صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أدب الاختلاف في الاسلام
المؤلف : طه جابر فياض العلواني
المصدر : كتاب الأمة

أدب الاختلاف في الاسلام

الدكتور طه جابر فياض العلواني
كتاب الأمة

(1/1)


تقديم
بقلم : عمر عبيد حسنة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، واشهد ان لا اله الا الله وان محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وبعد:
فهذا الكتاب التاسع في سلسلة «كتاب الامة» التي تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر «ادب الاختلاف في الاسلام» للدكتور جابر فياض العلواني، يأتي مساهمة جديدة في تحقيق الوعي الثقافي ومحاولة لراب الصدوع في البناء الاسلامي، ومعالجة جذور الازمة الفكرية التي اورثتنا الخلاف والتآكل الداخلي، وايقاظ البعد الايماني في نفوس المسلمين بعد ان كاد يغيب عن حكم علاقاتنا وتوجيهها الوجهة الصحيحة بسبب من الفهم المعوج والممارسات المخطئة ومن ضغوط المجتمعات غير الاسلامية، ذلك ان حضور البعد الايماني وتحقق الفهم السليم هو الضمانة الحقيقية لشرعية علاقاتنا، والملاذ الاخير لتصفية خلافاتنا ونزع اغلال قلوبنا. فقد يكون نصيبنا من العلم والمعرفة ليس بالقليل. لكن المشكلة التي نعاني منها اليوم اننا افتقدنا الموجه الصحيح والمؤشر الضروري الذي يمنحنا السلامة ويكسبنا الصواب لهذا العلم وتلك المعرفة، اننا اكتسبنا المعرفة وافتقدنا خلقها، وامتلكنا الوسيلة وضيعنا الهدف والغاية، وما اكثر ما فوتت علينا خلافاتنا حول مندوب او مباح امر مفروضا او واجبا، لقد اتقنا فن الاختلاف وافتقدنا آدابه والالتزام باخلاقياته، فكان ان سقطنا فريسة التآكل الداخل والتنازع الذي اورثنا هذه الحياة الفاشلة وادى الى ذهاب الريح، قال تعالى:
«ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» « الانفال: 26»
ولقد حذرنا الله تعالى من السقوط في علل اهل الاديان السابقة، وقص علينا تاريخهم للعبرة والحذر، فقال:
«ولاتكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. كل حزب بما لديهم فرحون»«الروم:31ـ32».
واعتبر الاختلاف الذي يسبب الافتراق والتمزق ابتعادا عن أي هدي للنبوة او انتساب لرسولها صلى الله عليه وسلم حين قال تعالى:
«ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء….»«الانعام:159».
ذلك ان اهل الكتاب لم يؤتوا من قلة علم وضآلة معرفة، وانما كان هلاكهم لانهم وظفوا ما عندهم من علوم ومعارف للبغي بينهم، قال تعالى:«وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم…»«آل عمران:19».
فهل ورثنا علل اهل الكتاب بدل ان نرث الكتاب؟ وهل ورثنا البغي بدل ان نرث العلم والمعرفة ونلتزم باخلاقهما؟ان الاختلاف والبغي وتفريق الدين من علل اهل الكتاب التي كانت سببا في هلاكهم ونسخ اديانهم وبقاء قصصهم وسائل ايضاح للدرس والعبرة لمن ورثوا الكتاب والنبوة، ذلك انه لاسبيل للاستبدال والنسخ في عالم المسلمين، وهم اصحاب الرسالة الخاتمة، وانما هي الامراض التي لاتقضي على الجسم نهائيا، فاما ان تستمر فتعيش الامة حالة الوهن الذائب، واما ان تعالج فيكون التصويب، وتكون المعافاة، ويكون النهوض وايقاف التآكل الداخلي،وهذا من خصائص الرسالة الخاتمة. ان ما يعانيه عالم المسلمين اليوم لايخرج عن ان يكون اعراضا للمشكلة الثقافية وخللا في البنية الفكرية التي يعيشها العقل المسلم، وآثارا للازمة الاخلاقية التي يعاني منها السلوك المسلم،وما من سبيل الى خروج الا بمعالجة جذور الازمة الفكرية وتصويب الفهم واعادة صياغة السلوك الخلقي، كضمانة ضرورية، والا كنا كالذي يضرب في حديد بارد. ولاشك ان الاختلاف في وجهات النظر وتقدير الاشياء والحكم عليها امر فطري طبيعي، له علاقة بالفروق الفردية الى حد بعيد،اذ يستحيل بناء الحياة وقيام شبكة العلاقات الاجتماعية بين الناس اصحاب القدرات الواحدة والنمطية الواحدة، ذلك ان الاعمال الذهنية والعملية تتطلب مهارات متفاوتة، وكأن حكمة الله تعالى اقتضت ان يكون بين الناس بفروقهم الفردية سواء أكانت خلقية ام مكتسبة بين الاعمال في الحياة تواعد والتقاء، وكل ميسر لما خلق له، وعلى ذلك فالناس مختلفون، والمؤمنون درجات، فمنهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات الخ…«ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين»«هود:118».

(1/2)


وهنا نقول : ان الاختلاف بوجهات النظر بدل ان يكون ظاهرة صحة تغني العقل المسلم بخصوبة في الرأي ، والاطلاع على عدد من وجهات النظر، ورؤية الامور من ابعادها وزواياها كلها، واضافة عقول الى عقل، انقلب عند مسلم عصر التخلف الى وسيلة للتآكل الداخلي والانهاك، وفرصة للاقتتال، حتى كاد الامر ان نصل ببعض المختلفين الى حد التصفية الجسدية، والى الاستنصار والتقوي باعداء الدين على صاحب الرأي المخالف، ولهذا في التاريخ القريب والبعيد شواهد، فكثيرا ما يعجز الانسان عن النظرة الكلية السوية للامور، والرؤية الشاملة للابعاد المتعددة فيقبع وراء جزئية يضخمها ويكبرها حتى تستغرقه الى درجة لايمكن معها ان يرى شيئا آخر،او انسانا يرى رأيا آخر، وقد تصل به الى ان يرى بمقايسات محزنة اعداء الدين اقرب اليه من المخالفين له بالرأي من المسلمين الذين يلتقون معه على اصول العقيدة نفسها… ولعل في الحادثة التاريخية الشهيرة ذر الاختلاف بقرنه، وفقد آدابه، وفرقت بعض طوائف الامة المسلمة دينها الجامع ما يلقي بعض الاضواء التي قد تكون ذات مغزى لحياتنا اليوم الى حد بعيد..
«يروى ان واصل بن عطاء اقبل في رفقة فاحسوا الخوارج فقال واصل لاهل الرفقة: ان هذا ليس من شانكم،فاعتزلوا ودعوني واياهم.، وكانوا قد اشرفوا على العطب. فقالوا: شانك. فخرج اليهم، فقالوا:ما انت واصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله ويعرفوا حدوده. فقالوا: قد اجرناكم، قال: فعلمونا.فجعلوا يعلمونه احكامهم، وجعل يقول: قد قبلت انا ومن معي. قالوا: فامضوا مصاحبين فانكم اخواننا.قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى:«وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه00» فابلغونا مامننا، فنظر بعضهم الى بعض ثم قالوا ذاك لكم. فساروا باجمعهم حتى بلغوا المأمن «الكامل في اللغة والادب للمبرد:2/112».
لقد وصلت حدة الاختلاف الى مرحلة اصبح المشرك معها يامن على نفسه عند بعض الفرق الاسلامية التي ترى انها على الحق المحض اكثر من المسلم المخالف لها بوجهة النظر والاجتهاد،حيث اصبح لاسبيل معها للخلاص من التصفية الجسدية الا باظهار صفة الشرك.انه الاختلاف الذي يتطور ويتطور وتتعمق اخاديده فيسيطر على الشخص ويمتلك عليه حواسه الى درجة ينسى معها المعاني الجامعة والصيد المشترك الذي يلتقي عليه المسلمون، ويعدم صاحبه الابصار الا للمواطن التي تختلف فيها وجهات النظر، وتغيب عنه ابجديات الخلق الاسلامي، فتضطرب الموازين، وينقلب عنده الظني الى قطعي، والمتشابه الى محكم، وخفي الدلالة الى واضح الدلالة، والعام الى خاص، وتستهوي النفوس العليلة مواطن الخلاف، فتسقط ، في هاوية تكفير المسلمين، وتفضيل غيرهم من المشركين عليهم… وقد تنقلب الآراء الاجتهادية والمدارس الفقهية التي محلها اهل النظر والاجتهاد، على ايدي المقلدين والاتباع الى ضرب من التحزب الفكري، والتعصب السياسي، والتخريب الاجتماعي تؤول على ضوئه آيات القرآن واحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فتصبح كل آية او حديث لاتوافق هذا اللون من التحزب الفكري اما مؤولة او منسوخة، وقد يشتد التعصب ويشتد فتعود الينا مقولة الجاهلية:« كذاب ربيعة افضل من صادق مضر…».
ولعل مرد معظم اختلافاتنا اليوم الى عوج في الفهم تورثه علل النفوس من الكبر والعجب بالرأي، والطواف حول الذات والافتتان بها، واعتقاد ان الصواب والزعامة وبناء الكيان انما يكون باتهام الآخرين بالحق وبالباطل، الامر الذي قد يتطور حتى يصل الى فجور في الخصومة والعياذ بالله تعالى.
اننا قلما ننظر الى الدخل، لان الانشغال بعيوب الناس، والتشهير بها، والاسقاط عليها، لم يدع لنا فرصة التأمل في بنائنا الداخلي، والاثر يقول:«طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس».

(1/3)


لقد اختلف السلف الصالح رضوان الله عليهم، لكن اختلافهم في الرأي لم يكن سببا لافتراقهم، انهم اختلفوا لكنهم لم يتفرقوا، لان وحدة القلوب كانت اكبر من ان ينال منها شيء، انهم تخلصوا من العلل النفسية وان اصيب بعضهم بخطأ الجوارح، وكان الرجل الذي بشر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة بطلعته عليهم واخبرهم انه من اهل الجنة، هو الذي استكنهوا امره وعمله فتبين انه لاينام وفي قلبه غل على مسلم… اما نحن اليوم فمصيبتنا في نفوسنا وقلوبنا، لذلك فان معظم مظاهر التوحد والدعوة اليه والانتصار له انما هي عبارة عن مخادعة للنفس، ومظاهر خارجية قد لا نختلف فيها كثيرا عن غيرنا والله تعالى يقول:« وذروا ظاهر الاثم وباطنه»«الانعام:120». فالعالم الاسلامي بعد ان كان دولة واحدة تدين بالمشروعية العليا لكتاب الله تعلى وسنة رسوله اصبح اليوم سبعا وثمانين دويلة او يزيد، والاختلافات بينهم لايعلم مداها لا الله، وكلها ترفع شعارات الوحدة، بل قد توجد ضمن الدولة الواحدة كيانات عدة. وليس واقع بعض العاملين للاسلام اليوم الذين تناط بهم مهمة الانقاذ احسن حالا من مؤسساتهم الرسمية… ان ازمتنا ازمة فكر، ومشكلتنا في عدم صدق الانتماء،والامة المسلمة عندما سلم لها عالم افكارها، وكانت المشروعية العليا الاساسية في حياتها للكتاب والسنة استطاعت ان تحمل رسالة وتقيم حضارة على الرغم من شظف العيش وقسوة الظروف المادية، فكان مع العسر يسر…ذلك ان الحيدة عن الكتاب والسنة موقع في التنازع والفشل، قال تعالى.«واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم…» «الانفال:46». لقد اوقف الاسلام التشرذم والتآكل الداخلي ووجه العرب وجهة الاله الواحد الحق والغى الآلهة المزيفة حيث كان لكل قبيلة الهها الذي تتجه اليه. اما المسلمون اليوم في مواقعهم الكثيرة فانهم لا يشكون من قلة المادة وتوفر الاشياء، ومع ذلك انقلبوا الى امة مستهلكة على مستوى الافكار والاشياء معا لانهم افتقدوا المعاني الجامعة والقواسم المشتركة، وغابت عنهم المشروعية الكبرى في حياتهم، واصاب الخلل بنيتهم الفكرية. من هنا نقول: لابد من اعادة الصياغة، واعادة الترتيب المفقود لفكر المسلم، ولا سبيل الى ذلك الا بالرجوع الى كتب الاصول، حيث وضع علماؤنا الضوابط والقواعد للمقايسة والاستنتاج لضبط الرأي وضمان مساره، واقتران العلم عندهم باخلاقه… وتنمية الدراسات التي تؤكد وحدة الامة وقواسمها المشتركة، والمنهج التربوي الذي يسلحها باخلاق المعرفة، وابراز النقاط الجامعة واعتبار فترات الرفض والخروج وكتب الخلافات حالات مرضية لايعتد بها.
من هنا ياتي هذا الكتاب في وقت احوج ما يكون المسلمين اليه، ومساهمة طيبة في اغناء هذا الموضوع الهام والخطير حيث يبصر المثقف المسلم بشكل عام بشيء من مناهج العلماء في الاستنباط، وبالاصول التي بنى عليها هؤلاء العلماء اجتهاداتهم ومبتنى اختلافاتهم، ليعلم ان هذه الاختلافات انما تحكمها ضوابط وقواعد واصول لايحسنها كل من اراد التطاول على الاجتهاد دون امتلاك اداته، وتنتظمها اخلاق وآداب، يحفظها من الجنوح والخروج وازع ديني…
لقد قدم نماذج على ارفع المستويات من سيرة السلف الصالح للاقتداء والتأسي قبل ان تنقلب المدارس الاجتهادية على ايدي المقلدة مذاهب سياسية وتحزبات فكرية، وقد اعان المؤلف على ذلك تخصصه في العلوم الاسلامية واصول الفقه، ولا شك ان الكتاب في بعض جوانبه قد غلبت عليه الصفة العلمية الاكاديمية، ولا شك عندنا انها ضرورة لازمة، خاصة بالنسبة لاولئك المثقفين من المسلمين بشكل عام الذين لم تتح لهم ظروفهم الاطلاع على شيء من الاصول الشرعية، لذلك يمكن القول: ان هذا الكتاب يمكن ان يكون كتابا معلما الى حد بعيد، وان كنا نعتقد ان الاطلاع على هذه المناهج والآداب لا يكفي لحل مشكلة المسلمين ومعالجة ازمتهم الفكرية، بل لابد مع ذلك من التربية العملية والتدرب على آداب الخلاف والاخلاق التي يجب ان تحكمه… ولا يفوتنا هنا ان نشيد بالروح الاسلامية في الاخوة والتعاون التي لمسناها من المعهد العالمي للفكر الاسلامي بواشنطن حيث آثرنا بهذا الكتاب ليكون في سلسلة« كتاب الامة» ايمانا منه بوحدة الغاية والقصد، والله نسأل ان يلهم الجميع الاخلاص في العمل والسداد في الرأي، انه الهادي الى سواء السبيل.

(1/4)


المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه من دعا بدعوته واهتدى أتهديه الى يوم الدين، وبعد: فان امراض المسلمين في عصرنا هذا قد تعددت وتشعبت وفشت حتى شملت جوانب متعددة من شؤونهم الدينية والدنيوية، ومن العجيب ان الامة المسلمة لا تزال على قيد الحياة، لم تصب منها تلك الادواء بحمد الله مقتلا على كثرتها وخطورتها ، وكان بعها كفيلا بابادة امم وشعوب لم تغن عنها كثرتها ولا وفرة مواردها، ولعل مرد نجاة هذه الامة الى هذا اليوم رغم ضعفها هو وجود كتاب ربها وسنة نبيها عليه افضل الصلاة والتسليم بين ظهرانيها ثم دعوة نبيها صلى الله عليه وسلم واستغفار الصالحين من ابنائها «وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون» «الانفال:33». وان من اخطر ما اصيبت به هذه الامة في الآونة الاخيرة مرض «الاختلاف والمخالفة»… الاختلاف في كل شيء، وعلى كل شيء، حتى شمل العقائد والافكار والتصورات والآراء الى جانب الاذواق والتصرفات والسلوك والاخلاق، وتعدى الاختلاف كل ذلك حتى بلغ اساليب الفقه، وفروض العبادات وكأن كل ما لدى هذه الامة من اوامر ونواه يحثها على الاختلاف او يدفعها اليه والامر عكس ذلك تماما، فان كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما حرصا على شيء بعد التوحيد حرصهما على تأكيد وحدة الامة، ونبذ الاختلاف بين ابنائها، ومعالجة كل ما من شانه ان يعكر صفو العلاقة بين المسلمين، او يخدش اخوة المؤمنين، ولعل مبادئ الاسلام ما نددت بشيء بعد الاشراك بالله تنديدها باختلاف الامة، وما حضت على امر بعد الايمان بالله حضها على الوحدة والائتلاف بين المسلمين. واوامر الله ورسوله واضحة في دعوتها لايجاد الامة التي تكون كالجسد الواحد اذا اشتكى بعضه اصابه الوهن كله. ولكن رسالة الاسلام مع ذلك رسالة واقعية تتعامل مع الانسان على ما هو عليه، وخالق الانسان تبارك وتعالى يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، فقد وهب لعباده عقولا ومقدرات متباينة من شانها ان تؤدي الى اختلاف في نظرتهم وافكارهم ومواقفهم من كثير من الاشياء، ولذلك فان الاسلام يتسع الى تلك الاختلافات كلها التي لا تهدد وحدة الامة ، فيكفي ان تتفق الآراء، وتلتقي التصورات، وتتوحد المواقف ازاء القضايا الكبرى والقواعد الاساسية، اما ما عداها من امور فرعية، وقضايا ثانوية مما يساعد اختلاف الرأي فيها على الجنوح يحو الافضل والامثل فلا ضير فيه على ان يكون لهذا الاختلاف ضوابطه وحدوده، وقواعده وآدابه، والا يؤثر على وحدة فكر الامة ومواقفها من القضايا الاساسية الكبرى. فما حقيقة الاختلاف؟ وما الحدود التي لايجوز تجاوزها فيه؟ وما اسبابه؟ وما القدر المسموح به منه؟ وما ضوابطه وآدابه؟ وما السبيل للتخلص من سلبياته؟ هذا ما سنحاول بحثه في هذه المعالجة، ان شاء الله تعالى. ونظرا لتعدد جوانب هذا الموضوع فقد تنوعت مصادره فله جانب منطقي جدلي تكفلت ببحثه الكتب المنطقية الخاصة بآداب البحث والمناظرة(1). وله جانب اصولي تناولته الكتب الاصولية التي تعرضت لمباحث اسباب الاختلاف(2). كما تعرض الاصوليون له في بعض مباحث القياس(3)، وله جانب فقهي يرد في ثنايا الكتب التي عنيت بالبحث في مجال «الفقه المقارن» او ما يسمى بكتب«الخلافيات».
واما الآداب فيمكن الحصول على امثلتها ونماذجها من كتب الطبقات والتراجم والمناظرات والتاريخ وغيرها.
وقد حاولنا في هذا البحث ان نستفيد من جميع المصادر، كما اننا رتبناه على مقدمة وستة فصول وخاتمة، ثم اردفنا ذلك بمسرد للهوامش والحواشي والتعليقات لرغبتنا ان يكون كل ما اوردناه فيه موثقا، منسوبا الى مصادره، واعقبنا ذلك كله بفهرس للموضوعات، ونسأل الله التوفيق والسداد وان يجمع كلمة المسلمين، ويوجد بين قلوبهم على حبه، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم ويؤلف بينهم، ويزيل اسباب النفرة والخلاف.. انه سميع مجيب.
الدكتور طه جابر فياض العلواني

(1/5)


الفصل الاول في بيان حقيقة الاختلاف وما يتصل بها

الاختلاف والخلاف وعلم الخلاف:
الاختلاف والمخافة ان ينهج كل شخص طريقا مغايرا للآخر في حاله او في قوله. والخلاف اعم من «الضد» لان كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يفضي الى التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال تعالى:
«فاختلف الاحزاب من بينهم…» «مريم:37»
« ولا يزالون مختلفين» «هود:118»
«انكم لفي قول مختلف» «الذاريات:8»
«ان ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» «يونس:93».
وعلى هذا يمكن القول بان «الخلاف والاختلاف يراد به مطلق المغايرة في القول او الرأي او الحالة او الهيئة او الموقف. وامال ما يعرف لدى اهل الاختصاص ب« علم الخلاف» فهو علم يمكن من حفظ الاشياء التي استنبطها امام من الائمة، وهدم ما خالفها دون الاستناد الى دليل مخصوص، اذ لو استند الى الدليل، واستدل به لاصبح مجتهدا واصوليا، والمفروض في الخلافي الا يكون باحثا عن احوال ادلة الفقه، بل حسبه ان يكون متمسكا بقول امامه لوجود مقتضيات الحكم اجمالا عند امامه كما يظن هو، وهذا يكفي عنده لاثبات الحكم، كما يكون قول امامه حجة لديه لنفي الحكم المخالف لما توصل اليه امامه كذلك.

الجدل و«علم الجدل»:
اذا اشتد اعتداد احد المخالفين او كليهما بما هو عليه من قول او رأي او موقف، وحاول الدفاع عنه واقناع الآخرين به، أو حملهم عليه سميت تلك المحاولة بالجدل.
فالجدل في اللغة «المفاوضة على سبيل المنازع والمغالبة» مأخوذ من «جدلت الحبل» اذا فتلته وأحكمت فتله، فان كل واحد من المتجادلين يحاول ان يفتل صاحبه ويجدله بقوة واحكام على رأيه الذي يراه.
و أما «علم الجدل» فهو : علم يقوم على مقابلة الادلة لاظهار ارجح الاقوال الفقهية(4).
وعرفه بعض العلماء بأنه «علم يقتدر به على حفظ أي وضع يراد ولو باطلا وهدم أي وضع يراد ولو حقا»(5).
ويظهر في هذا التعريف أثر المعنى اللغوي للجدل، لأنه على هذا علم لا يتعلق بأدلة معينة، بل هو قدرة أو ملكة يؤتاها الشخص ولو لم يحط بشيء من الكتاب والسنة ونحوهما.

الشقاق:
فاذا اشتدت خصومة المتجادلين وآثر كل منهما الغلبة بدل الحرص على ظهور الحق ووضوح الصواب، وتعذر أن يقوم بينهما تفاهم أو اتفاق سميت تلك الحالة بـ«الشقاق» و«الشقاق» أصله: ان يكون كل واحد في شق من الارض أي نصف او جانب منها، فكأن ارضا واحدة لا تتسع لهما معا وفي التنزيل (وأن خفتم شقاق بينهما)(النساء: 35) أي خلافا حادا يعقبه نزاع يجعل كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه، ومثله قوله تعالى (فانما هم في شقاق)( البقرة 137).

المقبول والمردود من الاختلاف:
قضت مشيئة الله تعالى خلق الناس بعقول ومدارك متباينة الى جانب اختلاف الالسنة والالوان والتصورات والافكار وكل تلك الامور تفضي الى تعدد الآراء والاحكام وتختلف باختلاف قائليها واذا كان اختلاف السنتنا وألواننا ومظاهر خلقنا آية من آيات الله تعالى، فان اختلاف مداركنا وعقولنا وما تثمره تلك المدارك والعقول آية من آيات الله تعالى كذلك ودليل من أدلة قدرته البالغة وإن اعمار الكون وازدهار الوجود وقيام الحياة لا يتحقق أي منها لو أن البشر خلقوا سواسية في كل شيء، وكل ميسر لما خلق له (ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم)(هود 118، 119).
ان الاختلاف الذي وقع في سلف هذه الامة ولا يزال واقعا جزء من هذه الظاهرة الطبيعية فان لم يتجاوز الاختلاف حدوده بل التزمت آدابه كان ظاهرة ايجابية كثيرة الفوائد.

بعض فوائد الاختلاف المقبول:
وكما اسلفنا فانه اذا التزمت حدود الاختلاف وتأدب الناس بآدابه كان له بعض الايجابيات منها:
أ انه يتيح اذا صدقت النوايا التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن ان يكون الدليل رمى اليها بوجه من وجوه الادلة.
ب وفي الاختلاف بالوصف الذي ذكرناه رياضة للاذهان وتلاقح للآراء وفتح مجالات التفكير للوصول الى سائر الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول اليها.
ج تعدد الحلول أمام صاحب كل واقعة ليهتدي الى الحل المناسب للوضع الذي هو فيه بما يتناسب ويسر هذا الدين الذي يتعامل مع الناس من واقع حياتهم.
تلك الفوائد وغيرها يمكن ان تتحقق اذا بقي الاختلاف ضمن الحدود والآداب التي يجب الحرص عليها ومراعاتها، ولكنه اذا جاوز حدوده، ولم تراع آدابه فتحول الى جدال وشقاق كان ظاهرة سلبية سيئة العواقب تحدث شرخا في الامة وفيهما ما يكفيها فيتحول الاختلاف من ظاهرة بناء الى معاول للهدم.

(1/6)


أقسام الخلاف من حيث الدوافع:
1 -خلاف املاه الهوى: قد يكون الخلاف وليد رغبات نفسية لتحقيق غرض ذاتي أو امر شخصي وقد يكون الدافع للخلاف رغبة التظاهر بالفهم او العلم او الفقه. وهذا النوع من الخلاف مذموم بكل اشكاله ومختلف صوره لان حظ الهوى فيه غلب الحرص على تحري الحق والهوى لا يأتي بخير فهو مطية الشيطان الى الكفر، قال تعالى:
(أفكلما جاءك رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون)«البقرة 87». وبالهوى جانب العدل من جانبه من الظالمين.
(فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) «النساء 135»، وبالهوى ضل وانحرف الضالون.
(قل لا أتبع اهواءكم قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين) «الانعام 56» والهوى ضد العلم ونقيضه، وغريم الحق، ورديف الفساد، وسبيل الضلال:
(ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)«ص 26».
(ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن)«المؤمنون 71».
(وان كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم)«الانعام 116».
وانواع الهوى متعددة وموارده متشعبة وان كانت في مجموعها ترجع الى «هوى النفس وحب الذات» فهذا الهوى منبت كثير من الاخطاء وحشد من الانحرافات ولا يقع انسان في شباكه حتى يزين له كل ما من شأنه الانحراف عن الحق والاسترسال في سبيل الضلال حتى يغدو الحق باطلا والباطل حقا والعياذ بالله. ويمكن رد خلاف أهل الملل والنحل ودعاة البدع في دين الله تعالى الى آفة الهوى ومن نعم الله على عبده ورعايته سبحانه أن يكشف له عن مدى ارتباط مذاهبه وأفكاره ومعتقداته بهوى نفسه، قبل أن تهوي به في مزالق الضلال ، حتى يضيء المولى سبحانه مشاعل الايمان في قلبه فتكشف زيف تلك المذاهب أو الافكار أو المعتقدات ذلك لان حسنها في نفسه لم يكن له وجود حقيقي بل هو وجود ذهني او خيالي او صوري صوره الهوى وزينه في النفس ولو كان قبيحا في واقعه أو لا وجود له الا في ذهن المبتلى به.
ولاكتشاف تأثير الهوى في فكرة ما طرق كثيرة: بعضها خارجي وبعضها ذاتي.
أ - فالطرق الخارجية لاكتشاف أن الهوى وراء الفكرة موضع الاختلاف أن تكون مناقضة لصريح الوحي من كتاب وسنة ولا ينتظر ممن يزعم في نفسه الحرص على الحق أن يلهث وراء فكرة تناقض كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
ومما يكشف كون الفكرة وليدة الهوى: تصادمها مع مقتضيات العقول السليمة التي يقبل الناس الاحتكام اليها فف7كرة تدعو الى عبادة غير الله او تحكيم غير شريعته في حياة الناس وفكرة تدعو الى اباحة الزنا او تزيين الكذب او تحض على التبذير لايمكن ان يكون لها مصدر غير الهوى ولا يدعو لها الا من بيد الشيطان زمامه.
ب - اما الطرق الذاتية لاكتشاف ما اذا كان الهوى محضن الفكرة فتكون بنوع من التأمل والتدبر في مصدر تلك الفكرة ومساءلة النفس بصدق حول سبب تبنيها لتلك الفكرة دون غيرها، وما تأثير الظروف المحيطة بصاحب الفكرة ومدى ثباته عليها ان تبدلت؟ وهل هناك من ضغوط وجهت المسار دونما شعور؟ ثم الغوص في اعماق الفكرة نفسها، فان كانت قلقة غير ثابتة، تتذبذب بين القوة والضعف تبعا لمشاعر معينة، فاعلم أنها وليدة الهوى ونزغ من الشيطان فاستعذ بالله السميع العليم، واحمده على أن بصرك بالحقيقة قبل ان يسلسل قيادك لهوى النفس.
2 -خلاف املاه الحق: قد يقع الخلاف دون ان يكون للنفس فيه حظ او للهوى عليه سلطان فهذا خلاف أملاه الحق، ودفع اليه العلم واقتضاه العقل، ورفضه الايمان، فمخالفة أهل الايمان لاهل الكفر والشرك والنفاق خلاف وواجب لا يمكن لمؤمن مسلم أن يتخلى عنه، او يدعو لازالته لانه خلاف سداه الايمان ولحمته الحق.
وكذلك اختلاف المسلم مع اهل العقائد الكافرة والملحدة، كاليهودية والنصرانية والوثنية والشيوعية، ولكن الاختلاف مع أهل تلك الملل وهذه العقائد لا يمنع من الدعوة الى ازالة اسبابه بدخول الناس في دين الله افواجها وتخليهم عن دواعي الخلاف من الكفر والشرك والشقاق والنفاق وسوء الاخلاف والالحاد والبدع والترويج للعقائد الهدامة.
3 -خلاف يتردد بين المدح والذم: ولا يتمحض لاحدهما، وهو خلاف في امور فرعية تتردد احكامها بين احتمالات متعددة يترجح بعضها على بعضها الآخر بمرجحات وأسباب سنأتي على ذكرها ان شاء الله ومن أمثلة هذا التقسيم: اختلاف العلماء في انتقاض الوضوء من الدم الخارج من الجرح، والقيء المتعمد، واختلافهم في حكم القراءة خلف الامام وقراءة البسملة قبل الفاتحة والجهر بـ «آمين» وغير ذلك من امثلة تضيق عن الحصر وهذا النوع من الاختلاف مزلة الاقدام، اذ يمكن فيه ان يلتبس الهوى بالتقوى، والعلم بالظن والراجح بالمرجوح والمردود بالمقبول ولا سبيل الى تحاشي الوقوع في تلك المزالق الا بأتباع قواعد يحتكم اليها في الاختلاف، وضوابط تنظمه ، وآداب تهيمن عليه، والا تحول الى شقاق وتنازع وفشل، وهبط المختلفان فيه عن مقام التقوى الى درك الهوى، وسادت الفوضى، وذر الشيطان قرن.

(1/7)


رأي العلماء في الاختلاف:
ومع ما تقدم فان العلماء قد حذروا من الاختلاف بكل انواعه وأكدوا على وجوب اجتنابه.
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «الخلاف شر»(6) وقال السبكي رحمه الله: «... ان الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، قال تعالى (... ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ....)«البقرة 253» وكذا السنة: قال عليه الصلاة والسلام: «انما هلكت بنو اسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»(7)، والآيات والاحاديث في ذلك كثيرة، هذا وقد أدرج السبكي رحمه الله تحت النوع الثالث من الاختلاف (الذي يتردد بين المدح والذم) اقساما ثلاثة، فقال: «... والاختلاف على ثلاثة اقسام، احدها في الاصول، وهو المشار اليه في القرآن، ولاش: انه بدعة وضلال. والثاني في الآراء والحروب هو حرام ايضا لما فيه من تضييع المصالح، والثالث في الفروع، كالاختلاف في الحل والحرمة ونحوهما»(8).
والذي قطع به أن الاتفاق فيه أي : في الثالث خير من الاختلاف.
كما نبه رحمه الله الى كلام ابن حزم في ذم الاختلاف في ذلك ايضا اذ لم يجعل ابن حزم رحمه الله شيئا من الاختلاف رحمة، بل اعتبره كله عذابا.
ويكفي لمعرفة اضرار الاختلاف وخطورته أن نبي الله هارون عليه السلام عد الاختلاف اكبر خطرا، واشد ضررا من عبادة الاوثان. فحين صنع السامري لقومه عجلا من الذهب وقال لهم: (هذا الهكم واله موسى)(طه: 88) التزم جانب الصمت وبقي ينتظر أخاه موسى عليه السلام، ولما وصل موسى ورأى القوم عاكفين على العجل وجه أشد اللوم الى اخيه، فما كان عذر أخيه الا أن قال: (يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي اني خشيت ان تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قوله ...)«طه 94» فجعل من خوف الفرقة والاختلاف بين قومه عذرا له في عدم التشديد في الانكار، ومقاومة القوم والانفصال عنهم حين لا ينفع الانكار!!

(1/8)


الفصل الثاني: تاريخ الاختلاف وتطوره

اختلاف الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمكن ان يؤدي الى الاختلاف بالمعنى الذي ذكرناه ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجع الجميع باتفاق ومردهم في كل أمر يحزبهم، ومفزعهم في كل شأن، وهاديهم من كل حيرة، فاذا اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في شيء ردوه اليه عليه الصلاة والسلام فبين لهم وجه الحق فيه، وأوضح لهم سبيل الهداية، وأما الذين ينزل بهم من الأمور مالا يستطيعون رده الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعدهم عن المدينة المنورة، فكان يقع بينهم الاختلاف كاختلاف في تفسير ما يعرفونه من كتاب الله، او سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتطبيقه على ما نابهم من احداث وقدا لا يجدون في ذلك نصا فتختلف اجتهاداتهم ... هؤلاء اذا عادوا الى المدينة، والتقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه ما فهموه من النصوص التي بين أيديهم او ما اجتهدوا فيه من القضايا فإما ان يقرهم على ذلك فيصبح جزءا من سنته صلى الله عليه وسلم وإما أن يبين لهم وجه الحق والصواب فيطمئنون لحكمه صلى الله عليه وسلم ويأخذون به ويرتفع الخلاف، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ ما أخرجه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الاحزاب: «لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها، أي : ديار بني قريظة.
وقال بعظهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم»(9) وظاهر من هذا الحديث الشريف ان الصحابة رضوان الله عليهم انقسموا الى فريقين في موقفهم من أداء صلاة العصر: فريق أخذ بظاهر اللفظ (كما يقول المناطقة) أوم بما يسميه أصوليو الحنفية بـ «عبارة النص». وفريق استنبط من النص معنى خصصه به.
وتصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم للفريقين دليل على مشروعية كل من المذهبين.
فالمسلم اذن، له أن يأخذ بظاهر النص وله ان يستنبط من المعاني ما يحتمله النص وبمكن التدليل عليه ولا لوم على من بذل جهده وكان مؤهلا لهذا النوع من الجهد. فالفريق الثاني من الصحابة رضوان الله عليهم فهموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما اراد أن يأمرهم بالمبالغة في الاسراع ولذلك اعتبروا أن اداءهم الصلاة قبل الوصول الى بني قريظة لا ينافي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة في بني قريظة ما دامت الصلاة لن تؤخرهم عن الوصول. ومن الطريف أن ابن القيم رحمه الله أورد اختلاف الفقهاء في تصويب أي من الفريقين، وبيان الافضل من فعل كل منهما، فمن قائل: ان الافضل فعل من صلى في الطريق فحاز قصب السبق في أداء الصلاة في وقتها وتلبية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قائل : ان الافضل فعل من أخرها ليليها في بني قريظة ...(10).
قلت: وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف واحدا منهما فكان على الفقهاء رحمهم الله ان يسعهم ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يخوضوا في أمر قد تولى، عليه الصلاة والسلام، حسمه والانتهاء منه.
ب ومن امثلته كذلك ما أخرجه ابو داود والحاكم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزة ذات السلاسل(11) فأشفقت ان اغتسلت ان أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنفي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» فأخبرته بالذي (ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما) «النساء 29» فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا»(12).

التأويل وأنواعه:
لسنا بصدد ذكر كل ما اختلف فيه الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده بين آخذ بظاهر النص، وبين متدبر ومقلب له على مختلف وجوهه، ومستنبط لشتى المعاني منه، فذلك امر يطول وتقصر دونه المجلدات فضلا عن هذا البحث ذلك لانهم رضوان الله عليهم قد فهموا من تلك الوقائع أن هذا الدين يسر، وأن الشرع متسع للطريقتين ومقر للمنهجين ...
والمجتهدون الحذقة، والفقهاء المهرة هم الذين يجتهدون في بيان ما يحقق كليات الشريعة، ويوصل الى مقاصدها، فأحيانا يكون ذلك بالاخذ بظاهر اللفظ وأحيانا يكون بالاخذ بما وراء ظاهر اللفظ وهو ما يعرف بالتأويل ولعل من المفيد أن نلقي الضوء على هذا الموضوع مستعرضين بايجاز انواع التأويل وضوابطه ..
يأتي التأويل من الاخذ بما وراء ظاهر اللفظ ويكون عبارة عن :

1 -تأويل قريب:
وهو ما يمكن معرفته بأدنى تأمل مع احتمال اللفظ له مثل : اعتبار التصدق بمال اليتيم، او التبرع به لغيره، او اتلافه مساويا لأكله، او ما أولى بالتحريم الذي دل عليه قوله تعالى:
(ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا ...)«النساء 10».

(1/9)


ومنه: اعتبار التبول في اناء ثم صب البول في الماء الراكد مساويا للتبول المباشر فيه الذي ورد النهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه»(13)، باعتبار أن كلا العملين مؤد لتلوث الماء واثارة الوسوسة.

2 -تأويل بعيد:
وهو ما يحتاج لمعرفته والوصول اليه مزيد من التأمل مع كون اللفظ يحتمله وذلك كاستنباط ابن عباس رضي الله عنهما، أن اقل الحمل ستة اشهر من قوله تعالى:
(وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) «الاحقاف: 15» مع قوله تعالى: (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة)«البقرة 233».
وكاستدلال الامام الشافعي على كون الاجماع حجة بقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)«النساء 115».
وكذلك استدلال الاصوليين بقوله تعالى:
(فاعتبروا يا أولي الابصار)«الحشر 20».. على حجية القياس، وكونه دليلا شرعيا. فهذه استنتاجات وان بدت يسيرة يتعذر الوصول اليها ما لم يكن الانسان جوال الفكر ثاقب النظر كما تحتاج الى تأمل وتدبر لا يتيسران لعامة الناس.

3 -تأويل مستبعد:
وهو ما لا يحتمله اللفظ وليس لدى المؤول على تأويله أي نوع من انواع الدلالة وذلك نحو تفسير بعضهم قول الله تعالى:
(وعلامات وبالنجم هم يهتدون) «النحل 16» بأن النجم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلامات هم الائمة . وكتفسير بعضهم قوله تعالى: (وما تغني الآيات عن قوم لا يؤمنون) «يونس 101» بأن الآيات هم الائمة والنذر هم الانبياء.
وكتفسير آخرين قوله تعالى:
(عم يتساءلون عن النبأ العظيم) «النبأ 1 2» بالامام علي رضي الله عنه، وأنه هو النبأ العظيم.(14).

ضوابط التأويل:
ويتبين مما ذكرنا أن التأويل يحتاج بالاضافة الى القدرة على التدبر والتأمل الى ما يدل عليه ويلجئ اليه، والا فان الاخذ بالظواهر أسلم، ولا يطرق باب التأويل الا في الامور الاجتهادية، وأما في المسائل الاعتقادية فلا مجال للاجتهاد فيها، فان الاخذ بظواهر النصوص مع تفويض المعاني المرادة منها، وما قد تدل عليه من كيفيات هو الاسلام دائما وهو موقف السلف رضوان الله عليهم.
وعند الاضطرار الى التأويل لا بد من فهم النص وتحليله، ومعرفة سائر أوجه دلالته التي تشهد لها اللغة، وتدعمها مقاصد الشريعة، وتساعد عليها كلياتها وقواعدها العامة، ولذلك كان الحكم باعتبار النص على ظاهره او تحليله لمعرفة ما يستلزمه من وجوه الدلالات من أهم ضروب الاجتهاد الفقهي والاعتبار الشرعي المأمور به في قوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الابصار) «الحشر 20».
ان ابن عباس رضي الله عنهما عند بيانه ضوابط التفسير قد ذكر أنه على أربعة أوجه:
فوجه تعرفه العرب بكلامه.
ووجه لا يعذر أحد بجهالته.
ووجه يعلمه العلماء.
ووجه لا يعلمه الا الله.
وعلى ذلك فان التأويل وقد اتضح فيما تقدم معناه وأنواعه قد ظهرت الصلة الوثقى بينه وبين التفسير فقد جاء كل منهما في موضع الآخر في كثير من استعمالات الشارع الحكيم، وذلك في نحو قوله تعالى:
(وما يعلم تأويله الا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به)«ال عمران 7».
فقد ذهب معظم المفسرين الى أن المراد بالتأويل هنا التفسير والبيان ومنهم: الطبري الذي نقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف.
كذلك ورد في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «الله فقهه في الدين، وعلمه التأويل» استعمل التأويل بمعنى التفسير والبيان، وان كان بعض العلماء، كالراغب الاصفهاني في مفرداته قد اعتبر التفسير أعم من التأويل، كما أنه نبه الى أن التفسير اكثر ما يستعمل في بيان الالفاظ وشرحها، وأن التأويل يكثر استعماله في بيان المعاني والجمل.
كما أشار كذلك الى أن التأويل يغلب اطلاقه على استنباط المعاني من نصوص الكتاب والسنة أما التفسير فيتناول استنباط المعاني منها ومن غيرها.
ولعل هذه الصلة الوثقى بين الاصطلاحين في استعمال الكتاب والسنة لهما خاصة تبيح لنا استعارة الضوابط التي وضعها أهل الاختصاص للتفسير كضوابط للتأويل كذلك.
ان مما لاشك فيه أنه قد وردت في كتاب الله أمور قد استأثر الله تعالى بعلمها، كمعرفة حقائق الاسماء والصفات، وتفاصيل الغيب ونحو ذلك ... كما أن هناك أمورا اخرى اطلع عليها نبيه صلى الله عليه وسلم واختصه بمعرفتها ... ولاشك أن مثل هذه الامور ليس لأحد أن يخوض فيها بتفسير او تأويل .. بل عليه ان يلزم حدود ما ورد فيها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وهناك قسم ثالث : وهو عبارة عن العلوم التي علمها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مما اودع في كتابه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتعليمها وبيانها . وهذا القسم يشتمل على نوعين:
الاول : وهو ما لا يجوز الخوض فيه الا بطريق السمع، كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيره.

(1/10)


الثاني: ما يؤخذ بطريق النظر والاستدلال، وهذا ايضا لأهل الاختصاص فيه موقفان:
أ - فقسم منه اختلفوا في جواز تأويله، كآيات الاسماء والصفات. ومذهب السلف: منع التأويل وهو الصحيح.
ب - وقسم اتفقوا على جوازه، وهو استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وهو المسمى بـ «الفقه».
هذا وقد وضع العلماء للتأويل والتفسير شروطا منها:
أولا: الا يرفع التأويل ظاهر المعنى المفهوم من اللفظ حسب القواعد اللغوية، وأعراف العرب في التخاطب بهذه الالفاظ.
ثانيا: الا يناقض نصا قرآنيا.
ثالثا: الا يخالف قاعدة شرعية مجمعا عليها بين العلماء والائمة.
رابعا: وجوب مراعاة الغرض الذي سبق النص له من خلال سبب النزول او الورود.
أما انواع التأويل الباطلة والمردودة، فيمكن ادراجها ضمن الاقسام التالية:
الاول: التأويل والتفسير الصادران عن غير المؤهل لذلك ممن ليس لديه تحصيل علمي كاف في اللغة والنحو وبقية لوازم التأويل.
الثاني: تأويل المتشابهات بدون سند صحيح.
الثالث: التأويلات التي من شأنها ان تقرر مذاهب فاسدة مخالفة لظواهر الكتاب والسنة، او لما اجمع عليه المسلمون.
الرابع: التأويل مع القطع بأن مراد الشارع ذلك ، دون دليل.
الخامس: التأويل القائم على الهوى، كتأويلات الباطنية وامثالهم.
وهذه التأويلات المردودة كلها تندرج تحت ما سبق أن ذكرناه من التأويل المستبعد.

أهل الاجتهاد من الصحابة:
ونظرا لاهمية الاجتهاد وخطورته، وما يترتب عليه من آثار لم يكن يمارسه من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الا الاكفاء القادرون.
وحين يمارسه غيرهم فيخطئ كان عليه الصلاة والسلام ينكر ذلك ولا يقر أحدا عليه.
اخرج ابو داود والدارقطني من حديث جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر في رأسه، ثم احتلم فسأل اصحابه : هل تجدون رخصة لي في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات. فلما قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبر بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوه اذا لم يعلموا فانما شفاء العي السؤال، انما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر او يعصب شك من راوي الحديث على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده ...»(15) فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يعذر المفتين هنا من اصحابه بل عنفهم وعاب عليهم أنهم افتوا بغير علم واعتبرهم بمثابة القتلة لأخيهم، واوضح ان الجواب علي من كان مثلهم في «العي» أي الجهل والتحير السؤال لا المسارعة الى الفتوى ولو بغير علم والذي نبه اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حول ضرورة السؤال هو ما ورد في القرآن العظيم نفسه في قوله تعالى:
(فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) «النحل 43».
واخرج الامام احمد والشيخان وأبو داود والنسائي والطبراني عن اسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا قلا : لا إلا اله الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أقال لا إلا اله الله وقتلته؟!» قلت يا رسول انما قالها خوفا من السلاح. قال «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إلا اله الله يوم القيامة؟» فمازال يكررها حتى تمنيت ان لم أكن اسلمت قبل ذلك اليوم.(16)
ففي الحديث الاول انكر رسول الله « ص» على الصحابة أخذهم بعموم الادلة الدالة على وجوب استعمال الماء لواجده بغض النظر عن حالته فهم لم ينتبهوا الى قوله تعالى:
(وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)«المائدة60» ولم يسألوا وهم ليسوا من أهل النظر.
واما حديث اسامة فيفهم منه كأنه رضي الله عنه تأول قول الله تعالى:
(... فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا ...) «غافر 85».
واعتبر الآية نافية للنفع في الدنيا والآخر وأنها عامة في الحالين وليست خاصة بالآخر، كما هو ظاهر من الآية الكريمة، ولعل ذلك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعنفه.
تلك بعض فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم التي لم يقرهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم (17).
لقد كان الناس يستفتونه ، عليه الصلاة والسلام، في الوقائع فيفتيهم، وترفع اليه القضايا فيقضي فيها(18) ويرى الفعل الحسن فيستحسنه ويثني على فاعله ويرى الفعل المغاير فينكره، ويتعلم منه اصحابه رضوان الله عليهم ذلك، ويرويه بعضهم لبعضهم الآخر فيشيع بين الآخرين، وقد يختلفون فيتحاورون فيما اختلفوا فيه بدافع الحرص، دون أن يجاوزا ذلك الى التنازع والشقاق، وتراشق الاتهامات وتبادل الطعون لأنهم بالرجوع الى كتاب الله تعالى، والى رسوله صلى الله عليه وسلم يحسمون أي خلاف دون ان تبقى اية رواسب يمكن ان تلقي ظلالها على اخوتهم.

(1/11)


تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من الاختلاف:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أن بقاء هذه المة رهين بتآلف القلوب التي التقت على الحب في الله، وان حتفها في تناحر قلوبها لذلك كان عليه الصلاة والسلام يحذر من أن يذر الخلاف قرنه فيقول: «الا تختلفوا فتختلف قلوبكم»(19). وكان كرام الصحابة رضوان الله عليهم يرون أن الخلاف لا يأتي بخير كما في قول ابن مسعود رضي الله عنه: «الخلاف شر».
لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتث بذرة الخلاف قبل ان تتنامى ... عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : هجرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم »يوما فسمع اصوات رجلين اختلفا في آية فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال : «انما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب»(20).
وعن النزال بن سبرة قال: سمعت عبدالله بن مسعود قال سمعت رجلا قرأ آية سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «كلاهما محسن» قال شعبة: أظنه قال : لا تختلفوا فان من قبلكم اختلفوا فهلكوا»(21).
فهنا يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة ومن يأتي بعدهم عواقب الاختلاف ويحذرهم منه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة رضوان الله عليهم أدبا هاما من آداب الاختلاف في قراءة القرآن خاصة، فيقول في الحديث الصحيح: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فاذا اختلفتم فيه فقوموا»(22).
فيندبهم عليه الصلاة والسلام للقيام عن القرآن العظيم اذا اختلفوا في بعض احرف القراءة او في المعاني المرادة من الآيات الكريمة حتى تهدأ النفوس والقلوب والخواطر، وتنتفي دواعي الحدة في الجدال المؤدية الى المنازعة والشقاق، اما اذا ائتلفت القلوب وسيطرت الرغبة المخلصة في الفهم فعليهم ان يواصلوا القراءة والتدبر والتفكير في آيات الكتاب. ونرى كذلك أن القرآن الكريم كان احيانا يتولى التنبيه على «ادب الاختلاف» حين يقع بين الصحابة رضوان الله عليهم، فعن عبدالله بن الزبير قال: «كاد الخيران ان يهلكا اب وبكر وعمر رضي الله عنهما .. رفعا اصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار احدهما بالاقرع بن حابس، وأشار الآخر بالقعقاع بن معبد بن زرارة ، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت الا خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت اصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي ... الآية) قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول اله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه»(23).

معالم ادب الاختلاف في عصر النبوة:
نستطيع على ضوء ما سبق ان نلخص معالم «ادب الاختلاف» في هذا العصر بما يلي:
1 كان الصحابة رضوان الله عليهم يحاولون الا يختلفوا ما أمكن فلم يكونوا يكثرون من المسائل والتفريعات(24) بل يعالجون ما يقع من النوازل في ظلال هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ومعالجة الامر الواقع عادة لا تتتيح فرصة كبيرة للجدل فضلا عن التنازع والشقاق.
2 اذا وقع الاختلاف رغم محاولات تحاشيه سارعوا في رد الامر المختلف فيه الى كتاب الله والى رسوله صلى الله عليه وسلم وسرعان ما يرتفع الخلاف.
3 سرعة خضوعهم والتزامهم بحكم الله ورسوله وتسليمهم التام الكامل به.
4 تصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمختلفين في كثير من الامور التي تحتمل التأويل، ولدى كل منهم شعور بأن ما ذهب البيه اخوه يحتمل الصواب كالذي يراه لنفسه، وهذا الشعور كفيل بالحفاظ على احترام كل من المختلفين لأخيه، والبعد عن التعصب للرأي.
5 الالتزام بالتقوى وتجنب الهوى، وذلك من شأنه ان يجعل الحقيقة وحدها هدف المختلفين حيث لا يهم أي منهما ان تظهر الحقيقة على لسان او على لسان اخيه.
6 التزامهم بآداب الاسلام من انتقاء اطايب الكلم وتجنب الالفاظ الجارحة بين المختلفين مع حسن استماع كل منهما للآخر،
7 تنزههم عن المماراة ما أمكن وبذلهم اقصى انواع الجهد في موضوع البحث مما يعطي لرأي كل من المختلفين صفة الجد والاحترام من الطرف الآخر ويدفع المخالف لقلوبه او محاولة تقديم الرأي الافضل منن.
تلك هي ابرز معالم «ادب الاختلاف» التي يمكن ايرادها .. استخلصناها من وقائع الاختلاف التي ظهرت في عصر الرسالة.

الاختلاف في عصر الصحابة وآدابه:
حاول بعض الكتاب على الساحة الاسلامية ان يصوروا جيل الصحابة رضوان الله عليهم بصورة جعلت العامة ترى ان ذلك الجيل ليس متميزا فحسب بل هو جيل يستحيل تكراره وفي هذا من الاساءة للاسلام ما لا يقل عن اساءة اولئك الضالين الذين يزعمون ان استئناف الحياة الاسلامية في ظل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعد عصر الصحابة ضرب من المستحيل يجب الا تتسامى نحوهن الاعناق وبذلك يطفئون جذوة الامل في نفوس لا تزال تتطلع الى الحياة في ظل الشريعة السمحاء.

(1/12)


ان الصحابة رضوان الله عليهم امة صنعها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانينا ولايزالان قادرين على صنع امة ربانية في أي زمان وفي أي مكان اذا اتخذا منهجا وسبيلا وتعامل الناس معهما كما كان الصحابة يتعاملون، سيظلان كذلك الى يوم القيامة، وادعاء استحالة تكرار الرعيل الاول انما هو بمثابة نسبة العجز الى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك محاولة لاثبات أن اثرهما الفعال في حياة الناس كان تبعا لظروف معينة، وأن زماننا هذا قد تجاوزهما بما ابتدع لنفسه من انظمة حياة وتلك مقولة تنتهي بصاحبها الى الكفر الصراح.
ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا في امور كثيرة واذا كان هذا الاختلاف وقع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وان كان عمره لا يمتد الى اكثر من لقائه عليه الصلاة والسلام، فكيف لا يختلفون بعده؟ انهم قد اختلفوا فعلا ولكن كان لاختلافهم اسباب وكانت له آداب وكان مما اختلفوا فيه من الامور الخطيرة:

اختلافهم في وفاته عليه الصلاة والسلام:
فقد كان اول اختلاف بينهم بعد وفاته عليه الصلاة والسلام حول حقيقة وفاته صلى الله عليه وسلم فان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه اصر على ان رسول الله لم يمت واعتبر القول بوفاته ارجافا من المنافقين توعدهم عليه حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه وقرأ على الناس قوله تعالى:
(وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشاكرين) «آل عمران 144» وقوله تعالى:
(انك ميت وانهم ميتون) «الزمر 30». فسقط السيف من يد عمر وخر الى الارض واستيقن فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، وقال عن الآيات التي تلاها أبو بكر «كأني ، والله ، لم أكن قرأتها قط»(25).
ويروي ابن عباس رضي الله عنهما عن سيدنا عمر رضي الله عنه انه قال في خلافته:
«ا يا ابن عباس هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين انت اعلم. قال : فانه والله ان كان الذي حملني على ذلك الا اني كنت اقرأ هذه الآية: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) «البقرة 143». فوالله ان كنت لاظن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى في امته حتى يشهد عليها بآخر اعمالها، فانه الذي حملني على ان قلت ما قلت»(26) فكأنه رضي الله عنه قد اجتهد في معنى الآيات الكريمة، وفهم ان المراد منها: الشهادة في الدنيا، وذلك يقتضي بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الى آخر ايامها.

2 اختلافهم في دفنه عليه الصلاة والسلام:
ثم اختلفوا في المكان الذي ينبغي ان يدفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائلا: «ندفنه في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع اصحابه. فقال أبو بكر رضي الله عنه: اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما قبض نبي الا دفن حيث يقبض» فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه، فحفر له تحته»(27).
فهذان امران خطيران زال الخلاف فيهما بمجرد الرجوع الى الكتاب والسنة.

3 اختلافهم في خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فقد اختلفوا فيمن تكون الخلافة فيهم، أفي المهاجرين ام في الانصار؟ أتكون لواحد ام لأكثر؟ كما وقع الاختلاف حول الصلاحيات التي ستكون للخليفة، أهي الصلاحيات نفسها التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته حاكما واماما للمسلمين أم تنقص عنها وتختلف؟!

(1/13)


يقول ابن اسحاق: «ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من الانصار الى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة واعتزل علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين الى أبي بكر وانحاز معهم اسيد بن حضير في بني عبدالاشهل»(28) واوشكت فتنة كبرى ان تقع ولو وقعت لما كان ذلك بالامر المستغرب كثيرا فالفراغ الذي تتركه شخصية عظمى من رسول الله صلى الله عليه وسلم في امة كان لها النبي والقائد لا يمكن ان يملأ بسهولة ولاسيما ان فيهم رجالا، مثل : عمر كان قد وقر في أذهانهم استحالة موته صلى الله عليه وسلم في تلك الظروف فكل فرد في الامة كان يحبه عليه الصلاة والسلام اكثر مما يحب نفسه التي بين جنبيه وهم الذين كانوا يبتدرون قطرات وضوئه عليه الصلاة والسلام قبل ان تسقط على الارض فلا تكاد تسقط الا في يد احدهم وما من امة على الارض احبت نبيها وقائدها محبة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان كان احدهم لا يستطيع ان يملأ عينيه من النظر اليه من حبهم له وهيبته التي ملأت قلوبهم وجوانحهم رغم تواضعه الشديد وان وقع الصدمة بوفاته عليه الصلاة والسلام كان حريا بأن يفقد الكثيرين منهم صوابهم بل وقد فعل ولا غرو في ذلك فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم اليد الحانية التي حملت اليهم عز الدنيا وسعادة الآخرة. ومع ذلك فقد تعالوا على مض الحزن وألم الفراق، وتلوا قوله الله تعالى :( ومامحمد الا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)«آل عمران 144» ثم توجهوا لاحتواء الامر وحفظ الرسالة الخالدة، والحيلولة دون أسباب الفتنة.
صحيح أن هناك زعامة واقعية كانت لأبي بكر لم لعمر رضي الله عنهما، ولم يكن من المسلمين من تنقطع الاعناق اليه مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأبو بكر كان وزير الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه ورفيق هجرته ووالد زوجته الاثيرة لديه وهو الذي لم يكن يفارقه في أي امر مهم. وعمر رضي الله عنه هو من هو؟ فقد كان في اسلامه عزة للمسلمين وفي هجرته ارغام لانوف المشركين وفي رأيه تأييد من رب العالمين … وكثيرا ما ورد «… جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ابو بكر وعمر» و«ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر» و«غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر» … وهذا كله قد يخفف من الكارثة التي زلزلت الاقدام والقلوب بيد أن الاحساس بالفراغ في مثل هذه المواقف قد يتجاوز الفضائل والمناقب، ويؤدي الى ارتباك ليس من السهل احتواؤه والسيطرة عليه وهنا فان الرجال الذين تربوا في ظلال النبوة قد حكمتهم آدابها في سائر الاحوال … حال الاتفاق وحال الاختلاف .. وفي كل شأن من شؤون الحياة هذه الداب كانت كفيلة بدء سائر الاخطار المحتملة، والحفاظ على الرسالة، وحماية وحدة الامة وتسيير الامور بشكل مماثل لما كانت تسير عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرواة « أتى آت الى أبي بكر وعمر فقال : ان هذا الحي من الانصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا اليه فان كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل ان يتفاقم امرهم».
جاء هذا الخبر الى الشيخين ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهز ولم يدفن بعد قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا الى اخواننا هؤلاء من الانصار حتى ننظر ما هم عليه. ولندع سيدنا عمر يروي بقية ما حدث، حيث قال : ... ان الانصار خالفونا واجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة فاطلقنا نؤمهم، حتى لقينا منهم رجلان صالحها فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم وقال : أين تريدون يا معشر المهاجرين. قلنا : نريد اخواننا هؤلاء من الانصار قالا: فلا عليكم الا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا امركم. قال : قلت : والله لنأتينهم فانطلقنا حتى اتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فاذا بين ظهرانينا رجل مزمل فقلت: من هذا الرجل ؟ فقالوا : سعد بن عبادة، فقلت ماله؟ فقالوا: وجع فلما جلسنا نشهد خطيبهم ... ثم ذكر مآثر الانصار وفضائلهم، وما يدل على أنهم أولى بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرهم.
وهنا لابد من وقفة فالانصار اهل البل وهم فيها الغالبية المطلقة كما يقال اليوم وهم الذين آووا ونصروا وتبوؤوا الدار والايمان وفتحوا للاسلام قلوبهم قبل بيوتهم وليس هناك مهاجر واحد الا ولأخ له من الانصار عليه فضل كبير ولو كان في أمر الخلافة نص قاطع من كتاب الله او سنة رسوله عليه الصلاة والسلام لانتهى الامر بذكره والاحتكام اليه وارتفع الخلاف ولكن ليس هناك شيء من ذلك فلم يبق الا التحلي بكل خصال الحكمة والحنكة، وأدب الاختلاف والحوار العقلاني الهادئ القائم على إثارة أنبل المشاعر وافضلها لدى كل من الطرفين، لتجاوز العقبة، واحتواء الأزمة، والخروج منها، وذلك ما كان يقول سيدنا عمر.

(1/14)


ولما سكت أي خطب الأنصار أردت أن أتكلم وقد زورت (هيأت وحسنت) في نفسي مقالة أعجبتني. فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر؛ فكرهت أن أغضبه، وهو كان أعلم مني وأوقر فوالله ما ترك كلمة أعجبتني من تزويري الا قالها في بديهته، أو مثلها أو أفضل حتى سكت، ومما قال رضي الله عنه: «أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم به أهل» واشاد بهم وبما قدموا لدينهم ولإخوانهم المهاجرين، وذكر من فضائلهم ومآثرهم مالم يذكره خطباؤهم، ثم بدأ في إخراج الأمر من الاطار الذي وضعه خطيب الأنصار فيه، فالأمر ليس قاصرا على المدين وحدها فالجزيرة العربية اليوم كلها تستظل بظل الإسلام، وإذا كان المجاهرون القاطنون في المدينة يمكن أن يسلموا لإخوانهم الأنصار بالخلاف، ويعرفوا لهم فضلهم، فإن بقية العرب لن تسلم لغير قريش، وما لم تتوحد الكلمة فلن يكتب لرسالة الإسلام تجاوز الحدود والانتشار خارج الجزيرة، إذن فمصلحة الدعوة تقتضي أن يكون الخليفة من قريش لتستمر الرسالة، وتتحد الكلمة، وتجتمع القلوب، ويستمر المد الإسلامي، ثم خيرهم بين أحد قرشيين لا يماري أحد في فضل أي منهما: عمر وأبي عبيدة، ونزع نفسه من الأمر.
يقول سيدنا عمر: «ولم أكره شيئا مما قاله غيرها أي: غير ترشيحه لعمر وأبي عبيدة وكان والله ان أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر...».
ثم قام من الأنصار خطيب آخر يريد ان يرجع الأمر إلى الإطار الأول الذي وضعه خطيبهم الأول فيه.. فقال: «... منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش» قال عمر: «فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف»(29) فقلت: «ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار»(30) وقد كاد سعد بن عبادة مرشح الأنصار رضي الله عنه أن يقتل في الزحام «فقد تدافع الناس لمبايعة أبي بكر حتى كادوا يقتلون سعدا دون أن ينتبهوا له»(31).
وهكذا استطاع الصحابة رضوان الله عليهم حسم هذا الخلاف دون أن تبقى في النفوس رواب الإحن، وتوحدت كلمة المسلمين للمضي برسالة الحق الى حيث شاء الله لها أن تنتشر.

4 اختلافهم حول قتال مانعي الزكاة:
كان هذا الأمر رابع الأمور الخطيرة التي اختلف فيها الصحابة، واستطاعوا التغلب عليها بما تحلوا به من صدق النية الى جانب أدب الاختلاف؛ فبعد أن بويع أبو بكر رضي الله عنه بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت بعض القبائل حديثة العهد بالإسلام عنه، وتابع بعض من كان ادعى النبوة، مثل: مسيلمة الكذاب وغيره، كما امتنعت بعض القبائل عن اداء الصلاة والزكاة، وامتنعت بعض القبائل عن اداء الزكاة فقط، وكان سبب امتناع بعضهم عن أداء الزكاة أنفة واستكبارا أن يدفعوا لأبي بكر رضي الله عنه، وسول الشيطان لبعضهم بتأويل فاسد، حيث زعموا أنها، في أصل الشريعة، لا تدفع لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه هو المخاطب بأخذها، ومجازاتها عليها بالتطهير والتزكية، والدعاء لهم في قول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)(التوبة: 103) ونسي المانعون للزكاة أو تناسوا أن هذا الخطاب لم يكن مقصورا على الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل يتناول من يلي الأمر بعده عليه الصلاة والسلام لأنه خطاب له صلى الله عليه وسلم بصفته حاكما وإماما للمسلمين؛ فإن أخذ الزكاة من أهلها وتسليمها لمستحقيها من الأمور الداخلة ضمن تنظيم المجتمع وإدارته كإقامة الحدود ونحوها، تنتقل مسؤوليتها الى القائمين بأمر المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نيابة عن الأمر.
كما أن كل مسلم كان يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبايعه على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، مما لا يترك مسوغا للتفريق بينهما، وحرصا من الخليفة الأول على استمرار مسيرة الإسلام يقرر ابو وبكر الصديق رضي الله عنه قتلاهم لحملهم على التوبة وأداء الزكاة، والعودة إلى حظيرة الإسلام، والالتزام بكل ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (32)، وإزاء الموقف الذي اتخذه الخليفة الأول يقع الخلاف بينه وبين عمر رضي الله عنهما الذي تراءى له للوهلة الأولى عدم جواز مقاتلة مانعي الزكاة. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: فكيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله تعالى»؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه للقتال فعرفت أنه الحق»(33).

(1/15)


وقال ابن يزيد: «افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما وقرأ: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) (التوبة: 11). وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: رحم الله أبا بكر ما كان افقهه يريد بذلك إصراره على مقاتلة من فرق بين الصلاة والزكاة »(34). وكان سبب الخلاف بين ابي بكر وعمر رضي الله عنهما أن سيدنا عمر ومن معه تمسكوا بظاهر لفظ الحديث، واعتبروا مجرد دخول الإنسان الإسلام بإعلان الشهادتين عاصما لدمه وماله ومحرما لقتاله. أما الصديق رضي الله عنه فقد تمسك بقوله صلى الله عليه وسلم «إلا بحقها» واعتبر الزكاة حق المال الذي تفقد بالامتناع عن أدائه عصمة النفس والمال، كما فهم من اقتران الصلاة والزكاة في معظم آي الكتاب، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنهما مثلان لا فرق بينهما.
وما داموا متفقين على أن الامتناع عن الصلاة دليل ارتداد واتباع لمدعي النبوة، فإن الامتناع عن الزكاة ينبغي أن يعتبر كدليل ارتداد يقاتل مرتكبه، وبذلك استطاع الصديق رضي الله عنه أن يقنع بقية الصاحبة بصواب اجتهاده في وجوب قتال مانعي الزكاة(35). واعتبارهم مرتدين ما لم يتوبوا، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة... وبذلك ارتفع الخلاف في هذه المسألة الشائكة، واتفقت الكلمة على قتال مانعي الزكاة، كما اتفقت على قتال المرتدين ردة كاملة، وحفظ الإسلام من محاولات العبث والإتيان عليه ركنا ركنا بعد أن أخفقوا في الإتيان عليه كاملا، ولولا هذا الموقف من الصديق ثم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قامت للإسلام قائم ولا نحصر في المدينة ومكة وأرز إليهما، وسادت الردة والفتنة سائر أرجاء الجزيرة(36).

5 اختلافهم في بعض المسائل الفقهية:
إذا تركنا الأمور الخطيرة التي احتويت، وبحثنا في غيرها نجد ما لا ينقضي منه العجب في أدب الاختلاف وتوقير العلماء بعضهم بعضها، فمما اختلف فيه الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما غير ما ذكرنا.. سبي أهل الردة، فقد كان أبو بكر يرى سبي نساء المرتدين على عكس ما يراه عمر الذي نقض في خلافته حكم ابي بكر في هذه المسألة، وردهن إلى أهليهن حرائر إلا من ولدت لسيدها منهن، ومن جملتهن كانت خولة بنت جعفر الحنفية أم محمد بن علي رضي الله عنهما.
كما اختلفا في قسمة الاراضي المفتوحة: فكان ابو بكر يرى قسمتها وكان عمر يرى وقفها ولم يقسمها.
وكذلك اختلفا في المفاضلة في العطاء ، فكان ابو بكر يرى التسوية في الأعطيات حين كان يرى عمر المفاضلة وقد فاضل بين المسلمين في أعطياتهم.
وعمر لم يستخلف على حين استخلفه أبو بكر، كما كان بينهما اختلاف في كثير من مسائل الفقه(37)، ولكن الخلاف ما زاد كلا منهما في أخيه إلا حبا، فأبو بكر حين استخلف عمر قال له بعض المسلمين: «ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى من غلظته؟ قال: أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك»(38).
وحين قال أحدهم لعمر رضي الله عنه: «أنت خير من أبي بكر. أجهش بالبكاء وقال: والله لليلة من ابي بكر خير من عمر وآل عمر»(39).
تلك نماذج من الاختلافات بين الشيخين، اختلفت الآراء وما اختلفت القلوب، لأن نياطها شدت باسباب السماء فما عاد لتراب الأرض عليها من سلطان.

بين عمر وعلي:
وقد كان بين عمر وعلي رضي الله عنهما بعض الاختلافات، ولكن في نطاق أدب رفيع. فقد أرسل عمر رضي الله عنه مرة إلى امرأة مغيبة (زوجها غائب) كان يدخل عليها فأنكر ذلك، فارسل اليها، فقيل لها أجيبي عمر. فقالت: يا ويلاه ما لها ولعمر؟ فبينما هي في الطريق (إليه) فزعت فضربها الطلق، فدخلت دارا فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحتين ثم مات. فاستشار عمر صحب النبي صلى الله عليه وسلم فاشار عليه بعضهم: أنه ليس عليك شيء، إنما أنت وال مؤدب، وصمت علي رضي الله عنه، فاقبل عليه عمر وقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحونا لك، أرى أن ديته عليك، فإنك أنت أفزعتها، والقت ولدها بسببك؛ فأمر عمر أن يقسم عقله (دية الصبي) على قومه(40). وهكذا نزل عمر على رأي علي رضي الله عنهما ولم يجد غضاضة في العمل باجتهاده وهو أمر المؤمنين، وقد كان في رأي غيره له منجاة.

بين عمر وعبد الله بن مسعود:
عبد الله بن مسعود من اقرأ اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكتاب الله، ومن أعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان كثير من الصحابة يعدونه من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثرة ملازمته له، قال أبو موسى الأشعري:

(1/16)


«كنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة دخولهم ولزومهم له)(41). وقال أبو مسعود البدري مشيرا إلى عبد الله بن مسعد، وقد رآه مقبلا: «ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك بعده أحدا أعلم بما أنزل الله تعالى من هذا القادم. فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن له إذا حجبنا»(42).
وعمر رضي الله عنه معروف من هو في فقهه وجلالة قدره، وقد كان ابن مسعود أحد رجال عمر رضي الله عنهما في بعض الأعمال، وقد وافق عبد الله، عمر رضي الله عنهما في كثير من اجتهاداته، حتى اعتبره المؤرخون للتشريع الإسلامي أكثر الصحابة تأثرا بعمر، وكثيرا ما كانا يتوافقان في اجتهاداتهما، وطرائقهما في الاستدلال، وربما رجع عبد الله إلى مذهب عمر في بعض المسائل الفقهية كما في مسالة مقاسمة الجد الإخوة مرة إلى الثلث، ومرة الى السدس(43).
ولكنهما اختلفا في مسائل كثيرة أيضا، ومن مسائل الخلاف بينهما: أن ابن مسعود كان يطبق يديه في الصلاة، وينهى عن وضعهما على الركب، وعمر كان يفعل ذلك وينهى عن التطبيق.
وكان ابن مسعود يرى في قول الرجل لامرأته: «أنت علي حرام» أنه يمين، وعمر يقول: هي طلقة واحدة.
وكان ابن مسعود يقول في رجل زنى بأمرة ثم تزوجها: لا يزالان زانيين ما اجتمعا، وعمر لا يرى ذلك، ويعتبر أوله سفاحا وآخره نكاحا(44).
ولقد ذكر ابن القيم في «إعلام الموقعين» أن المسائل الفقهية التي خالف فيها ابن مسعود عمر رضي الله عنهما بلغت مائة مسألة وذكر أربعا منهما(45). ومع ذلك فإن اختلافهما هذا ما نقص من حب أحدهما لصاحبه، وما أضعف من تقدير ومودة أي منهما للآخر، فهذا ابن مسعود يأتيه اثنان: أحدهما قرأ على عمر وآخر قرأ على صحابي آخر، فيقول الذي قرأ على عمر: اقرأنيها عمر بن الخطاب، فيجهش ابن مسعود بالبكاء حتى يبل الحصى بدموعه، ويقول: اقرأ كما أقرأك عمر فإنه كان للإسلام حصنا حصينا، يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن(46).
ويقبل ابن مسعود يوما وعمر جالس فلما رآه مقبلا قال: «كنيف ملىء فقها أو علما» وفي رواية: «كنيف ملىء علما آثرت به أهل القادسية»(47). هكذا كانت نظرة عمر لابن مسعود رضي الله عنهما، لم يزده الاختلاف بينهما في تلكم المسائل إلا محبة وتقديرا له، ولنا أن نستنبط من تلك الأحداث آدابا تكون نبراسا في معالجة القضايا الخلافية.

بين ابن عباس وزيد بن ثابت:
وحتى نتلمس المزيد من أدب الاختلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم نعرض القضايا الخلافية، فنقول: كان ابن عباس رضي الله عنهما يذهب كالصديق وكثير من الصحابة إلى أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات في المواريث كالادب، وكان زيد بن ثابت كعلي وابن مسعود وفريق آخر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يذهب إلى توريث الإخوة مع الجد ولا يحجبهم به، فقال ابن عباس يوما: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا!: وقال: لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفوني في الفريضة نجتمع، فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين...(48).
تلك أمثلة من اختلافات الصحابة الفقيهة، نوردها لا لنعمق الهوة ونؤصل الاختلاف بل لتنحصر ضالتنا في استقراء آداب نلتقي عليها في حل خلافاتنا الفقهية حتى يغدو أسلوب حياة لنا في تعاملنا مع الناس.
إن ابن عباس رضي الله عنهما الذي بلغت ثقته بصحة اجتهاده وخطأ اجتهاد زيد هذا الحد الذي رأيناه، رأى زيد بن ثابت يوما يركب دابته فأخذ بركابه يقود به، فقال زيد: تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج ابن عباس يده، فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.(49) وحين توفي زيد قال ابن عباس: «هكذا يذهب العلم»(50) وفي رواية البيهقي في سننه الكبرى «هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير»(51). وكان عمر رضي الله عنه يدعو ابن عباس للمعضلات من المسائل مع شيوخ المهاجرين والأنصار من البدريين وغيرهم(52).
والحق لو أننا حاولنا تتبع القضايا الخلافية بين الصحابة في مسائل الفقه، وسلوكهم في عرض مذاهبهم لسودنا في ذلك كتبا، وهذا ليس مبتغانا هنا إنما نورد نماذج فقط نستشف منها الآداب التي تربى عليها جيل الصحابة رضوان الله عليهم، لتدل على مدى التزامهم بآداب الاختلاف في الظروف كلها.

(1/17)


حين جرى الكتاب بما سبق في علم الله، ووقعت الفتن الكبرى، وحدث ما حدث بين الصحابة لأمور الله وحده العالم بكل اسبابها، والمحيط بسائر عواملها حين حدث ذلك ووقع السيف بينهم ما نسي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضائل أهل الفضل منهم، ولا أنستهم الأحداث الجسام والفتن العظام مناقب أهل المناقب منهم، فهذا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول عنه مروان بن الحكم: «ما رأيت أحدا أكرم غلبة من علي، ما هو إلا يوم الجمل فنادى مناديه... ولا يذفف أي يجهز على جريح»(53).
ويدخل عمران بن طلحة على علي رضي الله عنه، بعدما فرغ من معركة الجمل، فيرحب به ويدنيه ويقول: «إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله عز وجل فيهم: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) (الحجر: 47). ثم أخذ يسأله عن أهل بيت طلحة فردا فردا وعن غلمانه وعن أمهات أولاده...
يا ابن أخي كيف فلانة؟ كيف فلانة؟ ويستغرب بعض الحاضرين ممن لم يحظوا بشرف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يدركوا ماذا يعني أن يكون الإنسان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول رجلان جالسان على ناحية البساط: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانا في الجنة؟ فيغضب الإمام علي، ويقول للقائلين: «قوما أبعد أرض الله وأسحقها فمن هو إذا إن لم أكن أنا وطلحة، فمن إذن؟!»(54).
ويسأل بعضهم أمير المؤمنين عليا عن «أهل الجمل» أمشركون هم؟ فيقول رضي الله عنه: من الشرك وفروا.
قال: أمنافقون هم؟ فيقول رضي الله عنه: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا.
فيقال: فمن هم إذن؟ فيقول كرم الله وجهه؛ إخواننا بغوا علينا(55).
وينال أحدهم من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بمحضر من عمار بن ياسر الذي كان على غير موقفها يوم الجمل كما هو معروف فيقول رضي الله عنه: «اسكت مقبوحا منبوحا، أتؤذي محبوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشهد أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة؟ لقد سارت أمنا عائشة رضي الله عنها مسيرة وإنا لنعلم أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها»(56).
أي أدب بعد هذا ينتظر صدوره من رجال قضت مشيئة الله أن تتلاقى رماحهم، لكن النور الذي استقوه من مشكاة النبوة ظل ينير قلوبا عجزت الإحن أن تغشاها، ففاضت بمثل هذا الادب في الاختلاف، وحمد لله فما كان الله جل شأنه ليجمع في رجال عصوره الخير الاختلاف ومجانفة الأدب.

وصف ضرار لـ«علي» وبكاء معاوية:
أخرج أبو نعيم عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي عليا، فقال: أو لا تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: اما إذا لابد، فإنه والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة (الدمعة)، طويل الفكرة، يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (ما غلظ وخشن من الطعام) كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلو المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فاشهد بالله لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه يميل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ (يضطرب ويتقلب) تململ السليم (الملسوع) ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه، يقول للدنيا: ألي تعرضت؟ ألي تشوفت؟ (اطلعت) هيهات، هيهات، غري غيري، قد بتتك ثلاثا (طلقتك طلاقا باتا) فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير، آه آه، من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق...
فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية: كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وجدك (حزنك) عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا ترقأ (تسكن وتنقطع) دمعتها، ولا يسكن حزنها. ثم قام فخرج(57).

سمات أدب الاختلاف في عهد الخلافة الراشدة:
من خلال استعراضنا لقضايا الاختلاف نلحظ أن الهوى لم يكن مطية أحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وأن الخلافات التي أفرزت تلك الآداب لم يكن الدافع إليها غير تحري الحق، وهذا غيض من فيض من معالم الاختلاف بين الصحابة بعد عهد الرسالة وانقطاع الوحي:

(1/18)


1 كانوا يتحاشون الاختلاف، وهم يجدون عنه مندوحة، فهم يحرصون الحرص كله على عدمه.
2 وحين يكون للخلاف اسباب تبرره من مثل وصول سنة في الأمر لأحدهم لم تصل للآخر، أو اختلافهم في فهم النص، أو في لفظة كانوا واقفين عند الحدود يسارعون للاستجابة للحق، والاعتراف بالخطأ دون أي شعور بالغضاضة، كما كانوا شديدي الاحترام لأهل العلم والفضل والفقه منهم، لا يجاوز أحد منهم قدر نفسه، ولا يغمط حق أخيه، وكل منهم يرى أن الرأي مشترك، وأن الحق يمكن أن يكون فيما ذهب إليه، وهذا هو الراجح عنده، ويمكن أن يكون الحق فيما ذهب إليه أخوه، وذلك هو المرجوح، ولا مانع يمنع أن يكون ما ظنه راجحا هو المرجوح، ولا شيء يمنع أن يكون ما ظنه مرجوحا هو الراجح.
3 كانت أخوة الإسلام بينهم أصلا من أصول الإسلام الهامة التي لا قيام للإسلام دونها، وهي فوق الخلاف أو الوفاق في المسائل الاجتهادية.
4 لم تكن المسائل الاعتقادية مما يجري فيه الخلاف، فالخلافات لم تكن تتجاوز مسائل الفروع.
5 كان الصحابة رضوان الله عليهم قبل خلافة عثمان رضي اله عنه منحصرين في المدينة، وقليل منهم في مكة، لا يغادرون إلا لجهاد نحوه، ثم يعودون فيسهل اجتماعهم، ويتحقق إجماعهم في كثير من الأمور.
6 كان القراء والفقهاء بارزين ظاهرين كالقيادات السياسية، وكل له مكانته المعروفة التي لا ينازعه فيها منازع، كما أن لكل شهرته في الجانب الفقهي الذي يتقنه، مع وضوح طرائقهم ومناهجهم في الاستنباط وعليها بينهم ما يشبه الاتفاق الضمني.
7 كانت نظرتهم إلى استدراكات بعضهم على بعض أنها معونة يقدمها المستدرك منهم لأخيه وليست عيبا أو نقدا.

الخلاف في عهد التابعين وآدابه:
كان من سياسات أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ألا يسمح للصحابة من المهاجرين والأنصار بالإقامة خارج المدينة، فهم في غير المدينة دائما مسافرون يذهبون لغزو أو تعليم أو ولاية أو قضاء أو غير ذلك من المهام، وتبقى المدينة المستقر والمقام لهم بعد ذلك، فهي حاضرة الدولة وقاعدة الخلافة، وهم حملة رسالة الإسلام ورعيله الأول فيجب أن يكونوا قريبين من الخليفة، أعوانا له على أعبائه، مشاركين إياه في شؤون الأمة كلها.
فلما ولي عثمان رضي الله عنه لم ير باسا في أن يسمح لكل من اراد من الصحابة مغادرة المدينة أو يستوطن حيث يشاء من ديار الإسلام، فتفرق فقهاء الصحابة وقراؤهم في الأمصار التي فتحت، والبلدان التي مصرت، فاستوطن المصرين (البصرة والكوفة) ما يزيد عن ثلاثمائة من الصحابة، واقام في مصر والشام عدد منهم.
ولقد نقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع من حنين ترك في المدينة اثني عشر الفا من الصحابة، بقي منهم فيها حتى وفاته عشرة آلاف، وتفرق ألفان منهم في الأمصار(58).
وقد حمل علم وفقه الفقهاء والقراء من الصحابة بعدهم من تلقى عنهم من التابعين، أمثال: سعيد بن المسيب(59) الذي يعتبر راوية عمر وحامل فقهه في المدينة، وعطاء بن أبي رباح في مكة، وطاووس في اليمن، ويحيى بن أبي كثير في اليمامة، والحسن في البصرة، ومكحول في الشام، وعطاء في خراسان، وعلقمة في الكوفة وغيرهم... وهؤلاء كانوا كثيرا ما يمارسون الفتوى والاجتهاد بمشهد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تلقوا العلم والفقه عنهم، وتربوا على أيديهم، وتأدبوا بآدابهم، وتأثروا بمناهجهم في الاستنباط، فما خرجوا عن آداب الصحابة في الاختلاف عندما اختلفوا، ولا جاوزوا تلك السيرة، وهؤلاء هم فقهاء الجمهور الذين تأثرت بهم جماهير الأمة، وعنهم تلقوا الفقه، ولعل مما يوضح ذلك الأدب هاتان المناظرتان في الدية.
أخرج عبد الرزاق(60) من طريق الشعبي قال: جاء رجل إلى شريح، فسأله عن دية الأصابع، فقال: في كل أصبع عشرة إبل. فقال الرجل: سبحان الله. هذه وهذه سواء (مشيرا إلى الإبهام والخنصر) فقال شريح: ويحك، إن السنة منعت القياس، اتبع لا تبتدع.
وأخرج مالك في الموطأ عن ربيعة قال: سألت سعيد بن المسيب. كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة من الإبل. قلت: ففي أصبعين؟ قال عشرون. قلت ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون. قلت ففي أربع؟ قال عشرون. قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها (أي: ديتها) فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقال ربيعة: بل عالم متثبت. أو جاهل متعلم. قال سعيد: هي السنة يا ابن أخي(61).
وينتهي الأمر عند هذا الحد دون أن يحتد طرف ويتهم الآخر بالجهل، أو يزعم لنفسه إصابة الحق وما يراه غيره الباطل، فمذهب سعيد الحجازيين أن دية المرأة كدية الرجل حتى تبلغ الثلث من ديته، فما زاد عن الثلث تكون فيه ديتها نصف دية الرجل، ذلك لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها)(62). ومذهب العراقيين أن ديتها نصف دية الرجل ابتداء.
وناظر الشعبي (عامر بن شراحيل الكوفي) رجلا في القياس، فقال له: أرأيت لو قتل الأحنف بن قيس وقتل معه طفل صغير أكانت ديتهما واحدة أم يفضل الأحنف لعقله وحلمه؟ قال الرجل: بل سواء، قال: فليس القياس بشيء.

(1/19)


والتقى الأوزاعي بأبي حنيفة في مكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء. فقال الأوزاعي: كيف وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه.
فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ولا يعود لشيء من ذلك.
فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم، عن أبيه وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟
فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر، وإن كان لابن عمر فضل صحبة فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هو عبد الله، فسكت الأوزاعي(63).
ونقل عن أبي حنيفة أنه قال: «هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدا عليه ولا نقول: يجب على أحد قبوله بكراهية فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به»(64).
فالجميع متبعون، فحين تصح السنة لا يخالفها أحد وإذا حدث فإنه اختلاف في فهمها، يسلم كل للآخر ما يفهمه، ما دام اللفظ يحتمله، ولا شيء من الادلة الصحيحة عند الفريقين يعارضه.

أثر الخلاف السياسي في الاختلافات الاعتقادية والفقهية:
من الأمور التي لابد أن نشير إليها أن ما ذكرناه من اختلافات كان شأن جماهير الأمة وغالبيتها العظمى، حيث لا تتعدى الاختلافات القضايا الفقهية التي تضمحل وتزول حين يحتكم إلى النصوص التي تعلو الشبهات من كتاب وسنة فيذعن الجميع للحق في ظل أدب نبوي كريم، لأن سبب الخلاف لا يعدو أن يكون كما قلنا عدم وصول سنة في الأمر لأحدهم ووصولها للآخر، أو اختلافا في فهم النص أو في لفظه، ولكن هناك أمرا آخر قد استجد وهو: الاختلافات السياسية التي أعقبت فتنة مقتل الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه، وانتقال الخلافة إلى الكوفة ثم إلى الشام، وما تخلل ذلك من أحداث جسام، فإن تلك الأحداث التي أدخلت الى دائرة الاختلاف أمرا أخرى كانت خارجها، وساعدت على انطواء أهل كل بلد أو مصر على ما وصلهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إلى ما لدى أهل الأمصار الأخرى نظرة مختلفة متحفظة كثيرا ما تؤثر فيها ظروف التأييد السياسي أو المعارضة، واتخذ العراق بمصريه العظيمين (الكوفة والبصرة) بيئة خصبة لتفاعل الأفكار السياسية وتعقيدها وتصديرها إلى جهات مختلفة، ففيه نشأ التشيع(65) وظهرت الجهمية(66) والمعتزلة(67)، وانتشر الخوارج(68) وجملة من أهل الأهواء والبدع... وبدأ وضع الحديث، وتأليف القصص ذات المغزى السياسي، ووضع المنافرات على ألسنة الناس، حتى قال الإمام مالك في الكوفة: «إنها دار الضرب»(69) وقال الزهري: «يخرج الحديث من عندنا شبرا فيعود في العراق ذراعا»(70).
وهذه الأمور جعلت الفقهاء العراقيين أنفسهم يتخذون من الاحتياطات ويضعون من الشروط لقبول السنن والأخبار ما لم يكن من سبقهم يلتفت اليه، وذلك حرصا منهم على ألا يدخل إلى فقههم من فكر أهل الأهواء والبدع والفرق المتصارعة ما يفسد عليهم دينهم، فما بالك بغير العراقيين الذين بلغ بهم الخوف من الأخذ عن العراقيين مداه، حتى كان أهل الحجاز يرون أن حديث العراقيين أو الشاميين لا يقبل إذا لم يكن له أصل عند الحجازيين(71).
وقيل لأحد علماء الحجاز: حديث سفيان الثوري عن منصور المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة النخعي، عن عبد الله بن مسعود... أي: ما رأيك في إسناد هذه سلسلته، وهو أصح إسناد لدى العراقيين؟ قال: إن لم يكن له اصلا في الحجاز فلا(72).
واتخذ العباس من ربيعة بن أبي عبد الرحمن(73) وزيرا ومستشارا وهو مدني فاستعفاه، وعاد إلى المدينة بعد فترة قصيرة، فقيل له: كيف رأيت العراق وأهلها؟ فقال: رأيت قوما حلالنا حرامهم، وحرامنا حلالهم، وتركت بها أكثر من اربعين الفا يكيدون هذا الدين!!...
ونقل عنه قوله: كأن النبي الذي أرسل الينا غير النبي الذي ارسل اليهم(74).
وهذه الأقوال وإن كان المقصود بها أهل الأهواء والبدع في العراق لا أهل السنة وجماهيرها فيه، إلا أن لها دلالة واضحة على بعض الأمور ذات الآثار البعيدة المدى في الحركة الفقهية، ومواقف فقهاء البلدين وطرائقهم ومناهجهم في الاستنباط.

(1/20)


فأهل الحجاز يعتقدون أنهم قد ضبطوا السنة، فلم يشذ عنهم منها شيء، فالمدينة كان فيها عشرة آلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خلفهم عليه الصلاة والسلام بعد غزوة حنين، عاشوا فيها إلى وفاته. وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى أهل الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ولكنه حين يكتب إلى المدينة فإنه يكتب إليهم يسألهم عما مضى وان يعلموه بما عندهم من السنن ليرسل بها إلى الآخرين. وكان حامل السنة وفقه الصحابة وآثارهم في المدينة سعيد بن المسيب وأصحابه الذين أخذ عنهم بعد ذلك المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرهم، وكان علماء المدينة من التابعين يرون أن السنن والآثار التي بين أيديهم كافية لتلبية الحاجة الفقهية، وأنه لا شيء يدعهم إلى الأخذ بالرأي بكل ضروبه، على حين كان يرى بعضهم خلاف ذلك، ويأخذ بالرأي حتى عرف به وحمله لقبا، مثل: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، شيح مالك الذي لقب بـ«ربيعة الرأي» ولكن الكثرة الغالبة كانت لعلماء السنن والأثار.
أما العراقيون كإبراهيم النخعي(75) وأصحابه فكانوا يرون أن نصيبهم من السنن ليس بقليل، فقد اش بينهم منا لصحابة عدد وافر جاوز الثلاثمائة، وكان كثير منهم من الفقهاء وفي مقدمتهم عبد الله بن مسعود الذي كان من أفقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الله، كما كان بينهم علي رضي الله عنه مدة خلافته، وأبو موسى الأشعري وعمار وغيرهم.
وكان إبراهيم النخعي ومعه معظم علماء العراق يرون أن أحكام الشرع معقولة المعنى، مشتملة على ما فيه مصالح العباد، وأنها بنيت على أصول محكمة، وعلل ضابطة لتلك المصالح والحكماء، تفهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن الأحكام الفرعية شرعت من أجل تلك العلل، وأن الفقيه هو ذلك الذي يبحث عن علل الأحكام التي شرعت لأجلها، ويتفهم غاياتها، ليجعل الأحكام مرتبطة بعللها وجودا وعدما، كما كان علماء العراق يرون أن النصوص الشرعية متناهية لكن الوقائع لاتتناهى، فالنصوص قد توقفت بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما لم تلاحظ علل الأحكام التي شرعت بالكتاب والسنة فإن من غير الممكن مواجهة الحاجة التشريعية لدى الناس.
عن الحسن بن عبيد الله النخعي، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أكل ما أسمعك تفتي به سمعته؟ فقال: لا. قلت: تفتي بما لم تسمع؟ قال: سمعت وجاءني ما لم أسمع فقسته بالذي سمعت(76). تلك كانت سمة مدرسة العراق: الرأي إن غاب الأثر.
أما سعيد بن المسيب وعلماء المدينة منهم فكانا لا يأبهون بالعلل إلا حين يعييهم الوصول الى نص أو أثر، وكيف يعييه ذلك وهو يقول: ما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي قضاء إلا وقد علمته(77)!! كما أن بيئة المدينة لم يطرأ عليها ما طرأ على البيئة العراقية من تغيرات، ولم يحدث فيها من الوقائع ما حدث في العراق، ولذلك فإن الكثيرين من علماء المدينة كانوا إذا سئل أحدهم عن شيء لديه فيه أثر أجاب، وإلا اعتذر.. سئل مسروق عن مسالة فقال: لا أدري. فقيل له: فقس لنا برأيك. فقال: أخاف أن تزل قدمي(78).
ومما يوضح تهيب أهل المدينة من القول بالرأي فيما لا أثر فيه ما قاله ابن وهب: قال مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء، فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه، أو بقياس أو تقليد من يحسن به الظن، أو عرف أو عادة أو سياسة أو ذوق، أو كشف أو منام، أو استحسان أو خرص والله المستعان، وعليه التكلان(79).
ومع أن الخلاف قد احتدم بين المدرستين وجرى تبادل النقد بين الفريقين، لم يتخل أي منهما عن أدب الاختلاف كما تبين لنا مما تقدم من المناظرات، إضافة إلى مناظرات أخرى كثيرة جرت بين رجال المدرستين لم يخرج أحد منهم فيها عن حدود أدب الاختلاف(80) فلا تكفير ولا تفسيق ولا اتهام بابتداع منكر ولا تبرؤ.
عن ابن أبي شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن الحنفية، فسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر وقلت له: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق وله فقه وعقل. فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه؟ ثم قال: أهو النعمان؟ فقال أبو حنيفة: نعم أصلحك الله. فقال جعفر: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين...
ثم قال لابي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟ قال أبو حنيفة: لا أدري.

(1/21)


قال جعفر: هي «لا إله إلا الله» فلو قال: «لا إله» ثم أمسك كان كافرا، فهذه كلمة أن لها شرك وآخرها إيمان. ثم قال له: ويحك أيهما أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس، فقال جعفر: إن الله قد قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا اربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله الصوم أو الصلاة؟ قال: بل الصلاة. قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت بين يدي الله فنقول: قال الله عز جل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أنت وأصحابك: قسنا ورأينا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء...(81).
إن أسئلة الإمام جعفر لم تكن مما يعجز واحد مثل أبي حنيفة عن الإجابة عنها، ولكنه الأدب مع آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي جعله يسكت.
نستوحي مما تقدم من المناظرات أن الادب النبوي الرفيع كان معين المتناظرين، وأن الاختلاف لم يبين بين الإخوة حواجز تحول دون الالتقاء، وما تناقله المؤرخون لتلك الفترة من غلظة إنما كان يجري معظمه بين الفرق الكلامية التي امتدت خلافاتها إلى الأمور الاعتقادية، فسوغ بعضها لنفسه أن يرمي الآخرين بالكفر أو الفسق أو والبدعة، وحتى بين هذه الفرق لم تعدم صفحات التاريخ أن تجد من أدب الاختلاف ما يمكن تسجيله..

مناظرة بين عباس للخوارج:
عن عبد الله بن المبارك(82) قال: حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال علي: لا تقاتلوهم (أي الخوارج) حتى يخرجوا فإنهم سيخرجون، قال: قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فإني أريد أن أدخل عليهم فأسمع من كلامهم وأكلمهم، فقال: أخشى عليك منهم، قال: (أي ابن عباس) وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا. قال: فلبست أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، وترجلت ثم دخلت عليهم وهم قائلون: فقالوا لي: ما هذا اللباس؟ فتلتو عليهم القرآن: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (الأعراف: 32) وقلت: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس أحسن ما يكون من اليمنية. فقالوا: لا بأس، فما جاء بك؟ فقلت: أتيتكم من عند صاحبي، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بالوحي منكم، وفيهم نزل القرآن، ابلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، فما الذي نقمتم؟ فقال بعضهم ناهيا: إياكم والكلام معه، إن قريشا قوم خصمون، قال الله عز وجل: (بل هم قوم خصمون) (الزخرف:58). وقال بعضهم كلموه، فانتحى لي منهم رجلان أو ثلاثة، فقالوا: إن شئت تكلمت وإن شئت تكلمنا. فقلت: بل تكلموا. فقالوا: ثلاث نقمناهن عليه: جعل الحكم إلى الرجال وقال الله: (إن الحكم إلا الله) (الأنعام: 57) (يوسف: 40 67) فقلت: قد جعل الله الحكم من أمره إلى الرجال في ربع درهم: في الأرنب(83)، وفي المرأة وزوجها (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) (النساء: 35).
فالحكم في رجل وامرأته والعبد افضل، أم الحكم في الأمة يرجع بها ويحقن دماؤها، ويلم شعثها؟ قالوا: نعم.
قالوا: وأخرى مجانفة أن يكون أمير المؤمنين، فأمير الكافرين هو. فقلت لهم: أرأيتهم إن قرأت من كتاب الله عليكم، وجئتكم به من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: قد سمعتم أو أراه قد بلغكم أنه لما كان يوم الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم » فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «امح يا علي» أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم: قتل ولم يسب، ولم يغنم (أي في معركة الجمل وصفين) أفتسبون أمكم، وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟! فإن قلتم: نعم، فقد كفرتم بكتاب الله، وخرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين...
وكلما جئتم بشيء من ذلك اقول: أفخرجت منها؟ فيقولون: نعم. قال: فرجع منتهم ألفان وبقي ستة آلاف(84).
فهؤلاء قوم أشهروا سيوفهم للقتال، واستحلوا دماء مخالفيهم، لكنهم مع ذلك حين جودلوا بالحق استجاب كثير منهم، وحينما ذكروا بالقرآن تذكروا، وحينما دعوا الى الحوار استجابوا بقلوب مفتحة، فأين المسلمون اليم من هذا؟!

(1/22)


الفصل الثالث اختلاف مناهج الأئمة في الاستنباط

المذاهب الفقهية:
المذاهب الفقهية التي ظهرت بعد عصر الصحابة وكبار التابعين يعدها بعضهم ثلاثة عشر مذهبا، وينسب جميع أصحابها إلى مذاهب «أهل السنة» الذي كان وبقي مذهب جماهير المسلمين وعامتهم، ولكن لم ينل حظ التدوين سوى فقه ثمانية أو تسعة من هؤلاء الائمة، وقد تباين ما دون من فقههم فحظي بعضهم بتدوين كل فقهه، على حين اقتصر على بعضه بالنسبة للآخرين، ومما دون لهؤلاء وهؤلاء عرفت أصول مذاهبهم ومناهجهم الفقهية هؤلاء هم:
أولا: الإمام أبو سعيد الحسن بن يسار البصري توفي سنة (110هـ).
ثانيا: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي توفي سنة(150هـ).
ثالثا: الإمام الأوزاعي أبو عمرو بن عبد الرحمن بن عمرو بن محمد توفي سنة (157هـ).
رابعا: الإمام سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري توفي سنة(160هـ).
خامسا: الإمام الليث بن سعد توفي سنة(175هـ).
سادسا: الإمام مالك بن أنس الأصبحي توفي سنة(179هـ).
سابعا: الإمام سفيان بن عيينة توفي سنة (198هـ).
ثامنا: الإمام محمد بن إدريس الشافعي توفي سنة(204هـ).
تاسعا: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل توفي سنة(241هـ).
وهناك الإمام داود بن علي الأصبهاني البغدادي المشهر بالظاهري نسبة إلى الأخذ بظاهر ألفاظ الكتاب والسنة توفي سنة(270هـ).
وغير هؤلاء كثير أمثال: إسحاق بن راهويه المتوفي سنة (238هـ)، وأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي المتوفى سنة(240هـ). وهناك آخرون لم تنتشر مذاهبهم، ولم يكثر أتباعهم، أو اعتبروا مقلدين لأصحاب المذاهب المشهورة.
أما الذين تأصلت مذاهبهم وبقيت إلى يومنا هذا، ولا يزال لها الكثير من المقلدين في ديار الإسلام كلها، ولا يزال فقههم وأصوله مدار التفقه والفتوى عند الجمهور أولئك هم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.

مناهج الأئمة المشهورين:
يعتبر الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، فقهاء حديث وأثر، فهم الذين تلقوا فقه أهل المدينة، وحملوا علومهم، أما الإمام أبو حنيفة فهو وارث نفسه «أهل الرأي» ومقدم مدرستهم في عصره.
إن الاختلاف الذي كان بين مدرسة «سعيد بن المسيب» التي قامت على فقه الصحابة وآثارهم، وسار على نهجها المالكية والشافعية والحنابلة وبين مدرسة «إبراهيم النخعي» التي تعتمد الرأي إن غاب الأثر، هذا الاختلاف كان طبيعيا أن ينتقل الى كل من أخذ بمنهج إحدى المدرستين، ولا ينكر أحد أن الخلاف قد خفت حدته كثيرا في هذا الطور، ذلك أنه بعد انتقال الخلافة الى بني العباس، نقل العباسيون بعض كبار علماء الحجاز الى العراق لنشر السنة هناك، منهم: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد(85) وهشام بن عروة(86) ومحمد بن إسحاق(87) وغيرهم، كما أن بعض العراقيين رحلوا الى المدينة وتلقوا عن علمائها، كأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم(88) ومحمد بن الحسن اللذين(89) أخذا عن مالك(90) كما انتقل كثير من آراء العراقيين وأفكارهم الى الحجاز كانتقال أفكار الحجازيين الى العراق، ومع ذلك فقد نجد الأئمة الثلاثة مالكا والشافعي وأحمد يشكلون منهجا متقاربا فيما بينهم وإن اختلفوا في بعض مناهج الاستنباط وطرائقه، على حين تميز الإمام أبو حنيفة عنهم في منهجه.

1 منهج الإمام أبي حنيفة:
بقي الإمام أبو حنيفة رمزا لمنهج مختلف عن مناهج الأئمة الثلاثة وبشكل ظاهر، فقواعد مذهبه كما بينها هو تتلخص بقوله: «إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر الى إبراهيم والشعبي وابن المسيب(وعدد رجالا)، فلي أن أجتهد كما اجتهدوا».
هذه هي الأصول الكبرى لمذهب أبي حنيفة، وهناك أصول فرعية أو ثانوية مفرعة على هذه الأصول أو راجعة إليها، وهي التي يبدو فيها لخلاف ويظهر، كقولهم: «قطعية دلالة اللفظ العام كالخاص»(91) و«مذهب الصحابي على خلاف العموم مخصص له»(92)، و«كثرة الرواة لا تفيد الرجحان» و«عدم اعتبار مفهوم الشرط والصفة»(93) و«عدم قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى»(94) «ومقتضى الأمر الوجوب قطعا ما لم يرد صارف» و«اذا خالف الراوي الفقيه روايته بأن عمل على خلافها: فالعمل بما رأى لا بما روى» و«تقديم القياس الجلي على خبر الواحد المعارض له» و«الاخذ بالاستحسان؛(95) وترك القياس عندما تظهر الى ذلك حاجة» ولذلك نقلوا عن الامام أبي حنيفة قوله: «علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه ، ومن جاءنا بأحسن من قبلناه».

(1/23)


2 منهج الامام مالك:
اما الامام مالك رحمه الله فذو منهج مختلف فهو يقول «أفكلما جاءنا رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله»(96) وقد مر بنا أن مذهبه هو مذهب الحجازيين اصحاب مدرسة الامة سعيد بن المسيب رحمه الله وتتلخص قواعد مذهب مالك بما يلي:
الاخذ بنص الكتاب العزيز.
ثم بظاهره وهو العموم.
ثم بدليله وهو مفهوم المخالفة.
ثم بمفهومه (ويريد مفهوم الموافقة).
ثم بتنبيهه، وهو التنبيه على العلة كقوله تعالى: (فانه رجس او فسقا).
وهذه اصول خمسة ومن السنة مثلها فتكون عشرة.
ثم الاجماع.
ثم القياس.
ثم عمل اهل المدينة.
ثم الاستحسان.
ثم الحكم بسد الذرائع.
ثم المصالح المرسلة(97).
ثم قول الصحابي (ان صح سنده وكان من الاعلام.
ثم مراعاة الخلاف (اذا قوي دليل المخالف).
ثم الاستصحاب .
ثم شرع من قبلنا.

3 منهج الامام الشافعي:
وأما قواعد واصول مذهب الامام الشافعي رحمه الله فهي ما أجمله في رسالته الاصولية «الرسالة» التي تعتبر أول كتاب اصولي جامع ألف في الاسلام.
قال رحمه الله: «الاصل قرآن وسنة.، فان لم يكن فقياس عليهما، واذا اتصل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح الاسناد به فهو المنتهى، والاجماع اكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره واذا احتمل المعاني فما اشبه منها ظاهره أولاها به. واذا تكافأت الاحاديث فأصحها اسنادا أولاها، وليس المنطق بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال للأصل لم وكيف؟ وانما يقال للفرع لم؟ فاذا صح قياسه على الاصل صح وقامت به الحجة»(98).
فالامام الشافعي اذن يرى أن القرآن والسنة سواء في التشريع، فلا يشترك في الحديث شرطا غير الصحة والاتصال لأنه اصل، والاصل لا يقال له: لم وكيف؟ فلا يشترك شهرة الحديث(99) اذا ورد فيما تعم به البلوى كما اشترط ذلك الامام أبو حنيفة ولم يشترك عدم مخالفة الحديث لعمل أهل المدينة كما اشترط ذلك مالك ولكنه لم يقبل من المراسيل(100) الا مراسيل سعيد بن المسيب، لأن لها طرقا متصلة عنده، وقد خالف في هذا مالكا والثوري ومعاصريه من أهل الحديث الذين كانوا يحتجون بها(101) وأنكر الاحتجاج بـ «الاستحسان» مخالفا في ذلك المالكية والحنفية معا، وكتب في رد الاستحسان كتابه «إبطال الاستحسان» وقال قولته المشهورة: «من استحسن فقد شرع» كما رد «المصالح الرسلة» وأنكر حجيتها، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة كما انكر على الحنفية تركهم العمل بكثير من السنن لعدم توفر ما وضعوه فيها من الشروط كالشهرة ونحوها كما أنه لم يقتصر كمالك على الاخذ بأحاديث الحجازيين.
هذه هي أهم وأبرز أصول مذهب الامام الشافعي اجمالا، وفيها من المخالفة لأصول الحنفية والمالكية مالا يخفى.

4 منهج الامام أحمد بن حنبل:
وأما الامام احمد بن حنبل رحمه الله فقواعد مذهبه شديدة القرب من قواعد مذهب الامام الشافعي التي تقدم ذكرها فهو يأخذ:
أولا: بالنصوص من القرآن والسنة، فاذا وجدها لم يلتفت الى سواها، ولا يقدم على الحديث الصحيح المرفوع شيئا من «'مل أهل المدينة او الرأي او القياس، او قول الصحافي، او الاجماع القائم على عدم العلم بالمخالف».
ثانيا: فإن لم يجد في المسألة نصا انتقل الى فتوى الصحافة، فإذا وجد قولا لصحابي لا يعلم له مخالفا من الصحابة لم يعده الى غيره، ولم يقدم عليه عملا ولا رأيا ولا قياسا.
ثالثا: فإذا اختلف الصحافة تخير من أقوالهم اقربها الى الكتاب والسنة ولم يخرج عن اقوالهم فان لم يتضح له الاقرب الى الكتاب أو السنة حكى الخلاف ولم يجزم بقول منها.
رابعا: يأخذ بالحديث المرسل والضعيف اذا لم يجد أثرا يدفعه او قول صحابي أو اجماعا يخالفه، ويقدمه الى القياس.
خامسا: القياس عنده دليل ضرورة يلجأ اليها حين لا يجد واحدا من الادلة المتقدمة.
سادسا: يأخذ بسد الذرائع(102).

5 منهج الامام الظاهري:
ولعل من المناسب التعرض الى قواعد المذهب الظاهري وأصوله باختصار ذلك لان هذا المذهب من المذاهب الاسلامية ذات الاثر والتي لا يزال لها بين أهل السنة أتباع وقد وقع أشد انواع الخلاف بين الظاهرية وبين الحنفية ثم المالكية ثم الحنابلة ثم الشافعية وقد كان داود يعترف للشافعي بكثير من الفضل.
وأبرز اصول المذهب الظاهري: التمسك بظواهر آيات القرآن الكريم والسنة وتقديمها على مراعاة المعاني والحكم والمصالح التي يظن لأجلها انها شرعت. ولا يعمل بالقياس(103) عندهم مالم تكن العلة منصوصة في المحل الاول (المقيس عليه) ومقطوعا بوجودها في المحل الثاني (المقيس) بحيث ينزل الحكم منزلة (تحقيق المناط)(104).

(1/24)


كما يحرم العمل بالاستحسان، ويستدل بالاجماع الواقع في عصر الصحابة فقط ولا يعمل بالمرسل والمنقطع خلافا للمالكية والحنفية والحنابلة، ولا يعمل بشرع من قبلنا، ولا يحل لأحد العمل بالرأي لقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء ...) «الانعام 38». وتعدية الحكم المنصوص عليه الى غيره تعد لحدد الله تعالى ولا يحل لأحد القول بالمفهوم المخالف.
والتقليد حرام على العامي كما هو حرام على العالم وعلى كل مكلف جهده الذي يقدر عليه من الاجتهاد.(105).

ولنا كلمة:
والحقيقية أن كثيرا من الاصل التي نسبت الى الائمة المتبوعين هي اصول مخرجة على اقوالهم، لا تصح بها الروايات عنهم، فالتشبث بها، والدفاع عنها ، وتكلف ايراد الاعتراضات والاجابات عنها، والرد على ما يخالفها، والانشغال بكل ذلك عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ذلك كله من ابرز دواعي الاختلاف السيء الذي لم يهدف اليه الائمة انفسهم رحمهم الله، وقد أبعد هذا المتأخرين من المسلمين عن معالي الامور وشغلهم بسفاسفها حتى تدنت الامة الى ذلك الدرك الهابط الذي تتمرغ فيه اليوم.

(1/25)


الفصل الرابع: أسباب الاختلاف وتطوره

أسباب الاختلاف من عهد النبوة حتى عهد الفقهاء:
اذا سلمنا أن الاختلاف في القضايا الفكرية التي منها القضايا الفقهية أمر طبيعي لما فطر عليه الناس من تباين في عقولهم وأفهامهم ومداركهم وجب أن نقر بأن الاختلاف في عهد النبوة والخلافة الراشدة بين عديد من الصحابة كان أمرا واقعا تشهد له جملة من الاحداث، وليس في نفيه ما يخدم هذا الدين، كما أننا لا نرى في بيانه مساسا بمثالية هذه الدعوة، وصدق نية أولئك الرجال الذين كانوا يختلفون ، بل يمكن القول : ان في ذكر هذه الاختلافات بيانا لواقعية هذا الدين ، فهو يتعامل مع الناس على أنهم بشر، تتنازعهم عوامل مختلفة مما فطر الله تعالى خلقه عليه ولكن الذي تطمئن اليه النفس المؤمنة أن ذلك الاختلاف لم ينشأ عن ضعف في العقيدة، او شك في صدق ما يدعو اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كان تحري الحق الرغبة في اصابة قصد الشارع من الحكام بغية جميع المختلفين.
ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مصدر تلك الاحكام لم يكن عمر الخلاف يمتد لاطول من الطرق المؤدية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأينا من خلال الاحداث التي مرت أن أسباب الاختلاف في مجموعها لم تكن تخرج عن تباين في فهم النص لأسباب لغوية او اجتهادية، وذلك في تفسير ما بين أيديهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم تكن هذه الاسباب لتخفي وراءها أية نوايا تحاول انماء بذرة الخلاف التي كان المنافقون يحرصون على تعهدها.
لذلك سرعان ما كانت هذه الاختلافات تضمحل بلقاء الرسول صلى الله عليه وسلم او الاحتكام الى نص ادركه بعضهم وغاب عن الآخرين لان غاية ذي الفطرة السليمة نشدان الحق حيثما وجد.
من الطبيعي ان تنتقل بعض الاسباب الموضوعية للاختلاف من عصر لآخر حيث يصعب وضع حواجز تحصر خلفها أسباب الاختلاف من عصر لآخر حيث يصعب وضع حواجز تحصر خلفها أسباب الاختلاف في كل عصر، ولكن هناك امورا كانت تستجد على الساحة الاسلامية، نتجت عنها أسباب وعوامل تذكي روح الاختلاف.
فمنذ مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه تعرضت الامصار الاسلامية لهزات عنيفة افرزت بعض الاحداث التي ادخلت الى دائرة الاختلاف امورا كانت خارجها ربما أدت الى انطواء اهل كل بلد او مصر على ما وصلهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الوضع والدس كما أشرنا من قبل.
وظهرت مدرستا الكوفة والبصرة كبيئة خصبة لتفاعل الافكار السياسة وتعددت الفرق المختلفة كالخوارج والشيعة والمرجئة(106) وظهرت المعتزلة والجهمية وغيرهم من أهل الاهواء والبدع.
وتعددت المناهج العقلية والفكرية بتعدد تلك الفرق وأصبح لكل فرقة منطلقات وقواعد تنطلق منها في تعاملها مع نصوص الشارع وفي تفسيرها للمصادر الشرعية، وفي مواقفها من القضايا المختلفة التي استجدت وبدأت الحاجة تظهر الى وضع الضوابط والقيود وتحديد المناهج وطرق استنباط احكام الوقائع من الوحي الالهي، وتحديد ما يجوز الاختلاف فيه وما لا يجوز.
ولعل من فضل الله تعالى أن جعل الجانب الفقهي في دائرة ما يجوز فيه الاختلاف وذلك لأن «الفقه» عبارة عن معرفة الفقيه حكم الواقعة من دليل من الادلة التفصيلية الجزئية التي نصبتها الشارع للدلالة على احكامه من آيات الكتاب، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يصيب الفقيه حكم الشارع او يوافقه وقد لا يوافق ذلك ولكنه في الحالتين غير مطالب بأكثر من أن يبذل اقصى طاقته العقلية والذهنية للوصول الى حكم، فان لم يكن ما وصل اليه حكم الشارع فهو أقرب ما يكون اليه في حقيقته وغاياته وآثاره، ولذلك كان الاختلاف امرا مشروعا وذلك لتوفر امرين فيه:
الاول : أن لكل من المختلفين دليلا يصح الاحتجاج به، فما لم يكن له دليل يحتج به سقط ولم يعتبر اصلا.
الثاني: ألا يؤدي الاخذ بالمذهب المخالف الى محال او باطل فان كان ذلك بطل منذ البداية، ولم يسع لأحد القول به بحال، وبهذين الامرين يغاير «الاختلاف» «الخلاف».
فالاختلاف ما توافر فيه الشرطان المذكوران، وهو مظهر من مظاهر النظر العقلي والاجتهاد وأسبابه منهجية موضوعية في الغالب.
اما الخلاف فهو الذي يفقد الشرطين او احدهما، وهو مظهر من مظاهر التشنج والهوى والعناد، وليس له من سبب يمت الى الموضوعية.

أسباب الاختلافات الفقهية في عصر الفقهاء:
حرص الفقهاء الذين اجمعت الامة على الأخذ بمذاهبهم، على التزام الشرطين السابقين، وقد اختلف الناس في تحديد أسباب الاختلافات الفقهية في هذا العصر اختلافا بينا: فمن مكثر في ذكر هذه الاسباب الى مقتصد فيها، ومع ذلك فان من الممكن اعادة هذه الاسباب الى الامور التالية:

1 اسباب تعود الى اللغة:
وذلك كأن يرد في كلام الشارع لفظ مشترك، وهو ما وضع لمعان متعددة ومختلفة، كلفظة «عين» التي تستعمل في الباصرة والجارية، وفي الذهب الخالص، وفي الرقيب، وغيرها من المعاني.

(1/26)


فاذا وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة تساوت المعاني التي وضعت لها في احتمال كون كل منها مرادا — فيختلف المجتهدون في حمل ذلك اللفظ على أي من معانيه التي وضع لها، أو عليها كلها.
فقد اختلف الفقهاء في مراد الشارع من لفظ «القرء» في قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)«البقرة 228» فلفظ «القرء» مشترك بين الطهر والحيض، فاختلف الفقهاء في عدة المطلقة أتكون بالحيض ام بالاطهار؟ فذهب الحجازيون منهم الى أن عدة المطلقة ثلاثة أطهار، وذهب العراقيون الى أنها ثلاث حيض(107).
واحيانا يكون للفظ استعمالان: حقيقي، ومجازي، فيختلفون في ايهما استعمل اللفظ في ذلك النص من نصوص الشارع.
وقد اختلف العلماء بادئ ذي بدء في جواز وقوع المجاز في لفظ الشارع، فأثبته الاكثرون، ونفاه الاقلون، كالاستاذ أبي اسحاق الاسفراييني وشيخ الاسلام ابن تيمية.
والذين نفوه استدلوا بأن المجاز هو اطلاق اللفظ على غير ما وضع له في الاصل كاطلاق لفظ «الاسد» وارادة الرجل الشارع ونصوص الشارع جاءت لبيان الاحكام الشرعية واطلاق اللفظ وارادة غير ما وضع له مناف للبيان المقصود ولسنا بصدد مناقشة هذا الموضوع فان جماهير العلماء قد ذهبوا الى ورود المجاز في لفظ الشارع واعتبر ابن قدامة وغيره من الاصوليين انكار وقوعه في نصوص الشارع نوعا من المكابرة(108).
وعلى هذا فقد يختلف العلماء في فهم المراد من كلام الشارع اذا ورد بتركيب متردد بين الحقيقة والمجاز، او ورد لفظ مفرد يحتمل الامرين فيحمله بعضهم على المعنى الحقيقي، ويحمله آخرون على المعنى المجازي وذلك كلفظ «الميزان» فحقيقته تلك الارادة التي يزن الناس بها الاشياء.
ويطلق على «العدل» مجازر. قال تعالى:
(والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان)«الرحمن 7 9». فالميزان في الاولى والثانية استعمل في «العدل» كما في قوله تعالى:
(لقد ارسنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)«الحديد: 25»، وفي الثالثة أريد به المعنى الحسي، وهو الاداة التي توزن بها الاشياء(109).
كما يقال للعروض «ميزان الشعر» وللنحو «ميزان الكلام»(110)، ومثله لفظ «السلسلة» وغيرها.
وأحيانا يكون المجاز في التركيب كما في قوله تعالى : (يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا) «الاعراف 26» فمن المعلوم أن اللباس لا ينزل من السماء وهو لباس، ولا الريش كذلك، ولكن الله تعالى أنزل المطر وأنبت النبات وخلق الحيوان وكساه الصوف والشعر والوبر وأنبت القطن والكتان ليتخذ منه اللباس فأسند الى المسبب وهو اللباس بدلا من السبب وهو الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حي.
ومن المعرف ان صيغة «افعل» للأمر «لا تفعل» للنهي ومطلق الامر يفيد الوجوب ومطلق النهي يفيد التحريم، ذلك هو الاستعمال الحقيقي لكل من الصيغتين، ولكن قد ترد كل منهما لمعان غير المعنى الذي وضعت له أولا.
فقد يرد الامر للندب مثل قوله تعالى:
(فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا)«النور 33».
والارشاد نحو قوله تعالى:
(واستشهدوا شهيدين ...) أو قوله:
(اذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه)«البقرة 282».
والتهديد نحو قوله تعالى:
(اعلموا ما شئتم)«فصلت 4» وغير ذلك(111).
وكذلك النهي قد يرد لغير التحريم، كالكراهة والتحقير في نحو قوله تعالى:
(لا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم)«الحجر 88» والارشاد كما في قوله تعالى:
(لاتسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)«المائدة 101» وغيرها (112).
كما أن الامر قد يرد بصيغة الخبر، وكذلك النهي قد يرد ايضا بصيغة الخبر والنفي، وكل ذلك له آثار في اختلاف الفقهاء، وفي طرائقهم وفي استنباط الاحكام الشرعية من النصوص، واحيانا تختلف مذاهب العلماء في فهم النص لاختلاف احوال كلمة واردة فيه، وان لم يختلف معناها، كاختلافهم في قوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولا شهيد)«البقرة 282». حيث ذهب بعضهم الى أن المراد بها صدور الضرر من الكاتب والشهيد وذلك بأن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ويشهد الشاهد بخلاف الواقع، ودليل هؤلاء قراءة ابن عباس رضي الله عنهما: (ولا يضارر كاتب ولا شهيد).
وذهب آخرون الى أن المراد ووقوع الضرر عليهما، كأن يمنعا من اشغالهما ويكلفا الكتابة والشهادة في وقت لا يلائمهما ودليل من ذهب الى هذا قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: (ولا يضار كاتب ولا شهيد)فلما كانت اللفظة مدغمة في لغة تميم احتمل بناء الفعل للمعلوم، وبناؤه للمجهول، فحدث هذا الاختلاف وان كان فك الادغام لغة أهل الحجاز(113).
والمتتبع لهذا النوع من أسباب الاختلاف يجد أمثلة كثيرة عليه في الكلمات المفردة. وفي التراكيب المختلفة وانواعها، وما يعرض لها من عموم وخصوص، واطلاق وتقييد واجمال وبيان، وغير ذلك .... ولعل فيما ذكرنا ما ينبه الى ما أغفلنا مما يمكن الاطلاع عليه في مظانه (114).

(1/27)


2 أسباب تعود الى رواية السنن:
وهذا النوع من الاسباب متعدد الجوانب مختلف الآثار واليه ترجع معظم الاختلافات الفقهية التي وقعت لعلماء السلف.
فأحيانا لا يصل الحديث الى مجتهد ما، فيفتي بمقتضى ظاهر آية او حديث آخر او بقياس على مسألة سبق فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء، او بمقتضى استصحاب للحال السابقة(115)، او بمقتضى أن الاصل البراءة وعدم التكليف(116) او بموجب أي وجه متغير من وجوه الاجتهاد.
وقد يصل في الواقعة موضع البحث الى مجتهد آخر حديث فيفتي بمقتضاه فتختلف فتياهما.
وأحيانا يصل الحديث الى المجتهد، ولكنه يرى فيه علة تمنع من العمل بمقتضاه كاعتقاده عدم صحة اسناده الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجود مجهول او متهم، او سيء الحفظ في سلسلة اسناده او لانقطاعه او ارساله، او لكونه يشترط في خبر الواحد العدل الحفاظ شروطا لا يشترطها غيره، فيعمل أحدهما بالحديث، لأن له طريقا صحيحا متصلا عنده، ولا يعمل الآخر بمقتضاه لعلة من العلل المذكورة، فتختلف الاقوال.
وقد تختلف اقوال العلماء لاختلاف آرائهم في معاني الحديث ودلالته، وذلك كاختلاف اقوالهم في مسائل: «المزاينة»(117) و«المخابرة»(118) و«المحاقلة»(119) و«الملامسة»(120) و«المنابذة»(121) و«الغرر»(122) لاختلافهم في تفسيرها.
وقد يصل الحديث لبعضهم من طريق بلفظ، ويصل لمجتهد آخر بلفظ مغاير وذلك كأن يسقط احدهما من الحديث لفظا لا يتم المعنى الا به، او يتغير معنى الحديث بسقوطه.
وقد يصل الحديث الى أحد المجتهدين مقترنا بسبب وروده، فيحسن فهم المراد منه، ويصل الى آخر من غير سبب وروده، فيختلف فهمه له.
وقد يسمع راو بعض الحديث، ويسمع الآخر الحديث كاملا. وقد ينقل الحديث من كتاب بلفظ مصحف او متغير، ويبني عليه، وينقله آخر بلفظ لم يدخله شيء من ذلك فتختلف الاقوال بناء على ذلك، وقد يصح الحديث عند المجتهد ولكنه يعتقد أنه معارض بما هو أصح منه او اقوى فيرجح الاقوى، او لا يتضح له أقوى الدليلين، فيتوقف عن الاخذ بكل منهما، حتى يظهر له مرجح.
و قد يعثر مجتهد على ناسخ للحديث، او مخصص لعامه، او مقيد لمطلقه ولا يطلع مجتهدا آخر على شيء من ذلك، فتختلف مذاهبهما(123).

3 أسباب تعود الى القواعد الاصولية وضوابط الاستنباط:
علم اصول الفقه هو: «معرفة ادلة الفقه على سبيل الاجمال، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد).
فهذا العلم عبارة عن: مجموع القواعد والضوابط التي وضعها المجتهدون لضبط عملية الاجتهاد واستنباط الاحكام الشرعية الفرعية من الادلة التفصيلية، فيحدد المجتهدون في مناهجهم الاصولية الادلة التي تستقى منها الاحكام، ويستدلون لحجية كل منها، ويبينون جميع العوارض الذاتية لتلك الادلة لتتضح طرائق استفادة الاحكام منها ويحددون طرق استفادة الحكم الشرعي من كل دليل من تلك القاعدة، والخطوات التي يسلكونها منذ البداية حتى الوصول الى الحكم الشرعي.
وهذه القواعد والضوابط اختلفت مذاهب المجتهدين فيها: فنجم عن الاختلاف فيها اختلاف في المذاهب الفقهية التي يذهب كل منهم اليها فبعض الائمة يذهب الى أن فتوى الصحابي اذا اشتهرت ولم يكن لها مخالف من الصحابة انفسهم حجة لأن الثقة بعدالة الصحابة تشعر بأن الصحابي ما أفتى بما أفتى به الا بناء على دليل، او فهم في دليل، او سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشتهر ولم يصل الينا.
وبعضهم لا يرى في مذهب الصحابي هذا الرأي، ويعتبر الحجة فيما يرويه الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يراه، فتختلف مذاهب الفقهاء بناء على ذلك.
وبعض المجتهدين يأخذ بـ «المصالح المرسلة» أي: تلك الامور التي لم يوجد في الشرع ما يدل على اعتبارها بذاتها كما لم يوجد فيه ما يدل على الغائها بذاتها فهي مرسلة مطلقة عن الالغاء والاعتبار فاذا ادرك المجتهد في تلك الامور ما يحقق مصلحة، قال بمقتضى تلك المصلحة باعتبار أن الشارع ما شرع الاحكام الا لتحقيق مصالح العباد.
وهناك آخرون لا يأخذون بهذا ولا يعتبرونه أمرا تستفاد منه الاحكام فتختلف اقوالهم في الوقائع بناء على ذلك.
وهناك امور اخرى من هذا النوع اختلف المجتهدون فيها، وتعرف في كتب اصول الفقه بـ «الادلة المختلف فيها» كـ «سد الذرائع» و«الاستحسان» و«الاستصحاب» و«الاخذ بالاحوط» و«الاخذ بالاخف» و«الاخذ بالاثقل» و«العرف» و«العادة» وغيرها.
كما أن هناك اختلافا في بعض الامور المتعلقة بدلالات النصوص، وطرق تلك الدلالات، وما يحتج بها منها، وعن كل ذلك نشأت اختلافات فقهية في كثير من الفروع.
تلك هي أهم وأبرز الاسباب التي ترجع اليها الاختلافات الفقهية نبهنا اليها بايجاز ومن أراد الاستقصاء ومعرفة كل تلك الاسباب، او جلها مع امثلتها، فليرجع الى الكتب التي الفت لمعالجة هذا الامر قديما وحديثا(124).

(1/28)


الفصل الخامس: في معالم الاختلاف بين الائمة وآدابه

لقد اختلف الائمة في كثير من الامور الاجتهادية، كما اختلف الصحافة والتابعون قبلهم، وهم جميعا على الهدى ما دام الاختلاف لم ينجم عن هوى او شهوة او رغبة في الشقاق، فقد كان الواحد منهم يبذل جهده وما وفي وسعه ولا هدف له إلا اصابة الحق وارضاء الله جل شأنه، ولذلك فان اهل العلم في سائر الاعصار كانوا يقبلون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية ماداموا مؤهلين، فيصوبون المصيب، ويستغفرون للمخطئ، ويحسنون الظن بالجميع، ويسلمون بقضاء القضاء على أي مذهب كانوا، ويعمل القضاء بخلاف مذاهبهم عند الحاجة من غير احساسا بالحرج او انطواء على قول بعينه، فالكل يستقي من ذلك النبع وان اختلفت الدلائل، وكثيرا ما يصدون اختياراتهم بنحو قولهم: «هذا احوط» أو «أحسن» أو «هذا ما ينبغي» أو «نكره هذا» أو «لا يعجبني» فلا تضييق ولا اتهام ولا حجر على رأي له من النص مستند بل يسر وسهولة وانفتاح على الناس لتيسير امورهم.
لقد كان في الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرأها ومنهم من يجهر بها ومنهم من يسر، وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت فيها، ومنهم من يتوضأ من الرعاف والقيء، والحجامة، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يرى في مس المرأة نقضا للوضوء ومنهم من لا يرى ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الابل او ما مسته النار مسا مباشرا، ومنهم من لا يرى في ذلك بأسا.
ان هذا كله لم يمنع من أن يصلي بعضهم خلف بعض كما كان ابو حنيفة واصحابه والشافعي وائمة آخرون يصلون خلف ائمة المدينة من المالكية وغيرهم ولو لم يلتزموا بقراءة البسملة لا سرا ولا جهرا، وصلى الرشيد اماما وقد احتجم فصلى الامام ابو يوسف خلفه ولم يعد الصلاة مع أن الحجامة عنده تنقض الوضوء.
وكان الامام احمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الامام قد خرج من الدم ولم يتوضأ هل يصلى خلفه؟ فقال: «كيف لا أصلي خلف الامام مالك وسعيد بن المسيب»(125).
وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريبا من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله فلم يقنت والقنوت عنده سنة مؤكدة فقيل له في ذلك، فقال : «أخالفه وأنا في حضرته» وقال ايضا: «ربما انحدرنا الى مذهب أهل العراق»(126).
وكان مالك رحمه الله اثبت الائمة في حديث المدنيين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوثقهم اسنادا، وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبدالله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة رضوان الله عليهم اجمعين، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى وقد حدث وأفتى رضي الله عنه، وألف كتابه «الموطأ» الذي توخى فيه ايراد القوي من حديث أهل الحجاز، كما نقل ما ثبت لديه من اقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وبوبه على أبواب الفقه فأحسن ترتيبه وأجاد، وقد اعتبر «الموطأ» ثمرة جهد الامام مالك لمدة اربعين عاما، وهو أول كتاب في الحديث والفقه ظهر في الاسلام وقد وافقه على ما فيه سبعون عالما من معاصريه من علماء الحجاز، ومع ذلك فحين اراد المنصور كتابة عدة نسخ منه، وتوزيعها على الامصار، وحمل الناس على الفقه الذي فيه حسما للخلاف كان الامام مالك أول من رفض ذلك، فقد روي عنه أنه قال: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فان الناس قد سبقت لهم اقاويل، وسمعوا احاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق اليهم وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. فقال الخليفة : وفقك الله يا أبا عبدالله»(127).
فأي رجل هذا الامام الجليل الذي يأبى أن يحمل الناس على الكتاب الذي أودع فيه أحسن ما سمع من السنة، وأقوى ما حفظ وأدرك من العلم الذي لا اختلاف فيه عند أهل المدينة وذلك الحشد من علماء عصره.

رسالة الليث بن سعد الى الامام مالك:
ولعل من أفضل وأحسن أمثلة أدب الاختلاف تلك الرسالة العلمية الرائعة التي بعث بها فقيه مصر وامامها وعالمها الليث بن سعد الى الامام مالك، يعرض عليه فيها وجهة نظره في أدب جم رفيع حول كثير مما كان الامام مالك يذهب اليه ويخالفه فيه الليث بن سعد، ونظرا لطول الرسالة نقتطف منها ما يشير الى ذلك الادب الرفيع الذي اختلف فيه ظله سلف هذه الامة، وكرام علمائها، يقول الليث بن سعد:

(1/29)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية