صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الرسائل الشخصية
المؤلف : محمد بن عبدالوهاب
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع مشكاة الإسلامية
قام بالفهرسة / أبو أيوب السليمان 1427هـ

وأعجب من ذلك ما رأيت وسمعت ممن يدعى أنه أعلم الناس، ويفسر القرآن ويشرح الحديث بمجلدات ثم يشرح ( البردة ) ويستحسنها ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك، ويموت ما عرف ما خرج من رأسه، هذا هو العجب العجاب، أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم ولا يعرفون جنة ولا نارا، ولا رسولا ولا إلها، وأما كون لا إله إلا الله تجمع الدين كله، وإخراج من قالها من النار إذا كان في قلبه أدنى مثقال ذرة، فلا إشكال في ذلك : وسر المسألة أن الإيمان يتجزأ، ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله، بل هذا مذهب الخوارج، فالذي يقول الأعمال كلها من ( لا إله إلا الله ) فقوله الحق، والذي يقول يخرج من النار من قالها وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة فقوله الحق، السبب مما ذكرت لك من التجزي، وبسبب الغفلة عن التجزي غلط أبو حنيفة وأصحابه في زعمهم، أن الأعمال ليست من الإيمان والسلام.

الرسالة التاسعة عشرة
ص ( 123 )
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته خصوصا محمد بن عبيد وعبد القادر العديلي وابنه وعبد الله بن سحيم وعبد الله بن عضيب وحميدان بن تركي وعلي بن زامل ومحمد أبا الخيل وصالح بن عبد الله، أما بعد.

(1/73)


فإن الله تبارك وتعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلينا على حين فترة من الرسل فهدى الله به إلى الدين الكامل والشرع التام وأعظم ذلك وأكبره، وزبدته هو إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له والنهي عن الشرك وهو أن لا يدعى أحدا من أحد من دونه من الملائكة والنبين فضلا عن غيرهم، فمن ذلك أنه لا يسجد إلا لله ولا يركع إلا له ولا يدعى لكشف الضر إلا هو ولا لجلب الخير إلا هو ولا ينذر إلا له ولا يحلف إلا به ولا يذبح إلا له وجميع العبادات لا تصلح له وحده لا شريك له، وهذا معني قول لا إله إلا الله فإن المألوه هو المقصود المعتمد عليه وهذا أمر هين عند من لا يعرفه كبير عظيم عند من عرفه، فمن عرف هذه المسألة عرف أن أكثر الخلق قد لعب بهم الشيطان وزين لهم الشرك بالله وأخرجه في قالب حب الصالحين وتعظيمهم.
والكلام في هذا ينبني على قاعدتين عظيمتين :
( القاعدة الأولى ) : أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون الله ويعظمونه ويحجون ويعتمرون ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل، وأنهم يشهدون أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر إلا الله وحده لا شريك له كما قال تعالى : " قل من يرزقكم من السماء والأرض الآية فإذا عرفت أن الكفار يشهدون بهذا كله فاعرف :

(1/74)


( القاعدة الثانية ) : وهي أنهم يدعون الصالحين مثل الملائكة وعيسى وعزيز وغيرهم وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء سماه إلها ولا يعنى بذلك أن يخلق أو يرزق بل يدعون الملائكة وعيسى ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى والإله في لغتهم هو الذي يسمى في لغتنا الذي فيه سر والذين يسمونه الفقراء شيخهم يعنون بذلك أنه يدعى وينفع ويضر إلا أنهم مقرون لله بالتفرد بالخلق والرزق وليس ذلك معنى الإله به الإله المقصود المدعو المرجو لكن المشركون في زماننا أضل من الكفار في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين :
أحدهما : أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء، وأما في الشدائد فيخلصون لله الدين كما قال تعالى : (( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه))الآية.

(1/75)


والثاني أن مشركي زماننا يدعون أناسا لا يوازنون عيسى والملائكة. إذ عرفتم هذا فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر عبادة الأصنام هذا يأتى إلى قبر نبي، وهذا إلى قبر صحابي كالزبير وطلحة، وهذا إلى قبر رجل صالح، وهذا يدعوه في الضراء وفي غيبته، وهذا ينذر له وهذا يذبح للجن، وهذا يدخل عليه من مضرة الدنيا والآخرة، وهذا يسأله خير الدنيا والآخرة فإن كنتم تعرفون أن هذا من الشرك كعبادة الأصنام الذي يخرج الرجل من الإسلام، وقد ملأ البر والبحر وشاع وذاع حتى إن كثيرا ممن يفعله يقوم الليل ويصوم النهار وينتسب إلى الصلاح والعبادة فما بالكم لم تفشوه في الناس وتبينوا لهم أن هذا كفر بالله مخرج عن الإسلام أرأيتم لو أن بعض الناس أو أهل بلدة تزوجوا أخواتهم أو عماتهم جهلا منهم أفيحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتركهم لا يعلمهم أن الله حرم الأخوات والعمات، فإن كنتم تعتذرون أن نكاحهم أعظم مما يفعله الناس اليوم عند قبور الأولياء والصحابة، وفي غيبتهم عنها فاعلموا أنكم لم تعرفوا دين الإسلام ولا شهادة أن لا إله إلا الله ودليل هذا مما تقدم من الآيات التي بينها الله في كتابه، وإن عرفتم ذلك فكيف يحل لكم كتمان ذلك والإعراض عنه، وقد أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فإن كان الاستدلال بالقرآن عندكم هزؤا وجهلا كما هي عادتكم ولا تقبلونه فانظروا في ( الإقناع ) في باب حكم المرتد، وما ذكر فيه من الأمور الهائلة التي ذكر أن الإنسان إذا فعلها فقد ارتد وحل دمه مثل الاعتقاد في الأنبياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينه وبين الله، ومثل الطيران في الهواء، والمشي في الماء فإذا كان من فعل هذه الأمور منكم مثل السائح الأعرج ونحوه تعتقدون صلاحه وولايته، وقد صرح في ( الإقناع ) بكفره، فاعلموا أنكم لم تعرفوا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن بان لكم في كلامي هذا شيء من الغلو من أن هذه الأفاعيل لو

(1/76)


كانت حراما فلا تخرج من الإسلام وإن فعل أهل زماننا في الشدائد في البر والبحر وعند قبور الأنبياء والصالحين ليست من هذه بينوا لنا الصواب وأرشدونا إليه ؛ وإن تبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجتا فرحم الله من أدى الواجب عليه وتاب إلى الله وأقر على نفسه فإن التائب منم الذنب كمن لا ذنب له وعسى الله أن يهدينا وإياكم وإخواننا لما يحب ويرضى والسلام.

الرسالة العشرون
( ص 129 )
ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الله بن سحيم مطوع المجمعة قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم حفظه الله تعالى، سلام عليكم ورحمه الله وبركاته، أما بعد، فقد وصل كتابك تطلب شيئا من معنى كتاب المويس الذي أرسل لأهل الوشم وأنا أجيبك عن الكتاب جملة فإن كان الصواب فيه فنبهني وأرجع إلى الحق، وإن كان الأمر كما ذكرت لك من غير مجازفة بل أنا مقتصر فالواجب على المؤمن أن يدور مع الحق حيث دار وذلك أن كتابة مشتمل على الكلام في ثلاثة أنواع من العلوم :
الأول : علم الأسماء والصفات الذي يسمى علم أصول الدين ويسمى أيضا العقائد.
والثاني : الكلام على التوحيد والشرك.
والثالث : الاقتداء بأهل العلم واتباع الأدلة، وترك ذلك.
أما الأول : فإنه أنكر على أهل الوشم إنكارهم على من قال ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض، وهذا الإنكار جمع فيه بين اثنتين :
إحداهما : أنه لم يفهم كلام ابن عيدان وصاحبه.
الثانية : أنه لم يفهم صورة المسألة ؛ وذلك أن مذهب الإمام أحمد وغيره من السلف أنهم لا يتكلمون في هذا النوع إلا بما يتكلم الله به ورسوله فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله أثبتوه مثل الفوقية والاستواء والكلام والمجيء وغير ذلك وما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله نفوه مثل المثل والند والسمي وغير ذلك.

(1/77)


وأما ما لا يوجد عن الله ورسوله إثباته ونفيه مثل الجوهر والجسم والعرض والجهة وغير ذلك لا يثبتونه ولا ينفونه فمن نفاه مثل صاحب الخطبة التي أنكرها ابن عيدان وصاحبه فهو عند أحمد والسلف مبتدع، ومن أثبته مثل هشام ابن الحكم وغيرهم فهو عندهم مبتدع، والواجب عندهم السكوت عن هذا النوع اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هذا معنى كلام الإمام أحمد الذي في رسالة المويس أنه قال : لا أرى الكلام إلا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن العجب استدلاله بكلام الإمام أحمد على ضده، ومثاله في ذلك كمثل حنفي يقول الماء الكثير ولو بلغ قلتين ينجس بمجرد الملاقاة من غير تغير فإذا سئل عن الدليل قال قوله صلى الله عليه وسلم : (( الماء طهور لا ينجسه شيء)) فيستدل بدليل خصمه فهل يقول هذا من يفهم ما يقول ؟
وأنا أذكر لك كلام الحنابلة في هذه المسألة قال الشيخ تقي الدين بعد كلام له على من قال إنه ليس بجوهر ولا عرض ككلام صاحب الخطبة قال رحمه الله : فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها كلفظ الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك من الألفاظ ولهذا لما سئل ابن سريج عن التوحيد فذكر توحيد المسلمين قال : وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بإنكار ذلك، وكلام السلف والأئمة في ذم الكلام وأهله مبسوط في غير هذا الموضع، والمقصود أن الأئمة كأحمد وغيره لما ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم والجوهر والحيز لم يوافقوهم لا على إطلاق الإثبات ولا على إطلاق النفي انتهى كلام الشيخ تقي الدين.

(1/78)


إذا تدبرت هذا عرفت أن إنكار ابن عيدان وصاحبه على الخطيب الكلام في هذا عين الصواب، وقد اتبعا في ذلك إمامها أحمد بن حنبل وغيره في إنكارهم ذلك على المبتدعة ففهم صاحبكم أنهما يريدان إثبات ضد ذلك وأن الله جسم وكذا ولا كذا، تعالى الله عن ذلك، وظن أيضا أن عقيدة أهل السنة هي نفي أنه لا جسم ولا جوهر ولا كذا، وقد تبين لكم الصواب أن عقيدة أهل السنة هي السكوت من أثبت بدعوه ومن نفى بدعوه، فالذي يقول ليس بجسم ولا.. ولا.. هم الجهمية والمعتزلة، والذين يثبتون ذلك هو هشام وأصحابه. والسلف بريئون من الجميع من أثبت بدعوه ومن نفى بدعوه فالمويس لم يفهم كلام الأحياء ولا كلام الأموات وجعل النفي الذي هو مذهب الجهمية والمعتزلة مذهب السلف، وظن أن من أنكر النفي أنه يريد الإثبات كهشام وأتباعه، ولكن أعجب من ذلك استدلاله على ما فهم بكلام أحمد المتقدم ومن كلام أبو الوفا ابن عقيل قال أنا أقطع أن أبا بكر وعمر ماتا عرفا الجوهر والعرض فإن رأيت أن طريقة أبي علي الجبائي وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت انتهى، وصاحبكم يدعي أن الرجل لا يكون من أهل السنة حتى يتبع أبا علي وأبا هاشم بنفي الجوهر والعرض، فإن أنكر الكلام فيهما مثل أبي بكر وعمر فهو عنده على مذهب هشام الرافضي.

(1/79)


فظهر بما قررناه أن الخطيب الذي يتكلم بنفي العرض والجوهر أخذه من مذهب الجهمية والمعتزلة، وأن ابن عيدان وصاحب أنكرا ذلك مثل ما أنكره أحمد والعلماء كلهم على أهل البدع، وقوله في الكتاب ومذهب أهل السنة إثبات من غير تعطيل ولا تجسيم ولا كيف ولا أين إلى آخره وهذا من أبين الأدلة على أنه لم يفهم عقيدة الحنابلة ولم يميز بينها وبين عقيدة المبتدعة وذلك أن إنكار الأين من عقائد أهل الباطل وأهل السنة يثبتونه اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح أنه قال للجارية أين الله ؟ فزعم هذا الرجل أن إثباتها مذهب المبتدعة وأن إنكارها مذهب أهل السنة كما قيل وعكسه بعكسه / وأما الجسم فتقدم الكلام أن أهل الحق لا يثبتونه ولا ينفونه فغلظ عليهم في إثباته، وأما التعطيل والكيف فصدق في ذلك فجمع لكم أربعة ألفاظ نصفها حق من عقيدة الحق ونصفها باطل من عقيدة الباطل وساقها مساقا واحدا وزعم أنه مذهب أهل السنة فجهل وتناقض. وقوله أيضا ويثبتون ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم من السمع والبصر والحياة والقدرة والإرادة والعلم والكلام إلى آخره، وهذا أيضا من أعجب جهله وذلك أن هذا مذهب طائفه من المبتدعة يثبتون الصفات السبع وينفون ما عداها ولو كان في كتاب الله ويؤولونه. وأما أهل السنة فكل ما جاء عن الله ورسوله أثبتوه وذلك صفات كثيرة لكن أظنه نقل هذا من كلام المبتدعة وهو لا يميز بين كلام أهل الحق من كلام أهل الباطل إذا تقرر هذا فقد ثبت خطؤه من وجوه :
الأول : أنه لم يفهم الرسالة التي بعثت إليه.
الثاني : أنه بهت أهلها بإثبات الجسم وغيره.
الثالث : أنه نسبهم إلى الرافضة، ومعلوم أن الرافضة من أبعد الناس عن هذا المذهب وأهله.
الرابع : أنه نسب من أنكر هذه الألفاظ إلى الرفض والتجسيم، وقد تبين أن الإمام أحمد وجميع السلف ينكرونه فلازم كلامه أن مذهب الإمام أحمد وجميع السلف مجسمة على مذهب الرفض.

(1/80)


الخامس : أنه نسب كلامهما إلى الفرية الجسمية فجعل عقيدة إمامه وأهل السنة فرية جسمية.
السادس : أنه زعم أن البدع اشتعلت في عصر الإمام أحمد ثم ماتت حتى أحياها أهل الوشم فمفهوم كلامه بل صريحه أن عصر الإمام أحمد وأمثاله عصر البدع والضلال وعصر ابن إسماعيل عصر السنة والحق.
السابع : أنه نسبها إلى التعطيل، والتعطيل إنما هو جحد الصفات.
الثامن : بهتهما أنهما نسبا من قبلهما من العلماء إلى التعطيل لكونهما أنكرا على خطيب المبتدعة وهذا من البهتان الظاهر.
التاسع : أنه نسبهما إلى وراثة هشام الرافضي.
العاشر : أن المسلم أخو المسلم فإذا أخطأ أخوه نصحه سرا وبين له الصواب فإذا عاند أمكنه المجاهرة بالعداوة وهذا لما راسلاه صنف عليهما ما علمت وأرسله إلى البلدان اعرفوني.. اعرفوني تراى جاي من الشام.

(1/81)


وأما التناقص وكون كلامه يكذب بعضه بعضا فمن وجوه : منها نسبهما تارة إلى التجسيم وتارة إلى التعطيل، ومعلوم أن التعطيل ضد التجسيم، وأهل هذا أعداء لأهل هذا والحق وسط بينهما، ومنها أن نسبهما إلى الجهمية وإلى المجسمة والجهمية والمجسمة بينهما من التناقض والتباعد كما بين السواد والبياض وأهل السنة وسط بينهما، ومنها : أنه يقول مذهب أهل الحق إثبات الصفات ثم يقول ولا أين ولا ولا وهذا تناقض، ومنها أنه يقول ما أثبته الله ورسوله أثبت ثم يخص ذلك بالصفات السبع فهذا عين التناقض. فعقيدته التي نسب لأهل السنة جمعها من نحو أربع فرق من المبتدعة يناقض بعضهم بعضا ويسب بعضهم بعضا ولو فهمت حقيقة هذه العقيدة لجعلتها ضحكة، ومنها : أنه يذكر عن أحمد أن الكلام في هذه الأشياء مذموم إلا ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم ثم ينقل لكم إثبات كلام المبتدعة ونفيهم ويتكلم بهذه العقيدة المعكوسة ويزعم أنها عقيدة أهل الحق. هذا ما تيسر كتابته عجلا على السراج والمأمول فيك أنك تنظر فيها بعين البصيرة، وتتأمل هذا الأمر، واعرض هذا عليه واطلب منه الجواب عن كل كلمة من هذا فإن أجابك بشيء فاكتبه وإن عرفته باطلا وإلا فراجعني فيه أبينه لك ولا تستحقر هذا الأمر فإن حرصت عليه جدا عرفك عقيدة الإمام أحمد وأهل السنة وعقيدة المبتدعة وصارت هذه الواقعة أنفع لك من القراءة في علم العقائد شهرين أو ثلاثة بسبب الخطأ والاختلاف مما يوضح الحق ويبين لخبائه.
وأما النوع الثاني : فهو كلام في الشرك والتوحيد وهو المصيبة العظمى والداهية الصما والكلام على هذا النوع والرد على هذا الجاهل يحتمل مجلدا وكلامه فيه كما قال ابن القيم إذا قرأ المؤمن تارة يبكي وتارة يضحك ولكن أنبهك منه على كلمتين :
الأولى : قوله إنهما نسبا من قبلهما إلى الخروج من الإسلام والشرك الأكبر أفيظن أن قوم موسى لما قالوا اجعل لنا إلها خرجوا من الإسلام ؟

(1/82)


أفيظن أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قالوا اجعل لنا ذات أنواط فحلف لهم أن هذا مثل قول قوم موسى اجعل لنا إلها أنهم خرجوا من الإسلام ؟ أيظن أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمعهم يحلفون بآبائهم فنهاهم وقال : (( من حلف بغير الله فقد أشرك )) أنهم خرجوا من الإسلام ؟ إلى غير ذلك من الأدلة التي لا تحصر فلم يفرق بين الشرك المخرج عن الملة من غيره ولم يفرق بين الجاهل والمعاند.
والكلمة الثانية : قوله إن المشرك لا يقول لا إله إلا الله، فياعجبا من رجل يدعى العلم وجاي من الشام يحمل كتب فلم تكلم ؟ إذ أنه لا يعرف الإسلام من الكفر ولا يعرف الفرق بين أبي بكر الصديق وبين مسيلمة الكذاب، أما علم أن مسيلمة يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلي ويصوم، أما علم أن غلاة الرافضة الذين حرقهم علي يقولونها وكذلك الذين يقذفون عائشة ويكذبون القرآن، وكذلك الذين يزعمون أن جبريل غلط وغير هؤلاء ممن أجمع أهل العلم على كفرهم منهم من ينتسب إلى الإسلام، ومنهم من لا ينتسب إليه كاليهود وكلهم يقولون لا إله إلا الله وهذا بين عند من له أقل معرفة بالإسلام من أن يحتاج إلى تبيان. وإذا كان المشركون لا يقولونها فما معنى باب حكم المرتد الذي ذكر الفقهاء من كل مذهب ؟ هل الذين ذكروهم الفقهاء وجعلوهم مرتدين لا يقولونها هذا الذي ذكر أهل العلم أنهم أكفر من اليهود والنصارى، وقال بعضهم من شك في كفر أتباعه فهو كافر وذكرهم في ( الإقناع ) في باب حكم المرتد وإمامهم ابن عربي أيظنهم لا يقولون لا إله إلا الله لكن هو آت من الشام وهم يعبدون ابن عربي جاعلين على قبره صنما يعبدونه ولست أعني أهل الشام كلهم حاشا وكلا بل لا تزال طائفة على الحق وإن قلت واغتربت لكن العجب العجاب استدلاله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى قول لا إله إلا الله، ولم يطالبهم بمعناها وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحوا

(1/83)


بلاد الأعاجم وقنعوا منهم بلفظ إلى آخر كلامه فهل يقول هذا من يتصور ما يقول فنقول أولا هو الذي نقض كلامه وكذبه بقوله دعاهم إلى ترك عبادة الأوثان فإذا كان لم يقنع منهم إلا بترك عبادة الأوثان تبين أن النطق بها لا ينفع إلا بالعمل بمقتضاها وهو ترك الشرك وهذا هو المطلوب ونحن إذا نهينا عن الأوثان المجعولة على قبر الزبير وطلحة وغيرهما في الشام أو في غيره فإن قلتم ليس هذا من الأوثان وإن دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم في الشدائد ليست من الشرك مع كون المشركين الذين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلصون لله في الشدائد ولا يدعون أوثانهم فهذا كفر، وبيننا وبينكم كلام العلماء من الأولين والآخرين الحنابلة وغيرهم وإن أقررتم أن ذلك كفر وشرك وتبين أن قول لا إله إلا الله لا ينفع إلا مع ترك الشرك، وهذا هو المطلوب وهو الذي نقول وهو الذي أكثرتم النكير فيه وزعمتم أنه لا يخرج إلا من خراسان وهذا القول كما في أمثال العامة لا وجه سميح ولا بنت رجال، لا أقول صوابا إلا خطأ ظاهرا وسبا لدين الله ولا هو أيضا قول باطل يصدق بعضه بعضا بل مع كونه خطأ فهو متناقض يكذب بعضه بعضا لا يصدر إلا ممن هو أجهل الناس وأما دعواه أن الصحابة لم يطلبوا من الأعاجم إلا مجرد هذه الكلمة ولم يعرفوهم بمعناها فهذا قول من لا يفرق بين دين المرسلين ودين المنافقين الذين في الدرك الأسفل من النار فإن المؤمنين يقولونها والمنافقين يقولونها لكن المؤمنين يقولونها مع معرفة قلوبهم بمعناها، وعمل جوارحهم بمقتضاها والمنافقون يقولونها من غير فهم لمعناها ولا عمل بمقتضاها فمن أعظم المصائب وأكبر الجهل من لا يعرف الفرق بين الصحابة والمنافقين لكن هذا لا يعرف النفاق ولا يظنه في أهل زماننا بل يظنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأما زمانه فصلح بعد ذلك وإذا كان زمانه وبلدانه ينزهون عن البدع ومخرجها من خراسان فكيف بالشرك والنفاق ؟

(1/84)


ويا ويح هذا القائل ما أجرأه على الله وما أجهله بقدر الصحابة وعلمهم حيث ظن أنهم لا يعلمون الناس لا إله إلا الله. أما علم هذا الجاهل أنهم يستدلون بها على مسائل الفقه فضلا عن مسائل الشرك، ففي الصحيحين أن عمر رضي الله عنه لما أشكل عليه قتال ما نعي الزكاة لأجل قوله صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها )) قال أبو بكر فإن الزكاة من حقها فإذا كان منع الزكاة من منع حق لا إله إلا الله فكيف بعبادة القبور والذبح للجن ودعاء الأولياء وغيرهم مما هو دين المشركين. وصرح الشيخ تقي الدين في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) بأن من ذبح للجن فالذبيحة حرام من جهتين :
من جهة أنها مما أهل لغير الله به.
ومن جهة أنها ذبيحة مرتد.
فهي كخنزير مات من غير ذكاة، ويقول ولو سمى الله عند ذبحها إذا كانت نيته ذبحها للجن ورد على من قال إنه إن ذكر اسم الله حل الأكل منها مع التحريم ـ وأما ما سألت عنه من قوله اللهم صلى على محمد إلى آخره فهذه المحامل التي ذكر غير بعيدة ولو كان الإنكار على الرجل الميت الذي صنفها والإنكار إنما هو على الخطباء والعامة الذين يسمعون، فإن كان يزعم أن عامة أهل هذه القرى كل رجل منهم يفهم هذا التأويل فهذا مكابرة، وإن كان يعرف أنهم ما قصدوا إلا المعاني التي لا تصلح إلا لله لم يمنع من الإنكار عليهم وتبين أنه شرك كون الذي قالها أولا قصد معنى صحيحا كما لو أن رجلا من أهل العلم كتب إلى عامة أن نكاح الأخوات حلال ففهموا منه ظاهرة وجعلوا يتزوجون أخواتهم خاصتهم وعامتهم لم يمنع من الإنكار عليهم وتبين أن الله حرم نكاح الأخوات كون القائل أراد الأخوات في الدين كما قال إبراهيم عليه السلام لسارة هي أختي وهذا واضح بحمد الله ولكن من انفتح له تحريف الكلم عن مواضعه نفتح له باب طويل عريض.

(1/85)


وأما النوع الثالث وهو الكلام على التقليد والاستدلال فكلامه فيه من أبطل الباطل وأظهر الكذب وهو أيضا كلام جاهل ينقض بعضه بعضا ونحن ما أردنا المعنى الذي ذكر والكلام على هذا طويل ولكن أنا كتبت له كلاما في هذا مع رسالة طويلة فاطلبه وراجعه وتأمله وتكلم لله في سبيل الله بما يرضي الله ورسوله واحذر من فتنة (( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)) فمن نجا منها فقد نجا من شر كثير ولا تغفل عن قوله في خطية ( شرح الإقناع ) من عثر على شيء مما طغى به القلم إلى آخره، وقوله في آخرها اعلم رحمك الله أن الترجيح إذا اختلف بين الأصحاب إلى آخره، وإن طمعت بالزيارة والمذاكرة من الرأس لعلك أيضا تحقق علم العقائد وتميز بين حقه من باطله، وتعرف أيضا علوم الإيمان بالله وحده والكفر بالطاغوت فتراى أشير وألزم فإن رأيت أمر الله ورسوله فهو المطلوب وإلا فقد وهبك الله من الفهم ما تميز به بين الحق والباطل إن شاء الله تعالى.
وهذا الكتاب لا تكتمه عن صاحب الكتاب بل اعرضه عليه فإن تاب وأقر ورجع إلى الله فعسى إن زعم أن له حجة ولو في كلمة واحدة أو أن في كلامي مجازفة فاطلب الدليل فإن أشكل شيء عليك فراجعني فيه حتى تعرف كلامي وكلامه، نسأل الله أن يهدينا وإياك والمسلمين إلى ما يحبه ويرضاه، وأنت لا تلمني على هذا الكلام تراني استدعيته أولا بالملاطفة وصبرت منه على أشياء عظيمة، والآن أشرفت منه على أمور ما ظننتها لا في عقله ولا في دينه : منها أنه كاتب إلى أهل الحساء يعاونهم على سب دين الله ورسوله

الرسالة الحادية والعشرون
( ص 143 )
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب سلام عليكم ورحمة الله وبركاته إلى محمد بن سلطان سلمه الله تعالى بعد.

(1/86)


لا يخفاك أنه ذكر لنا عنك كلام حسن ويذكر أيضا كلام ما هو بزين، وننتظر قدومك إلينا ونبين لك عسى الله أن يهدينا وإياك الصراط المستقيم، وجاءنا عنك أنك تقول أبغيكم تكتبون لي الدليل من قول الله وقول رسوله، وكلام العلماء على كفر الذين ينصبون أنفسهم للنذور والنخي في الشدائد، ويرضون بذلك، وينكرون على من زعم أنه شرك، ويذكرون عنك أنك تقول أبغي أعرضه على العلماء في الخرج وفي الأحساء ولكم على أني ما أقبل منهم الطفايس والكلام الفاسد فإن بينوا حجة صحيحة من الله ورسوله أو عن العلماء تفسد كلامكم وإلا اتبعت أمر الله ورسوله، واعتقدت كفر الطاغوت ومن عبدهم وتبرأت منهم فإن كنت قلت هذا فهو كلام حسن وفقك الله لطاعته ولا يخفاك أني أعرض هذا من سنين على أهل الأحساء وغيرهم وأقول كل إنسان أجادله بمذهبه إن كان شافعيا فبكلام الشافعية، وإن كان مالكيا فبكلام المالكية، أو حنبليا أو حنفيا فكذلك فإذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب لأنهم يعرفون أني على الحق وعم على الباطل وإنما يمنعهم من الانقياد التكبر والعناد على أهل نجد كما قال تعالى : (( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه )) وأنا أذكر لك الدليل على هذا الأمر وأوصيك بالبحث عنه والحرص عليه وأحذرك عن الهوى والتعصب بل أقصد وجه الله واطلب منه وتضرع إليه أن يهديك للحق وكن على حذر من أهل الأحساء أن يلبسوا عليك بأشياء لا ترد على المسألة أو يشبهوا عليك بكلام باطل كما قال تعالى ((إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون، وأنا أشهد الله وملائكته إن أتاني منهم حق لأقبلنه على الرأس والعين ولكن هيهات أن يقدر أحد أن يدفع حجج الله وبيناته.

(1/87)


واعلم أرشدك الله أن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب لمسألة واحدة هي توحيد الله وحده والكفر بالطاغوت كما قال تعالى : (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ))، والطاغوت هو الذي يسمى السيد الذي ينخى وينذر له ويطلب منه تفريج الكربات غير الله تعالى وهذا يتبين بأمرين عظيمين :
الأول : توحيد الربوبية وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا هو وهذا حق، ولكن أعظم الكفار كفرا الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون به ولم يدخلهم في الإسلام كما قال تعالى : (( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون )) فإذا تدبرت هذا الأمر العظيم وعرفت أن الكفار يقرون بهذا كله لله وحده لا شريك له، وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله كما قال تعالى : (( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله" وفي الآية الأخرى : (( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )) فإذا تبين لك هذا وعرفته معرفة جيدة بقي للمشركين حجة أخرى وهي أنهم يقولون هذا حق ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام فالجواب القاطع أن يقال لهم إن الكفار في زمانه صلى الله عليه وسلم منهم من يعتقد في الأصنام، ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات، ومنهم من يعتقد في الأصنام، ومنهم من يعتقد في الصالحين وهم الذين ذكر الله في قوله عز وجل : (( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه )) يقول تعالى هؤلاء الذين يدعونهم الكفار ويدعون محبتهم قوم صالحون يفعلون طاعة الله ومع هذا راجون خائفون، فإذا تحققت أن العلي الأعلى تبارك وتعالى ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين وأنهم لم

(1/88)


يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين وعرفت أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام ومن اعتقد في الصالحين بل قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم تبين لك حقيقة دين الإسلام وعرفت.
الأمر الثاني : وهو توحيد الآلهية وهو أنه لا يسجد إلا لله ولا يركع إلا له ولا يدعي في الرخاء والشدايد إلا هو، ولا يذبح إلا له، ولا يعبد بجميع العبادات إلا الله وحده لا شريك له وأن من فعل ذلك في نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء فقد أشرك بالله وذلك النبي أو الرجل الصالح بريء ممن أشرك به كتبرء عيسى من النصارى، وموسى من اليهود، وعلى من الرافضة وعبد القادر من الفقراء، وعرفت أن الألوهية هي التي تسمى في زماننا السيد لقوله تعالى : (( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون )). فتأمل قول نبي إسرائيل مع كونهم إذ ذاك أفضل العالمين لنبيهم اجعل لنا إلها يتبين لك معنى الإله، ويزيدك بصيرة قوله تعالى : (( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه )) فيا سبحان الله إذا كان الله يذكر عن أولئك الكفار أنهم يخلصون لله في الشدائد لا يدعون نبيا ولا وليا وأنت تعلم ما في زمانك أن أكثر ما بهم الكفر والشرك ودعاء غير الله عند الشدائد فهل بعد هذا البيان بيان، وأما كلام أهل العلم فقد ذكر في (الإقناع ) في باب حكم المرتد إجماع المذاهب كلهم على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم أنه كافر مرتد حلال المال والدم وذكر فيه أن الرافضي إذا شتم الصحابة فقد توقف الإمام في تكفيره فإن ادعى أن عليا يدعى في الشدائد والرخاء فلا شك في كفره هذا معنى كلامه في الاقناع وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما اعتقد فيه النفع والضر أناس في زمانه حرقهم بالنار مع عبادتهم فكذلك الذين يدعون شمسان وأمثاله وأجناسه لاشك في كفرهم.

(1/89)


واعلم أن هذه المسألة مسألة عظيمة جدا وهي التي خلق الله الجن والإنس لأجلها ولكن أكثر الناس لا يعلمون فأنت اعرض هذا الكلام على كل من يدعي العلم وأنا أعيذك بالله وجميع المسلمين من التكبر والعناد الذي يرد صاحبه الحق بعد ما تبين، واعلم أن أكثر القرآن في هذه المسألة وتقريرها وضرب الأمثال لها والله أعلم.

الرسالة الثانية والعشرون
( ص 149 )
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من المسلمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ( وبعد ).
أخبركم أني – ولله الحمد – عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة لكني بينت للناس إخلاص الدين لله ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم. وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وأنا صاحب منصب في قريتي مسموع الكلمة فأنكر هذا بعض الرؤساء لكونه خالف عادة نشأوا عليها، وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر وأنواع من المنكرات فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسنا عند العوام فجعلوا قدحهم وعداتهم فيما آمر به من التوحيد وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله.

(1/90)


فنقول : التوحيد نوعان، توحيد الربوبية وهو أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم وهذا حق لابد منه لكن لا يدخل الرجل في الإسلام بل أكثر الناس مقرون به قال الله تعالى : (( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ؛ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون )) وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الإلهية وهو ألا يعبد إلا الله لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث والجاهلية يعبدون أشياء مع الله فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة فنهاهم عن هذا وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعي أحد لا الملائكة ولا الأنبياء فمن تبعه ووحد الله فهو الذي يشهد أن لا إله إلا الله ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله وهذه جملة لها بسط طويل ولكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء.
فلما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها صلى الله عليه وسلم حيث قال : (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذوة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه )) وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم : (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )) وصار ناس من الضالين يدعون أناسا من الصالحين في الشدة والرخاء مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف أعني – على الداعي – وأما الصالحون الذين يكرهون

(1/91)


ذلك فحاشاهم، وبين أهل العلم أن هذا هو الشرك الأكبر عبادة الأصنام فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يدعى معه إله آخر والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل الشمس والقمر والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تنهى عن أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء الاستغاثة.

(1/92)


واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يدعون الملائكة والأولياء والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله فهم لا يدعونها إلا في الرخاء فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله قال الله تعالى : (( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم )) الآية واعلم أن التوحيد : هو إفراد الله سبحانه بالعبادة وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي كسر صور الصالحين أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله تعالى يقولون نريد منهم التقرب إلى الله تعالى ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين. فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين إبراهيم ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عن غيرهما وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو وأن جميع السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره، فإذا أدرت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى : (( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون )) وقوله تعالى : (( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل

(1/93)


أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجبر ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل فأنى تسحرون )) وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقولون بهذا كله لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد كما كانوا يدعون الله سبحانه وتعالى ليلا ونهارا خوفا وطمعا، ثم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله عز وجل ليشفعوا لهم ويدعو رجلا صالحا مثل اللات أو نبيا مثل عيسى وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم على ذلك ودعاهم على إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى : (( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا )) وقال تعالى : (( له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال )) وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم ليكون الدين كله لله والذبح كله لله والنذر كله لله ؛ والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله تعالى بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم ؛ عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا هو معنى قولك لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرة أو قبرا أو جنيا لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يقرون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم

(1/94)


يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها والكفار والجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دونه، والبراءة منه فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب.
فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمر إلا الله فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.
فإذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه : (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) الآية وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا أفادك فائدتين :
الأولى : الفرح بفضل الله وبرحمته قال الله تعالى : (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون )) وأفادك أيضا الخوف العظيم فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين : (( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة )) فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.

(1/95)


واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى : (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا )) وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى : (( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم )) فإذا عرفت ذلك عرفت أن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج كما قال تعالى : (( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله )) الآية فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: (( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)). ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حجج الله وبيناته فلا تخف ولا تحزن إن كيد الشيطان كان ضعيفا، والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى (( إن جندنا لهم الغالبون )) فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله علينا بكتابة الذي جعله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى : (( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا )) قال بعض المفسرين : هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
والحاصل أن كل ما ذكر عنا من الأشياء غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان.

(1/96)


ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين أني لما بينت لهم كلام الله وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى : (( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب )) الآية وقوله : (( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله )) وقوله : (( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )) وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله (( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار )) وغير ذلك. قالوا : القرآن لا يجوز العمل به لنا ولأمثالنا ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون قلت لهم أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم فلما أبو ذلك نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله وذكرت كل ما قالوا بعد ما صرحت الدعوة عند القبور والنذر لها فعرفوا ذلك وتحققوه فلم يزدهم إلا نفورا وأما التفكير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفر، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك، وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة وجزاء سيئة مثلها وكذلك من جاهز بسب دين الرسول بعد ما عرف فإنا نبين لكم أن هذا الحق الذي لا ريب فيه وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجال.
فرحم الله من أدى الواجب عليه وتاب إلى الله وأقر على نفسه فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

(1/97)


القسم الثالث / بيان معنى لا إله إلا الله وما يناقضها من الشرك في العبادة

الرسالة الثالثة والعشرون
( ص 161 )
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلي ثنيان بن سعود سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
سألتم عن معني قوله تعالي لنبيه صلي الله عليه وسلم : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) وكونها نزلت بعد الهجرة فهذا مصداق كلامي لكم مرارا عديدة أن الفهم الذي يقع في القلب غير فهم اللسان وذلك أن هذه المسألة من أكثر ما يكون تكرار عليكم وهي التي بوب لها الباب الثاني في كتاب التوحيد وذلك أن العلم لا يسمي علما إلا إذا أثمر وإن لم يثمر فهو جهل كما قال تعالي : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) وكما قال عن يعقوب ( وإنه لذو علم لما علمناه ) والكلام في تقرير هذا ظاهر، والعلم هو الذي يستلزم العمل ومعلوم تفاضل الناس في الأعمال تفاضلا لا ينضبط وكل ذلك بسبب تفاضلهم في العلم فيكفيك في هذا استدلال الصديق على عمر في قصة أبي جندل مع كونها من أشكل المسائل التي وقعت في الأولين والآخرين شهادة أن محمدا رسول الله، وسر المسألة العلم بلا إله إلا الله، ومن هذا قوله تعالى لنبيه صلي الله عليه وسلم ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير. ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ) فإن العلم بهذه الأصول الكبار يتفاضل فيه الأنبياء فضلا عن غيرهم، ولما نهى نوح بنيه عن الشرك أمرهم بلا إله إلا الله فليس هذا تكرارا ؛ بل هذان أصلان مستقلان كبيران وإن كانا متلازمين فالنهي عن الشرك يستلزم الكفر بالطاغوت، ولا إله إلا الله الإيمان بالله، وهذا وإن كان متلازما فيوضحه لكم الواقع وهو أن كثيرا من الناس يقول لا أعبد إلا الله وأنا أشهد بكذا وأقر بكذا ويكثر الكلام فإذا قيل له ما تقول في فلان وفلان إذا عبدا أو عبدا من دون الله قال ما علي من الناس الله أعلم بحالهم، ويظن بباطنه أن ذلك لا يجب عليه فمن أحسن الاقتران أن الله قرن بين الإيمان به والكفر بالطاغوت فبدأ بالكفر به على الإيمان بالله وقرن الأنبياء بين الأمر بالتوحيد النهى عن الشرك مع أن في الوصية بلا إله إلا الله ملازمة الذكر بهذه اللفظة والإكثار منها ويتبين عظم قدرها كما

(1/98)


بين صلى الله عليه وسلم فضل سورة ( قل هو الله أحد ) على غيرها من السور ذكر أنها تعدل ثلث القرآن مع قصرها، وكذلك حديث موسى عليه السلام فإن في ذكره ما يقتضي كثرة الذكر بهذه الكلمة كما في الحديث ( أفضل الذكر لا إله إلا الله ) والسلام

الرسالة الرابعة والعشرون
ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الرحمن بن ربيعة مطوع أهل ثادق وهي هذه :
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم : من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الرحمن بن ربيعة سلمه الله تعالى وبعد.

(1/99)


فقد وصل كتابك تسأل عن مسائل كثيرة وتذكرة أن مرادك اتباع الحق، منها مسألة التوحيد، ولا يخفاك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن له : ( إن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ) إلى آخره. فإذا كان الرجل لا يدعي إلى الصلوات الخمس إلا بعد ما يعرف التوحيد وينقاد له فكيف بمسائل جزئية اختلف فيها العلماء. فاعلم أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلي آخرهم إفراد الله بالعبادة كلها ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عن غيرهم فمن ذلك لا يدعي إلا إياه كما قال تعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) فمن عبد الله ليلا ونهارا ثم دعا نبيا أو وليا عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله لأن الإله هو المدعو كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر غيرهم وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد وغيره ومن ذبح لله ألف ضحية ثم ذبح لنبي أو غيره فقد جعل إلهين اثنين كما قال تعالى ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) والنسك هو الذبح وعلى هذا فقس. فمن أخلص العبادات لله ولم يشرك فيها غيره فهو المشرك الجاحد لقول لا إله إلا الله وهذا الشرك الذي أذكره اليوم قد طبق مشارق الأرض ومغاربها إلا الغرباء المذكورين في الحديث وقليل ما هم، وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم من كل المذاهب. فإذا أردت مصداق هذا فتأمل باب حكم المرتد في كل كتاب وفي كل مذهب وتأمل ما ذكروه في الأمور التي تجعل المسلم مرتدا يحل دمه وماله منها : من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم كيف حكى الإجماع في ( الإقناع ) على ردته ثم تأمل ما ذكروه في سائر الكتب، فإن عرفت أن في المسألة خلافا ولو في بعض المذاهب فنبهي، وإن صح عندك الإجماع على تكفير من فعل هذا أو رضيه أو جادل فيه فهذه خطوط المويس وابن اسماعيل وأحمد بن

(1/100)


يحيى عندنا في إنكار هذا الدين والبراءة منه وهم الآن مجتهدون في صد الناس عنه فإن استقمت على التوحيد وتبينت فيه ودعوت الناس إليه وجاهرت بعداوة هؤلاء خصوصا ابن يحيى لأنه من أنجسهم وأعظمهم كفرا وصبرت على الأذى في ذلك فأنت أخونا وحبيبنا وذلك محل المذاكرة في المسائل التي ذكرت، فإن بان الصواب معك وجب علينا الرجوع إليك، وإن لم تستقم على التوحيد علما وعملا ومجاهدة فليس هذا محل المراجعة في المسائل والله أعلم.

الرسالة الخامسة والعشرون
( ص169)
(رسالة جوابية للشيخ عن كتاب لم نقف عليه ويستغنى عنه بجوابه ).
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد :
قال الله سبحانه وتعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام ) وقال تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) وقال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ).
قيل إنها آخر آية نزلت، وفسر نبي الله صلى الله عليه وسلم الإسلام لجبريل عليه السلام وبناه أيضا على خمسة أركان، وتضمن كل ركن علما وعملا فرضا على كل ذكر وأنثى لقوله : ( لا ينبغي لأحد يقدم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه ).
فاعلم أن أهمها وأولاها الشهادتان وما تضمنا من النفي والإثبات من حق الله على عبيده، ومن حق الرسالة على الأمة، فإن بان لك شيء من ذلك ما ارتعت وعرفت ما الناس فيه من الجهل والغفلة والإعراض عما خلقوا له، وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية وما معهم من الدين النبوي ؛ وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ وأفعال أدركوا عليها أسلافهم نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير، ويؤيد ذلك أن الولد إذا بلغ عشر سنين غسلوا له أهله وعلموه ألفاظ الصلاة وحيي على ذلك ومات عليه.

(1/101)


أتظن من كانت هذه حاله هل شم لدين الإسلام الموروث عن الرسول رائحة ؟ فما ظنك به إذا وضع في قبره وأتاه الملكان وسألاه، عما عاش عليه من الدين بماذا يجيب ؟ : ( هاه هاه، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته )، وما ظنك إذا وقف بين يدي الله سبحانه وسأله : ماذا كنتم تعبدون وبماذا أجبتم المرسلين، بماذا يجيب ؟ رزقنا الله وإياك علما نبويا وعملا خالصا في الدنيا ويوم نلقاه آمين. فانظر يا رجل حالك وحال أهل هذا الزمان أخذوا دينهم عن آبائهم ودانوا بالعرف والعادة، وما جاز عند أهل الزمان والمكان دانوا يه وما لا فلا، فأنت وذاك، وإن كانت نفسك عليك عزيزة ولا ترضى لها بالهلاك فالتفت لما تضمنت أركان الإسلام من العلم والعمل خصوصا الشهادتين من النفي والإثبات، وذلك ثابت من كلام الله وكلام رسوله.
قيل إن أول آية نزلت قوله سبحانه بعد اقرأ : ( يا أيها المدثر، قم فأنذر ) قف عندها ثم قف ثم قف ترى العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس من أصل الأصول، وكذلك قوله تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ) وكذلك قوله تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه )

(1/102)


الآية، وكذلك قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) وغير ذلك من النصوص الدالة على حقيقة التوحيد الذي هو مضمون ما ذكرت في رسالتك أن الشيخ محمدا قرر لكم ثلاثة أصول : توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية والولاء والبراء، وهذا هو حقيقة دين الإسلام ولكن قف عند هذه الألفاظ واطلب ما تضمنت من العلم والعمل ولا يمكن في العلم إلا أنك تقف على كل مسمى منهما مثل الطاغوت أكاد سليمان والمويس وعريعر وأبا ذراع والشيطان رءوسهم كذلك قف عند الأرباب منهم أكادهم العلماء والعباد كائنا من كان أفنوك بمخالفة الدين ولو جهلا منهم فأطعتهم، كذلك قوله تعالى : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداد يحبونهم كحب الله ) يفسرها قوله تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وإخوانكم ) كذلك قوله تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) وهذه أعم مما قبلها وأضرها وأكثرها وقوعا، ولكن أظنك وكثير من أهل الزمان ما يعرف من الآلهة المعبودة إلا هبل ويغوث ويعوق ونسرا واللات والعزى ومناة، فإن جاد فهمه عرف أن المقامات المعبودة اليوم من البشر والشجر والحجر ونحوها مثل شمسان وإدريس وأبو حديدة ونحوهم منها. هذا ما أثمر به الجهل والغفلة والأعراض عن تعلم دين الله ورسوله، ومع هذا يقول لكم شيطانكم المويس أن بنيات حرمة وعيالهم يعرفون التوحيد فضلا عن رجالهم، وأيضا تعلم معنى لا إله إلا الله بدعة استغربت ذلك مني فاحضر عندك جماعة واسألهم عما يسئلون عنه في القبر هل تراهم يعبرون عنه لفظا وتعبيرا ؟ فكيف إذا طولبوا بالعلم والعلم ؟

(1/103)


هذا ما أقول لك فإن بان لك شيء من ذلك ارتعت روعة صدق على ما فاتك من العلم والعمل في دين الإسلام أكبر من روعتك التي ذكرت في رسالتك من تجهيلنا جماعتك، ولكن هذا حق من أعرض عما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله ورسوله ويبغضه ويصد عنه مهما أمكن ؟ فلما عجز عن التمرد في دينه الباطل، وقيل له أجب عن دينك وجادل دونه وانقطعت حجته أقر أن هذا الذي عليه ابن عبد الوهاب أنه هو دين الله ورسوله، قيل له : فالذي عليه أهل حرمة قال : هو دين الله ورسوله، كيف يجتمع هذا وهذا في قلب رجل واحد ؟ فكيف بجماعات عديدة بين الطائعتين من الاختلاف سنين عديدة ما هو معروف ؟ حتى أن كلا منهم شهر السيف دون دينه واستمر الحرب مدة طويلة وكل منهم يدعي صحة دينه ويطعن في دين الآخر نعوذ بالله من سوء الفهم وموت القلوب أهل دينين مختلفين وطائفتان يقتتلون كل منهم على صحة دينه، ومع هذا يتصور أن الكل دين صحيح يدخل من دان به الجنة (سبحانك هذا بهتان عظيم ) فكيف والناقد بصير، فيا رجل ألق سمعك لما فرض الله عليك خصوصا الشهادتين وما تضمنتاه من النفي والإثبات، ولا تغير باللفظ والفطرة وما كان عليه أهل الزمان والمكان فتهلك.
فاعلم أن أهم ما فرض على العباد معرفة أن العباد معرفة أن الله رب كل شيء وملكيه ومدبره بإرادته، فإذا عرفت هذا فانظر ما حق من هذه صفاته عليك بالعبودية بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء والتأله المتضمن للذل والخضوع لأمره ونهيه، وذلك قبل فرض الصلاة والزكاة ولذلك يعرف عباده بتقرير ربوبيته ليرتقوا بها إلي معرفة إلهيته التي هي مجموع عبادته على مراده نفيا وإثباتا علما وعملا جملة وتفصيلا.
( هذا آخر الرسالة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ).

(1/104)


الرسالة السادسة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلي من يصل إليه من علماء الإسلام، أنس الله بهم غربة الدين، وأحيى بهم سنة إمام المتقين، ورسول رب العالمين، سلام عليكم معشر الإخوان ورحمة الله وبركاته أما بعد :
فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير، مثل عبادة غير الله وتوابع ذلك من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور وعبادتها واتخاذها مساجد، وغير ذلك مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة وقطع العذرة، ولكن الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم :
( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدا ) فلما عظم العوام قطع عاداتهم وساعدهم على إنكار دين الله بعض من يدعي العلم وهو من أبعد الناس عنه- إذ العالم من يخشى الله –فأرضى الناس بسخط الله ؛ وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم وصدهم عن إخلاص الدين لله ؛ وأوهمهم أنه من تنقيص الأنبياء الصالحين، وهذا بعينيه هو الذي جرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن عيسى عليه السلام عبد مربوب، ليس له من الأمر شيء، قالت النصارى : إنه سب المسيح وأمه، وهكذا قالت الرافضة لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأحبهم، ولم يغل فيهم، رموه ببغض أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا في اتخاذ الأحبار والرهبان أربابآ من دون الله، قالوا لنا تنصم الأنبياء والصالحين والأولياء، والله تعالى ناصر لدينه ولو كره المشركون، وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله وكتابه ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم.

(1/105)


فأما كلام الحنابلة فقال الشيخ تقي الدين رحمة الله لما ذكر حديث الخوارج : فإذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضا ؛ وذلك بأمور منها : الغلو الذي ذمه الله تعالى كالغلو في بعض المشائخ كالشيخ عدي بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول : يا سيدي فلان أغثني أو أجرني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك ؛ فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل فإن الله أرسل الرسل ليعبده وحده لا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة أو المسيح أو العزيز أو الصالحين أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم يقولون : ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى، وقال في ( الإقناع ) في أول باب حكم المرتد : أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم فهو كافر إجماعا.

(1/106)


وأما كلام الحنفية فقال الشيخ قاسم : في شرح ( درر البحار ) النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الطعام الشمع كذا وكذا باطل إجماعا، بوجوه منها : أن النذر للمخلوق لا يجوز ومنها : أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر إلى أن قال : وقد ابتلى الناس بذلك ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي، وقال الإمام البزازي في ( فتاويه ) : إذا رأى رفض صوفية زماننا هذا في المساجد مختلطا بهم جهال العوام الذين لا يعرفون القرآن والحلال والحرام، بل لا يعرفون الإسلام والإيمان، لهم نهيق يشبه نهيق الحمير يقول : هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، فويل للقضاة والحكام حيث لا يغيرون هذا مع قدرتهم.

(1/107)


وأما كلام الشافعية فقال الإمام محدث الشام أبو شامة : وهو في زمن الشارح وابن حمدان في كتاب ( الباعث على إنكار البدع والحوادث ) : لكن نبين من هذا ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان من الإيمان من مؤاخات النساء الأجانب،، واعتقادهم في مشائخ لهم، وأطال رحمه الله الكلام – إلى أن قال :-وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا ما قد عم الابتلاء به من تزين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكى لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها وهي ما بين عيون وشجر وحائط، وفي مدينة دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة، ثم ذكر رحمه الله الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال له بعض من معه اجعل لنا ذات أنواط قال : ( الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) انتهى كلامه رحمة الله، وقال : في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) إذا كان هذا كلامه صلى الله عليه وسلم في مجرد قصد شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها فكيف بما هو أعظم منها الشرك بعينه بالقبور ونحوها ؟

(1/108)


وأما كلام المالكية فقال أبو بكر ( الطرطوشي ) في كتاب ( الحوادث والبدع ) لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط فانظروا رحمكم الله أين ما وجدتم سدرة أو شجرة، يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء لمرضاهم من قبلها، فهي ذات أنواط فاقطعوها، وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ) قال في البخاري : عن أبي الدرداء أنه قال : والله ما أعرف من أمر محمد شيئا إلا أنهم يصلون جميعا، وروى مالك في الموطأ عن بعض الصحابة أنه قال : ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة، قال الزهري : دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي... فقال : ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت، قال الطرطوشي رحمه الله : فانظروا رحمكم الله إذا كان في ذلك الزمن طمس الحق، وظهر الباطل، حتى ما بعرف من الأمر القديم إلا القبلة، فما ظنك بزمنك هذا والله المستعان.
وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم أعزهم الله أن الكلام في مسألتين :
( الأولى ) : أن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم لإخلاص الدين لله لا يجعل معه أحد في العبادة والتأله، لا ملك ولا نبي ولا قبر ولا حجر ولا شجر ولا غير ذلك، وأن من عظم الصالحين بالشرك بالله فهو يشبه النصارى وعيسي عليه السلام برئ منهم.
( والثانية ) : وجوب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام، وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء، فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه ولم تأخذه في الله لومة لائم، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

(1/109)


الرسالة السابعة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى من يصل إليه من المسلمين هدانا الله وإياهم لدينه القويم وسلوك صراطه المستقيم ورزقنا وإياهم ملة الخليلين محمد وإبراهيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد :
قال الله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) وقال تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) وقال تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) إلى قوله: ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) فيجب على كل إنسان يخاف الله والنار، أن يتأمل كلام ربه الذي خلقه هل يحصل لأحد من الناس أن يدين الله بغير دين النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ) ودين النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد وهو معرفة لا إله إلا الله، محمد رسول الله والعمل بمقتضاهما.
فإن قيل : كل الناس يقولونها، قيل منهم من يقولها، ويحسب معناها أنه لا يخلق إلا الله ولا يرزق إلا الله وأشباه ذلك ومنهم من لا يفهم معناها، ومنهم لا من لا يعمل بمقتضاها، ومنهم من لا يعقل حقيقتها، وأعجب من ذلك من عرفها من وجه، وعاداها وأهلها من وجه، وأعجب منه من أحبها وانتسب إلى أهلها، ولم يفرق بين أوليائها وأعدائها، يا سبحان الله العظيم أتكون طائفتان مختلفتين في دين واحد وكلهم على الحق كلا والله ! فماذا بعد الحق إلا الضلال فإذا قيل : التوحيد زين والدين حق إلا التكفير والقتال، قيل اعملوا بالتوحيد ودين الرسول، ويرتفع حكم التكفير والقتال، فإن كان حق التوحيد الإقرار به والإعراض عن أحكامه فضلا عن بغضه ومعاداته، فهذا والله عين الكفر وصريحة، فمن أشكل عليه من ذلك شيء فليطالع سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والسلام عائد عليكم كما بدا ورحمة الله وبركاته.

(1/110)


الرسالة الثامنة والعشرون
ومنها رسالة أرسلها إلى أهل الرياض ومنفوحة وهو إذ ذاك مقيم في بلد العيينة، وكتب إلى عبد الله بن عيسى قاضي الدرعية يسجل تحتها بما رآه من الكلام ليكون ذلك سببا لقولها، وهذا نص الرسالة :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد :
فقد قال الله تعالى : ( والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ) وذلك أن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ليبين للناس الحق من الباطل، فبين صلى الله عليه وسلم للناس جميع ما يحتاجون إليه في أمر دينهم بيانا تاما وما مات صلى الله عليه وسلم حتى ترك الناس على المحجبة البيضاء ليلها كنهارها، فإذا عرفت ذلك فهؤلاء الشياطين من مردة الإنسن يحاجون في الله من بعد ما استجيب له إذا رأوا من يعلم الناس ما أمرهم به محمد صلى الله عليه وسلم من شهادة أن لا إله إلا الله وما نهاهم عنه مثل الاعتقاد في المخلوقين الصالحين وغيرهم قاموا يجادلون ويلبسون على الناس ويقولون كيف تكفرون المسلمين كيف تسبون الأموات آل فلان أهل ضيف آل فلان أهل كذا وكذا ومرادهم بهذا لئلا يتبين معنى لا إله إلا الله، ويتبين أن الاعتقاد في الصالحين النفع والضر ودعاءهم كفر ينقل عن الملة فيقولون الناس لهم إنكم قبل ذلك جهال لأي شيء لم تأمرونا بهذا. وأنا أخبركم عن نفسي والله الذي لا إله إلا هو لقد طلبت العلم واعتقد من عرفني أن لي معرفة وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى لا إله إلا الله، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي من الله به. وكذلك مشايخي ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى لا إله إلا الله أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك فقد كذب وافترى ولبس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه. وشاهد هذا أن عبد الله بن عيسى ما نعرف في علماء

(1/111)


نجد ولا علماء العارض ولا غيره أجل منه، وهذا كلامه واصل إليكم إن شاء الله فاتقوا الله عباد الله ولا تكبروا على ربكم ولا نبيكم، واحمدوه سبحانه الذي من عليكم ويسر لكم من يعرفكم بدين نبيكم صلى الله عليه وسلم ولا تكونوا من الذين بدلوا نعمه الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار، إذا عرفتم ذلك فاعلموا أن قول الرجل : لا إله إلا الله نفى وإثبات، إثبات الألوهية كلها لله وحده ونفيها عن الأنبياء والصالحين وغيرهم، وليس معنى الألوهية أنه لا يخلق ولا ولا يرزق ولا يدبر ولا يحيى ولا يميت إلا الله فإن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرون بهذا كما قال تعالى : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فتفكروا عباد الله فيما ذكر الله عن الكفار أنهم مقرون بهذا كله لله وحده لا شريك له، وإنما كان شركهم أنهم يدعون الأنبياء والصالحين ويندبونهم وينذرون لهم ويتوكلون عليهم يريدون منهم أنهم يقربونهم إلي الله كما ذكر الله عنهم ذلك في قوله تعالى : ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إذا عرفتم ذلك فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم من أهل الخرج وغيرهم مشهورون عند الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له ويأمرون به الناس ؛ كلهم كفار مرتدون عن الإسلام ومن جادل عنهم أو أنكر على من كفرهم أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلا فلا يخرجهم إلى الكفر فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته ولا يصلي خلفه بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم كما قال تعالى : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) ومصداق هذا أنكم إذا رأيتم من يخالف هذا الكلام وينكره فلا يخلو : إما أن يدعى أنه عارف فقولوا له هذا الأمر

(1/112)


العظيم لا يغفل عنه فبين لنا ما يصدقك من كلام العلماء إذا لم تعرف كلام الله ورسوله، فإن زعم أن عنده دليلا فقولوا له يكتبه حتى نعرضه على أهل المعرفة، ويتبين لنا أنك على الصواب، ونتبعك فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قد بين لنا الحق من الباطل، وإن كان المجادل يقر بالجهل ولا يدعي المعرفة فيا عباد الله كيف ترضون بالأفعال والأقوال التي تغضب الله ورسوله، وتخرجكم عن الإسلام إتباعا لرجل يقول : إني عارف فإذا طالبتموه بالدليل عرفتم أنه لا علم عنده أو اتباعا لرجل جاهل، وتعرضون عن طاعة ربكم وما بينه نبيكم صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعده، ما قص الله عليكم في كتابه لعلكم تعتبرون فقال : ( ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ) وهؤلاء أهلكم الله بالصيحة وأنتم الآن إذا جاءكم من يخبركم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنكم فريقان تختصمون أفلا تخافون أن يصيبكم من العذاب ما أصابهم.

(1/113)


والحاصل أن مسائل التوحيد ليست من المسائل التي هي من فن المطاوعة خاصة، بل البحث عنها أو تعلمها فرض لازم على العالم والجاهل والمحرم والمحل والذكر والأنثى، وأنا لا أقول لكم : أطيعوني ولكن الذي أقول لكم إذا عرفتم أن الله أنعم عليكم وتفضل عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم والعلماء بعده، فلا ينبغي لكم معاندة محمدا صلى الله عليه وسلم، وقولكم أننا نكفر المسلمين كيف تفعلون كذا كيف تفعلون كذا، فإنا لم نكفر المسلمين بل ما كفرنا إلا المشركين وكذلك أيضآ من أعظم الناس ضلال متصوفة في معكال وغيره مثل ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض، وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية وهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر برئ من الإسلام ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته، والعجب كل العجب أن الذي يدعي المعرفة يزعم أنه لا يعرف كلام الله، ولا كلام رسوله بل يدعى أني أعرف كلام المتأخرين مثل ( الأقناع ) وغيره وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشائخ فهو كافر، سبحان الله، كيف يفعلون أشياء في كتابهم أن من فعلها كفر ومع هذا يقولون نحن أهل المعرفة وأهل الصواب وغيرنا صبيان جهال، والصبيان يقولون أظهروا لنا كتابكم ويأبون عن إظهاره أما في هذا ما يدل على جهالتهم وضلالتهم، وكذلك أيضا من جهالة هؤلاء وضلالتهم إذا رأوا من يعلم الشيوخ وصبيانهم أو البدو شهادة أن لا إله إلا الله قالوا : قولوا لهم يتركون الحرام وهذا من عظيم جهلهم فإنهم لا يعرفون إلا ظلم الأموال ؛ وأما ظلم الشرك فلا يعرفون وقد قال الله تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه أو مدح الطواغيت أو جادل عنهم خرج من الإسلام ولو كان صائما قائما من الظلم الذي لا يخرج من الإسلام بل

(1/114)


إما أن يؤدي إلى صاحبه بالقصاص وإما أن يغفره الله فبين الموضعين فرق عظيم.
وبالجملة رحمكم الله إذا عرفتم ما تقدم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد بين، الدين، كله فاعلموا أن هؤلاء الشياطين قد أحلوا كثيرا من الحرام في الربا والبيع وغير ذلك، وغير ذلك، وحرموا عليكم كثيرا من الحلال وضيقوا ما وسعه الله فإذا رأيتم الاختلاف فاسألوا عما أمر الله به ورسوله ولا تطيعوني ولا غيري، وسلام عليكم ورحمة الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لإسلام ومن علينا باتباع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وبعد :
فبقول العبد الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن : إن أول واجب على كل ذكر وأنثى معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي أرسل الله بها جميع رسله، وأنزل لأجلها جميع كتبه، وجعلها أعظم حقه على عباده كما ذكرنا الله لنا في كتابه وعلى لسان رسوله في مواضع لا تحصى، منها قوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) وقال تعالى : (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) وقال (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) وقد أمر الله عباده بالاستجابة لهذه الكلمة فقال : (استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير) وتوعد سبحانه أفضل الخلق وأكرمهم سيد ولد آدم والنبين قبله على مخالفتها فقال :

(1/115)


(ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فكيف بغيرهم من سائر الخلق، وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصمون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) فمن نصح نفسه وأهله وعياله، وأراد النجاة من النار، فليعرف شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها العروة الوثقى وكلمة التقوى، لا يقبل الله من أحد عملا إلا بها : لا صلاة، ولا صوما، ولا حجا ولا صدقة، ولا جميع الأعمال الصالحة ـ إلا بمعرفتها والعمل بها، وهي كلمة التوحيد، وحق الله على العبيد، فمن أشرك مخلوقا فيها من ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو ولي، أو صحابي وغيره، أو صاحب قبر أو جني، او غيره، أو استغاث به، أو استعان به فيما لا يطلب إلا من الله أو نر له أو ذبح له، أو توكل عليه أو رجاه أو دعاه دعاء استغاثة أو استعانة، أو جعله واسطة بينه وبين الله لقضاء حاجته، أو لجلب نفع أو كشف ضر، فقد كفر كفر عباد الأصنام القائلين ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى زلفى ) القائلين ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) كما ذكر الله عنهم في كتابه، وهم مخلدون في النار ـ وإن صاموا وصلوا وعملوا بطاعة الله الليل والنهار كما قال تعالى : ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) وغيرها من الآيات، وكذلك من ترشح بشيء من ذلك أو أحب من ترشح له، أو ذب عنه، أو جادل عنه ـ فقد أشرك شركا لا يغفر، ولا يقبل ولا تصح منه الأعمال الصالحة : الصوم والحج وغيرها : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ) ولا يقبل عمل المشركين، وقد نهى الله نبيه وعباده عن المجادلة عمن فعل مادون الشرك من الذنوب بقوله : ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) فكيف بمن جادل عن المشركين وصد عن رب العالمين ؟ فالله الله عباد لا تغتروا بمن لا يعرف شهادة أن لا إله إلا الله وتلطخ بالشرك وهو لا يشعر ؛ فقد مضى أكثر حياتي ولم أعرف من

(1/116)


أنواعه ما أعرفه اليوم، فلله الحمد على ما علمنا من دينه ولا يهولنكم اليوم أن هذا الأمر غريب فإن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ) واعتبروا بدعاء أبينا إبراهيم عليه السلام بقوله في دعائه : (واجبني وبني أن نعبد الأصنام. رب إنهن أضللن كثيرا من الناس) ولولا ضيق هذه الكراسة وأن الشيخ محمدا أجاد وأفاد بما أسلفه من الكلام فيها لأطلنا الكلام. وأما الاتحادي ابن عربي صاحب النصوص المخالف للنصوص، وابن الفارض الذي لدين الله محارب وبالباطل للحق معارض، فمن تمذهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلا، وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين، فإن ابن عربي، وابن الفارض ينتحلان نحلا تكفرهما وقد كفرهم كثير من العلماء العاملين فهؤلاء يقولون كلاما أخشى المقت من الله في ذكره فضلا عمن انتحله، فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما وجب هجره وعزله عن الولاية إن كان ذا ولاية من إمامة أو غيرها فإن صلاته غير صحيحة لا لنفسه ولا لغيره، فإن قال جاهل أرى عبد الله توه يتكلم في هذا الأمر، فيعلم أنه إنما تبين لي الآن وجوب الجهاد في ذلك علي وعلى غيري لقوله تعالى: ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) إلى أن قال : ( ملة أبيكم إبراهيم ) وصلى الله على محمد وآله وسلم.

(1/117)


الرسالة التاسعة والعشرون
ومنها الرسالة التي أرسلها إلي بعض البلدان قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد : فاعلموا رحمكم الله أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس بشيرا ونذيرا مبشرا لمن اتبعه بالجنة ومنذرا لمن لا يتبعه بالنار، وقد علمتم إقرار كل من له معرفة أن التوحيد الذي بينا للناس هو الذي أرسل الله به رسله، حتى كل مطوع معاند يشهد بذلك وأن الذي عليه غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين وفي غيرهم هو الشرك الذي قال الله فيه : ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ) فإذا تحققتم هذا، وعرفتم أنهم يقولون لو يترك أهل العارض التكفير والقتال كانوا على دين الله ورسوله، ونحن ما جئناكم في التكفير والقتال لكن ننصحكم بهذا الذي قطعتم أنه دين الله ورسوله إن كنتم تعلمونه وتعملون به إن كنتم من أمة محمد باطنا وظاهرا وأنا أبين لكن هذه بمسألة القبلة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته يصلون والنصارى يصلون ولكن قبلته صلى الله عليه وسلم وأمته بيت الله وقبلة النصارى مطلع الشمس فالكل منا ومنهم يصلي ولكن اختلفنا في القبلة، ولو أن رجلا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقر بهذا، ولكن يكره من يستقبل القبلة ويحب من يستقبل الشمس أتظنون أن هذا مسلم، وهذا ما نحن فيه فالنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله بالتوحيد، وأن لا يدعى مع الله أحد لا نبي ولا غيره والنصارى يدعون عيسى رسول الله، ويدعون الصالحين يقولون ليشفعوا لنا عند الله فإذا كان كل مطوع مقرا بالتوحيد فاجعلوا التوحيد مثل القبلة واجعلوا الشرك مثل استقبال المشرق مع أن هذا أعظم من القبلة، وأنا أنصحكم لله وأنخاكم لا تضيعوا حظكم من الله، وتحبون دين النصارى على دين نبيكم فما ظنكم بمن واجه الله وهو يعلم من قلبه أنه عرف أن التوحيد دينه ودين رسوله وهو يبغضه ويبغض من اتبعه، ويعرف أن دعوة غيره هو الشرك، ويحبه ويحب من اتبعه أتظنون أن الله يغفر لهذا ؟ والنصيحة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما القلب
الخالي من ذلك فلا والسلام.

(1/118)


الرسالة الثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأخ فايز سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد :
مسألة الشرك بالله بينها الله سبحانه، وأكثر الكلام فيها، وضرب لها الأمثال ؛ ومن أعظم ما ذكر فيها قوله : ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) مع أن الذين طلبوا منه ليس شرك القلب، وأما كونك تعرفه مثل معرفة الفواحش، وتكرهه كما تكرهها فهذا له سببان أحدهما : اللجوء إلى الله، وكثرة الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم بحضور قلب، الثاني: الفكرة في المثل الذي ضربه الله في سورة الروم بقوله : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم ) فإذا أمعنت النظر وتأملت لو أن رجلا يشرك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين مسيلمة في الرسالة أنها أكبر قبحا من الفواحش فكيف لو يشرك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين امرأة زانية، وأنت تعرف أن أهل بلد لو يصلون على شيخهم أو إمامهم كما يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم أعد هذا من أعظم الفواحش بكثير، فإذا وازنت بين هذا وبين ما يفعله أكثر الناس اليوم من دعوة الله ودعوة أبي طالب أو الكواز، أو أخس الناس، أو شجرة أو حجر أو غير ذلك تبين لك أن الأمر أعظم مما ذكرنا بكثير، لكن الذي غير القلوب أن هذا تعودته وألفته، وتلك الأنواع لم تعودها القلوب فلذلك تكرهها لأن القلوب على الفطرة إلا أن تتغير إذا كبرت بالعادات والسلام.

(1/119)


القسم الرابع / بيان الأشياء التي يكفر مرتكبها ويجب قتاله والفرق بين فهم الحجة وبيان قيام الحجة

ص 203
الرسالة الحادية والثلاثون
ومنها رسالة كتبها إلى أحمد بن إبراهيم مطوع مرات من بلدان الوشم وكان قد أرسل إليه رسالة فأجابه الشيخ بهذه.
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن إبراهيم هدانا الله وإياه وبعد :
ما ذكرت من مسألة التكفير، وقولك أبسط الكلام فيها فلو بيننا اختلاف أمكنني أن أبسط الكلام أو أمتنع، وأما إذا اتفقنا على الحكم الشرعي لا أنت بمنكر الكلام الذي كتبت إليك، ولا أنا بمنكر العبارات التي كتبت إلي، وصار الخلاف في أناس معينين إقرار أن التوحيد الذي ندعو إليه دين الله ورسوله، وأن الذي ننهي عنه في الحرمين والبصرة والحسا هو الشرك بالله، ولكن هؤلاء المعينون هل تركوا التوحيد بعد معرفته وصدوا الناس عنه ؟ أم فرحوا به وأحبوه ودانوا به وتبرأوا من الشرك أهله ؟ فهذه ليس مرجعها إلى طالب العلم بل مرجعها إلى علم الخاص والعام.مثال ذلك إذا صح أن أهل الحسا والبصرة يشهدون أن التوحيد الذي نقول دين الله ورسوله، وأن هذا المفعول عندهم في الأحياء والأموات هو الشرك بالله، ولكن أنكروا علينا التكفير والقتال خاصة. والمرجع في المسألة إلى الحضر والبدو والنساء، والرجال هل أهل قبة الزبير وقبة الكواز تابو من دينهم وتبعوا ما أقروا به من التوحيد؟ أو هم على دينهم، ولو يتكلم الإنسان بالتوحيد فسلامته على أخذ ماله، فإن كنت تزعم أن الكواوزة، وأهل الزبير تابوا من دينهم وعادوا من لم يتب فتبعوا ما أقروا به، وعادوا من خالفه هذا مكابرة، وإن أقررتم أنهم بعد الإقرار أشد عداوة ومسبة للمؤمنين والمؤمنات كما يعرفه الخاص والعام، وصار الكلام في أتباع المويس، وصالح بن عبد الله هل هم مع أهل التوحيد؟ أم هم مع الأوثان ؟ بل أهل الأوثان معهم وهم حزبة العدو وحاملوا الراية، فالكلام في هذا نحيله على الخاص والعام فودى أنك تسرع بالنفور فتتوجه إلى الله وتنظر نظر من يؤمن بالجنة والخلود فيها ويؤمن بالنار والخلود فيها، وتسأله بقلب حاضر أن يهديك الصراط المستقيم هذا مع أنك تعلم ما جرى من ابن إسماعيل، وولد ابن ربيعة سنة الحبس لما شكونا عند أهل قبة أبي طالب يوم يكسيه صاية، وجميع من معك من خاص وعام معهم إلى الآن، وتعرف روحة المويس وأتباعه

(1/120)


لأهل قبة الكواز، وسية طالب يوم يكسيه صاية، ويقول لهم طالع الناس ينكرون قببكم، وقد كفروا وحل دمهم ومالهم وصار هذا عندك وعند أهل الوشم، وعند أهل سدير والقصيم من فضائل المويس ومناقبه، وهم على دينه إلى الآن مع أن المكاتيب التي أرسلها علماء الحرمين مع المزيودي سنة الحبس عندنا إلى الآن تتناك، وقد صرحوا فيها أن من أقر بالتوحيد كفر وحل ماله ودمه وقتل في الحل والحرم ويذكرون دلائل على دعاء الأولياء في قبورهم، منها قوله تعالى ( لهم ما يشاءون عند ربهم ) فإن كانت ليست عندك، ولا صبرت إلى أن تجيء فأرسل إلى ولد محمد بن سليمان في وشيقر ولسيف العتيقي يرسلونها إليك ويجيبون عن قوله : (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) أنهم يدعون على أنهم المعطون المانعون بالأصالة، وأما دعوتهم على أنهم شفعاء فهو الدين الصحيح، ومن أنكره قتل في الحل والحرم، وأيضا جاءنا بعض المجلد الذي صنفه القباني، واستكتبوه أهل الحسا، وأهل نجد وفيه نقل الإجماع على تحسين قبة الكواز وأمثالها، وعبادتها وعبادة سية طالب ويقول في تصنيفه إنه لم يخالف في تصنيفه إلا ابن تيمية وابن القيم، وعشرة أنا عاشرهم فالجميع اثنا عشر، فإذا كان يوم القيامة اعتزلوا وحدهم عن جميع الأمة وأنتم إلى الآن على ما تعلم مع شهادتكم أن التوحيد دين الله ورسوله وأن الشرك باطل وأيضا مكاتيب أهل الحسا موجودة، فأما ابن عبد اللطيف وابن عفالق وابن مطلق فحشوا بالزبيل أعني : سبابة التوحيد واستحلال دم من صدق به أو أنكر الشرك، ولكن تعرف ابن فيروز أنه أقربهم إلى الإسلام وهو رجل من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ وابن القيم خاصة ومع هذا صنف مصنفا أرسله إلينا قرر فيه هذا الذي يفعل عند قبر يوسف وأمثاله هو الدين الصحيح واستدل في تصنيفه بقول النابغة :
أيا قبر النبي وصاحبيه ووا مصيبتنا لو تعلمونا
وفي مصنف ابن مطلق الاستدلال بقول الشاعر :

(1/121)


وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب
ولكن الكلام الأول أبلغ من هذا كله وهو شهادة البدو والحضر والنساء والرجال أن هؤلاء الذين يقولون التوحيد دين الله ورسوله، ويبغضونه أكثر من بغض اليهود والنصارى، ويسبونه، ويصدون الناس عنه، ويجاهدون في زواله وتثبيت الشرك بالنفس والمال خلاف ما عليه الرسل وأتباعهم، فإنهم يجاهدون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وأما قولك أبغي أشارو إبراهيم فلا ودي تصير ثالثا لابن عباد وابن عيد، أما ابن عباد فبقول أي شيء أفعل بالعناقر، وإلا فالحق واضح ونصحتهم وبينت لهم. وابن عيد أنت خابره حاول إبراهيم في الدخول في الدين، وتعذر من الناس أن إبراهيم ممتنع يا سبحان الله ! إذا كان أهل الوشم أهل سدير وغيرهم يقطعون أن كل مطوع في قرية لو ينقاد شيخها ما منهم أحد يتوقف كيف يكون قدر الدين عندكم ؟ كيف قدر رضا الله والجنة ؟ كيف قدر النار وغضب الله ؟ ولكن ودي تفكر فيما تعلم لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان، وبإجماع أهل العلم أنهم لا يقال فيهم إلا الحسنى مع أنهم عثو في دمائهم، ومعلوم أن كلا من الطائفتين : أهل العراق، وأهل الشام معتقدة أنها على الحق والأخرى ظالمة، ونبغ من أصحاب علي من أشرك بعلي وأجمع الصحابة على كفرهم وردتهم وقتلهم، لكن حرقهم علي، وابن عباس يرى قتلهم بالسيف أترى أهل الشام لو حملهم مخالفة علي على الاجتماع بهم، والاعتذار عنهم والمقاتلة معهم لو امتنعوا أترى أحدا من الصحابة يشك في كفر من التجأ إليهم ؟ ولو أظهر البراءة من اعتقادهم، وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان، فتفكر في هذه القضية فإنها لا تبقى شبهة إلا على من أراد الله فتنته، وغير ذلك قولك أريد أمانا على كذا وكذا فأنت مخالف والخاص والعام يفرحون بجيتك مثل ما فرحوا بجية ابن غنام، والمنقور، وابن عضيب مع أن ابن عضيب أكثر الناس سبا لهذا الدين الآن وراحوا موقرين

(1/122)


محشومين كيف لو تجيء أنت كيف تظن أن بجيئك ما تكره، فإن أردت تجديد الأمان على مابغيت فاكتب لي، ولكن تعرف حرصي على الكتب، فإن عزمت على الراضة وعجلتها على قبلك فتراها على بنو الخير، وإن ما جاز عندك كلها فبعضها ولو مجموع ابن رجب ترى ماجاءنا فهو عارية مؤداة وإن لم تأتنا.
قال ابن القيم في النونيه :
يا فرقة جهلت نصوص نبيها ... وقصوده وحقائق الإيمان
فسطوا على أتباعه وجنوده ... بالبغي والتكفير والطغيان
لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا فرقان

المراد تعريفك لما صدقتك وأن لك نظرا في الحق أن في ذلك الزمان من يكفر العلماء إذا ذكروا التوحيد، ويظنونه تنقيصا للنبي صلى الله عليه وسلم فما ظنك بزمانك هذا ؟ وإذا كان المكفرون ممن يعدون من علمائهم فما ظنك بولد المويس وفاسد وأمثالهما يوضحه تسجيلهم على جواب علماء مكة ونشره وقراءته على جماعتهم ودعوتهم إليه. ذكر ابن عبد الهادي في مناقب الشيخ لما ذكر المحنة التي نالته بسبب الجواب في شد الرحل فالجواب الذي كفروه بسببه ذكر أن كلامه في هذا الكتاب أبلغ منه، فالعجب إذا كان هذا الكتاب عندك والعلماء في زمن الشيخ كفروه بكلام دونه فكيف بالمويس وأمثاله لا يكفروننا بمحض التوحيد ؟ وذكر ابن القيم في النونية ما يصدق هذا الكلام لما قالوا له إنك مثل الخوارج رد عليهم بقوله :

من لي بمثل خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا إحسان

(1/123)


ثم ذكر في البيت الثاني أن هؤلاء لا يكفروننا بمحض الإيمان والخوارج يكفرون بالذنوب، وكلامي هذا تنبيه أن إنكار التوحيد متقدم، وكذلك التفكير لمن اتبعه، وأنت لا تعتقد أن الزمان صلح بعدهم، ولا تعتقد أن المويس وأمثاله أجل وأورع من أولئك الذين كفروا الشيخ وأتباعه، وعد ابن عبد الهادي من كتبه كتاب ( الاستغاثة ) مجلد ولفانا من الشام مع مربد. وسببه أن رجلا من فقهاء الشافعية يقال له ابن البكري عثر على جواب للشيخ في الاستغاثة بالموتى، فأنكر ذلك، وصنف مصنفا في جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث الله فيه، وصرح بتكفير الشيخ في ذلك الكتاب وجعله مستنقصا للأنبياء وأورد فيه آيات وأحاديث. فصنف الشيخ كتاب ( الاستغاثة ) ردا على ابن البكري وقرر فيه مذهب الرسل وأتباعهم، وذكر أن الكفار لم يبلغ شركهم هذا بل ذكر الله عنهم أنهم إذا مسهم الضر أخلصوا ونسوا ما يشركون، والمقصود أن في زمن الشيخ ممن يدعي العلم والتصنيف من أنكر التوحيد، وجعله سبا للأنبياء والأولياء، وكفر من ذهب إليه، فكيف تزعم أن عبدة قبة الكواز وأمثالها ما أنكروه ؟ بل تزعم أنهم قبلوه ودانوا به وتبرءوا من الشرك، ولا أنكروا إلا تكفير من لا يكفر، وأعظم وأطم أنكم تعرفون أن البادية كفروا بالكتاب كله، وتبرءوا من الدين كله واستهزءوا بالحضر الذين يصدقون بالبعث، وفضلوا حكم الطاغوت على شريعة الله واسهزءوا بها مع إقرارهم بأن محمدا رسول الله وأن كتاب الله عند الحضر لكن كذبوا وكفروا واستهزءوا عنادا، ومع هذا تنكرون علينا كفرهم وتصرحون بأن من قال لا إله إلا الله لا يكفر، ثم تذكر في كتابك أنك تشهد بكفر العالم العابد الذي ينكر التوحيد، ولا يكفر المشركين، ويقول هؤلاء السواد الأعظم ما يتيهون، فإن قلم إن الأولين وإن كانوا علماء فلم يقصدوا مخالفة الرسول بل جهلوا، وأنتم وأمثالكم تشهدون ليلا ونهارا أن هذا الذي أخرجنا للناس من التوحيد

(1/124)


وإنكار الشرك أنه دين الله ورسوله، وأن الخلاف منا والتكفير والقتال، ولو قدرنا أن غيركم يعذر بالجهل فأنتم مصرحون بالعلم والله أعلم.

الرسالة الثانية والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى محمد بن فارس، سلام عليكم، وبعد :
الواصل إليكم مسألة التكفير من كلام العلماء، وذكر في ( الإقناع ) إجماع المذاهب كلها على ذلك، فإن كان عند أحد كلمة تخالف ما ذكروه في مذهب من المذاهب فيذكرها وجزاه الله خيرا، وإن كان يبغي يعاند كلام الله وكلام رسوله، وكلام العلماء، ولا يصغي لهذا أبدا فاعرفوا أن هذا الرجل معاند ما هو بطلاب حق، وقد قال الله تعالى : (( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون)) والذي يدلكم على هذا أن هؤلاء يعتذرون بالتكفير إذا تأملتهم إذا أن الموحدين أعداؤهم يبغضونهم ويستثقلونهم، والمشركون والمنافقون هم ربعهم الذين يستأنسون إليهم، ولكن هذه قد جرت من رجال عندنا في الدرعية وفي العيينة الذين ارتدوا وأبغضوا الدين.
وقال أيضا رحمه الله تعالى.
اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة :
الأول : الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى : (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو القباب.
الثاني : من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر إجماعا.
الثالث : من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر إجماعا.
الرابع : من اعتقد أن غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه فهو كافر.
الخامس : من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفر إجماعا، والدليل قوله تعالى : (( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ))

(1/125)


السادس : من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر والدليل قوله تعالى : (( قل أبا لله وآياته ورسوله تستهزؤن، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ))
السابع : السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضى به كفر والدليل قوله تعالى : (( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ))
الثامن : مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى : (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين ))
التاسع :من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه صلى الله عليه وسلم وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى عليهما السلام فهو كافر.
العاشر : الأعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى :(( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون )) ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرا، ومن أكثر ما يكون وقوعا فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه وصلى الله على محمد.

الرسالة الثالثة والثلاثون
(ص215)
ومنها رسالة أرسلها جوابا لرجل من أهل الحسا يقال له أحمد بن عبد الكريم وكان قد عرف التوحيد وكفر المشركين، ثم إنه حصل له شبهة في ذلك، بسبب عبارات رآها في كلام الشيخ تقي الدين ففهم منها غير مراد الشيخ رحمه الله قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلي أحمد بن عبد الكريم، سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

(1/126)


أما بعد، فقد وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت وتذكر أن عليك إشكالا تطلب إزالته، ثم ورد منك مراسلة تذكر أنك عثرت على كلام الشيخ أزال عنك الإشكال فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام وعلى أي شيء يدل كلامه على أن من عبد الأوثان عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى وسب دين الرسول بعد ما شهد به مثل سب أبي جهل أنه لا يكفر بعينه، بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح ابن عبد الله وأمثالهما كفرا ظاهرا ينقل عن الملة فضلا عن غيرهما، هذا صريح واضح في كلام ابن القيم الذي ذكرت وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء، وسب دين الرسل بعد ما أقر به ودان بعبادة الأوثان بعد ما أقر بها، وليس في كلامي هذا مجازفة بل أنت تشهد به عليهم ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه. وأنا أخاف عليك من قوله تعالى : ((ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)) والشبهة التي دخلت عليك هذه البضيعة التي في يديك تخاف تغذى أنت وعيالك إذا تركت بلد المشركين وشاك في رزق الله، وأيضا قرناء السوء أضلوك كما هي عادتهم، وأنت والعياذ بالله تنزل درجة درجة أول مرة في الشك، وبلد الشرك وموالاتهم والصلاة خلفهم، وبراءتك من المسلمين مداهنة لهم، ثم بعد ذلك طحت على ابن غنام وغيره، وتبرأت من ملة إبراهيم، وأشهدتهم على نفسك باتباع المشركين من غير إكراه لكن خوف ومداراة، وغاب عنك قوله تعالى في عمار بن ياسر وأشباهه : (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) إلى قوله : (( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على طمأنينة قلبه. والإكراه لا يكون على العقيدة بل على القول والفعل فقد صرح بأن من قال المكفر أو فعله فقد كفر إلا المكره بالشرط المذكور، وذلك أن ذلك بسبب العقيدة فتفكر في نفسك هل أكرهوك وعرضوك على السيف مثل عمار أم لا ؟ وتفكر

(1/127)


هل هذا بسبب أن ته عقيد تغيرت أم بسبب إيثار الدنيا ؟ ولم يبق عليك إلا رتبة واحدة وهي : أنك تصرح مثل ابن رفيع تصريحا بمسبة دين الأنبياء، وترجع إلى عبادة العيدروس وأبي حديدة وأمثالهما، ولكن المر بيد القلوب فأول ما أنصحك به أنك تفكر هل هذا الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظهر نبيك صلى الله عليه وسلم ينهي عنه أهل مكة، أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه ؟ أم هذا أغلظ فإذا أحكمت المسألة، وعرفت أن غالب من عندكم سمع الآيات وسمع كلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وأقر به وقال أشهد أن هذا هو الحق ونعرفه قبل ابن عبد الوهاب، ثم بعد ذلك يصرح بمسبة ما شهد أنه الحق، ويصرح بحسن الشرك وأتباعه وعدم البراءة من أهله فتفكر هل هذه مسألة أو مسألة الردة الصريحة التي ذكرها أهل العلم في الردة ؟ ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر. أما استدلالك بترك النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم فقد عرفه الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون كلمة واحدة أو فعلا واحدا من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد الذي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم يقتلون أشر قتله فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين الذي تشهد أنه دين الرسول صلى الله عليه وسلم، وتبرؤا من أشرك بالقول والفعل، ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول وقتلوا الطواغيت وهدموا البيوت المعبودة فقل لي، وإن كنت تزعم أن الشرك الذي خرج عليه رسول الله عليه وسلم أكبر من هذا فقل لي وإن كنت تزعم أن الإنسان إذا أظهر الإسلام لا يكفر إذا أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين، وأظهر سب دين الأنبياء وسماه دين أهل العارض وأفتى بقتل من أخلص لله الدين وإحراقه وحل ماله فهذه مسألتك، وقد قررتها وذكرت أن من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدا ولم

(1/128)


يكفروه من أهل الملة، أما ذكرت قول الله تعالى: (( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض )) إلى قوله: (( ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا )) واذكر قوله : (( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها )) إلى قوله : (( فخذوهم واقتلوهم )) واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء : (( أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون )) واذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أشخص رجلا معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله فأي هذين أعظم ؟ تزوج امرأة الأب أو سب دين الأنبياء بعد معرفته، واذكر أنه قد هم بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة حتى كذب الله من نقل ذلك، واذكر قوله في أعبد هذه الأمة وأشدهم اجتهادا : (( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة )) واذكر قتال الصديق وأصحابه ما نعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم ؛ واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة، وكفرهم، وردتهم لما قالوا كلمة في تقرير بنوه مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا، والمسألة في صحيح البخاري وشرحه في الكفالة، واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على أن من زعم أن الخمر تحل للخواص مستدلا بقوله تعالى : (( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طمعوا )) مع كونه من أهل بدر، وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في على مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر، وردتهم، وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم أحياء فخالفه ابن عباس في الإحراق وقال : يقتلون بالسيف، مع كونهم من أهل القرن الأول أخذوا العلم عن الصحابة، واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم على قتل الجعد بن درهم. قال ابن القيم :
شكر الضحية كل سنة لله درك من أخي قربان

(1/129)


ولو ذهبنا نعدد من كفره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام لكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد ملوك مصر، وطائفتهم وهم يدعون أنهم من أهل البيت، ويصلون الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين أجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم، واذكر كلامه في ( الإقناع ) و(شرحه) في الردة كيف ذكروا أنواعا كثيرة موجودة عندكم، ثم قال منصور : وقد عمت البلوى بهذه الفرق وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد نسأل الله العفو والعافية. هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر قتل الواحد منهم وحكم ماله هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة من أصحابه إلى زمن منصور إن هؤلاء يكفر أنواعهم لا أعيانهم. وأما عبارة الشيخ التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله ولو نقول بها لكفرنا كثيرا من المشاهير بأعيانهم فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فإذا كان المعين، يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله : (( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه )) وقوله (( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)) وإذا كان كلام الشيخ ليس في الشرك والردة بل في المسائل الجزئيات سواء كانت من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم في مسائل الصفات أو مسألة القرآن أو مسألة الاستواء أو غير ذلك مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره، ويرجحونه ويسبون من خالفه. فلو قدرنا أنها لم تقم الحجة على غالبهم قامت على هذا المعين الذي يحكي مذهب الأشعري ومن معه فكلام الشيخ في هذا النوع يقول : إن السلف كفروا النوع،

(1/130)


وأما المعين فإن عرف الحق وخالف كفر بعينه وإلا لم يكفروا. وأنا أذكر لك من كلامه ما يصدق هذا لعلك تنتفع إن هداك الله وتقوم عليك الحجة قياما بعد قيام، وإلا فقد قامت عليك وعلى غيرك قبل هذا. وقال رحمه الله في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) في الكلام على قوله (( وما أهل لغير الله به )) ظاهره أنه ما ذبح لغير الله حرم سواء لفظ به أو لم يلفظ وهذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه، فإن عبادة الله والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالنسك لغيره أعظم من الاستعانة باسمه، وعلى هذا لو ذبح لغير الله متقربا إليه وإن قال فيه بسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا الباب ما قد يفعله الجاهلون بمكة وغيرها من الذبح للجن انتهى كلامه بحروفه، فانظر كلامه لمن ذبح لغير الله وسمى الله عليه عند الذبح أنه مرتد تحرم ذبيحته ولو ذبحها للأكل، لكن هذه الذبيحة تحرم من جهتين : من جهة أنها مما أهل به لغير الله، وتحرم أيضا لأنها ذبيحة مرتد يوضح ذلك ما ذكرته أن المنافقين إذا أظهروا نفاقهم صاروا مرتدين فأين هذا من نسبتك عنه أنه لا يكفر أحد بعينه، وقال أيضا في أثناء كلامه على المتكلمين ومن شاكلهم لما ذكر عن أئمتهم شيئا من أنواع الردة والكفر.

(1/131)


وقال رحمة الله وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين، وكثير منهم تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق والحكاية عنهم في ذلك مشهورة.

(1/132)


وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفا في أول ( مختلف الحديث )، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في الردة كما صنف الفخر الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين هذا لفظه بحروفه. فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية، وبين ما نحن فيه في كفر المعين وتأمل تكفيره رؤوسهم فلانا وفلانا بأعيانهم وردتهم ردة صريحة، وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن الإسلام مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه أن المعين لا يكفر ؟ ولو دعا عبد القادر في الرخاء والشدة ولو أحب عبد الله بن عون وزعم أن دينه حسن مع عبادته أبي حديدة ولو أبغضك واستنجسك مع أنك أقرب الناس إليه لما رآك ملتفتا بعض الالتفات إلى التوحيد، مع كونك توافقهم على شيء من شركهم وكفرهم. وقال الشيخ أيضا : في رده على بعض المتكلمين وأشباههم : والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة وفيهم زهد وأخلاق فهذا لا يوجب السعادة إلا بالإيمان بالله وحده وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن، وأهل الرأي والعلم بمنزلة الملك والإمارة فكل منهم لا ينفعه ذلك إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويتخذه إلها دون ما سواه وهو معنى قول لا إله إلا الله، وهذا ليس في حكمتهم ليس فيها إلا أمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة المخلوقات، بل كل شرك في العالم إنما حدث بزي جنسهم فهم الآمرون بالشرك الفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء ـ وإن رجح الموحدين ترجيحا ما فقد يرجح غيره المشركين وقد يعرض عن الأمرين جميعا، فتدبر هذا فإنه نافع جدا، وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لابد فيه من التوحيد بإخلاص الدين كله لله وعبادته وحده لا شريك له وهذا شيء لا يعرفونه، والتوحيد الذي يدعونه إنما هو تعطيل حقائق

(1/133)


الأسماء والصفات فلو كانوا موحدين بالكلام وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله لكان معهم التوحيد دون العمل وذلك لا يكفيء في النجاة، بل لابد أن يعبد الله وحده ويتخذه إلها دون ما سواه، وهو معنى قوله : لا إله إلا الله فكيف وهم في القول معطلون جاحدون ولا مخلصون انتهى. فتأمل كلامه واعرضه على ماغرك به الشيطان من الفهم الفاسد الذي كذبت به الله ورسوله، وإجماع الأمة، وتحيزت به إلى عبادة الطواغيت فإن فهمت هذا وإلا أشير عليك أنك تكثر من التضرع والدعاء إلى من الهداية بيده فإن الخطر عظيم فإن الخلود في النار جزاء الردة الصريحة ما يسوى بضيعة تربح تومانا أو نصف تومان وعندنا ناس يجيئون بعيالهم بلا مال ولا جاعوا ولا شحذوا وقد قال الله في هذه المسألة : (( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون، وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم والله أعلم.

الرسالة الرابعة والثلاثون
(ص225)
ومنها رسالة كتبها الشيخ رحمه الله إلى سليمان بن سحيم صاحب تلك الرسالة التي شنع بها على الشيخ المتقدمة قبل ذلك وجوابها، وكان الشيخ رحمه الله قد أرسل له وتلطف له قبل ذلك فلما تبين للشيخ أنه معاند للحق والإيمان ومن أعوان أهل الشرك والطغيان كتب له هذه الرسالة وهذا نص الرسالة :
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/134)


الذي يعلم به سليمان بن سحيم أنك زعجت قرطاسة فيها عجائب، فإن كان هذا قدر فهمك فهذا من أفسد الأفهام، وإن كنت تلبس به على الجهال فما أنت برابح وقبل الجواب نذكر لك أنك أنت وأباك مصرحون بالكفر والشرك والنفاق، ولكن صائر لكم عند جماعة في معكال قصاصيب وأشباههم يعتقدون أنكم علماء، ونداريكم ودنا أن الله يهديكم ويهديهم وأنت إلى الآن أنت وأبوك لا تفهمون شهادة أن لا إله إلا الله أنا أشهد بهذا شهادة يسألني الله عنها يوم القيامة أنك لا تعرفها إلى الآن ولا أبوك، ونكشف لك هذا كشفا بينا لعلك تتوب إلى الله وتدخل في دين الإسلام إن هداك الله، وإلا تبين لكل من يؤمن بالله واليوم الآخر حالكما، والصلاة وراءكما وقبول شهادتكما وخطكما، ووجوب عداوتكما كما قال تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله وأكشف عن ذلك بوجوه :
الأول : أنكم تقرون أن الذي يأتيكم من عندنا هو الحق وأنت تشهد به ليلا ونهارا، وإن جحدت هذا شهد عليك الرجال والنساء ثم مع هذه الشهادة أن هذا دين الله وأنت وأبوك مجتهدان في عداوة هذا الدين ليلا ونهارا ومن أطاعكما، وتبهتون وترمون المؤمنين بالبهتان العظيم، وتصورون على الناس الأكاذيب الكبار فكيف تشهد أن هذا دين الله ثم تتبين في عداوة من تبعه ؟
( الوجه الثاني) : أنك تقول إني أعرف التوحيد وتقر أن من جعل الصالحين وسائط فهو كافر والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرأه لهم وتحضرهم وهم ينخون ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك، فإذا كنت تعرف أن هذا كفر فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم ؟

(1/135)


( الوجه الثالث ) : أن تعليقهم التمائم من الشرك بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر تعليق التمائم صاحب (الإقناع) في أول الجنائز وأنت تكتب الحجب وتأخذ عليها شرطا حتى إنك كتبت لامرأة حجابا لعلها تحبل وشرطت لك أحمرين وطالبتها تريد الأحمرين فكيف تقول إني أعرف التوحيد وأنت تفعل هذه الأفاعيل ؟ وإن أنكرت فالناس يشهدون عليك بهذا.
(الوجه الرابع) : أنك تكتب في حجبك طلاسم، وقد ذكر (في الإقناع) أنها من السحر، والسحر يكفر صاحبه فكيف تفهم التوحيد وأنت تكتب الطلاسم ؟ وإن جحدت فهذا خط يدك موجود.
(الوجه الخامس) : أن الناس فيما مضى عبدوا الطواغيت عبادة ملأت الأرض بهذا الذي تقر أنه من الشرك ينخونهم ويندبونهم ويجعلونها وسائط وأنت وأبوك تقولان نعرف هذا لكن ما سألونا فإذا كنتم تعرفونه كيف يحل لكم أن تتركا الناس يكفرون ما تنصحانهم ولو لم يسألوكم ؟
(الوجه السادس) : أنا لما أنكرنا عبادة غير الله بالغتم في عداوة هذا الأمر وإنكاره، وزعمتم أنه مذهب خامس وأنه باطل وإن أنكرتما فالناس يشهدون بذلك وأنتم مجاهرون به فكيف تقولون هذا كفر ؟ ولكن ما سألونا عنه، فإذا قام من يبين للناس التوحيد قلتم إنه غير الدين وآت بمذهب خامس، فإذا كنت تعرف التوحيد وتقر أن كلامي هذا حق فكيف تجعله تغييرا لدين الله وتشكونا عند أهل الحرمين، والأمور التي تدل على أنك أنت وأباك لا تعرفان شهادة أن لا إله إلا الله لا تحصر، لكن ذكرنا الأمور التي لا تقدر تنكرها وليتك تفعل المنافقين الذين قال الله فيهم : (( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار)) لأنهم يخفون نفاقهم وأنت وأبوك تظهران للخاص والعام.
وأما الدليل على أنك رجل معاند ضال على علم مختار الكفر على الإسلام فمن وجوه :

(1/136)


(الأول) : أني كتبت ورقة لابن صالح من سنتين فيها تكفير الطواغيت شمسان وأمثاله، وذكرت فيها كلام الله ورسوله وبينت الأدلة فلما جاءتك نسختها بيدك لموسى بن سليم ثم سجلت عليها وقلت ما ينكر هذا إلا أعمى القلب، وقرأها موسى في البلدان وفي منفوحة وفي الدرعية وعندنا، ثم راح بها للقبلة فإذا كنت من أول موافقا لنا على كفرهم وتقول ما ينكر هذا إلا من أعمى الله بصيرته فالعلم الذي جاءك بعد هذا يبين لك أنهم ليسوا بكفار بينه لنا.
(الوجه الثاني) : أني أرسلت لك رسالة الشيخ تقي الدين التي يذكر فيها أن من دعا نبيا أو صحابيا أو وليا مثل : أن يقول يا سيدي فلان أنصرني وأغثني أنه كافر بالإجماع فلما أتتك استحسنتها وشهدت أنها حق وأنت تشهد به الآن فما الموجب لهذه العداوة.
(الوجه الثالث) : أنه إذا أتاك أحد من أهل المعرفة أقررت أن هذا دين الله وأنه الحق وقلته على رؤوس الأشهاد، وإذا خلوت مع شياطينك وقصاصيبك فلك كلام آخر.
(الوجه الرابع) : أن عبد الرحمن الشنيفي ومن معه لما أتوك وذاكروك أقررت بحضرة شياطينك أن هذا هو الحق وشهدت أن الطواغيت كفار وتبرأت من طالب الحمضي، وعبد الكريم، وموسى بن نوح فأي شيء بان لك بأن هذا باطل وأن الذي تبرأت منهم وعاديتهم أنهم على حق ؟
(الوجه الخامس): أنك لما خرجت من عند الشيوخ وأتيت عند الشنيقي جحدت الكلام الذي قلت في المجلس، فإن كان الكلام حقا فلأي شيء تجحده وأنت وأبوك مقران أنكما لا تعرفان كلام الله ورسوله لكن تقولان نعرف كلام صاحب (الإقناع) وأمثاله؟ وأنا أذكر لك كلام صاحب (الإقناع) أنه مكفرك ومكفر أباك في غير موضع من كتابه:
الأول : أنه ذكر في أول سطر من أحكام المرتد أن الهازل بالدين
يكفر وهذا مشهور عنك، وعن ابن أحمد بن نوح الاستهزاء بكلام الله ورسوله وهذا كتابكم كفركم.

(1/137)


الثاني : أنه ذكر في أوله أن المبغض لما جاء به الرسول كافر بالإجماع ولو عمل به، وأنت مقر أن هذا الذي أقول في التوحيد أمر الله ورسوله، والنساء والرجال يشهدون عليكم أنكم مبغضون لهذا الدين مجتهدون في تنفير الناس عنه، والكذب والبهتان على أهله فهذا كتابكم كفركم.
الثالث : أنه ذكر من أنواع الردة إسقاط حرمة القرآن، وأنتم كذلك تستهزئون بمن يعمل به وتزعمون أنهم جهال وأنكم علماء.
الرابع : أنه ذكر أن من ادعى في علي بن أبي طالب ألوهية أنه كافر، ومن شك في كفره فهو كافر وهذه مسألتك التي جادلت بها في مجلس الشيوخ وقد صرح في (الإقناع) بأن من شك في كفرهم فهو كافر فكيف بمن جادل عنهم وادعى أنهم مسلمون، وجعلنا كفارا لما أنكرنا عليهم ؟
الخامس أنه ذكر أن السحر يكفر بتعلمه وتعليمه والطلاسم من جملة السحر، فهذه ستة مواضع في (الإقناع) في باب واحد أن من فعلها فقد كفر، وهي دينك ودين أبيك، فإما أن تبرؤوا من دينكم هذا، وإلا فأجيبوا عن كلام صاحب الإقناع وكلامنا هذا لغيرك الذين عليهم الشرهة مثل الشيوخ أو من يصلي وراءك كادوا أن الله يهديهم ويعزلونك أنت وأبوك عن الصلاة بالناس لئلا تفسد عليهم دينهم وإلا فأنا أظنك لا تقبل ولا يزيدك هذا الكلام إلا جهالة وكفرا. وأما الكلام الذي لبست به على الناس فأنا أبينه إن شاء الله كلمة وذلك أن جملة المسائل التي ذكرت أربعا :
الأولى : النذر لغير الله تقول إنه حرام ليس بشرك.
الثانية : أن من جعل بينه وبين الله وسائط كفر. أما الوسائط بأنفسهم فلا يكفرون
الثالثة : عبارة العلماء أن المسلم لا يجوز تكفيره بالذنوب
الرابعة : التذكير ليلة الجمعة لا ينبغي الأمر بتركه هذه المسائل التي ذكرت

(1/138)


فأما المسألة الأولى : فدليلك قولهم إن النذر لغير الله حرام بالإجماع فاستدللت بقولهم حرام على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك فكيف تدعي المعرفة ؟ ياويلك ما تصنع بقول الله تعالى : ( قل تعالوا أتل ماحرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر ياهذا الجاهل الجهل المركب ما تصنع بقول الله تعالى : ( قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن )إلى قوله : (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه ؟ يا ويلك في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام إنه ليس بكفر، فقولك إن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر كذب وافتراء على أهل العلم بل يقال ذكر أنه حرام، وأما كونه كفر فيحتاج إلى دليل آخر والدليل عليه أنه صرح في (الإقناع) أن النذر عبادة ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها لا يعبد إلا الله. فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره كيف لا يكون شركا ؟
وأيضا مسألة الوسائط تدل على ذلك والناس يشهدون أن هؤلاء الناذرين يجعلونهم وسائط وهم مقرون بذلك.
وأما استدلالك بقوله : من قال أنذروا لي وأنه إذا رضي وسكت لا يكفر فبأي دليل ؟ غاية ما يقال إنه سكت عن الآخذ الراضي وعلم من دليل آخر، والدليل الآخر أن الرضى بالكفر كفر صرح به العلماء وموالاة الكفار كفر، وغير ذلك هذا إذا قدر أنهم لا يقولونه فكيف وأنت وغيرك تشهد عليهم أنهم يقولون ويبالغون فيه ؟ ويقصون على الناس الحكايات التي ترسخ الشرك في قلوبهم، ويبغض إليهم التوحيد ويكفرون أهل العارض لما قالوا لا يعبد إلا الله. وأما قولك ما رأينا للترشيح معنى في كلام العلماء فمن أنت حتى تعرف كلام العلماء ؟.

(1/139)


وأما الثانية : وهي أن الذي يجعل الوسائط هو الكافر، وأما المجعول فلا يكفر فهذا كلام تلبيس وجهالة، ومن قال إن عيسى وعزيرا وعلي بن أبي طالب وزيد بن الخطاب وغيرهم من الصالحين يلحقهم نقص بجعل المشركين إياهم وسائط حاشا وكلا (( ولاتزر وازرة وزر أخرى )) وإنما كفرنا هؤلاء الطواغيت أهل الخرج وغيرهم بالأمور التي يفعلونها هم منها أنهم يجعلون آباءهم وأجدادهم وسائط، ومنها أنهم يدعون الناس إلى الكفر، ومنها أنهم يبغضون عند الناس دين محمد صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أن أهل العارض كفروا لما قالوا لا يعبد إلا الله وغير ذلك من أنواع الكفر وهذا أمر أوضح من الشمس لا يحتاج إلى تقرير، ولكن أنت رجل جاهل مشرك مبغض لدين الله، وتلبس على الجهال الذين يكرهون دين الإسلام ويحبون الشرك ودين آباؤهم، وإلا فهؤلاء الجهال لو أن مرادهم اتباع الحق عرفوا أن كلامك من أفسد ما يكون.
وأما المسألة الثالثة : وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام أن أهل العلم قالوا : لا يجوز تكفير المسلم بالذنب وهذا حق ولكن ليس هذا ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى أو سرق أو سفك الدم بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر.

(1/140)


وأما أهل السنة فمذهبهم : أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر، فإذا كنت تعتقد ذلك فما تقول في المنافقين الذين يصلون ويصومون ويجاهدون قال الله تعالى فيهم ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) وما تقول في الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أينما لقيتموهم فاقتلوهم ) أتظنهم ليسوا من أهل القبلة ؟ ما تقول في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره فأضرم لهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثل نارا فأحرقهم بها وأجمعت الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس أنكر تحريقهم بالنار، وقال يقتلون بالسيف أتظن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة ؟ أم أنت تفهم الشرع وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفهمونه ؟ أرأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قاتلوا من منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة قال أبو بكر لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار أتظن أن أبا بكر وأصحابه لا يفهمون ؟ وأنت وأبوك الذين تفهمون يا ويلك أيها الجاهل الجهل المركب إذا كنت تعتقد هذا، وأن من أم القبلة لا يكفر فما معنى هذه المسائل العظيمة الكثيرة التي ذكرها العلماء في باب حكم المرتد التي كثير منها في أناس أهل زهد وعبادة عظيمة، ومنها طوائف ذكر العلماء أن من شك في كفرهم فهو كافر، ولو كان الأمر على زعمك لبطل كلام العلماء في حكم المرتد إلا مسألة واحدة وهي الذي يصرح بتكذيب الرسول وينتقل يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا ونحوهم هذا هو الكفر عندك يا ويلك ما تصنع بقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان )) وكيف تقول هذا وأنت تقر أن من جعل الوسائط كفر ؟ فإذا كان أهل العلم في زمانهم حكموا على كثير من

(1/141)


أهل زمانهم بالكفر والشرك أتظن أنكم صلحتم بعدهم يا ويلك ؟ وأما مسألة التذكير فكلامك فيها من أعجب العجاب أنت تقول بدعة حسنة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار )) ولم يستثن شيئا تشير علينا به فنصدقك أنت وأبوك لأنكم علماء ونكذب رسول الله، والعجب من نقلك الإجماع فتجمع مع الجهالة المركبة الكذب الصريح والبهتان فإذا كان في (الإقناع) في باب الأذان قد ذكر كراهيته في مواضع متعددة أتظن أنك أعلم من صاحب (الإقناع) أم تظنه مخالفا للإجتماع ؟ وأيضا لما جاءك عبد الرحمن الشنيفي أقررت لهم أن التذكير بدعة مكروهة فمتى هذا العلم جاءك ؟ وأما قولك أمر الله بالصلاة على نبيه على الإطلاق فأيضا أمر الله بالسجود على الإطلاق في قوله (( اركعوا واسجدوا )) فيدل هذا على السجود للأصنام أو يدل على الصلاة في أوقات النهي فإن قلت ذاك قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم قلنا وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البدع وذكر أن كل بدعة ضلالة ومعلوم أن هذا حادث من زمن طويل وأنكره أهل العلم منهم صاحب (الإقناع) وقد ذكر السيوطي في كتاب (الأوائل) أن أول ما حدث التذكير يوم الجمعة لتهيؤ الناس لصلاتها بعد السبعمائة في زمن الناصر بن قلاوون فأرنا كلام واحد من العلماء أرخص فيه وجعله بدعة حسنة فليس عندك إلا الجهل المركب والبهتان والكذب. وأما استدلالك بالأحاديث التي فيها إجماع الأمة والسواد الأعظم وقوله : (( من شذ شذ في النار)) و (( يد الله على الجماعة)) وأمثال هذا فهذا أيضا من أعظم ما تلبس به على الجهال، وليس هذا معنى الأحاديث بإجماع أهل العلم كلهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإسلام سيعود غريبا فكيف يأمرنا باتباع غالب الناس ؟ وكذلك الأحاديث الكثيرة منها قوله : (( ويأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه )) و أحاديث عظيمة كثيرة يبين صلى الله عليه وسلم

(1/142)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية