صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الصواعق المحرقة - إبن حجر الهيتمي ]
الكتاب : الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة
المؤلف : أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي إبن حجر الهيتمي
الناشر : مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1997
تحقيق : عبدالرحمن بن عبدالله التركي وكامل محمد الخراط
عدد الأجزاء : 2

أغلق عليه والسباع قد أصمت الأسماع من زئيرها فلما مشى في الصحن يريد الدرجة مشت إليه وقد سكنت وتمسحت به ودارت حوله وهو يمسحها بكمه ثم ربضت فصعد للمتوكل وتحدث معه ساعة ثم نزل ففعلت معه كفعلها الأول حتى خرج فأتبعه المتوكل بجائزة عظيمة فقيل للمتوكل افعل كما فعل ابن عمك فلم يجسر عليه وقال أتريدون قتلي ثم أمرهم أن لا يفشوا ذلك
ونقل السعودي أن صاحب هذه القصة هو ابن ابن علي الرضى هو علي العسكري وصوب لأن الرضى توفي في خلافة المأمون اتفاقا ولم يدرك المتوكل
وتوفي رضي الله عنه وعمره خمس وخمسون سنة عن خمسة ذكور وبنت أجلهم
محمد الجواد لكنه لم تطل حياته
ومما اتفق له أنه بعد موت أبيه بسنة واقف والصبيان يلعبون في أزقة بغداد إذ مر المأمون ففروا ووقف محمد وعمره تسع سنين فألقى الله مجبته في قلبه فقال له يا غلام ما منعك من الانصراف فقال له مسرعا يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق فأوسعه لك وليس لي جرم فأخشاك والظن بك حسن

(2/596)


أنك لا تضر من لا ذنب له
فأعجبه كلامه وحسن صورته فقال له ما اسمك واسم أبيك فقال محمد بن علي الرضى
فترحم على أبيه وساق جواده
وكان معه بزاة للصيد فلما بعد عن العمار أرسل بازه على دراجة فغاب عنه ثم عاد من الجو في منقاره سمكة صغيرة وبها بقاء الحياة فتعجب من ذلك غاية العجب ورجع فرأى الصبيان على حالهم ومحمد عندهم ففروا إلا محمدا فدنا منه وقال له ما في يدي فقال يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكا صغارا يصيدها بازات الملوك والخلفاء فيختبر بها سلالة أهل بيت المصطفى
فقال له أنت ابن الرضى حقا وأخذه معه وأحسن إليه وبالغ في إكرامه فلم يزل مشفقا به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عظمته وظهور برهانه مع صغر سنه وعزم على تزويجه بابنته أم الفضل وصمم على ذلك فمنعه العباسيون من ذلك خوفا من أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه فلما ذكر لهم أنه إنما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل علما ومعرفة وحلما مع صغر سنه فنازعوا في اتصاف محمد بذلك ثم تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره فأرسلوا إليه يحيى بن أكثم ووعدوه بشيء كثير إن قطع لهم محمدا فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواص الدولة فأمر المأمون بفرش حسن لمحمد فجلس عليه فسأله يحيى مسائل أجابه عنها بأحسن جواب وأوضحه فقال له الخليفة أحسنت أبا جعفر فإن أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة فقال له ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أول النهار حراما ثم حلت له ارتفاعه ثم حرمت عليه عند الظهر ثم حلت له عند العصر ثم حرمت عليه المغرب ثم حلت له العشاء ثم حرمت عليه نصف الليل ثم حلت له الفجر فقال يحيى لا أدري
فقال له محمد هي أمة نظرها أجنبي

(2/597)


بشهوة وهي حرام ثم اشتراها ارتفاع النهار فأعتقها الظهر وتزوجها العصر وظاهر منها المغرب وكفر العشاء وطلقها رجعيا نصف الليل وراجعها الفجر
فعند ذلك قال المأمون للعباسيين قد عرفتم ما كنتم تنكرون
ثم زوجه في ذلك المجلس بنته أم الفضل ثم توجه بها إلى المدينة فأرسلت تشتكي منه لأبيها أنه تسرى عليها فأرسل إليها أبوها إنا لم نزوجك له لنحرم عليه حلالا فلا تعودي لمثله ثم قدم بها بطلب من المعتصم لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين وتوفي فيها في آخر ذي القعدة ودفن في مقابر قريش في ظهر جده الكاظم وعمره خمس وعشرون سنة ويقال إنه سم أيضا عن ذكرين وبنتين أجلهم
علي العسكري سمي بذلك لأنه لما وجه لإشخاصه من المدينة النبوية إلى سر من رأى وأسكنه بها وكانت تسمى العسكر فعرف بالعسكري وكان وارث أبيه علما وسخاء ومن ثم جاءه أعرابي من أعراب الكوفة وقال إني من المتمسكين بولاء جدك وقد ركبني دين أثقلني حمله ولم أقصد لقضائه سواك
فقال كم دينك قال عشرة آلاف درهم فقال طب نفسا بقضائه إن شاء الله تعالى ثم كتب له ورقة فيها ذلك المبلغ دينا عليه وقال له ائتني به في المجلس العام وطالبني بها وأغلظ علي في الطلب ففعل فاستمهله ثلاثة أيام فبلغ ذلك المتوكل فأمر له بثلاثين ألفا فلما وصلته أعطاها الأعرابي

(2/598)


فقال يا ابن رسول الله إن العشرة آلاف أقضي بها أربي
فأبى أن يسترد منه من الثلاثين ألف شيئا فولى الأعرابي وهو يقول الله أعلم حيث يجعل رسالته
ومر أن الصواب في قصة السباع الواقعة من المتوكل أنه هو الممتحن بها وأنها لم تقربه بل خضعت واطمأنت لما رأته ويوافقه ما حكاه المسعودي وغيره أن يحيى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط لما هرب إلى الديلم ثم أتي به إلى الرشيد وأمر بقتله ألقي في بركة فيها سباع قد جوعت فأمسكت عن أكله ولاذت بجانبه وهابت الدنو منه فبني عليه ركن بالجص والحجر وهو حي
توفي رضي الله عنه بسر من رأى في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين ودفن بداره وعمره أربعون سنة وكان المتوكل أشخصه من المدينة إليها سنة ثلاث وأربعين فأقام بها إلى أن قضى عن أربعة ذكور وأنثى أجلهم
أبو محمد الحسن الخالص وجعل ابن خلكان هذا هو العسكري

(2/599)


ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ووقع لبهلول معه أنه رآه وهو صبي يبكي والصبيان يلعبون فظن أنه يتحسر على ما في أيديهم فقال اشتري لك ما تلعب به فقال يا قليل العقل ما للعب خلقنا
فقال له فلماذا خلقنا قال للعلم والعبادة
فقال له من أين لك ذلك قال من قول الله عز و جل أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون المؤمنون 115 ثم سأله أن يعظه فوعظه بأبيات ثم خر الحسن مغشيا عليه فلما أفاق قال له ما نزل بك وأنت صغير لا ذنب لك فقال إليك عني يا بهلول إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تتقد إلا بالصغار وإني أخشى أن أكون من صغار حطب نار جهنم
ولما حبس قحط الناس بسر من رأى قحطا شديدا فأمر الخليفة المعتمد ابن المتوكل بالخروج للاستسقاء ثلاثة أيام فلم يسقوا فخرج النصارى ومعهم راهب كلما مد يده إلى السماء هطلت ثم في اليوم الثاني كذلك فشك بعض الجهلة وارتد بعضهم فشق ذلك على الخليفة فأمر بإحضار الحسن الخالص وقال له أدرك أمة جدك رسول الله قبل أن يهلكوا فقال الحسن يخرجون غدا وأنا أزيل الشك إن شاء الله وكلم الخليفة في إطلاق أصحابه من السجن فأطلقهم فلما خرج الناس للاستسقاء ورفع الراهب يده مع النصارى غيمت السماء فأمر الحسن بالقبض على يده فإذا فيها عظم آدمي فأخذه من يده وقال استسق فرفع يده فزال الغيم وطلعت الشمس فعجب الناس من ذلك فقال الخليفة للحسن ما هذا يا أبا محمد فقال هذا عظم نبي ظفر به هذا الراهب من بعض القبور وما كشف من عظم نبي تحت السماء إلا هطلت بالمطر فامتحنوا ذلك

(2/600)


العظم فكان كما قال وزالت الشبهة عن الناس
ورجع الحسن إلى داره
وأقام عزيزا مكرما وصلات الخليفة تصل إليه كل وقت إلى أن مات بسر من رأى ودفن عند أبيه وعمه وعمره ثمانية وعشرون سنة ويقال إنه سم أيضا
ولم يخلف غير ولده
أبي القاسم محمد الحجة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن آتاه الله فيها الحكمة ويسمى القائم المنتظر
قيل لأنه ستر بالمدينة وغاب فلم يعرف أين ذهب
ومر في الآية الثانية عشرة قول الرافضة فيه أن المهدي وأوردت ذلك مبسوطا فراجعه فإنه مهم

(2/601)


الخاتمة في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في الصحابة رضوان الله عليهم وفي قتال معاوية وعلي وفي حقية خلافة معاوية بعد نزول الحسن له عن الخلافة وفي بيان اختلافهم في كفر ولده يزيد وفي جواز لعنه وفي توابع وتتمات تتعلق بذلك
وإنما افتحت هذا الكتاب بالصحابة وختمته بهم إشارة إلى أن المقصود بالذات من تأليفه تبرئتهم عن جميع ما افتراه عليهم أو على بعضهم من غلبت عليهم الشقاوة وتردوا بأردية الحماقة والغباوة ومرقوا من الدين واتبعوا سبيل الملحدين وركبوا متن عمياء وخبطوا خبط عشواء فباؤا من الله بعظيم النكال ووقعوا في أهوية الوبال والضلال ما لم يدراكهم الله بالتوبة والرحمة فيعظموا خير الأمم وهذه الأمة أماتنا الله على محبتهم وحشرنا في زمرتهم آمين
اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب علىكل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عيلهم فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات من كتابه

(2/603)


منها قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس آل عمران 110 فأثبت الله لهم الخيرية على سائر الأمم ولا شيء يعادل شهادة الله لهم بذلك لأنه تعالى أعلم بعباده وما انطووا عليه من الخيرات وغيرها بل لا يعلم ذلك غيره تعالى فإذا شهد تعالى فيهم بأنهم خير الأمم وجب على كل أحد اعتقاد ذلك والإيمان به وإلا كان مكذبا لله في إخباره ولا شك أن من ارتاب في حقية شيء مما أخبر الله أو رسوله به كان كافرا بإجماع المسلمين
ومنها قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس البقرة 143 والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله حقيقة فانظر إلى كونه تعالى خلقهم عدولا وخيارا ليكونوا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة وحينئذ فكيف يستشهد الله تعالى بغير عدول أو بمن ارتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو ستة أنفس منهم كما زعمته الرافضة قبحهم الله ولعنهم وخذلهم ما أحمقهم وأجهلهم وأشهدهم بالزور والافتراء والبهتان
ومنها قوله تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى يبن أيديهم وبأيمانهم التحريم 8 فآمنهم الله من خزيه ولا يأمن من خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه ورسوله عنهم راض فأمنهم من الخزي صريح في موتهم على كمال الإيمان وحقائق الإحسان وفي أن الله لم يزل راضيا

(2/604)


عنهم وكذلك رسول الله
ومنها قوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة الفتح 18 فصرح تعالى برضاه عن أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة ومن رضي الله عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر لأن العبرة بالوفاة على الإسلام فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضي عنه فعلم أن كلا من هذه الآياة وما قبلها صريح في رد ما زعمه وافتراه أولئك الملحدون الجاحدون حتى للقرآن العزيز إذ يلزم من الإيمان به الإيمان بما فيه وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم وأنهم عدول أخيار وأن الله لا يخزيهم وأنه راض عنهم فمن لم يصدق بذلك فيهم فهو مكذب لما فيالقرآن ومن كذب بما فيه مما لا يحتمل التأويل كان كافرا جاحدا ملحدا مارقا
ومنها قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ولذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه التوبة 100 وقوله تعالى يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين الأنفال 64 وقوله تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا

(2/605)


تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم 8 - 10 الحشد
فتأمل ما وصفهم الله به من هذه الآية تعلم به ضلال من طعن فيهم من شذوذ المبتدعة ورماهم بما هم بريئون منه
ومنها قوله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما الفتح 29 فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية فإن قوله تعالى محمد رسول الله جملة مبينة للمشهود به في قوله هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق إلى قوله شهيدا الفتح 28 ففيها ثناء عظيم على رسوله ثم ثنى بالثناء على أصحابه بقوله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم كما قال تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم المائدة 54 فوصفهم الله تعالى بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام وسعة الرجاء في فضل الله ورحمته بابتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلكالإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت على وجوههم حتى إن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم ومن ثم قال مالك

(2/606)


رضي الله تعالى عنه بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام قالوا والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا
وقد صدقوا في ذلك فإن هذه الأمة المحمدية خصوصا الصحابة لم يزل ذكرهم معظما في الكتب كما قال الله تعالى في هذه الآية ذلك مثلهم أي وصفهم في التوراة ومثلهم أي وصفهم يف الإنجيل كزرع أخرج شطأه أي فراخه فآزره أي شده وقواه فاستغلظ أي شب فطال فكذلك أصحاب محمد آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ليغيظ بهم الكفار
ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك في رواية عنه بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة قال لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر
وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآية ومن ثم وافقه الشافعي رضي الله تعالى عنهما في قوله بكفرهم ووافقه أيضا جماعه من الأئمة
والأحاديث في فضل الصحابة كثيرة وقد قدمنا معظمها في أول هذا الكتاب ويكفيهم شرفا أي شرف ثناء الله عليهم في تلك الآيات كما ذكرناه وفي غيرها ورضاه عنهم وأنه تعالى وعدهم جميعهم لا بعضهم إذ من في منهم لبيان الجنس لا للتبعيض مغفرة وأجرا عظيما ووعد الله صدق وحق لا يتخلف ولا يخلف لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم
فعلم أن جميع ما قدمناه من الآيات هنا ومن الأحاديث الكثيرة الشهيرة في

(2/607)


المقدمة يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام ببذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا فلا يلتفت إليهم ولا يعول عليهم وقد قال إمام عصره أبو زرعة الرازي من أجل شيوخ مسلم إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح به ألصق والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب والفساد هو الأقوم الأحق
وقال ابن حزم الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا قال تعالى لا

(2/608)


يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الحديد 10
وقال تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون الأنبياء 101 فثبت أن جميعهم من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبت لكل منهم الحسنى وهي الجنة ولا يتوهم أن التقييد بالإنفاق أو القتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف بذلك منهم لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة أو العزم وزعم الماوردي اختصاص الحكم بالعدالة بمن لازمه ونصره دون من اجتمع به يوما أو لغرض غير موافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء قال شيخ الإسلام العلائي هو قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر
انتهى
ومما رد به عليه أن تعظيم الصحابة وإن قل اجتماعهم به كان مقررا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم وقد صح عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من أهل البادية تناول معاوية في حضرته وكان متكئا فجلس ثم ذكر أنه وأبا بكر ورجلا

(2/609)


يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الحديد 10 من أهل البادية نزلوا على أبيات فيهم امرأة حامل فقال البدوي لها أبشرك أن تلدي غلاما
قالت نعم
قال إن أعطيتني شاة ولدت غلاما فأعطته فسمع لها اسجاعا ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها وجلسنا نأكل منها ومعنا أبو بكر فلما علم القصة قام فتقيأ كل شيء أكل قال ثم رأيت ذلك البدوي قد أتي به عمر وقد هجا الأنصار فقال لهم عمر لولا أن له صحبة من رسول الله ما أدري ما قال فيها لكفيتكموه
انتهى
فانظر توقف عمر عن معاتبته فضلا عن معاقبته لكونه علم أنه لقي النبي تعلم أن فيه أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء كما ثبت في الصحيحين من قوله والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه
وتواتر عنه قوله خير الناس قرني ثم الذين يلونهم
وصح أنه قال إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين وفي رواية

(2/610)


أنتم موفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز و جل
واعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة واحتج على ذلك بخبر طوبى لمن رآني وآمن بي مرة وطوبى لمن لم يرني وآمن بي سبع مرات
وبخبر عمر رضي الله تعالى عنه قال كنت جالسا عند النبي فقال أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا قلنا الملائكة
قال وحق لهم بل غيرهم قلنا الأنبياء قال وحق لهم بل غيرهم ثم قال أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانا
وبحديث مثل أمتي مثل المطر لا يدرى آخره خير أم أوله

(2/611)


وبخبر ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير ثلاثا ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها
وبخير يأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين
قيل منهم أو منا يا رسول الله قال بل منكم وبما روى أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم أن أكتب لي بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر ولا رجالك كرجال عمر وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل قول سالم
قال أبو عمر فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية قال وخبر خير الناس قرني ليس على عمومه لأنه جمع المنافقين وأهل الكبائر الذين قام عليهم وعلى بعضهم الحدود انتهى

(2/612)


والحديث الأول لا شاهد فيه للأفضلية والثاني ضعيف فلا يحتج به لكن صحح الحاكم وحسن غيره خبر يا رسول الله هل أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك قال قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني
والجواب عنه وعن الحديث الثالث فإنه حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى درجة الصحة وعن الحديث الرابع فإنه حسن أيضا وعن الحديث الخامس الذي رواه أبو داود والترمذي أن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل
وأيضا مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة
وأيضا الخيرية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من ياتي على بعض الصحابة في ذلك
وأما ما اختص به الصحابة رضوان الله عليهم وفازوا به من مشاهدة طلعته ورؤية ذاته المشرفة المكرمة فأمر من وراء العقل إذ لا يسع أحد أن يأتي من الأعمال وإن جلت بما يقارب ذلك فضلا عن أن يماثله ومن ثم سئل عبد الله ابن المبارك وناهيك به جلالة وعلما أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله خير من عمر ابن عبد العزيز كذا وكذا مرة
أشار بذلك إلى أن فضيلة صحبته ورؤيته لا

(2/613)


يعدلها شيء وبذلك علم الجواب عن استدلال أبي عمر بقضية عمر بن عبد العزيز وأن قول أهل زمنه له أنت أفضل من عمر
إنما هو بالنسبة لما تساويا فيه إن تصور من العدل في الرعية وأما من حيث الصحبة وما فاز به عمر من حقائق القرب ومزايا الفضل والعلم والدين التي شهد له بها النبي فأنى لابن عبد العزيز وغيره وأن يلحقوه في ذرة من ذلك
فالصواب ما قاله جمهور العلماء سلفا وخلفا لما يأتي وعلم من قول أبي عمر إلا أهل بدر والحديبية
أن الكلام في غير أكابر الصحابة ممن لم يفز إلا بمجرد رؤيته وقد ظهر أنه فاز بما لم يفز به من بعده وأن من بعده لو عمل ماعساه أن يعمل لا يمكنه أن يحصل ما يقرب من هذه الخصوصية فضلا عن أن يساويها هذا فيمن لم يفز إلا بذلك فما بالك بمن ضم إليها أنه قاتل معه أو في زمنه بأمره أو نقل شيئا من الشريعة إلى من بعده أو أنفق شيئا من ماله بسببه فهذا مما لا خلاف في أن أحدا من الجائين بعده لا يدركه ومن ثم قال تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الحديد 10
ومما يشهد لما عليه الجمهور من السلف والخلف من أنهم خير خلق الله وأفضلهم بعد النبيين وخواص الملائكة والمقربين ما قدمته من فضائل الصحابة ومآثرهم أول الكتاب وهو كثير فراجعه ومنه حديث الصحيحين لا تسبوا

(2/614)


أصحابي فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ما بلغ مثل أمد أحدهم ولا نصيفه وفي رواية لهما فإن أحدكم بكاف الخطاب وفي رواية الترمذي لو أنفق أحدكم
الحديث والنصيف بفتح النون لغة في النصف
وروى الدارمي وابن عدي وغيرهما أنه قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
ومن ذلك أيضا الخبر المتفق على صحته خير القرون أو الناس أو أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
والقرن أهل زمن واحد متقارب اشتركوا في وصف مقصود ويطلق على زمن مخصوص وقد اختلفوا فيه من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين إلا السبعين والمئة وعشرة فلم يحفظ قائل بهما وما عداهما قال به قائل وأعدل الأقوال قول صاحب المحكم هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن والمراد بقرنه في هذا الحديث الصحابة وآخر من مات منهم على الإطلاق بلا خلاف أبو الطفيل عامر بن واثلة

(2/615)


الليثي كما جزم به مسلم في صحيحه وكان موته سنة مائة على الصحيح وقيل سنة سبع ومائة وقيل سنة عشر ومائة
وصححه الذهبي لمطابقته للحديث الصحيح وهو قوله قبل وفاته بشهر على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد وفي رواية مسلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه ليس من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة فأراد بذلك انخرام القرن بعد مائة سنة من حين مقالته
والقول بأن عكراش بن ذؤيب عاش بعد وقعة الجمل مائة سنة غير صحيح وعلى التنزل فمعناه استكملها بعد ذلك لا أنه بقي بعدها مائة سنة كما قال الأئمة وما قاله

(2/616)


جماعة في رتن الهندي ومعمر المغربي ونحوهما فقد بالغ الأئمة سيما الذهبي في تزييفه وبطلانه قال الأئمة ولا يروج ذلك على من له أدني مسكة من العقل ومر أن أفضلية قرنه على من يليه وهم التابعون بالنسبة إلى المجموع لا إلى كل فرد خلافا لابن عبد البر وكذا يقال في التابعين رضوان الله عليهم أجمعين وتابعيهم
ثم الصحابة أصناف مهاجرون وأنصار وحلفاء وهم من أسلم يوم الفتح أو بعده فأفضلهم إجمالا المهاجرون فمن بعدهم على الترتيب المذكور وأما تفصيلا فسباق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين وسباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار ثم هم بعد ذلك يتفاوتون فرب متأخر إسلاما كعمر أفضل من متقدم كبلال
وقال أبو منصور البغدادي من أكابر أئمتنا أجمع أهل السنة أن أفضل

(2/617)


الصحابة أبو بكر فعمر فعثمان فعلي فبقية العشرة المبشرين بالجنة فأهل بدر فباقي أهل أحد فباقي أهل بيعة الرضوان بالحديبية فباقي الصحابة
انتهى
ومر اعتراض حكايته الإجماع بين علي وعثمان إلا إن أراد بالإجماع فيهما إجماع أكثر أهل السنة فيصح ما قاله حينئذ هذا وقد أخرج الأنصاري عن أنس أن رسول الله قال يا أبا بكر ليت أني لقيت إخواني
فقال أبو بكر يا رسول الله نحن إخوانك قال أنتم أصحابي إخواني الذين لم يروني وصدقوا بي وأحبوني حتى إني لأحب إلى أحدهم من ولده ووالده
قالوا يا رسول الله نحن إخوانك
قال أنتم أصحابي ألا تحب يا ابا بكر قوما أحبوك بحبي إياك فأحبهم ما أحبوك بحبي إياك
وقال من أحب الله أحب القرآن ومن أحب القرآن أحبني ومن أحبني أحب أصحابي وقرابتي
رواه الديلمي
وقال يا أيها الناس احفظوني في أختاني وأصهاري وأصحابي

(2/618)


لا يطالبنكم الله بمظلمة أحد منهم فإنها ليست مما يوهب
رواه الخلعي
قال الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه
ورواه المخلص الذهبي
فهذا الحديث وما قبله خرج مخرج الوصية بأصحابه على طريق التأكيد والترغيب في حبهم والترهيب عن بغضهم وفيه أيضا إشارة إلى أن حبهم إيمان وبغضهم كفر لأن بغضهم إذا كان بغضا له كان كفرا بلا نزاع لخبر لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه
وهذا يدل على

(2/619)


كمال قربهم منه من حيث أنزلهم منزلة نفسه حتى كأن أذاهم واقع عليه وفيه أيضا أن محبة من أحبه النبي كآله وأصحابه رضي الله تعالى عنهم علامة على محبة رسول الله كما أن محبته علامة على محبة الله تعالى وكذلك عداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم علامة على بغض رسول الله وعدواته وسبه وبغضه وعداوته وسبه علامة على بغض الله تعالى وعداوته وسبه فمن أحب شيئا أحب من يحب وأبغض من يبغض قال الله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله المجادلة 22 فحب أولئك أعني آله وأزواجه وذرياته وأصحابه من الواجبات المتعينات وبغضهم من الموبقات المهلكات ومن محبتهم توقيرهم وبرهم والقيام بحقوقهم والاقتداء بهم بالمشي على سنتهم وآدابهم وأخلاقهم والعمل بأقوالهم مما ليس للعقل فيه مجال ومزيد الثناء عليهم وحسنه بأن يذكروا بأوصافهم الجميلة على قصد التعظيم فقد أثنى الله عليهم في آيات كثيرة من كتابه المجيد ومن أثنى الله عليه فهو واجب الثناء ومنه الاستغفار لهم
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها أمروا بأن يستغفروا لأصحاب محمد فسبوهم
رواه مسلم وغيره على أن فائدة المستغفر عائد أكثرها إليه

(2/620)


إذ يحصل بذلك مزيد الثواب
قال سهل بن عبد الله التستري
وناهيك به علما وزهدا ومعرفة وجلالة لم يؤمن برسول الله من لم يوقر أصحابه
ومما يوجب أيضا الإمساك عما شجر أي وقع بينهم من الاختلاف والإضراب صفحا عن أخبار المؤرخين سيما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم فقد قال إذا ذكر أصحابي فأمسكوا
والواجب أيضا على كل من سمع شيئا من ذلك أن يثبت فيه ولا ينسبه إلى أحدهم بمجرد رؤيته في كتاب أو سماعه من شخص بل لا بد أن يبحث عنه حتى يصح عنده نسبته إلى أحدهم فحينئذ الواجب أن يلتمس لهم أحسن التأويلات وأصوب المخارج إذ هم أهل لذلك كما هو مشهور في مناقبهم ومعدود من مآثرهم مما يطول إيراده وقد مر لذلك منه جملة في بعضهم
وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات فله محامل وتأويلات وأما سبهم والطعن فيهم فإن خالف دليلا قطعيا كقذف عائشة رضي الله عنها أو إنكار صحبة

(2/621)


أبيها كان كفرا وإن كان بخلاف ذلك كان بدعة وفسقا
ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على حقيتها لعلي كما مر فلم تهج الفتنة بسببها وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه فامتنع علي ظنا منه أن تسليمهم إليهم على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي يؤدي إلى اضطراب وتزلزل في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام سيما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها فرأى علي رضي الله عنه أن تأخير تسليمهم أصوب إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة ويتحقق التمكن من الأمور فيها على وجهها ويتم له انتظام شملها واتفاق كلمة المسلمين ثم بعد ذلك يلتقطهم واحدا فواحدا ويسلمهم إليهم ويدل لذلك أن بعض قتلته عزم على الخروج على علي ومقاتلته لما نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة عثمان وأيضا فالذين تمالؤا على قتل عثمان كانوا جموعا كثيرة كما علم مما قدمته في قصة محاصرتهم له إلى أن قتله بعضهم جمع من أهل مصر قيل سبعمائة وقيل ألف وقيل خمسمائة وجمع من الكوفة وجمع من الكوفة وجمع من البصرة وغيرهم قدموا كلهم المدينة وجرى منهم ما جرى بل ورد أنهم هم وعشائرهم نحو من عشرة آلاف فهذا هو الحامل لعلي رضي الله عنه على الكف عن تسليمهم لتعذره كما عرفت ويحتمل أن عليا رضي الله عنه رأى أن قتلة عثمان بغاة حملهم على قتله

(2/622)


تأويل فاسد استحلوا به دمه رضي الله تعالى عنه لإنكارهم عليه أمورا كجعله مروان ابن عمه كاتبا له ورده إلى المدينة بعد أن طرده النبي منها وتقديمه أقاربه في ولاية الأعمال وقضية محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما السابقة في مبحث خلافة عثمان مفصلة ظنوا أنها مبيحة لما فعلوه جهلا منهم وخطأ والباغي إذا انقاد إلى الإمام العدل لا يؤاخذ بما أتلفه في حال الحرب عن تأويل دما كان أو مالا كما هو المرجح من قول الشافعي رضي الله عنه وبه قال جماعة آخرون من العلماء وهذا الاحتمال وإن أمكن لكن ما قبله أولى بالاعتماد منه فإن الذي ذهب إليه كثيرون من العلماء أن قتلة عثمان لم يكونوا بغاة وإنما كانوا ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبههم ولأنهم أصروا على الباطل بعد كشف الشبهة وإيضاح الحق لهم وليس كل من انتحل شبهة يصير بها مجتهدا لأن الشبهة تعرض للقاصر عن درجة الاجتهاد ولا ينافي هذا ما هو المقرر في مذهب الشافعي رضي الله عنه من أن من لهم شوكة دون تأويل لا يضمنون ما أتلفوه في حال القتال كالبغاة لأن قتل السيد عثمان رضي الله عنه لم يكن في قتال فإنه لم يقاتل بل نهى عن القتال حتى إن أبا هريرة رضي الله عنه لما أراده قال له عثمان عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت بسيفك إنما تراد نفسي وسأقي المسلمين بنفسي كما أخرجه ابن عبد البر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة
ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أيضا أن معاوية رضي الله عنه لم يكن في أيام علي خليفة وإنما كان من الملوك وغاية اجتهاده أنه كان له أجر واحد على

(2/623)


اجتهاده وأما علي رضي الله عنه فكان له أجران أجر على اجتهاده وأجر على إصابته بل عشرة أجور لحديث إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله عشرة أجور واختلفوا في إمامة معاوية بعد موت علي رضي الله عنهما فقيل صار إماما وخليفة لأن البيعة قد تمت له وقيل لم يصر إماما لحديث أبي داود والترمذي والنسائي الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا
وقد انقضت الثلاثون بوفاة علي وأنت خبير بما قدمته أن الثلاثين لم تتم بموت علي وبيانه أنه توفي في رمضان سنة أربعين من الهجرة
والأكثرون على أن وفاته سابع عشر ووفاة النبي ثاني عشر ربيع الأول فبينهما دون الثلاثين بنحو ستة أشهر وتمت الثلاثين بمدة خلافة الحسن بن علي رضي الله عنهما فإذا تقرر ذلك فالذي ينبغي كما قاله غير واحد من المحققين أن يحمل قول من قال بإمامة معاوية عند وفاة علي على ما تقرر من وفاته بنحو نصف سنة لما سلم له الحسن الخلافة والمانعون لإمامته يقولون لا يعتد بتسليم الحسن الأمر إليه لأنه لم يسلمه إليه إلا للضرورة لعلمه بأنه أعني معاوية لا يسلم الأمر للحسن وأنه قاصد للقتال والسفك إن لم يسلم الحسن الأمر إليه فلم يترك الأمر إليه إلا صونا لدماء المسلمين ولك رد ما وجه به هؤلاء ما ذكر بأن الحسن كان هو الإمام الحق والخليفة الصدق وكان معه من العدة والعدد ما يقاوم من مع معاوية فلم يكن نزوله عن الخلافة وتسليمه الأمر لمعاوية اضطراريا بل كان اختياريا كما

(2/624)


يدل عليه ما مر في قصة نزوله من أنه اشترط عليه شروطا كثيرة فالتزمها ووفى له بها وأيضا فقد مر عن صحيح البخاري أن معاوية هو السائل للحسن في الصلح ومما يدل على ما ذكرته حديث البخاري السابق عن أبي بكرة قال رأيت رسول الله على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين
فانظر إلى ترجيه الإصلاح به وهو لا يترجى إلا الأمر الحق الموافق للواقع بترجيه الإصلاح من الحسن يدل على صحة نزوله لمعاوية عن الخلافة وإلا لو كان الحسن باقيا على خلافته بعد نزوله عنها لم يقع ينزوله إصلاح ولم يحمد الحسن على ذلك ولم يترج مجرد النزول من غير أن يترتب عليه فائدته الشرعية ووجوب طاعته على الكافة وهي استقلال المنزول له بالأمر وصحة خلافته ونفاذ تصرفه ووجوب طاعته على الكافة وقيامه بأمور المسلمين فكان ترجيه لوقوع الإصلاح بين أولئك الفئتين العظيمتين من المسلمين بالحسن فيه دلالة أي دلالة على صحة ما فعله الحسن وعلى أنه مختار فيه وعلى أن تلك الفوائد الشرعية وهي صحة خلافة معاوية وقيامه بأمور المسلمين وتصرفه فيها بسائر ما تقتضيه الخلافة مترتبة على ذلك الصلح فالحق ثبوت الخلافة لمعاوية من حينئذ وأنه بعد ذلك خليفة حق وإمام صدق كيف وقد أخرج الترمذي وحسنه عن

(2/625)


عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبي أنه قال لمعاوية اللهم اجعله هاديا مهديا
وأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله يقول اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك ابن عمير قال قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله يا معاوية إذا ملكت فأحسن
فتأمل دعاء النبي له في الحديث الأول بأن الله يجعله هاديا مهديا والحديث حسن كما علمت فهو مما يحتج به على فضل معاوية وأنه لا ذم يلحقه بتلك الحروب لما علمت أنها كانت مبنية على اجتهاد وأنه لم يكن له إلا أجر واحد لأن المجتهد إذا أخطأ لا ملام عليه ولا ذم يلحقه بسبب ذلك لأنه معذور ولذا كتب له أجر
ومما يدل لفضله أيضا الدعاء في الحديث الثاني بأن يعلم ذلك ويوقى

(2/626)


العذاب ولا شك أن دعاءه مستجاب فعلمنا منه أنه لا عقاب على معاوية فيما فعل من تلك الحروب بل له الأجر كما تقرر
وقد سمى النبي فئته المسلمين وساواهم بفئة الحسن في وصف الإسلام فدل على بقاء حرمة الإسلام للفريقين وأنهم لم يخرجوا بتلك الحروب عن الإسلام وأنهم فيه علىحد سواء فلا فسق ولا نقص يلحق أحدهما لما قررناه من أن كلا منهما متأول تأويلا غير قطعي البطلان وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية لكنه بغي لا فسق به لأنه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه
وتأمل أنه أخبر معاوية بأنه يملك وأمره بالإحسان تجد في الحديث إشارة إلى صحة خلافته وأنها حق بعد تمامها له بنزول الحسن له عنها فإن أمره بالإحسان المترتب على الملك يدل على حقية ملكه وخلافته وصحة تصرفه ونفوذ أفعاله من حيث صحة الخلافة له من حيث التغلب لأن المتغلب فاسق معاقب لا يستحق أن يبشر ولا يؤمر بالإحسان فيما تغلب عليه بل إنما يستحق الزجر والمقت والإعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله
فلو كان معاوية متغلبا لأشار له النبي إلى ذلك أو صرح له به فلما لم يشر له فضلا عن أن يصرح إلا بما يدل على حقية ما هو عليه علمنا أنه بعد نزول الحسن له خليفة حق وإمام صدق

(2/627)


ويشير إلى ذلك كلام الإمام أحمد فقد أخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني قال قلت لأحمد ابن حنبل من الخلفاء قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي
قلت فمعاوية قال لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي
فأفهم كلامه أن معاوية بعد زمان علي أي وبعد نزول الحسن له أحق الناس بالخلافة
وأما ما أخرجه ابن ابي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال قلت لسفينة إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم
فقال كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من أشر الملوك وأول الملوك معاوية
فلا يتوهم منه أن لا خلافة لمعاوية لأن معناه أن خلافته وإن كانت صحيحة إلا أنه غلب عليها مشابهة الملك لأنها خرجت عن سنن خلافة الخلفاء الراشدين في كثير من الأمور فهي حقة وصحيحة من حين نزول الحسن له واجتماع الناس أهل الحل والعقد عليه وتلك من حيث إنه وقع فيها أمور ناشئة عن اجتهادات غير مطابقة للواقع لا يأثم بها المجتهد لكنها تؤخر عن درجات ذوي الاجتهادات الصحيحة المطابقة للواقع وهم الخلفاء الأربعة والحسن رضي الله عنهم فمن أطلق على ولاية معاوية أنها ملك أراد من حيث ما وقع في خلالها من تلك الاجتهادات التي ذكرناها ومن أطلق عليها أنها خلافة أراد انه بنزول الحسن له واجتماع أهل

(2/628)


الحل والعقد عليه صار خليفة حق مطاعا يجب له من حيث الطواعية والانقياد ما يجب للخلفاء الراشدين قبله
ولا يقال بنظير ذلك فيمن بعده لأن أولئك ليسوا من أهل الاجتهاد بل منهم عصاة فسقة ولا يعدون من جملة الخلفاء بوجه بل من جملة الملوك بل من أشرهم إلا عمر بن عبد العزيز فإنه ملحق بالخلفاء الراشدين وكذلك ابن الزبير
وأما ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه فله فيه اسوة أي أسوة بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة فلا يلتفت لذلك ولا يعول عليه فإنه لم يصدر إلا عن قوم حمقى جهلاء أغبياء طغام لا يبالي الله بهم في أي واد هلكوا فلعنهم الله وخذلهم أقبح اللعنة والخذلان وأقام على رؤوسهم من سيوف أهل السنة وحججهم المؤيدة بأوضح الدلائل والبرهان ما يقمعهم عن الخوض في تنقيص أولئك الأئمة الأعيان ولقد استعمل معاوية عمر وعثمان رضي الله عنهم وكفاه ذلك شرفا وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما بعث الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان فلما مات أخوه يزيد استخلفه على دمشق فأقره ثم أقره عمر ثم عثمان وجمع له الشام كله فأقام أميرا عشرين سنة وخليفة عشرين سنة
قال كعب الأحبار لم يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية

(2/629)


قال الذهبي توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية وصدق كعب فيما نقله فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض بخلاف غيره ممن بعده فإنه كان لهم مخالف وخرج عن أمرهم بعض الممالك
انتهى
وفي إخبار كعب بذلك قبل استخلاف معاوية دليل على أن خلافته منصوص عليها في بعض كتب الله المنزلة فإن كعبا كان حبرها فله من الاطلاع عليها والإحاطة بأحكامها ما فاق سائر أحبار أهل الكتاب وفي هذا من التقوية لشرف معاوية وحقية خلافته بعد نزول الحسن له ما لا يخفى وكان نزوله له عنها واستقراره فيها من ربيع الآخر أوجمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد
واعلم أن اهل السنة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية وولي عهده من بعده فقالت طائفة إنه كافر لقول سبط ابن الجوزي وغيره المشهور أنه لماجاء رأس الحسين رضي الله عنه جمع أهل الشام وجعل ينكت رأسه بالخيزران وينشد ابيات ابن الزبعرى

(2/630)


ليت أشياخي ببدر شهدوا ... الأبيات المعروفة وزاد فيها بيتين مشتملين على صريح الكفر
وقال ابن الجوزي فيما حكاه سبطه عنه ليس العجب من قتال ابن زياد للحسين وإنما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب ثنايا الحسين وحمله آل رسول الله سبايا على أقتاب الجمال
وذكر أشياء من قبيح ما اشتهر عنه ورده الرأس إلى المدينة وقد تغيرت ريحه ثم قال وما كان مقصوده إلا الفضيحة وإظهار الرأس أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج ليس بإجماع المسلمين أن الخوارج والبغاة يكفنون ويصلى عليهم ويدفنون ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس لما وصل إليه وكفنه ودفنه وأحسن إلى آل رسول الله
انتهى

(2/631)


وقالت طائفة ليس بكافر فإن الأسباب الموجبة للكفر لم يثبت عندنا منها شيء والأصل بقاؤه على إسلامه حتى يعلم ما يخرجه عنه وما سبق أنه المشهور يعارضه ما حكي أن يزيد لما وصل إليه رأس الحسين قال رحمك الله يا حسين لقد قتلك رجل لم يعرف حق الأرحام
وتنكر لابن زياد وقال قد زرع لي العداوة في قلب البر والفاجر ورد نساء الحسين ومن بقي من بنيه مع رأسه إلى المدينة ليدفن الرأس بها وأنت خبير بأنه لم يثبت موجب واحدة من المقالتين والأصل أنه مسلم فنأخذ بذلك الأصل حتى يثبت عندنا ما يوجب الإخراج عنه ومن ثم قال جماعة من المحققين إن الطريقة الثابتة القويمة في شأنه التوقف فيه وتفويض أمره إلى الله سبحانه وتعالى لأنه العالم بالخفيات والمطلع على مكنونات السرائر وهواجس الضمائر فلا نتعرض لتكفيره أصلا لأن هذا هو الأحرى والأسلم
وعلى القول بأنه مسلم فهو فاسق شرير سكير جائر كما أخبر به النبي فقد أخرج أبو يعلى في مسنده بسند لكنه ضعيف عن أبي عبيدة قال قال رسول الله لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد وأخرج الروياني في

(2/632)


مسنده عن أبي ذر قال سمعت النبي يقول أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد
وفي هذين الحديثين دليل أي دليل لما قدمته أن معاوية كانت خلافته ليست كخلافة من بعده من بني أمية فإنه أخبر أن أول من يثلم أمر أمته ويبدل سنته يزيد فافهم أن معاوية لم يثلم ولم يبدل وهو كذلك لما مر أنه مجتهد ويؤيد ذلك ما فعله الإمام المهدي كما عبر به ابن سيرين وغيره عن عمر بن عبد العزيز بأن رجلا نال من معاوية بحضرته فضربه ثلاثة أسواط مع ضربه لمن سمى ابنه يزيد أمير المؤمنين عشرين سوطا كما سيأتي فتأمل فرقان ما بينهما
وكان مع أبي هريرة رضي الله عنه علم من النبي بما مر عنه في يزيد فإنه كان يدعو اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين وإمارة الصبيان
فاستجاب الله له وتوفاه سنة تسع وخمسين وكان وفاة معاوية وولاية ابنه سنة ستين فعلم أبو هريرة بولاية يزيد في هذه السنة فاستعاذ منها لما علمه من قبيح أحواله بواسطة إعلام الصادق المصدوق بذلك
وقال نوفل بن أبي الفرات كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر رجل يزيد فقال قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية
فقال تقول أمير المؤمنين فأمر به

(2/633)


فضرب عشرين سوطا
ولإسرافه في المعاصي خلعه أهل المدينة فقد أخرج الواقدي من طرق أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل قال والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء أن كان رجلا ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة
وقال الذهبي ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات اشتد عليه الناس وخرج عليه غير واحد ولم يبارك الله في عمره
وأشار بقوله ما فعل إلى ما وقع منه سنة ثلاث وستين فإنه بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل لهم جيشا عظيما وأمرهم بقتالهم فجاؤا إليهم وكانت وقعة الحرة على باب طيبة وما أدراك ما وقعة الحرة
ذكرها الحسن مرة فقال لله ما كاد ينجو منهم واحد قتل فيها خلق كثير من الصحابة ومن غيرهم فإنا لله وإنا إليه راجعون
وبعد اتفاقهم على فسقه اختلفوا في جواز لعنه بخصوص اسمه فأجازه قوم منهم ابن الجوزي ونقله عن أحمد وغيره فإنه قال في كتابه المسمى بالرد على

(2/634)


المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد سألني سائل عن يزيد بن معاوية فقال له يكفي ما به فقال أيجوز لعنه فقلت قد أجازه العلماء الورعون منهم أحمد ابن حنبل فإنه ذكر في حق يزيد ما يزيد على اللعنة ثم روى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى الفراء أنه روى في كتابه المعتمد في الأصول بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال قلت لأبي إن قوما ينسبوننا إلى تولي يزيد
فقال يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله ولم لا يلعن من لعنه الله في كتابه فقلت وأين لعن الله يزيد في كتابه فقال في قوله تعالى فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم محمد 22 23 فهل يكون فساد أعظم من القتل وفي رواية فقال يا بني ما أقول في رجل لعنه الله في كتابه فذكره
قال ابن الجوزي وصنف القاضي أبو يعلى كتابا ذكر فيه بيان من يستحق اللعن وذكر منهم يزيد ثم ذكر حديث من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين
ولا خلاف أن يزيد غزا المدينة بجيش وأخاف أهلها
انتهى
والحديث الذي

(2/635)


ذكره رواه مسلم
ووقع من ذلك الجيش من القتل والفساد العظيم والسبي وإباحة المدينة ما هو مشهور حتى فض نحو ثلاثمائة بكر وقتل من الصحابة نحو ذلك ومن قراء القرآن نحو سبع مائة نفس وأبيحت المدينة أياما وبطلت الجماعة من المسجد النبوي أياما وأخيفت أهل المدينة أياما فلم يمكن أحدا دخول مسجدها حتى دخلته الكلاب والذئاب وبالت على منبره تصديقا لما أخبر به النبي
ولم يرض أمير ذلك الجيش إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم خول له إن شاء باع وإن شاء أعتق فذكر له بعضهم البيعة على كتاب الله وسنة رسوله فضرب عنقه وذلك في وقعة الحرة السابقة
ثم سار جيشه

(2/636)


هذا إلى قتال ابن الزبير فرموا الكعبة بالمنجنيق وأحرقوها بالنار فأي شيء أعظم من هذه القبائح التي وقعت في زمنه ناشئة عنه وهي مصداق الحديث السابق لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد
وقال آخرون لا يجوز لعنه إذ لم يثبت عندنا ما يقتضيه وبه أفتى الغزالي وأطال في الانتصار له وهذا هو اللائق بقواعد أئمتنا وبما صرحوا به من أنه لا يجوز أن يلعن شخص بخصوصه إلا إن علم موته على الكفر كأبي جهل وأبي لهب وأما من لم يعلم فيه ذلك فلا يجوز لعنه حتى إن الكافر الحي المعين لا يجوز لعنه لأن اللعن هو الطرد عن رحمة الله المستلزم لليأس منها وذلك إنما يليق بمن علم موته على الكفر وأما من لم يعلم فيه ذلك فلا وإن كان كافرا في الحالة الظاهرة لاحتمال أن يختم له بالحسنى فيموت على الإسلام وصرحوا أيضا بأنه لا يجوز لعن فاسق مسلم معين وإذا علمت أنهم صرحوا بذلك علمت أنهم مصرحون بأنه لا يجوز لعن يزيد وإن كان فاسقا خبيثا ولو سلمنا أنه أمر بقتل الحسين وسر به لأن ذلك حيث لم يكن عن استحلال أو كان عنه لكن بتأويل ولو باطلا وهو فسق لا كفر على أن أمره بقتله وسروره به لم يثبت صدوره عنه من وجه صحيح
بل كما حكي عنه ذلك حكي عنه ضده كما قدمته

(2/637)


وأما ما استدل به أحمد على جواز لعنه من قوله تعالى أولئك الذين دل لعنهم الله محمد 23 وما استدل به غيره من قوله في حديث مسلم وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فلا دلالة فيهما لجواز لعن يزيد بخصوص اسمه والكلام إنما هو فيه وإنما الذي عليه جواز لعنه لا بذلك الخصوص وهذا جائز بلا نزاع ومن ثم حكي الاتفاق على أنه يجوز لعن من قتل الحسين رضي الله عنه أو أمر بقتله أو أجازه أو رضي به من غير تسمية ليزيد كما يجوز لعن شارب الخمر ونحوه من غير تعيين وهذا هو الذي في الآية والحديث إذ ليس فيهما تعرض للعن أحد بخصوص اسمه بل لمن قطع رحمه ومن أخاف أهل المدينة فيجوز اتفاقا أن يقال لعن الله من قطع رحمه ومن أخاف أهل المدينة ظلما
وإذا جاز هذا اتفاقا لكونه ليس فيه تسمية أحد بخصوصه فكيف يستدل به أحمد وغيره على جواز لعن شخص معين بخصوصه مع وضوح الفرق بين المقامين فاتضح أنه لا يجوز لعنه بخصوصه وأنه لا دلالة في الآية والحديث للجواز
ثم رأيت ابن الصلاح من أكابر أئمتنا الفقهاء والمحدثين قال في فتاويه

(2/638)


لما سئل عمن يلعنه لكونه أمر بقتل الحسين رضي الله عنه لم يصح عندنا أنه أمر بقتله رضي الله عنه والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله كرمه الله إنما هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك
وأما سب يزيد ولعنه فليس ذلك من شأن المؤمنين وإن صح أنه قتله أو أمر بقتله
وقد ورد في الحديث المحفوظ أن لعن المسلم كقتله وقاتل الحسين رضي الله عنه لا يكفر بذلك وإنما ارتكب إثما عظيما وإنما يكفر بالقتل قاتل نبي من الأنبياء
والناس في يزيد ثلاث فرق فرقة تتولاه وتحبه وفرقة تسبه وتلعنه وفرقة متوسطة في ذلك لا تتولاه ولا تلعنه وتسلك به مسلك سائر ملوك الإسلام وخلفائهم غير الراشدين في ذلك وهذه الفرقة هي المصيبة ومذهبها هو اللائق بمن يعرف سير الماضين ويعلم قواعد الشريعة المطهرة
جعلنا الله من أخيار أهلها آمين
انتهى لفظه بحروفه وهو نص فيما ذكرته
وفي الأنوار منكتب أئمتنا المتأخرين والباغون ليسوا بفسقة ولا كفرة ولكنهم مخطئون فيها يفعلونه ويذهبون إليه ولا يجوز الطعن في معاوية لأنه من كبار الصحابة ولا يجوز لعن يزيد ولا تكفيره فإنه من جملة المؤمنين

(2/639)


وأمره إلى مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه قاله الغزالي والمتولي وغيرهما
قال الغزالي وغيره ويحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكاياته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فإنه يهيج على بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين تلقى الأئمة الدين عنهم رواية ونحن تلقيناه من الأئمة دراية فالطاعن فيهم مطعون طاعن في نفسه ودينه
قال ابن الصلاح والنووي الصحابة كلهم عدول وكان للنبي مائة ألف وأربعة عشر ألف صحابي عند موته والقرآن والأخبار مصرحان بعدالتهم وجلالتهم ولما جرى بينهم محامل لا يحتمل ذكرها هذا الكتاب
انتهى ملخصا
وما ذكره من حرمة رواية قتل الحسين وما بعدها لا ينافي ماذكرته في هذا الكتاب لأن هذا البيان الحق الذي يجب اعتقاده من جلالة الصحابة وبراءتهم من كل نقص بخلاف ما يفعله الوعاظ الجهلة فإنهم يأتون بالأخبار الكاذبة الموضوعة ونحوها ولا يبينون المحامل والحق الذي يجب اعتقاده فيوقعون العامة في بغض الصحابة وتنقيصهم بخلاف ما ذكرناه فإنه لغاية إجلالهم وتنزيههم هذا

(2/640)


وقد بتر عمر يزيد لسوء ما فعله واستجابة لدعوة أبيه فإنه ليم علىعهده إليه فخطب وقال اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فعله فبلغه ما أملته وأعنه وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده وأنه ليس لما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك
فكان كذلك لأن ولايته كانت سنة ستين ومات سنة أربع وستين لكن عن ولد شاب صالح عهد إليه فاستمر مريضا إلى أن مات ولم يخرج إلى الناس ولا صلى بهم ولا أدخل نفسه في شيء من الأمور وكانت مدة خلافته أربعين يوما وقيل شهرين وقيل ثلاثة شهور ومات عن إحدى وعشرين سنة وقيل عشرين
ومن صلاحه الظاهر أنه لما ولي العهد صعد المنبر فقال إن هذه الخلافة حبل الله وإن جدي معاوية نازع الأمر أهله ومن هو أحق به منه علي بن أبي طالب وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته فصار في قبره رهينا بذنوبه ثم قلد أبي الأمر وكان غير أهل له ونازع ابن بنت رسول الله فقصف عمره وانبتر عقبه وصار في قبره رهيبا بذنوبه ثم بكى وقال إن من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وبئيس منقلبه وقد قتل عترة رسول الله وأباح الحرم وخرب الكعبة ولم أذق حلاوة الخلافة فلا أتقلد مرارتها

(2/641)


فشأنكم أمركم والله لئن كانت الدنيا خيرا فقد نلنا منها حظا ولئن كانت شرا فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها ثم تغيب في منزله حتى مات بعد أربعين يوما على ما مر فC حيث أنصف من أبيه وعرف الأمر لأهله كما عرفه عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الصالح رضي الله عنه فقد مر عنه أنه ضرب من سمى يزيد أمير المؤمنين عشرين سوطا ولعظيم صلاحه وعدله وجميل أحواله ومآثره قال سفيان الثوري كما أخرجه عنه أبو داود في سننه الخلفاء الراشدون خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز
وإنما لم يعد الحسن وابن الزبير مع صلاحية كل منهما أن يكون منهم بل مر النص على أن الحسن منهم لقصر مدة الحسن ولأن كلا منهما لم يتم له من نفاذ الكلمة واجتماع الأمة ما تم لعمر بن عبد العزيز
وعن ابن المسيب أنه قال إنما الخلفاء ثلاثة أبو بكر وعمر وعمر
فقال له حبيب هذا أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن عمر قال إن عشت أدركته وإن مت كان بعدك
هذا مع كون ابن المسيب مات قبل خلافة عمر والظاهر أنه اطلع على ذلك من بعض أخصاء الصحابة الذين أخبرهم النبي بكثير ما يكون بعده كأبي هريرة وحذيفة وكذا يقال فيما يأتي عن عمر من

(2/642)


التبشير بعمر
وورد من طرق أن الذئاب في أيام خلافته رعت مع الشاة فلم تعد إلا ليلة موته
وأمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان يبشر به ويقول من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلا
أخرجه الترمذي في تاريخه وكان بوجهه عمر بن عبد العزيز شجة ضربته دابة في جبهته وهو غلام فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد فصدق ظن أبيه فيه
وأخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال ليت شعري من ذو الشين من ولدي يملؤها عدلا كما ملئت جورا
وأخرج ابن عمر قال كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر فكان بلال بن عبد الله بن عمير بوجهه شامة وكانوا يرون أنه هو حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز
وأخرج البيهقي وغيره من طرق عن أنس ما صليت وراء إمام بعد رسول الله

(2/643)


خير من هذا الفتى
يعني عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة من جهة الوليد بن عبد الملك فإنه لما ولي الخلافة بعهد أبيه إليه بها أمر عمر عليها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عيلة قال دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد والناس يسلمون عليه ويقولون تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين فيرد عليهم ولا ينكر عليهم
قال بعض الحفاظ الفقهاء من المتأخرين وهذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر
انتهى
وهو كما قال فإن عمر بن عبد العزيز كان من أوعية العلم والدين وأئمة الهدى والحق كما يعلم ذلك من طالع مناقبه الجليلة ومآثره العلية وأحواله السنية وقد استوفى كثيرا منها أبو نعيم وابن عساكر وغيرهما
ولولا خوف الإطالة والانتشار لذكرت منها غررا مستكثرة لكن فيما أشرت إليه كفاية
ولنختم الكتاب بحكاية جليلة نفيسة فيها فوائد غريبة وهي أن أبا نعيم أخرج بسند صحيح عن رباح بن عبيدة قال خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ يتوكأ على يده فقلت في نفسي إن هذا الشيخ جاف فلما صلى ودخل لحقته فقلت أصلح الله الأمير من الشيخ الذي كان يتكىء على يدك قال يا رباح رأيته قلت نعم قال ما أحسبك إلا رجلا صالحا ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها
فC ورضي عنه

(2/644)


وأنا أسأل الله المنان الوهاب أن يلحقني بعباده الصالحين وأوليائه العارفين وأحبائه المقربين وأن يميتني على محبتهم ويحشرني في زمرتهم وأن يديم لي خدمة جناب آل محمد وصحبه ويمن علي برضاه وحبه ويجعلني من الهادين المهديين أئمة أهل السنة والجماعة العلماء والحكماء السادة القادة العاملين إنه أكرم كريم وأرحم رحيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا سرا وعلنا يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك حمدا طيبا مباركا فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد
والصلاة والسلام التامان الأكملان على أشرف خلقك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته عدد خلقك ورضا لنفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون
والحمد لله رب العالمين

(2/645)


تتمة في أبواب منتقاة من كتاب للحافظ السخاوي

(2/646)


تتمة
لما فرغت من هذا الكتاب أعني الصواعق المحرقة رأيت بعد أربع عشرة سنة وقد كتب منه من النسخ ما لا أحصي ونقل إلى أقاصي البلدان والأقاليم كأقصى المغرب وما وراء النهر سمرقند وبخارى وكشمير وغيرها والهند واليمن كتابا في مناقب أهل البيت فيه زيادات على ما مر لبعض الحفاظ من معاصري مشايخنا وهو الحافظ السخاوي رحمه الله وكان يمكن إلحاق زياداته لقلتها على حواشي النسخ لكن لتفرقها تعذر ذلك فأردت أن ألخص هذا الكتاب مع زيادات في ورقات إن أفردت فهي كافية في التنبيه على كثير من مآثرهم وإن ضمت لهذا الكتاب فهي مؤكدة تارة ومؤسسة أخرى
فأقول اعلم أنه أشار في خطبة هذا الكتاب إلىبعض حط على ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للإمام الحافظ المحب الطبري بأن فيه كثيرا من الموضوع والمنكر فضلا عن الضعيف ثم نقل عن شيخه الحافظ العسقلاني أنه قال في حق المحب الطبري إنه كثير الوهم في عزوه للحديث مع كونه لم يكن

(2/647)


في زمنه مثله ثم ذكر مقدمة في بيان فروع بني هاشم وفروع بني المطلب ولاحاجة لنا بذلك لأنه معروف مشهور أكثره ولأن الغرض إنما هو ذكر ما يختص بآل البيت المطهر
وفيه أبواب

(2/648)


باب وصية النبي
قال ألا إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي وإن كرشي الأنصار فاعفوا عن مسيئهم من واقبلوا محسنهم حديث حسن
وفي رواية ألا إن عيبتي وكرشي أهل بيتي والأنصار فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم أي إنهم جماعتي وأصحابي الذين أثق بهم وأطلعهم على أسراري وأعتمد عليهم
وكرشي باطني وعيبتي ظاهري وجمالي
وهذا غاية في التعطف عليهم والوصية بهم ومعنى وتجاوزوا عن مسيئهم أقيلوهم عثراتهم فهو كحديث أقيلوا ذوي الهيئات
وصح من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى الشورى 23 بأن المراد منه أنه ما من بطن من قريش إلا وللنبي إليها ولادة وقرابة قريبة
أي إن لم تؤمنوا بما جئت به وتبايعوني عليه فلا أسألكم مالا وإنما أسألكم أن تحفظوا القرابة التي بيني وبينكم فلا تؤذوني ولا تنفروا الناس عني صلة للرحم التي بيني وبينكم إذ أنتم في الجاهلية كنتم تصلون الأرحام ولا تدعوا غيركم من العرب يكون أولى منكم بحفظي ونصرتي

(2/649)


وتبعه على ذلك جماعة من تلامذته وغيرهم ولكن خالفه أجلهم تلميذه الإمام سعيد بن جبير ففسر بحضرته الآية بأن المراد قل لا أسألكم أيها الناس مالا على ما بلغته إليكم وإنما الذي أسالكموه أن تصلوا قرابتي وتودوني فيهم
وكان ابن جبير مع ذلك يفسر الآية بالوجه الأول أيضا وهو التحقيق لأنها صالحة لكل منهما لكن يؤيد الأول أن السورة مكية وقد رد ابن عباس على ابن جبير تفسيره ولم يرجع إليه
وجاء من طريق ضعيفة أن ابن عباس فسرها بما فسر به ابن جبير ورفع ذلك إلى النبي فقال قالوا يا رسول الله عند نزول الآية من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما
وفي طريق ضعيفة أيضا لكن لها شاهد مختصر صحيح أن سبب نزول الآية افتخار الأنصار بآثارهم الحميدة في الإسلام على قريش فأتاهم النبي في مجالسهم فقال ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي قالوا بلى يا رسول الله
قال ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك أو لم يكذبوك فصدقناك أو لم يخذلوك فنصرناك
فما زال يقول لهم حتى جثوا على الركب وقالوا أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله فنزلت الآية
وفي طريق ضعيفة أيضا أن سبب نزولها أنه لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده شيء فجمع له الأنصار مالا فقالوا يا رسول الله إنك ابن أختنا وقد هدانا الله بك وتنوبك نوائب وحقوق وليس معك سعة فجمعنا لك من أموالنا ما تستعين به عليها فنزلت

(2/650)


وكونه ابن أختهم جاء في الرواية الصحيحة لأن أم عبد المطلب من بني النجار منهم
وفي حديث سنده حسن ألا إن لكل نبي تركة ووضيعة وإن تركتي ووضيعتي الأنصار فاحفظوني فيهم
ويؤيد ما مر من تفسير ابن جبير أن الآية في الآل ماجاء عن علي كرم الله وجهه قال فينا آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ثم قرا الآية
وجاء ذلك عن زين العابدين أيضا فإنه لما قتل أبوه الحسين رضي الله عنه جيء به أسيرا فأقيم على درج دمشق فقال رجل من أهل الشام الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة
فقال له زين العابدين أقرأت القرآن قال نعم فبين له أن الآية فيهم وأنهم القربى فيها فقال وإنكم لأنتم هم قال نعم
أخرجه الطبراني
وأخرج الدولابي أن الحسن كرم الله وجهه قال في خطبته أنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال لنبينا قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا واقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت

(2/651)


وأورد المحب الطبري أنه قال إن الله جعل أجري عليكم المودة في أهل بيتي وإني سائلكم غدا عنهم
وقد جاءت الوصية الصريحة بهم في عدة أحاديث منها حديث إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما
قال الترمذي حسن غريب وأخرجه آخرون ولم يصب ابن الجوزي في إيراده في العلل المتناهية كيف وفي صحيح مسلم و غيره في خطبته قرب رابغ مرجعه من حجة الوداع قبل وفاته بنحو شهر إني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثا فقيل لزيد بن أرقم راويه من أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته قال من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قيل ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس رضي الله عنهم
قيل كل هؤلاء حرم الصدقة قال نعم

(2/652)


وفي رواية صحيحة كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما آكد من الآخر كتاب الله عز و جل وعترتي أي بالمثناة فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي حوضي وفي رواية وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض سألت ربي ذلك لهما فلا تتقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابيا الحاجة لنا إلى بسطها وفي رواية آخر ما تكلم به النبي اخلفوني في أهلي
وسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما إذ يقال لكل خطير شريف ثقلا أو لأن العمل بما أوجب الله من حقوقهما ثقيل جدا
ومنه قوله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا المزمل 5 أي له وزن وقدر لأنه لا يؤدى إلا بتكليف ما يثقل
وسمي الإنس والجن ثقلين لاختصاصهما بكونهما قطان الأرض وبكونهما فضلا بالتمييز على سائر الحيوان وفي هذه الأحاديث سيما قوله انظروا كيف تخلفوني فيهما و أوصيكم بعترتي خيرا و أذكركم الله في اهل بيتي الحث الأكيد على مودتهم ومزيد الإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم وتأدية حقوقهم الواجبة والمندوبة كيف وهم أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرا وحسبا ونسبا ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وعقيل وبنيه وبني

(2/653)


جعفر وفي قوله لا تتقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم دليل على ان من تاهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدما علىغيره ويدل له التصريح بذلك في كل قريش كما مر في الأحاديث الواردة فيهم
وإذا ثبت هذا لجملة قريش فأهل البيت النبوي الذين هم غرة فضلهم ومحتد فخرهم والسبب في تميزهم على غيرهم بذلك أحرى وأحق وأولى
وسبق عن زيد بن أرقم أن نساءه من أهل بيته ثم قال ولكن أهل بيته إلى آخره ويؤخذ منه أنهم من أهل بيته بالمعنى الأعم دون الأخص وهم من حرمت عليه الصدقة ويؤيد ذلك خبر مسلم أنه خرج ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم الحسين فأدخله ثم فاطمة فأدخلها ثم علي فأدخله رضي الله عنهم ثم قال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الأحزاب 33 وفي رواية اللهم هؤلاء أهل بيتي وفي أخرى أن أم سلمة أرادت أن تدخل معهم فقال بعد منعه لها أنت على خير وفي أخرى أنها قالت يا رسول الله وأنا فقال وأنت أي من أهل البيت العام بدليل الرواية الأخرى قالت وأنا قال وأنت من أهلي
وكذا قال لواثلة لما قال يا رسول الله وأنا فقال أنت من أهلي وروي أنه قال لعلي سليمان منا آل البيت وهو ناصح

(2/654)


فاتخذه لنفسك فعده منهم باعتبار صدق صحبته وعظيم قربه وولائه
وفي سند كل ما عدا رواية مسلم مقال
وفي رواية أسامة منا آل البيت ظهرا لبطن وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن الذين نزلت فيهم الآية النبي وعلي وفاطمة وابناهما رضي الله عنهم وقال يا رب هذا عمي وصنوا أبي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه فأمنت أسكفه الباب وحوائط البيت آمين آمين آمين
وحديث مسلم أصح من هذا وأهل البيت فيه غير أهله في حديث العباس وبنيه المذكور لما مر أن له إطلاقين إطلاقا بالمعنى الأعم وهو ما يشتمل جميع الآل تارة والزوجات أخرى ومن صدق في ولائه ومحبته أخرى وإطلاقا بالمعنى الأخص وهم من ذكروا في خبر مسلم وقد صرح الحسن رضي الله عنه بذلك فإنه حين استخلف وثب عليه رجل من بني أسد فطعنه وهو ساجد بخنجر لم يبلغ منه مبلغا ولذا عاش بعده عشر سنين فقال يا أهل العراق اتقوا الله فينا فإنا امراؤكم وضيفانكم ونحن أهل البيت الذين قال الله عز و جل فيهم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم

(2/655)


تطهيرا ولا زال يكرر ذلك حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا وهو يحن بكاء
وقال زين العابدين لبعض أهل الشام أما قرأت في الأحزاب إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا قال ولأنتم هم قال نعم
وقول زيد بن أرقم أهل بيته من حرم الصدقة هو بضم المهملة وتخفيف الراء والمراد بالصدقة فيه وفسرهم الشافعي وغيره ببني هاشم والمطلب وعوضوا عنها خمس الخمس من الفيء والغنيمة المذكور في سورتي الأنفال والحشر إذ هم المراد بذي القربى فيهما
قال البيهقي وفي تخصيصه بني هاشم والمطلب بإعطائهم سهم ذوي القربى وقوله إنما بنوا هاشم والمطلب شيء واحد فضيلة أخرى وهي أنه حرم عليهم الصدقة وعوضهم عنها خمس الخمس فقال إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد
قال وذلك يدل أيضا على أن آله الذين أمرنا بالصلاة عليهم معه هم الذين حرم الله عليهم الصدقة وعوضهم عنها خمس الخمس فالمسلمون من بني هاشم والمطلب يكونون داخلين في صلاتنا على آل نبينا في فرائضنا ونوافلنا وفيمن أمرنا بحبهم
انتهى
وقصر مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما تحريم الزكاة على بني هاشم وعن أبي حنيفة جوازها لهم مطلقا

(2/656)


وقال الطحاوي إنهم حرموا سهم ذوي القربى
وأبو يوسف تحل من بعضهم لبعض ومذهب أكثر الحنفية والشافعي وأحمد حل أخذهم النفل
وهو رواية عن مالك وعنه حل أخذ الفرض دون التطوع لأن الذل فيه أكثر
وأسند المحب الطبري خبر استوصوا بأهل بيتي خيرا فإني أخاصمكم عنهم غدا يوم القيامة ومن أكن خصمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار
قال الحافظ السخاوي لم أقف له على أصل أعتمده وصح عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال ارقبوا محمدا أي احفظوا عهده ووده في أهل بيته

(2/657)


تتمة في أبواب منتاة من كتاب للحافظ السخاوي

(2/658)


باب الحث على حبهم والقيام بواجب حقهم
صح خلافا لما وهم فيه ابن الجوزي أنه قال أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي
وأخرج البيهقي وغيره يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وتكون عترتي أحب إليه من عترته ويكون أهلي أحب إليه من أهله وتكون ذاتي أحب إليه من ذاته
وصح أن العباس قال يا رسول الله إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها فغضب غضبا شديدا وقال والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم الله ولرسوله
وفي رواية لابن ماجة عن ابن عباس كنا نلقى قريشا وهم يتحدثون فيقطعون حديثهم فذكرنا ذلك لرسول الله فقال ما بال أقوام يتحدثون فإذا رأوا الرجال من أهل بيتي قطعوا حديثهم والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ولقربتهم مني وفي أخرى عند أحمد وغيره حتى يحبكم الله ولقرابتي وفي أخرى للطبراني جاء العباس رضي الله عنه إلى النبي فقال إنك تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت أي بقريش والعرب

(2/659)


فقال لا يبلغ الخير أو قال الإيمان عبد حتى يحبكم لله ولقرابتي أترجوا سلهب أي حي من مراد شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب
وفي أخرى للطبراني أيضا يا بني هاشم إني قد سألت الله عز و جل لكم أن يجعلكم رحماء نجباء وسألته أن يهدي ضالكم ويؤمن خائفكم ويشبع جائعكم
وإن العباس رضي الله عنه أتى النبي فقال يا رسول الله إني انتهيت إلى قوم يتحدثون فلما رأوني سكتوا لا يؤمن أحدكم حتى يحبكم لحبي أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي وما ذاك إلا أنهم يبغضونا فقال أو قد فعلوها والذي نفسي بيده ولا يرجوها بنو عبد المطلب وفي حديث بسند ضعيف أنه خرج مغضبا فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال رجال يؤذوني في أهل بيتي والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني ولا يحبني حتى يحب ذوي رحمي
وفي رواية للبيهقي وغيره وبعضها سنده ضعيف وبعضها سنده واه أن نسوة عيرن بنت أبي لهب بأبيها فغضب واشتد غضبه فصعد المنبر ثم قال أيها الناس مالي أوذى في أهلي فوالله إن شفاعتي لتنال قرابتي وفي رواية ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي ألا ومن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله وفي أخرى ما بال رجال يؤذونني في قرابتي ألا

(2/660)


من آذى قرابتي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى
وروى الطبراني أن أم هانىء أخت علي رضي الله عنهما بدا قرطاها فقال لها عمر إن محمدا لا يغني عنك من الله شيئا
فجاءت إليه فأخبرته فقال تزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي وإن شفاعتي تنال صداء وحكما
أي وهما قبيلتان من عرب اليمن
وروى البزار أن صفية عمة رسول الله توفي لها ابن فصاحت فصبرها النبي فخرجت ساكتة فقال لها عمر فأمر بلالا فنادى بالصلاة فصعد المنبر ثم قال ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا ونسبي وسببي فإنها موصولة في الدنيا والآخرة
الحديث بطوله وفيه ضعفاء
وصح أنه قال على المنبر ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله لا تنفع قومه يوم القيامة والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة وإني أيها الناس فرطكم على الحوض
ولا ينافي هذه الأحاديث ما في الصحيحين وغيرهما أنه لما نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك خرج فجمع قومه ثم عم وخص بقوله لا أغني عنكم من الله شيئا حتى قال يا فاطمة بنت محمد إما لأن هذه الرواية محمولة على من مات كافرا أو أنها خرجت مخرج التغليظ والتنفير أو أنها قبل علمه بأنه يشفع عموما وخصوصا

(2/661)


وجاء عن الحسن رضي الله عنه أنه قال لرجل يغلوا فيهم ويحكم أحبونا لله1 فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فأبغضونا
فقال له الرجل إنكم ذوو قرابة رسول الله وأهل بيته
فقال ويحكم لو كان الله نافعنا بقرابة رسول الله من غير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا وإني أخاف أن يضاعف للعاصي منها العذاب ضعفين
وورد إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار
وأخرج أبو الفرج الأصبهاني أن عبد الله بن الحسن بن علي رضي الله عنهم دخل يوما على عمر بن عبد العزيز وهو حدث السن وله وفرة فرفع عمر مجلسه وأقبل عليه وقضى حوائجه ثم أخذ بعكنة من عكنه فغمزها حتى أوجعه وقال أذكرها عندك للشفاعة فلما خرج ليم على ما فعل به فقال حدثني الثقة حتى كأني أسمعه من رسول الله إنما فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها وأنا أعلم أن فاطمة لو كانت حية لسرها ما فعلت بابنها
قالوا فما غمزك بطنه وقولك ما قلت فقال غنه ليس أحد من بني هاشم إلا وله شفاعة ورجوت أن أكون في شفاعة هذا
وروى الطبراني بسند ضعيف أنه قال الزموا مودلنا أهل البيت فإنه من لقي الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع أحد عمله إلا بمعرفة حقنا

(2/662)


وأخرج الطبراني أنه قال لعلي كرم الله وجهه أنت وشيعتك
أي أهل بيتك ومحبوكم الذين لم يبتدعوا بسب أصحابي ولا بغير ذلك تردون علي الحوض رواة مرويين مبيضة وجوكم وإن عدوكم يردون علي ظماء مقمحين
وفي رواية إن الله قد غفر لشيعتك ولمحبي شيعتك
وروى الترمذي أنه قال اللهم اغفر للعباس ولولده مغفرة ظاهرة وباطنة مغفرة لا تغادر ذنبا اللهم اخلفه في ولده
وكذا دعا رسول الله بالمغفرة للأنصار ولأبنائهم وأبناء أبنائهم ولمن أحبهم وروى المحب الطبري حديث لا يحبنا اهل البيت إلا مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي
وأخرج الديلمي من أحب الله أحب القرآن ومن احب القرآن أحبني ومن أحبني أحب أصحابي وقرابتي وحديث أحبوا أهلي وأحبوا عليا فإن من أبغض أحدا من أهلي فقد حرم شفاعتي
قال ابن عدي وابن الجوزي موضوع وحديث حب آل محمد يوما خير من عبادة سنة وحديث حبي وحب آل بيتي نافع في سبع مواطن أهوالها عظيمة وحديث معرفة آل محمد براءة من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب
قال الحافظ السخاوي وأحسب الثلاثة غير صحيحة الإسناد وحديث أنا شجرة وفاطمة حملها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرها والمحبون أهل بيتي ورقها وكلنا في الجنة حقا حقا
وحديث إن شيعتنا يخرجون من قبورهم يوم القيامة على ما بهم من العيوب والذنوب وجوههم كالقمر ليلة البدر موضوعات

(2/663)


وحديث من مات على حب آل محمد مات شهيدا مغفورا له تائبا مؤمنا مستكمل الإيمان يبشره ملك الموت بالجنة ومنكر ونكير يزفانه إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها وفتح له بابان إلى الجنة ومات على السنة والجماعة ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله
أخرجه مبسوطا الثعلبي في تفسيره قال الحافظ السخاوي وآثار الوضع كما قال شيخنا أي الحافظ ابن حجر لائحة عليه
وحديث من أحبنا بقلبه وأعاننا بيده ولسانه كنت أنا وهو في عليين ومن أحبنا بقلبه وأعاننا بلسانه وكف يده فهو في الدرجة التي تليها ومن أحبنا بقلبه وكف عنا لسانه ويده فهو في الدرجة التي تليها في سنده غال في الرفض وهالك كذاب
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ حديث إن الله عز و جل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دينه ولا دنياه قلت وما هن قال حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي
وأخرج أبو الشيخ أيضا والديلمي من لم يعرف حق عترتي والأنصار والعرب فهو لإحدى ثلاث إما منافق وإما لزنية وإما حملت به أمه في غير طهر

(2/664)


باب مشروعية الصلاة عليهم تبعا للصلاة على مشرفهم

(2/665)


باب مشروعية الصلاة عليهم تبعا للصلاة على مشرفهم
صح يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم الحديث
وفي بقية الروايات كيف نصلي عليك يا رسول الله قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الحديث
ويستفاد من الرواية الأولى أن أهل البيت من جملة الآل أو هم الآل لكن صح ما يصرح بأنهم بنو هاشم والمطلب وهم أعم من أهل البيت ومر أن أهل البيت قد يراد بهم الآل وأعم منهم
ومنه حديث أبي داود من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد
وجاء بسند ضعيف عن واثلة قال قال رسول الله لما جمع فاطمة وعليا والحسن والحسين رضي الله عنهم تحت ثوبه اللهم قد جعلت صلاتك ومغفرتك ورحمتك ورضوانك على إبراهيم وآل إبراهيم إنهم مني وأنا منهم

(2/666)


فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي وعليهم وقال واثلة وكنت واقفا على الباب فقلت وعلي بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال اللهم وعلى واثلة
وأخرج الدارقطني والبيهقي حديث ومن صلى صلاة ولم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه
وكأن هذا الحديث هو مستند قول الشافعي رضي الله عنه إن الصلاة على الآل من واجبات الصلاة كالصلاة عليه لكنه ضعيف فمستنده الأمر في الحديث المتفق عليه قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد والأمر للوجوب حقيقة على الأصلح وبقي لهذه الأحاديث تتمات وطرق بينتها في كتابي الدر المنضود

(2/667)


باب دعائه بالبركة في هذا النسل الكريم
روى النسائي في عمل اليوم والليلة أن نفرا من الأنصار قالوا لعلي رضي الله عنه لو كانت عندك فاطمة فدخل رضي الله عنه على النبي يعني ليخطبها فسلم علي فقال ما حاجة ابن أبي طالب قال ذكرت فاطمة بنت رسول الله
قال مرحبا وأهلا لم يزده عليها فخرج إلى الرهط من الأنصار وهم ينتظرونه فقالوا ما وراءك قال ما أدري غير أنه قال لي مرحبا وأهلا قالوا يكفيك من رسول الله أحدهما قد أعطاك الأهل وأعطاك الرحب
فلما كان بعد ذلك بعدما زوجه قال يا علي لا بد للعرس من وليمة
قال سعد رضي الله عنه عندي كبش وجمع له رهط من الأنصار آصعا من ذرة قال فلما كان ليلة البناء قال لا تحدث شيئا حتى تلقاني فدعا بماء فتوضا منه ثم أفرغه على علي وفاطمة رضي الله عنهما وقال اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما
ورواه آخرون مع حذف بعضه

(2/669)


باب بشارتهم الجنة

(2/670)


باب بشارتهم بالجنة
مر في الباب الثاني عدة أحاديث في أن لهم منه شفاعة مخصوصة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار أخرجه تمام في فوائده والبزار والطبراني بلفظ فحرمها الله وذريتها على النار
وجاء عن علي بسند ضعيف قال شكوت إلى رسول الله حسدا في الناس فقال أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا
وفي رواية سندها ضعيف جدا أنه قال لعلي إن أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وذراريتنا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذرارينا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا
وروى ابن السدي والديلمي في مسنده نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة أنا وحمزة وعلي وجعفر ابنا أبي طالب والحسن والحسين والمهدي

(2/671)


وصح أنه قال وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم لله بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم
وجاء بسند رواته ثقات أنه قال لفاطمة إن الله غير معذبك ولا ولدك وفي رواية أنه قال لعمه العباس يا عباس إن الله غير معذبك ولا أحد من ولدك وفي رواية يا عم سترك الله وذريتك من النار
وروى المحب الطبري والديلمي وولده بلا إسناد حديث سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي فأعطاني ذلك
وروى المحب عن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول اللهم إنهم عترة رسولك فهب مسيئهم لمحسنهم وهبهم لي ففعل قلت مافعل قال فعله ربكم بكم ويفعله بمن بعدكم
وفي حديث قال السخاوي لا يصح يا علي إن الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك فأبشر فإنك الأنزع البطين
وروى أحمد أنه قال يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم
وفي حديث سنده ضعيف أول من يرد علي حوضي أهل بيتي ومن

(2/672)


أحبني من أمتي
وصح أول الناس يرد علي الحوض فقراء المهاجرين الشعث
وأخرج الطبراني والدارقطني وغيرهما أول من اشفع له من أمتي أهل بيتي الأقرب فالأقرب ثم الأنصار ثم من آمن بي واتبعني ثم اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم
وفي رواية للبزار والطبراني وابن شاهين وغيرهم أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف

(2/673)


باب الأمان ببقائهم

(2/674)


باب الأمان ببقائهم
أخرج جماعة بسند ضعيف خبر النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي
وفي رواية لأحمد وغيره النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض
النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف أي المؤدي لاستئصال الأمة فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس
وجاء من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضا مثل أهل بيتي وفي رواية إنما مثل أهل بيتي وفي أخرى إن مثل أهل بيتي وفي رواية ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق
وفي رواية من ركبها سلم ومن لم يركبها غرق وإن مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائل من دخله غفر له
وجاء عن الحسين كرم الله وجهه من أطاع الله من ولدي واتبع كتاب الله وجبت طاعته

(2/675)


وعن ولده زين العابدين رضي الله عنهما إنما شيعتنا من أطاع الله وعمل مثل أعمالنا
وعزا المحب الطبري لأبي سعيد في شرف النبوة بلا إسناد حديث أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة و أغصانها في الدنيا فمن تمسك بها اتخذ إلى ربه سبيلا
وأورد أيضا بلا إسناد حديث في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين . . الحديث
وأشهر منه الحديث المشهور يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه . . إلى آخره
وهذا هو مستند ابن عبد البر وغيره أن كل من حمل العلم ولم يتكلم فيه بجرح فهو عدل

(2/676)


باب خصوصياتهم الدالة على عظيم كراماتهم
وجاء طرق بعضها رجاله موثقون أنه قال كل سبب ونسب منقطع وفي رواية ينقطع يوم القيامة إلا وفي رواية ما خلا سببي ونسبي يوم القيامة وكل ولد أم وفي رواية وكل ولد أب فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم
وهذا الحديث رواه عمر رضي الله عنه لعلي رضي الله عنهما لما خطب منه بنته أم كلثوم فاعتل بصغرها فقال إني لم أرد الباءة ولكني سمعت رسول الله يقول فذكره ثم قال فأحببت أن يكون لي من رسول الله سبب ونسب
ولما تزوجها قال للناس ألا تهنئوني سمعت رسول الله يقول فذكر الحديث
وفي رواية كل سبب وصهر منقطع إلا سببي وصهري وفي رواية في سندها ضعف لكل بني أم عصبة ينتمون إليه إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وعصبتهم
وفي رواية فأنا أبوهم وأنا عصبتهم
وجاء من طرق يقوي بعضها بعضا خلافا لما زعمه ابن الجوزي إن الله عز و جل جعل ذرية كل نبي في صلبه وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب

(2/677)


وفي هذه الأحاديث دليل ظاهر لما قاله جمع من محققي أئمتنا أن من خصائصه أن أولاد بناته ينسبون إليه في الكفاءة وغيرها أي حتى لا يكافىء بنت شريف ابن هاشمي غير شر يف وأولاد بنات غيره إنما ينسبون لآبائهم لا إلى آباء أمهاتهم
وفي البخاري أنه قال على المنبر وهو ينظر للناس مرة وللحسن مرة إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بيت فئتين من المسلمين
قال البيهقي وقد سماه النبي ابنه حين ولد وسمى إخوته بذلك
وعن الحسن بسند حسن كنت مع النبي فمر على جرين من تمر الصدقة فأخذت منه تمرة فألقيتها في في فأخذها بلعابها ثم قال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة
واخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وآخرون خبر المهدي من عترتي من ولد فاطمة وفي أخرى لأحمد وغيره المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة وفي أخرى للطبراني المهدي منا يختم الدين بنا كما فتح بنا

(2/678)


وروى أبو داود في سننه عن علي كرم الله وجهه أنه نظر إلى ابنه الحسن رضي الله عنه فقال إن ابني هذا سيد كما سماه النبي وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأض عدلا وفي رواية إن عيسى يصلي خلفه
وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال منا أهل البيت أربعة منا السفاح ومنا المنذر ومنا المنصور ومنا المهدي ثم ذكر بعض وصف كل من الثلاثة الأول ثم قال وأما المهدي فإنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وتأمن البهائم والسباع وتلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة
وهذا كحديث المهدي من ولد العباس عمي وكحديث هذا أي العباس عمي أبو الخلفاء وإن من ولده السفاح والمنصور والمهدي يا عم بي فتح الله هذا الأمر ويختمه برجل من ولدك
سند كل منهما ضعيف وعلى تقدير صحتهما لا ينافي كون المهدي من ولد فاطمة المذكور في الأحاديث التي هي أصح واكثر لأنه مع ذلك فيه شعبة من بني العباس كما أن فيه شعبة من بني الحسين وأما هو حقيقة فهو من ولد الحسن كما مر عن علي كرم الله وجهه
وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال المهدي اسمه محمد ابن عبد الله ربعة مشرب بحمرة يفرج الله به عن هذه الأمة كل كرب ويصرف بعدله كل جور ثم يلي الأمر من بعده اثنا عشر رجلا ستة من ولد

(2/679)


الحسن وخمسة من ولد الحسين وآخر من غيرهم ثم يموت فيفسد الزمان وحديث لا مهدي إلا عيسى ابن مريم معلول أو المراد لا مهدي كامل على الإطلاق إلا عيسى وجاء في رواية أشبه الخلق به من أهل بيته ولده إبراهيم وفي أخرى فاطمة في الحديث والكلام والمشية وفي أخرى صحيحة الحسن أي في الوجه والنصف الأعلى وفي أخرى الحسين أي فيما بقي وعد المهدي ممن أشبهوه ل وهم كثيرون
أقواهم شبها جماعة من أهل البيت المطهر غلط قائله بما مر أنه يشبهه خلقا لا خلقا
وأخرج الطبراني والخطيب حديث يقوم الرجل لأخيه عن مقعده إلا بني هاشم فإنهم لا يقومون لأحد
وجاء عن ابن عباس بسند ضعيف أنه قال نحن أهل البيت شجرة النبوة مختلف الملائكة وأهل بيت الرسالة وأهل بيت الرحمة ومعدن العلم
وعن علي بسند ضعيف أيضا قال نحن النجباء وأفراطنا أفراط الأنبياء وحزبنا حزب الله عز و جل والفئة الباغية حزب الشيطان ومن سوى بيننا وبين عدونا فليس منا

(2/680)


باب إكرام الصحابة ومن بعدهم لأهل البيت
صح عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لعلي كرم الله وجهه والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله أحب إلي ان أصل من قرابتي
وحلف عمر للعباس رضي الله عنهما إن إسلامه أحب إليه من إسلام أبيه لو أسلم لأن إسلام العباس أحب إلى رسول الله
وأتى زين العابدين ابن عباس فقال له مرحبا بالحبيب ابن الحبيب
وصلى زيد بن ثابت رضي الله عنه على جنازة فقربت له بغلة ليركبها فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابه فقال له خل عنك يا ابن عم رسول الله فقال هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء فقبل زيد يده وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا
وأتى عبد الله بن حسن بن حسين عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال له إذا كانت لك حاجة فأرسل أو اكتب بها إلي فإني أستحيي من الله أن يراك على بابي

(2/681)


وقال أبو بكر بن عياش لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم في حاجة لبدأت بحاجة علي قبلهما لقرابته من رسول الله ولأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي أن اقدمه عليهما
وكان ابن عباس إذا بلغه حديث عن صحابي ذهب إليه فإذا رآه قائلا توسد رداءه على بابه فتسفي الريح التراب على وجهه حتى يخرج فيقول ألا أرسلت إلي فآتيك
فيقول له ابن عباس أنا أحق أن آتيك
ودخلت فاطمة بنت علي علىعمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فبالغ في إكرامها وقال والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إلي منكم ولأنتم أحب إلي من أهلي
وعوتب أحمد في تقريبه لشيعي فقال سبحانه الله رجل أحب قوما من أهل بيت النبي وهو ثقة
وكان إذا جاءه شريف بل قرشي قدمه وخرج وراءه
وضرب جعفر بن سليمان والي المدينة مالكا حتى حمل مغشيا عليه فدخل عليه الناس فأفاق فقال أشهدكم أني قد جعلت ضاربي في حل فسئل بعد ذلك فقال خفت أن أموت فألقى النبي فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي

(2/682)


ولما دخل المنصور المدينة مكن مالكا من القود من ضاربه فقال أعوذ بالله والله ما ارتفع منها سوط عن جسمي إلا وقد جعلته في حل لقرابته من رسول الله
وقال رجل للباقر وهو بفناء الكعبة هل رأيت الله حيث عبدته فقال ما كنت أعبد شيئا لم أره
قال وكيف رأيته قال لم تره الأبصار بمشاهدة العيان لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان
وزاد على ذلك ما أبهر السامعين فقال الرجل الله أعلم حيث يجعل رسالاته
وقارف الزهري ذنبا فهام على وجهه فقال له زين العابدين قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم عليك من ذنبك فقال الزهري الله أعلم حيث يجعل رسالاته فرجع إلى أهله وماله
وكان هشام بن إسماعيل يؤذي زين العابدين وأهل بيته وينال من علي فعزله الوليد وأوقفه للناس وكان أخوف ما عليه أهل البيت فمر عليهم فلم يتعرض له أحد منهم فنادى الله أعلم حيث يجعل رسالاته

(2/683)


باب مكافأته لمن أحسن إليهم
أخرج الطبراني حديث من صنع إلى أحد من ولد عبد المطلب يدا فلم يكافئه بها في الدنيا فعلي مكافأته غدا إذا لقيني
وجاء بسند ضعيف أربعة أنا لهم مشفع يوم القيامة المكرم لذريتي والقاضي لهم حوائجهم والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه والمحب لهم بقلبه ولسانه وفي رواية في سندها كذاب من اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها إذا لقيني يوم القيامة وحرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي

(2/684)


باب إشارته لما يحصل عليهم بعده من الشدة
قال إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلا وتشريدا وإن أشد قومنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم وصححه الحاكم واعترض بأن فيه من ضعفه الجمهور
وأخرج ابن ماجه أنه رأى فتية من بني هاشم فاغرورقت عيناه فسئل فقال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا الحديث
وأخرج ابن عساكر أول الناس هلاكا قريش وأول قريش هلاكا أهل بيتي وفي رواية قيل له فما بقاء الناس بعدهم قال بقاء الحمار إذا كسر صلبه

(2/685)


باب النحذير من بغضهم وسبهم

(2/686)


باب التحذير من بعضهم وسبهم
مر خبر من أبغض أحدا من أهل بيتي حرم شفاعتي وحديث لا يبغضنا إلا منافق شقي وحديث من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله
وقال الحسن من عادانا فلرسول الله عادى
وصح أنه قال والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار
وروى أحمد وغيره من أبغض أهل البيت فهو منافق وفي رواية بغض بني هاشم نفاق
وجاء عن الحسن بسند ضعيف إياك وبغضنا فإن رسول الله قال لا يبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من النار
وفي رواية من أبغضنا أهل البيت حشره الله يهوديا وإن شهد أن لا إله إلا الله
ولكن سندها مظلم ومن ثم حكم ابن الجوزي كالعقيلي بوضعها

(2/687)


وصح أنه قال يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثا أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم وأن يعلم جاهلكم وسألت الله أن يجعلكم كرماء نجباد رحماء فلو أن رجلا صفن أي من الصفن وهو صف القدمين بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو يبغض آل بيت محمد دخل النار
وورد من سب أهل بيتي فإنما يريد الله والإسلام ومن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله ومن آذاني في عترتي فقد آذى الله إن الله حرم الجنة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبهم يا أيها الناس إن قريشا أهل أمانة فمن بغاهم العواثر كبه الله عز و جل لمنخريه مرتين مني رد هوان قريش أهانه الله خمسة أو ستة لعنتهم وكل نبي مجاب الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله والمستحل محارم الله والمستحل من عترتي ما حرم الله والتارك للسنة

(2/688)


خاتمة في أمور مهمة
أولها يتعين ترك الانتساب إليه إلا بحق
ففي البخاري إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه أو يري عينه ما لم تر الحديث وروى أيضا ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر وروى أيضا من ادعى إلى غير أبيه فالجنة حرام عليه وفي رواية فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين
وروى جماعة أحاديث أخر فيها أن ادعاء نسب بالباطل أو التبري منه كذلك كفر أي للنعمة أو إن استحل أو يؤدي إليه ومن هنا توقف كثير من قضاة العدل عن الدخول في الأنساب ثبوتا أو انتفاء لا سيما نسب أهل البيت الطاهر المطهر
وعجيب من قوم يبادرون إلى إثباته بأدنى قرينة وحجة موهمة يسألون عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
ثانيهما اللائق بأهل البيت المكرم المطهر أن يجروا على طريقة مشرفهم وسنته اعتقادا وعملا وعبادة وزهدا وتقوى ناظرين إلى قوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات 13 وإلى قول مشرفهم وقد سئل أي الناس أكرم قال أكرمهم عند الله أتقاهم لله ثم قال خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا

(2/689)


وقال ابن عباس ليس أحد أكرم من أحد إلا بتقوى الله
وقال كما عند أحمد لأبي ذر انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله وله ولغيره يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى خيركم عند الله أتقاكم لله
وللطبراني المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى
وصح على نزاع فيه أنه خطب الناس بمكة فكان من جملة خطبته يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية أي بفتح أوله وكسره وتعاظمها أي عطف تفسير بآبائها فالناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله ورجل شقي هين على الله إن الله يقول يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير الحجرات 13 ثم قال أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
وفي رواية سندها حسن لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هو فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه أي يدحرجه عن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب
ولمسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم

(2/690)


ولأحمد إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد كلكم بنو آدم ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى
ولابن جرير والعسكري الناس لآدم وحواء إن الله لا يسألكم عن أحسابكم يوم القيامة إلا عن أعمالكم إن أكرمكم عند الله أتقاكم
ولابن لال والعسكري الناس كلهم كأسنان المشط وإنما يتفاضلون بالعافية أي كلهم متساوون في الصور وإنما يتفاوتون بالأعمال فلا تصحبن أحدا لا يرى لك من الفضل ماترى له
ولأبي يعلى وغيره كرم المؤمن دينه ومروءته عقله وحسبه خلقه
وقال عمر رضي الله عنه لمفتخر بآبائه بقوله أنا ابن بطحاء مكة كدائها وكدائها إن يكن لك دين مال فلك كرم وإن يكن لك عقل فلك مروءة وإن يكن لك فلك شرف وإلا أنت والحمار سواء
وصح حديث من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه
وروى الطبراني إن أهل بيتي يرون أنهم أولى الناس بي وليس كذلك إن أولى الناس بي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا
وروى الشيخان إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله صالح كذلك إن المؤمنين
زاد البخاري تعليقا ولكن لهم رحم سأبلها ببلالها أي

(2/691)


سأصلها بصلتها التي تنبغي لها
رواه الطبراني في معجمه الكبير بلفظ إن لبني أبي طالب عندي رحما سأبلها ببلالها وكذا وقعت هذه الزيادة عند مسلم في صحيحه وهي محمولة على غير المسلم منهم وإلا فمنهم علي وجعفر رضي الله عنهما وهما من أخص الناس به لما لهما من السابقة والتقدم في الإسلام ونصرة الدين بل في حديث ورد موقوفا ومرفوعا صالح المؤمنين علي كرم الله وجهه
قال النووي ومعنى الحديث عن وليي من كان صالحا وإن بعد مني نسبه
وقال غيره المعنى إني لا أوالي أحدا بالقرابة وإنما أحب الله لما له من الحق الواجب على العباد وأحب صالح المؤمنين لوجه الله تعالى وأوالي من والي الإيمان والصلاح سواء كانوا من ذوي رحمي أم لا ولكن أرعى لذوي الرحم حقهم فأصل رحمهم
وهذا يؤيد ما ورد آل محمد كل تقي
ومن ثم لما قال هاشمي لأبي العيناء تغض عني وأنت تصلي علي في كل صلاة في قولك اللهم صل على محمد وعلى آل محمد قال له إني أريد الطيبين الطاهرين ولست منهم
ورؤي أنصاري في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي
قيل بماذا قال بالنسبة التي بيني وبين النبي
قيل له أنت شريف قال لا

(2/692)


قيل فمن أين النسبة قال كنسبة الكلب إلى الراعي
قال ابن العديم راوي ذلك فأولته بانتسابه إلى الأنصار
وقال غيره أولته بانتسابه إلى العلم خصوصا علم الحديث لقوله أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة إذ هم أكثر الناس عليه صلاة
تنبيه تمسك بالآية والأحاديث السابقة لم يعتبر الكفاءة في النكاح واعتبرها الجمهور
ولا شاهد فيما ذكر لأنه بالنسبة لما ينفع في الآخرة وليس كلامنا فيه إنما الكلام في أن النسب العلي هل يفتخر به ذوو العقول في الدنيا أولا ولا شك في الافتخار به وأن من أجبرها وليها على نكاح غير مكافىء لها في النسب يعد ذلك بخسا لحقها وعارا عليها بل صلاح الذرية ينفع في الآخرة فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ألحقنا بهم ذريتهم الطور 21 أنه قال إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته يوم القيامة وإن كانوا دونه في العمل
وصح عنه أيضا في قوله تعالى وكان أبوهما صالحا الكهف 82 أنه قال حفظا بصلاح أبويهما وما ذكر عنهما صلاحا
وقال سعيد بن جبير يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي أين أمي أين ولدي أين زوجي فيقال له إنهم لم يعملوا مثل عملك فيقول كنت أعمل لي ولهم فيقال لهم ادخلوا الجنة ثم قرأ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم الرعد 23 فإذا نفع الأب الصالح مع أنه السابع كما قيل في الآية عموم الذرية فما بالك بسيد الأنبياء والمرسلين بالنسبة إلى ذريته الطيبة الطاهرة المطهرة وقد قيل إن حمام الحرم إنما اكرم لأنه من ذرية حمامتين عششتا على غار ثور الذي اختفى فيه عند خروجه من مكة للهجرة

(2/693)


وقد حكى التقي الفاسي عن بعض الأئمة أنه كان يبالغ في تعظيم شرفاء المدينة النبوية على مشرفهم ومشرفها أفضل الصلاة والسلام وسبب تعظيمه لهم أنه كان منهم شخص اسمه مطير مات فتوقف عن الصلاة عليه لكونه كان يلعب بالحمام فرأى النبي في النوم ومعه فاطمة الزهراء ابنته رضي الله تعالى عنها فأعرضت عنه فاستعطفها حتى أقبلت عليه وعاتبته قائلة له أما يسع جاهنا مطيرا
وحكى أيضا في ترجمة صاحب مكة السيد الشريف أبي نمي محمد بن أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني أنه لما مات امتنع الشيخ عفيف الدين الدلاصي من الصلاة عليه فرأى في المنام فاطمة رضي الله عنها وهي بالمسجد الحرام والناس يسلمون عليها وأنه رام السلام عليها فأعرضت عنه ثلاث مرات فتحامل عليها وسألها عن سبب إعراضها عنه فقالت يموت ولدي ولا تصلي عليه فتأدب واعترف بظلمه بعدم الصلاة عليه
وحكى التقي المقريزي عن يعقوب المغربي أنه كان بالمدينة النبوية في رجب سنة سبع عشرة وثمانمائة فقال له الشيخ العابد محمد الفارسي وهما بالروضة المكرمة إني كنت أبغض أشراف المدينة بني حسين لتظاهرهم بالرفض فرأيت وأنا نائم تجاه القبر الشريف رسول الله وهو يقول يا فلان
بامسي مالي أراك تبغض أولادي فقلت حاش لله ما أكرههم وإنما كرهت ما رأيت من تعصبهم على أهل السنة فقال لي مسألة فقهية أليس الولد العاق يلحق بالنسب فقلت بلى يا رسول الله
فقال هذا ولد عاق
فلما انتبهت صرت

(2/694)


لا ألقى من بني الحسين أحدا إلا بالغت في إكرامه
وحكي أيضا عن الرئيس الشمس العمري قال سار الجمال محمود العجمي المحتسب ونوابه وأتباعه وأنا معه إلى بيت السيد عبد الرحمن الطباطبي فاستأذن عليه فخرج وعظم عليه مجيء المحتسب إليه فقال له يا سيدي حاللني
قال مماذا يا مولانا فقال إنك لماجلست البارحة عند السلطان الظاهر برقوق فوق عز ذلك علي وقلت في نفسي كيف يجلس هذا فوقي فلما كان الليل رأيت في منامي النبي فقال يا محمود أتأنف أن تجلس تحت ولدي فبكى الشريف عند ذلك وقال يا مولانا من أنا حتى يذكرني النبي وبكى الجماعة ثم سألوه الدعاء وانصرفوا
وحكى التقي بن فهد الحافظ الهاشمي المكي قال جاءني الشريف عقيل بن هميل وهو من الأمراء الهواشم فسألني عشاء فاعتذرت إليه ولم أفعل فرأيت النبي في تلك الليلة أو في غيرها فأعرض عني فقلت كيف تعرض عني يا رسول الله وأنا خادم حديثك فقال كيف لا أعرض عنك ويأتيك ولد من أولادي يطلب العشاء فلم تعشه قال فلما أصبحت جئت الشريف واعتذرت إليه وأحسنت إليه بما تيسر
وحكى الجمال عبد الغفار الأنصاري المعروف بابن نوح عن أم نجم الدين بن مطروح وكانت من الصالحات قالت حصل لنا غلاء بمكة أكل الناس فيه

(2/695)


الجلود وكنا ثمانية عشر نفسا فكنا نعمل مقدار نصفقدح نكتفي به فجاءنا أربع عشرة قفة من الدقيق ففرق زوجي عشرة
على أهل مكة وأبقى لنا أربعة فنام فانتبه يبكي فقلت له مابالك قال رأيت الساعة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وهي تقول لي يا سراج تأكل البر وأولادي جياع فنهض وفرق ما بقي على الأشراف وبقينا بلا شيء وما كنا نقدر على القيام من الجوع
وحكى المقريزي عن المعز بن العز قاضي الحنابلة وكان من جلساء الملك المؤيد أنه راى نفسه كأنه بالمسجد النبوي وكأن القبر الشريف انفتح وخرج النبي وجلس على شفيره وعليه أكفانه وأشار إلي بيده فقمت إليه حتى دنوت منه فقال لي قل للمؤيد يفرج عن عجلان يعني ابن سعيد أمير المدينة وكان محبوسا سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة قال فصعدت للمؤيد وأخبرته وحلفت له ما رأيت عجلان هذا قط فلما انقضى المجلس قام بنفسه إلى مرماة النشاب ثم استدعى عجلان من البرج وأفرج عنه وأحسن إليه
قال التقي المقريزي وعندي عدة حكايات صحيحة مثل هذا في حق بني الحسن وبني الحسين فإياك والوقيعة فيهم وإن كانوا على أي حالة لأن الولد ولد على كل حال صلح أو فجر
قال ومن غريب ما اتفق أن السلطان ولم يعينه كحل الشريف مدراج بن مقبل بن مختار بن محمد بن راجح بن إدريس بن حسن ابن أبي

(2/696)


عزيز بن قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسيني حتى تفقأت حدقتاه وسالتا وورم دماغه وانتفخ وأنتن فتوجه بعد مدة من عماه إلى المدينة ووقف عند القبر المكرم وشكا ما به وبات تلك الليلة فرأى النبي فمسح عينيه بيده الشريفة فأصبح وهو يبصر وعيناه أحسن مما كانتا واشتهر ذلك في المدينة ثم قدم القاهرة فغضب السلطان ظنا منه أن من كحلوه حابوه فأقيمت عنده البينة العادلة بأنهم شاهدوا حدقتيه سائلتين وأنه قدم المدينة أعمى ثم أصبح يبصر وحكى رؤياه فسكن ما عند السلطان
وأخبرني بعض الأشراف الصالحين ممن أجمع على صحبة نسبه وصلاحه وصلاح آبائه قال كنت بالمدينة الشريفة فرايت شريفا عند مكاس يأكل من طعامه ويلبس من ثيابه فاشتد إنكاري علىذلك الشريف وساء اعتقادي فيه فبت عقب ذلك فرأيت النبي جالسا في مجلس حافل والناس محيطون به صفا وراء صف وأنا من جملة الواقفين داخل الحلقة وإذا أنا أسمع قائلا يقول بصوت عال أحضروا الصحف
وإذا بأوراق على هيئة ما يكتب فيها مراسيم السلاطين جيء بها ووضعت بين يدي النبي ووقف إنسان بين يديه يعرضها على النبي ثم يعطيها لأربابها كل من طلع اسمه يعطى

(2/697)


صحيفته قال فأول صحيفة عظيمة أخرجت وإذا بذلك الشريف الذي أنكرت عليه ينادى باسمه فخرج منحشو الحلقة حتى انتهى بين يدي النبي فأمر النبي أن يعطى صحيفته فأخذها وولى فرحا مسرورا
قال فذهب عن قلبي جميع ما كان فيه على ذلك الشريف واعتقدت فيه وعلمت بتقديمه على سائر الحاضرين أي وبان أن أكله من طعام ذلك المكاس إنما كان للضرورة التي تحل أكل الميتة
ومن ذلك ما أخبرني به بعض أكابر أشراف اليمن وصالحيهم لما وقع من أمير الحاج الفاجر المفسد المذموم المخذول ما سولت له نفسه الخبيثة من الهجوم على السيد الشريف صاحب مكة محمد أبي نمي زاد ترقيه وعلوه ببيته بمنى يوم عيد النحر ليقتله هو وأولاده في ساعة واحدة أعاذهم الله من ذلك فظفروا به وأرادوا قتله وجميع جنده لكنه أعني السيد أبا نمي خشي على الحجاج أن يقتلوا عن آخرهم فلا يفضل منهم عقال فأمسك عن قتاله ثم ذهب ليلة النفر إلى مكة والناس في أمر مريج فلم يزدد ذلك الجبار إلا طغيانا فنادى أن الشريف معزول فلما سمعت الأعراب بذلك سقطوا على الحجاج ونهبوا منهم اموالا لا تعد وعزموا على نهب مكة بأسرها واستئصال الحجاج والأمير وجنده فركب الشريف جزاه الله عن المسلمين خيرا وأثخن في الأعراب الجراح وقتل البعض فخمدوا واستمر ذلك بمكة والناس في أمر مريج بحيث عطلت أكثر مناسك الحج والجماعات وقاسوا من الخوف

(2/698)


والشدة ما لم يسمع بمثله ثم رحل ذلك الجبار وهو يتوعد الشريف بأنه يسعى في باب السلطان في عزله وقتله وكان ذلك كله سنة ثمان وخمسين وتسعمائة قال ذلك الشريف فخرجت من مكة في تلك الأيام إلى جدة وأنا في غاية الضيق والوجل على الشريف وأولاده والمسلمين فلما قربت من جدة قبيل الفجر نزلت أستريح ساعة حتى يفتح سورها فرأيت في النوم النبي ومعه علي كرم الله وجهه وفي يده عصا معوجة الرأس وكأنه يضرب عن السيد الشريف أبي نمي ويقول لي أخبره بأنه لا يبالي بهؤلاء وأن الله ينصره عليهم
فما مضت إلا مدة يسيرة وإذا الخبر أتى من باب السلطان نصره الله وأيده بغاية الإجلال والتعظيم للسيد الشريف فنصره الله على ذلك المفسد ومن أغراه على ذلك وعاد أمر المسلمين إلى ما عهدوه من الأمن الذي لم يعهدوه في غير ولايته
وأخبرني بعض الناس أنه رأى يوم النحر في تلك الشدة السيد بركات والد أبي نمى وكان السيد بركات يترجم بالولاية راكبا فرسا عظيمة ومعه السيد الجليل عبد القادر الجيلاني على فرس أخرى فقال يا مولانا السيد بركات إلى أين أنت ذاهب في هذه الهمة العظيمة فقال إلى نصرة السيد أبي نمي
وكانت تلك الرؤية موافقة لهجوم ذلك الفاجر فخذله الله وخيبه
ورأى الناس في هذه الوقعة العجيبة الغريبة من المنامات الشاهدة بسلامة السيد أبي نمي وأولاده ما لا يحصى فلله الحمد على ذلك

(2/699)


وأخبرنا بعض الناس أن بعض صلحاء اليمن حج بعياله في البحر فلما وصولا جدة فتشهم المكاسون حتى تحت ثياب النساء فاشتد غضبه فتوجه إلى الله في صاحب مكة السيد محمد بن بركات رحمه الله تعالى فرأى النبي وهو يعرض عنه فقال لم ذا يا رسول الله قال أما رأيت في الظلمة من هو أظلم من ابني هذا فانتبه مرعوبا وتاب إلى الله ألا يتعرض لأحد من الأشراف وإن فعل ما فعل
وحكى بعض الصالحين أن فاجرا بمصر أخذ شريفة قهرا ليفجر بها وكان أخص الناس بالسلطان وأقربهم عنده
قال فتحيرت لأن العشاء قد صليت ولم يبق إلا الأقدام على ذلك الأمر فتوسلت ببعض الصالحين فلم يمض إلا يسير وإذا الطلب جاء إليه من السلطان فأخذوه وخرجت الشريفة سالمة وكان في تلك الأخذة هلاك ذلك الفاجر عاجلا ببركة تلك الشريفة
وحكى لي بعض طلبة العلم أن إنسانا بمدينة فاس ثبت عليه القتل فأمر به القاضي ليقتل فأرسل السلطان وهو يقول للقاضي لا تقتله فإني رأيت النبي يقول لا تقتلوه
فقال القاضي لا بد من قتله فأراده في اليوم الثاني فأرسل السلطان يقول رأيت النبي قائلا ذلك ثانيا فلم يسمع القاضي وأراد قتله في اليوم الثالث فأرسل السلطان يقول رأيت النبي قائلا ذل ك ثالثا فغضب القاضي وقال لا نترك الشرع بالمنام وإن تكرر فذهب به ليقتل وإذا إنسان يبرز لولي الدم وقد كان الناس عجزوا فيه أن يعفوا فلم يعف

(2/700)


فبمجرد أن كلمه في العفو عفا فبلغ السلطان فأمر بالرجل فأحضر إليه فقال اصدقني ما شأنك فقال نعم قتلت من أثبت علي قتله لكني كنت أنا وهو على شرب فأراد أن يفجر بشريفة فمنعته فلم يمتنع عنها إلا بقتله فقتلته دفعا عن الزنا بها
فقال له السلطان صدقت ولولا ذلك ما رأيت النبي ثلاث مرات وهو يقول لي لا تقتلوه
ثالثا اللائق بواجب حقهم وتعظيمهم وتوقيرهم والتأدب معهم أن ينزلوا منازلهم وأن يعرف لهم شرفهم وأن يتواضع لهم في المجالس فإن لحبهم وإكرامهم أثرا بينا
منه ما رواه النجم بن فهد والمقريزي أن بعض القراء كان إذا مر بقبر تمرلنك قرأ خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه الحاقة 30 31 الآية وكررها قال فبينا أنا نائم رايت النبي وهو جالس وتمرلنك إلى جانبه قال فنهرته وقلت إلى هنا يا عدو الله وأردت أن آخذ بيده وأقيمه من جانب النبي فقال لي النبي دعه فإنه كان يحب ذريتي فانتبهت فزعا وتركت ما كنت أقرؤه على قبره في الخلوة
وأخبر الجمال المرشدي والشهاب الكوراني أن بعض أبناء تمرلنك أخبر أنه لما مرض تمرلنك مرض الموت اضطرب في بعض الأيام اضطرابا شديدا فاسود وجهه وتغير لونه ثم أفاق فذكروا له ذلك فقال إن ملائكة العذاب أتوني فجاء رسول الله فقال لهم اذهبوا عنه فإنه كان يحب ذريتي ويحسن إليهم فذهبوا
وإذا نفع حبهم هذا الظالم الذي لا اظلم منه فكيف بغيره

(2/701)


وينبغي أن يزاد في إكرام عالمهم وصالحهم فقد روى أبو نعيم حديث إن الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع العبد المملوك حتى يجلس في مجالس الملوك
وليحذر الإفراط في حبهم فقد قال كما روى أحمد بن منيع وأبو يعلى حديث يا علي يدخل النار فيك رجلان محب مفرط أي بتخفيف الراء ومبغض مفرط أي بتشديد الراء كلاهما في النار
وما احسن قول زين العابدين رضي الله عنه وعن أهل بيته يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا
وقال مرة أخرى يا أهل العراق أحبونا بحب الإسلام فما زال حبكم بنا حتى صار سبة
وأثنى قوم عليه رضي الله عنه فقال لهم ماأجرأكم أو أكذبكم على الله نحن من صالحي قومنا فحسبنا أن نكون من صالحي قومنا
وقال بعضهم سألته وجماعة من أهل البيت جلوس هل فيكم من هو مفترض الطاعة قالوا من قال إن فينا هذا فهو والله كذاب
وقال الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم لرجل ممن يغلو فيهم ويحكم أحبونا لله فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فأبغضونا قولوا فينا الحق فإنه أبلغ فيما تريدون ونحن نرضى به منكم

(2/702)


فائدة دخل زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم علىهشام بن عبد الملك فسلم عليه بالخلافة وتكلم فخشي منه فقال أنت الراجي للخلافة المنتظر لها وكيف ترجوها وأنت ابن أمة فقال يا أمير المؤمنين إن تعييرك إيامي بأمي ليس جوابا فإن شئت أجبتك وإن شئت أمسكت
قال بل أجب فما أنت وجوابك قال إنه ليس أحد أعظم عند الله عز و جل من نبي بعثه الله رسولا فلو كانت أم الولد تقصر به عن بلوغ الأنبياء والرسل لم يبعث الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وكانت أمه مع أم إسحاق كأمي مع أمك ولم يمنعه ذلك أن يبعثه الله نبيا وكان عند ربه مرضيا وكان أبا للعرب وأبا لخير النبيين وخاتم المرسلين والنبوة أعظم من الخلافة وما علا رجل بأمه وهو ابن رسول الله وهو ابن علي بن أبي طالب ثم خرج مغضبا
ولما ولي السفاح ورد عليه رأس مروان بن محمد وهو آخر ملوك بني أمية من مصر لأنه هرب من الشام لمصر وأن عبد الحميد الطائي نبش هشاما بالرصافة وصلبه وحرقه بالنار خر لله ساجدا وقال الحمد لله قد قتلت بالحسين بن علي رضي الله عنهما مائتين من بني أمية وصلبت هشاما بزيد بن علي وقتلت مروان بأخي إبراهيم
نقلت من كتاب المختار في مناقب الأخيار للشيخ الإمام العلامة أبي

(2/703)


السعادات ابن الأثير رحمه الله تعالى عليه قال قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خرج إلى اليمن قبل أن يبعث النبي قال فنزلت على شيخ من الأزد عالم قد قرأ الكتب وعلم من علم الناس علما كثيرا وأتت عليه أربعمائة سنة إلا عشر سنين فلما رآني قال أحسبك حرميا
قال أبو بكر قلت نعم أنا من أهل الحرم
قال وأحسبك تيميا قلت نعم وأنا من تيم بن مرة أنا عبد الله بن عثمان بن عامر
قال بقيت لي فيك واحدة
قلت ما هي قال تكشف لي عن بطنك
قلت لا أفعل أو تخبرني
قال أجد في العلم الصحيح الزكي الصادق أن نبيا يبعث في الحرم يعاونه على أمره فتى وكهل فأما الفتى فجواس غمرات ودفاع معضلات وأما الكهل فأبيض نحيف على بطنه شامة وعلى فخذه شامة وعلى فخذه الأيسر علامة وما عليك أن تريني ما سألتك فقد تكاملت لي فيك الصفة إلا ما خفي علي
قال أبو بكر فكشفت له عن بطني فرأى شامة سوداء فوق سرتي فقال أنت هو ورب الكعبة وإني متقدم إليك في أمر فاحذره
قلت وما هو قال إياك والميل عن طريق الهدى وتمسك بالطريقة الوسطى وخف الله فيما خولك وأعطاك
فقال أبو بكر فقضيت في اليمن غرضي ثم أتيت الشيخ أودعه فقال أحامل أنت عني أبياتا قلتها في ذلك النبي قلت نعم فأنشد يقول
ألم تر أني قد وهنت معاشري ... ونفسي وقد أصبحت في الحي ماهنا

(2/704)


حييت وفي الأيام للمرء عبرة ... ثلاث مئين ثم تسعين آمنا
وذكر أبياتا عدة منها
وقد خمدت مني شرارة قوتي ... وألفيت شيخا لا أطيق الشواحنا
فما زلت أدعو الله في كل حاضر ... حللت به سرا وجهرا معالنا
فحي رسول الله عني فإنني ... على دينه أحيا وإن كنت واكنا
وقال أبو بكر فحفظت وصيته وشعره وقدمت مكة
وبعث النبي فجاءني عقبة بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وصناديد قريش فقلت لهم هل نابتكم نائبة أو ظهر فيكم أمر قالوا يا أبا بكر أعظم الخطب وأجل النوائب يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي ولولا أنت ما انتظرنا فإذ قد جئت فأنت الغاية والكفاية
قال أبو بكر فصرفتهم على حس ومس وسألت عن النبي فقيل إنه في منزل خديجة فقرعت عليه الباب فخرج إلي فقلت يا محمد فقدت من منازل أهلك واتهموك بالفتنة وترك دين آبائك وأجدادك قال يا أبا بكر إني رسول الله إليك وإلى الناس كلهم فآمن بالله فقلت وما دليلك على ذلك قال الشيخ الذي لقيته باليمن فقلت فكم من مشايخ لقيت باليمن واشتريت وأخذت وأعطيت
قال الشيخ الذي أفادك الأبيات فقلت ومن خبرك بها يا حبيبي قال الملك العظيم الذي يأتي الأنبياء قبلي
قلت مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله
قال أبو بكر فانصرفت ولا بين لابتيها أشد سرورا من رسول الله
نقل من كتاب الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة قال سفيان

(2/705)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية