صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : حلية الأولياء
المؤلف : أبو نعيم الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أسند محمد بن المبارك عن الأعلام والأثبات.
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا عبد الله بن الحسين المصيصي، حدثنا محمد بن المبارك الصوري، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا موسى بن عيسى بن المنذر، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إن الزهادة في الدنيا ليس بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا موسى بن عيسى، حدثنا محمد بن المبارك الصوري، حدثنا عمرو بن واقد، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن يونس ابن حبيش، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان عن شراب الخمر وملاحاة الرجال " .
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر - إملاء - حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق - إملاء - حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا محمد بن المبارك الصوري، حدثنا صدقة بن خالد، حدثني يزيد بن واقد، عن بشر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: " كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه قد بدا عن ركبتيه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما صاحبكم فقد غامر، فأقبل حتى سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين عمر شيء فأسرعت إليه ثم إني ندمت على ما كان فسألته أن يغفر لي فأبى فتبعته إلى البقيع حتى خرج من داره فأقبلت إليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغفر الله لك أبا بكر، ثلاث مرار، ثم إن عمر ندم حين سأله أبو بكر أن يغفر له فأبى عليه، فخرج من منزله حتى أتى منزل أبي بكر فسأل هل ثم أبو بكر؟ قالوا: لا، لعله أتى رسول الله فأتى عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر ما يكره، فلما رأى ذلك أبو بكر جثى على ركبته فقال: أنا والله يا رسول الله كنت أظلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، إن الله تعالى بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي ثلاث مرار " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حبوش بن رزق الله، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا صدقة بن خالد مثله.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا علي بن جعفر بن سعيد، حدثنا الهيثم بن خالد محمد بن المبارك الصوري، حدثنا يحيى، عن الحكم بن عبد الله عن القاسم بن محمد، عن أسماء بنت أبي بكر، عن أم رومان قالت: رآني أبو بكر أتميل في الصلاة فزجرني زجرة كدت أنصرف من صلاتي. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا قام أحدكم في الصلاة فليسكن أطرافه ولا يتميل تميل اليهود فإن تسكين الأطراف من تمام الصلاة " .
حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا أبو الربيع الحسين بن الهيثم المهري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا معاوية بن يحيى الطراطسي، حدثنا الحكم بن عبد الله مثله.
حدثنا سليمان بن أحمد السميدع، حدثنا محمد بن المبارك الصوري، حدثنا بقية، عن أبي مريم الغساني. وحدثنا جعفر بن محمد بن عمر. وحدثنا أبو حسين القاضي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا سليمان بن الجراح البزاز، حدثنا محمد بن المبارك الصوري، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني، عن عطة بن قيس، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما العين وكاء السه فإذا نامت العين انطلق الوكاء، فمن نام فليتوضأ " .
حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا عبد الرازق بن عمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن ثلاثة رهط ممن كان قبلكم انطلقوا " فذكر قصة الغار بطوله.

(4/197)


حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسماعيل الجوني، حدثنا محمد ابن مصفي، حدثنا محمد بن المبارك الصوري، عن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نسى وتره أو نام عنه فليقضه إذا ذكره " .
حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن الفضل، حدثنا عبد الله بن أبي داود، حدثنا عبد السلام بن عتيق السلمي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من داع يدعو إلى هدى إلا كان له أجره وأجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا موسى بن عيسى بن المنذر، حدثنا محمد بن المبارك الصوري، حدثنا عمرو بن واقد، حدثنا يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يؤتى يوم القيامة بالممسوح عقلا وبالهالك في الفترة يقول: يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهده مني، ويقول الهالك صغيرا: يا رب لو آتيتني عمرا ما كان من آتيته عمرا بأسعد بعمره مني. فيقول الرب سبحانه: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون نعم وعزتك فيقول: اذهبوا فادخلوا النار ولو دخلوها ما ضرهم. قال فتخرج عليهم قوابس يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعا قال يقولون يا رب خرجنا وعزتك نريد دخولها فخرجت علينا قوابس ظننا قد أهلكت ما خلق الله عز وجل من شيء، فيأمرهم الثانية فيرجعون كذلك ويقولون مثل قولهم، فيقول الله سبحانه: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون فتأخذهم النار " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا موسى بن عيسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا هارون بن واقد، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله علمني عملا إذا أنا عملته دخلت الجنة. قال: " لا تشرك بالله وإن عذبت وحرقت وأطع والديك وإن أخرجاك من مالك ومن كل شيء هو لك، لا تترك الصلاة متعمدا فإن من تركها متعمدا برئت منه ذمة الله، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر، ولا تنازع الأمر أهله وإن دريت أنه لك. انفق من طولك على أهلك ولا ترفع عنهم عصاك أخفهم في الله " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا موسى بن عيسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة قال: دخلنا على يزيد بن الأسود عائدين فدخل عليه وائلة بن الأسقع فلما نظر إليه مد يده فأخذ يده فمسح بها وجهه وصدره لأنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: يا يزيد كيف ظنك بربك؟ فقال: حسن. قال: فابشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي إن خيرا فخير وإن شرا فشر " .
حدثنا سليمان، حدثنا موسى، حدثنا محمد، حدثنا عمرو، حدثنا يونس بن ميسرة، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " . وخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: " أتقولون إني من آخركم موتا؟ قلنا: نعم قال: لا أنا مش أولكم موتا. ثم تأتون أفرادا يتبع بعضكم بعضا " . قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يبالون من خالفهم ومن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " .
حدثنا سليمان، حدثنا موسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني نصر بن علقمة، عن عمير بن الأسود وكثير بن مرة، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لا تزال طائفة من أمتي قائمة على أمر الله لا يضرها من خالفها، تقاتل أعداءها كلما ذهبت حرب نشبت حرب قوم أخرين، يرفع الله أقواما ويرزقهم منهم حتى تأتيهم الساعة " ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هم أهل الشام " .

(4/198)


حدثنا سليمان، حدثنا موسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا محمد بن حمزة، عن الوضين بن عطاء، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر قال: خرجت في اثنى عشر راكبا حتى حللنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحابي: من يرعى إبلنا وننطلق فنقتبس من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: أنا ثم إني قلت في نفسي: لعلي مغبون يسمع أصحابي ما لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضرت يوما فسمعت رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من توضأ وضوءا كاملا ثم قام إلى صلاته خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه " ، فتعجبت من ذلك، فقال عمر بن الخطاب: فكيف لو سمعت الكلام الآخر كنت أشد عجبا؟ قلت: اروه علي جعلني الله فداك. فقال عمر بن الخطاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من مات لا يشرك بالله شيئا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ولها ثمانية أبواب " فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست مستقبله فصرف وجهه عني فقمت فاستقبلته ففعل ذلك ثلاث مرات فلما كانت الرابعة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي لم تصرف وجهك عني. فأقبل علي فقال: " واحد أحب إليك أم اثنا عشر؟ " مرتين أو ثلاثا فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي.
حدثنا سليمان، حدثنا موسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا عبد العزيز بن محمد المراوردي، عن داود بن صالح، عن أمه، عن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصغي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها " . يعني الهرة.
حدثنا سليمان، حدثنا موسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نضر الله عبدا سمع كلامي هذا فلم يزد فيه فرب حامل كلمة إلى من هو أوعى لها منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن أخلص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر والاعتصام بجماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " .
حدثنا سليمان، حدثنا موسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا بقية ابن الوليد، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير الحضرمي، قال: قالت عائشة: " إن آخر طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام فيه بصل " .
حدثنا سليمان، حدثنا موسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا معاوية بن يحيى، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أبالي ما أتيت ولا ما ارتكبت إذا أنا شربت درياقا أو تعلقت تميمة أو نطقت شعرا من من قبل نفسي " .
حدثنا سليمان، حدثنا موسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياض، عن زيد بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن المقدام بن معدي كرب وأبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا. ولا تسافر امرأة مسيرة يومين إلا مع زوجها أو ذي محرم " .
حدثنا سليمان، حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا عيسى، عن يونس، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد، عن ثوبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في جنازة فرأى ناسا ركبانا فقال: " ألا تستحيون بأن ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب ركبانا " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسن بن السميدع الأنطاكي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني، عن معاوية بن طويع، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل شيء لك من أهلك حلال في الصيام إلا ما بين الرجلين " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن السميدع، حدثنا محمد ابن المبارك، حدثنا بقية، عن يحيى بن سعد، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك انه حدثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبنا الله ونعم الوكيل.
حدثنا سليمان، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا بقية، عن بجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة " .

(4/199)


حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " .
حدثنا سليمان، حدثنا موسي بن عيسى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن راشد بن داود، عن أبي الأشعث الصنعاني أنه راح إلى مسجد دمشق وهجر بالرواح فلقي شداد بن أوس والصنابحي معه فقلت: اين تريدان رحكما الله. فقالا: نريد هاهنا إلى أخ لنا مريض نعوده، فانطلقت معهما حتى دخلنا على ذلك الرجل فقالا له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة الله وفضله، فقال شداد: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله تعالى يقول: إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني وصبر على ما ابتليته به فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب للحفظة: إني أنا صبرت عبدي هذا وابتليته فأجروا من الأجر ما كنتم تجرون له قبل ذلك وهو صحيح " .
سعيد بن يزيد
منهم العجاج الناجي، أبو عبد الله الساجي سعيد بن يزيد، رحمه الله تعالى. كان يعج من نفسه إلى ربه عجيجا، ويشتاق إليه شاكيا أنينا وضجيجا.
وقيل: إن التصوف عرفان الحدود والحقوق، ووجدان السكون والوثوق.
حدثنا أبي وأبو محمد بن حيان، قالا: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن محمد بن بكر القرشي، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: خمس خصال ينبغي للمؤمن أن يعرفها إحداهن معرفة الله تعالى، والثانية معرفة الحق، والثالثة إخلاص العمل لله، والرابعة العمل بالسنة، والخامسة أكل الحلال فإن عرف الله ولم يعرف الحق لم ينتفع بالمعرفة، وإن عرف ولم يخلص العمل لله لم ينتفع بمعرفة الله، وإن عرف ولم يكن على السنة لم ينفعه، وإن عرف ولم يكن المأكل من حلال لم ينتفع بالخمس، وإذا كان من حلال صفاته القلب فأبصر به أمر الدنيا والآخرة وإن كان من شبهة اشتبهت عليه الأمور بقدر المأكل، وإذا كان من حرام أظلم عليه أمر الدنيا والآخرة، وإن وصفه الناس بالبصر فهو أعمى حتى يتوب.
حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن بكر، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: من وثق بالله فقد أحرز قوته، ومن حي قلبه فقد لقي الله ولا يشك في نظره.
حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم، حدثنا أحمد، قال: سمعت الساجي يقول: قيل للفضيل بن عياض: يا أبا علي متى ينتهي العبد في حب الله؟ قال إذا استوى عنده منعه وعطاؤه.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا إسحاق بن أبي حسان، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: تدري أي شيء قلت البارحة والبارح الأول؟ قلت: قبيح بعبد ذليل مثلي يعلم عظيما مثلك لا يعلم، أنك لتعلم أني لو خيرتني بين أن يكون لي الدنيا منذ يوم خلقت أتنعم فيها حلالا لا أسأل عنها يوم القيامة، وبين أن تخرج نفسي الساعة لاخترت أن تخرج نفسي الساعة. ثم قال: أما تحب أن نلقى من تطيع.
حدثنا أبي، حدثنا أبو الحسن بن أبان، حدثنا أبو بكر بن عبيد، حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا سهل بن عاصم، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي سعيد بن يزيد يقول: سمعت أبا خزيمة يقول: القصد إلى الله بالقلوب أبلغ من حركات الأعمال الصلاة والصيام ونحوهما.
حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن محمد بن بكر، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: عن بعض أهل العلم احذروا أن لا يغضب الله عليكم فيعطكم الدنيا فإنه غضب على عبد من عبيده إبليس فأعطاه الدنيا وقسم له منها.
حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا إبراهيم بن نائلة، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: قال موسى عليه السلام: أي رب أين أجدك؟ قال فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إذا انقطعت إلي فقد وصلت. والله أعلم.
قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله تعالى:

(4/200)


حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا إبراهيم بن نائلة، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت إسحاق بن خالد يقول: ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول ابن آدم ليت شعري بماذا يختم لي. قال: عندها ييئس إبليس ويقول: متى هذا يعجب بعمله؟ فحدثت به مضاء بن عيسى فقال: يا أحمد عند الخاتمة فظع بالقوم. فحدثت به أبا عبد الله الساجي فقال: واخطراه.
حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا إبراهيم بن نائلة، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت محمد بن بكر، عن أبي عبد الله الساجي قال: إن أحببتم أن تكونوا أبدالا فأحبوا ما شاء الله فإنه من أحبه لم ينزل به شيء من مقادير الله وأحكامه إلا أحبه.
حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا إبراهيم بن محمد بن بكر، قال: سمعت الساجي يقول: إن أحببتم أن تكونوا أبدالا فأحبوا ما شاء الله فإنه من أحبه لم ينزل به شيء من مقادير الله وأحكامه إلا أحبه وأوحى إلى موسى عليه السلام يا موسى ما استحثني على قضاء حاجته بمثل قوله: ما شاء الله وحبى بأنك تعلم فهو ما شئت.
حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم، حدثنا أحمد، قال: سمعت الساجي يقول: ينبغي لنا أن نكون بدعاء إخواننا أوثق منا بأعمالنا، نخاف أن نكون في أعمك مقصرين ونرجو أن نكون في دعائهم لنا مخلصين فإن من أصفى العمل فأنت منه على ربح.
حدثنا إسحاق بن أحمد بن علي، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدث أحمد بن أبي الحواري، حدثنا محمد بن معاوية أبو عبد الله الصوري، عن أبي عبد الله الساجي: إن في خلق الله خلقا يستحيون من الصبر لو يعلمون مواقع أقداره يتلقفونها تلقفا.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا إسحاق بن أبي حسان. حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت الساجي يقول: أتدري أي شيء أراد عبيد الدنيا من مواليهم؟ أرادوا أن يرضوا عنهم، وتدري أي شيء أراد الله من عبيده. أراد أن يرضوا عنه، وما كان رضاهم إلا بعد رضاه عنهم.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سهل بن عاصم، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: وقف أعرابي على أخ له حضري فقال الحضري: كيف تجدك أبا كثير؟ قال: أحمد الله، أي أخي ما بقاء عمر تقطعه الساعات وسلامة بدن معرض للآفات؟ ولقد عجبت للمؤمن كيف يكره الموت وهو سبيله إلى الثواب، وما أرانا إلا سيدركنا الموت ونحن أبق.
حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا عبد الله يقول: لما توالى على يعقوب ذهاب ابنه يوسف واطلع الله على ما في قلبه من الحزن بعث إليه جبريل أن يقول: يا كثير يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبدا ولا يحصيه غيره، رد علي ابني. فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه: وعزتي وجلالي وارتفاعي على عرشي لو كانا ميتين لنشرتهما لك.
حدثنا عبد السلام الصوفي البغدادي، قال: سمعت أبا العباس بن عبيد البغدادي يقول قال محمد بن أبي الورد قال أبو عبد الله الساجي: من خطرت الدنيا بباله لغير القيام بأمر الله حجب عن الله.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر، حدثنا الحسين بن عبد الله بن شاكر، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: أصل العبادة عندي في ثلاثة: لا ترد من أحكامه شيئا، ولا تدخر عنه شيئا، ولا تسأل غيره حاجة.
حدثنا أبي، حدثنا الحسين، حدثنا أحمد، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن أعطاك غطاك، وإن منعك أرضاك. قال: وسمعت أبا عبد الله الساجي يقول: إذا ذكرت قوله الوهاب فرحت بها.
حدثنا إسحاق بن أحمد بن علي، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت الساجي التميمي يقول: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيغيب في النور فيعطى كتابا فيقرأ فيه صغائر ذنوبه فلا يرى فيه كبائر كان يعرفها. قال: فيدعي ملك فيعطى كتابا مختوما فيقول: انطلق بعبدي ذا إلى الجنة، فإذا كان عند آخر قنطرة من قناطر جهنم فادفع إليه هذا الكتاب وقل له ربك يقول لك: حبيبي ما منعني أن أوقفك عليها إلا حياء منك وإجلالا لك، فإذا كان عند آخر قنطرة دفع إليه الملك الكتاب ففض الخاتم وقرأ الكتاب فإذا فيه الكبائر التي كان يعرفها. فيقول للملك: قد عرفتها. قال فيقول له الملك ما أدري ما في الكتاب، إنما دفع إلي كتابا مختوما وربك يقول حبيي ما منعني أن أوقفك عليها إلا حياء منك وإجلال لك.

(4/201)


حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن محمد بن بكر القرشي، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: خصال لا يعبد الله بمثلها: لا تسأل إلا الله ولا ترد شيئا على الله ولا تبخل على الله - يعني تمسك لله وتعطي لله - فإنه من عرف الله فقد بلغ الله. قال: وقال سفيان الثوري: ليس من علامات الهدى شيء أبين من حب لقاء الله فإذا أحب العبد لقاء الله فقد تناهى في البر أي قد بلغ.
حدثنا أبي وعبد الله بن محمد، قالا: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: أطيلوا بالنظر في الرضا عن الله وتساءلوا عنه بينكم، فإنكم إن ظفرتم منه بشيء علوتم به الأعمال كلها، وقال الله تعالى: " وتعيها أذن واعية " . " الحاقة 12 " . عقلت عن الله وقال: " تعرف في وجوههم نضرة النعيم " " المطففين 24 " . المعرفة بالله وفيها النعيم: " يسقون من رحيق " " المطففين 25 " . تعجل لهم في الحياة الدنيا الحلاوة في عباده الله فيتصل ذلك إلى يوم القيامة ثم يصيرون إليه في الجنة لأن أول العطية كان مبتدؤها في الدنيا.
حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: الذي جعل الله المعرفة عنده يتنعم مع الله في كل أحواله، قال: وسمعت الساجي يقول: لو لم يكن لله ثواب يرجى ولا عقاب يخشى لكان أهلا أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبة في ثواب، ولا رهبة من عقاب، ولكن لحبه وهي أعلى الدرجات، أما تسمع موسى عليه السلام يقول: " وعجلت إليك رب لترضى " " طه 84 " . فانتظم الثواب والعقاب، لأن من عبد الله على حبه أشرف عند الله ممن عمل على خوفه، ومثل ذلك في الدنيا أين من أطاعك على خوف منك.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن بكر، قال: سمعت الساجي يقول: إنما ذكر الله درجة الخائفين، وأمسك عن درجة المحبين، لأن القلوب لا تحتمل ذلك، كما أمسك عن درجة النبيين وأظهر ثواب المتقين قال في النبيين، واذكر عبدنا فلان وأثنى عليهم: " شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه " " النحل 121 " . وقال: " أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار " " ص 46، 47 " . وقال: " هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآدب جنات عدن " " ص 49، 50 " . الآية أي ذكري وثنائي عليهم أشرف من ثواب المتقين، وإنما ذكر صغار الأمور ولم يذكر ثواب العظيم لأنه لا تحتمله القلوب هل ذكر في الزكاة والصوم شيئا. ويقول في كتابه العزيز: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " " السجدة 17 " . لم يبينه ثم قال: " ولدينا مزيد " " ق 50 " . قال: وسمعت الساجي يقول: قال لي رجل لو جعلت لي دعوة مستجابة ما سألت الفردوس، ولكن أسأله الرضى فهو تعجيل الفردوس الرضى إنما هو في الدنيا يقول رضى الله عنهم ورضوا عنهم وأعد لهم هناك في الآخرة والرضى ملك يفضي إلى الملك، وهم أوجه الخلق عندهم ولم تكن لهم أعمال تقدمت شكرهم عليها، ولا شغفا لهم عنده ولكنه كان ابتداء منه وقد فرغ الله مما أرادوا أسعد بالعلم من قد عرف، وإنما العقوبات على قدر الملمات - إذا لم يكن شيء جاءت عقوبات ذلك بقدره.
حدثنا أبي، وأبو محمد بن حيان، قالا: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن بكر، قال: سمعت الساجي يقول: رأيت في النوم أربعة أتوني ومعهم رجل فقالوا: تحمل بنا عليك تكتب له دعاء فقلت أكتب: بسم الله اللهم إني أسألك بالله، اللهم إني أسألك يا رباه، أسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تعجل لي هدى في شيء يخالف أمرك في سر ولا علانية، اللهم إني أسألك أن لا تراني أخطو خطوة في طلب دنيا تضر بي عندك، وأسألك أن تكرمني أن أطمع لأحد من المخلوقين أبدا ما أحييتني قال: فقال النفر الأربعة: كتب لك خير الدنيا والآخرة.

(4/202)


حدثنا أبي وأبو محمد بن حيان، قالا: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: رأيت في المنام كان قائلا يقول لي: اعلم أن من علامات حب الله أن تكون بزيادة آخرتك أسر منك بزيادة دنياك. قال ورأيت في المنام أني أسمع كلام موسى عليه السلام لربه يقول: يا موسى أبلغت؟ قال: يا رب حين قصدت إليك بلغت. قال: صدقت يا موسى، قال: وسمعت الساجي يقول - سمعت أراه مهديا - يقول: لا تنصب الأيام والليالي حتى يعبد الدينار والدرهم من دون الله، قلت: وكيف؟ قال: يدعوان إلى شيء ويدعو الله إلى شيء آخر فيتبع أمر الدينار والدرهم، قال: وسمعت الساجي يقول: سئل ابن عيينة عن الزهد، فقال: أن لا يغلب الحلال شكرك ولا الحرام صبرك.
حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن عبيد الله الدارمي الأنطاكي، حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول قال بكر بن حنيش: كيف يتقي من لا يدري من يتقي.
حدثنا أبو يعلى الحسين بن محمد الزهري، حدثنا محمد بن المسيب الأرغياني، حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: سمعت أبا عبد الله يقول قال يونس النبي عليه السلام: يا رب أرني أحب خلقك إليك، قال: فدفع إلى رجل قد أكلت محاسن وجهه فلم تبق إلا عيناه. قال نعم يا يونس، وقد أمرني ربي أن أسلبه عينيه، فقال الرجل: الحمد لله متعتني ببصري ثم قبضته إليك وأبقيت في الأمل فيما عندك فلم تسلبنيه.
حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا إسحاق بن أبي حسان، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: سأل رجل الفضيل إذا كان عطاؤه ومنعه عندك سواء فقد بلغت الغاية من حبه.
سمعت أبي يقول: سمعت خالي أحمد بن محمد بن يوسف يقول: كان أبو عبد الله الساجي مجاب الدعوة وله آيات وكرامات، بينما هو في بعض أسفاره إما حاجا وإما غازيا على ناقة، وكان في الرفقة رجل عائن فما نظر إلى شيء إلا أثقله وأسقطه، وكانت ناقة أبي عبد الله ناقة فارهة، فقيل له: احفظها من العائن فقال أبو عبد الله: ليس له على ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله فجاء إلى رحله فعان ناقته فاضطربت وسقطت تضطرب، فأتي أبو عبد الله فقيل له: إن هذا العائن قد عان ناقتك وهي كما تراه تضطرب. فقال: دلوني على العائن فدل عليه فوقف عليه وقال: بسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه، في كلوتيه رشيق، وفى ماله يليق: " فاوجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير " " الملك 3، 4 " . فخرجت حدقنا العائن وقامت الناقة لا بأس بها.
حدثنا عبد السلام بن محمد البغدادي، قال: حدثني أبو العباس بن عبيد، قال: قال أبو الحسن بن أبي الورد: صلى أبو عبد الله الساجي يوما بأهل طرسوس فصيح بالنفير فلم يخفف الصلاة، فلما فرغوا قالوا: أنت جاموس؟ قال: ولم؟ قالوا: صيح بالناس النفير وأنت في الصلاة ولم تخفف. فقال: إنما سميت الصلاة لأنها اتصال بالله، وما حسبت أن أحدا يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما كان يخاطبه الله.
حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا محمد بن أحمد البغدادي، حدثنا علي بن الحسن بن علي البغدادي، قال: سمعت أبا الحسن بن أبي الورد يقول قال أبو عبد الله الساجي: من لم يكن عالما بما يرد عليه من الله تعالى ولم يعلم ما يريد الله منه فهو ممن وقع الحجاب بينه وبين الله. وقال: من استعجلت عليه شهوته انقطعت عنه شواهد التوفيق. وقال: من أكل الشهوات والتتبعات أوردت عليه البليات. وقال: الغفلة عن الله أشد من دخول النار. وقال: ميراث الذكر لغير ما يوصل إلى الله قسوة القلب. وقال: قال إبليس: من ظن أنه ينجو مني بحيلته فبعجبه وقع في حبالي. وقال: إذا دخل الغضب على العقل ارتحل الورع، وكيف بمن لا عقل له ولا ورع يدخل الغضب.
علي بن بكار
قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله تعالى: ومنهم المرابط الصبار، المجاهد الكرار، علي بن بكار - رحمه الله تعالى. سكن المصيصة مرابطا صحبة إبراهيم بن أدهم، وأبا إسحاق الفزاري، ومخلد بن الحسين.

(4/203)


حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الجرجاني، حدثنا محمد بن المسيب الأرغياني، حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: قال لي علي بن بكار سنة ست ومائتين: أين تسكن؟ قلت: بأنطاكية. قال: الزم بيتك إلى سوقك لا يلقاك من يلطم عينك، فليس لحالك بأس.
حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أحمد بن روح، حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: سمعت موسى بن طرفة يقول: كانت الجارية تفرش لعلي بن بكار فيلمس بيده ويقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لاعلوتك ليلتي. فكان يصلي الغداة بوضوء العتمة.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا يحيى بن خلف التستري، حدثنا عباس بن محمد بن حاتم، حدثنا خالد بن تميم، قال: سئل علي بن بكار، عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " ، قال: أن لا يجعلك الله والفجار في دار واحدة.
حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثني أحمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا زكريا بن يحيى - قاضي عين زربة - حدثنا أبو بكر المقابري، قال: دخلت على علي بن بكار وهو ينقي شعيرا لفرسه فقلت: يا أبا الحسن أما لك من يكفيك هذا؟ فقال لي: كنت في بعض المغازي وواقعنا العدو وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، وقصر بي فرسي، فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الفرس: نعم إنا لله وإنا إليه راجعون، حيث تتكلم علي فلا تنقي علفي. فضمنت أن لا يليه غيري.
حدثنا العثماني، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي، حدثنا علي بن سهل، قال: سمعت أبا الحسن بن أبي الورد يقول قال رجل: أتينا علي بن بكار فقلنا له حذيفة المرعشي يقرأ عليك السلام. فقال: عليكم وعليه السلام، إني لأعرفه يأكل الحلال منذ ثلاثين سنة، ولأن ألقى الشيطان عيانا أحب إلي من أن يلقاني وألقاه. قلت له في ذلك فقال: أخاف أن أتصنع له فأتزين لغير الله فأسقط من عين الله.
ومما أسند: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا علي بن بكار، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة " .
حدثنا إبراهيم بن أحمد بن أبي حصين، حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا علي بن بكار أبو الحسن المصيصي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي عطية - قال الحضرمي كذا قال وإنما هو أبو طيبة - عن عمرو بن عتبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يبيت طاهرا علي ذكر فيتعار من الليل فيقوم فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه " .
حدثنا محمد بن عاصم، حدثنا أحمد بن عبيد الله الدارمي الأنطاكي، حدثنا علي بن بكار، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لله عتقاء في كل يوم وليلة عبيد وإماء يعتقهم من النار، وإن لكل مسلم دعوة مستجابة يدعوها فيستجيب له " .
حدثنا أحمد بن عبيد الله بن محمد، حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم، حدثنا علي بن بكار، حدثنا أبو خالد، عن أبي العالية، عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا القرآن خمسا خمسا.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن هارون بن روح البردعي - ببغداد - حدثنا علي بن بكار المصيصي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن ليث، عن أبي أسوع، عن أبي ليلي مولى الأنصاري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: " لقد هممت أن أمر بالصلاة فتقام ثم آمر فتيان الأنصار فيحرقون علي قوم بيوتهم لا يشهدون الصلاة " .
حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن بركة، حدثنا علي بن بكار، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قرأ الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة جهر فيها بالقراءة فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم فقال: " هل قرأ منكم معي أحد آنفا؟ " ، قالوا: نعم يا رسول الله: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أقول مالي أنازع القرآن " .

(4/204)


حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن بركة، حدثنا علي بن بكار، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعن سلمة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر رجل نام فلم يستيقظ حتى أصبح فقال: " ذاك رجل بال الشيطان في أذنه - أو قال في أذنيه " .
حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بركة الحلبي، حدثنا علي ابن بكار، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان الثوري، عن عثمان، عن زاذان، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا يهولهم الفزع ولا الحساب حتى يحشروا إلى الجنة على كثبان من مسك أسود: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله ثم أم به قوما وهم به راضون، ورجل راع في خمس صلوات بالليل والنهار ابتغاء وجه الله، ومملوك لم يمنعه الرق عن طلب ما عند الله " .
حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بركة، حدثنا علي بن بكار، عن يزيد بن السمط، عن الحكم بن عبد الله بن سعد الإيلي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي الرجاء، عن أمه عمرة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث ساعات للمرء المسلم ما دعا فيهن إلا استجيب له ما لم يسأل قطيعة رحم أو مأثما. قالت: فقلت: يا رسول الله، أية ساعة؟ قال: حين يؤذن المؤذن بالصلاة حتى يسكت، وحين يلتقي الصفان حتى يحكم الله بينهما، وحين ينزل المطر حتى يسكن، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله حين أسمع المؤذن؟ علمني مما علمك الله وأجهد. قال: تقولين كما كبر الله يقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله وكفى من لم يشهد ثم صلي علي وسلمي، ثم اذكري حاجتك " . قالت: يا عمرة إن دعوة المؤمن لا تذهب عن ثلاث ما لم يسأل قطعة رحم أو مأثما إما أن يجعل له فيعطى وإما أن يكفر عنه وإما أن يدخر له " .
حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بركة، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الجريري، عن أبي نضرة قال: قدمت المدينة فنزلت قريبا من منزل جابر بن عبد الله فحدثنا قال: كان منزلنا بعيدا من منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت بقاع قريبة من المسجد فأردنا أن نتحول إليها فنبني فيها لبعد منزلنا من المسجد، وهو علي ميل من سلع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال: " دياركم فإنما تكتب آثاركم " .
حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بركة، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا علي بن بكار، حدثنا إبراهيم بن الفزاري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي لهم، عن أبي الجوزاء، عن الحسن بن علي قال: " علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول هؤلاء الكلمات في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقض عليك، ولا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت " .
حدثنا محمد، حدثنا محمد، حدثنا علي بن بكار، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن أبي نصير، قال: قال أبي بن كعب: " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الغداة فلما سلم نظر في وجوه القوم ثم قال: أشاهد فلان؟ قالوا: نعم، ولم يحضر، قال: إن أثقل الصلوات في المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو علموا ما فيهما لأتوهما حبوا، وإن الصف الأول لعلي مثل صفوف الملائكة، ولو علمتم ما فيه لابتدرتموه، وإن صلاتك مع رجل، وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل " .
حدثنا محمد، حدثنا علي بن بكار، حدثنا أبو إسحاق الفزاري. عن أبي عروبة، عن أبي محمد، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: في كل الصلاة نقرأ كما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى علينا أخفيناه عليكم.
حدثنا محمد، حدثنا محمد، حدثنا علي بن بكار، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعيد، عن رجاء بن حيوة، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتقرؤن القرآن إذ كنتم معي في الصلاة؟ قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن " .

(4/205)


حدثنا محمد، حدثنا علي أبو إسحاق، عن الأعمش، عن سفيان ابن سلمة، عن عبد الله قال: كنا إذا قعدنا في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله هو السلام، فإذا قعدتم فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ينبر بعد من الدعاء ما شاء " .
حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المفتولي، حدثنا حاجب ابن أزكين، حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم، حدثنا علي بن بكار، حدثنا أبو أمية ابن يعلى، عن سعيد المقبري، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عاشوراء يوم التاسع " .
؟القاسم بن عثمان
قال الشيخ أبو نعيم رحمة الله تعالى عليه: ومنهم القاسم بن عثمان الجوعي رحمه الله تعالى، كانت له الرعاية الوافية، فأيد بالقوة الكافية.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الرحمن بن أحمد، حدثنا يوسف بن أحمد البغدادي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت القاسم الجوتمي الكبير يقول: شبع الأولياء بالمحبة عن الجوع فعقدوا الذاذة، الطعام والشراب والشهوات ولذات الدنيا لأنهم تلذذوا بلذة ليس فوقها لذة فقطعتهم عن كل لذة أتدري لم سميت قاسما الجوعي؟ لأني لو تركت ما تركت ولم أوت بالطعام لم أبال، رضيت نفسي حتى لو تركت شهرا وما زاد فلم تأكل ولم تضرب لم تبال أنا عنها راض أسوقها حيث شئت، فأنا أسحبها حيث شئت، اللهم أنت فعلت ذلك بي فأتمه علي: كان القاسم يقول: أصل المحبة المعرفة، وأصل الطاعة التصديق، وأصل الخوف المراقبة، وأصل المعاصي طول الأمل، وحب الرئاسة أصل كل موقعة. وكان يقول: قليل العمل مع المعرفة خير من كثير العمل بلا معرفة. وقال: تعرف وضع رأسك فما عبد الله بشيء أفضل من المعرفة. وكان يقول: رأس الأعمال الرضا عن الله، والورع عمود الدين، والجوع من العبادة، والحصن ضبط اللسان، ومن شكر الله جلس في ميدان الزيادة، ومن حمده عند المصائب نعما، وشكر الله على ذلك ولو زويت عنه الدنيا. قال القاسم: نزلت على سلم الخواص فقدم إلي بطيخة ونصف رغيف وقال لي: يا قاسم كل فإني نزلت على أخ لي فقدم إلى خيارة ونصف رغيف وقال: كل فإن الحلال لا يحتمل السرف ومن درى من أين مكسبه درى كيف ينفق.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن الحجاج، حدثنا محمد بن علي بن خلف، حدثنا القاسم بن عثمان، حدثنا ابن أبي السائب، قال: سمعت أبي يذكر أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: إني قد اتخذت من أهل الأرض خليلا، قال: فقال يا رب فاعلمني من هو حتى أكون له عبدا حتى يموت؟ قال: وسمعت أبي يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قال فقلت يا رسول الله أبايعك على أن أدخل الجنة قال: " فبسط يده فبايعته " . فما رأيت بنانا قط أحسن من بنانه.
حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد، حدثنا عبد الله بن الفرج، حدثنا القاسم بن عثمان، حدثنا عبد العزيز بن أبي السائب، عن أبيه قال: لأنا أخوف على عابد من غلام من سبعين عذراء.
ومما أسند: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا إسحاق بن أبي حسان، حدثنا القاسم بن عثمان الجوعي، حدثنا عبد الله بن نافع المدني، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، وإن منبري لعلى حوضي " .
حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد، حدثنا عبد الله بن الفرج بن عبد الله القرشي، حدثنا القاسم بن عثمان الجوعي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت: " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في شملة قد عقدها من خلفه " .

(4/206)


حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا سعيد بن أوس الدمشقي، حدثنا القاسم بن عثمان الجوعي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله، قال: حدثتنا عائشة قال: " ربما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يقطر، قلت: من الجنابة؟ قالت: فمن أي شيء " .
مضاء بن عيسى
ومنهم مضاء بن عيسى الشامي، رحمه الله تعالى: كان من العاملين اجتذبه الحب واستلبه الخوف.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك، حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت مضاء ابن عيسى يقول: خف الله يلهمك، واعمل له لا يلجئك إلى ذليل.
حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: عمل النهار يستخرجه الليل، وعمل الليل يستخرجه النهار.
حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحوارى، قال: سمعت مضاء وأبا صفوان بن عوانة يقولان: من أحب رجلا لله وقصر في حقه فهو كاذب في حبه، وإذا أراد الله بالشاب خيرا وفق له رجلا صالحا.
حدثنا إسحاق، حدثنا إبراهيم، حدثنا أحمد، قال: سمعت مضاء يقول: قال حذيفة المرعشي: القلوب قلبان، فقلب ملح يسأله، وقلب يتوقع شيئا يجيئه.
حدثنا عثمان بن علي العثماني، حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله الدمشقي، حدثنا أبو بكر بن حمدويه، قال: سمعت القاسم بن عثمان يقول: اتفق سليمان ومضاء بن عيسى وعبد الجبار ومسلم بن زياد الواسطي على أن ترك لقمة خير من قيام ليلة.
حدثنا إسحاق، حدثنا إبراهيم، حدثنا أحمد قال أتيت وأبو سليمان مضاء زائرين له، فجاءنا ببيض وكان هو صائما وأبو سليمان، وكنت أنا كأني أردت الصيام، فقال لي مضاء: كل، فأكلت.
حدثنا الحسين بن أحمد بن بكر، حدثنا أبو بحر محمد بن أحمد بن حمدان القشيري، حدثنا حسين بن الربيع، حدثنا عبيد بن عاصم الخراساني، حدثنا مضاء بن عيسى - بالكوفة - عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم وعلقمة والأسود، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله: " من ضبط هذا - وأشار إلى لسانه - وهذا وأشار إلى بطنه - ضمنت له الجنة " .
منصور بن عمار
قال الشيخ أبو نعيم، رحمه الله تعالى: ومنهم منصور بن عمار رحمه الله تعالى كان لآلاء الله واصفا، وعلى بابه عاكفا، يحوش العباد إليه ويلح في المسألة عليه.
حدثنا إسحاق بن أحمد بن علي حدثنا إبراهيم بن يوسف بن خالد، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت عبد الرحمن بن المطوف يقول: رؤي منصور بن عمار بعد موته فقيل له: يا منصور ما فعل بك ربك. قال: غفر لي وقال لي: يا منصور قد غفرت لك على تخليط منك كثير، إلا أنك كنت تحوش الناس إلى ذكري.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا مسلم بن عصام، حدثنا عبد الرحمن بن عمر رسته، حدثنا يوسف بن عبد الله الحراني، عن منصور بن عمار قال: كتب إلي بشر المريسي أعلمني ما قولكم في القرآن مخلوق هو أو غير مخلوق؟ فكتبت إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد عافانا الله وإياك من كل فتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة، وإن لم يفعل فهو الهلكة. كتبت إلي أن أعلمك القرآن مخلوق أو غير مخلوق، فاعلم أن الكلام في القرآن بدعة يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له بتكلف والمجيب ما ليس عليه، والله تعالى الخالق وما دون الله مخلوق، والقرآن كلام الله غير مخلوق فانته بنفسك وبالمختلفين في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها تكن من المهتدين، ولا تبتدع في القرآن من قلبك اسما فتكون من الضالين، وذر الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون، جعلنا الله وإياكم ممن يخشونه بالغيب وهم من الساعة مشفقون.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن محمد بن الحجاج، حدثنا محمد بن علي بن خلف، حدثنا زهير بن عباد، حدثنا منصور بن عمار قال: قال سليمان بن داود: إن الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينه وحده.

(4/207)


حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا أبو الحسن البغدادي، عن بعض إخوانه، قال: قال سليمان بن منصور: كنت في مجلس أبي منصور فوقعت رقعة في المجلس فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم. يا أبا السري أنا رجل من إخوانك تبت على يديك وأنا اشتريت من الله عز وجل حورا علي صداق ثلاثين ختمة فختمت منها تسعا وعشرين، فأنا في الثلاثين إذ حملتني عيناي فرأيت كأن حوراء خرجت علي من المحراب فلما رأتني أنظر إليها أنشأت تقول برخيم صوتها:
أتخطب مثلي وعني تنام ... ونوم المحبين عني حرام
لأنا خلقنا لكل امرئ ... كثير الصلاة براه الصيام
فأنتبهت وأنا مذعور.
حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا أبو القاسم بن الأسود، حدثنا أبو علي بن دسيم الزقاق، قال: سمعت عبدك العابد يقول قيل لمنصور بن عمار: تكلم بهذا الكلام ونرى منك أشياء. فقال: احسبوني ذرة وجدتموها على كناسة مكانها.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال: سمعت محمد بن عبد الرحيم بن شبيب، يقول: سمعت سليم بن منصور بن عمار يقول: سمعت أبي يقول: دخلت على سفيان بن عيينة فحدثني ووعظته، فلما أثارت الأحزان دموعه رفع رأسه إلى السماء فرددها في عيينة فحدثني ووعظته، فلما أثارت الأحزان دموعه رفع رأسه إلى السماء فرددها في عينيه فأنشأت أقول: رحمك الله يا أبا محمد هلا اسبلتهما اسبالا؟ وتركتها تجري على خديك سجالا؟ فقال لي: يا منصور إن الدمعة إذ بقيت في الجفون كان أبقى للحزن في الجوف، لقد رأى سفيان أن يعمر قلبه بأحزان وأن يجعل أيام الحياة عليه أشجانا، ولولا ذلك لاستراح إلى إسبال الدموع ومشاركة ما أرى من الجوع.
سمعت الحسين بن عبد الله النيسابوري يقول: سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول قال منصور بن عمار: قلوب العباد كلها روحانية فإذا دخلها الشك والخبث امتنع منها روحها. وقال: إن الحكمة تنطق في قلوب العارفين بلسان التصديق، وفي قلوب الزاهدين بلسان التفضيل وفي قلوب العباد بلسان التوفيق، وفي قلوب المريدين بلسان التفكير وفي قلوب العلماء بلسان التذكير ومن جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في دينه. وقال: سبحان من جعل قلوب العارفين أوعية الذكر، وقلوب أهل الدنيا أوعية الطمع، وقلوب الزاهدين أوعية التوكل، وقلوب الفقراء أوعية القناعة، وقلوب المتوكلين أوعية الرضا، وقال: أحسن لباس العبد التواضع والانكسار، وأحسن لباس العارفين التقوى. قال الله تعالى: " ولباس التقوى ذلك خير " " الأعراف 26 " . وقال منصور: سلامة النفس في مخالفاتها، وبلاؤها في متابعاتها.
حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق محمد بن إسحاق السراج، قال: سمعت أحمد بن موسى الأنصاري يقول قال منصور بن عمار: حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة طخيا مسحنككة فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أرادت بمعصيتي مخالفتك، وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي، وغرني سترك المرخي علي، وقد عصيتك بجهدي، وخالفتك بجهلي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك، واشباباه. قال: فلما فرخ من قوله تلوت آية من كتاب الله تعالى: " نارا وقودها الناس والحجارة " " البقرة 24 " التحريم 6 " الآية فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حسا فمضيت فلما كان من الغد رجعت في مدرجتي فإذا أنا بجنازة قد أخرجت، وإذا أنا بعجوز قد ذهب متنها - يعني قوتها - فسألتها، عن أمر الميت - ولم تكن عرفتني - فقالت: هذا رجل لا جزاه إلا جزاءه من بابني البارحة وهو قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله تعالى فتفطرت مرارته فوقع ميتا، رحمه الله.

(4/208)


حدث به إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري، عن ابن أبي الدنيا، عن محمد بن إسحاق السرج. وحدثنا أبي، حدثنا خالي أحمد بن محمد بن يوسف حدثني أبي قال أخبرت عن منصور بن عمار أنه قال: خرجت ليلة من الليالي وظننت أن النهار قد أضاء فإذا الصبح علا فقعدت إلى دهليز يشرف فإذا أنا بصوت شاب يدعو ويبكي وهو يقول: اللهم وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولكن عصيتك إذ عصيتك بجهلي وما أنا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي وأعانني عليها شقوتي، وغرني سترك المرخي علي، فقد عصيتك وخالفتك بجهلي، فمن عذابك من يستنقذني، ومن أيدي زبانيتك من يخلصني، وبحبل من أتصل إن قطعت حبلك عني، وأسوأتاه إذا قيل للمخفين جوزوا، وقيل للمثقلين حطوا، فيا ليت شعري مع المثقلين أحط أم مع المخفين أجوز، ويحي كلما طال عمري كثرت ذنوبي، ويحي كلما كبر سني كثرت خطاياي، فيا ويلي كم أتوب وكم أعود ولا أستحي من ربي. قال منصور: فلما سمعت كلام الشاب وضعت فمي على باب داره وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: إن الله هو السميع العليم: " نارا وقودها الناس والحجارة " " التحريم 6 " . الآية. قال منصور: ثم سمعت للصوت اضطرابا شديدا وسكن الصوت. فقلت: إن هناك بلية، فعلمت علي الباب علامة ومضيت لحاجتي فلما رجعت من الغداة إذ أنا بجنازة منصوبة وعجوز تدخل وتخرج باكية فقلت لها: يا أمة الله من هذا الميت منك؟ قالت: إليك عني لا تجدد علي أحزاني قلت: إني رجل غريب أخبريني. قالت والله لولا أنك غريب ما أخبرتك، هذا ولدي من موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا جن عليه الليل قام في محرابه يبكي على ذنوبه، وكان يعمل هذا الخوص فيقسم كسبه ثلاثا، فثلث يطعمني، وثلث للمساكين وثلث يفطر عليه. فمر علينا البارحة رجل لا جزاه الله خيرا فقرأ عند ولدي آيات فيها النار فلم يزل يضطرب ويبكي حتى مات رحمه الله. قال منصور: فهذه صفة الخائفين إذا خافوا السطوة.
ومما أسند به منصور بن عمار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن جعفر - صاحب منصور بن عمار - حدثنا بشير بن طلحة، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن منبه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تقول جهنم للمؤمن: يا مؤمن جز فقد أطفأ نورك لهبي " .
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا سليمان بن منصور بن عمار، حدثنا أبي مثله.
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن إدريس بن مطب المصيصي، حدثنا سليمان بن منصور بن عمار، حدثنا أبي، حدثنا معروف أبو الخطاب، عن واكلة بن الأسقع، قال: لما أسلمت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اغتسل بماء وسدر واحلق عنك شعر الكفر " .

(4/209)


حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغددي بن المفيد، حدثنا موسى بن هارون ومحمد بن الليث الجوهري، قالا: حدثنا سليمان بن منصور بن عمار، حدثنا أبي، عن المنكدر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله أن فتى من الأنصار يقال له: ثعلبة بن عبد الرحمن أسلم، فكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، بعثه في حاجة فمر بباب رجل من الأنصار فرأى امرأة الأنصاري تغسل، فكرر النظر إليها وخاف أن ينزله الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج هاربا على وجهه، فأتى جبالا بين مكة والمدينة فولجها، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما، وهي الأيام التي قالوا ودعه ربه وقلى. ثم إن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: إن الهارب من أمتك بين هذه الجبال يتعوذ بي من ناري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر ويا سليمان انطلقا فأتياني بثعلبة بن عبد الرحمن، فخرجا في أنقاب المدينة فلقيهما راع من رعاء المدينة يقال له رفاقة، فقال له عمر: يا رفاقة هل لك علم بشاب بين هذه الجبال؟ فقال له رفاقه: لعلك تريد الهارب من جهنم. فقال له عمر: وما علمك أنه هارب من جهنم؟ قال: لأنه إذا كان جوف الليل خرج علينا من هذه الجبال واضعا يده على رأسه وهو يقول: يا ليتك قبضت روحي في الأرواح وجسدي في الأجساد، ولم تجردني في فصل القضاء قال عمر: إياه نريد. قال: فانطلق بهم رفاقة فلما كان في جوف الليل خرج عليهم من بين تلك الجبال واضعا يده على أم رأسه وهو يقول: يا ليتك قبضت روحي في الأرواح؟ وحسدي في الأجساد؟ ولم تجردني لفصل القضاء قال: فعدا عليه عمر فاحتضنه فقال الأمان الخلاص من النار. فقال له عمر: أنا عمر بن الخطاب. فقال: يا عمر هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذني؟ قال: لا علم لي إلا أنه ذكرك بالأمس فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلني أنا وسلمان في طلبك. فقال: يا عمر لا تدخلني عليه إلا وهو يصلي وبلال يقول قد قامت الصلاة. قال: أفعل. فأقبلا به إلى المدينة فوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاة الغداة، فبدر عمر وسلمان الصف فما سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر مغشيا عليه، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عمر ويا سلمان ما فعل ثعلبة بن عبد الرحمن قالا: هو ذا يا رسول الله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فقال ثعلبة: قال: لبيك يا رسول الله، فنظر إليه فقال: ما غيبك عني؟ قال: ذنبي يا رسول الله قال: أفلا أدلك على آية تكفر الذنوب والخطايا. قال بلى يا رسول الله، قال: قل اللهم " آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " " البقرة 201 " ، قال: قال: ذني أعظم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل كلام الله أعظم " ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالانصراف إلى منزله، فمرض ثمانية أيام فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل لك في ثعلبة نأته لما به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا بنا إليه فلما دخل عليه أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فوضعه في حجره فأزال رأسه عن حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أزلت رأسك عن حجري؟ قال إنه من الذنوب ملآن، قال: ما تجد؟ قال: أجد مثل دبيب النمل بين جلدي وعظمي قال فما تشتهي؟ قال مغفرة ربي قال: فنزل جيريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: لو أن عبدي هذا لقيني بقراب الأرض خطيئة لقيته بقرابها مغفرة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمه ذلك، قال: بلى، فأعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فصاح صيحة فمات. فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسله وكفنه وصلى عليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على أطراف أنامله فقالوا: يا رسول الله رأيناك تمشي على أطراف أناملك. قال: والذي بعثني بالحق نبيا ما قدرت أن أضع رجلي على الأرض من كثرة أجنحة منا نزل لتشييعه من الملائكة.
ذو النون المصري

(4/210)


ومنهم العلم المضي، والحكم المرضي، الناطق بالحقائق، الفائق للطرائق، له العبارات الوثيقة والإشارات الحقيقة. نظر فعبر وذكر فازدجر، أبو الفيض ذو النون ابن إبراهيم المصري، رحمه الله تعالى.
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن الهيثم المصري، قال: سمعت ذا النون المصري العابد الفيض يقول: اللهم اجعلنا من الذين جازوا ديار الظالمين، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين وشابوا ثمرة العمل بنور الإخلاص، واستقوا من عين الحكمة، وركبوا سفينة الفطنة، وأقلعوا بريح اليقين، ولججوا في بحر النجاة، ورسوا بشط الإخلاص. اللهم اجعلنا من الذين سرحت أرواحهم في العلا، وحطت همم قلوبهم في عاريات التقى حتى أناخوا في رياض النعيم، وجنوا من رياض ثمار التسنيم، وخاضوا لجة السرور، وشربوا بكأس العيش. واستظلوا تحت العرش في الكرامة. اللهم اجعلنا من الذين فتحوا باب الصبر وردموا خنادق الجزع، وجازوا شديد العقاب، وعبروا جسر الهوى، فإنه تعالى يقول: " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى بأن الجنة هي المأوى " اللهم اجعلنا من الذين أشارت إليهم أعلام الهداية، ووضحت لهم طريق النجاة، وسلكوا سبيل إخلاص اليقين.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم حدثني أحمد بن محمد بن حمدان النيسابوري أبو حامد، حدثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشامي، قال: سمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم المصري يقول: إلهي وسيلتي إليك نعمك علي، وشفيعي إليك إحسانك إلي، إلهي أدعوك في الملأ كما تدعى الأرباب، وأدعوك في الخلا كما تدعى الأحباب، أقول في الملأ يا إلهي، وأقول في الخلا يا حبيي أرغب إليك وأشهد لك بالربوبية مقرا بأنك ربي، وإليك مردي، ابتدأتني برحمتك من قبل أن أكون شيئا مذكورا، وخلقتني من تراب ثم أسكنتني الأصلاب ونقلتني إلى الأرحام، ولم تخرجني برأفتك في دولة ايمة ثم أنشأت خلقي من مني يمنى ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث بين دم ولحم ملتاث وكونتني في غير صورة الإناث ثم نشرتني إلى الدنيا تاما سويا وحفظتني في المهد طفلا صغيرا صبيا، ورزقتني من الغذاء لبنا مريا، وكفلتني حجور الأمهات وأسكنت قلوبهم رقة لي وشفقة علي وربيتني بأحسن تربية ودبرتني بأحسن تدبير وكلأتني من طوارق الجن وسلمتني من شياطين الإنس، وصنتني من زيادة في بدني تشينني ومن نقص فيه يعيبني فتباركت ربي وتعاليت يا رحيم فلما استهللت بالكلام أتممت علي سوابغ الإنعام، وانبتني زائدا في كل عام، فتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، حتى إذا ملكتني شأني، وشددت أركاني أكملت لي عقلي، وأزلت حجاب الغفلة عن قلبي والهمتني النظر في عجيب صنائعك، وبدائع عجائبك ورفعت وأوضحت لي حجتك ودللتني على نفسك وعرفتني ما جاءت به رسلك، ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش بمنك العظيم، وإحسانك القديم، وجعلتني سويا ثم لم ترض لي بنعمة واحدة دون أن أتممت علي جميع النعم، وصرفت عني كل بلوى، وأعلمتني الفجور لأجتنبه، والتقوى لأقترفها، وأرشدتني إلى ما يقربني إليك زلفى، فإن دعوتك أجبتني، وإن سألتك أعطيتني، وإن حمدتك شكرتني، وإن شكرتك زودتني. إلهي فأي نعم أحصي عددا؟ وأي عطائك أقوم بشكره؟ أما أسبغت علي من النعماء أو صرفت عني من الضراء. إلهي أشهد لك بما شهد لك باطني وظاهري وأركاني، إلهي إني لا أطيق إحصاء نعمك فكيف أطيق شكرك عليها؟ وقد قلت وقولك الحق: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " . " إبراهيم 34 النحل 18 " . أم كيف يستغرق شكري نعمك وشكرك من أعظم النعم عندي وأنت المنعم به علي، كما قلت سيدي: " وما بكم من نعمة فمن الله " " النحل 53 " . وقد صدقت قولك. إلهي وسيدي بلغت رسلك بما أنزلت إليهم من وحيك غير أني أقول بجهدي ومنتهى علمي ومجهود وسعي ومبلغ طاقتي: الحمد لله على جميع إحسانه حمدا يعدل حمد الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين.

(4/211)


حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الملك بن هاشم، قال: سمعت ذا النون المصري يقول في دعائه: اللهم إليك تقصد رغبتي، وإياك أسأل حاجتي ومنك أرجو نجاح طلبتي. وبيدك مفاتيح مسألتي لا أسال الخير إلا منك ولا أرجوه من غيرك ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك، يا من جمع كل شيء حكمته، ويا من نفذ كل شيء حكمه، يا من الكريم أسمه لا أحد لي غيرك فأسأله، ولا أثق بسواك فآمله، ولا أجعل لغيرك مشيئة من دونك أعتصم بها، وأتوكل عليه، فمن أسأل إن جهلتك، وبمن أثق به إذ عرفتك اللهم إن ثقتي بك وإن ألهتني الغفلات عنك وأبعدتني العثرات منك بالاغترار، يا مقيل العثرات إن لم تتلافني بعصمة من العثرات فإني لا أحول بعزيمة من نفسي ولا أروم علي خليفة بمكان أمري. أنا نعمة منك وأنا قدر من قدرك، أجري في نعمك، وأسرح في قدرك، أزداد على سابقة علمك، ولا انتقص من عزيمة أمرك، فأسألك يا منتهى السؤالات، وأرغب إليك يا موضع الحاجات، سواك من قد كذب كل رجاء إلا منك ورغبة من رغب عن كل ثقة إلا عنك، أن تهب لي إيمانا أقدم به عليك، وأوصل به عظم الوسيلة إليك، وأن تهب لي يقينا لا توهنه بشبهة إفك، ولا تهنه خطرة شك، ترحب به صدري، وتيسر به أمري، ويأوي إلى محبتك قلبي، حتى لا ألهو عن شكرك، ولا أنعم إلا بذكرك يا من لا تمل حلاوة ذكره ألسن الخائفين، ولا تكل من الرغبات إليه مدامع الخاشعين، أنت منتهى سرائر قلبي في خفايا الكتم، وأنت موضع رجائي بين إسراف الظلم. من ذا الذي ذاق حلاوة مناجاتك فلها بمرضاة بشر عن طاعتك ومرضاتك. رب أفنيت عمري في شدة السهو عنك، وأبليت شبابي في سكرة التباعد منك، ثم لم أستبطئ لك كلاءة ومنعة في أيام اغتراري بك وركوني إلى سبيل سخطك، وعن جهل يا رب قربتني الغرة إلى غضبك، أنا عبدك ابن عبدك قائم بين يديك متوسل بكرمك إليك، فلا يزلني عن مقام أقمتني فيه غيرك، ولا ينقلني من موقف السلامة من نعمك إلا أنت أتصل إليك بما كنت أواجهك به من قلة استحيائي من نظرك، وأطلب العفو منك يا رب إذ العفو نعمة لكرمك يا من يعصى ويتاب إليه فيرضى، كأنه لم يعض بكرم لا يوصف، وتحنن لا ينعت، يا حنان بشفقته، يا متجاوزا بعظمته، لم يكن لي حول فأنتقل عن معصيتك إلا في وقت أيقظتني فيه لمحبتك، وكما أردت أن أكون كنت، وكما رضيت أن أقول قلت، خضعت لك وخشعت لك إلهي لتعزني بإدخالي في طاعتك، ولتنظر إلي نظر من ناديته فأجابك واستعملته بمعونتك فأطاعك، يا قريب لا تبعد عن المعتزين، ويا ودود لا تعجل علي المذنبين، اغفر لي وارحمني يا أرحم الراحمين.
حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله بن زيد، حدثنا أبو العباس أحمد ابن عيسى الوشاء، حدثنا سعيد بن عبد الحكم، قال: سمعت ذا النون يقول: خرجت في طلب المناجاة فإذا أنا بصوت فعدلت إليه فإذا أنا برجل قد غاص في بحر الوله، وخرج علي ساحل الكمه، وهو يقول في دعائه: أنت تعلم أني لا أعلم أن الاستغفار مع الإصرار لؤم، وأن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز، إلهي أنت الذي خصصت خصائصك بخالص الإخلاص، وأنت الذي سلمت قلوب العارفين من اعتراض الوسواس، وأنت آنست الآنسين من أوليائك، وأعطيتهم كفاية رعاية المتوكلين عليك، تكلؤهم في مضاجعهم، وتطلع على سرالرهم، وسري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف. قال: ثم سكنت صرخته فلم أسمع له صوتا.
حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون أبا الفيض يقول: اللهم اجعلنا من الذين تفكروا فاعتبروا، ونظروا فأبصروا، وسمعوا فتعلقت قلوبهم بالمنازعة إلى طلب الآخرة حتى أناخت وانكسرت عن النظر إلى الدنيا وما فيها ففتقوا بنور الحكم ما رتقه ظلم الغفلات وفتحوا أبواب مغاليق العمى بأنوار مفاتيح الضياء، وعمروا مجالس الذاكرين بحسن مواظبة استيدام الثناء اللهم اجعلنا من الذين تراسلت عليهم ستور عصمة الأولياء، وحصنت قلوبهم بطهارة الصفاء وزينتها بالفهم والحياء، وطيرت همومهم في ملكوت سماواتك حجابا حتى تنتهي إليك فرددتها بظرائف الفوائد. اللهم اجعلنا من الذين سهل عليهم طريق الطاعة وتمكنوا في أزمة التقوى، ومنحوا بالتوفيق منازل الأبرار، فزينوا وقربوا وكرموا بخدمتك.

(4/212)


وسمعته يقول: لك الحمد يا ذا المن والطول والآلاء والسعة، إليك توجهنا وبفنائك أنحنا ولمعروفك تعرضنا، وبقربك نزلنا، يا حبيب التائبين، ويا سرور العابدين، ويا أنيس المنفرين، ويا حرز اللاجئين، ويا ظهر المنقطعين، ويا من حبب إليه قلوب العارفين، وبه آنست أفئدة الصديقين، وعليه عطفت رهبة الخائفين، ويا من أذاق قلوب العابدين لذيذ الحمد، وحلاوة الانقطاع إليه، يا من يقبل من تاب ويعفو عمن أناب، ويدعوا المولين كرما، ويرفع المقبلين إليه تفضلا، يا من يتأنى على الخاطئين، ويحلم عن الجاهلين، ويا من حل عقدة الرغبة من قلوب أوليائه، ومحا شهوة الدنيا عن فكر قلوب خاصته وأهل محبته، ومنحهم منازل القرب والولاية، ويا من لا يضيع مطيعا، ولا ينسى صبيا، يا من منح بالنوال، ويا من جاد بالاتصال، يا ذا الذي استدرك بالتوبة ذنوبنا، وكشف بالرحمة غمومنا، وصفح عن جرمنا بعد جهلنا، وأحسن إلينا بعد إساءتنا، يا آنس وحشتنا ويا طيب سقمنا، يا غياث من أسقط بيده، وتمكن حبل المعاصي وأسفر خدر الحيا عن وجهه، هب خدودنا للتراب بين يديك يا خير من قدر وأرأف من رحم وعفا.
حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: أسألك باسمك الذي ابتدعت به عجائب الخلق في غوامض العلم، يجود جلال جال وجهك في عظيم عجيب تركيب أصناف جواهر لغاتها فخرت الملائكة سجدا لهيبتك من مخافتك، أن تجعلنا من الذين سرحت أرواحهم في العلى، وحطت همم قلوبهم في مغلبات الهوى، حتى أناخوا في رياض النعيم وجنوا من ثمار التسنيم وشربوا بكأس العشق وخاضوا لجج السرور واستظلوا تحت فناء الكرامة الله اجعلنا من الذين شربوا بكأس الصفا فأورثهم الصبر على طول البلاء، حتى توليت قلوبهم في الملكوت، وجالت بين سرائر حجب الجبروت ومالت أرواحهم في ظل برد نسيم المشتاقين الذين أناخوا في رياض الراحة ومعدن العز وعرصات المخلدين.
حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن أحمد، حدثنا عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: اعتل رجل من إخواني فكتب إلي أن أدعو الله لي، فكتبت إليه سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك الغم، واعلم يا أخي أن العلة مجزلة يأنس بها أهل الصفا والهمم والضياء في الحياة ذكرك للشفاء ومن لم يعد البلاء نعمة فليس من الحكماء ومن لم يأمن التشفيق على نفسه فقد أمن أهل التهمة على أمره، فليكن معك يا أخي حياء يمنعك عن الشكوى والسلام.

(4/213)


حدثنا أبي، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثني إبراهيم ابن يحيى الزبيدي قال: لما حمل ذو النون بن إبراهيم إلى جعفر المتوكل أنزله في بعض الحور وأوصى به زرافة. وقال: أنا إذا رجعت غدا من ركوبي فأخرج إلي هذا الرجل، فقال له زرافة: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك، فلما رجع من الغد من الركوب قال له: انظر بأن تستقبل أمير المؤمنين بالسلام، فلما أخرجه إليه قال له: سلم علي أمير المؤمنين، فقال ذو النون: ليس هكذا جاءنا الخبر، إنما جاءنا في الخبر أن الراكب يسلم على الراجل. قال: فتبسم أمير المؤمنين وبدأه بالسلام فنزل إليه أمير المؤمنين فقال له: أنت زاهد أهل مصر؟ قال: كذا يقولون. فقال له زرافة: فإن أمير المؤمنين يحب أن يسمع من كلام الزهاد. قال: فأطرق مليا ثم قال: يا أمير المؤمنين إن الجهل علق بنكته أهل الفهم، يا أمير المؤمنين إن عبادا عبدوه بخالص من السر فشرفهم بخالص من شكره، فهم الذين تمر صحفهم مع الملائكة فرغا حتى إذا صارت إليه ملأها من سر ما أسروا إليه، أبدانهم دنيوية، وقلوبهم سماوية، قد احتوت قلوبهم من المعرفة كأنهم يعبدونه مع الملائكة بين تلك الفرج وأطباق السموات، لم يخبتوا في ربيع الباطل، ولم يرتعوا في مصيف الآثام، ونزهوا الله أن يراهم يثبون على حبائل مكره، هيبة منهم له وإجلالا أن يراهم يبيعون أخلاقهم بشيء لا يدوم، وبلذة من العيش مزهودة، فأولئك الذين أجلسهم على كراسي أطباق أهل المعرفة بالأدواء والنظر في منابت الدواء، فجعل تلامذتهم أهل الورع والبصر، فقال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من تذكري فأدنوه، أو ناس لنعمتي فذكروه، أو مبارز لي بالمعاصي فنابذوه أو محب لي فواصلوه، يا أوليائي فلكم عاتبت ولكم خاطبت ومنكم الوفاء طلبت، لا أحب استخدام الجبارين، ولا تولى المتكبرين، ولا مصافات المترفين، يا أوليائي وأحبابي، جزائي لكم أفضل الجزاء، وإعطائي لكم أفضل العطاء، وبذلي لكم أفضل البذل، وفضلي عليكم أفضل أوفر الفضل، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشد مطالبة، وأنا مقدس القلوب، وأنا علام الغيوب، وأنا عالم بمجال الفكر، ووسواس الصدور، من أرادكم قصمته، ومن عاداكم أهلكته. ثم قال ذو النون: بحبك وردت قلوبهم على بحر محبته فاغترفت منه ريا من الشراب فشربت منه بمخاطر القلوب، فسهل عليها كل عارض عرض لها عند لقاء المحبوب، فواصلت الأعضاء المبادرة، وألفت الجوارح تلك الراحة، فهم رهائن أشغال الأعمال، قد اقتلعتهم الراحة بما كلفوا أخذه عن الانبساط بما لا يضرهم تركه، قد سكنت لهم النفوس، ورضوا بالفقر والبؤس، واطمأنت جوارحهم على الدؤوب على طاعة الله عز وجل بالحركات، وظعنت أنفسهم عن المطاعم والشهوات، فتوالهوا بالفكرة، واعتقدوا بالصبر، وأخذوا بالرضا، ولهوا عن الدنيا، وأقروا بالعبودية للملك الديان، ورضوا به دون كل رقيب وحميم، فخشعوا لهيبته، وأقروا له بالتقصير، وأذعنوا له بالطاعة، ولم يبالوا بالقلة، إذا خلوا، بأقل بكاء وإذا عوملوا فإخوان حياء، وإذا كلموا فحكماء، وإذا سئلوا فعلماء، وإذا جهل عليهم فحلماء فلو قد رأيتهم لقلت عذارى في الخدور، وقد تحركت لهم المحبة في الصدور بحسن تلك الصور التي قد علاها النور، إذا كشفت عن القلوب رأيت قلوبا لينة منكسرة، وبالذكر نائرة، وبمجادثة المحبوب عامرة، لا يشغلون قلوبهم بغيره، ولا يميلون إلى ما دونه، قد ملأت محبة الله صدورهم، فليس يجدون لكلام المخلوقين شهوة، ولا بغير الأنيس ومحادثة الله لذة، إخوان صدق، وأصحاب حياء ووفاء وتقى وورع وإيمان ومعرفة ودين، قطعوا الأودية، بغير مفاوز، واستقلوا الوفاء بالصبر عاى لزوم الحق، واستعانوا بالحق على الباطل، فأوضح لهم على الحجة، ودلهم على المحجة، فرفضوا طريق المهالك، وسلكوا خير المسالك ودلهم، أولئك هم الأوتاد الذين بهم توهب المواهب، وبهم لفتح الأبواب، وبهم ينشأ السحاب، وبهم يستقي العباد والبلاد، فرحمة الله علينا وعليهم.
سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي - المذكور بنيسابور - يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: تنال المعرفة بثلاث: بالنظر في الأمور كيف دبرها، وفي المقادير كيف قدرها، وفي الخلائق كيف خلقها؟

(4/214)


حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الحكم بن أحمد بن سلام الصدفي، قال: سمعت ذا النون المصري يقول: قرأت في باب مصر بالسريانية فتدبرته، فإذا فيه: يقدر المقدرون، والقضاء يضحك.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر - من أصله - حدثنا أبو بكر الدينوري المفسر - سنة ثمان وثمانين ومائتين - حدثنا محمد بن أحمد الشمشاطي، قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إن لله عبادا ملأ قلوبهم من صفاء محض محبته، وهيج أرواحهم بالشوق إلى رويته، فسبحان من شوق إليهم أنفسهم، وأدنى منه هممهم، وصفت له صدورهم، سبحان موفقهم ومؤنس وحشتهم وطبيب أسقامهم، إلهي لك تواضعت أبدانهم منك إلى الزيادة، انبسطت أيديهم، ما طيبت به عيشهم، وأدمت به نعيمهم، فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك، ففتحت لهم أبواب سماواتك، وأتحت لهم الجواز في ملكوتك، بك آنست محبة المحبين، وعليك معول شوف المشتاقين، وإليك حنت قلوب العارفين، وبك آنست قلوب الصادقين، وعليك عكفت رهبة الخائفين، وبك استجارت أفئدة المقصرين، قد بسطت الراحة من فتورهم، وقل طمع الغفلة فيهم، لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم ولا يفترون عن التعب والسهر، يناجون بألسنتهم ويتضرعون إليه بمسكنتهم يسألونه العفو عن زلاتهم، والصفح عما وقع الخطأ به في أعمالهم، فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر الأحزان، وخدموه خدمة الأبرار الذين تدفقت قلوبهم ببره، وعاملوه بخالص من سره حتى خفيت أعمالهم عن الحفظة، فوقع بهم ما أملوا من عفوه، ووصلوا بها إلى ما أرادوا من محبته، فهم والله الزهاد والسادة من العباد الذين حملوا أثقال الزمان، فلم يألموا بحملها، وقفوا في مواطن الامتحان، فلم تزل أقدامهم عن مواضعها حتى مال بهم الدهر وهانت عليهم المصائب وذهبوا بالصدق والإخلاص عن الدنيا. إلهي فيك نالوا ما أملوا كنت لهم سيدي مؤيدا ولعقولهم مؤديا حتى أوصلتهم أنت إلى مقام الصادقين في عملك وإلى منازل المخلصين في معرفتك فهم إلى ما عند سيدهم متطلعون وإلى ما عنده من وعيده ناظرون ذهبت الآلام عن أبدانهم لما أذاقهم من حلاوة مناجاته ولما أفادهم من ظرائف الفوائد من عنده فيا حسنهم والليل قد أقبل بجنادس ظلمته وهدأت عنهم أصوات خليقته وقدموا إلى سيدهم الذين له يأملون فلو رأيت أيها البطال أحدهم وقد قام إلى صلاته وقراءته فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده خطر على قلبه وذهل عقله فقلوبهم في ملكوت السماوات معلقة وأبدانهم بين أيدي الخلائق عارية وهمومهم بالفكر دائمة فما ظنك بأقوام أخيار أبرار وقد خرجوا من رق الغفلة واستراحوا من وثائق الفترة وأنسوا بيقين المعرفة وسكنوا إلى روح الجهاد والمراقبة بلغنا الله وإياكم هذه الدرجة.
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو بكر الدينوري. وحدثنا محمد بن إسحاق الشمشاطي، قال: سمعت ذا النون يقول: بينما أنا أسير في جبال أنطاكية وإذا أنا بجارية كأنها مجنونة وعليها جبة من صوف فسلمت عليها فردت السلام ثم قالت ألست ذا النون المصري. قلت: عافاك الله كيف عرفتيني؟ قالت فتق الحبيب بيني وبين قلبك فعرفتك باتصال معرفة حب الحبيب ثم قالت أسألك مسألة، قلت سليني قالت أي شيء السخاء؟ قلت البذل والعطاء. قالت هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين قلت المسارعة إلى طاعة المولى قالت: فإذا سارعت إلى طاعة المولى تحب منه خيرا قلت نعم للواحد عشرة قالت مر بابطال هذا في الدين قبيح ولكن المسارعة إلى طاعة المولى أن يطلع إلى قلبك وأنت لا تريد منه شيئا بشيء ويحك يا ذا النون إني أريد أن أقسم عليه في طلب شهوة منذ عشرين سنة فأستحي منه مخافة أن أكون كأجير السوء إذا عمل طلب الأجر ولكن أعمل تعظيما لهيبته وعز جلاله قال ثم مرت وتركتني.

(4/215)


حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة وأحمد بن محمد بن أبان قالا: حدثنا سعيد بن عثمان حدثني ذو النون قال: بينما أنا في بعض مسيري إذ لقيتني امرأة فقالت لي: من أين أنت؟ قلت رجل غريب. فقالت لي: ويحك وهل يوجد مع الله أحزان الغربة؟ وهو مؤنس الغرباء وعين الضعفاء؟ قال فبكيت فقالت لي: ما يبكيك؟ قلت: وقع الداء علي داء قد قرح فأسرع لي نجاحه. قالت: فإن كنت صادقا فلم بكيت؟ قلت: والصادق لا يبكي؟ قالت: لا! قلت: ولم؟ قالت: لأن البكاء راحة للقلب، وملجأ يلجأ إليه، وما كتم القلب شيئا أحق من الشهيق والزفير، فإذا أسبلت الدمعة استراح القلب، وهذا ضعف الأطباء بإبطال الداء قال. فبقيت متعجبا من كلامها، فقالت لي: مالك؟ قلت: تعجبت من هذا الكلام. قالت: وقد نسيت القرحة التي سألت عنها؟ قلت: لا ما أنا بالمستغني عن طلب الزوائد قالت: صدقت حب ربك سبحانه. واشتق إليه فإنه له يوما يتجلى فيه على كرسي كرامته لأوليائه وأحبائه فيذيقهم من محبته كأسا لا يظمأون بعده أبدا قال: ثم أخذت في البكاء والزفير والشهيق وهي تقول. سيدي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحدا يسعفني على البكاء أيام حياتي ثم - تركتني ومضت.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة، حدثنا سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: كم من مطيع مستأنس، وكم عاص مستوحش، وكم محب ذليل، وكل راج طالب. قال وسمعته يقول: اعلموا أن العاقل يعترف بذنبه، ويحس بذنب غيره، ويجود بما لديه ويزهد فيما عند غيره ويكف أذاه ويحتمل الأذى عن غيره والكريم يعلى قبل السؤال، فكيف يبخل بعد السؤال؟ ويعذر قبل الاعتذار، فكيف يحقد بعد الاعتذار؟ ويعف قبل الامتناع فكيف يطمع في الازدياد. قال: وسمعته يقول: ثلاثة من أعلام المحبة: الرضا في المكروه، وحسن الظن في المجهول، والتحسين في الاختيار في المحذور. وثلاثة من أعلام الصواب الأنس به في جميع الأحوال، والسكون إليه في جميع الأعمال، وحب الموت يغلبه الشوق في جميع الأشغال. وثلاثة من أعمال اليقين: النظر إلى الله تعالى في كل شيء، والرجوع إليه في كل أمر، والاستعانة به في كل حال. وثلاثة من أعمال الثقه بالله: السخاء بالموجود، وترك الطلب للمفقود، والاستنابة إلى فضل الموجود. وثلاثة من أعمال الشكر: المقاربة من الإخوان في النعمة، واستغنام قضاء الحوائج قبل العطية، واستقلال الشكر لملاحظة المنة. وثلاثة من أعلام الرضى: ترك الاختيار قبل القضا، وفقدان المرارة بعد القضا، وهيجان الحب في حشو البلا. وثلاثة من أعمال الأنس بالله: استلذاذ الخلوة والاستيحاش من الصحبة، واستحلاء الوحدة. وثلاثة من أعلام حسن الظن بالله: قوة القلب، وفسحة الرجا في الزلة، ونفي الإياس بحسن الإنابة. وثلاثة من أعلام الشوق: حب الموت مع الراحة، وبغض الحياة مع الدعة، ودوام الحزن مع الكفاية.

(4/216)


حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا أحمد بن محمد بن حمدان النيسابوري، حدثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشاشي، قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إلهي ما أصغي إلى صوت حيوان ولا حفيف شجر ولا خرير ماء ولا ترنم طائر ولا تنعم ظل ولا دوي ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك دالة على أنه ليس كمثلك شيء وأنك غالب لا تغلب وعالم لا تجهل وحليم لا تسفه وعدل لا تجور وصادق لا تكذب، إلهي فإني أعترف لك اللهم بما دل عليه صنعك، وشهد لك فعلك، فهب لي اللهم طلب رضاك برضاي ومسرة الوالد لولده يذكرك لمحبتي لك ووقار الطمأنينة وتطلب العزيمة إليك لأن من لم يشبعه الولوع باسمك ولم يروه من ظمائه ورود غدران ذكرك، ولم ينسط جميع الهموم رضاه عنك، ولم يلهه عن جميع الملاهي تعداد آلائك، ولم يقطعه عز الأنس بغيرك مكانه منك كانت حياله ميتة وميتته حسرة وسروره غصة وأنسه وحشة إلهي عرفني عيوب نفسي وأفضحها عندي لا تضرع إليك في التوفيق للتنزه عنها وأبتهل إليك بين يديك خاضعا ذليلا في أن تغسلني منها، واجعلني من عبادك الذين شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم تجول في ملكوتك وتتفكر في عجائب صنعك ترجع بفوائد معرفتك وعوائد إحسانك قد ألبستهم خلع محبتك وخلعت عنهم لباس التزيد لغيرك إلهي لا تتزك بيني وبين أقصى مرادك حجابا إلا هتكته ولا حاجزا إلا رفعته، ولا وعرا إلا سهلته، ولا بابا إلا فتحته، حتى تقيم قلبي بين ضياء معرفتك، وتذيقني طعم محبتك، وتبرد بالرضى منك فؤادي، وجميع أحوالي حتى لا أختار غير ما تختاره وتجعل لي مقاما بين مقامات أهل ولايتك ومضطربا فسيحا في ميدان طاعتك، إلهي كيف استرزق من لا يرزقني إلا من فضلك أم كيف أسخطك في رضى من لا يقدر على ضري إلا بتمكينك. فيا من أسأله إيناسا به وإيحاشا من خلقه ويا من إليه التجائي في شدتي ورجائي أرحم غربتي وهب لي من المعرفة ما أزداد به يقينا، ولا تكلني إلى نفسي الأمارة بالسوء طرفة عين.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة، حدثنا سعيد بن عثمان الخليط، عن أبي الفيض ذي النون المصري قال: إن الله لصفوة من خلقه وإن لله لخيره من خلقه قيل له: يا أبا الفيض فما علامتهم؟ قال: إذا خلع العبد الراحة وأعطى المجهود في الطاعة وأحب سقوط المنزلة. قيل له: يا أبا الفيض فما علامة إقبال الله عز وجل على العبد؟ قال: إذا رأيته صابرا شاكرا ذاكرا فذلك علامة إقبال الله على العبد. قيل: فما علامة إعراض الله عن العبد! قال إذا رأيته ساهيا راهبا معرضا عن ذكر الله فذاك حين يعرض الله عنه. ثم قال! ويحك كفى بالمعرض عن الله وهو يعلم أن الله مقبل عليه وهو معرض عن ذكره: قيل له يا أبا الفيض فما علامة الأنس بالله. قال: إذا رأيته يؤنسك بخلقه فإنه يوحشك من نفسه، وإذا رأيته يوحشك من خلقه فإنه يؤنسك بنفسه ثم قال أبو الفيض: الدنيا والخلق لله عبيد، خلقهم للطاعة وضمن لهم أرزاقهم ونهاهم وحذرهم وأنذرهم، فحرصوا على ما نهاهم الله عنه، وطلبوا الأرزاق وقد ضمنها الله لهم، فلا هم في أرزاقهم استزادوا. ثم قال: عجبا لقلوبكم كيف لا تتصدع، ولأجسامكم كيف لا تتضعضع، إذا كنتم تسمعون ما أقول لكم وتعقلون.

(4/217)


حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو بكر الدينوري، حدثنا محمد بن أحمد الشمشاطي، قال: سمعت ذا النون المصري يقول: بينما أنا سائر على شاطئ نيل مصر إذا أنا بجارية تدعو وهي تقول في دعائها: يا من هو عند ألسن الناطقين، يا من هو عند قلوب الفاكرين، يا من هو عند فكرة الحامدين، يا من هو على نفوس الجبارين والمتكبرين، قد علمت ما كان مني يا أمل المؤملين. قال: ثم صرخت صرخة خرت مغشيا عليها. قال وسمعت ذا النون يقول: دخلت إلى سواد نيل مصر فجاءني الليل فقمت بين زروعها، فإذا أنا بامرأة سوداء قد أقبلت إلى سنبلة ففركتها ثم امتنعت عليها فتركتها وبكت وهي تقول: يا من بذره حبا يابسا في أرضه ولم يك شيئا، وأنت الذي صيرته حشيشا ثم أنبته عودا قائما، بتكوينك وجعلت فيه حبا متراكبا، ودورته فكونته وأنت على كل شيء قدير. وقالت: عجبت لمن هذه مشيئته كيف لا يطاع، وعجبت لمن هذا صنعه كيف يشتكي. فدنوت منها فقلت: من يشكو أمل المؤمنين؟ فقالت لي: أنت يا ذا النون، إذا اعتللت فلا تجعل علتك إلى مخلوق مثلك، واطلب دواءك ممن ابتلاك وعليك السلام، ولا حاجة لي في مناظرة الباطلين. ثم أنشأت تقول:
وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلين تنزل
حدثنا محمد بن أحمد بن الصباح، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المؤدب - وكان خيار عبد لله - قال: رأيت ذا النون المصري على ساحل البحر عند صخرة موسى، فلما جن الليل خرج فنظر إلى السماء والماء فقال: سبحان الله ما أعظم شأنكما، بل شأن خالقكما أعظم منكما ومن شأنكما. فلما تهور الليل لم يزل ينشد هذين البيتين إلى أن طلع سود الصبح:
اطلبوا لأنفسكم مثل ما وجدت أنا ... قد وجدت لي مكنا ليس هو في هواه عنا
إن بعدت قربني أو قربت منه دنا
أنشدنا عثمان بن محمد العثماني، قال: أنشدني العباس بن أحمد لذي النون المصري:
إذا ارتحل الكرام إليك يوما ... ليلتمسوك حالا بعد حال
فإن رحالنا حطت لترضى ... بحلمك عن حلول وارتحال
أنخنا في فنائك يا إلهي ... إليك معرضين بلا اعتلال
فمسنا كيف شئت ولا تكلنا ... إلى تدبيرنا يا ذا المعالي
حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن عبيد الله، حدثنا أبو العباس أحمد ابن عيسى الوشاء، حدثنا أبو عثمان سعيد بن الحكم - تلميذ ذي النون - قال، سئل ذو النون: ما سبب الذنب؟ قال: اعقل ويحك ما تقول، فإنها من مسائل الصديقين. سبب الذنب النظرة، ومن النظرة الخطرة، فإن تداركت الخطرة بالرجوع إلى الله ذهبت، وإن لم تذكرها امتزجت بالوساوس فتتولد منها الشهوة وكل ذلك بعد باطن لم يظهر على الجوارح، فإن تذكرت الشهوة وإلا تولد منها الطلب، فإن تداركت الطلب وإلا تولد منه العقل.
حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد، حدثنا أحمد بن عيسى الوشاء قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن الحكم يقول: سمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم يقول: بينما أنا أسير ذات ليلة ظلماء في جبال بيت المقدس، إذ سمعت صوتا حزينا وبكاء جهيرا وهو يقول: يا وحشتاه بعد أنسنا يا غربتاه عن وطننا وافقراه بعد غنانا واذلاه بعد عزنا. فتبعت الصوت حتى قربت منه فلم أزل أبكي لبكائه حتى إذا أصبحنا نظرت إليه فإذا رجل ناحل كالشن المحترق فقلت يرحمك الله تقول مثل هذا الكلام. فقال: دعني فقد كان لي قلب فقدته، ثم أنشأ يقول:
قد كان لي قلب أعيش به ... بين الهوى فرماه الحب فاحترقا
فقلت له:
لم تشتكي ألم البلا ... وأنت تنتحل المحبة
إن الحب هو الصبو ... ر على البلاء لمن أحبه
حب الإله هو السرو ... ر مع الشفاء لكل كربه
حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم، قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي بن خلف يقول: سمعت إسرافيل يقول: سمعت ذا النون يقول: إن سكت علم ما تريد، وإن نطقت لم تنل بنطقك مالا تريد، وعلمه بمرادك ينبغي أن يغنيك عن مسألته أو ينجيك عن مطالبته.

(4/218)


حدثنا أحمد بن محمد، قال: سمعت أبا محمد يقول: سمعت إسرافيل يقول: سمعت ذا النون يقول: سمعت بعض المتعبدين بساحل بحر الشام يقول إن لله عبادا عرفوه بيقين من معرفته فضمروا قصدا إليه، احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب، صحبوا الدنيا بالأشجان، وتنعموا فيها بطول الأحزان، فما نظروا إليها بعين راغب، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا اللبيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، بذكره لهجت ألسنتهم في رضى سيدهم، نصبوا الآخرة نصب أعينهم، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم، فلو رأيتهم رأيت قوما ذبلا شفاههم، حمصا بطونهم، حزينة قلوبهم، ناحلة أجسامهم، باكية أعينهم، لم يصحبوا العلل والتسويف، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف لبسوا من اللباس أطمارا بالية، وسكنوا من البلاد قفارا خالية، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الإخوان، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب، خمص لطول السرى شعث لفقد الكرا، قد وصوا الكلال بالكلال، وتأهبوا للنقلة والإرتحال.
أخبرنا أحمد، قال: سمعت أبا محمد يقول: سمعت إسرافيل يقول: حضرت ذا النون في الحبس وقد دخل الجلواذ بطعام له، فقام ذو النون فنفض يده فقيل له: ابن أخيك جاء به، فقال: إنه مر على يدي ظالم. قال: وسمعت رجلا سأل ذا النون فقال: رحمك الله! ما الذي أنصب العباد وأضناهم؟ فقال: ذكر المقام، وقلة الزاد، وخوف الحساب. ثم سمعته يقول بعد فراغه من كلامه: ولم لا تذوب أبدان العمال وتفصل عقولهم، والعرض على الله أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار. ثم قال: مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم. قال وسمعت ذا النون يقول: قال الحسن: ما أخاف عليكم منع الإجابة، إنما أخاف عليكم منع الدعاء.
حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم، حدثنا أحمد بن محمد بن سهل الصيرفي، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: إن الطبيعة النقية هي التي يكفيها من العظمة رائحتها، ومن الحكمة إشارة إليها.
حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا الحسن بن علي بن خلف، قال: سمعت إسرافيل يقول: أنشدنا ذو النون بن إبراهيم المصري فقال:
توجع بأمراض وخوف مطالب ... وإشفاق محزون وحزن كئيب
ولوعة مشتاق وزفرة ألم ... وسقطة مسقام بغير طبيب
وفطنة جوال وبطأة غائص ... ليأخذ من طيب الصفا بنصيب
ألمت بقلب حيرته طوارق ... من الشوق حتى ذل ذل غريب
يكاتم لي وجدا ويخفي حمية ... ثوت فاستكنت في قرار لبيب
خلا فهمه عن فهمه لحضوره ... فمن فهمه فهم عليه رقيب
يقول إذا ما شفه الشوق وأجدى ... بك العيش يا أنس المحب يطيب
فها لعمري عبد صدق مهذب ... صفى فاصطفى فالرب منه قريب
حدثنا أحمد، قال: سمعت أبا محمد يقول: سمعت إسرافيل يقول: سمعت ذا النون يقول: كتب رجل إلى عالم: ما الذي أكسبك علمك من ربك، وما أفادك في نفسك؟ فكتب إليه العالم: أثبت العلم الحجة، وقطع عمود الشك والشبهة، وشغلت أيام عمري بطلبه، ولم أدرك منه ما فاتني، فكتب إليه الرجل: العلم نور لصاحبه، ودليل على حظه، ووسيلة إلى درجات السعداء. فكتب إليه العالم: أبليت إليه في طلبه جدة الشباب، وأدركني حين علمت الضعف عن العمل به، ولو اقتصرت منه على القليل كان لي فيه مرشد إلى السبيل.
حدثنا أحمد قال سمعت أبا محمد يقول: سمعت إسرافيل يقول: سأل رجل ذا النون المصري عن سؤال فقال له ذو النون: قلي لك مقفل، فإن فتح لك أجبتك، وإن لم يفتح لك فاعذرني واتهم نفسك.

(4/219)


حدثنا عثمان بن محمد بن عثمان، حدثنا محمد بن أحمد الواعظ، حدثنا العباس بن يوسف الشكلي، حدثنا سعيد بن عثمان. قال: كنت مع ذي النون في تيه بني إسرائيل فبينما نحن نسير إذا بشخص قد أقبل فقلت: أستاذ شخص، فقال لي: أنظر فإنه لا يضع قدمه في هذا المكان إلا صديق. فنظرت فإذا امرأة، فقلت: إنها امرأة، فقال: صديقة ورب الكعبة. فابتدر إليها وسلم عليها فردت السلام ثم قالت: ما للرجل ومخاطبة النساء؟ فقال لها: إني أخوك ذو النون ولست من أهل التهم. فقالت: مرحبا حياك الله بالسلام. فقال لها: ما حملك على الدخول إلى هذا الموضع؟ فقالت: آية في كتاب الله تعالى: " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " " النساء 97 " . فكلما دخلت إلى موضع يعصى فيه لم يهنني القرار فيه بقلب قد أبهته شدة محبته، وهام بالشوق إلى رؤيته. فقال لها: صفي لي فقالت: يا سبحان الله! أنت عارف تكلم بلسان المعرفة تسألني؟ فقال يحق للسائل الجواب. فقالت: نعم، المحبة عندي لها أول وآخر، فأولها لهج القلب بذكر المحبوب، والحزن الدائم، والتشوق اللازم، فإذا صاروا إلى أعلاها شغلهم وجدان الخلوات عن كثير من أعمال الطاعات. ثم أخذت في الزفير والشهيق وأنشأت تقول:
أحبك حبين حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى ... فذكر شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ثم شهقت شهقة فإذا هي قد فارقت الدنيا.
حدثنا عثمان بن محمد بن أحمد، حدثنا العباس بن يوسف، قال سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون يقول: وصف لي رجل بشاهرت فقصدته فأقمت على بابه أربعين يوما، فلما كان بعد ذلك رأيته، فلما رآني هرب مني، فقلت له: سألتك بمعبودك إلا وقفت علي وقفة. فقلت: سألتك بالله بم عرفت الله، وبأي شيء تعرف إليك حتى عرفته. فقال لي: نعم، رأيت لي حبيبا إذا قربت منه قربني وأدناني، وإذا بعدت صوتي بي وناداني، وإذا قمت بالفترة رغبني ومناني، وإذا عملت بالطاعة زادني وأعطاني، وإذا عملت بالمعصية صبر علي وتأناني، فهل رأيت حبيبا مثل هذا؟ انصرف ولا تشغلني ثم ولى وهو يقول:
حسب المحبين في الدنيا بأن لهم ... من ربهم سببا يدني إلى سبب
قوم جسومهم في الأرض سارية ... نعم وأرواحهم تختال في الحجب
لهفي علي خلوة منه تسددني ... إذا تضرعت بالإشفاق والرغب
يا رب يا رب أنت الله معتمدي ... متى أراك جهارا غير محتجب
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: مدح الله تعالى الشوق لنوره السموات، وأتى لوجهه الظلمات، وحجبه بجلالته عن العيون، ووصل بها معارف العقول، وأنفذ إليه أبصار القلوب، وناجاه على عرشه ألسنة الصدور؟ إلهي لك تسبح كل شجرة، ولك تتقدس كل مدرة بأصوات خفية، ونغمات زكية، إلهي قد وقفت بين يديك قدمي، ورفعت إليك بصري، وبسطت إلى مودتك يدي، وصرخت إليك صوتي وأنت الذي لا يضجره الندا ولا تخيب من دعاك. إلهي هب بصرا يرفعه إليك صدقه، فإن من تعرف إليك غير مجهول، ومن يلوذ بك غير مخذول، ومن يبتهج بك مسرور ومن يعتصم بك منصور، قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله تعالى:

(4/220)


حدثنا أبي، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد، قال: سمعت ذا النون يقول: إن الله خالصة من عباده، ونجباء من خلقه، وصفوة من بريته صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها في الملكوت معلقة، أولئك نجباء الله من عباده، وأمناء الله في بلاده، والدعاة إلى معرفته، والوسيلة إلى دينه، هيهات بعدوا وفاتوا، وواراهم بطون الأرض وفجاجها، على أنه لا تخلو الأرض من قائم فيها بحجته على خلقه لئلا تبطل حجج الله ثم قال: وأين أولئك قوم حجبهم الله عن عيون خلقه، وأخفاهم عن آفات الدنيا وفتنها، ألا وهم الذين قطعوا أودية الشكوك باليقين، واستعانوا على أعمال الفرائض بالعلم، واستدلوا على فساد أعمالهم بالمعرفة، وهربوا من وحشة الغفلة وتسربلوا بالعلم لاتقاء الجهالة، واحتجزوا عن الغفلة بخوف الوعيد، وجدوا في صدق الأعمال لإدراك الفوت، وخلوا عن مطامع الكذب ومعانقة الهوى، وقطعوا عرى الارتياب بروح اليقين وجاوزوا ظلم الدجا ودحضوا حجج المبتدعين باتباع السنن، وبادروا إلى الانتقال عن المكروه قبل فوت الإمكان، وسارعوا في الإحسان تعريضا للعقود عن الإساءه ولاقوا النعم بالشكر استجلالا لمزيده، وجعلوه نصب أعينهم عند خواطر الهمم وحركات الجوارح من زينة الدنيا وغرورها، فزهدوا فيها عيانا، وأكلوا منها قصدا وقدموا فضلا، وأحرزوا ذخرا، وتزودوا منها تقوى، وشمروا في طلب النعيم بالسير الحثيث والأعمال الزكية، وهم يظنون بل لا يشكون أنهم مقصرون، وذلك أنهم عقلوا فعرفوا ثم القوا وتفكروا فاعتبروا حتى أبصروا، فلما أبصروا استولت عليهم طرقات أحزان الآخرة، فقطع بهم الحزن حركات ألسنتهم عن الكلام من غير عي خوفا من التزين فيسقطوا من عين الله، فأمسكوا وأصبحوا في الدنيا مغمومين، وأمسوا فيها مكرومين، مع عقول صحيحة، ويقين ثابت، وقلوب شاكرة، وألسن ذاكرة وأبدان صابرة وجوارح مطيعة أهل صدق ونصح وسلامة وصبر وتوكل ورضى وإيمان. عقلوا عن الله أمره فشغلوا الجوارح فيما أمروا به وذكر وحياء وقطعوا الدنيا بالصبر على لزوم الحق وهجروا الهوى بدلالات العقول وتمسكوا بحكم التنزيل وشرائع السنن ولهم في كل ثارة منها دمعة ولذة وفكرة وعبرة ولهم مقام علي المزيد للزيادة. فرحمة الله علينا وعليهم وعلى جميع المؤمنين، والصالحين.
قال: وسعت ذا النون يقول: إياك أن تكون في المعرفة مدعيا وتكون بالزهد محترفا وتكون بالعبادة متعلقا فقيل له: يرحمك الله! فسر لنا ذلك. فقال أما علمت أنك إذا أشرت في المعرفة إلى نفسك بأشياء وأنت معرى من حقائقها كنت مدعيا. وإذا كنت في الزهد موصوفا بحالة وبك دون الأحوال كنت محترفا وإذا علقت بالعبادة قلبك وظننت أنك تنحو من الله بالعبادة لا بالله كنت بالعبادة متعلقا لا يوليها والمنان عليك؟.
قال: وسمعت ذا النون يقول: معاشرة العارف كمعاشرة الله يحتمل عنك ويحكم عنك تخلقا بأخلاق الله الجميلة.
قال: وسمعت ذا النون يقال: أهل الذمة يحملون على الحال المحمودة والمباح من الفعل فما الفرق بين الذمي والحنيفي، الحنيفي أولى بالحلم والصفح والاحتمال.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو حامد أحمد ابن محمد النيسابوري، حدثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن قال قيل لأبي الفيض ذي النون: كيف أصبحت، قال: أصبحت تعبا إن نفعني تعبي والموت يجد في طلبي. وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت مقيما على ذنب ونعمة، فلا أدري من الذنب أستغفر أم علي النعمة أشكر؟ وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطالا عن العبادة متلوثا بالمعاصي، أتمنى منازل الأبرار واعمل عمل الأشرار. وسمعت ذا النون يقول: إلهي لو أصبحت موئلا في الشدائد غيرك أو ملجأ في المنازل سواك لحق لي أن لا أعرض إليه بوجهي عنك، ولا أختاره عليك، لقديم إحسانك إلي وحديثه، وظاهر منتك علي وباطنها، ولو تقطعت في البلاء إبار إبار، وانصبت على الشدائد صبا صبا، ولا أجد مشتكى غيرك، ولا مفرجا لما بي عني سواك. فيا وارث الأرض ومن عليها، ويا باعث جميع من فيها، ورث أملي فيك مني أملي، وبلغ همي فيك منتهى وسائلي.

(4/221)


حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الرازي، حدثنا محمد بن أحمد بن سلمة النيسابوري، قال: سمعت ذا النون يقول: يا خرساني احذر أن تنقطع عنه فتكون مخدوعا، قلت: وكيف ذلك؟ فقال: لأن المخدوع من ينظر إلى عطاياه فينقطع عن النظر إليه بالنظر إلى عطاياه. ثم قال: تعلق الناس بالأسباب وتعلق الصديقون بولي الأسباب. ثم قال: علامة تعلق قلوبهم بالعطايا طلبهم، ومن علامة تعلق قلب الصديق بولي العطايا انصباب العطايا عليه وشغله عنها به. ثم قال: ليكن اعتمادك على الله في الحال لا على الحال مع الله ثم قال: اعقل فإن هذا من صفوة التوحيد.
حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا الحسن بن أبي الحسن، حدثنا محمد ابن يحيى بن آدم، حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الخواص، قال: سمعت ذا النون يقول: من أدرك طريق الآخرة فليكثر مساءلة الحكماء ومشاورتهم، وليكن أول شيء يسأل عنه العقل، لأن جميع الأشياء لا تدرك إلا بالعقل، ومتى أردت الخدمة لله فاعقل لم تخدم ثم أخدم.
حدثنا عثمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: سمعت يوسف بن الحسن يقول: أتى رجل من أهل البصرة ذا النون فسأله: متى تصح لي عزلة الخلق قال: إذا قويت على عزلة نفسك. قال فمتى يصح طلبي للزهد قال: إذا كنت زاهدا في نفسك هربا من جميع ما يشغلك عن الله لأن جميع ما شغلك عن الله هي دنيا. قال يوسف: فذكرت ذلك لطاهر القدسي فقال: هذا نزل أخبار المرسلين.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد ببن مصقلة، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون المصري وسئل: أي الحجاب أخفى الذي يحتجب به المريد عن الله؟ فقال: ويحك، ملاحظة النفس وتدبرها.
وقال ذو النون: وقال بعضهم: علم القوم بأن الله يراهم على كل حال فاحتززوا به عمن سواه فقال له غيره من أصحابه من الزهاد وكان حاضرا بمجلسه يقال له طاهر يا أبا الفيض رحمك الله بل نظروا بعين اليقين إلى محبوب القلوب فرأوه في كل حالة موجودا، وفي كل لمحة ولحظة قريبا، وبكل رطب ويابس عليما، وعلى كل ظاهر وباطن شهيدا، وعلى كل مكروه ومحبوب قائما، وعلى تقريب البعيد وتبعيد القريب مقتدرا. ولهم في كل الأحوال والأعمال سائسا، ولما يريدهم به موفقا، فاستغنوا بسياسته وتدبيره وتقويته عن تدبير أنفسهم، وخاضوا البحار وقطعوا القفار بروح النظر إلى نظره البهيج، وخرقوا الظلمات بنور مشاهدته، وتجرعوا المرارات بحلاوة وجوده، وكابدوا الشدائد واحتملوا الأذى في جنب قربه وإقيان عليهم، وخاطروا بالنفوس فيما يعلمون ويحملون ثقة منهم باجتيازه، ورضوا بما يضعهم فيه من الأحوال محبة منهم لارادته وموافقة لرضاه، ساخطين على أنفسهم معرفة منهم لحقه، واستعدادا للعقوبة بعدله عليهم، فأداهم ذلك إلى الابتلاء منه فلم تسع عقولهم ومفاصلهم وقلوبهم محبة لغيره، ولم تبق زنة خردلة منهم خالية منه ولا باقيا فيهم سواه، فهم له بكليتهم، وهو لهم حظ في الدنيا والآخرة، وقد رضي عنهم ورضوا عنه، وأحبهم فأحبوه، وكانوا له وكان لهم، وأثروه وأثرهم، وذكروه فذكرهم " أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون " " المجادلة 22 " فصاح عند ذلك ذو النون وقال: أين هؤلاء؟ وكيف الطريق إليهم وكيف المسلك؟ فصاح به: يا أبا الفيض، الطريق مستقيم، والحجة واضحة. فقال له: صدقت والله يا أخي، فالهرب إليه ولا تعرج إلى غيره.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: ويحك من ذكر الله على حقيقة نسي في حبه كل شيء، ومن نسي في حبه كل شيء حفظ الله عليه كل شيء وكان له عوضا في كل شيء.
قال: وسمعت ذا النون وأتاه رجل فقال: يا أبا الفيض دلني على طريق الصدق والمعرفة. فقال يا أخي أد إلى الله صدق حالتك التي أنت عليها على موافقة الكتاب والسنة، ولا ترق حيث لم ترق فتنزل قدمك فإنه إذا زل بك لم تسقط، وإذا ارتقيت أنت تسقط. وإياك أن تترك ما تراه يقينا لما ترجوه شكا.
قال: وسمعت ذا النون يقول وسئل: متى يجوز للرجل أن يقول: أراني الله كذا وكذا؟ فقال: إذا لم يطق ذلك. ثم قال ذو النون: أكثر الناس إشارة إلى الله في الظاهر أبعدهم من الله، وأرغب الناس في الدنيا وأخفاهم إلا طلبا أكثرهم لها ذما عند طلابها.

(4/222)


قال: وسمعته يقول: كلت ألسنة المحققين لك عن الدعاوي ونطقت ألسنة المدعين لك بالدعاوي. قال: وسمعت ذا النون يقول: لا يزال العارف ما دام في دار الدنيا مترددا بين الفقر والفخر، فإذا ذكر الله افتخر، إذا ذكر نفسه افتقر.
قال: وسمعت ذا النون وسئل: بم عرف العارفون ربهم؟ فقال: إن كان بشيء فبقطع الطمع والإشراف منهم على اليأس مع التمسك منهم بالأحوال التي أقامهم عليها وبذل المجهود من أنفسهم ثم إنهم وصلوا بعد إلى الله بالله.
حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا أحمد بن عيسى الرازي، قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري وذكر يوما علو المراتب وقرب الأولياء، وفوائد الأصفياء، وأنس المحبين، فأنشأ يقول:
ومحب الإله في غيب أنس ... ملك القدر خادم الزي عبد
هو عبد وربه خير رب ... ما لقلب الفتى عن الله ضد
وقال يوسف: وسألت ذا النون: ما علاقة الآخرة في الله؟ فقال ثلاث: الصفاء والتعاون والوفاء. فالصفاء في الدين، والتعاون في المواساة، والوفاء في البلاء.
حدثنا عثمان بن محمد، حدثني أحمد بن عبد الله القرشي، حدثني محمد بن خلف، قال: سمعت إبراهيم بن عبد الله الصوفي يقول: سئل ذو النون عن سماع العظة الحسنة والنغمة الطيبة فقال: مزامير أنس في مقاصير قدس بألحان توحيد في رياض تمجيد، بمطربات الغواني في تلك المعاني المؤدية بأهلها إلى النعيم الدائم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم قال: هذا لهم الخبز، فكيف طعم النظر؟ حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا أحمد بن محمد أبو الحسن الأنصاري، قال: سمعت يوسف بن الحسن يقول قال ذو النون المصري يوما وأتاه رجل فقال له: أوصني؟ فقال: بم أوصيك؟ إن كنت ممن قد أيد منه في علم الغيب بصدق التوحيد فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا هذا دعاء النبيين والمرسلين والصديقين وذلك خير لك من وصيتي لك. وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك النداء.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو بكر الدينوري، حدثنا محمد بن أحمد الشماطي قال سمعت ذا النون يقول: بينما أنا سائر على شاطئ نيل مصر إذا أنا بجارية عليها دباء شعت الكلال، وإذا القلب منها متعلق بحب الجبار وهي منقطعة في نيل مصر وهو يضطرب بأمواجه فبينما هي كذلك إذ نظرت إلى حوت ينساب بين الوجبتين فرمت بطرفها إلى السماء وبكت وأنشأت تقول: لك تفرد المتفردون في الخلوات ولعظيم رجاء ما عندك سبح الحيتان في البحور والزاخرات ولجلال هيبتك تصافيت الأمواج في البحور المستفحلات ولمؤانستك استأنست بك الوحوش في الفلوات وبجودك وكرمك قصد إليك يا صاحب البر والمسامحات ثم ولت عني وهي تقول:
يا مؤنس الأبرار في خلواتهم ... يا خير من حطت به النزال
من نال حبك لا ينال تفجعا ... القلب يعلم أن ما يفني محال
ثم غابت عني فلم أرها. فانصرفت وأنا حزين القلب ضعيف الرأي.
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو بكر، حدثنا محمد بن أحمد، قال: سمعت ذا النون يقول: بينما أنا سائر بين جبال الشام إذا أنا بشيخ على طلعة من الأرض قد تساقطت حاجبا على عينيه كبرا، فتقدمت إليه فسلمت عليه فرد علي السلام ثم أنشأ وهو يقول بصوت عليل: يا من دعاه المذنبون فوجدوه قريبا، ويا من قصد إليه الزاهدون فوجدوه حبيبا، ويا من استأنس به المجتهدون فوجدوه سريعا مجيبا. ثم أنشأ يقول:
وله خصائص مصطفين لحبه ... اختارهم في سالف الأزمان
اختارهم من قبل فطرة خلقه ... فهم ودائع حكمة وبيان
ثم صرخ صرخة فإذا هو ميت.
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو بكر بن محمد، قال: سمعت ذا النون يقول: إن لله عبادا فتقوا الحجب وعلوا النجب، حتى كشف لهم الحجب فسمعوا كلام الرب.
قال: وسمعت ذا النون يقول: إن لله عبادا على الآرائك يسمعون كلام الله إذا كلم المحبين في المشهد الأعلى لأنهم عبدوه سرا فأوصل إلى قلوبهم طرائف البر، عملوا ببعض ما علموا، فلما وقفوا في الظلام بين يديه هدى قلوبهم إلى ما يعلمون، فحسرت ألبابهم لمعرفة الوقوف بين يديه.

(4/223)


حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله، حدثنا أحمد بن عيسى الوشاء، قال: سمعت سعيد بن الحكم يقول: سمعت ذا النون يقول: لكل قوم عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه من ذكر الله. حدثنا محمد بن أحمد، قال: سمعت أحمد بن عيسى يقول: سمعت أبا عثمان سعيد بن الحكم يقول: سئل ذو النون: من أدوم الناس عناء؟ قال: أسوءهم خلقا: قيل وما علامة سوء الخلق؟ قال كثرة الخلاف. قال وسمعت ذا النون يقول: سئل جعفر بن محمد عن السفلة فقال: من لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه.
حدثنا محمد بن محمد، حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا سعيد بن الحكم، قال: سمعت ذا النون يقول: دخلت على متعبدة فقلت لها: كيف أصبحت؟ قالت: أصبحت من الدنيا على فناء مبادرة للجهاز، متأهبة لهول يوم الجواز، أعترف لله على ما أنعم بتقصيري عن شكرها، وأقر بضعفي عن إحصائها وشكرها، قد غفلت القلوب عنه وهو منشئها، وأدبرت عنه النفوس وهو يناديها. فسبحانه ما أمهله للأنام، مع تواتر الأيادي والأنعام؟ قال: وسمعت ذا النون يقول: بينما أنا أسير في بلاد الشام إذا أنا بعابد خرج من بعض الكهوف فلما نظر إلي استتر بين تلك الأشجار ثم قال: أعوذ بك سيدي ممن يشغلني عنك يا مأوى العارفين، وحبيب التوابين، ومعين الصادقين. وغاية أمل المحبين. ثم صاح: واغماه من طول البكاء، واكرباه من طول المكث في الدنيا ثم قال: سبحان من أذاق قلوب العارفين به حلاوة الانقطاع إليه فلا شيء ألذ عندهم من ذكره والخلوة بمناجاته. ثم مضى وهو يقول: قدوس قدوس قدوس. فناديته: أيها العابد قف لي. فوقف لي وهو يقول: اقطع عن قلبي كل علاقة، واجعل شغله بك دون خلقك. فسلمت عليه ثم سألته أن يدعو الله لي فقال: خفف الله عنك مؤن نصب إليه ودلك على رضاه حتى لا يكون بينك وبينه علاقة. ثم سعى من بين يدي كالهارب من السبع.
حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا محمد بن أحمد المذكر، عن بعض أصحابه، قال: قال ذو النون لفتى من النساك: يا فتى خذ لنفسك بسلاح الملامة واقمعها برد الظلامة، تلبس غدا سرابيل السلامة، واقصرها في روضة الأمان وفوقها مضض فرائض الإيمان، تظفر بنعيم الجنان. وجرعها كأس الصبر، ووطنها على الفقر، حتى تكون تام الأمر. فقال له الفتى: وأي نفس تقوى على هذا؟ فقال: نفس على الجوع صبرت، وفي سربال الظلام خطرت. نفس ابتاعت الآخرة بالدنيا بلا شرط ولا ثنيا. نفس تدرعت رهبانية القلق، ورعت الدجا إلى واضح الفلق، فما ظنك بنفس في وادي الحنادس سلكت، وهجرت اللذات فملكت، وإلى الآخرة نظرت، وإلى العناء أبصرت، وعن الذنوب أقصرت، وعلى الذر من القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت، وفي ظلم الدياجي سهرت، فهي بقناع الشوق مختمرة، وإلى عزيزها في ظلم الدجا مشتمرة، قد نبذت المعايش، ورعت الحشايش. هذه نفس خدوم عملت ليوم القدوم، وكل ذلك بتوفيق الحي القيوم.
حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم قال قلت لذي النون: صف لنا من خيار من رأيت. فذرفت عيناه وقال: ركبنا مرة في البحر نريد جدة، ومعنا فتى من أبناء نيف وعشرين سنة، قد ألبس ثوبا من الهيبة. فكنت أحب أن أكلمه فلم أستطع. بينما نراه قارئا، وبينما نراه صائما وبينما نراه مسبحا. إلى أن رقد ذات يوم، ووقعت في المركب لهمة فجعل الناس يفتش بعضهم بعضا إلي أن بلغوا إلى الفتى النائم فقال صاحب الصرة: لم يكن أحد أقرب إلي من هذا الفتى النائم. فلما سمعت ذلك قمت فأيقظته فما كان حتى توضأ للصلاة وصلى أربع ركعات ثم قال: يا فتى ما تشاء؟ فقلت: إن تهمة وقعت في المركب وإن الناس قد فتش بعضهم بعضا حتى بلغوا إليك. فالتفت إلي صاحب الصرة وقال: أكما يقول؟ فقال: نعم! لم يكن أحد أقرب إلي منك. فرفع الفتى يديه يدعو وخفت على أهل المركب من دعائه وخيل إلينا أن كل حوت في البحر قد خرج في فم كل حوت درة فقام الفتى إلى جوهرة في حوت فأخذها فألقاها إلى صاحب الصرة وقال: في هذه عوض مما ذهب منك وأنت في حل.

(4/224)


حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن محمد ابن حمدان، حدثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشاشي قال سمعت أبا الفيض ذا النون يقول: إلهي من ذا الذي ذاق طعم حلاوة منجاتك فألهاه شيء عن طاعتك ومرضاتك، أم من ذا الذي ضمنت له النصر في دنياه وآخرته فاستنصر بمن هو مثله في عجزه وفاقه أم من ذا الذي تكلفت له بالرزق في سقمه وصحته فاسترزق غيرك بمعصيتك في طاعته؟ أم من ذا الذي عرفته آثامه فللم يحتمل خوفا منك مئونة فطامه؟ أم ذا الذي أطلعه علي ما لديك ثم أقطع إليك من كرامته فأعرض عنك صفحا إخلادا إلى الدعة في طلب راحته؟ من ذا الذي عرف دنياه وآخرته فآثر الفاني على الباقي لحمقه وجهالته، أم من ذا الذي شرب الصافي من كأس محبتك فلم يستبشر بقوارع محنتك، أم من ذا الذي عرف حسن اختبارك لخلقك في قدرتك فلم يرض بذلك أم من ذا الذي عرف علمك بسره وعلانيته وقدرتك على نفعه وضره فلم يكتف بك عن علم غيرك به ولم يستغن بك عن قدرة عاجز مثله.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون يدعو: اللهم متع أبصارنا بالجولان في جلالك، وسهرنا عما نامت عنه عيون الغافلين، واجعل قلوبنا معقودة بسلاسل النور، وعلقها بأطناب التفكر، ونزه أبصارنا عن سر مواقفي المتحيرين، وأطلقنا من الأسر لنجول في خدمتك مع الجوالين، اللهم اجعلنا من الذين استعملوا ذكر قطع اللذات، وخالفوا متاع الغرة بواضحات المعرفة. اللهم اجعلنا من الذين لخدمتك في أقطار الأرض لهم طلابا، ولخصائص أصفيائك أصحابا، وللمريدين المعتكفين ببابك أحبابا. اللهم اجعلنا من الذين غسلوا أوعية الجهل بصفو ماء الحياة في مسالك النعيم حتى جالت في مجالس الذكر مع رطوبة السنة الذاكرين. اللهم اجعلنا من الذين رتعوا في زهرة ربيع الفهم حتى تسامت أسنة الفكرة فوف سمو السمو حتى تسامى بهم مسام العلويين براحات القلوب، ومستنبطات عيون الغيوب بطول استغفار الوجوه في محاريب قدس رهبانية الخاشعين حتى لاذت أبصار القلوب بجواهر السماء وعبرت أفنية النواحين من مصاف الكروبين ومجالسة الروحانيين فتوهموا أن قد قرب احتراق بالقلوب عند إرسال الفكرة في مواقع الأحزان بين يديك فأحرقت نار الخشية بصائر مناقب الشهوات من قلوبهم وسكنت خوافي ضلوع مضايق الغفلات من صدورهم، فأنبت ذكر الصلوات رقاد قلوبهم.
حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال: قرأ علي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الرازي، قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون يقول: بالعقول يجتني ثمر القلوب، وبحسن الصوت تستمال أعنة الأبصار، وبالتوفيق تنال الحظوة وبصحبة الصالحين تطيب الحياة. والخير مجموع في القرين الصالح، إن نسيت ذكرك، وإن ذكرت أعانك.
حدثنا عثمان بن محمد، أخبرنا أحمد بن محمد، قال: سمعت يوسف ابن الحسين يقول: سمعت ذا النون يقول: حرم الله الزيادة في الدين، والإلهام في القلب، والفراسة في الخلق على ثلاثة نفر: على بخيل بدنياه، وسخي بدينه، وسيء الخلق مع الله. فقال له رجل: بخيل بالدنيا عرفناه، وسخي بدينه عرفناه، صف لنا سيء الخلق مع الله. قال: يقضي الله قضاء ويمضي قدرا وينفذ علما ويختار لخلقه أمرا فترى صاحب سوء الخلق مع الله مضصربا في ذلك كله غير راض به، دائما شكواه من الله إلى خلقه فما ظنك.
حدثنا عثمان بن محمد أخبرنا أحمد بن محمد، قال: سمعت يوسف ابن الحسين يقول: قلت لذي النون: دلني على الطريق الذي يؤديني إليه من ذكره. فقال: من أنس بالخلوة فقد استمكن من بساط الفراغ، ومن غيب عن ملاحظة نفسه فقد استمكن من مقاعد الإخلاص، ومن كان حظه من الأشياء هواه لم يبال ما فاته ممن هو دونه، ثم قال: المتضح يبدي غير الذي هو به، والصادق لا يبالي على أي جنب وقع. قال: وسمعت ذا النون يقول: العارف متلوث الظاهر صافي الباطن. والزاهد صافي الظاهر متلوث الباطن.

(4/225)


قال: وسمعت ذا النون يقول: إن المؤمن إذا آمن بالله واستحكم إيمانه خاف الله، فإذا خاف الله لولدت من الخوف هيبة الله فإذا سكن درجة الهيبة دامت طاعته لربه فإذا أطاع لولدت من الطاعة الرجاء فإذا سكن درجة الرجاء تولدت من الرجاء اشتاق أداه الشوق إلى الأنس بالله فإذا أنس بالله اطمأن إلى الله فإذا اطمأن إلى الله كان ليله في نعيم، ونهاره في نعيم، وسره في نعيم، وعلانيته في نعيم.
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو بكر الدينوري، حدثنا محمد بن أحمد الشمشاطي. قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إن لله عبادا أسكنهم دار السلام فأخمصوا البطون عن مطاعم الحرام، وأغمضوا الجفون عن مناظر الآثام، وقيدوا الجوارح عن فضول الكلام، وطووا الفرش وقاموا جوف الظلام، وطلبوا الحور الحسان من الحي الذي لا ينام. فلم يزالوا في نهارهم صياما، وفي ليلهم قياما، حتى أتاهم ملك الموت عليه السلام.
حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الله، حدثنا أحمد بن عيسى الوشاء، حدثنا سعيد بن الحكم. قال: سمعت ذا النون يقول: بينما أنا أسير في بعض سياحتي فإذا أنا بصوت حزين كئيب موجع القلب أسمع الصوت ولا أرى الشخص وهو يقول: سبحان مفني الدهور، سبحان مخرب الدنيا، سبحان مميت القلوب، سبحان باعث من في القبور. فاتبعت الصوت فإذا أنا بنقب، وإذا الصوت خارج من النقب وهو يقول: سبحان من لا يسع الخلق إلا سره، سبحانك ما ألطفك بمن خالفك وأوفاك بعهدك، سبحانك ما أحلمك عمن عصاك وخالف أمرك. ثم قال: سيدي بحلمك نطقت، وبفضلك تكلمت، وما أنا والكلام بين يديه بما لا يستأهله قدري، فيا إله من مضى قبلي، ويا إله من يكون بعدي بالصالحين فألحقني، ولأعمالهم فوفقني. ثم قال: أين الزهاد والعباد؟ أين الذين شدوا مطاياهم إلى منازل معرفة، أعمال موصوفة، نزل بهم الزمان فأبلاهم، وحل بهم البلاء فأفناهم، فهل أنتظر إلا مثل الذي حل بهم. ثم أقبل علي ما كان فيه. فقلت: رجل غرقت نفسه عن كلام ناس فانصرفت وتركته باكيا.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة، حدثنا أبو عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: أشد المريدين نفاقا من لحظ لحظة أو نطق بكلمة بلا حجة استبانها فيما بينه وبين ربه، ثم سئل عن الحجة فعبر عن نفسه بحجة كان قبل حل في الوقت غافلا.
قال: وسمعت ذا النون وسأله رجل: أي الأحوال أغلب على قلب العارف السرور والفرح أم الحزن والهموم؟ فقال: أوصلنا الله وإياكم إلى جميل ما نأمله منه، والعلم في هذا عندي والله أعلم أنه ليس هناك حال يشار إليه دون حال، سبب دون سبب، وأنا أضرب لك مثلا: اعلم رحمك الله أن مثل العارف في هذه الدار مثل رجل قد توج بتاج الكرامة، وأجلس على سرير في بيت ثم علق من فوق رأسه سيف بشعره، وأرسل على باب البيت أسدان ضاريان فالملك يشرف كل ساعة بعد ساعة على الهلاك والعطب فأني له بالسرور والفرح على التمام؟ وبالله التوفيق.
حدثنا أبي، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد، قال: سمعت ذا النون يقول وسئل عن الآفة التي يخدع بها المربد عن الله، فقال: يريه الألطاف والكرامات والآيات. قيل له: يا أبا الفيض: فيم يخدع قبل وصوله إلى هذه الدرجة؟ قال: بوطء الأعقاب، وتعظيم الناس له والتوسع في المجالس وكثرة الأتباع فنعوذ بالله من مكره وخدعه.
قال: وسمعت ذا النون وسئل: ما أساس قسوة القلب للمريد؟ فقال: بحثه عن علوم رضي نفسه بتعليمها دون استعمالها والوصول إلى حقائقها. وقال: لو أن الخلق عرفوا ذل أهل المعرفة في أنفسهم لحثوا التراب على رءوسهم وفي وجوههم. فقال رجل كان حاضرا في المجلس: رجل مؤيد. فذكرت لطاهر المقدسي فقال: سقى الله أبا الفيض، حقا ما قال ولكني أقول: لو أبدى الله نور المعرفة للزاهدين والعابدين والمحتجبين عنه بالأحوال لاحترقوا واضمحلوا وتلاشوا حتى كأن لم يكونوا. قال الرجل: فذكرت لأحمد بن أبي الحواري فقال. أما أبو الفيض عافاه الله فقال ذلك في وقت ذكره لنفسه. وأما طاهر فقال ذلك في وقت ذكره لربه. وكل مصيب والله أعلم.

(4/226)


حدثنا أبي، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد، قال: سمعت ذا النون، يقول : ثلاثة علامات الخوف: الورع عن الشبهات بملاحظة الوعيد، وحفظ اللسان مراقبة للتعظيم ودواء الكمد إشفاقا من غضب الحليم. وثلاثة من أعمال الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤيتهم في الأعمال نظرا إلى الله واقتضاء ثواب العمل في الآخرة بحسن عفو الله في الدنيا بحسن المدحة وثلاثة من أعمال الكمال: ترك الجولان في البلدان، وقلة الاغتباط لنعماه عند الامتحان، وصفو النفس في السر والإعلان. وثلاثة من أعمال اليقين: قلة المخالفة للناس في العشرة، وترك المدح لهم في العطة، والتنزه عن دمهم في المنع الرزية. وثلاثة من أعلام التوكل: نقص العلائق، وترك التملق في السلائق، واستعمال الصدق في الخلائق. وثلاثة من أعلام الصبر: التباعد عن الخلطاء في الشدة، والسكون إليه مع تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحة المعيشة. وثلاثة من أعلام الحكمة: إنزال النفس من الناس كباطنهم، ووعظهم على قدر عقولهم ليقوموا بنفس حاضر .....، وثلاثة من أعلام الزهد: قصر الأمل، وحب الفقر، واستغناء مع صبر. وثلاثة من أعلام العبادة: حب الليل للسهر بالتهجد والخلوة، وكراهة الصبح لرؤية الناس والغفلة، والبدار بالصالحات مخافة الفتنة. وثلاثة من أعلام المواضع: تصغير النفس معرفة بالعيب، وتعظيم الناس حرمة للتوحيد، وقبول الحق والنصيحة من كل أحد. وثلاثة من أعمال السخاء: البذل للشيء مع الحاجة إليه، وخوف المكافأة استقلالا للعطية، والخوف على النفس استغناء لادخال السرور على الناس. وثلاثة من أعلام حسن الخلق: قلة الخلاف على المعاشرين، وتحسين ما يرد عليه من أخلاقهم، وإلزام النفس اللائمة فيما يختلفون فيه كفا عن معرفة عيوبهم. وثلاثة من أعلام الرحمة للخلق: انزواء العقل للملهوفين، وبكاء القلب لليتيم والمسكين، وفقدان الشماتة بمصائب المسلمين، وبذل النصيحة لهم متجرعا لمرارة ظنونهم، وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهلوه وكرهوه. وثلاثة من أعظم الاستغناء بالله: التواضع للفقراء المتذللين، والتعظم على الأغنياء المتكبرين، وترك المعاشرة لأبناء الدنيا المستكبرين. وثلاثة من أعلام الحياء: وجدان الأنس بفقدان الوحشة، والامتلاء من الخلوة بإدمان التفكر، واستضعار الهيبة بخالص المراقبة. وثلاثة من أعلام المعرفة: الإقبال على الله والانقطاع إلى الله، والافتخار بالله. وثلاثة من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرضا، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء.
حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا أبو بكر بن أحمد البغدادي حدثني عبد الله بن سهل، قال: سألت ذا النون فقلت: متى أعرف ربي؟ قال: إذا كان لك جليسا، ولم تر لنفسك سواه أنيسا، قلت: فمتى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما أسخطه عندك أمر من الصبر، قلت: فمتى أشتاق إلى ربي؟ قال: إذا جعلت الآخرة لك قرارا، ولم تسم الدنيا لك مسكنا ودارا.
سمعت أبا محمد بن حيان يقول: سمعت عمر بن يحيى يقول: سمعت ذا النون يقول: مكتوب في التوارة: ملعون من ثقته إنسان مثله.
سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن ريان يقول: سمعت ذا النون يقول - وجاءه أصحاب الحديث ليسألوه عن الخطرات والوسواس - فقال أنا أتكلم في شيء من هذا فإن هذا يحدث سلواني عن شيء من الصلاة والحديث قال: ورأى ذو النون علي خفا أحمر فقال: انزع هذا يا بني فإنه شهوة، ما لبسه النبي صلى الله عليه وسلم، إنما لبس النبي صلى الله عليه وسلم خفين أسودين ساذجين.
سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت علي بن حاتم العثماني - بمصر - يقول: سمعت ذا النون - وأومأ إلى موضع بمصر - يقول: كأنك عن قليل ترى هذه المدينة عامرة وتخرج منها الخيل المحذفة وقوم عجم وعن قليل تراها خرابا قال علي بن حاتم: ورأيناها عامرة ورأيناها خرابا. وسمعت ذا النون يقول: القرآن كلام الله.
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عباس بن حمدان، حدثنا أبو الحسن صاحب الشافعي قال: حضرت جنازة ذي النون فرأيت الخفافيش تقع على نعشه وبدنه وتطير.
حدثنا محمد بن علي، قال: سمعت محمد بن زياد يقول: لما مات ذو النون رأيت على جنازته طيورا خضراء فلا أدري أي شيء كان. ومات عندت بمصر فأمر أن يجعل قبره مع الأرض.

(4/227)


حدثنا أبو جعفر أحمد بن علي بن عبد الله بن حمدان - بالكوفة - حدثنا عبد الله بن محمد السمناني، حدثنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد البغدادي المكفوف، حدثنا أبو الفيض بن إبراهيم المصري ذو النون - سنة خمس وأربعين ومائتين بسر من رأى - قال: رأيت رجلا في برية يمشي حافيا وهو يقول: المحب مجروح الفؤاد لا راحة له، قد زحزحت الجرحة الدواء، وأزعج الدواء الداء. فاجتمعا والقلب بينهما بحول يرتكض. فسلمت عليه فقال لي: وعليك السلام يا ذا النون. قلت: عرفتني قبل هذا؟ قال: لا. قلت: فمن أين لك هذه الفراسة؟ فقال: ممن يملكها ليست مني، هو الذي نور قلبي بالفراسة حتى عرفني إياك من غير معرفة سبقت لي، يا ذا النون، قلبي عليل، وجسمي مشغول، وأنا سائح في البرية أسير فيها منذ عشرين سنة، ما أعرف بيتا ولا يكنني سقفي يسترني من الشمس إذا لظت، ويحفظني من الرياح إذا هبت، ويكلؤني من الحر والبرد جميعا، فصف لي بعض ما أنا فيه إن كنت وصافا. ثم جلس وجلست، فقلت: القلب إذا كان عليلا جالت الأحزان والأسقام فيه، ليس للقلب مع ما يجول من أصل الأسقام دواء، وإن يستجلب الأحزان من استجلبها يطول سقمه ليشكوه ويشكو إليه. فصرخ صرخة ثم قال: مالي وللشكوى؟ أما لو طالت البلوى حتى أصير رميما ما تحركت لي جارحة بالشكوى قال ذو النون: فقلت: طرقت الفكرة في قلوب أهل الرضا فمالت بهم ميلة فزعزعت الجوى، ودكدكت الضمير، فاختلفا جميعا فالتويا فعرفتا طريق الرضا منهم بالآلفة إليه، فوهب لهم هبة ثم اتحفهم بتحف الرضا، فماجت في بحار قلوبهم موجة فهيجت منها اللذة لا بل هيجت منها هيجان اللذات، فشخصت بالحلاوة التي اتخذت إلى من أتحفها فمرت تطير من جوف الجوى، فأي طيران يكون أبهى من قلوب تطير إلى سيدها. لقد هبت إليه بلا أجنحة تطير، لقد مرت في الملكوت أسرع من هبوب الرياح ومن يردها وهو يدعوها إليه لقد فتح الباب حين هبت طائرة فدخلت قبل أن تفرغ الباب، لقد مهد لها مهادا فتنزهت في روح رياض قدسه، فهي له ومعه. فقال: يا ذا النون زدت الجرح قرحا وقتلت فأوجعت، يا هذا ما صحبت صاحبا منذ صحبته، أصحبك اليوم. قلت: فقم بنا. فقمنا جميعا نسير بلا زاد، فلما وغلنا في البرية وطوينا ثلاثا فقال لي: قد جعت. قلت: نعم قال فاقسم عليه حتى يطعمك؟ قلت: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا تسأله شيئا، إن شاء أطعمك وإن شاء ترك. قال: فتبسم وقال: امض الآن. فلقد أفيض علينا من أطايب الأطعمة ولذيذ الأشربة حتى دخلنا مكة سالمين، ثم فارقني وفارقته. قال يوسف: فلقد رأيت ذا النون كلما ذكره بكى وتأسف على صحبته.

(4/228)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية