صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الصواعق المحرقة - إبن حجر الهيتمي ]
الكتاب : الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة
المؤلف : أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي إبن حجر الهيتمي
الناشر : مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1997
تحقيق : عبدالرحمن بن عبدالله التركي وكامل محمد الخراط
عدد الأجزاء : 2

السمع والبصر
و أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو
الحديث الثاني والثمانون أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس والخطيب عن جابر وأبو يعلى أن رسول الله قال أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس
الحديث الثالث والثمانون أخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس أن النبي قال إن الله أيدني بأربعة وزراء اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر
الحديث الرابع والثمانون أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال قال النبي إن لكل نبي خاصة من أصحابه وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر

(1/223)


الحديث الخامس والثمانون أخرج ابن عساكر عن أبي ذر أن رسول الله قال إن لكل نبي وزيرين وزيراي وصاحباي أبو بكر وعمر
الحديث السادس والثمانون أخرج ابن عساكر عن علي والزبير معا أن النبي قال خير أمتي بعدي أبو بكر وعمر
الحديث السابع والثمانون أخرج الخطيب في تاريخه أن رسول الله قال سيدا كهول أهل الجنة أبو بكر وعمر وإن أبا بكر في الجنة مثل الثريا في السماء
الحديث الثامن والثمانون أخرج ابن النجار عن أنس قال قال رسول الله ما قدمت أبا بكر وعمر لكن الله قدمهما
الحديث التاسع والثمانون أخرج ابن قانع عن الحجاج السهمي أن رسول الله قال من رأيتموه يذكر أبا بكر وعمر بسوء فإنما يريد الإسلام
الحديث التسعون أخرج ابن عساكر عن ابن مسعود أن النبي قال القائم بعدي في الجنة والذي يقوم بعده في الجنة والثالث والرابع في الجنة
الحديث الحادي والتسعون أخرج ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال أربعة لا يجتمع حبهم في قلب منافق ولا يحبهم إلا مؤمن أبو بكر وعمر وعثمان وعلي
الحديث الثاني والتسعون أخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله قال رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق

(1/224)


القائم بعدي في الجنة والذي يقوم بعده في الجنة والثالث والرابع في الجنة
الحديث الحادي والتسعون أخرج ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال أربعة لا يجتمع حبهم في قلب من منافق ولا يحبهم إلا مؤمن أبو بكر وعمر وعثمان وعلي
الحديث الثاني والتسعون أخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله قال رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق من ماله وما نفعني مال في الإسلام ما نفعني مال أبي بكر رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرا لقد تركه الحق وماله من صديق رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة وجهز جيش العسرة وزاد في مسجدنا حتى وسعنا رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار
الحديث الثالث والتسعون أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة والضياء عن سعيد بن زيد أن رسول الله قال عشرة في الجنة النبي في الجنة وأبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير بن العوام في الجنة وسعد بن مالك في الجنة أي وهو سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة وأخرجه بمعناه أحمد

(1/225)


والضياء عن سعيد بن زيد والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف
الحديث الرابع والتسعون أخرج البخاري في تاريخه والنسائي والترمذي والحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله قال نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح نعم الرجل أسيد بن حضير نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس نعم الرجل معاذ بن جبل نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح نعم الرجل سهيل بن بيضاء
الحديث الخامس والتسعون أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن انس أن رسول الله قال أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح
و في رواية الطبراني في الأوسط أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأرفق أمتي لأمتي عمر وأصدق أمتي حياء عثمان وأقضى أمتي علي بن أبي طالب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل يجيء يوم القيامة أمام العلماء وأقرأ أمتي أبي بن كعب وأفرضها زيد بن ثابت وقد أوتي عويمر عبادة يعني أبا الدرداء
و في أخرى عند ابن عساكر أرحم أمتي أبو بكر الصديق وأحسنهم خلقا أبو عبيدة بن الجراح وأصدقهم لهجة أبو ذر وأشدهم في الحق عمر وأقضاهم

(1/226)


علي رضي الله عنهم أجمعين
و في أخرى عن العقيلي أرحم هذه الأمة بها أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر وافرضهم زيد بن ثابت وأقضاهم علي بن أبي طالب وأصدقهم حياء عثمان بن عفان وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح واقرؤهم لكتاب الله عز و جل أبي بن كعب وابو هريرة وعاء من العلم وسلمان عالم لا يدرك ومعاذ بن جبل أعلم الناس بحلال الله وحرامه وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر
و في الأخرى لأبي يعلى أرأف أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في الدين عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي وافرضهم زيد بن ثابت واقرؤهم أبي وأعلمهم الحلال والحرام معاذ بن جبل ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح
الحديث السادس والتسعون أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله كان يخرج عن أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما

(1/227)


الحديث السابع والتسعون أخرج الترمذي والحاكم عن عمر والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة أن رسول الله خرج ذات يوم فدخل المسجد وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما وقال هكذا نبعث يوم القيامة
الحديث الثامن والتسعون أخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال قال رسول الله أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر
الحديث التاسع والتسعون أخرج البزار عن أبي أروى الدوسي قال كنت عند النبي فأقبل أبو بكر وعمر فقال الحمد لله الذي أيدني بكما وورد هذا أيضا من حديث البراء بن عازب أخرجه الطبراني في الأوسط
الحديث المكمل للمائة أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أنس مرفوعا إني لأرجو لأمتي في حبهم لأبي بكر وعمر ما أرجو لهم في قول لا إله إلا الله الحديث الأول بعد المائة أخرج أبو يعلى عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله أتاني جبريل آنفا فقلت يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب

(1/228)


فقال لو حدثتك بفضائل عمر منذ ما لبث نوح في قومه ما نفدت فضائل عمر وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر
الحديث الثاني بعد المائة أخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله قال لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما وأخرجه الطبراني من حديث البراء بن عازب
الحديث الثالث بعد المائة أخرج الطبراني عن سهل قال لما قدم النبي من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك أيها الناس إني راض عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين والأولين فاعرفوا ذلك لهم

(1/229)


الحديث الرابع بعد المائة أخرج ابن سعد عن بسطام بن أسلم قال قال رسول الله لأبي بكر وعمر لا يتأمر عليكما أحد بعدي
الحديث الخامس بعد المائة اخرج ابن عساكر عن أنس مرفوعا حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما كفر
الحديث السادس بعد المائة أخرج ابن عساكر أيضا أن رسول الله قال حب أبي بكر وعمر من السنة
الحديث السابع بعد المائة أخرج أحمد والبخاري والترمذي وأبو حاتم عن أنس قال صعد النبي وأبو بكر وعمر وعثمان أحدا فرجف بهم فضربه النبي برجله وقال اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان
و إنما قال له ذلك ليبين أن هذه الرجفة ليست كرجفة الجبل بقوم موسى لما

(1/230)


حرفوا الكلم لأن تلك رجفة غضب وهذه هزة الطرب ولذا نص على مقام النبوة والصديقية والشهادة الموجبة لسرور ما اتصلت به لا لرجفانه فأقر الجبل بذلك واستقر
و أخرج الترمذي والنسائي والدارقطني عن عثمان أنه كان على ثبير بمكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض أي قرار الأرض عن منقطع الجبل فركضه أي ضربه برجله وقال اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان
و أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله كان على حراء هو وأبو بكر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فال رسول الله اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان
و في رواية له وسعد بن أبي وقاص ولم يذكر عليا
و خرجه الترمذي وصححه ولم يذكر سعدا
و في رواية له كان عليه العشرة إلا أبا عبيدة
و هذه الروايات محمولة على أنها وقائع تكررت ولا نظر إلى المنازعة فيها بأن المخرج متحد لصحة أحاديث كل فتعين الجمع بينهما بذلك وفي مسلم من حديث أبي هريرة ما يؤيد التعدد

(1/231)


الحديث الثامن بعد المائة أخرج محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات عن أبي ذر قال هجرت يوما من الأيام فإذا النبي قد خرج من بيته فسألت عنه الخادم فأخبرني عنه أنه ببيت عائشة فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس وكان حينئذ أرى أنه في وحي فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال لي ما جاء بك قلت الله ورسوله أعلم فأمرني أن أجلس فجلست إلى جنبه لا أسأله عن شيء إلا ذكره لي فمكث غير كثير فجاء أبو بكر يمشي مسرعا فسلم عليه فرد عليه السلام ثم قال ما جاء بك قال جاء بي الله ورسوله فأشار بيده أن اجلس فجلس إلى ربوة مقابل النبي ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك وقال له رسول الله مثل ذلك وجلس إلى جنب أبي بكر ثم جاء عثمان كذلك وجلس إلى جنب عمر ثم قبض رسول الله على حصيات سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك فسبحن في يده حتى سمع لهن حنين كحنين النحل في كف رسول الله ثم ناولهن أبا بكر وجاوزني فسبحن في كف أبي بكر ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض فخرسن وصرن حصى ثم ناولهن عمر فسبحن في كفه كما سبحن في كف أبي بكر ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض فخرسن ثم ناولهن عثمان فسبحن في كفه كنحو ما سبحن في كف أبي بكر وعمر ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن
و أخرجه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي ذر أيضا لكن بلفظ تناول النبي سبع حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا ثم وضعهن في يد أبي بكر فسبحن ثم وضعهن في يد عمر فسبحن ثم وضعهن في يد

(1/232)


عثمان فسبحن زاد الطبراني فسمع تسبيحهن من في الحلقة ثم دفعهن إلينا فلم يسبحن مع أحد منا
و تأمل سر ما في الرواية الأولى من إعطاء النبي إياهن لأبي بكر من يده من قبل وضعهن بالأرض بخلافه في عمر وعثمان تعلم أن ذلك كله لمزيد قرب أبي بكر حتى صير يده ليست أجنبية من يد النبي فلم يفصل بينهما بزوال حياة تلك الحصيات بخلافه في عمر وعثمان
الحديث التاسع بعد المائة أخرج الملا في سيرته أن النبي قال إن الله افترض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج فمن أنكر فضلهم فلا تقبل منه الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج
الحديث العاشر بعد المائة أخرج الحافظ السلفي في مشيخته من حديث أنس أن النبي قال حب أبي بكر واجب على أمتي
الحديث الحادي عشر بعد المائة أخرج الشيخان وأحمد وغيرهم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه خرج إلى المسجد فسأل عن النبي

(1/233)


فقالوا توجه ههنا فخرجت في إثره حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله حاجته فتوضأ فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها أي رأسها فجلست عند الباب فقلت لأكونن بوابا للنبي اليوم فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت من هذا فقال أبو بكر فقلت على رسلك ثم ذهبت إلى رسول الله فقلت هذا أبو بكر يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول الله وكشف عن ساقيه ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ فقلت إن يرد الله بفلان خيرا يعني أخاه يأت به فإذا إنسان يحرك الباب فقلت من هذا على الباب قال عمر بن الخطاب فقلت على رسلك ثم جئت إلى النبي فقلت هذا عمر بن الخطاب يستأذنك فقال ائذن له وبشره بالجنة فجئته فقلت ادخل وبشرك رسول الله بالجنة فجلس مع رسول الله في القف عن يساره ودلى برجليه في البئر فرجعت فجلست وقلت إن يرد الله بفلان خيرا يأت به فجاء إنسان فحرك الباب فقلت من هذا فقال عثمان بن عفان فقلت على رسلك وجئت إلى النبي فأخبرته فقال ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فجئت فقلت ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة على بلوى تصيبك فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس وجاهه من الصف

(1/234)


الآخر قال شريك قال سعيد بن المسيب تأويلها قبورهم انتهى
و أقول تأويلها أيضا على خلافة الثلاثة على ترتيب مجيئهم ممكن بل هو الموافق لحديث البئر السابقة رواياته وطرقه في تاسع الأحاديث الدالة على خلافة أبي بكر ويكون جلوس الشيخين بجانبه وضيق المحل عن عثمان حتى جلس أمامهم إشارة إلى عظيم خلافتهما وسلامتها من تطرق الفتن إليها على أتم الوجوه وأكملها وإلى أن صدور المؤمنين وأحوالهم فيها كانت على غاية من السرور واعتدال الأمر
و أما خلافة عثمان وعلي فإنها وإن كانت صدقا وحقا وعدلا لكن اقترن بها أحوال من أحوال بني أمية وسفهائهم كدرت القلوب وشوشت على المسلمين وتولد بسببها تلك الفتن العظيمة
و يؤيد ما ذكرته أن النبي أشار إلى ذلك بقوله في عثمان على بلوى تصيبه وتلك البلوى لم تتولد إلا لما ذكرته من قبيح أحوال بني أمية كما سيأتي بسط ذلك في مبحث خلافة عثمان وذكر فضائله ومآثره
و اعلم أنه وقع في روايات أخر ما فيه مخالفة لبعض ما مر في تلك الرواية فقد أخرج أبو داود نحو تلك الرواية عن أبي سلمة عن نافع عن عبد الحارث الخزاعي قال دخل رسول الله حائطا من حوائط المدينة فقال لبلال أمسك الباب

(1/235)


فجاءه أبو بكر يستأذن فذكر نحوه
قال الطبراني وفي حديث أن نافع بن الحارث هو الذي كان يستأذنه وهذا يدل على تكرر القصة انتهى
و هو أظهر من تصويب شيخ الإسلام ابن حجر عدم التعدد وإنها عن أبي موسى الأشعري ووهم القول بغيره
الحديث الثاني عشر بعد المائة أخرج الحافظ عمر بن محمد بن خضر الملا في سيرته أن الشافعي رضي الله عنه روى بسنده أنه قال كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أنوارا على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألف عام فلما خلق اسكنا ظهره ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة حتى نقلني الله تعالى إلى صلب عبد الله ونقل أبا بكر إلى صلب أبي قحافة ونقل عمر إلى صلب الخطاب ونقل عثمان إلى صلب عفان ونقل عليا إلى صلب أبي طالب ثم اختارهم لي أصحابا فجعل أبا بكر صديقا وعمر فاروقا وعثمان ذا النورين وعليا وصيا فمن سب أصحابي فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى ومن سب الله أكبه الله في النار على منخريه
الحديث الثالث عشر بعد المائة أخرج المحب الطبري في رياضه وعهدته عليه أنه قال أخبرني جبريل أن الله تعالى لما خلق آدم وأدخل الروح في جسده أمرني أن آخذ تفاحة من الجنة وأعصرها في حلقه فعصرتها في فيه فخلق الله من النقطة الأولى أنت ومن الثانية أبا بكر ومن الثالثة عمر ومن الرابعة

(1/236)


عثمان ومن الخامسة عليا فقال آدم يا رب من هؤلاء الذين أكرمتهم فقال الله تعالى هؤلاء خمسة أشياخ من ذريتك وهم اكرم عندي من جميع خلقي أي أنت أكرم الأنبياء والرسل وأهم أكرم أتابع الرسل فلما عصى آدم ربه قال يا رب بحرمة أولئك الأشياخ الخمسة الذين فضلتهم إلا تبت علي فتاب الله عليه
الحديث الرابع عشر بعد المائة أخرج البخاري عن أبي قتادة رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي عام حنين فلما التقينا كان للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر فقلت ما بال الناس قال أمر الله عز و جل ثم رجعوا فجلس النبي فقال من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه فقلت من يشهد لي ثم جلست فقال النبي مثله فقلت من يشهد لي ثم جلست ثم قال مثله فقمت فقال ما لك يا أبا قتادة فأخبرته فقال رجل صدق وسلبه عندي فأرضه مني قال أبو بكر لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال النبي صدق أعطه سلبه فأعطانيه الحديث
و في رواية له فقال أبو بكر أصيبغ أي بإهمال أوله وإعجام آخره أو

(1/237)


عكسه تحقير له بوصفه باللون الرديء أو مذمة بسواد اللون وبغيره أو وصف له بالمهانة والضعف أو تصغير صبغ شاذا شبهه به لضعف افتراسه وما يوصف به من الضعف لأنه لما عظم أبا قتادة بجعله كالأسد ناسب أن يصف خصمه بضده في قريش يدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله
قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي الأندلسي سمعت بعض أهل العلم وقد جرى ذكر هذا الحديث فقال لو لم يكن من فضيلة أبي بكر رضي الله عنه إلا هذا فإنه بثاقب علمه وشدة حزامته وقوة رأيه وإنصافه وصحة تدقيقه وصدق تحقيقه بادر إلى القول بالحق فزجر وأفتى وحكم وأمضى وأخبر في الشريعة عن المصطفى بحضرته وبين يديه بما صدقه فيه وأجرى عليه قوله وهذا من خصائصه الكبرى إلى مالا يحصى من فضائله الأخرى

(1/238)


الفصل الرابع فيما ورد من كلام العرب والصحابة والسلف الصالح في فضله
أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله طرفي النهار بكرة وعشيا فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر رضي الله عنه نحو أرض الحبشة مهاجرا حتى إذا بلغ برك الغماد أي بفتح الموحدة وكسرها وبالغين المعجمة المكسورة وقد تضم واد في أقاصي هجر قاله الزركشي وقال غيره مدينة بالحبشة لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي فقال ابن الدغنة فإن مثلك لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج رجل يكسب المعدوم ويصل الرحم ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فلم تكذب قريش لجوار ابن الدغنة الحديث بطوله

(1/239)


و فيه من الخصوصيات لأبي بكر ما لا يخفي على من تأمله فإنه اشتمل على هجرته مع النبي من مكة إلى المدينة وما وقع له في تلك السفرة من المآثر والفضائل والكرامات والخصوصيات التي لم يقع نظير واحدة منها لغيره من الصحابة وينبغي لك أن تتأمل فيما وصفه به ابن الدغنة بين أشراف قريش من تلك الأوصاف الجليلة المساوية لما وصفت به خديجة النبي فسكت أشراف قريش على تلك الأوصاف ولم يطعنوا فيها بكلمة مع ما هم متلبسون به من عظيم بغضه ومعاداته بسبب إسلامه فإن هذا منهم اعتراف أي اعتراف بأن أبا بكر كان مشهورا بينهم بتلك الأوصاف شهرة تامة بحيث لا يمكن أحد أن ينازع فيها ولا أن يجحد شيئا منها وإلا لبادروا إلى جحدها بكل طريق أمكنهم لما تحلوا به من قبيح العداوة له بسبب ما كانوا يرون منه من صدق ولائه لرسول الله وعظم محبته له وذبه عنه كما مر طرف من ذلك في شجاعته
و أخرج البخاري أن عمر قال أبو بكر سيدنا
و البيهقي أنه قال لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم
و عبد الله بن أحمد أنه قال إن أبا بكر كان سابقا مبرزا

(1/240)


و مسدد في مسنده أنه قال لوددت أني شعرة في صدر أبي بكر
و ابن أبي الدنيا وابن عساكر أنه قال وددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر
و أبو نعيم أنه قال لقد كان ريح أبي بكر أطيب من ريح المسك
و ابن عساكر عن علي أنه دخل على أبي بكر وهو مسجى فقال ما أحد لقي الله بصحيفة أحب إلي من هذا المسجى
و ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال قال رسول الله حدثني عمر بن الخطاب أنه ما سابق أبا بكر إلى خير إلا سبقه أبو بكر
و الطبراني في عن علي قال والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر

(1/241)


و ابن سعد عن الزهري قال قال رسول الله لحسان هل قلت في أبي بكر شيئا فقال نعم فقال قل وأنا أستمع فقال
و ثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صعد الجبلا
و كان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا
فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال صدقت يا حسان هو كما قلت
و هذا يصلح أن ينظم في سلك الأحاديث السابقة لكن لإرساله أخرته إلى هنا
و ابن سعد عن إبراهيم النخعي قال كان أبو بكر يسمى الأواه لرأفته ورحمته
و ابن عساكر عن الربيع بن انس قال مكتوب في الكتاب الأول مثل أبي بكر مثل القطر أينما وقع نفع
و قال نظرنا في صحابة الأنبياء فما وجدنا نبيا كان له صاحب مثل أبي بكر

(1/242)


و أخرج عن الزهري أنه قال من فضل أبي بكر أنه لم يشك في الله ساعة قط
و اخرج عن أبي حصين قال ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ولقد قام أبو بكر يوم الردة مقام نبي من الأنبياء
و الدينوري وابن عساكر عن الشعبي قال خص الله أبا بكر بأربع خصال لم يخص بها أحدا من الناس سماه الصديق ولم يسم أحدا الصديق غيره وهو صاحب الغار مع رسول الله ورفيقه في الهجرة وأمره بالصلاة والمسلمون شهود
و ابن أبي داود عن أبي جعفر قال كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي ولا يراه
و الحاكم عن ابن المسيب قال كان أبو بكر من النبي مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره وكان ثانية في الإسلام وثانيه في الغار وثانيه في العريش يوم بدر وثانيه في القبر ولم يكن رسول الله يقدم عليه أحدا
و الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن خربوذ قال كان أبو بكر أحد

(1/243)


عشرة من قريش اتصل بهم شرف الجاهلية بشرف الإسلام فكان إليه أمر الديات والغرم وذلك أن قريشا لم يكن لها ملك ترجع الأمور إليه بل كان في كل قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها فكانت في بني هاشم السقاية والرفادة ومعنى ذلك أنه لا يأكل ولا يشرب أحد إلا من طعامهم وشرابهم وكانت في بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة أي لا يدخل البيت أحد إلا بإذنهم وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدار وإذا اجتمعوا لأمر إبراما ونقضا لا يكون اجتماعهم لذلك إلا في دار الندوة ولا ينفذ إلا بها وكانت لبني عبد الدار
و لقد أحسن النووي في تهذيبه حيث ترجم فيه الصديق بترجمة حسنة أشار فيها مع اختصارها إلى كثير من غرر فضائله ومواهبه التي قدمتها مبسوطة مستوفاة فقال من جملتها أجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر إلى تصديق رسول الله ولازم الصدق فلم يقع منه هناة ولا وقفة في حال من الأحوال وكانت له في الإسلام المواقف الرفيعة منها قصة يوم ليلة الإسراء وثباته وجوابه للكفار في ذلك وهجرته مع رسول الله وترك عياله وأطفاله وملازمته له في الغار وسائر الطريق ثم كلامه ببدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر في تأخر دخول مكة ثم بكاؤه حين قال رسول الله إن عبدا

(1/244)


خيره الله بين الدنيا والآخرة ثم ثباته في وفاة رسول الله وخطبة الناس وتسكينهم ثم قيامه في قضية البيعة لمصلحة المسلمين ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك ثم قيامه في قتال أهل الردة ومناظرته الصحابة حتى حجهم بالدلائل وشرح الله صدورهم لما شرح له صدره من الحق وهو قتال أهل الردة ثم تجهيز الجيوش إلى الشام ثم ختم ذلك بمهم من أحسن مناقبه وأجل فضائله وهو استخلافه عمر على المسلمين وكم للصديق من موقف وأثر ومناقب وفضائل لا تحصى انتهى
و في التهذيب أنه أحد الذين حفظوا القرآن كله
و ذكره جماعة غيره واعتمده بعض محققي المتأخرين المطلعين قال وأما حديث أنس جمع القرآن في عهد رسول الله أربعة فمراده من الأنصار
و أما ما أخرجه ابن أبي داود عن الشعبي قال مات أبو بكر الصديق ولم يجمع القرآن كله فهو مدفوع أو مؤول على أن المراد جمعه في المصحف على الترتيب الموجود اليوم لأن عثمان هو الذي فعل ذلك

(1/245)


و من فضائله العظيمة جمعه للقرآن فقد أخرج أبو يعلى عن علي قال أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين
و اخرج البخاري عن زيد بن ثابت قال أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع القرآن قال أبو بكر فقلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله فقال عمر هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري فرأيت الذي رأى عمر قال زيد وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر إنك شاب عاقل ولا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن فقلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي فقال أبو بكر وهو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب أي العصى من الجريد وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره لقد جاءكم رسول إلى آخرها فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى

(1/246)


توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها
و من خواصه أيضا أنه أول خليفة فرض له رعيته العطاء
أخرج البخاري عن عائشة قالت لما استخلف أبو بكر قال لقد علمتم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه
و أخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق فقال عمر أين تريد قال السوق قال تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي قال انطلق يفرض لك أبو عبيدة فانطلق إلى أبي عبيدة فقال أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأوكسهم ولا أكسبهم وكسوة الشتاء والصيف إذا أخلقت شيئا رددته وأخذت غيره ففرض له كل يوم نصف شاة وما كساه في البطن والرأس
و أخرج ابن سعد عن ميمون قال لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال

(1/247)


زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة
و أخرج الطبراني عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال لما احتضر أبو بكر قال يا عائشة انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها والجفنة التي كنا نصطبغ فيها والقطيفة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين نلي أمر المسلمين فإذا مت فاردديه إلى عمر فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر فقال عمر رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك
و اخرج ابن أبي الدنيا عن أبي بكر بن حفص قال قال أبو بكر لما احتضر لعائشة يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لنا دينارا ولا درهما ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين لا قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر

(1/248)


الباب الرابع في خلافة عمر وفيه فصول

(1/249)


الفصل الأول في حقية خلافته رضي الله عنه
اعلم أنا لا نحتاج في هذا إلى قيام برهان على حقية خلافة عمر لما هو معلوم عند كل ذي عقل وفهم أنه يلزم من حقية خلافة أبي بكر رضي الله عنه حقية خلافة عمر وقد قام الإجماع ونصوص الكتاب والسنة على حقية خلافة أبي بكر فيلزم قيام الإجماع ونصوص الكتاب والسنة على حقية خلافة عمر لأن الفرع يثبت له من حيث كونه فرعا ما ثبت للأصل فحينئذ لا مطمع لأحد من الرافضة والشيعة في النزاع في حقية خلافة عمر لما قدمناه من الأدلة الواضحة القطعية على حقية خلافة مستخلفه وإذا ثبت حقيتها قطعا صار النزاع فيها عنادا وجهلا وغباوة وإنكارا للضروريات ومن هذا وصفه كهؤلاء الجهلة الحمقى حقيق بأن يعرض عنه وعن أكاذيبه وأباطيله فلا يلتفت إليه ولا يعول في شيء من الأمور عليه
إذا تحقق ذلك فقد مر أن من أعظم فضائل الصديق استخلافه عمر على المسلمين لما حصل به من عموم النفع وفتح البلاد وظهور الإسلام ظهورا تاما كما يأتي وتقدم في تلك الأحاديث التي في الخلافة التصريح بخلافة عمر في غير حديث كحديث اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر بطرقه السابقة وكحديث أمره لأبي بكر بوضع حجره إلى جنب حجر النبي

(1/251)


وأمره لعمر أن يضع حجره إلى جنب حجر أبي بكر ثم أمره لعثمان بوضع حجره إلى جنب حجر عمر ثم قال هؤلاء الخلفاء بعدي
و كحديث رؤياه أنه ينزع بدلو بكرة على قليب فجاء أبو بكر ونزع دلوا أو دلوين ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت غربا قال فلم أر عبقريا يفري في الناس فريه
و كحديث الخلافة ثلاثون سنة
و كحديث إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة فهذه الأحاديث كلها فيها دلالة أي دلالة على حقية خلافة عمر رضي الله عنه لو فرض عدم الإجماع عليها فكيف وقد قام الإجماع عليها ودلت عليها النصوص الدالة على خلافة أبي بكر كما مر

(1/252)


الفصل الثاني في استخلاف أبي بكر لعمر رضي الله عنهما في مرض موته ونقدم عليه سبب موته
أخرج سيف والحاكم عن بن عمر قال كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله كمد فما زال جسمه ينقص حتى مات
و صح عن ابن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله والله إن فيها سم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة
ولا ينافيه خبر اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان لأن أخص أوصاف أبي بكر تسميته بالصديق كما علم مما مر فأوثر على وصف الشهادة لاشتراكه ولذلك لم يصف نفسه إلا بالنبوة لأنها أخص أوصافه

(1/253)


وإلا فهو مات بالسم أيضا لما في الحديث الصحيح أنه صرح في مرض موته أنه من أكلة خيبر وأن تلك الأكلة لا زالت تعاوده حتى انقطع أبهره
و أخرج الواقدي والحاكم عن عائشة قالت أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى الصلاة وتوفي يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة
و أخرج الواقدي من طرق أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف فقال أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر وإن يكن فقال عبد الرحمن هو والله أفضل من رأيك فيه ثم دعا عثمان ابن عفان فقال أخبرني عن عمر فقال أنت أخبرنا به فقال على ذلك فقال اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله وشاور معهما سعيد ابن زيد وأسيد بن حضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أسيد اللهم أعلمه الخير بعدك يرضى للرضا ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه
و دخل عليه بعض الصحابة فقال له قائل منهم ما أنت قائل لربك إذا سألك عن تولية عمر علينا وقد ترى غلظته فقال أبو بكر أبالله تخوفني أقول اللهم استخلفت عليهم خير أهلك ابلغ عني ما قلت من ورائك ثم دعا عثمان فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن

(1/254)


الفاجر ويصدق الكاذب أني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وأني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا فإن عدل فذلك ظني فيه وعلمي به وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله
ثم أمر بالكتاب فختمه ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما فبايع الناس ورضوا به دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه بما أوصاه به ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يده فقال اللهم إني لم أرد بذلك إلا إصلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأقواهم وأحرصهم على ما أرشد لهم وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح واليهم واجعله من خلفائك الراشدين وأصلح له رعيته
و أخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة أبو بكر حين استخلف عمر وصاحبة موسى حين قالت استأجره والعزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته أكرمي مثواه قيل ويلحق بهم سليمان بن عبد الملك حين استخلف عمر بن عبد العزيز
و أخرج ابن عساكر عن يسار بن حمزة قال لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال أيها الناس إني قد عهدت عهدا أفترضون به فقال الناس رضينا

(1/255)


يا خليفة رسول الله فقام علي فقال لا نرضى إلا أن يكون عمر قال فإنه عمر
و أخرج ابن سعد عن شداد قال كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أنه قال اللهم إني شديد فليني وإني ضعيف فقوني وإني بخيل فسخني
قال الزهري استخلف عمر يوم توفي أبو بكر فقام بالأمر أتم قيام وكثرت الفتوح في أيامه كثرة عظيمة لم يقع نظيرها في أيام خليفة بعده كيف ومن ذلك أكثر إقليم الشام والعراق وفارس والروم ومصر والإسكندرية والمغرب
و قد أشار بذلك في سابع الأحاديث المارة في الأحاديث الدالة على خلافة الصديق ولفظه عند الشيخين من بعض تلك الطرق عن ابن عمر وأبي هريرة قالا قال رسول الله بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها أبو بكر فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت في يده غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى روي الناس وضربوا بعطن ومر أيضا عن العلماء أن هذه إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر وإلى كثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمن عمر

(1/256)


الفصل الثالث في سبب تسميته بأمير المؤمنين دون خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم
أخرج العسكري في الأوائل والطبراني في الكبير والحاكم من طريق ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة لأي شيء كان يكتب من خليفة خليفة رسول الله في عهد أبي بكر ثم كان عمر كتب أولا من خليفة أبي بكر فمن أول من كتب من أمير المؤمنين رضي الله عنه فقال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات أن أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله وعمر كان يكتب من خليفة رسول الله حتى كتب عمر إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله فبعث إليه لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم الطائي فقدما المدينة ودخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا استأذن لنا على أمير المؤمنين فقال عمرو أنتما والله أصبتما اسمه فدخل عليه عمرو فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال ما بدا لك في هذا الاسم لتخرجن مما قلت فأخبره فقال أنت الأمير ونحن المؤمنين

(1/257)


فجرى الكتاب بذلك من يومئذ
و في تهذيب النووي أن عديا ولبيدا المذكورين هما اللذان سمياه بذلك أي لأن عمرا لم يقل له ذلك إلا تقليدا لهما وقيل إن أول من سماه به المغيرة بن شعبة
و أخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال كان يكتب من أبي بكر خليفة رسول الله فلما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرادوا أن يقولوا خليفة خليفة رسول الله فقال عمر هذا يطول قالوا لا ولكنا أمرناك علينا وأنت أميرنا قال نعم أنتم المؤمنون وأنا أميركم فكتب أمير المؤمنين
ولا ينافي ما تقرر أن عبد الله بن جحش في سريته التي نزل فيها قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه سمي أمير المؤمنين لأن تلك التسمية كانت خاصة والكلام في تسمية الخليفة بذلك فعمر أول من وضع عليه هذا الاسم من حيث الخلافة

(1/258)


الباب الخامس في فضائله وخصوصياته وفيه فصول

(1/259)


الفصل الأول في إسلامه
قال الذهبي أسلم في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون سنة وكان من أشراف قريش وإليه فيهم كانت السفارة فكانوا إذا أرادوا حربا بعثوه رسولا وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر أرسلوه له منافرا ومفاخرا وكان إسلامه بعد أربعين رجلا أو تسعة وثلاثين أو خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة أو ثلاث وعشرين امرأة ففرح به المسلمون وظهر الإسلام بمكة عقب إسلامه
و قد أخرج الترمذي عن ابن عمر والطبراني عن ابن مسعود وأنس أن النبي قال اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام
و أخرج الحاكم عن ابن عباس والطبراني عن أبي بكر الصديق وثوبان رضي

(1/261)


الله عنهم أنه قال اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة
و أخرج أحمد عن عمر قال خرجت أتعرض رسول الله فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت والله هذا شاعر كما قالت قريش فقرأ إنه لقول رسول الله كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون فوقع في قلبي الإسلام كل موقع
و اخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال كان أول إسلام عمر أن عمر قال ضرب أختي المخاض ليلا فخرجت من البيت فدخلت في ستار الكعبة فجاء النبي فدخل الحجر فصلى ما شاء الله ثم انصرف فسمعت شيئا لم اسمع مثله فخرج فاتبعته فقال من هذا قلت عمر قال يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا فخشيت أن يدعو علي فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال يا عمر استره فقلت لا والذي بعثك بالحق نبيا لأعلننه كما أعلنت الشرك

(1/262)


و أخرج أبو يعلى والحاكم والبيهقي عن أنس قال خرج عمر متقلدا سيفه فلقيه رجل من بني زهرة فقال أين تعمد يا عمر فقال أريد أن اقتل محمدا قال وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا قال ما أراك إلا قد صبوت قال أفلا أدلك على العجب إن ختنك وأختك قد صبئا وتركا دينك فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب فلما سمع بحس عمر توارى في البيت فدخل فقال ما هذه الهينمة وكانوا يقرأون طه قالا ما عدا حديثا تحدثناه بيننا قال فلعلكما قد صبوتما فقال له ختنه يا عمر إن كان الحق في غير دينك فوثب عليه عمر فوطئه وطئا شديدا فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها فقالت وهي غضبي إن كان الحق في غير دينك إني اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقال عمر أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرؤه وكان يقرأ الكتاب فقالت أخته إنك رجس وإنه لا يسمه إلا المطهرون فقم واغتسل وتوضأ فقام وتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى حتى انتهى إلى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري فقال عمر دلوني على محمد فلما سمع خباب قول عمر خرج فقال أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ليلة الخميس اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام وكان رسول الله في أصل الدار التي في أصل الصفا فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس فقال حمزة هذا عمر إن يرد الله به خيرا يسلم وإن يكن غير ذلك يكن قتله علينا هينا قال والنبي

(1/263)


داخل يوحى إليه فخرج حتى أتى إلى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة فقال عمر أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله
و أخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن أسلم قال قال لنا عمر كنت أشد الناس بأسا على رسول الله فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال عجبا لك يا ابن الخطاب إنك تزعم وأنك وأنك قد دخل عليك الأمر في بيتك قلت وما ذاك قال أختك قد أسلمت فرجعت مغضبا حتى قرعت الباب قيل من هذا قلت عمر فتبادروا واختفوا وقد كانوا يقرؤون في صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها فقامت أختي تفتح الباب فقلت يا عدوة نفسها أصبوت وضربت بشيء في يدي على رأسها فسال الدم وبكت فقالت يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد صبوت قال ودخلت حتى جلست على السرير فنظرت إلى الصحيفة فقلت ما هذا ناولنيها فقالت لست من أهلها أنت لا تطهر من الجنابة وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون فما زلت حتى ناولتنيها ففتحتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت منه فألقيت الصحيفة ثم

(1/264)


رجعت إلي نفسي فتناولتها فإذا فيها سبح لله ما في السماوات والأرض فذعرت فقرأت إلى فآمنوا بالله ورسوله فقلت أشهد أن لا إله إلا الله فخرجوا إلي مبادرين فكبروا وقالوا أبشر فإن رسول الله دعا يوم الاثنين فقال اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك إما أبو جهل بن هشام وإما عمر ودلوني على النبي في بيته بأسفل الصفا فخرجت حتى قرعت الباب فقالوا من قلت عمر بن الخطاب وقد علموا شدتي على رسول الله فما اجترأ أحد بفتح الباب حتى قال افتحوا له ففتحوا لي فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا بي النبي فقال خلوا عنه ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه ثم قال أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده فتشهدت فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة وكانوا مستخفين فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب ويضرب إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء فجئت خالي أي أبا جهل بن هشام وكان شريفا فقرعت عليه الباب فقال من هذا قلت ابن الخطاب وقد صبوت قال لا تفعل ثم دخل وأجاف الباب دوني فقلت ما هذا شيء فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فناديته فخرج إلي فقلت مثل مقالتي لخالي وقال لي مثل ما قال خالي فدخل وأجاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب فقال لي رجل أتحب أن يعلم بإسلامك قلت نعم قال فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلانا لرجل لم

(1/265)


يكن يكتم السر فقل له فيما بينك وبينه إني قد صبوت فإنه قلما يكتم السر
فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت له فيما بيني وبينه إني قد صبوت قال أوقد فعلت قلت نعم فنادى بأعلى صوته إن ابن الخطاب قد صبأ فبادروا إلي فما زلت أضربهم ويضربوني واجتمع علي الناس فقال خالي ما هذه الجماعة قيل عمر قد صبأ فقام على الحجر فأشار بكمه ألا إني قد أجرت ابن أختي فكفوا عني فكنت لا أشاء أن أرى رجلا من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته فقلت ما هذا شيء حتى يصيبني فأتيت خالي فقلت جوارك رد عليك فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام

(1/266)


الفصل الثاني في تسميته بالفاروق
أخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس قال سألت عمر لأي شيء سميت بالفاروق فقال أسلم حمزة قبلي بثلاثة ايام فخرجت إلى المسجد فأسرع أبو جهل إلى النبي ليسبه فأخبر حمزة فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل فاتكأ على قوسه مقابل أبي جهل فنظر إليه فعرف أبو جهل الشر في وجهه فقال ما لك يا أبا عمارة فرفع القوس فضرب بها أخدعه فقطعه فسالت الدماء فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر قال ورسول الله مختف في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي فانطلق حمزة فأسلم فخرجت بعده بثلاثة أيام فإذا فلان المخزومي فقلت له أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد قال إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني فقلت من هو قال أختك وختنك فانطلقت فوجدت هينمة فدخلت فقلت ما هذا فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته وأدميته فقامت إلي أختي وأخذت برأسي وقالت قد كان ذلك على رغم أنفك فاستحييت حين رأيت الدم فجلست وقلت أروني هذا الكتاب فقالت إنه لا يمسه إلا المطهرون فقمت فاغتسلت فأخرجوا إلي صحيفة فيها بسم الله

(1/267)


الرحمن الرحيم فقلت أسماء طيبة طاهرة طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلى قوله له الأسماء الحسنى فتعظمت في صدري وقلت من هذا فرت قريش فأسلمت وقلت أين رسول الله قالت فإنه في دار الأرقم فأتيت فضربت الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة مالكم قالوا عمر قال افتحوا له الباب فإن اقبل قبلنا منه وإن أدبر قتلناه فسمع ذلك رسول الله فخرج فتشهد عمر فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد فقلت يا رسول الله ألسنا على الحق قال بلى قلت ففيم الاختفاء فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة فسماني رسول الله الفاروق يومئذ وفرق بين الحق والباطل
و أخرج ابن سعد عن ذكوان قال قلت لعائشة رضي الله عنها من سمى عمر الفاروق قالت رسول الله
و ابن ماجه والحاكم عن ابن عباس قال لما اسلم عمر نزل جبريل فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر
و البزار والحاكم وصححه عن ابن عباس قال لما أسلم عمر قال المشركون قد انتصف القوم اليوم منا وأنزل الله يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من

(1/268)


المؤمنين
و البخاري وغيره عن ابن مسعود قال ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر
و ابن سعد عنه أيضا قال كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصرا وكانت إمامته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصل إلى البيت حتى أسلم عمر فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا وخلوا سبيلنا
و أخرج ابن سعد والحاكم عن حذيفة قال لما اسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قوة فلما قتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا
و الطبراني عن ابن عباس بسند حسن أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب
و ابن سعد عن صهيب قال لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا بالبيت وانتصفنا فمن غلظ علينا رددنا عليه بعض ما يأتي به

(1/269)


الفصل الثالث في هجرته
أخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه تنكب قوسه وانتضى في يده أسهما وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها فطاف سبعا ثم صلى ركعتين خلف المقام ثم أتى حلقهم واحدة واحدة فقال شاهت الوجوه من أراد أن تثكله أمه ويؤتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي فما تبعه منهم أحد
و أخرج عن البراء قال أول من قدم علينا مهاجرا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا فقلنا ما فعل رسول الله فقال هو على أثري ثم قدم رسول الله وأبو بكر معه

(1/270)


الفصل الرابع في فضائله
قد مر منها أربعة وثلاثون حديثا بل أكثر مقرونة ببعض أحاديث أبي بكر الدالة على خلافته وفضله
و الخامس والثلاثون الخبر السابق آنفا اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب
و السادس والثلاثون الخبر السابق آنفا أيضا لما أسلم عمر نزل جبريل فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر
و الخبر السابع والثلاثون الخبر السابق آنفا أيضا لما أسلم عمر قال المشركون لقد انتصف القوم اليوم منا وأنزل الله يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين
الحديث الثامن والثلاثون أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال قال رسول الله بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر قلت لمن هذا القصر قالوا لعمر فذكرت غيرتك فوليت مدبرا فبكى وقال عليك

(1/271)


أغار يا رسول الله
الحديث التاسع والثلاثون أخرج أحمد والشيخان عن جابر أن النبي قال رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفا أمامي فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا بلال ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية فقلت لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله أنظر إليه فذكرت غيرتك
الحديث الأربعون أخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله قال بينا أنا نائم شربت يعني اللبن حتى أنظر إلى الري يجري في أظفاري ثم ناولته عمر قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم
الحديث الحادي والأربعون أخرج أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله يقول بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض

(1/272)


علي عمر وعليه قميص يجره قالوا فما أولته يا رسول الله قال الدين
و فيه رواية للحكيم الترمذي على ماذا تؤول هذا يا رسول الله وفيها فمنهم من كان قميصه إلى سرته ومنهم من كان قميصه إلى ركبته ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه
و قوله الدين يجوز فيه النصب والرفع وعبر بدله في هذه الرواية بالإيمان وقد قيل في وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه والأصل فيه و لباس التقوى ذلك خير واتفق المعبرون على ذلك أعني تعبير القميص بالدين وان طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده
و قال ابن العربي إنما أوله به لأنه يستر عورة الجهل كما أن القميص يستر عورة البدن وأما غير عمر فما يبلغ ثدييه هو ما يستر قلبه عن الكفر وإن عصى وما يبلغ اسفل منه وفرجه باد هو من لم يستر رجله عن المشي للمعصية والذي يستر رجله هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه والذي يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص
و قال العارف ابن أبي جمرة المراد بالناس في الحديث مؤمنو هذه الأمة وبالدين امتثال الأوامر واجتناب النواهي وكان لعمر في ذلك المقام العالي

(1/273)


ويؤخذ من الحديث أن كل ما يرى في القميص من حسن أو غيره عبر بدين لابسه ونقصه إما لنقص الإيمان أو العمل وفي الحديث أن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة وبالقوة والضعف وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعا أعني جر القميص لما ورد من الوعيد في تطويله
الحديث الثاني والأربعون أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك
الحديث الثالث والأربعون أخرج أحمد والبخاري عن أبي هريرة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة أن رسول الله قال لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر
واخرج البخاري عن ابن عمر ما سمعت عمر لشيء قط يقول إني لأظنه

(1/274)


كذا إلا كان كما يظن بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل أي هو سواد ابن قارب فقال عمر لقد أخطأ ظني إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم علي بالرجل فدعا به فقال له ذلك فقال ما رأيت كاليوم أستقبل به رجلا مسلما قال فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال كنت كاهنهم في الجاهلية قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك في الجاهلية قال بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف منها الفزع فقالت ألم تر الجن وإبلاسها
الحديث الرابع والأربعون أخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر وأحمد وأبو داود والحاكم عن أبي ذر وابو يعلى والحاكم عن أبي هريرة والطبراني عن بلال وعن معاوية رضي الله عنهم أن رسول الله قال إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه قال ابن عمر وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا أنزل القرآن على نحو ما قال عمر
الحديث الخامس والأربعون أخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه

(1/275)


عن عقبة بن عامر والطبراني عن عصمة بن مالك قال قال رسول الله لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب
و أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري وغيره وابن عساكر من حديث ابن عمر
الحديث السادس والأربعون أخرج الترمذي عن عائشة إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر
و أخرج ابن عدي عنها رأيت شياطين الإنس والجن فروا من عمر
الحديث السابع والأربعون اخرج ابن ماجة والحاكم عن أبي بن كعب قال قال رسول الله أول من يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذه بيده فيدخله الجنة
و المصافحة هنا كناية عن مزيد الإنعام والإقبال ومر أن أبا بكر أول من يدخل

(1/276)


الجنة أيضا ويجمع بحمل ما هنا على أن الأولية في عمر نسبية أي الأول من يدخلها بعد أبي بكر
الحديث الثامن والأربعون أخرج ابن ماجه والحاكم عن أبي ذر قال سمعت رسول الله يقول إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به
الحديث التاسع والأربعون أخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه
و أخرجه الطبراني من حديث عمر بن الخطاب وبلال ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة رضي الله عنهم
و اخرج ابن منيع في مسنده عن علي قال كنا اصحاب محمد لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر
الحديث الخمسون أخرج البزار عن ابن عمر وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وابن عساكر عن الصعب بن جثامة أن رسول الله قال عمر

(1/277)


سراج أهل الجنة
الحديث الحادي والخمسون أخرج البزار عن قدامة بن مظعون عن عمه عثمان بن مظعون قال قال رسول الله هذا غلق الفتنة وأشار بيده إلى عمر لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم
الحديث الثاني والخمسون أخرج الطبراني في الأوسط والحكيم في نوادر الأصول والضياء عن ابن عباس قال جاء جبريل إلى النبي وقال أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه حكم وفي رواية أتى جبريل فقال أقرىء عمر السلام وقل له إن رضاه حكم وإن غضبه عز
الحديث الثالث والخمسون أخرج ابن عساكر عن عائشة أن النبي قال إن الشيطان يفر من عمر

(1/278)


و أخرج أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من طريق بريدة إن الشيطان ليفرق منك يا عمر
الحديث الرابع والخمسون اخرج ابن عساكر وابن عدي عن ابن عباس قال قال رسول الله ما في السماء ملك إلا وهو يوقر عمر ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر
الحديث الخامس والخمسون أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله باهى بأهل عرفة عامة وباهى بعمر خاصة وأخرج في الكبير مثله من حديث ابن عباس
الحديث السادس والخمسون أخرج الطبراني والديلمي عن الفضل ابن عباس قال قال رسول الله الحق بعدي مع عمر حيث كان
الحديث السابع والخمسون أخرج الطبراني عن سديسة قالت قال رسول

(1/279)


الله إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه وأخرجه الدارقطني في الأفراد من طريق سديسة عن حفصة
الحديث الثامن والخمسون أخرج الطبراني عن أبي بن كعب قال قال لي رسول الله قال لي جبريل ليبك الإسلام على موت عمر
الحديث التاسع والخمسون اخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله من أبغض عمر فقد ابغضني ومن أحب عمر فقد أحبني وإن الله باهى بالناس عشية عرفة عامة وباهى بعمر خاصة وإنه لم يبعث الله نبيا إلا كان في أمته محدث وإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر قالوا يا رسول الله كيف محدث قال تتكلم الملائكة على لسانه إسناده حسن
الحديث الستون أخرج أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم عن بريدة أن رسول الله قال يا بلال بم سبقتني إلى الجنة ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مربع مشرف من

(1/280)


ذهب فقلت لمن هذا القصر قالوا لرجل من العرب قلت أنا عربي لمن هذا القصر قالوا لرجل من قريش فقلت أنا من قريش لمن هذا القصر قالوا لرجل من أمة محمد فقلت أنا محمد لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب
الحديث الحادي والستون أخرج أبو داود عن عمر أن رسول الله قال له لا تنسنا يا أخي من دعائك
الحديث الثاني والستون أخرج أحمد وابن ماجة عن عمر أيضا أن النبي قال له يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا
الحديث الثالث والستون اخرج ابن النجار عن ابن عباس أن رسول الله قال الصدق بعدي مع عمر حيث كان
الحديث الرابع والستون اخرج الطبراني وابن عدي عن ابن عباس أن رسول الله قال عمر معي وأنا مع عمر والحق بعدي مع عمر حيث كان

(1/281)


الحديث الخامس والستون أخرج أحمد والترمذي وابن حبان رضي الله عنه في صحيحه عن أنس وأحمد والشيخان عن جابر وأحمد عن بريدة وعن معاذ رضي الله عنهم أن رسول الله قال دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر قالوا لشاب من قريش فظننت أني أنا هو فقلت ومن هو قالوا عمر بن الخطاب فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته
الحديث السادس والستون أخرج الترمذي والحاكم عن أبي بكر أن النبي قال ما طلعت الشمس على خير من عمر
الحديث السابع والستون أخرج ابن سعد عن أيوب بن موسى مرسلا قال قال رسول الله إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق فرق الله به بين الحق والباطل
الحديث الثامن والستون اخرج الطبراني عن عصمة بن مالك أن رسول الله قال ويحك إذا مات عمر فإن استطعت أن تموت فمت

(1/282)


الفصل الخامس في ثناء الصحابة والسلف عليه رضي الله عنه
أخرج ابن عساكر عن الصديق رضي الله عنه قال ما على ظهر الأرض رجل أحب إلي من عمر
و ابن سعد عنه أنه قيل له في مرضه ماذا تقول لربك وقد وليت عمر قال أقول له وليت عليهم خيرهم
و الطبراني عن علي قال إذ ذكر الصالحون فحيهلا بعمر ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر
و ابن سعد عن ابن عمر قال ما رأيت أحدا بعد رسول الله من حين قبض أجد ولا أجود من عمر
و الطبراني والحاكم عن ابن مسعود قال لو أن علم عمر يوضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم

(1/283)


و الزبير بن بكار عن معاوية قال أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها وأما نحن فتمر غنا فيها ظهرا لبطن
و الحاكم عن علي أنه دخل على عمر وهو مسجى فقال رحمة الله عليك ما من أحد أحب إلي أن ألقى الله بما في صحيفته بعد صحيفة النبي من هذا المسجى وتقدم لهذا طرق عن علي
و الطبراني والحاكم عن ابن مسعود قال إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفهمنا في دين الله
و الطبراني عن عمر بن ربيعة أن عمر قال لكعب الأحبار كيف تجد نعتي قال أجد نعتك قرن من حديد قال وما قرن من حديد قال أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم قال ثم مه قال ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة قال ثم مه قال ثم يكون البلاء
و أحمد والبزار والطبراني عن ابن مسعود قال فضل عمر بن الخطاب الناس بأربع بذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم فأنزل الله لولا كتاب من

(1/284)


الله سبق وبذكر الحجاب أمر نساء النبي أن يحتجبن فقالت له زينب وإنك لتغار علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا فأنزل الله و إذا سألتموهن متاعا وبدعوة النبي اللهم أيد الإسلام بعمر وبرأيه في أبي بكر كان أول من بايعه
و ابن عساكر عن مجاهد قال كنا نتحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر فلما أصيب بثت

(1/285)


الفصل السادس في موافقات عمر للقرآن والسنة والتوراة
أخرج ابن مردويه عن مجاهد قال كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن
و أخرج ابن عساكر عن علي قال إن في القرآن لرأيا من رأي عمر
و أخرج عن ابن عمر مرفوعا ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر
إذا تقرر ذلك فموافقاته كثيرة
الأولى والثانية والثالثة أخرج الشيخان عن عمر قال وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي عليه في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك

(1/287)


الرابعة أسارى بدر أخرج مسلم عن سالم عن عمر قال وافقت ربي في ثلاث في الحجاب وفي أسارى بدر وفي مقام إبراهيم
الخامسة تحريم الخمر أخرج أصحاب السنن والحاكم أن عمر قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تحريمها
السادسة فتبارك الله أحسن الخالقين أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس قال قال عمر وافقت ربي في أربع نزلت هذه الآية و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فلما نزلت قلت أنا فتبارك الله أحسن الخالقين
السابعة قصة عبد الله بن أبي وحديثها في الصحيح عنه أي عن عمر قال لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله للصلاة عليه فقام إليه فقمت حتى وقفت في صدره فقلت يا رسول الله أعلى عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا وكذا كذا وكذا فوالله ما كان يسيرا حتى نزلت ولا تصل

(1/288)


على أحد منهم مات أبدا
الثامنة قصة الاستغفار لقوم من المنافقين قال عمر سواء عليهم فأنزل الله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم
التاسعة الاستشارة في الخروج إلى بدر وذلك أنه استشار أصحابه في الخروج إلى بدر فأشار عمر بالخروج فنزل قوله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون
العاشرة الاستشارة في قصة الإفك وذلك أنه لما استشار الصحابة في قصة الإفك قال عمر من زوجكها يا رسول الله قال الله قال أفتظن أن ربك دلس عليك فيها سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت كذلك
الحادية عشرة قصته في الصيام لما جامع زوجته أخرج أحمد في مسنده أيضا لما جامع زوجته بعد الانتباه وكان ذلك محرما في أول الإسلام فنزل أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم

(1/289)


الثانية عشرة قوله تعالى من كان عدوا إلى آخره أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة أقربها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا لقي عمر فقال إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا فقال عمر من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين فنزلت على لسان عمر الآية
الثالثة عشرة فلا وربك لا يؤمنون الآية أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود قال اختصم رجلان إلى النبي فقضى بينهما فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر بن الخطاب فأتيا إليه فقال الرجل قضى لي رسول الله على هذا فقال لي ردنا إلى عمر فقتله وأدبر الآخر فقال يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي فقال ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن فأنزل الله فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله وله شاهد موصول
الرابعة عشرة مسألة الاستئذان في الدخول وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائما فقال اللهم حرم الدخول فنزلت آية الاستئذان

(1/290)


الخامسة عشرة موافقته لقوله تعالى ثلة من الأولين وثلة من الآخرين أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن جابر وقصتها مذكورة في أسباب النزول
السادسة عشرة موافقته في بعض الأذان أخرج ابن عدي في الكامل من طريق عبد الله بن نافع وهو ضعيف عن أبيه عن ابن عمر أن بلالا كان يقول إذا أذن أشهد أن لا إله إلا الله حي على الصلاة فقال له عمر قل في إثرها أشهد أن محمدا رسول الله فقال رسول الله قل كما قال عمر
و الحديث الصحيح الثابت في أول مشروعية الأذان يرد هذا
السابعة عشرة أخرج عثمان بن سعيد الدارمي من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن كعب الأحبار قال ويل لملك الأرض من ملك السماء فقال عمر إلا من حاسب نفسه فقال كعب الأحبار والذي نفسي بيده إنها مكتوبة في التوراة فخر عمر ساجدا

(1/291)


الفصل السابع في كراماته رضي الله عنه
الأولى أخرج البيهقي وابو نعيم واللالكائي وابن الأعرابي والخطيب عن نافع عن ابن عمر بإسناد حسن قال وجه عمر جيشا ورأس عليهم رجلا يدعى سارية فبينا عمر رضي الله عنه يخطب جعل ينادي يا سارية الجبل ثلاثا ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال يا أمير المؤمنين هزمنا فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا ينادي يا سارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهرنا إلى الجبل فهزمهم الله قال قيل لعمر إنك كنت تصيح بذلك
و ذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم
و أخرج ابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر رضي الله عنه قال كان عمر يخطب يوم الجمعة فعرض في خطبته أن قال يا سارية الجبل من استرعى الذئب ظلم فالتفت الناس بعضهم لبعض فقال لهم علي ليخرجن مما قال فلما فرغ سألوه فقال وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وإنهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد وإن جاوزوا هلكوا فخرج مني ما تزعمون أنكم سمعتموه فقال فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا

(1/293)


صوت عمر في ذلك اليوم قال فعدلنا إلى الجبل ففتح الله علينا
و اخرج أبو نعيم عن عمرو بن الحارث قال بينا عمر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة وقال يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثا ثم أقبل على خطبته فقال بعض الحاضرين لقد جن إنه لمجنون فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه فقال إنك لتجعل لهم على نفسك مقالا بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل أي شيء هذا قال إني والله ما ملكت ذلك رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه إن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة سمعنا مناديا ينادي يا سارية الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله وقتلهم فقال أولئك الذين طعنوا عليه دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له
الثانية أخرج أبو القاسم بن بشران من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر بن الخطاب لرجل ما اسمك قال جمرة قال ابن من قال ابن شهاب قال ممن قال من الحرقة قال أين مسكنك قال الحرة قال بأيها قال بذات لظى قال عمر أدرك أهلك فقد احترقوا فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا وأخرج مالك في الموطأ نحوه وكذلك أخرجه آخرون

(1/294)


الثالثة أخرج أبو الشيخ في العظمة بسنده إلى قيس بن الحجاج عمن حدثه قال لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل يوم من أشهر العجم فقالوا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها قال وما ذاك قالوا إذا كان أحد عشر ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثياب والحلي افضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون في إسلام أبدا وإن الإسلام يهدم ما كان قبله فأقاموا والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب له أن قد أصبت بالذي فعلت وإن الإسلام يهدم ما كان قبله وبعث بطاقة في داخل كتابه وكتب إلى عمرو إني قد بعثت إليك بطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك فألقى البطاقة عمرو في النيل قبل الصليب بيوم فأصبحوا وقد أجراه الله ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة فقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم
الرابعة أخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال إن كان الرجل

(1/295)


ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول احبس هذه ثم يحدثه بالحديث فيقول له احبس هذه فيقول له كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه
و أخرج أيضا عن الحسن قال إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به أنه كذب فهو عمر بن الخطاب
الخامسة أخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدبة الحمصي قال أخبر عمر أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم فخرج غضبان فصلى فسها في صلاته فلما سلم قال اللهم إنهم قد لبسوا علي فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم قال ابن لهيعة وما ولد الحجاج يومئذ

(1/296)


خاتمة في نبذ سيرته رضي الله عنه
أخرج ابن سعد عن آصف بن قيس قال كنا جلوسا بباب عمر فمرت جارية فقالوا سرية أمير المؤمنين فقال ما هي لأمير المؤمنين بسرية ولا تحل له إنها من مال الله فقلنا فما يحل له من مال الله تعالى قال إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين حلة للشتاء وحلة للصيف وما حج به واعتمر وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم ثم أنا بعد رجل من المسلمين
و أخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق عن عمر قال إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم من ماله إن أيسرت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإن أيسرت قضيت
و احتاج للتداوي بعسل وفي بيت المال عكة فقال إن أذنتم لي وإلا فهي

(1/297)


علي حرام فأذنوا له
و مكث زمانا لا يأكل من مال بيت المال شيئا حتى أصابته خصاصة فاستشار الصحابة فقال قد شغلت نفسي في هذا المال فما يصلح لي منه فقال علي غداء وعشاء فأخذ بذلك عمر
و كانت جملة نفقته في حجه ستة عشر دينارا ومع ذلك يقول أسرفنا في هذا المال
و لما كلمته حفصة وعبد الله وغيرهما فقالوا له لو أكلت طعاما طيبا لكان أقوى لك على الحق قال أكلكم على هذا الرأي قالوا نعم قال قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي على جادة فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل
قال وأصاب الناس سنة فما أكل عامئذ سمنا ولا سمينا وقال مرة أخرى لمن كلمه في طعامه ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها
و قال لابنه عاصم وهو يأكل لحما كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى وكان يلبس وهو خليفة جبة من صوف مرقوعة بعضها بأدم ويطوف في

(1/298)


الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب الناس بها ويمر بالنوى فيلتقطه ويلقيه في منازل الناس ينتفعون به
و قال أنس رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه
و قال أبو عثمان الفهري رأيت على عمر إزارا مرقوعا بأدم ولما حج لم يستظل إلا تحت كساء أو نطع يلقيه على شجرة وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء وكان يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياما
و أخذ تبنة من الأرض وقال يا ليتني هذه التبنة وليتني لم أك شيئا ليت أمي لم تلدني
و كان يدخل يده في وبرة البعير ويقول إني لخائف أن أسأل عما بك وحمل قربة على عنقه فقيل له في ذلك فقال إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها
و قال أنس تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة وكان قد حرم على نفسه السمن فنقر بطنه بأصبعه وقال إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس ومن ثم تغير لونه في هذا العام حتى صار آدم
و قال أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي

(1/299)


و قال ابن عمر ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما كان يريد وجيء له بلحم فيه سمن فأبى أن يأكلهما وقال كل واحد منهما أدم
و انكشف فخذه فرأى به أهل نجران علامة سوداء فقالوا هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا
و قال له كعب الأحبار إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة
و أمر عماله منهم سعد بن أبي وقاص فكتبوا أموالهم فشاطرهم فيها أخذ نصفها وأبقى لهم نصفها أخرج ذلك كله ابن سعد
وأخرج عبد الرزاق عن جابر أنه شكا إلى عمر ما يلقى من النساء فقال عمر إنا لنجد ذلك حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان فتنظر إليهن فقال له عبد الله بن مسعود ما يكفيك أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام شكا إلى الله خلق سارة فقيل له إنها خلقت من ضلع أعوج فالبسها

(1/300)


على ما كان فيها ما لم تر عليها حرمة في دينها
و دخل عليه ابن له عليه ثياب حسنة فضربه بالدرة حتى أبكاه وقال رأيته قد أعجبته نفسه فأحببت أن أصغرها إليه
و أخرج الخطيب أنه وعثمان كانا يتنازعان في المسألة حتى يقول الناظر إنهما لا يجتمعان أبدا فما يفترقان إلا على أحسنه وأجمله

(1/301)


الباب السادس
في خلافة عثمان رضي الله عنه

(1/302)


الباب السادس في خلافة عثمان رضي الله عنه وذلك يستدعي ذكر عهد عمر إليه وسببه ومقدماته
توفي رضي الله عنه بعد صدوره من الحج شهيدا
أخرج الحاكم عن ابن المسيب أن عمر لما نفر من منى وأناخ بالأبطح استلقى ورفع يده إلى السماء وقال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل
و قال له كعب أجدك في التوراة تقتل شهيدا فقال وأنى لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب
و أخرج البخاري عنه أنه قال اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك
و أخرج الحاكم أنه خطب فقال رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين وإني لا

(1/303)


أراه إلا حضر أجلي وإن قوما يأمروني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض
و قال له رجل ألا تستخلف عبد الله بن عمر فقال له قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته أي لأنه في زمن رسول الله طلقها في الحيض فقال لعمر مره فليراجعها
و كان لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر غلاما عنده يحسن أعمالا كثيرة فيها منافع للناس كالحدادة والنقش والتجارة ويصنع الأرحاء فأذن له في دخول المدينة واسمه أبو لؤلؤة وهو مجوسي فجاء لعمر يشتكي من ثقل خراجه وهو أربعة دراهم كل يوم فقال له ما خراجك بكثير فانصرف مغضبا وقال وسع الناس كلهم عدله غيري ثم بعد يسير أرسل إليه عمر فقال له ألم أخبر أنك تقول لو أشاء لصنعت رحا تطحن بالريح فالتفت إلى عمر عابسا وقال لأصنعن لك رحا

(1/304)


يتحدث الناس بها فلما ولى قال عمر لأصحابه أوعدني العبد آنفا وكان كذلك فأضمر قتله وأعد خنجرا وشحذه وسمه ثم كمن له في الغلس بزاوية من زوايا المسجد حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة وكان عمر يأمر بتسوية الصفوف قبل الإحرام فجاء أبو لؤلؤة إلى أن دنا من عمر فضربه بذلك الخنجر ثلاثا في كتفه وفي خاصرته فوقع عمر وطعن معه ثلاثة عشر رجلا فمات منهم ستة فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا فلما اغتم فيه قتل نفسه وحمل عمر إلى أهله وكادت تطلع الشمس فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين
و أتى عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبين فسقوه لبنا فخرج من جرحه فقالوا لا بأس عليك فقال عمر إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت فجعل الناس يثنون عليه ويقولون كنت وكنت فقال أما والله وددت أني خرجت منها كفافا لا علي ولا لي وأن صحبة رسول الله سلمت لي
و أثنى عليه ابن عباس فقال لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع وقد جعلتها شورى في عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد

(1/305)


و أمر صهيبا أن يصلي بالناس وأجل الستة ثلاثا وكانت إصابته يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ودفن يوم الأحد وصح أن الشمس انكسفت يوم موته وناحت الجن عليه
و في رواية أنه قال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام ثم قال لابنه عبد الله انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوها فقال إن وفى مال آل عمر أده من أموالهم وإلا فاسأل في بني عدي فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش واذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه فذهب إليها فقال كنت أريده تعني

(1/306)


المكان لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فأتى عبد الله فقال قد أذنت فحمد الله تعالى وقيل له أوص يا أمير المؤمنين واستخلف قال ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله وهو عنهم راض فسمى الستة وقال يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة ثم قال أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله تعالى وأوصيه بالمهاجرين والأنصار وأوصيه بأهل الأمصار خيرا في مثل ذلك من الوصية فلما توفي خرجنا به نمشي فسلم عليها عبد الله بن عمر وقال عمر يستأذن فقالت عائشة أدخلوه فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن وقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان فخلا هؤلاء الثلاثة فقال عبد الرحمن أنا لا أريدها فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه وليحرص على صلاح الأمة فسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبد الرحمن اجعلوه إلي ولله علي أن لا آلوكم عن أفضلكم قالا نعم فخلا بعلي وقال لك من القدم في الإسلام والقرابة من رسول الله ما قد علمت الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن

(1/307)


قال نعم ثم خلا بالآخر فقال له كذلك فلما أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه علي
و كانت مبايعته بعد موت عمر بثلاث ليال وروي أن الناس كانوا يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن يشاورونه ويناجونه فلا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدا ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة حمد الله وأثنى عليه وقال في كلامه إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان أخرجه ابن عساكر
و في رواية أنه قال أما بعد يا علي فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا ثم أخذ بيد عثمان فقال نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه المهاجرون والأنصار
و أخرج ابن سعد عن أنس قال أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة فقال كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم

(1/308)


و في مسند أحمد عن أبي وائل قلت لعبد الرحمن بن عوف كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا فقال ما ذنبي قد بدأت بعلي فقلت أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر فقال فيما استطعت ثم عرضت ذلك على عثمان فقال نعم
و يروى أن عبد الرحمن قال لعثمان في خلوة إن لم أبايعك فمن تشير علي قال علي وقال لعلي إن لم أبايعك فمن تشير علي قال عثمان ثم دعا سعدا فقال له من تشير علي فأما أنا وأنت فلا نريدها فقال عثمان ثم استشار عبد الرحمن الأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان
و أخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود أنه قال لما بويع عثمان أمرنا خير من بقي ولم نأل
فثبت بذلك جميعه صحة بيعة عثمان وإجماع الصحابة عليها وأنه لا مرية في ذلك ولا نزاع فيه وأن عليا رضي الله عنه من جملة من بايعه وقد مر ثناؤه عليه وقوله إنه غزا معه وأقام الحدود بين يديه ومر أيضا أحاديث كثيرة دالة على خلافته وأنها بعد خلافة عمر فلا تحتاج إلى إعادة ذلك هنا وأنها فرع عن خلافة

(1/309)


عمر التي هي فرع عن خلافة الصديق وقد قام الإجماع وأدلة الكتاب والسنة على حقية خلافة أبي بكر ولزم من ذلك قيامها على حقية خلافة عمر ثم على حقية خلافة عثمان فكانت بيعة صحيحة وخلافة حقا لا مطعن فيها

(1/310)


الباب السابع
في فضائله ومآثره رضي الله عنه وفيه فصول

(1/311)


الفصل الأول في إسلامه وهجرته وغيرهما
أسلم قديما وهو ممن دعاه الصديق رضي الله عنه إلى الإسلام وهاجر الهجرتين إلى الحبشة الأولى والثانية إلى المدينة وتزوج رقية بنت رسول الله قبل النبوة وماتت عنده في ليالي غزوة بدر فتأخر عنها لتمريضها بإذن رسول الله فضرب له بسهمه وأجره فهو معدود من البدريين بذلك وجاء البشير بنصر المسلمين يوم دفنوها بالمدينة ثم زوجه رسول الله أختها أم كلثوم وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة
قال العلماء ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره ولذا سمي ذا النورين
فهو من السابقين الأولين وأول المهاجرين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن ومر أن الصديق رضي الله عنه جمعه أيضا وإنما تميز عثمان بجمعه في المصحف على ترتيبه المعروف اليوم واستخلفه رسول الله على المدينة في غزوة ذات الرقاع وإلى غطفان
قال ابن إسحاق وكان أول الناس إسلاما بعد أبي بكر وعلي وزيد بن

(1/313)


حارثة وكان ذا جمال مفرط
و قد أخرج ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال بعثني رسول الله إلى منزل عثمان بصحفة فيها لحم فدخلت فإذا رقية جالسة فجعلت مرة أنظر إلى وجه رقية ومرة إلى وجه عثمان فلما رجعت سألني رسول الله قال لي دخلت عليهما قلت نعم قال فهل رأيت زوجا أحسن منهما قلت لا يا رسول الله
و أخرج ابن سعد أنه لما أسلم أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال ترغب عن ملة آبائك إلى دين محمد والله لا أفكك أبدا حتى تدع ما أنت عليه فقال عثمان والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه
و أخرج أبو يعلى عن أنس قال أول من هاجر إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان فقال رسول الله صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط
و أخرج ابن عدي عن عائشة رضي الله عنها قالت لما زوج النبي بنته أم كلثوم بعثمان قال لها إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد

(1/314)


الفصل الثاني في فضائله رضي الله عنه
مر منها جملة في أحاديث خلافة أبي بكر وفضائله ومن جملة ما مر ما يدل على خلافته وأنها عقب خلافة عمر ومن جملته أيضا أنه وزن بالأمة بعد الشيخين فعدلها ثم رفع الميزان
الحديث الأول أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي جمع ثيابه حين دخل عثمان وقال ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة
الحديث الثاني أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال أشد أمتي حياء عثمان بن عفان
الحديث الثالث أخرج الخطيب عن ابن عباس وابن عساكر عن عائشة أن النبي قال إن الله تعالى أوحى إلي أن أزوج كريمتي يعني رقية وأم

(1/315)


كلثوم من عثمان
الحديث الرابع أخرج أحمد ومسلم عن عائشة أيضا أن رسول الله قال إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له وأنا على تلك الحالة أن لا يبلغ إلي في حاجته
الحديث الخامس أخرج أحمد ومسلم عن عائشة أيضا أن رسول الله قال ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة
الحديث السادس أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة أن رسول الله قال إن عثمان حيي تستحيي منه الملائكة
الحديث السابع أخرج أبو نعيم عن ابن عمر أن رسول الله قال

(1/316)


عثمان أحيى أمتي وأكرمها
الحديث الثامن أخرج أبو نعيم عن أبي أمامة أن رسول الله قال إن أشد هذه الأمة بعد نبيها حياء عثمان بن عفان
الحديث التاسع أخرج أبو يعلى عن عائشة أن رسول الله قال إن عثمان حيي ستير تستحي منه الملائكة
الحديث العاشر اخرج الطبراني عن أنس أن رسول الله قال إن عثمان لأول من هاجر بأهله إلى الله بعد لوط
الحديث الحادي عشر أخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر قال قال رسول الله إنما نشبه عثمان بأبينا إبراهيم
الحديث الثاني عشر أخرج الطبراني عن أم عياش أن رسول الله قال ما زوجت عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء

(1/317)


الحديث الثالث عشر اخرج ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله قال لعثمان يا عثمان هذا جبريل يخبرني أن الله قد زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها
الحديث الرابع عشر أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن عائشة أن النبي قال لعثمان يا عثمان إن الله مقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني
و هذا من الأحاديث الظاهرة في خلافته الدالة دلالة واضحة على حقيتها لنسبة القميص في الحديث المكنى به عن الخلافة إلى الله تعالى
الحديث الخامس عشر أخرج أبو يعلى عن جابر أن النبي قال عثمان بن عفان وليي في الدنيا ووليي في الآخرة
الحديث السادس عشر أخرج ابن عساكر عن جابر أن النبي قال

(1/318)


عثمان في الجنة
الحديث السابع عشر أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة أن رسول الله قال لكل نبي خليل في أمته وإن خليلي عثمان بن عفان
و مر في أحاديث فضائل الصديق نحو هذا الحديث في حق الصديق أيضا وأنه لا ينافي الخبر المشهور لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا
الحديث الثامن عشر أخرج الترمذي عن طلحة وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي قال لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان
الحديث التاسع عشر اخرج ابن عساكر عن ابن عباس أن رسول الله قال ليدخلن بشفاعة عثمان سبعون ألفا كلهم قد استوجبوا النار الجنة بغير حساب

(1/319)


الحديث العشرون أخرج الطبراني عن زيد بن ثابت أن رسول الله قال ما كان بين عثمان ورقية وبين لوط من مهاجر
الحديث الحادي والعشرون أخرج البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال أنشدكم بالله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ألستم تعلمون أن رسول الله قال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم ألستم تعلمون أن رسول الله قال من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها فصدقوه بما قال
الحديث الثاني والعشرون أخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال شهدت النبي وهو يحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فنزل رسول الله وهو يقول ما على عثمان ما فعل بعد هذه

(1/320)


الحديث الثالث والعشرون أخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن سمرة قال جاء عثمان إلى النبي بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره فجعل رسول الله يقبلها ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم
الحديث الرابع والعشرون أخرج الترمذي عن أنس قال لما أمر رسول الله ببيعة الرضوان كان عثمان رسول رسول الله إلى أهل مكة فبايع الناس فقال النبي إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسول الله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم ونسبة الحاجة إلى الله تعالى على طريق الاستعارة والتمثيل المقرر في علم البيان
الحديث الخامس والعشرون أخرج الترمذي عن ابن عمر قال ذكر رسول الله فتنة فقال يقتل فيها هذا مظلوما لعثمان

(1/321)


الحديث السادس والعشرون أخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن مرة بن كعب قال سمعت رسول الله يذكر فتنة يقربها فمر رجل مقنع في ثوب فقال هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان فأقبلت إليه بوجهي فقلت هذا قال نعم
الحديث السابع والعشرون أخرج الترمذي عن عثمان أنه قال يوم الدار إن رسول الله عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه وأشار بذلك إلى قوله في الخبر السابق إن الله مقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني
الحديث الثامن والعشرون أخرج الحاكم عن أبي هريرة قال اشترى عثمان الجنة من النبي مرتين حين حفر بئر رومة وحين جهز جيش العسرة
الحديث التاسع والعشرون اخرج ابن عساكر عن أبي هريرة أن النبي قال عثمان من أشبه أصحابي بي خلقا

(1/322)


الحديث الثلاثون أخرج الطبراني عن عصمة بن مالك قال لما ماتت بنت رسول الله تحت عثمان قال رسول الله زوجوا عثمان لو كان لي ثالثة لزوجته وما زوجته إلا بوحي من السماء
الحديث الحادي والثلاثون أخرج ابن عساكر عن علي قال سمعت النبي يقول لعثمان لو أن لي أربعين ابنة زوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا تبقى منهن واحدة
الحديث الثاني والثلاثون اخرج ابن عساكر عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله يقول مر بي عثمان وعندي ملك من الملائكة فقال شهيد يقتله قومه إنا نستحيي منه
الحديث الثالث والثلاثون أخرج أبو يعلى عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال إن الملائكة لتستحيي من عثمان كما تستحيي من الله ورسوله
و أخرج ابن عساكر عن الحسن أنه ذكر عنده حياء عثمان فقال إن كان

(1/323)


ليكون في جوف البيت والباب عليه مغلق فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه
الحديث الرابع والثلاثون أخرج ابن عدي وابن عساكر من حديث أنس مرفوعا إن لله سيفا مغمودا في غمده ما دام عثمان حيا فإذا قتل عثمان جرد ذلك السيف فلم يغمد إلى يوم القيامة تفرد به عمرو بن فائد وله مناكير

(1/324)


الفصل الثالث في نبذ من مآثره وبقية غرر من فضائله وفيما أكرمه الله به من الشهادة التي وعده بها النبي وأخبر وهو الصادق المصدوق أنه مظلوم وأنه يومئذ على الهدى
قال يقتل هذا مظلوما وأشار إلى عثمان رضي الله عنه أخرجه البغوي في المصابيح من الحسان والترمذي وقال حسن غريب وأخرجه أحمد فكان كما قال فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم
و في الشفا أنه قال يقتل عثمان وهو يقرأ في المصحف وإن الله عسى أن يلبسه قميصا وأنهم يريدون خلعه وأنه يسيل دمه على قوله فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم أه
و قد أخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ إن رسول الله قال يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك على فسيكفيكهم الله لكن قال الذهبي إنه حديث موضوع أي قوله فيه وأنت تقرأ إلى آخره وأما الإخبار بأصل القتل فصحيح كما في أحاديث كثيرة منها حديث

(1/325)


البئر السابق آخر فضائل أبي بكر رضي الله عنه ومنها الحديث الصحيح أنه ذكر فتنة فمر رجل فقال يقتل فيها هذا يومئذ ظلما قال ابن عمر رواية فنظرت فإذا هو عثمان
كان مقتله سنة خمس وثلاثين في أوسط أيام التشريق وصلى عليه الزبير وكان أوصى إليه ودفن في حش كوكب بالبقيع وهو أول من دفن به
و قيل قتل ثامن عشر ذي الحجة يوم الجمعة وقيل لست بقين منه وعمره اثنتان وثمانون سنة على خلاف طويل فيه
و أخرج ابن عساكر عن جمع أن قاتله رجل من أهل مصر أزرق أشقر يقال له حمار
و أخرج أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه دخل عليه وهو محصور الحصر الآتي في الباب الآتي فقال له إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى وإني أعرض عليك خصالا ثلاثا اختر إحداهن إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل وإما أن تخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على راحلتك فتلحق بمكة فإنهم لن يستحلوك وأنت بها وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فقال عثمان أما أن أخرج فأقاتل

(1/326)


فلن أكون أول من خلف رسول الله في أمته بسفك الدماء وأما أن أخرج إلى مكة فإني سمعت رسول الله يقول يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه مثل عذاب العالم فلن أكون أنا وأما أن ألحق بالشام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله
و اخرج ابن عساكر عن أبي ثور الفهري قال دخلت على عثمان وهو محصور فقال لقد اختبأت عند ربي عشرا إني لرابع أربعة في الإسلام وأنكحني رسول الله ابنته ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى وما تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله وما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا أن لا يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك أي فجملة ما أعتقه ألفان وأربعمائة رقبة تقريبا ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط ولا شربت في جاهلية ولا إسلام ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله
و أخرج ابن عساكر عن يزيد بن أبي حبيب قال بلغني أن عامة الركب

(1/327)


الذين ساروا إلى عثمان جنوا
و اخرج ابن عساكر عن حذيفة قال أول الفتن قتل عثمان وآخر الفتن خروج الدجال والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره
و عن ابن عباس لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء
و أخرج أيضا عن الحسن قال قتل عثمان وعلي غائب في أرض له فلما بلغه قال اللهم إني لم أرض ولم أمالئ
و أخرج الحاكم وصححه عن قيس بن عبادة قال سمعت عليا يوم الجمل يقول اللهم إني ابرأ إليك من دم عثمان ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي وجاؤوني للبيعة فقلت والله إني لأستحيي أن أبايع قوما قتلوا عثمان وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان لم يدفن بعد فانصرفوا فلما رجع الناس فسألوني البيعة قلت اللهم إني مشفق مما اقدم عليه ثم جاءت

(1/328)


عزيمة فبايعت فقالوا يا أمير المؤمنين فكأنما صدع قلبي وقلت اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى
و أخرج ابن عساكر عن أبي خلدة الحنفي قال سمعت عليا يقول إن بني أمية يزعمون أني قتلت عثمان ولا والله الذي لا إله إلا هو ما قتلت ولا مالأت ولقد نهيت فعصوني
و أخرج عن سمرة قال إن الإسلام في حصن حصين وإنهم ثلموا في الإسلام ثلمة عظيمة بقتلهم عثمان لا تنسد إلى يوم القيامة
و أخرج عبد الرزاق أن عبد الله بن سلام كان يدخل على محاصري عثمان فيقول لا تقتلوه فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له وإن سيف الله لم يزل مغمودا وإنكم والله إن قتلتموه ليسلنه الله ثم لا يغمد عنكم أبدا وما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا قبل أن يجتمعوا
و أخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن مهدي قال خصلتان لعثمان ليستا لأبي بكر ولا لعمر رضي الله عنهم صبره نفسه حتى قتل وجمعه الناس على المصحف

(1/329)


و أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عمر أن جهجاه الغفاري قام إلى عثمان وهو يخطب فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته فما حال الحول حتى أرسل الله في رجله الآكلة فمات منها

(1/330)


تتمة نقم الخوارج عليه رضي الله عنه أمورا هو منها بريء
منها عزله أكابر الصحابة من أعمالهم وولاها دونهم من أقاربه كأبي موسى الأشعري عن البصرة وعمرو بن العاص عن مصر وعمار بن ياسر عن الكوفة والمغيرة بن شعبة عنها أيضا وابن مسعود عنها أيضا وأشخصه إلى المدينة
و جوابه أنه إنما فعل ذلك لأعذار أوجبت عليه ذلك فأما أبو موسى فإن جند عمله شكوا شحه وجند الكوفة نقموا عليه أنه أمرهم بأمر عمر لهم بطاعته بفتح رامهرمز ففتحوها وسبوا نساءها وذراريها فلما بلغه ذلك قال إني كنت أمنتهم فكتبوا لعمر فأمر بتحليفه فحلف فأمر برد ما أخذ منهم فرفعوه لعمر فعتب عليه وقال لو وجدنا من يكفينا عملك عزلناك فلما توفي عمر اشتد غضب الجنديين عليه فعزله عثمان خوف الفتنة
و أما عمرو بن العاص فلإكثار أهل مصر شكايته وقد عزله عمر لذلك ثم رده لما ظهر له التنصل مما شكوه منه وتوليته ابن أبي سرح بدله فهو وإن كان ارتد في زمنه فأهدر دمه يوم الفتح أسلم وصلح حاله بل ظهرت منه في

(1/331)


ولايته آثار محمودة كفتح طائفة كثيرة من تلك النواحي وكفاه فخرا أن عبد الله بن عمرو بن العاص قاتل تحت رايته ككثير من الصحابة بل وجدوه أقوم لسياسة الأمر من عمرو بن العاص ومن أحسن محاسنه اعتزاله الفريقين لما قتل عثمان وأنه لم يقاتل مسلما بعد قتاله المشركين
و أما عمار فالذي عزله عمر لا عثمان
و أما المغيرة فأنهي لعثمان أنه ارتشى فلما رأى تصميمهم على ذلك ظهر أن المصلحة في عزله وإن كانوا كاذبين عليه
و أما ابن مسعود فكان ينقم على عثمان كثيرا فظهرت له المصلحة في عزله على أن المجتهد لا يعترض عليه في الأمور الاجتهادية لكن أولئك الملاعين المعترضين لا فهم لهم بل ولا عقل
و منها أنه أسرف في بيت المال حيث أعطى أكثره لأقاربه كالحكم الذي رده للمدينة وكان النبي نفاه عنها إلى الطائف وكاتبه مروان أعطاه مائة ألف وخمس أفريقية والحارث أعطاه عشر ما يباع بسوق المدينة وجاءه أبو موسى بحلية ذهب وفضة فقسمها بين نسائه وبناته وأنفق أكثر بيت المال في ضياعه ودوره
و جواب ذلك أن أكثر ذلك مختلق عليه ورده الحكم إنما كان لكونه

(1/332)


وعده بذلك لما استأذنه فيه فنقله للشيخين فلم يقبلاه لكونه واحدا فلما ولي قضى بعلمه كما هو قول أكثر الفقهاء على أن الحكم تاب مما نفي لأجله
و الحق في مروان أن ما تعذر نقله من أثاث أفريقية وحيوانها اشتراه من ابن أبي سرح الأمير بمائة ألف نقد أكثرها وسبق مبشرا بفتحها فترك عثمان له البقية جزاء لبشارته فإن قلوب المسلمين كانت في غاية القلق بشدة أمر إفريقية وللإمام أن يعطي المبشر ما يراه لائقا بتعبه وخطر بشارته وتلك المئة ألف إنما جهزها من مال بيت الحارث وثروة عثمان جاهلية وإسلاما لا تنكر وما ذكروه في العشور غير صحيح نعم جعل له السوق لينظر فيه بالمصلحة فوقع منه جور فعزله
و قصة أبي موسى ذكرها ابن إسحاق بسند فيه مجهول وهو ليس بحجة في ذلك وغنى عثمان الواسع وإنفاقه في غزوة تبوك بما هو مشهور عنه يمنع نسبة ذلك وأقل منه وأكثر إليه غاية الأمر أنه لو سلم أنه أكثر من إعطاء أقاربه من بيت المال كان اجتهادا منه فلا يعترض به عليه وزعم أنه منع أن لا يشتري أحد قبل وكيله وأن لا تسير سفينة من البحرين إلا في تجارته باطل على أنه

(1/333)


كان متبسطا في التجارات فلعله حمى سفنه أن لا يركب فيها غيره وفوض لزيد بن ثابت نظر بيت المال ففضلت منه فضلة فصرفها في عمارة ما زاده في مسجده فتقولوا أنه صرفها في عمارة دوره كما تقولوا أنه حمى لنفسه مع أنه حمى لإبل الصدقة وأنه أقطع أكثر أراضي بيت المال مع أنه إنما أذن في الإحياء على أنه عوض أشراف اليمن مثل ما تركوه من أراضيهم لما جاءوا إلى المدينة ليستمروا بها تجاه الأعداء وذلك فيه مصلحة عامة فلا يعترض به
و منها أنه حبس عطاء ابن مسعود وأبي بن كعب ونفى أبا ذر إلى الربذة وأشخص عبادة بن الصامت من الشام إلى المدينة لما اشتكاه معاوية وهجر ابن مسعود وقال لابن عوف إنك منافق وضرب عمار بن ياسر وانتهك حرمة كعب بن عجرة فضربه عشرين سوطا ونفاه إلى بعض الجبال وكذلك حرمة الأشتر النخعي
و جواب ذلك أن حبسه لعطاء ابن مسعود وهجره له فلما بلغه عنه مما يوجب ذلك إبقاء لأبهة الولاية لا سيما وكل منهما مجتهد فلا يعترض ما فعله أحدهما مع الآخر نعم زعم أن عثمان أمر بضربه باطل ولو فرضت صحته لم يكن بأعظم من ضرب عمر لسعد بن أبي وقاص بالدرة على رأسه حيث لم يقم له وقال إنك لم تهب الخلافة فأردت أن تعرف أن الخلافة لا تهابك ولم يتغير

(1/334)


سعد من ذلك فابن مسعود أولى لأنه كان يجبه عثمان بما لا يبقي له حرمة ولا أبهة أصلا بل رأى عمر أبيا يمشي وخلفه جماعة فعلاه بالدرة وقال إن هذا فتنة لك ولهم فلم يتغير أبي على أن عثمان جاء لابن مسعود وبالغ في استرضائه فقيل قبله واستغفر له وقيل لا وكذلك ما وقع له مع أبي ذر فإنه كان يتجاسر عليه بما يخرم أبهة ولايته فما فعله معه ومع غيره إنما هو صيانة لمنصب الشريعة وحماية لحرمة الدين وإن عذر أبو ذر بقصده منه أن يجري على ما كان عليه الشيخان على أنه جاء أن أبا ذر إنما اختار التحول اعتزالا للناس مع أمر عثمان له بعدمه وقوله له أقم عندي تغدو عليك اللقاح وتروح فقال لا حاجة لي في الدنيا وقضية عبادة باطلة من أصلها وكذا قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وإنما كان مستوحشا منه لأنه كان يجبهه كثيرا ولم يضرب عمارا إنما ضربه غلمانه لما كرر إرسالهم إليه ليجيء إلى المسجد حتى يعاتبه في أشياء نقمها عليه وهو يعتذر إليه فلم يقبل وقد حلف عثمان وغلظ أنه لم يأمرهم بذلك ثم بالغ في استرضائه وظهر منه ما يدل على أنه رضي عنه
و فعله بكعب ما ذكر فعذره فيه أنه كتب إليه فأغلظ عليه ثم استدرك عثمان ذلك فبالغ في استرضائه فخلع قميصه ودفع إليه سوطا ليقتص منه فعفا ثم صار من خواصه

(1/335)


و ما فعله بالأشتر معذور فيه فإنه رأس فتنة في زمان عثمان بل هو السبب في قتله بل جاء أنه هو الذي باشر قتله بيده فأعمى الله بصائرهم كيف لم يذموا فعل هذا المارق وذموا فعل من شهد له الصادق المصدوق بأنه الإمام الحق وأنه يقتل شهيدا مظلوما وأنه من أهل الجنة
ومنها أنه أحرق المصاحف التي فيها القرآن
و جوابه أن هذا من فضائله لأن حذيفة وغيره أنهوا إليه أن أهل الشام والعراق اختلفوا في القرآن ويقول بعضهم لبعض قرآني خير من قرآنك وهذا يكاد أن يكون كفرا فرأى عثمان أن يجمع الناس على مصحف واحد فأخذ صحف أبي بكر التي جمع القرآن فيها فانتسخ منها مصحفا وأمر الناس بالتزام ما فيه ثم كتب منه مصاحف وأرسلها إلى البلدان وأمر بذلك لاختلاف الأمة ومن ثم قال علي كرم الله وجهه والله لو وليت لفعلت الذي فعل عثمان وقال لا تسبوا عثمان في جمعه ذلك فإنه لم يعمله إلا عن ملأ منا وقد بسطت هذه القصة وما فيها من الفوائد في شرح المشكاة

(1/336)


و منها تركه قتل عبيد الله بن عمر بقتله الهرمزان وجفينة وبنتا صغيرة لأبي لؤلؤة قاتل عمر مع إشارة علي والصحابة بقتله
و جواب ذلك أن جفينة نصراني وابنة أبي لؤلؤة أبوها مجوسي وأمها حالها مجهول فلم يتحقق إسلامها وأما الهرمزان فهو المشير والآمر لأبي لؤلؤة على قتل عمر وجماعة مجتهدون على أن الآمر يقتل كالمأمور على أنه خشي ثوران فتنة عظيمة لما أراد قتله لو توفرت فيه الشروط لقالت قبائل من قريش لا يقتل عمر أمس وابنه اليوم فترك قتل عبيد الله واسترضى أهل الهرمزان
ومنها إتمامه الصلاة بمنى لما حج بالناس
و جوابه أن هذه مسألة اجتهادية فالاعتراض بها جهل قبيح وغباوة ظاهرة إذ أكثر العلماء على أن القصر جائز لا واجب
و منها أنه كان غادرا لما وقع له مع محمد بن أبي بكر رضي الله عنه مما يأتي قريبا
و جوابه إنه حلف لهم كما يأتي فصدقوه إلا من في قلبه مرض
و الحاصل أنه صح عن الصادق المصدوق أنه على الحق وأن له الجنة وأنه يقتل مظلوما وأمر باتباعه ومن هو كذلك كيف يعترض عليه بأكثر تلك

(1/337)


الترهات أو بجميع ما مر من الاعتراضات وصح أيضا أنه أشار إليه أنه سيتولى الخلافة وأن المنافقين سيراودونه على خلعه وأنه لا يطيعهم هذا مع ما علم من سابقته وكثرة إنفاقه في سبيل الله وغيرهما مما مر في مآثره رضي الله تعالى عنه

(1/338)


الباب الثامن في خلافة علي كرم الله وجهه ولنقدم عليها قصة قتل عثمان رضي الله عنه لما أنها مترتبة على قتله بمبايعة أهل الحل والعقد له حينئذ كما يأتي

(1/339)


مقتل عثمان وخلافة علي رضي الله عنهما
أخرج ابن سعد عن الزهري قال ولي عثمان اثنتي عشرة سنة فلم ينقم عليه الناس شيئا مدة ست سنين بل كان أحب إلى قريش من عمر لأن عمر كان شديدا عليهم فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم ثم توانى في أمرهم واستعمل أقاربه وأهل بيته في الست الأواخر وأعطاهم المال متأولا في ذلك الصلة التي أمر الله بها وقال إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما كان لهما وإني أخذته فقسمته في أقربائي فأنكر عليه ذلك
و أخرج ابن عساكر عن الزهري قال قلت لابن المسيب هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان ما كان شأن الناس وشأنه ولم خذله أصحاب محمد فقال ابن المسيب قتل عثمان مظلوما ومن قتله كان ظالما ومن خذله كان معذورا فقلت كيف قال لأنه لما ولي كره ولايته نفر من الصحابة لأنه كان يحب قومه فكان كثيرا ما يولي بني أمية ممن لم يكن له صحبة فكان يجيء من أمرائه ما تنكره الصحابة وكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم فلما كان في الست الأواخر استأثر بني عمه فولاهم دون غيرهم وأمرهم بتقوى الله فولى عبد الله بن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه

(1/341)


وقد كان قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر وجاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح فكتب إليه كتابا يتهدده فيه فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد وأرسلت عائشة إليه تقول له تقدم إليك أصحاب محمد وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك ودخل عليه علي بن أبي طالب فقال إنما يسألونك رجلا مكان رجل وقد ادعوا قبله دما فاعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه فقال لهم اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر فكتب عهده وولاه وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وبين ابن أبي سرح فخرج محمد ومن معه فلما كان على مسيرة ثلاث من المدينة إذ هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب فقال أصحاب محمد بن أبي بكر ما قضيتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب فقال لهم أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر فقال له

(1/342)


رجل منهم هذا عامل مصر قال ليس هذا أريد وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر فبعث في طلبه رجلا فأخذه وجاء به إليه فقال له رجل غلام من أنت فأقبل مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ومرة يقول أنا غلام مروان حتى عرفه رجل أنه لعثمان فقال له محمد إلى من أرسلت قال إلى عامل مصر قال له بماذا قال برسالة قال معك كتاب قال لا ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم وأبطل كتابه وقر على عملك حتى يأتيك رأيي واحبس من يجيء يتظلم إلي منك حتى يأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله تعالى فلما قرأوا الكتاب فزعوا ورجعوا إلى المدينة وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه ودفعوا الكتاب إلى رجل منهم وقدموا المدينة فجمعوا طلحة والزبير وعليا وسعدا ومن كان من أصحاب محمد ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام واقرأوهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار حنقا وغيظا وقام أصحاب محمد فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما قرأوا الكتاب وحاصر الناس عثمان وأجلب عليه محمد بن أبي بكر بني تيم وغيرهم فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار

(1/343)


ونفر من الصحابة كلهم بدري ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير فقال له علي أهذا الغلام غلامك قال نعم قال والبعير بعيرك قال نعم قال فأنت كتبت هذا الكتاب قال لا وحلف بالله ما كتب هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به قال له علي فالخاتم خاتمك قال نعم قال فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط فعرفوا أنه خط مروان وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى وكان مروان عنده في الدار فخرج أصحاب محمد من عنده غضابا وشكوا في أمره وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل إلا أن قوما قالوا لا يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه ونعرف حال الكتاب وكيف يأمر بقتل رجلين من أصحاب محمد بغير حق فإن يكن عثمان كتبه عزلناه وإن يكن مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان ولزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال أفيكم علي فقالوا لا قال أفيكم سعد قالوا لا فسكت ثم قال ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء فبلغ ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله فقال إنما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه وبعث الزبير ابنه وطلحة ابنه وبعث عدة من أصحاب محمد

(1/344)


أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان فلما رأى ذلك محمد بن أبي بكر ورمى الناس باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بالدماء على بابه وأصاب مروان سهم وهو في الدار وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر مولى علي فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيرونها فتنة فأخذ بيد الرجلين فقال لهما إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدم على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما نريد ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممن كان معه لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته فقال لهما محمد مكانكما فإن معه امرأته حتى أبدأ كما بالدخول فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجآه حتى تقتلاه فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني فتراخت يده ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها أحد لما كان في الدار من الجلبة وصعدت امرأته إلى الناس وقالت إن أمير المؤمنين قد قتل فدخل الناس فوجدوه مذبوحا فبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا فقال علي لا بنيه كيف قتل أمير

(1/345)


المؤمنين وأنتما على الباب ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له نبايعك فمد يدك فلابد من أمير فقال علي ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا فقالوا ما نرى أحدا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها من قتل عثمان قالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد بن أبي بكر وأخبرت عليا والناس بما صنع فدعا علي محمدا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان فقال محمد لم تكذب قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى والله ما قتلته ولا أمسكته فقالت امرأته صدق ولكنه أدخلهما
قال ابن سعد وكانت مبايعة علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة فبايعه جميع من كان بها من الصحابة ويقال إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين ثم خرجا إلى مكة وعائشة رضي الله عنها بها فأخذاها وخرجا إلى البصرة يطلبون بدم عثمان وبلغ ذلك عليا فخرج إلى العراق فلقي بالبصرة طلحة والزبير ومن معهم وهي وقعة الجمل وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير وبلغ عدد القتلى ثلاثة عشر ألفا وقد أقام علي بالبصرة

(1/346)


خمس عشرة ليلة ثم انصرف إلى الكوفة ثم خرج عليه معاوية ومن معه بالشام فبلغ عليا فسار فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين ودام القتال بها أياما فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن العاص وكتبوا بينهم كتابا أن يوافوا رأس الحول بأذرح فينظروا في أمر الأمة وافترق الناس ورجع معاوية إلى الشام وعلي إلى الكوفة فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا لا حكم إلا لله وعسكروا بحر وراء فبعث إليهم ابن عباس فخاصمهم وحجهم فرجع منهم قوم كثير وثبت قوم وساروا إلى النهروان فسار إليهم علي فقتلهم وقتل منهم ذي الثدية الذي أخبر به النبي وذلك سنة ثمان وثلاثين واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم فخلع عليا وتكلم عمرو فأمر معاوية وبايع له وتفرق الناس على هذا وصار علي في خلاف من أصحابه حتى صار يعض على أصبعه ويقول أعصى ويطاع معاوية

(1/347)


هذا ملخص تلك الوقائع ولها بسط لا تحتمله هذه العجالة على أن الاختصار في هذا المقام هو اللائق فقد قال إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وقد أخبر بوقعة الجمل وصفين وقتال عائشة رضي الله عنها والزبير عليا كما أخرجه الحاكم وصححه البيهقي عن أم سلمة قالت ذكر رسول الله خروج أمهات المؤمنين فضحكت عائشة رضي الله عنها فقال انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت ثم التفت إلى علي فقال إن وليت من أمرها شيئا فارفق
و أخرج البزار وأبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا أيتكن صاحبة الجمل الأحمر تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب فيقتل حولها قتلى كثيرة تنجو بعد ما كادت لا تنجو
و أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي الأسود قال شهدت الزبير خرج يريد عليا فقال له علي أنشدك الله هل سمعت رسول الله يقول تقاتله وأنت له ظالم فمضى الزبير منصرفا وفي رواية أبي يعلى والبيهقي فقال الزبير بلى ولكن نسيت

(1/348)


تنبيه علم مما مر أن الحقيق بالخلافة بعد الأئمة الثلاثة هو الإمام المرتضى والولي المجتبى علي بن أبي طالب باتفاق أهل الحل والعقد عليه كطلحة والزبير وأبي موسى وابن عباس وخزيمة بن ثابت وأبي الهيثم بن التيهان ومحمد بن مسلمة وعمار بن ياسر
و في شرح المقاصد عن بعض المتكلمين أن الإجماع انعقد على ذلك ووجه انعقاده في زمن الشورى على أنها له أو لعثمان وهذا إجماع على أنه لولا عثمان لكانت لعلي فحين خرج عثمان بقتله من البيت علم أنها بقيت لعلي إجماعا ومن ثم قال إمام الحرمين ولا اكتراث من قال لا إجماع على إمامة علي فإن الإمامة لم تجحد له وإنما هاجت الفتنة لأمور أخرى

(1/349)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية