صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المدخل
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وينبغي إذا حضر الخبز بين يدي الجماعة فلا ينتظرون غيره من الأدم ؛ لأن فيه عدم احترام للخبز ، واحترامه مطلوب في الشرع الشريف ، فإن كان الخبز كثيرا أبقاه على حاله وإن كان قليلا كسره ، وإن كسره مع كثرته فلا بأس به ؛ لأن فيه سترا على الآكلين كل ذلك واسع وتكسير الخبز بالسكين بدعة مكروهة وفيه انتهاك لحرمة الخبز ، وكذلك لا يعض في الخبز حين الأكل ، ولا ينهشه بخلاف اللحم ؛ لأن السنة المحمدية قد فرقت بينهما فجعلت العض والنهش في اللحم دون الخبز ، وبعض الناس يتساهلون في هذه الأمور فيقطعون اللحم بالسكين إذا أرادوا أكله ومثله الخبز ، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك ، وليحذر أن يفعل ما اعتاده بعض الناس في هذا الزمان وهو أنه إذا كسر الخبز يجعل الناحية المكسورة من جهة الآكلين ، وكذلك إن جعله لناحية الزبادي فإن تعمد ذلك بدعة بل يضع الخبز كيف تيسر ، ولا جناح عليه ، ولا ينفخ في الطعام ، ولا في الشراب ؛ لأن ذلك منهي عنه مع أنه لا يأمن من أن يخرج شيء من ريقه فيكون ذلك بصاقا فيه وهو مستقذر وفيه امتهان له ، وكذلك لا يتناول اللقمة بشماله لما ورد أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله والمؤمنون برآء من ذلك ، وينبغي أن يأكل بثلاثة أصابع من يده اليمين ، وهي المسبحة والإبهام والوسطى إلا أن يكون ثريدا وما أشبهه فيأكل بالخمسة منها كذلك نقل عن السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين ، ومضى عملهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يبدؤن بأكل

(1/344)


اللحم قبل الطعام ، ولا يأكل مضطجعا إلا الشيء الخفيف كالبقل وغيره لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه تناول تمرات وهو مضطجع ، وكذلك لا يشرب وهو مضطجع إلا من ضرورة خيفة أن يجري عليه شيء في شربه واستحب بعضهم أن لا يخلي المائدة من شيء أخضر بقل ، أو غيره قال بعض الناس فيه : إنه ينفي الجان ، أو الشياطين ، أو كما قال ، فإذا حضر الطعام فلا يجعل عليه الخبز خيفة أن يتلوث به ، وكذلك لا يخرج الطعام ويجعله على الخبز إلا أن يكون يأكل ذلك الخبز ، فإن كان مما لا يلوث فلا يجعل الخبز عليه احتراما له إلا أن يكون يأكله كما تقدم ، وليحذر أن يمسح يده في الخبز فإن فيه امتهانا له .
وينبغي له أن لا يخلي أضيافه من شيء حلو وإن قل ، بل هو آكد من ألوان الطعام ، فلو أطعمهم لونا واحدا مع شيء حلو بعده كان أولى من عمل الألوان ، وليس فيها شيء حلو فإن جمعهما فيا حبذا ، وينبغي له إن كانت ألوانا وقدم لهم بعضها ، وقد بقي بعضها أن يخبرهم بأنه قد بقي عنده من الألوان كذا وكذا حتى لا يكتفوا من الأول ، وقد يكون فيهم من لو علم بالطعام الثاني لانتظره فإذا لم يعلم به وأتى به وحده على كفاية من الأول فيحرمه شهوته ويحرم نفسه من سروره بأكل المدعو فيكون قد بخس نفسه حظها ، وكذلك يخبرهم بالحلاوة إن كان ما أحضرها مع الطعام ، وكذلك الفاكهة والنقل وغير ذلك .
وينبغي إن كانت ألوانا أن يقدم خفيفها قبل ثقيلها فإذا فرغ من الأكل التقط

(1/345)


ما سقط من اللباب .

(1/346)


وينبغي للأضياف أن يتركوا فضلة من الطعام وإن قل امتثالا للسنة ، وقد تكون لأهل البيت نية صالحة في بقية سؤره ، ويقدم لهم ما يغسلون به أيديهم فيتولى ذلك بنفسه كما فعل قبل الأكل .
وينبغي أن يبدأ بالغسل أفضلهم ، ثم يدور على يمين من يصب عليهم الماء للغسل وينبغي أن يكون صاحب المنزل آخرهم غسل يد وأن يكون هو الذي يصب عليهم الماء للغسل .
وينبغي أن لا يبصق أحد في الماء ، ولا يغسل بالأشنان ، ولا بالتراب فإذا غسلوا بالماء مسحوا أيديهم بعد الغسل بأخمص أقدامهم إن كانت نظيفة ، أو بخرقة صوف معدة لذلك ، أو ما يقوم مقامها من شيء خشن عدا المحرم شرعا ليزيلوا بذلك بقية الدسم عن أيديهم محافظة على النظافة الشرعية ، وإنما منع من الغسل بالأشنان والتراب خيفة أن يكون في الجماعة من يريد أن يشرب هذا الماء إذ أن شربه شفاء وما زال السلف على ذلك ؛ لأن الغسل بالأشنان والتراب يحرم بركة ذلك له ولغيره إلا أن يشربه على تلك الحالة فيدخل في جوفه التراب والأشنان والبصاق وهذا فيه ما فيه ، فإن لم يكن في الجماعة من يظن أنه يشرب هذا الماء فيغسل بما شاء من تراب وغيره .
والغسل بالأشنان لا يفعله إلا مع تعذر غيره كما تقدم .
وقد نقل عن كثير من هذه الطائفة أنهم كانوا يستشفون بهذا الماء ويتشاحون عليه ويتنافسون فيه حتى أنهم يقيمون النداء عليه ويبيعونه بالثمن الكثير حتى يحصل لهم بركة ذلك اغتناما منهم للبركة .
ألا ترى إلى ما وقع في

(1/347)


قصة هرقل لما أن سأل عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيف حالهم في تصرفهم معه فأخبر أنهم يتبركون بالماء الذي يتوضأ به وببصاقه وما شاكلهما فاستدل بذلك على صحة نبوته عليه الصلاة والسلام ، وكذلك المتبعون له بإحسان إلى يوم الدين هذه البركة حاصلة لهم وإن كانت ليست مثلها لكن ببركة الاتباع له صلى الله عليه وسلم والمحافظة على ذلك ورثوا منها أوفر نصيب .
وقد وقع عندنا بمدينة فاس أن القاضي الأعظم بها وكان يعرف بابن المغيلي وكان من الفقهاء والصلحاء الكبار مرض مرضا شديدا إلى أن أشرف منه على الموت ، وكان بالبلد طبيب حاذق في وقته عارف بالطب فأيس منه ، وقال لهم اتركوه يأكل كل ما شاء واختار فإنه لا بقاء له على مقتضى ما استدل به من الصنعة ، فأرسلت زوجة القاضي إلى الشيخ الجليل أبي عثمان الوركالي فأخبرته بما جرى من الطبيب فأخذ الشيخ الماء وتوضأ في إناء ، ثم أرسل بماء وضوئه إلى زوجة القاضي وقال لها اسقيه هذا الماء فسقته ذلك ، ثم بقي ساعة ، ثم قام يريد قضاء حاجة الإنسان فأتى له بإناء فقضى حاجته فيه فوجدت فيه كبة عظيمة سوداء فتعجب كل من رآها فأرسلت زوجة القاضي إلى الطبيب الذي ما شك أنه يموت كما تقدم فأرته ما خرج منه فتعجب من ذلك عجبا شديدا وقال : هذا أمر إلهي ، ولا يقدر على هذا إلا الله تعالى ، فأما البشر فلا يقدر أن يخرج هذا من فؤاده وهذا هو الذي لو بقي معه لقتله ، وأما الآن فلا خوف عليه فانظر رحمك الله

(1/348)


تعالى إلى هذه البركة كيف هي باقية في المتبع له صلى الله عليه وسلم وهذه العصابة فيهم من أظهره الله تعالى فهو معروف ، ومنهم من أخفاه فلا يعرف فيغتنم بركة الجميع وينبغي له أن ينبه من حضره وغيرهم على ما يفعل اليوم من هذه البدعة بل المحرم للسرف والخيلاء وهي ما يفعله بعض الناس من غسل الأيدي بماء الورد وتنشيفها بالمناديل والفوط الحرير ، وقد تقدم أن وظيفة العالم في التغيير الكلام باللسان فيبث حكم الله تعالى لعباده إذا قدر بشرطه .

(1/349)


وينبغي أن لا يأكل أحد حتى يحضر الماء ، فإن الأكل بغير حضوره بدعة إذ أن ذلك خلاف السنة وفيه خطر ؛ لأنه قد يشرق باللقمة فلا يجد ما يسيغها به فيكون قد تسبب في هلاك نفسه .
وينبغي له إذا فرغ من أكله انتشر وخرج ، ولا يلبث ، ولا يتحدث بعد تمام الطعام .
وينبغي له أن لا يستعجل برفع السفرة لوجوه أربعة : الأول : بسط الجماعة بزيادة الأنس لهم .
الثاني : لعل أن يأتي وارد فيحصل لمن حضر بركته ، أو أجره ، أو هما معا .
الثالث : لما ورد أن الملائكة تستغفر لهم ما دام المأكول بين أيديهم وهذا عام ولو فرغوا من الأكل فتترك لأجل ذلك .
الرابع : أن في تركها التشبه بالكرام ، والتشبه بالكرام فلاح .
وينبغي لهم أن يمتثلوا السنة بعد فراغهم من الأكل في ذلك بقولهم الحمد لله اللهم أبدلنا خيرا منه إلا أن يكون لبنا فالسنة أن يقال فيه الحمد لله اللهم زدنا منه .
وكان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول : الحكمة في ذلك والله أعلم طلب الزيادة من الفطرة أعني فطرة الإسلام التي قبض عليها عليه الصلاة والسلام حين أتي له بطستين : أحدهما : مملوء لبنا ، والآخر خمرا ، فقبض عليه الصلاة والسلام على طست اللبن فوقع النداء قبض محمد على الفطرة فهو عليه الصلاة والسلام يستزيد منها فلو حملناه على ظاهره لوقع الإشكال .
ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام خير أن تسير معه جبال تهامة ذهبا وفضة تسير لسيره وتقف لوقوفه فأبى فكيف يطلب الزيادة من هذا الشيء

(1/350)


اليسير ؟ ، فدل على أن المراد ما تقدم ذكره ، وقيل غير ذلك .
الثاني : أن يقول الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة .
الثالث : أن يقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا وجعلنا مسلمين إلى غير ذلك مما ورد ، فأي ذلك قال : فقد امتثل السنة وإن أتى بالجميع فيا حبذا ، ويزيد الضيف ما رواه أبو داود في سننه من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة انتهى زاد بعضهم وذكركم الله فيمن عنده .

(1/351)


وينبغي له أن لا يعجل بشرب الماء ؛ لأنه مضر بالبدن على مقتضى صناعة الطب سيما إذا كان الطعام سخنا فإنه يبخر الفم ويتلف الأسنان ويفجج الطعام وينزله من المعدة قبل أن ينضج وذلك ضرر كبير إلى غير ذلك

(1/352)


، فإذا شرب شيئا نوى به ما تقدم من النيات في الأكل ، ثم يسمي الله تعالى وهو أن يقول بسم الله فقط ، وقد تقدم الحكم إذا قال الرحمن الرحيم متصلا بقوله بسم الله عند الأكل ففي الشرب هنا كذلك إلا أنه في الأكل لا يسمي عند كل لقمة وفي الشرب يسمي عند كل واحدة من المرات الثلاث والفرق بين التسمية عند الأكل والشرب اتباع السنة فإن السنة فرقت بينهما فجعلت التسمية في أول الأكل مرة والتحميد في آخره كما سبق وجعلت في الشرب أن يقول بسم الله ويمص الماء مصا ، ثم يقطع ويحمد الله تعالى ، ثم يسمي ، ثم يشرب الثانية ، ثم يحمد الله عقبها ، ثم يسمي ، ثم يشرب حتى يروى ، ثم يحمد الله فهذه ثلاث مرات متواليات ويدرج شرب الماء فتكون الأولى هي الأقل والثانية أكثر منها والثالثة يبلغ بها كفايته .
وحكمة ذلك أن لنياط القلب موضعا رقيقا لطيفا فإذا جاء الماء دفعة واحدة قطعه ، وقد يموت بسببه فيؤنس الأولى بالشيء القليل كما تقدم ، وقد ورد فيمن شرب الماء على هذه الصفة أن الماء يسبح في جوفه ما بقي في جوفه فيبقى في عبادة وإن كان نائما ، أو غافلا قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله في شرحه لمعالم سنن أبي داود : رحمه الله

(1/353)


وأما نهيه عن الشرب نفسا واحدا فإنه نهي تأديب وذلك أنه إذا جرعه جرعا واستوفى ريه منه نفسا واحدا تكاثر الماء في موارد حلقه وأثقل معدته .
وقد روي ( ثلاثة كان أنفع لريه وأخف لمعدته وأحسن في الأدب وأبعد من فعل ذي الشره انتهى .
وما تقدم ذكره هو في شرب الماء ، وأما اللبن فيعبه عبا من غير تحديد ويسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره كما سبق في الطعام وغيرهما من الأشربة هو مخير فيها بين العب والمص ويجهر بالتسمية ويسر بالتحميد ، وحكمة ذلك أنه يجهر بالتسمية لينبههم عليها وعلى الأخذ في الأكل ، بخلاف التحميد جهرا فإنه قد يكون في الجماعة من لم يكتف بعد ، وأما في شرب الماء فإن شاء جهر وإن شاء أسر لكن العالم الجهر في حقه أولى ليقتدى به .

(1/354)


وينبغي للجماعة أن لا يرفع أحد منهم يده قبل أصحابه ، وكذلك لا يحمد جهرا كما تقدم إذ في ذلك تنفير لهم عما هم بصدده ، ويكره أن يتنفس في الإناء لوجهين : أحدهما : لما ورد من نهي الشارع عليه الصلاة والسلام عن ذلك وكفى به .
والثاني : خشية أن يتعلق بالإناء رائحة كريهة فيتأذى بها الشارب وله أن يشرب قائما لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أتي له بإناء فيه ماء فشرب قائما ، ثم قال : إن أحدكم يكره أن يشرب قائما ، وقد { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب وهو قائم } .

(1/355)


وينبغي إن كان في كوز ثلمة أن لا يشرب منها ؛ لأنه موضع اجتماع الوسخ ، وقد نص علماؤنا رحمة الله عليهم على كراهة ذلك .
وينبغي أن لا يشرب من ناحية أذن الكوز لما ورد أن الشيطان يشرب منها .
وينبغي أن يبدأ في السقي بأفضلهم ، ثم يدور على يمينه وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها بعضهم من أنه إذا شرب بعض من يحترمونه قاموا له حتى يفرغ من شربه فينحنون له ويقبلون أيديهم وبعضهم يقومون عند فراغه من الشرب ويفعلون ما تقدم ذكره وبعضهم يقومون نصف قومة ، أو أقل منها ، أو أكثر مع الإشارة إلى الأرض بالتقبيل وقولهم صحة ، وذلك كله من محدثات الأمور وفيه التشبه بالأعاجم وبعضهم لا يفعل شيئا من ذلك ولكنه يقول لمن يفرغ من الشرب صحة وهذا اللفظ وإن كان دعاء حسنا فاتخاذه عادة عند الشرب بدعة .
فإن قيل : { إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم أيمن لما أن شربت بوله عليه الصلاة والسلام صحة يا أم أيمن لن تلج النار بطنك } .
فهذا ليس فيه حجة ؛ لأنه لم يكن ثم ماء يشرب وإنما هو البول ، وهو إذا شرب عاد بالضرر فقال عليه الصلاة والسلام : صحة لينفي عنها ما تتوقعه مما جرت به العادة من بول غيره عليه الصلاة والسلام فتضمن ذلك دعاء وإخبارا وذلك بخلاف شرب الماء ، ويدل على ذلك أنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام هذا اللفظ في غير هذا الموطن ، ولا عن أحد من أصحابه ، ولا عن أحد من السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين فلم يبق إلا

(1/356)


أن يكون بدعة ، وليحذر من الشرب من فم السقاء للوجوه التي ذكرها العلماء .
وينبغي أن يكمل الآداب معهم حتى يحوز فضيلة الاتباع والسبق فيقدم لهم نعالهم عند خروجهم ويمشي معهم خطوات لتوديعهم ، وقد ورد { ثلاث محقرات أجرهن كبير صب الماء على يد أخيك حتى يغسلها وتقديم نعله إذا خرج وإمساك الدابة له حتى يركبها } فيحصل له في هذا الخير العظيم فيكون متصفا بالاتباع مع حصول التواضع لله تعالى وإدخال السرور على الإخوان ، وهذه من أكمل الحالات .
هذا حال العالم مع الضيف .

(1/357)


وبقي الكلام فيما إذا دعي العالم إلى دعوة فلا ينبغي له أن يسارع إلى الدعوات كلها ما خلا دعوة النكاح فإن الإجابة واجبة عليه ما لم يكن ثم منكر بين وهو في الأكل بالخيار إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل ، فإن أهدي له طعام فلينظر في ذلك بلسان العلم والورع ، فلسان العلم معروف ، وكذلك الورع ، والورع أعلى وهو مخير في أيهما يسلك ، وله في العلم سعة إن شق عليه الورع ، وينظر في سبب صاحب الطعام ، فإن كان مستورا بلسان العلم عمل على ذلك ، وإن كان مخالفا قام عليه بسطوة الشرع الشريف فزجره وأخبره بما فيه ، إلا أن يكون ثم مانع شرعي فيتلطف له في الجواب .

(1/358)


وينبغي له أن يتحفظ من هذه العادة المذمومة التي أحدثت وهي أن يهدي أحد الأقارب والجيران طعاما فلا يمكن المهدى إليه أن يرد الوعاء فارغا حتى يرده بطعام ، وكذلك المهدي إن رجع إليه الوعاء فارغا وجد على فاعل ذلك وكان سببا لترك المهاداة بينهما ، ولسان العلم يمنع من ذلك كله ؛ لأنه يدخله بيع الطعام بالطعام غير يد بيد ، ويدخله أيضا بيع الطعام بالطعام متفاضلا ويدخله الجهالة .
فإن قال قائل : ليس هذا من باب البياعات وإنما هو من باب الهدايا ، وقد سومح في ذلك .
فالجواب أن هذا مسلم لو مشوا فيه على مقتضى الهدايا الشرعية لكنهم يفعلون ضد ذلك لطلبهم العوض ، فإن الدافع يتشوف له والمدفوع إليه يحرص على المكافأة ، فخرج بالمشاحة من باب الهدايا إلى باب البياعات ، وإذا كان ذلك كذلك فيعتبر فيه ما تقدم ذكره ، والعالم أولى من ينبه على هذه المعاني بفعله وقوله

(1/359)


فصل في عيادة المريض وينبغي له أن يتحرز في نفسه بالفعل وفي غيره بالقول من هذه البدعة التي أحدثت في عيادة المريض وهي أنه لا يعاد في يوم السبت وذلك مخالف للسنة ، وذكر بعضهم أن أصل هذه البدعة أن يهوديا كان طبيبا لملك من الملوك فمرض الملك مرضا شديدا وكان اليهودي لا يفارق عيده ، فجاء يوم الجمعة فأراد اليهودي أن يمضي إلى سبته فمنعه الملك فما قدر اليهودي أن يستحل سبته وخاف على نفسه سفك دمه فقال له اليهودي إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت فتركه الملك ومضى لسبته ، ثم شاعت بعد ذلك هذه البدعة ، وصار كثير من الناس يعتمدونها حتى أني رأيت بعض الفضلاء ممن ينسب إلى العلم والصلاح ينسبها إلى السنة ويستدل بزعمه على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم زار القبور يوم السبت ، فأخذ من هذا بزعمه أن في عيادة المريض يوم السبت تفاؤلا على موت المريض ، وليس هذا من باب التفاؤل في شيء بل هو من باب التشاؤم والطيرة المنهي عنهما ، والمسلمون برآء من ذلك

(1/360)


وينبغي له أن يتحفظ في نفسه بالفعل وفي غيره بالقول من هذه البدعة التي أحدثت في عيادة المريض أيضا وهي أن من عاد مريضا لا بد أن يأتي معه بشيء ، فإن لم يفعل وإلا وقع الكلام فيه بما لا ينبغي ، ولم ترد السنة بذلك بل المطلوب العيادة ليس إلا فإن كان معه شيء فهو من باب الهدايا والصدقات ، وقد تقدم ذلك في هدايا الأقارب والجيران في الطعام وسيأتي تمام البيان في ذلك إن شاء الله تعالى .
ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى هذه البدعة كيف جرت إلى ترك شعيرة من شعائر الإسلام فتجد بعضهم إذا اشتكى صاحبه ولم يكن عنده شيء يدخل به عليه ترك عيادته وربما كان سببا للقطيعة نعوذ بالله من العمى والضلال .

(1/361)


هذا حال العالم في مناولة غذائه مع أهله وأضيافه وغير ذلك ، ثم نرجع إلى ذكر بقية تصرفه في بيته فينبغي له ، أو يجب عليه أن يتحفظ من بدعة هذه الأسامي التي أحدثها النساء ، وقد تقدم في نعوت الرجال ما أغنى عن ذكره ، وقد أنكر ذلك الشيخ الإمام الجليل الحافظ القدوة المعروف بالنووي رحمه الله تعالى وأعظم القول فيه فكفى غيره مؤنة ذلك فمن أراده فليلتمسه في كتابه .
لكن بقي في ذلك شيء وهو أن هذه النعوت تتردد بين أمرين : أحدهما : شنيع قبيح وهو النعت بست الخلق وست الإسلام وست الحكام وست القضاة وست العلماء وست الفقهاء وست الناس وست النساء وست الكل وما أشبه ذلك .
ألا ترى أنه يدخل تحت عموم ذلك الأنبياء والرسل والعلماء والصلحاء وغير ذلك من الأخيار ، وإن كان المسمى بذلك والمتلفظ به لا يعتقدون دخول من تقدم ذكرهم تحت العموم ، وإذا لم يعتقدوا ذلك فهو تعمد كذب محض بلا ضرورة مع ما فيه من الكبر والفخر والتزكية والثناء والتعظيم والتشبه بالأعاجم .
وأما ما سواها كست العراق وست اليمن وما أشبه ذلك فهو من باب التزكية والتعظيم وقد تقدم .
وكذلك تسميتهن بأم فلان الدين وفلان الدين فهو من باب التزكية ، وقد تقدم في باب نعوت الرجال لكن نحتاج إلى زيادة بيان فيما نحن بسبيله فمن ذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي أثنى الله عليهن في كتابه العزيز وعظم فيه قدرهن بقوله تعالى { يا نساء النبي لستن كأحد من

(1/362)


النساء } الآية مع قوله عز وجل { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه } { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } ومعلوم بالضرورة القطعية التي لا يشك فيها ، ولا يرتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من يبادر إلى تعظيم الحرمات والشعائر ، مع ذلك لم يسم واحدة من نسائه الطاهرات رضي الله عنهن بشيء من هذه النعوت المحدثة وكفى بها ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام في حق ابنته الطاهرة التي قال في حقها { فاطمة بضعة مني } فإذا كانت بضعة منه صلى الله عليه وسلم فناهيك بها منزلة رفيعة فيجب تعظيمها ما أمكن ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام لم يزد على اسمها المعلوم شيئا وواجب الاعتقاد بأنه صلى الله عليه وسلم وفى لها حقها ولكل ذي حق حقه وتكرم بالزيادة على ذلك فلو كانت الزيادة على الأسماء المعلومة لهن فيها شيء ما من الخيرية لم يتركها عليه الصلاة والسلام ، ولبين الجواز ولو مرة واحدة لتعظيمه صلى الله عليه وسلم للشعائر .
وقد تقدم أن تعظيمهن من الشعائر ، ثم لو كانت هذه النعوت من باب المباح أعني أنها لو كانت سالمة من التزكية والكذب المنهي عنهما بالنصوص القطعية ، وقد تقدمت لكان أمرها أقرب ، ولكن وضعوا النعوت في باب المكروه ، أو المحرم بحسب حال الاسم والمسمى ، وقد تقدم فهؤلاء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته رضي الله عنهن أسماؤهن معلومة وهن اللاتي أمرنا بأخذ شريعته عليه

(1/363)


الصلاة والسلام عنهن بقوله عليه الصلاة والسلام : { تركت فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي } انتهى .
فهذه عترته صلى الله عليه وسلم يقول الراوي عنهن عن خديجة رضي الله عنها عن فاطمة رضي الله عنها عن عائشة رضي الله عنها عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن ميمونة رضي الله عنها عن أم سلمة رضي الله عنها إلى غير ذلك فهل يقدر أحد أن ينقل زيادة على أسمائهن المعروفة هذا مع علم من نقل عنهن ما يجب عليه وعلى غيره من تعظيم حقوقهن بدليل ما تقدم من الكتاب العزيز .
وقد قال عليه الصلاة والسلام : { خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم } فهل يقدر أحد أن يظن في هذه القرون التي وصفهم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه بالخيرية أنهم بأجمعهم فاتهم تعظيم من تقدم ذكرهن هذا مما لا يتعقل فدل على أن ما حدث بعدهم ليس فيه شيء من الخيرية اللهم إلا أن يكون ذلك لم يقع في زمانهم لكنه على أصولهم وقواعدهم فنعم ، وأما غير ذلك فيرجع إلى باب المكروه ، أو المحرم وهذه النعوت المحدثة لا تخرج عن أحدهما ، فإذا قال القائل مثلا أم شمس الدين وأم ضياء الدين ونحوهما فلا خفاء أنها احتوت على الكذب والتزكية وهما منهي عنهما ، فأما الكذب فحرام ، وأما التزكية ، فإن كانت على خلاف ما ذكر فكذلك ، وإن كانت في الشخص فمكروه { لقوله عليه الصلاة والسلام للذين أثنوا على الرجل بحضرته قطعتم ظهر الرجل

(1/364)


، أو ظهر أخيكم } فلا يظن ظان أننا ننكر الكنى الشرعية فإن ما ورد منها ليس فيه تزكية .
وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام { أجرنا من أجرت يا أم هانئ } فهل في ذلك شيء من التزكية ، وكذلك أم سلمة وأم رومان وأم معبد وما أشبه ذلك فقس على هذا تصب ، فالكنى المشروعة أن يكنى الرجل بولده ، أو بولد غيره ، وكذلك المرأة تكنى بولدها ، أو بولد غيرها كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في حديث { عائشة رضي الله عنها حين وجدت على كونها لم يكن لها ولد تتكنى به فقال لها عليه الصلاة والسلام : تكني بابن أختك يعني عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما } ، وكذلك يجوز التكني بالحالة التي الشخص متصف بها كأبي تراب وأبي هريرة وما أشبههما ، وقد سئل مالك رحمه الله أيكنى الصبي فقال لا بأس بذلك فقيل له كنيت ابنك أبا القاسم فقال أما أنا فلا أفعله ولكن أهل البيت يكنونه فما أرى بذلك بأسا .
قال ابن رشد رحمه الله قوله في تكنية الصبي لا بأس بذلك يدل على أن ترك ذلك أحسن عنده ولذلك قال في كنية ابنه : أما أنا فلا أفعله ولكن أهل البيت يكنونه وإنما كان تركه أحسن لما في ظاهره من الإخبار بالكذب ؛ لأن الصبي لا ولد له يكنى بذلك للإخبار بأنه والد المكنى باسمه ، وإنما تجعل الكنية التي يكنى بها علما له على سبيل الإكرام والتواضع له وبالله التوفيق .

(1/365)


فصل في لبس النساء قد تقدم رحمك الله نية العالم وهديه في لبسه وغير ذلك وبقي الكلام هنا على لبس أهله فليحذر من هذه البدعة التي أحدثها النساء في لباسهن ، وهن كما ورد ناقصات عقل ودين فلبسهن كذلك ليس بحجة ، فالذكر للنساء والكلام مع من سامحهن من العلماء والأزواج ، والعالم أولى من يأخذ على أهله وبردهن للاتباع مهما استطاع في كل الأحوال ، فمن ذلك ما يلبسن من هذه الثياب الضيقة القصيرة وهما منهي عنهما ووردت السنة بضدهما ؛ لأن الضيق من الثياب يصف من المرأة أكتافها وثدييها وغير ذلك ، هذا في الضيق ، وأما القصير فإن الغالب منهن أن يجعلن القميص إلى الركبة ، فإن انحنت أو جلست أو قامت انكشفت عورتها ، ووردت السنة أن ثوب المرأة تجره خلفها ويكون فيه وسع بحيث إنه لا يصفها ، فإن قلن إن السراويل يغني من الثوب الطويل فصحيح أن فيه سترة لكن يشترط فيه أن يكون من السرة وهن يعملنه تحتها بكثير .
وحكم المرأة مع المرأة على المشهور كحكم الرجل مع الرجل وحكمهما أن من السرة إلى الركبة لا يكشفه أحدهما للآخر بخلاف سائر البدن ، فتكون قد ارتكبت النهي فيما بين السرة إلى حد السراويل اللهم إلا أن يكون الثوب كثيفا لا يصف ولا يشف وقد اتخذ بعضهن هذا السراويل عند الخروج ليس إلا ، وأما في البيت فتقعد بدونه وهي لا تخلو إما أن يكون البيت لا يدخله غير زوجها أو هو وغيره ، فإن كان الأول فذلك جائز لها في غير الصلاة ، وكذلك

(1/366)


الثوب الرفيع والضيق الذي يصف كل ذلك جائز لها ، وإن كان الثاني مثل أن يكون معها جارية في البيت أو عبد أو أخ أو ولدان أو غير ذلك فلا يجوز لها ذلك ؛ لأن المرأة كلها عورة إلا ما استثني من ظهور أطرافها لذي المحارم ، والغالب عليهن أن يقعدن في بيوتهن بهذه الثياب على الصفة المذكورة بغير سراويل بين من تقدم ذكرهم ، ولا يلبسن السراويل إلا عند الخروج فيكون العالم ينهى عن هذه القبائح ويذمها ويعلمهن أمر الشرع في ذلك .
ومن العتبية قال مالك رحمه الله وبلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى النساء عن لبس القباطي قال ، وإن كانت لا تشف فإنها تصف .
قال ابن رشد رحمه الله القباطي ثياب ضيقة ملتصقة بالجسد لضيقها فتبدي ثخانة جسم لابسها من نحافته وتصف محاسنه وتبدي ما يستحسن مما لا يستحسن فنهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يلبسنها النساء امتثالا لقوله عز وجل { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } .

(1/367)


( فصل ) وينبغي له أن ينهاهن عن هذه العمائم التي يعملنها على رؤسهن كما ورد في الحديث { لا تقوم الساعة حتى يكون نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام } قال الشيخ الإمام أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في معنى ذلك ما هذا نصه : قوله عليه الصلاة والسلام { نساء كاسيات عاريات } يعني أنهن كاسيات بالثياب عاريات من الدين لانكشافهن وإبداء بعض محاسنهن ، وقيل كاسيات ثيابا رقاقا يظهر ما تحتها وما خلفها فهن كاسيات في الظاهر عاريات في الحقيقة وقيل كاسيات في الدنيا بأنواع الزينة من الحرام ومما لا يجوز لبسه ، عاريات يوم القيامة ، ثم قال صلى الله عليه وسلم { مائلات مميلات } قيل معناه زائغات عن طاعة الله تعالى وعن طاعة الأزواج وما يلزمهن من صيانة الفروج والتستر عن الأجانب ومميلات يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن ، وقيل مائلات متبخترات يملن رءوسهن وأعطافهن للخيلاء والتبختر ومميلات لقلوب الرجال بما يبدين من زينتهن وطيب رائحتهن ، وقيل يتمشطن الميلاء يهي مشطة البغايا ، والمميلات اللواتي يمشطن غيرهن مشطة الميلاء ، ثم قال صلى الله عليه وسلم { على رءوسهن مثل أسنمة البخت } معناه يعظمن رءوسهن بالخمر والمقانع ويجعلن على رءوسهن شيئا يسمى عندهن الناهرة لا عقص الشعر والذوائب المباحة للنساء انتهى .
وقوله عليه الصلاة والسلام { على

(1/368)


رءوسهن مثل أسنمة البخت } فهذا مشاهد مرئي ، إذ أن في عمامة كل واحدة منهن سنامين ، وأقل ما فيه من الضرر أن رأسها يعتل بسبب هذه العمامة ؛ لأنهن اتخذنها عادة من فوق الحاجبين وفي ذلك مفاسد : أحدها : أن المرأة محل لاستمتاع الرجل وأعظم جمال فيها وجهها وهي تغطي أكثره فتقع بذلك في الإثم ؛ لأنها تمنع زوجها حقه ولو رضي زوجها بذلك فإنها تمنع منه لمخالفتها للسنة .
والثاني : أنها إذا كانت هذه المواضع مستورة ، فإذا احتاجت إلى الوضوء تحتاج إلى كشفها حتى تغسل ما يجب عليها ، فإذا غسلته فقد تستهوى ؛ لأن الموضع قد اعتاد التغطية فإذا كشفته عند الغسل قد تتضرر فيكون ذلك سببا لترك فرضين : أحدهما : غسل الوجه .
والثاني : مسح الرأس .
والثالث : الزينة التي جملها الله تعالى بها في وجهها سترتها عن زوجها ، وقد يفضي ذلك للفراق ؛ لأنها تبقى في تلك الحالة بشعة المنظر ، فإن قيل : إن فيه بعض جمال لها فهذا نادر والنادر لا حكم له ، فإن فرض أن الغالب فيه جمال لها فتمنع من ذلك لما تقدم من مخالفتها للسنة والخير كله في الاتباع

(1/369)


فصل ويجب عليه أن يمنعهن من توسيع الأكمام التي أحدثنها مع قصر الكم فإنها إذا رفعت يدها ظهرت أعكانها ونهودها وغير ذلك وهذا من فعل من لا خير فيه من المتبرجات ، وكذلك ما يفعله بعضهن من لبس الثوب القصير على الصفة المذكورة وترك السراويل وتقف على هذه الحالة في باب الريح على هذه السطوح وغيرها ، فمن رفع رأسه أو التفت رأى عورتها ، والشرع أمرها بالتستر البالغ وذلك معلوم .

(1/370)


فصل وينبغي له أن يعلمهن السنة في الخروج إن اضطرت إليه ؛ لأن السنة قد وردت أن المرأة تخرج في حفش ثيابها وهو أدناه وأغلظه ، وتجر مرطها خلفها شبرا أو ذراعا ويعلمهن السنة في مشيهن في الطريق ، وذلك أن السنة قد حكمت أن يكون مشيهن مع الجدران لقوله عليه الصلاة والسلام { ضيقوا عليهن الطريق } وقد روى أبو داود في سننه عن أبي أسيد قال سمعت { رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق : استأخرن فليس لكن أن تضيقن الطريق عليكن بحافات الطريق } فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها انتهى .
وقد روى الإمام رزين رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في طريق وأمامه امرأة فقال لها : تنحي عن الطريق فقالت : الطريق واسع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوها فإنها جبارة } انتهى .
ولما كان مشيهن مع الجدران نهى عليه الصلاة والسلام عن البول هناك لئلا ينجس مرط من مرت عليه إلى غير ذلك من الحكم الشرعية ، وفوائدها متعددة ، وانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه السنن كيف اندرست في زماننا هذا حتى بقيت كأنها لم تعرف لما ارتكبن من ضد هذه الأحوال الشرعية ، فتقعد المرأة في بيتها على ما هو معلوم من عادتهن بحفش ثيابها وترك زينتها وبحملها ، وبعض شعرها نازل على جبهتها إلى غير ذلك من أوساخها وعرقها حتى لو

(1/371)


رآها رجل أجنبي لنفر بطبعه منها غالبا فكيف بالزوج الملاصق لها ، فإذا أرادت إحداهن الخروج تنظفت وتزينت ونظرت إلى أحسن ما عندها من الثياب والحلي فلبسته ، وتخرج إلى الطريق كأنها عروس تجلي ، وتمشي في وسط الطريق وتزاحم الرجال ولهن صنعة في مشيهن حتى أن الرجال ليرجعون مع الحيطان حتى يوسعوا لهن في الطريق أعني المتقين منهم ، وغيرهم يخالطوهن ويزاحموهن ويمازحوهن قصدا ، كل هذا سببه عدم النظر إلى السنة وقواعدها وما مضى عليه سلف الأمة رضي الله عنهم ، فإذا نبه العالم على هذا وأمثاله انسدت هذه المثالم ورجي للجميع بركة ذلك فمن رجع عما لا ينبغي فهو القصد الحسن ومن لم يرجع علم أنه مكتسب للذنوب فيبقى منكسر القلب لأجل ذلك ، وفي الكسر من الخير ما قد علم ، ومن انكسر رجي له التوبة والرجوع

(1/372)


فصل في خروج النساء إلى شراء حوائجهن وما يترتب على ذلك وينبغي له إن كانت لأهله حاجة من شراء ثوب أو حلي أو غيرهما فليتول ذلك بنفسه إن كانت فيه أهلية لذلك أو بمن يقوم عنه بذلك على لسان العلم وهو معلوم ، ولا يمكنهن من الخروج ألبتة لهذه الأشياء ، إذ أن ذلك يفضي إلى المنكر البين الذي يفعله كثير منهن اليوم جهارا أعني في جلوسهن عند البزازين والصواغين وغيرهما فإنها تناجيه وتباسطه وغير ذلك مما يقع بينهما ، وربما كان ذلك سببا إلى وقوع الفاحشة الكبرى ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام { باعدوا بين أنفاس النساء وأنفاس الرجال } ، وما ورد من أنه { لو كان عرق من المرأة بالمشرق وعرق من الرجل بالمغرب لحن كل واحد منهما إلى صاحبه } ، أو كما قال ، فكيف بالمباشرة والكلام والمزاح فإنا لله وإنا إليه راجعون على عدم الاستحياء من عمل الذنوب ، وقد قال بعض السلف رضي الله عنهم إن للمرأة في عمرها ثلاث خرجات : خرجة لبيت زوجها حين تهدى إليه ، وخرجة لموت أبويها ، وخرجة لقبرها ، فأين هذا الخروج من هذا الخروج ، وهذه المفاسد كلها حاصلة في خروجهن على تقدير علمهن بأحكام الشريعة فيما يتعاطونه من أمر البيع والشراء والصرف وكيفية حكم الربا وغير ذلك فكيف بهن مع الجهل بذلك كله ، بل أكثر الرجال لا يعلم ذلك ، وقد ورد في الحديث { الغيرة من الإيمان } أو كما قال ومن اتصف بهذه الصفة وقع بينه وبين نساء الإفرنج شبه ؛ فإن نساءهن

(1/373)


يبعن ويشترين ويجلسن في الدكاكين والرجال في البيوت ، والشرع قد منع من التشبه بهم .

(1/374)


فصل في السكنى على البحر وينبغي له أن يمنعهن من السكنى على البحر مهما استطاع جهده وذلك لوجوه : أحدها : نهيه عليه الصلاة والسلام عن الجلوس على الطرقات ، ومن كان في دار على البحر فهو كالجالس على الطريق ؛ لأن البحر طريق للمرور فيه بالمراكب ، فإذا نظر كشف على عورات المسلمين ، إذ أن ذلك الموضع يشتمل على عورات كثيرة : منها : كشف عورات النواتية كما هو واقع مرئي ، وكذلك كشف عورات غيرهم من المغتسلين فيه ، والكلام الفاحش الذي يمنع للرجال سماعه فكيف بالمرأة ؟ ومنها أن بعضهم يكون معهم المغاني في الشخاتير ، وغيرها فإحداهن تضرب بالطار ، وأخرى بالشبابة ، ومعهن من يصوت بالمزمار مع رفع أصواتهن بالغناء إلى غير ذلك من ظهور هذه العورات المذكورات وغيرها .
الوجه الثاني : أن أهله ينكشفن بجلوسهن في الطرقات وغيرها ويشاهدن ما تقدم ذكره وغيره ، فإن كان عنده بنات أو إماء أو غيرهن فتزيد المفاسد بحسب ذلك الثالث : أن شاطئ البحر لا يجوز لأحد البناء عليه للسكنى ولا لغيرها إلا القناطر المحتاج إليها لقوله عليه الصلاة والسلام { اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق ، والظل } رواه أبو داود في سننه وما ذاك إلا لأنها مرافق للمسلمين فمن جاء يرتفق بها يجد هناك نجاسة فيقول لعن الله من فعل هذا فإذن استحق العبد اللعن بهذا الفعل ، والنبي صلى الله عليه وسلم بأمته رءوف رحيم فنهاهم عليه الصلاة والسلام أن يفعلوا ما يلعنون

(1/375)


بسببه ، هذا وهو مما يذهب بالشمس ، والريح وغيرهما فكيف بالبناء على النهر المتخذ للدوام غالبا ، وقد قال ابن هبيرة رحمه الله في كتاب اتفاق الأئمة الأربعة واختلافهم اتفقوا على أن الطريق لا يجوز تضييقها انتهى .
والبناء على النهر أكثر ضررا وأشد من تضييق الطريق ؛ لأن الطريق يمكن المرور فيها مع تضييقها بخلاف النهر فمن بنى عليه كان غاصبا له ؛ لأنه مورد للمسلمين ، فإذا جاء أحد يرد الماء فيحتاج إلى أن يدور من ناحية بعيدة حتى يصل إليه وليس عليه ذلك فكان من أحوجه إلى ذلك غاصبا ، وقد قال عليه الصلاة والسلام { من أخذ شبرا من أرض ظلما طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين } رواه البخاري ومسلم ، وقد تقدم فيمن أرسل سجادته إلى المسجد قبل إتيانه فوضعت هناك ليحصل بها المكان ، أو كان فيها زيادة على ما يحتاج إليه أن ذلك كله غصب ، هذا وهو مما لا يدوم فكيف بالبناء على النهر كما تقدم ؟ ، وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إن حريم العيون خمسمائة ذراع وحريم الأنهار ألف ذراع واختلفوا في حريم البئر فقيل خمس وعشرون ذراعا ، وقيل خمسون ، وقيل ثلثمائة ، وقيل خمسمائة ، وذلك بحسب موضع البئر ولأي شيء هي هل هي للزرع أو للماشية أو في البادية أو في البلد ، نقله الشيخ أبو الحسن اللخمي في تبصرته وابن يونس في كتابه ولم يحد مالك رحمه الله في ذلك حدا إلا ما يضر بالناس فعلى هذا ولو كان أكثر من ألف ذراع إذا أضر بهم يمنع لقوله عليه الصلاة

(1/376)


والسلام { لا ضرر ولا ضرار } وعكسه إن كان أقل ولم يضر بالناس لم يمنع ، ثم أفضى الأمر من أجل كثرة البناء عليه إلى أن امتنع على المسلمين أخذ الماء منه للشرب وغيره إلا مواضع قليلة ، ومع ذلك عليها فتن لمنع أصحاب الدور من يرد الماء من السقائين الذين يبيعونه للمسلمين ، ثم جرت هذه المفسدة إلى أن وصلت إلى عماد الدين وأصله ، وهو الصلاة بإفسادها ؛ لأنه إذا صلى أحد في هذه الدار وقع فيها خلاف للعلماء في الصحة ، والفساد وهذا مشهور معروف ، وقد قال صلى الله عليه وسلم { موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد } انتهى .
فإذا كانت منزلة الصلاة من الدين هذه المنزلة العظمى فكيف يرضى لبيب أن يصليها في موضع اختلف فيه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
الرابع : أن البناء على البحر لا بد وأن يفضل شيء من آلة العمارة أو ينهد هناك شيء من الدور فيقع ذلك في البحر غالبا فتجيء المراكب ، وليس عندهم خبر فتمر على ذلك فيكسرها غالبا سيما إذا كانت الحجارة مبنية بارزة مع الزرابي الخارجة عن البيوت في داخل البحر ، ثم مع هذه الأذبة يمنعون أصحاب المراكب من أن يلتصقوا إليها ، والموضع مباح ليس لأحد فيه اختصاص .
الخامس : أن المراكب قد تأتي في وقت هول البحر مع ثقلها بالوسق فيريد صاحبها أن يرسي في الموضع القريب منه ليسلم من آفات البحر فلا يجد لذلك سبيلا من كثرة الدور التي هناك فيمضي لسبيله حتى يجاوز الدور ، فقد يكون ذلك سببا لغرقه ، وذلك كله في

(1/377)


ذمة الباني هناك .
السادس : ما يترتب عليه من المفاسد ، وذلك أن النساء يلبسن ويتحلين في بيوتهن التي على البحر على ما اعتدنه من العوائد الذميمة في الخروج إلى الطرقات وعليهن من جمال الزينة ، والتحلي ما تقدم ذكره ؛ لأنهن يبالغن في هذه الأشياء إذا شعرن أن العيون تنظر إليهن ، فقد يراها من يشغف قلبه بصورتها فلا يقدر على الصبر عنها فيحتال الحيل الكثيرة على الوصول إليها إما بالطواعية منها إن قدر أو يأتي بالليل قهرا ، فإن وصل إليها وقعت الفاحشة الكبرى ، وإن علم به وقعت الفتنة ، وقد يفضي ذلك إلى سفك الدماء ، وقد يشغف آخر بما عليها من الحلي فيكون ذلك سببا لنزول المناسر عليهم بالليل وما يقاربه من السرقة ، والخلسة ، وقد تشغف هي ببعض من تراه من الشباب كما تقدم في الرجل ، وأقل ما في ذلك أن القلوب تتعلق غالبا بما رأت ، والغالب عدم العلم عندهما ، فإذا قرب زوجته قد يجعل بين عينيه الصورة التي تعلق خاطره بها ، وكذلك هي فيكون ذلك حراما كما قال علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن شرب الماء يعد أنه خمر أن ذلك الماء يصير في حقه حراما ، وقد ورد فيه حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه وسيأتي إن شاء الله تعالى .
السابع : أن في ذلك سرفا وإضاعة مال ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنهما ، إذ لا يخلو الساكن هناك من أحد أمرين : إما أن يسكن في ملكه ، وإما أن يسكن بأجرة ، فإن كان في ملكه ، فقد أضاع ماله لما يئول إليه الأمر كما قد علم من

(1/378)


مجاورة البحر ففي ذلك تغرير بماله وبأهله وبولده قال الله عز وجل في محكم التنزيل : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وهذا والحالة هذه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة ، وإن كان يسكن بالأجرة فلا يثاب على ما دفع منها لما تقدم ذكره ، وقد أخبرني من أثق به أن الناس كانوا بمصر قبل هذا الزمن إذا عرض عليهم الملك للبيع صعدوا على سطحه ، فإذا رأوا البحر لا يعطون فيه شيئا ويقولون عنه : إنه ليس بملك لما يخافون عليه من وصول البحر إليه فيتلفه ، وإن لم يروا البحر حينئذ يتساومون فيه ، وهم اليوم بضد ذلك يريد أحدهم أن يبني في قلب البحر ومن بنى في قلب البحر ، فهو شبيه بمن رمى ماله فيه إلا أن الذي رمى ماله فيه هو الذي عجل إتلافه ، والذي بنى فيه أجل إتلافه ، وهذا مشاهد مرئي إلى غير ذلك من المفاسد فعلى هذا فمن اضطر إلى بناء المسكن عليه فليكن بموضع يراه منه إذا كان الموضع في البعد بحيث لا يميز بين الذكر ، والأنثى ؛ لأنه إذ كان كذلك انزاحت تلك المفاسد كلها وسقط عنه التغيير وغيره .
وهذا طريق متوسط بين الحالتين المذكورتين قبل كما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن أحدث مئذنة على دور سبقتها أنه إذا صعد المؤذن عليها ورأى الناس في بيوتهم ولم يميز بين الذكر ، والأنثى أن ذلك جائز ، وإن ميز ذلك منع إحداثها ، والصعود عليها

(1/379)


وقد نقل ابن رشد رحمه الله أن حكم إحياء الموات يختلف باختلاف مواضعه ، وهي على ثلاثة أوجه : بعيد من العمران وقريب منه لا ضرر على أحد في إحيائه ، وقريب منه في إحيائه ضرر على من يختص الانتفاع به ، فأما البعيد من العمران فلا يحتاج في إحيائه إلى استئذان الإمام إلا على طريق الاستحباب على ما حكى ابن حبيب ، وأما القريب منه الذي لا ضرر في إحيائه على أحد فلا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام على المشهور من المذهب .
وأما القريب منه الذي في إحيائه ضرر كالأفنية التي يكون أخذ شيء منها ضررا بالطريق وشبه ذلك فلا يجوز إحياؤه بحال ، ولا يبيح ذلك الإمام ، وبالله تعالى التوفيق

(1/380)


فصل في زيارة القبور وينبغي له أن يمنعهن من الخروج إلى القبور ، وإن كان لهن ميت ؛ لأن السنة قد حكمت بعدم خروجهن { قال عليه الصلاة والسلام لنساء خرجن في جنازة أتحملنه فيمن يحمله قلن لا قال : أفتنزلنه قبره فيمن ينزله قلن : لا قال : أفتحثين عليه التراب فيمن يحثي قلن : لا قال : فارجعن مأزورات غير مأجورات } { وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة ابنته رضي الله عنها حين لقيها في طريق من أين أقبلت فقالت من عند جيران لنا عزيتهم في ميتهم فقال لها عليه الصلاة والسلام لعلك بلغت معهم الكداء يعني القبور فقالت : لا والله سمعتك تنهى عنها فقال : لو بلغت معهم الكداء وذكر وعيدا شديدا } ، وقال عليه الصلاة والسلام : { لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد ، والسرج } أخرجه أبو دؤاد في سننه ، والترمذي ، والنسائي ، وقد رأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نساء في جنازة فطردهن وقال : والله لأرجع إن لم ترجعن ، وحصبهن بالحجارة ، فعلى هذا ليس للنساء نصيب في حضور الجنازة .
وقد اختلف العلماء في خروجهن على ثلاثة أقوال : قول بالمنع ، وقد تقدم .
والثاني بالجواز على ما يعلم في الشرع من الستر ، والتحفظ عكس ما يفعل اليوم .
والثالث : الفرق بين المتجالة ، والشابة فيجوز للمتجالة ويمنع للشابة ، واعلم أن الخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في نساء ذلك الزمان وكن على ما يعلم من عادتهن في الاتباع كما تقدم ، وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ

(1/381)


الله أن يقول أحد من العلماء ، أو من له مروءة ، أو غيرة في الدين بجواز ذلك ، فإن وقعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما يعلم في الشرع من الستر كما تقدم لا على ما يعلم من عادتهن الذميمة في هذا

(1/382)


وانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى هذه المفسدة التي ألقاها الشيطان لبعضهم في بناء هذه الدور في القبور ألا ترى أن الشارع عليه الصلاة والسلام شرع دفن الأموات في الصحراء ، وما ذاك إلا أن الإيمان بني على النظافة ، فإذا دفن المؤمن في الصحراء ، فالصحراء عطشانة فأي فضلة خرجت من الميت شربتها الأرض فيبقى المؤمن نظيفا في قبره .
فلما أن رأى الشيطان هذه السنة المباركة ، وما فيها من الخير العظيم سول لهم ضدها ، فإذا كان عندهم ميت خرجوا بأهلهم وأولادهم إلى قبره فيسكنون في دار إلى جانبه ولا بد للدار من بيت الخلاء ولا بد من استعمال المياه ، فإذا أقاموا هناك نزلت تلك الفضلات وهي سريعة السريان في الأرض فتصل إلى الميت فتنجسه ، وينماع الميت في قبره بالفضلات التي تخرج ، والنجاسات التي انجذبت إليه عكس ما وردت به السنة ، وهم يقيمون على ميتهم هناك بقدر عزته عندهم فمنهم من يقيم الشهر ، والشهرين ، والثلاثة إلى غير ذلك فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه البدعة وما جرت إليه ، فالخير كله في الاتباع ، وقد وقع النهي عن المبيت في القبور لما يخشى من كشف أسرار الموتى ، وقد ستر الله عز وجل ذلك عنا رحمة بنا فمن يبت هناك يعرض نفسه إلى زوال هذه الحكمة ؛ لأنه قد يرى شيئا يذهب به عقله .
ونهى عليه الصلاة والسلام عن أن يتبع الميت بنار حين تشييعه إلى قبره ؛ لأنه تفاؤل رديء وهؤلاء يوقدون الشموع وغيرها عنده مع ما يوقدونه من الأحطاب لطعامهم اللهم

(1/383)


عافنا من قلب الحقائق ، وقد قال لي من أثق به إنه بنى دارا حول القبور فسكن هناك فأصبحت جارية من جواريه فأخبرته أنها رأت في النوم شيخا كبيرا ذا شيبة وجمال ، وعليه ثياب بيض وهو يقول نحن من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن سكان بهذا الموضع وأنتم تدقون على رؤسنا بالهاون بالليل ، والنهار ، وقد شوشتم علينا قال فأخليت ذلك الموضع وأمرت بهدمه عن آخره فالبناء في القبور منهي عنه إذا كانت في ملك الإنسان لنفسه ، وأما إن كانت لغيره فلا يحل البناء فيها ، وقد ذكر الشيخ الجليل عبد الرحمن بن عبد الحكم رحمه الله تعالى في كتابه الذي ذكر فيه تاريخ مصر بإسناده أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما أن فتح مصر وأخذ البلاد من المقوقس ملك مصر أعطاه المقوقس في هذه الأرض التي هي موضع القرافة مالا جزيلا فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا يذكر فيه أن المقوقس أعطاه في أرض من الأموال كذا وكذا ، وهي لا تنفع لشيء ورأيت أن هذا المال ينتفع به في بيت مال المسلمين ، ويأخذ هو أرضا لا منفعة فيها لكني وقفت في ذلك لأمرك فانظر ما ترى فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أما بعد فاسأله لماذا بذل هذا المال فيها ، وهي لا تنفع لشيء فسأله عمرو بن العاص رضي الله عنه عن ذلك فقال له : إنا نجد في الكتاب الأول أنها تربة الجنة فكتب عمرو بن العاص بذلك إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر رضي الله عنه : أما بعد فإنى لا أعرف تربة

(1/384)


الجنة إلا لأجساد المؤمنين فاجعلها لموتاهم ، أو كما قال ، فإذا جعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لدفن موتى المسلمين فيها واستقر الأمر على ذلك منع البناء فيها .
وقد قال لي من أثق به وأسكن إلى قوله : إن الملك الظاهر كان قد عزم على هدم كل ما في القرافة من البناء كيف كان فوافقه الوزير في ذلك وفنده واحتال عليه بأن قال له : إن فيها مواضع للأمراء وأخاف أن تقع فتنة بسبب ذلك ، وأشار عليه بأن يعمل فتاوى في ذلك فيستفتي فيها الفقهاء : هل يجوز هدمها أم لا ؟ فإن قالوا بالجواز فعل الملك ذلك مستندا إلى فتاويهم فلا يقع تشويش على أحد .
فاستحسن الملك ذلك وأمره أن يفعل ما أشار به قال : فأخذ الفتاوى وأعطاها إلي وأمرني أن أمشي بها على من وجد في الوقت من العلماء فمشيت بها عليهم مثل الظهير التزمنتي وابن الجميزي ونظائرهما في الوقت ، فالكل كتبوا خطوطهم واتفقوا على لسان واحد : إنه يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك كله ، ويجب عليه أن يكلف أصحابها رمي ترابها في الكيمان ، ولم يختلف في ذلك أحد منهم .
قال فأعطيت الفتاوى للوزير فما أعرف ما صنع فيها وسكت على ذلك وسافر الملك الظاهر إلى الشام في وقته ذلك فلم يرجع ومات به ، فهذا إجماع من هؤلاء العلماء المتأخرين فكيف يجوز البناء فيها فعلى هذا ، فكل من فعل ذلك ، فقد خالفهم ومن كتاب ابن بشير : وليست القبور موضع زينة ولا مباهاة ؛ ولهذا نهي عن بنائها على وجه يقتضي المباهاة ، والظاهر أنه

(1/385)


يحرم مع هذا القصد ووقع لمحمد بن عبد الحكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره بيت أنه تبطل وصيته وقال : لا تجوز وصيته ولا كرامة ، وظاهر هذا التحريم ، وإلا لو كان مكروها لنفذ وصيته ، ونهى عنها ابتداء انتهى .
فإذا تقرر هذا وعلم فيأتي على ذلك ما تقدم من الاختلاف في الصلاة في الدور المغصوبة ، بل هذا الغصب أشد من ذلك ؛ لأن هذا غصب لحق موتى المسلمين ، والأول للأحياء منهم ، فالأحياء قد يمكن التحلل منهم بخلاف الأموات ، وليس له أن يحفر قبرا ليدفن فيه إذا مات ؛ لأنه تحجير على غيره ، ومن سبق كان أولى بالموضع منه ويجوز له ذلك في ملكه ؛ لأنه لا غصب في ذلك .
وفيه تذكرة لمن حفر له ، وهذه المفاسد كلها مع وجود السلامة من هتك الحريم ، والمخاوف التي تقع لهم ، وهذا مما لا يحتاج فيه إلى كلام ولا بيان ، والعالم أولى من يذب عن الدين ويذكر هذه الأشياء وغيرها ، ويعظم القول في ذلك وينشرها حتى يعلم ما فيها من القبائح ، ويبين السنة في زيارة القبور ؛ لأن هذه المسألة قل من يعلم آدابها في الوقت أعني في الغالب ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ، ثم أباحها بعد ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : { كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا } .
وفي رواية أخرى { فإنها تذكر الموت } فجعل عليه الصلاة والسلام فائدة زيارة القبور تذكرة الموت

(1/386)


وصفة السلام على الأموات أن يقول ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ، والمؤمنات ، والمسلمين ، والمسلمات رحم الله المستقدمين منا ، والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية ) انتهى .
ثم يقول : ( اللهم اغفر لنا ولهم ) وما زدت ، أو نقصت فواسع ، والمقصود الاجتهاد لهم في الدعاء ، فإنهم أحوج الناس لذلك لانقطاع أعمالهم ، ثم يجلس في قبلة الميت ويستقبله بوجهه ، وهو مخير في أن يجلس في ناحية رجليه إلى رأسه ، أو قبالة وجهه ، ثم يثني على الله تعالى بما حضره من الثناء ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة المشروعة ، ثم يدعو للميت بما أمكنه ، وكذلك يدعو عند هذه القبور عند نازلة نزلت به ، أو بالمسلمين ويتضرع إلى الله تعالى في زوالها وكشفها عنه وعنهم ، وهذه صفة زيارة القبور عموما .
فإن كان الميت المزار ممن ترجى بركته فيتوسل إلى الله تعالى به ، وكذلك يتوسل الزائر بمن يراه الميت ممن ترجى بركته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل يبدأ بالتوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، إذ هو العمدة في التوسل ، والأصل في هذا كله ، والمشرع له فيتوسل به صلى الله عليه وسلم وبمن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ، وقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه ( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل

(1/387)


إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون ) انتهى .
ثم يتوسل بأهل تلك المقابر أعني بالصالحين منهم في قضاء حوائجه ومغفرة ذنوبه ، ثم يدعو لنفسه ولوالديه ولمشايخه ولأقاربه ولأهل تلك المقابر ولأموات المسلمين ولأحيائهم وذريتهم إلى يوم الدين ولمن غاب عنه من إخوانه ويجأر إلى الله تعالى بالدعاء عندهم ويكثر التوسل بهم إلى الله تعالى ؛ لأنه سبحانه وتعالى اجتباهم وشرفهم وكرمهم فكما نفع بهم في الدنيا ففي الآخرة أكثر ، فمن أراد حاجة فليذهب إليهم ويتوسل بهم ، فإنهم الواسطة بين الله تعالى وخلقه ، وقد تقرر في الشرع وعلم ما لله تعالى بهم من الاعتناء ، وذلك كثير مشهور ، وما زال الناس من العلماء ، والأكابر كابرا عن كابر مشرقا ومغربا يتبركون بزيارة قبورهم ويجدون بركة ذلك حسا ومعنى ، وقد ذكر الشيخ الإمام أبو عبد الله بن النعمان رحمه الله في كتابه المسمى بسفينة النجاء لأهل الالتجاء في كرامات الشيخ أبي النجاء في أثناء كلامه على ذلك ما هذا لفظه : تحقق لذوي البصائر ، والاعتبار أن زيارة قبور الصالحين محبوبة لأجل التبرك مع الاعتبار ، فإن بركة الصالحين جارية بعد مماتهم كما كانت في حياتهم

(1/388)


والدعاء عند قبور الصالحين ، والتشفع بهم معمول به عند علمائنا المحققين من أئمة الدين انتهى ، ولا يعترض على ما ذكر من أن من كانت له حاجة فليذهب إليهم وليتوسل بهم بقوله عليه الصلاة والسلام : { لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي ، والمسجد الأقصى } انتهى .
وقد قال الإمام الجليل أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب آداب السفر من كتاب الإحياء له ما هذا نصه : القسم الثاني : وهو أن يسافر لأجل العبادة إما لجهاد ، أو حج إلى أن قال : ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء وقبور الصحابة ، والتابعين وسائر العلماء ، والأولياء ، وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ، ولا يمنع من هذا قوله صلى الله عليه وسلم { لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي ، والمسجد الأقصى } .
لأن ذلك في المساجد ؛ لأنها متماثلة بعد هذه المساجد ، وإلا فلا فرق بين زيارة الأنبياء ، والأولياء ، والعلماء في أصل الفضل ، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتا عظيما بحسب اختلاف درجاتهم عند الله عز وجل ، والله تعالى أعلم وذكر العبدري رحمه الله في شرحه لرسالة ابن أبي زيد رحمه الله ما هذا لفظه : وأما النذر للمشي إلى المسجد الحرام ، والمشي إلى مكة فله أصل في الشرع وهو الحج ، والعمرة وإلى المدينة لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس ، وليس عنده حج

(1/389)


ولا عمرة ، وهذا الذي قاله مسلم صحيح لا يرتاب فيه إلا مشرك ، أو معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد نقل ابن هبيرة في كتاب اتفاق الأئمة قال : اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى على أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم مستحبة ، ونقل عبد الحق في تهذيب الطالب عن أبي عمران الفاسي أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة قال عبد الحق يريد وجوب السنن المؤكدة .
والحاصل من أقوالهم أنها قربة مطلوبة لنفسها لا تعلق لها بغيرها فتنفرد بالقصد وشد الرحال إليها ، ومن خرج قاصدا إليها دون غيرها فهو في أجل الطاعات وأعلاها فهنيئا له ، ثم هنيئا له اللهم لا تحرمنا من ذلك بمنك يا كريم .
سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يقول : انظر إلى سر ما وقع من هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وإقامته بها حتى انتقل إلى ربه عز وجل ، وذلك أن حكمة المولى سبحانه وتعالى قد مضت على أنه عليه الصلاة والسلام تتشرف الأشياء به لا هو يتشرف بها فلو بقي عليه الصلاة والسلام في مكة إلى انتقاله إلى ربه تعالى لكان يتوهم أنه قد تشرف بمكة ، إذ أن شرفها قد سبق بآدم ، والخليل وإسماعيل عليهم الصلاة والسلام فلما أن أراد الله تعالى أن يبين لعباده أنه عليه الصلاة والسلام أفضل المخلوقات كان ما تقدم ذكره من هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة فتشرفت المدينة به ألا ترى إلى ما وقع من الإجماع على أن أفضل البقاع

(1/390)


الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة صلوات الله عليه وسلامه ، وقد تقدم أنه عليه الصلاة والسلام أفضل من الكعبة وغيرها وانظر إلى الأشياء التي باشرها عليه الصلاة والسلام تجدها أبدا تتشرف بحسب مباشرته لها وبقدر ذلك يكون التشريف ألا ترى { أنه عليه الصلاة والسلام قال في المدينة : ترابها شفاء } .
وما ذاك إلا لتردده عليه الصلاة والسلام بتلك الخطى الكريمة في أرجائها لعيادة مريض ، أو إغاثة ملهوف ، أو غير ذلك ولما أن كان مشيه صلى الله عليه وسلم في مسجده بالمدينة أكثر من تردده في غيره من المدينة عظم شرفه بذلك فكانت الصلاة فيه بألف صلاة ولما أن كان تردده عليه الصلاة والسلام بين بيته ومنبره أكثر من تردده في المسجد كانت تلك البقعة الشريفة بنفسها روضة من رياض الجنة قال عليه الصلاة والسلام { ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة } انتهى .
وفي تأويل ذلك قولان للعلماء : أحدهما : أن العمل فيها يحصل لصاحبه روضة في الجنة .
والثاني : أنها بنفسها تنقل إلى الجنة ، وهذا هو الصحيح

(1/391)


، ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من زيارة القبور فيما ذكر من الآداب ، وهو في زيارة العلماء ، والصلحاء ومن يتبرك بهم .
وأما عظيم جناب الأنبياء ، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيأتي إليهم الزائر ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة ، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل ، والانكسار ، والمسكنة ، والفقر ، والفاقة ، والحاجة ، والاضطرار ، والخضوع ويحضر قلبه وخاطره إليهم ، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره ؛ لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون ، ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله ، ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم ، ثم يترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح ، وجرت سنته سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ومن عجز عن الوصول إليهم فليرسل بالسلام عليهم وذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك ، فإنهم السادة الكرام ، والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم ، ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم هذا الكلام في زيارة الأنبياء ، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما .

(1/392)


فصل وأما في زيارة سيد الأولين ، والآخرين صلوات الله عليه وسلامه فكل ما ذكر يزيد عليه أضعافه أعني في الانكسار ، والذل ، والمسكنة ؛ لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا يخيب من قصده ولا من نزل بساحته ولا من استعان ، أو استغاث به ، إذ أنه عليه الصلاة والسلام قطب دائرة الكمال وعروس المملكة ، قال الله تعالى في كتابه العزيز : { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } قال علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم رأى صورته عليه الصلاة والسلام ، فإذا هو عروس المملكة فمن توسل به ، أو استغاث به ، أو طلب حوائجه منه فلا يرد ولا يخيب لما شهدت به المعاينة ، والآثار ويحتاج إلى الأدب الكلي في زيارته عليه الصلاة والسلام ، وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته ، إذ لا فرق بين موته وحياته أعني في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم ، وذلك عنده جلي لا خفاء فيه .
فإن قال القائل : هذه الصفات مختصة بالمولى سبحانه وتعالى ، فالجواب أن كل من انتقل إلى الآخرة من المؤمنين فهم يعلمون أحوال الأحياء غالبا ، وقد وقع ذلك في الكثرة بحيث المنتهى من حكايات وقعت منهم ويحتمل أن يكون علمهم بذلك حين عرض أعمال الأحياء عليهم ويحتمل غير ذلك ، وهذه أشياء مغيبة عنا .
وقد أخبر الصادق عليه الصلاة والسلام بعرض الأعمال عليهم فلا بد من وقوع ذلك ، والكيفية فيه غير

(1/393)


معلومة والله أعلم بها وكفى في هذا بيانا قوله عليه الصلاة والسلام { المؤمن ينظر بنور الله } انتهى .
ونور الله لا يحجبه شيء هذا في حق الأحياء من المؤمنين فكيف من كان منهم في الدار الآخرة ؟ ، وقد قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في تذكرته ما هذا لفظه : ابن المبارك أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو حدثنا أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ليس من يوم إلا وتعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أعمال أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم ؛ فلذلك يشهد عليهم قال الله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ، قال : وقد تقدم أن الأعمال تعرض على الله تبارك وتعالى يوم الخميس ويوم الاثنين وعلى الأنبياء ، والآباء ، والأمهات يوم الجمعة ولا تعارض ، فإنه يحتمل أن يختص نبينا عليه الصلاة والسلام بالعرض كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء انتهى .
فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب ، والخطايا ؛ لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب ، إذ أنها أعظم من الجميع فليستبشر من زاره ويلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام من لم يزره اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك آمين يا رب العالمين .
ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ألم يسمع قول الله عز وجل : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا

(1/394)


الله توابا رحيما } فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا رحيما ؛ لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد ، وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه ، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من الحرمان ، وقد جاء بعضهم إلى زيارته صلى الله عليه وسلم فلم يدخل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، بل زار من خارجها أدبا منه رحمه الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم فقيل له : ألا تدخل فقال : أمثلي يدخل بلد سيد الكونين لا أجد نفسي تقدر على ذلك ، أو كما قال ، وقد قال مالك رحمه الله لرسول الخليفة لما أن أتى إليه بالبغلة ليركبها حتى يأتي إليه لعذره في كونه لا يقدر على المشي ؛ لأنه قد كان انخلعت يداه وركبتاه من الضرب الذي قد وقع به رضي الله عنه في الحكاية المشهورة عنه فأبى أن يركب ، وقال : موضع وطئه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقدامه الكريمة ما كان لي أن أطأه بحافر بغلة ومشى إليه متكئا على رجلين يجر رجليه حتى بلغ إلى الخليفة في خارج المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وجرى له معه ما جرى .
وقد قال مالك رحمه الله للخليفة لما أن سأله إذا دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم هل يتوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو إلى القبلة فقال مالك رحمه الله وكيف تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه الصلاة والسلام قال

(1/395)


القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله في كتاب الشفاء له : وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها روي عن ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { من زار قبري وجبت له شفاعتي } .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من زارني في المدينة محتسبا كان في جواري وكنت له شفيعا يوم القيامة } وفي حديث آخر { من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي } قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه رحمه الله تعالى ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة ، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه ، والعمود الذي يستند إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه وبمن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين ، والاعتبار بذلك كله وقال ابن أبي زيد سمعت بعض من أدركته يقول : بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } ، ثم قال صلى الله عليك يا محمد يقولها سبعين مرة ناداه ملك : صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة وعن زيد بن أبي سعيد المهدي قال : قدمت على عمر بن عبد العزيز فلما ودعته قال لي ألك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام قال غيره وكان يبرد إليه

(1/396)


البريد من الشام قال مالك في رواية ابن وهب : إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ، ويدنو ويسلم عليه ولا يمس القبر بيده ، وقال نافع : كان ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة ، وأكثر ما يفعل يجيء إلى القبر فيقول : السلام على النبي صلى الله عليه وسلم السلام على أبي بكر السلام على أبي حفص ، ثم ينصرف وقال ابن حبيب : ويقول إذا دخل مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام : بسم الله وسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام ، والسلام علينا من ربنا وصلى الله وملائكته على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك واحفظني من الشيطان الرجيم ، ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر ، والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فيهما وتسأله تمام ما خرجت إليه ، والعون عليه .
وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتك ، وفي الروضة أفضل ، ثم تقف بالقبر متواضعا متوقرا فتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتثني عليه بما يحضرك وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما قال مالك في كتاب محمد : يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل وخرج قال محمد وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر ، وكذلك من خرج مسافرا ، وقال مالك في المبسوطة : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر ، وإنما ذلك للغرباء فقيل له إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه إلا يفعلون ذلك

(1/397)


في اليوم مرة ، أو أكثر فيسلمون ويدعون ساعة فقال : لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ويكره ذلك إلا لمن جاء من سفر ، أو أراده قال ابن القاسم ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها ، أو دخلوها أتوا القبر فسلموا قال ، وذلك دأبي قال الباجي : ففرق بين أهل المدينة ، والغرباء ؛ لأن الغرباء قاصدون إلى ذلك ، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر ، والتسليم .
وفي العتبية يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي ومن وقف بالقبر لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا انتهى .
يعني بالوقوف طويلا أن الحجرة الشريفة داخل الدرابيز ، فإذا وقف طويلا ضيق على غيره ، وأما لو وقف خارج الدرابيز فذلك الموضع في المسجد فلا يمنع منه ؛ لأن له فيه حق الصلاة وانتظارها ، والاعتكاف وغير ذلك ، وينبغي له أن لا يدخل من داخل الدرابيز التي هناك ؛ لأن المكان محل احترام وتعظيم فينبه العالم غيره على ذلك ويحذرهم من تلك البدع التي أحدثت هناك فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام ويتمسح به ويقبله ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك ، وذلك كله من البدع ؛ لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له عليه الصلاة والسلام وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام

(1/398)


إلا من هذا الباب

(1/399)


ولأجل ذلك كره علماؤنا رحمة الله عليهم التمسح بجدار الكعبة ، أو بجدران المسجد ، أو بالمصحف إلى غير ذلك مما يتبرك به سدا لهذا الباب ولمخالفة السنة ؛ لأن صفة التعظيم موقوفة عليه صلى الله عليه وسلم ، فكل ما عظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم نعظمه ونتبعه فيه ، فتعظيم المصحف قراءته ، والعمل بما فيه لا تقبيله ولا القيام إليه كما يفعل بعضهم في هذا الزمان ، وكذلك المسجد تعظيمه الصلاة فيه لا التمسح بجدرانه .
وكذلك الورقة يجدها الإنسان في الطريق فيها اسم من أسمائه تعالى ، أو اسم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
ترفيعه إزالة الورقة من موضع المهانة إلى موضع ترفع فيه لا بتقبيلها ، وكذلك الخبز يجده الإنسان ملقى بين الأرجل ؛ تعظيمه أكله لا تقبيله ، وكذلك الولي تعظيمه اتباعه لا تقبيل يده وقدمه ، ولا التمسح به ، فكذلك ما نحن بسبيله تعظيمه باتباعه لا بالابتداع عنده ، ومن هذا الباب أيضا قول بعضهم في المصحف مصيحف ، وفي الكتاب كتيب ، ومثل ذلك قولهم حين مناولتهم المصحف ، والكتاب لفظة حاشاك ، ومن ذلك قولهم في المسجد مسيجد وفي الدعاء ادع لي دعيوة إلى غير ذلك .
وهذه الألفاظ شنيعة قبيحة لو علموا ما فيها من الخطر ما تكلموا بها ، إذ أن كل ذلك تعظيمه مطلوب ، والتصغير ضده ، وقد قال : عليه الصلاة والسلام { لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } انتهى ، فإذا كان هذا الذم العظيم فيمن اتخذ الموضع مسجدا فكيف بالطواف

(1/400)


عنده

(1/401)


، وأما أكل التمر عنده في الروضة المشرفة فممنوع ، إذ أن فيه قلة أدب واحترام معه ومع مسجده ومع روضته التي عظمها ورفعها عليه الصلاة والسلام هذا وجه .
الوجه الثاني : أن عامتهم يلقون النوى هناك وهو أذى فيجتمع عليه الذباب ، وفي ذلك من الأذى للموضع الشريف ما فيه .
الثالث : أنه يعامل الموضع الذي عظمه عليه الصلاة والسلام بالنقيض ؛ لأنه إذا أكل التمر حصل لعابه في النواة ، ثم يأخذها ويلقيها في المسجد ولعابه عليها ، وهذا بصاق في المسجد ، وفيه من سوء الأدب وقلة الاحترام ما هو مشاهد مرئي أسأل الله تعالى السلامة بمنه

(1/402)


فإذا زاره صلى الله عليه وسلم ، فإن قدر أن لا يجلس فهو به أولى ، فإن عجز ، فله أن يجلس بالأدب ، والاحترام ، والتعظيم ، وقد لا يحتاج الزائر في طلب حوائجه ومغفرة ذنوبه أن يذكرها بلسانه ، بل يحضر ذلك في قلبه وهو حاضر بين يديه صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أعلم منه بحوائجه ومصالحه وأرحم به منه لنفسه ، وأشفق عليه من أقاربه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : { إنما مثلي ومثلكم كمثل الفراش تقعون في النار وأنا آخذ بحجزكم عنها } .
أو كما قال ، وهذا في حقه صلى الله عليه وسلم في كل وقت وأوان أعني في التوسل به وطلب الحوائج بجاهه عند ربه عز وجل ومن لم يقدر له زيارته صلى الله عليه وسلم بجسمه فلينوها كل وقت بقلبه وليحضر قلبه أنه حاضر بين يديه متشفعا به إلى من من به عليه كما قال الإمام أبو محمد بن السيد البطليوسي رحمه الله تعالى في رقعته التي أرسلها إليه من أبيات إليك أفر من زللي وذنبي وأنت إذا لقيت الله حسبي وزورة قبرك المحجوج قدما مناي وبغيتي لو شاء ربي ، فإن أحرم زيارته بجسمي فلم أحرم زيارته بقلبي إليك غدت رسول الله مني تحية مؤمن دنف محب اللهم لا تحرمنا شفاعته ولا عنايته في الدنيا ، والآخرة وأدخلنا بفضلك في زمرة المتبعين له بإحسان إلى يوم الدين بجاهه عندك ، فإن جاهه عندك عظيم ، ثم يسلم على صاحبه وأول خلفائه أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويترضى عنه ويثني عليه بما حضره ، ثم

(1/403)


يفعل كذلك مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويتوسل بهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقدمهما بين يديه شفيعين في حوائجه ، ثم هو بالخيار إن شاء أن يخرج إلى البقيع ليزور من فيه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا أتى إلى البقيع بدأ بثالث الخلفاء عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ثم يأتي قبر العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يأتي من بعده من الأكابر وينوي امتثال السنة في كونه عليه الصلاة والسلام كان يزور أهل بقيع الغرقد ، وهذا نص في الزيارة فدل على أنها قربة بنفسها مستحبة معمول بها في الدين ظاهرة بركتها عند السلف ، والخلف ، وهذا الذي ذكر إنما هو فيمن كانت إقامته كثيرة بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة ، والسلام .
فأما الزائر أياما ويرجع فالأولى له أن لا يخرج من بين يديه ولا من مشاهدته وجواره ، والمقام عنده عليه الصلاة والسلام ، فإنه عروس المملكة وباب قضاء الحوائج دينا ودنيا وأخرى فيذهب إلى أين ، وقد فرق علماؤنا رحمة الله عليهم بين الأفاقي ، والمقيم في التنفل بالطواف ، والصلاة فقالوا : الطواف في حق الأفاقي أفضل له ، والتنفل في حق المقيم أفضل ، وما نحن بسبيله من باب أولى فمن كان مقيما خرج إلى زيارة أهل البقيع ومن كان مسافرا فليغتنم مشاهدته عليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد قال لي سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى لما أن دخل مسجد المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام : ما جلست في المسجد إلا الجلوس في

(1/404)


الصلاة ، أو كلاما هذا معناه ، وما زلت واقفا هناك حتى رحل الركب ولم أخرج إلى بقيع ولا غيره ولم أزر غيره صلى الله عليه وسلم ، وكان قد خطر لي أن أخرج إلى بقيع الغرقد فقلت : إلى أين أذهب ؟ هذا باب الله تعالى المفتوح للسائلين ، والطالبين ، والمنكسرين ، والمضطرين ، والفقراء ، والمساكين ، وليس ثم من يقصد مثله ، فمن عمل على هذا ظفر ونجح بالمأمول ، والمطلوب ، أو كما قال

(1/405)


ثم نرجع إلى زيارة قبور عامة المؤمنين كما تقدم ، وقد تقدم دليل ذلك ، فإذا زار فليعتبر في حال من زاره وما صار إليه في قبره من الحمإ المسنون وهي الطينة الحارة المنتنة العفنة ، وماذا سئل عنه ، وبماذا أجاب وما هو حاله هل في جنة ، أو ضدها ، ويتضرع إلى الله تعالى في الترحم عليه ورفع ما به من الكرب إن كان به ويسأل له جلب الرحمة ورفع الدرجات ويشعر نفسه أنه حصل في عسكرهم ، إذ كل آت قريب كما قيل : من عاش مات ومن مات فات وأنه الآن كأنه يسأل ويفكر في ماذا يجيب ، وهو في قبره وحيد فريد قد رحل عنه أهله ومعارفه وولده وماله فيكون مشغولا بهذا الاعتبار ، وهذا هو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام { : فزوروها فإنها تذكر الموت } انتهى .
فيتعلق بمولاه في الخلاص من هذه الأمور الخطرة العظيمة ويلجأ إليه ويتوسل

(1/406)


ولا يقرأ الزائر عند قبر الميت لما تقدم من شغله بما ذكر من الاعتبار وقراءة القرآن يحتاج صاحبها إلى التدبر وإحضار الفكرة فيما يتلوه وفكرتان في قلب واحد في محل واحد لا يجتمعان ، فإن قال قائل : أنا أعتبر في وقت وأقرأ في وقت آخر ، والقراءة إذا قرئت تنزل الرحمة ، إذ ذاك فلعل أن يلحق الميت من تلك الرحمة شيء ينفعه ، فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن السنة لم ترد بذلك وكفى بها .
الثاني : شغله بما تقدم من الفكرة ، والاعتبار في حال الموت وسؤال الملكين وغير ذلك .
والوقت محل لهذا فقط ولا يخرج من عبادة إلى عبادة أخرى سيما لأجل الغير .
الثالث : أنه لو قرأ في بيته وأهدى له لوصلت ، وكيفية وصولها أنه إذا فرغ من تلاوته وهب ثوابها له ، أو قال : اللهم اجعل ثوابها له فإن ذلك دعاء بالثواب ؛ لأن يصل إلى أخيه ، والدعاء يصل بلا خلاف ، وإذا كان كذلك فلا يحتاج أن يقرأ على القبور .
الرابع : أنه قد يكون قراءة القرآن على قبره سببا لعذابه ، أو لزيادته منه ؛ لأنه كلما مرت به آية لم يعمل بها فيقال له : أما قرأتها أما سمعتها فكيف خالفتها فيعذب ، أو يزاد في عذابه لأجل مخالفته لها كما نقل عن بعض من اتصف بشيء مما ذكر ؛ أنه رئي في عذاب عظيم فقيل له : أما تنفعك القراءة التي تقرأ عندك ليلا ونهارا فقال : إنها سبب لزيادة عذابي وذكر ما تقدم سواء بسواء ، وقد سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يقول : إن القراءة على القبور بدعة وليست بسنة وإن مذهب

(1/407)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية