صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الملل والنحل - الشهرستاني ]
الكتاب : الملل والنحل
المؤلف : محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1404
تحقيق : محمد سيد كيلاني
عدد الأجزاء : 2

مقدمات

(1/1)


[ افتتاح المؤلف ]

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمد الشاكرين بجميع محامده كلها على جميع نعائمه كلها حمدا كثيرا طيبا مباركا كما هو أهله
وصلى الله على محمد المصطفى رسول الرحمة خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين صلاة دائمة بركتها إلى يوم الدين كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنه حميد مجيد
وبعد فلما وفقني الله تعالى لمطالعة مقالات أهل العالم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل والوقوف على مصادرها ومواردها واقتناص أوانسها وشواردها أردت أن أجمع ذلك في مختصر يحوي جميع ما تدين به المتدينون وانتحله المنتحلون عبرة لمن استبصر واستبصارا لمن اعتبر
وقبل الخوض فيما هو الغرض لا بد من أن أقدم خمس مقدمات :
المقدمة الأولى : في بيان أقسام أهل العالم جملة مرسلة
المقدمة الثانية : في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق الإسلامية
المقدمة الثالثة : في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة ومن مصدرها ومن مظهرها ؟ ( 1 / 11 )
المقدمة الرابعة : في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية وكيفية انشعابها ومن مصدرها ومن مظهرها ؟
المقدمة الخامسة : في بيان السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب

(1/1)


المقدمة الأولى : في بيان تقسيم أهل العالم جملة مرسلة :

(1/11)


1 - من الناس من قسم أهل العالم بحسب الأقاليم السبعة وأعطى أهل كل إقليم حظه من اختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن

(1/11)


2 - ومنهم من قسمهم بحسب الأقطار الأربعة التي هي : الشرق والغرب والجنوب والشمال
ووفر على كل قطر حقه من اختلاف الطبائع وتباين الشرائع

(1/11)


3 - ومنهم من قسمهم بحسب الأمم فقال : كبار الأمم أربعة : العرب والعجم والروم والهند
ثم زاوج بين أمة وأمة :
فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية
والروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية

(1/11)


4 - ومنهم من قسمهم بحسب الآراء والمذاهب
وذلك غرضنا في تأليف هذا الكتاب
وهم منقسمون بالقسمة الصحيحة الأولى إلى أهل الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل
( 1 / 12 )
فأرباب الديانات مطلقا مثل المجوس واليهود والنصارى والمسلمين
وأهل الأهواء و الآراء مثل الفلاسفة والدهرية والصابئة وعبدة الكواكب والأوثان والبراهمة
ويفترق كل منهم فرقا
فأهل الأهواء ليست تنضبط مقالاتهم في عدد معلوم
وأهل الديانات قد انحصرت مذاهبهم بحكم الخبر الوارد فيها
فافترقت المجوس على سبعين فرقة واليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة والمسلمون على ثلاث وسبعين فرقة والناجية أبدا من الفرق واحدة إذ الحق من القضيتين المتقابلتين في واحدة ولا يجوز أن يكون قضيتان متناقضتان متقابلتان على شرائع التقابل إلا وأن تقتسما الصدق والكذب
فيكون الحق في إحداهما دون الأخرى ومن المحال الحكم على المتخاصمين المتضادين في أصول المعقولات بأنهما محقان صادقان
وإذا كان الحق في كل مسألة عقلية واحدا فالحق في جميع المسائل يجب أن يكون مع فرقة واحدة
وإنما عرفنا هذا بالسمع وعنه أخبر التنزيل في قوله عز و جل : ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون )
وأخبر النبي عليه الصلاة و السلام : ( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة والباقون هلكى )
قيل : ومن الناجية ؟
قال : ( أهل السنة والجماعة )
قيل : وما السنة والجماعة ؟
قال : ( ما أنا عليه اليوم وأصحابي )
وقال عليه الصلاة و السلام : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة )
وقال عليه الصلاة و السلام : ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) . ( 1 / 13 )

(1/11)


المقدمة الثانية : في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق الإسلامية :

(1/13)


اعلم أن لأصحاب المقالات طرقا في تعديد الفرق الإسلامية لا على قانون مستند إلى أصل ونص و لا على قاعدة مخبرة عن الوجود
فما وجدت مصنفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق
ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما عد صاحب مقالة وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد ويكون من انفرد بمسألة في أحكام الجواهر مثلا معدودا في عداد أصحاب المقالات فلا بد إذن من ضابط في مسائل هي أصول وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر مقالة ويعد صاحبه صاحب مقالة
وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط إلا أنهم استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيف اتفق وعلى الوجه الذي وجد لا على قانون مستقر وأصل مستمر فاجتهدت على ما تيسر من التقدير وتقدر من التيسير حتى حصرتها في أربع قواعد هي الأصول الكبار
القاعدة الأولى : الصفات و التوحيد فيها
وهي تشتمل على مسائل :
الصفات الأزلية : إثباتا عند جماعة ونفيا عند جماعة
وبيان صفات الذات وصفات الفعل
وما يجب لله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل
وفيها الخلاف بين الأشعرية والكرامية والمجسمة والمعتزلة
القاعدة الثانية : القدر والعدل فيه
وهي تشتمل على مسائل القضاء والقدر والجبر والكسب وإرادة الخير والشر والمقدور والمعلوم إثباتا عند جماعة ( 1 / 14 ) ونفيا عند جماعة
وفيها الخلاف بين : القدرية والنجارية والجبرية والأشعرية والكرامية
القاعدة الثالثة : الوعد والوعيد والأسماء والأحكام
وهي تشتمل على مسائل : الإيمان والتوبة والوعيد والإرجاء والتفكير والتضليل إثباتا على وجه عند جماعة ونفيا عند جماعة
وفيها الخلاف بين المرجئة والوعيدية والمعتزلة والأشعرية والكرامية
القاعدة الرابعة : السمع والعقل والرسالة والإمامة
وهي تشتمل على مسائل : التحسين والتقبيح والصلاح والأصلح واللطف والعصمة في النبوة وشرائط الإمامة نصا عند جماعة وإجماعا عند جماعة وكيفية انتقالها على مذهب من قال بالنص وكيفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع
والخلاف فيها بين الشيعة والخوارج والمعتزلة والكرامية والأشعرية
فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمة الأمة بمقالة من هذه القواعد عددنا مقالته مذهبا وجماعته فرقة
وإن وجدنا واحدا انفرد بمسألة فلا نجعل مقالته مذهبا وجماعته فرقة بل نجعله مندرجا تحت واحد ممن وافق سواها مقالته ورددنا باقي مقالاته إلى الفروع التي لا تعد مذهبا مفردا فلا تذهب المقالات إلى غير النهاية
فإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف تبينت أقسام الفرق الإسلامية وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض

(1/13)


كبار الفرق الإسلامية أربع

(1/14)


1 - القدرية 2 - الصفاتية 3 - الخوارج 4 - الشيعة
ثم يتركب بعضها مع بعض ويتشعب عن كل فرقة أصناف فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة . ( 1 / 15 )
ولأصحاب كتب المقالات طريقان في الترتيب :
أحدهما : أنهم وضعوا المسائل أصولا ثم أوردوا في كل مسألة مذهب طائفة طائفة وفرقة فرقة
والثاني : أنهم وضعوا الرجال وأصحاب المقالات أصولا ثم أوردوا مذاهبهم في مسألة مسألة
وترتيب هذا المختصر على الطريقة الأخيرة لأني وجدتها أضبط للأقسام وأليق بباب الحساب
وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصب لهم ولا كسر عليهم دون أن أبين صحيحه من فاسده وأعين حقه من باطله وإن كان لا يخفى على الأفهام الذكية في مدارج الدلائل العقلية لمحات الحق ونفحات الباطل وبالله التوفيق

(1/14)


المقدمة الثالثة : في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة ومن مصدرها في الأول ومن مظهرها في الآخر :

(1/15)


اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة : شبهة إبليس لعنه الله
ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم عليه السلام وهي الطين
وانشعبت من هذه الشبهة سبع شبهات وسارت في الخليقة وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلالة وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة : إنجيل لوقا ومارقوس ويوحنا ومتى ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرات بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع منه . ( 1 / 16 )
قال كما نقل عنه : إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر ولا يسأل عن قدرته ومشيئته وأنه مهما أراد شيئا قال له كن فيكون وهو حكيم إلا أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة
قالت الملائكة : ما هي ؟ وكم هي ؟
قال لعنه الله : سبع
الأول منها : أنه قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل مني فلم خلقني أولا ؟ وما الحكمة في خلقه إياي ؟
والثاني : إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلفني بمعرفته وطاعته ؟ وما الحكمة في هذا التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة ؟ و لا يتضرر بمعصية ؟
والثالث : إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له ؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي إياه ؟
والرابع : إذ خلقني وكلفني على الإطلاق وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد لآدم فلم لعنني وأخرجني من الجنة ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لم أرتكب قبيحا إلا قولي : لا أسجد إلا لك ؟
والخامس : إذ خلقني وكلفني مطلقا وخصوصا فلم أطع فلعنني وطردني فلم طرقني إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي فأكل من الشجرة المنهي عنها وأخرجه من الجنة معي ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة لاستراح مني آدم وبقي خالدا فيها ؟
والسادس : إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا ولعنني ثم طرقني إلى الجنة وكانت الخصومة بيني وبين آدم فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم وقدرتهم واستطاعتهم ؟ وما الحكمة ( 1 / 17 ) في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يحتالهم عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بهم وأليق بالحكمة
والسابع : سلمت هذا كله : خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا وإذا لم أطع لعنني وطردني وإذا أردت دخول الجنة مكنني وطرقني وإذا عملت عملي أخرجني ثم سلطني على بني آدم فلم إذا استمهلته أمهلني فقلت : ( أنظرني إلى يوم يبعثون ) ( قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم )
وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح آدم والخلق مني وما بقي شر ما في العالم ؟ أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر ؟
قال : فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة
قال شارح الإنجيل : فأوحى الله تعالى إلى الملائكة عليهم السلام قولوا له : إنك في تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي بلم فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون
وهذا الذي ذكرته مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته
وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول : من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال الشيطان الرجيم ووساوسه ونشأت من شبهاته وإذا كانت الشبهات محصورة في سبع عادت كبار البدع والضلالات إلى سبع
ولا يجوز أن تعدو شبهات فرق الزيغ والكفر والضلال هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص . ( 1 / 18 )
هذا ومن جادل نوحا وهودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله عليهم أجمعين كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاته
وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب الشرائع والتكاليف بأسرهم إذ لا فرق بين قولهم : ( أبشر يهدوننا ) وبين قوله ( أأسجد لمن خلقت طينا ) وعن هذا صار مفصل الخلاف ومحز الافتراق كما هو في قوله تعالى : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ) فبين أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى كما قال المتقدم في الأول ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) وقال المتأخر من ذريته كما قال المتقدم ( أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين )
وكذلك لو تعقبنا أقوال المتقدمين منهم وجدناها مطابقة لأقوال المتأخرين ( كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ) ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل )
فاللعين الأول لما حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق أو حكم الخلق في الخالق والأول غلو والثاني تقصير
فثار من الشبهة الأولى مذاهب :
الحلولية والتناسخية والمشبهة والغلاة من الروافض حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف الإله
وثار من الشبهة الثانية مذاهب :
القدرية والجبرية والمجسمة حيث قصروا في وصفه تعالى حتى وصفوه بصفات المخلوقين
فالمعتزلة مشبهة الأفعال والمشبهة حلولية الصفات وكل واحد منهم أعور بأي عينيه شاء
فإن من قال : إنما يحسن منه ما يحسن منا ويقبح منه ما يقبح منا فقد شبه الخالق ( 1 / 19 ) بالخلق
ومن قال : يوصف الباري تعالى بما يوصف به الخلق أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري تعالى فقد اعتزل عن الحق
وسنخ ( أصل ) القدرية طلب العلة في كل شيء وذاك من سنخ اللعين الأول إذ طلب العلة في الخلق أولا والحكمة في التكليف ثانيا والفائدة في تكليف السجود لآدم عليه السلام ثالثا
وعنه نشأ مذهب الخوارج إذ لا فرق بين قولهم : لا حكم إلا لله ولا نحكم الرجال وبين قوله : لا أسجد إلا لك ( أأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون )
وبالجملة ( كلا طرفي قصد الأمور ذميم ) :
فالمعتزلة : غلوا في التوحيد بزعمهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات
والمشبهة : قصروا حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام
والروافض : غلوا في النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول
والخوارج : قصروا حتى نفوا تحكيم الرجال
وأنت ترى إذا نظرت أن هذه الشبهات كلها ناشئة من شبهات اللعين الأول وتلك في الأول مصدرها وهذه في الآخرة مظهرها وإليه أشار التنزيل في قوله تعالى : ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين )
وشبه النبي صلى الله عليه و سلم كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال : ( القدرية مجوس هذه الأمة ) وقال : ( المشبهة يهود هذه الأمة والروافض نصاراها ) ( لم أجد له أصلا )
وقال عليه الصلاة و السلام جملة : ( لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) . ( 1 / 20 )

(1/15)


المقدمة الرابعة : في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية وكيفية انشعابها ومن مصدرها ومن مظهرها :

(1/20)


وكما قررنا أن الشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان كذلك يمكن أن نقرر في زمان كل نبي ودور صاحب كل ملة وشريعة : أن شبهات أمته في آخر زمانه ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين وأكثرها من المنافقين وإن خفي علينا ذلك في الأمم السالفة لتمادي الزمان فلم يخف في هذه الأمة أن شبهاتها نشأت كلها من شبهات منافقي زمن النبي عليه الصلاة و السلام إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى وسألوا عما منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه
اعتبر حديث ذي الخويصرة التميمي إذ قال : اعدل يا محمد فإنك لم تعدل حتى قال عليه الصلاة و السلام : ( إن لم أعدل فمن يعدل ؟ ) فعاد اللعين وقال ( هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى ) وذلك خروج صريح على النبي عليه الصلاة و السلام ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجيا أوليس ذلك قولا بتحسين العقل وتقبيحه وحكما بالهوى في مقابلة النص واستكبارا على الأمر بقياس العقل ؟ حتى قال عليه الصلاة و السلام : ( سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . . . ) الخبر بتمامه . ( الضئضئ الجنس والأصل )
واعتبر حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد إذ قالوا : هل لنا من الأمر من ( 1 / 21 ) شيء وقولهم : ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ) وقولهم : ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) فهل ذلك إلا تصريح بالقدر ؟
وقول طائفة من المشركين : ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ) وقول طائفة : ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) فهل هذا إلا تصريح بالجبر ؟
واعتبر حال طائفة أخرى حيث جادلوا في ذات الله تفكرا في جلاله وتصرفا في أفعاله حتى منعهم وخوفهم بقوله تعالى : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال )
فهذا ما كان في زمانه عليه الصلاة و السلام وهو على شوكته وقوته وصحة بدنه والمنافقون يخادعون فيظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وإنما يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته فصارت الاعتراضات كالبذور وظهرت منها الشبهات كالزروع
وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه عليه الصلاة و السلام وبعد وفاته بين الصحابة رضي الله عنهم فهي اختلافات اجتهادية كما قيل كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين
فأول تنازع وقع في مرضه عليه الصلاة و السلام فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : ( ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي )
فقال عمر رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله وكثر اللغط
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ( قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع )
قال ابن عباس : ( الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ) . ( 1 / 22 )
الخلاف الثاني في مرضه أنه قال : ( جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه )
فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة
وقال قوم : قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة و السلام فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره
وإنما أوردت هذين التنازعين لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين وليس كذلك وإنما الغرض كله : إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب وتسكين ثائرة الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور
الخلاف الثالث : في موته عليه الصلاة و السلام قال عمر بن الخطاب : من قال إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام
وقال أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه : من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد إله محمد فإن إله محمد حي لم يمت ولن يموت وقرأ قول الله سبحانه وتعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) فرجع القوم إلى قوله
وقال عمر رضي الله عنه : ( كأني ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر )
الخلاف الرابع : في موضع دفنه عليه الصلاة و السلام أراد أهل مكة من المهاجرين رده إلى مكة لأنها مسقط رأسه ومأنس نفسه وموطئ قدمه وموطن أهله وموقع رحله
وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته
وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء ومنه معراجه إلى السماء
ثم اتفقوا ( 1 / 23 ) على دفنه بالمدينة لما روي عنه عليه الصلاة و السلام : ( الأنبياء يدفنون حيث يموتون )
الخلاف الخامس : في الإمامة وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان
وقد سهل الله تعالى في الصدر الأول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها فقالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري فاستدركه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة
وقال عمر : كنت أزور في نفسي كلاما في الطريق فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر : ( مه يا عمر فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة يجب أن يقتلا . ( التغرة : غرر بنفسه تغريرا وتغرة : عرضها للهلاك )
وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبي عليه الصلاة و السلام : ( الأئمة من قريش )
وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة ثم لما عاد إلى المسجد انثال الناس عليه وبايعوه عن رغبة سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أمية وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان مشغولا بما أمره النبي صلى الله عليه و سلم من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة . ( 1 / 24 )
الخلاف السادس : في أمر فدك والتوارث عن النبي عليه الصلاة و السلام ودعوى فاطمة عليها السلام وراثة تارة وتمليكا أخرى حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي عليه الصلاة و السلام : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) . ( فدك : قرية شمال المدينة كانت لليهود ولما انهزم يهود خيبر خشي يهود فدك على أنفسهم فسلموا قريتهم للنبي عليه الصلاة و السلام دون قتال فكانت خالصة له ينفق بها على نفسه وعلى بعض المحتاجين من بني هاشم )
الخلاف السابع : في قتال مانعي الزكاة :
فقال قوم : لا نقاتلهم قتال الكفرة
وقال قوم : بل نقاتلهم حتى قال أبو بكر رضي الله عنه : لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلتهم عليه ومضى بنفسه إلى قتالهم ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم
وقد أدى اجتهاد عمر رضي الله عنه في أيام خلافته إلى رد السبايا والأموال إليهم و إطلاق المحبوسين منهم والإفراج عن أسراهم
الخلاف الثامن : في تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة :
فمن الناس من قال : قد وليت علينا فظا غليظا وارتفع الخلاف بقول أبي بكر : لو سألني ربي يوم القيامة لقلت : وليت عليهم خيرهم لهم
وقد وقع في زمانه اختلافات كثيرة في مسائل ميراث الجد والإخوة والكلالة وفي عقل الأصابع وديات الأسنان وحدود بعض الجرائم التي لم يرد فيها نص
وإنما أهم أمورهم : الاشتغال بقتال الروم وغزو العجم وفتح الله تعالى الفتوح على ( 1 / 25 ) المسلمين وكثرت السبايا والغنائم وكانوا كلهم يصدرون عن رأي عمر رضي الله عنه وانتشرت الدعوة وظهرت الكلمة ودانت العرب ولانت العجم
الخلاف التاسع : في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها
واتفقوا كلهم على بيعة عثمان رضي الله عنه وانتظم الأمر واستمرت الدعوة في زمانه وكثرت الفتوح وامتلأ بيت المال وعاشر الخلق على أحسن خلق وعاملهم بأبسط يد
غير أن أقاربه من بني أمية قد ركبوا نهابر فركبته وجاروا فجير عليه ووقعت في زمانه اختلاقات كثيرة وأخذوا عليه أحداثا كلها محالة على بني أمية . ( نهابر : مهالك جمع نهبورة بضم النون فيهما )
منها : رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان يسمى طريد رسول الله وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا
ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة وتزويجه مروان بن الحكم بنته وتسليمه خمس غنائم أفريقية له وقد بلغت مائتي ألف دينار
ومنها : إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان رضيعه بعد أن أهدر النبي عليه الصلاة و السلام دمه وتوليته إياه مصر بأعمالها وتوليته عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث إلى غير ذلك مما نقموا عليه
وكان أمراء جنوده : معاوية بن أبي سفيان عامل الشام وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة وبعده الوليد بن عقبة وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر عامل البصرة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر وكلهم خذلوه ورفضوه حتى أتى قدره عليه وقتل مظلوما في داره وثارت الفتنة من الظلم الذي جرى عليه ولم تسكن بعد . ( 1 / 26 )
الخلاف العاشر : في زمان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له
فأوله : خروج طلحة والزبير إلى مكة ثم حمل عائشة إلى البصرة ثم نصب القتال معه ويعرف ذلك بحرب الجمل
والحق أنهما رجعا وتابا إذ ذكرهما أمرا فتذكراه
فأما الزبير فقتله ابن جرموز بقوس وقت الانصراف وهو في النار لقول النبي صلى الله عليه و سلم : ( بشر قاتل ابن صفية بالنار )
وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض فخر ميتا
وأما عائشة رضي الله عنها فكانت محمولة على ما فعلت ثم تابت بعد ذلك ورجعت . والخلاف بينه وبين معاوية وحرب صفين ومخالفة الخوارج وحمله على التحكيم ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري وبقاء الخلاف إلى وقت وفاته مشهور
وكذلك الخلاف بينه وبين الشراة المارقين بالنهروان عقدا وقولا ونصب القتال معه فعلا ظاهرا معروف
وبالجملة كان علي رضي الله عنه مع الحق والحق معه
وظهر في زمانه الخوارج عليه مثل الأشعث بن قيس ومسعود بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي وغيرهم
وكذلك ظهر في زمانه الغلاة في حقه مثل عبد الله بن سبأ وجماعة معه
ومن الفريقين ابتدأت البدعة والضلالة وصدق فيه قول النبي صلى الله عليه و سلم : ( يهلك فيه اثنان محب غال ومبغض قال )
وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين : أحدهما : الاختلاف في الإمامة
والثاني : الاختلاف في الأصول . ( 1 / 27 )
والاختلاف في الإمامة على وجهين :
أحدهما : القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار
والثاني : القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين
فمن قال : إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار قال بإمامة كل من اتفقت عليه الأمة أو جماعة معتبرة من الأمة : إما مطلقا وإما بشرط أن يكون قرشيا على مذهب قوم وبشرط أن يكون هاشميا على مذهب قوم إلى شرائط أخرى كما سيأتي
ومن قال بالأول قال بإمامة معاوية وأولاده وبعدهم بخلافة مروان وأولاده
والخوارج اجتمعوا في كل زمان على واحد منهم بشرط أن يبقى على مقتضى اعتقادهم ويجري على سنن العدل في معاملاتهم وإلا خذلوه وخلعوه وربما قتلوه
ومن قالوا إن الإمامة تثبت بالنص اختلفوا بعد علي رضي الله عنه :
فمنهم من قال : إنه نص على ابنه محمد بن الحنفية وهؤلاء هم الكيسانية ثم اختلفوا بعده :
فمنهم من قال : إنه لم يمت ويرجع فيملأ الأرض عدلا :
ومنهم من قال : إنه مات وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه أبي هاشم وافترق هؤلاء :
فمنهم من قال : الإمامة بقيت في عقبه وصية بعد وصية
ومنهم من قال : إنها انتقلت إلى غيره واختلفوا في ذلك الغير :
فمنهم من قال : هو بنان بن سمعان النهدي
ومنهم من قال : هو علي بن عبد الله بن عباس
ومنهم من قال : هو عبد الله بن حرب الكندي
ومنهم من قال : هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب
وهؤلاء كلهم يقولون : إن الدين طاعة رجل ويتأولون أحكام الشرع كلها على شخص معين كما ستأتي مذاهبهم
وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية فقال بالنص على الحسن والحسين رضي الله عنهما وقال : لا إمامة في الأخوين إلا الحسن والحسين رضي الله عنهما ثم اختلفوا :
فمنهم من أجرى الإمامة في أولاد الحسن فقال بعده بإمامة ابنه الحسن ثم ابنه عبد الله ثم ابنه محمد ثم أخيه إبراهيم الإمامين وقد خرجا في أيام المنصور فقتلا في أيامه
ومن ( 1 / 28 ) هؤلاء من يقول برجعة محمد الإمام
ومنهم من أجرى الوصية في أولاد الحسين وقال بعده بإمامة ابنه علي بن الحسين زين العابدين نصا عليه ثم اختلفوا بعده :
فقالت الزيدية بإمامة ابنه زيد ومذهبهم أن كل فاطمي خرج وهو عالم زاهد شجاع سخي كان إماما واجب الاتباع وجوزوا رجوع الإمامة إلى أولاد الحسن
ثم منهم من وقف وقال بالرجعة
ومنهم من ساق وقال بإمامة كل من هذا حاله في كل زمان وسيأتي فيما بعد تفصيل مذاهبهم
وأما الإمامية : فقالوا بإمامة محمد بن علي الباقر نصا عليه ثم بإمامة جعفر بن محمد الصادق وصية إليه ثم اختلفوا بعده في أولاده : من المنصوص عليه ؟ وهم خمسة :
محمد وإسماعيل وعبد الله وموسى وعلي :
فمنهم من قال بإمامة محمد وهم العمارية
ومنهم من قال بإمامة إسماعيل وأنكر موته في حياة أبيه وهم المباركية :
ومن هؤلاء من وقف عليه وقال برجعته
ومنهم من ساق الإمامة في أولاده نصا بعد نص إلى يومنا هذا وهم الإسماعيلية
ومنهم من قال بإمامة عبد الله الأفطح وقال برجعته بعد موته لأنه مات ولم يعقب
ومنهم من قال بإمامة موسى نصا عليه إذ قال والده : سابعكم قائمكم ألا وهو سمي صاحب التوراة ثم هؤلاء اختلفوا :
فمنهم من اقتصر عليه وقال برجعته إذ قال لم يمت هو
ومنهم من توقف في موته وهم الممطورة
ومنهم من قطع بموته وساق الإمامة إلى ابنه علي بن موسى الرضا وهم القطعية ثم هؤلاء اختلفوا في كل ولد بعده :
فالاثنا عشرية ساقوا الإمامة من علي الرضا إلى ابنه محمد ثم إلى ابنه علي ثم إلى ابنه الحسن ثم إلى ابنه محمد القائم المنتظر الثاني عشر وقالوا : هو حي لم يمت ويرجع فيملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا
وغيرهم ساقوا الإمامة إلى الحسن العسكري ثم قالوا بإمامة أخيه جعفر وقالوا بالتوقف عليه أو قالوا بالشك في حال محمد ولهم خبط طويل في سوق الإمامة والتوقف والقول بالرجعة بعد الموت والقول الغيبة ثم بالرجعة بعد الغيبة
فهذه جملة الاختلاف في الإمامة وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر المذاهب . ( 1 / 29 )
وأما الاختلافات في الأصول :
فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الأسواري في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال وكان تلميذ الحسن البصري وتلمذ له عمرو بن عبيد وزاد عليه في مسائل القدر
وكان عمرو من دعاة يزيد الناقص أيام بني أمية ثم والي المنصور وقال بإمامته ومدحه المنصور يوما فقال : نثرت الحب للناس فلقطوا غير عمرو بن عبيد
والوعيدية من الخوارج والمرجئة من الجبرية
والقدرية ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين فسمي هو وأصحابه معتزلة وقد تلمذ له زيد بن علي وأخذ الأصول فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة
ومن رفض زيد بن علي لأنه خالف مذهب آبائه في الأصول وفي التبري والتولي وهم أهل الكوفة وكانوا جماعة سموا رافضة
ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام وأفردتها فنا من فنون العلم وسمتها باسم الكلام :
إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام فسمي النوع باسمها
وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق والمنطق والكلام مترادفان
وكان أبو الهذيل العلاف - شيخهم الأكبر - وافق الفلاسفة في أن الباري تعالى عالم بعلم وعلمه ذاته وكذلك قادر بقدرة وقدرته ذاته وأبدع بدعا في الكلام والإرادة وأفعال العباد والقول بالقدر والآجال والأرزاق كما سيأتي في حكاية مذهبه
وجرت بينه وبين هشام بن الحكم مناظرات في أحكام التشبيه
وأبو يعقوب الشحام والآدمي صاحبا أبي الهذيل وافقاه في ذلك كله . ( 1 / 30 )
ثم إبراهيم بن سيار النظام - في أيام المعتصم - كان أغلى في تقرير مذاهب الفلاسفة وانفرد عن السلف ببدع في القدر والرفض وعن أصحابه بمسائل نذكرها
ومن أصحابه : محمد بن شبيب وأبو شمر وموسى بن عمران والفضل الحدثي وأحمد بن خابط
ووافقه الأسواري في جميع ما ذهب إليه من البدع
وكذلك الإسكافية أصحاب أبي جعفر الإسكافي
والجعفرية أصحاب الجعفر بن جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب
ثم ظهرت بدع بشر بن المعتمر من القول بالتولد والإفراط فيه والميل إلى الطبيعيين من الفلاسفة والقول بأن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل وإذا فعل ذلك فهو ظالم إلى غير ذلك مما تفرد به عن أصحابه
وتلمذ له أبو موسى المزدار راهب المعتزلة وانفرد عنه بإبطال إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة وفي أيامه جرت أكثر التشديدات على السلف لقولهم بقدم القرآن
وتلمذ له الجعفران وأبو زفر ومحمد بن سويد صاحبا المزدار وأبو جعفر الإسكافي وعيسى بن الهيثم صاحبا جعفر بن حرب الأشج
وممن بالغ في القول بالقدر : هشام بن عمرو الفوطي والأصم من أصحابه وقدحا في إمامة علي رضي الله عنه بقولهما : إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم
والفوطي والأصم اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالما بالأشياء قبل كونها ومنعا كون المعدوم شيئا
وأبو الحسين الخياط وأحمد بن علي الشطوي صحبا عيسى الصوفي ثم لزما أبا مجالد
وتلمذ الكعبي لأبي الحسين الخياط ومذهبه بعينه مذهبه
وأما معمر بن عباد السلمي وثمامة بن أشرس النميري وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فكانوا في زمان واحد متقاربين في الرأي والاعتقاد منفردين عن أصحابهم بمسائل في موضعها نذكرها
والمتأخرون : منهم أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار ( 1 / 31 ) وأبو الحسين البصري قد لخصوا طرق أصحابهم وانفردوا عنهم بمسائل ستأتي
أما رونق الكلام فابتداؤه من الخلفاء العباسيين : هارون والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل وانتهاؤه من الصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة
وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين مثل : ضرار بن عمرو وحفص الفرد والحسين النجار
ومن المتأخرين خالفوا الشيوخ في مسائل ونبغ منهم جهم بن صفوان في أيام نصر بن سيار وأظهر بدعته في الجبر بترمذ وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو
وكانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان اختلافات في الصفات وكان السلف يناظرونهم عليها لا على قانون كلامي بل على قول إقناعي ويسمون الصفاتية : فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته ومن مشبه صفاته بصفات الخلق وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة ويناظرون المعتزلة في قدم العالم على قول ظاهر
وكان عبد الله بن سعيد الكلابي وأبو العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي أشبههم إتقانا وأمتنهم كلاما
وجرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وبين أستاذه أبي علي الجبائي في بعض مسائل التحسين والتقبيح فألزم الأشعري أستاذه أمورا لم يخرج عنها بجواب فأعرض عنه وانحاز إلى طائفة السلف ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية فصار ذلك مذهبا منفردا
وقرر طريقته جماعة من المحققين مثل القاضي أبي بكر الباقلاني والأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني والأستاذ أبي بكر بن فورك وليس بينهم كثير اختلاف
ونبغ رجل متنمس ( متستر ) بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد الله محمد بن كرام قليل العلم قد قمش ( قمش من كل مذهب : أخذ رذالته ) من كل مذهب ضغثا ( الضغث : الباطل والكلام المخلط الفاسد ) وأثبته في كتابه وروجه على أغتام ( الذين لا يفصحون ) غرجة وغور وسواد بلاد خراسان فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهبا
وقد نصره محمود بن سبكتكين السلطان وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم
وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج وهم مجسمة وحاشا غير محمد بن الهيصم فإنه مقارب . ( 1 / 32 )

(1/20)


المقدمة الخامسة : في السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب وفيها إشارة إلى مناهج الحساب :

(1/32)


لما كان مبنى الحساب على الحصر والاختصار وكان غرضي من تأليف هذا الكتاب حصر المذاهب مع الاختصار اخترت طريق الاستيفاء ترتيبا وقدرت أغراضي على مناهجه تقسيما وتبويبا وأردت أن أبين كيفية طرق هذا العلم وكمية أقسامه لئلا يظن بي أني من حيث أنا فقيه ومتكلم أجنبي النظر في مسالكه ومراسمه أعجمي القلم بمداركه ومعالمه
فآثرت من طرق الحساب أحكمها وأحسنها وأقمت عليه من حجج البرهان أوضحها وأمتنها وقدرتها على علم العدد وكان الواضع الأول منه استمداد المدد فأقول :
مراتب الحساب تبتدئ من واحد وتنتهي إلى سبع ولا تجاوزها البتة
المرتبة الأولى : صدر الحساب وهو الموضوع الأول الذي يرد عليه التقسيم الأول
وهو فرد لا زوج له باعتبار وجملة يقبل التقسيم والتفصيل باعتبار
فمن حيث أنه فرد فهو لا يستدعي أختا تساويه في الصورة والمدة
ومن حيث هو جملة فهو قابل للتفصيل حتى ينقسم إلى قسمين
وصورة المدة يجب أن تكون من الطرف إلى الطرف ويكتب تحتها حشوا مجملات التفاصيل ومرسلات التقدير والتقرير والنقل والتحويل وكليات وجوه المجموع وحكايات الإلحاق والموضوع
ويكتب تحتها بارزا من الطرف الأيسر كميات مبالغ المجموع . ( 1 / 33 )
المرتبة الثانية منها : الأصل وشكلها محقق وهو التقسيم الأول الذي ورد على المجموع الأول
وهو زوج ليس بفرد ويجب حصره في قسمين لا يعدوان إلى ثالث
وصورة المدة يجب أن تكون أقصر من الصدر بقليل إذ الجزء أقل من الكل
ويكتب تحتها حشوا ما يخصها من التوجيه والتنويع والتفصيل
ولها أخت تساويها في المدة وإن لم يجب أن تساويها في المقدار
المرتبة الثالثة من ذلك : الأصل وشكله محقق أيضا وهو التقسيم الثاني الذي ورد على الموضوع الأول والثاني وذلك لا يجوز أن ينقص عن قسمين ولا يجوز أن يزيد على أربعة أقسام ومن جاوز من أهل الصنعة فقد أخطأ وما علم وضع الحساب وسنذكر السبب فيه
وصورته ومدته أقصر من مدة منها الأصل بقليل
وكذلك يكتب تحتها ما يليق بها حشوا وبارزا
المرتبة الرابعة منها : المطموس وشكلها هكذا ( ط ) وذلك يجوز أن يجاوز الأربعة وأحسن الطرق أن يقتصر على الأقل
ومدتها أقصر مما مضى
المرتبة الخامسة من ذلك : الصغير وشكله هكذا ( ص ) وذلك يجوز إلى حيث ينتهي التقسيم والتبويب
والمدة أقصر مما مضى
المرتبة السادسة منها : المعوج وشكله هكذا ( ) وذلك أيضا يجوز إلى حيث ينتهي التفصيل
المرتبة السابعة من ذلك : المعقد وشكله هكذا ( لل ) ولكن يمد من الطرف إلى الطرف لا على أنه صدر الحساب بل من حيث إنه النهاية التي تشاكل البداية . ( 1 / 34 )
فهذه كيفية صور الحساب نقشا وكمية أبوابها جملة ولكل قسم من الأبواب أخت تقابله وزوج يساويه في المدة لا يجوز إغفال ذلك بحال
والحساب تاريخ وتوجيه
والآن نذكر كمية هذه الصورة وانحصار الأقسام في سبع ولم صار العدد الأول فردا لا زوج له في الصورة ؟ ولم انحصر منها الأصل في قسمين لا يعدوان إلى ثالث ؟ ولم انحصر من ذلك الأصل في أربعة أقسام ؟ ولم خرجت الأقسام الأخر عن الحصر ؟
فأقول : إن العقلاء الذين تكلموا في علم العدد والحساب اختلفوا في الواحد : أهو من العدد أم هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد ؟ وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراك لفظ الواحد
فالواحد : يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد فإن الاثنين لا معنى لها إلا واحد مكرر أول تكرير وكذلك الثلاثة والأربعة
ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد أي هو علته ولا يدخل في العدد أي لا يتركب منه العدد
وقد تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب منها بل كل موجود فهو في جنسه أو نوعه أو شخصه واحد يقال : إنسان واحد وشخص واحد
وفي العدد كذلك فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة
فالواحدية :
بالمعنى الأول داخلة في العدد
وبالمعنى الثاني علة للعدد
وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد
وليس من الأقسام الثلاثة قسم يطلق على الباري تعالى معناه فهو واحد لا كالآحاد أي هذه الوحدات والكثرة منه وجدت ويستحيل عليه الانقسام بوجه من وجوه القسمة
وأكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد فالعدد مصدره الأول اثنان
وهو ينقسم إلى زوج وفرد :
فالفرد الأول : ثلاثة
والزوج الأول : أربعة
وما وراء الأربعة فهو مكرر :
كالخمسة : فإنها مركبة من عدد وفرد وتسمى العدد الدائر
والستة : مركبة من فردين وتسمى العدد التام
والسبعة : مركبة من فرد وزوج وتسمى العدد الكامل
والثمانية : مركبة من زوجين وهي بداية أخرى وليس ذلك من غرضنا
فصدر الحساب في مقابلة الواحد الذي هو علة العدد وليس يدخل فيه ولذلك هو ( 1 / 35 ) فرد لا أخت له
ولما كان العدد مصدره من اثنين صار منها المحقق محصورا في قسمين
ولما كان العدد منقسما إلى فرد وزوج صار من ذلك الأصل محصورا في أربعة فإن الفرد الأول ثلاثة والزوج الأول أربعة وهي النهاية وما عداها مركب منها
فكان البسائط العامة الكلية في العدد : واحد واثنان وثلاثة وأربعة وهي الكمال وما زاد عليها فمركبات كلها ولا حصر لها فلذلك لا تنحصر الأبواب الأخر في عدد معلوم بل تتناهى بما ينتهي به الحساب ثم تركيب العدد على المعدود وتقدير البسيط على المركب فمن علم آخر
وسنذكر ذلك عند ذكرنا مذاهب قدماء الفلاسفة
فإذا نجزت المقدمات على أوفى تقرير وأحسن تحرير شرعنا في ذكر مقالات أهل العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا لعله لا يشذ من أقسامها مذهب
ونكتب تحت كل باب وقسم ما يليق به ذكرا حتى يعرف لم وضع ذلك اللفظ لذلك الباب ؟ ونكتب تحت ذكر الفرقة المذكورة ما يعم أصنافها مذهبا واعتقادا وتحت كل صنف ما خصه وانفرد به عن أصحابه
ونستوفي أقسام الفرق الإسلامية ثلاثا وسبعين فرقة
ونقتصر في أقسام الفرق الخارجة عن الملة الحنيفية على ما هو أشهر وأعرف أصلا وقاعدة فنقدم ما هو أولى بالتقديم ونؤخر ما هو أجدر بالتأخير
وشرط الصناعة الحسابية أن يكتب بإزاء المحدود من الخطوط ما يكتب حشوا
وشرط الصناعة الكتابية أن تترك الحواشي على الرسم المعهود عفوا
فراعيت شرط الصناعتين ومددت الأبواب على شرط الحساب وتركت الحواشي على رسم الكتاب وبالله أستعين وعليه أتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل . ( 1 / 36 )

(1/32)


مذاهب أهل العالم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل :

(1/36)


من الفرق الإسلامية وغيرهم ممن له كتاب منزل محقق مثل : اليهود والنصارى وممن له شبهة كتاب مثل : المجوس والمانوية وممن له حدود وأحكام دون كتاب مثل : الفلاسفة الأولى والدهرية وعبدة الكواكب والأوثان والبراهمة
نذكر أربابها وأصحابها وننقل مآخذها ومصادرها عن كتب طائفة طائفة على موجب اصطلاحاتها بعد الوقوف على مناهجها والفحص الشديد عن مبادئها وعواقبها
ثم إن التقسيم الصحيح الدائر بين النفي والإثبات هو قولنا : إن أهل العالم انقسموا من حيث المذاهب إلى : أهل الديانات وإلى أهل الأهواء فإن الإنسان إذا اعتقد عقدا أو قال قولا فإما أن يكون فيه مستفيدا من غيره أو مستبدا برأيه
فالمستفيد من غيره مسلم مطيع والدين هو الطاعة
والمسلم المطيع فهو المتدين
والمستبد برأيه محدث مبتدع
وفي الخبر عن النبي عليه الصلاة و السلام : ( ما شقي امرؤ عن مشورة ولا سعد باستبداد برأي )
وربما يكون المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا بأن كان أبواه أو معلمه على اعتقاد باطل فيتقلده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله وصواب القول فيه وخطئه فحينئذ لا يكون مستفيدا لأنه ما حصل على فائدة وعلم ولا اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) شرط عظيم فليعتبر
وربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن يعلم موضع الاستنباط وكيفيته فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة لأنه حصل العلم بقوة تلك الفائدة ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ركن عظيم فلا تغفل . ( 1 / 37 )
فالمستبدون بالرأي مطلقا هم المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة والصابئة والبراهمة وهم لا يقولون بشرائع وأحكام أمرية بل يضعون حدودا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها
والمستفيدون هم القائلون بالنبوات
ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود العقلية ولا ينعكس

(1/36)


تمهيد : أرباب الديانات والملل من المسلمين وأهل الكتاب وممن له شبهه كتاب :

(1/37)


نتكلم ههنا في معنى الدين والملة والشرعة والمنهاج والإسلام والحنيفية والسنة والجماعة فإنها عبارات وردت بالتنزيل ولكل واحدة منها معنى يخصها وحقيقة توافقها لغة واصطلاحا
وقد بينا معنى الدين : أنه الطاعة والانقياد وقد قال الله تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام )
وقد يرد بمعنى الجزاء يقال : ( كما تدين تدان ) أي كما تفعل تجازى
وقد يرد بمعنى الحساب يوم المعاد والتناد قال تعالى : ( ذلك الدين القيم )
فالمتدين : هو المسلم المطيع المقر بالجزاء والحساب يوم التناد والمعاد قال الله تعالى : ( ورضيت لكم الإسلام دينا )
ولما كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه والاستعداد لمعاده وذلك لاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو أهله ويحصل بالتعاون ما ليس له فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة
والطريق الخاص الذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج والشرعة ( 1 / 38 ) والسنة . والاتفاق على تلك السنة هي الجماعة
قال الله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا )
ولن يتصور وضع الملة وشرع الشرعة إلا بواضع شارع يكون مخصوصا من عند الله بآيات تدل على صدقه وربما تكون الآية مضمنة في نفس الدعوى وقد تكون ملازمة وربما تكون متأخرة
ثم اعلم أن الملة الكبرى هي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام وهي الحنيفية التي تقابل الصبوة تقابل التضاد . وسنذكر كيفية ذلك إن شاء الله تعالى قال الله تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم )
والشريعة ابتدأت من نوح عليه السلام قال الله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا )
والحدود والأحكام ابتدأت من آدم وشيث وإدريس عليهم السلام
وختمت الشرائع والملل والمناهج والسنن بأكملها وأتمها حسنا وجمالا بمحمد عليه الصلاة و السلام
قال الله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )
وقد قيل : خص آدم بالأسماء وخص نوح بمعاني تلك الأسماء وخص إبراهيم بالجمع بينهما ثم خص موسى بالتنزيل وخص عيسى بالتأويل وخص المصطفى صلوات الله عليهم أجمعين بالجمع بينهما على ملة أبيكم إبراهيم
ثم كيفية التقرير الأول والتكميل بالتقرير الثاني بحيث يكون مصدقا كل واحد ما بين يديه من الشرائع الماضية والسنن السالفة تقديرا للأمر على الخلق وتوفيقا للدين على الفطرة
فمن خاصية النبوة : لا يشاركهم فيها غيرهم
وقد قيل إن الله عز و جل أسس دينه على مثال خلقه ليستدل بخلقه على دينه وبدينه على وحدانيته . ( 1 / 39 )

(1/37)


الباب الأول : المسلمون

(1/39)


1 - قد ذكرنا معنى الإسلام ونفرق ههنا بينه وبين الإيمان والإحسان ونبين ما المبدأ وما الوسط وما الكمال بالخبر المعروف في دعوة جبريل عليه السلام حيث جاء على صورة أعرابي وجلس حتى ألصق ركبته بركبة النبي صلى الله عليه و سلم وقال : يا رسول الله ما الإسلام ؟
فقال : ( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا )
قال : صدقت ثم قال : ما الإيمان ؟
قال عليه الصلاة و السلام : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره )
قال : صدقت ثم قال : ما الإحسان ؟
قال عليه الصلاة و السلام : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )
قال : صدقت ثم قال : متى الساعة ؟
قال عليه الصلاة و السلام : ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل )
ثم قام وخرج فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ( هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم )
ففرق بالتفسير بين الإسلام والإيمان
والإسلام قد يرد بمعنى الاستسلام ظاهرا ويشترك فيه المؤمن والمنافق
قال الله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) ففرق التنزيل بينهما . ( 1 / 40 )
فإذا كان الإسلام بمعنى التسليم والانقياد ظاهرا موضع الاشتراك فهو المبدأ
ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويقر عقدا بأن القدر خيره وشره من الله تعالى بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه كان مؤمنا حقا
ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق وقرن المجاهدة بالمشاهدة وصار غيبه شهادة فهو الكمال
فكان الإسلام مبدأ والإيمان وسطا والإحسان كمالا وعلى هذا شمل لفظ المسلمين : الناجي والهالك
وقد يرد الإسلام وقرينه الإحسان قال الله تعالى : ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ) وعليه يحمل قوله تعالى : ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) وقوله : ( إن الدين عند الله الإسلام ) وقوله : ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) وقوله : ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) وعلى هذا خص الإسلام بالفرق الناجية والله أعلم

(1/39)


2 - أهل الأصول المختلفون في : التوحيد والعدل والوعد والوعيد والسمع والعقل
نتكلم ههنا في معنى الأصول والفروع وسائر الكلمات
قال بعض المتكلمين : الأصول : معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم
وبالجملة : كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول
ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة والمعرفة أصل والطاعة فرع
فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا
ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا
فالأصول : هو موضوع علم الكلام
والفروع : هو موضوع علم الفقه
وقال بعض ( 1 / 41 ) العقلاء : كل ما هو معقول ويتوصل إليه بالنظر والاستدلال فهو من الأصول
وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع
وأما التوحيد :
فقد قال أهل السنة وجميع الصفاتية : إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له وواحد في أفعاله لا شريك له
وقال أهل العدل : إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسمة ولا صفة له وواحد في أفعاله لا شريك له فلا قديم غير ذاته ولا قسيم له في أفعاله ومحال وجود قديمين ومقدور بين قادرين وذلك هو التوحيد
وأما العدل :
فعلى مذهب أهل السنة أن الله تعالى عدل في أفعاله بمعنى أنه متصرف في ملكه وملكه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
فالعدل : وضع الشيء موضعه وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم
والظلم بضده فلا يتصور منه جور في الحكم وظلم في التصرف
وعلى مذهب أهل الاعتزال : العدل ما يقتضيه العقل من الحكمة وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة
وأما الوعد والوعيد :
فقد قال أهل السنة : الوعد والوعيد كلامه الأزلي وعد على ما أمر وأوعد على ما نهى فكل من نجا واستوجب الثواب فبوعده وكل من هلك واستوجب العقاب فبوعيده فلا يجب عليه شيء من قضية العقل
وقال أهل العدل : لا كلام في الأزل وإنما أمر ونهى ووعد وأوعد بكلام محدث فمن نجا فبفعله استحق الثواب ومن خسر فبفعله استوجب العقاب والعقل من حيث الحكمة يقتضي ذلك
وأما السمع والعقل :
فقد قال أهل السنة : الواجبات كلها بالسمع والمعارف كلها بالعقل . فالعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يقتضي ولا يوجب والسمع لا يعرف أي لا يوجد المعرفة بل يوجب
وقال أهل العدل : المعارف كلها معقولة بالعقل واجبة بنظر العقل وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح . ( 1 / 42 )
فهذه القواعد هي المسائل التي تكلم فيها أهل الأصول وسنذكر مذهب كل طائفة مفصلا إن شاء الله تعالى
ولكل علم موضوع ومسائل نذكرهما بأقصى الإمكان إن شاء الله تعالى

(1/40)


3 - المعتزلة وغيرهم من الجبرية والصفاتية والمختلطة منهم
الفريقان من المعتزلة والصفاتية متقابلان تقابل التضاد وكذلك القدرية والجبرية والمرجئة والوعيدية والشيعة والخوارج
وهذا التضاد بين كل فريق وفريق كان حاصلا في كل زمان ولكل فرقة مقالة على حيالها وكتب صنفوها ودولة عاونتهم وصولة طاوعتهم

(1/42)


الفصل الأول : المعتزلة

(1/42)


ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية والعدلية
وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا وقالوا : لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى احترازا من وصمة اللقب إذ كان الذم به متفقا عليه لقول النبي عليه الصلاة و السلام : ( القدرية مجوس هذه الأمة )
وكانت الصفاتية تعارضهم بالاتفاق على أن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد فكيف يطلق لفظ الضد على الضد وقد قال النبي عليه الصلاة و السلام : ( القدرية خصماء الله في القدر ) ؟
والخصومة في القدر وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم والحكم المحكوم
فالذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد ( 1 / 43 ) القول بأن الله تعالى قديم والقدم أخص وصف ذاته ونفوا الصفات القديمة أصلا فقالوا : هو عالم بذاته قادر بذاته حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قائمة به لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف ( 1 / 44 ) لشاركته في الإلهية
واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه فإن ما وجد في المحل عرض قد فني في الحال
واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته لكن اختلفوا في وجوه وجودها ومحامل معانيها كما سيأتي
واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ونفي التشبيه عنه من كل وجه : جهة ومكانا وصورة وجسما وتحيزا وانتقالا وزوالا وتغيرا وتأثرا وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها وسموا هذا النمط توحيدا
واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ونفي التشبيه عنه من كل وجه : جهة ومكانا وصورة وجسما وتحيزا وانتقالا وزوالا وتغيرا وتأثرا . وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها . وسموا هذا النمط : توحيدا

(1/42)


واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية لأنه لو خلق الظلم كان ظالما كما لو خلق العدل كان عادلا
واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد
وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط : عدلا
واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض . والتفضل معنى آخر وراء الثواب
وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط : وعدا ووعيدا
واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك
وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء عليهم السلام امتحانا واختبارا ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة ) . ( 1 / 45 )
واختلفوا في الإمامة والقول فيها نصا واختيارا كما سيأتي عند مقالة كل طائفة
والآن نذكر ما يختص بطائفة طائفة من المقالة التي تميزت بها عن أصحابها

(1/44)


1 - الواصلية

(1/45)


أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال الألثغ
كان تلميذا للحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار وكانا في أيام عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك
وبالمغرب الآن منهم شرذمة قليلة في بلد إدريس بن عبد الله الحسني الذي خرج بالمغرب في أيام أبي جعفر المنصور
ويقال لهم الواصلية واعتزالهم يدور على أربع قواعد :
القاعدة الأولى : القول بنفي صفات الباري تعالى من العلم والقدرة والإرادة والحياة
وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين قال : ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين
وإنما شرعت أصحابه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة وانتهى نظرهم فيها إلى رد جميع الصفات إلى كونه : عالما قادرا ثم الحكم بأنهما صفتان ذاتيتان هما : اعتباران للذات القديمة كما قال الجبائي أو حالان كما قال أبو هاشم
وميل أبي الحسين البصري إلى ردهما إلى صفة واحدة وهي العالمية وذلك عين مذهب الفلاسفة وسنذكر تفصيل ذلك
وكان السلف يخالف في ذلك إذ وجدوا الصفات مذكورة في الكتاب والسنة . ( 1 / 46 )
القاعدة الثانية : القول بالقدر : وإنما سلكوا في ذلك مسلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي
وقرر واصل بن عطاء هذه القاعدة أكثر مما كان يقرر قاعدة الصفات فقال : إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية وهو المجازى على فعله والرب تعالى أقدره على ذلك كله
وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات والاعتمادات والنظر والعلم
قال : ويستحيل أن يخاطب العبد ب ( افعل ) وهو لا يمكنه أن يفعل وهو لا يحس من نفسه الاقتدار والفعل ومن أنكره فقد أنكر الضرورة واستدل بآيات على هذه الكلمات
ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبد الملك بن مروان وقد سأله عن القول بالقدر والجبر
فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية واستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل من العقل
ولعلها لواصل بن عطاء فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من الله تعالى فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم
والعجب أنه حمل هذا اللفظ الوارد في الخبر على البلاء والعافية والشدة والرخاء والمرض والشفاء والموت والحياة إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى دون الخير والشر والحسن والقبيح الصادرين من اكتساب العباد وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم . ( 1 / 47 )
القاعدة الثالثة : القول بالمنزلة بين المنزلتين :
والسبب فيه أنه دخل واحد على الحسن البصري فقال : يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج
وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا ؟
فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء : أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا بل هو في منزلة بين المنزلتين : لا مؤمن ولا كافر
ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب على جماعة من أصحاب الحسن
فقال الحسن : اعتزل عنا واصل فسمي هو وأصحابه معتزلة
ووجه تقريره أنه قال : إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا وهو اسم مدح
والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح فلا يسمى مؤمنا وليس هو بكافر مطلقا أيضا لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالد فيها إذ ليس في الآخرة إلا فريقان : فريق في الجنة وفريق في السعير لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار
وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد بعد أن كان موافقا له في القدر وإنكار الصفات . ( 1 / 48 )
القاعدة الرابعة : قوله في الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين : إن أحدهما مخطئ لا بعينه وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه قال : إن أحد الفريقين فاسق لا محالة كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة لكن بعينه
وقد عرفت قوله في الفاسق وأقل درجات الفريقين أنه لا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين فلا يجوز قبول شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بقل
وجوز أن يكون عثمان وعلي على الخطأ
هذا قوله وهو رئيس المعتزلة ومبدأ الطريقة في أعلام الصحابة وأئمة العترة
ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه وزاد عليه في تفسيق أحد الفريقين لا بعينه بأن قال : لو شهد رجلان من أحد الفريقين مثل علي ورجل من عسكره أو طلحة والزبير لم تقبل شهادتهما وفيه تفسيق الفريقين وكونهما من أهل النار
وكان عمرو بن عبيد من رواة الحديث معروفا بالزهد وواصل مشهورا بالفضل والأدب عندهم

(1/45)


2 - الهذيلية

(1/48)


أصحاب أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف شيخ المعتزلة ومقدم الطائفة ومقرر الطريقة والمناظر عليها
أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء
ويقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية
ويقال أخذه عن الحسن بن أبي الحسن البصري
وإنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد :
الأولى : أن الباري تعالى عالم بعلم وعلمه ذاته قادر بقدرة وقدرته ذاته حي بحياة وحياته ذاته
وإنما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته بل هي ذاته وترجع إلى السلوب أو اللوازم كما سيأتي
والفرق بين قول القائل : عالم بذاته لا بعلم وبين قول القائل : عالم بعلم هو ذاته : أن الأول نفي الصفة والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة أو إثبات صفة هي بعينها ذات
وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات فهي بعينها أقانيم النصارى أو أحوال أبي هاشم . ( 1 / 50 )
الثانية : أنه أثبت إرادات لا محل لها يكون الباري تعالى مريدا بها
وهو أول من أحدث هذه المقالة وتابعه عليها المتأخرون
الثالثة : قال في كلام الباري تعالى : إن بعضه لا في محل وهو قوله ( كن ) وبعضه في محل كالأمر والنهي والخبر والاستخبار
وكان أمر التكوين عنده غير أمر التكليف
الرابعة : قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه إلا أنه قدري الأولى جبري الآخرة
فإن مذهبه في حركات أهل الخلدين في الآخرة أنها كلها ضرورية لا قدرة للعباد عليها وكلها مخلوقة للباري تعالى إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها
الخامسة : قوله : إن حركات أهل الخلدين تنقطع وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار
وهذا قريب من مذهب جهم إذ حكم بفناء الجنة والنار وإنما التزم أبو الهذيل هذا المذهب لأنه لما ألزم في مسألة حدوث العالم أن الحوادث التي لا أول لها كالحوادث ( 1 / 51 ) التي لا آخر لها إذ كل واحدة لا تتناهى قال : إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا بل يصيرون إلى سكون دائم
وكأنه ظن أن ما لزمه في الحركة لا يلزمه في السكون
السادسة : قوله في الاستطاعة : إنها عرض من الأعراض غير السلامة والصحة وفرق أفعال القلوب وأفعال الجوارح
فقال : لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة فالاستطاعة معها في حال الفعل وجوز ذلك في أفعال الجوارح وقال بتقدمها فيفعل بها في الحال الأولى وإن لم يوجد الفعل إلا في الحال الثانية قال : ( فحال يفعل ) غير ( حال فعل ) ثم ما تولد من فعل العبد فهو فعله غير اللون والطعم والرائحة وكل ما لا يعرف كيفيته
وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره عند إسماعه وتعليمه : إن الله تعالى يبدعهما فيه وليسا من أفعال العباد
السابعة : قوله في المكلف قبل ورود السمع : إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا
ويعلم أيضا حسن الحسن وقبح القبيح فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل والإعراض عن القبيح كالكذب والجور
وقال أيضا بطاعات لا يراد بها الله تعالى ولا يقصد بها التقرب إليه كالقصد إلى النظر الأول والنظر الأول فإنه لم يعرف الله بعد والفعل عبادة
وقال في المكره : إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب ويكون وزره موضوعا عنه
الثامنة : قوله في الآجال والأرزاق : إن الرجل إن لم يقتل مات في ذلك الوقت ولا يجوز أن يزاد في العمر أو ينقص
والأرزاق على وجهين :
أحدهما : ما خلق الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال : خلقها رزقا للعباد فعلى هذا من قال : إن أحدا أكل أو انتفع بما لم يخلقه الله رزقا فقد أخطأ لما فيه أن في الأجسام ما لم يخلقه الله تعالى . ( 1 / 52 )
والثاني : ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد فما أحل منها فهو رزقه وما حرم فليس رزقا أي ليس مأمورا بتناوله
التاسعة : حكى الكعبي عنه أنه قال : إرادة الله غير المراد فإرادته لما خلق هي خلقه له وخلقه للشيء عنده غير الشيء بل الخلق عنده قول لا في محل
وقال : إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر وكذلك لم يزل غفورا رحيما محسنا خالقا رازقا مثيبا معاقبا مواليا معاديا آمرا ناهيا بمعنى أن ذلك سيكون منه
العاشرة : حكى الكعبي عنه أنه قال : الحجة لا تقوم فيما غاب إلا بخبر عشرين فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر
ولا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياء الله معصومون لا يكذبون ولا يرتكبون الكبائر فهم الحجة لا التواتر
إذ يجوز أن يكذب جماعة ممن لا يحصون عددا إذا لم يكونوا أولياء الله ولم يكن فيهم واحد معصوم
وصحب أبا الهذيل : أبو يعقوب الشحام والآدمي وهما على مقالته
وكان سنه مائة سنة توفي في أول خلافة المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين

(1/48)


3 - النظامية

(1/52)


أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة ( 1 / 53 ) وخلط كلامهم بكلام المعتزلة وانفرد عن أصحابه بمسائل :
الأولى منها : أنه زاد على القول بالقدر خيره وشره منا قوله : أن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي وليست هي مقدورة للباري تعالى خلافا لأصحابه فإنهم قضوا بأنه قادر عليها لكنه لا يفعلها لأنها قبيحة
ومذهب النظام أن القبح إذا كان صفة ذاتية للقبيح وهو المانع من الإضافة إليه فعلا ففي تجويز وقوع القبيح منه قبح أيضا فيجب أن يكون مانعا ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم
وزاد أيضا على هذا الاختباط فقال : إنما يقدر على فعل ما يعلم أن فيه صلاحا لعباده ولا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا ما ليس فيه صلاحهم
هذا في تعلق قدرته بما يتعلق بأمور الدنيا
وأما أمور الآخرة فقال : لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا ولا على أن ينقص منه شيئا
وكذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة ولا أن يخرج أحدا من أهل الجنة وليس ذلك مقدورا له
وقد ألزم عليه أن يكون الباري تعالى مطبوعا مجبورا على ما يفعله فإن القادر على الحقيقة من يتخير بين الفعل والترك
فأجاب : إن الذي ألزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدورا فلا فرق
وإنما أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة حيث قضوا بأن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا يفعله فما أبدعه وأوجده هو المقدور ولو كان في علمه تعالى ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاما وتركيبا وصلاحا لفعله . ( 1 / 54 )
الثانية : قوله في الإرادة : إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة فإذا وصف بها شرعا في أفعاله فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشؤها على حسب ما علم
وإذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمعني به أنه آمر بها وناه عنها
وعنه أخذ الكعبي مذهبه في الإرادة
الثالثة : قوله : إن أفعال العباد كلها حركات فحسب والسكون حركة اعتماد والعلوم والإرادات حركات النفس
ولم يرد بهذه الحركة حركة النقلة وإنما الحركة عنده مبدأ تغير ما كما قالت الفلاسفة من إثبات حركات في الكيف والكم والوضع والأين والمتى . . . إلى أخواتها
الرابعة : وافقهم أيضا في قولهم : إن الإنسان في الحقيقة هو النفس والروح والبدن آلتها وقالبها
غير أنه تقاصر عن إدراك مذهبهم فمال إلى قول الطبيعيين منهم : إن الروح جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مداخلة المائية في الورد والدهنية في السمسم والسمنية في اللبن
وقال : إن الروح هي التي لها قوة واستطاعة وحياة ومشيئة وهي مستطيعة بنفسها والاستطاعة قبل الفعل
الخامسة : حكى الكعبي عنه أنه قال : إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعا وخلقه خلقة إذا دفعته اندفع وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه طبعا
وله في الجواهر وأحكامها خبط ومذهب يخالف المتكلمين والفلاسفة
السادسة : وافق الفلاسفة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ
وأحدث القول بالطفرة ( 1 / 55 ) لما ألزم مشي نملة على صخرة من طرف إلى طرف أنها قطعت ما لا يتناهى فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى ؟
قال : تقطع بعضها بالمشي وبعضها بالطفرة
وشبه ذلك بحبل شد على خشبة معترضة وسط البئر طوله خمسون ذراعا وعليه دلو معلق وحبل طوله خمسون ذراعا علق عليه معلاق فيجر به الحبل المتوسط فإن الدلو يصل إلى رأس البئر وقد قطع مائة ذراع بحبل طوله خمسون ذراعا في زمان واحد وليس ذلك إلا أن بعض القطع بالطفرة
ولم يعلم أن الطفرة قطع مسافة أيضا موازية لمسافة
فالإلزام لا يندفع عنه وإنما الفرق بين المشي والطفرة يرجع إلى سرعة الزمان وبطئه
السابعة : قال : إن الجواهر مؤلفة من أعراض اجتمعت ووافق هشام بن الحكم في قوله : إن الألوان والطعوم والروائح أجسام فتارة يقضي بكون الأجسام أعراضا وتارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير
الثامنة : من مذهبه أن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا ولم يتقدم خلق آدم عليه السلام خلق أولاده غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض
فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها
وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة وأكثر ميله أبدا إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين
التاسعة : قوله في إعجاز القرآن : إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية ( 1 / 56 ) والآتية ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما
العاشرة : قوله في الإجماع إنه ليس بحجة في الشرع وكذلك القياس في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم
الحادية عشرة : ميله إلى الرفض ووقيعته في كبار الصحابة . قال : أولا : لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهرا مكشوفا
وقد نص النبي صلى الله عليه و سلم على علي رضي الله عنه في مواضع وأظهر إظهارا لم يشتبه على الجماعة إلا أن عمر كتم ذلك وهو الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة ونسبه إلى الشك يوم الحديبية في سؤاله الرسول عليه الصلاة و السلام حين قال : ألسنا على حق ؟ أليسوا على الباطل ؟ قال : نعم . قال عمر : فلم نعطي الدنية في ديننا ؟
قال هذا شك وتردد في الدين ووجدان حرج في النفس مما قضى وحكم
وزاد في الفرية فقال : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح : احرقوا دارها بمن فيها وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين
وقال : تغريبه نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة وإبداعه التراويح ونهيه عن متعة الحج ومصادرته العمال كل ذلك أحداث
ثم وقع في أمير المؤمنين عثمان وذكر أحداثه من رده الحكم بن أمية إلى المدينة وهو طريد رسول الله عليه الصلاة و السلام ونفيه أبا ذر إلى الربذة وهو صديق رسول الله وتقليده الوليد بن عقبة الكوفة وهو من أفسد الناس ومعاوية الشام وعبد الله بن عامر البصرة . وتزويجه مروان بن الحكم ابنته وهم أفسدوا عليه أمره . وضربه عبد الله بن مسعود على إحضار المصحف وعلى القول الذي شاقه به كل ذلك أحداثه
ثم زاد على خزيه ذلك بأن عاب عليا وعبد الله بن مسعود لقولهما : أقول فيها برأيي
وكذب ابن مسعود في روايته : ( السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي ( 1 / 57 ) في بطن أمه ) وفي روايته انشقاق القمر وفي تشبيهه الجن بالبط
وقد أنكر الجن رأسا إلى غير ذلك من الوقيعة الفاحشة في الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
الثانية عشرة : قوله في المفكر قبل ورود السمع أنه إذا كان عاقلا متمكنا من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال
وقال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعال
وقال لا بد من خاطرين :
أحدهما : يأمر بالإقدام
والآخر : بالكف ليصح الاختيار
الثالثة عشرة : قد تكلم في مسائل الوعد والوعيد وزعم أن من خان في مائة وتسعة وتسعين درهما بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك حتى تبلغ خيانته نصاب الزكاة وهو مائتا درهم فصاعدا فحينئذ يفسق وكذلك في سائر نصب الزكاة
وقال في المعاد : إن الفضل على الأطفال كالفضل على البهائم
ووافقه الأسواري في جميع ما ذهب إليه وزاد عليه بأن قال : إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على ما علم أنه لا يفعله ولا على ما أخبر أنه لا يفعله مع أن الإنسان قادر على ذلك لأن قدرة العبد صالحة للضدين
ومن المعلوم أن أحد الضدين واقع في المعلوم أنه سيوجد دون الثاني
والخطاب لا ينقطع عن أبي لهب وإن أخبر الرب تعالى بأنه سيصلى نارا ذات لهب
ووافقه أبو جعفر الإسكافي وأصحابه من المعتزلة وزاد عليه بأن قال : إن الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء وإنما يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال والمجانين . ( 1 / 58 )
وكذلك الجعفران : جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وافقاه وما زادا عليه إلا أن جعفر بن مبشر قال : في فساق الأمة من هو شر من الزنادقة والمجوس
وزعم أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ إذ المعتبر في الحدود النص والتوقيف
وزعم أن سارق الحبة الواحدة فاسق منخلع من الإيمان
وكان محمد بن شبيب وأبو شمر وموسى بن عمران من أصحاب النظام إلا أنهم خالفوه في الوعيد وفي المنزلة بين المنزلتين وقالوا : صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان إلا بمجرد ارتكاب الكبيرة
وكان ابن مبشر يقول في الوعيد : إن استحقاق العقاب والخلود في النار بالكفر يعرف قبل ورود السمع وسائر أصحابه يقولون : التخليد لا يعرف إلا بالسمع
ومن أصحاب النظام : الفضل الحدثي وأحمد بن خابط
قال الرواندي : إنهما كانا يزعمان أن للخلق خالقين :
أحدهما : قديم وهو الباري تعالى
والثاني : محدث وهو المسيح عليه السلام لقوله تعالى : ( إذ تخلق من الطين كهيئة الطير )
وكذبه الكعبي في رواية الحدثي خاصة لحسن اعتقاده فيه . ( 1 / 59 )

(1/52)


4 - الخابطية والحدثية

(1/59)


الخابطية : أصحاب أحمد بن خابط وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي كانا من أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة أيضا وضما إلى مذهب النظام ثلاث بدع :
البدعة الأولى : إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح عليه السلام موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة وهو المراد بقوله تعالى : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام وهو المعني بقوله تعالى : ( أو يأتي ربك ) وهو المراد بقول النبي عليه الصلاة و السلام : ( إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ) وبقوله : ( يضع الجبار قدمه في النار )
وزعم أحمد بن خابط أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو الكلمة القديمة المتجسدة كما قالت النصارى . ( 1 / 60 )
البدعة الثانية : القول بالتناسخ زعما أن الله تعالى أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم وخلق فيهم معرفته والعلم به وأسبغ عليهم نعمه
ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا وابتدأهم بتكليف شكره :
فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به
وعصاه بعضهم في جميع ذلك . ( 1 / 61 )
وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض
فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها
ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار
ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا فألبسه هذه الأجسام الكثيفة وابتلاه بالبأساء والضراء والشدة والرخاء والآلام واللذات على صور مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم :
فمن كانت معصيته أقل وطاعته أكثر كانت صورته أحسن وآلامه أقل
ومن كانت ذنوبه أكثر كانت صورته أقبح وآلامه أكثر ثم لا يزال يكون الحيوان في الدنيا كرة بعد كرة وصورة بعد أخرى ما دامت معه ذنوبه وطاعته وهذا عين القول بالتناسخ
وكان في زمانهما شيخ المعتزلة أحمد بن أيوب بن مانوس وهو أيضا من تلامذة النظام
وقال أيضا مثلما قال أحمد بن خابط في التناسخ وخلق البرية دفعة واحدة إلا أنه قال : متى ما صارت النوبة إلى البهيمية ارتفعت التكاليف ومتى ما صارت النوبة إلى رتبة النبوة والملك ارتفعت التكاليف أيضا وصارت النوبتان عالم الجزاء
ومن مذهبهما أن الديار خمس :
داران للثواب :
إحداهما : فيها أكل وشرب وبعال وجنات وأنهار
والثانية : دار فوق هذه الدار ليس فيها أكل ولا شرب ولا بعال بل ملاذ روحانية وروح وريحان غير جسمانية
والثالثة : دار العقاب المحض وهي نار جهنم ليس فيها ترتيب بل هي على نمط التساوي
والرابعة : دار الابتداء التي خلق الخلق فيها قبل أن يهبطوا إلى دار الدنيا وهي الجنة الأولى
والخامسة : دار الابتلاء وهي التي كلف الخلق فيها بعد أن اجترحوا في الأولى
وهذا التكوين والتكرير لا يزال في الدنيا حتى يمتلئ المكيالان : مكيال الخير ( 1 / 62 ) ومكيال الشر
فإذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة والمطيع خيرا خالصا فينقل إلى الجنة ولم يلبث طرفة عين فإن مطل الغني ظلم وفي الحديث : ( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه )
وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية والعاصي شريرا محضا فينقل إلى النار ولم يلبث طرفة عين وذلك قوله تعالى : ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون )
البدعة الثالثة : حملهما كل ما ورد في الخبر من رؤية الباري تعالى مثل قوله عليه الصلاة و السلام : ( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ) على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات وإياه عنى النبي عليه الصلاة و السلام بقوله : ( أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له : أقبل فأقبل . ثم قال له : أدبر فأدبر . فقال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك بك أعز وبك أذل وبك أعطي وبك أمنع )
فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه فيرونه كمثل القمر ليلة البدر
فأما واهب العقل فلا يرى البتة ولا يشبه إلا مبدع بمبدع
وقال ابن خابط : إن كل نوع من أنواع الحيوانات أمة على حيالها لقوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم )
وفي كل أمة رسول من نوعه لقوله تعالى : ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير )
ولهما طريقة أخرى في التناسخ وكأنهما مزجا كلام التناسخية والفلاسفة والمعتزلة بعضها ببعض . ( 1 / 63 )

(1/59)


5 - البشرية

(1/63)


أصحاب بشر بن المعتمر كان من أفضل علماء المعتزلة وهو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه
وانفرد عن أصحابه بمسائل ست :
الأولى منها : أنه زعم أن اللون والطعم والرائحة والإدراكات كلها من السمع والرؤية يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد إذا كانت أسبابها من فعله
وإنما أخذ هذا من قول الطبيعيين إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر بالقدرة . وربما لا يثبتون القدرة على منهاج المتكلمين . وقوة الفعل وقوة الانفعال غير القدرة التي يثبتها المتكلم
وإنما أخذ هذا من قول الطبيعيين إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر بالقدرة وربما لا يثبتون القدرة على نتهاج المتكلمين وقوة الفعل وقوة الانفعال غير القدرة التي يثبتها المتكلم
الثانية : قوله إن الاستطاعة هي سلامة البنية وصحة الجوارح وتخليتها من الآفات
وقال : لا أقول يفعل بها في الحالة الأولى ولا في الحالة الثانية لكني أقول : الإنسان يفعل والفعل لا يكون إلا في الثانية
الثالثة : قوله : إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل ولو فعل ذلك كان ظالما إياه إلا أنه لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه بل يقال : لو فعل ذلك كان الطفل بالغا عاقلا عاصيا بمعصية ارتكبها مستحقا للعقاب
وهذا كلام متناقض
الرابعة : حكى الكعبي عنه أنه قال : إرادة الله تعالى فعل من أفعاله وهي على وجهين : صفة ذات وصفة فعل
فأما صفة الذات : فهي أن الله تعالى لم يزل مريدا لجميع أفعاله ولجميع الطاعات من عباده فإنه حكيم ولا يجوز أن يعلم الحكيم صلاحا وخيرا ولا يريده
وأما صفة الفعل :
فإن أراد بها فعل نفسه في حال إحداثه فهي خلقة له وهي ( 1 / 64 ) قبل الخلق لأن ما به يكون الشيء لا يجوز أن يكون معه
وإن أراد بها فعل عباده فهي الأمر به
الخامسة : قال : إن عند الله تعالى لطفا لو أتى به لآمن جميع من في الأرض إيمانا يستحقون عليه الثواب استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده وأكثر منه وليس على الله تعالى أن يفعل ذلك بعباده ولا يجب عليه رعاية الأصلح لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح فما من أصلح إلا وفوقه أصلح وإنما عليه أن يمكن العبد بالقدرة والاستطاعة ويزيح العلل بالدعوة والرسالة والمفكر قبل ورود السمع يعلم الباري تعالى بالنظر والاستدلال وإذا كان مختارا في فعله فيستغني عن الخاطرين لأن الخاطرين لا يكونان من قبل الله تعالى وإنما هما من قبل الشيطان والمفكر الأول لم يتقدمه شيطان يخطر الشك بباله ولو تقدم فالكلام في الشيطان كالكلام فيه
السادسة : قال : من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى فإنه قبل توبته بشرط أن لا يعود

(1/63)


6 - المعمرية

(1/64)


أصحاب معمر بن عباد السلمي وهو من أعظم القدرية فرية في تدقيق القول ( 1 / 65 ) بنفي الصفات ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى والتكفير والتضليل على ذلك
وانفرد عن أصحابه بمسائل :
منها : أنه قال : إن الله تعالى لم يخلق شيئا غير الأجسام فأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام :
إما طبعا : كالنار التي تحدث الإحراق والشمس التي تحدث الحرارة والقمر الذي يحدث التلوين
وإما اختيارا : كالحيوان يحدث الحركة والسكون والاجتماع والافتراق
ومن العجب أن حدوث الجسم وفناءه عنده عرضان فكيف يقول إنهما من فعل الأجسام ؟
وإذا لم يحدث الباري تعالى عرضا فلم يحدث الجسم فناءه فإن الحدوث عرض ؟ فيلزمه أن لا يكون لله تعالى فعل أصلا
ثم ألزم أن كلام الباري تعالى إما عرض أو جسم :
فإن قال : هو عرض فقد أحدثه الباري فإن المتكلم على أصله هو من فعل الكلام
أو يلزمه أن لا يكون لله تعالى كلام هو العرض
وإن قال : هو جسم فقد أبطل ( 1 / 66 ) قوله إنه أحدثه في محل فإن الجسم لا يقوم بالجسم فإذا لم يقل هو بإثبات الصفات الأزلية ولا قال بخلق الأعراض فلا يكون لله تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه وإذا لم يكن له كلام لم يكن آمرا ناهيا وإذا لم يكن أمر ونهي لم تكن شريعة أصلا فأدى مذهبه إلى خزي عظيم
ومنها : أنه قال : إن الأعراض لا تتناهى في كل نوع
وقال : كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام وذلك يؤدي إلى التسلسل وعن هذه المسألة سمي هو وأصحابه أصحاب المعاني
وزاد على ذلك فقال : الحركة إنما خالفت السكون لا بذاتها بل بمعنى أوجب المخالفة وكذلك مغايرة المثل المثل ومماثلته وتضاد الضد الضد كل ذلك عنده بمعنى
ومنها : ما حكى الكعبي عنه أن الإرادة من الله تعالى للشيء غير الله وغير خلقه للشيء وغير الأمر والإخبار والحكم فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف
وقال : ليس للإنسان فعل سوى الإرادة مباشرة كانت أو توليدا وأفعاله التكليفية من القيام والقعود والحركة والسكون في الخير والشر كلها مستندة إلى إرادته لا على طريق المباشرة ولا على طريق التوليد وهذا عجب غير أنه إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان
وعنده الإنسان معنى أو جوهر غير الجسد وهو عالم قادر مختار حكيم ليس بمتحرك ولا ساكن ولا متكون ولا متمكن ولا يرى ولا يمس ولا يحس ولا يجس ولا يحل موضعا دون موضع ولا يحويه مكان ولا يحصره زمان لكنه مدبر للجسد وعلاقته مع البدن علاقة التدبير والتصرف
وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمرا ما هو جوهر قائم بنفسه . لا متحيز ولا متمكن وأثبتوا من جنس ذلك موجودات عقلية مثل العقول المفارقة
ثم لما كان ميل معمر بن عباد إلى مذهب الفلاسفة ميز بين أفعال النفس التي سماها إنسانا وبين القالب الذي هو جسده فقال : فعل النفس هو الإرادة فحسب والنفس إنسان ( 1 / 67 ) ففعل الإنسان هو الإرادة وما سوى ذلك من الحركات والسكنات والاعتمادات فهي من فعل الجسد
ومنها : أنه يحكى عنه أنه كان ينكر القول بأن الله تعالى قديم لأن قديم أخذ من قدم يقدم فهو قديم وهو فعل كقولك أخذ منه ما قدم وما حدث
وقال أيضا : هو يشعر بالتقادم الزماني ووجود الباري تعالى ليس بزماني
ويحكى عنه أيضا أنه قال : الخلق غير المخلوق والإحداث غير المحدث
وحكى جعفر بن حرب عنه أنه قال : إن الله تعالى محال أن يعلم نفسه لأنه يؤدي إلى ألا يكون العالم والمعلوم واحدا ومحال أن يعلم غيره كما يقال : محال أن يقدر على الموجود من حيث هو موجود ولعل هذا النقل فيه خلل فإن عاقلا ما لا يتكلم بمثل هذا الكلام الغير معقول
لعمري لما كان الرجل يميل إلى الفلاسفة ومن مذهبهم : أنه ليس علم الباري تعالى علما انفعاليا أي تابعا للمعلوم بل علمه علم فعلي فهو من حيث هو فاعل عالم وعلمه هو الذي أوجب الفعل وإنما يتعلق بالموجود حال حدوثه لا محالة ولا يجوز تعلقه بالمعدوم على استمرار عدمه وأنه علم وعقل وكونه عقلا وعاقلا ومعقولا شيء واحد
فقال ابن عباد : لا يقال :
يعلم نفسه لأنه قد يؤدي إلى تمايز بين العالم والمعلوم
ولا يعلم غيره لأنه يؤدي إلى كون علمه من غيره يحصل فإما أن لا يصح النقل وإما أن يحمل على مثل هذا المحمل ولسنا من رجال ابن عباد فنطلب لكلامه وجها

(1/64)


7 - المزدارية

(1/67)


أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمزدار . وقد تلمذ ( 1 / 68 ) لبشر بن المعتمر وأخذ العلم منه وتزهد ويسمى راهب المعتزلة
وإنما انفرد عن أصحابه بمسائل :
الأولى منها : قوله في القدر : إن الله تعالى يقدر على أن يكذب و يظلم ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما تعالى الله عن قوله
والثانية : قوله في التولد مثل قول أستاذه وزاد عليه بأن جوز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد
الثالثة : قوله في القرآن : إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة
وهو الذي بالغ في القول بخلق القرآن وكفر من قال بقدمه بأنه قد أثبت قديمين
وكفر أيضا من لابس السلطان وزعم أنه لا يرث ولا يورث
وكفر أيضا من قال : إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى ومن قال : إنه يرى بالأبصار
وغلا في التفكير حتى قال : هم كافرون في قولهم : لا إله إلا الله
وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعا فكفرهم فأقبل عليه إبراهيم وقال : الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك ؟ فخزي ولم يحر جوابا
وقد تلمذ له أيضا الجعفران وأبو زفر ومحمد بن سويد
وصحب أبو جعفر ( 1 / 69 ) محمد بن عبد الله الإسكافي وعيسى بن الهيثم وجعفر بن حرب الأشج
وحكى الكعبي عن الجعفرين أنهما قالا : إن الله تعالى خلق القرآن في اللوح المحفوظ ولا يجوز أن ينقل إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ وذلك فعلنا وخلقنا
قال : وهو الذي اختاره من الأقوال المختلفة في القرآن
وقال في تحسين العقل وتقبيحه : إن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع
وعليه يعلم أنه إن قصر ولم يعرفه ولم يشكره عاقبة عقوبة دائمة فأثبتنا التخليد واجبا بالعقل

(1/67)


8 - الثمامية

(1/69)


أصحاب ثمامة بن أشرس النميري كان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين
وانفرد عن أصحابه بمسائل : ( 1 / 70 )
منها : قوله : إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها إذ لم يمكنه إضافتها إلى فاعل أسبابها
حتى يلزمه أن يضيف الفعل إلى ميت مثل ما إذا فعل السبب ومات ووجد المتولد بعده ولم يمكنه إضافتها إلى الله تعالى لأنه يؤدي إلى فعل القبيح وذلك محال فتحير فيه وقال : المتولدات أفعال لا فاعل لها
ومنها : قوله في الكفار والمشركين والمجوس واليهود والنصارى والزنادقة والدهرية : إنهم يصيرون في القيامة ترابا
وكذلك قوله في البهائم والطيور وأطفال المؤمنين
ومنها : قوله : الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح وتخليتها من الآفات وهي قبل الفعل
ومنها قوله : إن المعرفة متولدة من النظر وهو فعل لا فاعل له كسائر المتولدات
ومنها : قوله في تحسين العقل وتقبيحه وإيجاب المعرفة قبل ورود السمع مثل قول أصحابه غير أنه زاد عليهم فقال : من الكفار من لا يعلم خالقه وهو معذور
وقال : إن المعارف كلها ضرورية وإن من لم يضطر إلى معرفة الله سبحانه وتعالى فليس هو مأمورا بها وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان
ومنها : قوله : لا فعل للإنسان إلا الإرادة وما عداها فهو حدث لا محدث له
وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال : العالم فعل الله تعالى بطباعه
ولعله أراد بذلك ما تريده الفلاسفة من الإيجاب بالذات دون الإيجاد على مقتضى الإرادة لكن يلزمه على اعتقاده ذلك ما لزم الفلاسفة من القول بقدم العالم إذ الموجب لا ينفك عن الموجب
وكان ثمامة في أيام المأمون وكان عنده بمكان . ( 1 / 71 )

(1/69)


9 - الهشامية

(1/71)


أصحاب هشام بن عمرو الفوطي ومبالغته في القدر أشد وأكثر من مبالغة أصحابه
وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري تعالى وإن ورد بها التنزيل
منها : قوله : إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين بل هم المؤتلفون باختيارهم وقد ورد في التنزيل : ( ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم )
ومنها : قوله : إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين ولا يزينه في قلوبهم وقد قال تعالى : ( حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم )
ومبالغته في نفي إضافات الطبع والختم والسد وأمثالها أشد وأصعب وقد ورد بجميعها التنزيل
قال الله تعالى : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم )
وقال : ( بل طبع الله عليها بكفرهم )
وقال : ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا )
وليت شعري ما يعتقده الرجل ؟
إنكار ألفاظ التنزيل وكونها وحيا من الله تعالى ؟ فيكون تصريحا بالكفر
أو إنكار ظواهرها من نسبتها إلى الباري تعالى ووجوب تأويلها ؟ وذلك عين مذهب أصحابه
ومن بدعه في الدلالة على الباري تعالى قوله : إن الأعراض لا تدل على كونه خالقا ولا تصلح الأعراض دلالات بل الأجسام تدل على كونه خالقا وهذا أيضا عجب
ومن بدعه في الإمامة قوله : إنها لا تنعقد في أيام الفتنة واختلاف الناس وإنما يجوز عقدها في حال الاتفاق والسلامة
وكذلك أبو بكر الأصم من أصحابه كان يقول : الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم
وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة علي رضي الله ( 1 / 72 ) عنه إذ كانت البيعة في أيام الفتنة من غير اتفاق من جميع الصحابة إذ بقي في كل طرف طائفة على خلافه
ومن بدعه أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن إذ لا فائدة في وجودهما وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما
وبقيت هذه المسألة منه اعتقادا للمعتزلة
وكان يقول بالموافاة وأن الإيمان هو الذي يوافي الموت
وقال : من أطاع الله جميع عمره وقد علم الله أنه يأتي بما يحبط أعماله ولو بكبيرة لم يكن مستحقا للوعد وكذلك على العكس
وصاحبه عباد من المعتزلة وكان يمتنع من إطلاق القول بأن الله تعالى خلق الكافر لأن الكافر : كفر وإنسان والله تعالى لا يخلق الكفر
وقال : النبوة جزاء على عمل وأنها باقية ما بقيت الدنيا
وحكى الأشعري عن عباد أنه زعم أنه لا يقال : إن الله تعالى ( 1 / 73 ) لم يزل قائلا ولا غير قائل ووافقه الإسكافي على ذلك قال : ولا يسمى متكلما
وكان الفوطي يقول : إن الأشياء قبل كونها معدومة ليست أشياء وهي بعد أن تعدم عن وجود تسمى أشياء
ولهذا المعنى كان يمنع القول بأن الله تعالى قد كان لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها فإنها لا تسمى أشياء
قال : وكان يجوز القتل والغيلة على المخالفين لمذهبه وأخذ أموالهم غصبا وسرقة لاعتقاده كفرهم واستباحة دمائهم وأموالهم . ( 1 / 74 )

(1/71)


10 - الجاحظية

(1/74)


أصحاب عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ كان من فضلاء المعتزلة والمصنفين لهم
وقد طالع الكثير من كتب الفلاسفة وخلط وروج كثيرا من مقالاتهم بعباراته البليغة وحسن براعته اللطيفة
وكان في أيام المعتصم والمتوكل
وانفرد عن أصحابه بمسائل :
منها : قوله : إن المعارف كلها ضرورية طباع وليس شيء من ذلك من أفعال العباد . وليس للعبد كسب سوى الإرادة وتحصل أفعاله منه طباعا كما قال ثمامة
ونقل عنه أيضا أنه أنكر أصل الإرادة وكونها جنسا من الأعراض فقال : إذا انتفى السهو عن الفاعل وكان عالما بما يفعله فهو المريد على التحقيق وأما الإرادة المتعلقة بفعل الغير فهو ميل النفس إليه وزاد على ذلك بإثبات الطبائع للأجسام كما قال الطبيعيون من الفلاسفة وأثبت لها أفعالا مخصوصة بها
وقال باستحالة عدم الجواهر فالأعراض تتبدل والجواهر لا يجوز أن تفنى
ومنها : قوله في أهل النار : إنهم لا يخلدون فيها عذابا بل يصيرون إلى طبيعة النار
وكان يقول : النار تجذب أهلها إلى نفسها من غير أن يدخل أحد فيها
ومذهبه مذهب الفلاسفة في نفي الصفات
وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد مذهب المعتزلة
وحكى الكعبي عنه أنه قال : يوصف الباري تعالى بأنه مريد بمعنى أنه لا يصح عليه السهو في أفعاله ولا الجهل ولا يجوز أن يغلب ويقهر
وقال : إن الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله تعالى خالقهم وعارفون بأنهم محتاجون إلى النبي وهم محجوجون بمعرفتهم
ثم هم صنفان : عالم بالتوحيد وجاهل به
فالجاهل معذور والعالم محجوج
ومن انتحل دين الإسلام فإن اعتقد أن الله تعالى ليس بجسم ولا صورة ولا يرى بالأبصار وهو عدل لا يجور ولا يريد المعاصي وبعد ( 1 / 75 ) الاعتقاد واليقين أقر بذلك كله فهو مسلم حقا وإن عرف ذلك كله ثم جحده وأنكره
وقال بالتشبيه والجبر فهو مشرك كافر حقا وإن لم ينظر في شيء من ذلك كله واعتقد أن الله تعالى ربه وأن محمدا رسول الله فهو مؤمن لا لوم عليه ولا تكليف عليه غير ذلك
وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال : إن للقرآن جسدا يجوز أن يقلب مرة رجلا ومرة حيوانا
وهذا مثل ما يحكى عن أبي بكر الأصم أنه زعم أن القرآن جسم مخلوق
وأنكر الأعراض أصلا
وأنكر صفات الباري تعالى
ومذهب الجاحظ هو بعينه مذهب الفلاسفة إلا أن الميل منه ومن أصحابه إلى الطبيعيين منهم أكثر منه إلى الإلهيين

(1/74)


11 - الخياطية والكعبية

(1/75)


أصحاب أبي الحسين بن أبي عمرو الخياط أستاذ أبي القاسم بن محمد ( 1 / 76 ) الكعبي وهما من معتزلة بغداد على مذهب واحد إلا أن الخياط غالى في إثبات المعدوم شيئا وقال : الشيء ما يعلم ويخبر عنه والجوهر جوهر في العدم والعرض عرض في العدم
وكذلك أطلق جميع الأجناس والأصناف حتى قال : السواد سواد ( 1 / 77 ) في العدم فلم يبقى إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت
وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه
وكذا القول في القدر والسمع والعقل
وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل :
منها : قوله : إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته ولا هو مريد لذاته ولا إرادته حادثة في محل أو لا في محل بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم قادر غير مكره في فعله ولا كاره
ثم إذا قيل : هو مريد لأفعاله فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه
وإذا قيل : هو مريد لأفعال عباده فالمراد به أنه آمر بها راض عنها
وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا فهو سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات
وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة غير أن أصحابه قالوا : يرى الباري تعالى ذاته ويرى المرئيات وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما وقد أنكر الكعبي ذلك
قال : معنى قولنا : يرى ذاته ويرى المرئيات : أنه عالم بها فقط

(1/75)


12 - الجبائية والبهشمية

(1/77)


أصحاب أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي وابنه أبي هاشم ( 1 / 78 ) عبد السلام وهما من معتزلة البصرة
انفردا عن أصحابهما بمسائل وانفرد أحدهما ( 1 / 79 ) عن صاحبه بمسائل
أما المسائل التي انفردا بها عن أصحابهما :
فمنها : أنهما أثبتا إرادات حادثة لا في محل يكون الباري تعالى بها موصوفا مريدا
وتعظيما لا في محل إذا أراد أن يعظم ذاته
وفناء لا في محل إذا أراد أن يفني العالم
وأخص أوصاف هذه الصفات يرجع إليه من حيث إنه تعالى أيضا لا في محل
وإثبات موجودات هي أعراض أو في حكم الأعراض لا محل لها كإثبات موجودات هي جواهر أو في حكم الجواهر لا مكان لها وذلك قريب من مذهب الفلاسفة حيث أثبتوا عقلا هو جوهر لا في محل ولا في مكان وكذلك النفس الكلية والعقول المفارقة
ومنها : أنهما حكما بكونه تعالى متكلما بكلام يخلقه في محل وحقيقة الكلام عندهما أصوات مقطعة وحروف منظومة والمتكلم من فعل الكلام لا من قام به ( 1 / 80 ) الكلام إلا أن الجبائي خالف أصحابه خصوصا بقوله : يحدث الله تعالى عند قراءة كل قارئ كلاما لنفسه في محل القراءة وذلك حين ألزم أن الذي يقرؤه القارئ ليس بكلام الله . والمسموع منه ليس من كلام الله فالتزم هذا المحال من إثبات أمر غير معقول ولا مسموع وهو إثبات كلامين في محل واحد
واتفقا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار
وعلى القول بإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا
وإضافة الخير والشر والطاعة والمعصية إليه استقلالا واستبدادا
وأن الاستطاعة قبل الفعل وهي قدرة زائدة على سلامة البنية وصحة الجوارح
وأثبتا البنية شرطا في قيام المعاني التي يشترط في ثبوتها الحياة
واتفقا على أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية
وأثبتا شريعة عقلية وردا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر وبمقتضى العقل والحكمة يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي إلا أن التأقيت والتخليد فيه يعرف بالسمع
والإيمان عندهما اسم مدح وهو عبارة عن خصال الخير التي إذا اجتمعت في شخص سمي بها مؤمنا ومن ارتكب كبيرة فهو في الحال يسمى فاسقا لا مؤمنا ولا كافر وإن لم يتب ومات عليها فهو مخلد في النار
واتفقا على أن الله تعالى لم يدخر عن عباده شيئا مما علم أنه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصلح واللطف لأنه قادر عالم جواد حكيم لا يضره الإعطاء ولا ينقص من خزائنه المنح ولا يزيد في ملكه الادخار وليس الأصلح هو الألذ بل هو الأعود في العاقبة والأصوب في العاجلة وإن كان ذلك مؤلما مكروها وذلك كالحجامة والفصد وشرب الأدوية
ولا يقال : إنه تعالى يقدر على شيء هو أصلح مما فعله بعبده والتكاليف كلها ألطاف وبعثة الأنبياء وشرع الشرائع وتمهيد الأحكام والتنبيه على الطريق الأصوب كلها ألطاف . ( 1 / 81 )
ومما تخالفا فيه :
أما في صفات الباري تعالى :
فقال الجبائي : الباري تعالى عالم لذاته قادر حي لذاته ومعنى قوله : لذاته أي لا يقتضي كونه عالما صفة هي علم أو حال توجب كونه عالما
وعند أبي هاشم : هو عالم لذاته بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها فأثبت أحوالا هي صفات لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة أي هي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات
قال : والعقل يدرك فرقا ضروريا بين معرفة الشيء مطلقا وبين معرفته على صفة فليس من عرف الذات عرف كونه عالما ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيزا قابلا للعرض
ولا شك أن الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية وافتراقها في قضية
وبالضرورة يعلم أن ما اشتركت فيه غير ما افترقت به
وهذه القضايا العقلية لا ينكرها عاقل وهي لا ترجع إلى الذات ولا إلى أعراض وراء الذات فإنه يؤدي إلى قيام العرض بالعرض فتعين بالضرورة أنها أحوال فكون العالم عالما حال هي صفة وراء كونه ذاتا أي المفهوم منها غير المفهوم من الذات وكذلك كونه قادرا حيا
ثم أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال
وخالفه والده وسائر منكري الأحوال في ذلك وردوا الاشتراك والافتراق إلى الألفاظ وأسماء الأجناس وقالوا : أليست الأحوال تشترك في كونها أحوالا وتفترق في خصائص ؟ كذلك نقول في الصفات وإلا فيؤدي إلى إثبات الحال للحال ويفضي إلى التسلسل بل هي راجعة :
إما إلى مجرد الألفاظ إذا وضعت في الأصل على وجه يشترك فيها الكثير لا أن مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات على وجه يشمل أشياء ويشترك فيها الكثير فإن ذلك مستحيل
أو يرجع ذلك إلى وجوه واعتبارات عقلية هي المفهومة من قضايا الاشتراك والافتراق وتلك الوجوه : كالنسب والإضافات والقرب والبعد وغير ذلك مما لا يعد صفات بالاتفاق
وهذا هو اختيار أبي الحسين البصري وأبي الحسن الأشعري ( 1 / 82 ) ورتبوا على هذه المسألة : مسألة أن المعدوم شيء فمن يثبت كونه شيئا - كما نقلنا عن جماعة من المعتزلة - فلا يبقى من صفات الثبوت إلا كونه موجودا فعلى ذلك لا يثبت للقدرة في إيجادها أثرا ما سوى الوجود والوجود :
على مذهب نفاة الأحوال لا يرجع إلا إلى اللفظ المجرد
وعلى مذهب مثبتي الأحوال هو حالة لا توصف بالوجود ولا بالعدم وهذا كما ترى من التناقض والاستحالة
ومن نفاة الأحوال من يثبته شيئا ولا يسميه بصفات الأجناس
وعند الجبائي أخص وصف الباري تعالى هو القدم والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم
وليت شعري كيف يمكنه إثبات الاشتراك والافتراق والعموم والخصوص حقيقة وهو من نفاة الأحوال ؟
فأما على مذهب أبي هاشم فلعمري هو مطرد غير أن القدم إذا بحث عن حقيقته رجع إلى نفي الأولية والنفي يستحيل أن يكون أخص وصف الباري
واختلفا في كونه سميعا بصيرا :
فقال الجبائي : معنى كونه سميعا بصيرا أنه حي لا آفة به
وخالفه ابنه وسائر أصحابه :
أما ابنه فصار إلى كونه سميعا حال وكونه بصيرا حال وكونه بصيرا حال سوى كونه عالما لاختلاف القضيتين والمفهومين والمتعلقين والأثرين
وقال غيره من أصحابه : معناه كونه مدركا للمبصرات مدركا للمسموعات
واختلفا أيضا في بعض مسائل اللطف :
فقال الجبائي : فيمن يعلم الباري تعالى من حاله أنه لو آمن مع اللطف لكان ثوابه أقل لقلة مشقته ولو آمن بلا لطف لكان ثوابه أكثر لكثرة مشقته أنه لا يحسن منه أن يكلفه إلا مع اللطف ويسوي بينه وبين من المعلوم من حاله أنه لا يفعل الطاعة على كل وجه إلا مع اللطف ويقول : إذ لو كلفه مع عدم اللطف لوجب أن يكون مستفسدا حاله غير مزيح لعلته
ويخالفه أبو هاشم في بعض المواضع في هذه المسألة قال : يحسن منه تعالى أن يكلفه ( 1 / 83 ) الإيمان على أشق الوجهين بلا لطف . واختلفا في فعل الألم للعوض :
فقال الجبائي : يجوز ذلك ابتداء لأجل العوض وعليه بنى آلام الأطفال
وقال ابنه : إنما يحسن ذلك بشرط العوض والاعتبار جميعا
وتفصيل مذهب الجبائي في الأعواض على وجهين :
أحدهما : أنه يقول : يجوز التفضل بمثل الأعواض غير أنه تعالى علم أنه لا ينفعه عوض إلا على ألم متقدم
والوجه الثاني : هو أنه إنما يحسن ذلك لأن العوض مستحق والتفضل غير مستحق والثواب عندهم ينفصل عن التفضل بأمرين
أحدهما : تعظيم وإجلال للمثاب يقترن بالنعيم
والثاني : قدر زائد على التفضل فلم يجب إذا أجرى العوض مجرى الثواب لأنه لا يتميز عن التفضل بزيادة مقدار ولا بزيادة صفة
وقال ابنه : يحسن الابتداء بمثل العوض تفضلا والعوض منقطع غير دائم
وقال الجبائي : يجوز أن يقع الانتصاف من الله تعالى للمظلوم من الظالم بأعواض يتفضل بها عليه إذا لم يكن للظالم على الله عوض لشيء ضره به
وزعم أبو هاشم أن التفضل لا يقع به انتصاف لأن التفضل ليس يجب عليه فعله
وقال الجبائي وابنه : لا يجب على الله شيء لعباده في الدنيا إذا لم يكلفهم عقلا وشرعا
فأما إذا كلفهم فعل الواجب في عقولهم واجتناب القبائح وخلق فيهم الشهوة للقبيح والنفور من الحسن وركب فيهم الأخلاق الذميمة فإنه يجب عليه عند هذا التكليف إكمال العقل ونصب الأدلة والقدرة والاستطاعة وتهيئة الآلة بحيث يكون مزيحا لعللهم فيما أمرهم ويجب عليه أن يفعل بهم أدعى الأمور إلى فعل ما كلفهم به وأزجر الأشياء لهم عن فعل القبيح الذي نهاهم عنه
ولهم في مسائل هذا الباب خبط طويل
وأما كلام جميع المعتزلة البغداديين في النبوة والإمامة فيخالف كلام البصريين
فإن من شيوخهم من يميل إلى الروافض ومنهم من يميل إلى الخوارج
والجبائي وأبو هاشم قد وافقا أهل السنة في الإمامة وأنها بالاختيار وأن الصحابة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة غير أنهم ينكرون الكرامات أصلا للأولياء من ( 1 / 84 ) الصحابة وغيرهم
ويبالغون في عصمة الأنبياء عليهم السلام عن الذنوب كبائرها وصغائرها حتى منع الجبائي القصد إلى الذنب إلا على تأويل
والمتأخرون من المعتزلة - مثل القاضي عبد الجبار وغيره - انتهجوا طريقة أبي هاشم
وخالفه في ذلك أبو الحسين البصري وتصفح أدلة الشيوخ واعترض على ذلك بالتزييف والإبطال وانفرد عنهم بمسائل :
منها : نفي الحال
ومنها : نفي المعدوم شيئا
ومنها : نفي الألوان أعراضا
ومنها : قوله : إن الموجودات تتمايز بأعيانها وذلك من توابع نفي الحال
ومنها : رده الصفات كلها إلى كون الباري تعالى عالما قادرا مدركا
وله ميل إلى مذهب هشام بن الحكم في أن الأشياء لا تعلم قبل كونها
والرجل فلسفي المذهب إلا أنه روج كلامه على المعتزلة في معرض الكلام فراج عليهم لقلة معرفتهم بمسالك المذهب

(1/77)


الفصل الثاني : الجبرية

(1/84)


الجبر : هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى
والجبرية أصناف :
فالجبرية الخالصة : هي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا
والجبرية المتوسطة : هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا
فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثرا ما في الفعل وسمي ذلك كسبا فليس بجبري
والمعتزلة يسمون من لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا في الإبداع والإحداث استقلالا جبريا . ويلزمهم أن يسموا من قال من أصحابهم بأن المتولدات أفعال لا فاعل لها جبريا ( 1 / 85 ) إذ لم يثبتوا للقدرة الحادثة فيها أثرا
والمصنفون في المقالات عدوا النجارية والضرارية من الجبرية
وكذلك جماعة الكلابية من الصفاتية
والأشعرية سموهم تارة حشوية وتارة جبرية ونحن سمعنا إقرارهم على أصحابهم من النجارية والضرارية فعددناهم من الجبرية ولم نسمع إقرارهم على غيرهم فعددناهم من الصفاتية

(1/84)


1 - الجهمية

(1/85)


أصحاب جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة
ظهرت بدعته بترمذ وقتله مسلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية
وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء :
منها : قوله : لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقضي تشبيها
فنفى كونه حيا عالما وأثبت كونه : قادرا فاعلا خالقا لأنه لا يوصف بشيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق . ( 1 / 86 )
ومنها : إثباته علوما حادثة للباري تعالى لا في محل قال : لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه لأنه لو علم ثم خلق أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق ؟
فإن بقي فهو جهل فإن العلم بأن قد وجد
وإن لم يبق فقد تغير والمتغير مخلوق ليس بقديم
ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر
قال : وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو :
إما أن يحدث في ذاته تعالى وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته وأن يكون محلا للحوادث
وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفا به لا الباري تعالى فتعين أنه لا محل له فأثبت علوما حادثة بعدد الموجودات المعلومة
ومنها : قوله في القدرة الحادثة : إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار
وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات كما يقال : أثمرت الشجرة وجرى الماء وتحرك الحجر وطلعت الشمس وغربت وتغيمت السماء وأمطرت واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك والثواب والعقاب جبر كما أن الأفعال كلها جبر
قال : وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا كان جبرا
ومنها : قوله : إن حركات أهل الخلدين تنقطع والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها وتألم أهل النار بجحيمها إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخرا كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا
وحمل قوله تعالى : ( خالدين فيها ) على ( 1 / 87 ) المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد كما يقال خلد الله ملك فلان
واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى : ( خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك )
فالآية اشتملت على شريطة واستثناء والخلود والتأبيد لا شرط فيه ولا استثناء
ومنها : قوله : من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد فهو مؤمن
قال : والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى : عقد وقول وعمل
قال : ولا يتفاضل أهله فيه فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل
وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه ونسبته إلى التعطيل المحض
وهو أيضا موافق للمعتزلة في نفي الرؤية وإثبات خلق الكلام وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع

(1/85)


2 - النجارية

(1/87)


أصحاب الحسين بن محمد النجار وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه
وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولا
وهم : برغوثية ( 1 / 88 ) وزعفرانية ومستدركة
ووافقوا المعتزلة في نفي الصفات من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر
ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال
قال النجار : الباري تعالى مريد لنفسه كما هو عالم لنفسه فألزم عموم التعلق فالتزم وقال : هو مريد الخير والشر والنفع والضر
وقال أيضا : معنى كونه مريدا أنه غير مستكره ولا مغلوب
وقال : هو خالق أعمال العباد خيرها وشرها حسنها وقبيحها والعبد مكتسبا لها
وأثبت تأثيرا للقدرة الحادثة وسمى ذلك كسبا على حسب ما يثبته الأشعري
ووافقه أيضا في أن الاستطاعة مع الفعل
وأما في مسألة الرؤية فأنكر رؤية الله تعالى بالأبصار وأحالها غير أنه قال : يجوز أن يحول الله تعالى القوة التي في القلب من المعرفة إلى العين فيعرف الله تعالى بها فيكون ذلك رؤية
وقال بحدوث الكلام
لكنه انفرد عن المعتزلة بأشياء منها :
قوله : إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عرض وإذا كتب فهو جسم
ومن العجب أن الزعفرانية قالت : كلام الله غيره وكل ما هو غيره فهو مخلوق ومع ذلك قالت : كل من قال : إن القرآن مخلوق فهو كافر
ولعلهم أرادوا بذلك الاختلاف وإلا فالتناقض ظاهر
والمستدركة منهم زعموا أن كلامه غيره وهو مخلوق لكن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( كلام الله غير مخلوق ) والسلف عن آخرهم أجمعوا على هذه ( 1 / 89 ) العبارة فوافقناهم وحملنا قولهم غير مخلوق أي على هذا الترتيب والنظم من الحروف والأصوات بل هو مخلوق على غير هذه الحروف بعينها وهذه حكاية عنها
والمستدركة منهم زعموا أن كلامه غيره وهو مخلوق لكن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( كلام الله غير مخلوق ) والسلف عن آخرهم أجمعوا على هذه العبارة فوافقناهم وحملنا قولهم غير مخلوق أي على هذا الترتيب والنظم من الحروف والأصوات بل هو مخلوق على غير هذه الحروف بعينها وهذه حكاية عنها
وحكى الكعبي عن النجار أنه قال : الباري تعالى بكل مكان ذاتا ووجودا لا على معنى العلم والقدرة وألزمه محالات على ذلك
وقال في المفكر قبل ورود السمع مثل ما قالت المعتزلة : إنه يجب عليه تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال
وقال في الإيمان : إنه عبارة عن التصديق ومن ارتكب كبيرة ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك ويجب أن يخرج من النار فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود
ومحمد بن عيسى الملقب ببرغوث وبشر بن غياث المريسي والحسن النجار متقاربون في المذهب وكلهم أثبتوا كونه تعالى مريدا لم يزل لكل ما علم أنه سيحدث من خير وشر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية وعامة المعتزلة يأبون ذلك

(1/87)


3 - الضرارية

(1/89)


أصحاب ضرار بن عمرو وحفص الفرد
واتفقا في التعطيل وعلى أنهما قالا الباري تعالى عالم قادر على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز وأثبتا لله سبحانه ماهية لا يعلمها إلا ( 1 / 90 ) هو
وقالا : إن هذه المقالة محكية عن أبي حنيفة رحمه الله وجماعة من أصحابه
وأراد بذلك أنه يعلم نفسه شهادة لا بدليل ولا خبر ونحن نعلمه بدليل وخبر
وأثبتا حاسة سادسة للإنسان يرى بها الباري تعالى يوم الثواب في الجنة
وقالا : أفعال العباد مخلوقة للباري تعالى حقيقة والعبد مكتسبها حقيقة وجوزوا حصول فعل بين فاعلين
وقالا : يجوز أن يقلب الله تعالى الأعراض أجساما والاستطاعة والعجز بعض الجسم وهو جسم ولا محالة بنفي زمانين
وقالا : الحجة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم في الإجماع فقط فما ينقل عنه في أحكام الدين من طريق أخبار الآحاد فغير مقبول
ويحكى عن ضرار أنه كان ينكر حرف عبد الله بن مسعود وحرف أبي بن كعب ويقطع بأن الله تعالى لم ينزله
وقال في المفكر قبل ورود السمع أنه لا يجب عليه بعقله شيء حتى يأتيه الرسول فيأمره وينهاه ولا يجب على الله تعالى شيء بحكم العقل
وزعم ضرار أيضا أن الإمامة تصلح في غير قريش حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي إذ هو أقل عددا وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة
والمعتزلة وإن جوزوا الإمامة في غير قريش إلا أنهم لا يجوزون تقديم النبطي على القرشي . ( 1 / 91 )

(1/89)


الفصل الثالث الصفاتية

(1/91)


اعلم أن جماعة كبيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحدا
وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون : هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية
ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة
فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات
واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر فافترقوا فرقتين :
فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك
ومنهم من توقف في التأويل وقال : عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء فلا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) ومثل قوله : ( خلقت بيدي ) ومثل قوله : ( وجاء ربك ) إلى غير ذلك
ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء وذلك قد أثبتناه يقينا . ( 1 / 92 )
ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا : لا بد من إجرائها على ظاهرها فوقعوا في التشبيه الصرف وذلك على خلاف ما اعتقده السلف
ولقد كان التشبيه صرفا خالصا في اليهود لا في كلهم بل في القرائين منهم إذ وجدوا في التوراة ألفاظا كثيرة تدل على ذلك
ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير
أما الغلو : فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس
وأما التقصير : فتشبيه الإله بواحد من الخلق
ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير ووقعت في الاعتزال وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه
وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم :
مالك بن أنس رضي الله عنهما إذ قال : الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة
ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم
حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية
وصنف بعضهم ودرس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما
وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية
ولما كانت المشبهة والكرامية من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية . ( 1 / 93 )

(1/91)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية