إشارة إلى مباحث الإمامة فإنها وإن كانت من فروع الدين إلا أنها ألحقت بأصوله دفعا لخرافات أهل البدع والأهواء وصوتا للأئمة المهديين عن مطاعنهم كيلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم وفق أصحابه لنصب أكرمهم وأتقاهم يعني أبا بكر رضي الله عنه إذ قد نزل فيه وسيجنبها الأتقى
وقد علم أن أكرمهم عند الله أتقاهم وأشار إلى أن انعقاد إمامته كان بالبيعة والإجماع أحقهم بخلافته وأولاهم فإنه عليه السلام جعله خليفة له في إمامة الصلاة حال حياته فأبرم قواعد الدين أحكمها ومهد بسطها ووطأها من ذلك تصلبه في دفع مانعي الزكاة معللين بأن صلاته عليه السلام

(1/17)


كانت سكنا لهم دون صلاته ورفع مبانيه وشيد يقال شيد البناء طوله وأقام الأود ورتق الفتق الأود الاعوجاج والرتق ضد الفتق وهو الشق ولم الشعث يقال لم الله شعثه أي أصلح وجمع ما تفرق من أموره وسد الثلمة الخلل وقام قيام الأبد بأمر دينهم ودنياهم الأيد بوزن السيد هو القوي وجلب المصالح جذبها ودرأ المفاسد دفعها لأولاهم وأخراهم وكفاه في دفع المفاسد أن قتل مسيلمة الكذاب في خلافته وتبع من بعده من الخلفاء الراشدين سيرته واقتفى اتبع أثره هو بتحريك الثاء ما بقي من رسم الشيء والتزم وتيرته طريقته فجبروا فقهروا عتاة الجبابرة هما جمع العاتي وهو المتجاوز الحد وجمع الجبار وهو الذي يقتل على الغضب وقسروا أعناق الأكاسرة جمع كسرى بفتح الكاف وكسرها معرب خسرو وهو لقب ملوك الفرس حتى أضاءت بدينه الافاق وأشرقت الآفاق بذلك كل الإشراق وزينوا المغارب والمشارق بالمعارف بالعلوم والاعتقادات الحقة ومحاسن الأفعال المرضية ومكارم الأخلاق الزكية وطهروا من التطهير الظواهر من الفسوق من الخروج عن الطاعة والبطالة بكسر الباء وهي الكسالة المؤدية إلى إهمال المهمات والبواطن من الزيغ وهو الميل إلى العقائد الزائفة الباطلة والجهالة والحيرة وهي التردد بين الحق والباطل والضلالة وهي سلوك ما لا يوصل إلى المطلوب صلى الله عليه صلاة تكافئ تماثل سابق بلائه سابق مشقته وعنائه في إزهاق الباطل وإفنائه وتضاهي تشابه حسن غنائه نفعه وكفايته في إظهار الحق

(1/18)


وإعلائه ما طلع نجم وهوى وعلى آله نجوم الهدى ومصابيح الدجى يهتدى بهم في مسالك الأفكار ومنازل الأعمال وعلى جميع أصحابه ممن هاجر إليه من أوطانه أو نصر وآوى في مكانه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه تسليما كثيرا وبعد شرع يبين الباعث على تأليف الكتاب فإن كمال كل نوع يعني أن كماله بعد تحصله وتكمله نوعا بمنوعه المسمى كمالا أول على الإطلاق إنما هو بحصول صفاته الخاصة به وصدور آثاره المقصودة منه ويسمى هذا الكمال كمالا ثانيا
وأشار إلى أنه قسمان أحدهما صفات تخصه قائمة به غير صادرة عنه كالعلم للإنسان مثلا والثاني آثار صادرة عنه مقصودة منه بخصوصه فتختص به أيضا كالكتابة الصادرة عنه وكالمضاء للسيف وبحسب زيادة ذلك المذكور أعني الكمال الثاني ونقصانه بفضل بعض أفراده أي أفراد ذلك النوع بعضا إلى أن يعد أحدهم بألف
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى المجد حتى عد ألف بواحد
بل يعد أحدهم سماء والآخر أرضا
الناس أرض بكل أرض ... وأنت من فوقهم سماء
وأما تفاضل الأنواع فيما بينها فبحسب تفاضل منوعاتها المستتبعة لخواصها وآثارها المقصودة منها كما أشار إليه بقوله والإنسان مشارك لسائر الأجسام في الحصول في الحيز في المكان والفضاء الخالي عن المتحيز وللنباتات في الإغتداء والنشوء والنماء وللحيوانات العجم في حياته بأنفاسه وحركته بالإدارة وإحساسه
وهذه الأمور المشتركة بينه وبين غيره ليست كمالا له من حيث أنه إنسان بل إنما هي للجسم مطلقا أو للجسم النامي أو للحيوان وإنما يتميز الإنسان عن هذه الأمور المشاركة فيما ذكر بما أعطي من القوة النطقية التي هي كماله الأول المنوع إياه وما يتبعها من الكمالات الثانية التي

(1/19)


بها تتفاضل أفراده بعضها عن بعض من العقل أي استعداده لإدراك المعقولات والعلوم الضرورية الحاصلة له باستعمال الحواس وإدراك المحسوسات والتنبه لما بينها من المشاركات والمباينات وأهليته للنظر والاستدلال وترقيه بذلك في درجات الكمال وعلمه بما أمكن واستحال فإذا كماله الأشرف الأعلى إنما هو بتعقل المعقولات الأولى واكتساب المجهولات منها وإن كانت الأخلاق الحسنة التابعة للأعمال الصالحة كمالا له معتدا به أيضا لكن الكمالات العلمية أرفع وأسنى إذ لا كمال له كمعرفته تعالى
والعلوم متشعبة متكثرة والإحاطة بجملتها متعسرة أو متعذرة فلذلك أي فلتعسر الإحاطة بل لتعذرها افترق أهل العلم زمرا فرقا وتقطعوا أي تقسموا أمرهم فيما بينهم زبرا هو بفتح الباء جمع زبرة وهي القطعة من الحديد ونحوها وبضمها جمع زبور بمعنى الكتاب أي اتخذوا أمر العلم وطلبهم إياه فيما بينهم قطعا مختلفة أو كتبا متفاوتة دائرا أمرهم فيه بين منقول متخالف الأصناف ومعقول متابين الأطراف وفروع متدانية الجنوب وأصول متشابكة العروق وتفاوت عطف على افترق حالهم في اقتناء العلوم وتفاضل رجالهم في الترقي إلى مراتبها إلى أن قال ابن عباس

(1/20)


رضي الله عنهما في درجاتهم إنها خمسمائة درجة ما بين الدرجتين من تلك الدرج مسيرة خمسمائة عام والمراد تصوير الكثرة لا الحصر في هذه العدة
وقال بعض أكابر الأئمة وأحبار الأمة الحبر بالكسر والفتح العالم الذي يحبر الكلام ويزينه في بيان معنى الخبر المشهور والحديث المأثور المروي من أثرت الحديث إذا ذكرته عن غيرك
اختلاف أمتي رحمة عطف بيان للخبر وقوله يعني أي يريد الرسول باختلاف أمته اختلاف هممهم في العلوم مقول ذلك البعض وما بعده تفصيل لذلك الاختلاف أعني قوله فهمة واحد في الفقه لضبط الأحكام المتعلقة بالأفعال وهمة آخر في الكلام لحفظ العقائد فينتظم بهما أمر المعاد وقانون العدل المقيم للنوع كما اختلفت همم أصحاب الحرب والصناعات ليقوم كل واحد منهم بحرفة أو صناعة فيتم النظام في المعاش المعين لذلك الانتظام وهذا الاختلاف أيضا رحمة كما لا يخفى لكنه مذكور ههنا تبعا ونظيرا وإذا كان الأمر على ما ذكر من تعذر الإحاطة بجملة العلوم فإذا الواجب على العاقل الاشتغال بالأهم وما الفائدة فيه أتم هذا كما ذكر وإن أرفع العلوم مرتبة ومنقبة وأعلاها فضيلة ودرجة وأنفعها فائدة وأجداها عائدة وأحراها أي أجدرها بعقد الهمة بها وإلقاء الشراشر عليها يقال ألقى شراشره أي نفسه بالكلية حرصا ومحبة وهي في الأصل بمعنى الأثقال جمع شرشرة وإدآب النفس إتعابها فيها وتعويدها بها وصرف الزمان إليها علم الكلام المتكفل بإثبات الصانع وتوحيده في الألوهية وتنزيهه عن مشابهة الأجسام ترك الأعراض إذ لا يتوهم مشابهته إياها واتصافه بصفات

(1/21)


الجلال والإكرام أي بصفات العظمة والإحسان إلى المخلصين من عباده أو بالصفات السلبية والثبوتية أو القهر واللطف وإثبات النبوة التي هي أساس الإسلام بل لا مرتبة أشرف منها بعد الألوهية وعليه مبنى الشرائع والأحكام أي وعلى علم الكلام بناء العلوم الشرعية والأحكام الفقهية إذ لولا ثبوت الصانع بصفاته لم يتصور علم التفسير والحديث ولا علم الفقه وأصوله وبه يترقى في الإيمان باليوم الآخر من درجة التقليد إلى درجة الإيقان وذلك الإيقان هو السبب للهدى والنجاح في الدنيا والفوز والفلاح في العقبى فوجب أن يعتنى بهذا العلم كل الاعتناء وأنه في زماننا هذا قد اتخذ ظهريا أي أمرا منسيا قد ألقي وراء الظهر وصار طلبه عند الأكثرين شيئا فريا بديعا عجيبا وقيل مصنوعا مختلفا لم يبق منه من علم الكلام بين الناس إلا قليل ومطمح نظر من يشتغل به على الندرة
قال وقيل هما فعلان والمعنى أن منتهى ما يرتفع إليه نظر من يشتغل به نادرا هو النقل عن شخص معين أو مجهول من غير التفات إلى دراية واستبصار في رواية فوجب علينا أن نرغب طلبة زماننا في طلب التدقيق ونسلك بهم في ذلك العلم مسالك التحقيق وإني قد طالعت ما وقع إلي من الكتب المصنفة في هذا الفن فلم أر فيها ما فيه شفاء لعليل بأمراض الأهواء في الآراء أو رواء أي ري أو إرواء لغليل لحرارة العطش بفقدان المطالب الاعتقادية والشوق إليها وفي الصحاح أن الرواء بالمد وفتح الراء هو الماء العذب وبكسرها جمع ريان وبضمها المنظر الحسن سيما حذف منه كلمة

(1/22)


لا لكثرة الاستعمال والجملة الحالية أعني قوله والهمم قاصرة مؤولة بالظرف نظرا إلى قرب الحال من ظرف الزمان فصح وقوعها صلة لما وهذا من قبيل الميل إلى المعنى والإعراض عما يقتضيه اللفظ بظاهره أي انتفى حصول الشفاء والإرواء عن تلك الكتب في كل زمان لا مثل انتفائه في زمان قصور الهمم فإن هذا الانتفاء أقوى والرغبات في تعلمه فاترة والدواعي إليه قليلة والصوارف عنه متكاثرة ثم أنه بين ما أجمله من حال تلك الكتب بقوله فمختصراتها قاصرة عن إفادة المرام باختصارها المخل ومطولاتها مع الإسام بما فيها من الإسهاب الممل مدهشة للأفهام في الوصول إلى حقائق المسائل ثم زاد في ذلك البيان بذكر أحوال المصنفين في تصانيفهم الكلامية فقال فمنهم من كشف عن مقاصده أي مقاصد علم الكلام القناع بإزالة أستارها عنها ولكنه قنع من دلائله بالإقناع بما يفيد الظن ويقنع ومنهم من سلك المسلك السديد في الدلائل لكن يلحظ المقاصد ينظر إليهاا بمؤخرة عينه من مكان بعيد فلم يكشفها ولم يحررها ومنهم من غرضه نقل المذاهب التي ذهبت إليها طوائف من الناس واستقروا عليها والأقوال التي صدرت عمن قبله والتصرف بالرفع عطفا على نقل في وجوه الاستدلال وتكثير السؤال والجواب ولا يبالي إلام المآل إلى أي شيء مرجع نقله وتصرفه وتكثيره هل يترتب عليها ثمرة أو يزداد بها حيرة ومنهم من يلفق يجمع ويضم مغالط شبها يغلط فيها لترويج رأيه ولا يدري أن النقاد من ورائه فيزيفها ويفضحها ومنهم من ينظر في مقدمة مقدمة ويختار منها من المقدمات التي نظر فيها ما يؤدي إليه بادئ رأيه أي أوله بلا إمعان وتأمل ويبني عليها مطالبه وربما يكر يرجع ويحمل بعضها بعض تلك المقدمات على بعض بالإبطال ويتطرق إلى المقاصد بسبب

(1/23)


الاختلال ومنهم من يكبر حجم الكتاب بالبسط في العبارة والتكرار في المعنى ليظن به أنه بحر زخار كثير الماء مواج من زخر البحر امتد وارتفع ومنهم من هو كحاطب ليل كمن يجمع الحطب في الليل فلا يميز بين الرطب واليابس والضار والنافع وجالب رجل وخيل الرجل جمع الراجل وهو خلاف الفارس والخيل الفرسان يعني كجالب العسكر بأسره ضعيفة وقوية ثم أشار إلى وجه الشبه في جانب المشبه في كلا التشبيهين بقوله يجمع ما يجده من كلام القوم ينقله نقلا ولا يستعمل عقلا ليعرف أغث ما أخذه أم ثمين وسخيف أي رقيق ركيك ما ألفاه ما وجده أم متين أي قوي فصار جميع ما ذكره باعثا له على تأليف الكتاب كما أشار إليه بقوله فحداني ساقني وبعثني الحدب العطف والشفقة على أهل الطلب لهذا العلم ومن له في تحقيق الحق فيه إرب حاجة إلى أن كتبت هذا إشارة إلى كتابه كتابا مقتصدا متوسطا لا مطولا مملا بتطويله ولا مختصرا مخلا بإيجازه أودعته أوردت فيه لب الألباب خلاصة العقول وميزت فيه القشر من اللباب ولم آل أي لم أترك جهدا سعيا وطاقة في تحرير المطالب الكلامية وتقرير المذاهب الاعتقادية وتركت الحجج تتبختر تتمايل في مشيها كالمتدلل بجماله اتضاحا مفعول له والشبه تتضاءل تتصاغر وتتحاقر افتضاحا كالذي ظهرت قبائحه وانكشفت سوآته ونبهت في النقد والتزييف للدلائل والهدم والترصيف أي الإحكام للمقاصد على نكت هي ينابيع التحقيق وفقر تهدي إلى مظان التدقيق النكتة طائفة من الكلام منقحة مشتملة على لطيفة مؤثرة في القلوب والينبوع عين الماء والفقرة بالسكون فقارة الظهر وتطلق على أجود بيت في القصيدة تشبيها له بها وعلى قرينة الاسجاع أيضا وأنا أنظر من الموارد مواضع الورود جمع مورد من ورد الماء إلى المصادر مواضع الرجوع من صدر إذا رجع وأتأمل في المخارج قبل أن أضع قدمي في المداخل ثم

(1/24)


أرجع القهقري أي الرجوع إلى خلف أتأمل فيما قدمت هل فيه من قصور فأزيله وأتمه وأرجع البصر كرة بعد أخرى هل أرى من فطور أي شق فأسده وأصلحه حافظا حال من فاعل كتبت وما في حيزه من أودعته وما عطف عليه أي فعلت كل ذلك حافظا للأوضاع التي ينبغي أن يحافظ عليها رامزا مشيرا بإيجاز العبارة مشبعا موضحا بأطنابها في مقام الرمز والإشباع ولقد بالغ في تحرير كتابه ونصح طالبيه حتى جاء متعلق بتلك الأفعال المذكورة كما أردت ووفق الله وسدد في إتمام ما قصدت ثم بين مجيئه على وفق إرادته بقوله جاء كلاما لا عوج فيه ولا إرتياب ولا لجلجة أي ولا تردد ولا اضطراب متناسبا صدوره أوائله وروادفه أواخره متعانقا سوابقه ولو احقه
وقوله بكرا بدل من كلاما من أبكار الجنان لم يطمثها لم يمسها من قبل إنس ولا جان وكنت برهة من الزمان مدة طويلة منه أجيل رأيي أديره وأردد قدامي كما يفعله الياسر حال تفكره في الميسر وأؤامر نفسي من المؤامرة وهي المشاورة لأن كلا من المتشاورين يأمر صاحبه بما يراه وأشاور ذوي النهى جمع نهية وهي العقل لأنه ينهى عن الفحشاء من أصدقائي مع تعدد خاطبيها من الخطبة والضمير للبكر ومن جملة خاطبيها سلطان الهند محمد شاه جونه وكثرة الراغبين فيها وقوله في كفء متعلق بأجيل وما عطف عليها أزفها إليه يقال زففت العروس إلى زوجها أزف بالضم زفا وزفافا يعرف قدرها ويغلي مهرها يكثره موفق من عند الله له مواقف جمع موقف من الوقوف بمعنى

(1/25)


اللبث يعز الدين فيها بالسيف والسنان وهو متطلع ناظر مستشرف إلى مواقف جمع موقف من الوقوف بمعنى الدراية وفيه إشارة إلى اسم الكتاب ينصره فيها بالحجة والبرهان ولا بد لذلك الإعزاز من النصرة فإن السيف القاضب القاطع إذا لم تمض الحجة حده كما قيل مخراق لاعب وهو منديل يلف ليضرب به عند التلاعب حتى وقع غاية لإجالة الرأي وما عطف عليها الاختيار على من لا يوازن من وازنت بين الشيئين إذا وزنت أحدهما بالآخر لتعرف أيهما الأرجح ولا يوازى لا يحاذى ولا يقابل بأحد وهو غني عن أن يباهي غيره ويفاخره وأجل من أن يباهي يوفاخر والمعنى أنه أجل من متعلق المباهاة أي مما يمكن أن تتعلق به فلا يتصور أن يفاخره أحد أصلا وهو أعظم من ملك البلاد وساس أي حفظ وضبط العباد شأنا تمييز عن النسبة في أعظم وأعلاهم منزلا ومكانا وأنداهم راحة وبنانا يقا الفلان ندي الكف إذا كان سخيا وأشجعهم جأشا هو بالهمزة رواع القلب إذا اضطرب وفلان رابط الجأش أي يربط نفسه عن الفرار بشجاعته وجنانا وأقواهم دينا وإيمانا وأروعهم سيفا وسنانا يقال رعته فارتاع أي أفزعته ففزع وأبسطهم ملكا وسلطانا وأشملهم عدلا وإحسانا وأعزهم أنصارا وأعوانا وأجمعهم للفضائل النفسية التي أصولها ثلاثة الحكمة والعفة والشجاعة وأولاهم بالرياسة الأنسية من شيد رفع وأحكم قواعد الدين بعد أن كادت تنهدم واستبقى حشاشة الكرم بقية روحه حين أرادت أن تنعدم ورفع رايات المعالي أوان زمان ناهزت قاربت الانتكاس الانقلاب على رؤوسها وجدد مكارم الشريعة الفضائل التي دعي إليها في الشرع ولو أبدل لفظ المكارم بالمعالم لكان أقعد وقد آذنت أعلمت بالاندراس بالانمحاء محرز ممالك الأكاسرة والاستحقاق جمال الدنيا والدين أبو إسحاق لا زالت الأفلاك متابعة لهواه والأقدار متحرية لرضاه هذا دعاء قد

(1/26)


في عباراتهم لكن الاحتراز عن أمثاله أولى إذ فيه مبالغة غير مرضية وإلى الله أبتهل أتضرع بأطلق لسان وأرق جنان أي برغبة وافرة توجب طلاقة اللسان ورقة قلب تامة يلزمها الإخلاص المستدعي للإجابة أن يديم أيام دولته ويمتعه بما خوله أعطاه وملكه دهرا طويلا ويوفقه لأن يكتسب به بما خوله ذكرا جميلا في هذه الدار وأجرا جزيلا في دار القرار إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير والكتاب مرتب على ستة مواقف وذلك لأن ما يذكر فيه إما أن يجب تقديمه في علم الكلام وهو الموقف الأول في المقدمات أو لا يجب وحينئذ إما أن يبحث فيه عما لا يختص بواحد من الأقسام الثلاثة للموجود وهو الموقف الثاني في الأمور العامة أو عما يختص فإما بالممكن الذي لا يقوم بنفسه بل بغيره وهو الموقف الثالث في الأعراض أو بالممكن الذي يقوم بنفسه وهو الموقف الرابع في الجواهر وإما بالواجب تعالى فإما باعتبار إرساله الرسل وبعثه الأنبياء وهو الموقف السادس في السمعيات أو لا باعتباره وهو الموقف الخامس في الإلهيات والوجه في التقديم والتأخير أن المقدمات يجب تقديمها على الكل والأمور العامة كالمبادئ لما عداها والسمعيات متوقفة على الإلهيات المتوقفة على مباحث الممكنات وأما تقديم العرض على الجوهر فلأنه قد يستدل بأحوال الأعراض على أحوال الجواهر كما

(1/27)


يستدل بأحوال الحركة والسكون على حدوث الأجسام وبقطع المسافة المتناهية في زمان متناه على عدم تركبها من الجواهر الأفراد التي لا تتناهى ومنهم من قدم مباحث الجوهر نظرا إلى أن وجود العرض متوقف على وجوده

(1/28)


الموقف الأول في المقدمات وفيه مراصد
1 - المرصد الأول فيما يجب تقديمه في كل علم
3 - المرصد الثاني في تريف مطلق العلم
3 - المرصد الثالث في أقسام العلم
4 - المرصد الرابع في إثبات العلوم الضرورية
5 - المرصد الخامس في النظر إذ به يحصل المطلوب
6 - المرصد السادس في الطريق وهو الموصل إلى المقصود

(1/29)


المرصد الأول فيما يجب تقديمه في كل علم وفيه مقاصد
المقصد الأول تعريفه

(1/30)


المتن
ليكون طالبه على بصيرة فإنه من ركب متن عمياء أوشك أن يخبط خبط عشواء والكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبهة والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد فإن الخصم وإن خطأناه لا نخرجه من علماء الكلام
الشرح
وأما المراصد الباقية ففيما يجب تقديمه في هذا العلم كما ستعرفه ولم يرد بوجوب التقديم أنه لا بد منه عقلا بل أريد الوجوب العرفي الذي مرجعه اعتبار الأولى والأحق في طرق التعليم وفيه مقاصد ستة أيضا
الأول تعريفه أي تعريف العلم الذي يطلب تحصيله وإنما وجب تقديم تعريفه ليكون طالبه على بصيرة في طلبه فإنه إذا تصوره بتعريفه سواء كان حدا لمفهوم اسمه أو رسما له فقد أحاط بجميعه إحاطة إجمالية باعتبار أمر شامل له يضبطه ويميزه عما عداه بخلاف ما إذا تصوره بغيره فإنه وإن فرض أنه يكفيه في طلبه لكنه لا يفيده بصيرة فيه فإن من ركب متن عمياء وهي العماية بمعنى

(1/31)


الباطل أوشك أن يخبط خبط عشواء وهي الناقة التي لا تبصر قدامها فهي تخبط بيديها كل شيء ويقال فلان ركب العشواء إذا خبط أمره على غير بصيرة والكلام علم بأمور يقتدر معه أي يحصل مع ذلك العلم حصولا دائميا عاديا قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامه إياها بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها فالأول إشارة إلى المقتضى والثاني إلى انتفاء المانع وههنا أبحاث
الأول أنه أراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقا ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها على ما صرح به
الثاني أنه نبه بصيغة الاقتدار على القدرة التامة وبإطلاق المعية على المصاحبة الدائمة فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة ورد الشبه لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب دائما هذا العلم دون العلم بالقوانين التي يستفاد منها صور الدلائل فقط ودون علم الجدل الذي يتوسل به إلى حفظ أي وضع يراد إذ ليس فيه اقتدار تام على ذلك وإن سلم فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد والمتبادر من هذا الحد ما له نوع اختصاص به ودون علم النحو المجامع لعلم الكلام مثلا إذ ليس يترتب عليه تلك القدرة دائما على جميع التقادير بل لا مدخل له في ذلك الترتب العادي أصلا
الثالث أنه اختار يقتدر على يثبت لأن الإثبات بالفعل غير لازم واختار معه على به مع شيوع استعماله تنبيها على انتفاء السببية الحقيقية

(1/32)


المتبادرة من الباء ههنا واختار إثبات العقائد على تحصيلها إشعارا بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير وأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتد بها وإن كانت مما يستقل العقل فيه ولا يجوز حمل الإثبات ههنا على التحصيل والاكتساب إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجا عن علم الكلام ثمرة له ولا شك في بطلانه
الرابع أن المتبادر من الباء في قوله بإيراد هو الاستعانة دون السببية ولئن سلم وجب عملها على السببية العادية دون الحقيقية بقرينة ذلك التنبيه السابق وليس المراد بالحجج والشبه ما هي كذلك في نفس الأمر بل بحسب زعم من تصدى للإثبات بناء على قصد المخطئ ولم يرد بالغير الذي يثبت عليه العقائد غيرا معينا حتى يرد أنها إذا أثبتت عليه مرة لم يبق اقتدار على إثباتها قطعا فيخرج المحدود عن الحد
الخامس أن هذا التعريف إنما هو لعلم الكلام كما قررناه لا لمعلومه وإن أمكن تطبيقه عليه بنوع تكلف فيقال علم أي معلوم يقتدر معه أي مع العلم به الخ والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل فإن الأحكام المأخودة من الشرع قسمان
أحدهما ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير وهذه تسمى إعتقادية وأصلية وعقائد وقد دون علم الكلام لحفظها
والثاني ما يقصد به العمل كقولنا الوتر واجب والزكاة فريضة وهذه تسمى عملية وفرعية وأحكاما ظاهرية وقد دون علم الفقه لها وإنها

(1/33)


لا تكاد تنحصر في عدد بل تتزايد بتعاقب الحوادث الفعلية فلا يتأتى أن يحاط بها كلها وإنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام لها أعني أن يكون عنده ما يكفيه في استعلامها إذا رجع إليه وإن استدعى زمانا بخلاف العقائد فإنها مضبوطة لا تزايد فيها أنفسها فلا تتعذر الإحاطة بها والاقتدار على إثباتها وإنما تتكثر وجوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد صوابا كانت أو خطأ فإن الخصم كالمعتزلة مثلا وإن خطأناه في اعتقاده وما يتمسك به في إثباته لا نخرجه من علماء الكلام ولا يخرج علمه الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة من علم الكلام
المقصد الثاني موضوعه
موضوع العلم الذي يراد تحصيله وإنما وجب تقديم موضوعه أي التصديق بموضوعيته ليمتاز العلم المطلوب عند الطالب مزيد امتياز إذ به أي بالموضوع تتمايز العلوم في أنفسها وبيان ذلك أن كمال النفس الإنسانية في قوتها الإدراكية إنما هو بمعرفة حقائق الأشياء وأحوالها بقدر الطاقة البشرية ولما كانت تلك الحقائق وأحوالها متكثرة متنوعة وكانت معرفتها مختلطة منتشرة متعسرة وغير مستحسنة اقتضى حسن التعليم وتسهيله أن تجعل مضبوطة متمايزة فتصدى لذلك الأوائل فسموا الأحوال والأعراض الذاتية المتعلقة بشيء واحد إما مطلقا أو من جهة واحدة أو بأشياء متناسبة تناسبا معتدا به سواء كان في ذاتي أو عرضي علما واحدا ودونوه على حدة وسموا ذلك الشيء أو تلك الأشياء موضوعا لذلك العلم لأن موضوعات مسائله راجعة إليه فصارت عندهم كل طائفة من الأحوال

(1/34)


متشاركة في موضوع علما منفردا ممتازا في نفسه عن طائفة أخرى متشاركة في موضوع آخر فجاءت علومهم متمايزة في أنفسها بموضوعاتها وسلكت الأواخر أيضا هذه الطريقة في علومهم وهو أمر استحساني إذ لا مانع عقلا من أن تعد كل مسألة علما برأسه وتفرد بالتعليم ولا من أن تعد مسائل كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد سواء كانت متناسبة من وجه آخر أو لا علما واحدا وتفرد بالتدوين واعلم أن الامتياز الحاصل للطالب بالموضوع إنما هو للمعلومات بالأصالة وللعلوم بالتبع والحاصل بالتعريف على عكس ذلك إن كان تعريفا للعلم وأما إن كان تعريفا للمعلوم فالفرق أنه قد لا يلاحظ الموضوع في التعريف كما في تعريف الكلام أن جعل تعريفا المعلومه وهو أي موضوع الكلام المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقا قريبا أو بعيدا وذلك لأن مسائل هذا العلم إما عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع وإثبات الحدوث وصحة الإعادة للأجسام وإما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة وجواز الخلاء وكانتفاء الحال وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليهما في اعتقاد كون صفاته تعالى متعددة موجودة في ذاته
والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود والمعدوم والحال فإن حكم على المعلوم بما هو العقائد الدينية تعلق به إثباتها تعلقا قريبا وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلق به إثباتها تعلقا بعيدا
وللبعد مراتب متفاوتة وقد يقال المعلوم من هذه الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضا فالأولى أن يقال المعلوم من حيث يثبت له ما هو العقائد الدينية أو وسيلة إليها لا يقال إن أريد بالمعلوم مفهومه فأكثر محمولات المسائل أخص منه فلا يكون عرضا ذاتيا له وإن أريد به ما صدق عليه من إفراده كان أعم منه فلا يكون أيضا عرضا ذاتيا مبحوثا عنه

(1/35)


مالم يقيد بما يجعله مساويا له كما حقق في موضعه لأنا نقول قد حقق هناك أيضا أن العرض الذاتي يجوز أن يكون أخص من معروضه نعم يتجه أن الحيثية المذكورة لا مدخل لها في عروض القدرة للمعلوم مثلا فلا يكون عرضا ذاتيا له من تلك الحيثية وإن كان بحث المتكلم عن قدرته تعالى لإثبات عقيدة دينية
وقيل هو أي موضوع الكلام ذات الله تعالى والقائل بذلك هو القاضي الأرموي إذ يبحث فيه عن أعراضه الذاتية أعني عن صفاته الثبوتية والسلبية وعن أفعاله إما في الدنيا كحدوث العالم أي إحداثه وإما في الآخرة كالحشر للأجساد وعن أحكامه فيهما كبعث الرسول ونصب الإمام في الدنيا من حيث أنهما واجبان عليه أم لا والثواب والعقاب في الآخرة من حيث أنهما يجبان عليه أم لا ولا بد في هذه الأربعة من اعتبار قيد الوجوب أوعدمه وإلا لكانت من قبيل الأفعال دون الأحكام وفيه نظر من وجهين
الأول أنه قد يبحث فيه أي في الكلام عن غيرها أي عن غير ما ذكرت من الأعراض الذاتية لذاته تعالى كالجواهر والأعراض أي أحوالهما لا من حيث هي مستندة إليه تعالى حتى يمكن أن تدرج في البحث عن أعراضه الذاتية وذلك مثل قولهم الجوهران لا يتداخلان والأعراض لا تنتقل لا يقال ذلك البحث إنما يورد في هذا العلم على سبيل المبدئية لا على أنه من مسائله فلا يلزم أن يكون راجعا إلى أحوال موضوعه لأنا نقول ليس ذلك البحث من الأمور البينة بذاتها حتى تكون من المبادئ المطلقة المستغنية بالكلية عن البيان فلا بد من بيانه في علم فإن بين في هذا

(1/36)


العلم فهو من مسائله فوجب أن يكون راجعا إلى أحوال موضوعه وليس كذلك كما عرفت ولا شبهة في جواز كون بعض مسائل علم مبدأ لمسائل أخرى منه إذا لم تتوقف الأولى على الأخرى فتكون مسألة من جهة ومبدأ من جهة أخرى كما سيأتي أو في علم أخر أي وإن بين في علم آخر كان ثمة علم أعلى منه أي من علم الكلام تبين فيه مباديه شرعي إذ لا يجوز أن تبين مباديه في علم أعلى غير شرعي وإلا لاحتاج رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق إلى علم أعلى غير شرعي وإنه أي ثبوت علم شرعي أعلى من علم الكلام باطل اتفاقا
ولقائل أن يقول إن مبادئ العلم الأعلى قد تبين وإن كان على قلة في العلم الأدنى فاللازم على ذلك التقدير ثبوت علم شرعي تبين فيه مبادئ الكلام أو احتياجه في مباديه إلى علم غير شرعي فإن سلم بطلان الثاني فقد لا يسلم بطلان الأول إلا أن يقال ليس لنا علم شرعي يبين فيه ما نحن بصدده
الثاني أن موضوع العلم لاا يبين فيه وجوده وذلك لأن المطلوب المبين في العلم إثبات الأعراض الذاتية لموضوعه ولا شك أنه متوقف على وجوده فلا يكون وجوده عرضا ذاتيا مبينا فيه وإلا لزم توقفه على نفسه واعترض عليه بأن إثبات العرض الذاتي الذي هو غير الوجود متوقف عليه وأما إثباته فلا محذور فيه أصلا وأجيب بأن الوجود المطلق مشترك بين الموجودات بأسرها فلا يكون عرضا ذاتيا لشيء منها وأما الوجود الخاص بواحد منها فهو جزئي حقيقي لا يحمل على شيء قطعا وربما يقال لما امتاز الوجود عما عداه من الأعراض الذاتية بتوقفها عليه لم يستحسنوا أن يجعل معها في قرن فيطلب إثباته مع إثباتها في علم واحد فيلزم إذا كان

(1/37)


موضوع الكلام ذاته تعالى إما كون إثبات الصانع بينا بذاته فلا يحتاج إلى بيان أصلا أو كونه مبينا في علم أعلى سواء كان شرعيا أو لا فإن بيان وجود الموضوع إنما يجوز في الأعلى الذي هو أعم موضوعا دون الأدنى لأن الأخص يثبت في الأعم بانقسامه إليه وإلى غيره دون العكس
والقسمان يعني كون إثباته تعالى بينا بذاته وكونه مبينا في علم أعلى من الكلام باطلان أما بطلان الأول فمما لا ينبغي أن يشك فيه وأما بطلان الثاني فقد خالف فيه الأرموي حيث جوز أن يكون ذاته تعالى مسلم الآنية في الكلام مبينا في العلم الإلهي الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود المنقسم إلى الواجب وغيره وهو مردود بأن إثباته تعالى هو المقصد الأعلى في علمنا هذا وأيضا كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي بل احتياجه إلى ما ليس علما شرعيا مع كونه أعلى منه مما يستنكر أيضا فإن قلت المعلوم الذي جعلته موضوع الكلام ماذا حال آنيته قلت هي بينة بذاتها غير محتاجة إلى بيان كآنية الموجود الذي هو موضوع العلم الإلهي ولا نعني بآنيتهما سوى حملهما على غيرهما إيجابا فتدبر وقيل هو أي موضوع الكلام الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيد بشيء والقائل به طائفة منهم حجة الإسلام
ويمتاز الكلام عن الإلهي المشارك له في أن موضوعه أيضا هو الموجود مطلقا باعتبار وهو أن البحث ههنا أي في الكلام على قانون

(1/38)


الإسلام بخلاف البحث في الإلهي فإنه على قانون عقولهم وافق الإسلام أو خالفه وفيه أيضا كالقول الأول نظر من وجهين
الأول أنه قد يبحث فيه أي في الكلام عن أحوال المعدوم والحال وعن أحوال أمور لا باعتبار أنها موجودة في الخارج أي يبحث فيه عن أحوال لأمور لا تتوقف تلك الأحوال على وجود تلك الأمور في الخارج سواء كانت موجودة فيه أم لا كالنظر والدليل فيقال مثلا النظر الصحيح يفيد العلم أم لا والدليل وجه دلالته كذا وينقسم إلى كذا فإن هذه كلها مسائل كلامية كما ستعرفه لا يعتبر فيها وجود موضوعاتها في الخارج وأما الوجود في الذهن فهم أي المتكلمون لا يقولون به حتى يقال النظر والدليل وكذا المعلوم الخارجي والحال من الموجودات الذهنية فيندرج تحت الموجود بما هو موجود ولا شك أن أحوالها إنما تعرضها من حيث أنها موجودة مطلقا فلا إشكال
الثاني قانون الإسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعا فإن زعم هذا القائل أن الكلام هو هذه المسائل الحقة فقط ورد عليه ما أشار إليه بقوله وبهذا القدر أي بكون المسائل حقة على قانون الإسلام لا يتميز العلم أي علم الكلام عما ليس علم الكلام كيف وكل من صاحبي المسائل الحقة والباطلة يدعي ذلك أي كون مسائله حقة على قانون الإسلام مع أن هذا الزعم منه باطل قطعا لأن المخطىء من أرباب علم الكلام ومسائله من مسائل الكلام كما أشير إليه بقوله وإن كفر ذلك المخطىء كالمجسمة المصرحين بكونه تعالى جسما دون القائلين باتصافه بصفات الأجسام المتسترين بالبلكفة أو بدع

(1/39)


كالمعتزلة وقد يجاب عنه بأن المراد بكون البحث على قانون الإسلام أن تلك المسائل مأخوذة من الكتاب والسنة وما ينسب إليهما فيتناول الكل
ولقائل أن يقول إن لم تجعل حيثية كون البحث على قانون الإسلام قيدا للموضوع لم يتوقف تمايز العلوم على تمايز الموضوعات وهو باطل لما مر وإن جعلت قيدا له اتجه أن تلك الحيثية لا مدخل لها في عروض المحمولات لموضوعاتها على قياس ما مر في حيثية المعلوم
المقصد الثالث فائدته
وإنما وجب تقديم فائدة العلم الذي يراد أن يشرع فيه دفعا للعبث فإن الطالب إن لم يعتقد فيه فائدة أصلا لم يتصور منه الشروع فيه قطعا وذلك لظهوره لم يتعرض له وإن اعتقد فيه فائدة غير ما هي فائدته غير ما هي فائدة أمكنه الشروع فيه إلا أنه لا يترتب عليه ما اعتقده بل ما هو فائدته وربما لم تكن موافقة لغرضه فيعد سعيه في تحصيله عبثا عرفا وليزداد عطف على دفعا رغبة فيه إذا كان ذلك العلم مهما للطالب بسبب فائدته التي عرفها فيوفيه حقه من الجد والاجتهاد في تحصيله بحسب تلك الفائدة وهي أي فائدة علم الكلام أمور
الأول بالنظر إلى الشخص في قوته النظرية وهو الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان
يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات خص العلماء الموقنين بالذكر مع اندراجهم في المؤمنين رفعا لمنزلتهم كأنه قال وخصوصا هؤلاء الأعلام منكم
الثاني بالنظر إلى تكميل الغير وهو إرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة لهم إلى عقائد الدين وإلزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم فإن هذا

(1/40)


الإلزام المشتمل على تفضيح المعاند ربما جره إلى الإذعان والاسترشاد فيكون نافعا له ومكملا إياه
الثالث بالنسبة إلى أصول الإسلام وهو حفظ قواعد الدين وهي عقائده عن أن تزلزلها شبه المبطلين
الرابع بالنظر إلى فروعه وهو أن تبنى عليه العلوم الشرعية أي يبنى عليه ما عداه منها فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصور علم تفسير وحديث ولا علم فقه وأصوله فكلها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه فالآخذ فيها بدونه كبان على غير أساس وإذا سئل عما هو فيه لم يقدر على برهان ولا قياس بخلاف المستنبطين لها فإنهم كانوا عالمين بحقيقته وإن لم تكن فيما بينهم هذه الاصطلاحات المستحدثة فيما بيننا كما في علم الفقه بعينه
الخامس بالنظر إلى الشخص في قوته العملية وهو صحة النية بإخلاصهم في الأعمال وصحة الاعتقاد بقوته في الأحكام المتعلقة بالأفعال إذ بها أي بهذه الصحة في النية والاعتقاد يرجى قبول العمل وترتب الثواب عليه وغاية ذلك كله أي والفائدة التي يفيدها ما ذكر من الأمور الخمسة وتنتهي إليها هي الفوز بسعادة الدارين فإن هذا الفوز مطلوب لذاته فهو منتهى الأغراض وغاية الغايات
المقصد الرابع مرتبته
المتن
ليعرف قدره فيوفي حقه من الجد
قد علمت أن موضوعه أعم الأمور وأعلاها وغايته أشرف الغايات وأجداها ودلائله يقينية يحكم بها صريح العقل وقد تأيدت بالنقل وهي الغاية في الوثاقة

(1/41)


وهذه هي جهات شرف العلم لا تعدوها فهو أشرف العلوم
الشرح
أي شرفه وإنما وجب تقديم مرتبة العلم الذي يطلب أن يشرع فيه ليعرف قدره ورتبته فيما بين العلوم فيوفى حقه من الجد والاعتناء في اكتسابه واقتنائه إذا عرفت هذا فنقول قد علمت أن موضوعه أي موضوع الكلام وهو المعلوم أعم الأمور وأعلاها فيتناول أشرف المعلومات التي هي مباحث ذاته تعالى وصفاته وأفعاله ولا شك أنه إذا كان المعلوم أشرف كان العلم به أشرف مع أن موضوعه مقيد بحيثية تنبىء عن شرفه أيضا وغايته أعني تلك السعادة المترتبة على الأمور الخمسة أشرف الغايات وأجداها نفعا ودلائله يقينية يحكم بها أي بصحة مقدماتها وحقية الصور العارضة لها صريح العقل بلا شائبة من الوهم وقد تأيدت تلك الدلائل بالنقل وهي أي شهادة العقل لها بصحتها مع تأيدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا يبقى شبهة في صحة الدليل الذي تطابق فيه العقل والنقل قطعا بخلاف دلائل العلم الإلهي فإن مخالفة النقل إياها شهادة عليها بأن أحكام عقولهم بها مأخوذة من أوهامهم لا من صرائحها فلا وثوق بها أصلا وهذه الأمور المذكورة في شرف علم الكلام أعني معلومه وغايته هي جهات شرف العلم لا تعدوها أي لا تتجاوز جهات الشرف هذه الأمور التي ذكرناها وأما كون مسائل العلم أقوم فراجع إلى فضيلة الدلائل ووثاقتها فهو فالكلام إذا شرف العلوم بحسب جميع جهات الشرف

(1/42)


المقصد الخامس مسائله
المتن
التي هي المقاصد وهي كل حكم نظري لمعلوم هو من العقائد الدينية أو يتوقف عليه إثبات شيء منها وهو العلم الأعلى فليست له مباد تبين في علم آخر بل مباديه إما بينة بنفسها أو بينة فيه فهي مسائل له ومباد لمسائل أخر منه لا تتوقف عليها لئلا يلزم الدور فمنه تستمد العلوم وهو لا يستمد من غيره فهو رئيس العلوم على الإطلاق
الشرح
بدون كلمة في وهو المناسب لما تقدم وما تأخر والموجود في كثير من النسخ في مسائله وإنما وجب تقديم الإشارة الإجمالية إلى مسائل العلم الذي يطلب الشروع فيه ليتنبه الطالب على ما يتوجه إليه من المطالب تنبها موجبا لمزيد استبصاره في طلبها وإنما قال التي هي المقاصد لأن كل علم مدون له مسائل هي المقاصد الأصلية فيه وهي حقيقته ومباد إما تصورية أو تصديقية هي وسائل إلى تلك المقاصد وربما عدت جزءا منه لشدة الحاجة إليها وأما عد موضوعه جزءا ثالثا منه ففيه أن الموضوع نفسه من المبادىء التصورية وكونه موضوعا له من مقدمات الشروع فيه الخارجة عنه اتفاقا وآنيته أعني وجوده من المبادىء التصديقية المسماة عندهم أصولا موضوعة كما صرح به ابن سينا في برهان الشفاء وهي أي مسائل الكلام كل حكم نظري جعل المسألة نفس الحكم لأنه المقصود في القضية

(1/43)


المطلوبة في العلم وأما أطرافه فمن المبادىء التصورية ووصف الحكم بكونه نظريا بناء على الغالب وإلا فالمسألة قد تكون ضرورية فتورد في العلم إما لاحتياجها إلى تنبيه يزيل عنها خفاءها أو لبيان لميتها وإنما حمل كل حكم نظري على المسائل نظرا إلى مآل معناه كأنه قال وهي الأحكام النظرية لمعلوم هو أي ذلك الحكم النظري من العقائد الدينية أو يتوقف عليه إثبات شيء منها سواء كان توقفا قريبا أو بعيدا وهو أي الكلام العلم الأعلى الذي إليه تنتهي العلوم الشرعية كلها وفيه تثبت موضوعاتها أو حيثياتها فليست له مباد تبين في علم آخر سواء كان علما شرعيا أو غير شرعي وذلك أن علماء الإسلام قد دونوا لإثبات العقائد الدينية المتعلقة بالصانع تعالى وصفاته وأفعاله وما يتفرع عليها من مباحث النبوة والمعاد علما يتوصل به إلى إعلاء كلمة الحق فيها ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلا فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقفها عليها باعتبار مواد أدلتها أو باعتبار صورها وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا فجاء علما مستغنيا في نفسه عما عداه ليس له مباد في علم آخر بل مباديه إما بينة بنفسها مستغنية عن البيان بالكلية أو مبينة فيه فهي أي فتلك المبادىء المبينة فيه مسائل له من هذه الحيثية ومباد لمسائل أخر منه لا تتوقف تلك المبادىء عليها أي على المسائل الأخر لئلا يلزم الدور ومما قررناه تبين لك أن أحوال المعدوم والحال ومباحث النظر والدليل

(1/44)


مسائل كلامية وتجويز أن تكون مبادىء أعلى علوم الشرع مبينة في علم غير شرعي وتحتاج بذلك إليه مما لا يجترىء عليه إلا فلسفي أو متفلسف يلحس من فضلات الفلاسفة وتشبيه ذلك باحتياج أصول الفقه إلى العربية مما لا يفوه به محصل
فإن وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقف عليها إثبات العقائد أصلا ولا دفع الشبه عنها قطعا فذلك من خلط مسائل علم آخر به تكثيرا للفائدة في الكتاب فمنه أي من الكلام تستمد العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره أصلا فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق لنفاذ حكمه فيها بأسرها وليس ينفذ فيه حكم شيء منها نعم قد ينفذ حكم بعض منها على بعض آخر فيكون لذلك البعض رياسة مقيدة ثم إن نفع الكلام فيما عداه بطريق الإفاضة والإنعام من الأعلى على الأدنى دون الخدمة فلا يناسب تسميته خادم العلوم
المقصد السادس تسميته
المتن
إنما سمي كلاما إما لأنه بازاء المنطق للفلاسفة أو لأن أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التناحر والسفك فغلب عليه أو لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات ومع الخصم

(1/45)


الشرح
وإنما وجب تقديمها لأن في بيان تسمية العلم الذي يتوجه إلى تحصيله مزيد اطلاع على حالة تفضي الطالب مع ما سبق إلى كمال استبصاره في شأنه إنما سمي الكلام كلاما إما لأنه بإزاء المنطق للفلاسفة يعني أن لهم علما نافعا في علومهم سموه بالمنطق ولنا أيضا علم نافع في علومنا سميناه في مقابلته بالكلام إلا أن نفع المنطق في علومهم بطريق الآلية والخدمة ومن ثمة يسمى خادم العلوم وآلتها وربما يسمى رئيسها نظرا إلى نفاذ حكمه فيها ونفع الكلام في علومنا بطريق الإحسان والمرحمة فلا يسمى إلا رئيسا لها أو لأن أبوابه عنونت أولا أي في كتب المتقدمين بالكلام في كذا فبعد تغير العنوان بقي ذلك الاسم بحاله أو لأن مسألة الكلام يعني قدم القرآن وحدوثه أشهر أجزائه وسبب أيضا لتدوينه حتى كثر فيه أي في حكم الكلام أنه قديم أو حادث التناحر أي التقاتل والسفك إذ قد روي أن بعض الخلفاء العباسيين كان على الاعتزال فقتل جماعة من علماء الأمة طالبا منهم الاعتراف بحدوث القرآن فغلب عليه تسمية للشيء باسم أشهر أجزائه أو لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات مع الخصم على قياس ما قيل في المنطق من أنه يفيد قوة على النطق في العقليات والمخاصمات

(1/46)


المرصد الثاني في تعريف مطلق العلم
من ههنا شرع في مقاصد علم الكلام وما تقدم في المرصد الأول كان مقدمة للشروع فيه ولا بد للمتكلم من تحقيق ماهية العلم أولا ومن بيان انقسامه إلى ضروري ومكتسب ثانيا ومن الإشارة إلى ثبوت العلوم الضرورية التي إليها المنتهى ثالثا ومن بيان أحوال النظر وإفادته للعلم رابعا ومن بيان الطريق الذي يقع فيه النظر ويوصل إلى المطلوب خامسا إذ بهذه المباحث يتوصل إلى إثبات العقائد وإثبات مباحث أخرى تتوقف عليها العقائد وقد عرفت أنه قد جعل جميع ما يتوقف عليه إثبات العقائد من القضايا المكتسبة مقاصد في علمه كيلا يحتاج فيه إلى علم آخر فالمباحث المذكورة في هذه المراصد الخمسة مسائل كلامية وفي أبكار الأفكار تصريح بذلك حيث جعله مشتملا على ثماني قواعد متضمنة لجميع مسائل الأصول الأولى في العلم وأقسامه الثانية في النظر وما يتعلق به الثالثة في الطرق الموصلة إلى المطلوبات النظرية وفيه أي في العلم المطلق ثلاثة مذاهب

(1/47)


المذهب الأول أنه ضروري أي تصور ماهيته بالكنه واختاره الإمام الرازي لوجهين
الوجه الأول أن علم كل أحد بوجوده أي بأنه موجود ضروري أي حاصل له بلا اكتساب ونظر وهذا علم خاص متعلق بمعلوم خاص هو وجوده والعلم المطلق جزء منه لأن المطلق ذاتي للمقيد والعلم بالجزء سابق على العلم بالكل فإذا حصل العلم الخاص الذي هو كل لكل أحد بالضرورة كان العلم المطلق الذي هو جزؤه سابقا عليه والسابق على الضروري أولى أن يكون ضروريا فالعلم المطلق ضروري وهو المطلوب والجواب عنه أن الضروري حصول علم جزئي متعلق بوجوده فإن هذا العلم حاصل لكل أحد بلا نظر وهو أي حصول ذلك العلم الجزئي غير تصوره وغير مستلزم له إذ كثيرا ما تحصل لنا علوم جزئية بمعلومات مخصوصة ولا نتصور شيئا من تلك العلوم مع كونها حاصلة لنا بل نحتاج في تصورها إلى توجه مستأنف إليها فلا يكون حصولها عين تصورها ولا مستلزما له وإذا لم يكن ذلك العلم الجزئي المتعلق بوجوده متصورا فلا يلزم تصور العلم المطلق أصلا فضلا عن أن يكون تصوره ضروريا ويجوز أن يجاب عنه أيضا بأنه إنما يتم إذا كان العلم ذاتيا لما تحته وكان شيء من أفراده متصورا بالكنه بديهة وكلاهما ممنوعان لا يقال نحن لا نقتصر على ما ذكر بل نقول إن كل واحد يعلم بالضرورة أنه موجود ويعلم أيضا كذلك أنه يعلم بذلك والعلم أحد تصوري هذا التصديق وهو بديهي أيضا فيكون تصوره السابق على التصديق البديهي أولى أن يكون بديهيا فإن قلت في جواب هذا التقرير لا يلزم من بداهة التصديق بداهة تصورية ولا بداهة شيء منهما

(1/48)


فإن التصديق البديهي ما لا يتوقف بعد تصور الطرفين على نظر فجاز أن تكون تصوراته بأسرها كسبية فلا يصح الاستدلال ببداهة التصديق على بداهة شيء من تصوراته أصلا
قلت في رد هذا الجواب إن المدعي حصول هذا التصديق بلا نظر في الحكم ولا في شيء من أطرافه إذ لا تخلو عنه البله والصبيان الذين لا يتأتى منهم الاكتساب لا في حكم ولا في تصور والنزاع في التسمية بأن التصديق إنما هو الحكم وحده وتصورات أطرافه شروط له خارجة عنه فالبديهي منه هو الحكم المستغني عن الاستدلال وإن كانت تصوراته نظرية وليس التصديق عبارة عن المجموع المركب من الحكم وتصورات أطرافه حتى تكون بداهته مستلزمة لبداهة تصوراته لا يجدي طائلا في هذا المقام لما عرفت من أن هذا التصديق الذي نحن فيه مستغن عن النظر مطلقا ثم شرع في جواب لا يقال بقوله لأنا نقول يكفي في التصديق تصور الطرفين بوجه ما ولا يحتاج فيه إلى تصورهما بالكنه كما نحكم على جسم معين مشاهد من بعيد بأنه شاغل لحيز معين مع الجهل بحقيقته هل هو إنسان أو حجر بل ومع الجهل بحقيقة الحيز والشغل بل نحكم بأن الواجب تعالى إما نفس أو لا وإن لم نعلم حقيقتهما بكنههما بل باعتبار أمر عام عارض لهما ككونه صانعا للعالم وكونها مدبرة للبدن مثلا فاللازم مما ذكرتم أن يكون تصور مطلق العلم بوجه ما بديهيا ولا نزاع فيه بل في تصوره بحسب الحقيقة
الوجه الثاني أن العلم لو كان كسبيا معروفا فإما أن يتعرف بنفسه وهو باطل قطعا أو بغيره وهو أيضا باطل لأن غير العلم إنما يعلم بالعلم

(1/49)


فلو علم العلم بغيره لزم الدور لتوقف معلومية كل منهما على معلومية الآخر حينئذ وهذا الوجه على تقدير صحته حجة على من يقول إنه أي مطلق العلم معلوم بحسب حقيقته لكن لا بالضرورة فإنه إذا لم يسلم كونه معلوما كذلك اتجه أن يقال لا يلزم من امتناع كونه مكتسبا أن يكون ضروريا لجواز أن يكون تصوره بكنهه ممتنعا
والجواب أن غير العلم إنما يعلم بحصول علم جزئي متعلق به لا بتصور حقيقة العلم المطلق فإن أكثر الناس يعلمون أشياء كثيرة وليسوا يتصورون حقيقة العلم المطلق والذي نحاول أن نعلمه أي نطلب أن نحصله على ذلك التقدير بغير العلم تصور حقيقة العلم فلا دور إذ اللازم أن يكون تصور حقيقة العلم موقوفا على حصول علم جزئي متعلق بذلك الغير وعلى حصول حقيقة العلم في ضمن ذلك الجزئي أيضا فيتوقف تصور حقيقته على حصولها في ضمن بعض جزئياتها وليس ذلك الحصول متوقفا على تصور حقيقته فلا دور وحاصل حل الشبهتين بالفرق بين حصول العلم المطلق بنفسه في الذهن وبين تصوره وذلك لأن منشأهما عدم الفرق بينهما ففي الشبهة الأولى تخيل أنه إذا حصل بالضرورة علم جزئي قائم بالنفس كانت ماهية العلم حاصلة بالضرورة في ضمنه قائمة بالنفس أيضا وهذا معنى كون تلك الماهية متصورة وفي الشبهة الثانية تخيل أن تصور ماهية العلم إذا توقف على حصول علم جزئي متعلق بالغير ولا شك أنه يتوقف على حصول ماهيته في ضمنه قائمة في الذهن وهذا معنى تصورها فقد توقف كل منهما على الآخر وإذا ظهر الفرق بينهما بأن ارتسام ماهية العلم في النفس على وجهين
أحدهما أن ترتسم فيها بنفسها في ضمن جزئياتها وذلك حصولها وليس تصورها ولا مستلزما له على قياس حصول الشجاعة للنفس الموجب لاتصافها بها من غير أن تتصورها

(1/50)


والثاني أن ترتسم فيها بمثالها وبصورتها وهذا هو تصورها لا حصولها على قياس تصور الشجاعة الذي لا يوجب اتصاف النفس بها وهو المطلوب بتعريفها اضمحلت الشبهتان بالكلية
المذهب الثاني وبه قال إمام الحرمين والغزالي أنه ليس ضروريا بل هو نظري ولكن يعسر تحديده وربما نصرا بالدليل الثاني إنما قال ربما لأن النصرة به تخييلية ألا يرى أنه إن تم دل على امتناع التحديد دون عسره وإن لم يتم لم يدل على شيء قالا وطريق معرفته القسمة والمثال أما القسمة فهي أن نميزه عما يلتبس به من الاعتقادات فنقول مثلا الاعتقاد إما جازم أو غير جازم والجازم إما مطابق أو غير مطابق والمطابق إما ثابت أو غير ثابت فقد خرج عن القسمة اعتقاد جازم مطابق ثابت وهو العلم بمعنى اليقين وقد تميز عن الظن بالجزم وعن الجهل المركب بالمطابقة وعن تقليد المصيب الجازم بالثابت الذي لا يزول بالتشكيك وأما المثال فكان يقال العلم إدراك البصيرة المشابه لإدراك الباصرة أو يقال هو كاعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين وهذا القول بعيد فإنهما أي القسمة والمثال إن أفادا تميزا لماهية العلم عما عداها صلحا معرفا وحدا لها إذ لا يعني ههنا بتحديدها سوى تعريفها وإلا لم يحصل بهما معرفة لماهية

(1/51)


العلم لأن محصل المعرفة بشيء لا بد أن يفيد تميزه عن غيره لامتناع حصول معرفته بدون تميزه واعلم أن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى صرح في المستصفى بأنه يعسر تحديد العلم بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتيين فإن ذلك متعسر في أكثر الأشياء بل في أكثر المدركات الحسية فكيف لا يعسر في الإدراكات الخفية ثم قال إن التقسيم المذكور يقطع العلم عن مظان الاشتباه والتمثيل بإدراك الباصرة يفهمك حقيقته فظهر أنه إنما قال بعسر التحديد الحقيقي دون التعريف مطلقا وهذا كلام محقق لا بعد فيه لكنه جار في غير العلم كما اعترف به
المذهب الثالث أنه نظري لا يعسر تحديده وذكر له تعريفات
الأول لبعض المعتزلة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به وهو أي هذا التعريف غير مانع لدخول التقليد فيه إذا طابق الواقع فزيد لدفعه عن ضرورة أو دليل فاندفع دخول التقليد لكن بقي الاعتقاد الراجح المطابق أعني الظن الصادق الحاصل عن ضرورة أو دليل ظني داخلا فيه إلا إن يخص الاعتقاد بالجازم اصطلاحا فلا يدخل الظن فيه ويرد عليهم أي على أصحاب هذا التعريف خروج العلم بالمستحيل عنه فإنه ليس شيئا اتفاقا بخلاف المعدومات الممكنة التي اختلف فيها وقد أجاب بعضهم عن هذا بأن العلم لايتعلق بالمستحيل فلا نقض به فأشار إلى رده بقوله ومن أنكر تعلق العلم بالمستحيل فهو مكابر لبديهة العقل فإن كل عاقل يجد من نفسه الحكم باستحالة اجتماع الضدين والنقيضين ولا يتصور ذلك إلا مع كون اجتماعهما

(1/52)


المستحيل معلوما بوجه ما ومناقض لكلامه أيضا لأن هذا أي إنكاره تعلق العلم بالمستحيل حكم على المستحيل بأنه لا يعلم فيستدعي هذا الحكم العلم به لامتناع الحكم على ما ليس معلوما أصلا نعم قد يعتذر لهم بأن المستحيل يسمى شيئا لغة فلا يخرج العلم به عن تعريفهم وكونه ليس بشيء بمعنى أنه غير ثابت في نفسه لا يمنع ذلك أي كونه شيئا لغة
الثاني للقاضي أبي بكر الباقلاني أنه معرفة المعلوم على ما هو به فيخرج عن حده علم الله سبحانه مع كونه معترفا بأن لله علما إذ لا يسمى علمه تعالى معرفة إجماعا لا اصطلاحا ولا لغة وأيضا ففيه دور إذ المعلوم مشتق من العلم فلا يعرف إلا بعد معرفته لأن المشتق مشتمل على معنى المشتق منه مع زيادة وأيضا فعلى ما هو به قيد زائد لا حاجة إليه إذ المعرفة لا تكون إلا كذلك لأن إدراك الشيء لا على ما هو به جهالة لا معرفة
الثالث للشيخ أبي الحسن الأشعري فقال تارة بالقياس إلى المحل هو الذي يوجب كون من قام به عالما أو هو الذي يوجب لمن قام

(1/53)


به اسم العالم ومؤدى العبارتين واحد وفيه دور ظاهر لأخذ العالم في تعريف العلم وقال أخرى بالقياس إلى متعلق العلم إدراك المعلوم على ما هو به وفيه الدور لأخذ المعلوم في الحد وفيه أن الإدراك مجاز عن العلم لأن معناه الحقيقي هو اللحوق والوصول والمجاز لا يستعمل في الحدود فإن أجيب باشتهاره في معنى العلم قلنا لم يندفع بذلك تعريف الشيء بنفسه لأن المعنى المجازي هو العلم نفسه فكأنه قيل هو علم المعلوم وفيه الزيادة المذكورة يعني أن قوله على ما هو به زائد فإن المعلوم لا يكون إلا كذلك
الرابع لابن فورك ما يصح ممن قام به إتقان الفعل أي إحكامه وتخليته عن وجوه الخلل فإن أراد ما يستقل بالصحة فهو باطل قطعا وإن أراد ما له دخل فيها فتدخل القدرة في الحد ويخرج عنه علمنا إذ لا مدخل له في صحة الإتقان على رأينا فإن أفعالنا ليست بإيجادنا وقد أورد عليه بعد تسليم أن فعل العبد بإيجاده علم أحدنا بنفسه وبالباري تعالى وبالمستحيل فإن ما تعلق به هذا العلم ليس فعلا ولا مما يصح إتقانه به

(1/54)


يرد عليه هذا أن لو أراد ما يصح به إتقان متعلقه وإما لو أراد ما يصح به الإتقان في الجملة وإن لم يكن مصححا بحسب شخصه فلا ورود لهذا عليه ولهم عبارات قريبة من هذه العبارات المذكورة نحو تبين المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة المذكورة والدور وأن التبيين مشعر بالظهور بعد الخفاء فيخرج عنه علمه تعالى أو إثباته أي إثبات المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة والدور وأنه يلزم أن يكون العالم منا بوجوده تعالى مثبتا له وهو محال وأيضا الإثبات يطلق على الإيجاد وعلى تسكين الشيء عن الحركة ولا مجال ههنا لإرادة شيء منهما وقد يطلق على العلم تجوزا فيلزم تعريف الشيء بنفسه او الثقة بأنه أي المعلول على ما هو به وفيه الزيادة والدور وأنه يوجب كون الباري تعالى واثقا بما هو عالم به وذلك مما يمتنع إطلاقه عليه شرعا
الخامس للإمام الرازي إنه اعتقاد جازم مطابق لموجب إما ضرورة أو دليل وإنما عرفه به بعد تنزله عن كونه ضروريا ولا غبار عليه غير أنه يخرج عنه التصور لعدم اندراجه في الاعتقاد ولا يخفى وروده أيضا على التعريف الأول المنقول عن بعض المعتزلة مع أنه علم يقال مثلا في الأعراض علمت معنى المثلث وفي الجواهر علمت حقيقة الإنسان أو أراد أن الأول من المفهومات الاصطلاحية والثاني من الماهيات الموجودة
السادس للحكماء أنه حصول صورة الشيء كليا كان أو جزئيا موجودا أو معدوما في العقل أي عنده ليتناول إدراك الجزئيات ويقال بعبارة ظاهرة الاختصاص بالكليات هو تمثل ماهية المدرك بفتح الراء في نفس المدرك بكسرها وهو أي كون العلم حصول الصورة أو تمثل الماهية مبني على الوجود الذهني وسنبحث عنه أي عن الوجود الذهني وكون

(1/55)


العلم عندهم عبارة عنه وهذا أي ما ذكروه في تعريف العلم يتناول الظن والجهل المركب والتقليد بل الشك والوهم أيضا وتسميتها علما أي جعلها مندرجة فيه كما ذهبوا إليه يخالف استعمال اللغة والعرف والشرع إذ لا يطلق على الجاهل جهلا مركبا أنه عالم في شيء من استعمالات اللغة والعرف العام والشرع كيف ويلزم أن يكون أجهل الناس بما هو في الواقع أعلمهم به وكذا لا يطلق العالم في شيء منها على الظان والشاك والواهم وأما التقليد فقد يطلق عليه العلم مجازا لا حقيقة ولا مشاحة أي لا مضايقة ولا منازعة في الاصطلاح بل لكل أحد أن يصطلح على ما شاء إلا أن رعاية الموافقة في الأمور المشهورة بين الجمهور أولى وأحب
السابع وهو المختار من تعريفاته لبراءته عما ذكر من الخلل في غيره وتناوله للتصور مع التصديق اليقيني أنه صفة أي أمر قائم بغيره توجب تلك الصفة لمحلها وهو موصوفها تمييزا خرج به عن الحد ما عدا الإدراكات من الصفات النفسانية كالشجاعة وغير النفسانية كالسواد مثلا فإن هذه الصفات توجب لمحلها تميزا عن غيرها ضرورة أن الشجاع بشجاعته ممتاز عن الجبان وكذا الأسود بسواده متميز عن الأبيض وأما الإدراكات فإنها توجب لمحالها تميزا عن غيرها على قياس ما تقدم وتوجب لها أيضا تميزا لمدركاتها عما عداها أي تجعلها بحيث تلاحظ مدركاتها وتميزهما عما سواها بين المعاني أي ما ليس من الأعيان المحسوسة بالحواس الظاهرة فيخرج به إدراكات هذه الحواس فإنها توجب تمييزا في الأمور العينية كما سيصرح به لا يحتمل النقيض أي لا يحتمل متعلق التمييز نقيض ذلك التمييز وبهذا القيد خرج الظن والشك

(1/56)


فإن متعلق التمييز الحاصل فيها يحتمل نقيضه بلا خفاء وكذا خرج الجهل المركب لاحتمال أن يطلع في المستقبل صاحبه على ما في الواقع فيزول عنه ما حكم به من الأيجاب أو السلب إلى نقيضه وكذا خرج التقليد لأنه يزول بالتشكيك ومحصله أن العلم صفة قائمة بمحل متعلقة بشيء توجب تلك الصفة إيجابا عاديا كون محلها مميزا للمتعلق تمييزا لا يحتمل ذلك المتعلق نقيض ذلك التمييز فلا بد من اعتبار المحل الذي هو العالم لأن التمييز المتفرع على الصفة إنما هو له لا للصفة ولا شك أن تمييزه إنما هو لشيء تتعلق به تلك الصفة والتمييز وذلك الشيء هو الذي لا يحتمل النقيض وهذا الحد يتناول التصديق اليقيني وهو ظاهر والتصور أيضا إذ لا نقيض له لأن المتناقضين هما المفهومان المتمانعان لذاتيهما ولا تمانع بين التصورات فإن مفهومي الإنسان واللاإنسان مثلا لا يتمانعان إلا إذا اعتبر ثبوتهما لشيء وحينئذ يحصل هناك قضيتان متنافيتان صدقا وكذبا وكذا قولنا حيوان ناطق وحيوان ليس بناطق على التقييد لا يتمانعان إلا بملاحظة وقوع تلك النسبة إيجابا وارتفاعها سلبا أعني التصديقين اللذين أشير بهذين القولين إليهما بعد رعاية شروط التناقض فيهما وإطلاق النقيض على أطراف القضايا سواء كانت تلك الأطراف بمعنى السلب أو بمعنى العدول مجاز على التأويل لا يقال فعلى هذا جميع التصورات علم مع أن بعضها غير مطابق لأنا نقول لا يوصف التصور بعدم المطابقة أصلا فإنا إذا رأينا من بعيد شبحا هو حجر مثلا وحصل منه في أذهاننا صورة إنسان فتلك الصورة صورة للإنسان وعلم تصوري به والخطأ إنما هو في حكم العقل بأن هذه الصورة للشبح المرئي فالتصورات كلها مطابقة لما هي تصورات له موجودا كان أو معدوما ممكنا كان أم ممتنعا وعدم المطابقة في أحكام العقل المقارنة لتلك التصورات فلا إشكال
وأورد على الحد المختار العلوم العادية وهي العلوم المستندة إلى العادة كعلمنا مثلا بأن الجبل الذي رأيناه فيما مضى لم ينقلب الآن ذهبا فإنها تحتمل النقيض فتخرج عن الحد مع كونها من أفراد المحدود وإنما كانت محتملة له لجواز خرق العادة فنقول مثلا في المثال المذكور إن

(1/57)


شمول قدرة المختار مع استواء الجواهر الأفراد في قبول الصفات المتقابلة كالذهبية والحجرية إذا كانت متناسبة متجانسة في الأجسام كما ذهب إليه بعضهم يوجب ذلك الاحتمال وإذا قيل إنها متخالفة الماهية وما يتركب منه الحجر لا يجوز أن يتركب منه الذهب قلنا نحن نعلم بالعادة أن الشاغل لذلك المكان المخصوص مثلا حجر مع جواز أن يكون المختار قد أعدمه وأوجد بدله ذهبا
والجواب أن يقال احتمال العاديات للنقيض بمعنى أنه لو فرض نقيضا واقعا بدلها لم يلزم منه أي من ذلك النقيض محال لذاته لأن تلك الأمور العادية ممكنة في ذواتها والممكن لا يستلزم بشيء من طرفيه محالا لذاته غير احتمال متعلق التميز الواقع فيه أي في العلم العادي للنقيض وذلك لأن الاحتمال الأول راجع إلى الإمكان الذاتي الثابت للممكنات في حد ذواتها كما بيناه والاحتمال الثاني هو أن يكون متعلق التمييز محتملا لأن يحكم فيه المميز بنقيضه في الحال كما في الظن أو في المآل كما في الجهل المركب والتقليد ومنشأة ضعف ذلك التمييز إما لعدم الجزم أو لعدم المطابقة أو لعدم استناده إلى موجب وهذا الاحتمال الثاني المغاير للأول هو المراد من الاحتمال المذكور في التعريف وهو الذي ورد عليه النفي فيه وأنه ممنوع ثبوته في العلوم العادية كما في العلوم المستندة إلى الحس وثبوت الاحتمال الأول لا يقدح في شيء منهما والمعاني خصت بالأمور العقلية كلية كانت أم جزئية إذ المراد بها ما يقابل العينية الخارجية التي تدرك بإحدى الحواس الخمس فيخرج عن حد العلم إدراك الحواس الظاهرة لأنه يفيد تمييزا في الأمور العينية ومن يرى كالشيخ الأشعري أنه

(1/58)


أي إدراك الحواس الظاهرة من قبيل العلم كما سيأتي يطرح هذا القيد فيقول صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض ومنهم من يزيد قيدا في الحد المختار ويقول بين المعاني الكلية وهذه الزيادة مع الغنى عنها تخل بالطرد أي طرد الحد في جميع أفراد المحدود وجريانه فيها وشموله أياها فهو محمول على معناه اللغوي دون الاصطلاحي إذ يخرج بها عن الحد العلم بالجزئيات كالعلم بالامنا ولذاتنا وهذا المختار إنما هو حد للعلم عند من يقول العلم صفة ذات تعلق بالمعلوم ومن قال إنه نفس التعلق المخصوص بين العالم والمعلوم كما سيأتي حده بأنه تميز معنى عند النفس تميزا لا يحتمل النقيض واعلم أن أحسن ما قيل في الكشف عن ماهية العلم هو أنه صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به فالمذكور يتناول الموجود والمعدوم الممكن والمستحيل بلا خلاف ويتناول المفرد والمركب والكلي والجزئي والتجلي هو الانكشاف التام فالمعنى أنه صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر انكشافا تاما لا اشتباه فيه فيخرج عن الحد الظن والجهل المركب واعتقاد المقلد المصيب أيضا لأنه في الحقيقة عقدة على القلب فليس فيه انكشاف تام وانشراح تنحل به العقدة

(1/59)


المرصد الثالث في أقسام العلم وفيه مقاصد
المقصد الأول
أنه أي العلم بمعنى الإدراك مطلقا ليتناول الظنيات أيضا أو بالمعنى المفسر بالحد المختار إن خلا عن الحكم أي إيقاع النسبة أو انتزاعها فتصور سواء كان المعلوم مما لا نسبة فيه أصلا كالإنسان أو فيه نسبة تقييدية كالحيوان الناطق أو إنشائية كقولك اضرب أو نسبة خبرية لم يحكم بأحد طرفيها كما إذا شككت في زيد قائم فإن هذه كلها علوم خالية عن الحكم المذكور وإلا أي وإن لم يخل عن الحكم فتصديق والمتبادر من هذه العبارة أن التصديق هو الإدراك المقارن للحكم كما تقتضيه عبارة المتأخرين لا نفس الحكم كما هو مذهب الأوائل ولا المجموع المركب منه ومن تصورات النسبة وطرفيها كما اختاره الإمام الرازي ونحن نقول إذا جعل الحكم إدراكا كما يشهد به رجوعك إلى وجدانك فالصواب أن يقال العلم إن كان حكما أي إدراكا لأن النسبة واقعة أو ليست بواقعة فهو تصديق وإلا فهو تصور فيكون لكل من قسمي العلم طريق موصل يخصه وإن جعل فعلا كما توهمه العبارات التي يعبر بها عنه من الإسناد والإيجاب والإيقاع والسلب والانتزاع فالصواب أن يقسم العلم إلى تصور ساذج وتصور معه تصديق كما ورد في بعض الكتب المعتبرة فللعلم حينئذ وهو التصور مطلقا طريق خاص كاسب لما هو نظري منه ولعارضه المسمى بالحكم والتصديق طريق خاص آخر وأما جعل التصديق قسما من العلم مع

(1/60)


تركبه من الحكم وغيره فلا وجه له فعلا كان الحكم أو إدراكا وهما أي التصور والتصديق نوعان متمايزان بالذات أي بالماهية فإنك إذا تصورت نسبة أمر إلى آخر وشككت فيها فقد علمت ذينك الأمرين والنسبة بينهما قطعا فلك في هذه الحالة نوع من العلم ثم إذا زال عنك الشك وحكمت بأحد طرفي النسبة فقد علمت تلك النسبة نوعا آخر من العلم ممتازا عن الأول بحقيقته وجدانا وباعتبار اللازم المشهور وهو احتمال الصدق والكذب في التصديق وعدمه في التصور
المقصد الثاني
العلم الحادث قيده بالحدوث ليخرج عنه علمه تعالى فإنه قديم ولا يوصف بضرورة ولا كسب ينقسم إلى ضروري ومكتسب فالضروري قال القاضي أبو بكر في تفسيره هو العلم الذي يلزم نفس المخلوق لزوما لا يجد المخلوق إلى الانفكاك عنه سبيلا كالعلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات وأورد عليه جواز زواله أي زوال العلم الضروري بعد حصوله بأضداده كالنوم والغفلة وأورد أيضا أنه قد يفقد العلم الضروري لعدم مقتضيه كما يفقد قبل الحس أي الإحساس والوجدان وسائر ما يتوقف عليه من التواتر والتجربة وتوجه العقل فلا يكون العلم الضروري لازما لنفس المخلوق لا دائما ولا بعد حصوله ولا يرد على تعريفه ما ورد عليه إذ عبارته مشعرة بالقدرة أي باعتبار مفهوم القدرة في التعريف منفية فإنك إذا قلت فلان يجد إلى كذا سبيلا يفهم منه أنه يقدر عليه وإذا قلت لا يجد إليه سبيلا فهم منه أنه لا يقدر عليه فمراد القاضي أن الانفكاك عن

(1/61)


العلم الضروري ليس مقدورا للمخلوق وما ذكرتم من زواله بأضداده وفقده قبل ما يقتضيه لا ينافي مراده إذ ليس شيء منهما انفكاكا مقدورا بل ليس بمقدور فإن قلت الانفكاك مقدورا كان أو غير مقدور ينافي اللزوم المذكور في التعريف فالسؤال باق بحاله قلت لعله أراد باللزوم الثبوت مطلقا ثم قيده بكون الإنفكاك عنه غير مقدور أو أراد به امتناع الانفكاك المقدور فيكون آخر كلامه تفسيرا لأوله فإن قيل فكذا النظري بعد حصوله أي هو أيضا غير مقدور انفكاكه إذ لا قدرة للمخلوق على الانفكاك عنه بعد حصوله فيدخل في حد الضروري والفاء في قوله فكذا للإشعار بترتب هذا السؤال على الجواب عن السؤال الأول
قلنا لا يلزم من عدم القدرة على الانفكاك عن النظري بعد حصوله عدم القدرة على الانفكاك عنه مطلقا والمذكور في التعريف هو عدم القدرة على الانفكاك مطلقا وذلك إنما يوجد في الضروري وأما النظري فمقدور انفكاكه قبل حصوله بأن يدرك النظر فيه ونقول نحن في تلخيص تعريف القاضي هو ما لا يكون تحصيله مقدورا للمخلوق فإنه لم يكن تحصيله مقدورا لم يكن الانفكاك عنه مقدورا وذلك كالمحسوسات بالحواس الظاهرة فإنها لا تحصل بمجرد الإحساس المقدور لنا بل تتوقف على أمور غير مقدورة لا نعلم ما هي ومتى حصلت وكيف حصلت كما سنذكره بخلاف النظريات فإنها تحصل بمجرد النظر المقدور لنا وكالمحسوسات بالحواس الباطنة مثل علم الإنسان بلذته وألمه وكالعلم بالأمور العادية مثل

(1/62)


بأن الجبال المعهودة لنا ثابتة والبحار غير غائرة وكالعلم بالأمور التي لا سبب لها ولا يجد الإنسان نفسه خالية عنها مثل علمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان والبديهي ما يثبته مجرد العقل أي يثبته بمجرد التفاته إليه من غير استعانة بحس أو غيره تصورا كان أو تصديقا فهو أخص من الضروري وقد يطلق مرادفا له والكسبي يقابل الضروري فهو العلم المقدور تحصيله بالقدرة الحادثة وأما النظري فهو ما يتضمنه النظر الصحيح هذه عبارة القاضي
قال الآمدي معنى تضمنه له أنهما بحال لو قدر انتفاء الآفات وأضداد العلم لم ينفك النظر الصحيح عنه بلا إيجاب وتوليد مع أنه لا يحصل إلا معه ولم نقل ما يوجبه النظر الصحيح كما قاله بعضهم إذ ليس إيجاب النظر للعلم مذهبنا بل حصوله عقيبه بطريق العادة عندنا ولم نقل أيضا ما يحصل عقيبه إذ يدخل في الحد حينئذ بعض الضروريات أعني ما يحصل من الضروريات عقيب النظر الصحيح كالعلم بما يحدث به من الألم واللذة والفرح والغم ونحو ذلك فمن يرى أن الكسب لا يمكن إلا بالنظر لأنه لا طريق لنا إلى العلم مقدورا سواه فإن الإلهام والتعليم غير مقدورين لنا بلا شبهة وكذلك التصفية لاحتياجها إلى مجاهدات قلما يفي بها مزاج ولا معنى لكون العلم كسبيا مقدورا سوى أن طريقه مقدورا فهو أي النظري عنده الكسبي وتعريفا هما متلازمان فإن كل علم مقدور لنا يتضمنه النظر الصحيح وكل ما يتضمنه النظر الصحيح فهو مقدور لنا ومن

(1/63)


يرى جواز الكسب بغيره بناء على أنه يجوز أن يكون هناك طريق آخر مقدور لنا وإن لم نطلع عليه جعله أخص بحسب المفهوم من الكسبي لكنه أي النظري يلازمه أي الكسبي عادة بالإنفاق من الفريقين
المقصد الثالث
إن كلا من التصور والتصديق بعضه ضروري بالوجدان فإن كل عاقل يجد من نفسه أن بعض تصوراته وكذا بعض تصديقاته حاصل له بلا قدرة منه ولا نظر فيه وإذ لولاه أي لولا أن بعضا من كل منهما ضروري لزم الدور أو التسلسل إذ حينئذ يكون كل واحد من التصور وكذا كل واحد من التصديق نظريا فإذا حاولنا تحصيل شيء منهما كان ذلك التحصيل مستندا إلى تصور أو تصديق آخر هو أيضا نظري مستند إلى غيره من التصورات أو التصديقات فإما أن يدور الاستناد في مرتبة من المراتب أو يتسلسل إلى ما لا يتناهى وهما يمنعان الاكتساب لأنهما باطلان ممتنعان كما سيأتي فما يتوقف عليهما كان باطلا ممتنعا وحينئذ يلزم أن لا يكون شيء من التصور والتصديق حاصلا لنا وهو باطل قطعا لا يقال إذا فرض أن الكل نظري فهذا الذي ذكرته من لزوم الدور أو التسلسل وكونهما مانعين من الاكتساب ومفضيين إلى أن لا يكون شيء من الإدراكات حاصلا لنا أيضا نظري على ذلك التقدير وحينئذ يمتنع إثباته لأن إثباته إنما يكون بنظري آخر فيلزم الدور أو التسلسل لما ذكرتم بعينه والحاصل أن دليلكم على بطلان كون الكل نظريا ليس يتم بجميع مقدماته لأن كونه تاما كذلك يستلزم المحال المذكور ولأنا نقول ما ذكرنا في دليلنا من التصورات والتصديقات نظري وغير معلوم على ذلك التقدير لا في نفس الأمر بل هو معلوم لنا في نفس الأمر فيبطل ذلك التقدير لاستلزامه خلاف الواقع أعني كون تلك

(1/64)


القضايا معلومة في نفس الأمر والحق أن هذا الدليل الذي ذكرناه حجة قائمة على من اعترف بالمعلومات أي اعترف بأن تلك القضايا المذكورة في الدليل معلومة في نفس الأمر وزعم أنها كسبية على ذلك التقدير ولا تكون معلومة عليه فكيف يجوز التمسك بها في إبطاله إذ حينئذ يجاب بأن الاستدلال بها يتوقف على معلومية صدقها وهي في الواقع واقعة فإن جامعها ذلك التقدير فلا كلام وإن لم يجامعها كان ذلك التقدير غير واقع في نفس الأمر وهو المطلوب لا على من يجحدها مطلقا أي يجحد معلومية تلك القضايا على ذلك التقدير وفي نفس الأمر أيضا فإن هذه الحجة لا تقوم عليه قطعا لأن كل ما يورد في إثبات معلومية صدق مقدماتها يتجه عليه منع المعلومية إذلم يثبت بعد ضروري لا يقبل المنع وقد يقال أراد أن ما ذكرناه في امتناع كسبية الكل إنما يقوم حجة على من اعترف بأن لنا معلومات تصورية وتصديقية إلا أنها بأسرها كسبية وذلك لأنا إذا أثبتنا حينئذ أن الكل من كل منهما ليس كسبيا لزم أن يكون بعض كل منهما ضروريا وأما من يجحد المعلومات ولا يعتر ف بشيء منها فله أن يقول امتناع كسبية الكل لا يستلزم ضرورية البعض لجواز امتناع الحصول وقد مر نظيره في الاستدلال الثاني على أن تصور العلم ضروري وبعضه نظري بالضرورة الوجدانية أيضا فإن كل عاقل يجد من نفسه احتياجه في تصور حقيقة الروح والملك والتصديق بأن العلم حادث إلى نظر وكسب
المقصد الرابع
في بعض مذاهب ضعيفة في هذه المسألة وهي أن تلك المذاهب بتأويل الطرائق أربع

(1/65)


المذهب الأول أن الكل ضروري وبه قال ناس من أصحابنا وهو قول الإمام الرازي وذلك لعدم حصول شيء منه بقدرتنا إذ لا تأثير لها عندنا وهؤلاء فرقتان فرقة تسلم توقفه أي توقف بعض من الكل أو توقف العلم على النظر فيكون النزاع معهم في مجرد التسمية بلا مخالفة معنوية لأنا نسلم أن ليس لقدرتنا تأثير في حصول شيء منه لكنا نعني بالكسبي المقدور لنا ما تتعلق به القدرة الحادثة كسبا ويحصل عقيب النظر عادة لا ما تؤثر فيه قدرتنا حقيقة
قال الإمام الرازي في المحصل العلوم كلها ضرورية لأنها إما ضرورية ابتداء أو لازمة عنها لزوما ضروريا فإنه إن بقي احتمال عدم اللزوم ولو على أبعد الوجوه لم يكن علما وإذا كانت كذلك كانت بأسرها ضرورية وقال ناقده أراد بالضروري معنى اليقيني دون البديهي المستغني عن النظر وقد سمى كل اليقينيات ضروريا موافقة لقول أبي الحسن الأشعري
وفرقة تمنع ذلك أي توقفه على النظر وهؤلاء إن أرادوا بعدم توقفه أنه أي العلم لا يتوقف على النظر وجوبا إذ ليس بينهما ارتباط عقلي يوجب ذلك بل يتوقف عليه عادة أو أرادوا به أن العلم الحاصل بعد النظر غير واقع به أي بالنظر أو غير واقع بقدرتنا على وجه التأثير بل بخلق الله تعالى فينا عقيب النظر بطريق جريان العادة فهو مذهب أهل الحق من الأشاعرة وأحترز بذلك عما اختاره الإمام الرازي في المحصل من القول بوجوب العلم من النظر لا على سبيل التوليد وقد نسب هذا القول إلى القاضي وإمام الحرمين فإنهما قالا باستلزام النظر للعلم وجوبا من غير أن يكون النظر علة أو

(1/66)


مولدا وإن أرادوا بعدم توقفه عليه أنه لا يتوقف عليه أصلا أي لا تأثيرا ولا وجوبا ولا عادة فهو مكابرة ومخالفة لما يجده كالعاقل من أن علمه بالمسائل المختلف فيها يتوقف على نظره فيها
المذهب الثاني في هذه المسألة أن التصور لا يكتسب بالنظر بل كل ما يحصل منه كان ضروريا حاصلا بلا اكتساب ونظر بخلاف التصديق فإنه ينقسم إلى ضروري ومكتسب وبه قال الإمام الرازي واختاره في كتبه لوجهين
أحدهما أن المطلوب التصوري إما مشعور به مطلقا فلا يطلب لحصوله بناءت على أن تحصيل الحاصل محال بالضرورة أو لا يكون مشعورا به أصلا فلا يطلب أيضا لأن المغفول عنه بالكلية وهو المسمى بالمجهول مجهول المطلق لا يمكن توجه النفس بالطلب نحوه بالضرورة أيضا
وأجيب عن هذا الوجه بأن الحصر أي حصر المطلوب التصوري فيما هو مشعور به من جميع الوجوه أو غير مشعور به أصلا ممنوع لجواز أن يكون معلوما ومشعورا به من وجه دون وجه آخر ولم يتبين بما ذكره أن هذا القسم يمتنع طلبه فعاد الإمام وقال الوجه المعلوم معلوم مطلقا والوجه المجهول مجهول مطلقا فلا يمكن طلب شيء منهما لما مر من امتناع تحصيل الحاصل وامتناع توجه النفس نحو المغفول عنه بالكلية
والجواب عن هذا الوجه بعد استيفاء الأقسام الثلاثة أن يقال لا نسلم أن الوجه المجهول مطلقا أي من جميع الوجوه فإن المجهول مطلقا ما لم يتصور ذاته بكنهه ولا شيء مما يصدق عليه من ذاتياته أو عرضياته وهذا الوجه المجهول ليس كذلك بل قد يصور شيء مما يصدق عليه وهو الوجه المعلوم فإن الوجه المجهول فرضا هو الذات والحقيقة التي تطلب تصورها بكنهها والوجه المعلوم بعض الاعتبارات الثابتة له الصادقة عليه سواء كان ذاتيا أو عرضيا له كما يعلم الروح مثلا بأنها شيء به

(1/67)


الحياة والحس والحركة وأن لها حقيقة مخصوصة هذه الأمور المذكورة صفاته فتطلب تلك الحقيقة المخصوصة بعينها لنتصور بكنهها أو بوجه أتم مما ذكر وإن لم يبلغ الكنه ومنهم من أثبت في جواب هذه الشبهة وراء الوجهين أي الوجه المعلوم والوجه المجهول أمرا ثالثا هو المطلوب يقومان أي الوجهان به وهذا القيد أعني قيام الوجهين بالأمر الثالث زائد على كلام هذا المثبت وفيه حزازة لجواز أن يكون أحد الوجهين جزءا وإطلاق القيام عليه مستبعد جدا إلا أن يراد به الحمل ولا حاجة في دفع هذه الشبهة إليه أي إلى إثبات الأمر الثالث لأنها قد اندفعت بما حققناه مع أن إثباته مخالف للواقع وذلك لأنا إذا أردنا تعريف مفهوم لنتصوره فلا بد أن تكون ذات ذلك المفهوم أي نفسه وعينه مجهولا وغير حاصل لنا ليمكن تحصيله وهذا معنى قولنا المجهول هو الذات أي ذات المطلوب وعينه ولا بد هناك أيضا من أن يكون أمر ما صدق عليه معلوما لنا ليصح به توجهنا إليه وطلبنا إياه فهذا هو المراد بقولنا المعلوم بعض اعتبارات الذات أي بعض اعتبارات ذات المطلوب الذي هو المجهول ولا خفاء في أنه ليس هناك أمر ثالث يتعلق به غرضنا حتى يتصور أن يكون المطلوب أمرا ثالثا وراء الوجهين
فإن قلت قد يطلب مفهوم الإنسان من حيث هو هو وقد يطلب وجه من وجوهه وقد يطلب مفهوم الإنسان بوجه من وجوهه

(1/68)


فعلى هذا التقدير الأخير يثبت أمور ثلاثة مفهوم الإنسان الذي هو المطلوب ووجهه المجهول الذي باعتباره صار مطلوبا ووجهه المعلوم الذي به أمكن طلبه
قلت مفهوم الإنسان بحسب ذلك الوجه الذي طلب به مفهوم هو المجهول وهو ذات المطلوب فليس لنا إلا ذات المطلوب المجهول وبعض اعتباراته المعلوم واعلم أن صاحب نقد المحصل أثبت الأمر الثالث إلزاما للإمام بما ذكره في مسألة المعلوم على الإجمال حيث قال المعلوم على سبيل الجملة معلوم من وجه ومجهول من وجه والوجهان متغايران والوجه المعلوم لا إجمال فيه والوجه المجهول غير معلوم البتة لكن لما اجتمعا في شيء واحد ظن أن العلم الجملي نوع يغاير العلم التفصيلي فإنه قد اعترف عنه هناك بأن الشيء المعلوم من وجه والمجهول من وجه يغاير الوجهين فالزم ههنا بأن المطلوب التصوري ليس أحد الوجهين بل الشيء الذي له ذانك الوجهان ويشهد لما ذكرناه أن هذا المثبت قال في نقد تنزيل الأفكار المطلوب المجهول هو حقيقة الماهية المعلومة ببعض عوارضها فاكتفى بالوجهين
وقال بعض المتأخرين هو المولى شرف الدين المراغي إن هذه الشبهة إذا ردت إلى قوانين الاستدلال كانت قياسا مقسما من منفصلة ذات جزءين وهو من حمليتين هكذا المطلوب التصوري إما مشعور به وإما غير مشعور به وكل مشعور به يمتنع طلبه وكل غير مشعور به يمتنع طلبه فالمطلوب التصوري يمتنع طلبه ولا شك أن هذا الإنتاج إنما يصح إذا صدقت الحمليتان معا لكن قولنا كل مشعور به يمتنع طلبه وكل غير

(1/69)


مشعور به يمتنع طلبه لا يجتمعان على الصدق إذ العكس المستوي لعكس نقيض كل منهما ينافي الآخر فإن الأول ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كل ما لا يمتنع طلبه فهو غير مشعور به وهذا العكس ينعكس بالمستوى . . . إلى قولنا بعض غير المشعور به لا يمتنع طلبه وهذا أخص من نقيض الثاني فينافيه وكذا الثاني ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كل ما لا يمتنع طلبه فهو مشعور به وينعكس هذا العكس بالمستوي . . . إلى قولنا بعض المشعور به لا يمتنع طلبه وهو أخص من نقيض الأول فينافيه أيضا
وإذا كان لازم كل منهما منافيا للآخر لم يتصور اجتماعهما صدقا فأجيب بمنع انعكاس الموجبة الكلية كنفسها بعكس النقيض تارة فإن انعكاس الموجبة الكلية بعكس النقيض إلى موجبة كلية كما هو طريقة القدماء مما لم يقم عليه برهان وأجيب بتقييد الموضوع فيهما بالتصور أخرى أي نحن نستدل هكذا التصور إما تصور مشعور به وإما تصور غير مشعور به وكل تصور مشعور به يمتنع طلبه وكل تصور غير مشعور به يمتنع طلبه وحينئذ تنعكس الحملية الأولى بعكس النقيض إلى قولنا كل ما لا يمتنع طلبه فهو ليس تصورا مشعورا به وينعكس هذا العكس بالمستوي . . . إلى قولنا بعض ما ليس تصورا مشعورا به لا يمتنع طلبه وهذا لا ينافي الحملية الثانية لأن موضوعه أعم من موضوعها
ألا ترى أن ما ليس تصورا مشعورا به جاز أن لا يكون تصورا أصلا وأن يكون تصورا غير مشعورا به وقس على ذلك حال الحملية الثانية فإن العكس المستوى لعكس نقيضها هو قولنا بعض ما ليس تصوراا غير مشعور به لا يمتنع طلبه وموضوعه أعم من موضوع الحملية الأولى فلا منافاة بينهما

(1/70)


الوجه الثاني من متمسكي الأمام في امتناع كسبية التصور أن يقال الماهية أي المفهوم التصوري إن عرفت وحصلت بالكسب والنظر فإما بنفسها أو بجزئها أو بالخارج منها سواء كان خارجا بتمامه أو ببعضه والأقسام بأسرها باطلة أما الأول فلأنه يستلزم معرفتها قبل معرفتها لأن معرفة المعرف الموصل متقدمة على معرفة المعرف الموصل إليه وتقدم الشيء على نفسه محال بديهة وأما الثاني فلأن جميع الأجزاء نفسها فلا يجوز تعريف الماهية بجميع أجزائها لأنه تعريف للشيء بنفسه والبعض من أجزاء الماهية إن عرفها وإنها لا تعرف بالتخفيف من المعرفة إلا بمعرفة جميع الأجزاء عرف ذلك البعض نفسه وقد أبطل والخارج أي وعرف الجزء الخارج وهو منه وسيبطل وهذان المحذوران إنما يلزمان معا إذا كان ذلك البعض معرفا لكنه الماهية وهو ممنوع فالأولى أن يقال والبعض إن عرفها فلا بد أن يعرف جزءا منها فذلك الجزء إما نفسه فيكون معرفا لنفسه وإما غيره فيلزم التعريف بالخارج لأن كل جزء خارج عما يقابله من الأجزاء
وأما الثالث فلأن الخارج لا يعرف الماهية إلا إذا كان شاملا لأفرادها دون شيء مما عداها ليكون مميزا لها عن جميع ما سواها والعلم بذلك الاختصاص الشمولي يتوقف على تصورها وأنه دور لتوقف تصور الماهية حينئذ على تعريف الخارج رياها وتوقف تعريفه إياها على العلم بذلك الاختصاص المتوقف على تصورها وتصور ما عداها مفصلا وأنه محال لاستحالة إحاطة الذهن بما لا يتناهى تفصيلا وأجاب عنه بعض المتأخرين

(1/71)


يعني صاحب نقد المحصل بأن جميع أجزاء الماهية ليس نفسها إذ كل واحد من أجزائها مقدم عليها بالذات فكذا الكل يكون مقدما عليها فلا يكون نفسها لامتناع تقدم الشيء على نفسه فجاز تعريفها بجميع أجزائها
قلنا في دفع هذا الجواب بطريق المعارضة الماهية لو كانت غير جميع الأجزاء فإما معها أي فإما أن يكون تحصل الماهية مع الأجزاء وإذ ليست تلك الأجزاء تمامها فلا بد هناك من أمر آخر معتبر في ذاتها فلا تكون جميع الأجزاء جميعا هذا خلف أو دونها أي ويكون تحصلها بدون الأجزاء وقطع النظر عنها فلا تكون أجزاء لاستحالة تحصل الماهية بدون أجزائها وإلا ظهر في العبارة أن يقال لو لم يكن جميع الأجزاء نفس الماهية فإما أن يكون داخلا فيها فلا يكون جميعا أو خارجا عنها فلا يكون أجزاء وقلنا في دفعه بطريق المناقضة لا يلزم من تقدم كل من الأجزاء على الماهية تقدم الكل عليها فإن الكل المجموعي وكل واحد قد يتخالفان في الأحكام فإن كل إنسان تسعه هذه الدار التي لا تسع كلهم وكل العسكر يهزم العدو الذي لا يهزمه كل واحد منهم بل نقول كل واحد من الأجزاء جزء من الكل المجموعي الذي ليس جزءا لنفسه ثم أنه أيد هذه المناقضة بقوله وإلا أي وإن لم يصح ما ذكرناه من أنه ليس يلزم من تقدم كل واحد على شيء تقدم الكل عليه تقدم الكل أي كل الأجزاء على نفسه لأن كل واحد منها متقدم على كلها كتقدمه على الماهية بعينه ويمكن أن يجعل هذا نقضا إجماليا كما لا يخفى فإن أراد هذا المجيب بجميع الأجزاء جميعها مطلقا بحيث يتناول المادية والصورية معا فدفع جوابه ما قدمناه وإن أراد به الأجزاء المادية فقط لم يكن ما أراده أعني الأجزاء المادية وحدها جميعا

(1/72)


حقيقة بل بعضا داخلا في القسم الثاني ولا كافية في معرفة كنه الماهية فلا يكون التعريف بها حدا تاما والكلام فيه
وقال غيره وهو القاضي الأرموي بجميع تصورات الأجزاء يحصل تصور واحد لجميع الأجزاء ومحصله على ما لخصه في بعض كتبه أن جميع الأجزاء وإن كانت نفس الماهية بالذات إلا أنهما يتغايران بالاعتبار فإنه قد يتعلق بكل جزء تصور على حدة فيكون هناك تصورات بعدد الأجزاء وقد يتعلق تصور واحد بجمع الأجزاء فمجموع التصورات المتعلقة بالأجزاء تفصيلا هو المعرف الموصل إلى التصور الواحد المتعلق بجميع الأجزاء إجمالا وليس في ذلك تقدم شيء على نفسه ولا شك أن المتبادر من هذه العبارة هو أنا إذا تصورنا كل واحد من الأجزاء حتى اجتمعت في ذهننا تصوراتها معا مرتبة يحصل لنا حينئذ تصور آخر مغاير لذلك المجموع المرتب متعلق بجميع الأجزاء هو تصور الماهية والوجدان يكذبه فلذلك قال والحق أن الأجزاء إذا استحضرت في الذهن مرتبة مقيدا بعضها ببعض حتى حصلت صورها فيه مجتمعة فهي فتلك الأجزاء المستحضرة المرتبة الماهية يعني أن تلك الصور المجتمعة تصور الماهية بالكنه بل عينها كما ستعرفه لا أن ثمة مجموعا من التصورات يوجب ذلك المجموع حصول شيء آخر في الذهن هو الماهية أي تصورها وتوضيحه أن صورة كل جزء مرآة يشاهد بها ذلك الجزء قصدا فإذا اجتمعت صورتان وتقيدت إحداهما بالأخرى صارتا معا مرآة واحدة يشاهد بها مجموع الجزءين قصدا ويشاهد بها كل واحد منهما ضمنا وهذا هو تصور الماهية بالكنه الحاصل بالإكتساب من تصوري الجزءين ومتحد معهما بالذات ومغاير لهما بالاعتبار على قياس حال الماهية بالنسبة إلى جميع أجزائها فالمعرف للماهية مجموع أمور كل واحد منها متقدم على الماهية وله مدخل في تعريفها وأما المجموع المركب منها الحاصل في الذهن فهو تصور الماهية المطلوب بالاكتساب

(1/73)


هو جميع تلك الأمور وترتيبها وما أحسن ما قيل حدست تصورات مجموع تصورات محدود وهذا المجموع وتعريفه للماهية في الذهن كالأجزاء الخارجية وتقويمها للماهية في في الخارج فإنها متقومة بجميع الأجزاء بمعنى أنه ما من جزء من الأجزاء الخارجة إلا وله مدخل في التقويم والكل أي جميع الأجزاء مجتمعا هو الماهية بعينها لا أنها تترتب عليه أي على جميع الأجزاء فكما أن جميع الأجزاء الخارجية المجتمعة عين الماهية واجتماعها فيه ليس جزءا منها بل خارجا عنها لازم لها كذلك جميع الأجزاء في الذهن عين الماهية واجتماعها فيه أمر خارج عنها لازم لها وكما أن كل واحد من الأجزاء الخارجية مقوم للماهية متقدم عليها في الخارج كذلك كل واحد من الأجزاء الذهنية مقوم لها متقدم عليها في الذهن ولما كان جواب القاضي محتملا لهذا المعنى أيضا لم يرد عليه جزما بل أشار بقوله والحق إلى أشعاره بما ليس حقا وستراه أي الإمام الرازي يطرد هذه المغلطة الثانية في نفي التركيب الخارجي عن بعض الأشياء بتغيير ما فيقول في نفي التركيب عن الوجود مثلا إن كانت أجزاؤه وجودات ساوى الجزء كله في تمام الماهية وإن كانت غير وجودات فإن لم يحصل عند اجتماعها أمر زائد كان الوجود محض ما ليس بوجود وإن حصل فذلك الزائد هو الوجود وتلك الأمور معروضاته لا أجزاؤه وأنت خبير بأن هذا لو تم لدل على انتفاء التركيب عن الوجود مطلقا سواء كان تركيبا خارجيا أو ذهنيا فالأولى أن لا يقيد التركيب بالخارجي إلاا أنه قيده به إشعارا بأن هذه المغلطة سفسطة لاستلزامها انتفاء التركيب عن الوجود

(1/74)


مطلقا مع شهادة البديهة بتركيب بعض الأشياء في الخارج هذا أي هذا كما ذكرناه أو نختار أنه أي تعريف الماهية ببعض الأجزاء وقد يكون ذلك البعض غنيا عن التعريف بأن يكون تصوره ضروريا أو يكون معرفا بغيره إن كان تصوره نظريا وعلى التقديرين لا يلزم من تعريفه للماهية تعريفة لنفسه فما ذكر من أن معرف الماهية يجب أن يعرف جميع أجزائها باطل قطعا لا يقال لا بد أن يعرف شيئا من أجزائها وذلك إما نفسه أو غيره فيلزم أحد المحذورين كما مر لأنا نقول معرف الماهية يجب أن يحصل معرفتها بوجه ما يميزها عما عداها وليس يلزم من ذلك تحصيل معرفة شيء من أجزائها ألا يرى أن الجزء الصوري علة لحصول الماهية في الخارج وليس علة لحصول شيء من أجزائها فيه ومن التزم ما ذكرتموه اختار تعريفه لغيره الذي هو خارج عنه
فإن قلت إذا كان ذلك البعض المعرف للماهية معرفا بغيره كما ذكرتم عاد الإشكال بحذافيره إلى تعريفه به
قلت ويعود إليه أيضا الجواب برمته أو نختار أنه أي تعريف الماهية بالخارج عنها ويجب في تعريفه إياها الاختصاص فإن الخارج إذا كان لازما لها مختصا بها وكان مع ذلك بحيث ينتقل الذهن من تصؤره إلى تصورها صلح أن يكون معرفا لها بلا لزوم محذور لا العلم به فإنه ليس شرطا في ذلك الانتقال المرتب على الاختصاص والعلاقة وهو المنشأ لما ذكرتموه من المحال وإن سلم وجوب العلم بالاختصاص في تعريف الخارج فالعلم بالاختصاص يتوقف على تصور الماهية بوجه ما لا على تصورها الحاصل بتعريف الخارج إياها فلا دور ويتوقف على تصور ما عداها باعتبار شامل له أي مجملا لا على تصور ما عداها مفصلا وإنه أي تصور ما عداها باعتبار شامل ممكن كاختصاص أي كعلمنا باختصاص الجسم بحيز معين دون ما عداه من الأحياز التي لا تنحصر ولا يحيط بها علمنا إلا إجمالا باعتبار شامل لها
فإن قيل الأمور الداخلة أي الأمور التي كل واحد منها داخل في

(1/75)


الماهية وإنما فسرناها بذلك ليتناول الحد التام والناقص معا لأن الشبهة عامة فيهما كما أن جوابها المذكور بتناولهما أيضا أو الخارجة إن كانت حاصلة ضرورة ومستلزمة للعلم بالماهية فالماهية معلومة معها فلا تعرف الماهية لها لامتناع تحصيل الحاصل وإلا امتنع التعريف بها أما إذا لم تكن حاصلة فلا يتصور التعريف بها قطعا وأما إذا لم يكن حصولها ضروريا بل كسبيا فلاحتياجها حينئذ إلى معرف آخر وينقل الكلام إليه فإما أن يتسلسل وهو محال أو ينتهي إلى ما حصوله ضروري وأما إذا لم تكن مستلزمة للعلم بالماهية فامتناع التعريف بها ظاهر
قلنا في الجواب عن هذه الشبهة المستلزم للعلم بالماهية حضورها معا مرتبة وأنه أي ذلك الحضور مع الاجتماع والترتيب بالكسب وتفصيله أن الأمور الداخلة أو الخارجة حاصلة إما ضرورة وإما اكتسابا منتهيا إلى الضرورة لكنها متفرقة مخلوطة بأمور أخر فإذا جمع الأجزاء بأسرها ورتبت حصل مجموع هو تصور الماهية بكنهها وهذا المجموع إنما حصل بالكسب الذي هو جمع تلك الأجزاء وترتيبها وكذا إذا جمع بعض متعدد من أجزائها ورتب بعضه مع بعض فإنه يحصل مجموع هو تصور الماهية بوجه أكمل مما كان قبل ذلك وقس على هذه الأمور الخارجة المتعددة
فإن قلت هذا الجواب لا يتأتى في التعريف بالمعاني البسيطة
قلت من جوز ذلك فله أن يقول إن المعاني البسيطة الحاصلة قد لا

(1/76)


تكون ملحوظة قصدا فإذا استحضرت ولوحظت قصدا أفادت العلم بالماهية وإن كان ذلك نادرا جدا
المذهب الثالث في هذه المسألة أن ما اعتقاده لازم للمكلف مما يتوقف عليه إثبات التكليف والعلم به نحو إثبات الصانع وصفاته والنبوات ضروري
قيل هذا مذهب الجاحظ ومن تابعه ويبطله أن معرفة الله تعالى واجبة إجماعا كما ذهب إليه الأشاعرة أو عقلا كما ذهب إليه المعتزلة فلو كانت ضرورية لكانت غير مقدور عليها ولا شيء من غير المقدور كذلك أي بواجب فلو كانت المعرفة ضرورية لم تكن واجبة هذا خلف
احتج لهذا المذهب بأنه أي بأن ذلك اللازم المذكور لو لم يكن حاصلا بالضرورة بل كان نظريا يتوقف حصوله على النظر كان العبد مكلفا بتحصيله بنظره ليثبت به الشرائع والأحكام التكليفية وأنه أي التكليف بتحصيله تكليف الغافل لأن من لا يعلم هذه الأمور المذكورة من نحو إثبات الصانع وصفاته والنبوات لا يعلم التكليف قطعا لا بهذه الأمور ولا بغيرها وإذا لم يكن التكليف أصلا كان غافلا وتكليف الغافل لا يجوز إجماعا
والجواب أن الغافل الذي لا يجوز تكليفه إجماعا من لا يفهم الخطاب أصلا كالصبي والمجنون أو يفهم ذلك ولكن لم يقل له إنك مكلف كالذي لم تبلغه دعوة نبي قطعا فإن هذين غافلان عن تصور التكليف بالتنبيه

(1/77)


عليه فلا تكليف على الأول اتفاقا ولا على الثاني عندنا لا من لا يعلم أنه مكلف مع أنه خوطب بكونه مكلفا حال ما كان فاهما فإنه غافل عن التصديق بالتكليف لا عن تصوره وذلك لا يمنع من تكليفه وإلا لم يكن الكفار مكلفين إذ ليسوا مصدقين بالتكليف ولأن عطف على ما تقدم بحسب المعنى كأنه قيل ليس التصديق بالتكليف شرطا في تحققه لكون الكفار مكلفين ولأن العلم بوقوع التكليف موقوف على وقوعه فإن العلم بوقوع الشيء ظل لوقوعه في نفسه فلو توقف وقوعه على العلم والتصديق به لزم الدور
المذهب الرابع في هذه المسألة أن الكل نظري سواء كان تصورا أو تصديقا مما يلزم اعتقاده أو لا يلزم وهو مذهب بعض الجهمية التابعين لجهم بن صفوان الترمذي رئيس الجبرية
ويبطله ما مر من شهادة الوجدان بكون البعض ضروريا ومن لزوم الدور أو التسلسل على تقدير كون الكل نظريا
واحتجوا على مذهبهم بأن الضروري يمتنع خلو النفس عنه وما من علم تصوري أو تصديقي إلا والنفس خالية عنه في مبدأ الفطرة ثم تحصل لها علومها بالتدريج بحسب ما يتفق من الشروط كالإحساس والتجربة والتواتر وغيرها فيكون الكل غير ضروري وهو المراد بالنظري
والجواب أن الضروري المقابل للنظري قد تخلو عنه النفس أما عند من يوقفه كالمعتزلة والفلاسفة على شرط كالتوجه والإحساس وغيرهما أو استعداد به تقبل النفس ذلك العلم الضروري فلفقده أي فقد ذلك الموقوف

(1/78)


عليه من الشرط والاستعداد وأما عندنا يعني القائلين باستناد الأشياء كلها إلى اختياره تعالى ابتداء فإنه قد لا يخلقه الله تعالى في العبد حينا ثم يخلقه فيه بلا قدرة من العبد متعلقة بذلك العلم أو نظر منه يترتب عليه ذلك العلم عادة فيكون ضروريا غير مقدور إذ لم تتعلق به قدرة العبد ابتداء ولا بواسطة

(1/79)


المرصد الرابع في اثبات العلوم الضرورية
أي بيان ثبوتها وتحققها والرد على منكريها ولا بد لنا من ذلك إذ إليها المنتهى فإن العلوم الكسبية من العقائد الدينية وغيرها تنتهي إليها وهي المبادىء الأولى ولولاها لم نتحصل على علم أصلا وأنها تنقسم إلى الوجدانيات وهي التي نجدها إما بنفوسنا أو بآلاتنا الباطنة كعلمنا بوجود ذواتنا وخوفنا وغضبنا ولذتنا وألمنا وجوعنا وشبعنا وأنها قليلة النفع في العلوم لأنها غير مشتركة أي غير معلومة الإشتراك يقينا فلا تقوم حجة على الغير فإن ذلك الغير ربما لم يجد من باطنه ما وجدناه وإلى الحسيات أراد بها ما للحس مدخل فيها فيتناول التجربيات والمتواترات وأحكام الوهم في المحسوسات والحدسيات والمشاهدات والبديهيات أي الأوليات وما في حكمها من القضايا الفطرية القياس فهذان القسمان أعني الحسيات والبديهيات هما العمدة في العلوم وهما يقومان حجة على الغير أما البديهيات فعلى الإطلاق وأما الحسيات فإذا ثبت الاشتراك في أسبابها أعني فيما يقتضيها من تجربة أو تواتر

(1/80)


أو حدس أو مشاهدة والناس فيهما فرق أربع حسب الاحتمالات العقلية باعتبار قبولهما معا وردهما معا وقبول إحديهما دون الأخرى
الفرقة الأولى المعترفون بهما وهم الأكثرون الظاهرون على الحق القويم والصراط المستقيم إلى العقائد الدينية وسائر المطالب اليقينية
الفرقة الثانية القادحون في الحسيات فقط أي دون البديهيات وهذا القدح ينسب إلى إفلاطون وأرسطو وبطليموس وجالينوس صرح بهذه النسبة الإمام الرازي ولما كان هذا القدح منهم مستبعدا جدا أشار المصنف إلى تأويله على تقدير صحة النسبة إليهم بقوله ولعلهم أرادوا بقولهم إن الحسيات غير يقينة أي جزم العقل بالحسيات ليس بمجرد الحس بل لا بد مع الإحساس من أمور تنضم إليه أي إلى الحس فتضطره أي تلجىء تلك الأمور العقل إلى الجزم بما جزم به من الحسيات لا نعلم ما هي أي ما تلك الأمور المتضمة إلى الإحساس الموجبة للجزم ومتى حصلت لنا وكيف حصلت فلا تكون الحسيات بمجرد تعلق الإحساس بها يقينية وهذا حق لا شبهة فيه وإلا أي وإن لم يريدوا بالقدح في الحسيات ما ذكرناه من التأويل فإليها أي إلى الحسيات تنتهي علومهم فيكون القدح الحقيقي فيها قدحا في علومهم التي يفتخرون بها وذلك لا يتصور ممن له أدنى مسكة فكيف من هؤلاء الأذكياء الأجلاء وإنما قلنا بانتهاء علومهم إليها لأن العلم الإلهي المنسوب إلى أفلاطون مبني على الاستدلال بأحوال المحسوسات المعلومة

(1/81)


الحس وأكثر أصول العلم الطبيعي المنسوب إلى أرسطو كالعلم بالسماء والعالم وبالكون والفساد وبالآثار العلوية وبأحكام المعادن والنبات والحيوان مأخوذة من الحس وعلم الأرصاد والهيئة المنسوب إلى بطليموس مبني على الإحساس وأحكام المحسوسات وعلم التجارب الطبية المنسوب إلى جالينوس مأخوذ من المحسوسات هذا وقد صرحوا بأن الأوليات إنما تحصل للصبيان باستعداد يحصل لعقولهم من الإحساس بالجزئيات فالقدح في الحسيات يؤول إلى القدح في البديهيات
قالوا لو اعتبر حكم الحس فأما في الكليات أي في القضايا الكلية أو في الجزئيات أي في الأحكام الجارية على الجزئيات الحقيقية وكلاهما باطل
أما الأول وهو بطلان اعتبار حكمه في الكليات فظاهر لأن الحس لا يدرك إلا هذه النار وتلك النار لا جميع النيران الموجودة في الحال ولو فرض إدراكه إياها بأسرها فليس له تعلق قطعا بأفرادها الماضية والمستقبلة فلا يعطي حكما كليا على جميع أفرادها سيما وقد ذهب المحققون إلى أن الحكم في قولنا النار حارة ليس على كل نار موجودة في الخارج في أحد الأزمنة الثلاثة فقط بل عليها وعلى جميع الأفراد المتوهمة

(1/82)


الوجود في الخارج أيضا ولا شك أنه لا تعلق للحس بها أي بالأفراد المتوهمة البتة فكيف يعطي حكما متناولا إياها والحاصل أن الحكم لا يعطي حكما كليا أصلا لا حقيقيا ولا خارجيا فلا يتصور اعتبار حكمه في الكليات قطعا
وأما الثاني وهو بطلان اعتبار حكمه في الجزئيات فلأن حكم الحس في الجزئيات يغلط كثيرا وإذا كان كذلك فحكمه في أي جزئي كان في كل معرض الغلط فلا يكون مقبولا معتبرا وإنما قلنا يغلط كثيرا لوجوده
الوجه الأول أنا نرى الصغير كبيرا كالنار البعيدة في الظلمة هذا إذا لم تكن بعيدة جدا والسبب فيه أن ما حولها من الهواء يستضيء بضوئها والشعاع البصري المحاذي لما حولها لا ينفذ في الظلمة نفوذا تاما فلا يتميز عند الرائي جرم النار عن الهواء المضيء بها المشابه بضوئها إياها فيدركهما معا جملة واحدة ويحسبها نارا وإذا كانت قريبة نفذ الشعاع وامتازت النار عن الهواء المضيء بمجاورتها فأدركها على ما هي عليه من الصغر وإذا كانت بعيدة جدا كانت كالمرئيات البعيدة التي ستعرف حالها وكالعنبة في الماء ترى كالإجاصة وسببه أن رؤية الأشياء على القول الأظهر إنما هي بخروج الشعاع على هيئة مخروط مستدير رأسه عند الحدقة وقاعدته على سطح المرئي ويتفاوت مقدار المرئي صغرا وكبرا بحسب صغر زاوية رأس المخروط وكبرها ثم إن الخطوط الشعاعية التي على سطح المخروط الشعاعي تنفذ إلى المرئي على الاستقامة إلى طرفيه إذا كان الشفاف المتوسط بين الرائي والمرئي متشابه الغلظ والرقة فإن فرض فيه تفاوت بأن يكون مثلا

(1/83)


ما يلي الرائي رقيقا كالهواء وما يلي المرئي غليظا كالماء في مثالنا هذا فإن تلك الخطوط تنعطف وتميل إلى سهم المخروط عند وصولها إلى ذلك الغليظ ثم تصل إلى طرفي المرئي فتكون زاوية رأس المخروط ههنا أكبر منها في الصورة الأولى مع كون المرئي شيئا واحدا فيرى في الصورة الثانية أكبر منه في الأولى والزاوية التي بين الأولين أصغر من التي بين الأخيرين فلذلك ترى في الماء أكبر منها في الهواء والخاتم المقرب من العين يرى كالحلقة الكبيرة وذلك لكبر الزاوية التي عند الحدقة فإن المقدار الواحد إذا جعل وترا لزاويتين مستقيمتي الأضلاع فالزاوية التي ضلعها أقصر كانت أكبر من الزاوية التي ضلعها أطول
وبالعكس أي وترى الكبير صغيرا كالأشياء البعيدة وسببه صغر تلك الزاوية بحسب بعد المرئي فكلما كان أبعد كانت الزاوية أضيق إلى أن تتقارب الخطوط الشعاعية جدا كأن بعضها منطبق على بعض فيرى ذلك المرئي كأنه نقطة وبعد ذلك ينمحي أثره فلا يرى أصلا وترى الواحد كثيرا كالقمر إذا نظرنا إليه مع غمز إحدى العينين وذلك لأن النور البصري يمتد من الدماغ في عصبتين مجوفتين تتلاقيان قبل وصولهما إلى العينين ثم تتباعدان وتتصل كل واحدة منها بواحدة من العينين فالعصبتان إذا كانتا مستقيمتين وقعت الخطوط الشعاعية على المرئي من محاذاة واحدة هي ملتقاهما فيرى واحدا فإذا انحرفتا أو انحرفت إحداهما امتدت تلك الخطوط إلى المرئي من محاذاتين فيرى لذلك اثنين أو نظرنا إلى الماء عند طلوعه وكونه قريبا من الأفق فإنا نراه على التقديرين قمرين أما على التقدير الأول فلما مر وأما على الثاني فلأن الشعاع البصري ينفذ في الهواء إلى قمر السماء وينعكس من سطح الماء إليه أيضا فيرى مرة في السماء بالشعاع وكالأحوال أي الذي يقصد الحول تكلفا فإنه يرى الواحد اثنين بسبب وقوع الانحراف في

(1/84)


العصبتين أو في إحديهما وأما الأحول الفطري فقلما يرى الواحد اثنين وذلك لاعتياده بالوقوف على الصواب وبالعكس أي ويرى الكثير واحدا كالرحى إذا أخرج من مركزها إلى محيطها خطوط كثيرة متقاربة في الوضع بألوان مختلفة فإنها إذا دارت سريعة جدا رؤيت تلك الألوان الكثيرة كاللون الواحد الممتزج المؤلف منها والسبب في ذلك أن ما أدركه الحس الظاهر يتأدى أولا إلى الحس المشترك ثم إلى الخيال فإذا أدرك البصر مثلا لونا وانتقل منه بسرعة إلى لون آخر كان أثر اللون الأول باقيا في المشترك عند إدراك اللون الثاني ووصول أثره إليه فيمتزج الأثران هناك فتراهما النفس لامتزاج أثريهما ممتزجين ولا تقدر على تمييز أحدهما عن الآخر وأيضا لما وقع الشعاع البصري على تلك الألوان بأسرها في زمان قليل جدا لم تتمكن النفس من تمييز بعضها عن بعض فلذلك رأتها ممتزجة ونرى المعدوم موجودا كالسراب
قيل هذا من اشتباه الشيء بمثله فإن السراب ليس معدوما مطلقا بل هو الشيء يتراءى للبصر بسبب ترجرج الشعاع البصري المنعكس عن أرض سبخة كما ينعكس من الماء فيحسب لذلك ماء وما يريه صاحب خفة اليد والشعبذة مما لا وجود له في الخارج أصلا وسببه عدم تمييز النفس بين الشيء وبين ما يشبه إما بسبب سرعة الحركة من الشيء إلى شبهة وإما بسبب إقامة البدل مقام المبدل منه بسرعة على وجه لا يقف عليه إلا من يعرف تلك الأعمال وكالخط لنزول القطرة فإن القطرة إذا نزلت سريعا يرى هناك خط مستقيم ولا وجود له قطعا والدائرة لإدارة الشعلة بسرعة فإنها إذا

(1/85)


أديرت بسرعة شديدة يرى هناك دائرة من النار ولا وجود لها بلا شبهة والسبب في هذين أن البصر إذا أدرك القطرة أو الشعلة في موضع وأداها إلى الحس المشترك ثم أدركها في موضع آخر قبل أن يزول أثرها عن الحس المشترك اتصل هناك صورتها في الموضع الثاني بصورتها في الموضع الأول فيرى كما مر ممتدا إما على الاستقامة أو الاستدارة وأيضا لما اتصل الشعاع بها في مواضع متعددة في زمان قليل جدا كان ذلك بمنزلة اتصال الشعاع بها في تلك المواضع دفعة واحدة فيرى لذلك خطا مستقيما أو دائرة ونرى المتحرك ساكنا وبالعكس أي ونرى الساكن متحركا كالظل يرى ساكنا وسببه أن البصر إذا أدرك الشيء في موضع محاذيا لشيء بعدما أدركه في موضع آخر محاذيا لذلك الشيء حكمت النفس بالحركة فإذا كانت المسافة في غاية القلة لم تميز النفس بين الموضعين والمحاذاتين وحكمت بالسكون وهو متحرك أبدا لأن الشمس متحركة دائما إما ارتفاعا أو انحطاطا فلا بد أن يتحرك الظل انتقاصا أو ازديادا فإن قيل الظل مرتبة من مراتب النور الذي هو عرض فلا يكون متحركا قلنا المقصود أنه يرى على حالة واحدة ولا يحس بازدياده وانتقاصه مع أنه لا يخلو عن إحداهما قطعا وكراكب السفينة المتحركة يراها ساكنة ويرى الشط الساكن متحركا
وذلك لأنه لما لم يتبدل وضع الراكب بالنسبة إلى السفينة حسب نفسه والسفينة ساكنين ولما تبدل محاذاته لأجزاء الشط مع تخيله السكون في

(1/86)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية