صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الصواعق المحرقة - إبن حجر الهيتمي ]
الكتاب : الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة
المؤلف : أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي إبن حجر الهيتمي
الناشر : مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1997
تحقيق : عبدالرحمن بن عبدالله التركي وكامل محمد الخراط
عدد الأجزاء : 2

تجدها عين حجة الرافضة قاتلهم الله أنى يؤفكون بل هم أشد ضررا على الدين من اليهود والنصارى وسائر فرق الضلال كما صرح به علي رضي الله عنه بقوله تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة شرها من ينتحل حبنا ويفارق أمرنا ووجهه ما اشتملوا عليه من افترائهم من قبائح البدع وغايات العناد والكذب حتى تسلطت الملاحدة بسبب ذلك على الطعن في الدين وأئمة المسلمين بل قال القاضي أبو بكر الباقلاني إن فيما ذهبت إليه الرافضة مما ذكر إبطالا للإسلام راسا لأنه إذا أمكن اجتماعهم على الكتم للنصوص وأمكن فيهم نقل الكذب والتواطؤ عليه لغرض فيمكن أن سائر ما نقلوه من الأحاديث زور ويمكن أن القرآن عورض بما هو أفصح منه كما تدعيه اليهود والنصارى فكتمه الصحابة وكذا ما نقله سائر الأمم عن جميع الرسل يجوز الكذب فيه والزور والبهتان لأنهم إذا ادعوا ذلك في هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس فادعاؤهم إياه في باقي الأمم أحرى وأولى فتأمل هذه المفاسد التي ترتبت على ما اصله هؤلاء وقد أخرج البيهقي عن الشافعي رضي الله عنه ما من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة وكان إذا ذكرهم عابهم أشد العيب
سادسها ما المانع من قوله في خطبته السابقة يوم الغدير هذا الخليفة

(1/114)


بعدي فعدوله إلى ما سبق من قوله من كنت مولاه إلخ ظاهر في عدم إرادة ذلك بل ورد بسند رواته مقبولون كما قاله الذهبي وله طرق عن علي رضي الله تعالى عنه قال قيل يا رسول الله من نؤمر بعدك فقال إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم ورواه البزار بسند رجاله ثقات أيضا كما قال البيهقي
فهو يدل على أن أمر الإمام موكول إلى من يؤمره المسلمون بالبيعة وعلى عدم النص بها لعلي
و قد أخرج جمع كالبزار بسند حسن و الإمام أحمد وغيرهما بسند قوي كما قاله الذهبي عن علي أنهم لما قالوا له استخلف علينا قال لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله
و أخرج البزار ورجاله رجال الصحيح ما استخلف رسول الله فأستخلف عليكم و أخرجه الدارقطني أيضا وفي بعض طرقه زيادة دخلنا

(1/115)


على رسول الله فقلنا يا رسول الله استخلف علينا قال لا إن يعلم الله فيكم خيرا يول عليكم خيركم قال علي رضي الله عنه فعلم الله فينا خيرا فولى علينا ابا بكر فقد ثبت بذلك أنه صرح بأن النبي لم يستخلف
و أخرج مسلم أنه قال من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل وشيء من الجراحات فقد كذب
و أخرج جمع كالداقطني وابن عساكر والذهبي وغيرهم إن عليا لما قام بالبصرة قام إليه رجلان فقالا له أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه لتستولي على الأمراء وعلى الأمة تضرب بعضهم ببعض أعهد من رسول الله عهده إليك فحدثنا فأنت الموثوق به والمأمون على ما سمعت فقال أما أن يكون عندي عهد من النبي عهده إلي في ذلك فلا والله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه ولو كان عندي منه عهد في ذلك ما تركت أخا بني تميم بن مرة وعمر بن الخطاب يثوبان على منبره ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بردتي هذه ولكن رسول الله لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن أو بلال يؤذنه بالصلاة فيأمر أبا بكر ليصلي بالناس وهو يرى مكاني ولقد أرادت امرأة من نسائه تصرفه عن

(1/116)


أبي بكر فأبى وغضب وقال أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس فلما قبض رسول الله نظرنا في أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله لديننا وكانت الصلاة عظم الإسلام وقوام الدين فبايعنا أبا بكر رضي الله تعالى عنه وكان لذلك أهلا لم يختلف عليه منا اثنان
و في رواية فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان
و في رواية فاخترنا لدنيانا من اختاره لديننا فأديت إلى أبي بكر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جنوده وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قبض ولاها عمر فأخذها بسنة صاحبه وما يعرف من أمره فبايعنا عمر لم يختلف عليه منا اثنان فأديت له حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي وأنا أظن أن لا يعدل بي ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده شيئا إلا لحقه في قبره فأخرج منها نفسه وولده ولو كانت محاباة لآثر ولده بها وبرئ منها لرهط أنا أحدهم وظننت أن لا يعدلوا بي فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا ثم بايع عثمان فنظرت فإذا

(1/117)


طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري فبايعنا عثمان فأديت له حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما أصيب نظرت فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله إليهما بالصلاة قد مضيا وهذا الذي أخذ له ميثاقي قد أصيب فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين أي الكوفة والبصرة فوثب فيها من ليس مثلي ولا قرابته كقرابتي ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي وكنت أحق بها منه يعني معاوية
و أخرجه أيضا هؤلاء وإسحاق بن راهوية من طرق أخرى قال الذهبي وهذه طرق يقوي بعضها بعضا قال وأصحها ما رواه إسماعيل بن علية وذكره وفيه أنه لما قيل لعلي أخبرنا عن مسيرك هذا أعهد عهده إليك أم رأي رأيته فقال بل رأى رأيته وأخرج أحمد عنه أنه قال يوم الجمل لم يعهد إلينا رسول الله عهدا نأخذ به في الإمارة ولكن شيء رأيناه من قبل أنفسنا
و أخرج الهروي والدارقطني نحوه بزيادة فهذه الطرق كلها عن علي متفقة على نفي النص بإمامته ووافقه على ذلك علماء أهل بيته فقد أخرج أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسن السبط أنه لما قيل له ذلك أي أن خبر من كنت مولاه

(1/118)


فعلي مولاه نص في إمامة علي فقال أما والله لو يعني النبي بذلك الإمارة والسلطان لأفصح لهم به فإن رسول الله كان أنصح الناس للمسلمين ولقال لهم ايها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا ما كان من هذا شيء فوالله لئن كان الله ورسوله اختارا عليا لهذا الأمر والقيام به للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله أن يقوم به أو يعذر فيه إلى المسلمين إن كان أعظم الناس خطيئة لعلي إذ ترك أمر الله ورسوله الله وحاشاه من ذلك وفي رواية ولو كان هذا الأمر كما تقول وأن الله اختار عليا للقيام على الناس لكان علي أعظم الناس خطيئة أن ترك أمر رسول الله ولم يقم به فقال الرجل ألم يقل رسول الله من كنت مولاه فعلي مولاه فقال الحسن أما والله لو عنى به القيام على الناس والإمرة لأفصح به وافصح عنه كما افصح عن الصلاة والزكاة ولقال أيها الناس إن عليا ولي أمركم من بعدي والقائم في الناس بأمري فلا تعصوا أمره
و أخرج الدارقطني عن أبي حنيفة أنه لما قدم المدينة سال أبا جعفر الباقر عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما فقال له أبو حنيفة إنهم يقولون عندنا بالعراق إنك تتبرأ منهما فقال معاذ الله كذبوا ورب الكعبة ثم ذكر لأبي حنيفة تزويج

(1/119)


علي بنته أم كلثوم بنت فاطمة من عمر وأنه لو لم يكن لها لهلا ما زوجه إياها فقال له أبو حنيفة لو كتبت إليهم فقال لا يطيعوني بالكتب وتزويجه إياها يقطع ببطلان ما زعمه الرافضة وإلا لكان قد تعاطى تزويج بنته من كافر على زعمهم الفاسد قبحهم الله
سابعها قولهم هذا الدعاء وهو قوله اللهم وال من والاه وعاد من عاداه لا يكون إلا لإمام معصوم دعوى لا دليل عليها إذ يجوز الدعاء بذلك لأدنى المؤمنين فضلا عن أخصائهم شرعا وعقلا فلا يستلزم كونه إماما معصوما
و أخرج أبو ذر الهروي أن رسول الله قال عمر معي وأنا مع عمر والحق بعدي مع عمر حيث كان ولا قيل بدلالته على إمامة عمر عقب وفاة النبي ولا على عصمته ثم إن أرادوا بالعصمة ما ثبت للأنبياء قطعا فباطل أو الحفظ فهذا يجوز لدون علي من المؤمنين
و دعواهم وجوب عصمة الإمام مبني على تحكيمهم العقل وهو وما بني عليه باطل لأمور بينها القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه في الإمامة أتم بيان وأوفى تحرير

(1/120)


وقد أخرج الحاكم وصححه وحسنه غيره عن علي أنه قال يهلك في محب مفرط يقرظني بما ليس في ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني بما ليس في ثم قال وما أمرتكم بمعصية فلا طاعة لأحد في معصية الله تعالى فعلم به أنه لم يثبت لنفسه العصمة
ثامنها أنهم اشترطوا في الإمام أن يكون افضل الأمة وقد ثبت بشهادة علي الواجب العصمة عندهم أن أفضلها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما فوجبت صحة إمامتهما كما انعقد عليه الإجماع السابق
الشبهة الثانية عشرة زعموا أنه من النص التفصيلي على علي قوله له لما خرج إلى تبوك واستخلفه على المدينة أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي قالوا ففيه دليل على أن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلي من النبي وإلا لما صح الاستثناء ومما ثبت لهارون من موسى استحقاقه الخلافة عنه لو عاش بعده إذ كان خليفته في حياته فلو لم يخلفه بعد مماته لو عاش بعده لكان لنقص فيه وهو غير جائز على الأنبياء وأيضا فمن جملة منازله منه أنه كان شريكا له في الرسالة ومن لازم ذلك وجوب

(1/121)


الطاعة لو بقي بعده فوجب ثبوت ذلك لعلي إلا أن الشركة في الرسالة ممتنعة في حق علي فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبي عملا بالدليل بأقصى ما يمكن
و جوابها أن الحديث إن كان غير صحيح كما يقوله الآمدي فظاهر وإن كان صحيحا كما يقوله أئمة الحديث والمعول في ذلك ليس إلا عليهم كيف وهو في الصحيح فهو من قبيل الآحاد وهم لا يرونه حجة في الإمامة
و على التنزل فلا عموم له في المنازل بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أن عليا خليفة عن النبي مدة غيبته بتبوك كما كان هارون خليفة عن موسى عليه السلام في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة وقوله عليه السلام اخلفني في قومي لا عموم له حتى يقتضي الخلافة عنه في كل زمن حياته وزمن موته بل المتبادر منه ما مر أنه خليفته مدة غيبته فقط وحينئذ فعدم شموله لما بعد وفاة موسى عليه السلام إنما هو لقصور اللفظ عنه لا لعزله كما لو صرح باستخلافه في زمن معين
و لو سلمنا تناوله لما بعد الموت وأن عدم بقاء خلافته بعده عزل له لم يستلزم نقصا يلحقه بل إنما يستلزم كمالا له أي كمال لأنه يصير بعده مستقلا بالرسالة والتصرف من الله تعالى وذلك أعلى من كونه خليفة وشريكا في الرسالة
سلمنا أن الحديث يعم المنازل كلها لكنه عام مخصوص إذ من منازل هارون كونه أخا نبيا والعام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة على الخلاف فيه ثم نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لو فرض إنما هو للنبوة لا للخلافة عنه

(1/122)


وقد نفيت النبوة هنا لاستحالة كون علي نبيا فيلزم نفس مسببه الذي هو افتراض الطاعة ونفاذ الأمر
فعلم مما تقرر أنه ليس المراد من الحديث مع كونه آحادا لا يقاوم الإجماع إلا إثبات بعض المنازل الكائنة لهارون من موسى وسياق الحديث وسببه يبينان ذلك البعض لما مر أنه قاله لعلي حين استخلفه فقال علي كما في الصحيح أتخلفني في النساء والصبيان كأنه استنقص تركه وراءه فقال له ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى يعني حيث استخلفه عند توجهه إلى الطور إذ قال اخلفني في قومي وأصلح وأيضا فاستخلافه على المدينة لا يستلزم أولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضا ولا ندبا بل كونه أهلا لها في الجملة وبه نقول وقد استخلف في مرار أخرى غير علي كابن أم مكتوم ولم يلزم منه بسبب ذلك أنه أولى بالخلافة بعده
الشبهة الثالثة عشرة زعموا أيضا أن من النصوص التفصيلية الدالة على خلافة علي قوله لعلي أنت أخي ووصيي وخليفتي وقاضي ديني أي بكسر الدال وقوله أنت سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقوله سلموا على علي بإمرة الناس

(1/123)


و جوابها مر مبسوطا قبيل الفصل الخامس ومنه أن هذه الأحاديث كذب باطلة موضوعة مفتراة عليه ألا لعنة الله على الكاذبين ولم يقل أحد من أئمة الحديث أن شيئا من هذه الأكاذيب بلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها بل كلهم مجمعون على أنها محض كذب وافتراء فإن زعم هؤلاء الجهلة الكذبة على الله ورسوله وعلى أئمة الإسلام ومصابيح الظلام أن هذه الأحاديث صحت عندهم قلنا لهم هذا محال في العادة إذ كيف تتفردون بعلم صحة تلك مع أنكم لم تتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث ويجهل ذلك مهرة الحديث وسباقه الذين أفنوا أعمارهم في الأسفار البعيدة لتحصيله وبذلوا جهدهم في طلبه وفي السعي إلى كل من ظنوا عنده شيئا منه حتى جمعوا الأحاديث ونقبوا عنها وعلموا صحيحها من سقيمها ودونوها في كتبهم على غاية من الاستيعاب ونهاية من التحرير وكيف والأحاديث الموضوعة جاوزت مئات الألوف وهم مع ذلك يعرفون واضع كل حديث منها وسبب وضعه الحامل لواضعه على الكذب والافتراء على نبيه فجزاهم الله خير الجزاء وأكمله إذ لولا حسن صنيعهم هذا لاستولى المبطلون والمتمردة على المفسدون الدين وغيروا معالمه وخلطوا الحق بكذبهم حتى لم يتميز عنه فضلوا وأضلوا ضلالا مبينا لكن لما حفظ الله على نبيه شريعته من الزيغ والتبديل بل والتحريف وجعل من أكابر أمته في كل عصر طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم لم يبال الدين بهؤلاء الكذبة المبطلة الجهلة ومن ثم قال تركتكم على الواضحة البيضاء ليلها كنهارها ونهارها كليلها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك

(1/124)


و من عجيب أمر هؤلاء الجهلة أنا إذا استدللنا عليهم بالأحاديث الصحيحة الدالة صريحا على خلافة أبي بكر كخبر اقتدوا باللذين من بعدي وغيره من الأخبار الناصة على خلافته التي قدمتها مستوفاة في الفصل الثالث قالوا هذا خبر واحد فلا يغني فيما يطلب فيه التعيين وإذا أرادوا أن يستدلوا على ما زعموه من النص على خلافة علي أتوا بأخبار تدل لزعمهم كخبر من كنت مولاه وخبر أنت مني بمنزلة هارون من موسى مع أنها آحاد وإما بأخبار باطلة كاذبة متيقنة البطلان واضحة الوضع والبهتان لا تصل إلى درجة الأحاديث الضعيفة التي هي أدنى مراتب الآحاد فتأمل هذا التناقض الصريح والجهل القبيح لكنهم لفرط جهلهم وعنادهم وميلهم عن الحق يزعمون التواتر فيما يوافق مذهبهم الفاسد وإن أجمع أهل الحديث والأثر على أنه كذب موضوع مختلق ويزعمون فيما يخالف مذهبهم أنه آحاد وإن اتفق أولئك على صحته وتواتر رواته تحكما وعنادا وزيغا عن الحق فقاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم
الشبهة الرابعة عشرة زعموا أنه لو كان أهلا للخلافة لما قال لهم أقيلوني أقيلوني لأن الإنسان لا يستقيل من الشيء إلا إذا لم يكن أهلا له
و جوابها منع الحصر فيما عللوا به فهو من مفترياتهم وكم وقع للسلف والخلف التورع عن أمور هم لها أهل وزيادة بل لا تكمل حقيقة الورع والزهد إلا

(1/125)


بالإعراض عما تأهل له المعرض وأما مع عدم التأهل فالإعراض واجب لا زهد ثم سببه هنا أنه إما خشي من وقوع عجز ما منه عن استيفاء الأمور على وجهها الذي يليق بكماله أو أنه قصد بذلك استبانة ما عندهم وأنه هل فيهم من يود عزله فأبرز ذلك لذلك فرآهم جميعهم لا يودون ذلك أو أنه خشي من لعنته لإمام قوم وهم له كارهون فاستعلم أنه هل فيهم أحد يكرهه أو لا
و الحاصل أن زعم أن ذلك يدل على عدم أهليته غاية في الجهالة والغباوة والحمق فلا ترفع بذلك رأسا
الشبهة الخامسة عشرة زعموا أيضا أن عليا إنما سكت عن النزاع في أمر الخلافة لأن النبي أوصاه أن لا يوقع بعده فتنة ولا يسل سيفا
و جوابها أن هذا افتراء وكذب وحمق وجهالة مع عظيم الغباوة عما يترتب عليه إذ كيف يعقل مع هذا الذي زعموه أنه جعله إماما واليا على الأمة بعده ومنعه من سل السيف على من امتنع من قبول الحق ولو كان ما زعموه صحيحا لما سل علي السيف في حرب صفين وغيرها ولما قاتل بنفسه وأهل بيته وشيعته وجالد وبارز الألوف منهم وحده أعاذه الله من مخالفة وصية رسول الله وأيضا فكيف يتعقلون أنه يوصيه بعدم سل السيف على من يزعمون فيهم أنهم يجاهرون بأقبح أنواع الكفر مع ما أوجبه الله من جهاد مثلهم
قال بعض أئمة أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة وقد تأملت كلماتهم فرأيت قوما أعمى الهوى بصائرهم فلم يبالوا بما ترتب على مقالاتهم من المفاسد ألا ترى

(1/126)


إلى قولهم إن عمر رضي الله عنه قاد عليا بحمائل سيفه وحصر فاطمة فهابت فأسقطت ولدا اسمه المحسن فقصدوا بهذه الفرية القبيحة والغباوة التي أورثتهم العار والبوار والفضيحة إيغار الصدور على عمر رضي الله عنه ولم يبالوا بما يترتب على ذلك من نسبة علي رضي الله عنه إلى الذل والعجز والخور بل ونسبة جميع بني هاشم وهم أهل النخوة والنجدة والأنفة إلى ذلك العار اللاحق بهم الذي لا أقبح منه عليهم بل ونسبة جميع الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك وكيف يسع من له أدنى ذوق أن ينسبهم إلى ذلك مع ما استفاض وتواتر عنهم من غيرتهم لنبيهم وشدة غضبهم عند انتهاك حرماته حتى قاتلوا وقتلوا الآباء والأبناء في طلب مرضاته ولا يتوهم إلحاق أدنى نقص أو سكوت على باطل بهؤلاء العصابة الكمل الذين طهرهم الله من كل رجس ودنس ونقص على لسان نبيه في الكتاب والسنة كما قدمته في المقدمة الأولى أول الكتاب بواسطة صحبتهم له وموته وهو عنهم راض وصدقهم في محبته واتباعه إلا عبدا أضله الله وخذله ولعنه فباء منه تعالى بعظيم الخسار والبوار وأحله الله تعالى نار جهنم وبئس القرار نسأل الله السلامة في الدين آمين

(1/127)


خاتمة
قال شيخ الإسلام مجتهد عصره التقي السبكي رحمه الله ورضي عنه كنت بالجامع الأموي ظهر يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وسبعمائة فأحضر إلي شخص شق صفوف المسلمين في الجامع وهم يصلون الظهر ولم يصل وهو يقول لعن الله من ظلم آل محمد وهو يكرر ذلك فسألته من هو فقال أبو بكر قلت أبو بكر الصديق قال أبو بكر وعمر وعثمان ويزيد ومعاوية فأمرت بسجنه وجعل غل في عنقه ثم أخذه القاضي المالكي فضربه وهو مصر على ذلك وزاد فقال إن فلانا عدو الله شهد عليه عندي بذلك شاهدان وقال إنه مات على غير الحق وإنه ظلم فاطمة ميراثها وأنه يعني أبا بكر كذب على النبي في منعه ميراثها وكرر عليه الملكي الضرب يوم الاثنين ويوم الأربعاء الذي يليه وهو مصر على ذلك ثم أحضروه يوم الخميس بدار العدل وشهد عليه في وجهه فلم ينكر ولم يقر ولكن صار كلما سئل يقول إن كنت قلت فقد علم الله تعالى فكرر السؤال عليه مرات وهو يقول هذا الجواب ثم أعذر عليه فلم يبد دافعا ثم قيل له تب فقال تبت

(1/128)


عن ذنوبي وكرر عليه الاستتابة وهو لا يزيد في الجواب على ذلك فطال البحث في المجلس على كفره وعدم قبول توبته فحكم نائب القاضي بقتله فقتل وسهل عندي قتله ما ذكرته من هذا الاستدلال فهو الذي انشرح صدري لتكفيره بسبسه ولقتله لعدم توبته وهو منزع لم أجد غيري سبقني إليه إلا ما سيأتي في كلام النووي وضعفه
و أطال السبكي الكلام في ذلك وهاأنا أذكر حاصل ما قاله مع الزيادة عليه مما يتعلق بهذه المسألة وتوابعها منها على ما أزيده بأي ونحوها فأقول
ادعى بعض الناس أن هذا الرجل الرافضي قتل بغير حق وشنع السبكي في الرد على مدعي ذلك بحسب ما ظهر له ورآه مذهبا وإلا فمذهبنا كما ستعلمه أنه لا يكفر بذلك
فقال كذب من قال إنه قتل بغير حق بل قتل بحق لأنه كافر مصر على كفره وإنما قلنا إنه كافر لأمور
أحدها قوله في الحديث الصحيح من رمى رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إن كان كما قال وإلا رجعت عليه
و نحن نتحقق أنا أبا بكر مؤمن وليس عدو الله ويرجع على هذا القائل ما قاله

(1/129)


بمقتضى نص هذا الحديث على الحكم بكفره وإن لم يعتقد الكفر كما يكفر ملقي المصحف بقذر وإن لم يعتقد الكفر وقد حمل مالك رضي الله عنه هذا الحديث على الخوارج الذين كفروا أعلام الأمة فلم استنبطته من هذا الحديث موافق لما نص عليه مالك أي فهو موافق لقواعد مالك لا لقواعد الشافعي رضي الله عنهما
على أنه سيعلم مما سيأتي عن المالكية أن المعتمد عندهم في ذلك هذا الحديث وإن كان خبر واحد إلا أن خبر الواحد يعمل به في الحكم بالتكفير وإن كان جحده لا كفر به إذ لا يكفر جاحد الظني بل القطعي وقول النووي رحمه الله إن حمل مالك للحديث على الخوارج ضعيف لأن المذهب الصحيح عدم تكفيرهم فيه نظر وإنما يتجه ضعفه إن لم يصدر منهم سبب مكفر غير الخروج والقتال ونحوه وأما مع التكفير لمن تحقق إيمانه فمن أين للنووي ذلك انتهى
و يجاب بأن نص الشافعي رضي الله عنه وهو قوله أقبل شهادة أهل البدع والأهواء إلا الخطابية صريح فيما قاله النووي مع أن المعنى يساعده وأيضا

(1/130)


فتصريح أئمتنا في الخوارج بأنهم لا يكفرون وإن كفرونا لأنه بتأويل فلهم شبهة غير قطعية البطلان صريح فيما قاله النووي ويؤيده قول الأصوليين إنما لم تكفر الشيعة والخوارج لكونهم كفروا أعلام الصحابة المستلزم لتكذيبه في قطعه لهم بالجنة لأن أولئك المكفرين لم يعلموا قطعا تزكية من كفروه على الإطلاق إلى مماته وإنما يتجه لتكفيرهم أن لو علموا ذلك لأنهم حينئذ يكونون مكذبين له
و بهذا تعلم أن جميع ما يأتي عن السبكي إنما هو اختيار له مبني على غير قواعد الشافعية وهو قوله جواب الأصوليين المذكور إنما نظروا فيه إلى عدم الكفر لأنه لا يستلزم تكذيبه ولم ينظروا لما قلناه إن الحديث السابق دال على كفره
و قد قال إمام الحرمين وغيره يكفر نحو الساجد لصنم وإن لم يكذب بقلبه وإلا يلزم على ذلك كفر من قال لمسلم يا كافر لأن محل ذلك في المقطوع بإيمانهم كالعشرة المبشرين بالجنة وعبد الله بن سلام ونحوهم بخلاف غيرهم لأنه أشار إلى اعتبار الباطن بقوله إن كان كما قال وإلا

(1/131)


رجعت عليه نعم يلحق عندي وإن لم يذكر ذلك متكلم ولا فقيه بمن ورد النص فيهم من أجمعت الأمة على صلاحه وإمامته كابن المسيب والحسن وابن سيرين ومالك والشافعي
فإن قلت الكفر جحد الربوبية أو الرسالة وهذا المقتول مؤمن بالله ورسوله وآله وكثير من صحابته فكيف يكفر
قلت التكفير حكم شرعي سببه جحد ذلك أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحدا وهذا منه فهو من أحسن الأدلة في المسألة وينضم إليه خبر الحلية من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب والخبر الصحيح لعن المؤمن كقتله وأبو بكر أكبر أولياء المؤمنين فهذا هو المأخذ الذي ظهر لي في قتل هذا الرافضي وإن كنت لم أتقلده لا فتوى ولا حكما وانضم إلى احتجاجي بالحديث السابق ما اشتملت عليه أفعال هذا الرافضي من إظهاره ذلك

(1/132)


في الملأ وإصراره عليه وإعلائه البدعة وأهلها وغمصه السنة وأهلها وهذا المجموع في هذه الشناعة وقد يحصل بمجموع أمور حكم لا يحصل بكل واحد منها وهذا معنى قول مالك تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدث لهم من الفجور ولسنا نقول تتغير الأحكام بتغير الزمان بل باختلاف الصورة الحادثة
فهذا نهاية ما انشرح صدري له بقتل هذا الرجل له وأما السبب وحده ففيه ما قدمته وما سأذكره وإيذاؤه أمر عظيم إلا أنه ينبغي ضابط فيه وإلا فالمعاصي كلها تؤذيه ولم أجد في كلام أحد من العلماء أن سب الصحابي يوجب القتل إلا ما يأتي من إطلاق الكفر من بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة ولم يصرحوا بالقتل وقد قال ابن المنذر لا أعلم أحدا يوجب القتل لمن سب من بعد النبي
نعم حكي القتل عن بعض الكوفيين وغيرهم بل حكاه بعض الحنابلة رواية عن أحمد وعندي أنهم غلطوا فيه لأنهم أخذوه من قوله شتم عثمان زندقة وعندي أنه لم يرد أن شتمه كفر وإلا لم يكن زندقة لأنه أظهرها وإنما أراد قوله المروي عنه في موضع آخر من طعن في خلافة عثمان فقد طعن في المهاجرين والأنصار يعني أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أقام ثلاثة أيام ليلا ونهارا

(1/133)


يطوف على المهاجرين والأنصار ويخلو بكل واحد منهم رجالهم ونسائهم يستشيرهم فيمن يكون خليفة حتى اجتمعوا على عثمان فحينئذ بايعه فمعنى كلام أحمد أن شتم عثمان في الظاهر شتم له وفي الباطن تخطيئه لجميع المهاجرين والأنصار وتخطئة جميعهم كفر فكان زندقة بهذا الاعتبار فلا يؤخذ منه أن شتم أبي بكر وعمر كفر هذا لم ينقل عن أحمد أصلا فمن خرج من أصحابه رواية عنه مما قاله في شتم عثمان بقتل ساب أبي بكر مثلا لم يصنع شيئا
و الضابط أن كل شتم قصد به أذى النبي كما وقع من عبد الله بن أبي كفر وما لا فلا كما وقع من مسطح وحمنة في قصة الإفك وفي الحديث الصحيح لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه
و في حديث رجاله ثقات وإن قال الترمذي إنه غريب الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه
و قوله أصحابي الظاهر أن المراد بهم من اسلم قبل الفتح وأنه خطاب لمن

(1/134)


أسلم بعده بدليل تفاوت الإنفاق فيه الموافق له قوله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل الآية فلا بد من تأويل بهذا أو بغيره ليكون المخاطبون غير الأصحاب الموصى بهم فهم كبار الأصحاب وإن شمل اسم الصحبة الجميع
و سمعت شيخنا التاج بن عطاء الله متكلم الصوفية على طريق الشاذلية يذكر في وعظه تأويلا آخر هو أنه له تجليات يرى فيها من بعده فهذا خطاب لمن بعده في حق جميع الصحابة الذين قبل الفتح وبعده
فإن ثبت ما قاله فالحديث شامل لجميعهم وإلا فهو فيمن قبل الفتح ويلحق بهم في ذلك من بعده فإنهم بالنسبة لغير الصحابة كالذين بعد الفتح بالنسبة لمن قبله وعلى كلا التقديرين فالظاهر أن هذه الحرمة ثابتة لكل واحد منهم أي وكلام النووي وغيره صحيح في ذلك
ثم الكلام إنما هو في سب بعضهم أما سب جميعهم فلا شك أنه كفر وكذا سب واحد منهم من حيث هو صحابي لأنه استخفاف بالصحبة فيكون استخفافا به وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الطحاوي بغضهم كفر

(1/135)


فبغض الصحابة كلهم وبغض بعضهم من حيث الصحبة لا شك أنه كفر وأما سب أو بغض بعضهم لأمر آخر فليس بكفر حتى الشيخين رضي الله عنهما نعم حكى القاضي في كفر سابهما وجهين وجه عدم الكفر أن سب المعين أو بغضه قد يكون لأمر خاص به من الأمور الدنيوية أو غيرها كبغض الرافضي لهما فإنه إنما هو جهة الرفض وتقديمه عليا واعتقاده بجهله أنهما ظلماه وهما مبرآن عن ذلك فهو معتقد لجهله أنه ينتصر لعلي لقرابته رضي الله عنه للنبي فعلم أن بغض الرافضي للشيخين إنما هو لما استقر في ذهنه لجهله وما نشأ عليه من الفساد من اعتقاده ظلمهما لعلي وليس كذلك ولا علي يعتقد ذلك قطعا
و مأخذ تكفير الرافضي بذلك أنه يعود من اعتقاده ذلك فيهما نقص في الدين لأنهما الأصل بعد النبي في إقامة الدين وإظاهره ومجاهدة المرتدين والمعاندين ومن ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه لولا أبو بكر ما عبد الله بعد محمد أي لأنه الذي رأى قتال المرتدين مع مخالفة أكثر الصحابة له حتى أقام عليهم الأدلة الواضحة على قتال المرتدين ومانعي الزكاة إلى أن رجعوا إليه وقاتلوهم بأمره فكشف الله به وبهم تلك الغمة وأزال عن الإسلام والمسلمين تلك المحنة

(1/136)


ثانيها أعني الأمور الدالة على قتل ذلك الرافضي أنه استحل لعن الشيخين وعثمان رضي الله عنهم بإقراره بذلك ومن استحل ما حرم الله فقد كفر ولعن الصديق وسبه محرمان واللعنة اشد وتحريم لعن الصديق معلوم من الدين بالضرورة لما تواتر عنه من حسن إسلامه وأفعاله الدالة على إيمانه وأنه دام على ذلك إلى أن قبضه الله تعالى هذا لا يشك فيه ولا يرتاب وإن شك فيه الرافضي نعم شرط الكفر بجحد الضروري أن يكون ضروريا عند الجاحد حتى يستلزم جحده حينئذ تكذيبه وليس الرافضي يعتقد تحريم لعن أبي بكر فضلا عن كونه يعتقد أن تحريمه ضروري وقد ينفصل عنه بأن تواتر تحريم ذلك عند جميع الخلق يلغي شبهة الرافضي التي غلظت على قلبه حتى لم يعلم ذلك وهذا محل نظر وجدل وميل القلب إلى بطلان هذا العذر أي باعتبار ما ظهر للسبكي وإلا فقواعد المذهب قاضيه بقبول هذا العذر بالنسبة لعدم التكفير لأنه إنما يسب أو يلعن متأولا وإن كان تأويله جهلا وعصبية وحمية لكن باب الكفر يحتاط فيه كما هو مقرر في محله
ثالثها إن هذه الهيئة الاجتماعية التي حصلت من هذا الرافضي ومجاهرته ولعنه لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم واستحلاله ذلك على رؤوس الأشهاد وهم أئمة الإسلام والذين أقاموا الدين بعد النبي وما علم لهم من

(1/137)


المناقب والمآثر كالطعن في الدين والطعن فيه كفر فهذه ثلاثة أدلة ظهرت لنا في قتله أي باعتبار ما ظهر وإلا فمذهب الشافعي رضي الله عنه ما قد علمت رابعها المنقول عن العلماء فمذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن من أنكر خلافة الصديق أو عمر فهو كافر على خلاف حكاه بعضهم وقال الصحيح أنه كافر والمسالة مذكورة في كتبهم في الغاية للسروجي والفتاوى الظهيرية والأصل لمحمد بن الحسن وفي الفتاوى البديعية فإنه قسم الرافضة إلى كفار وغيرهم وذكر الخلاف في بعض طوائفهم وفيمن أنكر إمامة أبي بكر وزعم ان الصحيح أنه يكفر
و في المحيط أن محمدا لا يجوز الصلاة خلف الرافضة ثم قال لأنهم أنكروا خلافة ابي بكر وقد اجتمعت الصحابة على خلافته
و في الخلاصة من كتبهم أن من أنكر خلافة الصديق فهو كافر
و في تتمة الفتاوى والرافضي المتغالي الذي ينكر خلافة أبي بكر يعني لا تجوز الصلاة خلفه
و في المرغيناني وتكره الصلاة خلف صاحب هوى أو بدعة ولا تجوز خلف الرافضي ثم قال وحاصله إن كان هوى يكفر به لا يجوز وإلا يجوز ويكره

(1/138)


و في شرح المختارو سب أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفرا لكن يضلل فإن عليا رضي الله عنه لم يكفر شاتمه
وفي الفتاوى البديعية من أنكر إمامة أبي بكر رضي الله عنه فهو كافر وقال بعضهم وهو مبتدع والصحيح أنه كافر وكذلك من أنكر خلافة عمر في أصح الأقوال ولم يتعرض أكثرهم للكلام على ذلك
و أما أصحابنا الشافعيون فقد قال القاضي حسين في تعليقه من سب النبي يكفر بذلك ومن سب صحابيا فسق وأما من سب الشيخين أو الختنين ففيه وجهان أحدهما يكفر لأن الأمة أجمعت على إمامتهم والثاني يفسق ولا يكفر ولا خلاف أن من لا يحكم بكفره من أهل الأهواء لا يقطع بتخليدهم في النار وهل يقطع بدخولهم النار وجهان انتهى
و قال القاضي إسماعيل المالكي إنما قال مالك في القدرية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لأنه من الفساد في الأرض كما قال في المحارب وهو فساده في مصالح الدنيا وقد يدخل في الدين من قطع سبيل الحج والجهاد

(1/139)


و فساد أهل البدع معظمه على الدين و قد يدخل في الدنيا بما يلقونه بين المسلمين من العداوة و قد اختلف قول مالك و الأشعري في التكفير و الأكثر على ترك التكفير
قال القاضي عياض لأن الكفر خصلة واحدة وهو الجهل بوجود الباري تعالى ووصف الرافضة بالشرك و إطلاق اللعنة عليهم و كذا الخوارج و سائر أهل الأهواء حجج للمكفرين و قد يجيب الآخرون بأنه قد ورد مثل هذه الألفاظ في غير الكفر تغليظا و كفر دون كفر و إشراك دون إشراك و قوله في الخوارج اقتلوهم قتل عاد يقتضي الكفر و المانع يقول هو حد لا كفر
قال القاضي عياض في سب الصحابة قد اختلف العلماء فيه و مشهور مذهب مالك فيه الاجتهاد و الأدب الموجع قال مالك رحمه الله من شتم النبي قتل و إن شتم الصحابة أدب و قال أيضا من شتم أحدا من أصحاب النبي أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال كانوا على ضلال أو كفر قتل و إن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا انتهى
و قوله يقتل من نسبهم إلى ضلال أو كفر حسن إذا نسبهم إلى كفر لأنه شهد لكل منهم بالجنة فإن نسبهم إلى الظلم دون الكفر كما يزعم بعض الرافضة فهو محل التردد لأنه ليس من حيث الصحبة ولا لأمر يتعلق بالدين و إنما هو لخصوصيات تتعلق بأعيان بعض الصحابة و يرون أن ذلك من الدين لا

(1/140)


تنقيص فيه
ولا شك أن الروافض ينكرون ما علم بالضرورة ويفترون على الصحابة بما يزعمون أنه موافق له ونحن نكذبهم في ذلك فلم يتحقق إلى الآن من مالك ما يقتضي قتل من هذا شأنه
و قال ابن حبيب من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي
قال سحنون من كذب أحدا من أصحاب النبي عليا أو عثمان أو غيرهما يوجع ضربا
و حكى ابن أبي زيد عن سحنون من قال في ابي بكر وعمر وعثمان وعلي إنهم كانوا على ضلال وكفر قتل ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نكل النكال الشديد انتهى
و قتل من كفر الأربعة ظاهر لأنه خلاف إجماع الأمة إلا الغلاة من الروافض

(1/141)


فلو كفر الثلاثة ولم يكفر عليا لم يصرح سحنون فيه بشيء وكلام مالك المتقدم أصرح فيه وروي عن مالك رضي الله عنه من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل
و قال أحمد بن حنبل فيمن سب الصحابة أما القتل فأجبن عنه لكن اضربه ضربا نكالا
و قال أبو يعلى الحنبلي الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلا لذلك كفر وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر
قال وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم وسئل عمن شتم أبا بكر قال كافر قيل يصلى عليه قال لا
و ممن كفر الرافضة أحمد بن يونس وأبو بكر بن هانئ وقالا لا تؤكل ذبائحهم لأنهم مرتدون
و قال عبد الله بن إدريس أحد أئمة الكوفة ليس للرافضي شفعة لأنه لا شفعة إلا لمسلم
و قال أحمد في رواية أبي طالب شتم عثمان زندقة وأجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنه فاسق وممن قال بوجوب القتل على من سب أبا

(1/142)


بكر وعمر عبد الرحمن بن أبزى الصحابى رضي الله عنه وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قطع لسان عبيد الله بن عمر إذ شتم مقداد بن الأسود رضي الله عنه فكلم في ذلك فقال دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحدا من أصحاب النبي وفي كتاب ابن شعبان من قال في واحد منهم إنه ابن زانية وأمه مسلمة حد حد عنه بعض أصحابنا حدين حدا له وحدا لأمه ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة لفضل هذا على غيره ولقوله من سب أصحابي فاجلدوه قال ومن قذف أم أحدهم وهي كافرة حد حد الفرية لأنه سب له وإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حيا قام بما يجب له وإلا فمن قام من المسلمين كان على الإمام قبول قيامه قال وليس هذا كحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء بنبيهم ولو سمعه الإمام وأشهد عليه وكان ولي القيام به

(1/143)


و من سب عائشة رضي الله عنها ففيه قولان أحدهما يقتل والآخر كسائر الصحابة يجلد حد المفتري قال وبالأول أقول
وروى أبو مصعب عن مالك من سب آل بيت محمد يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس طويلا حتى يظهر توبته لأنه استخفاف بحق رسول الله
و أفتى أبو مطرف فيمن أنكر تحليف امرأة بالليل وقال لو كانت بنت أبي بكر ما حلفت إلا بالنهار بالأدب الشديد لذكر ابنة أبي بكر في مثل هذا
قال هشام بن عمار سمعت مالكا يقول من سب أبا بكر وعمر قتل ومن سب عائشة رضي الله عنها قتل لأن الله تعالى يقول فيها يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين فمن رماها فقد خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل
قال ابن حزم وهذا قول صحيح
و احتج المكفرون للشيعة والخوارج بتكفيرهم أعلام الصحابة رضي الله عنهم وتكذيب النبي في قطعه لهم بالجنة وهو احتجاج صحيح فيمن ثبت عليه تكفير أولئك

(1/144)


و مر أن أئمة الحنفية كفروا من أنكر خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والمسألة في الغاية وغيرها من كتبهم كما مر وفي الأصل لمحمد بن الحسن رحمه الله والظاهر أنهم أخذوا ذلك عن إمامهم أبي حنيفة رضي الله عنه وهو أعلم بالروافض لأنه كوفي والكوفة منبع الرفض والروافض طوائف منهم من يجب تكفيره ومنهم من لا يجب تكفيره فإذا قال أبو حنيفة بتكفير من ينكر إمامة الصديق رضي الله عنه فتكفير لا عنه عنده أولى أي إلا أن يفرق إذ الظاهر أن سبب تكفير منكر إمامته مخالفته للإجماع بناء على أن جاحد الحكم المجمع عليه كافر وهو المشهور عند الأصوليين وإمامته رضي الله عنه مجمع عليها من حين بايعه عمر رضي الله عنه ولا يمنع من ذلك تأخر بيعة بعض الصحابة فإن الذين تأخرت بيعتهم لم يكونوا مخالفين في صحة إمامته ولهذا كانوا يأخذون عطاءه ويتحاكمون إليه فالبيعة شيء والإجماع شيء ولا يلزم من أحدهما الآخر ولا من عدم أحدهما عدم الآخر فافهم ذلك فإنه قد يغلط فيه
فإن قلت شرط الكفر بإنكار المجمع عليه أن يعلم من الدين بالضرورة قلت وخلافة الصديق رضي الله عنه كذلك لأن بيعة الصحابة له ثبتت بالتواتر المنتهي إلى حد الضرورة فصارت كالمجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة وهذا لا شك فيه ولم يكن أحد من الروافض في أيام الصديق رضي الله عنه ولا في أيام عمر وعثمان وإنما حدثوا بعده فمقالتهم حادثة
و جوابه أن الخلافة من الوقائع الحاثة وليست حكما شرعيا وجاحد

(1/145)


الضروري إنما يكفر إذا كان ذلك الضروري حكما شرعيا كالصلاة والحج لاستلزامه تكذيب النبي بخلاف الخلافة المذكورة إلا أن يقال إنه يتعلق بها أحكام شرعية كوجوب الطاعة وما أشبهه ومر عن القاضي حسين أن في كفر ساب الشيخين أو الختنين وجهين ولا ينافيه جزمه في موضع آخر بفسق ساب الصحابة وكذا ابن الصباغ وغيره وحكوه عن الشافعي رضي الله عنه لأنهما مسألتان فالثانية في مجرد السب وهو مفسق وإن كان المسبوب من آحاد الصحابة وأصاغرهم بخلاف الأول فإنها خاصة بسب الشيخين أو الختنين وهو أشد وأغلظ في الزجر بأن فيه وجها بالكفر وأما تكفير أبي بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي بالجنة فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي والذي أراه الكفر فيها قطعا موافقة لمن مر ومر عن أحمد أن الطعن في خلافة عثمان طعن في المهاجرين والأنصار وصدق في ذلك فإن عمر جعل الخلافة شورى بين ستة عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص فالثلاثة الأخيرون أسقطوا حقوقهم وعبد الرحمن لم يردها لنفسه وإنما أراد أن يبايع أحد الأولين عثمان أو عليا فاحتاط لدينه وبقي ثلاثة أيام بلياليها لا ينام وهو يدور على المهاجرين والأنصار ويستشيرهم فيمن يتقدم عثمان أو علي ويجتمع بهم جماعات وفرادى ورجالا ونساء ويأخذ ما عند كل واحد منهم في ذلك إلى أن

(1/146)


اجتمعت آراؤهم كلهم على عثمان رضي الله عنهم فبايعه فكانت بيعة عثمان عن إجماع قطعي من المهاجرين والأنصار فالطعن فيها طعن في الفريقين ومن ثم قال أحمد أيضا شتم عثمان زندقة ووجهه أنه بظاهره ليس بكفر وبباطنه كفر لأنه يؤدي إلى تكذيب الفريقين كما علمت فلا يفهم من كلامه كفر ساب الصحابة خلافا لبعض أصحابه كما مر
فتلخص أن سب أبي بكر كفر عند الحنفية وعلى أحد الوجهين عند الشافعية ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد فليس بكفر نعم قد يخرج عنه ما مر عنه في الخوارج أنه كفر فتكون المسألة عنده على حالين إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفر وإن كفر كفر فهذا الرافضي السابق ذكره كافر عند مالك وأبي حنيفة وأحد وجهي الشافعي وزنديق عند أحمد بتعرضه إلى عثمان المتضمن لتخطئة المهاجرين والأنصار وكفره هذا ردة لأن حكمه قبل ذلك حكم المسلمين والمرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل فكان قتله على مذهب جمهور العلماء أو جميعهم لأن القائل بأن الساب لا يكفر لم يتحقق منه أن يطرده فيمن يكفر أعلام الصحابة رضوان الله عليهم فأحد الوجهين عندنا إنما اقتصر على الفسق في مجرد السب دون التكفير وكذلك أحمد إنما جبن عن قتل من لم يصدر منه إلا السب والذي صدر من هذا الرجل أعظم من السب ومر

(1/147)


أن الطحاوي قال في عقيدته وبغض الصحابة كفر فيحتمل أن يحمل على مجموع الصحابة وان يحمل على كل منهم لكن إذا بغضه من حيث الصحبة وأما جعل مجرد بغضه كفرا فيحتاج لدليل وهذا الرافضي وأشباهه بغضهم للشيخين وعثمان رضي الله عنهم ليس لأجل الصحبة لأنهم يحبون عليا والحسنين وغيرهما بل لهوى أنفسهم واعتقادهم بجهلهم وعنادهم ظلمهم لأهل بيت النبي فالظاهر أنهم إذا اقتصروا على السب من غير تكفير ولا جحد مجمع عليه لا يكفرون
خامسها يمكن التمسك أيضا في قتل هذا الرافضي بأن هذا المقام الذي قامه لا شك أنه يؤذي النبي وإيذاؤه موجب للقتل بدليل الحديث الصحيح أنه قال فيمن آذاه من يكفيني عدوي فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه أنا أكفيكه فبعثه إليه النبي فقتله لكن مر ما يخدش في ذلك وهو أن كل أذى لا يقتضي القتل وإلا لعم سائر المعاصي لأنها تؤذيه قال تعالى إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم الآية وهذا الرافضي إنما قصد بزعمه انتصاره لآل بيت النبي فلم يقصد إيذاءه أي فلم

(1/148)


يتضح دليل على قتله
و أما الوقيعة في عائشة رضي الله عنها فموجبة للقتل إما لأن القرآن شهد ببراءتها فقذفها تكذيب له وتكذيبه كفر وإما لكونها فراشا له والوقيعة فيها تنقيص له وتنقيصه كفر وينبني على ذلك حكم الوقيعة في بقية أمهات المؤمنين فعلى الأول لا يكون كفرا وعلى الثاني يكون كفرا وهو الأرجح عند بعض المالكية وإنما لم يقتل قذفة عائشة لأن قذفهم كان قبل نزول الآية فلم يتضمن تكذيب القرآن ولأن ذلك حكم نزل بعد نزول الآية فلم ينعطف حكمه على ما قبلها
سادسها مر في الخبر الصحيح لا تسبوا أصحابي من أحبهم أحبني ومن أبغضهم أبغضني ومن آذاهم آذاني وهذا يشمل سائر الصحابة لكنهم درجات فيتفاوت حكمهم في ذلك بتفاوت درجاتهم ومراتبهم والحرمة تزيد بزيادة من تعلقت به فلا يقتصر في سب أبي بكر رضي الله عنه على الجلد الذي يقتصر عليه في جلد غيره لأن ذلك الجلد لمجرد حق الصحبة فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها مما يقتضي الاحترام لنصرة الدين وجماعة المسلمين وما حصل على يده من الفتوح وخلافة النبي وغير ذلك كان كل واحد من هذه الأمور

(1/149)


يقتضي مزيد حق موجب لزيادة العقوبة عند الاجتراء عليه فتزداد العقوبة وليس ذلك لتجدد حكم بعد النبي بل لأنه شرع أحكاما وأناطها بأسباب فنحن نتبع تلك الأسباب ونرتب على كل سبب منها حكمه وكان الصديق في حياة النبي له حق السبق إلى الإسلام والتصديق والقيام في الله تعالى والمحبة التامة والإنفاق العظيم البالغ أقصى غايات الوسع والإمكان على النبي وأصحابه والنصرة التامة وغير ذلك من خصاله الحميدة المذكورة في هذا الكتاب وغيره ثم بعد النبي ترتبت له خصوصيات وفضائل أخر كخلافته التي قام فيها بما لم يمكن أن يقوم به أحد من الأمة بعده كما هو معلوم مقطوع به لا ينكره إلا معاند مكابر جاهل غبي كمقاتلته لأهل الردة ومانعي الزكاة وما ظهر عنه في ذلك من الشجاعة التي لم يشق أحد فيها غباره ولم يدرك آثاره فبكل من ذلك يزداد حقه وحرمته ويستحق من اجترأ عليه زيادة العذاب والنكال فلا يبعد لكونه من الدين والفضل بهذا المحل الأسنى والمقام الأسمى أن يكون سابه طاعنا في الدين فيستحق القتل على ما مر ولقد قتل الله بسبب يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام خمسة وسبعين ألفا قال

(1/150)


بعض العلماء وذلك دية كل نبي ويقال إن الله تعالى أوحى إلى نبينا أني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا ولأقتلن بالحسين ابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا وهكذا الصديق رضي الله عنه يظهر تعالى حرمته وحقه بأخذ كثير من الروافض لعنهم الله الذين أخزاهم الله تعالى بقتل هذا الرافضي الخبيث الملعون وكانت ترتفع أنوفهم لو صفح عنه وقد قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رضي الله عنه التعزير يجوز بالقتل وتجرؤ هذا الرافضي على هذا المقام العلي الذي هو مقام الصديق والخلفاء الراشدين من أعلى الأسباب المقتضية للتعزير الذي يجوز به عند أبي يوسف الارتقاء إلى القتل أي فعلم أن قتل هذا الرافضي حق صحيح لا اعتراض عليه بناء على مذهب الحاكم الذي قتله وهو المالكي بناء على ما مر من مذهبهم وكذا على مذهب أبي حنيفة وكذا على وجه عند الشافعية وكذا على ما مر عند الحنابلة
فتدبر هذه الواقعة وما سقته لك من كلام العلماء فيها فإن فيها أحكاما مهمة وفوائد جمة قلما تجدها مجموعة في كتاب مرفوعا عنها النقاب سالمة من الطعن والريب منزهة عن التعصب والعيب ذكرت في كتابي الملقب بالإعلام في قواطع الإسلام ما يوضح ما أشرت إليه خلال كلام السبكي مما يفرع ما قاله على اختياره الموافق لغير قواعد مذهبنا فاطلب بيان ذلك من الكتاب

(1/151)


المذكور فإنه لم يصنف في بابه مثله بل لم أظفر بأحد من أئمتنا ألف كتابا في المكفرات وحدها ولا استوعب حكمها على المذاهب الأربعة مع الكلام على كل من مسائله بما ينشرح له الصدر وتقر به العين فاستوفيت كل ذلك في ذلك المؤلف العديم النظير عند من سلم من داء الحسد والسخيمة ولم ينطو على الفساد أديمه نفعني الله به وبغيره وأدام علي من جوده وفضله وكرمه وخيره إنه الرؤوف الكريم الجواد الرحمن الرحيم وحسبنا الله ونعم الوكيل

(1/152)


الباب الثاني فيما جاء عن أكابر أهل البيت من مزيد الثناء على الشيخين ليعلم براءتهما مما يقول الشيعة والرافضة من عجائب الكذب والافتراء وليعلم بطلان ما زعموه من أن عليا إنما فعل ما مر عنه تقية ومدارة وخوفا وغير ذلك من قبائحهم

(1/153)


الباب الثاني
أخرج الدارقطني عن عبد الله الملقب بالمحض لقب به لأنه أول من جمع ولادة الحسن والحسين رضي الله عنهم وكان شيخ بني هاشم ورئيسهم وولده كان يلقب بالنفس الزكية وكان من أئمة الدين بويع بالخلافة زمن الإمام مالك ابن أنس بالمدينة فأرسل المنصور جيشا فقتلوه أنه سئل أمسح على الخفين فقال المسح فقد مسح عمر فقال له السائل إنما أسألك أنت تمسح قال ذلك أعجز لك أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيي فعمر خير مني وملء الأرض مثلي فقيل له هذا تقية فقال ونحن بين القبر والمنبر اللهم هذا قولي في السر والعلانية فلا تسمع قول أحد بعدي ثم قال من هذا الذي يزعم أن عليا كان مقهورا وأن النبي أمره بأمر فلم ينفذه فكفى بهذا إزراء ومنقصة له
و أخرج الدارقطني أيضا عن ولده الملقب بالنفس الزكية أنه قال لما سئل عن الشيخين لهما عندي أفضل من علي وأخرج عن محمد الباقر أنه قال أجمع بنو فاطمة رضي الله عنهم على أن يقولوا في الشيخين أحسن ما يكون من القول

(1/155)


و أخرج أيضا عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر أن رجلا جاء إلى أبيه زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهم فقال أخبرني عن أبي بكر فقال عن الصديق فقال وتسمية الصديق فقال ثكلتك أمك قد سماه رسول الله والمهاجرون والأنصار ومن لم يسمه صديقا فلا صدق الله عز و جل قوله في الدنيا والآخرة اذهب فأحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما
و أخرج أيضا عن عروة عن عبد الله قال سألت أبا جعفر الباقر عن حلية السيف قال لا بأس به قد حلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه سيفه قال قلت وتقول الصديق قال نعم الصديق نعم الصديق نعم الصديق فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة
و أخرجه ابن الجوزي في صفة الصفوة وزاد فوثب وثبة واستقبل القبلة فقال نعم الصديق نعم الصديق نعم الصديق الخبر
و اخرج أيضا عن جعفر الصادق أنه قال ما أرجو من شفاعة علي شيئا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله ولقد ولدني مرتين

(1/156)


و أخرج أيضا عن زيد بن علي أنه قال لمن يتبرأ منهما اعلم والله أن البراءة من الشيخين البراءة من علي فتقدم أو تأخر
و زيد هذا كان إماما جليلا استشهد في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة ولما صلب عريانا جاءت العنكبوت ونسجت على عورته حتى حفظت عن رؤية الناس فإنه استمر مصلوبا مدة طويلة وكان قد خرج وبايعه خلق من الكوفة وحضر إليه كثير من الشيعة فقالوا له ابرأ عن الشيخين ونحن نبايعك فأبى فقالوا إنا نرفضك فقال اذهبوا فأنتم الرافضة فمن حينئذ سموا الرافضة وسميت شيعته بالزيدية
و أخرج الحافظ عمر بن شبة أن زيدا هذا الإمام الجليل قيل له إن أبا بكر انتزع من فاطمة فدك فقال إنه كان رحيما وكان يكره أن يغير شيئا تركه رسول الله فأتته فاطمة رضي الله عنها فقالت له إن رسول الله أعطاني

(1/157)


فدك فقال هل لك بينة فشهد لها علي وأم أيمن فقال لها فبرجل وامرأة تستحقيها ثم قال زيد والله لو رجع الأمر فيها إلي لقضيت بقضاء أبي بكر رضي الله عنه
و أخرج عنه أيضا قال انطلقت الخوارج فبرئت ممن دون أبي بكر وعمر ولم يستطيعوا أن يقولوا فيهما شيئا وانطلقتم أنتم فطفرتم أي وثبتم فوق ذلك فبرئتم منهما فمن بقي فوالله ما بقي أحد إلا برئتم منه
و أخرج أيضا ابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قلت لمحمد ابن الحنفية هل كان أبو بكر أول القوم إسلاما قال لا قلت فبم علا أبو بكر وسبق حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر قال لأنه كان أفضلهم إسلاما حين أسلم حتى لحق بربه
و أخرج الدارقطني عن سالم بن أبي حفصة وهو شيعي لكنه ثقة قال سألت أبا جعفر محمد بن علي وجعفر بن محمد عن الشيخين فقالا يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما فإنهما كانا إمامي هدى
و أخرج عنه أيضا قال دخلت على أبي جعفر وفي رواية على جعفر بن محمد فقال وأراه قال ذلك من أجلي اللهم إني أتولى أبا بكر وعمر وأحبهما اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة
و أخرج عنه أيضا دخلت على جعفر بن محمد وهو مريض فقال اللهم إني

(1/158)


أحب أبا بكر وعمر وأتولاهما اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا نالتني شفاعة محمد
و أخرج عنه أيضا قال لي جعفر يا سالم أيسب الرجل جده أبو بكر جدي لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما
و أخرج عن جعفر أيضا أنه قيل إن فلانا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر فقال برئ الله من فلان إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر ولقد مرضت فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم
و أخرج هو أيضا والحافظ عمر بن شبة عن كثير قلت لأبي جعفر محمد بن علي أخبرني أظلمكم أبو بكر وعمر من حقكم شيئا فقال ومنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا ما يزن حبة خردلة قال قلت أفأتولاهما جعلني الله فداك قال نعم يا كثير تولهما في الدنيا والآخرة قال وجعل يصك عنق نفسه ويقول ما أصابك فبعنقي هذا ثم قال برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان فإنهما كذبا علينا أهل البيت

(1/159)


و اخرج أيضا عن بسام الصيرفي قلت لبأي جعفر ما تقول في أبي بكر وعمر فقال والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما وما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما
و أخرج أيضا عن الشافعي رضي الله عنه عن جعفر بن أبي طالب قال ولينا أبو بكر خير خليفة وأرحمه لنا وأحناه علينا وفي رواية فما ولينا أحد من الناس مثله وفي أخرى فما رأينا قط كان خيرا منه
و أخرج أيضا عن أبي جعفر الباقر أنه قيل له إن فلانا حدثني أن علي بن الحسين قال إن هذه الآية و نزعنا ما في صدورهم من غل الحجر 47 نزلت في أبي بكر وعمر وعلي قال والله إنها لفيهم أنزلت ففيمن أنزلت إلا فيهم قال فأي غل هو قال غل الجاهلية إن بني تيم وعدي وبني هاشم كان بينهم شيء في الجاهلية فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا فأخذ أبا بكر وجع الخاصرة فجعل علي يسخن يده ويكمد بها خاصرة أبي بكر فنزلت هذه الآية فيهم
و في رواية له عنه أيضا قلت لأبي جعفر وسألته عن أبي بكر وعمر فقال من شك فيهما فقد شك في السنة ثم ذكر أنه كان بين تلك القبائل شحناء فلما

(1/160)


أسلموا تحابوا ونزع الله ذلك من قلوبهم حتى إن أبا بكر لما اشتكى خاصرته سخن علي يده وضمده بها فنزلت فيه الآية
و أخرجه أيضا عن علي أن هذه الآية نزلت في هذه البطون الثلاثة تيم وعدي وبني هاشم وقال منهم أنا وأبو بكر وعمر
و أخرج أيضا عن أبي جعفر الباقر أنه قيل له هل كان أحد من أهل البيت يسب أبا بكر وعمر قال معاذ الله بل يتولونهما ويستغفرون لهما ويترحمون عليهما
و اخرج عن أبي جعفر أيضا عن أبيه علي بن الحسين رضي الله عنهم أنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر ثم في عثمان ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون فقالوا لا
قال فأنتم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون قالوا لا قال أما أنتم فقد برئتم أن تكونوا في أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز و جل فيهم و الذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين

(1/161)


سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم
و أخرج أيضا عن فضيل بن مرزوق سمعت إبراهيم بن الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن يقول والله قد مرقت علينا الرافضة كما مرقت الحرورية على علي رضي الله عنه
و أخرج عنه أيضا قال سمعت حسن بن حسن يقول لرجل من الرافضة والله لئن أمكن الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولا نقبل منكم توبة
و أخرج أيضا عن محمد بن حاطب قال ذكر عثمان عند الحسن والحسين رضي الله عنهم فقالا هذا أمير المؤمنين أي علي آتيكم الآن به يخبركم عنه إذ جاء علي قال الرواي ما أدري أسمعهم يذكرون عثمان أو سألوه عنه فقال عثمان من الذين اتقوا وآمنوا ثم من الذين اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين
و أخرج عنه أيضا من طرق قال دخلت على علي فقلت يا أمير المؤمنين إني أردت الحجاز وإن الناس يسألوني فما تقول في قتل عثمان وكان متكئا فجلس

(1/162)


وقال يا ابن حاطب والله إني لأرجو أن أكون أنا وهو كما قال الله تعالى و نزعنا ما في صدورهم من غل الآية
و أخرج أيضا عن سالم بن أبي الجعد قال كنت جالسا عند محمد ابن الحنفية فذكروا عثمان فنهانا محمد وقال كفوا عنه فغدونا يوما آخر فنلنا منه أكثر ما كان قبل فقال ألم أنهكم عن هذا الرجل قال وابن عباس جالس عنده فقال يا ابن عباس تذكر عشية الجمل وأنا عن يمين علي وفي يده الراية وأنت عن يساره إذ سمع هدة في المربد فأرسل رسولا فجاء الرسول فقال هذه عائشة تلعن قتلة عثمان في المربد فرفع علي يديه حتى بلغ بهما وجهه مرتين أو ثلاثا وقال وأنا ألعن قتلة عثمان لعنهم الله في السهل والجبل قال فصدقه ابن عباس ثم أقبل علينا فقال في وفي هذا لكم شاهدا عدل
و أخرج أيضا عن مروان بن الحكم أنه قال ما كان أحد أدفع عن عثمان من علي فقيل له ما لكم تسبونه على المنابر قال إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك
و أخرج أيضا عن الحسين بن محمد ابن الحنفية أنه قال يا أهل الكوفة اتقوا الله عز و جل ولا تقولوا لأبي بكر وعمر ما ليسا له بأهل إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان مع رسول الله في الغار ثاني اثنين وإن عمر أعز الله به الدين

(1/163)


و أخرج أيضا عن جندب الأسدي أن محمد بن عبد الله بن الحسن أتاه قوم من أهل الكوفة والجزيرة فسألوه عن أبي بكر وعمر فالتفت إلي فقال انظر إلى أهل بلادك يسألوني عن أبي بكر وعمر لهما عندي أفضل من علي
و أخرج أيضا عن عبد الله بن الحسن أنه قال والله لا يقبل الله عز و جل توبة عبد تبرأ من أبي بكر وعمر وإنهما ليعرضان على قلبي فأدعو الله عز و جل لهما أتقرب به إلى الله عز و جل
و أخرج أيضا عن فضيل بن مرزوق أنه قال قلت لعمر بن علي بن الحسن بن علي رضي الله عنهم أفيكم إمام تفترض طاعته تعرفون ذلك له من لم يعرف ذلك له فمات مات ميتة جاهلية فقال لا والله ما ذاك فينا من قال هذا فهو كاذب فقلت إنهم يقولون إن هذه المنزلة كانت لعلي إن رسول الله أوصى إليه ثم كانت للحسن إن عليا أوصى إليه ثم كانت للحسين بن علي إن الحسن أوصى إليه ثم كانت لعلي بن الحسين إن الحسين أوصى إليه ثم كانت لمحمد بن علي أي الباقر أخي عمر المذكور إن علي بن الحسين أوصى إليه فقال عمر بن علي بن الحسين فوالله ما أوصى أبي بحرفين اثنين فقاتلهم الله لو أن رجلا وصى في ماله وولده وما يترك بعده ويلهم ما هذا من الدين والله ما هؤلاء إلا متأكلين بنا
و أخرج أيضا عن عبد الجبار الهمداني أن جعفرا الصادق أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة فقال إنكم إن شاء الله من صالحي أهل مصر فأبلغوهم عني من زعم أني إمام مفترض الطاعة فأنا منه بريء ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا منه بريء

(1/164)


و أخرج أيضا عنه أنه سئل عنهما فقال أبرأ ممن ذكرهما إلا بخير فقيل له لعلك تقول ذلك تقية فقال أنا إذا من المشركين ولا نالتني شفاعة محمد
و أخرج عنه أيضا أنه قال إن الخبثاء من أهل العراق يزعمون أنا نقع في أبي بكر وعمر وهما والداي أي لأن أمه أم فروة بنت القاسم الفقيه بن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ومن ثم سبق قوله ولدني أبو بكر مرتين
و اخرج أيضا عن أبي جعفر الباقر قال من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة
قال بعض أئمة أهل البيت صدق والله إنما نشأ من الشيعة والرافضة وغيرهما ما نشأ من البدع والجهالات من جهلهم بالسنة
و في الطيوريات بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رجل لعلي بن أبي طالب نسمعك تقول في الخطبة اللهم أصلحنا بما أصحلت به الخلفاء الراشدين المهديين فمن هم فاغرورقت عيناه فقال هم حبيباي أبو بكر

(1/165)


وعمر إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش المقتدى بهما بعد رسول الله من اقتدى بهما عصم ومن تبع آثارهما هدي إلى الصراط المستقيم ومن تمسك بهما فهو من حزب الله المفلحين
فهذه أقاويل المعتبرين من أهل البيت رواها عنهم الأئمة الحفاظ الذين عليهم المعول في معرفة الأحاديث والآثار وتمييز صحيحها من سقيمها بأسانيدهم المتصلة فكيف يسع المتمسك بحبل أهل البيت ويزعم حبهم أن يعدل عما قالوه من تعظيم أبي بكر وعمر واعتقاد حقية خلافتهما وما كانا عليه وصرحوا بتكذيب من نقل عنهم خلافه ومع ذلك يرى أن ينسب إليهم ما تبرؤا منه ورأوه ذما في حقهم حتى قال زين العابدين علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أيها الناس أحبونا حب الإسلام فوالله ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا وفي رواية حتى نقصتمونا إلى الناس أي بسبب ما نسبوه إليهم مما هم برءاء منه فلعن الله من كذب على هؤلاء الأئمة ورماهم بالزور والبهتان

(1/166)


الباب الثالث في بيان أفضلية أبي بكر على سائر هذه الأمة ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين وفي ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه وحده أو مع عمر أو مع الثلاثة أو مع غيرهم وفيه فصول

(1/167)


الفصل الأول في ذكر أفضليتهم على هذا الترتيب وفي تصريح علي بأفضلية الشيخين على سائر الأمة وفي بطلان ما زعمه الرافضة والشيعة من أن ذلك منه قهر وتقية
اعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ثم اختلفوا فالأكثرون ومنهم الشافعي وأحمد وهو المشهور عن مالك أن الأفضل بعدهما عثمان ثم علي رضي الله عنهم وجزم الكوفيون ومنهم سفيان الثوري بتفضيل علي على عثمان وقيل بالوقف عن التفاضل بينهما وهو رواية عن مالك فقد حكى أبو عبد الله المازري عن المدونة أن مالكا رحمه الله سئل أي الناس أفضل بعد نبيهم فقال أبو بكر ثم عمر ثم قال أوفي ذلك شك فقيل له وعلي وعثمان فقال ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفضل أحدهما على الآخر انتهى
و قوله رضي الله عنه أوفي ذلك شك يريد ما يأتي عن الأشعري أن تفضيل

(1/169)


أبي بكر ثم عمر على بقية الأمة قطعي وتوقفه هذا رجع عنه فقد حكى القاضي عياض عنه أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان قال القرطبي وهو الأصح إن شاء الله تعالى
و مال إلى التوقف إمام الحرمين فقال وتتعارض الظنون في عثمان وعلي ونقله ابن عبد البر عن جماعة من السلف من أهل السنة منهم مالك ويحيى القطان ويحيى بن معين قال ابن معين ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة
و لا شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضله فهو مذموم وزعم ابن عبد البر أن حديث الاقتصار على الثلاثة أبي بكر وعمرو وعثمان مخالف لقول أهل السنة إن عليا أفضل الناس بعد الثلاثة مردود بأنه لا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله
و أما حكاية أبي منصور البغدادي الإجماع على أفضلية عثمان على علي

(1/170)


فمدخولة وإن نقل ذلك عن بعض الحفاظ وسكت عليه لما بيناه من الخلاف
ثم الذي مال إليه أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة أن تفضيل أبي بكر على من بعده قطعي وخالفه القاضي أبو بكر الباقلاني فقال إنه ظني واختاره إمام الحرمين في الإرشاد وبه جزم صاحب المفهم في شرح مسلم ويؤيده قول ابن عبد البر في الاستيعاب ذكر عبد الرزاق عن معمر قال لو أن رجلا قال عمر أفضل من أبي بكر ما عنفته وكذلك لو قال علي عندي أفضل من أبي بكر وعمر لم أعنفه إذا ذكر فضل الشيخين وأحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله فذكرت ذلك لوكيع فأعجبه أه واشتهاه
و ليس ملحظ عدم تعنيف قائل ذلك إلا أن التفضيل المذكور ظني لا قطعي ويؤيده أيضا ما حكاه الخطابي عن بعض مشايخه أنه كان يقول أبو بكر خير وعلي أفضل
لكن قال بعضهم إن هذا تهافت من القول أي أنه لا معنى للخيرية إلا الأفضلية فإن أريد أن خيرية أبي بكر من بعض الوجوه وأفضلية علي من وجه آخر لم يكن ذلك من محل الخلاف ولم يكن الأمر في ذلك خاصا بأبي بكر وعلي بل أبو بكر وأبو عبيدة مثلا يقال فيهما ذلك فإن الأمانة التي في أبي عبيدة وخصه بها رسول الله لم يخص أبا بكر بمثلها فكان خيرا من أبي بكر من هذا الوجه والحاصل أن المفضول قد توجد فيه مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل فإن

(1/171)


أراد شيخ الخطابي ذلك وأن أبا بكر أفضل مطلقا إلا أن عليا وجدت فيه مزايا لم توجد في أبي بكر فكلامه صحيح وإلا فكلامه في غاية التهافت خلافا لمن انتصر له ووجهه بما لا يجدي بل لا يفهم
فإن قلت ينافي ما قدمته من الإجماع على أفضلية أبي بكر قول ابن عبد البر إن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وقوله أيضا قبل ذلك روي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد ابن أرقم أن عليا أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره أه
قلت أما ما حكاه أولا من أن السلف اختلفوا في تفضيلهما فهو شيء غريب انفرد به عن غيره ممن هو أجل منه حفظا واطلاعا فلا يعول عليه فكيف والحاكي لإجماع الصحابة والتابعين على تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على سائر الصحابة جماعة من أكابر الأئمة منهم الشافعي رضي الله تعالى عنه كما حكاه عنه البيهقي وغيره وأن من اختلف منهم إنما اختلف في علي وعثمان وعلى التنزل في أنه حفظ ما لم يحفظ غيره فيجاب عنه بأن الأئمة إنما أعرضوا عن هذه المقالة لشذوذها ذهابا إلى أن شذوذ المخالف لا يقدح فيه أو رأوا أنها حادثة بعد انعقاد الإجماع فكانت في حيز الطرح والرد على أن المفهوم من كلام ابن عبد البر أن الإجماع استقر على تفضيل الشيخين على الختنين

(1/172)


و أما ما وقع في طبقات ابن السبكي الكبرى عن بعض المتأخرين من تفضيل الحسنين من حيث إنهما بضعة فلا ينافي ذلك لما قدمناه من أن المفضول قد توجد فيه مزية ليست في الفاضل على أن هذا تفضيل لا يرجع لكثرة الثواب بل لمزيد شرف ففي ذات أولاده من الشرف ما ليس في ذات الشيخين ولكنهما أكثر ثوابا وأعظم نفعا للإسلام والمسلمين وأخشى لله وأتقى ممن عداهما من أولاده فضلا عن غيرهم وأما ما حكاه أعني ابن عبد البر ثانيا عن أولئك الجماعة فلا يقتضي أنهم قائلون بأفضلية علي على أبي بكر مطلقا بل إما من حيث تقدمه عليه إسلاما بناء على القول بذلك أو مرادهم بتفضيل علي على غيره ما عدا الشيخين وعثمان لقيام الأدلة الصريحة الصحيحة على أفضلية هؤلاء عليه
فإن قلت ما مستند إجماعهم على ذلك
قلت الإجماع حجة على كل أحد وإن لم يعرف مستنده لأن الله عصم هذه الأمة من أن تجتمع على ضلالة ويدل لذلك بل يصرح به قوله تعالى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا النساء 115 وقد أجمعوا أيضا على استحقاقهم الخلافة على هذا الترتيب لكن هذا قطعي كما مر بأدلته مبسوطا
فإن قلت لم لم يكن التفضيل بينهم على هذا الترتيب قطعيا أيضا حتى عند غير الأشعري للإجماع عليه قلت أما بين عثمان وعلي فواضح للخلاف فيه كما تقدم وأما بين أبي بكر ثم عمر ثم غيرهما فهو وإن أجمعوا عليه إلا أن في كون

(1/173)


الإجماع حجة قطعية خلاف فالذي عليه الأكثرون أنه حجة قطعية مطلقا فيقدم على الأدلة كلها ولا يعارضه دليل أصلا ويكفر أو يبدع ويضلل مخالفه وقال الإمام الرازي والآمدي إنه ظني مطلقا والحق في ذلك التفضيل فما اتفق عليه المعتبرون حجة قطعية وما اختلفوا كالإجماع السكوتي والإجماع الذي ندر مخالفه فهو ظني
و قد علمت مما قررته لك أن هذا الإجماع له مخالف نادر فهو وإن لم يعتد به في الإجماع على ما فيه من الخلاف في محله لكنه يورث انحطاطه عن الإجماع الذي لا مخالف له فالأول ظني وهذا قطعي وبهذا يترجح ما قاله غير الأشعري من أن الإجماع هنا ظني لأنه اللائق بما قررناه من أن الحق عند الأصوليين التفضيل المذكور وكان الأشعري من الأكثرين القائلين بأنه قطعي مطلقا
و مما يؤكد أنه هنا ظني أن المجمعين أنفسهم لم يقطعوا بالأفضلية المذكورة وإنما ظنوها فقط كما هو المفهوم من عبارات الأئمة وإشاراتهم وسبب ذلك أن المسألة اجتهادية ومن مستنده أن هؤلاء الأربعة اختارهم الله لخلافة نبيه وإقامة دينه فكان الظاهر أن منزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة وأيضا ورد في أبي بكر وغيره كعلي نصوص متعارضة يأتي بسطها في الفضائل وهي لا تفيد القطع لأنها بأسرها آحاد وظنية الدلالة مع كونها متعارضة أيضا وليس الاختصاص بكثرة أسباب الثواب موجبا لزيادته المستلزمة للأفضلية قطعا بل ظنا

(1/174)


لأنه تفضل من الله فله أن لا يثيب المطيع ويثيب غيره وثبوت الإمامة وإن كان قطعيا لا يفيد القطع بالأفضلية بل غايته الظن كيف ولا قاطع على بطلان إمامة المفضول مع وجود الفاضل لكننا وجدنا السلف فضلوهم كذلك وحسن ظننا بهم قاض بأنهم لو لم يطلعوا على دليل في ذلك لما أطبقوا عليه فلزمنا اتباعهم فيه وتفويض ما هو الحق فيه إلى الله تعالى
قال الآمدي وقد يراد بالتفضيل اختصاص أحد الشيخين عن الآخر إما بأصل فضيلة لا وجود لها في الآخر كالعالم والجاهل وإما بزيادة فيها لكونه أعلم مثلا وذلك أيضا غير مقطوع به فيما بين الصحابة إذ ما من فضيلة تبين اختصاصها بواحد منهم إلا ويمكن بيان مشاركة غيره له فيها و بتقدير عدم المشاركة فقد يمكن بيان اختصاص الآخر بفضيلة أخرى ولا سبيل إلى الترجيح بكثرة الفضائل لاحتمال أن تكون الفضيلة الواحدة أرجح من فضائل كثيرة إما لزيادة شرفها في نفسها أو لزيادة كميتها فلا جزم بالأفضلية لهذا المعنى أيضا
و أيضا فحقيقة الفضل ما هو فضل عند الله وذلك لا يطلع عليه إلا بالوحي وقد ورد الثناء عليهم ولا يتحقق إدراك حقيقة ذلك الفضل عند عدم دليل قطعي متنا وسندا إلا المشاهدون لزمن الوحي وأحواله معهم لظهور القرائن الدالة على التفضيل حينئذ بخلاف من لم يشهد ذلك نعم وصل إلينا سمعيات أكدت عندنا الظن بذلك التفضيل على ذلك الترتيب لإفادتها له صريحا أو

(1/175)


استنباطا وستأتي مبسوطة في الفضائل
و يؤيد ما مر أنه لا يلزم من الإجماع على الأحقية بالخلافة من علي مع اختلافهم في أيهما أفضل وقد التبس هذا المقام على بعض من لا فطنة عنده فظن أن من قال من الأصوليين إن أفضلية أبي بكر إنما ثبتت بالظن لا بالقطع يدل على أن خلافته كذلك وليس كما زعم على أنهم كما صرحوا بذلك صرحوا معه بأن خلافته قطعية فكيف حينئذ يتأتى ما ظنه ذلك البعض هذا ولك أن تقول إن أفضلية أبي بكر ثبتت بالقطع حتى عند غير الأشعري أيضا بناء على معتقد الشيعة والرافضة وذلك لأنه ورد عن علي وهو معصوم عندهم والمعصوم لا يجوز عليه الكذب أن أبا بكر وعمر أفضل الأمة
قال الذهبي وقد تواتر ذلك عنه في خلافته وكرسي مملكته وبين الجم الغفير من شيعته ثم بسط الأسانيد الصحيحة في ذلك قال ويقال رواه عن علي نيف وثمانون نفسا وعدد منهم جماعة ثم قال فقبح الله الرافضة ما أجهلهم انتهى
و مما يعضد ذلك ما في البخاري عنه أنه قال خير الناس بعد النبي أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما ثم رجل آخر فقال ابنه محمد ابن الحنفية ثم أنت فقال إنما أنا رجل من المسلمين

(1/176)


و صحح الذهبي وغيره طرقا أخرى عن علي بذلك وفي بعضها ألا وإنه بلغني أن رجالا يفضلوني عليهما فمن وجدته فضلني عليهما فهو مفتر عليه ما على المفتري ألا ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت ألا وإني أكره العقوبة قبل التقدم
و أخرج الدارقطني عنه لا أجد أحدا فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري
و صح عن مالك عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر أن عليا رضي الله عنه وقف على عمر بن الخطاب وهو مسجى وقال ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أحدا أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى وفي رواية صحيحة أنه قال له وهو مسجى صلى الله عليك ودعا له
قال سفيان في رواية قيل للباقر أليست الصلاة على غير الأنبياء منهيا عنها فقال هكذا سمعت وعليه فيوجه باحتمال أن عليا قائل بعدم الكراهة عملا بقوله

(1/177)


اللهم صل على آل أبي أوفى
و أخرج أبو بكر الآجري عن أبي جحيفة سمعت عليا على منبر الكوفة يقول إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم خيرهم عمر
و أخرج الحافظ أبو ذر الهروي من طرق متنوعة والدارقطني وغيرهما عنه أيضا دخلت على علي في بيته فقلت يا خير الناس بعد رسول الله فقال مهلا يا أبا جحيفة ألا أخبرك بخير الناس بعد رسول الله أبو بكر وعمر ويحك يا أبا جحيفة لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن وأخباره بكونهما خير الأمة ثبتت عنه من رواية ابنه محمد بن الحنفية وجاء عنه من طرق كثيرة بحيث يجزم من تتبعها بصدور هذا القول من علي والرافضة ونحوهم لما لم يكن يمكنهم إنكار صدور هذا القول منه لظهوره عنه بحيث لا ينكره إلا جاهل بالآثار أو مباهت قالوا إنما قال علي ذلك تقية ومر أن ذلك كذب وافتراء وسيأتي أيضا وأحسن ما يقال في هذا المحل ألا لعنة الله على الكاذبين
و أخرج الدارقطني أن أبا جحيفة كان يرى أن عليا أفضل الأمة فسمع أقواما يخالفونه فحزن حزنا شديدا فقال له علي بعد أن أخذ بيده وأدخله بيته ما

(1/178)


أحزنك يا أبا جحيفة فذكر له الخبر فقال ألا أخبرك بخير هذه الأمة خيرها أبو بكر ثم عمر قال أبو جحيفة فأعطيت الله عهدا أن لا أكتم هذا الحديث بعد أن شافهني به علي ما بقيت
و قول الشيعة والرافضة ونحوهما إنما ذكر علي ذلك تقية كذب وافتراء على الله إذ كيف يتوهم ذلك من له أدنى عقل أو فهم مع ذكره له في الخلاء في مدة خلافته لأنه قاله على منبر الكوفة وهو لم يدخلها إلا بعد فراغه من حرب أهل البصرة وذلك أقوى ما كان أمرا وأنفذ حكما وذلك بعد مدة مديدة من موت أبي بكر وعمر
قال بعض أئمة أهل البيت النبوي بعد أن ذكر ذلك فكيف يتعقل وقوع مثل هذه التقية المشؤومة التي أفسدوا بها عقائد أكثر أهل البيت النبوي لإظهارهم لهم كمال المحبة والتعظيم فمالوا إلى تقليدهم حتى قال بعضهم أعز الأشياء في الدنيا شريف سني فلقد عظمت مصيبة أهل البيت بهؤلاء وعظم عليهم أولا وآخرا انتهى
و ما أحسن ما أبطل به الباقر هذه التقية المشؤومة لما سئل عن الشيخين فقال إني أتولاهما فقيل له إنهم يزعمون أن ذلك تقية فقال إنما يخاف الأحياء ولا

(1/179)


يخاف الأموات فعل الله بهشام بن عبد الملك كذا وكذا أخرجه الدارقطني وغيره فانظر ما أبين هذا الاحتجاج وأوضحه من مثل هذا الإمام العظيم المجمع على جلالته وفضله بل أولئك الأشقياء يدعون فيه العصمة فيكون ما قاله واجب الصدق ومع ذلك فقد صرح لهم ببطلان تلك التقية المشؤومة عليهم واستدل لهم على ذلك بأن اتقاء الشيخين بعد موتهما لا وجه له إذ لا سطوة لهما حينئذ ثم بين لهم بدعائه على هشام الذي هو والي زمنه وشوكته قائمة أنه إذا لم يتقه مع أنه يخاف يخشى لسطوته وملكه وقوته وقهره فكيف مع ذلك يتقي الأموات الذين لا شوكة لهم ولا سطوة وإذا كان هذا حال الباقر فما ظنك بعلي الذي لا نسبة بينه وبين الباقر في إقدامه وقوته وشجاعته وشدة بأسه وكثرة عدته وعدده وأنه لا يخاف في الله لومة لائم ومع ذلك فقد صح عنه بل تواتر كما مر مدح الشيخين والثناء عليهما وأنهما خير الأمة ومر أيضا الأثر الصحيح عن مالك عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر أن عليا وقف على عمر وهو مسجى بثوبه وقال ما سبق فما أحوج عليا أن يقول ذلك تقية وما أحوج الباقر أن يرويه لابنه الصادق تقية وما أحوج الصادق أن يرويه لمالك تقية فتأمل كيف يسع العاقل أن يترك مثل هذا الإسناد الصحيح ويحمله على التقية لشيء لم يصح وإنما هو من جهالاتهم وغباواتهم وكذبهم وحمقهم وما أحسن ما سلكه بعض الشيعة المنصفين كعبد الرزاق فإنه قال أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه وإلا لما فضلتهما كفى بي وزرا أن أحبه ثم أخالفه

(1/180)


و مما يكذبهم في دعوى تلك التقية المشؤومة عليهم ما أخرجه الدارقطني أن أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه قال لعلي بأعلى صوته لما بايع الناس أبا بكر رضي الله عنه يا علي غلبكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش أما والله لأملأنها عليه خيلا ورجالا إن شئت فقال علي رضي الله عنه يا عدو الإسلام وأهله فما أضر ذلك للإسلام وأهله فعلم بطلان ما زعموه وافتروه من أن عليا إنما بايع تقية وقهرا ولو كان لما زعموه من ذلك أدنى صحة لنقل واشتهر عن علي إذ لا داعي لكتمه بل أخرج الدارقطني وروى معناه من طرق كثيرة عن علي أنه قال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إلي رسول الله عهدا لجاهدت عليه ولو لم أجد إلا ردائي ولم أترك ابن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبره ولكنه رأى موضعي وموضعه فقال له قم فصل بالناس وتركني فرضينا به لدنيانا كما رضي به رسول الله لديننا ومر لذلك مزيد بيان في خامس الأجوبة عن خبر من كنت مولاه فعلي مولاه وفي الباب الثاني وفي غيرهما فراجع ذلك كله فإنه مهم
و مما يلزم من المفاسد والمساوئ والقبائح العظيمة على ما زعموه من نسبة علي إلى التقية أنه كان جبانا ذليلا مقهورا أعاذه الله من ذلك وحروبه للبغاة لما صارت الخلافة له ومباشرته ذلك بنفسه ومبارزته للألوف من الأمور المستفيضة

(1/181)


التي تقطع بكذب ما نسبه إليه أولئك الحمقى والغلاة إذ كانت الشوكة من البغاة قوية جدا ولا شك أن بني أمية كانوا أعظم قبائل قريش شوكة وكثرة جاهلية وإسلاما وقد كان أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه هو قائد المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب وغيرهما وقد قال لعلي لما بويع أبو بكر ما مر آنفا فرد عليه ذلك الرد الفاحش
و أيضا فبنو تيم ثم بنو عدي قوما الشيخين من أضعف قبائل قريش فسكوت علي لهما مع أنهما كما ذكر وقيامه بالسيف على المخالفين لما انعقدت البيعة له مع قوة شكيمتهم أوضح دليل على أنه كان دائرا مع الحق حيث دار وأنه من الشجاعة بالمحل الأسنى وأنه لو كان معه وصية من رسول الله في أمر القيام على الناس لأنفذ وصية رسول الله ولو كان السيف على رأسه مسلطا لا يرتاب في ذلك إلا من اعتقد فيه رضي الله عنه ما هو بريء منه
و مما يلزمهم أيضا على تلك التقية المشؤومة عليهم أنه رضي الله عنه لا يعتمد على قوله قط لأنه حيث لم يزل في اضطراب من أمره فكل ما قاله يحتمل أنه خالف فيه الحق خوفا وتقية ذكره شيخ الإسلام الغزالي قال غيره بل يلزمهم ما هو أشنع من ذلك واقبح كقولهم إن النبي لم يعين الإمامة إلا لعلي فمنع من ذلك فقال مروا أبا بكر تقية فيتطرق احتمال ذلك إلى كل ما جاء عنه ولا يفيد حينئذ إثبات العصمة شيئا
و أيضا فقد استفاض عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يبالي بأحد حتى قيل

(1/182)


للشافعي رضي الله عنه ما نفر الناس عن علي إلا أنه كان لا يبالي بأحد فقال الشافعي إنه كان زاهدا والزاهد لا يبالي بالدنيا وأهلها وكان عالما والعالم لا يبالي بأحد وكان شجاعا والشجاع لا يبالي بأحد وكان شريفا والشريف لا يبالي بأحد أخرجه البيهقي
و على تقدير أنه قال ذلك تقية فقد انتفى مقتضيها بولايته وقد مرعنه من مدح الشيخين فيها وفي الخلوة وعلى منبر الخلافة مع غاية القوة والمنعة ما تلي عليك قريبا فلا تغفل عنه
و أخرج أبو ذر الهروي والدارقطني من طرق أن بعضهم مر بنفر يسبون الشيخين فأخبر عليا وقال لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا ما اجترءوا على ذلك فقال علي أعوذ بالله رحمهما الله ثم نهض فأخذ بيد ذلك المخبر وأدخله المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء فجعلت دموعه تتحادر على لحيته وجعل ينظر البقاع حتى اجتمع الناس ثم خطب خطبة بليغة من جملتها ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين وأنا مما يذكرون بريء وعليه معاقب صحبا رسول الله بالجد والوفاء والجد في أمر الله يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان لا يرى رسول الله كرأيهما رأيا ولا يحب كحبهما حبا لما يرى من عزمهما في أمر الله فقبض وهو عنهما راض والمسلمون راضون فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله وأمره في حياته وبعد موته فقبضا على ذلك رحمهما الله

(1/183)


فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق حبهما قربة وبغضهما مروق
ثم ذكر أمر النبي لأبي بكر بالصلاة وهو يرى مكان علي ثم ذكر أنه بايع أبا بكر ثم ذكر استخلاف أبي بكر لعمر ثم قال ألا ولا يبلغني عن أحد أنه يبغضهما إلا جلدته حد المفتري
و في رواية وما اجترؤا على ذلك أي سب الشيخين إلا وهم يرون أنك موافق لهم منهم عبد الله بن سبأ وكان أول من أظهر ذلك فقال علي معاذ الله أن أضمر لهما ذلك لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل وسترى ذلك إن شاء الله تعالى ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيره إلى المدائن وقال لا يساكني في بلدة أبدا
قال الأئمة وكان ابن سبأ هذا يهوديا فأظهر الإسلام وكان كبير طائفة من الروافض وهم الذين أخرجهم علي رضي الله عنه لما ادعوا فيه الألوهية
و أخرج الدارقطني من طرق أن عليا بلغه أن رجلا يعيب أبا بكر وعمر فأحضره وعرض له بعيبهما لعله يعترف ففطن فقال له أما والذي بعث محمدا بالحق أن لو سمعت منك الذي بلغني أو الذي نبئت عنك وثبت عليك

(1/184)


ببيته لأفعلن بك كذا وكذا
إذا تقرر ذلك فاللائق بأهل البيت النبوي اتباع سلفهم في ذلك والإعراض مما يدسه إليهم الرافضة وغلاة الشيعة من قبائح الجهل والغباوة والعناد فالحذر الحذر عما يلقونه إليهم أن كل من اعتقد تفضيل أبي بكر على علي رضي الله عنهما كان كافرا لأن مرادهم بذلك أن يقرروا عندهم تكفير الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وعلماء الشريعة وعوامهم وأنه لا مؤمن غيرهم وهذا مؤد إلى هدم قواعد الشريعة من اصلها وإلغاء العمل بكتب السنة وما جاء عن النبي وعن صحابته وأهل بيته إذ الراوي لجميع آثارهم وأخبارهم وللأحاديث بأسرها بل والناقل للقرآن في كل عصر من عصر النبي وإلى هلم هم الصحابة والتابعون وعلماء الدين إذ ليس لنحو الرافضة رواية ولا دراية يدرون بها فروع الشريعة وإنما غاية أمرهم أن يقع في خلال بعض الأسانيد من هو رافضي أو نحوه والكلام في قبولهم معروف عند أئمة الأثر ونقاد السنة فإذا قدحوا فيهم قدحوا في القرآن والسنة وأبطلوا الشريعة رأسا

(1/185)


وصار الأمر كما في زمن الجاهلية الجهلاء فلعنة الله وأليم عقابه وعظائم نقمته على من يفتري على الله وعلى نبيه بما يؤدي إلى إبطال ملته وهدم شريعته وكيف يسع العاقل أن يعتقد كفر السواد الأعظم من أمة محمد مع إقرارهم بالشهادتين وقبلولهم لشريعة نبيهم محمد من غير موجب للتكفير وهب أن عليا أفضل من ابي بكر رضي الله عنهما في نفس الأمر أليس القائلون بأفضلية أب بكر معذورين لأنهم إنما قالوا بذلك لأدلة صرحت به هم مجتهدون والمجتهد إذا أخطأ له أجر فكيف يقال حينئذ بالتكفير وهو لا يكون إلا بإنكار مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة عنادا كالصوم والصلاة وأما ما يفتقر إلى نظر واستدلال فلا كفر بإنكاره وإن أجمع عليه على ما فيه من الخلاف
و انظر إلى إنصافنا معشر أهل السنة والجماعة الذين طهرنا الله من الرذائل والجهالات والعناد والتعصب والحمق والغباوة فإننا لم نكفر القائلين بأفضلية علي على أبي بكر وإن كان ذلك عندنا خلاف ما أجمعنا عليه في كل عصر منا إلى النبي على ما مر أول هذا الباب بل أقمنا لهم العذر المانع من التكفير ومن كفر الرافضة من الأمة فلأمور أخرى من قبائحهم انضمت إلى ذلك فالحذر الحذر من اعتقاد كفر من قلبه مملوء بالإيمان بغير مقتض تقليدا للجهال الضالة الغالية وتأمل ما صح وثبت عن علي وأهل بيته من تصريحهم بتفضيل الشيخين على علي فإن هؤلاء الحمقى وإن حملوه على التقية الباطلة المشؤومة عليهم فلا أقل من أن يكون عذرا لأهل السنة في اتباعهم لعلي وأهل بيته فيجتنب اعتقاد الكفر

(1/186)


فيهم فإنهم لم يشقوا عن قلب علي حتى يعلموا أن ذلك تقية بل قرائن أحواله وما كان عليه من عظيم الشجاعة والإقدام وأنه لا يهاب أحدا ولا يخشى في الله لومة لائم قاطعة بعدم التقية فلا أقل أن يجعلوا ذلك منهم شبهة لأهل السنة مانعة من اعتقادهم كفرهم سبحانك هذا بهتان عظيم
خاتمة
سئل شيخ الإسلام محقق عصره أبو زرعة الولي العراقي رحمه الله عمن اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكنه يحب أحدهم أكثر هل يأثم
فأجاب بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية فمن كان افضل كانت محبتنا الدينية له أكثر فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضا نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليا أكثر من أبي بكر مثلا فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه وأما بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر وهذا لا يجوز وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه

(1/187)


والصحيح الامتناع لما تقدم من قول علي رضي الله عنه لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر في قلب مؤمن يعرف ضعف ذلك عقلا ونقلا وأهل البيت مطهرون مبرؤون لا يصدر عنهم إلا المحبة والمودة انتهى

(1/188)


الفصل الثاني في ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه وحده وفيها آيات وأحاديث
أما الآيات
فالأولى قوله تعالى و سيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عند من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى الليل 21 - 17قال ابن الجوزي أجمعوا أنها نزلت في أبي بكر ففيها التصريح بأنه أتقى من سائر الأمة والأتقى هو الأكرم عند الله لقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم والأكرم عند الله هو الأفضل فنتج أنه افضل من بقية الأمة ولا يمكن حملها على علي خلافا لما افتراه بعض الجهلة لأن قوله و ما لأحد عنده من نعمة تجزى يصرفه عن حمله على علي لأن النبي رباه فله عليه نعمة أي نعمة تجزى وإذا خرج علي تعين أبو بكر للإجماع على أن ذلك الأتقى هو أحدهما لا غير
و أخرج ابن أبي حاتم والطبراني أن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله فأنزل الله قوله و سيجنبها الأتقى إلى آخر السورة

(1/189)


الآية الثانية قوله تعالى و الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى
اخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة أواق فأعتقه لله فأنزل الله هذه الآية أي إن سعي أبي بكر وأمية وأبي لمفترق فرقانا عظيما فشتان ما بينهما
الآية الثالثة قوله ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها
أجمع المسلمون على أن المراد بالصاحب هنا أبو بكر ومن ثم من أنكر صحبته كفر إجماعا
و أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن الضمير في فأنزل الله سكينته عليه لأبي بكر أي ولا ينافيه وأيده بجنود إرجاعا للضمير في كل إلى ما يليق به جلالة ابن عباس قاضية بأنه لولا علم في ذلك نصا لما حمل الآية عليه مع مخالفة ظاهرها له
الآية الرابعة قوله تعالى و الذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون
أخرج البزار وابن عساكر أن عليا رضي الله عنه قال في تفسيرها الذي جاء

(1/190)


بالحق هو محمد والذي صدق به أبو بكر قال ابن عساكر هكذا الرواية بالحق ولعلها قراءة لعلي
الآية الخامسة قوله تعالى و لمن خاف مقام ربه جنتان
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب أنها نزلت في أبي بكر
الآية السادسة قوله تعالى وشاورهم في الأمر
أخرج الحاكم عن ابن عباس أنها نزلت في أبي بكر وعمر ويؤيده الخبر الآتي إن الله أمرني أن أستشير أبا بكر
الآية السابعة قوله تعالى فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين
أخرج الطبراني عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أنها نزلت فيهما
الآية الثامنة قوله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد لما نزل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما قال أبو بكر يا رسول الله ما أنزل الله عليك خيرا إلا أشركنا فيه فنزل هو الذي يصلي

(1/191)


عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور
الآية التاسعة قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيآتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون
أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ذلك جميعه نزل في أبي بكر
و من تأمل ذلك وجد فيه من عظم المنقبة له والمنة عليه ما لم يوجد نظيره لأحد من الصحابة رضوان الله عليهم
الآية العاشرة قوله تعالى و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين
نزلت في أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم كما مر ذلك عن علي بن الحسين رضي الله عنهما
الآية الحادية عشرة قوله تعالى ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا

(1/192)


تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم
نزلت كما في البخاري وغيره عن عائشة في أبي بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح لكونه كان من جملة من رمى عائشة بالإفك الذي تولى الله سبحانه براءتها منه بالآيات التي أنزلها في شأنها ولما نزلت قال أبو بكر بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وعاد له بما كان يصنع أي ينفقه عليه
و في رواية للبخاري أيضا عنها في حديث الإفك الطويل وأنزل الله تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم العشر الآيات كلها فلما أنزل الله هذا في براءتي قال ابو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال في عائشة ما قال فأنزل الله ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة وذكرت الآية السابقة ثم قالت قال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا
تنبيه علم من حديث الإفك المشار إليه أن من نسب عائشة إلى الزنا كان كافرا وهو ما صرح به أئمتنا وغيرهم لأن في ذلك تكذيب النصوص القرآنية ومكذبها كافر بإجماع المسلمين وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الروافض

(1/193)


لأنهم ينسبونها إلى ذلك قاتلهم الله أنى يؤفكون
الآية الثانية عشرة قوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين الآية
أخرج ابن عساكر عن ابن عيينة قال عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله إلا أبا بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ إلا تنصروه فقد نصره الله الآية
و أما الأحاديث
فهي كثيرة مشهورة وقد مر في الفصل الثالث من الباب الأول منها جملة إذ الأربعة عشر السابقة ثم الدالة على خلافته وغيرها من رفيع شأنه وقدره غاية في كماله وغرة في فضائله وأفضاله فلذلك بنيت عليها في العد هنا فقلت
الحديث الخامس عشر أخرج الشيخان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سأل النبي فقال أي الناس أحب إليك قال عائشة فقلت من الرجال فقال أبوها فقلت ثم من فقال عمر بن الخطاب فعد رجالا وفي رواية لست أسألك عن أهلك إنما أسألك عن أصحابك
الحديث السادس عشر أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما كنا في زمن رسول الله لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان

(1/194)


ثم نترك أصحاب النبي لا نفاضل بينهم
و في رواية له أيضا كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله نخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان
و في رواية لأبي داود كنا نقول ورسول الله حي أفضل أمته بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان زاد الطبراني فبلغ ذلك رسول الله فلم ينكره
و في البخاري أيضا عن محمد ابن الحنفية قلت لأبي يعني عليا رضي الله عنهما أي الناس خير بعد رسول الله فقال أبو بكر فقلت ثم من قال عمر وخشيت أن يقول عثمان قلت ثم أنت قال ما أنا إلا واحد من المسلمين
و أخرج ابن عساكر عن ابن عمر كنا وفينا رسول الله نفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا
و أخرج أيضا عن أبي هريرة كنا معشر أصحاب رسول الله ونحن متوافرون نقول أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت

(1/195)


وأخرج الترمذي عن جابر أن عمر قال لأبي بكر يا خير الناس بعد رسول الله فقال أبو بكر أما أنك لو قلت ذلك فلقد سمعته يقول ما طلعت الشمس على خير من عمر ومر أنه تواتر عن علي خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وأنه قال لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري أخرجه ابن عساكر
و أخرج الترمذي والحاكم عن عمر قال ابو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله وابن عساكر أن عمر صعد المنبر ثم قال ألا إن افضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر فمن قال غير هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري
الحديث السابع عشر أخرج عبد بن حميد في مسنده وأبو نعيم وغيرهما من طرق عن أبي الدرداء أن رسول الله قال ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبيا وفي لفظ ما طلعت الشمس على أحد بعد النبيين والمرسلين افضل من أبي بكر وورد أيضا في حديث جابر

(1/196)


ولفظه ما طلعت الشمس على أحد منكم افضل منه
و أخرجه الطبراني وغيره وله شواهد من وجوه أخر تقضي له بالصحة أو الحسن وقد أشار ابن كثير إلى الحكم بصحته
الحديث الثامن عشر أخرج الطبراني عن أسعد بن زرارة أن رسول الله قال إن روح القدس جبريل أخبرني إن خير أمتك بعدك أبو بكر
الحديث التاسع عشر أخرج الطبراني وابن عدي عن سلمة بن الأكوع قال قال رسول الله أبو بكر خير الناس إلا أن يكون نبي
الحديث العشرون اخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر
الحديث الحادي والعشرون أخرج الديلمي عن عائشة أن رسول الله

(1/197)


قال أبو بكر مني وأنا منه وأبو بكر أخي في الدنيا والآخرة
الحديث الثاني والعشرون اخرج أبو داود والحاكم عن أبي هريرة أن النبي قال أتاني جبريل وأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي فقال أبو بكر وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه فقال أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي
الحديث الثالث والعشرون أخرج الطبراني عن سمرة أن النبي قال إن أبا بكر يؤول الرؤيا وإن رؤياه الصالحة حظه من النبوة أي نصيبه من آثار نبوة رسول الله المفاضة عليه لمزيد صدقه وتخليه لها عن سائر حظوظه وأغراضه وعظيم فنائه عن نفسه وأهله
الحديث الرابع والعشرون أخرج الديلمي عن سمرة أن رسول الله قال أمرت أن أولي الرؤيا أبا بكر
الحديث الخامس والعشرون أخرج أحمد والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال إنه ليس في الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر

(1/198)


خليلا ولكن خلة الإسلام افضل سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر
الحديث السادس والعشرون أخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لأبي بكر أنت عتيق من النار
الحديث السابع والعشرون عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال لأبي بكر أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار
الحديث الثامن والعشرون أخرج أبو يعلى في مسنده وابن سعد والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت إني لفي بيتي ذات يوم ورسول الله وأصحابه في الفناء والستر بيني وبينهم إذ أقبل أبو بكر فقال النبي من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر وإن اسمه الذي سماه أهله عبد الله فغلب عليه اسم عتيق
الحديث التاسع والعشرون أخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن

(1/199)


رسول الله قال لأبي بكر أيا أبا بكر أنت عتيق الله من النار فمن يومئذ سمي عتيقا
الحديث الثلاثون أخرج البزار والطبراني بسند جيد عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال كان اسم أبي بكر عبد الله فقال له النبي أنت عتيق الله من النار فسمي عتيقا
تنبيه يستفاد من هذه الأحاديث ما هو الأصح عند العلماء أن اسم أبي بكر عبد الله وأن لقبه عتيق
الحديث الحادي والثلاثون أخرج الحاكم بسند جيد أن عائشة قالت جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال وقال ذلك قالوا نعم فقال لقد صدق إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء غدوة وروحة فلذلك سمي الصديق
وورد هذا الحديث أيضا من حديث أنس وأبي هريرة وأم هانئ أسند الأولين ابن عساكر والثالث الطبراني
الحديث الثاني والثلاثون أخرج سعيد بن منصور في سننه عن أبي وهب

(1/200)


مولى أبي هريرة قال لما رجع رسول الله ليلة أسري به فكان بذي طوى فقال يا جبريل إن قومي لا يصدقوني فقال يصدقك أبو بكر وهو الصديق ووصله الطبراني في الأوسط عن أبي وهب عن أبي هريرة
و أخرج الحاكم عن النزال بن سبرة قلنا لعلي يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أبي بكر فقال ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان محمد لأنه خليفة رسول الله رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا إسناده جيد وصح عن حكم ابن سعيد سمعت عليا يحلف لأنزل الله اسم أبي بكر من السماء الصديق
الحديث الثالث والثلاثون أخرج الحاكم عن أنس أن النبي قال ما صحب النبين والمرسلين أجمعين ولا صاحب يس أفضل من أبي بكر
الحديث الرابع والثلاثون أخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا إن صاحبكم أي محمدا خليل الله
الحديث الخامس والثلاثون اخرج الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي عن

(1/201)


أبي هريرة أن النبي قال من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير لك فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة قال أبو بكر وهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها قال نعم وأرجو أن تكون منهم
الحديث السادس والثلاثون أخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره ولهذا الحديث تعلق تام ومناسبة ظاهرة بأحاديث الخلافة الأربعة عشر السابقة
الحديث السابع والثلاثون أخرج الشيخان وأحمد والترمذي عن أبي بكر أن رسول الله قال له في الغار يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما
الحديث الثامن والثلاثون اخرج عبدان المروزي وابن قانع عن

(1/202)


فهزاذ أن النبي قال يا أيها الناس احفظوني في أبي بكر فإنه لم يسؤني منذ صحبني
الحديث الحادي التاسع والثلاثون اخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد لا يرفعن أحد من هذه الأمة كتابة قبل أبي بكر
الحديث الأربعون أخرج الطبراني عن أبي أمامة أن رسول الله قال إن الله اتخذ لي خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وإن خليلي أبو بكر وفيه معارضته لما مر آنفا في رابع أحاديث الخلافة إلا أن يحمل ذاك على كمال الخلة وهذا على نوع منها
الحديث الحادي والأربعون أخرج الحارث والطبراني وابن شاهين عن معاذ أن النبي قال إن الله يكره فوق سمائه أن يخطئ أبو بكر في الأرض وفي رواية إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر رجاله ثقات

(1/203)


الحديث الثاني والأربعون أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعا ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته
الحديث الثالث والأربعون أخرج الطبراني عن معاذ أن النبي قال رأيت أني وضعت في كفة وأمتي في كفة فعدلتها ثم وضع أبو بكر في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم وضع عمر في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم وضع عثمان في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم رفع الميزان
الحديث الرابع والأربعون أخرج مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي أن رسول الله قال أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وستأتي تتمته
الحديث الخامس والأربعون أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة والضياء عن سعيد بن زيد أن رسول الله قال عشرة في الجنة النبي في الجنة وأبو بكر

(1/204)


في الجنة الحديث وستأتي تتمته أيضا
الحديث السادس والأربعون أخرج أحمد والضياء عن سعيد بن زيد والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي قال أبو بكر في الجنة الحديث وسيأتي بطوله
الحديث السابع والأربعون أخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله قال رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا من ماله وما نفعني مال في الإسلام ما نفعني مال أبي بكر وقوله حملني إلى دار الهجرة قد ينافيه حديث البخاري أنه لم يأخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن إلا أن يجمع بأنه أخذها أولا بالثمن ثم ابرأ أبو بكر ذمته للحديث وستأتي تتمته
الحديث الثامن والأربعون أخرج البخاري عن أبي الدرداء قال كنت جالسا

(1/205)


عند النبي إذ اقبل أبو بكر فسلم وقال إني كان بيني وبين عمر بن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال يغفر الله لك يا أبا بكر يغفر الله لك يا أبا بكر يغفر الله لك يا أبا بكر ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فلم يجده فأتى النبي فسلم فجعل وجه النبي يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال يا رسول الله أنا كنت أظلم منه أنا كنت أظلم منه فقال النبي إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي فهل أنتم تاركو لي صاحبي فما أوذي أبو بكر بعدها
و اخرج ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما نحوه وفيه فقال رسول الله لا تؤذوني في صاحبي فإن الله بعثني بالهدى ودين الحق فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت ولولا أن الله سماه صاحبا لاتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام
الحديث التاسع والأربعون أخرج ابن عساكر عن المقدام قال استب عقيل ابن أبي طالب وأبو بكر قال وكان أبو بكر سبابا أو نسابا غير أنه تحرج من قرابة

(1/206)


عقيل من النبي فأعرض عنه وشكاه إلى النبي فقام رسول الله عن الناس فقال ألا تدعون لي صاحبي ما شأنكم وشأنه فوالله ما منكم رجل إلا على باب بيته ظلمة إلا باب أبي بكر فإن على بابه النور ولقد قلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وأمسكتم الأموال وجاد لي بماله وخذلتموني وواساني واتبعني
الحديث الخمسون أخرج البخاري عن ابن عمر قال رسول الله من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله إنك لست تصنع ذلك خيلاء
الحديث الحادي والخمسون أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر أنا قال فمن تبع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر أنا قال فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر أنا فقال رسول الله ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة وفي رواية عن أنس وجبت لك الجنة

(1/207)


الحديث الثاني والخمسون اخرج البزار عن عبد الرحمن بن ابي بكر رضي الله عنهما قال صلى رسول الله صلاة الصبح ثم اقبل على أصحابه بوجهه فقال من أصبح منكم اليوم صائما فقال عمر يا رسول الله لم أحدث نفسي بالصوم البارحة فأصبحت مفطرا فقال أبو بكر ولكن حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائما فقال هل منكم أحد اليوم عاد مريضا فقال عمر يا رسول الله لم نبرح فكيف نعود المريض فقال أبو بكر بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاك فجعلت طريقي عليه لأنظر كيف أصبح فقال هل منكم من أطعم اليوم مسكينا فقال عمر صلينا يا رسول الله لم نبرح فقال أبو بكر دخلت المسجد فإذا سائل فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه فقال أنت فأبشر بالجنة ثم قال كلمة أرضى بها عمر زعم أنه لم يرد خيرا قط إلا سبقه إليه أبو بكر كذا لفظ هذا الحديث في النسخة التي رايتها وفيه ما يحتاج إلى التأمل
و اخرج أبو يعلى عن ابن مسعود قال كنت في المسجد أصلي فدخل رسول الله ومعه أبو بكر وعمر فوجدني أدعو فقال سل تعطه ثم قال من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا فليقرأ بقراءة ابن أم عبد فرجعت إلى منزلي فأتاني أبو بكر فبشرني ثم أتاني عمر فوجد أبا بكر خارجا قد سبقه فقال

(1/208)


إنك لسباق بالخير
الحديث الثالث والخمسون أخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي قال جرى بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها وندم فقال لي يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصا فقلت لا افعل فقال أبو بكر لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله قلت ما أنا بفاعل فانطلق أبو بكر إلى النبي فانطلقت أتلوه وجاء الناس من اسلم فقالوا رحم الله أبا بكر أي شيء يستعدي عليك وهو الذي قال لك ما قال فقلت أتدرون من هذا هذا أبو بكر هذا ثاني اثنين وهذا ذو شيبة المسلمين إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله فيغضب لغضبه فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة قالوا فما تأمرنا قلت ارجعوا وانطلق أبو بكر وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله فحدثه الحديث كما كان فرفع إلي رأسه فقال يا ربيعة ما لك والصديق فقلت يا رسول الله كان كذا وكذا فقال لي كلمة كرهتها فقال لي قل لي كما قلت لك حتى يكون قصاصا فأبيت فقال رسول الله أجل لا ترد عليه ولكن قل غفر الله لك يا أبا بكر فقلت غفر الله لك يا أبا بكر

(1/209)


الحديث الرابع والخمسون أخرج الترمذي عن ابن عمر وحسنه أن رسول الله قال لأبي بكر أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار ومؤنسي في الغار
الحديث الخامس والخمسون أخرج البيهقي عن حذيفة قال قال رسول الله إن في الجنة طيرا كأمثال البخاتي قال أبو بكر إنها لناعمة يا رسول الله قال أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس أيضا
الحديث السادس والخمسون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمي محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي
وورد هذا الحديث أيضا من رواية ابن عباس وابن عمر وأنس وأبي سعيد وأبي الدرداء رضي الله عنهم وأسانيدها كلها ضعيفة لكنها ترتقي بمجموعها إلى درجة الحسن
الحديث السابع والخمسون أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن سعيد بن جبير قال قرئت عند النبي يا أيتها النفس المطمئنة فقال أبو

(1/210)


بكر يا رسول الله إن هذا لحسن فقال رسول الله أما إن الملك سيقولها لك عند الموت
الحديث الثامن والخمسون أخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال لما نزلت ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم قال أبو بكر يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت قال صدقت
الحديث التاسع والخمسون أخرج الطبراني في الكبير وابن شاهين في السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما موصولا وأبو القاسم البغوي قال حدثنا داود بن عمرو حدثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة وتابعه وكيع عن عبد الجبار بن الورد أخرجه ابن عساكر وعبد الجبار ثقة وشيخه ابن أبي مليكة إمام إلا أنه من هذه الطريق مرسل قال دخل رسول الله وأصحابه غديرا فقال ليسبح كل رجل إلى صاحبه فسبح كل رجل منهم إلى صاحبه حتى بقي رسول الله وأبو بكر فسبح رسول الله إلى أبي بكر حتى اعتنقه فقال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه صاحبي

(1/211)


الحديث الستون اخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق وابن عساكر من طريق صدقة بن ميمون القرشي عن سليمان بن يسار قال قال رسول الله خصال الخير ثلاثمائة وستون خصلة إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه خصلة منها بها يدخل الجنة فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله أفي شيء منها قال نعم جميعا من كل
و اخرج ابن عساكر من طريق آخر أنه قال خصال الخير ثلاثمائة وستون فقال أبو بكر يا رسول الله لي منها شيء قال كلها فيك فهنيئا لك يا أبا بكر
الحديث الحادي والستون اخرج ابن عساكر من طريق مجمع الأنصاري عن أبيه قال إن كانت حلقة رسول الله لتشتبك حتى تصير كالإسوار وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد من الناس فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس وأقبل عليه النبي بوجهه وألقى إليه حديثه ويسمع الناس
الحديث الثاني والستون أخرج ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله حب أبي بكر وشكره واجب على كل أمتي

(1/212)


و اخرج مثله من حديث سهل بن سعد
الحديث الثالث والستون أخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر
الحديث الرابع والستون اخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله
و أخرج أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا مثله قال ابن كثير مروي أيضا من حديث علي وابن عباس وأنس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم
و أخرجه الخطيب عن ابن المسيب مرسلا وزاد وكان رسول الله يقضي في مال ابي بكر كما يقضي في مال نفسه

(1/213)


و اخرج ابن عساكر من طرق عن عائشة وعروة رضي الله عنهما أن أبا بكر اسلم يوم أسلم له أربعون ألف دينار وفي لفظ أربعون ألف درهم فأنفقها على رسول الله
الحديث الخامس والستون أخرج البغوي وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنت عند النبي وعنده ابو بكر الصديق وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل عليه جبريل فقال يا محمد مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فقال يا جبريل أنفق ماله علي قبل الفتح قال فإن الله يقرأ عليه السلام ويقول قل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط فقال أبو بكر أسخط على ربي أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض وسنده غريب ضعيف جدا
و اخرج أبو نعيم عن أبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهم مثله وسندهما ضعيف أيضا وابن عساكر نحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
و أخرج الخطيب بسند واه عن ابن عباس عن النبي قال هبط جبريل عليه السلام وعليه طنفسة متخلل بها فقلت يا جبريل ما هذا قال إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء لتخلل أبي بكر في الأرض

(1/214)


قال ابن كثير وهذا منكر جدا ولولا أن هذا والذي قبله يتداوله كثير من الناس لكان الإعراض عنهما أولى
الحديث السادس والستون صح عن عمر أنه قال أمرنا رسول الله أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ما أبقيت لأهلك قلت مثله فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا اسبقه إلى شيء أبدا
الحديث السابع والستون أخرج ابن عساكر أنه قيل لأبي بكر في مجمع من الصحابة هل شربت الخمر في الجاهلية فقال أعوذ بالله فقيل ولم قال كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي فإن من شرب الخمر كان مضيعا في عرضه ومروءته فبلغ ذلك رسول الله فقال صدق أبو بكر صدق أبو بكر وهو مرسل غريب سندا ومتنا
و أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة قالت والله ما قال أبو بكر شعرا قط في جاهلية ولا إسلام ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية

(1/215)


و أخرج أبو نعيم بسند جيد عنها قالت لقد حرم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية
الحديث الثامن والستون أخرج أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال ما كلمت في الإسلام أحدا إلا أبي علي وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه
و في رواية لابن إسحاق ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عتم أي تلبث عنه حين ذكرته وما تردد فيه
قال البيهقي وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول الله ويسمع آثاره قبل دعوته فحين دعاه كان سبق له فيه تفكر ونظر فأسلم في الحال
و يؤيد ما قاله ما أخرجه أبو نعيم عن فرات بن السائب قال سألت ميمون بن مهران علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر قال فارتعد حتى سقطت عصاه من يده ثم قال ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما لله درهما كانا رأس الإسلام قلت فأبو بكر كان أول إسلاما أو علي قال والله لقد آمن أبو بكر بالنبي زمن بحيرا الراهب حين مر به واختلف فيما بينه وبين خديجة حتى

(1/216)


أنكحها إياه وذلك كله قبل أن يولد علي
و صح عن زيد بن أرقم أول من صلى مع النبي أبو بكر
الحديث التاسع والستون وأخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أبي بكر أنه قال ألست أحق الناس بها أي الخلافة ألست أول من اسلم الحديث
و الطبراني في الكبير وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الشعبي قال سألت ابن عباس أي الناس كان أول إسلاما قال أبو بكر ألم تسمع إلى قول حسان
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلى النبي وأوفاها بما حملا
و الثاني التالي المحمود مشهده ... و أول الناس منهم صدق الرسلا

(1/217)


و من ثم ذهب خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى أنه أول الناس إسلاما بل ادعى بعضهم عليه الإجماع
و جمع بين هذا وغيره من الأحاديث المنافية له بأنه أول الرجال إسلاما وخديجة أول الناس في النساء وعلي أول الصبيان وزيد أول الموالي وبلال أول الأرقاء وخالف في ذلك ابن كثير فقال الظاهر أن أهل بيته آمنوا قبل كل أحد زوجته خديجة ومولاه زيد وزوجته أم أيمن وعلي وورقة ويؤيده ما صح عن سعد بن أبي وقاص أنه اسلم قبله أكثر من خمسة قال ولكن كان خيرنا إسلاما
الحديث السبعون أخرج أبو يعلى وأحمد والحاكم عن علي قال قال لي رسول الله يوم بدر ولأبي بكر مع أحد كما جبريل ومع الآخر ميكائيل
الحديث الحادي والسبعون أخرج تمام في فوائده وابن عساكر عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله يقول أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر

(1/218)


الفصل الثالث في ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه مع ضميمة غيره كعمر وعثمان وعلي وغيرهم إليه
و أفردت بترجمة لما بينها وبين الأولى من نوع مغايرة باعتبار السياق وأما من حيث إفادتها أفضلية أبي بكر وتشريفه فهي مع ما قبلها جنس واحد فلذا بنيت عدها على عد الأولى فقلت
الحديث الثاني والسبعون أخرج الحاكم في الكنى وابن عدي في الكامل والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة أن رسول الله قال أبو بكر وعمر خير الأولين والآخرين وخير أهل السموات وخير أهل الأرض إلا النبيين والمرسلين
الحديث الثالث والسبعون أخرج الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فإنهما حبل الله الممدود من تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وله طرق أخرى مرت في أحاديث الخلافة

(1/219)


الحديث الرابع والسبعون أخرج أبو نعيم أن رسول الله قال إذا أنا مت وأبو بكر وعمر وعثمان فإن استطعت أن تموت فمت
الحديث الخامس والسبعون أخرج البخاري في تاريخه والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي قال نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر
الحديث السادس والسبعون اخرج الترمذي عن أبي سعيد أن النبي قال ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر
الحديث السابع والسبعون أخرج أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول وبينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منه شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث قال الناس سبحان الله قال النبي

(1/220)


فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر وما ثم أبو بكر وعمر
أي لم يكونا في المجلس شهد لهما بالإيمان لعلمه بكمال إيمانهما
و في رواية بينا رجل راكب على بقرة فالتفتت إليه فقالت له لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وبينا رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلبه حتى استنقذها منه فقال له الذئب استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر
الحديث الثامن والسبعون أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد والطبراني عن جابر بن سمرة وابن عساكر عن ابن عمر وعن أبي هريرة أن النبي ص قال إن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما

(1/221)


الحديث التاسع والسبعون اخرج ابن عساكر عن أبي سعيد إن أهل عليين ليشرف أحدهم على الجنة فيضيء وجهه لأهل الجنة كما يضيء القمر ليلة البدر لأهل الدنيا وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما
الحديث الثمانون أخرج أحمد والترمذي عن علي وابن ماجة عنه أيضا وعن أبي جحيفة أبو يعلى في مسنده والضياء في المختارة عن أنس والطبراني في الأوسط عن جابر وعن أبي سعيد أن رسول الله قال هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين يعني أيا بكر وعمر
و في الباب عن ابن عباس وابن عمر
الحديث الحادي والثمانون أخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن حنطب أن رسول الله رأى أبا بكر وعمر فقال هذان

(1/222)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية