صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : حلية الأولياء
المؤلف : أبو نعيم الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

سمعت أبا عمرو محمد بن أحمد بن حمدان يقول: سمعت محفوظ بن محمود يقول: من أبصر محاسن نفسه ابتلى بمساوئ الناس، ومن أبصر عيوب نفسه سلم من رؤية مساوئ الناس، ومن ظن بمسلم فتنة فهو المفتون.
سمعت محمد بن الحسين يقول: قال محفوظ: التائب الذي يتوب من غفلاته وطاعاته.
وقال: لا تزن الخلق بميزانك وزن نفسك بميزان المؤمنين لتعلم فضلهم وإفلاسك.
وقال: أكثر الناس خيرا أسلمهم صدرا للمسلمين.
ابن طاهر الأبهري
ومنهم الأبهري أبو بكر بن طاهر، ظهر من حجابه الساتر، وغمر في جنابه العامر، رايات الكرام له مرفوعة، وطوارق الإياس عنه موضوعة، بسط لسانه في وجود الموجود وكرم المنعم المحمود.
سمعت أبا نصر النيسابوري يحكي عن عبد العزيز الأبهري، قال: قال أبو بكر بن طاهر: رفع الله عن العالمين به حجب الأستار وأطلعهم على طويات مخزونات الأسرار، وأمدهم بمواد المعارف والأنوار، فهم بما ألبسهم من نوره إلى أسراره متطلعون، وبما كاشفهم من شواهد حقيقة معرفته على سائر الأمور مشرفون، لا يقدح في قلوبهم ريب، بل كل ما أطلعهم عليه أثبت عندهم من العيان لأن بصائر الحقيقة لهم لامعة، وأعلام الحق لهم مرفوعة لائحة، ائتمنهم الحق على معرفته إلهاما وتفضلا وإكراما، أجزل لهم عطاياه وجعل قلوبهم مطاياه، فدنا منها بلا مسافة، ونزل أسرارهم بلا ممازجة، فحماهم من الغفلة والفتور، ففنيت صفاتهم بوجود شهوده، فليس لهم عنه مغيب، وعليهم في كل أحوالهم منه رقيب.
سمعت أبا نصر يقول: قال عبد العزيز بن محمد الأبهري: كان عبد الله بن طاهر يقول: إذا لاحظ كرمه إني لأرجو أن يكون توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، ولا يعجز عن محق ما بعده من ذنب.
وكان يقول: ما أحببت أن تنجو منه بعملك فإلى حبك له تشير.
وقال: ذنب يظهر به كرمه أحب إلي من عمل يظهر به شرفي.
وقال: قوم سألوا الله بألسنة الأعمال، وقوم سألوه بألسنة الرحمة، فكم بين من سأل بربه، وبين من رجا ربه بعمله. وليس من رجا ربه بجوده كمن رجا ربه بنفسه.
وكان يقول: ما قدر طاعة نقابل بها نعمه، وما قدر ذنوب نقابل بها كرمه، إني لأرجو أن تكون ذنوبنا في كرمه أقل من طاعتنا في نعمه، إذ لا يذنب العبد من الذنوب ما يغمر به عفو مولاه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول: في المحن ثلاثة أشياء: تطهير وتكفير وتذكير. فالتطهير من الكبائر، والتكفير من الصغائر، والتذكير لأهل الصفا.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الواحد بن أبي بكر يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: حضرت مع أبي بكر بن طاهر جنازة فرأى بعض إخوان الميت يكثرون البكاء فنظر إلى أصحابه وأنشد:
ويبكي على الموتى ويترك نفسه ... ويزعم أن قد قل عنهم عزاؤه
ولو كان ذا رأي وعقل وفطنة ... لكان عليه لا عليهم بكاؤه
وقال أبو بكر بن طاهر: من خاف على نفسه شق عليه ركوب الأهوال، ومن شق عليه ركوب الأهوال لا يرتقي إلى سمو المعالي في الأحوال.
أبو بكر الأبهري
ومنهم المطوعي أبو بكر بن عيسى الأبهري. كان من المفوضين، وتعلو أحواله على السالكين والسائحين.
ذكر لي فيما أرى أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهروي، عن إبراهيم بن أبي حماد الأبهري أن أبا بكر بن طاهر الأبهري حضر أبا بكر بن عيسى الأبهري وهو في النزع فقال له: أحسن بربك الظن. ففتح عينيه مقبلا عليه فقال: لمثلي يقال هذا الكلام؟ إن تركنا عبدناه، وإن دعانا أجبناه.
أبو الحسن الصائغ
ومنهم أبو الحسن الصائغ الدينوري. سكن مصر. كان في المعاملة مخلصا وعن النظر إلى سوى الحق معرضا.
سمعت أبا سعيد القلانسي يقول فيما حكى لنا عن الرقي أن أبا الحسن كان يقول: حكم المريد أن يتخلى من الدنيا مرتين: أولاهما ترك نعيمها ونضرتها ومطاعمها ومشاربها وما فيها من غرورها وفضولها. والثانية إذا أقبل الناس عليه مبجلين له مكرمين لتركه للدنيا أن يزهد في الناس المقبلين عليه، فيخالط أهل الدنيا وأبناءها، فإن إقبال الناس عليه وتبجيلهم له لتركه فضول الدنيا إذا سكن إليهم، ولاحظهم، ذنب عظيم، وفتنة عاجلة. وكان يقول: من فساد الطبع التمني والأمل.

(4/424)


وكان يقول: المعرفة رؤية المنة في كل الأحوال، والعجز عن أداء شكر المنعم من كل الوجوه، والتبرؤ من الحول في كل شيء.
ممشاد الدينوري
ومنهم الدينوري ممشاد، حارس همته العالية، وغارس خطراته الآتية.
سمعت أبي يقول - وكان قد لقيه وشاهده - قال: سمعته يقول: الهمة مقدمة الأشياء فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال.
وكان يقول: أحسن الناس حالا من أسقط عن نفسه رؤية الخلق، وكان صافي الخلوات لسره راعيا، واعتمد في جميع أموره على من كان له كافيا، واثقا بضمانه.
وكان يقول: لو جمعت حكمة الأولين والآخرين، وادعيت أحوال السادة من الأولياء والصادقين لن تصل إلى درجات العارفين حتى يسكن سرك إلى الله وتثق به فيما ضمن لك.
وكان يقول: ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك. وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك.
أبو إسحاق القصار
ومنهم الرقي إبراهيم بن داود أبو إسحاق القصار. ذو الهم المخزون والبيان الموزون.
سمعت محمد بن موسى يقول: سمعت الحسين بن أحمد يقول: سمعت إبراهيم القصار الرقي يقول: قيمة كل إنسان بقدر همته، فإن كانت همته للدنيا فلا قيمة له. وإن كانت همته رضاء الله فلا يمكن استدراك غاية قيمته ولا الوقوف عليها.
اخبرنا أبو الفضل نصر بن محمد الطوسي، قال: سمعت إبراهيم بن أحمد بن المولد يقول: سأل رجل إبراهيم القصار الرقي فقال: هل يبدي المحب حبه؟ أو هل ينطق به؟ أو هل يطيق كتمانه؟ فأنشأ متمثلا يقول:
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف
حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
وكان يقول: علامة محبة الله إيثار طاعته، ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم. وكان يقول: الأبصار قوية والبصائر ضعيفة، وأضعف الخلق من ضعف عن رد شهوته، وأقوى خلقه من قوي على ردها. وكان يقول: حسبك من الدنيا شيئان: خدمة ولي وصحبة فقير.
أبو عبد الله بن بكر
ومنهم الصبيحي أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن بكر.
له العقل الرصين، والكلام الواضح المبين. وصحبة والدي بالبصرة قبل انتقاله إلى السوس. له المصنفات في أحوال القوم بعبارات لطيفة، وإشارات بديعة. وبلغني أنه لزم سريا في داره بالبصرة ثلاثين سنة متعبدا فيها.
وكان يقول: النظر في عواقب الأمور من أحوال العاجزين، والهجوم على الموارد من أحوال السائرين، والخمود بالرضا تحت القضاء من أفعال العارفين.
وسئل عن أصول الدين فقال: إثبات صدق الافتقار إلى الله، ولزوم الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفروعه أربعة أشياء: الوفاء بالعهود وحفظ الحدود والرضا بالموجود والصبر عن المفقود.
وكان يقول: الربوبية سبقت العبودية، وبالربوبية ظهرت العبودية، وتمام وفاء العبودية مشاهدة الربوبية.
وكان يقول: ابتلى الخلائق بأسرهم بالدعاوي العريضة في المغيب، فإذا أظلتهم هيبة المشهد خرسوا وانقمعوا وصاروا لا شيء، ولو صدقوا في دعاويهم لبرزوا عند المشاهدة كما برز نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتقدم الخلائق بقدم الصدق حين طلب إليه الشفاعة فقال: أنا لها. لم ترعه هيبة الموقف لما كان عليه من قدم الصدق، وما أشبه هذه الدعاوي الباطلة إلا بقول بعضهم حيث يقول:
ينوي العتاب له من قبل رؤيته ... فإن رآه فدمع العين مسكوب
لا يستطيع كلاما حين يبصره ... كل اللسان وفي الأحشاء تلهيب
وليس يخرس الألسنة في المشاهدة إلا بعدها من الصدق. فمن صدق في المحبة تكلم عنه الضمير إذا سكت عن النطق باللسان.
المرتعش
ومنهم عبد الله بن محمد أبو محمد المعروف بالمرتعش - كانت المشاهدة باطنة، والمثابرة سابقة.
سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: كان أبو محمد المرتعش له اللسان الناطق والخاطر الفائق، وكان يقول: أفضل الأرزاق تصحيح العبودية على المشاهدة، ومعانقة الخدمة على موافقة السنة، ولا وصول إلى محبة الله إلا ببغض ما أبغضه الله، وهي فضول الدنيا وأماني النفس، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، ولا سبيل إلى تصحيح المعاملة إلا بالإخلاص فيها والصبر عليها.

(4/425)


سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت الإمام أبا سهل محمد بن سليمان الفقيه يقول: قال رجل للمرتعش: أوصني. فقال: اذهب إلى من هو خير لك مني، ودعني إلى من هو خير لي منك. وجاءه رجل فقال: أي الأعمال أفضل؟ فقال: رؤية فضل الله. وأنشأ يقول:
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم
وكان يقول: أصول التوحيد ثلاثة: معرفة الله بالربوبية، والإقرار له بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة.
النهرجوري
ومنهم أبو يعقوب إسحاق بن محمد النهرجوري. كان ذا نور زاهر، وحضور شاهر.
سمعت أبا عمرو العثماني يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: الذي اجتمع عليه المحققون في حقائقهم أن الله تعالى غير مفقود فيطلب، ولا له غاية فيدرك، ومن أدرك موجودا فهو بالموجود مغرور، والموجود عندنا معرفة حال وكشف علم بلا حال. وكان يقول: من عرف الله لم يغتر بالله. وقال لرجل: يا دنيء الهمة، فقال الرجل: لم تقول هذا أيها الشيخ؟ فقال: لأن الله يقول: " قل متاع الدنيا قليل " . " النساء 77 " . ونصيبك من هذا القليل حقير، وما في يديك منه يسير، وأنت بها بخيل، تريد أن تكون بإمساكها نبيلا؟ فإن بذلت بذلت قليلا، وإن منعت منعت قليلا، فلا أنت بالمنع ملوم ولا بالبذل محمود. وكان يقول: مشاهدة الأرواح تحقيق، ومشاهدة القلوب تعريف، فإذا اقتضاني ربي بعض حقه قبلي فذاك أوان حزني، وإذا أذن اقتضاء سره فذاك أوان سروري ونعمتي، إذ هو بالجود والوفاء معروف، والعبد بالضعف والعجز موصوف.
أبو علي الروذباري
ومنهم أبو علي الروذباري أحمد بن محمد بن مقسم، له اللسان الفصيح، والبيان النجيح. بغدادي انتقل إلى مصر وتوفي بها.
سمعت أبا محمد بن أبي عمران الهروي يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري، يقول: سئل أبو علي خالي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول: أبيح له الوصول إلى المنزلة التي لا تؤثر في اختلاف الأحوال؟ فقال: نعم، قد وصل ولكن وصوله إلى سقر.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي يقول: سمعت أبا علي الروذباري وسئل عن الإشارة قال: الإشارة الإبانة عما تضمنه الوجد من المشار إليه لا غير، وفي الحقيقة أن الإشارة تصحبها العلل والعلل بعيدة من عين الحقائق.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: والاهم قبل أفعالهم. وعاداهم قبل أفعالهم، ثم جازاهم بأفعالهم.
قال: وسمعت أبا علي يقول: من الاعتدال أن تسيء فيحسن إليك فتترك الإتابة والتوبة توهما أنك تسامح في الهفوات، وترى أن ذلك في بسط الحق لك.
وقال: تشوقت القلوب إلى مشاهدة ذات الحق فألقيت إليها الأسامي فركنت إليها مشغوفون بها عن الذات إلى أوان التجلي، فذلك قوله تعالى: " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " . " الأعراف 180 " . فوقفوا معها عن إدراك الحقائق، فأظهر الأسامي وأبداها للخلق لتسكين شوق المحبين له، وتأنيس قلوب العارفين به، وقال: المشاهدات للقلوب والمكاشفات للأسرار والمعاينات للبصائر.
اخبرني أبو الفضل الطوسي نصر بن أبي نصر، قال: سمعت أبا سعيد الكازروني يقول: قال أبو علي الروذباري: لا رضا لمن لا يصبر، ولا كمال لمن لا يشكر. بالله وصل العارفون إلى محبته، وشكروه على نعمته.
سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت همام بن الحارث، يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: إن المشتاقين إلى الله يجدون حلاوة الوقت عند وروده لما كشف لهم من روح الوصول إلى قربه أحلى من الشهد. وقال أبو علي: من رزق ثلاثة أشياء فقد سلم من الآفات: بطن جائع معه قلب خاشع. وفقر دائم معه زهد حاضر. وصبر كامل معه قناعة دائمة.
وقال أبو علي: في اكتساب الدنيا مذلة النفوس، وفي اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى.
أبو بكرالكتاني
ومنهم أبو بكر محمد بن علي بن جعفر الكتاني. بغدادي سكن مكة، يعرف بسراج الحرم. صحب الجنيد والخزاز والنوري.
سمعت أبا جعفر الخياط الأصبهاني يقول: صحبته سنين فكان يزداد على الأيام ارتفاعا وفي نفسه اتضاعا.
وسمعته يقول: روعة عند انتباه من غفلة وانقطاع عن حظ النفس وارتعاد من خوف القطيعة أعود على المريد من عبادة الثقلين.

(4/426)


وكان يقول: إذا سألت الله التوفيق فابتدئ بالعمل.
وكان يقول: وجود العطاء من الحق شهود الحق بالحق، لأن الحق دليل على كل شيء ولا يكون شيء دونه دليلا عليه.
سمعت محمد بن موسى يقول: سمعت أبا الحسن القزويني يقول: سمعت أبا بكر الكتاني يقول: إذا صح الافتقار إلى الله صحت العناية، لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بصاحبه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت الكتاني يقول: الشهوة زمام الشيطان من أخذ بزمامه كان عبده. وسئل عن المتقي فقال: من اتقى ما لهج به العوام من متابعة الشهوات وركوب المخالفات، ولزوم باب الموافقة، وأنس براحة اليقين، واستند إلى ركن التوكل، أتته الفوائد في كل أحواله غير غافل عنها.
سمعت عبد الرحمن بن أحمد الصائغ الأصبهاني بمكة يقول: سمعت الكتاني يقول: عيش الغافلين في حلم الله عنهم، وعيش الذاكرين في رحمته، وعيش العارفين في ألطافه، وعيش الصادقين في قربه. وكان يقول: حقائق الحق إذا تجلت لسر أزالت الظنون والأماني، لأن الحق إذا استولى على سر قهره ولا يبقى للغير معه أثر. وكان يقول: العلم بالله أعلى وأولى من العبادة له.
ابن فاتك
ومنهم أبو عبد الله بن فاتك. من المراقبين. لزم الثغور ملتزما للشهود والحضور.
سئل عن المراقبة فقال: إذا كنت فاعلا فانظر نظر الله إليك، وإذا كنت قائلا فانظر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكنا فانظر علم الله فيك. قال الله تعالى: " إنني معكما أسمع وأرى " . " طه 46 " . وقال: " يعلم ما أنفسكم فاحذروه " . " البقرة 235 " . وكان يقول: الرجال ثلاثة: رجل شغل بمعاشه عن معاده فهذا هالك. ورجل شغل بمعاده عن معاشه فهذا فائز. ورجل اشتغل بهما فهذا مخاطر، مرة له ومرة عليه.
ابن علان
ومنهم أبو عبد الله بن علان. محفوظ عن التلوين والنقلان.
سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت عبد الله بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عبد الله بن علان يقول: ما من عبد حفظ جوارحه إلا حفظ الله عليه قلبه، وما من عبد حفظ الله عليه قلبه إلا جعله الله أمينا في أرضه، وما من عبد جعله الله أمينا في أرضه إلا جعله الله إماما يقتدى به. وما من عبد جعله الله إماما يقتدى به إلا جعله حجة على خلقه.
سهل الأنباري
ومنهم سهل بن وهبان الأنباري، من أقران الجنيد.
اخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - قال علان البناء سمعت المثني الأنباري يقول: سمعت سهل بن وهبان يقول: لا تكونوا بالمضمون مهتمين فتكونوا للضامن متهمين، وبعدته غير واثقين.
عبد الله بن دينار
ومنهم عبد الله بن دينار. واعي الخطرات وراعي اللحظات.
اخبرنا محمد بن أحمد بن الفيد في كتابه وقد رأيته وحدثني عنه أبو القاسم الهاشمي قال: أخبرني جعفر بن عبد الله الدينوري، قال: سمعت أبا حمزة يقول: قلت لعبد الله بن دينار الجعفي: أوصني. قال: اتق الله في خلواتك، وحافظ على أوقات صلواتك، وغض طرفك عن لحظاتك، تكون عند الله مقربا في حالاتك.
أبو علي الوراق
ومنهم أبو علي الوراق. عارف الآفات. مسلم من الشبهات.
اخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه، وحدثني عنه محمد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا علي الوراق، يقول: من جهل قدر نفسه عدل على نفسه وعدل على غيره. وآفة الناس من قلة معرفتهم بأنفسهم.
ابن الكاتب
ومنهم الحسن بن أحمد بن أبي علي المعروف بابن الكاتب. من شيوخ المصريين.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت أبا علي الكاتب يقول: إذا انقطع العبد إلى الله بالكلية أول ما يفيده الله الاستغناء به عمن سواه. وكان يقول: قال الله: من صبر علينا وصل إلينا. وكان يقول: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا القاسم المصري يقول: قيل لأبي علي بن الكاتب: إلى أي الجانبين أنت أميل، إلى الفقراء أو إلى الأغنياء؟ فقال: إلى أعلاهما رتبة وأسناهما قدرا. ثم أنشأ يقول:
ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر

(4/427)


وكان يقول: الهمة مقدمة في الأشياء، فمن صحح همته بالصدق أتت توابعها على الصحة والصدق، فإن الفروع تتبع الأصول. ومن أهمل همته أتت عليه توابعها مهملة، والمهمل من الأفعال والأحوال لا يصلح لبساط الحق. وقال: إن الله يرزق العبد حلاوة ذكره، فإن فرح به وشكره آنسه بقربه، وإن قصر في الشكر أجرى الذكر على لسانه وسيلة حلاوته به.
القرميسيني
ومنهم القرميسيني ومظفر، له اللفظ المحبر. أحد مشايخ الجبل، عرف العلل واحترز من الزلل.
سمعت أبا بكر الدينوري الطرسوسي - شيخ الحرمة - يقول: قال مظفر القرميسيني وسئل: ما خير ما أعطى العبد؟ قال: فراغ القلب عما لا يعنيه ليتفرغ إلى ما يعنيه.
سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن دينار الدينوري بمكة يقول: سمعت مظفر القرميسيني يقول: أفضل أعمال العباد حفظ أوقاتهم، وهو أن لا يقصروا في أمره ولا يتجاوزوا عن حده.
وقال: العارف من جعل قلبه لمولاه وجسده لخلقه وأفضل ما يلقى بع العبد ربه نصيحة من قلبه، وتوبة من ذنوبه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: قال مظفر القرميسيني: من أفقره إبيه أغناه ليعرفه بالفقر عبوديته وبالغنى ربوبيته.
وقال: من قتله الحب أحياه القرب.
سمعت محمد بن الحسين يقول: قال مظفر: الجوع إذا ساعدته القناعة مزرعة الفكرة وينبوع الحكمة، وحياة الفطنة ومصباح القلب.
وقال: يحاسب الله المؤمنين يوم القيامة بالمنة والفضل، ويحاسب الكفار بالحجة والعدل.
سمعت محمد بن الحسين يقول: قال مظفر: ليس لك من عمرك إلا نفس واحدة فإن لم تفنها فيما لك فلا تفنها فيما عليك.
إبراهيم بن شيبان
ومنهم القرميسيني إبراهيم بن شيبان، أيد باليقين والإيقان، وحفظ من التصنع والتزين بالعرفان، كان من المتمسكين بالقرآن والبيان.
سمعت أبا عبد الله بن دينار الدينوري بمكة يقول: سمعت إبراهيم ابن شيبان يقول: المتعطل من لزم الرخص معتنقا للملاذ والملاهي، وأخلى قلبه من الخوف والحذر، لأن الخوف يدفع عن الشهوات، ويقطع عن السلو والغفلات.
سمعت أبا بكر بن أحمد الطرسوسي بمكة يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: من أراد أن يكون معدودا في الأحرار، مذكورا عند الأبرار، فليخلص عبادة ربه، فإن المتحقق في العبودية مسلم من الأغيار.
وكان يقول: الفناء والبقاء مداره على إخلاص الوحدانية والتحقق بالعبودية، وكل علم يعدو هذا ويخالفه فمرجعه إلى الأغاليط والأباطيل. ومن تكلم في الإخلاص ولم يقتض من نفسه حقيقته ابتلاه الله بهتك ستره وافتضاحه عند أقرانه وإخوانه.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت أبا علي القصير يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن شيبان يقول: قال لي أبي: يا بني تعلم العلم لآداب الظاهر، واستعمل الورع لآداب الباطن، وإياك أن يشغلك عن الله شاغل، فقل من أعرض عنه فأقبل عليه.
أبو الحسين بن بنان
ومنهم الواله السكران، أبو الحسين بن بنان، شيخ مصر، مات في التيه والها. صحب أبا سعيد الخزاز.
سمعت أبا عثمان سعيد بن سلام المغربي - بمكة ونيسابور - يقول: قال أبو الحسين بن بنان: الناس يعطشون في المفاوز السحيقة، والبوادي المتلفة، وأنا عطشان وأنا على شط النيل والفرات.
قال: وسمعته يقول: آثار المحبة إذا بدت ورياحها إذا هاجت، تميت قوما وتحيي آخرين، وأفنت أسرارا وأبقت آثارا، تؤثر آثارا مختلفة، وتثير أسرارا مكنونة، وتكشف أحوالا كامنة.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول: سمعت الزقاق يقول: سمعت أبا الحسين بن بنان يقول: كل صوفي يكون هم الرزق في قلبه فلزوم العمل أقرب له إلى الله، وعلامة سكون القلب والركون إلى الله أن يكون قويا عند زوال الدنيا وإدبارها عنه، ويكون بما في يد الله أقوى وأوثق بالقلب يورث البركات.
علي الفارسي
ومنهم الحاضر الفارسي، أبو الحسين علي بن هند الفارسي. صحب عمرا المكي والجنيد وجعفر الحذاء.
سمعت أبا القاسم الهاشمي يقول: قال أبو الحسن بن هند الفارسي: القلوب أوعية وظروف. وكل وعاء وظرف لنوع من المحمولات، فقلوب الأولياء أوعية المعرفة، وقلوب العارفين أوعية المحبة، وقلوب المحبين أوعية الشوق، وقلوب المشتاقين أوعية الأنس. ولهذه الأحوال آداب من لم يستعملها في أوقاتها هلك من حيث يرجو به النجاة.

(4/428)


سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسين بن هند يقول: استرح مع الله ولا تسترح عن الله، فإن من استراح مع الله نجا، ومن استراح عن الله هلك. والاستراحة مع الله تروح القلوب بذكره. والاستراحة عن الله مداومة الغفلة.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت أبا الحسين بن هند يقول: المتمسك بكتاب الله هو الملاحظ للحق على دوام الأوقات، والمتمسك بكتاب الله لا يخفي عليه شيء من أمر دينه ودنياه، بل يجري في أوقاته على المشاهدة لا على الغفلة، فيأخذ الأشياء من معدنها ويضعها في معدنها. وكان يقول: اجتهد أن لا تفارق باب سيدك بحال فإنه ملجأ الكل، فإن من فارق تلك السدة لا يرى بعدها لقدميه قرارا ولا مقاما. وقال:
كنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين المفر
الحسين بن علي بن يزدانيار
ومنهم المتمسك بالتنصل والاعتذار، أبو بكر الحسين بن علي بن يزدانيار. له لسان في لزوم الظواهر، وتحقيق بمناجاته ما يعرض من الخواطر في السواتر.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت محمد بن شاذان الرازي يقول: سمعت أبا بكر بن يزدانيار يقول: إياك والطمع في المنزلة عند الله وكنت تحب المنزلة عند الناس.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر بن شاذان يقول: سمعت ابن يزدانيار يقول: الروح مزرعة الخير لأنه معدن الرحمة، والجسد مزرعة الشر لأنه معدن الشهوة، والروح مطبوع بالخير، والنفس مطبوعة بإرادة الشر، والهوى مدبر الجسد، والعقل مدبر الروح، والمعرفة خاطرة فيما بين العقل والهوى، والمعرفة في القلب، والعقل والهوى يتنازعان ويتحاربان، والهوى صاحب جيش النفس، والعقل صاحب جيش القلب، والتوفيق من الله مدد العقل، والخذلان مدد الهوى، والظفر لمن أراد الله سعادته أو شقاوته، ومن استغفر وهو ملازم للذنب محجوب عن التوبة والإنابة. والمعرفة صحة العلم بالله، واليقين النظر بعين القلب إلى ما وعد الله وادخره.
أسند الحديث الكثير، ومن مسانيد حديثه ما: اخبرني محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي - في كتابه وقد رأته - قال: حدثني الحسين بن علي بن يزدانيار الصوفي، حدثنا محمد بن يونس الكديمي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء " .
إبراهيم بن أحمد المولد
ومنهم المؤيد إبراهيم بن أحمد المولد. صحب أبا عبد الله الجلاء، وإبراهيم ابن داود القصار الرقي.
وكان يقول: حلاوة الطاعات للمخلص مذهبه لوحشة العجب.
سمعت عمرو بن واضح يقول: سمعت إبراهيم بن المولد يقول: عجبت لمن عرف الطريق إلى ربه كيف يعيش مع غيره وهو تعالى يقول: " وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له " . " الزمر 54 " . وكان يقول: من قال بالله أفناه عنه، ومن قال عنه أبقاه له.
وكان يقول: من قام إلى الأوامر لله كان بين قبول ورد. ومن قام إليها بالله كان مقبولا بلا شك.
وكان يقول: نفسك سائرة بك، وقلبك طائر بك، فكن مع أقربهما وصولا.
سمعت محمد بن الحسين يقول: أنشدني منصور بن عبد الله قال: أنشدني إبراهيم بن المولد لبعضهم:
لولا مدامع عشاق ولوعتهم ... لبان في الناس عز الماء والنار
فكل نار فمن أنفاسهم قدحت ... وكل ماء فمن عين لهم جار
وكان يقول: ثمن التصوف الفناء فيه، فإذا فنى فيه بقى بقاء الأبد، لأن الفاني عن محبوبه باق بمشاهدة المطلوب، وذلك بقاء الأبد.
حدثنا أبو الفضل الطوسي نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب العطار - قدم نيسابور وكتبت عنه حديث إبراهيم بن أحمد بن المولد الصوفي - حدثنا محمد ابن يوسف - بدمشق - حدثنا سالم بن العباس الوليد الحمصي، حدثنا عبد الرحمن ابن أيوب بن سعيد، عن أيوب السكوني، حدثنا العطاف بن خالد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أذن الله لأهل الجنة بالتجارة لاتجروا بالبز والعطر " .
تفرد به العطاف عن نافع.
حدثناه عاليا محمد بن المظفر، حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا عبد الرحمن بن أيوب الحمصي، حدثنا العطاف بن خالد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أن الله أذن لأهل الجنة في التجارة بينهم لتبايعوا البز والعطر " .

(4/429)


حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن محمد بن المصري - قدم علينا رفيق ابن منده - حدثنا أبو الفتح أحمد بن إبراهيم بن برهان المقرئ، حدثنا إبراهيم بن المولد الصوفي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي الناقد - بمصر - حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا محمد بن حازم، عن أبي رجاء، عن أبي سنان، عن وائلة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن ورعا تكن أعبد الناس " .
تفرد به أبو رجاء واسمه محرز بن عبد الله عن يزيد بن سنان.
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن سلم، حدثنا سهل ابن عثمان، حدثنا المحاربي، عن أبي رجاء محرز بن عبد الله، عن يزيد بن سنان، عن مكحول، عن وائلة بن الأسقع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قانعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب " .
علي بن عبد الحميد
ومنهم علي بن عبد الحميد العطائري، المجتهد الزائري، له الأحوال البديعة والأعمال الرفيعة.
سمعت محمد بن الحسين اليقطيني، ومحمد بن إبراهيم، يقولان: سمعنا علي بن عبد الحميد العطائري يقول: دققت على أبي الحسن السري بن المغلس السقطي بابه فسمعته يقول: اللهم من شغلني عنك فأشغله بك عني. فكان من بركة دعائه أني حججت من حلب ماشيا على قدمي أربعين حجة. وكان يعد من الأبدال.
حدثنا محمد بن علي بن عاصم، حدثنا علي بن عبد الحميد العطائري - وكان من الأبدال - حدثنا سوار بن عبد الله، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا سفيان الثوري، عن معاوية بن صالح، عن محمد بن ربيعة، عن عبد الله بن عامر، قال: سمعت معاوية يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " .
سعيد بن عبد العزيز
ومنهم سعيد بن عبد العزيز الحلبي - سكن دمشق، صحب سريا السقطي أحد الأوتاد، من علماء العباد. تخرج له عدة من الأعلام: إبراهيم بن المولد وطبقته، ملازم للشرع متبع له.
حدثنا محمد بن المظفر، حدثنا سعيد بن عبد العزيز بن مروان أبو عثمان - بدمشق - حدثنا أبو نعيم عبيد بن هشام، حدثنا حفص بن عمران الواسطي، حدثنا عمرو بن كثير، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبان ابن عثمان بن عفان، عن أبيه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أولى رجلا من بني عبد المطلب معروفا في الدنيا فلم يقدر المطلبي على مكافأته فأنا أكافئه عند يوم القيامة " .
أبو بكر الشبلي
ومنهم المجتذب الولهان، المستلب السكران، الوارد العطشان. اجتذب عن الكدور والأغيار، واستلب إلى الحضر والأنوار، وسقى بالدنان، وارتهن ممتلئا ريان. أبو بكر الشهير بالشبلي.
سمعت عمر البناء المزوق البغدادي بمكة يقول: سمعت الشبلي يقول: ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق. وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته.
سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول: أدخل الشبلي دار المرضى ليعالج فدخل عليه علي بن عيسى الوزير عائدا، فأقبل على الوزير فقال: ما فعل ربك؟ فقال الوزير: في السماء يقضي ويمضي، فقال: سألتك عن الرب الذي تعبده لا عن الرب الذي لا تعبده - يريد الخليفة المقتدر - فقال علي لبعض حاضريه ناظره. فقال الرجل: يا أبا بكر سمعتك تقول في حال صحتك: كل صديق بلا معجزة كذاب، وأنت صديق فما معجزتك؟ قال: معجزتي أن تعرض خاطري في حال صحوي على خاطري في حال سكري، فلا يخرجان عن موافقة الله تعالى.
سمعت أبا نصر النيسابوري يقول: سمعت أبا زرعة الطبري يحكي عن خير النساج قال: كنا في المسجد فجاءنا الشبلي وهو سكران، فنظرنا ولم يكلمنا فانهجم على الجنيد في بيته وهو جالس مع امرأته مكشوفة الرأس فهمت أن تغطي رأسها، فقال لها الجنيد: لا عليك، ليس هو هناك. قال: فصفق على رأس الجنيد وأنشأ يقول:
عودوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالصد والصد صعب
زعموا حين عاتبوا أن جرمي ... فرط حبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحسن الخضوع عند التلاقي ... ما جزى من يجب إلا يحب
ثم ولى الشبلي فضرب الجنيد رجليه وقال: هو ذاك. وخر مغشيا عليه.

(4/430)


أنشدنا محمد إبراهيم بن أحمد قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد الحزبي، قال: سمعت الشبلي كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين:
والهجر لو سكن الجنان تحولت ... نعم الجنان على العبيد جحيما
والوصل لو سكن الجحيم تحولت ... حر السعير على العباد نعيما
سمعت محمد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا الحسن المالكي بطرسوس يقول: اعتل الشبلي علة شديدة فأرجفوا بموته فبادرنا إلى داره فاتفق عنده ابن عطاء وجعفر الخلدي وجماعة من كبار أصحاب الجنيد، قال: فرفع رأسه فقال لهم: مالكم، أيش القصة؟ قال: فقلت وكنت أجرأهم عليه - : مالنا، جئنا إلى جنازتك، فاستوى جالسا فقال: الجوار الجوار، أموات جاءوا إلى جنازة حي. ثم قال لهم: ويحكم: أحسب أني قد مت فيكم من يقدر أن يحمل هيكلي.
سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت الشبلي يقول: وقفت بعرفة فطالبت الوقت فما رأيت أحدا له في التوحيد نفس، ثم رحمتهم فقلت: يا سيدي إن منعتهم إرادتك فلا تمنعهم مناهم منك.
سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب الوراق يقول: سمعت الشبلي يقول: ليس للمريد فترة ولا للعارف معرفة ولا للمعرفة علاقة ولا للمحب سكون، ولا للصادق دعوى، ولا للخائف قرار، ولا للخلق من الله فرار.
قال: وسمعته يقول: اللحظة كفر والخطرة شرك، والإشارة مكر، واللحظة حرمان والخطرة خذلان والإشارة هجران.
سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول: قال الشبلي: من انقطع اتصل ومن اتصل انفصل.
سمعت أبا القاسم عبد السلام بن محمد المخرمي يقول: سمعت الشبلي وسئل عن قول الله: " ادعوني أستجب لكم " . " غافر 60 " . قال: ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة.
سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت الشبلي يقول: اشتغل الناس بالحروف واشتغل أهل الحق بالحدود، فمن اشتغل بالحروف اشتغل بها خشية الغلبة، ومن اشتغل بالحدود اشتغل بها خشية الفضيحة.
سمعت أبا نصر النيسابوري يقول: سمعت أبا علي أحمد بن محمد يقول: سمعت الشبلي يقول: قوم أصحاء جئتم إلى مجنون، أي فائدة لكم في؟ أدخلت المارستان كذا وكذا مرة، وأسقيت من الدواء كذا وكذا دواء، فلم أزدد إلا جنونا.
سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب الوراق يقول: سمعت الشبلي وسئل عن المحبة فقال: المحبة الفراغ للحبيب وترك الاعتراض على الرقيب.
قال: وسمعته يقول: إذا ظننت أني فقدت فحينئذ قد وجدت، وإذا ظننت أني وجدت فهناك فقدت.
قال: وسمعته يقول: صراط الأولياء المحبة. وقال: المحبة الكاملة أن تحبه من قبله.
وقال: من أحب الله من قبل أن بر الله فهو مشرك.
سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن يعقوب الوراق يقول: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: صاحب الهمة لا يشتغل بشيء وصاحب الإرادة يشتغل بشيء. وقال: الهمة لله وما دونه ليس بهمة.
قال: وسمعته يقول: ما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مردود إليكم محدث مصنوع. وقال: من قال الله بالعادة فهو أحمق، ومن قال بالعرض فهو أخرق، ومن قال بالإخلاص فالشرك وطنه، ومن قال الله على أنها حقيقة للحق جهل بالله ظنه، ومن قال الله معتصما بها فقد جهل أوليته حتى يقول الله بالله.
قال: وسمعته ينشد في مجلسه:
الغيب رطب ينادي ... يا غافلين الصبوح
فقلت أهلا وسهلا ... ما دام في الجسم روح
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت الشبلي يقول: الأرواح تلطفت فتعلقت عند لدغات الحقيقة فلم تر غير الحق معبودا يستحق العبادة، فأيقنت أن المحدث لا يدرك القديم بصفات معلولة، فإذا صفاء الحق أوصله إليه لا وصل هو.
سمعت محمد بن إبراهيم أبا طاهر يقول: سمعت الشبلي يقول: تاهت الخليقة في العلم، وتاه العلم في الاسم، وتاه الاسم في الذات.
وسمعته كثيرا ينشد:
ودادكم هجر وحبكم قلى ... ووصلكم صرم وسلمكم حرب
وسمعته ينشد كثيرا:
لما بدا طالعا غابت لهيبته ... شمس النهار ولم يطلع لنا قمر

(4/431)


سمعت أبا نصر النيسابوري يقول: سمعت أحمد بن محمد الخطيب يقول: سمعت بكيرا تلميذ الشبلي يقول له: يا أستاذ أين أبغيه؟ فقال له: ثكلتك أمك، وهل يبغي من يأخذ السموات على أصبع والأرضين على أصبع فيهزهما ويقول: أنا الملك أين الملوك؟ إن الله لم يحجب عن خلقه، إنما الخلق احتجبوا عنه بحب الدنيا.
سمعت أبا نصر يقول: سمعت أحمد بن محمد النهاوندي يقول: مات للشبلي ابن كان اسمه غالبا، فجزت أمه شعرها عليه، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع، فقيل له: يا أستاذ ما حملك على هذا؟ فقال: جزت هذه شعرها على مفقود، فكيف لا أحلق لحيتي أنا على موجود.
سمعت أبا نصر النيسابوري يقول: سمعت أحمد بن محمد الخطيب يقول: سمعت الشبلي يقول: من اطلع على ذرة من علم التوحيد حمل السموات والأرضين على شعرة من جفن عينيه.
سمعت أبا نصر يقول: سمعت أحمد يقول: حضرت الشبلي وسئل عن قول بعضهم: لا تغرنكم هذه القبور وهدوءها فكم من فرح مسرور، وداع بالويل والثبور. فقال: أيما هي القبور عندك؟ قال: قبور الأموات. فقال: لا، بل أنتم القبور: كل واحد منكم مدفون، فالمعرض عن الله داع بالويل والثبور، والمقبل على الله الفرح المسرور. ثم أنشأ يقول:
قبور الورى تحت التراب وللهوى ... رجال لهم تحت الثياب قبور
فقلت له: يا سيدي ونعد في الموتى؟ فقال:
يحبك قلبي ما حييت فإن أمت ... يحبك عظم في التراب رميم
سمعت أبا سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي بنيسابور - يقول: سمعت الشبلي وسئل عن الزهد فقال: تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء.
وقال: من عرف الله خضع له كل شيء لأنه عاين أثر ملكه فيه.
قال: وسمعته يقول وقال له رجل: ادع الله لي، فأنشأ يقول:
مضى زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى ليلي الغداة شفيع
وقال له رجل: يا أبا بكر نراك جسيما بدينا والمحبة تضني؟ فأنشأ يقول:
أحب قلبي وما يدري بدني ... ولو درى ما أقام في السمن
سمعت أبا طاهر محمد بن إبراهيم يقول: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: إن الله تعالى موجود عند الناظرين في صنعه، مفقود عند الناظرين في ذاته.
اخبرني جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: التصوف لا حال يقل، ولا سماء يظل.
سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المفيد يقول: سمعت الجنيد بن محمد - وأقبل يوما على الشبلي - يقول: حرام عليك يا أبا بكر إن كلمت أحدا فإن الخلق غرقى عن الله وأنت غرق في الله.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الشبلي يقول في قول الله: " يمحو الله ما يشاء ويثبت " . " الرعد 39 " . قال: يمحو ما يشاء من شهود العبودية وأوصافها، ويثبت ما يشاء من شواهد الربوبية ودلائلها.
وسئل عن قوله تعالى: " والذين هم عن اللغو معرضون " . " المؤمنون 3 " . فقال: كل ما دون الله لغو.
وكان يقول: حفظ الأسرار صونها عن رؤية الأغيار.
وكان يقول: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية وغيرة الإلهية على الوقت أن يضيع فيما سوى الله.
اخبرني جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال: حضرت وفاة الشبلي فأمسك لسانه وعرق حبينه، فأشار إلى وضوء الصلاة فوضأته ونسيت التخليل، تخليل لحيته، فقبض على يدي وأدخل أصابعي في لحيته يخللها، فبكيت وقلت: أي شيء يتهيأ أن يقال لرجل لم يذهب عليه تخليل لحيته في الوضوء عند نزوع روحه وإمساك لسانه وعرق جبينه؟.
سمعت عبد الواحد بن محمد بن عمرو يقول: سمعت بندار بن الحسين يقول: سمعت الشبلي يقول: وكان أكثر اقتراح الجنيد على القوالين هذه الأبيات:
فلو أن لي في كل يوم وليلة ... ثمانين بحرا من دموع تدفق
لأفنيتها حتى ابتدأت بغيرها ... وهذا قليل للفتى حين يعشق
أهيم به حتى الممات لشقوتي ... وحولي من الحب المبرح خندق
وفوقي سحاب تمطر الشوق والهوى ... وتحتي عيون للهوى تتدفق
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الشبلي يقول: ما أحوج الناس إلى سكرة، فقلت: يا سيدي أي سكرة؟ فقال: سكرة تغنيهم عن ملاحظة أنفسهم وأفعالهم وأحوالهم. وأنشأ يقول:

(4/432)


وتحسبني حيا وإني لميت ... وبعضي من الهجران يبكي على بعض
سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: والله ما أعطيت فيه الرشوة قط ولا رضيت بسواه ولقد تاه عقلي فيه. وربما قال: غلبت ثماني وعشرين مرة حتى قيل لي مجنون ليلى فرضيت. ثم أنشد:
قالوا جننت على ليلى فقلت لهم ... الحب أيسره ما بالمجانين
ثم أنشد وقال:
جننا على ليلى وجنت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها
ثم أنشد:
ولو قلت طأ في النار بادرت نحوها ... سرورا لأني قد خطرت ببالكا
ثم أنشد:
سألبس للصبر ثوبا جميلا ... وأدرج ليلي ليلا طويلا
وأصبر بالرغم لا بالرضا ... أعلل نفسي قليلا قليلا
ثم أنشد وقال:
تنقب وزر فقلت لهم ... أشهر ما كنت حين أنتقب
إن عرفوني وأثبتوا صفتي ... أصبحت درا والدر ينتهب
سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول: حضرت أبا بكر الشبلي وسئل عن قوله تعالى: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " . " ق 37 " .
فقال: لمن كان الله قلبه. وأنشد:
ليس مني قلب إليك معنى ... كل عضو مني إليك قلوب
وتلا قوله تعالى: " فإذا برق البصر وخسف القمر " إلى قوله: " إلى ربك يومئذ المستقر " . " القيامة 7: 12 " . فلحقوا فهم ما أشار إليهم، فقال بعضهم: متى يصح ذا؟ قال: إذا مانت الدنيا والآخرة حلما، والله تعالى يقظة. وأنشد:
دع الأقمار تغرب أو تنير ... لنا بدر تذل له البدور
لنا من نوره في كل وقت ... ضياء ما تغيره الدهور
أنشدني منصور بن محمد المقري، قال: أنشدني أحمد بن نصر بن منصور الشاذابي المقري، قال: قيل لأبي بكر الشبلي: مزقت وأبليت كل ملبوسك والعيد قد أقبل والناس يتزينون وأنت هكذا؟ فأنشأ يقول:
قالوا أتى العيد ماذا أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حبه جزعا
فقر وصبرهما ثوباي تحتهما ... قلب يرى إلفة الأعياد والجمعا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ... والعيد ما كنت ليمرأى ومستمعا
أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به ... يوم التزاور في الثوب الذي خلعا
سمعت منصور بن محمد يقول: دخل أبو الفتح بن شفيع عليه عائدا في دار المرضى،قال: فسمعت صياحه يقول:
صح عند الناس أني عاشق ... غير أن لم يعلموا عشقي لمن
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي يقول: وقفت يوما على حلقة أبي بكر الشبلي فوقف سائل على حلقته وجعل يقول: يا الله يا جواد. فتأوه الشبلي وصاح وقال: كيف يمكنني أن أصف بالجود ومخلوق يقول في شكله:
تعود بسط الكف حتى لوانه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت آمله
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
ثم بكى وقال: بلى يا جواد، فإنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهموم، ثم مننت بعد ذلك على أقوام بالاستغناء عنهم وعما في أيديهم بك، فإنك الجواد كل الجواد، فإنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حد له ولا صفة، فيا جواد يعلو كل جواد، وبه جاد من جاد.

(4/433)


سمعت منصور بن محمد يقول: سمعت أحمد بن منصور بن نصر يقول: جاء ذات يوم الشبلي إلى أبي بكر بن مجاهد، وكان في مسجده غائبا، فسأل عنه فقيل له: هو عند علي بن عيسى، فقصد دار علي فاستأذن فقيل أبو بكر الشبلي يستأذنك. فقال أبو بكر بن مجاهد لعلي بن عيسى: اليوم أريك من الشبلي عجبا. فلما دخل وقعد قال له أبو بكر بن مجاهد: يا أبا بكر، أخبرت أنك تحرق الثياب والخبز والأطعمة وما ينتفع به الناس من منافعهم ومصالحهم، أين هذا من العلم والشرع؟ فقال له: قوله تعالى: " فطفق مسحا بالسوق والأعناق " . " ص 33 " . أين هذا من العلم؟ فسكت أبو بكر بن مجاهد وقال لعلي: كأني لم أقرأها قط. وبلغني عن غيره أنهم عاتبوه في مثله فتلا هذه الآية: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " . " الأنبياء 98 " . وتلا: " إنني براء مما تعبدون " . " الزخرف 26 " . هذه الأطعمة وهذه الشهوات حقيقة الخلق ومعبودهم، أبرأ منهم وأحرقه.
سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: نظرت في ذل كل ذي ذل فزاد ذلي عليهم، ونظرت في عز كل ذى عز فزاد عزي عليهم، فإذا عزهم ذل في عزي وتلا في أثره: " من كان يريد العزة فلله العزة جميعا " . " فاطر 10 " .
وكان يقول: من اعتز بذي العز فذو العز له عز. وقال:
أظلت علينا منك يوما غمامة ... أضاء لها برق وأبطأ رشاشها
فلا غيمها يجلو فييأس طامع ... ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها
فقال له رجل: يا أبا بكر، أخبرني عن توحيد مجرد بلسان حق مفرد. فقال: ويحك، من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن أرى أنه عتيد فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد. وسأله رجل عن مقام التوبة فقال له: يطرق سمعي من كتاب الله ما يحدوني على ترك الأشياء والأعراض عن الدنيا، ثم أرد إلى نفسي وإلى أحوالي وإلى الناس، ثم لا أبقى على هذا ولا على هذا، وأرجع إلى الوطن الأول مما كنت عليه من سماعي القرآن. فقال له: يقول الله: ما طرق سمعك من القرآن فاجتذبك به إلى فهو عطف مني عليك، ولطف مني بك، وما أردك به إلى نفسك فهو شفقة مني لك، لأنك لم يصح لك التبرؤ من الحول والقوة في التوجه إلي.
وسئل عن حقيقة الذكر فقال: نسيان القوى.
وسئل عن التوكل فقال: أن يحملك فيما حملك وسئل عن الخوف فقال: أن تخاف أن يسلمك إليك.
وسئل عن الرجاء فقال: ترجو ألا يقطع بك دونه.
وسئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " جعل رزقي تحت سيفي " فقال: سيفه الله، فأما ذو الفقار فهو قطعة حديد.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الخشاب يقول: سمعت بعض أصحاب الشبلي يقول: رأيت الشبلي في المنام فقلت له: يا أبا بكر، من أسعد أصحابك بصحبتك؟ فقال: أعظمهم لحرمات الله، وألهجهم بذكر الله، وأقومهم بحق الله، وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله، وأعرفهم بنقصانه، وأكثرهم تعظيما لما عظم الله من حرمة عباده.
ذكر جماعة أدركهم المصنف
قال الشيخ: ذكر جماعة من أعلام العارفين أدركنا أيامهم، انتشرت في العالم أحوالهم لاعتصامهم بالشرع المتين، فكانوا به عالمين وعاملين، وبمعاني الأحوال عارفين قائمين، وبمكارم الأخلاق متمسكين آخذين.
ذكرت عن كل واحد منهم نبذا مما نقل إلينا من أقوالهم الحميدة، وأحوالهم الشديدة.
ابن الأعرابي
فمنهم الأغر الأبلج، أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي. بصري نزيل مكة، توفي سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. له التصانيف المشهورة.
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أبو سعيد احمد بن محمد بن زياد الأعرابي - بمكة - حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن فضيل، عن الحسن بن صالح، عن أبي جناب الكلبي، عن طلحة بن مصرف، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسح على الخفين يا رسول الله؟ فقال: " نعم، للمسافر ولا تنزع من غائط ولا بول ولا نوم، ويوما للمقيم " .
غريب من حديث طلحة لا أعلم رواه عنه إلا أبو جناب.

(4/434)


سمعت عبد المنعم بن عمر يقول: سمعت أبا سعيد بن الأعرابي يقول: إن الله طيب الدنيا للعارفين بالخروج منها، وطيب الجنة بالخلود فيها. فلو قيل للعارف: إنك تبقى في الدنيا لمات كدا. ولو قيل لأهل الجنة: إنكم تخرجون منها لماتوا كمدا، فطابت الدنيا بذكر الخروج منها، وطابت الجنة بذكر الخلود فيها.
قال: وسئل أبو سعيد: ما الذي ترضى من الأوقات؟ قال الأوقات كلها لله، فأحسن الأوقات وقت يجري فيه على ما يرضيه عني.
وقال: إن الله أعار بعض أخلاق أوليائه أعداءه يستعطفهم بها على أوليائه.
أبو عمررو الزجاجي
ومنهم أبو عمرو الزجاجي محمد بن إبراهيم - نيسابوري الأصل، سكن مكة، حج قريبا من ستين حجة، لم يتغوط في الحرم أربعين سنة وهو مقيم بها، توفي سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
سمعت أبا بكر الرازي - ببغداد - يقول: قدم مع أبي إسحاق المزكي من مكة فسمعته يقول: سمعت أبا عمرو الزجاجي يقول: كان الناس في الجاهلية يتبعون ما تستحسنه العقول والطبائع، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباع الشرائع، فالعقل الصحيح ما يستحسن محاسن الشريعة، ويستقبح ما تستقبحه.
وسئل أبو عمرو عن الحمية فقال: الحمية في القلب تصحيح الإخلاص وملازمته. والحمية في النفوس ترك الدعوى ومجانبته.
وكان يقول: قسم الله الرحمة لمن اهتم لأمر دينه.
محمد بن عليان
ومنهم محمد بن علي النسوي يعرف بمحمد بن عليان. رفيع الهمة، له الكرامات الظاهرة.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت محمد بن أحمد الفراء، يقول: سمعت محمد بن عليان يقول: الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة.
وكان يقول: آيات الأولياء وكراماتهم رضاهم بما سخط العوام من مجاري المقدور.
وكان يقول: المروءة حفظ الدين وصيانة النفس، وحفظ حرمات المؤمنين، والجود بالموجود، وقصور الرؤية عنك وعن جميع أفعالك.
وكان يقول: كيف لا تحب من لا تنفك عن بره طرفة عين؟ وكيف تدعي محبة من لا توافقه طرفة عين؟
أحمد بن أبي سعدان
ومنهم أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي سعدان. بغدادي الأصل، كان ذا لسان وبيان، كان في علوم الشرع أحد الأعلام، ينتحل للشافعي، وله في علم العمال والعباد اللسان الشافي، أقام بطرسوس مدة فبعث رسولا إلى الروم لكمال حاله وبيانه.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت أبا القاسم الرازي يقول: سمعت أبا بكر بن أبي سعدان يقول: من علم بعلم الرواية ورث علم الدراية، ومن عمل بعلم الدراية ورث علم الرعاية، ومن علم بعلم الرعاية هدى إلى سبيل الحق.
سمعت محمد بن إبراهيم بن أحمد يقول: سمعت أبا بكر بن أبي سعدان يقول: الصابر على رجائه لا يقنط من فضله، ومن سمع بأذنه حكى، ومن سمع بقلبه وعظ، ومن عمل بما علم هدى واهتدى.
وقال: أول قسمة قسمت للنفس من الخيرات الروح ليتروح به من مساكنة الاغترار، ثم العلم ليدله على رشده، ثم العقل ليكون مشيرا للعلم إلى درجات المعارف، ومشيرا للنفس إلى قبول العلم، وصاحبا للروح في الجولان في الملكوت.
أبو الخير الأقطع
ومنهم أبو الخير الأقطع التيتاتي له الآيات. توفي بعد الأربعين. كان السباع والهوام يأنسون بمجالسته ويأوون إليه. كان ينسج الخوص بإحدى يديه.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت أحمد بن الحسين الرازي يقول: سمعت أبا الخير يقول: من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مرائي، ومن أحب أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب.
قال: وسمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول: دخل على أبي الخير جماعة من البغداديين يتكلمون بشطحهم بحضرته. فضاق صدره من كلامهم فخرج، فجاء السبع فدخل البيت فانضم بعضهم إلى بعض ساكتين، وتغيرت ألوانهم، فدخل أبو الخير فقال: يا سادتي أين تلك الدعاوي؟ وكان يقول: ما بلغ أحد حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب، وأداء الفريضة، ومحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين.
وكان يقول: القلوب ظروف، فقلب مملوء إيمانا وعلامته الشفقة على جميع المسلمين والاهتمام بما يهمهم، ومعاونتهم على مصالحهم. وقلب مملوء نفاقا وعلامته الحقد والغل والغش والحسد.

(4/435)


سمعت أبا الفضل أحمد بن أبي عمران الهروي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا الخير الأقطع يقول: إن الذاكر يقول: إن الذاكر لا يقوم له في ذكره عوض، فإذا قام له العوض خرج من ذكره.
سمعت من غير واحد ممن لقي أبا الخير أن سبب قطع يده أنه كان قد عاهد الله أن لا يتناول بشهوة نفسه شيئا مشتهيا. فرأى يوما بجبل اللكام شجرة زعرور فاستحسنها فقطع منها غصنا فتناول منها شيئا من الزعرور، فذكر عهده وتركه، ثم كان يقول: قطعت غصنا فقطع مني عضو.
أبو عبد الله البصري
ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سالم البصري، صاحب سهل بن عبد الله التستري وحفظ كلامه، سلك مسلك أستاذه سهل وابنه أبي الحسن. أدركته وله أصحاب ينتسبون إليه.
كان أبو عبد الله يقول: من عامل الله على رؤية السبق ظهرت عليه الكرامات.
وكان يقول: تزال عن القلب ظلم الرياء بالإخلاص، وظلم الكذب بنور الصدق، ومن صبر على مخالفة نفسه أوصله الله إلى مقام أنسه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع: أنحن مستعبدون بالكسب أو بالتوكل؟ فقال: التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته. واستن الكسب للضعفاء عن حال التوكل. ونزل عن درجة الكمال التي هي حاله، فمن أطاق التوكل فغير مباح له كسب يعتمد عليه، ومن ضعف عن التوكل أبيح له طلب المعاش في كسبه لئلا يسقط عن درجة سنته، حيث سقط عن درجة حاله.
وكان يقول: رؤية المنة مفتاح التودد.
وقال: يستر عورات المرء عقله وحلمه وسخاؤه. ويقومه في كل أحواله الصدق.
أبو الحسن البوسنجي
ومنهم أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن البوسنجي. سكن نيسابور، له البيان الشافي في المعارف والتوحيد، وله الفتوة والتجريد. توفي سنة ثمان وأربعين وثلثمائة.
حدثت عن محمد بن عبد الرحمن الشامي، قال: حدثني إسماعيل بن أبي إدريس، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا من الأوجاع كلها أن نقول: بسم الله الكبير أعوذ بالله العظيم من شر عرق نفار، ومن شر حرق النار " .
حدثناه سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن المبارك الصنعاني، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس به.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس محمد بن الحسين الخشاب البغدادي يقول: سمعت أبا الحسن البوسنجي وسألته عن السنة، فقال: البيعة تحت الشجرة وما وافق ذلك من الأفعال والأقوال.
وسألته عن التصوف فقال: اسم ولا حقيقة، وقد كان قبل حقيقة ولا اسما.
قال: وسألته عن المروءة فقال: ترك استعمال ما هو محرم عليك مع إكرام الكاتبين.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا الحسن البوسنجي يقول: الناس على ثلاثة منازل: الأولياء وهم الذين باطنهم أفضل من ظاهرهم. والعلماء وهم الذين سرهم وعلانيتهم سواء. والجهال وهم الذين علانيتهم تخالف أسرارهم ولا ينصفون من أنفسهم، ويطلبون الإنصاف من غيرهم.
وسئل عن المحبة فقال: بذل مجهودك مع معرفة محبوبك لأن محبوبك مع بذل مجهودك يفعل ما يشاء.
وقال: التوحيد حقيقة معرفته كما عرف نفسه إلى عباده، ثم الاستغناء به عن كل ما سواه.
وقال: أول الإيمان منوط بآخره، ألا ترى أن عقد الإيمان لا إله إلا الله، والإسلام منوط بأداء الشريعة بالإخلاص. قال الله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " . " البينة 5 " .
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا الحسن البوسنجي يقول: الخير منازله، والشر لنا صفة.
وسئل عن الفتوة، فقال: حسن المراعاة ودوام المراقبة، وألا ترى من نفسك ظاهرا يخالفه باطنك.
القاسم السياري
ومنهم أبو العباس السياري. الملقن تحف الباري. شيخ المراوزة ومحدثهم وفقيههم، توفي سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة.

(4/436)


حدثنا محمد بن أبي يعقوب، حدثنا القاسم بن القاسم السياري المروزي، حدثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بغير حديث. وحدثنا محمد بن الحسين بن موسى، حدثنا عبد الواحد بن علي السياري، حدثنا خالي أبو العباس القاسم بن القاسم السياري، حدثنا أحمد بن عباد بن سلم - وكان من الزهاد - حدثنا محمد بن عبيدة النافقاني، حدثنا عبد الله بن عبيدة العامري، حدثنا سورة بن شداد الزاهد، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن أدهم، عن موسى بن يزيد، عن أويس القرني، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد، ما من عبد يدعو بهذه الأسماء إلا وجبت له الجنة، إنه وتر يحب الوتر، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام، إلى قوله الرشيد الصبور " .
مثل حديث الأعرج عن أبي هريرة. حديث الأعرج، عن أبي هريرة صحيح متفق عليه. وحديث الثوري، عن إبراهيم فيه نظر لا صحة له.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الواحد يقول: سمعت خالي القاسم بن القاسم يقول: كيف السبيل إلى ترك ذنب كان عليك في اللوح المحفوظ محفوظا، وإلى صرف قضاء كان به العبد مربوطا.
وكان يقول: حقيقة المعرفة الخروج عن المعارف، وألا يخطر بقلبه ما دونه، وكان يقول: المعرفة حياة القلب بالله، وحياة القلب مع الله، ومن عرف الله خضع له كل شيء لأنه عاين أثر ملكه فيه. ومن حفظ قلبه مع الله بالصدق أجرى الله على لسانه الحكمة.
وكان يقول: ظلم الأطماع يمنع أنوار المشاهدات.
وكان يقول: الربوبية نفاذ الأمر والمشيئة والتقدير والقضية، والعبودية معرفة المعبود، والقيام بالمعهود.
وكان يقول: قيل لبعض الحكماء: من أين معاشك؟ فقال: من عند من ضيق المعاش على ما شاء من غير علة.
وكان يقول: ما أظهر الله شيئا إلا تحت ستره وستر شيئية الأشياء حتى لا يستوي علمان ولا معرفتان ولا قدرتان.
جعفر الخلدي
ومنهم جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، أبو محمد الخواص السائح اللامح القوام. المزين بالأخلاق الحميدة، والآخذ بالوثائق الأكيدة. كتب الآثار، وصحب الأخيار: الجنيد والثوري ورويما. حج سنين. توفي سنة ثمان وأربعين وثلثمائة.
اخبرني جعفر بن محمد بن نصير - فيما كتب إلى سنة ثلاث وأربعين - حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حميد، عن أنس: " أن الرجل كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم لذلك ثم لا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها " .
اخبرنا جعفر بن محمد في كتابه، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، عن خالد بن يسار، عن المسيب بن دارم، قال: قام الذي قتل عثمان في قتال العدو يستشعر المعركة رجاء أن يقتل فقتل من حوله ولم يقتل حتى مات على فراشه. قال جعفر: رجاء أن يقتل فيكفر عنه قتل عثمان. ولو قتل ألف مرة ما كفر عنه ذلك.
وأخبرني جعفر قال: لا يجد العبد لذة المعاملة مع لذة النفس، لأن أهل الحقائق قطعوا العلائق التي تقطعهم عن الحق قبل أن تقطعهم العلائق.
وقال جعفر: الفرق بين الرياء والإخلاص أن المرائي يعمل ليرى، والمخلص يعمل ليصل.
وقال جعفر: الفتوة احتقار النفس وتعظيم حرمة المسلمين. وقال جعفر لبعض أصحابه: اجتنب الدعاوي والتزم الأوامر فكثيرا ما كنت أسمع سيدنا الجنيد يقول: من لزم طريق المعاملة على الإخلاص أراحه الله عن الدعاوي الكاذبة.
وسئل جعفر عن العقل فقال: ما يبعدك عن مراتع الهلاك.
وسئل عن قوله تعالى: " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله " . " المائدة 5 " . قال: من لا يجتهد في معرفته لا تقبل خدمته.
أبو بكر الطمستاني
ومنهم أبو بكر الطمستاني، العالم الرباني. صحب الأعلام والأكابر، ونبه به الأعلام والأصاغر. قدم أصبهان وخرج منها إلى نيسابور وتوفي بها سنة أربعين وثلثمائة.
سمعت أبا حامد أحمد بن محمد بن رسته الجمال الصوفي يقول: إنه قدم فكان نازلا عليه فذكر من أحواله الرفيعة، واستصغاره الفانية الوضيعة، وكان يقول: جالسوا الله كثيرا وجالسوا الناس قليلا.

(4/437)


وكان يقول: الطريق واضح والكتاب والسنة قائمة بين أظهرنا، فمن صحب الكتاب والسنة وعزف عن نفسه والخلق والدنيا، وهاجر إلى الله بقلبه فهو الصادق المصيب المتبع لآثار الصحابة، لأنهم سموا السابقين لمفارقتهم الآباء والأبناء المخالفين، وتركوا الأوطان والإخوان، وهاجروا وآثروا الغربة والهجرة على الدنيا والرخاء والسعة وكانوا غرباء، فمن سلك مسلكهم واختار اختيارهم كان منهم ولهم تبعا.
وكان يقول: لا يمكن الخروج من النفس بالنفس، وإنما يمكن الخروج من النفس بالله وبصحة الإرادة لله.
وكان يقول: من استعمل الصدق بينه وبين ربه حماه صدقه مع الله عن رؤية الخلق والأنس بهم.
وكان يقول: من لم يكن الصدق وطنه فهو في فضول الدنيا وإن كان ساكنا.
وكان يقول: العلم قطعك عن الجهل فاجتهد ألا يقطعك عن الله.
وكان يقول: النفس كالنار إذا أطفئ من موضع تأجج من موضع، كذلك النفس إذا هدأت من جانب ثارت من جانب.
وكان يقول: كيف أصنع والكون كله لي عدو، وإياك والاغترار بلعل وعسى، وعليك بالهمة فإنها مقدمة الأشياء وعليها مدارها وإليها رجوعها.
أبو العباس أحمد الدينوري
ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد الدينوري. صحب يوسف بن الحسين ولقى رويما وأبا العباس بن عطاء.
سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول: سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول: قال أبو العباس الدينوري: مكاشفات الأعيان بالأبصار، ومكاشفات القلوب بالاتصال.
وكان يقول: إن أدنى الذكر أن ينفي ما دونه ونهاية الذكر أن يغيب الذاكر في الذكر عن الذكر ويستغرق بمذكوره عن الرجوع إلى مقام الذكر. وهذا حال فناء الفناء.
وكان يقول: لله عباد لم يستصلحهم لمعرفته فشغلهم بخدمته، وله عباد لم يستصلحهم لخدمته فأهملهم. وكان يقول: لا بلاغ إلى مراتب الأخيار إلا بالصدق، وكل وقت خلا عن الصدق فباطل.
وكان يقول: المحب اختار المكروه والأثقال لرضا محبوبه يبتغي لذلك رضاه وهو غاية المنى.
وأنشدوا:
رأيتك يدنيني إليك تباعدي ... فباعدت نفسي لابتغاء التقرب
أحمد بن عطاء
ومنهم أبو عبد الله أحمد بن عطاء بن أحمد الروذباري، له من فنون العلم الحظ الجزيل، توفي بصور سنة تسع وخمسين وثلثمائة. ورد علينا نعيه وأنا مقيم بمكة.
سمعت أبا الفضل الهروي يقول: حضرت أحمد بن عطاء وسئل عن القبض والبسط وحال من قبض ونعته، وحال من بسط ونعته، فقال: القبض أول أسباب الفناء، والبسط أول أسباب البقاء، فحال من قبض الغيبة، وحال من بسط الحضور. ونعت من قبض الحزن، ونعت من بسط السرور.
وكان يقول: الذوق أول المواجيد، فأهل الغيبة إذا شروبوا طاشوا، وأهل الحضور إذا شربوا عاشوا.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا نصر الطوسي يقول: سمعت أبا عبد الله الروذباري يقول: رأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: أي شيء أصح في الصلاة؟ فقلت: صحة القصد، فسمعت هاتفا يقول: رؤية المقصود بإسقاط رؤية القصد أتم.
وكان يقول: مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح للعقول. وليس كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة، وليس كل من يصلح للمؤانسة يؤمن على الأسرار، ولا يؤمن على الأسرار إلا الأمناء فقط.
وكان يقول: الخشوع في الصلاة علامة الفلاح، قال الله تعالى: " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " . " المؤمنون 1، 2 " .
بندار بن الحسن
ومنهم أبو الحسين بندار بن الحسن بن محمد بن المهلب. كان بعلم الأصول مهذبا، وفي الحقائق مقربا. كان له القلب العقول واللسان السئول. وكان للمخلصين عضدا، وللمريدين مسددا. توفي سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة. وحضر مجلسه أبو زرعة الطبري، شيرازي المولد، سكن أرجان. أسند الحديث.

(4/438)


اخبرنا محمد بن الحسين في كتابه، حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر الواسطي، حدثنا محمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك بن أنس، عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة قال: سألت عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. كان يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا مثلهن، ثم يصلي ثلاثا " قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: " يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي " .
حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا القعنبي، عن مالك به.
سمعت عبد الواحد بن محمد بن بندار يقول: سألت بندار بن الحسن عن الفرق بين المتصوفة والمتقرئة فقال: إن الصوفي من اختاره الحق لنفسه فصافاه وعن نفسه... ومن التكلف برأه - والصوفي على زنة عوفي، أي عافاه. وكوفي أي كافاه، وجوزي أي جازاه الله، ففعل الله ظاهر في اسمه. وأما المتقري فهو المتكلف بنفسه، المظهر لزهده مع كمون رغبته وترئية بشريته، اسمه مضمر في فعله لرؤيته نفسه ودعواه.
وسئل أيضا عن الفرق بين التقري والتصوف فقال: القارئ هو الحافظ لربه من صفات أوامره. والصوفي الناظر إلى الحق فيما حفظ عليه من حاله. وقال: الصوفي حروفه ثلاثة، كل حرف لثلاث معان: فالصاد دلالة صدقه وصبره وصفائه. والواو دلالة وده ووروده ووفائه. والفاء دلالة فقره وفقده وفنائه. والياء للاضافة والنسبة، وأهل الحروف والإشارات يقيمون حرف الياء في الابتداء والانتهاء، ففي الابتداء النداء وفي الانتهاء النسبة والإضافة، ففي الابتداء يا عبد، وفي الانتهاء يا عبدي. ففي الأول للنداء وفي الانتهاء للإضافة والنسبة.
وكان يقول: الجمع ما كان بالحق والتفرقة ما كان للحق.
وكان يقول: لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لك، دعها لمالكها يفعل بها ما يشاء.
وكان يقول: دع ما تهوى لما تؤمل.
وقال: القلب مضغة وهو محل الأنوار، وموارد الزوائد من الجبار، وبها يصح الاعتبار. جعل الله القلب أميرا فقال: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " . " ق 37 " . ثم جعله لديه أسيرا فقال: " يحول بين المرء وقلبه " . " الأنفال 24 " .
ابن حفيف
ومنهم أبو عبد الله محمد بن حفيف. الحنيف الظريف. له الفصول في النصول، والتحقق والتثبت في الوصول، لقي الأكابر والأعلام. صحب رويما وأبا العباس بن عطاء وطاهرا المقدسي وأبا عمرو الدمشقي. وكان شيخ الوقت حالا وعلما. توفي سنة إحدى وسبعين وثلثمائة.
ومن مفاريد ما سمع منه ما: اخبرنا في إجازته وكتابه إلي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن شاذهرمز، حدثنا زيد بن أخرم، عن أبي داود، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما عرج بي إلى السماء سمعت تذمرا فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: موسى يتذمر على ربه، فقلت: ولم ذلك؟ قال: عرف ذلك منه فاحتمله " .
هذا من حديث شعبة متكرر. أبو داود وزيد ثبتان لا يحتملان هذا. ولعل أدخل لابن شاذ هرمز حديثا في حديث عبد الله بن مسعود.
حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا شعيب بن أحمد الدارعي، حدثنا الخليل أبو عمرو وعيسى بن المساور قالا: حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا قنان بن عبد الله النهمي، عن ابن ظبيان، عن أبي عبيدة بن عبد الله ابن مسعود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سمعت كلاما في السماء فقلت يا جبريل من هذا؟ قال: هذا موسى. قلت: ومن يناجي؟ قال: ربه. قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال: إنه قد عرف له حدته " .
ومن أجوبته فيما سئل عن السكر فقال: غليان القلب عند معارضات ذكر المحبوب. وقال: الخوف اضطراب القلب مما علم من سطوة المعبود.
وسئل عن الرياضة فقال: كسر النفوس بالخدمة، ومنعها عن الفترة، وقال: التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله.
وقال: التوكل الاكتفاء بضمانه وإسقاط التهمة عن قضائه.
وقال: اليقين تحقيق الأسرار بأحكام المغيبات.
وقال: المشاهدة اطلاع القلوب بصفاء اليقين إلى ما أخبر الحق من الغيوب.
وقال: المعرفة مطالعة القلوب لإفراده عن مطالعة تعريفه.

(4/439)


وقال: التوحيد تحقيق القلوب بإثبات الموحد بكمال أسمائه وصفاته ووجود التوحدي مطالعة الأحدية على أرضات السرمدية، والإيمان تصديق القلوب بما أعلمه الحق من الغيوب، ومواهب الإيمان بوادي أنواره والملبس لأسراره، وظاهر الإيمان النطق بألوهيته على تعظيم أحديته. وأفعال الإيمان التزام عبوديته والانقياد لقوله، والإنابة التزام الخدمة وبذل المهجة. والرجاء ارتياح القلوب لرؤية كرم الموجد. وحقيقة الرجاء الاستبشار لوجود فضله وصحة وعده، والزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي عن الأملاك. وحقيقة الزهد التبرم بالدنيا ووجود الراحة في الخروج منها، والقناعة الاكتفاء بالبلغة. وحقيقة القناعة ترك التشوف إلى المفقود والاستغاء بالموجود.
وسئل عن الذكر فقال: اعلم أن المذكور واحد والذكر مختلف، ومحل قلوب الذاكرين متفتوتة. فأصل الذكر إجابة الحق من حيث اللوازم لقوله عليه الصلاة والسلام: " من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته " .
ثم ينقسم الذكر قسمين ظاهر وباطن، فأما الظاهر فالتهليل والتحميد والتمجيد وتلاوة القرآن. وأما الباطن فتنبيه القلوب على شرائط التيقظ على معرفة الله وأسمائه وصفاته، وعلى أفعاله ونشر إحسانه وإمضاء تدبيره ونفاذ تقديره على جميع خلقه، ثم يقع ترتيب الأذكار على مقدار الذاكرين، فيكون ذكر الخائفين على مقدار قوارع الوعيد، وذكر الراجين على ما استبان لهم من موعده، وذكر المجتنبين على قدر تصفح النقباء، وذكر المراقبين على قدر العلم باطلاع الله إليهم، وذكر المتوكلين على قدر ما انكشف لهم من كفاية الكافي لهم، وذلك مما يطول ذكره ويكثر شرحه. فذكر الله منفرد وهو ذكر المذكور بانفراد أحديته على كل مذكور سواه، لقوله تعالى: " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " . والثاني إفراد النطق بألوهيته. لقوله عليه الصلاة والسلام: " أفضل الذكر لا إله إلا الله " .
ذكر جماعة من المحدثين من أهل أصبهان قال الشيخ: سألتم عن إيداع ذكر جماعة من نساك بلدنا وعبادهم ليكون الكتاب متوما بذكرهم ونشر أحوالهم. واعلموا أن طريقة المتقدمين من نساك بلدنا القدوة والاتباع لمتقدميهم من العمال والعلماء الذين لحقوا الأئمة والأعلام.
وقد ذكرت جماعة منهم في كتابنا بطبقات المحدثين من الرواة من أهل بلدنا: منهم محمد بن يوسف المعداني المعروف بعروس الزهاد ومن ينجو نحوه في التنسك والتعبد، والغالب من أحوالهم اغتنام الوقت وعنايته بجمع الهم ومحافظة الأوراد للارتياد، والتسارع إلى الاستباق. فأما بسط الكلام في الأحوال والمقامات قولا بلا فعل فيرونه دعاوى لا حقيقة لها، يحترزون منها غاية التحرز، لا يريدون عما حواليهم بدلا، ولا يبغون عنها حولا. كانوا كما وصفهم به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، من أحوال المختارين من الصحابة والسالكين طريقته من التابعين فيما رواه عنه نوف البكالي وكميل بن زياد وغيرهما، وهو ما: حدثناه إبراهيم بن إسحاق، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا علي بن حجر، حدثنا يوسف بن زياد، عن يوسف بن أبي المتيد، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال علي بن أبي طالب: " كونوا لقبول العمل أشد اهتماما بالعمل، فإنه لن يقبل عمل إلا مع التقوى، وكيف يقل عمل يتقبل " .
كانوا بالله عالمين ولعباده ناصحين، كما: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو نعيم بن صرد، حدثنا علي بن هشام بن اليزيد، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عمر بن علي، عن حسين، عن أبيه، عن علي قال: أنصح الناس وأعلمهم بالله أشد الناس حبا وتعظيما لحرمة أهل لا إله إلا الله.
وكما رواه عبد خير بن علي وهو ما: حدثناه عمر بن محمد بن عبد الصمد، حدثنا الحسين بن محمد بن غفير، حدثنا الحسن بن علي السيسري، حدثنا خلف بن تميم، حدثنا عمر الرحال، عن العلاء بن المسيب، عن عبد خير، عن علي قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك وأن يعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله، ولا خير في الدنيا لأحد رجلين: رجل أذنب فهو يدارك ذلك الذنب بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات. ولا يقل عمل في تقوى، وكيف يقل عمل يتقبل.

(4/440)


كانوا بالصحابة مقتدين، ولسبيلهم متبعين يصبحون شعثا غيرا صفرا بين أعينهم مثل ركب المعزى، باتوا يتلون كتاب الله، يميدون عند ذكر الله كما تميد الشجرة في يوم ريح، كانوا مصابيح الهدى. لم يكونوا بالجفاة المرائين، خلق الثياب جدد القلوب. في الدنيا زاهدين وفي الآخرة راغبين وعن الله فهمين وفي قراءة كلامه متدبرين، وبمواعظه متعظين وبصنائعه معتبرين. اتخذوا الأرض بساطا ورمالها فراشا والقرآن والدعاء دثارا وشعارا، عبدوه في بيوت بالقلوب الطاهرة والأبصار الخاشعة. هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فقاموا لله بحجته وتبيانه، فاستلانوا ما استوعروه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون. حصبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمنظر الأعلى.
فهذه نعوت الأصفياء من الأولياء، والنجباء من الأتقياء. من سلك مسلكهم مقتديا بأفعالهم مراعيا لأحوالهم المنتفع برؤيته، والمغبوط وصحبته.
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن شمر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيها الناس، ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى، قال: الذين إذا رءوا ذكر الله وإذا تكلموا كان كلامهم لعز الإسلام ونجاة النفوس وصلاحها، لا لعز النفوس وطلب الدنيا وقبول الخلق، وكانوا لعلمهم مستعملين ولرأيهم متهمين، ولسبيل أسلافهم متبعين، وبكتاب الله وسنة نبيه متمسكين. الخشوع لباسهم، والورع زينتهم والخشية حليتهم. كلامهم الذكر وصمتهم الفكر. نصيحتهم للناس مبذولة، وشرورهم عنهم مخزونة، وعيوب الناس عندهم مدفونة. ورثوا جلاسهم الزهد في الدنيا لإعراضهم وإدبارهم عنها، ورغبوهم في الآخرة لإقبالهم وحرصهم عليها " .
النعمان بن عبد السلام
فمن المتقدمين الذين ذكرناهم في كتاب طبقات المحدثين والرواة من أهل أصبهان النعمان بن عبد السلام أبو المنذر. كان عبد السلام والده يلي أمر السلطان ومات عن ضيعة نفيسة ومال جم، فترك ذلك كله ورغب عنها زهدا فيها. صحب سفيان الثوري ومالك بن أنس.
سمعت أبا محمد بن حيان يحكي، عن أبي عبد الله الكسائي يقول: بلغني أن رجلا رأى في المنام كأن ملكا يقول لآخر وهو على سور المدينة: اقلب، قال: كيف أقلب والنعمان بن عبد السلام قائم يصلي.
ابن معدان
ويليه في الفضل والعلم والعبادة محمد بن يوسف بن معدان بن سليم عروس الزهاد. وقد تقدم ذكره. وكذلك أخواه عبد الرحمن وعبد العزيز. وتوفي محمد بن يوسف بالمصيصة ودفن إلى جنب مخلد بن الحسين. فارق ضياعه زاهدا فيها.
وكان يقول: لقد خاب من كان حظه من الدنيا. وكان يتمثل كثيرا بهذا البيت:
إذا كنت في دار الهوان فإنما ... ينجيك من دار الهوان اجتنابها
عامر بن حمدويه
ومنهم عامر بن حمدويه الزاهد. سكن مسيلة. صحب سفيان الثوري وسمعته يروي عنه مسائل.
عصام بن يزيد
ومنهم عصام بن يزيد بن عجلان أبو سعيد الملقب بخير. صحب سفيان الثوري ثلاث عشرة سنة، وكان رسوله إلى أمير المؤمنين المهدي، فعرض عليه المهدي برا ومالا فلم يقبل، ثم رجع من عنده إلى سفيان فقال لسفيان: لو أتيتهم؟ فقال سفيان: أتراني أخاف هوانهم؟ إنما أخاف كرامتهم. فلما مات سفيان رجع إلى أصبهان وسكنها.
موسى بن مساور
ومنهم موسى بن مساور أبو الهيثم الضبي. روى عن سفيان بن عيينة ووكيع. وكان جيدا فاضلا، ترك ما ورثه عن أبيه لإخوته تورعا، ولم يتناول منه شيئا، لأن أباه كان يتولى للسلطان. له الآثار المشهورة في بناء الرباطات وإصلاح الطرق.
سمعت أبا محمد بن حيان يقول: بلغني أنه رؤي في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. مررت يوما بامرأة تحمل جرابا ثقل عليها فحملته معها فشكر الله لي ذلك فغفر لي.
محمد بن الوليد
ومنهم محمد بن الوليد الأموي، من أهل المدينة، سمع سفيان بن عيينة، يعد من الأبدال. له الدعوة المجابة.
محمد بن النعمان

(4/441)


ومنهم محمد بن النعمان بن عبد السلام. صحب وكيعا وسفيان بن عيينة وأبا بكر ابن عياش. له الورع الثخين والعقل الرصين. كان زيد بن أخرم يسميه عابد أهل أصبهان. كان دأبه المجاهدة والمكابدة الدائمة حتى ضعف وخيف على عقله. ثم رجع إلى الميسور، ترك خشونة المطعم والملبس.
سمعت أبا محمد بن حيان يقول: سمعت أحمد بن محمد بن صبيح يقول: سمعت محمد بن النعمان يقول: دانقا تدفعه في مظلمة أحب إلي من مائة ألف تتصدق بها.
سمعت أبا محمد بن حيان يقول حدثني محمد بن الحسين بن المهلب، حدثنا محمد بن عاصم، قال: سمعت محمد بن النعمان، يقول: المصر لا يقبل له عمل.
صالح بن مهران
ومنهم أبو سفيان صالح بن مهران كان يقال له الحكيم. يكتب كلامه، قال سليمان الشاذكوني: ما رأيت أورع من أبي سفيان.
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أحمد بن علي بن الجارود، حدثنا محمد بن عاصم، قال: سمعت أبا سفيان يقول: ليستيقن الناس أنهم لا يرون في الإسلام فرحا. وكان يقول: كل صاحب صناعة لا يقدر أن يعمل في صناعة إلا بآلة، وآلة الإسلام العلم، وإذا رأيت العالم لا يتورع في علمه فليس لك أن تأخذ عنه.
وكان يقول: وضعوا مفاتيح الدنيا على الدنيا فلم تنفتح فوضعوا عليها مفاتيح الآخرة فانفتحت.
سمعت أبا محمد بن حيان يقول: حدثنا محمد بن يحيى بن منده، حدثنا محمد ببن عاصم، قال: سمعت أبا سفيان يقول: الورع ورعان: ورع صواب وورع أحمق، فالصواب أن تقول للرجل: من أين جئت؟ فيقول: من السوق. والورع الأحمق أن تقول للرجل: من أين جئت؟ فيقول من المسجد إن شاء الله.
وكان يقول: كل عمل يعمل لغير الله فهو ذنب على عامله. والإخلاص اليقين.
عبد الله بن خالد
ومنهم عبد الله بن خالد. كان من التعبد والورع بالمحل الرفيع، فأكره على قضاء البلد. لقي سفيان بن عيينة وشعيب بن حرب وإبراهيم بن أبي بكر الشيباني.
سمعت أبا محمد بن حيان يحكي، عن أبي عبد الله السليمي الفقيه، قال: سمعت يحيى بن مطرف يقول: مر عبد الله بن خالد يوما يريد مجلس الحكم وجونته على عنق غلام له، فوقع لرجل حمله عن حمار له، فقال: أعينوني على حمل هذا. فقال عبد الله لغلامه: ضع الجونة، ووضع عبد الله كساءه على عاتقه فحمل مع غلامه على حمار الرجل، ثم لبس كساءه وتوجه إلى المجلس. وجلس يوما بالمدينة للقضاء فحكم بشيء فقال المحكوم عليه: أيها القاضي حدا بترس؟ قال فوضع يده على رأسه وجعل يضرب بيده على رأسه ويقول: قاضي خاكس بسر قاضي خاكس بسر فختم جونته وديوانه وهرب، فلم ير بعده إلا يوما في الثغر حارسا.
رجاء بن صهيب
ومنهم أبو غسان رجاء بن صهيب الجرواني، أحد المعرضين عن الدنيا الراحلين عنها.
وكان يقول: نعم الدار الدنيا طريقا إلى الجنة، ومن اتخذ الدنيا طريقا لم يعرج على ما فيها. فالدنيا طريق الأكياس، غنموا فيها النفوس ورحلوا بها عنها.
عبد الله بن داود
ومنهم عبد الله بن داود - سنديله، كان من المتعبدين خيرا فاضلا مجاب الدعوة.
أسند الكثير. يحدث عن الحسين بن حفص.
سمعت والدي يحكي، عن محمد بن يحيى بن منده أنه سمع عبد الله ابن داود يقول: من علامات الحق البغض لمن يدين بالهوى، ومن أحب الحق فقد وجب عليه البغض لأصحاب الهوى - يعني بأصحاب الهوى الذين عدلوا عن الآثار وتبعوا الآراء - .
إبراهيم بن عيسى
ومنهم إبراهيم بن عيسى الزاهد. صحب معروفا الكرخي وسمع من أبي داود الطيالسي ومحمد بن المقرئ.
سمعت أبا محمد بن حيان يقول، حدثنا حيوة بن أبي شداد - بنهاوند - حدثني أبو جعفر الداني قال: كنت في دار إبراهيم بن عيسى وكان إذا فرغ من صلاته وقت السحر يدعو لليهود والنصارى والمجوس: اللهم اهدهم. فإذا فرغ من دعائه يرفع يديه يقول: اللهم إن كنت مدخلي النار فعظم خلقتي حتى لا يكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيها موضع. ومن كلامه: المؤمن حسن بالله ظنه واثق بوعده، اتخذ التقوى رقيبا والقرآن دليلا والخوف محجة والشوق مطية والوجل شعارا والصلاة كنزا والصبر وزيرا والحياء أميرا. لا يزداد لله برا وصلاحا إلا ازداد الله عليه خوفا. أحسن الظن بالله فأحسن العمل.

(4/442)


حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر - إملاء - حدثنا العباس أحمد بن محمد البزاز المدني، حدثنا إبراهيم بن عيسى الزاهد، حدثنا أحمد الدينوري، حدثنا عبد العزيز بن يحيى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. فطلع معاوية. ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية، ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية " .
عبد الوهاب الضبي
ومنهم عبد الوهاب بن المنذر الضبي. فقيه عابد صوام قوام، كان له كل يوم ختمة. كان هذا دأبه إلى أن مات. روى عن معتمر بن سليمان.
سمعت أبي يقول: حكى لي عنه أنه قال: لكل شيء أول، وأول الخير الاستغفار، قال تعالى: " استغفروا ربكم إنه كان غفارا " . " نوح 10 " . يعني لا يزال يغفر للمستغفرين.
حامد شاذة
ومنهم حامد بن المسبور بن الحسين المؤذن - مؤذن الجامع - يعرف بشاذة. كان يعرف بالدعاء المجاب، من الأمناء والنصحاء. حدث عن سليمان بن حرب وأزهر ابن سعيد.
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، حدثنا حامد بن المسبور، حدثنا أزهر بن سعيد، عن محمد بن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف " .
أسيد بن عاصم
ومنهم أبو الحسين أسيد بن عاصم بن محمد. كان هو وأخوه محمد بن علي ممن سلكوا مسلك أصحاب سفيان الثوري في العلم والعبادة ومكارم الأخلاق وفواضل الأعمال. يفزع إلى أدعيتهم عند نزول المحن والأعلال فترى الإجابة في الوقت. يقصدون من الديار والنواحي البعيدة يسألون الدعاء في عوارضهم فيدعون فيرون الإجابة.
حدثنا عبد الله بن الحسين بن بندار، حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان، عن يونس بن عبيد، عن شعيب، عن أنس بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها " .
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو علي بن إبراهيم، حدثنا أسيد ابن عاصم، حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا قيس بن عمار الذهني، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا أيها الناس، إنه لا دين لمن دان بجحود آية من كتاب الله. يا أيها الناس، إنه لا دين لمن دان بفرية باطل ادعاها على الله. يا أيها الناس، إنه لا دين لمن دان بطاعة الله من عصى الله " .
أبو جعفر الفريابي
ومنهم أحمد بن معاوية بن الهذيل أو جعفر الفريابي وأخوه الهذيل بن معاوية. كان سمتهما في التعبد والاتباع والاقتداء سمت البدلاء والأولياء. سمعا الحديث من أصحاب الثوري والحسين بن حفص وغيره.
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن منده، حدثنا أحمد بن معاوية، حدثنا حسين بن حفص، حدثنا إبراهيم - يعني ابن طهمان - عن ابن سعيد - وهو عمر بن سعيد - عن الأعمش، عن عمرو بن مرة الحمصي، عن أبي البختري قال: جاء أعرابي فبال في المسجد فأخذوه فسبوه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فصب على مكان البول الماء ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم بعثتم هداة ولم تبعثوا مضلين، كونوا معلمين ولا تكونوا معاندين. أرشدوا الرجل " . قال: ثم جاء من الغد فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد غيرنا. قال ففعلوا به مثل ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم بعثتم هداة ولم تبعثوا مضلين، كونوا معلمين ولا تكونوا معاندين، أرشدوا الرجل " .
عمرو بن سعيد هو أخو سفيان بن سعيد، لا أعلم رواه، عن الأعمش بهذا اللفظ غيره.
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن منده، حدثنا أحمد بن معاوية، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا أبو هانئ بن سفيان، عن الأعمش،عن إبراهيم التيمي قال: إني ليأتي علي الشهر والشهران لا أطعم شيئا.
حدثنا أبي وأبو محمد بن حيان قالا: حدثنا محمد بن يحيى بن منده، حدثنا الهذيل بن معاوية، حدثنا إبراهيم بن أيوب، حدثنا النعمان بن سفيان، عن منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة قالت: " إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سب الأموات وقال: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفار كثير " .

(4/443)


حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى بن منده، حدثنا الهذيل بن معاوية، حدثنا إبراهيم بن أيوب، عن ابن هانئ، عن محمد بن الربيع، عن الثوري، عن حماد بن يحيى الأجلح، عن محمد بن واسع، عن مطرف بن الشخير قال: من صفى صفى له، ومن خلط خلط له.
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الهذيل بن معاوية، حدثنا إبراهيم بن أيوب، حدثنا النعمان، عن سفيان، عن يحيى بن أبي سعيد قال: ما أخوان في الإسلام أحدهما يعرف والآخر لا يعرف وهو في مثل حاله إلا كان أفضلهما الذي لا يعرف.
أحمد بن محمد بن إسحاق
ومنهم المقرون تعبده وتقشفه بالبذل والسخاء، أبو عثمان أحمد بن محمد بن إسحاق بن يزيد بن عجلان. ختن ابن رجاء بن صهيب. كانت العبادة عنه مشهورة، والكرم عنه مأثور ومذكور. كان كثير الحديث: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد الزهري، حدثنا أبو عيسى، حدثنا الأصمعي، عن أبي طلحة، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بيت لا تمر فيه جياع أهله " .
موسى الخزاز
ومنهم الناسك النبيه ذو الفضل الكثير أبو عبد الرحمن بن عبد الرحمن الخزاز.
سمعت أبا محمد بن حيان يقول: كان له الفضل والعبادة والنسك الكثير، وكان تخلى في داره مستأنسا بذكره ومشاهدته.
أسند الكثير.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن يحيى بن منده، حدثنا موسى بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن النعمان، عن سفيان، عن عمرو ابن دينار، وأبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى ولا يدعها للشيطان، ولا يمسحن أحدكم يده بالمنديل حتى يلعقها أو يلعقها فإنه لا يدري في أي طعامه البركة " .
أحمد بن مهدي
ومنهم ذو الدين المتين، والمحدث الأمين. أنفق على العلم المال الكثير المنور المنير آثار الرسول البشير النذير، كان ذا سخاء وكرم، راقب المعبود وخدم، حليف العبادة والسهر، أليف السنة والأثر، أبو جعفر أحمد بن مهدي بن رستم.
سمعت علي بن أحمد بن محمد بن إبراهيم يقول: قال أحمد بن مهدي: جاءتني امرأة ببغداد ليلة من الليالي فذكرت أنها من بنات الناس، وأنها امتحنت بمحنة، وقالت لي: أسألك بالله أن تسترني. فقلت: وما محنتك؟ فقالت أكرهت على نفسي وأنا حبلى، وذكرت للناس أنك زوجي وأن ما بي من الحمل فمنك، فلا تفضحني واسترني سترك الله. فسكت عنها ومضت. فلم أشعر حتى وضعت وجاء إمام المحلة في جماعة الجيران يهنئوني بالولد الميمون النجيب، فأظهرت التهلل، ووزنت في اليوم التالي دينارين ودفعتهما إلى الإمام فقلت: أبلغ هذا إلى تلك المرأة لتنفقها على المولود فإنه سبق ما فرق بيني وبينها، فكنت أدفع في كل شهر دينارين أوصلهما إليها بيد الإمام وأقول: هذا نفقة المولود. إلى أن أتى على ذلك سنتان. ثم توفي المولود فجاءني الناس يعزونني فكنت أظهر لهم التسليم والرضا. فجاءتني المرأة بعد ذلك ليلة من الليالي ومعها تلك الدنانير التي كنت أبعث بها إليها بيد الإمام فردتها وقالت: سترك الله كما سترتني. فقلت لها: هذه الدنانير كانت صلة مني للمولود وهي لك لأنك ترثينه فاعملي فيها ما تريدين.
سمعت أبا محمد بن حيان يقول: كان أحمد بن مهدي ذا مال كثير فأنفقه كله على العلم، نحو ثلثمائة ألف درهم، وذكر أنه لم يعرف له فراش أربعين سنة.
حدثنا أحمد بن جعفر بن سعيد، حدثنا أحمد بن مهدي، حدثنا عمر بن خالد المصري، حدثنا عيسى بن يونس، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الأغر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه " .
حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن مهدي، حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة، عن عبيد الله، حدثنا أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: " لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد صعد على المنبر فتلا هذه الآية: " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " . " الأحزاب 23 " . الآية، فسأله رجل: يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت وعلى ثوبان أخضران فقال: أيها السائل هذا منهم " .
محمد بن معروف العطار

(4/444)


قال الشيخ: ومن المشهورين بالنسك والعبادة والورع محمد بن معروف العطار، المعروف بمؤملة، كان إمام الجامع، سمع من يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون، وهو الذي ينسب إليه المسجد، مسجد مؤملة بن معروف.
حدثنا أبو عمرو محمد بن عبد الله بن محمد بن معروف، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا الهيثم بن حكيم، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله - أو قال لا يشرك بالله شيئا - دخل الجنة " .
هارون الراعي
ومنهم أبو عبد الرحمن الراعي هارون بن سعيد كان من الزاهدين والسائحين. لقي بالشام أبا سليمان الداراني ومحمد بن المبارك الصوري وأحمد بن عاصم الأنطاكي. حدث عنه أبو مسعود الرازي في مسنده سمع من عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم ومحمد بن أبي السري العسقلاني وطبقتهم.
حدثنا أبو محمد بن حيان - من أصله - حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس، حدثنا أبو عبد الرحمن الراعي، حدثنا دحيم، حدثنا ابن قديد، حدثنا يحيى ابن أبي خالد، عن ابن أبي سعيد الأنصاري، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الندم توبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له " .
حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا محمد بن عبيدة بن الوليد، حدثنا أبو عبد الرحمن الراعي، حدثنا هارون بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " . " الحجرات 1 " . قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
العباس بن إسماعيل
ومنهم أبو الفضل العباس بن إسماعيل الطامدي، كان من العبادة والخلوة بالمحل المكين مع ما كان يرجع إليه من العلم الواسع النافع.
سمعت أبي يقول: سمعت احمد بن جعفر بن هانئ يقول: سمعت محمد بن يوسف يقول: سمعت عباس الطامدي وقد اعتل أياما فوجدته متأسفا فسألته فقال: أعقبتني هذه العلة ضعفا نقص من ختماتي في الشهر ثلاثين ختمة.
حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن كوثة الأصبهاني - بمكة - قال: سمعت عباسا الطامدي يقول: سمعت حسين بن الفرج يقول: سمعت ابن المبارك يقول: إن كان الفضل في الجماعة فالسلامة في الوحدة.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله خلة الصفار، حدثنا محمد ابن يوسف الصوفي، حدثنا العباس بن إسماعيل الطامدي، حدثنا مكي بن إبراهيم بن موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي قال: قرأت في التوراة - أو قال في صحف إبراهيم الخليل - فوجدت فيها: يقول الله يا ابن آدم ما أنصفتني خلقتك ولم تك شيئا وجعلتك بشرا سويا، خلقتك من سلالة من طين فجعلتك نطفة في قرار مكين، ثم خلقت النطفة علقة فخلقت العلقة مضغة فخلقت المضغة عظاما فكسوت العظام لحما ثم أنشأتك خلقا آخر. يا ابن آدم هل يقدر على ذلك غيري؟ ثم خففت ثقلك على أمك حتى لا تتبرم بك ولا تتأذى، ثم أوحيت إلى الأمعاء أن اتسعي، وإلى الجوارح أن تفرقي، فاتسعت الأمعاء من بعد ضيقها، وتفرقت الجوارح من بعد تشبكها. ثم أوحيت إلى الملك الموكل بالأرحام أن يخرجك من بطن أمك فاستخلصك على ريشة من جناحه فاطلعت عليك فإذا أنت خلق ضعيف ليس لك سن يقطع ولا ضرس يطحن فاستخلصت لك في صدر أمك عرقا يدر لبنا باردا في الصيف حارا في الشتاء، واستخلصته لك من بين جلد ولحم ودم وعروق، ثم قذفت لك في قلب والدك الرحمة وفي قلب أمك التحنن، فهما يكدان عليك ويجهدان ويربيانك ويغذيانك، ولا ينامان حتى ينومانك. يا ابن آدم، أنا فعلت ذلك بك لا لشيء استأهلت به مني، ولا لحاجة استعنت بك على قضائها. يا ابن آدم، فلما قطع سنك وطحن ضرسك أطعمتك فاكهة الصيف في أوانها وفاكهة الشتاء في أوانها، فلما أن عرفت أني ربك عصيتني فادعني فإني قريب مجيب، واستغفرني فإني غفور رحيم.
زكريا بن الصلت
ومنهم زكريا بن الصلت، له الورع الوثيق والقلب الرفيق، مشهور بالتعبد والاجتهاد، والتوحد والانفراد.
وكان يقول: ما شافع أشفع للرجل المذنب من الخدمة لرب العالمين.
وكان يقول: من نظر إلى مبتدع بعينه فقد أعان النظر على العمى، ألا فجنبوا أشفار العيون بالإغماض عن نظر المبتدعين.

(4/445)


حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن العباس بن أيوب، حدثنا زكريا بن الصلت، حدثنا عبد السلام بن صالح، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا عبد الغفار المدني، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لله عند كل بدعة تكيد الإسلام وأهله من يذب عنه ويتكلم بعلاماته فاغتنموا تلك المجالس بالذب عن الضعفاء، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا " .
تفرد به عبد الغفار عن سعيد وعنه عباد.
الأخوان عبد الله وهمام
ومنهم الأخوان أبو بكر عبد الله وأبو عمرو همام ابنا محمد بن النعمان بن عبد السلام. ورثا العلم والعبادة عن أسلافهما المشهورين. الغالب على أبي بكر القدوة والرواية، وعلى أبي عمرو العبادة والرعاية. حالهما في العلم والنسك مشهور، وفضلهما في الناس منشور.
حدثنا جعفر بن معبد، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا فروة بن أبي العراء، حدثنا علي بن مسهر، عن يوسف بن ميمون، عن عطاء، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحب أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب " .
غريب تفرد به يوسف عن عطاء.
حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عمر القرظي، حدثنا همام بن محمد ابن النعمان، حدثنا العباس بن يزيد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقليتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " .
محمد بن الفرج الودنكاني
ومنهم المعد في الأبدال، المثبت في الأحوال، كانت دعوته مجابة، صحب أبا عثمان الرازي، سعيد بن العباس أبو بكر محمد بن الفرج الودنكاني. كان الجهاد والرباط ميسرا له. كان من دعائه: اللهم اقبضني في أحب المواطن إليك. فخرج إلى طرسوس ثلاث مرات فمات بها سنة أربع وثمانين ومائتين.
حدثنا أحمد بن جعفر بن معبد، حدثنا أبو بكر محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن عاصم بن عمرو أبو الأزهر الصواف البصري، حدثنا أبو عاصم عمرو ابن عثمان بن مقسم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما عمل أحب إلى الله من جهاد في سبيله وحجة مبرورة متقبلة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال " .
حديث غريب من حديث نافع لا أعلم رواه عنه إلا عثمان.
حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله، عن ممشاد، حدثنا أبو بكر محمد ابن الفرج، حدثنا عبد الجبار - يعني ابن العلاء - حدثنا مروان - يعني ابن معاوية - عن أبي يعقوب، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو، عن عبد الله بن مسعود قال قلت: يا رسول الله: أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال: " الصلاة على مواقيتها. قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: بر الوالدين. قلت: وماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله " .
سمعت أبا محمد بن حيان يقول حدثنا جدي محمود بن الفرج قال: أملاه علي، حدثنا أبو حجر، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: " مرض أبي بن كعب مرضا فبعث النبي صلى الله عليه وسلم طبيبا فكواه على أكحله " .
سمعت أبا محمود يقول وحكى، عن جده محمود، قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن العباس يقول: إذا تواضعت فقد أدركت جميع الفضائل، وإذا حفظت لسانك فقد حفظت جميع جوارحك، وإذا أخلصت الأعمال، فقد أحكمت جميع عملك.
ابن معدان
ومنهم ذو القلب الرجيف واللب الثاقب الحصيف والنفس الذائب النحيف، عرف ماله عظيما فخنع وخضع، وراقبه عليما فخشي وخشع، ولاحظه كريما فرضي وقنع، فابتهل إليه مستغفرا ومفتقرا، ولامح صنائعه معتبرا. وتنصل إليه من زلله وهفواته معتذرا، موقنا أنه على قبوله مقتدر. أبو عبد الله محمد بن يوسف بن معدان المعروف بالبناء. كان للآثار حافظا ومتبعا، له التصانيف في نسك العارفين ومعاملة العاملين.

(4/446)


سمعت أبا محمد بن حيان يقول: كان محمد بن يوسف ممن يقال إنه مستجاب الدعوة، وكان رئيسا في علم التصوف، صنف في هذا المعنى كتبا حسانا، رأيته وسمعت من كلامه قال: اعلم أن قلوب العمال من أهل المعرفة بالله على أربع منازل: قلب مع الله، وقلب في ملك الله، وقلب في التمييز، وقلب في المكابدة. فأما القلب الذي مع الله فعلامته المناجاة والاشتغال بالله، وأما القلب الذي في ملك الله فمرة يجول في الجنة ومرة يجول في النار، والصراط والحساب والميزان والعرض، وأما القلب الذي في المكابدة فهو الذي يرد على الشيطان خوف الفقر وهو مشغول بتصحيح الكبيرة. فهذه الأربع المنازل منازل العقلاء. والخامس قلب النقمة الشيطان.
سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن جعفر بن هانئ يقول: سمعت محمد بن يوسف يقول: أسباب المعرفة أربعة: حصافة العقل، وكرم الفطنة، ومجالسة أهل الخبرة، وشدة العناية. وبسبب هذه الأمور الأربعة الرحمة. ومن أقرب الأمور إلى الرحمة التبرؤ من الحول والقوة، والمعرفة بأن التبرؤ منه، والمعرفة أيضا هبة. ومن أفضل الأشياء العلم. والمبتغي من العلم نفعه، فإذا لم ينفعك فحمل تمرة خير لك من حمل ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذ منه فقال: " أعوذ بك من علم لا ينفعك " . وقال: " خير العلم ما نفع " . والعلم يصاب من عند المخلوقين والنفع لا يصاب إلا بالله ومن عنده، ومنفعة العلم طاعته، وطاعته منفعته، والعلم النافع هو الذي به أطعته، والذي لا ينفع هو الذي به عصيته.
وكان يقول: قلوب العارفين مساكن الذكر وأفضل الأعمال رعاية القلب، والذكر غذاء القلب.
وقال: همم العارفين تعالت عما فيه لذة نفوسهم واتصلت همومهم بما فيه المحبة لسيدهم، لأن الله تعالى معناهم ولدى الله مثواهم.
وكان يقول: من آمن بالقدوم على معطي الخزائن والهدايا قبل ملاقاته.
وقال: إذا كسى الله القلب نور المعرفة قلده قلائد الحكمة، ومن كان الصدق وسيلته كان الرضا من الله جائزته.
وقال: إن من التوفيق ترك التأسف على ما فات والاهتمام بما هو آت. ومن أراد تعجيل النعم فيكثر من مناجاة الخلوة.
حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن يوسف بن معدان الصوفي، حدثنا عبد الله بن محمد السندي - الأسدي بطرسوس - حدثنا عبد الله ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده " .
حدثنا أحمد، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا عبد الله، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا نصح العبد لسيده وأحسن عبادة ربه كان له الأجر مرتين " .
حدثنا أحمد، حدثنا محمد، حدثنا إبراهيم بن سلام، حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الحيات التي تكون في البيوت " .
حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الواعظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن معدان، حدثنا أبو صالح محمد بن زنبور، حدثنا الحارث ابن عمير، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار " .
حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن محمد، حدثنا محمد بن يوسف بن معدان، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا النعمان بن عبد الله، حدثنا أبو ظلال، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بخل الناس، قالوا: يا رسول الله بم بخل الناس؟ قال: بالسلام " .
أبو الحسن بن سهل
ومنهم المحبر بالوصل، المحفوظ في الفضل، أبو الحسن علي بن سهل. كان للحق مجيبا واصلا، وعن النفس مغيبا راحلا.
سمعت أبا حامد أحمد بن رستم يقول: كان علي بن سهل ممن أيد على مخالفة النفس فارتاض نفسه رياضة هذبها بعد أن كان منشؤه نشء المترفين هائما عن الخلق مشغولا، وفيما يعانيه محمولا.

(4/447)


سمعت أبا عبد الله أحمد بن إسحاق الشعار يقول: سمعت علي بن سهل يقول: ما احتكمت قط إلا بولي وشاهدين. وسمعت أبا حامد وأبا جعفر المحلاوي يقولان - وكانا من أصحابه - قالا قال علي بن سهل: استوى على الشوق فألهاني عن الأكل، وقطعني عن العمل في ابتداء أمري، فرأيت في بعض الليالي في غفوتي أني دخلت الجنة فرأيت قصرا عظيما رفيعا، فقلت لمن هذا القصر؟ فقيل لمحمد بن يوسف، ثم أفضيت إلى قصر آخر مثله فقلت: لمن هذا؟ فقيل لي لك يا أبا الحسن، فاطلعت على لعبة غلب ضوء وجهها كل شيء فنظرت إليها فأدبرت وهي تقول: أنت لا ترغب فينا. وإذا أنا بصوت ما سمعت نغمة أشجى ولا أحزن منه وهي تقول:
مقيم للجليل بكل قلب ... على الرضراض للخطر العظيم
فظننت أنها تعنيني. وكان رحمه الله له الحال المكين، والبيان المبين.
فقد حدثنا علي بن هارون - صاحب أبي القاسم الجنيد بن محمد - قال: قرأت ما كتب به علي بن سهل إلى الجنيد في خطابه وصدر كتابه: توجك الله تاج بهائه وحلاك حلية أهل بلائه، وأودعك ودائع أحبائه، وجعلك من أخلص خلصائه، وأشرف بك على عظيم بنائه، وهداك وهدى بك إلى كل حال مع ما يرده عليك من دوام الإقبال، وحباك مع ذلك بالوصل والاتصال. لتكون يا أخي لديه رضي البال، ورفعك يعلوه على كل حال.
سمعت أبي وعنده أصحاب علي بن سهل أنه كان يقول: ليس موتي كموتكم بالأعلال والأسقام، إنما هو دعاء وإجابة، أدعي فأجيب. فكان كما قال. كان يوما قاعدا في جماعة فقال: لبيك ووقع ميتا، رحمة الله عليه وعلى أموات المسلمين.
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن سهل الصوفي الأصبهاني، حدثنا ابن مهدي، حدثنا علي بن صالح - صاحب المصلى - حدثنا القاسم بن معن، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قلت يا رسول الله أنصره مظلوما كيف أنصره ظالما؟ قال: ترده عن الظلم فذاك نصرة منك له " .
أحمد بن جعفر بن هاني
ومنهم المملوء من المعاني، المكلوء من التواني، أحمد بن جعفر بن هاني. كان له الأحوال الرفيعة، والاستدلال بالأعمدة المنيعة، المتفكر في البراهين والآيات، والمعتبر بالمنصوب من الأدلة والعلامات. كان شأنه السباق والبدار، مرتقبا لموارد القلوب من التحف والأنوار.
سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن جعفر يقول: لا يأتي العبد المعونة من مولاه وهو يعتمد على غيره ووالاه. وإذا ناصح العبد مولاه في معاملته ألبسه خلعة من خلعه تظهر عليه نوره ومشاهدته. ومن لم يحكم فيما بينه وبين مولاه التقوى والمراقبة حجب عن الكشف والمشاهدة، ومن آثر مولاه حماه من رجس الدنيا ولم يكله إلى غيره.
وكان يقول: من كانت الدنيا طريقه إلى الجنة نصب له منار الدلالة لئلا يضل عنها.
وقال: إذا سكنت الخشية في القلب رأى علم التوفيق في الجوارح.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جعفر بن هاني، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، عن أبي مسهر، عن الحكم بن هشام، عن يحيى بن سعيد، حدثنا أبو قرة، عن أبي خلاد - وكانت له صحبة - ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الرجل قد أعطى زهدا في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه فإنه يلقن الحكمة " .
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جعفر، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا عبد الله بن سابق، حدثنا موسى بن طريف. قال: جاء عيسى بن مريم إلى رجل نائم فقال له عيسى: قم. فقال له الرجل: قد تركت الدنيا لأهلها. فقال له عيسى: نم مكانك إذا.
محمد بن الحسين الخشوعي
ومنهم المزين بالخشوع، الممكن للخضوع، كانت العبادة حرفته، والتلذذ بالعبرة شهوته، له الكلام البليغ في تأديب النساك والعباد، تخرج به جماعة من السباق والرواد. منهم أبو الحسن علي بن أحمد بن المرزبان الأسواري وطبقته، وسليم بن عبد الله بن المرزبان أبو بكر الواعظ وشيعته، وبعدهما من المذكورين والمشهورين عبد الله بن محمد بن صالح، وأبو عثمان بن أبي هريرة، ومن نحا نحوهم في النسك والعبادة، تمسكوا بالشرع المشروع، والمنهج المتبوع. اقتدوا بالآثار، وتخلقوا بأخلاق العباد والأبرار، من الصيام الدائم، والقيام اللازم، والقلب الفارغ الهائم. أبو عبد الله بن الحسين الخشوعي.

(4/448)


فمما نقل عنه من كلامه أنه كان يقول: حياة الصديقين في المراعاة، وروح حياتهم القدوة والاقتداء بأوامر الأنبياء وأحوالهم، وحياة أرواحهم بالطاعة وذوق تصحيح سلوك سبيل الأئمة، وتواتر اللطف والمبار.
وكان يقول: من لزم الخدمة ورث منازل القربة، ومنازل القربة تورث حلاوة الأنس.
حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الواعظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسين الخشوعي، حدثنا جعفر بن أمية، حدثنا محمد بن أيوب الرازي، حدثنا الأصمعي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود قال: همان لابد للمؤمن منهما: هم المعاش وهم المعاد.
حدثنا أبو مسلم محمد بن إبراهيم الغزال - في داره قراءة عليه - قال حدثني محمد بن الحسين الخشوعي العابد، حدثنا الحسين بن عبد الله بن الحسن، حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن صفية، عن بعض أزواج النبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أتى عرافا يسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " .
ذكر المشهورين بالعبادة من أهل الشام ومن المشهورين بالنسك والعبادة من عباد الشام واقتصرنا على تسميتهم. فمنهم: عامر بن ناجية. والحسن بن محمد بن مزيد، لقى ذا النون، وأحمد بن أبي الحواري. والحسن بن علي بن سعيد أبو علي السنبلاني، يعد من الأبدال. وزيد بن بندار البجائي أبو جعفر، صام هو وابنه وامرأته أربعين سنة. ويسار بن مسهر من العباد. ومحمد بن جزي العابد. ومحمد بن العباس بن خالد. وأبو عبد الله المحدث. ومحمد ابن عيسى بن يزيد السعدي. وأبو بكر الطرسوسي. ومسعود بن يزيد. وأبو عمران موسى بن إبراهيم الصوفي. وعمر بن عبد الرحيم بن شبيب المقري. وعبيد الله بن أحمد بن عقبة المحدث. ومحمد بن الحسين الجوربي، صحب سهل بن عبد الله، كان من التعبد والاقتداء والاتباع للسلف الماضين بالمحل الرفيع.
سمعوا الآثار واستعملوها في مدى الأيام الأيام والساعات فعمروها. عدوا من البدلاء. كانت أدعيتهم مجابة، ولهم يد في قلوب الولاة مهابة.
وبعدهم طائفة تخرجوا بمحمد بن يوسف البنا، وإن كانوا اختاروا التجرد والتخلي من فضول الدنيا ورفضها، وحذف العلائق والعوائق ونبذها، ومداومة التشمير والاستباق.
ومنهم أبو عبد الله الصالحااني الفقيه. وأحمد بن جعفر القطان. وأحمد بن ميمون. وأبو جعفر أحمد بن قادة. وأبو بكر بن خارج. وعبيد الله بن يحيى أبو عبد الرحمن المديني. وأحمد بن محمد بن عمر بن أبان العبدي. كانوا يرجعون إلى أحوال حميدة وبيان وبصيرة.
وممن أدركناهم وأدركنا أيامهم وصحبوا محمد بن يوسف وسمعوا منه: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سياه المذكور. ومحمد بن جعفر بن حفص المعدل المغازلي. وأبو بكر محمد بن عبد الله بن ممشاذ المعروف بالقنديل القوال. وأحمد بن بندار بن إسحاق الفقيه الشعار. وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن الكسائي المقري. وعبد الرحمن بن محمد بن ششتاه القرمطي المؤذن، وسمعت أبا محمد بن حيان يقول وحكى له عنه حكايات وذكر أنه كان يزوره مع والده محمد بن جعفر في الجمعات وقال: سمعته يروي عن سليمان بن شبيب وعبيد الله بن يزيد أخي رستم. وأبي مسعود، ولم أكتب عنه. فلما رأى في تصانيفه روايته عن حسين المروزي وعبد الجبار بن العلاء كان يتحسر لما فاته من حديثه. هؤلاء قد صحبوه ورووا عنه الآثار.
وأما الذين تخرجوا بعلي بن سهل وأبي عبد الله الصالحاني فجماعة يكثر تعدادهم، غير أن المتقدمين الذين لهم الحال المكين: أبو بكر عبد العزيز بن محمد بن الحسن الخفاف الواعظ، وأبو بكر عبد الله بن إبراهيم بن واضح وأخوه عمر، وأبو جعفر محمد بن الحسين بن منصور وأخوه علي بن الحسين.
وختم التحقيق بطريقة المتصوفة بأبي الحسن علي بن ماشاذه، لما أولاه الله من فنون العلم والسخاء والفتوة، وسلوكه مسلك الأوائل في البذل والعطاء والإنفاق، والتبري والتعري من التملك والإمساك. وكان عارفا بالله عالما، وفقيها عاملا، عالما بالأصول وبارعا في الفروع، له من الأدب الحظ الجزيل، والخلق الحسن الجميل.
رزقنا الله تعالى ما رزقهم من الإقبال عليه والانقطاع إليه، وجمعنا وإياهم بطوله في سائر أرضه وبحبوبة جنته، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(4/449)


قال المؤلف: هذا آخر ما أمليته يوم الجمعة سلخ ذي الحجة سنة اثنين وعشرين وأربعمائة.
والحمد لله وحده أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
تم بحمد الله

(4/450)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية