صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ صحيح السيرة النبوية - الألباني ]
الكتاب : صحيح السيرة النبوية
المؤلف : محمد ناصر الدين الألباني
الناشر : المكتبة الإسلامية - عمان - الأردن
الطبعة : الأولى
عدد الأجزاء : 1

صحيح السيرة النبوية
ما صح من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وذكر أيامه وغزواته
وسراياه والوفود إليه
بقلم
محمد ناصر الدين الألباني
( رحمه الله تعالى )
الطبعة الأولى
المكتبة الإسلامية
عمان - الأردن

(1/1)


المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
؟ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ؟ [ آل عمران : 102 ] ؟ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ؟ [ النساء : 1 ] ؟ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ؟ [ الأحزاب : 70 و 71 ]
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
[ 5 ]

(1/5)


أما بعد فقد كتب الله لي - لأسباب شرحتها في مقدمة ( كشف الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ) - أن أسافر من بيروت إلى الشارقة صحبة أحد إخواننا فيها وأنزلني جزاه الله خيرا في منزله فوجدت في مكتبته كتابا للشيخ محمد أبو زهرة بعنوان : ( خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ) في مجلدين فقلبت فيه بعض الأوراق وتصفحت فيه كثيرا من الصفحات فرأيته قد . . . ( 1 )
_________
( 1 ) [ لم يكمل شيخنا الألباني - رحمة الله عليه - مقدمته هذه ل ( صحيح السيرة النبوية ) ] الناشر
[ 6 ]

(1/6)


منهجي في الكتاب

(1/6)


1 - حذفت الطرق والشواهد التي يسوقها لتقوية الحديث واعتمدت على الرواية التي هي أكمل معنى إذا ثبتت

(1/6)


2 - حذفت السند الذي يسوقه كاملا أو ناقصا واكتفيت منه بذكر اسم الصحابي فقط إلا لفائدة أو ضرورة

(1/6)


3 - حذفت ما لا سند له أو كان مرسلا أو معضلا إلا ما صرح بأنه مجمع عليه أو نحوه

(1/6)


4 - قد ألخص أحيانا كلامه ليتناسب مع الاختصار الذي يقتضيه اقتصارنا على ما صح مما ذكره

(1/6)


5 - قد أستبدل بسياقه سياق المصدر الذي عزاه إليه لأنه في كثير من الأحيان يسوقه بمعناه أو قريبا منه الأمر الذي حمل محققه على أن يقول ( ص 226 ) :

(1/6)


6 - استدركت بعض ما فاته تحت عنوان : [ المستدرك ]
[ 7 ]

(1/7)


باب ذكر نسبه الشريف وطيب أصله المنيف
قال الله تعالى : ؟ الله أعلم حيث يجعل رسالته ؟ [ الأنعام : 124 ]
ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان تلك الأسئلة عن صفاته عليه الصلاة والسلام قال : كيف نسبه فيكم ؟ قال : هو فينا ذو نسب . قال : كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها . يعني : في أكرمها أحسابا وأكثرها قبيلة صلوات الله عليهم أجمعين
فهو سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة
أبو القاسم وأبو إبراهيم محمد وأحمد والماحي الذي يمحى به الكفر والعاقب الذي ما بعده نبي والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه والمقفي ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة وخاتم النبيين وعبد الله
قال البيهقي : وزاد بعض العلماء فقال : سماه الله في القرآن رسولا نبيا أميا شاهدا مبشرا نذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ورؤوفا رحيما ومذكرا وجعله رحمة ونعمة وهاديا
وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب
[ 9 ]

(1/9)


ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من ولد إسماعيل لا محالة على اختلاف كم أب بينهما
وهذا النسب بهذه الصفة لا خلاف فيه بين العلماء فجميع قبائل عرب الحجاز ينتمون إلى هذا النسب ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى : ؟ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ؟ [ الشورى : 23 ] : لم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نسب يتصل بهم
وقد روي من طرق مرسلا وموصولا : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ) . وهذا رواه ابن عدي عن علي بن أبي طالب وسند المرسل جيد
[ 10 ]

(1/10)


وثبت في ( صحيح البخاري ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه )
وفي ( صحيح مسلم ) من حديث واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم )
وروى الإمام أحمد عن المطلب بن أبي وداعة قال : قال العباس :
بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس قال : فصعد المنبر فقال : ( من أنا ؟ ) . قالوا : أنت رسول الله . قال :
( أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه وجعلهم فرقتين فجلعني في خير فرقة وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا ) . صلوات الله وسلامه عليه دائما أبدا إلى يوم الدين
[ 11 ]

(1/11)


وثبت في ( الصحيح ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر )
[ 12 ]

(1/12)


باب مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1/12)


ولد صلوات الله عليه وسلامه يوم الاثنين لما رواه مسلم في ( صحيحه ) عن أبي قتادة أن أعرابيا قال : يا رسول الله ما تقول في صوم يوم الاثنين ؟ فقال :
( ذاك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه )
وكان مولده عليه الصلاة والسلام عام الفيل
وقد رواه البيهقي عن ابن عباس . وهو المجمع عليه كما قال خليفة بن خياط توفي أبوه عبد الله وهو حمل في بطن أمه على المشهور
وفي الحديث الآتي ( ص 16 ) :
( . . . ورؤيا أمي التي رأت حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام )
[ 13 ]

(1/13)


فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده عليه الصلاة والسلام
وروى محمد بن إسحاق عن حسان بن ثابت قال :
والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما سمعت إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة ب ( يثرب ) : يا معشر يهود حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له : ويلك مالك ؟ قال : طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به
وروى أبو نعيم ومحمد بن حيان عن أسامة بن زيد قال : قال زيد بن عمرو بن نفيل :
قال لي حبر من أحبار الشام : قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج قد خرج نجمه فارجع فصدقه واتبعه

(1/13)


ذكر ارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات
وخمود النيران ورؤيا الموبذان
وغير ذلك من الدلالات
( ليس فيه شيء )
[ 14 ]

(1/14)


ذكر حواضنه ومراضعه عليه الصلاة والسلام
أخرج البخاري ومسلم عن أم حبيبة بنت أبي سفيان [ أنها ] قالت : يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان ( ولمسلم : عزة بنت أبي سفيان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أو تحبين ذلك ؟ ) . قلت : نعم لست لك بمخلية وأحب من شاركني في خير أختي . فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ( فإن ذلك لا يحل لي ) . قالت : فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة ( وفي رواية : درة بنت أبي سلمة ) . قال : ( بنت أم سلمة ؟ ) . قلت : نعم . قال :
( إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن )
زاد البخاري : قال عروة : وثويبة مولاة لأبي لهب أعتقها فأرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 15 ]

(1/15)


وروى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك . قال :
( نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام
واسترضعت في بني سعد بن بكر فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذ أتاني رجلان - عليهما ثياب بيض - بطست من ذهب مملوء ثلجا ثم أخذاني فشقا بطني واستخرجا قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ثم قال أحدهما لصاحبه : زنه بعشرة من أمته . فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال : زنه بمئة من أمته . فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال : زنه بألف من أمته . فوزنني بهم فوزنتهم فقال :
[ 16 ]

(1/16)


دعه عنك فوالله لو وزنته بأمته لوزنها )
وإسناده جيد قوي
وقد روى أحمد وأبو نعيم في ( الدلائل ) عن عتبة بن عبد : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كيف كان أول شأنك يا رسول الله ؟ قال :
( كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادا فقلت : يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا . فانطلق أخي ومكثت عند البهم فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه : أهو هو ؟ فقال : نعم . فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه : ائتني بماء وثلج فغسلا به جوفي ثم قال : ائتني بماء برد فغسلا به قلبي ثم قال : ائتني بالسكينة . فذرها في قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه : خطه . فخاطه وختم على قلبي بخاتم النبوة فقال أحدهما لصاحبه : اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة . فإذا أنا أنظر إلى الألف فوق أشفق أن يخر علي بعضهم فقال : لو أن أمته وزنت به لمال بهم . ثم انطلقا فتركاني وفرقت فرقا شديدا ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت فأشفقت أن يكون قد لبس بي فقالت : أعيذك بالله . فرحلت بعيرا لها وحملتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت : أديت أمانتي وذمتي . وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها وقالت : إني رأيت
[ 17 ]

(1/17)


خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام )
وثبت في ( صحيح مسلم ) عن أنس بن مالك :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج معه علقة سوداء فقال : هذا حظ الشيطان . ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني : ظئره - فقالوا : إن محمدا قد قتل . فاستقبلوه وهو منتقع اللون . قال أنس : وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره
[ 18 ]

(1/18)


وفي ( الصحيحين ) عن أنس وعن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء - كما سيأتي - قصة شرح الصدر ليلتئذ وأنه غسل بماء زمزم
ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين : مرة وهو صغير ومرة ليلة الإسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى ولمناجاة الرب عز وجل والمثول بين يديه سبحانه وتعالى
والمقصود أن بركته عليه الصلاة والسلام حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير ثم عادت على هوازن - بكمالهم - فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم وذلك بعد فتح مكة بشهر فمتوا إليه برضاعه فأعتقهم تحنن عليهم وأحسن إليهم كما سيأتي مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى
قال محمد بن إسحاق في وقعة ( هوازن ) : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ب ( حنين ) فلما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه
[ 19 ]

(1/19)


وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا : يا رسول الله إنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك . وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال : يا رسول الله إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت خير المكفولين . ثم أنشد :
فإنك المرء نرجوه و ندخر
امنن علينا رسول الله في كرم
ممزق شملها في دهرها غير
امنن على بيضة قد عاقها قدر
على قلوبهم الغماء و الغمر
أبقت لنا الدهر هتافا على حزن
ياأرجح الناس حلما حين يختبر
إن لم تداركها نعماء تنشرها
إذ فوك يملؤه من محضها درر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
واستبق منا فإنا معشر زهر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت
[ 20 ]

(1/20)


وقد رويت هذه القصة عن أبي صرد زهير بن جرول - وكان رئيس قومه - قال :
لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فبينا هو يميز الرجال والنساء وثبت حتى قعدت بين يديه وأسمعته شعرا أذكره حين شب ونشأ في ( هوازن ) حين أرضعوه :
فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن علينا رسول الله في دعة
ممزق شملها في دهرها غير
امنن على بيضة قد عاقها قدر
على قلوبهم الغماء و الغمر
أبقت لنا الحرب هتافا على حزن
ياأرجح الناس حلما حين يختبر
إن لم تداركها نعماء تنشرها
إذ فوك تملؤه من محضهاالدرر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
إذ أنت طفل صغيركنت ترضعها
واستبق منا فإنا معشر زهر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت
من أمهاتك إن العفو مشتهر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه
هذي البرية إذ تعفو وتنتصر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه
يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
فاغفر عفا الله عما أنت راهبه
[ 21 ]

(1/21)


قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم )
فقالت الأنصار : وما كان لنا فهو لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم
وسيأتي أنه عليه الصلاة والسلام أطلق لهم الذرية وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة وأعطاهم أنعاما وأناسي كثيرا
فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة ؟
[ 22 ]

(1/22)


فصل
روى الإمام أحمد عن بريدة قال :
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا ب ( ودان ) قال :
( مكانكم حتى آتيكم ) . فانطلق ثم جاءنا وهو ثقيل فقال :
( إني أتيت قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة - يعني : لها - فمنعنيها وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها )
ورواه البيهقي من طريق أخرى عنه بلفظ :
انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله فجعل يحرك رأسه كالمخاطب ثم بكى فاستقبله عمر فقال : ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال :
( هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فأبى علي وأدركتني رقتها فبكيت )
قال : فما رأيت ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة
ورواه البيهقي من طريق أخرى نحوه
وهو والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود
[ 23 ]

(1/23)


وروى مسلم عن أبي هريرة قال :
زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال :
( استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فزوروا القبور تذكركم الموت )
وروى مسلم أيضا عن أنس :
أن رجلا قال : يا رسول الله أين أبي ؟ قال : ( في النار ) . فلما قفى دعاه فقال :
( إن أبي وأباك في النار )
[ 24 ]

(1/24)


وقد روى البيهقي عن عامر بن سعد عن أبيه قال :
[ 25 ]

(1/25)


جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي كان يصل وكان وكان فأين هو ؟
[ 26 ]

(1/26)


قال : ( في النار )
قال : فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال : يا رسول الله أين أبوك ؟ قال :
( حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار )
قال : فأسلم الأعرابي بعد ذلك فقال : لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار
والمقصود أن عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية خلافا لفرقة الشيعة فيه وفي ابنه أبي طالب على ما سيأتي في ( وفاة أبي طالب )
[ 27 ]

(1/27)


وقد قال البيهقي بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه ( دلائل النبوة ) :
( وكيف لا يكون أبواه وجده عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا ولم يدينوا بدين عيسى ابن مريم عليه السلام وكفرهم لا يقدح في نسبه عليه الصلاة والسلام لأن أنكحة الكفار صحيحة ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن إذ كان مثله يجوز في الإسلام . وبالله التوفيق )
قلت : وإخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة كما بسطناه سندا ومتنا في ( تفسيرنا ) عند قوله تعالى : ؟ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ؟ [ الإسراء : 15 ] . فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب فلا منافاة ولله الحمد والمنة
[ 28 ]

(1/28)


خروجه عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب
روى الحافظ أبو بكر الخرائطي من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال :
خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب - يعني : بحيرى - هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم . قال :
فنزل وهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذا سيد العالمين ( وفي رواية البيهقي زيادة : هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين )
فقال له أشياخ من قريش : وما علمك ؟ فقال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه
ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به - وكان هو في رعية الإبل - فقال :
[ 29 ]

(1/29)


أرسلوا إليه . فأقبل وغمامة تظله فلما دنا من القوم قال : انظروا إليه عليه غمامة فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه قال : انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه
قال : فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا قال : فاستقبلهم فقال : ما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه . قال : فهل خلفكم أحد هو خير منكم ؟ قالوا : لا إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه . قال : أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده ؟ فقالوا : لا . قال : فبايعوه وأقاموا معه عنده قال :
فقال الراهب : أنشدكم الله أيكم وليه ؟ قالوا : أبو طالب
فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت
وهكذا رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن عساكر وغير واحد من الحفاظ وقال الترمذي :
( حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه )
قلت : فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة فهو مرسل فإن هذه القصة كانت
[ 30 ]

(1/30)


ولرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة ولعل أبا موسى تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ أو من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم أو كان هذا مشهورا مذكورا أخذه من طريق الاستفاضة
[ المستدرك ]

(1/30)


عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب )
أخرجه الحاكم ( 2 / 622 ) وقال : ( صحيح على شرط الشيخين )
قلت : فيه عقبة المجدر ولم يخرج له الشيخان وهو صدوق فالإسناد جيد . وسيذكره المؤلف رحمه الله بلفظ آخر من رواية ابن إسحاق في ( وفاة أبي طالب ) مع روايات أخرى تناسب هذا الفصل . [ انتهى المستدرك ]
[ 31 ]

(1/31)


فصل
في منشئه عليه الصلاة والسلام ومرباه وكفاية الله له وحياطته وكيف كان يتيما فآواه وعائلا فأغناه
قال جابر بن عبد الله :
لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة . ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال : ( إزاري ) . فشد عليه إزاره
أخرجاه في ( الصحيحين )
وروى البيهقي عن زيد بن حارثة قال :
كان صنم من نحاس - يقال له : ( إساف ) و ( نائلة ) - يتمسح به المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه فلما مررت مسحت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تمسه ) . قال زيد : فطفنا فقلت في نفسي : لأمسنه حتى أنظر ما يكون . فمسحته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألم تنه ؟ ) . زاد غيره : قال زيد : فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه )
[ 32 ]

(1/32)


وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة بل كان يقف مع الناس ب ( عرفات ) كما قال محمد بن إسحاق . . . عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال :
لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على دين قومه وهو يقف على بعير له ب ( عرفات ) من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقا من الله عز وجل له
قال البيهقي : معنى قوله : ( على دين قومه ) : ما كان بقي من إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ولم يشرك بالله قط صلوات الله وسلامه عليه دائما أبدا
قلت : ويفهم من قوله هذا أيضا أنه كان يقف ب ( عرفات ) قبل أن يوحى إليه وهذا توفيق من الله له
ورواه الإمام أحمد والطبراني ( 1577 ) عن محمد بن إسحاق ولفظه :
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - قبل أن ينزل عليه - وإنه لواقف على بعير له مع الناس
[ 33 ]

(1/33)


ب ( عرفات ) حتى يدفع معهم توفيقا من الله
وله شاهد من حديث ربيعة بن عباد رواه الطبراني ( 4592 )
ورواه الإمام أحمد من طريق أخرى عن جبير بن مطعم قال :
أضللت بعيرا لي ب ( عرنة ) فذهبت أطلبه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف فقلت : إن هذا من ( الحمس ) ما شأنه ها هنا ؟
وأخرجاه
[ المستدرك ]

(1/33)


وعن سالم بن عبد الله أنه سمع ابن عمر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل ( بلدح ) وذلك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منه وقال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه
أخرجه أحمد ( 2 / 89 ) وإسناده صحيح على شرط الشيخين وانظر : ( السيرة ) للذهبي ( ص 44 )
وله شاهد من حديث سعيد بن زيد أتم منه
أخرجه الطبراني في ( الكبير ) ( 350 ) وعنه الذهبي ( ص 46 )
وفي رواية : عن زيد بن حارثة عند الطبراني ( 4663 و 4664 ) والحاكم ( 3 / 216 - 217 ) وانظر : ( مجمع الزوائد ) ( 9 / 418 ) . [ انتهى المستدرك ]
[ 34 ]

(1/34)


شهوده عليه الصلاة والسلام حلف الفضول
روى الحافظ البيهقي بسنده عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه - أو كلمة نحوها - وأن لي حمر النعم )
ثم روى البيهقي عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته )
قال : و ( المطيبون ) : هاشم وأمية وزهرة ومخزوم
قال البيهقي : كذا روي هذا التفسير مدرجا في الحديث ولا أدري قائله . وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين
قلت : هذا لا شك فيه وذلك أن قريشا تحالفوا بعد موت قصي وتنازعوا في الذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار من السقاية والرفادة واللواء
[ 35 ]

(1/35)


والندوة والحجابة ونازعهم فيه بنو عبد مناف وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش وتحالفوا على النصرة لحزبهم فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت فسموا المطيبين كما تقدم وكان هذا قديما
ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدي وابن إسحاق
وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب
روى ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي :
أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير المدينة أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان - منازعة في مال كان بينهما ب ( ذي المروة ) فكأن الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول
قال : فقال عبد الله بن الزبير - وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال - : وأنا
[ 36 ]

(1/36)


أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا . قال :
وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك
وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك
فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي
[ 37 ]

(1/37)


فصل
في تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي
قال البيهقي : ( باب ما كان يشتغل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج خديجة )
ثم روى بإسناده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم ) . فقال له أصحابه : وأنت يا رسول الله ؟ قال :
( وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط )
ورواه البخاري
[ المستدرك ]

(1/37)


عن عائشة رضي الله عنها قالت :
ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة وإني لم أدركها . قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول : ( أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة ) . قالت : فأغضبته يوما فقلت : خديجة ؟ فقال : ( إني رزقت حبها )
رواه مسلم ( 7 / 134 ) . [ انتهى المستدرك ]
[ 38 ]

(1/38)


فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين
قال الله تعالى : ؟ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين . فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ؟ [ آل عمران : 96 و 97 ]
وثبت في ( الصحيحين ) عن أبي ذر قال :
قلت : يا رسول الله أي مسجد وضع أول ؟ قال : ( المسجد الحرام ) . قلت : ثم أي ؟ قال : ( المسجد الأقصى ) . قلت : كم بينهما ؟ قال : ( أربعون سنة )
وقد تكلمنا على هذا وأن المسجد الأقصى أسسه إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام
وفي ( الصحيحين ) : ( إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة )
وفي ( صحيح البخاري ) من حديث ابن عباس قال :
[ 39 ]

(1/39)


( أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء . ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها . فقالت له : آلله الذي أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذا لا يضيعنا . ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال : ؟ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ؟ [ إبراهيم : 37 ] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال : يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف
[ 40 ]

(1/40)


درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات . قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( فلذلك سعى الناس بينهما )
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه - تريد : نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث . فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال : بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف . قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا )
[ قال ] : فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك : لا تخافوا الضيعة فإن ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه فإن الله لا يضيع أهله
[ 41 ]

(1/41)


وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله
فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم - أو : أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق ( كداء ) فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا - قال : وأم إسماعيل عند الماء - فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ فقالت : نعم ولكن لا حق لكم في الماء . قالوا : نعم . قال عبد الله بن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس )
فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته [ عنه ] فقالت : خرج يبتغي لنا . ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ؟ فقالت : نحن بشر نحن في ضيق وشدة . فشكت إليه قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له : يغير عتبة بابه . فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني :
[ 42 ]

(1/42)


كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا في جهد وشدة . قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك : غير عتبة بابك . قال : ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك . فطلقها وتزوج منهم أخرى
فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه ؟ فقالت : خرج يبتغي لنا . قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ؟ فقالت : نحن بخير وسعة . وأثنت على الله عز وجل فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم . قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء . قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء . قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم حب دعا لهم فيه ) . [ قال : ] فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه . قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه . فلما جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم أتانا شيخ حسن الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت : نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك . قال : ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك
ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال : يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر . قال : فاصنع ما أمرك ربك
[ 43 ]

(1/43)


قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك . قال : فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا . وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها . قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " [ البقرة : 127 ] قال : فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم "
وروى أبو داود الطيالسي عن علي رضي الله عنه قال :
لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه ؟ فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب . فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن
[ 44 ]

(1/44)


يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه
وروى أحمد عن مجاهد عن مولاه - وهو السائب بن عبد الله - أنه حدثه :
أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية قال : وكان لي حجر أنا نحته [ بيدي ] أعبده من دون الله قال : وكنت أجيء باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي فأصبه عليه فيجيء الكلب فيلحسه ثم يشغر فيبول عليه قال :
فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر ولا يرى الحجر أحد فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل . فقال بطن من قريش : نحن نضعه . وقال آخرون : نحن نضعه . فقالوا : اجعلوا بينكم حكما . فقالوا : أول رجل يطلع من الفج فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أتاكم الأمين . فقالوا له فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه [ معه ] فوضعه هو صلى الله عليه وسلم
قلت : وقد كانوا أخرجوا منها الحجر - وهو ستة أذرع أو سبعة أذرع من ناحية الشام - قصرت بهم النفقة - أي : لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم - وجعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية المشرق وجعلوه مرتفعا لئلا يدخل إليها كل أحد فيدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا
[ 45 ]

(1/45)


وقد ثبت في ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها :
( ألم تري أن قومك قصرت بهم النفقة ؟ ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا وأدخلت فيها الحجر )
ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت في غاية البهاء والحسن والسناء كاملة على قواعد الخليل لها بابان ملتصقان بالأرض شرقا وغربا يدخل الناس من هذا ويخرجون من الآخر
فلما قتل الحجاج ابن الزبير كتب إلى عبد الملك بن مروان - وهو الخليفة يومئذ - فيما صنعه ابن الزبير - واعتقدوا أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه - فأمر بإعادتها إلى ما كانت عليه . . . فهي إلى الآن كذلك
[ 46 ]

(1/46)


وقد ذكرنا قصة بناء البيت والأحاديث الواردة في ذلك في تفسير ( سورة البقرة ) عند قوله : ؟ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ؟ [ البقرة : 127 ] . وذكرنا ذلك مطولا مستقصى فمن شاء كتبه ها هنا . ولله الحمد والمنة
[ 47 ]

(1/47)


فصل
وذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس وهو : الشدة في الدين والصلابة
وذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة وكانوا يقولون : نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله . فكانوا لا يقفون بعرفات . مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام - حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة وكانوا يمنعون الحجيج والعمار - ما داموا محرمين - أن يأكلوا إلا من طعام قريش ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس طاف عريانا ولو كانت امرأة ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
قال ابن إسحاق : فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال : ؟ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ؟ أي : جمهور العرب من عرفات ؟ واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ؟ [ البقرة : 199 ]
وقد قدمنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من الله له
[ 48 ]

(1/48)


وأنزل الله عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس : ؟ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؟ الآية [ الأعراف : 31 و 32 ]
[ المستدرك ]

(1/48)


عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول : من يعيرني تطوافا ؟ تجعله على فرجها وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية : ؟ خذوا زينتكم عند كل مسجد ؟ [ الأعراف : 31 ]
رواه مسلم ( 8 / 243 - 244 )
وقال عروة :
كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس - والحمس : قريش وما ولدت - وكانت الحمس يحتسبون على الناس يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها فمن لم تعطه الحمس طاف بالبيت عريانا
وكان يفيض جماعة الناس من ( عرفات ) وتفيض الحمس من ( جمع )
[ 49 ]

(1/49)


وعن عائشة رضي الله عنها :
أن هذه الآية نزلت في الحمس ( وفي رواية : كانت قريش ومن دان دينها يقفون ب ( المزدلفة ) وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب يقفون ب ( عرفات ) فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي ( عرفات ) ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى ) : ؟ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ؟ [ البقرة : 199 ] قال : كانوا يفيضون من ( جمع ) فدفعوا إلى ( عرفات )
رواه البخاري بهذا التمام ( 818 - مختصره ) ومسلم ( 4 / 43 ) بحديث عائشة . [ انتهى المستدرك ]
[ 50 ]

(1/50)


كتاب مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا
وذكر شيء من البشارات بذلك
قال محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى :
وكانت الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب زمانه
أما الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى فمما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه قال الله تعالى :
؟ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ؟ [ الأعراف : 157 ]
وقال الله تعالى :
؟ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين
[ 51 ]

(1/51)


آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ؟ [ الفتح : 29 ]
وقال الله تعالى :
؟ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ؟ [ آل عمران : 81 ]
وفي ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس قال :
( ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق : لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق : لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه )
يعلم من هذا أن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه
وقد قال إبراهيم عليه السلام فيما دعا به لأهل مكة : ؟ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ؟ [ البقرة : 129 ]
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال :
قلت : يا رسول الله ما كان بدء أمرك ؟ قال :
[ 52 ]

(1/52)


( دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام )
ورواه محمد بن إسحاق من طريق أخرى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه مثله
ومعنى هذا أنه أراد بدء أمره بين الناس واشتهار ذكره وانتشاره فذكر دعوة إبراهيم الذي تنسب إليه العرب ثم بشرى عيسى الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل . يدل هذا على أن من بينهما من الأنبياء بشروا به أيضا
وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة ولله الحمد والمنة
ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام وكان فتحها صلحا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه
أما في الملأ الأعلى فقد كان أمره مشهورا مذكورا معلوما من قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام كما فيما روى أحمد بسنده عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إني عند الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول
[ 53 ]

(1/53)


ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت . . . )
وروى الإمام أحمد أيضا عن ميسرة الفجر قال :
قلت : يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال :
( وآدم بين الروح والجسد )
إسناده جيد
وقد رواه ابن شاهين في ( دلائل النبوة ) من حديث أبي هريرة قال :
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : متى وجبت لك النبوة ؟ قال :
( بين خلق آدم ونفخ الروح فيه )
وفي رواية :
( وآدم منجدل في طينته )
[ 54 ]

(1/54)


وروى من حديث ابن عباس :
قيل : يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال :
( وآدم بين الروح والجسد )
[ 55 ]

(1/55)


وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره ولا يلقي العرب لذلك فيه بالا حتى بعثه الله تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها
فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر زمان بعثه حجبت الشياطين عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها فرموا بالنجوم فعرفت الشياطين أن ذلك لأمر حدث من أمر الله عز وجل
قال [ ابن إسحاق ] :
وفي ذلك أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ؟ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا . يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ؟ [ الجن : 1 و 2 ] إلى آخر السورة
وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا ( التفسير ) وكذلك قوله تعالى : ؟ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين . قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ؟ [ الأحقاف : 29 و 30 ] الآيات . ذكرنا تفسير ذلك كله هناك
[ 56 ]

(1/56)


فصل
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا :
إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه لنا - لما كنا نسمع من رجال يهود كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم . فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم
فلما بعث الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزلت هذه الآية : ؟ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ؟ [ البقرة : 89 ]
[ 57 ]

(1/57)


وروى ابن إسحاق عن سلمة بن سلامة بن وقش - وكان من أهل بدر - قال :
كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال : فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل - قال سلمة : وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا علي فروة لي مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار . قال : فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت . فقالوا له : ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال : نعم والذي يحلف به ويود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه وأن ينجو من تلك النار غدا
قالوا له : ويحك يا فلان فما آية ذلك ؟
قال : نبي مبعوث من نحو هذه البلاد . وأشار بيده إلى نحو ( مكة ) واليمن
قالوا : ومتى تراه ؟
قال : فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا فقال : إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه
قال سلمة : فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله [ محمدا ] رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا
قال : فقلنا له : ويحك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت ؟
[ 58 ]

(1/58)


قال : بلى ولكن ليس به
رواه أحمد عن يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق
ورواه البيهقي عن الحاكم بإسناده من طريق يونس بن بكير
وروى أبو نعيم في ( الدلائل ) عن محمد بن سلمة قال :
لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له : يوشع فسمعته يقول - وإني لغلام في إزار - : قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت - ثم أشار بيده إلى بيت الله - فمن أدركه فليصدقه
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمنا وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدا وبغيا
[ 59 ]

(1/59)


قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي :
هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعيد وأسد بن عبيد ؟ - نفر من بني هدل إخوة بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا ساداتهم في الإسلام - قال : قلت : لا [ والله ] . قال :
فإن رجلا من اليهود من أرض الشام يقال له : ابن الهيبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له : اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا . فيقول : لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة . فنقول : كم ؟ فيقول : صاعا من تمر أو مدين من شعير . قال : فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي لنا فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي . قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث
قال : ثم حضرته الوفاة عندنا فلما عرف أنه ميت قال : يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قال : قلنا : أنت أعلم
قال : فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه هذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن
[ 60 ]

(1/60)


إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممن خالفه فلا يمنعكم ذلك منه
فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية - وكانوا شبابا أحداثا - : يا بني قريظة والله إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان . قالوا : ليس به . قالوا : بلى والله إنه لهو بصفته . فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم
[ 61 ]

(1/61)


ثم ذكر ابن إسحاق رحمه الله إسلام الفارسي رضي الله عنه وأرضاه من حديث عبد الله بن عباس قال : حدثني سلمان الفارسي - من فيه - قال :
كنت رجلا فارسيا من أهل ( أصبهان ) من أهل قرية يقال لها : ( جي ) وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية
واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة
قال : وكانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما فقال لي : يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب إليها فاطلعها . وأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال لي : ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري
قال : فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت : هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه . فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس
[ 62 ]

(1/62)


وتركت ضيعة أبي فلم آتها ثم قلت لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام
فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن أمره كله
فلما جئت قال : أي بني أين كنت ؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ . قال : قلت : يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس
قال : أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه
قال : قلت : كلا والله إنه لخير من ديننا
قال : فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته
قال : وبعثت إلى النصارى فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم . قال : فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم فقلت : إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني
قال : فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت : من أفضل هذا الدين علما ؟ قالوا : الأسقف في الكنيسة
قال : فجئته فقلت له : إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك . قال : ادخل
[ 63 ]

(1/63)


فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا له شيئا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق
قال : وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع
ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه فقلت لهم : إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا
قال : فقالوا لي : وما علمك بذلك ؟ قال : فقلت لهم : أنا أدلكم على كنزه . قالوا : فدلنا . قال : فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا فلما رأوها قالوا : لا ندفنه أبدا . قال : فصلبوه ورموه بالحجارة
وجاؤوا برجل آخر فوضعوه مكانه . قال سلمان : فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا [ منه ]
قال : فأحببته حبا لم أحب شيئا قبله مثله
قال : فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له : إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا ب ( الموصل ) وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به
[ 64 ]

(1/64)


قال : فلما مات وغيب لحقت بصاحب ( الموصل ) فقلت : يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره . فقال لي : أقم عندي
فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له : يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا ب ( نصيبين ) وهو فلان فالحق به
فلما مات وغيب لحقت بصاحب ( نصيبين ) فأخبرته خبري وما أمرني به صاحباي . فقال : أقم عندي . فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له : يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟
قال : يا بني والله ما أعلم بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا ب ( عمورية ) من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فائته فإنه على أمرنا
فلما مات وغيب لحقت بصاحب ( عمورية ) فأخبرته خبري فقال : أقم عندي . فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه
قال : واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة
[ 65 ]

(1/65)


قال : ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له : يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟
قال : أي بني والله ما أعلم أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى : يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل
قال : ثم مات وغيب ومكثت ب ( عمورية ) ما شاء الله أن أمكث
ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم : احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه . قالوا : نعم . فأعطيتهموها وحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي عبدا فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي
فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من ( المدينة ) فابتاعني منه فاحتملني إلى ( المدينة ) فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها فأقمت بها
[ 66 ]

(1/66)


وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام ب ( مكة ) ما أقام ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى ( المدينة )
فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال : يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم لمجتمعون الآن ب ( قباء ) على رجل قدم من ( مكة ) اليوم يزعمون أنه نبي
قال سلمان : فلما سمعتها أخذتني الرعدة حتى ظننت أني ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه : ماذا تقول ؟ ماذا تقول ؟
قال : فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال : ما لك ولهذا ؟ أقبل على عملك
قال : فقلت : لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال
قال : وكان عندي شيء جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ب ( قباء ) فدخلت عليه فقلت له : إنه قد بلغني أنك
[ 67 ]

(1/67)


رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم
قال : فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلوا ) وأمسك يده فلم يأكل
فقلت في نفسي : هذه واحدة
ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته فقلت له : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها . قال : فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه
قال : فقلت في نفسي : هاتان ثنتان
قال : ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ب ( بقيع الغرقد ) قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدبرته أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ؟ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تحول ) فتحولت بين يديه فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذاك أصحابه
ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بدر ) و ( أحد )
قال سلمان : ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( كاتب يا سلمان )
[ 68 ]

(1/68)


فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :
( أعينوا أخاكم )
فأعانوني في النخل : الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ودية والرجل بخمس عشرة ودية والرجل بعشرة يعين الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتني أكن أنا أضعها بيدي )
قال : ففقرت وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى إذا فرغنا فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة
فأديت النخل وبقي علي المال فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة
[ 69 ]

(1/69)


من ذهب من بعض المعادن فقال :
( ما فعل الفارسي المكاتب ؟ )
قال : فدعيت له قال :
( خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان )
قال : قلت : وأين تقع هذه مما علي يا رسول الله ؟ قال :
( خذها فإن الله سيؤدي بها عنك )
قال : فأخذتها فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم
وعتق سلمان . فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الخندق ) حرا ثم لم يفتني معه مشهد
[ 70 ]

(1/70)


وروى البخاري في ( صحيحه ) من حديث أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي :
أنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب
أي : من معلم إلى معلم ومرب إلى مثله . والله أعلم
[ 71 ]

(1/71)


وستأتي قصة أبي سفيان مع ( هرقل ) ملك الروم حين سأله عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله واستدلاله بذلك على صدقه ونبوته ورسالته وقال له : كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أكن أظن أنه فيكم ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ولئن كان ما تقول حقا ليملكن موضع قدمي هاتين . وكذلك وقع ولله الحمد والمنة
[ 72 ]

(1/72)


وقال الله تعالى : ؟ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ؟ [ الأعراف : 157 ]
روى الإمام أحمد عن رجل من الأعراب قال :
جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغت من بيعي قلت : لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه . قال : فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتعبتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها على نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي ؟ )
فقال برأسه هكذا أي : لا . فقال ابنه : إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله
فقال :
( أقيموا اليهودي عن أخيكم ) . ثم ولي كفنه والصلاة عليه
[ 73 ]

(1/73)


هذا إسناد جيد وله شاهد في ( الصحيح ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه
روى أبو القاسم البغوي بإسناده عن الفلتان بن عاصم وذكر أن خاله قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ شخص بصره إلى رجل فإذا يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان . قال : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه وهو يقول : يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أتشهد أني رسول الله ؟ )
قال : لا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ 74 ]

(1/74)


( أتقرأ التوراة ؟ ) . قال : نعم . قال :
( أتقرأ الإنجيل ؟ ) . قال : نعم . قال :
( والقرآن ؟ ) . قال : لا ولو تشاء قرأته
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
( فبم ( ) تقرأ التوراة والإنجيل أتجدني نبيا ؟ ) . قال : إنا نجد نعتك ومخرجك فلما خرجت رجونا أن تكون فينا فلما رأيناك عرفناك أنك لست به
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ولم يا يهودي ؟ ) . قال : إنا نجده مكتوبا : يدخل من أمته الجنة سبعون ألفا بغير حساب . ولا نرى معك إلا نفرا يسيرا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن أمتي لأكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا )
هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه
[ 75 ]

(1/75)


وثبت في ( الصحيح ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمدراس اليهود فقال لهم :
[ 76 ]

(1/76)


( يا معشر اليهود أسلموا فوالذي نفسي بيده إنكم لتجدون صفتي في كتبكم ) . الحديث
وروى أحمد والبخاري عن عطاء بن يسار قال :
لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة . فقال :
أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله فيفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا
ورواه ابن جرير وزاد :
قال عطاء : فلقيت كعبا فسألته عن ذلك ؟ فما اختلفا [ في ] حرف
[ 77 ]

(1/77)


ورواه البيهقي من طريق أخرى عن عطاء بن يسار عن ابن سلام : أنه كان يقول :
إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي السيئة بمثلها ولكن يعفو ويتجاوز ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا
وقال عطاء بن يسار : وأخبرني الليثي : أنه سمع كعب الأحبار يقول مثلما قال ابن سلام
قلت : وهذا عن عبد الله بن سلام أشبه ولكن الرواية عن عبد الله بن عمرو أكثر مع أنه كان قد وجد يوم ( اليرموك ) زاملتين من كتب أهل الكتاب وكان يحدث عنهما كثيرا
وليعلم أن كثيرا من السلف كانوا يطلقون ( التوراة ) على كتب أهل الكتاب فهي عندهم أعم من التي أنزلها الله على موسى وقد ثبت شاهد ذلك من الحديث
والعلم بأنه موجود في كتب أهل الكتاب معلوم من الدين ضرورة وقد دل
[ 78 ]

(1/78)


على ذلك آيات كثيرة في الكتاب العزيز تكلمنا عليها في مواضعها ولله الحمد
فمن ذلك قوله : ؟ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ؟ [ القصص : 52 و 53 ]
وقال تعالى : ؟ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ؟ [ البقرة : 146 ]
وقال تعالى : ؟ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا . ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ؟ [ الإسراء : 107 و 108 ]
وقال تعالى إخبارا عن القسيسين والرهبان : ؟ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ؟ [ المائدة : 83 ]
وفي قصة النجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام وغيرهم كما سيأتي شواهد كثيرة لهذا المعنى ولله الحمد والمنة
وذكرنا في تضاعيف ( قصص الأنبياء ) وصفهم لبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته وبلد مولده ودار مهاجره ونعت أمته في قصة موسى وشعيا وأرمياء ودانيال وغيرهم
[ 79 ]

(1/79)


وفي الإنجيل البشارة ب ( الفارقليط ) والمراد محمد صلى الله عليه وسلم
وروى البيهقي عن الحاكم بإسناده عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( مكتوب في الإنجيل : لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها بل يعفوا ويصفح )
[ المستدرك ]

(1/79)


عن عوف بن مالك الأشجعي قال :
انطلق النبي صلى الله عليه وسلم [ يوما ] وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود [ بالمدينة يوم عيد لهم فكرهوا دخولنا عليهم ] فقال [ لهم ] :
( يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم )
قال : فأسكتوا ما أجابه منهم أحد ثم رد عليهم فلم يجبه منهم أحد فقال :
( أبيتم فوالله [ إني ] لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم )
[ 80 ]

(1/80)


ثم انصرف وأنا معه حتى [ إذا ] كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفنا يقول : كما أنت يا محمد فقال ذلك الرجل : أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود ؟ قالوا : والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك . قال : فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة . فقالوا : كذبت ثم ردوا عليه قوله وقالوا فيه شرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( كذبتم لن يقبل قولكم أما آنفا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم وأما إذ آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل قولكم )
قال : فخرجنا ونحن ثلاثة : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وعبد الله بن سلام وأنزل الله تعالى فيه : ؟ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ؟ [ الأحقاف : 10 ] . [ انتهى المستدرك ]
[ 81 ]

(1/81)


باب في هواتف الجان

(1/81)


وهو ما ألقته الجان على ألسنة الكهان ومسموعا من الأوثان
روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال :
ما سمعت عمر يقول لشيء قط : إني لأظنه [ كذا ] . إلا كان كما يظن
بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال : لقد أخطأ ظني أو أن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم علي الرجل
فدعي به فقال له ذلك . فقال : ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم
قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني . قال : كنت كاهنهم في الجاهلية . قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟
قال : بينما أنا في السوق يوما جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت :
ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ؟
[ 82 ]

(1/82)


قال عمر : صدق بينا أنا عند آلهتهم جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول : يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول : لا إله إلا الله . فوثب القوم قلت : لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا . ثم نادى : يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول : لا إله إلا الله . فقمت فما نشبنا أن قيل : هذا نبي
وهذا الرجل هو سواد بن قارب الأزدي ويقال : الدوسي من أهل السراة من جبال ( البلقاء ) له صحبة ووفادة
وروى الحافظ أبو نعيم عن جابر بن عبد الله قال :
إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن فجاء في صورة طائر أبيض فوقع على حائط لهم فقالت له : ألا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك وتخبرنا ونخبرك ؟ فقال لها : إنه قد بعث نبي بمكة حرم الزنا ومنع منا القرار
[ 83 ]

(1/83)


باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1/83)


وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم
كان ذلك وله صلى الله عليه وسلم من العمر أربعون سنة
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :
أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح
ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار ( حراء ) فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء
فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال : ( ما أنا بقارئ ) . قال : ( فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : ؟ اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ؟ [ العلق : 1 - 5 ] )
[ 84 ]

(1/84)


فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : ( زملوني زملوني ) . فزملوه حتى ذهب عنه الروع
فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - : ( لقد خشيت على نفسي )
فقالت خديجة : كلا [ أبشر ] فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم [ وتصدق الحديث ] وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق
فانطلقت به خديجة حتى أتت على ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة [ أخي أبيها ] وكان امرءا قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي
فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة : هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أو مخرجي هم ؟ )
فقال : نعم لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا
[ 85 ]

(1/85)


ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا . فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك قال : فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك
هكذا وقع مطولا في ( باب التعبير ) من ( البخاري )
قال جابر بن عبد الله الأنصاري - وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه - :
( بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني ب ( حراء ) جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت : زملوني زملوني . فأنزل الله : ؟ ياأيها المدثر . قم فأنذر . وربك فكبر . وثيابك فطهر . والرجز فاهجر ؟ [ المدثر : 1 - 5 ] . فحمي الوحي وتتابع )
[ 86 ]

(1/86)


رواه البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه وتكلمنا عليه مطولا في أول ( شرح البخاري ) في ( كتاب بدء الوحي ) إسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة
وأخرجه مسلم في ( صحيحه ) وانتهى سياقه إلى قول ورقة : ( أنصرك نصرا مؤزرا )
فقول أم المؤمنين عائشة : ( أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ) يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال : اقرأ . فقلت : ما أقرأ . فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني )
وذكر نحو حديث عائشة سواء
فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة وقد جاء مصرحا بهذا في ( مغازي موسى بن عقبة ) عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة
وروى أبو نعيم في ( الدلائل ) بسنده عن علقمة بن قيس قال :
( إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد )
[ 87 ]

(1/87)


قال أبو شامة : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته
فمن ذلك ما في ( صحيح مسلم ) عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن )
انتهى كلامه
وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه صلوات الله وسلامه عليه
وقوله في الحديث : ( والتحنث : التعبد ) تفسير بالمعنى وإلا فحقيقة التحنث من حيث البنية - فيما قاله السهيلي - : الدخول في الحنث . ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها : الخروج من ذلك الشيء كتحنث أي : خرج من الحنث وتحوب وتحرج وتأثم . وتهجد : هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة وتنجس وتقذر . أوردها أبو شامة
قال ابن هشام : والعرب تقول : التحنث والتحنف . يبدلون الفاء من الثاء كما قالوا : جدف وجدث كما قال رؤبة :
لو كان أحجاري من الأجداف
يريد : الأجداث
[ 88 ]

(1/88)


قال : وحدثني أبو عبيدة : أن العرب تقول : ( فم ) في موضع ( ثم )
قلت : ومن ذلك قول بعض المفسرين : ؟ وفومها ؟ أن المراد : ثومها
وقوله : ( حتى فجأه الحق وهو بغار حراء ) أي : جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى : ؟ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ؟ الآية [ النمل : 86 ]
وقد كان نزول هذه السورة الكريمة وهي : ؟ اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ؟ [ العلق : 1 - 5 ] - وهي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في ( التفسير ) وكما سيأتي أيضا - في يوم الاثنين كما ثبت في ( صحيح مسلم ) عن أبي قتادة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال :
( ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزل علي فيه )
وقال ابن عباس :
ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ونبي يوم الاثنين
وهذا ما لا خلاف فيه
والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن إسحاق وغيرهما واستدل ابن إسحاق على ذلك بقوله تعالى : ؟ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ؟ [ البقرة : 185 ]
[ 89 ]

(1/89)


وروى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان )
وروى ابن مردويه في ( تفسيره ) عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه
ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين
وأما قول جبريل : ( اقرأ ) فقال : ( ما أنا بقارئ ) فالصحيح أن قوله : ( ما أنا بقارئ ) نفي أي : لست ممن يحسن القراءة وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة
ومن قال : إنها استفهامية . فقوله بعيد لأن الباء لا تزاد في الإثبات
وقوله : ( حتى بلغ مني الجهد ) : يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع وفعل به ثلاثا قال الخطابي :
( وإنما فعل ذلك به ليبلوا صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه ( الرحضاء ) أي : البهر والعرق )
[ 90 ]

(1/90)


وقال غيره : إنما فعل ذلك لأمور : منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس كما قال تعالى : ؟ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ؟ [ المزمل : 5 ] ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه ويغط كما يغط البكر من الإبل ويتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد
وقوله : ( فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يرجف فؤاده ) وفي رواية : ( بوادره ) : جمع بادرة قال أبو عبيدة : وهي لحمة بن المنكب والعنق . وقال غيره : هي عروق تضطرب عند الفزع
وقوله : ( لقد خشيت على نفسي ) وذلك لأنه شاهد أمرا لم يعهده قبل ذلك ولا كان في خلده ولهذا قالت خديجة : كلا أبشر والله لا يخزيك الله أبدا . قيل : من الخزي وقيل : من الحزن وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة
ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة . فقالت : ( إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث ) . وقد كان مشهورا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق
[ 91 ]

(1/91)


( وتحمل الكل ) أي : عن غيرك تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤونة عياله
( وتكسب المعدوم ) أي : تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك ويسمى الفقير معدوما لأن حياته ناقصة فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم :
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد ب ( المعدوم ) ههنا : المال المعطى أي : يعطي المال لمن هو عادمه
ومن قال : إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم أو النفيس القليل النظير فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما ليس له علم فإن مثل هذا لا يمدح به غالبا وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما . والله أعلم
( وتقري الضيف ) أي : تكرمه في تقديم قراه وإحسان مأواه
( وتعين على نوائب الحق ) ويروى ( الخير ) أي : إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش
وقول ورقة : ( يا ليتني فيها جذعا ) أي : يا ليتني أكون اليوم شابا متمكنا من الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح
( يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك ) يعني : حتى أخرج معك وأنصرك
[ 92 ]

(1/92)


( نصرا مؤزرا ) أي : أنصرك نصرا عزيزا أبدا
وقوله : ( ثم لم ينشب ورقة أن توفي ) أي : توفي بعد هذه القصة بقليل رحمه الله ورضي عنه فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل
وقد روى الإمام أحمد عن ابن لهيعة : حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة : أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل ؟ فقال :
( قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض )
وهذا إسناد حسن لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا . فالله أعلم
وروى الحافظ أبو يعلى عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله : أن
[ 93 ]

(1/93)


رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل ؟ فقال :
( قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس )
وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل ؟ فقال :
( يبعث يوم القيامة أمة وحده )
وسئل عن أبي طالب ؟ فقال :
( أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها )
وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن ؟ فقال :
( أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب )
إسناده حسن ولبعضه شواهد في ( الصحيح ) . والله أعلم
وروى البزار وابن عساكر عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين )
وهذا إسناد جيد وروي مرسلا وهو أشبه
[ 94 ]

(1/94)


وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال : السلام عليك يا رسول الله
وفي رواية :
لقد رأيتني أدخل معه الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال : السلام عليكم يا رسول الله وأنا أسمعه
ومضى قريبا حديث مسلم :
( إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن )
[ 95 ]

(1/95)


فصل
وفي ( الصحيحين ) عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي قال :
( فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء . . . فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت : زملوني زملوني . فأنزل الله : ؟ ياأيها المدثر . قم فأنذر . وربك فكبر . وثيابك فطهر . والرجز فاهجر ؟ [ المدثر : 1 - 5 ] . قال : ثم حمي الوحي وتتابع )
فهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي لا مطلقا ذاك قوله : ؟ اقرأ باسم ربك الذي خلق ؟
وقد ثبت عن جابر : أن أول ما نزل : ؟ ياأيها المدثر ؟ واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجيء الملك الذي عرفه ثانيا بما عرفه به أولا إليه . ثم قوله : ( يحدث عن فترة الوحي ) دليل على تقدم الوحي على هذا الإيحاء . والله أعلم
وقد ثبت في ( الصحيحين ) عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن : أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : ؟ يا أيها المدثر ؟
فقلت : و ؟ اقرأ باسم ربك ؟ ؟
[ 96 ]

(1/96)


فقال : سألت جابر بن عبد الله : أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : ؟ يا أيها المدثر ؟ فقلت : و ؟ اقرأ باسم ربك ؟ ؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إني جاورت ب ( حراء ) شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت بين يدي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رعدة - أو قال : وحشة - فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله : ؟ يا أيها المدثر ؟ حتى بلغ : ؟ وثيابك فطهر ؟ )
وفي رواية :
( فإذا الملك الذي جاءني ب ( حراء ) جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه )
وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه وإنزاله الوحي من الله عليه كما ذكرناه . والله أعلم
ومنهم من زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة : ؟ والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى ؟ إلى آخرها . وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي ( الصحيح ) من أن أول القرآن نزولا بعد فترة الوحي :
؟ يا أيها المدثر . قم فأنذر ؟ ولكن نزلت سورة ( والضحى ) بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة كما ثبت في ( الصحيحين ) وغيرهما عن جندب بن عبد الله البجلي قال :
[ 97 ]

(1/97)


اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا فقالت امرأة : ما أرى شيطانك إلا تركك . فأنزل الله : ؟ والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى ؟
وبهذا الأمر حصل الإرسال إلى الناس وبالأول حصلت النبوة
[ 98 ]

(1/98)


ثم حمي الوحي بعد هذا وتتابع أي : تدارك شيئا بعد شيء
وقام حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرسالة أتم القيام وشمر عن ساق العزم ودعا إلى الله القريب والبعيد والأحرار والعبيد فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد
فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق
ومن الغلمان علي بن أبي طالب
ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته عليه السلام
ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنهم وأرضاهم
[ 99 ]

(1/99)


فصل في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفا واحدا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الأمر ويختلط الحق
فكان من رحمة الله وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء كما قال الله تعالى إخبارا عنهم في قوله : ؟ وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ؟ [ الجن : 8 - 10 ]
وقال تعالى : ؟ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون ؟ [ الشعراء : 210 - 212 ]
وروى الحافظ أبو نعيم عن ابن عباس قال :
كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعا فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوا فتكون باطلا
فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس - ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك - فقال لهم إبليس : هذا لأمر قد حدث في الأرض
[ 100 ]

(1/100)


فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين فأتوه فأخبروه فقال : هذا الأمر الذي حدث في الأرض
وعنه قال :
انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب . فقالوا : ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها [ فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ]
فمر النفر الذين أخذوا نحو ( تهامة ) - وهو ب ( نخل ) - عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء
فرجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا ؟ إنا سمعنا قرءانا عجبا . يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ؟ فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم : ؟ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا ؟
[ 101 ]

(1/101)


أخرجاه في ( الصحيحين )
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عنه قال :
إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع فإذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديد ألقيتها على الصفا قال : فإذا سمعت الملائكة خروا سجدا فلم يرفعوا رؤوسهم حتى ينزل فإذا نزل قال بعضهم لبعض : ؟ ماذا قال ربكم ؟ ؟ فإن كان مما يكون في السماء ؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير ؟ وإن كان مما يكون في الأرض من : أمر الغيب أو موت أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا : يكون كذا وكذا . فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم
فلما بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم دحروا بالنجوم فكان أول من علم بها ثقيف فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة وذو الإبل فينحر كل يوم بعيرا فأسرع الناس في أموالهم . فقال بعضهم لبعض : لا تفعلوا فإن كانت النجوم التي يهتدون بها وإلا فإنه لأمر حدث . فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شيء فكفوا
[ 102 ]

(1/102)


وصرف الله الجن فسمعوا القرآن ؟ فلما حضروه قالوا أنصتوا ؟
وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه فقال : هذا حدث حدث في الأرض فأتوني من كل أرض بتربة فأتوه بتربة تهامة فقال : ها هنا الحدث
ورواه البيهقي والحاكم عن عطاء بن السائب
وثبت في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه [ من الأنصار ] فرمي بنجم عظيم فاستنار قال :
( ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية ؟ )
قال : كنا نقول : يولد عظيم أو يموت عظيم - قال معمر : قلت للزهري : أكان يرمى بها في الجاهلية ؟ قال : نعم ولكن غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم - قال :
( فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا ثم يستخبر أهل السماء الذي يلون حملة العرش فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش : ؟ ماذا قال ربكم ؟ ؟ فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء ويخطف الجن السمع
[ 103 ]

(1/103)


فيرمون فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقرفون [ فيه ] ويزيدون )
[ المستدرك ]

(1/103)


عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :
( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان [ ينفذهم ذلك ] ف ؟ إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا ؟ للذي قال : ؟ الحق وهو العلي الكبير ؟ [ سبأ : 23 ] . فيسمعها مسترق [ وا ] السمع ومسترق [ وا ] السمع هكذا : بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد ( وفي لفظ : وفرج ) بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدرك الشهاب [ المستمع ] قبل أن يلقيها [ إلى صاحبه فيحرق ] وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا : كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء )
[ 104 ]

(1/104)


أخرجه البخاري
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :
سأل أناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ليسوا بشيء )
قالوا : يا رسول الله فإنهم يحدثون أحيانا الشيء يكون حقا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة )
أخرجه الشيخان . [ انتهى المستدرك ]
[ 105 ]

(1/105)


فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة وثاني مرة أيضا
وعن عائشة رضي الله عنها :
أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال :
( أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فينفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا يكلمني فأعي ما يقول )
قالت عائشة رضي الله عنها :
ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا
أخرجاه في ( الصحيحين ) وأحمد
وفي حديث الإفك قالت عائشة :
فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه كان يتحدر منه مثل الجمان
[ 106 ]

(1/106)


من العرق - وهو في يوم شات - من ثقل الوحي الذي أنزل عليه
وفي ( صحيح مسلم ) وغيره عن عبادة بن الصامت قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه . ( وفي رواية : وغمض عينيه وكنا نعرف ذلك منه )
وفي ( الصحيحين ) حديث زيد بن ثابت حين نزلت : ؟ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ؟ [ النساء : 95 ] فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت : ؟ غير أولي الضرر ؟
قال : وكانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي وأنا أكتب فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي
وفي ( صحيح مسلم ) عن يعلى بن أمية قال : قال لي عمر :
أيسرك أن تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه ؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه
[ 107 ]

(1/107)


وهو يوحى إليه ب ( الجعرانة ) فإذا هو محمر الوجه وهو يغط كما يغط البكر
وثبت في ( الصحيحين ) من حديث عائشة لما نزل الحجاب وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى ( المناصع ) ليلا فقال عمر : قد عرفناك يا سودة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده فأوحى الله إليه [ ثم رفع عنه ] والعرق في يده [ ما وضعه ] ثم رفع رأسه فقال :
( إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن )
فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية بدليل أنه جالس ولم يسقط العرق أيضا من يده صلوات الله وسلامه دائما عليه
وروى أبو يعلى عن الفلتان بن عاصم قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل
[ 108 ]

(1/108)


عليه وكان إذا أنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل [ فكنا نعرف ذلك منه ]
وروى أحمد وأبو نعيم عن أسماء بنت يزيد قالت :
إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه ( المائدة ) كلها وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة
وروى أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو قال :
أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ( المائدة ) وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها
وروى ابن مردويه عن أم عمرو عن عمها :
أنه كان في مسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه سورة ( المائدة ) فاندق عنق الراحلة من ثقلها
وهذا غريب من هذا الوجه
[ 109 ]

(1/109)


ثم قد ثبت في ( الصحيحين ) نزول سورة ( الفتح ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية وهو على راحلته فكان يكون تارة وتارة بحسب الحال . والله أعلم
[ 110 ]

(1/110)


فصل
قال الله تعالى : ؟ لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه ؟ [ القيامة : 16 - 19 ]
وقال تعالى : ؟ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ؟ [ طه : 114 ]
وكان هذا في الابتداء كان عليه الصلاة والسلام من شدة حرصه على أخذه من الملك ما يوحى إليه عن الله عز وجل يسابقه في التلاوة فأمره الله تعالى أن ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي وتكفل له أن يجمعه في صدره وأن ييسر عليه تلاوته وتبليغه وأن يبينه له ويفسره ويوضحه ويوقفه على المراد منه
ولهذا قال : ؟ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ؟
وقوله : ؟ لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه ؟ أي : في صدرك ؟ وقرآنه ؟ أي : وتقرأه ؟ فإذا قرأناه ؟ أي : تلاه عليك الملك ؟ فاتبع قرآنه ؟ أي : فاستمع له وتدبره ؟ ثم إن علينا بيانه ؟ وهو نظير قوله : ؟ وقل رب زدني علما ؟
[ 111 ]

(1/111)


وفي ( الصحيحين ) عن ابن عباس قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه فأنزل الله : ؟ لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه ؟ قال : جمعه في صدرك ثم تقرأه ؟ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ؟ : فاستمع له وأنصت ؟ ثم إن علينا بيانه ؟ قال : فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله عز وجل
[ 112 ]

(1/112)


فصل
قال ابن إسحاق : ثم تتام الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصدق بما جاء منه وقد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم
وللنبوة أثقال ومؤونة لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل - بعون الله وتوفيقه - لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاؤوا به عن الله عز وجل
فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أمر الله به على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى
قال ابن إسحاق : وآمنت خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره وكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء منه
فخفف الله بذلك عن رسوله لا يسمع شيئا يكرهه - من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك - إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس رضي الله عنها وأرضاها
قال : وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب )
[ 113 ]

(1/113)


وهذا الحديث مخرج في ( الصحيحين ) من حديث هشام
قال ابن هشام : ( القصب ) ها هنا : اللؤلؤ المجوف
[ 114 ]

(1/114)


فصل
في ذكر من أسلم ثم ذكر متقدمي الإسلام
من الصحابة وغيرهم
روى ابن إسحاق عن إياس بن عفيف عن أبيه عفيف - وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس لأمه - أنه قال :
كنت امرءا تاجرا فقدمت ( منى ) أيام الحج وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا فأتيته أبتاع منه
قال : فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلي تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت تصلي وخرج غلام فقام يصلي معه
فقلت : يا عباس ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما أدري ما هو ؟
فقال : هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به
قال عفيف : فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون رابعا
[ 115 ]

(1/115)


وفي رواية عنه قال :
إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس فلما رآها قد مالت قام يصلي . . . ثم ذكر قيام خديجة وراءه
وروى ابن جرير بسنده عن يحيى بن عفيف [ عن عفيف ] قال :
جئت زمن الجاهلية إلى ( مكة ) فنزلت على العباس بن عبد المطلب فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء - وأنا أنظر إلى الكعبة - أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه
فقلت : يا عباس أمر عظيم فقال : أمر عظيم ؟ أتدري من هذا ؟ فقلت : لا . فقال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي . أتدري من الغلام ؟ قلت : لا . قال : هذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أتدري من هذه المرأة التي خلفهما ؟ قلت : لا . قال : هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي . وهذا حدثني أن ربك رب السماء والأرض أمره بهذا الذي تراهم عليه وايم الله ما
[ 116 ]

(1/116)


أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة
وروى ابن جرير أيضا عن ابن عباس قال :
أول من صلى علي
[ 117 ]

(1/117)


وعن جابر قال :
بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء
وعن زيد بن أرقم قال :
أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب
قال [ عمرو بن مرة ] : فذكرته للنخعي فأنكره وقال : أبو بكر أول من أسلم
[ 118 ]

(1/118)


وقال آخرون : أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق
والجمع بين الأقوال كلها : إن خديجة أول من أسلم من النساء - وظاهر السياقات - وقبل الرجال أيضا
وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة
وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب فإنه كان صغيرا دون البلوغ على المشهور وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت
وأول من أسلم من الأحرار أبو بكر الصديق وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدرا معظما ورئيسا في قريش مكرما وصاحب مال وداعية إلى الإسلام وكان محببا متألفا يبذل المال في طاعة الله ورسوله
وقد ثبت في ( صحيح البخاري ) عن أبي الدرداء في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الخصومة وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن الله بعثني إليكم فقلتم : كذبت . وقال أبو بكر : صدق . وواساني
[ 119 ]

(1/119)


بنفسه وماله . فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ ( مرتين ) . فما أوذي بعدها
وهذا كالنص على أنه أول من أسلم رضي الله عنه
وقد روى الترمذي وابن حبان عن أبي سعيد قال :
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ألست أحق الناس بها ؟ ألست أول من أسلم ؟ ألست صاحب كذا ؟
وقد تقدم رواية ابن جرير عن زيد بن أرقم قال :
[ 120 ]

(1/120)


أول من أسلم علي بن أبي طالب
قال عمرو بن مرة : فذكرته لإبراهيم النخعي فأنكره وقال : أول من أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه
وهذا هو المشهور عن جمهور أهل السنة
وثبت في ( صحيح البخاري ) عن عمار بن ياسر قال :
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر
وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن مسعود قال :
أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد
فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما
[ 121 ]

(1/121)


سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب ( مكة ) وهو يقول : أحد أحد
وثبت في ( صحيح مسلم ) من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال :
أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو ب ( مكة ) وهو حينئذ مستخف فقلت : ما أنت ؟ قال : ( أنا نبي ) . فقلت : وما النبي ؟ قال : ( رسول الله ) . قلت : آلله أرسلك ؟ قال : ( نعم ) . قلت : بم أرسلك ؟ قال :
( أن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الأصنام وتوصل الأرحام )
قال : قلت : نعم ما أرسلت به فمن تبعك على هذا ؟
قال : ( حر وعبد ) . يعني : أبا بكر وبلالا
قال : فكان عمرو يقول : لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام
[ 122 ]

(1/122)


قال : فأسلمت . قلت : فأتبعك يا رسول الله ؟ قال : ( لا ولكن الحق بقومك فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني )
ويقال : إن معنى قوله عليه السلام : ( حر وعبد ) اسم جنس وتفسير ذلك بأبي بكر وبلال فقط فيه نظر فإنه قد كان جماعة أسلموا قبل عمرو بن عبسة وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه فإن المؤمنين كانوا إذ ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الأجانب دع أهل البادية من الأعراب . والله أعلم
وفي ( صحيح البخاري ) عن سعد بن أبي وقاص قال :
( ما أسلم أحد [ إلا ] في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام )
أما قوله : ( ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ) فسهل ويروى : ( إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ) وهو مشكل إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالإسلام وقد علم أن الصديق وعليا وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد منهم ابن الأثير
ونص أبو حنيفة رضي الله عنه على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه . والله أعلم
[ 123 ]

(1/123)


وأما قوله : ( ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام ) فمشكل وما أدري على ماذا يوضع عليه ؟ إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه . والله أعلم
وروى الطيالسي وأحمد والحسن بن عرفة عن ابن مسعود قال :
كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط ب ( مكة ) فأتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقال - أو : فقالا - : عندك يا غلام لبن تسقينا ؟ قلت : إني مؤتمن ولست بساقيكما . فقال : هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت : نعم . فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع ودعا فحفل الضرع وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني ثم قال للضرع : اقلص . فقلص
فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : علمني من هذا القول الطيب . يعني : القرآن فقال :
( إنك غلام معلم )
فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد
[ 124 ]

(1/124)


ذكر إسلام أبي ذر رضي الله عنه
روى البيهقي عن الحاكم بسنده عن أبي ذر قال :
كنت ربع الإسلام أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا سياق مختصر
وقد رواه البخاري عن ابن عباس قال :
لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأخيه : اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء فاسمع من قوله ثم ائتني
فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من كلامه ثم رجع إلى أبي ذر فقال له : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر
فقال : ما شفيتني مما أردت
[ 125 ]

(1/125)


فتزود وحمل شنة [ له ] فيها ماء حتى قدم ( مكة ) فأتى المسجد فالتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل فرآه علي فعرف أنه غريب فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال : أما آن للرجل أن يعلم منزله ؟ فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء
حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي على مثل ذلك فأقام معه فقال : ألا تحدثني بالذي أقدمك ؟ قال : إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنني فعلت . ففعل فأخبره . قال : فإنه حق وإنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي . ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
( ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري )
فقال : والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم . فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه فأتى العباس فأكب عليه فقال : ويلكم
[ 126 ]

(1/126)


ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام ؟ فأنقذه منهم
ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه
هذا لفظ البخاري
وقد جاء إسلامه مبسوطا في ( صحيح مسلم ) وغيره فروى أحمد عن عبد الله بن الصامت [ قال : ] قال أبو ذر :
خرجنا من قومنا غفار - وكانوا يحلون الشهر الحرام - أنا وأخي أنيس وأمنا فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وذي هيئة فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا له : إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس . فجاء خالنا فنثى عليه ما قيل له فقلت له : أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لنا فيما بعد
قال : فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا ثوبه وجعل يبكي
قال : فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة ( مكة ) قال : فنافر أنيس [ رجلا ] عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخير أنيسا فأتانا بصرمتنا ومثلها
وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين
[ 127 ]

(1/127)


قال : قلت : لمن ؟ قال : لله . قال : فأين توجه ؟ قال : حيث وجهني الله . قال : وأصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس
قال : فقال أنيس : إن لي حاجة بمكة فاكفني حتى آتيك
قال : فانطلق فراث علي ثم أتاني فقلت : ما حبسك ؟ قال : لقيت رجلا يزعم أن الله عز وجل أرسله على دينك . قال : فقلت : ما يقول الناس له ؟ قال : يقولون : إنه شاعر وساحر [ وكاهن ] . وكان أنيس شاعرا
قال : فقال : قد سمعت قول الكهان فما يقول بقولهم وقد وضعت قوله على أقراء الشعر فوالله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون
قال : فقلت له : هل أنت كافي حتى أنطلق فانظر ؟ قال : نعم وكن من أهل ( مكة ) على حذر فإنهم قد شنفوا له وتجهموا له
قال : فانطلقت حتى قدمت ( مكة ) فتضعفت رجلا منهم فقلت : أين هذا الرجل الذي تدعونه الصابئ ؟ قال : فأشار إلي . [ قال : الصابئ . قال : ] فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر
[ 128 ]

(1/128)


فأتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدم ودخلت بين الكعبة وأستارها فلبثت به ابن أخي ثلاثين من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع
قال : فبينا أهل ( مكة ) في ليلة قمراء إضحيان فضرب الله على أصمخة أهل ( مكة ) فما يطوف بالبيت غير امرأتين فأتتا علي وهما تدعوان ( إساف ) ( ونائلة ) فقلت : أنكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك قال : فأتتا علي فقلت : وهن مثل الخشبة . غير أني لم أكن
قال : فانطلقتا تولولان وتقولان : لو كان ههنا أحد من أنفارنا
قال : فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال : ( ما لكما ؟ ) . فقالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . قالا : ( ما قال لكما ؟ ) . قالتا : قال لنا كلمة تملأ الفم
قال : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه حتى استلم الحجر فطاف بالبيت ثم صلى
قال : فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام فقال :
( عليك السلام ورحمة الله ممن أنت ؟ )
[ 129 ]

(1/129)


قال : قلت : من غفار . قال : فأهوى بيده فوضعها على جبهته . قال : فقلت في نفسي : كره أن انتميت إلى غفار . قال : فأردت أن آخذ بيده فقدعني صاحبه وكان أعلم به مني قال :
( متى كنت ههنا ؟ )
قال : قلت : كنت ههنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم . قال :
( فمن كان يطعمك ؟ )
قلت : ما كان إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إنها مباركة وإنها طعام طعم )
قال : فقال أبو بكر : ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة . قال : ففعل
قال : فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم [ وانطلق أبو بكر ] وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف . قال : فكان ذلك أول طعام أكلته بها فلبثت ما لبثت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا ( يثرب ) فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله عز وجل ينفعهم بك ويأجرك فيهم ؟ )
[ 130 ]

(1/130)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية