صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ صفة الصفوة - ابن الجوزي ]
الكتاب : صفة الصفوة
المؤلف : عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج
الناشر : دار المعرفة - بيروت
الطبعة الثانية ، 1399 - 1979
تحقيق : محمود فاخوري - د.محمد رواس قلعه جي
عدد الأجزاء : 4

صفة الصفوة

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن
قال الشيخ الامام العالم العلامة الأعلام لسان المتكلمين أوحد العلماء العاملين جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي رحمه الله الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى حمدا إذا قابل النعم وفى وسلاما إذا بلغ المصطفين شفى وخص الله بخاصة ذلك نبينا المصطفى ومن احتذى حذوه من أصحابه وأتباعه واقتفى وفقنا لسلوك طريقهم فانه إذا وفق كفى
أما بعد فانك أيها الطالب الصادق والمريد المحقق لما نظرت في كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني أعجبك ذكر الصالحين والأخيار ورأيته دواء

(1/20)


لأدواء النفس إلا أنك شكوت من إطالته بالأحاديث المسندة التي لا تليق به وبكلام عن بعض المذكورين كثير قليل الفائدة وسألتني أن أختصره لك وأنتقي محاسنه فقد أعجبني منك أنك أصبت في نظرك إلا أنه لم يكشف لك كل الأمر وأنا أكشفه لك فأقول
اعلم أن كتاب الحلية قد حوى من الأحاديث والحكايات جملة حسنة إلا أنه تكدر بأشياء وفاتته أشياء
فالأشياء التي تكدر بها عشرة الأول أن هذا الكتاب إنما وضع لذكر أخبار الأخيار وإنما يراد من ذكرهم شرح أحوالهم وأخلاقهم ليقتدي بها السالك فقد ذكر فيه أسماء جماعة ثم لم ينقل عنهم شيئا من ذلك ذكر عنهم ما يروونه عن غيرهم أو ما يسندونه من الحديث كما ملأ ترجمة هشام بن حسان بما يروى عن الحسن وتلك الحكايات ينبغي أن

(1/21)


تدخل في ترجمة الحسن لا في ترجمة هشام وكذلك ملأ ترجمة جعفر بن سليمان بما يروى عن مالك بن دينار ونظرائه ولم يذكر له عنه شيئا
والثاني أنه قصد ما ينقل عن الرجل المذكور ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا مثل ما ملأ ترجمة مجاهد بقطعة من تفسيره وترجمة عكرمة بقطعة من تفسيره وترجمة كعب الأحبار بقطعة من التوراة وليس هذا بموضع هذه الأشياء
والثالث أنه أعاد أخبارا كثيرة مثل ما ذكر في

(1/22)


ترجمة الحسن البصري من كلامه ثم أعاده في تراجم أصحابه الذين يرون كلامه وذكر في ترجمة أبي سليمان الداراني من كلامه وأعاده في ترجمة أحمد بن أبي الحواري بروايته عن أبي سليمان
والرابع أنه أطال بذكر الأحاديث المرفوعة التي يرويها الشخص الواحد فينسى ما وضع له ذكر الرجل من بيان آدابه وأخلاقه كما ذكر شعبة وسفيان ومالك وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم فانه ذكر عن كل واحد من هؤلاء من الأحاديث التي يرويها مرفوعة جملة كثيرة ومعلوم أن مثل كتابه الذي يقصد به مداواة القلوب إنما وضع لبيان أخلاق القوم لا الأحاديث

(1/23)


ولكل مقام مقال ثم لو كانت الأحاديث التي ذكرها من أحاديث الزهد اللائقة بالكتاب لقرب الأمر ولكنها من كل فن وعمومها من أحاديث الأحكام والضعاف أو لو كان اقتصر على الغريب من روايات المكثرين او رخم ما يرويه المقلون كما روي عن الجنيد أنه لم يسند إلا حديثا واحدا لكان ذكر مثل هذا حسنا لكنه أمعن فيما لا يتعلق ذكره بالكتاب
ذكر أحاديث باطلة
والخامس أنه ذكر في كتابه أحاديث كثيرة باطلة وموضوعة فقصد بذكرها تكثير حديثه وتنفيق رواياته ولم يبين أنها موضوعة ومعلوم أن جمهور المائلين الى التبرر يخفى عليهم الصحيح من غيره فستر ذلك عنهم غش من الطبيب لا نصح

(1/24)


السجع البارد
والسادس السجع البارد في التراجم الذي لا يكاد يحتوي على معنى صحيح خصوصا في ذكر حدود التصوف
والسابع اضافة التصوف الى كبار السادات كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وشريح وسفيان وشعبة ومالك والشافعي وأحمد وليس عند هؤلاء القوم خبر من التصوف إضافة التصوف الى غير الصحابة
فان قال قائل إنما عنى به الزهد في الدنيا وهؤلاء زهاد قلنا التصوف مذهب معروف عند أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد بل له صفات وأخلاق يعرفها أربابه ولولا أنه أمر زيد على الزهد ما نقل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمه فانه قد روى أبو نعيم في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه أنه قال التصوف مبني على الكسل ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق وقد ذكرت الكلام في التصوف ووسعت القول فيه في كتابي المسمى بتلبيس إبليس

(1/25)


إطالة الكلام فيما لا طائل فيه
والثامن أنه حكى في كتابه عن بعض المذكورين كلاما أطال به لا طائل فيه تارة لا يكون في ذلك الكلام معنى صحيح كجمهور ما ذكر عن الحارث المحاسبي وأحمد بن عاصم وتارة يكون ذلك الكلام غير اللائق بالكتاب وهذا خلل في صناعة التصنيف وإنما ينبغي للمصنف أن ينتقي فيتوقى ولا يكون كحاطب ليل فالنطاف العذاب تروي لا البحر
ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلها
والتاسع أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلها فربما سمعها المبتدىء القليل العلم فظنها حسنة فاحتذاها مثل ما روي عن أبي حمزة الصوفي أنه وقع في بئر فجاء رجلان فطماها فلم ينطق حملا لنفسه

(1/26)


على التوكل بزعمه وسكوت هذا الرجل في مثل هذا المقام إعانة على نفسه وذلك لا يحل ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحال كما لم يخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من التوكل باخفائه الخروج من مكة واستئجاره دليلا واستكتامه واستكفائه ذلك الأمر واستتاره في الغار وقوله لسراقة أخف عنا
فالتوكل الممدوح لا ينال بفعل محذور وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه وبيان ذلك أن الله عز و جل قد خلق للآدمى آلة يدافع بها عن نفسه الضرر وآلة يجتلب بها النفع فإذا عطلها مدعيا للتوكل كان جهلا بالتوكل وردا لحكمة الواضع لأن التوكل إنما هو

(1/27)


اعتماد القلب على الله سبحانه وليس من ضرورته قطع الأسباب ولو أن إنسانا جاع فلم يأكل أو احتاج فلم يسأل أو عري فلم يلبس فمات دخل النار لأنه قد دل على طريق السلامة فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه
وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أخبرنا محمد ابن قال أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن العباس بن أيوب قال حدثنا عبد الرحمن ابن يونس الرقي قال حدثنا مطرف بن مازن عن الثوري قال من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار
قلت ولا التفات إلى أبي حمزة في حكايته فجاء أسد فأخرجني فإنه ان صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقا وقد يكون لطفا من الله تعالى بالعبد الجاهل ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به انما ينكر فعله الذي هو كسبه وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة الله تعالى عنده وقد أمر بحفظها

(1/28)


وكذلك روى عن الشبلي أنه كان إذا لبس ثوبا خرقه وكان يحرق والخبز والأطعمة التي ينتفع بها الناس بالنار فلما سئل عن هذا احتج بقوله فطفق مسحا بالسوق والأعناق وهذا في غاية القبح لأن سليمان عليه السلام نبي معصوم فلم يفعل إلا ما يجوز له وقد قيل في التفسير إنه مسح على نواصيها وسوقها وقال أنت في سبيل الله وإن قلنا إنه عقرها فقد أطعمها الناس وأكل لحم الخيل جائز فأما هذا الفعل الذي حكاه عن الشبلي فلا يجوز في شريعتنا فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن إضاعة المال وحكى عنه

(1/29)


لما مات ولده حلق لحيته وقال قد جزت أمه شعرها على مفقود أفلا أحلق أنا لحيتي على موجود
إلى غير ذلك من الأشياء السخيفة الممنوع منها شرعا 10 خلط في ترتيب التراجم
والعاشر أنه خلط في ترتيب القوم فقدم من ينبغي أن يؤخر وأخر من ينبغي أن يقدم فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل ولا على ترتيب المواليد ولا جمع أهل كل بلد في مكان وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط خصوصا في أواخر الكتاب فلا يكاد طالب الرجل يهتدي الى موضعه ومن طالع كتاب هذا الرجل ممن له أنس بالنقل انكشف له ما أشرت إليه الأشياء التي فاتت الحلية
وأما الأشياء التي فاتته فأهمها ثلاثة أشياء
أحدها أنه لم يذكر سيد الزهاد وإمام الكل

(1/30)


وقدوة الخلق وهو نبينا صلى الله عليه و سلم فإنه المتبع طريقه المقتدى بحاله
والثاني أنه ترك ذكر خلق كثير قد نقل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير ولا يجوز أن يحمل ذلك منه على أنه قصد المشتهرين بالذكر دون غيرهم فإنه قد ذكر خلقا لم يعرفوا بالزهد ولم ينقل عنهم شيء وربما ذكر الرجل فأسند عنه أبيات شعر فحسب ففعله يدل على أنه أراد الاستقصاء وتقصيره في ذلك ظاهر
والثالث أنه لم يذكر من عوابد النساء إلا عددا قليلا ومعلوم أن ذكر العابدات مع قصور الأنوثية يوثب المقصر من الذكور فقد كان سفيان الثوري ينتفع برابعة ويتأدب بكلامها الدافع الى تأليف صفة الصفوة
وقد حداني جدك أيها المريد في طلب أخبار الصالحين وأحوالهم أن أجمع لك كتابا يغنيك عنه

(1/31)


ويحصل لك المقصود منه ويزيد عليه بذكر جماعة لم يذكرهم وأخبار لم ينقلها وجماعة ولدوا بعد وفاته وينقص عنه بترك جماعة قد ذكرهم لم ينقل عنهم كبير شيء وحكايات قد ذكرها فبعضها لا ينبغي التشاغل به وبعضها لا يليق بالكتاب على ما سبق بيانه فصل
في بيان وضع كتابنا والكشف عن قاعدته وضع كتاب الصفة وطريقته
لما كان المقصود بوضع مثل هذا الكتاب ذكر أخبار العاملين بالعلم الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة المستعدين للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح ذكرت من هذه حاله دون من اشتهر بمجرد العلم ولم يشتهر بالزهد والتعبد
ولما سميت كتابي هذا صفة الصفوة رأيت أن أفتتحه بذكر نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فإنه صفوة الخلق وقدوة العالم
فإن قال قائل فهلا ذكرت الأنبياء قبله فانهم

(1/32)


صفوة أيضا
فالجواب أن كتابنا هذا إنما وضع لمداواة القلوب وترقيقها وإصلاحها وإنما نقل إلينا أخبار آحاد من الأنبياء ثم لم ينقل في أخبار أولئك الآحاد ما يناسب كتابنا إلا أن يذكر عن عباد بني إسرائيل ما حملوا على أنفسهم من التشديد أو عن عيسى عليه السلام وأصحابه ما يقتضيه الترهبن وذلك منقسم إلى ما تبعد صحته وإلى ما نهى عنه في شرعنا وقد ثبت أن نبينا صلى الله عليه و سلم أفضل الأنبياء وأن أمته خير الأمم وأن شريعته حاكمة على جميع الشرائع فلذلك اقتصرنا على ذكره وذكر أمته فصل
في بيان ترتيب كتابنا بيان ترتيب الكتاب
أنا أبتدىء بتوفيق الله سبحانه ومعونته فأذكر بابا في فضل الأولياء والصالحين ثم أردفه بذكر نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وشرح أحواله وآدابه وما يتعلق به ثم أذكر

(1/33)


المشتهرين من أصحابه بالعلم المقترن بالزهد والتعبد وآتي بهم على طبقاتهم في الفضل ثم أذكر المصطفيات من الصحابيات على ذلك القانون ثم أذكر التابعين ومن بعدهم على طبقاتهم في بلدانهم
وقد طفت الأرض بفكري شرقا وغربا واستخرجت كل من يصلح ذكره في هذا الكتاب من جميع البقاع ورب بلدة عظيمة لم أر فيها من يصلح لكتابنا وقد حصرت أهل كل بلدة فيها وترتيبهم على طبقاتهم أبدأ بمن يعرف اسمه من الرجال ثم أذكر بعد ذلك من لم يعرف اسمه فإذا انتهى ذكرت عابدات ذلك البلد على ذلك القانون وربما كان في أهل البلد من عقلاء المجانين من يصلح ذكره من الرجال والنساء فأذكره
وإنما ضبطت هذا الترتيب تسهيلا للطلب على الطالب ولما لم يكن بد من مركز يكون كنقطة للدائرة رأيت أن مركزنا وهو بغداد أولى من غيره إلا أنه لما لم يمكن تقديمها على المدينة ومكة لشرفهما بدأت بالمدينة لأنها دار الهجرة ثم ثنيت بمكة ثم ذكرت

(1/34)


الطائف لقربها من مكة ثم اليمن وعدت إلى مركزنا بغداد فذكرت المصطفين منها ثم إنحدرت إلى المدائن ونزلت إلى واسط ثم إلى البصرة ثم إلى الأبلة ثم عبادان ثم تستر ثم شيراز ثم كرمان ثم أرجان ثم سجستان ثم ديبل ثم البحرين ثم اليمامة ثم الدينور ثم همذان ثم قزوين ثم أصبهان ثم الري ثم دامغان

(1/35)


ثم بسطام ثم نيسابور ثم طوس ثم هراة ثم مرو ثم بلخ ثم ترمذ ثم بخارى ثم فرغانة ثم نخشب
ثم ذكرت عباد المشرق المجهولين البلاد والأسماء فلما انتهى ذكر أهل المشرق عدنا الى مركزنا وارتقينا منه إلى المغرب وقد ذكرنا أهل عكبرا ثم الموصل ثم البرقة ثم طبقات أهل الشام ثم المقدسيين ثم أهل

(1/36)


جبلة ثم أهل العواصم والثغور ثم من لم يعرف بلده من عباد أهل الشام ثم عسقلان ثم مصر ثم مصر ثم الاسكندرية ثم المغرب ثم عباد الجبال ثم عباد الجزائر ثم عباد السواحل ثم أهل البوادي والفلوات ثم من لم نعرف له مستقرا من العباد وإنما لقي في طريق فمنهم من لقي في طريق مكة ومنهم من لقي بعرفة ومنهم من لقي في الطواف ومنهم من لقي في غزاة ومنهم من لقي في طريق سفر أو طريق سياحة
ثم ذكرت من لم يعرف له اسم ولا مكان من العباد ثم ذكرت طرفا من أخبار بنيات صغار تكلمن بكلام العابدات الكبار ثم ذكرت طرفا من من أخبار عباد الجن فختمت بذلك الكتاب والله الموفق

(1/37)


ينقل عن القوم محاسنهم
وإنما أنقل عن القوم محاسن ما نقل مما يليق بهذا الكتاب ولا أنقل كل ما نقل إذ لكل شيء صناعة وصناعة العقل حسن الاختيار وكما أني لاأذكر مالا يصلح لا أذكر مالا يصلح أن يقتدى به ممن هو في صورة العلماء والزهاد وقد تجوزت بذكر جماعة من المتصوفة وردت عنهم كلمات منكرة وكلمات حسان فانتخبت من محاسن أقوالهم لأن الحكمة ضالة المؤمن
ومع تنقينا وتوقينا وحذف من لا يصلح وما لا يصلح فقد زاد عدد من في كتابنا على ألف شخص يزيد الرجال على ثمانمائة زيادة بينة وتزيد النساء على مائتين زيادة كثيرة ولم يبلغ عدد رجال الحلية الذين ذكرت أحوالهم في تراجمهم ستمائة بل قد ذكر جماعة لم يذكر لهم شيئا ولا أظنه ذكر في جميع الكتاب عشرين امرأة
وإلى الله سبحانه أرغب في النفع بكلمات المتقين واللحوق بدرجات أهل اليقين إنه ولي ذلك والقادر عليه

(1/38)


باب ذكر فضل الأولياء والصالحين
الأولياء والصالحون هم المقصود من الكون وهم الذين علموا فعملوا بحقيقة العلم
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله تعالى قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بأفضل من أداء ما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته رواه البخاري
وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم عن جبريل عن ربه عز و جل قال من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت

(1/39)


عن شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس مؤمن أكره مساءته ولا بد له منه وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابا من العبادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه وما يزال عبدي يتنفل حتى أحبه ومن أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا دعاني فأجبته وسألني فأعطيته ونصح لي فنصحت له وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر وان بسطت حاله أفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير ورواه عبد الكريم الجزري عن أنس مختصرا وقال فيه إني لأسرع شيء الى نصرة أوليائي إني لأغضب لهم أشد من غضب الليث الحرب
وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره

(1/40)


وعن عطاء بن يسار قال موسى عليه السلام يا رب من أهلك الذين هم أهلك الذين تظلهم في عرشك قال هم البريئة أيديهم الطاهرة قلوبهم الذين يتحابون بجلالي الذين إذا ذكرت ذكروا وإذا ذكروا ذكرت نذكرهم الذين يسبغون الوضوء في المكاره ينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا إستحلت كما يغضب النمر إذا حرب
وعن وهب بن منبه قال لما بعث الله موسى وأخاه هارون إلى فرعون قال لا تعجبنكما زينته ولا ما متع به ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز

(1/41)


عن مثل ما أوتيتما لفعلت ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي وقديما خرت لهم فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة
وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى
واعلم أنه لم يتزين العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا فانها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع سيماهم في وجوههم من أثر السجود أولئك هم أوليائي حقا حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وباراني وعرض لي نفسه ودعاني اليها وأنا أسرع شيء الى نصرة أوليائي أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي أو يظن الذي يعاديني أن يعجزني

(1/42)


أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري
وعنه قال قال الحواريون يا عيسى من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فقال عيسى عليه السلام الذين نظروا الى باطن الدنيا حين نظر الناس الى ظاهرها والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار استكثارهم منها استقلالا وذكرهم إياها فواتا وفرحهم بما أصابوا منها حزنا فما عارضهم من نائلها رفضوه أو من رفعتها بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها وخربت بينهم فليسوا يعمرونها وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم رفضوها وكانوا برفضها فرحين وباعوها ببيعها رابحين نظروا الى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب بهم قام

(1/43)


الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه علموا فليسوا يرون نائلا مع ما نالوا ولا أمانا دون ما يرجون ولا خوفا دون ما يحذرون رواه الإمام أحمد

(1/44)


وعن كعب قال لم يزل في الأرض بعد نوح عليه السلام أربعة عشر يدفع بهم العذاب رواه الإمام أحمد
وعن إبن عيينة قال عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة قال محمد بن يونس ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين

(1/45)


باب ذكر نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وذكر نسبه
عن عمر بن حفص السدوسي قال هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار وأم رسول الله صلى الله عليه و سلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة
قلت وأما نزار فهو ابن معد بن أد بن أدد بن الهميسع بن حمل بن النبت بن قيدار بن اسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه السلام
ذكر طهارة آبائه وشرفهم
عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله عز و جل

(1/46)


اصطفى من ولد إبراهيم اسمعيل واصطفى من بني اسمعيل كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم
ذكر تزويج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب
كان عبد المطلب قد خطب آمنة لابنه عبد الله فزوجها إياه فبقي معها مدة وجرت له قصة قبل حملها برسول الله صلى الله عليه و سلم عن أبي فياض الخثعمي قال مر عبد الله بن عبد المطلب بامرأة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مر وكانت من أجمل الناس وأشبه وأعفه وكانت قد قرأت الكتب وكان شباب قريش يتحدثون إليها فرأت نور النبوة وفي وجه عبد الله فقالت

(1/47)


يا فتى من أنت فأخبرها فقالت هل لك أن تقع علي وأعطيك مائة من الإبل فنظر إليها وقال
أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تنوينه ...
ثم مضى الى امرأته آمنة فكان معها
ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه فأقبل إليها فلم ير منها من الإقبال عليه آخرا كما رآه منها أولا فقال هل لك فيما قلت لي فقالت قد كان ذلك مرة فاليوم لا فذهبت مثلا وقالت أي شيء صنعت بعدي قال وقعت على زوجتي آمنة بنت وهب قالت والله إني لست بصاحبة زينة ولكني رأيت نور النبوة في وجهك فأردت أن يكون ذلك في فأبى الله إلا أن يجعله حيث جعله
وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد الله بن عبد المطلب وتأبيه لها فذكروا ذلك لها فأنشأت تقول
إني رأيت مخيلة عرضت ... فتلألأت بحناتم القطر

(1/48)


فلمائها نور يضيء له ... ما حوله كإضاءة الفجر
فرأيته شرفا أبوء به ... ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهرية سلبت ... ثوبيك ما سلبت وما تدري
وقالت أيضا
بني هاشم ما غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح بعد خبوه ... فتائل قد ميثت له بدهان
وما كل ما يحوي الفتى من تلاده ... لحزم ولا ما فاته لتواني
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يصطرعان
سيكفيكه إما يد مقفعلة ... وإما يد مبسوطة ببنان
ولما قضت منه أمينة ما قضت ... نبا بصري عنه وكل لساني
وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أن هذه المرأة من بني

(1/49)


أسد بن عبد العزى وهي أخت ورقة بن نوفل وكذلك قال ابن إسحق وقال هي أم قتال وقال عروة في آخرين هي قتيلة بنت نوفل أخت ورقة
وروى جرير بن حازم عن أبي يزيد المدائني أن عبد الله لما مر على الخثعمية رأت بين عينيه نورا ساطعا إلى السماء فقالت هل لك في قال نعم حتى أرمي الجمرة فانطلق فرمى الجمرة ثم أتى امرأته آمنة ثم ذكر الخثعمية فأتاها فقالت هل أتيت امرأة بعدي قال نعم آمنة قالت فلا حاجة لي فيك إنك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء فلما وقعت عليها ذهب فأخبرها أنها حملت بخير أهل الأرض
ذكر حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه و سلم
روى يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن عمته قالت كنا نسمع أن آمنة لما حملت برسول الله صلى الله عليه و سلم كانت تقول ما شعرت أني حملت ولا وجدت له ثقلا كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضي وأتاني آت وأنا بين النوم واليقظة فقال هل شعرت

(1/50)


أنك حملت فكأني أقول ما أدري فقال إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها وذلك يوم الاثنين قالت فكان ذلك مما يقن عندي الحمل فلما دنت ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال قولي أعيذه بالواحد الصمد من شر كل حاسد
ذكر وفاة عبد الله
قال محمد بن كعب خرج عبد الله بن عبد المطلب في تجارة الى الشام مع جماعة من قريش فلما رجعوا مروا بالمدينة وعبد الله مريض فقال أتخلف عندي أخوالي بني عدي بن النجار فقام عندهم شهرا ومضى أصحابه فقدموا مكة فأخبروا عبد المطلب فبعث إليه ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة وهو رجل من بني عدي فرجع إلى أبيه فأخبره فوجد عليه وجدا شديدا ورسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ حمل ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة
وقد روي عن عوانة بن الحكم أن عبد الله توفي بعد ما أتى على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثمانية وعشرون شهرا وقيل سبعة أشهر والقول الأول أصح وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان حملا يومئذ وترك

(1/51)


عبد الله أم أيمن وخمسة أجمال وقطعة غنم فورث رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك وكانت أم أيمن تحتضنه
ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم
اتفقوا على أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولد يوم الإثنين في شهر ربيع الأول عام الفيل واختلفوا فيما مضى من ذلك الشهر لولادته على أربعة أقوال أحدها أنه ولد لليلتين خلتا منه والثاني لثمان خلون منه والثالث لعشر خلون منه والرابع لاثنتي عشرة خلت منه
وروى محمد بن سعد عن جماعة من أهل العلم أن آمنة قالت لقد علقت به فما وجدت له مشقة وأنه لما فصل عنها خرج له نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ووقع إلى الأرض معتمدا على يديه
وقال عكرمة لما ولدته وضعته برمة فانقلعت عنه قالت فنظرت إليه فإذا هو قد شق بصره ينظر إلى السماء
وقال العباس بن عبد المطلب ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم مختونا

(1/52)


مسرورا فأعجب ذلك عبد المطلب وحظي عنده وقال ليكونن لابني هذا شأن من شأن فكان له شأن
وروى يزيد بن عبد الله بن وهب عن عمته أن آمنه لما وضعت رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسلت إلى عبد المطلب فجاءه البشير وهو جالس في الحجر فأخبره أن آمنة ولدت غلاما فسر بذلك وقام هو ومن معه فدخل عليها فأخبرته بكل ما رأت وما قيل لها وما أمرت به فأخذه عبد المطلب فأدخله الكعبة وقام عندها يدعو الله ويشكر ما أعطاه وروي أنه قال يومئذ
الحمد لله الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان ... أعيذه بالله ذي الأركان
حتى أراه بالغ البنيان ... أعيذه من شر ذي شنآن
من حاسد مضطرب العيان ...
وفي حديث العباس بن عبد المطلب أنه قال يا رسول الله إني

(1/53)


أريد أن أمتدحك قال قل لا يفضض الله فاك فأنشأ يقول
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت ... الأرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي ... النور وسبل الرشاد نخترق
ذكر أسماء رسول الله صلى الله عليه و سلم
عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب رواه البخاري ومسلم

(1/54)


وفي أفراد مسلم من حديث أبي موسى قال سمى لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم نفسه فقال أنا محمد وأحمد والمقفي والماحي والحاشر ونبي التوبة والملحمة وفي لفظ نبي الرحمة
وقد ذكر أبو الحسين بن فارس اللغوي أن لنبينا صلى الله عليه و سلم ثلاثة وعشرين اسما محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب والمقفي ونبي الرحمة ونبي التوبة والملحمة والشاهد والمبشر والبشير والنذير والسراج المنير والضحوك والقتال والمتوكل والفاتح والأمين والخاتم والمصطفى والنبي والرسول والأمي والقثم

(1/55)


والماحي الذي يمحى به الكفر والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه أي يقدمهم وهم خلفه والعاقب آخر الأنبياء والمقفي بمعنى العاقب لأنه تبع الأنبياء وكل شيء تبع شيئا فقد قفاه والملاحم الحروب والضحوك صفته في التوراة قال ابن فارس وإنما قيل له الضحوك لأنه كان طيب النفس فكها وقال إني لأمزح
والقثم من معنين أحدهما من القثم وهو الإعطاء يقال قثم له من العطاء يقثم إذا أعطاه وكان عليه السلام أجود بالخير من الريح الهبابة والثاني من القثم الذي هو الجمع يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم والله أعلم ذكر من أرضعه
قالت برة بنت أبي تجرأة أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/56)


ثوبية بلبن ابن لها يقال له مسروح أياما قبل أن تقدم حليمة وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب وأرضعت بعده سلمة ابن عبد الأسد ثم أرضعته حليمة بنت عبد الله السعدية
وعن حليمة ابنة الحارث أم رسول الله صلى الله عليه و سلم التي أرضعته السعدية قالت خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر بن هوازن نلتمس الرضعاء بمكة فخرجت على أتان لي قمراء قد أدمت بالركب قالت وخرجنا في سنة شهباء لم تبق لنا شيئا أنا وزوجي الحارث بن عبد العزى وقالت ومعنا شارف لنا والله إن تبض علينا بقطرة من لبن ومعي صبي لنا والله ما ننام ليلنا من بكائه ما في ثديي لبن يغنيه ولا في شارفنا من لبن يغذيه إلا

(1/57)


أنا نرجو الخصب والفرج فلما قدمنا مكة لم تبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم فتأباه وإنما كنا نرجو الكرامة في رضاعة من نرضع له من والد المولود وكان يتيما صلى الله عليه و سلم فقلنا ما عسى أن تصنع بنا أمه فكنا نأبى حتى لم تبق من صواحباتي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري قالت فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئا وقد أخذ صواحباتي فقلت لزوجي الحارث والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه
قالت فأتيته فأخذته ثم رجعت به إلى رحلي قالت فقال لي زوجي قد أخذته قلت نعم وذلك أني لم أجد غيره قال قد أصبت عسى أن يجعل الله فيه خيرا
قالت والله ما هو إلا أن وضعته في حجري فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب أخوه حتى روي وقام زوجي الحارث إلى شارفنا من الليل فإذا هي تحلب علينا ما شئنا فشرب حتى روي وشربت حتى رويت قالت فبتنا بخير ليلة شباعا رواء قالت فقال زوجي والله يا حليمة ما أراك إلا قد

(1/58)


أصبت نسمة مباركة قد نام صبيانا وقد روينا ورويا
قالت ثم خرجنا قالت فوالله لخرجت أتاني أمام الركب قد قطعتهم حتى ما يتعلق بها منهم أحد حتى إنهم ليقولون ويحك يا بنت الحارث كفي علينا أليست هذه أتانك التي خرجت عليها فأقول بلى والله فيقولون إن لها لشأنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر منازل بني سعد بن بكر قالت فقدمنا على أجدب أرض الله قالت فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا وأسرح راعي غنمي وتروح غنمي حفلا بطانا وتروح أغنامهم جياعا هالكة مالها من لبن فنشرب ما شئنا من اللبن وما من الحاضر من أحد يحلب قطرة ولا يجدها قالت فيقولون لرعاتهم ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي غنم حليمة فيسرحون في الشعب الذي تسرح فيه غنمي وتروح أغنامهم جياعا مالها من لبن وتروح غنمي حفلا لبنا
قالت وكان يشب في اليوم شباب الصبي في شهر ويشب

(1/59)


في الشهر شباب الصبي في سنة قالت فبلغ سنين وهو غلام جفر قالت فقدمنا به على أمه فقلت لها أو قال لها زوجي دعي ابني فلنرجع به فإنا نخشى عليه وباء مكة قالت ونحن أضن شيء به لما رأينا من بركته صلى الله عليه و سلم فلم نزل بها حتى قالت ارجعا به قالت فمكث عندنا شهرين
قالت فبينما هو يلعب يوما من الأيام هو وأخوه خلف البيت إذ جاء أخوه يشتد فقال لي ولأبيه أدركا أخي القرشي فقد جاءه رجلان فأضجعاه فشقا بطنه قالت فخرجت وخرج أبوه يشتد نحوه فانتهينا إليه وهو قائم ممتقع لونه فاعتنقته واعتنقه أبوه وقال مالك يا بني قال أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني والله ما أدري ما صنعا

(1/60)


قالت فاحتملناه فرجعنا به قالت يقول زوجي والله يا حليمة ما أرى الصبي إلا قد أصيب فانطلقي فلنرده إلى أمه قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه قالت فرجعنا به إلى أمه فقالت ما رد كما به فقد كنتما حريصين عليه فقلنا لا والله إلا أنا كفلناه وأدينا الذي علينا من الحق فيه ثم تخوفنا عليه الأحداث فقلنا يكون عند أمه فقالت والله ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره قالت فوالله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره قالت أتخوفتما عليه لا والله إن لابني هذا شأنا ألا أخبركما عنه إني حملت به فلم أحمل حملا قط هو أخف منه ولا أعظم بركة منه لقد وضعته فلم يقع كما يقع الصبيان لقد وقع واضعا يده في الأرض رافعا رأسه إلى السماء دعاه والحقا بشأنكما
قال الشيخ وظاهر هذا الحديث يدل أن آمنة حملت غير رسول صلى الله عليه و سلم وقد قال الواقدي لا يعرف عند أهل العلم أن آمنة وعبد الله ولدا غير رسول الله صلى الله عليه و سلم
فأما حليمة فهي بنت أبي ذؤيب واسمه عبد الله بن الحارث بن شحنة بن جابر السعدية قدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد تزوج

(1/61)


خديجة فشكت إليه جدب البلاد فكلم خديجة فأعطتها أربعين شاة وأعطتها بعيرا ثم قدمت عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت وأسلم زوجها الحارث بن عبد العزى
قال محمد بن المنكدر استأذنت امرأة على النبي صلى الله عليه و سلم وقد كانت أرضعته فلما دخلت قال أمي أمي وعمد إلى ردائه فبسطه لها فجلست عليه
فأما ثويبة فهي مولاة أبي لهب ولا نعلم أحدا ذكر أنها أسلمت غير ما حكى أبو نعيم الأصفهاني أن بعض العلماء قال قد اختلف في إسلامها
وروى الواقدي عن جماعة من أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يكرم ثويبة ويصلها وهي بمكة فلما هاجر كان يبعث إليها بكسوة وصلة فجاءه خبرها سنة سبع مرجعه من خيبر أنها توفيت
عن عروة قال كانت ثويبة لأبي لهب وأعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه و سلم فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله في النوم قال ماذا لقيت يا أبا لهب فقال ما رأيت بعدكم روحا غير أني سقيت في هذه مني بعتقي ثويبة قال وأشار إلى بين الإبهام والسبابة

(1/62)


قال الشيخ وقد جاء حديث شرح صدره صلى الله عليه و سلم في الصحيح
وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه وشق قلبه فاستخرج القلب ثم شق القلب فاستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك قال فغسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه قال وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا إن محمدا قد قتل قال فاستقبلوه وهو ممتقع اللون قال أنس وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره صلى الله عليه و سلم
انفرد بإخراجه مسلم وقد ذكرنا أن حليمة أعادته إلى أمه بعد سنتين وشهرين وقال ابن قتيبة لبث فيهم خمس سنين

(1/63)


ذكر وفاة أمه آمنة
لما ردته حليمة أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم عند أمه آمنة إلى أن بلغ ست سنين ثم خرجت به إلى المدينة إلى أخواله بني عدي بن النجار تزورهم به ومعها أم أيمن تحضنه فأقامت عندهم شهرا ثم رجعت به إلى مكة فتوفيت بالأبواء فقبرها هنالك فلما مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالأبواء في عمرة الحديبية زار قبرها وبكى
وأخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي

(1/64)


ذكر ما كان من أمره صلى الله عليه و سلم بعد وفاة أمه آمنة
روى محمد بن سعد عن جماعة من أهل العلم منهم مجاهد والزهري أن آمنة لما توفيت قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم جده عبد المطلب وضمه إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده وقربه وأدناه وأن قوما من بني مدلج قالوا لعبد المطلب إحتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه فقال عبد المطلب لأبي طالب إسمع ما يقول هؤلاء فكان أبو طالب يحتفظ به فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظه ومات عبد المطلب فدفن بالحجون وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقيل ابن مائة وعشر سنين ويقال وعشرين سنة
وسئل رسول الله صلى الله عليه و سلم أتذكر موت عبد المطلب قال نعم وأنا يومئذ ابن ثمان سنين قالت أم أيمن رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/65)


يومئذ بكى عند قبر عبد المطلب وذكر بعض العلماء أنه كان لرسول الله صلى الله عليه و سلم يوم موت عبد المطلب ثماني سنين وشهران وعشرة أيام
ذكر كفالة أبي طالب للنبي صلى الله عليه و سلم
ذكر جماعة من أهل العلم أنه لما توفي عبد المطلب قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم أبو طالب وكان يحبه حبا شديدا ويقدمه على أولاده
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم إثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام إرتحل به أبو طالب تاجرا نحو الشام فنزل تيماء فرآه حبر من اليهود يقال له بحيرا الراهب فقال من هذا الغلام معك فقال ابن أخي فقال أشفيق عليه أنت قال نعم قال فوالله لئن قدمت به الشام ليقتلنه اليهود فرجع به إلى مكة

(1/66)


حديث بحيرا الراهب
عن داود بن الحصين قال لما خرج أبو طالب إلى الشام وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه فلما نزلوا ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به لا يكلمهم حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلا قريبا من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا فصنع لهم طعاما ثم دعاهم وإنما حمله على دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول الله صلى الله عليه و سلم من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة واخضلت أغصان الشجرة على النبي صلى الله عليه و سلم حين استظل تحتها فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي به وأرسل إليهم فقال إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا تخلفوا منكم صغيرا ولا كبيرا حرا ولا عبدا فإن هذا شيء تكرمونني به فقال رجل إن لك لشأنا يا بحيرا ما كنت تصنع بنا هذا فما شأنك اليوم قال فإني أحببت أن أكرمكم فلكم حق
فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه و سلم من بين القوم لحداثة

(1/67)


سنه ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة فلما نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ورآها متخلفة على رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال بحيرا يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا ما تخلف أحد إلا غلام هو أصغر القوم سنا في رحالهم فقال ادعوه فليحضر طعامي فما أقبح أن يتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم هو والله أوسطنا نسبا وهو ابن أخي هذا الرجل يعنون أبا طالب وهو من ولد عبد المطلب فقال الحارث بن عبد المطلب والله إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام والغمامة تسير على رأسه وجعل بحيرا يلحظ لحظا شديدا وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغضت شيئا بغضهما قال فبالله

(1/68)


إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه قال سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبره فيوافق ذلك ما عنده ثم جعل ينظر بين عينيه ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده فقبل موضع الخاتم وقالت قريش إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه فقال الراهب لأبي طالب ما هذا الغلام منك قال أبو طالب إبني قال ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فابن أخي قال فما فعل أبوه قال هلك وأمه حبلى به قال فما فعلت أمه قال توفيت قريبا قال صدقت إرجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليبغنه بغيا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا واعلم أني قد أديت إليك النصيحة
فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وعرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا

(1/69)


إلى بحيرا فذاكروه أمره فنهاهم أشد النهي وقال لهم أتجدون صفته قالوا نعم قال فما لكم إليه سبيل فصدقوه وتركوه
ورجع به أبو طالب فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه قال الشيخ رحمه الله وما زال صلى الله عليه و سلم في صغره أفضل الخلق مروءة وأحسنهم خلقا وأصدقهم حديثا وأبعدهم من الفحش والأذى حتى سماه قومه الأمين
ذكر رعية الغنم صلى الله عليه و سلم
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت قال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة إنفرد بإخراجه البخاري وقد رواه سويد بن سعيد عن عمرو بن أبي يحيى عن جده سعيد بن أحيحة فقال فيه كنت

(1/70)


أرعاها لأهل مكة بالقراريط قال سويد بن سعيد يعني كل شاة بقيراط وقال إبراهيم الحربي القراريط موضع ولم يرد بذلك القراريط من الفضة
ذكر خروجه صلى الله عليه و سلم إلى الشام مرة أخرى
قد ذكرنا أنه خرج مع أبي طالب وهو ابن اثنتي عشرة سنة فلما بلغ خمسا وعشرين سنة قال له أبو طالب أنا رجل لا مال لي وقد اشتد علينا الزمان وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام وخديجة تبعث رجالا من قومك فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك
وبلغ خديجة ما قال له أبو طالب فقالت أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك فقال أبو طالب هذا رزق قد ساقه الله إليك

(1/71)


فخرج مع غلامها ميسرة وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدما بصرى من الشام فنزلا في ظل شجرة فقال نسطورا الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ثم قال لميسرة أفي عينيه حمرة قال نعم لا تفارقه فقال هو نبي وهو آخر الأنبياء ثم باع سلعته فوقع بينه وبين رجل تلاح فقال له إحلف باللات والعزى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما حلفت بهما قط وإني لامرؤ أعرض عنهما فقال الرجل القول قولك وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلان رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشمس
ودخل رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية لها فرأت رسول الله صلى الله عليه و سلم على بعيره وملكان يظلان عليه فأرته نساءها فعجبن لذلك ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/72)


فأخبرها بما ربحوا في وجههم فسرت بذلك فلما دخل ميسرة أخبرته بما رأت فقال قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام وأخبرها بما قال الراهب
ذكر تزويج رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة
قالت نفيسة بنت منية كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة جلدة شريفة أوسط قريش نسبا وأكثرهم مالا وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك قد طلبوها وبذلوا لها الأموال فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع من الشام فقلت يا محمد ما يمنعك أن تزوج فقال ما بيدي ما أتزوج به قلت فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب قال فمن هي قلت خديجة قال وكيف بذلك قلت علي قال وأنا أفعل فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا وأرسلت

(1/73)


إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها فحضر ودخل رسول الله صلى الله عليه و سلم في عمومته فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنه وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة
وقد ذكر بعض العلماء أن أبا طالب حضر العقد ومعه بنو مضر فقال أبو طالب الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها الصداق ما آجله وعاجله من مالي وهو بعد هذا والله له نبأ عظيم وخطر جليل
فتزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/74)


ذكر علامات النبوة في رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يوحى إليه
قال الشيخ قد ذكرنا أن أمة آمنة رأت عند ولادته نورا أضاء له المشرق والمغرب وقد روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال رأت أمي نورا أضاءت له قصور الشام وقد ذكرنا شق بطنه في صغره وحديث ميسرة والراهب وحديث بحيرا والغمامة التي كانت تظله والأحاديث في هذا كثير إلا أنا نروم الإختصار فلهذا نحذف
عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال كنت بذي المجاز ومعي ابن أخي يعني النبي صلى الله عليه و سلم فأدركني العطش فشكوت إليه

(1/75)


فقلت يا ابن أخي قد عطشت وما قلت له ذلك وأنا أرى أن عنده شيئا إلا الجزع فثنى وركه ثم نزل فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء فقال إشرب يا عم فشربت
وعن ابن عباس قال أول شيء رأى النبي صلى الله عليه و سلم من النبوة أن قيل له استتر وهو غلام فما رئيت عورته من يومئذ
وقالت برة بنت أبي تجرأة لما ابتدأه الله تعالى بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب وبطون الأوديه فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا قال السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا
وعن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن رواه الإمام أحمد وانفرد بإخراجه مسلم

(1/76)


فصل
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم خمسا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة وتراضت قريش بحكمه فيها وكانوا قد اختلفوا فيمن يضع الحجر فاتفقوا على أن يحكم بينهم أول داخل يدخل المسجد فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا هذا الأمين فقال هلموا ثوبا فوضع الحجر فيه وقال لتأخذ كل قبيلة بناحية من نواحيه وارفعوه جميعا ثم أخذ الحجر بيده فوضعه في مكانه
فلما أتت له أربعون سنة ويوم بعثه الله عز و جل وذلك في يوم الاثنين
ذكر بدو الوحي روى مسلم في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن صوم يوم

(1/77)


الاثنين فقال فيه ولدت وفيه أنزل علي
وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالرسالة يوم سبع وعشرين من رجب هو أول يوم هبط فيه وقال ابن إسحق ابتدىء رسول الله صلى الله عليه و سلم بالتنزيل في شهر رمضان
وعن عائشة أنها قالت أول ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي جبل حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه الحق فيه فقال إقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت ما أنا بقارىء قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال إقرأ فقلت ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال إقرأ فقلت ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال إقرأ باسم ربك الذي

(1/78)


خلق حتى بلغ مالم يعلم قال فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال يا خديجة مالي فأخبرها الخبر فقال قد خشيت علي فقالت له كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتخمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت خديجة أي ابن عم إسمع من ابن أخيك قال ورقة يابن أخي ما ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم ما رأى فقال ورقة هذا

(1/79)


الناموس الذي أنزل على موسى صلى الله عليه و سلم ياليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أو مخرجي هم فقال ورقة نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا
ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا لكي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه يبدى له جبريل عليه السلام فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه صلى الله عليه و سلم فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل عليه السلام فقال مثل ذلك أخرجاه في الصحيحين

(1/80)


وعن جابر بن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعبا فجئت فقلت زملوني فدثروني فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر أخرجاه في الصحيحين
ومعنى فجئثت فرقت يقال رجل مجؤوث
ذكر كيفية إتيان الوحي إليه صلى الله عليه و سلم
عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/81)


فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول قالت عائشة وقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا أخرجاه في الصحيحين
وأخرجا من حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول لعمر ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين ينزل عليه الوحي فلما كان النبي صلى الله عليه و سلم بالجعرانة جاءه رجل فسأله عن شيء فجاءه الوحي فأشار عمر إلى يعلى أن تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سري عنه

(1/82)


وعن زيد بن ثابت قال إني قاعد إلى جنب النبي صلى الله عليه و سلم يوما إذا أوحي إليه وغشيته السكينة ووقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة قال زيد فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم سري عنه فقال اكتب يا زيد
وفي أفراد البخاري من حديث زيد بن ثابت قال أملي علي

(1/83)


رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يستوي القاعدون من المؤمنين فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال والله يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله عز و جل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله عز و جل غير أولي الضرر
وقال عبادة بن الصامت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا نزل عليه الوحي كرب له وتربد وجهه
وقال أبو أروى الدوسي رأيت الوحي ينزل على رسول الله

(1/84)


صلى الله عليه و سلم وإنه على راحلته فترغو وتفتل يديها حتى أظن أن ذراعها تنفصم وربما بركت وربما قامت موئدة يديها حتى يسرى عنه من ثقل الوحي وإنه ليتحدر منه مثل الجمان
ذكر رمي الشياطين بالشهب لمبعثه
قال العلماء بالسير رأت قريش النجوم يرمى بها بعد عشرين يوما من مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم
عن ابن عباس قال انطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا مالكم فقالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر

(1/85)


السماء قال فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك رجعوا إلي قومهم فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنزل الله على نبيه قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن أخرجاه في الصحيحين
وعنه قال كان الجن يسمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون عليها عشرا فيكون ما سمعوه حقا وما زادوه باطلا

(1/86)


وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك فلما بعث النبي صلى الله عليه و سلم كان أحدهم لا يقعد مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب فشكوا ذلك إلى إبليس فقال ما هذا إلا من أمر قد حدث فبث جنوده فإذا هم بالنبي صلى الله عليه و سلم يصلي بين جبلي نخلة فأتوه فأخبروه فقال هذا الذي حدث في الأرض
قال الشيخ وهذا الحديث يدل على أن النجوم لم يرم بها قبل مبعث نبينا صلى الله عليه و سلم وقد روينا عن الزهري أنه قال قد كان يرمى بها قبل ذلك ولكنها غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه و سلم
ذكر اعتراف أهل الكتاب بنبوته صلى الله عليه و سلم
قال كعب الأحبار نجد نعت رسول الله صلى الله عليه و سلم في التوراة محمد بن عبد الله عبدي المختار مولده بمكة ومهاجره المدينة

(1/87)


لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق
وعن أبي هريرة قال أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم بيت المدارس فقال أخرجوا إلي أعلمكم فقالوا عبد الله بن صوريا فخلا به رسول الله صلى الله عليه و سلم فناشده بدينة وبما أنعم الله به عليهم وأطعمهم من المن والسلوى وظلهم به من الغمام أتعلم أني رسول الله قال اللهم نعم وإن القوم ليعرفون ما أعرف وإن صفتك ونعتك لمبين في التوراة ولكنهم حسدوك قال فما يمنعك أنت قال أكره خلاف قومي وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم
وعن ابن عباس قال كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي صلى الله عليه و سلم عندهم قبل أن يبعث وأن دار هجرته المدينة فلما ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت أحبار يهود ولد أحمد الليلة فلما نبىء قالوا قد نبىء أحمد يعرفون ذلك ويقرون به ويصفونه فما منعهم عن إجابته إلا الحسد والبغي
وعن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال كان الزبير بن باطا

(1/88)


وكان أعلم اليهود يقول إني وجدت سفرا كان أبي يختمه علي فيه ذكر أن أحمد نبي صفته كذا وكذا فحدث به الزبير بعد أبيه والنبي صلى الله عليه و سلم لم يبعث فما هو إلا أن سمع بالنبي صلى الله عليه و سلم قد خرج إلى مكة فعمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبي صلى الله عليه و سلم وقال ليس به
وعن سلمة بن سلامة بن وقش قال كان لنا جار من يهود في بني الأشهل قال فخرج علينا يوما من بيته قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه و سلم بيسير حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا على بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لايرون أن بعثا كائن بعد الموت فقالوا له ويحك يا فلان ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم قال نعم والذي يحلف

(1/89)


به يود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه وأن ينجو من تلك النار غدا قالوا له ويحك وما آية ذلك قال نبي يبعث من نحو هذه البلاد وأشار بيده نحو مكة واليمن قالوا ومتى تراه قال فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا فقال إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه
قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا فقلنا ويلك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت قال بلى وليس به
ذكر بدو دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس إلى الاسلام
روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان

(1/90)


يدعو من أول ما أنزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا ثم أمر بإظهار الدعاء
وقال يعقوب بن عتبة كان أبو بكر وعثمان وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح يدعون إلى الإسلام سرا وكان عمر وحمزة يدعوان علانية فغضبت قريش لذلك
ذكر طرف من معجزاته صلى الله عليه و سلم
أعلم أن معجزات رسول الله صلى الله عليه و سلم كثيرة ونحن نذكر طرفا منها وأكبر معجزاته الدالة على صدقه القرآن العزيز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا وكفى به
عن ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم شقتين حتى نظروا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اشهدوا أخرجاه

(1/91)


في الصحيحين والروايات في الصحيح بانشقاق القمر عن ابن عمر وابن عباس وأنس
وعن عمران بن حصين قال كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وكنا أسرينا حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا تلك الوقعة ولا وقعة عند المسافر أحلى منها قال فما أيقظنا إلا حر الشمس وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان وكان يسميهم أبو رجاء ونسيهم عوف ثم عمر بن الخطاب الرابع وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ لأنا ما ندري ما يحدث أو حدث له في نومه
فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس وكان رجلا أجوف جليدا قال فكبر ورفع صوته بالتكبير فما زال يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ لصوته رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/92)


شكوا إليه الذي أصابهم فقال لا ضير أو لا يضير ارتحلوا فارتحل فسار غير بعيد ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس فلما إنفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم فقال ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء قال عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك
ثم سار رسول الله صلى الله عليه و سلم فاشتكى إليه الناس العطش فنزل فدعا فلانا كان يسميه أبو رجاء ونسيه عوف ودعا عليا عليه السلام فقال اذهبا فابغيا الماء فذهبا فلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعيرها فقالا لها أين الماء فقالت عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرنا خلوف قال فقالا لها فانطلقي إذا

(1/93)


قالت إلى أين قالا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت هذا الذي يقال له الصابىء قالا هو الذي تعنين فانطلقي فجاءا بها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فحدثاه الحديث فاستنزلوها عن بعيرها ودعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين وأوكى أفواههما وعلق العزالي ونودي في الناس أن اسقوا واستقوا فسقى من شاء واستقى من شاء فكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء فقال اذهب فأفرغه عليك قال وهي قائمة ينظر ما يفعل بمائها قال وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئة منها حين إبتدىء فيها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اجمعوا لها فجمع لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما كثيرا وجعلوه في ثوب وحملوه على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم تعلمين والله ما رزأناك من مائك شيئا ولكن الله جل وعز هو الذي سقانا

(1/94)


قال فأتت أهلها وقد احتبست عنهم فقالوا ما حبسك يا فلانة قالت العجب لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابىء ففعل بمائي كذا وكذا فوالله إنه لأسحر من بين هذه وهذه وقالت باصبعها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء تعني السماء والأرض وإنه لرسول الله حقا قال فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على ما حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه فقالت يوما لقومها ماأدري هؤلاء القوم الذين يدعونكم عمدا فهل لكم في الإسلام فأطاعوها فدخلوا في الإسلام أخرجاه في الصحيحين
وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان بالزوراء فأتي بإناء فيه ماء لا يغمر أصابعه أو قدر ما يواري أصابعه فأمر أصحابه أن يتوضؤا فوضع كفه في الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه

(1/95)


وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم قال فقلنا لأنس كم كنتم قال كنا ثلاثمائة أخرجاه في الصحيحين
وعن جابر قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه و سلم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لكم قالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا نشرب ماء إلا في ركوتك فوضع النبي صلى الله عليه و سلم يده في الركوه فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون قال فشربنا وتوضأنا فقلت لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة أخرجاه في الصحيحين
وعن أنس بن مالك قال أصابت الناس سنة على عهد

(1/96)


رسول الله صلى الله عليه و سلم فبينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب على المنبر يوم الجمعة إذ قام أعرابي فقال يا رسول الله صلى الله عليه و سلم هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا أن يسقينا فرفع رسول الله صلى الله عليه و سلم يديه وما في السماء قزعة فثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته قال فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى فقام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال ادع الله لنا فرفع رسول الله صلى الله عليه و سلم يديه وقال اللهم حوالينا ولا علينا قال فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة حتى سال الوادي وادي قناة شهرا فلم يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود أخرجاه في الصحيحين

(1/97)


وعن جابر بن عبد الله قال كان جذع يقوم عليه النبي صلى الله عليه و سلم فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل النبي صلى الله عليه و سلم فوضع يده عليه رواه البخاري
وقد روى محمد بن سعد عن أشياخ له أن قريشا لما تكاتبت على بني هاشم حين أبوا أن يدفعوا إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا تكاتبوا أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم في شيء ولا

(1/98)


يكلموهم فمكثوا ثلاث سنين في شعبهم محصورين ثم أطلع الله نبيه على أمر صحيفتهم وأن الآكلة قد أكلت ما كان فيها من جور أو ظلم وبقي فيها ما كان من ذكر الله فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي طالب فقال أبو طالب أحق ما تخبرني به يا ابن أخي قال نعم والله فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وقال والله ما كذبني قط قالوا فما ترى قال أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم وتخرجوا إلى قريش فنذكر ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر فخرجوا حتى دخلوا المسجد فقال أبو طالب إنا قد جئنا لأمر فأجيبوا فيه قالوا مرحبا بكم وأهلا قال إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قط أن الله قد سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها كل ما ذكر به الله فإن كان ابن أخي صادقا نزعتم عن سوء رأيكم وإن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه إن شئتم قالوا أنصفتنا فأرسلوا إلى الصحيفة فلما فتحوها إذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فسقط في أيدي القوم ثم نكسوا على رؤوسهم فقال

(1/99)


أبو طالب هل تبين لكم من أولى بالظلم والقطيعة فلم يراجعه أحد منهم ثم انصرفوا
ذكر طرف من أخباره بالغائبات صلى الله عليه و سلم
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله أخرجاه في الصحيحين
وعنه قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام هذا من أهل النار فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الذي قلت من أهل النار قاتل قتالا شديدا وقد مات فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/100)


إلى النار وكاد بعض القوم يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت ولكن به جراح شديد فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم بذلك فقال الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله ثم أمر بلالا فنادى في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر أخرجاه في الصحيحين
وعن عبد الله بن مسعود قال انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد فقال أمية لسعد انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل قال من يطوف بالكعبة فقال أنا سعد فقال أبو جهل تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه قال نعم فتلاحيا بينهما فقال أمية لسعد لا ترفع صوتك على أبي الحكم فأنه سيد أهل الوادي ثم قال سعد والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعنك متجرك بالشام قال فجعل أمية يقول لسعد لا ترفع صوتك وجعل يمسكه فغضب سعد فقال دعنا عنك فاني سمعت محمدا صلى الله عليه و سلم يزعم أنه قاتلك

(1/101)


قال إياي قال نعم قال والله ما نكذب محمدا إذا حدث
فرجع إلى امرأته فقال أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي قالت وما قال لك قال زعم أن محمدا يزعم أنه قاتلي قالت فوالله ما يكذب محمد
قال فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ قالت له امرأته أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي قال فأراد أن لا يخرج فقال له أبو جهل إنك من أشراف الوادي فسر معنا يوما أو يومين فسار معهم فقتله الله
وعن أنس قال كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال وكنت حديد البصر فرأيته فجعلت أقول لعمر أما تراه فقال سأراه وأنا مستلق على فراشي ثم أخذ يحدثنا عن أهل بدر قال إن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ليرينا مصارعهم بالأمس يقول هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله
قال فجعلوا يصرعون عليها قال قلت والذي بعثك بالحق ما أخطأت رؤيتك كانوا يصرعون عليها ثم أمر بهم فطرحوا في بئر فانطلق

(1/102)


إليهم فقال يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعدكم الله حقا فاني وجدت ما وعدني الله حقا فقال عمر يا رسول الله أتكلم قوما قد جيفوا فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا انفرد باخراجه مسلم

(1/103)


ذكر طرف مما لاقى رسول الله صلى الله عليه و سلم من أذى المشركين وهو صابر
كان أبو طالب يدافع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما أتت لرسول الله صلى الله عليه و سلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما مات عمه

(1/104)


أبو طالب للنصف من شوال في السنة العاشرة من المبعث وهو ابن بضع وثمانين سنة وتوفيت بعده خديجة بشهر وخمسة أيام ويقال بثلاثة أيام فحسب وهي ابنة خمس وستين سنة وكانت قريش تكف بعض أذاها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى مات أبو طالب فلما مات بالغوا في أذاه فلما ماتت خديجة أقام بعدها ثلاثة أشهر ثم خرج هو وزيد بن حارثة إلى الطائف فأقام بها شهرا ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي وما زال يلقى الشدائد
وعن عبد الله قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا على قريش غير يوم واحد فانه كان يصلي ورهط من قريش جلوس وسلى جزور قريب منه فقالوا من يأخذ هذا السلى فيلقيه على ظهره قال فقال عقبة بن أبي معيط أنا فأخذه فألقاه على ظهره فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة صلوات الله عليها فأخذته عن ظهره فقال

(1/105)


رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم عليك الملأ من قريش اللهم عليك بعتبة ابن ربيعة اللهم عليك بشيبة بن ربيعة اللهم عليك بأبي جهل بن هشام اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط اللهم عليك بأبي بن خلف أو أمية بن خلف
قال عبد الله فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا ثم سحبوا إلى القليب غير أبي أو أمية فإنه كان رجلا ضخما فتقطع أخرجاه في الصحيحين
وعن عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه و سلم هل أتي عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن

(1/106)


الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني أن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد لك ما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين قال النبي صلى الله عليه و سلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا أخرجاه في الصحيحين
وعنه قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاصي أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه و سلم قال بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه و سلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ

(1/107)


بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم فصل
فلما أتت لرسول الله صلى الله عليه و سلم خمسون سنة وثلاثة أشهر قدم عليه جن نصيبين فأسلموا فلما أتت له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسري به
ذكر معراجه صلى الله عليه و سلم
عن أنس بن مالك بن صعصعة حدثه أن النبي صلى الله عليه و سلم حدثهم عن ليلة أسري به قال

(1/108)


بينا أنا في الحطيم وربما قال قتادة في الحجر مضطجع إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة قال فأتاني وقعد
قال وسمعت قتادة يقول فشق ما بين هذه إلى هذه قال قتادة فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني قال من ثغرة نحره إلى شعرته وقد سمعته يقول من قصه إلى شعرته قال فاستخرج قلبي قال فأتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا وحكمة فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض قال فقال الجارود أهو البراق يا أبا حمزة قال نعم يقع خطوه عند أقصى بصره
قال فحملت عليه فانطلق بي جبريل صلى الله عليه و سلم حتى أتى السماء الدنيا

(1/109)


فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا فيها آدم صلى الله عليه و سلم قال هذا أبوك آدم سلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح
ثم صعد حتى أتى بي السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء قال ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما قال فسلمت فردا السلام ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح
ثم صعد بي حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء قال ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه قال فسلمت

(1/110)


عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح
ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء قال ففتح فلما خلصت إذا إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح
قال ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء قال ففتح فلما خلصت قال فإذا أنا بهارون قال هذا هارون فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح
قال ثم صعد بي حتى أتي السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت قال فإذا أنا بموسى قال هذا موسى فسلم عليه

(1/111)


فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال فلما تجاوزت بكى فقيل وما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي
قال ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء قال ففتح فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا إبراهيم فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح
قال ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا أوراقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى قال فإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران قلت ما هذا يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات قال ثم رفع إلى البيت المعمور

(1/112)


قال قتادة وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أري البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه
ثم رجع إلى حديث أنس قال ثم أتيت باناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل قال فأخذت اللبن قال هذه الفطرة أنت عليها وأمتك قال ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم قال فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك عز و جل وسله التخفيف لأمتك قال فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت قلت بأربعين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فوضع عني

(1/113)


عني عشرا أخر فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت قلت أمرت بثلاثين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فوضع عني عشرا أخر فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت قلت أمرت بعشرين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع عشرين صلاة كل يوم فاني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك عز و جل فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت قلت بعشر صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع عشر صلوات كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك عز و جل فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم قال أن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال قلت قد

(1/114)


سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم فلما نفذت ناداني مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي أخرجاه في الصحيحين
عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيت ربي تبارك وتعالى رواه الإمام أحمد ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة
لما أظهر رسول الله صلى الله عليه و سلم الإسلام أظهر له المشركون العداوة فمنعه الله بعمه أبي طالب وأمر أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة وقال لهم إن بها ملكا لا يظلم الناس ببلاده فتحرزوا عنده حتى يأتيكم الله بفرج منه فهاجر جماعة وأستخفى آخرون بإسلامهم وكان جملة

(1/115)


من خرج إلى أرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا وإحدى عشرة امرأة قرشية وسبع غرائب
فلما سمعوا بمهاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا وثماني نسوة فمات منهم رجلان بمكة وحبس منهم سبعة وشهد منهم بدرا أربعة وعشرون
فلما كانت سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام فأسلم وكتب إليه أن يزوجه بأم حبيبة وأن يبعث إليه من بقي من أصحابه ففعل فقدموا المدينة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم قد فتح خيبر
ذكر مقدار إقامة رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة بعد النبوة
اختلفوا في ذلك فروى ربيعة عن أنس وأبو سلمة عن

(1/116)


ابن عباس أنه أقام عشر سنين وهو قول عائشة وسعيد بن المسيب وروي عن ابن عباس أنه أقام خمس عشرة سنة
عن ابن عباس قال أقام النبي صلى الله عليه و سلم بمكة خمس عشرة سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت وثماني توحى إليه
والصحيح ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة ويحمل قول من قال عشر سنين على مدة إظهار النبوة فإنه لما بعث استخفى ثلاث سنين ويحمل قول من قال خمس عشرة سنة على مبدأ ما كان يرى قبل النبوة من أعلامها صلى الله عليه و سلم
ذكر عرض رسول الله صلى الله عليه و سلم نفسه بالموقف على الناس لينصروه
عن جابر بن عبد الله قال كان النبي صلى الله عليه و سلم يعرض نفسه بالموقف

(1/117)


ويقول ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي رواه الترمذي وعنه قال مكث رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مصر كذا قال فيأتيه قومه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك ويمشي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله له من يثرب فآويناه ونصرناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون باسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى

(1/118)


متى نترك رسول الله صلى الله عليه و سلم يطرد في جبال مكة ويخاف فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في المواسم فواعدناه شعب العقبة واجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافقنا فقلنا يا رسول الله علام نبايعك قال بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله ولا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني وتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة
قال فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم وقال رويدا يا أهل يثرب فانا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فاما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله قالوا أمط عنا يا أسعد فوالله ما ندع

(1/119)


هذه البيعة أبدا ولا نسلبها أبدا قال فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة
ذكر العقبة وكيف جرى
قال ابن إسحق لما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في الموسم الذي لقيه في النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج فذكرواأنه قال لهم ممن أنتم قالوا له من الخزرج قال أفلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى الله تعالى وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن وقد كانوا يسمعون من اليهود أن نبيا مبعوثا قد أظل زمانه فقال بعضهم لبعض والله يا قوم إن هذا النبي الذي تعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه وهم فيما يزعمون ستة أسعد بن زرارة وعوف بن مالك وهو ابن عفراء ورافع بن مالك بن العجلان وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر بن نابى

(1/120)


وجابر بن عبد الله بن رئاب
فلما انصرفوا إلى بلادهم وقد آمنوا ذكروا لقومهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم اثنا عشر رجلا من الأنصار فلقوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوه بيعة النساء قبل أن تفترض الحرب وفيهم عبادة بن الصامت قال عبادة بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف وذلك قبل أن تفترض الحرب فان وفيتم بذلك فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا فأمركم إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذب
فلما انصرف القوم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن فنزل على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرىء فلم يزل يدعو الناس إلى الإسلام حتى شاع الإسلام ثم رجع مصعب إلى مكة قبل بيعة العقبة الثانية
قال كعب بن مالك خرجنا في الحجة التي بايعنا فيها رسول الله

(1/121)


صلى الله عليه و سلم بالعقبة مع مشركي قومنا فواعدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم العقبة أوسط أيام التشريق ونحن سبعون رجلا ومعهم امرأتان فلما كانت الليلة التي وعدنا فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم نمنا أول الليل مع قومنا فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فراشنا تسلل القطا حتى اجتمعنا بالعقبة فأتانا رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه عمه العباس ليس معه غيره فقال العباس يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وهو في منعة من قومه وبلاده وقد أبى إلا الانقطاع إليكم فإن كنتم تخشون من أنفسكم خذلانا فاتركوه في قومه فإنه في منعة من عشيرته وقومه فقلنا
قد سمعنا ما قلت تكلم يا رسول الله فتكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعا إلى الله ورغب إلى الإسلام وتلا القرآن فأجبناه بالإيمان به والتصديق له وقلنا له يا رسول خذ لربك ولنفسك قال إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم ونساءكم فأجابه البراء بن معرور فقال نعم والذي بعثك بالحق مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر

(1/122)


فعرض في الحديث أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين أقوام حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فقال رسول الله بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم فقال له البراء بن معرور أبسط يدك يا رسول الله نبايعك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا فأخرجوهم وهم أسعد بن زرارة وعبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ورافع بن مالك بن العجلان وعبد الله ابن وراحة وسعد بن الربيع وعبادة بن الصامت وأسيد بن حضير وأبو الهيثم بن التيهان وسعد بن خيثمة
فأخذ البراء بن معرور بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم فضرب عليها فكان أول من بايع وتتابع الناس فبايعوا

(1/123)


قال ابن اسحق فلما أيقنت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد بويع وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة توامروا بينهم فقالوا والله لكأنه قد كر عليكم بالرجال فأثبتوه أو اقتلوه أو أخرجوه فاجتمعوا على قتله وأتاه جبريل وأمره أن لا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه فبات في غيره فلما أصبح أذن له في الخروج إلى المدينة
وعن ابن عباس في قوله وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه و سلم وقال بعضهم بل اقتلوه وقال بعضهم بل أخرجوه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه و سلم على ذلك فبات علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه و سلم تلك الليلة وخرج النبي صلى الله عليه و سلم حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه و سلم

(1/124)


فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوا عليا رد الله مكرهم فقالوا أين صاحبك قال لا أدري فاقتصوا أثره
ذكر هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة
كانت بيعة العقبة في أوسط أيام التشريق وقدم رسول صلى الله عليه و سلم المدينة لأثنتي ليلة خلت من ربيع الأول
قال يزيد بن أبي حبيب خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكة في صفر وقدم المدينة في ربيع الأول قال ابن إسحاق دخلها حين ارتفع الضحى وكادت الشمس تعتدل
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد

(1/125)


القارة قال أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي قال ابن الدغنة فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج أنت تكسب المعدم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فلم تكذب مرة وأنت بجوار ابن الدغنه وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره
ثم بدا لأبي بكر فبنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ

(1/126)


القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنه فقدم عليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فبنى مسجدا بفناء دره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فاسأله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الإستعلان
قالت عائشة فأتى ابن الدغنة إلى أبي فقال قد علمت الذي عاقدت لك عليه فأما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله والنبي صلى الله عليه و سلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه و سلم للمسلمين إني أريت دار هجرتكم ذات

(1/127)


نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه و سلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر
قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فدى له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال فإني قد أذن لي في الخروج قال أبو بكر الصحبة بأبي أنت يا رسول الله قال رسول الله نعم قال أبو بكر

(1/128)


فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله بالثمن
قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فريطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقف فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام يرعى عليهما عامر ابن فهيرة مولى لأبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهم حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما حتى ينعق

(1/129)


بها عامر بن فهيره بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر رجلا من بني الدبل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث فانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم على طريق السواحل
قال ابن شهاب وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن جعشم أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت إنهم ليسوا هم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي

(1/130)


فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو لا يلتفت وأبو بكر كثير الإلتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت ولم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزأاني ولم يسلاني إلا أن قال أخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي

(1/131)


في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول

(1/132)


الله صلى الله عليه و سلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه و سلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه و سلم في بني عمرو ابن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله ثم بناه مسجدا

(1/133)


وطفق رسول الله صلى الله عليه و سلم ينقل معهم اللبن في ثيابه ويقول وهو ينقل اللبن
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول
اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
فتمثل بشعر رجل من المسلمين ولم يسم لي
قال ابن شهاب ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات انفرد بإخراجه البخاري

(1/134)


وعن البراء بن عازب قال اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما قال فقال أبو بكر مر البراء فليحمله إلى منزلي فقال لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنت معه قال فقال أبو بكر خرجنا فأدلجنا فاحتثثنا يومنا وليينا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل نرى ظلا نأوي إليه فإذا أنا بصخرة فأويت إليها فإذا بقية ظلها فسويته لرسول الله صلى الله عليه و سلم وفرشت له فروة وقلت اضجع يا رسول الله صلى الله عليه و سلم فاضجع ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فإذا أنا براعي غنم فقلت لمن أنت يا غلام فقال لرجل من قريش فسماه فعرفته فقلت هل في غنمك من لبن قال نعم قال قلت هل أنت حالب لي قال نعم فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار ومعي إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فوافيته وقد استيقظ فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى

(1/135)


رضيت ثم قلت هل انى الرحيل فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال لا تحزن إن الله معنا حتى إذا دنا منا وكان بيننا وبينه قيد رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت فقال لماذا تبكي قال قلت أما والله ما على نفسي أبكي ولكني أبكي عليك قال فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال اللهم اكفناه بما شئت فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله عز و جل أن ينجيني مما أنا فيه فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بابلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا حاجة لي فيها قالودعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم فأطلق ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة فتلقاه الناس فخرجوا في الطرق وعلى الأناجير واشتد الخدم والصبيان في الطريق الله أكبر جاء رسول

(1/136)


الله صلى الله عليه و سلم جاء محمد قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك فلما أصبح غدا حيث أمر
قال البراء بن عازب أول من قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أخو بني فهر ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا فقلنا ما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم قال هو على أثري ثم قدم رسول الله ومعه أبو بكر قال البراء ولم يقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قرأت سورا من المفصل أخرجاه في الصحيحين
وعن أنس أن أبا بكر حدثه قال قلت لرسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا تحت قدميه فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما أخرجاه في الصحيحين حديث أم معبد
عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما هاجر من مكة

(1/137)


إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعيه وكانت امرأة جلدة برزة تحتبي وتقعد بفناء الخيمة تسقي وتطعم فسألوها تمرا ولحما يشترون فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك فإذا القوم مرملون مسنتون فقالت والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى فنظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى شاة في كسر الخيمة فقال ما هذه الشاة يا أم معبد قالت هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم فقال هل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك قال أتأذنين لي أن أحلبها قالت نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال اللهم بارك لها في شاتها قال فتفاجت ودرت واجترت فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى غلبه الثمال فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب رسول الله صلى الله عليه و سلم آخرهم وقال ساقي القوم

(1/138)


آخرهم شربا فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى اراضوا ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها حتى ارتحلوا عنها فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيلا عجافا هزلى ما تساوق مخهن قليل لا نقى بهن فلما رأى اللبن عجب فقال من أين لك هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت قالت لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت قال والله إني لأراه صاحب قريش الذي يطلب صفيه لي يا أم معبد قالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة متبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي

(1/139)


صوته صحل أحور أكحل أزج أقرن شديد سواد الشعر في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة إذا صمت فعليه الوقار وإذا تكلم سما وعلاه البهاء وكأن منطقه خرزات عقد يتحدرن حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر أجهر الناس وأجملهم من بعيدو أحلاهم وأحسنهم من قريب ربعه لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنظر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به إذا قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند
قال هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر ولو كنت وافقته لا لتمست أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا

(1/140)


وأصبج صوت بمكة عاليا بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرى من يقوله وهو يقول
جرى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجازى وسودد
سلوا أختكم عن شاتها وانائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب ... بدرتها من مصدر ثم مورد
فأصبح القوم وقد فقدوا نبيهم وأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا النبي صلى الله عليه و سلم قال فأجابه حسان بن ثابت يقول
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسرى إليه ويغتدي

(1/141)


ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد
فهل يستوي ضلال قوم تسكعوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتدى
نبي يرى مالا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد
فإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في صخوة اليوم أو غد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمسلمين بمرصد
قال عبد الملك بن مروان فبلغنا أن أم معبد هاجرت إلى النبي صلى الله عليه و سلم وأسلمت
تفسير غريب الحديث البرزة الكبيرة والمرملون الذين نفد زادهم ومستون من
السنة وهي الجدب وكسر الخيمة جانبها والجهد المشقة وتفاجت فتحت ما بين رجليها للحلب ويربض الرهط يثقلهم فيربضوا والثج السيلان والثمال الرغوة وقوله عللا بعد نهل أي مرة بعد أخرى حتى أراضوا أي رووا والحيل اللواتي لسن بحوامل والنقى المخ والشاة عازب أي بعيدة في المرعى متبلج الوجه

(1/142)


مشرقة والثجلة عظيم البطن واسترخاء أسفله والصعلة صغر الرأس والوسيم الحسن وكذلك القسيم والدعج السواد في العين والوطف الطول في هدب العين والصحل كالبحة والأحور الشديد سواد أصول أهداب العين خلقه والأزج من الزجج وهو دقة الحاجبين وحسنهما والأقرن المقرون الحواجب والسطع الطول وقولها إذا تكلم سما تريد علا رأسه أو يده وقولها لا نزر ولا هذر تريد أنه ليس بقليل ولا كثير وقولها لا تقتحمه عين من قصر أي لا تحتقره والمحفود المخدوم والمحشود من قولك احتشدت لفلان في كذا إذا أعددت له وجمعت وقولها ليس بعابس الوجه ولا فيه أثر هرم والفند الهرم والصريح الخالص والضرة لحم الضرع
ذكر ما جرى لرسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم المدينة
قال الزهري نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في بني عمرو بن عوف بقباء فأقام فيهم بضع عشرة ليلة وقال عروة مكث بقباء ثلاث

(1/143)


ليال ثم ركب يوم الجمعة فمر على بني سالم فجمع بهم وكانت أول جمعة صلاها حين قدم المدينة ثم ركب في بني سالم قمرت الناقة حتى بركت في بني النجار على دار أبي أيوب الأنصاري فنزل عليه في سفل داره وكان أبو أيوب في العلو حتى ابتنى رسول الله صلى الله عليه و سلم مسجدا ومساكنه
عن عائشة قالت قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة وهي وبيئة فمرض أبو بكر فكان إذا أخذته الحمى يقول
كل امريء مصبح في رحله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أخذته الحمى يقول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل

(1/144)


وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
اللهم العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من مكة فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لقوا قال اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم صححها وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها إلى الجحفة قالت فكان المولود يولد بالجحفة فما يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى أخرجاه في الصحيحين
ذكر عمومة رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال ابن السائب هم أحد عشر الحارث والزبير وأبو طالب وحمزة وأبو لهب والغيداق والمقوم وضرار والعباس وقثم وجحل واسم

(1/145)


جحل المغيرة وقال غيره هم عشرة ولم يذكر قثم وقال اسم الغيداق جحل
ذكر عماته صلى الله عليه و سلم
وهن ست أم حكيم وهي البيضاء وبرة وعاتكة وصفية وأروى وأميمة فأما صفية فأسلمت من غير خلاف وأما عاتكة وأروى فقال محمد بن سعيد أسلمتا وهاجرنا إلى المدينة وقال آخرون لم تسلم منهن إلا صفية
ذكر أزواج النبي صلى الله عليه و سلم
خديجة بنت خويلد سودة بنت زمعة عائشة بنت أبي بكر حفصة بنت عمر أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان زينب بنت جحش أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب بنت خزيمة بن الحارث ابن أبي ضرار صفية بنت حيي بن أخطب ميمونة بنت الحارث ابن حزن

(1/146)


وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم جماعة من النساء فلم يدخل بهن وخطب جماعة فلم يتم النكاح ويقال إن أم شريك وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه و سلم
ذكر سراري رسول الله صلى الله عليه و سلم
مارية القبطية بعث بها إليه المقوقس ريحانة بنت زيد ويقال إنه تزوجها وقال الزهري استسرها ثم أعتقها فلحقت بأهلها وقال أبو عبيدة كان له أربع مارية وريحانة وأخرى جميلة أصابها في السبي وجارية وهبتها له زينب بنت جحش
ذكر أولاده صلى الله عليه و سلم
أما الذكور فالقاسم وبه كان يكنى صلى الله عليه و سلم وهو أول من مات من أولاده وعاش سنتين
عبد الله وهو الطاهر والطيب ولد له في الاسلام
وقال عروة ولدت له خديجة القاسم والطاهر وعبد الله والمطيب

(1/147)


وقال سعيد بن عبد العزيز كان للنبي صلى الله عليه و سلم أربعة غلمة إبراهيم والقاسم والطاهر والمطهر
قال أبو بكر البرقي ويقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبد الله ويقال إن الطيب والمطيب ولدا في بطن والطاهر والمطهر ولدا في بطن
إبراهيم أمه مارية القبطية ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وتوفي ابن ستة عشرة شهرا وقيل ثمانية عشر شهرا ودفن بالبقيع الإناث من أولاده صلى الله عليه و سلم
فاطمة عليها السلام ولدت قبل النبوة بخمس سنين زينب تزوجها أبو العاص بن الربيع رقية وأم كلثوم تزوجهما عثمان بن عفان تزوج أم كلثوم بعد رقية
وجميع أولاده من خديجة رضي الله عنها سوى إبراهيم
ذكر موالي رسول الله صلى الله عليه و سلم
أسلم ويكنى أبا رافع أبو رافع آخر والد البهي أحمر

(1/148)


أسامة بن زيد أفلح ألسة ويكنى أبا مسروح أيمن ابن أم أيمن ثوبان ويكنى أبا عبد الله ذكوان ويقال هو مهران وقيل طهمان رافع رباح الأسود زيد بن حارثة زيد بن بولا سابق سالم سلمان الفارسي سليم ويكنى أبا كبشة وقيل اسمه أوس سعيد أبو كندير شقران واسمه صالح ضميرة بن أبي ضميرة عبيد الله بن عبد الغفار فضالة اليماني كيسان مهران ويكنى أبا عبد الرحمن وهو سفينة في قول إبراهيم الحربي وقال غيره اسم سفينة رومان وقيل عيس ومدعم نافع نفيع ويكنى أبا بكرة الثقفي نبيه واقد وردان هشام يسار أبو أثيلة أبو الحمراء أبو السمح أبو ضميرة أبو عبيد واسمه سعيد وقيل عبيد أبو مويهبة أبو واقد
قال إبراهيم الحربي ليس في موالي رسول الله صلى الله عليه و سلم عبيد انما هو أبو عبيد وإنما التيمي غلط في الحديث فقال عبيد وذكر ابن أبي خيثمة أنهما اثنان عبيد وأبو عبيد

(1/149)


وفرق الحربي بين رافع وأبي رافع فجعلهما اثنين وحكى ابن قتيبة أنهما واحد
وقال أبو بكر بن حزم من غلمان رسول الله صلى الله عليه و سلم كركرة وقال مصعب أهدى إليه المقوقس خصيا اسمه مابورا وذكر محمد ابن حبيب الهاشمي من موالي رسول الله صلى الله عليه و سلم أبو لبابة وأبو لقيط وأبو هند
ذكر موليات رسول الله صلى الله عليه و سلم
أم أيمن اسمها بركة أميمة خضرة رضوى ريحانة سلمى مارية ميمونة بنت سعد ميمونة بنت أبي عسيب أم ضميرة أم عياش وقيل أم عياش مولاة ابنته رقية

(1/150)


ذكر مراكبه صلى الله عليه و سلم
كان له فرس يقال له السكب وفرس يقال له المرتجز وهو الذي اشتراه من الأعرابي وشهد فيه خزيمة بن ثابت وربما جعل بعضهم الاسمين لواحد وفرس يقال له اللزاز وفرس يقال له الظرب وفرس يقال له ألورد وفرس يقال النحيف وبعضهم يقول اللحيف باللام وبعضهم يسمي بعض خيله اليعسوب
وكان له الناقصة القصواء وهي الغضباء وهي الجدعاء وبغلة تسمى الشهباء والدلدل وحمار يقال له اليعفور
ذكر صفة رسول الله صلى الله عليه و سلم
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك ينعت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم ربعة من القوم ليس

(1/151)


بالقصير ولا بالطويل البائن أزهر ليس بالآدم ولا الأبيض الأمهق رجل الشعر ليس بالسبط ولا الجعد القطط بعث على رأس أربعين أقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا وتوفي على رأس ستين ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء أخرجاه في الصحيحين
وعنه قال ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا شممت ريحا قط ولا عرفا قط أطيب من ريح أو عرف النبي صلى الله عليه و سلم رواه البخاري
وقال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قلت للربيع بنت

(1/152)


معوذ صفي لي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت لو رأيته لرأيت الشمس الطالعة
قال إبراهيم بن محمد من ولد علي بن أبي طالب قال كان علي رضي الله عنه إذا وصف رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد كان ربعة من القوم لم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا ولم يكن بالمطهم ولا بالمتكلثم وكان في وجهه تدوير أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكتد أجرد ذو مسربة شثن الكفين والقدمين إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت معا بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين أجود الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وألينهم

(1/153)


عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه و سلم رواه الترمذي
وقال سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين يقول سمعت الأصمعي يقول الممغط الذاهب طولا والمتردد الداخل بعضه في بعض قصرا وأما القطط فشديد الجعودة والرجل الذي في شعره حجونة أي تثن قليل والمطهم البادن الكثير اللحم والمتكلثم المدور الوجه والمشرب الذي في بياضه حمرة والأدعج الشديد سواد العين والأهدب الطويل الأشفار والكتد مجتمع الكتفين وهو الكاهل والمسربة الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة والشثن الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين والتقلع المشي بقوة والصبب الحدور تقول انحدرنا في صبوب وصبب وقوله جليل المشاش يريديريد رؤوس المناكب والعشرة الصحبة والعشير الصاحب والبديهة المفاجأة

(1/154)


وعن الحسن بن علي قال سألت خالي هند بن أبي هالة وكان وصافا عن حلية النبي صلى الله عليه و سلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فقال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر أطول من المربوع وأقصر من المشذب عظيم الهامة رجل العشر إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفرة أزهر اللون واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم كث اللحية سهل الخدين ضليع الفم مفلج الاسنان دقيق

(1/155)


المسربة كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخيط عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر طويل الزندين رحب الراحة شثن الكفين والقدمين سابل الأطراف أو قال سائل الأطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو تكفيا ويمشي هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره للملاحظة يسوق أصحابه ويبدر من لقيه بالسلام
قلت فصف لي منطقه قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم متواصل

(1/156)


الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة طويل السكت لا يتكلم في غير حاجة يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ويتكلم بجوامع الكلم فصلا لا فضول ولا تقصير ليس بالجافي ولا المهين يعظم النعمة وإن دقت ولا يذم منها شيئا غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه ولا تغضبه الدنيا وما كان لها فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث أتصل بها وضرب براحته اليمنى بطن إبهامها اليسرى وإذا غضب أعرض وأشاح جل ضحكه التبسم
قال الحسن فكتمتها الحسين زمانا ثم حدثته بها فوجدته قد سبقني إليه فسأله عما سألته عنه ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله فلم يدع منه شيئا
قال الحسين سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء

(1/157)


جزءا لله وجزءا لنفسه وجزءا لأهله ثم جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم منه شيئا وكان من سيرته في جزء الأمة إبثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ويقول ليبلغ الشاهد منكم الغائب وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره يدخلون روادا ولا يفترقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة يعني على الخير
قال فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ويؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في أيدي الناس ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويوهيه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن

(1/158)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية