صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الزهد في اللباس
قال المصنف : فأما الصوفية زماننا فإنهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة كل واحد منها على لون فيجعلوها خرقا ويلفقونها فيجمع ذلك الثوب وصفين الشهرة والشهوة فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد أفتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف كذا قد ظنوا وإن إبليس قد لبس عليهم وقال أنتم صوفية لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة وهؤلاء قد فاتهم التشبيه في الصورة والمعنى أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورة ولا يقصدون التحسن بالمرقع ولا يأخذون أثوابا جددا مختلفة الألوان فيقطعون من كل ثوب قطعة ويلفقونها على أحسن التوقيع ويخيطونها ويسمونها مرقعة وأما عمر رضي الله عنه لما قدم بيت المقدس حين سأل القسيسون والرهبان عن أمير المسلمين فعرضوا عليهم أمراء العساكر مثل أبي عبيدة وخالد بن الوليد وغيرهما فقالوا : ليس هذا المصور عندنا ألكم أمير أو لا ؟ فقالوا : لنا أمير غير هؤلاء فقالوا هو أمير هؤلاء قالوا نعم هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا أرسلوا إليه ننظره فإن كان هو سلمنا إليكم من غير قتال وإن لم يكن هو فلا فلو حاصرتمونا ما تقدرون علينا فأرسل المسلمين إلى عمر رضي الله عنه وأعلموه بذلك فقدم عليهم وعليه ثوب مرقع سبع عشرة رقعة بينها رقعة من أديم فلما رآه الروحانية والقسوس على هذه الصفة سلموا بيت المقدس إليه من غير قتال فأين هذا مما يفعله جهال الصوفية في زماننا فنسأل الله العفو والعافية وأما المعنى فإن أولئك كانوا أصحاب رياضة وزهد
( فصل )
قال المصنف : ومن هؤلاء المذمومين من يلبس الصوف تحت الثياب ويلوح بكمه حتى يرى لباسه وهذا لص ليلي ومنهم من يلبس الثياب اللينة على جسده ثم يلبس الصوف فوقها وهذا لص نهاري مكشوف وجاء آخرون فأرادوا التشبه بالصوفية وصعب عليهم البذاذة وأحبوا التنعم ولم يروا الخروج من صورة التصوف لئلا يتعطل المعاش فلبسوا الفوط الرفيعة واعتموا بالرومي الرفيع إلا أنه بغير طراز فالقميص والعمامة على أحدهم بثمن خمسة أثواب من الحرير
وقد لبس إبليس عليهم أنكم من صوفية بنفيس النفس وإنما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التصوف وتنعم أهل الدنيا ومن علاماتهم مصادفة الأمراء ومفارقة الفقراء كبرا وتعظيما وقد كان عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليه يقول : يا بني إسرائيل ما لكم تأتونني وعليكم ثياب الرهبان وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري البسوا لباس الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية
وأخبرنا محمد بن أبي القاسم قال أخبرنا حمد بن أحمد الحداد قال أخبرنا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن جعفر بن معبد ثنا يحيى بن مطرف ثنا أبو ظفر ثنا جعفر بن سليمان عن مالك دينار قال : إن من الناس ناسا إذا لقوا القراء ضربوا معهم بسهم وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدنيا أخذوا معهم بسهم فكونوا من قراء الرحمن بارك الله فيكم
أخبرنا محمد نا حمد نا أبو نعيم ثنا الحسين بن محمد بن العباس الفقيه ثنا أحمد بن محمد اللالي ثنا أبو حاتم ثنا هدبة ثنا حزم قال سمعت مالك بن دينار يقول : إنكم في زمان أشهب لا يبصر زمانكم إلا البصير إنكم في زمان كثير تفاحشهم قد انتفخت ألسنتهم في أفواههم فطلبوا الدنيا بعمل الآخرة فاحذروهم على أنفسكم لا يوقعكم في شباكهم
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا أخبرنا حمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني مهنى الشامي ثنا ضمرة عن سعيد بن شبل قال : نظر مالك بن دينار إلى شاب ملازم للمجسد فجلس إليه فقال له : هل لك أن أكلم بعض العشارين يجزون عليك شيئا وتكون معهم قال : ما شئت يا أبا يحيى : قال فأخذ كفا من تراب فجعله على رأسه
أخبرنا المحمدان قالا نا حمد نا أحمد ثنا قارون بن عبد الكبير الخطابي ثنا هشام بن علي السيرافي ثنا قطن بن حماد بن واقد ثنا أبي ثنا مالك بن دينار قال : كان فتى يتفرى فكان يأتيني فابتلي فولى الجسر فبينما هو يصلي إذ مرت سفينة فيها بط فنادى بعض أعوانه : قرب لنأخذ لعامل بطة فأشار بيده سبحان الله أي بطتين قال فكان أبي إذا حدث بهذا الحديث بكى وأضحك الجلساء
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه قال : سمعت محمد بن خفيف يقول : قلت لرويم أوصني فقال هو بذل الروح وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية
أخبرنا بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر أحمد بن محمد الأردستاني ثنا عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبي يقول بلغني أن رجلا قال للشبلي : قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط فأنشأ يقول :
( أما الحيام فإنها كخيامهموأرى نساء الحي غير نسائها )
قال المصنف رحمه الله : قلت واعلم أن هذه البهرجة في تشبيه هؤلاء بأولئك لا تخفى إلا على كل غبي في الغاية فأما أهل الفطنة فيعلمون أنه تنميس بارد والأمر في ذلك على نحو قول الشاعر :
( تشبهت حور الظباء بهمإن سكنت فيك ولا مثل سكن )
( أصامت بناطق ونافربآنس وذو خلا بذي شجن )
( مشتبه أعرفه وإنمامغالطا قلت لصحبي دار من )

(1/231)


لبس الفوط المرقعات
قال المصنف : وإنما إكراه لبس الفوط المرقعات لأربعة أوجه أحدها أنه ليس من لباس السلف وإنما كان السلف يرقعون ضرورة والثاني أنه يتضمن ادعاء الفقر وقد أمر الإنسان أن يظهر نعمة الله عليه والثالث إنه إظهار للزهد وقد أمرنا بسترة والرابع أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة ومن تشبه بقوم فهو منهم
وقد أخبرنا ابن الحسين نا بن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو النصر ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الحرسي عن ابن عمر قال قال رسول الله صضص : [ من تشبه بقوم فهو منهم ] وقد أنبأنا أبو زرعة طاهر قال أخبرني أبي قال : لما دخلت بغداد في رحلتي الثانية قصدت الشيخ أبا محمد عبد الله بن أحمد السكري لأقرأ عليه أحاديث - وكان من المنكرين على هذه الطائفة - فأخذت في القراءة فقال : أيها الشيخ إنك لو كنت من هؤلاء الجهال الصوفية لعذرتك أنت رجل من أهل العلم تشتغل بحديث رسول الله صضص وتسعى في طلبه فقلت : أيها الشيخ وأي شيء أنكرت علي حتى أنظر فإن كان له أصل في الشريعة لزمته وإن لم يكن له أصل في الشريعة تركته فقال : ما هذه الشوازك التي في مرقعتك ؟ فقلت : أيها الشيخ هذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تخبر أن رسول الله صضص كان له جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج وإنما وقع الإنكار لأن هذه الشوازك ليست من جنس الثوب والديباج ليس من الجبة فاستدللنا بذلك على أن لهذا أصلا في الشرع يجوز مثله
قال المصنف : قلت لقد أصاب السكري في إنكاره وقل فقه ابن طاهر في الرد عليه فإن الجبة المكفوفة الجيب والكمين قد جرت العادة بلبسها كذلك فلا شهرة في لبسها فأما الشوازك فتجمع شهرة الصورة وشهرة دعوى الزهد وقد أخبرتك أنهم يقطعون الثياب الصحاح ليجعلوها اشوازك لا عن ضرورة يقصدون الشهرة لحسن ذلك والشهرة بالزهد ولهذا وقعت الكراهية وقد كرهها جماعة من مشايخهم كما بينا
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا أبو عبد الله بن باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول سمعت الحسين بن هند يقول سمعت جعفر الحذاء يقول : لما فقد القوم الفوائد من القلوب اشتغلوا بالظواهر وتزيينها يعني بذلك - أصحاب المصبغات والفوط
أخبرنا ابن حبيب نا ابن صادق ثنا بن باكويه أخبرنا أبو يعقوب الخراط قال سمعت الثوري يقول : كانت المرقعات غطاء على الدر فصارت جيفا على مزابل قال ابن باكويه : وأخبرني أبو الحسن الحنظلي قال نظر محمد بن محمد بن علي الكتاني إلى أصحاب المرقعات فقال : إخواني إن كان لباسكم موافقا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها وإن كانت مخالفة لسرائركم فقد هلكتم ورب الكعبة أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أبو بكر بن خلف ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت نصر بن أبي نصر يقول : قال أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق الدينوري لبعض أصحابه : لا يعجبنك ما ترى من هذه اللبسة الظاهرة عليهم فما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا البواطن وقال ابن عقيل : دخلت يوما الحمام فرأيت على بعض أوتاد السلخ جبة مشوزكة مرقعة بفوط فقلت للحمامي : أرى سلخ الحية فمن داخل فذكر لي بعض من يتصفف للبلاء حوشا للأموال

(1/234)


كثرة ترقيع المرقعة
قال المصنف : وفي الصوفية من يرقع المرقعة حتى تصير كثيفة خارجة عن الحد أخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي نا القاضي أبو محمد الحسن ين رامين الأسدآبادي نا أبو محمد عبد الله بن محمد الشيرازي نا جعفر الخالدي ثنا بن خباب أبو الحسين صاحب ابن الكريني قال : أوصى لي ابن الكريني بمرقعته فوزنت فردة كم من أكمامها فإذا فيه أحد عشر رطلا قال جعفر وكانت المرقعات تسمى في ذلك الوقت الكيل
( فصل )
وقد قرروا أن هذه المرقعة لا تلبس إلا من يد شيخ وجعلوا لها إسنادا متصلا كله كذب ومحال وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال باب السنة لبس الخرقة من يد الشيخ فجعل هذا من السنة واحتج بحديث أم خالد أن النبي صضص أتى بثياب فيها خميصة سوداء فقال من ترون أكسو هذه فسكت القوم : فقال رسول الله صضص : « ائتوني بأم خالد » قالت فأتى بي فألبسنيها بيده وقال : أبلي وأخلقي
قال المصنف : وإنما ألبسها رسول الله صضص لكونها صبية وكان أبوها خالد بن سعيد بن العاص وأمها همينة بنت خلف قد هاجروا إلى أرض الحبشة فولدت لهما هناك أم خالد واسمها أمة ثم قدموا فأكرمها رسول الله صضص لصغر سنها وكما اتفق فلا يصير هذا سنة وما كان من عادة رسول الله صضص إلباس الناس ولا فعل هذا أحد من أصحابه ولا تابعيهم
ثم ليس من السنة عند الصوفية أن يلبس الصغير دون الكبير ولا أن تكون الخرقة سوداء بل مرقعة أو فوطة فهلا جعلوا السنة لبس الخرق السود كما جاء في حديث أم خالد وذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال : باب السنة فيما شرط الشيخ على المريد في لبس المرقعة واحتج بحديث عبادة بايعنا رسول الله صضص على السمع والطاعة في العسر واليسر قال المصنف فانظر إلى هذا الفقه الدقيق وأين اشتراط الشيخ على المريد من اشتراط رسول الله صضص الواجب الطاعة على البيعة الإسلامية اللازمة
( فصل )
وأما لبسهم المصبغات فإنها كانت زرقاء فقد فاتهم فضيلة البياض وإن كانت فوطا فهو ثوب شهرة وشهرته أكثر من شهرة الأزرق وإن كانت مرقعة فهي أكثر شهرة وقد أمر الشرع بالثياب البيض ونهى عن لباس الشهرة فأما أمره بالثياب البيض فأخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا علي بن عاصم نا عبد الله بن عثمان بن حثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صضص : [ البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ] قال عبد الله : وحدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان ثني حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن سمرة بن جندب عن النبي صضص قال : [ البسوا الثياب البيض فإنها أظهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم ] قال الترمذي : هذان حديثان صحيحان وفي الباب عن ابن عمر قال : وهذا يستحبه أهل العلم وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : أحب الثياب إلينا أن نكفن فيها البياض وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال : باب السنة في لبسهم المصبغات واحتج بأن النبي صلوات الله عليه وسلامه لبس حلة حمراء وأنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء
قال المصنف : قلت ولا ينكر أن رسول الله صضص لبس هذا ولا أن لبسه غير جائز وقد روي أنه كان يعجبه الحبرة وإنما المسنون الذي يأمر به ويداوم عليه وقد كانوا يلبسون الأسود والأحمر فأما الفوط والمرقع فإنه لبس شهرة

(1/236)


النهي عن لباس الشهرة وكراهته
وأما النهي عن لباس الشهرة وكراهته فأخبر أبو منصور بن خيرون أنبأنا أبو بكر الخطيب نا ابن زرقويه ثنا جعفر بن محمد الخلدي ثنا محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي ثنا روح بن عبد المؤمن ثنا وكيع بن محرز الشامي ثنا عثمان بن جهم عن زر بن حبيش عن أبي ذر عن النبي صضص أنه قال : [ من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه ] أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار نا أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري وأنبأنا هبة الله بن محمد أنبأنا الحسين بن علي التميمي قالا أخبرنا أبو حفص بن شاهين ثنا خثيمة بن سليمان بن حيدة ثنا محمد بن الهيثم ثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني ثنا مجلد بن يزيد عن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وزيد بن ثابت رضي الله عنهما عن النبي صضص أنه نهى عن الشهرتين فقيل يا رسول الله وما الشهرتان ؟ قال : [ رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتها وطولها وقصرها ولكن سداد بين ذلك واقتصاد ] أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان محمد بن سهل ثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال : قال موسى بن حماد بن سلمة عن ليث عن مهاجر عن ابن عمر قال : من لبس ثوبا مشهورا أذله الله يوم القيامة
قال المصنف : وقد روي لنا مرفوعا قال أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي حجاج ثنا شريك عن عثمان بن أبي راشد عن مهاجر الشامي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صضص : [ من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب المذلة يوم القيامة ]
أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد بن يوسف قالا أخبرنا أبو إسحاق البرمكي نا أبو بكر بن نجيب ثنا أبو جعفر بن ذريح ثنا هناد ثنا أبو معاوية عن ليث عن مهاجرين بن أبي الحسن عن ابن عمر رضي الله عنه قال : من لبس شهرة من الثياب ألبسه الله ثوب ذلة وعن ليث عن شهر عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : من ركب مشهورا من الدواب أعرض الله عنه ما دام عليه وإن كان كريما
قال المصنف : وقد روينا أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى على ولده ثوبا قبيحا دونا فقال : لا تلبس هذا فإن هذا ثوب شهرة أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا إسماعيل بن مسعدة نا حمزة بن يوسف نا أبو أحمد بن عدي ثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال حدثنا محمد بن مزاحم ثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن بريدة عن أبيه بريدة قال شهدت مع رسول الله صضص فتح خيبر وكنت فيمن صعد الثلمة فقاتلت حتى رأى مكاني وأتيت وعلي ثوب أحمر فما علمت أني ركبت في الإسلام ذنبا أعظم منه للشهرة وقال سفيان الثوري : كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستبذل وقال معمر : عاتبت أيوب على طول قميصه فقال : إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره

(1/238)


لبس الصوف
قال المصنف : ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي صضص لبس الصوف وبما روي في فضيلة لبس الصوف فأما لبس رسول الله صضص الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات لم يكن لبسه شهرة عند العرب وأما ما يروى في فضل لبسه فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين : أما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك له لأنه لا يشهر به وأما أن يكون مترفا لم يتعوده فلا ينبغي له لبسه من وجهين أحدهما أنه يحمل بذلك على نفسه ما لا تطيق ولا يجوز له ذلك والثاني أنه يجمع بلبسه بين الشهرة وإظهار الزهد
وقد أخبرنا حمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة ثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسن بن إسماعيل الأبهري ثنا روز به ثنا محمد بن إسماعيل بن محمد الطائي ثنا بكر بن سهل الدمياطي ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا داود ثنا عباد بن العوام عن عباد بن كثير عن أنس قال : قال رسول الله صضص : [ من لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقا على الله عز و جل أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه ] أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى ثنا العباس بن منصور ثنا سهل بن عمار ثنا نوح بن عبد الرحمن الصيرفي ثنا محمد بن عبيد الهمداني ثني عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صضص : [ إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف رياء ]
أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي ثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا خالد بن شوذب قال : شهدت الحسن وأتاه فرقد فأخف الحسن بكسائه فمده إليه وقال : يا فريقديا ابن أم فريقد إن البر ليس في هذا الكساء وإنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل أنبأنا محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد قال حدثنا عمرو بن عاصم ثنا يزيد بن عوانة ثني أبو شداد المجاشعي قال : سمعت الحسن - وذكر عنده الذين يلبسون الصوف - فقال : ما لهم تعاقدوا ثلاثا أكنوا الكبر في قلوبهم وأظهروا التواضع في لباسهم والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه
أنبأنا ابن الحسين أنبأنا أبو علي التميمي نا أبو حفص بن شاهين ثنا محمد بن سعيد بن يحيى البزوري ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي قال حدثنا عبد الله المجيد يعني ابن أبي رواد عن ابن طهمان يعني إبراهيم عن أبي مالك الكوفي عن الحسن أنه جاءه رجل ممن يلبس الصوف وعليه جبة صوف وعمامة صوف ورداء صوف فجلس فوضع بصره في الأرض فجعل لا يرفع رأسه وكأن الحسن خال فيه العجب فقال الحسن : ها إن قوما جعلوا كبرهم في صدورهم شنعوا والله دينهم بهذا الصوف ثم قال إن رسول الله صضص كان يتعوذ من زي المنافقين قالوا يا أبا سعيد وما زي المنافقين ؟ قال خشوع اللباس بغير خشوع القلب
قال ابن عقيل هذا كلام رجل عرف الناس ولم يعره اللباس ولقد رأيت الواحد من هؤلاء يلبس الجبة الصوف فإذا قال له القائل : يا أبا فلان ظهر منه ومن أوباشه الإنكار فعلم أن الصوف قد عمل عند هؤلاء ما لا يعمله الديباج عند الأوباش
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا هارون بن معروف عن ضمرة قال : سمعت رجلا يقول : قدم حماد بن أبي سليمان البصرة فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف فقال له حماد : ضع عنك نصرانيتك هذه فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم يعني النخعي فيخرج علينا وعليه معصفرة
أخبرنا محمد بن القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن شريك الأسدي ثنا شهاب بن عباد ثنا حماد عن خالد الحذاء أن أبا قلابة قال : إياكم وأصحاب الأكسية أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن طفر قالا : نا محمد بن الحسن الباقلاوي نا القاضي أبو العلاء الواسطي ثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي نا أبو الخير أحمد بن حمد البزار ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا علي بن حجر ثنا صالح بن عمر الواسطي عن أبي خالد قال : جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف فقال له أبو العالية : إنما هذه ثياب الرهابن إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن نا أحمد بن عبد الله الأصبهاني ثنا أبو محمد بن حبان ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا العيص بن إسحاق قال : سمعت الفضيل يقول : تزينت لهم بالصوف فلم ترهم يرفعوك بك رأسا تزينت لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا تزينت لهم بشيء يعد شيء كل ذلك إنما هو لحب الدنيا أنبأنا ابن الحصين قال نا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أبو حفص بن شاهين قال ثنا إسماعيل بن علي قال ثنا الحسن بن علي بن شبيب قال ثنا أحمد بن أبي الحواري قال : قال أبو سليمان : يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم ونصف وشهوته في قلبه بخمسة دراهم أما يستحي أن يجاوز شهوته لباسه ولو ستر زهده بثوبين أبيضين من أبصار الناس كان أسلم له قال أحمد بن الحواري قال لي سليمان بن أبي سليمان - وكان يعدل بأبيه : أي شيء أرادوا بلباس الصوف ؟ قلت : التواضع قال : لا يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري نا عبد الله بن أحمد السمرقندي ثنا أبو بكر الخطيب نا الحسن بن الحسين العالي نا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح ثنا روح بن عبد المجيب ثنا أحمد بن عمر بن يونس قال : أبصر الثوري رجلا صوفيا فقال له الثوري هذا بدعة
أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد المنعم بن عمر ثنا أحمد بن محمد بن زياد قال : سمعت أبا داود يقول : قال سفيان الثوري لرجل عليه صوف : لباسك هذا بدعة أنبأنا زاهر بن طاهر أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي نا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال أخبرني محمد بن عمر ثنا محمد بن المنذر قال سمعت أحمد بن شداد يقول : سمعت الحسن بن الربيع يقول : سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا - أكره هذا أكره هذا أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ني عبد الواحد بن بكر ثنا علي بن أبي عثمان بن زهير ثنا عثمان بن أحمد ثنا الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارس يقول : دخل علي الموصلي على المعافي - وعليه جبة من صوف - فقال له : ما هذه الشهرة يا أبا الحسن ؟ فقال : يا أبا مسعود أخرج أنا وأنت فانظر أينا أشهر فقال له المعافي : ليس شهرة البدن كشهرة اللباس أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر المقري نا ظاهر بن أحمد نا علي بن محمد بن بشران عثمان بن أحمد الدقاق ثنا الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول : دخل بديل على أيوب السختياني وقد مد على فراشه سبنية حمراء تدفع التراب فقال بديل : ما هذا ؟ فقال أيوب : هذا خير من الصوف الذي عليك أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق قال أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه ثنا علان بن أحمد ثنا حبيب بن الحسن ثنا الفضل بن أحمد ثنا محمد بن يسار قال : سمعت بشر بن الحارث - وسئل عن لبس الصوف - فشق عليه وتبين الكراهة في وجهه ثم قال : لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار قال أخبرنا أبي نا الحسين بن علي الطناجيري نا أحمد بن منصور البرسري ثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن منصور ثني يزيد السقا رفيق محمد بن إدريس الأنباري قال : رأيت فتى عليه مسوح قال : فقلت له من لبس هذا من العلماء من فعل هذا من العلماء ؟ قال : قد رآني بشر بن الحارث فلم ينكر علي قال يزيد فذهبت إلى بشر فقلت له : يا أبا نصر رأيت فلانا عليه جبة مسوح فأنكرت عليه فقال : قد رآني أبو نصر فلم ينكر علي ! قال : فقال لي بشر : لم تستشرني يا أبا خالد لو قلت له لقال لي : لبس فلان ولبس فلان
أخبرنا أحمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الصوفي ثنا ابن روزبة ثنا عبد الله بن أحمد بن نصر القنطري ثنا إبراهيم بن محمد الإمام ثنا هشام بن خالد قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول لرجل لبس الصوف : إنك أظهرت آلة الزاهدين فماذا أورثك هذا الصوف ؟ فسكت الرجل فقال له : يكون ظاهرك قطنيا وباطنك صوفيا
أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط نا الحسن بن الحسين بن حمكان سمعت أبا الحسن بن عثمان بن عبد ربه البزار يقول : سمعت أبا بكر بن الزيات البغدادي يقول : سمعت ابن سيرويه يقول : دخل أبو محمد بن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن ابن بشار وعليه جبة صوف فقال له أبو الحسن : يا أبا محمد صوفت قلبك وجسمك صوف قلبك والبس القوهي على القوهي
أخبرنا عبد الوهاب ابن المبارك الحافظ نا جعفر بن أحمد بن السواح نا عبد العزيز بن حسن الضراب قال : حدثنا أبي ثنا أحمد بن مروان ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ثنا أحمد بن سعيد قال : سمعت النضر بن شميل يقول : قلت لبعض الصوفية : تبيع جبتك الصوف ؟ فقال : إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد ؟
قال أبو جعفر بن جرير الطبري : ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء
( فصل )
قال المصنف : وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون ويتخيرون أجودها للجمعة والعيدين ولقاء الإخوان ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحا
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه [ أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد فقال لرسول الله صضص : لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك فقال رسول الله صضص : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ] فما أنكر عليه ذكر التجمل بها وإنما أنكر عليه لكونها حريرا
قال المصنف رحمه الله : وقد ذكرنا عن أبي العالية أنه قال : كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي أنبأنا الحسن بن علي الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن عون عن محمد قال : كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباسا مرتفعا وقد اشترى تمتم الداري حلة بألف ولكنه كان يصلي بها قال ابن سعد وأخبرنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا أيوب عن محمد بن سيرين أن تميما الداري اشترى حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل إلى صلاته قال وحدثنا عفان قال : حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت أن تميما الداري كانت له حلة قد ابتاعها بألف كان يلبسها الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر وأخبرنا الفضل بن دكين ثنا همام عن قتادة أن ابن سيرين أخبره أن تميما الداري اشترى رداء بألف فكان يصلي بأصحابه فيه
قال المصنف رحمه الله قلت : وقد كان ابن مسعود من أجود الناس ثوبا وأطيبهم ريحا وكان الحسن البصري يلبس الثياب الجياد قال كلثوم بن جوشن : خرج الحسن وعليه جبة يمنية ورداء يمني فنظر إليه فرقد فقال : يا أستاذ لا ينبغي لمثلك أن يكون هكذا فقال الحسن : يا ابن أم فرقد أما علمت أن أكثر أصحاب النار أصحاب الأكسية وكان مالك بن أنس يلبس الثياب العدنية الجياد
وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار وقد كانوا يؤثرون البذاذة إلى حد وربما لبسوا خلقان الثياب في بيوتهم فإذا خرجوا تجملوا ولبسوا مالا يشتهرون به من الدون ولا من الأعلى أخبرنا أحمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد علي العجلي ثنا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين الصوفي ثنا ابن روزبة ثنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحراني ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا محمد بن خلف ثنا عيسى بن حازم قال : كان لباس إبراهيم بن أدهم كتانا قطنا فروة لم أر عليه ثياب صوف ولا ثياب شهرة
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال : سمعت محمد بن إبراهيم يقول : سمعت محمد بن ريان يقول : رأى علي ذو النون خفا أحمر فقال : انزع هذا يا بني فإنه شهرة ما لبسه رسول الله صضص إنما لبس النبي خفين أسودين ساذجين أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الكريم بن محمد المحاملي نا علي بن عمر الدارقطني نا أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم نا أبو سعيد عبد الله بن شبيب المدني ثني الزبير عن أبي عرنة الأنصاري عن فليج بن سليمان عن الربيع بن يونس قال : قال أبو جعفر المنصور : العري الفادح خير من الزي الفاضح

(1/239)


اللباس الذي يظهر الزهد
قال المصنف : واعلم أن اللباس الذي يزري بصاحبه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر وكأنه لسان شكوى من الله عز و جل ويوجب احتقار اللابس وكل ذلك مكروه ومنهي عنه
أخبرنا محمد بن ناصر نا علي بن الحصين بن أيوب نا أبو علي بن شاذان ثنا أبو بكر بن سليمان النجاد ثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد القرشي ثنا عبد الله بن عمر القواريري ثنا هشام بن عبد الملك ثنا شعبة عن ابن إسحاق عن الأحوص عن أبيه قال : أتيت رسول الله صضص وأنا قشف الهيئة فقال : هل لك مال قلت : نعم قال : من أي المال قلت : من كل المال قد آتاني الله عز و جل من الإبل والخيل والرقيق والغنم قال : فإذا آتاك الله عز و جل مالا فلير عليك
أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا مسكين بن بكير ثني الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : [ أتانا رسول الله صضص زائرا في منزلي فرأى رجلا شعثا فقال : أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال : أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه ]
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا نا أبو عمر محمد العباس بن حياة ثنا أبو بكر بن الأنباري ثني أبي ثنا أبو عكرمة الضبي ثنا مسعود بن بشر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال : مضى علي بن أبي طالب إلى الربيع بن زياد يعوده فقال له : يا أمير المؤمنين أشكو إليك عاصما أخي قال : ما شأنه ؟ قال : ترك الملاذ ولبس العباءة فغم أهله وأحزن ولده فقال : علي عاصما فلما حضر بش في وجهه وقال : أترى الله أحل لك الدنيا وهو يكره أخذك منها أنت والله أهون على الله من ذلك فوالله لابتذالك نعم الله بالفعال ! أحب إليه من ابتذالك بالمقال فقال : يا أمير المؤمنين إني أراك تؤثر لبس الخشن وأكل الشعير فتنفس الصعداء ثم قال : ويحك يا عاصم إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يتبيع بالفقير فقره قال أبو بكر الأنباري : المعنى لئلا يزيد ويغلو يقال : تبيع به الدم إذا زاد وجاوز الحد

(1/247)


تجريد اللباس
قال المصنف : فإن قال قائل تجويد اللباس هوى للنفس وقد أمرنا بمعاهدتها وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق فالجواب : أنه ليس كل ما تهواه النفس يذم ولا كل التزين للناس يكره وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو كان على وجه الرياء في باب الدين فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا وذلك حظ النفس ولا يلام فيه ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشن إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم
أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي نا علي بن محمد بن العلاف نا عبد الملك بن محمد بن بشران نا أحمد بن إبراهيم الكندي نا محمد بن جعفر الخرائطي ثنا بنان بن سليمان ثنا عبد الرحمن بن هانئ عن العلاء بن كثير عن مكحول عن عائشة قالت : [ كان نفر من أصحاب رسول الله صضص ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم وفي الدار ركوة فيها ماء فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته فقلت : يا رسول الله وأنت تفعل هذا ! قال نعم إذا خرج الرجل إلى أخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال ]
أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا عبد المحسن بن محمد بن علي ثنا مسعود بن ناصر بن أبي زيد نا أبو إسحاق بن محمد بن أحمد نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه نا الحسن بن سفيان ثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله العرزمي عن أبيه عن أم كلثوم عن عائشة قالت : [ خرج رسول الله صضص فمر بركوة لنا فيها ماء فنظر إلى ظله فيها ثم سوى لحيته ورأسه ثم مضى فلما رجع قلت له : يا رسول الله تفعل هذا ؟ قال : وأي شيء فعلت ؟ نظرت في ظل الماء فهيأت من لحيتي ورأسي إنه لا بأس أن يفعله الرجل المسلم إذا خرج إلى إخوانه أن يهيئ من نفسه ]
قال المصنف رحمه الله : فإن قيل فما وجه ما رويتم عن سري السقطي أنه قال : لو أحسست بإنسان يدخل علي فقلت كذا بلحيتي - وأمر يده على لحيته كأنه يريد أن يسويها من أجل دخول الداخل عليه - لخشيت أن يعذبني الله على ذلك بالنار فالجواب : إن هذا محمول منه على أنه كان يقصد بذلك الرياء في باب الدين من إظهار التخشع وغيره فأما إذا قصد تحسين صورته لئلا يرى منه ما لا يستحسن فإن ذلك غير مذموم فمن اعتقده مذموما فما عرف الرياء ولا فهم المذموم
أخبرنا سعد الخير بن محمد الأنصاري نا علي بن عبد الله بن محمد النيسابوري نا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي نا محمد بن عيسى بن عمرويه ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثني يحيى بن حماد قال : أخبرنا شعبة عن أبان بن تغلب عن فضيل الفقيمي عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي صضص قال : [ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل : إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال : إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ] انفرد به مسلم ومعناه الكبر كبر من بطر الحق وغمط بمعنى ازدرى واحتقر
( فصل )
وقال المصنف رحمه الله : وقد كان في الصوفية من يلبس الثياب المرتفعة أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر نا علي بن الحسن بن جحاف قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء كان أبو العباس بن عطاء يلبس المرتفع من البز كالدبيقي ويسبح بسبح اللؤلؤ ويؤثر ما طال من الثياب
قال المصنف رحمه الله : قلت وهذا في الشهرة كالمرقعات وإنما ينبغي أن تكون ثياب أهل الخير وسطا فانظر إلى الشيطان كيف يتلاعب بهؤلاء بين طرفي نقيض
( فصل )
قال المصنف رحمه الله : وقد كان الصوفية من إذا لبس ثوبا خرق بعضه وربما أفسد الثوب الرفيع القدر أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا الحسن بن غالب المقري قال : سمعت عيسى بن علي الوزير يقول : كان ابن مجاهد يوما عن أبي فقيل له الشبلي فقال : يدخل فقال ابن مجاهد : سأسكته الساعة بين يديك وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا فلما جلس قال له ابن مجاهد يا أبا بكر أين في العلم فساد ما ينتفع به ؟ فقال له الشبلي : أين في العلم { فطفق مسحا بالسوق والأعناق } قال فسكت ابن مجاهد فقال له أبي : أردت أن تسكته فأسكتك ثم قال له : قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت فأين في القرآن إن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ قال : فسكت ابن مجاهد فقال له أبي : قل يا أبا بكر فقال : قولته تعالى : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم } فقال ابن مجاهد : كأنني ما سمعتها قط
قال المصنف رحمه الله : قلت هذه الحكاية أنا مرتاب بصحتها لأن الحسن بن غالب كان لا يوثق به أخبرنا القزاز نا أبو بكر الخطيب قال : ادعى الحسن بن غالب أشياء تبين لنا فيها كذبه واختلافه فإن كانت صحيحة فقد أبانت عن قلة فهم الشبلي حين احتج بهذه الآية وقلة فهم ابن مجاهد حين سكت عن جوابه وذلك أن قوله : { فطفق مسحا بالسوق والأعناق } لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد
والمفسرون قد اختلفوا في معنى الآية فمنهم من قال مسح على أعناقها وسوقها وقال : أنت في سبيل الله فهذا إصلاح ومنهم من قال : عقرها وذبح الخيل وأكل لحمها جائز فما فعل شيئا فيه جناح فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإن لا يجوز ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل ولا يكون في شرعنا أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ أنبأنا محمد بن أحمد بن أبي الصقر ثنا علي بن الحسن بن جحاف الدمشقي قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء : كان مذهب أبي علي الروزبادي تخريف أكمامه وتفتيق قميصه قال : فكان يخرق الثوب المثمن فيرتدي بنصفه ويأتزر بنصفه حتى أنه دخل الحمام يوما وكان عليه ثوب ولم يكن مع أصحابه ما يأتزرون به فقطعه على عددهم فاتزروا به وتقدم إليهم أن يدفعوا الخرق إذا خرجوا للحمامي
قال ابن عطاء : قال لي أبو سعيد الكازروني : كنت معه في هذا اليوم وكان الرداء الذي قطعه يقوم بنحو ثلاثين دينارا
قال المصنف رحمه الله : ونظير هذا التفريط ما أنبأنا به زاهر بن طاهر قال : أنبأنا أبو بكر البيهقي نا أبو عبد الله الحاكم قال : سمعت عبد الله بن يوسف يقول : سمعت أبا الحسن البوشنجي يقول : كانت لي قبجة طلبت بمائة درهم فحظرني ليلة غريبان فقلت للوالدة : عندك شيء لضيفي ؟ قالت : لا إلا الخبز فذبحت القبجة وقدمتها إليهما
قال المصنف رحمه الله : قد كان يمكنه أن يستقرض ثم يبيعها ويعطي فلقد فرط أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت جدي يقول : دخل أبو الحسن الدراج البغدادي الري وكان يحتاج إلى لفاف لرجله فدفع إليه رجل منديلا ديبقيا فشقه نصفين وتلفف به فقيل له : لو بعته واشتريت منه لفافا وأنفقت الباقي فقال رحمه الله : أنا لا أخون المذهب
قال المصنف : وقد كان أحمد الغزالي ببغداد فخرج إلى المحول فوقف على ناعورة تأن فرمى طيلسانه عليها فدارت فتقطع الطيلسان قال المصنف رجمه الله : قلت فانظر إلى هذا الجهل والتفريط والبعد من العلم فإنه قد صح عن رسول الله صضص أنه نهى عن إضاعة المال ولو أن رجلا قطع دينارا صحيحا وأنفقه كان عند الفقهاء مفرطا فكيف بهذا التبذير المحرم ونظير هذا تمزيقهم الثياب المطروحة عند الوجد على ما سيأتي ذكره إن شاء الله ثم يدعون أن هذه الحالة لا خير في حالة تنافي الشرع أفتراهم عبيد نفوسهم أن أمروا أن يعلموا بآرائهم فإن كانوا عرفوا أنهم يخالفون الشرع بفعلهم هذا ثم فعلوه إنه لعناد وإن كانوا لا يعرفون فلعمري إنه لجهل شديد
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد ربه الحافظ قال : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله الرازي يقول : لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه ففتح أبو عثمان عينه وقال : يا بني خلاف السنة في الظاهر ورياء باطن في القلب

(1/248)


المبالغة في تقصير الثياب
قال المصنف : وفي الصوفية من يبالغ في تقصير ثوبه وذلك شهرة أيضا أخبرنا ابن الحصين نا ابن النذهب ثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا محمد بن أبي عدي عن العلاء عن أبيه أنه سمع أبا سعيد سئل عن الإزار فقال : سمعت رسول الله صضص يقول : [ إزار المسلم إلى إنصاف الساقين لا جناح أو لا حرج عليه ما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من ذلك فهو النار ] أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : كتب إلي عبد الرزاق عن معمر قال : كان في قميص أيوب بعض التذييل فقيل له فقال : الشهرة اليوم في التشمير
وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال : دخلت يوما على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وعلي قميص أسفل من الركبة وفوق الساق فقال : أي شيء هذا ؟ وأنكره وقال : هذا بالمرة لا ينبغي

(1/253)


من الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة
قال المصنف : وقد كان في الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة وهذا أيضا شهرة لأنه على خلاف لباس أهل البلد وكل ما فيه شهرة فهو مكروه أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار نا أبي الحسين بن علي نا أحمد بن منصور البوسري ثنا محمد بن مخلد ثني محمد بن يوسف قال : قال عباس بن عبد العظيم العنبري قال بشر بن الحارث : إن ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة وعليه قلنسوة فنظر الناس ليس عليهم قلانس فأخذها فوضعها في كمه

(1/253)


تخصيص ثياب للصلاة وثياب للخلاء
قال المصنف : وقد كان في الصوفية من استكثر من الثياب وسوسة فيجعل للخلاء ثوبا وللصلاة ثوبا وقد روي هذا عن جماعة منهم أبو يزيد وهذا لا بأس به إلا أنه ينبغي خشية أن يتخذ سنة
أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الوهاب ثنا محمد بن إسحاق النيسابوري ثنا محمد بن الصباح ثنا حاتم يعني ابن إسماعيل ثني جعفر عن أبيه أن علي بن الحسين قال : يا بني لو اتخذت ثوبا للغائط رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب ثم أتيته فقال : ما كان لرسول الله صضص ولا لأصحابه إلا ثوب فرفضه

(1/254)


الثوب الواحد
قال المصنف : وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد زهدا في الدنيا وهذا أحسن إلا أنه إذا أمكن اتخاذ ثوب للجمعة والعيد كان أصلح وأحسن أخبرنا عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حياة نا إبراهيم بن حريم بن حميد ثني ابن أبي شيبة ثنا محمد بن عمر عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال : خطبنا رسول الله صضص في يوم جمعة فقال : [ ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته ]
أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف الحساب نا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن سعد نا محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال محمد بن عمر وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضا ببعض ذلك قالوا كان لرسول الله صضص برد يمينه وإزار من نسج عمان فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد ثم يطويان

(1/254)


ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم
قال المصنف رحمه الله : قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية فأمرهم بتقليل المطعم وخشونته ومنعهم شرب الماء البارد فلما بلغ إلى المتأخرين استراح من التعب واشتغل بالتعجب من كثرة أكلهم ورفاهية عيشهم

(1/255)


ذكر طرف مما فعله قدماؤهم
قال المصنف رحمه الله : كان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته وفيهم من يتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن فروي لنا عن سهل بن عبد الله أنه كان في بدايته يشتري بدرهم دبسا وبدرهمين سمنا وبدرهم دقيق الأرز فيخلطه ويجعله ثلاثمائة وستين كرة فيفطر كل ليلة على واحدة وحكى عنه أبو حامد الطوسي قال : كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق التبين مدة ثلاث سنين واقتات بثلاث دراهم في ثلاث سنين أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه ثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي ثني أبو عبد الله الحصري قال سمعت أبا جعفر الحداد يقول : أشرف علي أبو تراب يوما وأنا على بكرة ماء ولي ستة عشر يوما ولم آكل شيئا ولم أشرب فيها ماء فقال : ما جلوسك ههنا فقلت أنا بين العلم واليقين وأنا أنظر من يغلب فأكون معه فقال سيكون لك شأن أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا ابن أبي صادق ثنا ابن باكيوه نا عبد العزيز بن الفضل ثنا علي بن عبد الله العمري ثنا محمد بن فليح ثني إبراهيم بن البنا البغدادي قال : صحبت ذا النون من أخميم إلى الإسكندرية فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي وقلت : هلم فقال لي : ملحك مدقوق قلت نعم قال لست تفلح فنظرت إلى مزوده فإذا فيه قليل سويق شعير يستف منه
أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا عبد العزيز ابن علي الأزجي نا ابن جهضم ثنا محمد بن عيسى بن هارون الدقاق ثنا أحمد بن أنس بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول : الزبد بالعسل إسراف قال ابن جهضم وحدثنا محمد يوسف البصري قال سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول : بلغ أبا عبد الله الزبيري وزكريا الساجي وابن أبي أوفى أن سهل بن عبد الله يقول : أنا حجة الله على الخلق فاجتمعوا عنده فأقبل عليه الزبيري فقال له : بلغنا أنك قلت ( أنا حجة الله على الخلق ) فبماذا ؟ أنبي أنت ؟ أصديق أنت ؟ قال سهل : لم أذهب حيث تظن ولكن إنما قلت هذا لأخذي الحلال فتعالوا كلكم حتى نصحح الحلال قالوا فأنت قد صححته ؟ قال نعم قال وكيف ؟ قال سهل : قسمت عقلي ومعرفتي وقوتي على سبعة أجزاء فأتركه حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء ويتلف معه نفسي حفت أن أكون قد أعنت عليها وقتلتها دفعت إليها من البلغة ما يرد الستة الأجزاء
أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال أخبرني أبو عبد الله بن مفلح قال خبرني أبي أخبرني أبو عبد الله بن زيد قال لي : منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعاما إلا في وقت ما أحل الله لها الميتة أخبرنا ابن ناصر نا أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي ثني أبو الحسن علي بن محمد القوهي ثنا عيسى بن آدم ابن أخي أبي زيد قال : جاء رجل إلى أبي يزيد قال : أريد أن أجلس في مسجدك الذي أنت فيه قال لا تطيق ذلك فقال : إن رأيت أن توسع لي في ذلك فأذن له فجلس يوما لا يطعم فصبر فلما كان في اليوم الثاني قال له يا أستاذ لا بد مما لا بد منه فقال : يا غلام لا بد من الله قال : يا أستاذ نريد القوت قال : يا غلام القوت عندنا إطاعة الله فقال : يا أستاذ أريد شيئا يقيم جسدي في طاعته عز و جل فقال : يا غلام إن الأجسام لا تقوم إلا بالله عز و جل
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا : نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ قال : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا عثمان الآدمي يقول : سمعت إبراهيم الخواص يقول : حدثني أخ لي كان يصحب أبا تراب نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر البطيخ وكان قد طوى ثلاثة أيام فقال له : تمد يدك إلى قشر البطيخ أنت لا يصلح لك التصوف إلزم السوق أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا القاسم القيرواني يقول : سمعت بعض أصحابنا يقول : أقام أبو الحسن النصيبي بالحرم أياما مع أصحاب لهم سبعة لم يأكلوا فخرج بعض أصحابه ليتطهر فرأى قشر بطيخ فأخذه فأكله فرآه إنسان فأتبعه بشيء وجاء برفق فوضعه بين يدي القوم فقال الشيخ : من جنى منكم هذه الجناية فقال الرجل أنا وجدت قشر بطيخ فأكلته فقال كن مع جنايتك ومع هذا الرفق وخرج من الحرم ومعه أصحابه وتبعه الرجل فقال : ألم أقل لك كن مع جنايتك فقال الرجل أنا تائب إلى الله تعالى مما جرى مني فقال الشيخ : لا كلام بعد التوبة
أخبرنا عمر بن ظفر نا ابن السراج نا أبو القاسم الأزجي نا أبو الحسن بن جهضم ثنا إبراهيم بن محمد الشنوزي قال سمعت بنان بن محمد يقول : كنت بمكة مجاورا فرأيت بها إبراهيم الخواص وأتى علي أيام لم يفتح علي بشيء وكان بمكة مزين يحب الفقراء وكان من أخلاقه إذا جاءه الفقير يحتجم اشترى له لحما فطبخه فأطعمه فقصدته وقلت أريد أن أحتجم فأرسل من يشتري لحما وأمر بإصلاحه وجلست بين يديه فجعلت نفسي تقول : ترى يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة ثم استيقظت وقلت : يا نفس إنما جئت تحتجمين لتطعمي عاهدت الله تعالى ألا ذقت من طعامه شيئا فلما فرغ انصرفت فقال : سبحان الله أنت تعرف الشرط فقلت : ثم عقد : فسكت وجئت المسجد الحرام ولم يقدر لي شيء آكله فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار ولم يتفق أيضا فلما قمت لصلاة العصر سقطت وغشي علي واجتمع حولي ناس وحسبوا أني مجنون فقام إبراهيم وفرق الناس وجلس عندي يحدثني ثم قال : تأكل شيئا ؟ قلت قرب الليل فقال : أحسنتم يا مبتدئون اثبتوا على هذا تفلحوا ثم قام فلما صلينا العشاء الآخرة إذا هو قد جاءني ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان ودورق ماء فوضعه بين يدي وقال : كل ذلك فأكلت الرغيفين والعدس فقال : فيك فضل تأكل شيئا آخر قلت نعم فمضى وجاء بقصعة عدس ورغيفين فأكلتهما وقلت قد اكتفيت فاضطجعت فما قمت ليلتي ونمت إلى الصباح ما صليت ولا طفت
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي قال سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول : سمعت منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول سمعت أبا علي الروزباري يقول : إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق وامروه بالكسب أنبأنا عبد المنعم ثنا أبي قال سمعت ابن باكويه يقول سمعت أبا أحمد الصغير يقول : أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب لإفطاره فأشفقت عليه ليلة فحملت إليه خمسة عشر حبة فنظر إلي وقال من أمرك بهذا وأكل عشر حبات وترك الباقي أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه قال : سمعت عبد الله بن خفيف يقول : كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرا أفطر كل ليلة بكف باقلاء فمضيت يوما فافتصدت فخرج من عرقي شبه ماء اللحم وغشي علي فتحير الفصاد وقال : ما رأيت جسدا لا دم فيه إلا هذا

(1/255)


الامتناع عن أكل اللحم
قال المصنف : وقد كان فيهم قوم لا يأكلون اللحم حتى قال بعضهم أكل درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحا وكان فيهم من يمتنع من الطيبات كلها ويحتج بما أخبرنا به علي بن عبد الواحد الدينوري نا أبو الحسن القزويني نا أبو حفص بن الزيات ثنا ابن ماجة ثنا أزهر بن جميل ثنا بزيغ عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت : [ قال رسول الله صضص : احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق بها ] وفيهم من كان يمتنع من شرب الماء الصافي وفيهم من يمتنع من شرب الماء البارد فيشرب الحار ومنهم من كان يجعل ماءه في دن مدفون في الأرض فيصير حارا ومنهم من يعاقب نفسه بترك الماء مدة وأخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي قال : سمعت عبد الواحد بن بكر الورياني ثني محمد بن سعدان ثني عيسى بن موسى البسطامي قال : سمعت أبي يقول : قال سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول : ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة قال : وأسهل ما لاقت نفسي مني أني سألتها أمرا من الأمور فأبت فعزمت أن لا أشرب الماء سنة فما شربت الماء سنة وحكى أبو حامد الغزالي عن أبي يزيد أنه قال : دعوت نفسي إلى الله عز و جل فجمحت فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك
( فصل )
قال المصنف : وقد رتب أبو طالب المكي للقوم ترتيبات في المطاعم فقال : استحب للمريد ألا يزيد على رغيفين في يوم وليلة قال : ومن الناس من كان يعمل في الأقوات فيقلها : وكان بعضهم يزن قوته بكربة من كرب النخل وهي تجف كل يوم قليلا فينقص من قوته بمقدار ذلك قال ومنهم من كان يعمل في الأوقات فيأكل كل يوم ثم يتدرج إلى يومين وثلاثة قال والجوع ينقص دم الفؤاد فيبيضه وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقته وفي رقته مفتاح المكاشفة
قال المصنف رحمه الله تعالى : وقد صنف لهم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي كتابا سماه رياضة النفوس قال فيه فينبغي للمبتدئ في هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله ثم يفطر فيطعم اليسير ويأكل كسرة كسرة ويقطع الأدام والفواكه واللذة ومجالسة الإخوان والنظر في الكتب وهذه كلها أفراح للنفس فيمنع النفس لذاتها حتى تملئ غما
قال المصنف : وقد أخرج لهم بعض المتأخرين الأربعينية يبقى أحدهم أربعين يوما لا يأكل الخبز ولكنه يشرب الزيوتات ويأكل الفواكه الكثيرة اللذيذة فهذه نبذة من ذكر أفعالهم في مطاعمهم يدل مذكورها على مغفلها

(1/259)


فصل : - في بيان تلبيس إبليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح الخطأ فيها
قال المصنف رحمه الله : أما ما نقل عن سهل ففعل لا يجوز لأنه حمل على النفس ما لا تطيق ثم إن الله عز و جل أكرم الآدميين بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم فلا تصلح مزاحمة البهائم في أكل التبن وأي غذاء في التبن ومثل هذه الأشياء أشهر من أن تحتاج إلى رد وقد حكى أبو حامد عن سهل أنه كان يرى أن صلاة الجائع الذي قد أضعفه الجوع قاعدا أفضل من صلاته قائما إذا قواه الأكل
قال المصنف رحمه الله : وهذا خطأ بل إذا تقوى على القيام كان أكله عبادة لأنه يعين على العبادة وإذا تجوع إلى أن يصلي قاعدا فقد تسبب إلى ترك الفرائض فلم يجز له ولو كان التناول ميتة ما جاز هذا فكيف وهو حلال ثم أي قربة في هذا الجوع المعطل أدوات العبادة
وأما قول الحداد وأنا أنظر أن يغلب العلم أم اليقين فإنه جهل محض لأنه ليس بين العلم واليقين تضاد إنما اليقين أعلى مراتب العلم وأين من العلم واليقين ترك ما تحتاج إليه النفس من المطعم والمشرب وإنما أشار بالعلم إلى ما أمره الشرع وأشار باليقين إلى قوة الصبر وهذا تخليط قبيح وهؤلاء قوم شددوا فيما ابتدعوا وكانوا كقريش في تشددهم حتى سموا بالحمس فجحدوا الأصل وشددوا في الفرع وقول الآخر ملحك مدقوق لست تفلح من أقبح الأشياء وكيف يقال عمن استعمل ما أبيح له لست تفلح وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج
وقو الآخر الزبد بالعسل إسراف قول مرذول لأن الإسراف ممنوع منه شرعا وهذا مأذون في وقد صح عن رسول الله صضص أنه كان يأكل القثاء بالرطب وكان يحب الحلوى والعسل وأما ما روينا عن سهل أنه قال قسمت قوتي وعقلي سبعة أجزاء ففعل يذم به ولا يمدح عليه إذ لم يأمر الشرع بمثله وهو إلى التحريم أقرب لأنه ظلم للنفس وترك لحقها وكذلك قول الذي قال : ما أكلت إلى وقت أن يباح لي أكل الميتة : فإنه فعل برأيه المرذول وحمل على النفس مع وجود الحلال وقول أبي زيد : القوت عندنا لله كلام ركيك فإن البدن قد بني على الحاجة إلى الطعام حتى أن أهل النار في النار يحتاجون إلى الطعام وأما التقبيح على من أخذ قشر البطيخ بعد الجوع الطويل فلا وجه له والذي طوى ثلاثا لم يسلم من لوم الشرع وكذلك الذي عاهد أن لا يأكل حين احتجم حتى وقع في الضعف فإنه فعل ما لا يحل له وقول إبراهيم له أحسنتم يا مبتدئون خطأ أيضا فإنه ينبغي أن يلزمه بالفطر ولو كان في رمضان إذ من له أيام لم يأكل وقد احتجم وغشي عليه لا يجوز له أن يصوم
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت ثني الأزهري ثنا علي بن عمر ثنا أبو حامد الحضرمي ثنا عبد الرحمن بن يونس السواح ثنا بقية بن الوليد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صضص : [ من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر فمات دخل النار ]
قال المصنف رحمه الله : قلت كل رجاله ثقات وقد أخبرنا به عاليا محمد بن عبد الباقي نا أبو يعلى محمد بن الحسين نا علي بن عمر السكري ثنا أحمد بن محمد الأسدي ثنا عبد الرحمن بن يونس فذكره وقال : [ من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر دخل النار ]
قال المصنف رحمه الله : وأما تقليل ابن خفيف ففعل قبيح لا يستحسن وما يورد هذا الأخبار عنهم إيرادا مستحسنا لها إلا جاهل بأصول الشرع فأما العالم المتمكن فإنه لا يهوله قول معظم فكيف بفعل جاهل مبرسم وأما كونهم لا يأكلون اللحم فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان والله عز و جل أعلم بمصالح الأبدان فأباح اللحم لتقويتها فأكل اللحم يقوي القوة وتركه يضعفها ويسيء الخلق وقد كان رسول الله صضص يأكل اللحم ويحب الذراع من الشاة ودخل يوما فقدم إليه طعام من طعام البيت فقال : [ لم أر لكم برمة تفور ] وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحما وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم لأجل الفقر وأما من منع نفسه الشهوات فإن هذا على الإطلاق لا يصلح لأن الله عز و جل لما خلق بني آدم على الجرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وجعل صحته موقوفة على تعادل الإخلاط الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء فتارة يزيد بعض الأخلاط فتميل الطبيعة إلى ما ينقصه مثل أن تزيد الصفراء فيميل الطبع إلى الحموضة أو ينقص البلغم فتميل النفس إلى المرطبات فقد ركب في الطبع الميل إلى ما تميل إليه النفس وتوافقه فإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوبلت حكمة الباري سبحانه وتعالى يردها ثم يؤثر ذلك في البدن فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل
ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ وإنما قلت علوم هؤلاء فتكلموا بآرائهم الفاسدة فإن أسندوا فإلى حديث ضعيف أو موضوع أو يكون فهمهم منه رديئا ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى أنه قال لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه إلى الجماع أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه
قال المصنف رحمه الله : وهذا قبيح في الغاية فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل إداما والماء شهوة أخرى أو ليس في الصحيح أن رسول الله صضص طاف على نسائه بغسل واحد فهلا اقتصر على شهوة واحدة أو ليس في الصحيحين أن رسول الله صضص كان يأكل القثاء بالرطب وهاتان شهوتان أو ما أكل عند أبي الهيتم بن التيهان خبزا وشواء وبسرا وشرب ماء باردا أو ما كان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم فيصلي أو ما تعلف الفرس الشعير والتبن والقت وتطعم الناقة الخبط والحمض وهل البدن إلا ناقة وإنما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدوام لئلا يتخذ ذلك عادة فيحوج إلى كلفة وإنما تجتنب فضول الشهوات لئلا يكون سببا لكثرة الأكل وجلب النوم ولئلا تتعود فيقل الصبر عنها فيحتاج الإنسان إلى تضييع العمر في كسبها وربما تناولها من غير وجهها وهذا طريق السلف في ترك فضول الشهوات والحديث الذي احتجوا به ( احرموا أنفسكم طيب الطعام ) حديث موضوع عملته يدا بزيغ الراوي وأما إذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه لأن خبز الشعير يابس مجفف والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة وضيقها وقد حكى يوسف الهمداني عن شيخه عبد الله الحوفي أنه كان يأكل خبز البلوط بغير إدام وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئا من الدهن والدسومات فلا يفعل
قال المصنف رحمه الله : وهذا يورث القولنج الشديد واعلم أن المذموم من الأكل إنما هو فرط الشبع وأحسن الآداب في المطعم أدب الشارع صضص أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن حمكان ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا سليمان بن سليم الكناني ثنا يحيى بن جابر الطائي قال : سمعت المقدام بن معدي كرب يقول : سمعت رسول الله صضص يقول : [ ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه ]
قال المصنف رحمه الله : قلت فقد أمر الشرع بما يقيم النفس حفظا لها وسعيا في مصلحتها ولو سمع أبقراط هذه القسمة في قوله ( ثلث وثلث وثلث ) لدهش من هذه الحكمة لأن الطعام والشراب يربوان في المعدة فيتقارب ملئها فيبقى للنفس من الثلث قريب فهذا أعدل الأمور فإن نقص منه قليلا لم يضر وإن زاد النقصان أضعف القوة وضيق المجاري على الطعام

(1/260)


الصوفية والجوع
قال المصنف رحمه الله : واعلم أن الصوفية إنما يأمرون بالتقلل شبانهم ومبتدئيهم ومن أضر الأشياء على الشاب الجوع فإن المشايخ يصبرون عليه والكهول أيضا فأما الشبان فلا صبر لهم على الجوع وسبب ذلك أن حرارة الشباب شديدة فلذلك يجود هضمه ويكثر تحلل بدنه فيحتاج إلى كثرة الطعام كما يحتاج السراج الجديد إلى كثرة الزيت فإذا صابر الشاب الجوع وتئبته في أول النشوء قمع نشوء نفسه فكان كمن يعرقب أصول الحيطان ثم تمتد يد المعدة لعدم الغذاء إلى أخذ الفضول المجتمعة في البدن فتغذيه بالأخلاط فيفسد الدهن والجسم وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمل
( فصل )
قال المصنف رحمه الله : وذكر العلماء التقلل الذي يضعف البدن أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن جعفر الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد هارون الخلال نا عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب الجيلي قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال له عقبة بن مكرم : هؤلاء الذين يأكلون قليلا ويقللون من مطعمهم فقال : ما يعجبني سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : فعل قوم هذا فقطعهم عن الفرض قال الخلال : وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة ثنا إسحق بن داود بن صبيح قال : قلت لعبد الرحمن بن مهدي : يا أبا سعيد إن ببلدنا قوما من هؤلاء الصوفية فقال : لا تقرب هؤلاء فإنا قد رأينا من هؤلاء قوما أخرجهم الأمر إلى الجنون وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة ثم قال : خرج سفيان الثوري في سفر فشيعته وكان معه سفرة فيها فالوذج وكان فيها حمل قال الخلال : وأخبرني المروزي قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وقال له رجل : إني منذ خمس عشرة سنة قد ولع بي إبليس وربما وجدت وسوسة أتفكر في الله عز و جل فقال : لعلك كنت تذمن الصوم افطر وكل دسما وجالس القصاص
قال المصنف رحمه الله : وفي هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرديئة ويهجر الدسم فيجتمع في معدته أخلاط فجة فتغتذي المعدة منها مدة لأن المعدة لا بد لها من شيء تهضمه فإذا هضمت ما عندها من الطعام ولم تجد شيئا تناولت الأخلاط فهضمتها وجعلتها غذاء وذلك الغذاء الرديء يخرج إلى الوساوس والجنون وسوء الأخلاق
وهؤلاء المتقللون يتناولون مع التقلل أردأ المأكولات فتكثر أخلاطهم فتشتغل المعدة بهضم الأخلاط ويتفق لهم تعود التقلل بالتدريج فتضيق المعدة فيمكنهم الصبر عن الطعام أياما ويعينهم على هذا قوة الشباب فيعتقدون الصبر عن الطعام كرامة وإنما السبب مع عرفتك وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم قال : حدثني أبي قال : كانت امرأة قد طعنت في السن فسئلت عن حالها فقالت : كنت في حال الشباب أجد من نفسي أحوالا أظنها قوة الحال فلما كبرت زالت عني فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب فتوهمتها أحوالا قال : سمعت أبا علي الدقاق يقول : ما سمع أحد هذه الحكاية من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز وقال إنها كانت منصفة
وقال المصنف : فإن قيل كيف تمنعون من التقلل وقد رويتم أن عمر رضي الله عنه كان يأكل كل يوم إحدى عشرة لقمة وأن ابن الزبير كان يبقى أسبوعا لا يأكل وإن إبراهيم التميمي بقي شهرين قلنا : قد يجري للإنسان من هذا الفن في بعض الأوقات غير أنه لا يدوم عليه ولا يقصد الترقي إليه وقد كان السلف من يجوع عوزا وفيهم من كان الصبر له عادة لا يضر بدنه وفي العرب من يبقى أياما لا يزيد على شرب اللبن ونحن لا نأمر بالشبع إنما ننهى عن جوع يضعف القوة ويؤذي البدن وإذا ضعف البدن قلت العبادة فإن حملت البدن قوة الشباب جاء الشيب فأقذع بالراكب وقد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا عبد القادر بن يوسف نا أبو إسحق البرمكي ثنا أبو يعقوب بن سعد النسائي ثنا جدي الحسن بن سفيان ثنا حرملة بن يحيى ثنا عبد الله بن وهب ثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن أنس عن إسحق بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه قال : كان يطرح لعمر بن الخطاب رضي الله عنه الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلا وخبزا حوارى فقيل له : هذا كله تأكله ؟ فقال : إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال

(1/265)


ماء الشرب
قال المصنف رحمه الله : وأما الشرب من الماء الصافي فقد تخيره رسول الله صضص أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صضص أتى قوما من الأنصار يعود مريضا فاستسقى وجدول قريب منه فقال : [ إن كان عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا ] - أخرجه البخاري - وأخبرنا منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو عمر بن مهدي ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا محمد بن عمرو بن أبي مدعور ثنا عبد العزيز بن محمد نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها : « أن رسول الله صضص كان يستقي له الماء العذب من بئر السقيا »
قال المصنف : وينبغي أن يعلم أن الماء الكدر يولد الحصا في الكلى والسدد في الكبد وأما الماء البارد فإنه إذا كانت برودته معتدلة فإنه يشد المعدة ويقوي الشهوة ويحسن اللون ويمنع عفن الدم وصعود البخارات إلى الدماغ ويحفظ الصحة وإذا كان الماء حارا أفسد الهضم وأحدث الترهل وأذبل البدن وأدى إلى الاستسقاء والدق فإن سخن بالشمس خيف منه البرض وقد كان بعض الزهاد يقول : إذا أكلت الطيب وشربت الماء البارد متى تحب الموت وكذلك قال أبو حامد الغزالي : إذا أكل الإنسان ما يستلذه قسا قلبه وكره الموت وإذا منع نفسه شهواتها وحرمها لذاتها اشتهت نفسه الإفلات من الدنيا بالموت
قال المصنف رحمه الله : واعجبا كيف يصدر هذا الكلام من فقيه ! أترى لو تقلبت النفس في أي فن كان من التعذيب ما أحبت الموت ثم كيف يجوز لنا تعذيبها وقد قال عز و جل : { لا تقتلوا أنفسكم } ورضي منا بالإفطار في السفر رفقا بها وقال : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } أو ليست مطيتنا التي عليها وصولنا
( وكيف لا نأوي لها وهي التيبها قطعنا السهل والحزونا )
وأما معاقبة أبي يزيد نفسه بترك الماء سنة فإنها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلا الجهال ووجه ذمها أن للنفس حقا ومنع الحق مستحقه ظلم ولا يحل للإنسان أن يؤذي نفسه ولا أن يقعد في الشمس في الصيف بقدر ما يتأذى ولا في الثلج في الشتاء والماء يحفظ الرطوبات الأصلية في البدن وينفذ الأغذية وقوام النفس بالأغذية فإذا منعها أغذية الآدميين ومنعها الماء فقد أعان عليها وهذا أفحش الخطأ وكذلك منعه إياها النوم قال ابن عقيل : وليس للناس إقامة العقوبات ولا استيفاؤها من أنفسهم يدل عليه أن إقامة الإنسان الحد على نفسه لا يجزي فإن فعله أعاده الإمام وهذه النفوس ودائع الله عز و جل حتى أن التصرف في الأموال لم يطلق لأربابها إلا على وجوه مخصوصة
قال المصنف رحمه الله : قلت وقد روينا في حديث الهجرة أن النبي صضص تزود طعاما وشرابا وأن أبا بكر فرش له في ظل صخرة وحلب له لبنا في قدح ثم صب ماء على القدح حتى برد أسفله وكل ذلك من الرفق بالنفس وأما ما رتبه أبو طالب المكي فحمل على النفس بما يضعفها وإنما يمدح الجوع إذا كان بمقدار وذكر المكاشفة من الحديث الفارغ وأما ما صنفه الترمذي فكأن ابتداء شرع برأيه الفاسد وما وجه صيام شهرين متتابعين عند التوبة وما فائدة قطع الفواكه المباحة وإذا لم ينظر في الكتب فبأي سيرة يقتدي وأما الأربعينية فحديث فارغ رتبوه على حديث لا أصل له من أخلص لله أربعين صباحا لم يجب الإخلاص أبدا فما وجه تقديره بأربعين صباحا ثم لو قدرنا ذلك فالإخلاص عمل القلب فما بال المطعم ثم ما الذي حسن منع الفاكهة ومنع الخبز وهل هذا كله إلا جهل وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال : حجج السوفية من أظهر من حجج كل أحد وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب لأن الناس إما أصحاب نقل وأثر وإما أرباب عقل وفكر وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة والذي للناس غيب فلهم ظهور فهم أهل الوصال والناس أهل الاستدلال فينبغي لمريدهم أن يقطع العلائق وأولها الخروج من المال ثم الخروج من الجاه وأن لا ينام إلا غلبة وأن يقلل غذاءه بالتدريج
قال المصنف رحمه الله : قلت من له أدنى فهم يعرف أن هذا الكلام تخليط فإن من خرج عن النقل والعقل فليس بمعدود في الناس وليس أحد من الخلق إلا وهو مستدل وذكر الوصال حديث فارغ فنسأل الله عز و جل العصمة من تخليط المريدين والأشياخ والله الموفق

(1/267)


ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم
أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط ثنا الحسن بن الحسين بن حمكان ثنا عبدان بن يزيد العطار وأخبرنا محمد بن أبي منصور أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه ثنا محمد بن أحمد الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى البرورجردي ثنا عمير بن مرداس قالا حدثنا محمد بن بكير الحضرمي ثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال : جاء عثمان بن مظعون إلى النبي صضص فقال : [ يا رسول الله غلبني حديث النفس فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر لك ذلك فقال رسول الله صضص : وما تحدثك نفسك يا عثمان ؟ قال : تحدثني نفسي أن أختصي فقال : مهلا يا عثمان فإن خصي أمتي الصيام قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن أترهب في الجبال قال : مهلا يا عثمان فإن ترهب أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض قال مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مالي كله قال : مهلا يا عثمان فإن صدقتك يوما بيوم وتكف نفسك وعيالك وترحم المسكين واليتيم وتطعمه أفضل من ذلك قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي قال : مهلا يا عثمان فإن هجرة أمتي من هجر ما حرم الله عليه أو هاجر إلي في حياتي أو زار قبري بعد موتي أو مات وله امرأة امرأتان أو ثلاث أو أربع قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها قال : مهلا يا عثمان فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله فإن لم يكن من قوعته تلك ولد كان له وصيف في الجنة فإن كان من وقعته تلك ولد فإن مات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة وإن كان بعده كان له نورا يوم القيامة قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال : مهلا يا عثمان فإني أحب اللحم وآكله إذا وجدته ولو سألت ربي أن يطعمني إياه كل يوم لأطعمني قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أمس طيبا قال : مهلا يا عثمان فإن جبريل أمرني بالطيب غبا ويوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي ]
قال المصنف رحمه الله : هذا حديث عمير بن مرداس
أخبرنا محمد بن أبي طاهر الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسن بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا الفضل بن دكين ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن أبي بردة قال : دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صضص فرأينها سيئة الهيئة فقلن لها : مالك فما في قريش رجل أغنى من بعلك قالت : ما لنا منه شيء أما ليله فقائم وأما نهاره فصائم فدخلن إلى النبي صضص فذكرن ذلك له فلقيه فقال : [ يا عثمان أمالك بي أسوة ؟ فقال : بأبي وأمي أنت وما ذاك ؟ قال : تصوم النهار وتقوم الليل قال : إني لأفعل قال : لا تفعل إن لعينك عليك حقا وإن لجسدك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فصل ونم وصم وأفطر ] قال ابن سعد : وأخبرنا عارم بن الفضل ثنا حماد بن زيد ثنا معاوية بن عباس الحرمي عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتا فقعد يتعبد فيه فبلغ ذلك النبي صضص فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه وقال : [ يا عثمان إن الله عز و جل لم يبعثني بالرهبانية - مرتين أو ثلاثا - وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة ]
أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان نا محمد بن سهل ثنا البخاري قال : قال موسى بن إسماعيل بن حماد بن زيد مسلم ثنا أبو معاوية بن قرة عن كهمس الهلالي قال : أسلمت وأتيت النبي صضص فأخبرته بإسلامي فمكثت حولا ثم أتيته وقد ضمرت ونحل جسمي فخفض في البصر ثم صعده قلت : أما تعرفني ؟ [ قال : ومن أنت ؟ قلت : أنا كهمس الهلالي قال : فما بلغ بك ما أرى ؟ قلت : ما أفطرت بعدك نهارا ولا نمت ليلا قال : ومن أمرك أن تعذب نفسك ؟ صم شهر الصبر ومن كل شهر يوما قلت : زدني قال : صم شهر الصبر ومن كل شهر يومين قلت : زدني قال : صم شهر الصبر ومن كل شهر ثلاثة أيام ]
أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ثنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوري نا أبو أحمد محمد بن الغطريف ثنا أبو بكر الذهبي ثنا حميد بن الربيع ثنا عبدة بن حميد عن الأعمش عن جرير بن حازم عن أيوب عن أبي قلابة بلغ به صضص أن ناسا من أصحابه احتموا النساء واللحم اجتمعوا فذكرنا ترك النساء واللحم فأعدوا فيه وعيدا شديدا وقال : [ لو كنت تقدمت فيه لفعلت ثم قال : إني لم أرسل بالرهبانية إن خير الدين الحنيفية السمحة ]
قال المصنف رحمه الله : وقد روينا في حديث آخر عن النبي صضص أنه قال : [ إن الله عز و جل يحب أن يرى آثار نعمته على عبده في مأكله ومشربه ] وقال : بكر بن عبد الله : من أعطي خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله عز و جل ومن أعطي خيرا فلم ير عليه سمي بغيض الله عز و جل معاديا لنعمة الله عز و جل
( فصل )
قال المصنف رحمه الله : وهذا الذي نهينا عنه من التقلل الزائد في الحد قد انعكس في صوفية زماننا فصارت همتهم في المأكل كما كانت همة متقدميهم في الجوع لهم الغذاء والعشاء والحلوى وكل ذلك أو أكثره حاصل من أموال وسخة وقد تركوا كسب الدنيا وأعرضوا عن التعبد وافترشوا فراش البطالة فلا همة لأكثرهم إلا الأكل واللعب فإن أحسن محسن منهم قالوا : طرح شكرا وإن أساء مسيء قالوا : استغفر ويسمون ما يلزمه إياه واجبا وتسمية ما لم يسمه الشرع واجبا جناية عليه أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الحافظ النيسابوري ثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا أحمد بن سلمة ثنا محمد بن عبدوس السراج البغدادي قال : قام أبو مرحوم القاضي بالبصرة يقص على الناس فأبكى فلما فرغ من قصصه قال من يطعمنا إرزة في الله فقام شاب من المجلس فقال أنا فقال اجلس يرحمك الله فقد عرفنا موضعك ثم قام الثانية ذلك الشاب فقال اجلس فقد عرفنا موضعك فقام الثالثة فقال أبو مرحوم لأصحابه قوموا بنا إليه فقاموا معه فأتوا منزله قال فأتينا بقدر من باقلاء فأكلنا بلا ملح ثم قال أبو مرحوم علي بخوان خماسي وخمس مكاكيك أرز وخمسة أمنان سمن وعشرة أمنان سكر وخمسة أمنان صنوبر وخمسة أمنان فستق فجيء بها كلها فقال أبو مرحوم لأصحابه : يا إخواني كيف أصبحت الدنيا ؟ قالوا : مشرق لونها مبيضة شمسها أخرقوا فيها أنهارها قال فأتى بذلك السمن فأجرى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيضة شمسها مجراة فيها أنهارها فقال يا إخواني اغرسوا فيها أشجارها قال فأتى بذلك الفستق والصنوبر فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال : يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا : مشرق لونها مبيض شمسها مجرى فيها أنهارها وقد غرست فيها أشجارها وقد تدلت لنا ثمارها قال : يا إخواني ارموا الدنيا بحجارتها قال : فأتى بذلك السكر فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال : يا إخواني كيف أصبحت الدنيا ؟ قالوا : مشرق لونها مبيضة شمسها وقد أجريت فيها أنهارها وقد غرست فيها أشجارها وقد تدلت لنا ثمارها فقال يا إخواني : ما لنا وللدنيا اضربوا فيها براحتها قال : فجعل الرجل يضرب فيها براحته ويدفعه بالخمس قال أبو الفضل أحمد بن سلمة ذكرته لأبي حاتم الرازي فقال إمله علي فأمليته عليه فقال : هذا شأن الصوفية
قال المصنف رحمه الله : قلت وقد رأيت منهم من إذا حضر دعوة بالغ في الأكل ثم اختار من الطعام فربما ملأ كمية من غير إذن صاحب الدار وذلك حرام بالإجماع ولقد رأيت شيخا منهم قد أخذ شيئا من الطعام ليحمله معه فوثب صاحب الدار فأخذه منه

(1/270)


ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد
قال المصنف رحمه الله : اعلم أن سماع الغناء يجمع شيئين أحدهما : أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته والثاني : أنه يميله إلى اللذات العاجلة التي تدعو إلى استيفائها من جميع الشهوات الحسية ومعظمها النكاح وليس تمام لذته إلا في المتجددات ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحل فلذلك يحث على الزنا فبين الغناء والزنا تناسب من جهة أن الغناء لذة الروح والزنا لذة أكبر لذات النفس ولهذا جاء في الحديث : الغناء رقية الزنا وقد ذكر أبو جعفر الطبري أن الذي اتخذ الملاهي رجل من ولد قابيل يقال له ثوبال اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان فانهمك ولد قابيل في اللهو وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث فنزل منهم قوم وفشت الفاحشة وشرب الخمور
قال المصنف رحمه الله : وهذا لأن الالتذاذ بشيء يدعو إلى التذاذه بغيره خصوصا ما يناسبه ولما يئس إبليس أن يسمع من المتعبدين شيئا من الأصوات المحرمة كالعود نظر إلى المغني الحاصل بالعود فدرجه ضمن الغناء بغير العود وحسنه لهم وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد فإن النظر إلى الأمرد مباح إن أمن ثوران الشهوة فإن لم يؤمن لم يجز وتقبيل الصبية التي لها من العمر ثلاث سنين جائز إذ لا شهوة تقع هناك في الأغلب فإن وجد شهوة حرم ذلك وكذلك الخلوة بذوات المحارم فإن خيف من ذلك حرم فتأمل هذه القاعدة

(1/274)


رأي الصوفية في الغناء
قال المصنف رحمه الله : وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الإباحة وفصل الخطاب أن نقول ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك والغناء اسم يطلق على أشياء منها غناء الحجيج في الطرقات فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام وربما ضربوا مع إنشادهم بطبل فسماع تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال وفي معنى هؤلاء الغزاة : فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكة قول قائلهم :
( بشرها دليلها وقالاغدا ترين الطلح والجبالا )
وهذا يحرك الإبل والآدمي إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن الاعتدال وأصل الحداء ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البنا نا أبو جعفر بن المسلمة نا المخلص نا أحمد بن سليمان الطوسي ثنا الزبير بن بكار ثني إبراهيم بن المنذر ثنا أبو البحتري وهب عن طلحة المكي عن بعض علمائهم أن رسول الله صضص مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم فقال : [ إن حادينا نام فسمعنا حاديكم فملت إليكم فهل تدرون أني كان الحداء ؟ قالوا : لا والله قال إن أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجد إبله قد تفرقت فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح يا يداه يا يداه فسمعت الإبل ذلك فعطفت عليه ] فقال مضر : لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت فاشتقت الحداء
قال المصنف رحمه الله : وقد كان لرسول الله صضص حاد يقال له أنجشة يحدو فتعنق الإبل فقال رسول الله صضص : [ يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير ] وفي حديث سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول الله صضص إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنياتك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقول يقول :
( لا هم لولا أنت ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينا )
( فألقين سكينة عليناوثبت الأقدام إذ لاقينا )
قال رسول الله صضص : من هذا السائق ؟ قالوا : عامر بن الأكوع فقال : يC
قال المصنف رحمه الله : وقد روينا عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به
قال المصنف رحمه الله : ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله صضص عليهم
( طلع البدر علينامن ثنيات الوداع )
( وجب الشكر عليناما دعا لله داع )
ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم في المدينة وربما ضربوا عليه بالدف عند إنشاده ومنه ما أخبرنا به ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي ثني الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تضربان بدفين ورسول الله صضص مسجى عليه بثوبه - فانتهرهما أبو بكر - فكشف رسول الله صضص عن وجهه وقال : [ دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد ] أخرجاه في الصحيحين
قال المصنف رحمه الله : والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله صضص يسرب إليها الجواري فيلعبن معها وقد أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحق البرمكي أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرنا منصور بن الوليد بن جعفر بن محمد حدثهم قال : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث الزهري عن عروة عن عائشة عن جوار يغنين - أي شيء من هذا الغناء قال : غناء الركب : أتيناكم أتيناكم قال الخلال وحدثنا أحمد بن فرج الحمصي ثنا يحيى بن سعيد ثنا أبو عقيل عن نهبة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها فقال رسول الله صضص : [ يا عائشة إن الأنصار أناس فيهم غزل فما قلت ؟ قالت : دعونا بالبركة قال : أفلا قلتم :
( أتيناكم أتيناكمفحيونا نحييكم )
( ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم )
( ولولا الحبة السمراء لم تسمن عذاريكم ) ]
أخبرنا أبو الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن أجلح عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صضص لعائشة رضي الله عنها : [ أهديتم الجارية إلى بيتها ؟ قالت : نعم قال : فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول :
( أتيناكم أتيناكمفحيونا نحييكم )
فإن الأنصار قوم فيهم غزل ]
قال المصنف رحمه الله : فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم :
( يا غاديا في غفلة ورائحاإلى متى تستحسن القبائحا )
( وكم إلى كم لا تخاف موقفايستنطق الله به الجوارحا )
( يا عجبا منك وأنت مبصركيف تجنبت الطريق الواضحا )
فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس نا المظفر بن الحسن الهمداني نا أبو بكر بن لالي ثنا الفضل الكندي قال سمعت عبدوس يقول سمعت أبا حامد الخلفاني يقول لأحمد بن حنبل : يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها ؟ فقال : مثل أي شيء ؟ قلت : يقولون :
( إذا ما قال لي ربيأما استحييت تعصيني )
( وتخفي الذنب من خلقيوبالعصيان تأتيني )
فقال : أعد علي فأعدت عليه فقام ودخل بيته ورد الباب - فسمعت نحيبه من داخل وهو يقول :
( إذا ما قال لي ربيأما استحييت تعصيني )
( وتخفي الذنب من خلقيوبالعصيان تأتيني )
ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح يثيرون بها الأحزان والبكاء فينهي عنها لما في ضمنها
فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر :
( ذهبي اللون تحسب منوجنتيه النار تقتدح )
( خوفوني من فضيحتهليته وافى وأفتضح )
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال وتثير حب الهوى ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد والدف بالجلاجل والشبابة النائبة عن الزمر فهذا الغناء المعروف اليوم
( فصل )
قال المصنف رحمه الله : وقبل أن نتكلم في إباحته أو تحريمه أو كراهته نقول : ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وأخوانه ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدمة التي يطلق عليها اسم الغناء فلا يحمل الكل محملا واحدا فيقول قد أباحه فلان وكرهه فلان فنبدأ بالكلام في النصيحة للنفس والأخوان فنقول :
معلوم أن طباع الآدميين تتقارب ولا تكاد تتفاوت فإذا ادعى الشاب السليم البدن الصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثر عنده ولا تضره في دينه كذبناه لما نعلم من استواء الطباع - فإن ثبت صدقه عرفنا أن به مرضا خرج به عن حيز الاعتدال فإن تعلل فقال : إنما أنظر إلى هذه المستحسنات معتبرا فأتعجب من حسن الصنعة في دعج العينين ورقة الأنف ونقاء البياض قلنا له في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة وههنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة ولا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة فإن ميل الطبع شاغل عن ذلك وكذا من قال : إن هذا الغناء المطرب المزعج للطباع المحرك لها إلى العشق وحب الدنيا لا يؤثر عندي ولا يلفت قلبي إلى حب الدنيا الموصوفة فيه - فإنا نكذبه لموضع اشتراك الطباع ثم إن كان قلبه بالخوف من الله عز و جل غائبا عن الهوى لأحضر هذا المسموع الطبع وإن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف وأقبح القبيح البهرجة ثم كيف تمر البهرجة على من يعلم السر وأخفى
ثم إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوف فينبغي أن لا نبيحه إلا لمن هذه صفته والقوم قد أباحوه على الإطلاق للشاب المبتدئ والصبي الجاهل حتى قال أبو حامد الغزالي : إن التشبيب بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد وسائر أوصاف النساء الصحيح أنه لا يحرم
قال المصنف رحمه الله : فأما من قال إني لا أسمع الغناء للدنيا وإنما آخذ منه إشارات فهو يخطئ من وجهين أحدهما أن الطبع يسبق إلى مقصوده قبل أخذ الإشارات فيكون كمن قال : إني أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لا تفكر في الصنعة - والثاني أنه يقل فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق وقد جل الخالق تبارك وتعالى أن يقال في حقه أنه يعشق ويقع الهيمان به وإنما نصيبنا من معرفته الهيبة والتعظيم فقط وإذ قد انتهت النصيحة فنذكر ما قيل في الغناء

(1/275)


مذهب الإمام أحمد
أما مذهب الإمام أحمد رحمه الله : فإن كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد إلا أنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال : الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي أنه سئل عن استماع القصائد فقال : أكرهه هو بدعة ولا يجالسون وروى عنه أبو الحارث أنه قال : التغيير بدعة فقيل له : أنه يرقق القلب فقال هو بدعة وروى عنه يعقوب الهاشمي : التغيير بدعة محدث وروى عنه يعقوب بن غياث أكره التغيير وأنه نهى عن استماعه
قال المصنف : فهذه الروايات كلها دليل على كراهية الغناء قال أبو بكر الخلال : كره أحمد القصائد لما قيل له أنهم يتماجنون ثم روى عنه ما يدل على أنه لا بأس بها قال المروزي : سألت أبا عبيد الله عن القصائد فقال : بدعة فقلت له : إنهم يهجرون فقال : لا يبلغ بهم هذا كله
قال المصنف : وقد روينا أن أحمد سمع قوالا عند ابنه صالح فلم ينكر عليه فقال له صالح : يا أبت أليس كنت تنكر هذا ؟ فقال : إنما قيل لي أنهم يستعملون المنكر فكرهته فأما هذا فإني لا أكرهه قال المصنف رحمه الله : قلت وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء وإنما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات
وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد ويدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال : لا تباع على أنها مغنية فقيل : له إنها تساوي ثلاثين ألف درهم ولعلها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا فقال : لا تباع إلا على أنها ساذجة
قال المصنف : وإنما قال هذا لأن الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهديات بل بالأشعار المطربة المثيرة للطبع إلى العشق وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي صضص : عندي خمر لأيتام فقال : أرقها فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع أموال اليتامى وروى المروزي عن أحمد بن حنبل أنه قال : كسب المخنث خبيث يكسبه بالغناء وهذا لأن المخنث لا يغني بالقصائد الزهدية إنما يغني بالغزل والنوح فبان من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها تتعلق بالزهديات الملحنة فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس من الزيادات

(1/280)


مذهب الإمام مالك
قال المصنف : وأما مذهب مالك بن أنس رحمه الله فأخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال وأخبرنا عاليا سعيد بن الحسن بن البنا نا أبو نصر محمد بن محمد الدبيثي نا أبو بكر محمد بن عمر الوراق نا محمد بن السري بن عثمان التمار قالا أخبرنا عبد الله بن أحمد عن أبيه عن إسحاق بن عيسى الطباع قال : سألت مالك بن أنس عن ما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال : إنما يفعله الفساق
أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري قال أنبأنا أبو الطيب الطبري قال : أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال : إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده فإنه حكى زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا

(1/282)


مذهب أبي حنيفة
وأما مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب الطبري قال : كان أبو حنيفة يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ ويجعل سماع الغناء من الذنوب قال : وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة : إبراهيم والشعبي وحماد وسفيان الثوري وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك قال ولا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه إلا ما روى عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا

(1/282)


مذهب الشافعي
وأما مذهب الشافعي رحمة الله عليه قال : حدثنا إسماعيل بن أحمد نا أحمد بن الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني ثنا محمد بن عبد الرحمن ثنا أحمد بن محمد بن الحارث ثنا محمد بن إبراهيم بن جياد ثنا الحسن بن عبد العزيز الحروي قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول : خلفت بالعراق شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغيير يشغلون به الناس عن القرآن
قال المصنف رحمه الله : وقد ذكر أبو منصور الأزهري : المغيرة قوم يغيرون بذكر الله بدعاء وتضرع وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر في ذكر الله عز و جل تغييرا كأنهم إذا شاهدوها بالألحان طربوا ورقصوا فسموا مغيرة لهذا المعنى وقال الزجاج : سموا مغيرين لتزهيدهم الناس في الفاني من الدنيا وترغيبهم في الآخرة وحدثنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال : قال الشافعي : الغناء مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه شهادته قال : وكان الشافعي يكره التغيير قال الطبري : فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري وقد قال رسول الله صضص : [ عليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار ] وقال : [ من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية ]
قال المصنف : قلت وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي رضي الله عنهم ينكرون السماع وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلال وأما أكابر المتأخرين فعلى الإنكار منهم أبو الطيب الطبري وله في ذم الغناء والمنع كتاب مصنف حدثنا به عنه أبو القاسم الحريري ومنهم القاضي أبو بكر محمد بن مظفر الشامي أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي عنه قال : لا يجوز الغناء ولا سماعه ولا الضرب بالقضيب قال : ومن أضاف إلى الشافعي هذا فقد كذب عليه وقد نص الشافعي في كتاب أدب القضاء على أن الرجل إذا دام على سماع الغناء ردت شهادته وبطلت عدالته
قال المصنف رحمه الله : قلت فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم وإنما رخص في ذلك متأخريهم من قل علمه وغلبه هواه وقال الفقهاء : من أصحابنا لا تقبل شهادة المغني والرقاص والله الموفق

(1/282)


فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما
قال المصنف : وقد استدل أصحابنا بالقرآن والسنة والمعنى فأما الاستدلال من القرآن فثلاث آيات الآية الأولى قوله عز و جل : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالا نا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر بن عبدان ثنا عبد الله بن منيع ثنا عبد الله بن عمر ثنا صفوان بن عيسى قال : قال حميد الخياط أخبرنا عن عمار بن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء قال : سألت ابن مسعود عن قول الله عز و جل : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو والله الغناء أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر الحافظ قالا نا طراد بن محمد نا أبي بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا زهير بن حرب ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو الغناء وأشباهه
أخبرنا عبد الله بن محمد الحاكم ويحيى بن علي المدبر قالا نا أبو الحسين بن النقور نا ابن حياة ثنا البغوي ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن بن مسلم عن مجاهد : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : الغناء أخبرنا ابن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا أحمد بن جعفر بن مسلم نا أحمد بن محمد الخالق ثنا أبو بكر المروزي ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبدة ثنا إسماعيل عن سعيد بن يسار قال : سألت عكرمة عن لهو الحديث قال الغناء وكذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم النخعي
الآية الثانية قوله عز و جل : { وأنتم سامدون } أخبرنا عبد الله بن علي نا طراد بن محمد نا ابن بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا عبيد الله بن عمر ثنا يحيى بن سعد عن سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس : { وأنتم سامدون } قال : هو الغناء بالحميرية : سمد لنا غنى لنا وقال مجاهد : هو الغناء يقول أهل اليمن : سمد فلان إذا غنى
الآية الثانية قوله عز و جل : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك } أخبرنا موهوب بن أحمد نا ثابت بن بندار نا عمر بن إبراهيم الزهري نا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي ثنا الحسين بن الكميت ثنا محمد بن نعيم بن القاسم الجرمي عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } قال : هو الغناء والمزامير
أما السنة : أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول : يا نافع أتسمع ؟ فأقول : نعم فيمضي حتى قلت : لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال : رأيت رسول الله صضص سمع زمارة راع فصنع مثل هذا
قال المصنف رحمه الله : إذا كان هذا فعلتهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل زمان وزمورهم أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا الحسين بن محمد النصيبي ثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد ثنا أبو بكر بن الأنباري ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار ثنا ابن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : نهى رسول الله صضص عن شراء المغنيات وبيعهن وتعليمهن وقال ثمنهن حرام وقرأ : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين }
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا أبو منصور محمد بن محمد المقري نا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران نا عمر بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي ثنا منصور بن أبي الأسود عن أبي الملهب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : نهى رسول الله صضص عن بيع المغنيات وعن التجارة فيهن وعن تعليمهن الغناء وقال ثمنهن حرام وقال في هذا أو نحوه أو قال شبهه نزلت علي : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } وقال : [ ما من رجل يرفع عقيرة صوته للغناء إلا بعث الله له شيطانين يرتدفانه فإنه أعني هذا من ذا الجانب وهذا من ذا الجانب ولا يزالان يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت ] وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي صضص أنه قال : [ إن الله عز و جل حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها ثم قرأ : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ] وروى عبد الرحمن بن عوف عن النبي صضص أنه قال : [ إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة وصوت عند مصيبة ]
أخبرنا ظفر بن علي نا أبو علي أحسن بن أحمد المقتدي نا أبو نعيم الحافظ نا حبيب بن الحسن بن علي بن الوليد ثنا محمد بن كليب ثنا خلف بن خليفة عن إبان المكتب عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال : دخلت مع رسول الله صضص فإذا ابنه إبراهيم يجود نفسه فأخذه رسول الله صضص فوضعه في حجره ففاضت عيناه فقلت : يا رسول أتبكي وتنهانا عن البكاء ؟ فقال : [ لست أنهي عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند ونغمة لعب ولهو ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة ضرب وجه وشق جيوب ورنة شيطان ]
أخبرنا عبد الله المقري نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن محمد بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا محمد بن سويد الطحان ثنا عاصم بن علي ثنا عبد الرحمن بن ثابت عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن نحام الثقة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صضص قال : [ بعثت بهدم المزمار والطبل ]
أخبرنا ابن الحصين نا أبو طالب بن عيلان نا أبو بكر الشافعي ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية ثنا عباد بن يعوق ثنا موسى بن عمير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي قال : قال رسول الله صضص : [ بعث بكسر المزامير ] أخبرنا أبو الفتح الكروجي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي قالا نا الجراحي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا صالح بن عبد الله ثنا الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صضص : [ إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء فذكر منها إذا اتخذت القيان المعازف ] قال الترمذي : وحدثنا علي بن حجر نا محمد بن يزيد عن المستلم بن سعيد عن رميح الجذامي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صضص : [ إذا اتخذ اتخذ الفيء دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وتعلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع ] وقد روي عن سهل بن سعد عن النبي صضص أنه قال : [ يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ ] قيل : يا رسول الله متى ؟ قال : [ إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر ]
أنبأنا أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري في كتاب السنن لابن ماجة قال : نا أبو العباس أحمد بن محمد الأسدابادي نا أبو منصور المقومي نا أبو طلحة القاسم بن المنذر نا أبو الحسن بن إبراهيم القطان ثنا محمد بن يزيد بن ماجة ثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني ثنا عبد الرزاق أخبرني يحيى بن العلاء أنه سمع مكحولا يقول أنه سمع يزيد بن عبد الله يقول أنه سمع صفوان بن أمية قال كنا مع رسول الله صضص فجاء عمرو بن قرة فقال يا رسول الله إن الله عز و جل قد كتب علي الشفوة فما أراني أرزق إلا من دفي بكفي فاذن لي في الغناء في غير فاحشة فقال له رسول الله صضص : [ لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة عين كذبت يا عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك وفعلت قم عني وتب إلى الله عز و جل أما أنك لو قلت بعد التقدمة إليك ضربتك ضربا وجيعا وحلقت رأسك مثله ونفيتك من أهلك أحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة ] فقام عمرو وبه من الشر والخزي ما لا يعلمه إلى الله عز و جل فلما ولى قال رسول الله صضص : [ هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله عز و جل عريانا لا يستتر بهدبة كلما قام صرع ]
وأما الآثار فقال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب في القلب كما ينبت الماء البقل وقال : إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه الشيطان وقال : تغنه فإن لم يحسن قال له : تمنه ومر ابن عمر رضي الله عنه بقوم محرمين وفيهم رجل يتغنى قال : ألا لا سمع الله لكم ومر بجارية صغيرة تغني فقال : لو ترك الشيطان أحدا لترك هذه وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال : أنهاك عنه وأكرهه لك قال : أحرام هو ؟ قال : انظر يا ابن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يجعل الغناء ؟
وعن الشعبي قال : لعن المغني والمغنى له أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر قالا نا طراد بن محمد نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثني الحسين بن عبد الرحمن ثني عبد الله بن الوهاب قال أخبرني أبو حفص عمر بن عبيد الله الأرموري قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمان جل وعز فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعزف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب
ولعمري لتوقي ذلك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه وقال فضيل بن عياض : الغناء رقية الزنا وقال الضحاك : الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب وقال يزيد بن الوليد : يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا
قال المصنف رحمه الله : قلت وكم قد فتنت الأصوات بالغناء من عابد وزاهد وقد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمى بـ ذم الهوى أخبرنا محمد بن ناصر نا ثابت بن بندار نا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال : كان سليمان بن عبد الملك في بادية له فسمر ليلة على ظهر سطح ثم تفرق عنه جلساؤه فدعا بوضوء فجاءت به جارية له فبينما هي تصب عليه إذا استمدها بيده وأشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت فإذا صوت رجل يغني فأنصت له حتى فهم ما يعني به من الشعر ثم دعا جارية من جواريه غيرها فتوضأ فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه فأفاضوا في التليين والتحليل والتسهيل فقال : هل بقي أحد يسمع منه ؟ فقام رجل من القوم فقال : يا أمير المؤمنين عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان قال : وأين منزلك من العسكر ؟ فأومى إلى الناحية التي كان الغناء منها فقال سليمان يبعث إليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان فقال له : ما اسمك ؟ قال : سمير فسأله عن الغناء كيف هو فيه فقال حاذق محكم قال : ومتى عهدك به ؟ قال : في ليلتي هذه الماضية قال : وفي أي نواحي العسكر كنت ؟ فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت قال : فما غنيت ؟ فذكر الشعر الذي سمعه سليمان فأقبل سليمان فقال : هدر الجمل فضبعت الناقة وهب التيس فشكرت الشاة وهدل الحمام فزافت الحمامة وغنى الرجل فطربت المرأة ثم أمر به فخصي
وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون قالوا : بالمدينة وهو في المخنثين هم الحذاق به والأئمة فيه فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن أخصي من قبلك من المخنثين المغنين
قال المصنف رحمه الله : وأما المعنى فقد بينا أن الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال ويغير العقل وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صمته من غيره من تحريك رأسه وتصفيق يديه ودق الأرض برجليه إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة والغناء يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل فينبغي أن يقع المنع منه
أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابن جهضم نا يحيى بن المؤمل ثنا أبو بكر السفاف ثنا أبو سعيد الخراز قال : ذكر عند محمد بن منصور أصحاب القصائد فقال : هؤلاء الفرارون من الله عز و جل لو ناصحوا الله ورسوله وصدقوه لأفادهم في سرائرهم ما يشغلهم عن كثرة التلاقي
أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العبادي قال : قال أبو عبد الله بن بطة العكبري : سألني سائل عن استماع الغناء فنهيته عن ذلك وأعلمته أنه مما أنكرته العلماء واستحسنه السفهاء وإنما تفعله طائفة سموا بالصوفية وسماهم المحققون الجبرية أهل همم دنيئة وشرائع بدعية يظهرون الزهد وكل أسبابهم ظلمة يدعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء يسمعونه من الأحداث والنساء ويطربون ويصعقون ويتغاشون ويتماوتون ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم وشوقهم إليه تعالى الله عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا

(1/284)


في ذكر الشبه التي تعلق بها من أجاز سماع الغناء
فمنها حديث عائشة رضي الله عنها أن الجاريتين كانتا تضربان عندها بدفين وفي بعض ألفاظه : [ دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث فقال أبو بكر : أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صضص ؟ فقال رسول الله صضص : دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا ] وقد سبق ذكر الحديث ومنها حديث عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صضص : [ يا عائشة ما كان معهم من اللهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو ] وقد سبق ومنها حديث فضالة بن عبيد عن النبي صضص أنه قال : [ الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ] قال ابن طاهر : وجه الحجة أنه أثبت تحليل استماع الغناء إذ لا يجوز أن يقاس على محرم ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صضص أنه قال : [ ما أذن الله عز و جل لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ] ومنها حديث حاطب عن النبي صضص أنه قال : [ فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف ]
والجواب : أما حديثا عائشة رضي الله عنها فقد سبق الكلام عليهما وبينا أنهم كانوا ينشدون الشعر وسمي بذلك غناء لنوع يثبت في الإنشاد وترجيع ومثل ذلك لا يخرج الطباع عن الاعتدال وكيف يحتج بذلك الواقع في الزمان السليم عند قلوب صافية على هذه الأصوات المطربة الواقعة في زمان كدر عند نفوس قد تملكها الهوى ما هذا إلا مغالطة للفهم أو ليس قد صح في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لو رأى رسول الله صضص ما أحدث النساء لمنعهن المساجد وإنما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان والسن والبلد ثم يصف على مقدار ذلك وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب إليها النفس وغزليات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والخد والقد والاعتدال فهل يثبت هناك ؟ هيهات بل ينزعج شوقا إلى المستلذ ولا يدعى أنه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حد الآدمية ومن ادعى أخذ الإشارة من ذلك إلى الخالق فقد استعمل في حقه ما لا يليق به على أن الطبع يسبقه إلى ما يجد من الهوى وقد أجاب أبو الطيب الطبري عن هذا الحديث بجواب آخر فأخبرنا أبو القاسم الحريري عنه أنه قال : هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي صضص على أبي بكر قوله وإنما منعه من التغليظ في الإنكار لحسن رفعته لا سيما في يوم العيد وقد كانت عائشة رضي الله عنها صغيرة في ذلك الوقت ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها
قال المصنف رحمه الله : وأما اللهو المذكور في الحديث الآخر فليس بصريح في الغناء فيجوز أن يكون إنشاد الشعر أو غيره وأما التشبيه بالاستماع إلى القينة فلا يمتنع أن يكون المشبه حراما فإن الإنسان لو قال ( وجدت للعسل لذة أكثر من لذة الخمر ) كان كلاما صحيحا وإنما وقع التشبيه بالإصغاء في الحالتين فيكون أحدهما حلالا أو حراما لا يمنع من التشبيه وقد قال عليه الصلاة و السلام : [ إنكم لترون ربكم كما ترون القمر ] فشبه أيضا الرؤية بإيضاح الرؤية وإن كان وقع الفرق بأن القمر في جهة يحيط به نظر الناظر والحق منزه عن ذلك والفقهاء يقولون في ماء الوضوء ( لا ننشف الأعضاء منه لأنه أثر عبادة فلا يسن مسحه كدم الشهيد ) فقد جمعوا بينهما من جهة اتفاقهما في كونهما عبادة وإن افترقا في الطهارة والنجاسة واستدلال ابن طاهر بأن القياس لا يكون إلا على مباح فقيه الصوفية لا علم الفقهاء وأما قوله يتغنى بالقرآن فقد فسره سفيان بن عيينة فقال : معناه يستغني به وفسره الشافعي فقال : معناه يتحزن به ويترنم وقال غيرهما : يجعله مكان غناء الركبان إذا ساروا وأما الضرب بالدف فقد كان جماعة من التابعين يكسرون الدفوف وما كانت هكذا - فكيف لو رأوا هذه - وكان الحسن البصري يقول : ليس الدف من سنة المرسلين في شيء
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : من ذهب به إلى الصوفية فهو خطأ في التأويل على رسول الله صضص وإنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت والذكر في الناس
قال المصنف رحمه الله : قلت ولو حمل على الدف حقيقة على أنه قد قال أحمد بن حنبل : أرجو ألا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا نصر بن أحمد بن النظر نا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله المؤدب ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ثنا عمر بن مرزوق ثنا زهير عن أبي إسحق عن عامر بن سعد الجبلي قال : طلبت ثابت بن سعد وكان بدريا فوجدته في عرس له قال : وإذا جوار يغنين ويضربن بالدفوف فقلت : ألا تنهي عن هذا ؟ قال : لا إن رسول الله صضص رخص لنا في هذا أخبرنا عبد الله بن علي نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا أحمد بن القاسم الطائي ثنا ابن سهم ثنا عيسى بن يونس عن خالد بن إلياس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم عن عائشة قالت : قال رسول الله صضص : [ أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال ( يعني الدف ) ]
قال المصنف رحمه الله : وكل ما احتجوا به لا يجوز أن يستدل به على جواز الغناء المعروف المؤثر في الطباع وقد احتج لهن أقوام مفتونون بحب التصوف بما لاحجة فيه فمنهم أبو نعيم الأصفهاني فإنه قال : كان البراء بن مالك يميل إلى السماع ويستلذ بالترنم
قال المصنف رحمه الله : وإنما ذكر أبو نعيم هذا عن البراء لأنه روى عنه أنه استلقى يوما فترنم فانظر إلى هذا الاحتجاج البارد فإن الإنسان لا يخلو من أن يترنم فأين الترنم من السماع للغناء المطرب
وقد استدل لهم محمد بن طاهر بأشياء لولا أن يعثر على مثلها جاهل فيغتر لم يصلح ذكرها لأنها ليست بشيء فمنها أنه قال في كتابه باب ( الاقتراح على القوال والسنة فيه ) فجعل الاقتراح على القوال سنة واستدل بما روى عمرو بن الشريد عن أبيه قال : استنشدني رسول الله صضص من شعر أمية فأخذ يقول : هي هي حتى أنشدته مائة قافية وقال ابن طاهر ( باب الدليل على استماع الغزل ) قال العجاج : سألت أبا هريرة رضي الله عنه : طاف الخيالات فهاجا سقما فقال أبو هريرة رضي الله عنه : كان ينشد مثل هذا بين يدي رسول الله صضص
قال المصنف رحمه الله : فانظر إلى احتجاج ابن طاهر ما أعجبه كيف يحتج على جواز الغناء بإنشاد الشعر وما مثله إلا كمثل من قال : يجوز أن يضرب بالكف على ظهر العود فجاز أن يضرب بأوتاره أو قال : يجوز أن يعصر العنب ويشرب منه في يومه فجاز أن يشرب منه بعد أيام وقد نسي أن إنشاد الشعر لا يطرب كما يطرب الغناء وقد أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر عن أبيه قال : أخبرنا أبو محمد التميمي قال : سألت الشريف أبا علي بن أبي موسى الهاشمي عن السماع فقال : ما أدري ما أقول فيه غير أني أحضرت ذات يوم شيخنا أبا الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة علمها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين و أبو القاسم الداركي شيخ الشافعيين و أبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث و أبو الحسين ابن شمعون شيخ الوعاظ والزهاد و أبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين وصاحبه أبو بكر بن الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة فقال أبو علي لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة بسنة ومعهم أبو عبد الله غلام وكان يقرأ القرآن بصوت حسن فقيل له قل شيئا فقال : وهم يسمعون
( خطت أناملها في بطن قرطاسرسالة بعبير لا بأنفاس )
( أن زر فديتك قف لي غير محتشمفإن حبك لي قد شاع في الناس )
( فكان قولي لمن أدى رسالتهاقف لي لأمشي على العينين والرأس )
قال أبو علي : فبعدما رأيت هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بحظر ولا إباحة
قال المصنف رحمه الله : وهذه الحكاية إن صدق فيها محمد بن طاهر فإن شيخنا ابن ناصر الحافظ كان يقول : ليس محمد بن طاهر بثقة حملت هذه الأبيات على أنه أنشدها لا أنه غنى بها بقضيب ومخدة إذ لو كان كذلك لذكره ثم فيها كلام مجمل قوله لا يمكنني أن أقول فيها بحظر ولا إباحة لأنه إنن كان مقلدا لهم فينبغي أن يفتي بالإباحة وإن كان ينظر في الدليل فيلزمه مع حضورهم أن يفتي بالحظر ثم بتقدير صحتها أفلا يكون اتباع المذهب أولى من اتباع أرباب المذاهب ! وقد ذكرنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين ما يكفي في هذا وشيدنا ذلك بالأدلة وقال ابن طاهر في كتابه ( باب إكرامهم للقوال وإفرادهم الموضع له ) واحتج بأن النبي صضص رمى بردة كانت عليه إلى كعب بن زهير لما أنشده ( بانت سعاد ) وإنما ذكرت هذا ليعرف قد رفقه هذا الرجل واستنباطه وإلا فالزمان أشرف من أن يضيع بمثل هذا التخليط وأنبأنا أبو زرعة عن أبيه محمد بن طاهر نا أبو سعيد إسماعيل بن محمد الحجاجي ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد المقري ثنا أبي ثنا علي بن أحمد ثنا محمد بن العباس بن بلال قال : سمعت سعيد بن محمد قال : حدثني إبراهيم بن عبد الله وكان الناس يتبركون به قال : حدثنا المزني قال : مررنا مع الشافعي وإبراهيم بن إسماعيل على دار قوم وجارية تغنيهم :
( خليلي ما بال المطايا كأننانراها على الأعقاب بالقوم تنكص )
فقال الشافعي : ميلوا بنا نسمع فلما فرغت قال الشافعي لإبراهيم : أيطربك هذا ؟ قال : لا قال : فما لك حس
قال المصنف رحمه الله : قلت وهذا محال على الشافعي رضي الله عنه وفي الرواية مجهولون وابن طاهر لا يوثق به وقد كان الشافعي أجل من هذا كله ويدل على صحة ما ذكرناه ما أخبرنا به أبو القاسم الحريري عن أبي الطيب الطبري قال : أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا : لا يجوز سواء كانت حرة أو مملوكة قال : وقال الشافعي : وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته ثم غلظ القول فيه فقال : وهو دياثة
قال المصنف رحمه الله : وإنما جعل صاحبها سفيها فاسقا لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا إلى الباطل كان سفيها فاسقا
قال المصنف رحمه الله : قلت وقد أخبرنا محمد بن القاسم البغدادي عن أبي محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : اشترى سعد بن عبد الله الدمشقي جارية قوالة للفقراء وكانت تقول لهم القصائد
قال المصنف رحمه الله : قلت وقد ذكر أبو طالب المكي في كتابه قال : أدركنا مروان القاضي وله جوار يسمعن التلحين وقد أعدهن للصوفية قال : وكانت لعطاء جاريتان تلحنان وكان أخوانه يسمعون التلحين منهما
قال المصنف رحمه الله : قلت أما سعد الدمشقي فرجل جاهل والحكاية عن عطاء محال وكذب وإن صحت الحكاية عن مروان فهو فاسق والدليل على ماقلناه ما ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه وهؤلاء القوم جهلوا العلم فمالوا إلى الهوى وقد أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري قال : أكثر ما التقيت أنا و فارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الابريسمي للسماع من هزارة رحمها الله فإنها كانت من مستورات القوالات
قال المصنف : قلت وهذا أقبح شيء من مثل الحاكم كيف خفي عليه أنه لا يحل له أن يسمع من امرأة ليست بمحرم ثم يذكر هذا في كتاب تاريخ نيسابور وهو كتاب علم من غير تحاش عن ذكر مثله لقد كفاه هذا قد حافى عدالته
قال المصنف رحمه الله : فإن قيل ما تقول فيما أخبركم به إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عمر بن عبد الله نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد نا حنبل بن إسحاق ثنا هرون بن معروف ثنا جرير عن مغيرة قال : كان عون بن عبد الله يقص فإذا فرغ أمر جارية له تقص وتطرب قال المغيرة : فأرسلت إليه أو أردت أن أرسل إليه أنك من أهل بيت صدق وأن الله عز و جل لم يبعث نبيه صضص بالحمق وأن صنيعك هذا صنيع أحمق فالجواب أنا لا نظن بعون أنه أمر الجارية أن تقص على الرجال بل أحب أن يسمعها منفردا وهي ملكه فقال : له مغيرة الفقيه هذا القول وكره أن تطرب الجارية له فما ظنك بمن يسمعن الرجال ويرقصهن ويطربهن وقد ذكر أبو طالب المكي أن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء
قال المصنف رحمه الله : وإنما كان يسمع إنشاد جواريه وقد أردف ابن طاهر الحكاية التي ذكرها عن الشافعي وقد ذكرناها آنفا بحكاية عن أحمد بن حنبل رواها عن طريق عبد الرحمن السلمي قال : حدثنا الحسين بن أحمد قال : سمعت أبا العباس الفرغاني يقول : سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول : كنت أحب السماع وكان أبي أحمد يكره ذلك فوعدت ليلة ابن الخبازة فمكث عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام وأخذ يغني فسمعت حس أبي فوق السطح فصعدت فرأيت أبي فوق السطح يسمع وذيله تحت إبطه يتبخطر على السطح كأنه يرقص
قال المصنف رحمه الله : هذه الحكاية قد بلفتنا من طرق ففي بعض الطرق عن صالح قال : كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي في الزقاق يذهب ويجيء ويسمع إليه وكان بيننا وبينه باب وكان يقف من وراء الباب يستمع
وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أحمد بن علي بن الحسين النوري ثنا يوسف بن عمر القواس قال : سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي أظنه عن عبد الله بن أحمد قال : كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي ينهاني عن التغني فكنت إذا كان ابن الخبازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يغني فعرضت لأبي عندنا حاجة وكنا في زقاق فجاء فسمعه يغني فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجت لأنظر فإذا أبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب فدخلت فلما كان الغد قال لي : يا بني إذا كان هذا : نعم ( الكلام أو معناه )
قال المصنف رحمه الله : وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزهديات التي فيها ذكر الآخرة ولذلك استمع إليه أحمد وقول من قال ينزعج فإن الإنسان قد يزعجه الطرب فيميل يمينا وشمالا وأما رواية ابن طاهر التي فيها فرأيته وذيله تحت إبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص فإنما هو من تغيير الرواة وتغييرهم لا يظنونه المعنى تصحيحا لمذهبهم في الرقص وقد ذكرنا في السلمي وفي ابن طاهر الراويين لهذه اللفظات وقد احتج لهم أبو طالب المكي على جواز السماع بمنامات وقسم السماع إلى أنواع وهو تقسيم صوفي لا أصل له وقد ذكرنا أن من ادعى أنه يسمع الغناء ولا يؤثر عنده تحريك النفس إلى الهوى فهو كاذب وقد أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي طالب الطبري قال : قال بعضهم : إنا لا نسمع الغناء بالطبع الذي يشترك فيه الخاص والعام قال : وهذا تجاهل منه عظيم لأمرين :
أحدهما أنه يلزمه على هذا أن يستبيح العود والطنبور وسائر الملاهي لأنه يسمعه بالطبع الذي لا يشاركه فيه أحد من الناس فإن لم يستبح ذلك فقد نقض قوله وإن استباح فقد فسق
والثاني أن هذا المدعي لا يخلو من أن يدعي أنه فارق طبع البشر وصار يمنزلة الملائكة فإن قال هذا فقد تخرص على طبعه وعلم كل عاقل كذبه إذا رجع إلى نفسه ووجب أن لا يكون مجاهدا لنفسه ولا مخالفا لهواه ولا يكون له ثواب على ترك اللذات والشهوات وهذا لا يقوله عاقل وإن قال أنا على طبع البشر المجبول على الهوى والشهوة قلنا له : فكيف تسمع الغناء المطرب بغير طبعك أو تطرب لسماعه لغير ما غرس في نفسك
أخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول : سئل أبو علي الرودباري عمن سمع الملاهي ويقول هي لي حلال لأني قد وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال فقال نعم قد وصل لعمري ولكن إلى سقر
قال المصنف رحمه الله : فإن قيل قد بلغنا عن جماعة أنهم سمعوا عن المنشد شيئا فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به قلنا : لا ينكر أن يسمع الإنسان بيتا من الشعر أو حكمة فيأخذها إشارة فتزعجه بمعناها لا لأن الصوت مطرب كما سمع بعض المريدين صوت مغنية تقول :
( كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل )
فصاح ومات فهذا لم يقصد سماع المرأة ولم يلتفت إلى التلحين وإنما قتله المعنى ثم ليس سماع كلمة أو بيت لم يقصد سماعه كالاستعداد لسماع الأبيات المذكورة الكثيرة المطربة مع انضمام الضرب بالقضيب والتصفيق إلى غير ذلك ثم إن ذلك السامع لم يقصد السماع ولو سألنا هل يجوز لي أن أقصد سماع ذلك لمعناه ؟
قال المصنف رحمه الله : وقد احتج لهم أبو حامد الطوسي بأشياء نزل فيها عن رتبته عن الفهم جموعها أنه قال : ما يدل على تحريم السماع نص ولا قياس وجواب هذا ما قد أسلفناه وقال : لا وجه لتحريم سماع صوت طيب فإذا كان موزونا فلا يحرم أيضا وإذا لم يحرم الآحاد فلا يحرم المجموع فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان المجموع مباحا قال : ولكن ينظر فيما يفهم من ذلك فإن كان فيه شيء محظور حرم نثره ونظمه وحرم التصويت به
قال المصنف رحمه الله : قلت وإني لأتعجب من مثل هذا الكلام فإن الوتر بمفرده أو العود وحده من غير وتر لو ضرب لم يحرم ولم يطرب فإذا اجتمعا وضرب بهما على وجه مخصوص حرم وأزعج وكذلك ماء العنب جائز شربه وإذا حدثت فيه شدة مطربة حرم
وكذلك هذا المجموع يوجب طربا يخرج عن الاعتدال فيمنع منه ذلك وقال ابن عقيل : الأصوات على ثلاثة أضرب محرم ومكروه ومباح فالمحرم الزمر والناي والسرنا والطنبور والمعزقة والرباب وما ماثلها نص الإمام أحمد بن حنبل على تحريم ذلك ويلحق به الجرافة والجنك لأن هذه تطرب فتخرج عن حد الاعتدال وتفعل في طباع الغالب من الناس ما يفعله المسكر وسواء استعمل على حزن يهيجه أو سرور لأن النبي صضص نهى عن صوتين أحمقين صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة والمكروه القضيب لكنه ليس بمطرب في نفسه وإنما يطرب بما يتبعه وهو تابع للقول والقول مكروه ومن أصحابنا من يحرم القضيب كما يحرم آلات اللهو فيكون فيه وجهان كالقول نفسه والمباح الدف وقد ذكرنا عن أحمد أنه قال أرجو أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل وقد قال أبو حامد : من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فالسماع في حقه مؤكد لعشقه
قال المصنف رحمه الله : قلت وهذا قبيح أن يقال عن الله عز و جل يعشق وقد بينا فيما تقدم خطأ هذا القول ثم أي توكيد لعشقه في قول المغني :
( ذهبي اللون تحسب منوجنتيه النار تقتدح )
قال المصنف رحمه الله : قلت وسمع ابن عقيل بعض الصوفية يقول : إن مشايخ هذه الطائفة كلما وقفت طباعهم حداها الحادي إلى الله بالأناشيد فقال ابن عقيل : لا كرامة لهذا القائل إنما تحدي القلوب بوعد الله في القرآن ووعيده وسنة الرسول صضص لأن الله سبحانه وتعالى قال : { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } وما قال : وإذا أنشدت القصائد طربت فأما تحريك الطباع بالألحان فقاطع عن الله والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتعدد عنه فتنة ومن سولت له نفسه التقاط العبر من محاسن البشر وحسن الصوت فمفتون
بل ينبغي النظر إلى المحال التي أحالنا عليها الإبل والخيل والرياح ونحو ذلك فإنها منظورات لا تهيج طبعا بل تورث استعظاما للفاعل وإنما خدعكم الشيطان فصرتم عبيد شهواتكم ولم تقفوا حتى قلتم هذه الحقيقة وأنتم زنادقة في زي عباد شرهين في زي زهاد مشبهة تعتقدون أن الله عز و جل يعشق ويهام فيه ويؤلف ويؤنس به وبئس التوهم لأن الله عز و جل خلق الذوات مشاكلة لأن أصولها مشاكلة فهي تتوانس وتتألم بأصولها العنصرية وتراكيبها المثلية في الأشكال الحديثة فمن ههنا جاء التلاوم والميل وعشق بعضهم بعضا وعلى قدر التقارب في الصورة يتأكد الأنس
والواحد منا يأنس بالماء لأن فيه ماء وهو بالنبات آنس لقربه من الحيوانية بالقوة النمائية وهو بالحيوان آنس لمشاركته في أخص النوع به أو أقربه إليه فأين المشاركة للخالق والمخلوق حتى يحصل الميل إليه والعشق والشوق وما الذي بين الطين والماء وبين خالق السماء من المناسبة وإنما هؤلاء يصورون الباري سبحانه وتعالى صورة تثبت في القلوب وما ذاك الله عز و جل ذاك صنم شكله الطبع والشيطان وليس لله وصف تميل إليه الطباع ولا تشتاق إليه الأنفس وإنما مباينة الإلهية للمحدث أوجبت في الأنفس هيبة وحشمة فما يدعيه عشاق الصوفية لله محبة الله إنما هو وهم اعترض وصورة شكلت في نفوس فحجبت عن عبادة القديم فتجدد بتلك الصورة أنس فإذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل أقلقهم الشوق إليها فنالهم من الوجد وتحرك الطبع والهيمان ما ينال الهائم في العشق فنعوذ بالله من الهواجس الرديئة والعوارض الطبيعية التي يجب بحكم الشرع محوها عن القلوب كما يجب كسر الأصنام

(1/291)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية