صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الصواعق المحرقة - إبن حجر الهيتمي ]
الكتاب : الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة
المؤلف : أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي إبن حجر الهيتمي
الناشر : مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1997
تحقيق : عبدالرحمن بن عبدالله التركي وكامل محمد الخراط
عدد الأجزاء : 2

الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي

(1/1)


فالمقدمات
المقدمة الأولى
اعلم أن الحامل الداعي لي على التأليف في ذلك وإن كنت قاصرا عن حقائق ما هنالك ما أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع وغيره أنه قال إذا ظهرت الفتن أو قال البدع وسبت أصحابي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا
و ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي

(1/7)


قال ما ظهر أهل بدعة إلا أظهر الله فيهم حجته على لسان من شاء من خلقه
و أخرج أبو نعيم أهل البدع شر الخلق والخليقة قيل هما مترادفان وقيل المراد بالأول البهائم وبالثاني الناس
و أخرج أبو حاتم الخزاعي في جزئه أصحاب البدع كلاب النار
و الرافعي عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة

(1/8)


والطبراني من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام
و البيهقي وابن أبي عاصم في السنة أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته
و الخطيب والديلمي إذا مات صاحب بدعة فقد فتح في الإسلام فتح

(1/9)


و الطبراني والبيهقي والضياء إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة
و الطبراني إن الإسلام يشيع ثم يكون له فترة فمن كانت فترته إلى غلو وبدعة فأولئك أهل النار
و البيهقي لا يقبل الله لصاحب بدعة صلاة ولا صوما ولا صدقة ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين وسيتلى عليك ما تعلم منه علما قطعيا أن الرافضة والشيعة ونحوهما من

(1/10)


أكابر أهل البدعة فيتناولهم هذا الوعيد الذي في هذه الأحاديث على أنه ورد فيهم أحاديث بخصوصهم
و أخرج المحاملي والطبراني والحاكم عن عويم بن ساعدة أنه قال إن الله اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا
و الخطيب عن أنس إن الله اختارني واختار لي أصحابا واختار لي منهم أصهارا وأنصارا فمن حفظني فيهم حفظه الله ومن آذاني فيهم آذاه الله
و أخرج العقيلي في الضعفاء عن أنس إن الله اختارني واختار لي أصحابا وأصهارا وسيأتي قوم يسبونهم ويتنقصونهم فلا تجالسوهم ولا

(1/11)


تشاربوهم ولا تؤاكلوهم ولا تناكحوهم
و أخرج البغوي والطبراني وأبو نعيم في المعرفة وابن عساكر عن عياض الأنصاري احفظوني في أصحابي وأصهاري وأنصاري فمن حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله منه ومن تخلى الله منه يوشك أن يأخذه
و أخرج أبو ذر الهروي نحوه عن جابر والحسن بن علي وابن عمر رضي الله عنهما
و أخرج هو والذهبي عن ابن عباس رضي الله عنهم مرفوعا يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام فاقتلوهم فإنهم

(1/12)


مشركون وأخرج أيضا عن إبراهيم بن حسن بن حسي بن علي عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال رسول الله يظهر في أمتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام
و أخرج الدارقطني عن علي عن النبي قال سيأتي من بعدي قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون قال قلت يا رسول الله ما العلامة فيهم قال يقرظونك بما ليس فيك ويطعنون على السلف
و أخرجه عنه من طريق أخرى نحوه وكذلك من طريق أخرى وزاد عنه

(1/13)


ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما
و أخرج أيضا من طرق عن فاطمة الزهراء وعن أم سلمة رضي الله عنهما نحوه قال ولهذا الحديث عندنا طرق كثيرة
وروى الطبراني عن ابن عباس من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وعن علي رضي الله عنه من سب الأنبياء قتل ومن سب أصحابي جلد
و الديلمي عن أنس إذا أراد الله برجل من أمتي خيرا ألقى حب أصحابي في قلبه
و الترمذي عن عبد الله بن مغفل الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن احبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم

(1/14)


فقد أذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه
و الخطيب عن ابن عمر إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم
و ابن عدي عن عائشة إن شرار أمتي أجرؤهم على أصحابي
وابن ماجه عن عمر احفظوني في أصحابي ثم الذين يلونهم 000 الحديث
و الشيرازي في الألقاب عن أبي سعيد احفظوني في أصحابي فمن حفظني فيهم كان عليه من الله حافظ ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله منه ومن تخلى الله منه يوشك أن يأخذه
و الخطيب عن جابر والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة إن الناس

(1/15)


يكثرون وأصحابي يقلون فلا تسبوا أصحابي فمن سبهم فعليه لعنة الله
روى الحاكم عن أبي سعيد أما إنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم
و أخرج ابن عساكر عن الحسن مرسلا ما شأنكم وشأن أصحابي ذروا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مثل عمل أحدهم يوما واحدا
و أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه
و أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود لا يبلغني أحد عن أصحابي

(1/16)


شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر
و أحمد عن أنس دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبا ما بلغتم أعمالهم
و الدارقطني من حفظني في أصحابي ورد علي الحوض ومن لم يحفظني في أصحابي لم يرد علي الحوض ولم يرني
و الطبراني والحاكم عن عبد الله بن بسر طوبى لمن رآني وآمن بي طوبى لمن رأى من رآني ولمن رأى من رأى من رآني وآمن بي طوبى لهم وحسن مآب وعبد بن حميد عن أبي سعيد وابن عساكر عن واثلة طوبى لمن

(1/17)


رآني ولمن رأى من رأى من رآني
و الطبراني عن ابن عمر لعن الله من سب أصحابي
و الترمذي والضياء عن بريدة ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة
و أبو يعلى عن أنس مثل أصحابي في أمتي مثل الملح في الطعام لا

(1/18)


يصلح الطعام إلا بالملح
و أحمد ومسلم عن أبي موسى النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون
و الترمذي والضياء عن جابر لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني
و الترمذي والحاكم خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الحديث
و الطبراني والحاكم عن جعدة بن هبيرة خير الناس قرني الذي أنا فيه ثم

(1/19)


الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والآخرون أراذل
ومسلم عن أبي هريرة خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الحديث
و الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء خير أمتي أولها وآخرها وفي وسطها الكدر
و أبو نعيم في الحلية مرسلا خير هذه الأمة أولها وآخرها أولها فيهم رسول الله وآخرها فيهم عيسى ابن مريم وبين ذلك نهج أعوج ليسوا مني ولست منهم
و الطبراني عن ابن مسعود خير الناس قرني ثم الثاني ثم الثالث ثم يجيء قوم لا خير فيهم

(1/20)


و ابن ماجه عن أنس أمتي على خمس طبقات فأربعون سنة أهل بر وتقوى ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة أهل تواصل وتراحم ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع ثم الهرج والمرج النجا النجا
و له عنه أيضا كل طبقة أربعون فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى ثم ذكر نحوه
و الحسن بن سفيان وابن مندة وأبو نعيم في المعرفة عن دارم التميمي الطبقة الأولى أنا ومن معي أهل علم ويقين إلى الأربعين والطبقة الثانية أهل بر وتقوى إلى الثمانين والطبقة الثالثة أهل تراحم وتواصل إلى العشرين ومائة والطبقة الرابعة أهل تقاطع وتظالم إلى الستين ومائة والطبقة الخامسة أهل هرج ومرج إلى المائتين ولابن عساكر مثله إلا أنه قال فطبقتي وطبقة أصحابي أهل العلم والإيمان وقال بدل المرج الحروب
و كفى فخرا لهم أن الله تبارك وتعالى شهد لهم بأنهم خير الناس حيث قال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس فإنهم أول داخل في هذا الخطاب كذلك شهد لهم رسول الله بقوله في الحديث المتفق على صحته خير القرون قرني ولا مقام أعظم من مقام قوم ارتضاهم الله عز و جل لصحبة نبيه

(1/21)


ونصرته وقال تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم الآية وقال تعالى و السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه
فتأمل ذلك فإنك تنجو من قبيح ما اختلقته الرافضة عليهم مما هم بريئون منه كما سيأتي بسط ذلك وإيضاحه فالحذر الحذر من اعتقاد أدنى شائبة من شوائب النقص فيهم معاذ الله لم يختر الله لأكمل أنبيائه إلا أكمل من عداهم من بقية الأمم كما أعلمنا ذلك بقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس
ومما يرشدك إلى أن ما نسبوه إليهم كذب مختلق عليهم أنهم لم ينقلوا شيئا منه بإسناد عرفت رجاله ولا عدلت نقلته وإنما هو شيء من إفكهم وحمقهم وجهلهم وافترائهم على الله سبحانه وتعالى فإياك أن تدع الصحيح وتتبع السقيم ميلا إلى الهوى والعصبية وسيتلى عليك عن علي كرم الله وجهه وعن أكابر أهل بيته من تعظيم الصحابة سيما الشيخان وعثمان وبقية العشرة المبشرين بالجنة ما فيه مقنع لمن الهم رشده
و كيف يسوغ لمن هو من العترة النبوية أو من المتمسكين بحبلهم أن يعدل عما تواتر عن إمامهم علي رضي الله عنه من قوله إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وزعم الرافضة لعنهم الله أن ذلك تقية سيتكرر عليك رده

(1/22)


وبيان بطلانه وأن ذلك أدى بعض الرافضة إلى أن كفر عليا قال لأنه أعان الكفار على كفرهم فقاتلهم الله ما أحمقهم وأجهلهم
وروى الطبراني وغيره عن علي رضي الله عنه الله الله في أصحاب نبيكم فإنه أوصى بهم خيرا

(1/23)


المقدمة الثانية
اعلم أيضا أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع المذكور ولتلك الأهمية لما توفي رسول الله قام أبو بكر رضي الله عنه خطيبا كما سيأتي فقال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ولا بد لهذا الأمر ممن يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم فقالوا صدقت ننظر فيه
ثم ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند أكثر المعتزلة بالسمع أي من جهة التواتر والإجماع المذكور وقال كثير بالعقل ووجه ذلك الوجوب أنه أمر بإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحفظ بيضة الإسلام وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وإن كان مقدورا فهو واجب ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى ودفع مضار لا تستقصى وكل ما كان كذلك يكون واجبا
أما الصغرى على ما في شرح المقاصد فتكاد تلحق بالضروريات بل

(1/25)


بالمشاهدات بشهادة ما نراه من الفتن والفساد وانفصام أمور العباد بمجرد موت الإمام وإن لم يكن على ما ينبغي من الصلاح والسداد
و أما الكبرى فبالإجماع عندنا وبالضرورة عند من قال بالوجوب عقلا من المعتزلة كابي الحسين والجاحظ والخياط والكعبي وأما مخالفة الخوارج ونحوهم في الوجوب فلا يعتد بها لأن مخالفتهم كسائر المبتدعة لا تقدح في الإجماع ولا تخل بما يفيده من القطع بالحكم المجمع عليه ودعوى أن في نصبه ضررا من حيث إن إلزام من هو مثله بامتثال أوامره فيه إضرار به فيؤدي إلى الفتنة ومن حيث إنه غير معصوم من نحو الكفر والفسوق فإن لم يعتزل أضر بالناس وإن عزل أدى إلى محاربته وفيها ضرر أي ضرر باطلة لا ينظر إليها لأن الإضرار اللازم من ترك نصبه أعظم وأقبح بل لا نسبة بينهما ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب وفرض انتظام حال الناس بدون إمام محال عادة كما هو مشاهد

(1/26)


المقدمة الثالثة
الإمامة تثبت إما بنص من الإمام على استخلاف واحد من أهلها وإما بعقدها من أهل الحل والعقد لمن عقدت له من أهلها كما سيأتي بيان ذلك في الأبواب وإما بغير ذلك كما هو مبين في محله من كتب الفقهاء وغيرهم
و اعلم أنه يجوز نصب المفضول مع وجود من هو افضل منه لإجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على إمامة بعض من قريش مع وجود افضل منهم ولأن عمر رضي الله عنه جعل الخلافة بين ستة من العشرة منهم عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما وهما افضل أهل زمانهما بعد عمر فلو تعين الأفضل لعين عمر عثمان فدل عدم تعيينه أنه يجوز نصب غير عثمان وعلي مع وجودهما والمعنى في ذلك أن غير الأفضل قد يكون أقدر منه على القيام بمصالح الدين وأعرف بتدبير الملك وأوفق لانتظام حال الرعية وأوثق في اندفاع الفتنة واشتراط العصمة في الإمام وكونه هاشميا وظهور معجزة على يديه يعلم بها صدقه من خرافات نحو الشيعة وجهالاتهم لما سيأتي بيانه وإيضاحه من حقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم مع انتفاء ذلك فيهم
و من جهالاتهم أيضا قولهم إن غير المعصوم يسمى ظالما فيتناوله قوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين

(1/27)


و ليس كما زعموا إذ الظالم لغة من يضع الشيء في غير محله وشرعا العاصي وغير المعصوم قد يكون محفوظا فلا يصدر عنه ذنب أو يصدر عنه ويتوب منه حالا توبة نصوحا فالآية لا تتناوله وإنما تتناول العاصي على أن العهد في الآية كما يحتمل أن يراد به الإمامة العظمى يحتمل أيضا أن المراد به النبوة أو الإمامة في الدين أو نحوهما من مراتب الكمال وهذه الجهالة منهم إنما اخترعوها ليبنوا عليها بطلان خلافة غير علي وسيأتي ما يرد عليهم ويبين عنادهم وجهلهم وضلالهم نعوذ بالله من الفتن والمحن آمين

(1/28)


الباب الأول في بيان كيفية خلافة الصديق رضي الله عنه والاستدلال على حقيتها بالأدلة النقلية والعقلية وما يتبع ذلك وفيه فصول

(1/29)


الفصل الأول في بيان كيفيتها
روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتد به أن عمر رضي الله عنه خطب الناس مرجعه من الحج فقال في خطبته قد بلغني أن قائلا منكم يقول لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ألا وإنها كذلك إلا أن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر وإنه كان من خيارنا حين توفي رسول الله إن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة وتخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم أي نقصدهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم قالا أين تريدون يا معشر المهاجرين فقلنا نريد إخواننا من الأنصار فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت والله لنأتينهم فانطلقا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا قالوا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال أما بعد فنحن أنصار

(1/31)


الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة منكم أي دب قوم منكم بالاستعلاء والترفع علينا تريدون أن تخذلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر أي تنحونا منه وتستبدون به دوننا فلما سكت أردت أن أتكلم وقد كنت زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر وقد كنت أداري منه بعض الحد وهو كان أحلم مني وأوقر فقال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وافضل حتى سكت فقال أما بعد فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح فلم أكره ما قال غيرها ولأن والله أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر فقال قائل من الأنصار أي هو الحباب بمهملة مضمومة فموحدة ابن المنذر أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أي أنا الذي يشتفى برأيي وتدبيري وأمنع بجلدتي ولحمتي كل نائبة تنوبهم كما دل على ذلك ما في كلامه من الاستعارة بالكناية المخيل لها بذكر ما يلائم المشبه به إذ موضوع الجذيل المحكك وهو بجيم فمعجمة تصغير جذل عود ينصب في العطن لتحتك به الإبل الجرباء والتصغير للتعظيم والعذق بفتح العين النخلة بحملها فاستعارها لما

(1/32)


ذكرناه والمرجب بالجيم وغلط من قال بالحاء من قولهم نخلة رجبية وترجيبها ضم أعذاقها إلى سعفاتها وشدها بالخوص لئلا ينفضها الريح أو يصل إليها آكل منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش وكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته ثم بايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى وإما أن نخالفهم فيكون فيه فساد وفي رواية أن أبا بكر احتج على الأنصار بخبر الأئمة من قريش وهو حديث صحيح ورد من طرق عن نحو أربعين صحابيا
و أخرج النسائي وأبو يعلى والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال لما قبض رسول الله قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب فقال يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس وأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقال الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر

(1/33)


و أخرج ابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أنهم لما اجتمعوا بالسقيفة بدار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله كان إذا استعمل الرجل منكم يقرن معه رجلا منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم فتتابعت خطباؤهم على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال أتعلمون أن رسول الله كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين ونحن كنا أنصار رسول الله فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره ثم أخذ بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعه عمر ثم بايعه المهاجرون والأنصار وصعد أبو بكر المنبر ونظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعا به فجاء فقال قلت ابن عمة رسول الله وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا به فجاء فقال قلت ابن عم رسول الله وختنه على بنته أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه
وروى ابن إسحاق عن أنس أنه لما بويع في السقيفة جلس الغد على المنبر فقام عمر فتكلم قبله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ما هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم

(1/34)


ولست بخيركم فإن أحسنت فأعيونني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله تعالى لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطلعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله
وأخرج موسى بن عقبة في مغازية والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال خطب أبو بكر رضي الله عنه فقال والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط ولا كنت راغبا فيها ولا سألتها الله في سر ولا علانية ولكني أشفقت من الفتنة ومالي في الإمارة من راحة لقد قلدت أمرا عظيما مالي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله فقال علي والزبير ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله بالصلاة بالناس وهو حي
و أخرج ابن سعد عن إبراهيم التيمي أن عمر أتى أبا عبيدة أولا ليبايعه وقال إنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله فقال له ما رأيت لك فهة أي ضعف رأي قبلها منذ أسلمت أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين
و أخرج أيضا أن أبا بكر قال لعمر ابسط يدك لأبايعك فقال له أنت أفضل

(1/35)


مني فأجابه بأنت أقوى مني ثم كرر ذلك فقال عمر فإن قوتي لك مع فضلك فبايعه
و أخرج أحمد أن أبا بكر لما خطب يوم السقيفة لم يترك شيئا أنزل في الأنصار وذكره رسول الله في شأنهم إلا ذكره وقال لقد علمتم أن رسول الله قال لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم فقال له سعد صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء
و يؤخذ منه ضعف ما حكاه ابن عبد البر أن سعدا أبى أن يبايع أبا بكر حتى لقي الله
و أخرج أحمد عن أبي بكر أنه اعتذر عن قبوله البيعة خشية فتنة يكون بعدها ردة وفي رواية عند ابن إسحاق وغيره أن سائله قال له ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين فقال لم أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد الفرقة
و أخرج أحمد أنه بعد شهر نادى في الناس الصلاة جامعة وهي أول صلاة

(1/36)


نادى لها بذلك ثم خطب فقال أيها الناس وددت أن هذا كفانيه غيري ولئن أخذتموني بسنة نبيكم ما أطيقها إنه كان لمعصوما من الشيطان وإنه كان لينزل عليه الوحي من السماء
و في رواية لابن سعد أما بعد فإني قد وليت هذا الأمر وأنا له كاره ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله لم أقم به كان رسول الله عبدا أكرمه الله بالوحي وعصمه به ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحدكم فراعوني فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا أن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم
و في أخرى لابن سعد والخطيب أنه قال أما بعد فإني قد وليت أمركم ولست بخيركم ولكنه نزل القرآن وسن النبي السنن فعلمنا فاعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقى وأعجز العجز الفجور وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإذا أحسنت فأعينوني وإذا أنا زغت فقوموني قال مالك لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط
و أخرج الحاكم أن أبا قحافة لما سمع بولاية ابنه قال هل رضي بذلك بنو

(1/37)


عبد مناف وبنو المغيرة قالوا نعم قال لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت
و أخرج الواقدي من طرق أنه بويع يوم مات رسول الله
و الطبراني عن ابن عمر أنه لم يجلس مجلس النبي من المنبر ولا جلس عمر مجلس أبي بكر ولا جلس عثمان مجلس عمر

(1/38)


الفصل الثاني في بيان انعقاد الإجماع على ولا يته رضي الله عنه
تنبيه
قد علم مما قدمناه أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على ذلك وأن ما حكي من تخلف سعد بن عبادة عن البيعة مردود
و مما يصرح بذلك أيضا ما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء
و قد رأى الصحابة جميعا أن يستخلف أبو بكر فانظر إلى ما صح عن ابن مسعود وهو من أكابر الصحابة وفقهائهم ومتقدميهم من حكاية الإجماع من الصحابة جميعا على خلافة أبي بكر ولذلك كان هو الأحق بالخلافة عند جميع أهل السنة والجماعة في كل عصر منا إلى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وكذلك عند جميع المعتزلة وأكثر الفرق وإجماعهم على خلافته قاض بإجماعهم على أنه أهل لها مع أنها من الظهور بحيث لا تخفى
فلا يقال إنها واقعة يحتمل أنها لم تبلغ بعضهم ولو بلغت الكل لربما أظهر

(1/39)


بعضهم خلافا على أن هذا إنما يتوهم أن لو لم يصح عن بعض الصحابة المشاهدين لذلك الأمر من أوله إلى آخره حكاية الإجماع وأما بعد أن صح عن مثل ابن مسعود حكاية إجماعهم كلهم فلا يتوهم ذلك أصلا سيما وعلي كرم الله وجهه ممن حكى الإجماع على ذلك أيضا كما سيأتي عند أنه ما قدم البصرة سئل عن مسيره هل هو بعهد من النبي فذكر مبايعته هو وبقية الصحابة لأبي بكر وأنه لم يختلف عليه منهم اثنان
و أخرج البيهقي عن الزعفراني قال سمعت الشافعي يقول أجمع الناس على خلافة أبي بكر رضي الله عنه وذلك أنه اضطراب الناس بعد رسول الله فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم
و أخرج أسد السنة عن معاوية بن قرة قال ما كان أصحاب رسول الله يشكون أن أبا بكر خليفة رسول الله وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول الله وما كانوا يجتمعون على خطا ولا ضلالة وأيضا فالأمة أجمعت على حقية إمامة أحد الثلاثة ابي بكر وعلي والعباس رضي الله عنهم ثم إنهما لم ينازعاه بل بايعاه فتم بذلك الإجماع له على إمامته دونهما إذ لو لم يكن على حق لنازعاه كما نازع علي معاوية مع قوة شوكة معاوية عدة وعددا على شوكة أبي بكر فإذا لم يبال علي بها ونازعه فكانت منازعته لأبي بكر أولى وأحرى فحيث لم ينازعه دل على اعترافه بحقية خلافته ولقد سأله العباس في

(1/40)


أن يبايعه فلم يقبل ولو علم نصا عليه لقبل سيما ومعه الزبير مع شجاعته وبنو هاشم وغيرهم
و مر أن الأنصار كرهوا بيعة أبي بكر وقالوا منا أمير ومنكم أمير فدفعهم ابو بكر بخبر الأئمة من قريش فانقادوا له وأطاعوه وعلي أقوى منهم شوكة وعدة وعددا وشجاعة فلو كان معه نص لكان أحرى بالمنازعة وأحق بالإجابة ولا يقدح في حكاية الإجماع تأخر علي والزبير والعباس وطلحة مدة لأمور منها أنهم رأوا أن الأمر تم بمن تيسر حضوره حينئذ من أهل الحل والعقد ومنها أنهم لما جاءوا وبايعوا اعتذروا كما مر عن الأولين من طرق بأنهم أخروا عن المشورة مع أن لهم فيها حقا لا للقدح في خلافة الصديق هذا مع الاحتياج في هذا الأمر لخطره إلى الشورى التامة ولهذا مر عن عمر بسند صحيح أن تلك البيعة كانت فلتة ولكن وقى الله شرها
و يوافق ما مر عن الأولين من الاعتذار ما أخرجه الدراقطني من طرق كثيرة أنهما قالا عند مبايعتهما لأبي بكر إلا أنا أخرنا عن المشورة وإنا لنرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وثاني اثنين وإنا لنعرف له شرفه وخيره وفي آخرها أنه اعتذر إليهم فقال والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما قط ولا ليلة ولا كنت فيها راغبا ولا سألتها الله عز و جل في سر ولا علانية ولكني أشفقت من الفتنة ومالي في الإمارة من راحة ولقد قلدت أمرا عظيما إلى آخر ما مر فقبلوا منه ذلك وما اعتذر به

(1/41)


و أخرج الدارقطني أيضا عن عائشة أن عليا بعث لأبي بكر رضي الله عنهما أن ائتنا فاتاهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقد اجتمعت بنو هاشم إلى علي فخطب ومدح أبا بكر ثم اعتذر عن تخلفه عن البيعة بأنه كان له حق في المشاورة ولم يشاوروه فلما فرغ من خطبته خطب أبو بكر واعتذر بنحو ما تقدم ثم بعد ذلك بايعه علي في يومه فرأى المسلمون أنه قد أصاب وفي الحديث المتفق على صحته التصريح بهذه القصة بأبسط من هذا
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله عن ميراثها من النبي مما أفاء الله على رسوله من المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر إن رسول الله قال نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ولأعملن فيها بما عمل رسول الله فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتينا معك أحد كراهية ليحضر عمر فقال عمر لا والله ما تدخل

(1/42)


عليهم وحدك فقال أبو بكر وما عسيتهم أن يفعلوا بي والله لآتينهم فدخل عليهم أبو بكر رضي الله عنه فتشهد علي فقال إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنك استبددت علينا الأمر وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله لنا نصيبا حتى فاضت عينا أبي بكر فلما تكلم أبو بكر قال والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيه عن الخير ولم أترك أمرا رأيت رسول الله يصنعه فيها إلا صنعته فقال علي لأبي بكر موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر الظهر رقى المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليهم ثم استغفر وتشهد علي فعظم حق أبي بكر وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارا للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في هذا الأمر أي المشورة كما يدل عليه بقية الروايات نصيبا فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا أصبت وكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر بالمعروف
فتأمل عذره وقوله لم ننفس على أبي بكر خيرا ساقه الله إليه وأنه لا ينكر ما فضله الله به وغير ذلك مما اشتمل عليه هذا الحديث تجده بريئا مما نسبه إليه الرافضة ونحوهم فقاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم
ثم هذا الحديث فيه التصريح بتأخر بيعة علي إلى موت فاطمة فينافي ما تقدم عن أبي سعيد أن عليا والزبير بايعا من أول الأمر لكن هذا الذي مر عن أبي سعيد من تأخر بيعته هو الذي صححه ابن حبان وغيره

(1/43)


قال البيهقي وأما ما وقع في صحيح مسلم عن أبي سعيد من تأخر بيعته هو وغيره من بني هاشم إلى موت فاطمة رضي الله عنها فضعيف فإن الزهري لم يسنده وأيضا فالرواية الأولى عن أبي سعيد هي الموصولة فتكون أصح
و عليه فبينه وبين خبر البخاري المار عن عائشة تناف لكن جمع بعضهم بأن عليا بايع أولا ثم انقطع عن أبي بكر لما وقع بينه وبين فاطمة رضي الله عنها ما وقع في مخلفه ثم بعد موتها بايعه مبايعة أخرى فتوهم من ذلك بعض من لا يعرف باطن الأمر أن تخلفه إنما هو لعدم رضاه ببيعته فأطلق ذلك من أطلق ومن ثم أظهر علي مبايعته لأبي بكر ثانيا بعد موتها على المنبر لإزالة هذه الشبهة على أنه سيأتي في الفصل الرابع من فضائل علي أنه لما أبطأ عن البيعة لقيه أبو بكر فقال له أكرهت إمارتي فقال لا ولكن آليت لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن فزعموا أنه كتبه على تنزيله
فانظر إلى هذا العذر الواضح منه رضي الله عنه تعلم مما قررناه إجماع الصحابة ومن بعدهم على حقية خلافة الصديق وأنه أهل لها وذلك كاف لو لم يرد نص عليه بل الإجماع أقوى من النصوص التي لم تتواتر لأن مفاده قطعي ومفادها ظني كما سيأتي
و حكى النووي بأسانيد صحيحة عن سفيان الثوري أن من قال إن عليا كان أحق بالولاية فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء وأخرج الدارقطني عن عمار بن ياسر نحوه

(1/44)


الفصل الثالث في النصوص السمعية الدالة على خلافته رضي الله عنه من القرآن والسنة
أما النصوص القرآنية
فمنها قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لا ئم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم
أخرج البيهقي عن الحسن البصري أنه قال هو والله أبو بكر لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام وأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال لما توفي النبي ارتدت العرب فذكر قتال أبي بكر لهم إلى أن قال فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه وشرح هذه القصة ما أخرجه الذهبي أن وفاة النبي لما اشتهرت بالنواحي ارتد طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة فنهض أبو بكر لقتالهم فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم فقال والله لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها فقال عمر وكيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله أمرت أن أقاتل الناس

(1/45)


حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وقد قال إلا بحقها قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق وفي رواية أنه لما خرج أبو بكر لقتالهم وبلغ قريب نجد هربت الأعراب فكلمه الناس يؤمر عليهم رجلا ويرجع فأمر خالدا ورجع
و أخرج الدارقطني عن ابن عمر قال لما برز أبو بكر واستوى على راحلته أخذ علي بزمامها وقال إلى أين يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال لك رسول الله يوم أحد شم سيفك ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا
و بعث خالدا إلى بني أسد وغطفان فقتل من قتل وأسر من أسر ورجع الباقون إلى الإسلام ثم إلى اليمامة إلى قتال مسيلمة الكذاب فالتقى الجمعان ودام الحصار أياما ثم قتل الكذاب لعنه الله قتله وحشي قاتل حمزة
ثم في السنة الثانية من خلافته بعث العلاء ابن الحضرمي إلى البحرين وكانوا قد ارتدوا فالتقوا بجواثا فنصر المسلمون وبعث عكرمة بن أبي جهل إلى عمان وكانوا قد ارتدوا وبعث المهاجر بن أمية إلى طائفة من المرتدين وزياد

(1/46)


ابن لبيد الأنصاري إلى طائفة أخرى ومن ثم أخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم قال الثالثة فقيل له مه يا أبا هريرة فقال إن رسول الله وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام فلما نزل بذي خشب قبض النبي وارتدت العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب النبي فقالوا رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي ما رددت جيشا وجهه رسول الله ولا حللت لواء عقده فوجه أسامة لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوهم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام
قال النووي في تهذيبه واستدل أصحابنا على عظم علم الصديق بقوله في الحديث السابق في الصحيحين والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى النبي لقاتلتهم على منعه واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته على أن أبا بكر أعلم الصحابة لأنهم كلهم وقفوا على فهم الحكم في المسألة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه
قال أعني النووي وروينا عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله فقال أبو بكر وعمر ما أعلم غيرهما

(1/47)


لكن أخرج ابن سعد عن القاسم بن محمد قال كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله
ثم استدل على أعلميته بالخبر الرابع من الأخبار الدالة على خلافته
و قال ابن كثير كان الصديق أقرأ الصحابة أي أعلمهم بالقرآن لأنه قدمه إماما للصلاة بالصحابة مع قوله يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وسيأتي خبر لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر ان يؤمهم غيره وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة كلما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي يحفظها ويستحضرها عند الحاجة إليها ليست عندهم وكيف لا يكون كذلك وقد واظب صحبة رسول الله من أول البعثة إلى الوفاة وهو مع ذلك من أزكى عباد الله وأفضلهم وإنما لم يروعنه من الأحاديث إلا القليل لقصر مدته وسرعة وفاته بعد النبي وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه ولكن كان الذي في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم

(1/48)


و أخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله فيه قضاء فيقول ابو بكر الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رؤوس الناس وخيارهم واستشارهم فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به وكان عمر يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن أو السنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فإن وجد أبا بكر قد قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به
و من الآيات الدالة على خلافته أيضا قوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي باس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما
أخرج ابن أبي حاتم عن جويبر أن هؤلاء القوم هم بنو حنيفة ومن ثم قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة وغيرهما هذه الآية حجة على خلافة الصديق لأنه الذي دعا إلى قتالهم
قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله إمام أهل السنة سمعت

(1/49)


الإمام أبا العباس بن سريج يقول خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية قال لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلا دعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة قال فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذب عذابا أليما قال ابن كثير ومن فسر القوم بأنهم فارس والروم فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان وهما فرعا الصديق
فإن قلت يمكن أن يراد بالداعي في الآية النبي أو علي رضي الله عنه
قلت لا يمكن ذلك مع قوله تعالى قل لن تتبعونا ومن ثم لم يدعوا إلى محاربة في حياته إجماعا كما مر وأما علي فلم يتفق له في خلافته قتال لطلب الإسلام أصلا بل لطلب الإمامة ورعاية حقوقها وأما من بعده فهم عندنا ظلمة وعندهم كفار فتعين أن ذلك الداعي الذي يجب باتباعه الأجر الحسن وبعصيانه العذاب الأليم أحد الخلفاء الثلاثة وحينئذ فيلزم عليه حقية خلافة أبي بكر على كل تقدير لأن حقية خلافة الآخرين فرع عن حقية خلافته إذ هما فرعاها الناشئان عنها والمترتبان عليها
و من تلك الآيات أيضا قوله تعالى و عد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم

(1/50)


دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا
قال ابن كثير هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق
و أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهري قال إن ولاية أبي بكر وعمر في كتاب الله يقول الله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية 3
و منها قوله تعالى للفقراء المهاجرين إلى قوله أولئك هم الصادقون
وجه الدلالة أن الله تعالى سماهم صادقين ومن شهد له الله سبحانه وتعالى بالصدق لا يكذب فلزم أن ما أطبقوا عليه من قولهم لأبي بكر يا خليفة رسول الله صادقون فيه فحينئذ كانت الآية ناصة على خلافته أخرجه الخطيب عن أبي بكر بن عياش وهو استنباط حسن كما قاله ابن كثير
و منها قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم
قال الفخر الرازي هذه الآية تدل على إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه

(1/51)


لأنه ذكر أن تقدير الآية اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في الآية الأخرى أن الذين أنعم عليهم من هم بقوله تعالى فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر رضي الله عنه فكان معنى الآية أن الله تعالى أمر أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر رضي الله عنه ظالما لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه

(1/52)


و أما النصوص الواردة عنه المصرحة بخلافته والمشيرة إليها فكثيرة جدا الأول أخرج الشيخان عن جبير بن مطعم قال أتت امرأة إلى النبي فأمرها أن ترجع إليه فقالت أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تقول الموت قال إن لم تجديني فأت أبا بكر
و أخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال جاءت امرأة إلى النبي تسأله شيئا فقال لها تعودين فقالت يا رسول الله إن عدت فلم أجدك تعرض بالموت فقال إن جئت فلم تجديني فأت أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي
الثاني أخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله يقول يكون خلفي اثنا عشر خليفة أبو بكر لا يلبث إلا قليلا قال الأئمة صدر هذا الحديث مجمع على صحته وأورد من طرق عدة أخرجه الشيخان وغيرهما فمن تلك الطرق لا يزال هذا الأمر عزيزا ينصرون على من ناو أهم عليه إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش رواه عبد الله بن أحمد بسند صحيح

(1/53)


و منها لا يزال هذا الأمر صالحا
و منها لا يزال هذا الأمر ماضيا رواهما أحمد
و منها لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا
ومنها إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة
و منها لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة رواها مسلم
و منها للبزار لا يزال أمر أمتي قائما حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش زاد أبو داود فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال ثم يكون الهرج
و منها لأبي داود لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة
و عن ابن مسعود بسند حسن أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة فقال سألنا عنها رسول الله فقال اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل

(1/54)


قال القاضي عياض لعل المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والإجماع على من يقوم بالخلافة وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتصلت تلك الفتن بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم
قال شيخ الإسلام في فتح الباري كلام القاضي هذا أحسن ما قيل في هذا الحديث وأرجحه لتأييده بقوله في بعض طرقه الصحيحة كلهم يجتمع عليه الناس والمراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته والذي اجتمعوا عليه الخلفاء الثلاثة ثم علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة ثم اجتمعوا عليه عند صلح الحسن ثم على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك ثم لما مات يزيد اختلفوا إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بعد قتل ابن الزبير ثم على أولاده الأربعة الوليد فسليمان فيزيد فهشام وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر الوليد ابن يزيد بن عبد الملك اجتمعوا عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك لوقوع الفتن بين من بقي من بني أمية ولخروج المغرب الأقصى عن العباسيين بتغلب المروانيين على الأندلس إلى أن تسموا بالخلافة وانفرط الأمر إلى أن لم يبق في الخلافة إلا الاسم بعد أن كان يخطب لعبد الملك في جميع أقطار الأرض شرقا وغربا يمينا وشمالا مما غلب عليه المسلمون ولا

(1/55)


يتولى أحد في بلد إمارة في شيء إلا بأمر الخليفة
و قيل المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى القيامة يعملون بالحق وإن لم يتوالوا ويؤيده قول أبي الجلد كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل بيت محمد فعليه المراد بالهرج الفتن الكبار كالدجال وما بعده وبالاثني عشر الخلفاء الأربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز قيل ويحتمل أن يضم إليهم المهدي العباسي لأنه في العباسيين كعمر بن عبد العزيز في الأمويين والطاهر العباسي أيضا لما أوتيه من العدل ويبقى الاثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنه من آل بيت محمد وحمل بعض المحدثين الحديث السابق على ما يأتي بعد المهدي لرواية ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلا ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسين وآخر من غيرهم لكن سيأتي في الكلام على الآية الثانية عشرة من فضائل أهل البيت أن هذه الرواية واهية جدا فلا يعول عليها
الثالث أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه عن حذيفة قال قال رسول الله اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء والحاكم من حديث ابن مسعود

(1/56)


و روى أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن حذيفة إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وتمسكوا بهدي عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوا
و الترمذي عن ابن مسعود والروياني عن حذيفة وابن عدي عن أنس اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن مسعود
الرابع أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال خطب رسول الله الناس وقال إن الله تبارك وتعالى خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى أبو بكر وقال بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد خيره الله فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر
و في لفظ لهما لا يبقين في المسجد غير خوخة إلا خوخة أبي بكر
وفي آخر لعبد الله بن أحمد أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر

(1/57)


و في آخر للبخاري ليس في الناس أحد أمن علي في نفسي ومالي من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن خلة الإسلام افضل سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر
و في آخر لابن عدي سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر وطرقه كثيرة منها عن حذيفة وأنس وعائشة وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم
قال العلماء في هذه الأحاديث إشارة إلى خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه لأن الخليفة يحتاج إلى القرب من المسجد لشدة احتياج الناس إلى ملازمته له للصلاة بهم وغيرها
الخامس أخرج الحاكم وصححه عن أنس قال بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك فأتيته فسألته فقال إلى أبي بكر ومن لازم دفع الصدقة إليه كونه خليفة إذ هو المتولي قبض الصدقات
السادس أخرج مسلم عن عائشة قالت قال لي رسول في مرضه الذي مات فيه ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
و أخرجه أحمد وغيره من طرق عنها وفي بعضها قال لي رسول الله

(1/58)


في مرضه الذي مات فيه ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد ثم قال دعيه معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر
و في رواية عن عبد الله بن أحمد أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر
السابع أخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال مرض النبي فاشتد مرضه فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة يا رسول الله إنه رجل رقيق القلب إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس فقال مري أبا بكر فليصل بالناس فعادت فقال مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله
وفي رواية أنها لما راجعته فلم يرجع لها قالت لحفصة قولي له يأمر عمر فقالت له فأبى حتى غضب وقال أنتن أو إنكن أو لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر
اعلم أن هذا الحديث متواتر فإنه ورد من حديث عائشة وابن مسعود وابن

(1/59)


عباس وابن عمر وعبد الله بن زمعة وأبي سعيد وعلي بن أبي طالب وحفصة وفي بعض طرقه عن عائشة لقد راجعت رسول الله في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به فأردت أن يعدل ذلك رسول الله عن أبي بكر
وفي حديث ابن زمعة أن رسول الله بالصلاة وكان أبو بكر غائبا فتقدم عمر فصلى فقال رسول الله لا لا يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر فيصلي بالناس أبو بكر
و في رواية عنه أنه قال له أخرج وقل لأبي بكر يصلي بالناس فخرج فلم يجد على الباب إلا عمر في جماعة ليس فيهم أبو بكر فقال يا عمر صل بالناس فلما كبر وكان صيتا وسمع صوته قال يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر وفي حديث ابن عمر كبر عمر فسمع رسول الله تكبيره فأطلع رأسه مغضبا فقال أين ابن أبي قحافة
قال العلماء في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة

(1/60)


قال الأشعري قد علم بالضرورة أن رسول الله أمر الصديق أن يصلي بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فدل على أنه كان أقرأهم أي أعلمهم بالقرآن انتهى
و قد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة منهم عمر ومر كلامه في فصل المبايعة ومنهم علي فقد أخرج ابن عساكر عنه لقد أمر النبي أبا بكر أن يصلي بالناس وإني لشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي لديننا
قال العلماء وقد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي
و أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال كان قتال بين بني عمرو وبني عوف فبلغ النبي فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم فقال يا بلال إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فصلى
ووجه ما تقرر من أن الأمر بتقديمه للصلاة كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته بالخلافة إذ القصد الذاتي من نصب الإمام العالم إقامة شعائر

(1/61)


الدين على الوجه المأمور به من أداء الواجبات وترك المحرمات وإحياء السنن وإماتة البدع وأما الأمور الدنيوية وتدبيرها كاستيفاء الأموال من وجوهها وإيصالها لمستحقها ودفع الظلم ونحو ذلك فليس مقصودا بالذات بل ليتفرغ الناس لأمور دينهم إذ لا يتم تفرغهم له إلا إذا انتظمت أمور معاشهم بنحو الأمن على الأنفس والأموال ووصول كل ذي حق إلى حقه فلذلك رضي النبي لأمر الدين وهو الإمامة العظمى أبا بكر بتقديمه للإمامة في الصلاة كما ذكرنا ومن ثم أجمعوا على ذلك كما مر
و أخرج ابن عدي عن أبي بكر بن عياش قال قال لي الرشيد يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق رضي الله عنه قلت يا أمير المؤمنين سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون قال والله ما زدتني إلا عماء قلت يا أمير المؤمنين مرض النبي ثمانية أيام فدخل عليه بلال فقال يا رسول الله من يصلي بالناس قال مر أبا بكر فليصل بالناس فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل عليه فسكت رسول الله لسكوت الله وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله فأعجبه فقال بارك الله فيك
الثامن أخرج ابن حبان عن سفينة لما بنى رسول الله المسجد وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر ضع حجرك إلى جنب حجري ثم قال لعمر ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر ثم قال لعثمان ضع حجرك إلى

(1/62)


جنب حجر عمر ثم قال هؤلاء الخلفاء بعدي قال أبو زرعة إسناده لا بأس به وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه والبيهقي في الدلائل وغيرهما وقوله لعثمان ما ذكر يرد على من زعم أن هذا إشارة إلى قبورهم على أن قوله آخر الحديث هؤلاء الخلفاء بعدي صريح فيما أفاده الترتيب الأول أن المراد به ترتيب الخلافة
التاسع أخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي قال رأيت كأني أنزع بدلو بكرة بسكون الكاف على قليب أي بئر لم تطو فجاء ابو بكر فنزع ذنوبا أي بفتح المعجمة دلوا ممتلئة ماء أو قريبة من ملئه أو ذنوبين نزعا ضعيفا والله يغفر له ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت غربا أي دلوا عظيما فلم أر عبقريا أي رجلا قويا شديدا من الناس يفري فريه أي يعمل عمله حتى روي الناس وضربوا بعطن والعطن ما تناخ فيه الإبل إذا رويت
و في رواية لهما بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن
و في أخرى لهما بينا أنا على بئر أنزع منها إذ جاءني أبو بكر وعمر فأخذ أبو بكر الدلو فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف يغفر الله له ضعفه ثم أخذ

(1/63)


ابن الخطاب من يد أبي بكر فاستحالت في يده غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن وفي رواية فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر وفي رواية فأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليريحني وفي رواية رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف إلى آخره
قال النووي في تهذيبه قال العلماء هذا إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمن عمر
وقال في غيره هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ من النبي لأنه صاحب الأمر فقام به أكمل مقام وقرر قواعد الدين ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وأميرهم بالمستسقي منها لهم وفي قوله أخذ أي أبو بكر الدلو من يدي ليريحني إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته لأن الموت راحة من كد الدنيا وتعبها فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم وأما قوله و في نزعه ضعف فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته وأما ولاية عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين وليس في قوله و يغفر الله له

(1/64)


نقص ولا إشارة إلى أنه وقع في ذنب وإنما هي كلمة كانوا يقولونها عند الاعتناء بالأمر
و أخرج أحمد وأبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال يا رسول الله رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بها فشرب شربا ضعيفا ثم جاء عمر فأخذ بها وشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ بها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فانتشطت أي اجتذبت ورفعت وانتضح عليه منها شيء
العاشر أخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن حفصة أنها قالت لرسول الله إذا أنت ترمت قدمت أبا بكر قال لست أنا أقدمه ولكن الله قدمه
الحادي عشر أخرج أحمد عن سفينة وأخرجه أيضا أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره قال سمعت النبي يقول الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك
و في رواية الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا أي يصيب

(1/65)


الرعية فيه عنف وظلم كأنهم يعضون فيه عضا
قال العلماء لم يكن في الثلاثين بعده إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن ووجه الدلالة منه أنه حكم بحقية الخلافة عنه في أمر الدين هذه المدة دون ما بعدها وحينئذ فيكون هذا دليلا واضحا في حقية خلافة كل من الخلفاء الأربعة
و قيل لسعيد بن جمهان إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من شر الملوك
فإن قلت ينافي هذا خبر الاثني عشر خليفة السابق
قلت لا ينافيه لأن أل هنا للكمال فيكون المراد هنا الخلافة الكاملة ثلاثون سنة وهي منحصرة في الخلفاء الأربعة والحسن لأن مدته هي المكملة للثلاثين والمراد ثم مطلق الخلافة التي فيها كمال وغيره لما مر أن من جملتهم نحو يزيد بن معاوية وعلى القول الثاني السابق ثم فليس الخلفاء المذكورون على هذا القول حاوين من الكمال ما حواه الخمسة
الثاني عشر أخرج الدارقطني والخطيب وابن عساكر عن علي قال قال لي رسول الله سألت الله أن يقدمك ثلاثا فأبى علي إلا تقديم أبي بكر

(1/66)


الثالث عشر أخرج ابن سعد عن الحسن قال قال أبو بكر يا رسول الله ما أزال أراني أطأ في عذرات الناس قال لتكونن من الناس بسبيل قال ورأيت في صدري كالرقمتين قال سنتين
الرابع عشر أخرج البزار بسند حسن عن أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة أنه قال قال رسول الله إن أول دينكم بدء بنبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة ثم يكون ملكا وجبرية وجه الدلالة منه أنه اثبت لخلافة أبي بكر أنها خلافة ورحمة إذ هي التي وليت مدة النبوة والرحمة وحينئذ فيلزم حقيتها ويلزم من حقيتها حقية خلافة بقية الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
و اخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال أتيت عمر وبين يديه قوم يأكلون فرمى ببصره في مؤخر القوم إلى رجل فقال ما تجد فيما يقرأ قبلك من الكتب قال خليفة النبي صديقه
و أخرج ابن عساكر عن محمد بن الزبير قال أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء فجئته فقلت له أشفني فيما اختلف فيه الناس هل كان رسول الله استخلف أبا بكر فاستوى الحسن قاعدا فقال أو في شك هو لا أبا لك أي والله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفه ولهو كان أعلم بالله وأتقى له وأشهد له مخافة من أن يموت عليها لو لم يؤمره

(1/67)


الخامس عشر أخرج البزار عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله لما اشتد به وجعه قال ائتوني بداوة وكتف أو قرطاس أكتب لأبي بكر كتابا أن لا يختلف الناس عليه ثم قال معاذ الله أن يختلف الناس على أبي بكر
فهذا نص صريح كما قاله بعض المحققين على خلافة ابي بكر وأنه إنما ترك معولا كتابه على أنه لا يقع إلا كذلك وبهذا يبطل قول من ظن أنه إنما أراد أن يكتب كتابا بزيادة أحكام خشي عمر عجز الناس عنها بل الصواب أنه إنما أراد أن يكتب في ذلك الكتاب النص على خلافة أبي بكر لكن لما تنازعوا واشتد مرضه عدل عن ذلك معولا على ما هو الأصل في ذلك من استخلافه على الصلاة
وفي مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنه قال ادعي لي أباك وأخاك أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر

(1/68)


الفصل الرابع في بيان أن النبي هل نص على خلافة أبي بكر رضي الله عنه
اعلم أنهم اختلفوا في ذلك ومن تأمل الأحاديث التي قدمناها علم من أكثرها أنه نص عليها نصا ظاهرا وعلى ذلك جماعة من المحققين وهو الحق وقال جمهور أهل السنة والمعتزلة والخوارج لم ينص على أحد
و يؤيدهم ما أخرجه البزار في مسنده عن حذيفة قال قالوا يا رسول الله ألا تستخلف علينا قال إني إن استخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب وأخرجه الحاكم في المستدرك لكن في سنده ضعف
و ما أخرجه الشيخان عن عمر رضي الله عنه أنه قال حين طعن إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله
و ما أخرجه أحمد والبيهقي بسند حسن عن علي رضي الله عنه أنه لما ظهر علي يوم الجمل قال أيها الناس إن رسول الله لم يعهد إلينا في هذه الإمارة

(1/69)


شيئا حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها
و الجران بكسر الجيم باطن عنق البعير يقال ضرب بجرانه الشيء أي استقر وثبت
و أخرج الحاكم وصححه أنه قيل لعلي ألا تستخلف علينا فقال ما استخلف رسول الله فأستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم
و ما أخرجه ابن سعد عن علي أيضا قال قال علي لما قبض النبي نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي لديننا فقدمنا أبا بكر وقول البخاري في تاريخه روي عن ابن جمهان عن سفينة أن النبي لأبي بكر وعمر وعثمان هؤلاء الخلفاء بعدي قال البخاري ولم يتابع على هذا لأن عمر وعليا وعثمان قالوا لم يستخلف النبي انتهى

(1/70)


و مر أن هذا الحديث أعني قوله هؤلاء الخلفاء بعدي صحيح ولا منافاة بين القول بالاستخلاف والقول بعدمه لأن مراد من نفاه أنه لم ينص عند الموت على استخلاف أحد بعينه ومراد من أثبته أنه نص عليه وأشار إليه قبل ذلك ولا شك أن النص على ذلك قبل قرب الوفاة يتطرق إليه الاحتمال وإن بعد بخلافه عند الموت فلذلك نفى الجمهور كعلي وعمر وعثمان الاستخلاف ويؤيد ذلك قول بعض المحققين من متأخري الأصوليين معنى لم ينص عليها لأحد لم يأمر بها لأحد على أنه قد يؤخذ مما في البخاري عن عثمان أن خلافة أبي بكر منصوص عليها والذي فيه في هجرة الحبشة عنه من جملة حديث أنه قال وصحبت رسول الله وبايعته ووالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله ثم استخلف الله أبا بكر فوالله ما عصيته ولا غششته ثم استخلف عمر فوالله ما عصيته ولا غششته الحديث
فتأمل قوله في أبي بكر ثم استخلف الله أبا بكر وفي عمر ثم استخلف عمر تعلم دلالته على ما ذكرته من النص على خلافة أبي بكر وإذا أفهم كلامه هذا ذلك مع ما مر عنه من أنها غير منصوص عليها تعين الجمع بين كلاميه بما ذكرناه وكان اشتمال كلاميه على ذينك مؤيدا للجمع الذي قدمناه وعلى كل فهو كان يعلم لمن هي بعده بإعلام الله له ومع ذلك فلم يؤمر بتبليغ الأمة النص على واحد بعينه عند الموت وإنما وردت عنه ظواهر تدل على أنه علم بإعلام الله له أنها لأبي بكر فأخبر بذلك كما مر وإذا أعلمها فأما أن يعلمها علما واقعا موافقا للحق في نفس الأمر أو أمرا واقعا مخالفا له وعلى كل حال لو وجب على الأمة مبايعة غير أبي بكر لبالغ رسول الله في تبليغ ذلك

(1/71)


الواجب إليهم بأن ينص عليه نصا جليا ينقل مشتهرا حتى يبلغ الأمة ما لزمهم ولما لم ينقل كذلك مع توفر الدواعي على نقله دل على أنه لا نص وتوهم أن عدم تبليغه لعلمه بأنهم لا يأتمرون بأمره فلا فائدة فيه باطل فإن ذلك غير مسقط لوجوب التبليغ عليه ألا ترى أنه بلغ سائر التكاليف للآحاد مع الذين علم منهم أنهم لا يأتمرون فلم يسقط العلم بعدم ائتمارهم التبليغ عنه واحتمال أنه بلغ أمر الإمامة سرا واحدا واثنين ونقل كذلك لا يفيد لأن سبيل مثله الشهرة لصيرورته بتعدد التبليغ وكثرة المبلغين أمرا مشهورا إذ هو من أهم الأمور لما يتعلق به من مصالح الدين والدنيا كما مر مع ما فيه من دفع ما قد يتوهم من إثارة فتنة
و احتمال أنه بلغه مشتهرا ولم ينقل أو نقل ولم يشتهر فيما بعد عصره باطل أيضا إذ لو اشتهر لكان سبيله أن ينقل نقل الفرائض لتوفر الدواعي على نقل مهمات الدين فالشهرة هنا لازمة لوجود النص فحيث لا شهرة لا نص بالمعنى المتقدم لا لعلي ولا لغيره فلزم من ذلك بطلان ما نقله الشيعة وغيرهم من الأكاذيب وسودوا به أوراقهم من نحو خبر أنت الخليفة من بعدي وخبر سلموا على علي بإمرة المؤمنين وغير ذلك مما يأتي إذ لا وجود لما نقلوه فضلا عن اشتهاره كيف وما نقلوه لم يبلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها إذ لم يصل علمه لأئمة الحديث المثابرين على التنقيب عنه كما اتصل

(1/72)


بهم كثير مما ضعفوه وكيف يجوز في العادة أن ينفرد هؤلاء أن بعلم صحة تلك الآحاد مع أنهم لم يتصفوا قط برواية ولا بصحبة محدث ويجهل تلك الآحاد مهرة الحديث وسباقه الذين افنوا أعمارهم في الرحلات والأسفار البعيدة وبذلوا جهدهم في طلبه وفي السعي إلى كل من ظنوا عنده قليلا منه فلذلك قضت العادة المطردة القطيعة بكذبهم واختلافهم فيما زعموه من نص على علي صح آحادا عندهم دون غيرهم مع عدم اتصافهم برواية حديث ولا صحبة لمحدث كما تقرر
نعم روي آحادا خبر أنت مني بمنزلة هارون من موسى وخبر من كنت مولاه فعلي مولاه
و سيأتي الجواب عنهما واضحا مبسوطا وأنه لا دلالة لواحد منهما على خلافة علي لا نصا ولا إشارة وإلا لزم نسبة جميع الصحابة إلى الخطأ وهو باطل

(1/73)


لعصمتهم من أن يجتمعوا على ضلالة فإجماعهم على خلاف ما زعمه أولئك المبتدعة الجهال قاطع بأن ما توهموه من هذين الحديثين غير مراد إذ لو فرض احتمالهما لما قالوه فكيف وهما لا يحتملانه كما يأتي فظهر أن ما سودوا به أوراقهم من تلك الآحاد لا تدل لما زعموه
و احتمال أن ثم نصا غير ما زعموه يعلمه علي أو أحد المهاجرين أو الأنصار باطل أيضا وإلا لأورده العالم به يوم السقيفة حين تكلموا في الخلافة أو فيما بعده لوجوب إيراده حينئذ
و قوله ترك علي إيراده مع علمه به تقية باطل إذ لا خوف يتوهمه من له أدنى مسكة وإحاطة بعلم أحوالهم في مجرد ذكره لهم ومنازعته في الإمامة به كيف وقد نازع من هو أضعف منه وأقل شوكة ومنعة من غير أن يقيم دليلا على ما يقوله ومع ذلك فلم يؤذ بكلمة فضلا عن أن يقتل فبان بطلان هذه التقية المشؤومة عليهم سيما وعلي قد علم بواقعة الحباب وبعدم إيذائه بقول أو فعل مع أن دعواه لا دليل عليها ومع ضعفه وضعف قومه بالنسبة لعلي وقومه
و أيضا فيمتنع عادة من مثلهم أنه يذكره لهم ولا يرجعون إليه كيف وهم أطوع لله وأعمل بالوقوف عند حدوده وابعد عن اتباع حظوظ النفس لعصمتهم السابقة وللخبر الصحيح خير القرون قرني ثم الذين يلونهم

(1/74)


و أيضا ففيهم العشرة المبشرون بالجنة ومنهم أبو عبيدة أمين هذه الأمة كما صح من طرق فلا يتوهم فيهم وهم بهذه الأوصاف الجليلة أنهم يتركون العمل بما يرويه لهم من تقبل روايته بلا دليل أرجح يعولون عليه معاذ الله أن يجوز ذلك عليهم شرعا أو عادة إذ هو خيانة في الدين وإلا لارتفع الأمان في كل ما نقلوه عنه من القرآن والأحكام ولم يجزم بشيء من أمور الدين مع أنه بجميع أصوله وفروعه إنما أخذ منهم على أن في نسبة علي إلى الكتم غاية نقص له لما يلزم عليه من نسبته وهو أشجع الناس إلى الجبن والظلم ولهذا التوهم كفره بعض الملحدين كما يأتي فعلم مما تقرر جميعه أنه لا نص على إمامة علي حتى ولا بالإشارة وأما أبو بكر فقد علمت من النصوص السابقة المصرحة بخلافته وعلى فرض أن لا نص عليه أيضا ففي إجماع الصحابة عليها غنى عن النص إذ هو أقوى منه لأن مدلوله قطعي ومدلول خبر الواحد ظني
و أما تخلف جمع كعلي والعباس والزبير والمقداد عن البيعة وقت عقدها فمر الجواب عنه مستوفى وحاصله مع الزيادة أن أبا بكر أرسل إليهم بعد فجاؤوا فقال للصحابة هذا علي ولا بيعة لي في عنقه وهو بالخيار في أمره ألا فأنتم بالخيار جميعا في بيعتكم إياي فإن رأيتم لها غيري فأنا أول من يبايعه فقال علي لا نرى لها أحدا غيرك فبايعه هو وسائر المتخلفين

(1/75)


الفصل الخامس في ذكر شبه الشيعة والرافضة ونحوهما وبيان بطلانها بأوضح الأدلة وأظهرها
الشبهة الأولى زعموا أنه لم يول أبا بكر عملا يقيم فيه قوانين الشرع والسياسة فدل ذلك على أنه لا يحسنهما وإذا لم يحسنهما لم تصح إمامته لأن من شروط الإمام أن يكون شجاعا
و الجواب عن ذلك بطلان ما زعموه من أنه لم يوله عملا ففي البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه غزوت مع رسول الله سبع غزوات وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات مرة علينا أبو بكر ومرة علينا أسامة
وولاه الحج بالناس سنة تسع
و ما زعموه من أنه لا يحسن ذلك باطل أيضا كيف وعلي كرم الله وجهه معترف بأنه أشجع الصحابة فقد أخرج البزار في مسنده عن علي أنه قال أخبروني من أشجع الناس قالوا أنت قال أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت

(1/76)


منه ولكن أخبروني بأشجع الناس قالوا لا نعلم فمن قال أبو بكر إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه فهذا أشجع الناس قال علي ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش فهذا يجؤه وهذا يتلتله وهم يقولون أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا قال فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجؤ هذا ويتلتل هذا وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر فسكت القوم فقال ألا تجيبوني فوالله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون ذلك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه
و أخرج البخاري عن عروة بن الزبير سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله قال رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم
و أخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال لما اسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله

(1/77)


و أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال تباشرت الملائكة يوم بدر فقالوا أما ترون أن أبا بكر الصديق مع رسول الله في العريش
و أخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم عن علي قال قال لي رسول الله يوم بدر ولأبي بكر مع أحد كما جبريل ومع الآخر ميكائيل
قال بعضهم ومن الدليل على أنه أشجع من علي أن عليا أخبره النبي بقتله على يد ابن ملجم فكان إذا لقي ابن ملجم يقول له متى تخضب هذه من هذه وكان يقول إنه قاتلي كما يأتي في أواخر ترجمته فحينئذ كان إذا دخل الحرب ولاقى الخصم يعلم أنه لا قدرة له على قتله فهو معه كأنه نائم على فراش وأما أبو بكر فلم يخبر بقاتله فكان إذا دخل الحرب لا يدري هل يقتل أم لا فمن يدخل الحرب وهو لا يدري ذلك يقاسي من الكر والفر والجزع والفزع ما يقاسي بخلاف من يدخلها كأنه نائم على فراشه
و من باهر شجاعته ما وقع له في قتال أهل الردة فقد أخرج الإسماعيلي عن عمر رضي الله عنه لما قبض رسول الله ارتد من ارتد من العرب وقالوا لا نصلي ولا نزكي فأتيت أبا بكر فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس

(1/78)


وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش فقال رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك جبار في الجاهلية خوار في الإسلام بماذا شئت أتألفهم بشعر مفتعل أو بسحر مفترى هيهات هيهات مضى النبي وانقطع الوحي والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالا قال عمر فوجدته في ذلك أمضى مني وأحزم وأدب الناس على أمور هانت علي كثيرا من مؤنتهم حين وليتهم
فعلم بما تقرر عظم شجاعته ولقد كان عنده وكذلك الصحابة من العلم بشجاعته وثباته في الأمر ما أوجب لهم تقديمه للإمامة العظمى إذ هذان الوصفان هما الأهمان في أمر الإمامة لا سيما في ذلك الوقت المحتاج فيه إلى قتال أهل الردة وغيرهم
و من الدليل على اتصافه بهما أيضا قوله كما في الصحيح في صلح الحديبية لعروة بن مسعود الثقفي حين قال للنبي كأني بك وقد فر عنك هؤلاء امصص بظر اللات أنحن نفر عنه أو ندعه استبعاد أن يقع ذلك
قال العلماء وهذا مبالغة من أبي بكر رضي الله عنه في سب عروة فإنه أقام معبود عروة وهو صنمه مقام أمته وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبته إلى الفرار والبظر بموحدة مفتوحة فمعجمة ساكنة قطعة تبقى بفرج المرأة بعد الختان واللات اسم صنم والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم
فانظر كيف نطق لهذا الكافر الشديد القوة والمنعة حينئذ بهذا السب الذي لا سب فوقه عند العرب ولم يخش شوكته مع قوتها بحيث صدوا النبي عن

(1/79)


دخول مكة ذلك العام ووقع الصلح على أن يدخلها من العام القابل ولم يجسر أحد من الصحابة غير الصديق على أن يتفوه لعروة بكلمة مع أنه نسبهم أجمعين إلى الفرار وإنما أجابه الصديق فقط فدل ذلك على أنه أشجعهم كما مر عن علي
ومن شجاعته العظمى قتاله لمانعي الزكاة وعزمه عليه ولو لوحده كما قدمته مبسوطا أول الفصل الثالث ومختصرا آنفا فراجعه
ومن ذلك أيضا قتاله مسيلمة اللعين وقومه بني حنيفة مع أن الله وصفهم بأنهم أولو باس شديد بناء على أن الآية نزلت فيهم كما قاله جمع من المفسرين منهم الزهري والكلبي
و من ذلك أيضا ثباته عند مصادمة المصائب المدهشة التي تذهل الحليم لعظمها كثباته حين دهش الناس لموت رسول الله فإنهم ذهلوا حتى عمر وهو من هو في الثبات فجزم بأنه لم يمت وقال من زعم ذلك ضربت عنقه حتى قدم أبو بكر من مسكنه بالعوالي فدخل على النبي وكشف عن وجهه فعرف أنه قد مات فأكب عليه يقبله ويبكي ثم خرج إليهم فاستسكت عمر عن قوله ما مر فأبى لما هو فيه من الدهش فتركه وتكلم

(1/80)


فانحازوا إليه لعلمهم بعلو شأنه وتقدمه فخطبهم فقال أما بعد فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم قرأ و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الآية رواه البخاري وغيره فحينئذ صدقوا بوفاته وكرروا هذه الآية كأنهم لم يسمعوها قبل لعظيم ما استولى عليهم من الدهش ومن ثم كان أسد الصحابة رأيا وأكملهم عقلا فقد أخرج تمام وابن عساكر أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر
و الطبراني وأبو نعيم وغيرهما أنه لما أراد أن يسرح معاذا إلى اليمن استشار ناسا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير فتكلم القوم كل إنسان برأيه فقال ما ترى يا معاذ فقلت أرى ما قال أبو بكر فقال إن الله يكره أن يخطئ أبو بكر

(1/81)


و أخرج الطبراني بسند رجاله ثقات إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر فهذا دليل أي دليل على أنه أكملهم عقلا ورأيا وعلى أنه أعلمهم ولا مرية في ذلك
فثبت بهذه الأدلة عظم شجاعته وثباته وكمال عقله ورأيه وعلمه ومن ثم قال العلماء إنه صحب النبي من حين أسلم إلى أن توفي لم يفارقه سفرا ولا حضرا إلا فيما أذن له في الخروج فيه من حج أو غزو وشهد معه المشاهد كلها وهاجر معه وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله وقام بنصرته في غير موضع وله الآثار الحميدة في المشاهد وثبت يوم أحد ويوم حنين وقد فر الناس فكيف مع ذلك كله ينسب إليه عدم شجاعة أو عدم ثبات في الأمر كلا بل له فيهما الغاية القصوى والآثار الحميدة التي لا تستقصى فرضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه
الشبهة الثانية زعموا أيضا أنه لما ولاه قراءة براءة على الناس بمكة عزله وولى عليا فدل ذلك على عدم أهليته
و جوابها بطلان ما زعموه هنا أيضا وإنما أتبعه عليا لقراءة براءة لأن عادة العرب في أخذ العهد ونبذه أن يتولاه الرجل أو أحد من بني عمه ولذلك لم يعزل

(1/82)


أبا بكر عن إمرة الحج بل أبقاه أميرا وعليا مأمورا له فيما عدا القراءة على أن عليا لم ينفرد بالأذان بذلك ففي صحيح البخاري أن أبا هريرة قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان قال حميد بن عبد الرحمن ثم أردف رسول الله بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فتأمله تجد عليا إنما أذن مع مؤذني أبي بكر ومما يصرح بما ذكرناه أن أبا بكر لما جاء علي لم يعزل مؤذنيه فعدم عزله له وجعله إياهم شركاء لعلي صريح في أن عليا إنما جاء وفاء بعادة العرب التي قلناها لا لعزل أبي بكر وإلا لم يسع أبا بكر أن يبقي مؤذنيه يؤذنون مع علي فاتضح بذلك ما قلناه وأنه لا دلالة لهم في ذلك بوجه من الوجوه غير ما يفترونه من الكذب وينتحلونه من العناد والجهل
الشبهة الثالثة زعموا أن النبي لما ولاه الصلاة أيام مرضه عزله عنها
و جوابها أن ذلك من قبائح كذبهم وافترائهم فقبحهم الله وخذلهم كيف وقد قدمنا في سابع الأحاديث الدالة على خلافته من الأحاديث الصحيحة المتواترة ما هو صريح في بقائه إماما يصلي إلى أن توفي رسول الله
و في البخاري عن أنس قال إن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم لم يفجأهم إلا رسول الله قد كشف ستر

(1/83)


حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة قال أنس وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا بالنبي فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر ثم قبض وقت الضحى من ذلك اليوم
فتأمل عظيم افترائهم وحمقهم على أن صلاته بالناس خلافة عنه متفق عليها ومجمع منا ومنهم على وقوعها فمن ادعى انعزاله عنها فعليه البيان ولا بيان عندهم وإنما الذي انطووا عليه خبائث الافتراء والبهتان
و عن ابن عباس وغيره لم يصل النبي خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر
و أما عبد الرحمن بن عوف فصلى خلفه ركعة واحدة في سفر ولم يقل أحد قط إنه صلى خلف علي فهذه منقبة لأبي بكر أي منقبة وخصوصية أي خصوصية
الشبهة الرابعة زعموا أنه أحرق من قال أنا مسلم وقطع يد السارق اليسرى وتوقف في ميراث الجدة حتى روي له أن لها السدس وأن ذلك قادح في خلافته

(1/84)


و جوابها بطلان زعمهم قدح ذلك في خلافته وبيانه أن ذلك لا يقدح إلا إذا ثبت أنه ليس فيه أهلية للاجتهاد وليس كذلك بل هو من أكابر المجتهدين بل هو أعلم الصحابة على الإطلاق للأدلة الواضحة على ذلك
منها ما أخرجه البخاري وغيره أن عمر رضي الله عنه في صلح الحديبية سأل رسول الله عن ذلك الصلح قال علام نعطي الدنية في ديننا فأجابه النبي ثم ذهب إلى أبي بكر فسأله عما سأل عنه رسول الله من غير أن يعلم بجواب النبي فأجابه بمثل ذلك الجواب سواء بسواء
و منها ما أخرجه أبو القاسم البغوي وأبو بكر الشافعي في فوائده وابن عساكر عن عائشة قالت لما توفي رسول الله أشرأب النفاق أي رفع رأسه وارتدت العرب وانحازت الأنصار فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها أي فتتها فما اختلفوا في لفظة إلا طار أبي بعبائها وفصلها قالوا أين ندفن رسول الله فما وجدنا عند أحد في ذلك علما فقال أبو بكر سمعت رسول الله يقول ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه واختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند أحد في ذلك علما فقال أبو بكر سمعت رسول الله يقول إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة

(1/85)


قال بعضهم وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة فقال بعضهم فدفنه بمكة مولده ومنشئه وبعضهم بمسجده وبعضهم بالبقيع وبعضهم ببيت المقدس مدفن الأنبياء حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم
قال ابن زنجويه وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار ورجعوا إليه فيها ومر آنفا خبر أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر وخبر إن الله يكره أن يخطئ أبو بكر سنده صحيح وخبر لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره ومر أول الفصل الثالث خبر أنه وعمر كانا يفتيان الناس في زمن النبي
و عن تهذيب النووي أن أصحابنا استدلوا على عظيم علمه بقوله والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة إلى آخره وأن الشيخ أبا إسحاق استدل به على أنه أعلم الصحابة بأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه
و لا يقال بل علي أعلم منه للخبر الآتي في فضائله أنا مدينة العلم وعلي بابها لأنا نقول سيأتي أن ذلك الحديث مطعون فيه وعلى تسليم صحته أو

(1/86)


حسنه فأبو بكر محرابها ورواية فمن أراد العم فليأت الباب لا تقتضي الأعلمية فقد يكون غير الأعلم يقصد لما عنده من زيادة الإيضاح والبيان والتفرغ للناس بخلاف الأعلم على أن تلك الرواية معارضة بخبر الفردوس أنا مدينة العلم وابو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها فهذه صريحة في أن أبا بكر أعلمهم وحينئذ فالأمر بقصد الباب إنما هو لنحو ما قلناه لا لزيادة شرفه على ما قبله لما هو معلوم ضرورة أن كلا من الأساس والحيطان والسقف أعلى من الباب وشذ بعضهم فأجاب بأن معنى وعلي بابها أي من العلو على حد قراءة هذا صراط علي مستقيم برفع على وتنوينه كما قرأ به يعقوب
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين وهو المقدم في علم تعبير الرؤيا بالاتفاق أنه قال كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي
و أخرج الديلمي وابن عساكر أمرت أن أولي الرؤيا أبا بكر ومن ثم كان يعبر الرؤيا في زمن النبي وبحضرته فقد أخرج ابن سعد عن ابن شهاب قال رأى رسول الله رؤيا فقصها على أبي بكر فقال رأيت كأني استبقت أنا وأنت ودرجة فسبقتك بمرقاتين ونصف قال يا رسول الله يقبضك

(1/87)


الله إلى مغفرة ورحمة وأعيش بعدك سنتين ونصفا وكان كما عبر فقد عاش بعده سنتين وسبعة اشهر أخرجه الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما
و أخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن شرحبيل قال قال رسول الله رأيتني في غنم سود ثم أردفتها غنم بيض حتى ما ترى السود فيها فقال أبو بكر يا رسول الله أما الغنم السود فإنها العرب يسلمون ويكثرون والغنم البيض الأعاجم يسلمون على يدي العرب حتى لا يرى العرب فيهم من كثرتهم فقال رسول الله كذلك عبرها الملك سحيرا
فثبت بجميع ما قررناه أنه من أكابر المجتهدين بل أكبرهم على الإطلاق وإذا ثبت أنه مجتهد فلا عتب عليه في التحريق لأن ذلك الرجل كان زنديقا وفي قبول توبته خلاف وأما النهي عن التحريق فيحتمل أنه لم يبلغه ويحتمل أنه بلغه وتأوله على غير نحو الزنديق وكم من أدلة تبلغ المجتهدين ويؤولونها لما قام عندهم لا ينكر ذلك إلا جاهل بالشريعة وحامليها
و أما قطعه يسار السارق فيحتمل أنه خطأ من الجلاد ويحتمل أنه لسرقة ثالثة

(1/88)


من أين لهم أنها السرقة الأولى وأنه قال للجلاد اقطع يساره وعلى التنزل فالآية شاملة لما فعله فيحتمل أنه كان يرى بقاءها على إطلاقها وإن قطعه اليمنى في الأولى ليس على الحتم بل الإمام مخير في ذلك وعلى فرض إجماع في المسألة فيحتمل أنهم أجمعوا على ذلك بعده بناء على انعقاد الإجماع في مثل ذلك وفيه خلاف محله كتب الأصول وقراءة أيمانهما يحتمل أنها لم تبلغه فعلى كل تقدير لا يتوجه عليه في ذلك عتب ولا اعتراض بوجه من الوجوه
ثم رأيت ان الاحتمال الأول هو الحق الواقع فقد أخرج مالك رضي الله عنه عن القاسم بن محمد أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه فكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر وأبيك ما ليلك بليل سارق ثم إنهم افتقدوا حليا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر فجعل يطوف معهم ويقول اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به فاعترف الأقطع أو شهد عليه وأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي من سرقته فاتضح الأمر وبطلت شبهة المعاندين
و أما توقفه في مسألة الجدة إلى أن بلغه الخبر فينبغي سياق حديثه فإن فيه أبلغ رد على المعترضين
أخرج أصحاب السنن الأربعة ومالك عن قبيصة قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها قال ما لك في كتاب الله وما علمت لك في سنة

(1/89)


نبي الله شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله أعطاها السدس فقال أبو بكر هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة فأنفذه لها أبو بكر
فتأمل هذا السياق تجده قاضيا بالكمال الأسنى لأبي بكر فإنه نظر أولا في القرآن وفي محفوظاته من السنة فلم يجد لها شيئا ثم استشار المسلمين ليستخرج ما عندهم من شيء حفظوه من السنة فأخرج له المغيرة وابن مسلمة ما حفظاه فقضى به وطلبه انضمام آخر إلى المغيرة احتياط فقط إذ الرواية لا يشترط فيها تعدد وهذا يؤيد ما قدمناه عنه أنه كان إذا جاءه الخصم نظر في القرآن ثم فيما يحفظه من السنة يشاور فيه وهذا هو شأن المجتهدين على أنه غير بدع من المجتهد أن يبحث عن مدارك الأحكام
و أخرج الدارقطني عن القاسم بن محمد أن جدتين أتتا أبا بكر تطلبان ميراثهما أم أم وأم أب فأعطى الميراث أم الأم فقال له عبد الرحمن بن سهل الأنصاري البدري أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها فقسمه بينهما فتأمل رجوعه مع كماله إلى الحق لما رآه مع أصغر منه
الشبهة الخامسة زعموا أن عمر ذمه والمذموم من مثل عمر لا يصلح للخلافة
و جوابها أن هذا من كذبهم وافترائهم أيضا ولم يقع من عمر ذم له قط وإنما

(1/90)


الواقع منه في حقه غاية الثناء عليه واعتقاد أنه أكمل الصحابة علما ورأيا وشجاعة كما يعلم مما قدمناه عنه في قصة المبايعة وغيرها على أن إمامة عمر إنما هي بعهد أبي بكر إليه فلو قدح فيه لكان قادحا في نفسه وإمامته
و أما إنكاره على أبي بكر كونه لم يقتل خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة وهو مسلم ولتزوجه امرأته من ليلته ودخل بها فلا يستلزم ذما له ولا إلحاق نقص به لأن ذلك إنما هو من إنكار بعض المجتهدين على بعض في الفروع الاجتهادية وهذا كان شأن السلف كانوا لا يرون فيه نقصا وإنما يرونه غاية الكمال على أن الحق عدم قتل خالد لأن مالكا ارتد ورد على قومه صدقاتهم لما بلغه وفاة رسول الله كما فعل أهل الردة وقد اعترف أخو مالك لعمر بذلك وتزوجه امرأته لعله لانقضاء عدتها بالوضع عقب موته أو يحتمل أنها كانت محبوسة عنده بعد انقضاء عدتها عن الأزواج على عادة الجاهلية وعلى كل حال فخالد أتقى لله من أن يظن به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه فالحق ما فعله أبو بكر لا ما اعترض به عليه عمر رضي الله تعالى عنهما ويؤيد ذلك أن عمر لما أفضت إليه الخلافة لم يتعرض لخالد ولم يعاتبه ولا تنقصه بكلمة في هذا الأمر قط فعلم أنه ظهر له حقية ما فعله أبو بكر فرجع عن اعتراضه وإلا لم يتركه عند استقلاله بالأمر لأنه كان أتقى لله من أن يداهن في دين الله أحدا

(1/91)


الشبهة السادسة زعموا أن قول عمر إن بيعة أبي بكر كانت فلتة لكن وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه قادح في حقيتها
و جوابها أن هذه من غباوتهم وجهالتهم إذ لا دلالة في ذلك لما زعموه لأن معناه أن الإقدام على مثل ذلك من غير مشورة الغير وحصول الاتفاق منه مظنة الفتنة فلا يقدمن أحد على ذلك على أني أقدمت عليه فسلمت على خلاف العادة ببركة صحة النية وخوف الفتنة لو حصل توان في هذا الأمر كما مر مبسوطا في فصل المبايعة
الشبهة السابعة زعموا أنه ظالم لفاطمة بمنعه إياها من مخلف أبيها وأنه لا دليل له في الخبر الذي رواه نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة لأن فيه احتجاجا بخبر الواحد مع معارضته لآية المواريث وفيه ما هو مشهور عند الأصوليين
و زعموا أيضا أن فاطمة معصومة بنص إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وخبر فاطمة بضعة مني وهو معصوم

(1/92)


فتكون معصومة وحينئذ فيلزم صدق دعواها الإرث
و جوابها أما عن الأول فهو لم يحكم بخبر الواحد الذي هو محل الخلاف وإنما حكم بما سمعه من رسول الله وهو عنده قطعي فساوى آية المواريث في قطيعة المتن وأما حمله على ما فهمه منه فلانتقاء الاحتمالات التي يمكن تطرقها إليه عنه بقرينة الحال فصار عنده دليلا قطعيا مخصصا لعموم تلك الآيات
و أما عن الثاني فمن أهل البيت أزواجه على ما يأتي في فضائل أهل البيت ولسن بمعصومات اتفاقا فكذلك بقية أهل البيت
و أما بضعة مني فمجاز قطعا فلم يستلزم عصمتها وأيضا فلا يلزم مساواة البعض للجملة في جميع الأحكام بل الظاهر أن المراد أنها كبضعة مني فيما يرجع للخير والشفقة
و دعواها أنه نحلها فدك لم تأت عليها ببينة إلا بعلي وأم أيمن فلم يكمل نصاب البينة على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء وعدم حكمه بشاهد ويمين وإما لعلة كونه ممن لا يراه ككثيرين من العلماء أو أنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها
و زعمهم أن الحسن والحسين وأم كلثوم شهدوا لها باطل على أن شهادة الفرع والصغير غير مقبولة وسيأتي عن الإمام زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم أنه صوب ما فعله أبو بكر وقال لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به وفي رواية تأتي في الباب الثاني أن أبا بكر كان رحيما وكان يكره أن يغير

(1/93)


شيئا تركه رسول الله فأتته فاطمة فقالت إن رسول الله أعطاني فدكا فقال هل لك بينة فشهد لها علي وأم أيمن فقال لها فبرجل وامرأة تستحقيها ثم قال زيد والله لو رفع الأمر فيها إلي لقضيت بقضاء أبي بكر رضي الله عنه
و عن أخيه الباقر أنه قيل له أظلمكم الشيخان من حقكم شيئا فقال لا ومنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا ما يزن حبة خردلة
و اخرج الدارقطني أنه سئل ما كان يعمل علي في سهم ذوي القربى قال عمل فيه بما عمل به أبو بكر وعمر وكان يكره أن يخالفهما
و أما عذر فاطمة في طلبها مع روايته لها الحديث فيحتمل أنه لكونها رأت أن خبر الواحد لا يخصص القرآن كما قيل به فاتضح عذره في المنع وعذرها في الطلب فلا يشكل عليك ذلك وتأمله فإنه مهم
و يوضح ما قررناه في هذا المحل حديث البخاري فإنه مشتمل على نفائس تزيل ما في نفوس القاصرين من شبه وهو عن الزهري قال أخبرني مالك بن

(1/94)


أوس بن الحدثان النضري أن عمر بن الخطاب دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد يستأذنون قال نعم فأدخلهم فلبث قليلا ثم جاء فقال هل لك في عباس وعلي يستأذنان قال نعم فلما دخلا قال عباس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله من بني النضير فاستب علي وعباس فقال الرهط يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر فقال عمر اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله قال لا نورث ما تركناه صدقة يريد بذلك نفسه قالوا قد قال ذلك فأقبل عمر على علي وعباس فقال أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله قد قال ذلك قالا نعم قال فإني أحدثكم عن هذا الأمر إن الله كان خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره فقال و ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب إلى قوله قدير فكانت هذه خالصة لرسول الله ثم والله ما اختارها دونكم ولا استأثر بها عليكم لقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها فكان رسول الله ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله فعمل بذلك رسول الله حياته ثم توفي النبي فقال أبو بكر

(1/95)


رضي الله عنه فأنا ولي رسول الله فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل فيه رسول الله وأنتم حينئذ حاضرون وأقبل على علي والعباس وقال تذكران أن ابا بكر كان فيه كما تقولان والله يعلم إنه فيه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفى الله أبا بكر فقلت أنا ولي رسول الله وأبي بكر فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل فيه رسول الله وأبو بكر والله يعلم إني في لصادق بار راشد تابع للحق ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع فجئتني يعني عباسا فقلت لكما إن رسول الله قال لا نورث ما تركناه صدقة فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله وأبو بكر وما عملت فيه منذ وليت وإلا فلا تكلماني فقلتما ادفعه إلينا بذلك فدفعته إليكما أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنه فادفعاه إلي فأنا أكفيكماه قال فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير فقال صدق مالك ابن أوس أنا سمعت عائشة زوج النبي تقول أرسل أزواج النبي عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء الله على رسوله فكنت أنا أردهن فقلت لهن ألا تتقين الله ألم تعلمن أن رسول الله كان يقول لا نورث ما تركناه صدقة يريد بذلك نفسه إنما يأكل آل محمد في هذا المال فانتهى أزواج النبي إلى ما أخبرتهن قال فكانت هذه الصدقة بيد علي منعها علي

(1/96)


عباسا فغلبه عليها ثم كانت بيد الحسن بن علي رضي الله عنهما ثم بيد الحسين بن علي ثم بيد علي بن الحسين وحسن بن حسن كلاهما كانا يتداولانها ثم بيد زيد بن حسن رضي الله عنهم وهي صدقة رسول الله حقا
ثم ذكر البخاري بسنده أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما أرضه من فدك وسهمه من خيبر فقال أبو بكر سمعت رسول الله يقول لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال والله لقرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي
فتأمل ما في حديث عائشة والذي قبله تعلم حقية ما عليه أبو بكر رضي الله عنه وذلك أن استباب علي والعباس صريح في أنهما متفقان على أنه غير إرث وإلا لكان للعباس سهمه ولعلي سهم زوجته ولم يكن للخصام بينهما وجه فخصامهما إنما هو لكونه صدقة وكل منهما يريد أن يتولاها فأصلح بينهما عمر رضي الله عنه وأعطه لهما بعد أن بين لهما وللحاضرين السابقين وهم من أكابر العشرة المبشرين بالجنة أن النبي قال لا نورث ما تركناه صدقة وكلهم حتى علي والعباس أخبر بأنه يعلم أن النبي قال ذلك فحينئذ اثبت عمر أنه غير إرث ثم دفعه إليهما ليعملا فيه بسنة رسول الله وبسنة أبي بكر فأخذاه على ذلك وبين لهما أن ما فعله أبو بكر فيه كان فيه صدقا بارا راشدا تابعا للحق فصدقاه على ذلك

(1/97)


فهل بقي لمعاند بعد ذلك من شبهة فإن زعم بقاء شبهة قلنا يلزمك أن تغلب عليا على الجميع وأخذه من العباس ظلم لأنه يلزم على قولكم بالإرث أن لعباس فيه حصة فكيف مع ذلك ساغ لعلي أن يتغلب على الجميع ويأخذه من العباس ثم كان في يد بنيه وبنيهم من بعده ولم يكن منه شيء في يد بني العباس فهل هذا من علي وذريته إلا صريح الاعتراف بأنه صدقة وليس بإرث وإلا لزم عليه عصيان علي وبنيه وظلمهم وفسقهم وحاشاهم الله من ذلك بل هم معصومون عند الرافضة ونحوهم فلا يتصور لهم ذنب فإذا استبدوا بذلك جميعه دون العباس وبنيه علمنا بأنهم قائلون بأنه صدقة وليس بإرث وهذا عين مدعانا وتأمل أيضا أن أبا بكر رضي الله عنه منع أزواج النبي من ثمنهن أيضا فلم يخص المنع بفاطمة والعباس ولو كان مداره على محاباة لكان أولى من يحابيه ولده فلما لم يحاب عائشة ولم يعطها شيئا علمنا أنه على الحق المر الذي لا يخشى فيه لومة لائم
و تأمل أيضا تقرير عمر رضي الله عنه للحاضرين ولعلي والعباس رضي الله عنهما بحديث لا نورث وتقرير عائشة لأمهات المؤمنين به أيضا وقول كل منهما ألم تعلموا يظهر لك من ذلك أن أبا بكر لم ينفرد برواية هذا الحديث وأن أمهات المؤمنين وعليا والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعدا كلهم كانوا يعلمون أن النبي قال ذلك وأن أبا بكر إنما انفرد باستحضاره أولا ثم استحضره الباقون وعلموا أنهم سمعوه منه فالصحابة رضوان الله عليهم لم يعملوا برواية أبي بكر وحدها وإن كانت كافية أي كفاية في ذلك وإنما عملوا

(1/98)


بها وبما انضم إليها من علم أفاضلهم الذين ذكرناهم بها أيضا فبان بذلك اتضاح ما فعله أبو بكر رضي الله عنه وأنه لا شبهة فيه بوجه من الوجوه وأنه الحق الصدق الذي لا يشوبه أدنى شائبة تعصب ولا حمية وأن من خالف في ذلك فهو كاذب جاهل أحمق معاند لا يعبأ الله به ولا بقوله ولا يبالي به في أي واد هلك نسأل الله السلامة في العقل والدين
و لا يقال أقر أبو بكر أمهات المؤمنين في حجرهن وكان يتعين صرفها للفقراء كما فعل في فدك وكيف استجاز هو وعمر أن يدفنا معه مع قوله تعالى لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ولم دفع لعلي بغلة رسول الله وسيفه وهو لا تحل له الصدقة ولم كان أبو بكر وعمر يعطيان عائشة في كل سنة عشرة آلاف درهم وهل هذه إلا محاباة إذ هو فاضل عن نفقتها المرتبة في تركة رسول الله من فدك وغيرها لأنا نقول
الجواب عن الأول أن الحجر ملكهن واختصاصهن بدليل و قرن في بيوتكن إذ يحتمل أنه قسمها بينهن في حياته فلم يجز إخراجهن منها كما لم تخرج فاطمة من حجرتها أو أنه رأى الصلاح في إقرارها بأيديهن كيد فاطمة على حجرتها ولأنهن في حكم المعتدات لبقاء تحريمهن ولهذا قال ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عيالي فهو صدقة فاستثناء نفقتهن

(1/99)


صريح فيما قلناه
و عن الثاني أنه بان أن حجرة عائشة ملكها أو اختصاصها ولم يدفنا إلا بإذنها ولهذا استأذنها عمر في ذلك ثم أوصى أن تستأذن بعد موته خوفا أنها لم تأذن أولا إلا حياء منه
وأيضا فالرأي في الحجر كما كان له في حياته يكون لخليفته بعده فيحتمل أنهما أرادا ذلك لمصلحة رأياها كدفن ظالم ثم أو أنه أذن لهما في ذلك في حياته أو أشار إليه كما في قصة بئر اريس ووضع أحجار مسجد قباء وغيرهما وقد أشار إليه بكونهما كانا أقرب الناس مكانا له وأكثر ملازمة ومن ثم قال علي لما دخل على عمر حين وضع على سريره رضي الله عنهما يرحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرا ما كنت اسمع رسول الله يقول كنت أنا وأبا بكر وعمر وفعلت أنا وأبا بكر وعمر وانطلقنا أنا وأبو بكر وعمر وإني كنت لأرجو الله أن يجعلك معهما وقد أوصى الحسن رضي الله عنه أن يدفن معهم فمنعه من ذلك مروان وغيره فما أجابوا به عنه كان جوابنا
و عن الثالث أنه لم يدفع ذلك لعلي ميراثا ولا صدقة لما مر بل بطريق الوصية منه إليه على ما ورد وعلى فرض عدم الوصية فيحتمل أنه دفعهما إليه عارية أو نحوها ليستعين بهما في الجهاد ولتميزه عن غيره بالشجاعة العظمى

(1/100)


أوثر بذلك ويحتمل أن غيره اشترى ذلك ودفعه إليه والصدقة لا تحرم عليه نفلها
و أما البردة التي كانت بيد الخلفاء فليست من مخلفه وإنما هي التي كساها كعب بن زهير لما أنشده بانت سعاد فاشتراها معاوية منه واستمر الخلفاء يتوارثونها
و عن الرابع أن بر أمهات المؤمنين واجب على كل أحد والإمام أولى بذلك على أنه إنما يتوجه أن لو خصا عائشة وحفصة بذلك وليس كذلك بل أعطياه لكل منهن على أن عليا كان يفعله فإن توجه إليهما به عتب توجه إليه كعثمان بل استزادت عائشة عليا فمنعها بقوله لا أزيدها على ما كان يدفع إليها عمر
و أدل دليل وأقواه على أن عليا لم يكن معتقدا أن رسول الله يورث وأن الشيخان ظلما أنه لما ولي وصار مخلف رسول الله بيده لم يغير شيئا مما فعلاه ولم يقسم لبني العباس ولا لأمهات المؤمنين منها ولا لأولاده من فاطمة نصيبهم منها مما ورثته فدل ذلك دلالة قطعية على أن اعتقاده موافق لاعتقادهما كبقية الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
تنبيه لا يعارض قوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث قوله تعالى وورث سليمان داود لأن المراد ليس وراثة المال بل النبوة والملك ونحوهما بدليل اختصاص سليمان بالإرث مع أن له تسعة عشر أخا فلو كان المراد المال لم يختص به سليمان وسياق علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء قاض بما ذكرناه

(1/101)


ووراثة العلم قد وقعت في آيات منها ثم أورثنا الكتاب فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب وقوله تعالى فهب لي من لدنك وليا يرثني لأن المراد ذلك فيها أيضا بدليل و إني خفت الموالي من ورائي أي أن يضيعوا العلم والدين وبدليل من آل يعقوب وهم أولاده الأنبياء على أن زكريا لم يحك أحد أنه كان له مال حتى يطلب ولدا يرثه ولو سلم فمقام النبي يأبى طلب ذلك إذ القصد بالولد إحياء ذكر الأب والدعاء له وتكثير سواد الأمة فمن طلبه لغير ذلك كان ملوما سيما إن قصد به حرمان عصبته من إرثه لو لم يوجد له ولد
الشبهة الثامنة زعموا أن النبي نص على الخلافة لعلي إجمالا قالوا لأنا نعلم قطعا وجود نص جلي وإن لم يبلغنا لأن عادته في حياته قاضية بالاستخلاف على المدينة عند غيبته عنها حتى لا يتركهم فوضى أي متساوين لا رئيس لهم فإذا لم يخل بذلك في حياته فبعد وفاته أولى
و جوابها مر مبسوطا في الفصل الرابع بأدلته ومنه إنما ترك ذلك لعلمه بأن الصحابة يقومون به ويبادرون إليه لعصمتهم عن الخطأ اللازم لتركهم لهومن ثم لم ينص على كثير من الأحكام بل وكلها إلى آراء مجتهديهم

(1/102)


على أنا نقول انتفاء النص الجلي معلوم قطعا وإلا لم يمكن ستره عادة إذ هو مما تتوفر الدواعي على نقله وأيضا لو وجد نص لعلي لمنع به غيره كما منع أبو بكر مع أنه أضعف من علي عندهم الأنصار بخبر الأئمة من قريش فأطاعوه مع كونه خبر واحد وتركوا الإمامة وادعاءها لأجله فكيف حينئذ يتصور وجود نص جلي بتعين علي وهو بين قوم لا يعصون خبر الواحد في أمر الإمامة وهم من الصلابة في الدين بالمحل الأعلى بشهادة بذلهم الأنفس والأموال ومهاجرتهم الأهل والوطن وقتلهم الأولاد والآباء في نصرة الدين ثم لا يحتج علي عليهم بذلك النص الجلي بل ولا قال أحد منهم عند طول النزاع في أمر الإمامة ما لكم تتنازعون فيها والنص الجلي قد عين فلانا لها فإن زعم زاعم أن عليا قال لهم ذلك فلم يطيعوه كان جاهلا ضالا مفتريا منكرا للضروريات فلا يلتفت إليه وأما الخبر الآتي في فضائل علي أنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أنشد الله من شهد يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم رجل يقول نبئت أو بلغني إلا رجل سمعت أذناه ووعاه قلبه فقام سبعة عشر صحابيا وفي رواية ثلاثون فقال هاتوا ما سمعتم فذكروا الحديث الآتي ومن جملته من كنت مولاه فعلي مولاه فقال صدقتم وأنا على ذلك من الشاهدين فإنما قال ذلك علي بعد أن آلت إليه الخلافة لقول أبي الطفيل راويه كما ثبت عند أحمد والبزار جمع علي الناس بالرحبة يعني بالعراق ثم قال لهم أنشد الله من شهد يوم

(1/103)


غدير خم إلى آخر ما مر فأراد به حثهم على التمسك به والنصرة له حينئذ
الشبهة التاسعة زعموا وجود نص على الخلافة لعلي تفصيلا وهو قوله تعالى و أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض وهي تعم الخلافة وعلي من أولي الأرحام دون أبي بكر
و جوابها منع عموم الآية بل هي مطلقة فلا تكون نصا في الخلافة فرق ظاهر بين المطلق والعام إذ عموم الأول بدلي والثاني شمولي
الشبهة العاشرة زعموا أن من النص التفصيلي المصرح بخلافة علي قوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الآية قالوا والوالي إما الأحق والأولى بالتصرف كولي الصبي وإما المحب والناصر وليس له في اللغة معنى ثالث والناصر غير مراد لعموم النصرة لكل المؤمنين بنص قوله تعالى و المؤمنون المؤمنات بعضهم أولياء بعض فلم يصح الحصر بإنما في المؤمنين الموصوفين بما في الآية فتعين أنه في الآية المتصرف وهو الإمام وقد أجمع أهل التفسير على أن المراد بالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون علي إذ سبب نزولها أنه سئل وهو راكع فأعطى خاتمه وأجمعوا أن غيره كأي بكر غير مراد فتعين أنه المراد في الآية فكانت نضا في إمامته

(1/104)


و جوابها منع جميع ما قالوه إذ هو حزر وتخمين من غير إقامة دليل يدل له بل الولي فيها بمعنى الناصر ويلزم على ما زعموه أن عليا أولى بالتصرف حال حياة رسول الله ولا شبهة في بطلانه وزعمهم الإجماع على إرادة علي دون أبي بكر كذب قبيح لأن أبا بكر داخل في جملة الذين آمنوا والذين يقيمون الصلاة الخ لتكرر صيغة الجمع فيه فكيف يحمل على الواحد ونزولها في حق علي لا ينافي شمولها لغيره ممن يجوز اشتراكه معه في تلك الصفة وكذلك زعمهم الإجماع على نزولها في علي باطل أيضا فقد قال الحسن وناهيك به جلالة وإمامة إنها عامة في سائر المؤمنين ويوافقه أن الباقر وهو من هو سئل عمن نزلت فيه هذه الآية أهو علي فقال علي من المؤمنين ولبعض المفسرين قوله إن الذين آمنوا ابن سلام وأصحابه ولبعض آخر منهم قول إنه عبادة بن الصامت لما تبرأ من حلفائه من اليهود وقال عكرمة وناهيك به حفظا لعلوم مولاه ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إنها نزلت في أبي بكر فبطل ما زعموه

(1/105)


و أيضا فحمل الولي على ما زعموه لا يناسب ما قبلها وهو لا تتخذوا اليهود إلخ إذ الولي فيها بمعنى الناصر جزما ولا ما بعدها وهو من يتول الله ورسوله الخ إذ التولي هنا بمعنى النصرة فوجب حمل ما بينهما عليها أيضا لتتلاءم أجزاء الكلام
الشبهة الحادية عشرة زعموا أن من النص التفصيلي المصرح بخلافة علي قوله يوم غدير خم موضع بالجحفة مرجعه من حجة الوداع بعد أن جمع الصحابة وكرر عليهم الست أولى بكم من أنفسكم ثلاثا وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف ثم رفع يد علي وقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وابغض من ابغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار قالوا فمعنى المولى الأولى أي فلعلي عليهم من الولاء ماله عليهم منه بدليل قوله ألست أولى بكم لا الناصر وإلا لما احتاج إلى جمعهم كذلك مع الدعاء له لأن ذلك يعرفه كل أحد قالوا ولا يكون هذا الدعاء إلا لإمام معصوم مفترض الطاعة قالوا فهذا نص صريح صحيح على خلافته انتهى
و جواب هذه الشبهة التي هي أقوى شبههم يحتاج إلى مقدمة وهي بيان الحديث ومخرجيه وبيانه أنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد و طرقه كثيرة جدا ومن ثم رواه ستة عشر صحابيا وفي رواية لأحمد أنه سمعه من النبي ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته كما مر وسيأتي وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ولا

(1/106)


التفات لمن قدح في صحته ولا لمن رده بأن عليا كان باليمن لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحج مع النبي وقول بعضهم إن زيادة اللهم وال من والاه الخ موضوعة مردود فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرا منها
و بالجملة فما زعموه مردود من وجوه نتلوها عليك وإن طالت لمسيس الحاجة إليها فأحذر أن تسأمها أو تغفل عن تأملها
أحدها أن فرق الشيعة اتفقوا على اعتبار التواتر فيما يستدل به على الإمامة وقد علم نفيه لما مر من الخلاف في صحة هذا الحديث بل الطاعنون في صحته جماعة من أئمة الحديث وعدوله المرجوع إليهم فيه كأبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي وغيرهم فهذا الحديث مع كونه آحادا مختلف في صحته فكيف ساغ لهم أن يخالفوا ما اتفقوا عليه من اشتراط التواتر في أحاديث الإمامة ويحتجون بذلك ما هذا إلا تناقض قبيح وتحكم لا يعتضد بشيء من أسباب الترجيح
ثانيها لا نسلم أن معنى الولي ما ذكروه بل معناه الناصر لأنه مشترك بين معان كالمعتق والعتيق والمتصرف في الأمر والناصر والمحبوب وهو حقيقة في كل منها وتعيين بعض معاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لا يعتد به وتعميمه في معانيه كلها لا يسوغ لأنه إن كان مشتركا لفظيا بأن تعدد وضعه بحسب تعدد معانيه كان فيه خلاف والذي عليه جمهور الأصوليين وعلماء البيان واقتضاه استعمالات الفصحاء للمشترك أنه لا يعم جميع معانيه على أنا لو قلنا بتعميمه على القول الآخر أو بناء على أنه مشترك معنوي بأن وضع وضعا واحدا للقدر المشترك وهو القرب المعنوي من الولي بفتح فسكون لصدقه بكل ما مر

(1/107)


فلا يأتي تعميمه هنا لامتناع إرادة كل من المعتق والعتيق فتعين إرادة البعض ونحن وهم متفقون على صحة إرادة الحب بالكسر وعلي رضي الله عنه سيدنا وحبيبنا على أن كون المولى بمعنى الإمام لم يعهد لغة ولا شرعا أما الثاني فواضح وأما الأول فلأن أحدا من أئمة العربية لم يذكر أن مفعلا يأتي بمعنى افعل وقوله تعالى مأواكم النار هي مولاكم أي مقركم أو ناصرتكم مبالغة في نفي النصرة كقولهم الجوع زاد من لا زاد له وأيضا فالاستعمال يمنع من أن مفعلا بمعنى افعل إذ يقال هو أولى من كذا دون مولى من كذا وأولى الرجلين دون مولاهما وحينئذ فإنما جعلنا من معانيه المتصرف في الأمور نظرا للرواية الآتية من كنت وليه فالغرض من التنصيص على موالاته اجتناب بغضه لأن التنصيص عليه أوفى بمزيد شرفه وصدره الست أولى بكم من أنفسكم ثلاثا ليكون ابعث على قبولهم وكذا بالدعاء لأجل ذلك أيضا ويرشد لما ذكرناه حثه في هذه الخطبة على أهل بيته عموما وعلى علي خصوصا ويرشد إليه أيضا ما ابتدئ به هذا الحديث ولفظه عند الطبراني وغيره بسند صحيح أنه خطب بغدير خم تحت شجرات فقال أيها الناس إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله وإني لأظن أني يوشك أن أدعى فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون قالوا نشهد إنك قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيرا فقال أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن جنته حق وأن ناره حق وأن الموت حق وأن البعث حق بعد الموت وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور قالوا بلى نشهد بذلك قال اللهم اشهد ثم قال يا أيها الناس إن الله

(1/108)


مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى لبم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه يعني عليا اللهم وال من وإلاه وعاد من عاداه ثم قال يا أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض حوض أعرض مما بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب الله عز و جل سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا علي الحوض
و أيضا فسبب ذلك كما نقله الحافظ شمس الدين الجزري عن ابن إسحاق أن عليا تكلم فيه بعض من كان معه في اليمن فلما قضى رسول الله حجه خطبها تنبيها على قدره وردا على من تكلم فيه كبريدة كما في البخاري أنه كان يبغضه وسبب ذلك ما صححه الذهبي أنه خرج معه إلى اليمن فرأى منه جفوة فنقصه للنبي فجعل يتغير وجهه ويقول يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه
و أما رواية ابن بريدة عنه لا تقع يا بريدة في علي فإن عليا مني وأنا منه وهو وليكم بعدي ففي سندها الأجلح وهو وإن وثقه ابن معين لكن

(1/109)


ضعفه غيره على أنه شيعي وعلى تقدير الصحة فيحتمل أنه رواه بالمعنى بحسب عقيدته وعلى فرض أنه رواه بلفظه فيتعين تأويله على ولاية خاصة نظير قوله أقضاكم علي على أنه وإن لم يحتمل التأويل فالإجماع على حقية ولاية أبي بكر وفرعيها قاض بالقطع بحقيتها لأبي بكر وبطلانهما لعلي لأن مفاد الإجماع قطعي ومفاد خبر الواحد ظني ولا تعارض بين ظني وقطعي بل يعمل بالقطعي ويلغى الظني على أن الظني لا عبرة به فيها عند الشيعة كما مر
ثالثها سلمنا أنه أولى لكن لا نسلم أن المراد أنه الأولى بالإمامة بل بالاتباع والقرب منه فهو كقوله تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ولا قاطع بل ولا ظاهرعلى نفي هذا الاحتمال بل هو الواقع إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر وناهيك بهما من الحديث فإنهما لما سمعاه قالا له أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة أخرجه الدارقطني و أخرج أيضا أنه قيل لعمر إنك تصنع بعلي شيئا لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي فقال إنه مولاي
رابعها سلمنا أنه أولى بالإمامة فالمراد المآل وإلا كان هو الإمام مع وجوده ولا تعرض فيه لوقت المآل فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه لانعقاد الإجماع حتى من علي عليه كما مر وللأخبار السابقة المصرحة بإمامة أبي بكر وأيضا فلا يلزم من أفضلية علي على معتقدهم بطلان تولية غيره لما مر أن أهل السنة أجمعوا على صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل بدليل إجماعهم على صحة خلافة عثمان واختلافهم

(1/110)


في أفضليته على علي وإن كان أكثرهم على أن عثمان أفضل منه كما يأتي وقد صح عن سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه أنه قال من زعم أن عليا كان أحق بالولاية من الشيخين فقد خطأهما والمهاجرين والأنصار وما أراه يرفع له عمل مع هذا إلى السماء نقل ذلك النووي عنه كما مر ثم قال هذا كلامه وقد كان حسن اعتقاده في علي رضي الله تعالى عنه بالمحل المعروف انتهى
و ما أشار إليه من حسن اعتقاده في علي مشهور بل أخرج أبو نعيم عن زيد ابن الحباب أنه كان يرى رأي أصحابه الكوفيين يفضل عليا على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما صار إلى البصرة رجع إلى القول بتفضيلهما عليه
خامسها كيف يكون ذلك نصا على إمامته ولم يحتج به هو ولا العباس رضي الله تعالى عنهما ولا غيرهما وقت الحاجة إليه وإنما احتج به علي في خلافته كما مر في الجواب على الثامنة من الشبه فسكوته عن الاحتجاج به إلى أيام خلافته قاض على من عنده أدنى فهم وعقل بأنه علم منه أنه لا نص فيه على خلافته عقب وفاة النبي على أن عليا نفسه صرح بأنه لم ينص عليه ولا على غيره كما سيأتي عنه
و في البخاري وغيره حديث خروج علي والعباس من عند النبي بطوله وهو صريح فيما ذكره من أنه لم ينص عند موته على أحد وكل عاقل يجزم بأن حديث من كنت مولاه فعلي مولاه ليس نصا في إمامة علي

(1/111)


وإلا لم يحتج هو والعباس إلى مراجعته المذكورة في حديث البخاري ولما قال العباس فإن كان هذا الأمر فينا علمناه مع قرب العهد جدا بيوم الغدير إذ بينهما نحو الشهرين وتجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين لخبر يوم الغدير مع قرب العهد وهم من هم في الحفظ والذكاء والفطنة وعدم التفريط والغفلة فيما سمعوه منه محال غير عادي يجزم العاقل بأدنى بديهته بأنه لم يقع منهم نسيان ولا تفريط وأنهم حال بيعتهم لأبي بكر كانوا متذكرين لذلك الحديث عالمين به وبمعناه على أنه خطب بعد يوم الغدير وأعلن بحق أبي بكر للحديث الثالث بعد المائة التي في فضائله فانظره ثم وسيأتي في الآية الرابعة في فضائل أهل البيت أحاديث أنه في مرض موته وإنما حث على مودتهم ومحبتهم واتباعهم وفي بعضها آخر ما تكلم به النبي اخلفوني في أهل بيتي فتلك وصية بهم وشتان ما بينهما وبين مقام الخلافة
و زعم الشيعة والرافضة بأن الصحابة علموا هذا النص ولم ينقادوا له عناد ومكابرة بالباطل كما مر وقوله إنما تركها على تقية كذب وافتراء أيضا لما تلوناه عليك مبسوطا فيما مر ومنه أنه كان في منعه من قومه مع كثرتهم وشجاعتهم ولذا احتج أبو بكر رضي الله تعالى عنه على الأنصار لما قالوا منا أمير ومنكم أمير بخبر الأئمة من قريش فكيف سلموا له هذا الاستدلال

(1/112)


ولأي شيء لم يقولوا له ورد النص على إمامة علي فكيف تحتج بمثل هذا العموم
و قد أخرج البيهقي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال أصل عقيدة الشيعة تضليل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
و إنما نبه رحمه الله على الشيعة لأنهم أقل فحشا في عقائدهم من الرافضة وذلك لأن الرافضة يقولون بتكفير الصحابة لأنهم عاندوا بترك النص على إمامة علي بل زاد أبو كامل من رؤوسهم فكفر عليا زاعما أنه أعان الكفار على كفرهم وأيدهم على الكتمان وعلى ستر ما لا يتم الدين إلا به أي لأنه لم يرد عنه قط أنه احتج بالنص على إمامته بل تواتر عنه أن أفضل الأمة أبو بكر وعمر وقبل من عمر إدخاله إياه في الشورى وقد اتخذ الملحدون كلام هؤلاء السفلة الكذبة ذريعة لطعنهم في الدين والقرآن وقد تصدى بعض الأئمة للرد على الملحدين المحتجين بكلام الرافضة
و من جملة ما قاله أولئك الملحدون كيف يقول الله كنتم خير أمة أخرجت للناس وقد ارتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو ستة أنفس منهم لامتناعهم من تقديم أبي بكر على علي المرتضى الموصى به فانظر إلى حجة هذا الملحد

(1/113)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية