صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

باب ـ لايأتي زمان إلا و الذي بعده شر منه و في ظهور الفتن
البخاري عن الزبير بن عدي قال : أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج فقال : [ اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا و الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ] سمعته من نبيكم صلى الله عليه و سلم و خرجه الترمذي و قال : حديث حسن صحيح
[ و عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : يتقارب الزمان و ينقص العلم و يلقى الشح و تظهر الفتن و يكثر الهرج قالوا يا رسول الله : أيم هو ؟ قال : القتل القتل ] أخرجه البخاري و مسلم
فصل
قوله : [ يتقارب الزمان ] قيل معناه قصر الأعمار و قلة البركة فيها و قيل هو دنو زمان الساعة و قيل هو قصر مدة الأيام على ما روي [ أن الزمان يتقارب حتى تكون السنة كالشهر و الشهر كالجمعة و الجمعة كاليوم و اليوم كالساعة و الساعة كاحتراق الشمعة ] أخرجه الترمذي و قال هذا حديث حسن غريب و قيل في تأويله غير هذا
وق حماد بن سلمة : سألت أبا سنان عن قوله يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر و قال : ذلك من استلذاذ العيش قال الخطابي : يريد و الله أعلم زمان خروج المهدي و وقوع الأمنة في الأرض فيما يبسطه من العدل فيها على ما يأتي و يستلذ عند ذلك و تستقصر مدته و لا يزال الناس يستقصرون مدة ايام الرخاء و إن طالت و امتدت و يستطيلون أيام المكروه و إن قصرت و قلت و العرب تقول في مثل هذا : مر ينا يوم كعرقوب القطا قصرا و يلقى الشح بمعنى يتلقى و يتعلم و يتواصى عليه و يدعى إليه و منه قوله تعالى { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه } أي تقبلها و تعلمها و يجوز يلقى بتخفيف اللام و القاف على معنى يترك لإفاضة المال و كثرته حتى يهم رب المال من يقبل صدقته فلا يجد من يقبلها على ما يأتي و لا يجوز أن يكون يلقى بمعنى يوجد لأن الشح مازال موجودا قبل تقارب الزمان

(1/627)


باب ما جاء في الفرار من الفتن و كسر السلاح و حكم المكره عليها
مالك [ عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع شغف الجبال و مواقع القطر يفر بدينه من الفتن ]
مسلم [ عن أبي بكرة قال : قال رسول الله : إنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشي و الماشي فيها خير من الساعي إليها ألا فإذا نزلت و وقعت فمن كانت له إبل فليحلق بإبله و من كان له غنم فليحلق بأرضه قال فقال له رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل و لا غنم و لا أرض قال : يعمد إلى سيفة فيدق عليه بحجر ثم لينج إن استطاع النجاة اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت قال فقال رجل يا رسول الله : أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فيضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني قال يبوء بإثمه و إثمك و يكون من أصحاب النار ]
[ و عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم و القائم فيها خير من الماشي و الماشي خير من الساعي من يشرف لها تستشرفه و من و جد فيها ملجأ فليعذ به ] قال : حديث حسن صحيح

(1/628)


باب منه و الأمر بلزوم البيوت عند الفتن
ابن ماجه [ عن أبي بردة قال : دخلت على محمد بن مسلمة فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إنها ستكون فتنة و خلاف و فرقة و اختلاف فإذا كان ذلك فائت بسيفك أحدا فاضرب به حتى ينقطع ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية ] قد وقعت و فعلت ما قال النبي صلى الله عليه و سلم
أبو داود [ عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا و يمسي كافرا القاعد فيها خير من القائم و القائم فيها خير من الساعي قالوا فما تأمرنا ؟ قال و كونوا أحلاس بيوتكم ]
فصل
قال علماؤنا رحمه الله عليهم : كان محمد بن مسلمة رضي الله عنه ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف و القتال و أن النبي صلى الله عليه و سلم أمره إذا كان ذلك أن يتخذ سيفا من خشب ففعل و أقام بالربذة و ممن اعتزل الفتنة أبو بكرة و عبد الله بن عمر ! و أسامة ابن زيد و أبو ذر و حذيفة و عمران بن حصين و أبو موسى و أهبان و سعد بن أبي وقاص و غيرهم و من التابعين شريح و النخعي و غيرهما رضي الله عنهم
قلت : هذا و كانت تلك الفتنة و القتال بينهم على الاجتهاد منهم فكان المصيب منهم له أجران و المخطئ له أجر و لم يكن قتال على الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلبا للملك والاستكثار من الدنيا فواجب على الإنسان أن يكف اليد و اللسان عند ظهور الفتن و نزول البلايا و المحن نسأل الله السلامة و الفوز بدار الكرامة بحق نبيه و آله و أتباعه و صحبه و قوله : [ كونوا أحلاس بيوتكم ] حض على ملازمة البيوت و القعود فيها حتى يسلم من الناس و يسلموا منه و من مراسيل الحسن و غيره عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ نعم صوامع المؤمنين بيوتهم ] و قد تكون العزلة في غير البيوت كالبادية و الكهوف قال الله تعالى { إذ أوى الفتية إلى الكهف }
و دخل سلمة بن الأكوع على الحجاج و كان قد خرج إلى الربذة حين قتل عثمان و تزوج امرأة هناك و ولدت له أولادا فلم يزل بها حتى كان قبل أن يموت بليال فدخل المدينة له الحجاج : ارتددت على عقيبك ؟ قال : لا و لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم أذن لنا في البدو
و خرجه مسلم و غيره و قد تقدم قوله صلى الله عليه و سلم [ يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع به شغف الجبال و مواقع القطر يفر بدينه منة الفتن ] و ما زال الناس يعتزلون و يخالطو كل واحد منهم على ما يعلم من نفسه و يتأتى له من أمره و قد كان العمري بالمدينة معتزلا و كان مالك مخالطا للناس ثم اعتزل مالك آخر عمره رضي الله عنه فيروي عنه أنه أقام ثماني سنة لم يخرج إلى المسجد فقيل له في ذلك فقال : ليس كل واحد يمكنه أن يخبر بعذره و اختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال فقيل لئلا يرى المناكير و قيل لئلا يمشي إلى السلطان و قيل كانت به أبردة فكان يرى تنزيه المسجد عنها ذكرره القاضي أبو بكر بن العربي كتاب سراج المريدين له

(1/629)


باب منه و كيف التثبت في الفتنة و الاعتزال عنها و في ذهاب الصالحين
ابن ماجه عن عديسة بنت أعبان قالت : لما جاء علي بن أبي طالب ها هنا بالبصرة دخل على أبي فقال يا أبا مسلم : ألا تعينني على هؤلاء القوم ؟ قال : بلى فدعى جاريته فقال يا جارية : أخرجي سيفي قالت فأخرجته فسل منه قدر شبر فإذا هو خشب فقال : إن خليلي و ابن عمك صلى الله عليه و سلم عهد إلي إذا كانت فتنة بين المسلمين فاتخذ سيفا من خشب فإن شئت خرجت معك قال : لا حاجة لي فيك و لا في سيفك
[ و عن زيد بن شرحبيل عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظالم يصبح الرجل فيها مؤمنا و يمسي كافرا و يصبح كافرا و يمسي مؤمنا و القاعد فيها خير من القائم و القائم فيها خير من الماشي و الماشي فيها خير من الساعي فكسروا قسيكم و قطعوا أوتاركم و اضربوا بسيوفكم الحجارة فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير بني آدم ] أخرجه أبو داود أيضا
و خرج [ من حديث سعد بن أبي وقاص قلت يا رسول الله : إن دخل على بيتي و بسط يده إلي ليقتلني قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كن كخير ابني آدم و تلا هذه الآية { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } ] و
ابن ماجه [ عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال كيف بكم و بزمان يوشك أن يأتي فيغربل الناس فيه غربلة يبقى حثالة من الناس قد مزجت عهودهم و خفت أمانتهم و اختلفوا فكانوا هكذا و هكذا و شبك بين أصابعه قالوا : كيف بنا يا رسول الله ؟ إذا كان ذلك الزمان ؟ قال : تأخذون بما تعرفون و تدعون بما تنكرون و تقلبون على خاصتكم و تذرون أمر عامتكم ] أخرجه أبو داود أيضا
و خرجه أبو نعيم الحافظ بإسناده [ عن محمد بن كعب القرظي أن الحسن بن أبي الحسن حدثه أنه سمع شريحا و هو قاضي عمر بن الخطاب يقول : قال عمر بن الخطاب قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس قد مزجت عهودهم و خربت أماناتهم فقال قائل : كيف بنا يا رسول الله ؟ قال تعلمون بما تعرفون و تتركون ما تنكرون و تقولون : أحد أحد أنصرنا على من ظلمنا و اكفنا من بغانا ] غريب من حديث محمد بن كعب و الحسن و شريح ما علمت له وجها غير هذا
النسائي [ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا رأيت الناس مزجت عهودهم و خفت أماناتهم و كانوا هكذا و هكذا و شبك بين أصابعه فقمت إليه فقلت له : كيف أصنع عند ذلك يا رسول الله جعلني الله فداك ؟ قال : الزم بيتك و أملك عليك لسانك و خذ ما تعرف ودع ما تنكر و عليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ] خرجه أبو داود أيضا
الترمذي [ عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به و هلك و يأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا ] قال هذا حديث غريب و في الباب عن أبي ذر رضي الله عنه
فصل
قوله : و يوشك معناه يقرب و قوله : فيغربل الناس فيها غربلة عبارة عن موت الأخيار و بقاء الأشرار كما يبقى الغربال من حثالة ما يغربله و الحثالة ما يغربله و الحثالة : ما يسقط من قشر الشعير و الأرز و التمر و كل ذي قشر إذا بقي و حثالة الدهن تفله و كأنه الرديء من كل شيء و يقال : حثالة و حفالة بالثاء و الفاء معا
كما روى ابن ماجه [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لتنتقون كما ينتقي التمر من أغفاله و ليذهبن خياركم و ليبقين شراركم فموتوا إن استطعتم ]
و خرج البخاري [ عن مرداس الأسلمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يذهب الصالحون الأول فالأول و يبقى حفالة كحفالة الشعير و التمر لا يباليهم الله بالة ] و في رواية لا يعبأ الله بهم يقال ما أباليه بالة و بال و بلى مقصور و مكسور الأول مصدر و قيل اسم أي ما كثرت به و البال الاكتراث و الاهتمام بالشيء و الصالحون هم الذين أطاعوا الله و رسوله و عملوا بما أمرهم به و انتهوا عما نهاهم عنه
قال أبو الخطاب بن دحية و مرداس و هذا هو مرداس بن مالك الأسلمي من أسلم بفتح اللام سكن الكوفة و هو معدود في أهلها و لم يحفظ له من طريق صحيح سوى هذا الحديث
قال المؤلف رحمه الله : انفرد به البخاري رحمه الله روى عن قيس بن أبي حازم في الرقاق و مزجت معناه اختلطت و اختلفت و المزج الاختلاط و الاختلاف

(1/631)


باب الأمر بتعليم كتاب الله و اتباع ما فيه و لزوم جماعة المسلمين عند غلبة الفتن و ظهورها و صفة دعاة آخر الزمان و الأمر بالسمع و الطاعة للخليفة و إن ضرب الظهور و أخذ المال
أبو داود [ عن نصر بن عاصم الليثي قال : أتينا اليشكري في رهط من بني ليث فقال : من القوم ؟ قال بنو الليث أتيناك نسألك عن حديث حذيفة فقال : أقبلنا مع أبي موسى قافلين و غلت الدواب بالكوفة قال : فسألت أبا موسى الأشعري أنا و صاحب لي فأذن لنا فقدمنا الكوفة فقلت لصاحبي : أنا داخل المسجد فإذا قامت السوق خرجت إليك قال : فدخلت المسجد فإذا فيه حلقة كأنما قطعت رؤوسهم يستمعون إلى حديث رجل واحد قال فقمت عليهم فجاء رجل فقام إلى جنبي قال فقلت من هذا ؟ قال : أبصري أنت ؟ قال : قلت نعم قال : قد عرفت و لو كنت كوفيا لم تسأل عن هذا هذا حذيفة فدنوت منه فسمعت حذيفة رضي الله عنه يقول : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخير و كنت أنا أسأله عن الشر و عرفت أن الخير لن يسبقني قال فقلت يا رسول الله بعد هذا الخير شر قال : يا حذيفة تعلم كتاي الله و اتبع مافيه ثلاث مرات قلت يا رسول الله بعد هذا الخير شر ؟ قال : فتنة و شر قلت يا رسول الله : بعد هذا الخير شر ؟ قال : فتنة و شر قلت يا رسول الله بعد هذا الشر خير ؟ فقال : يا حذيفة تعلم كتاب الله و اتبع ما فيه قال : قلت يا رسول الله بعد هذا الشر خير ؟ قال : هدنة على دخن و جماعة على أقذاء فيهم أو فيها قلت يا رسول الله : الهدنة على الدخن ما هي ؟ قال : لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه قال قلت يا رسول الله بعد هذا الخير شر ؟ قال : فتن عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار فإن مت يا حذيفة و أنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم ]
و خرج أبو نعيم الحافظ [ عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : خذوا العطاء ما دام عطاء فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه و لستم بتاركيه يمنعكم من ذلك الفقر و الحاجة إلا أن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار إلا أن الكتاب و السلطان سيتفرقان فلا تفارقوا الكتاب إلا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتوهم قتلوكم و إن أطعتموهم أضلوكم قالوا يا رسول الله : كيف نصنع ؟ قال : كما صنع أصحاب عيسى بن مريم عليهما الصلاة و السلام نشروا بالمناشير و حملوا على الخشب موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله ] خرجه في باب يزيد بن مرثد غريب من حديث معاذ لم يروه عنه إلا يزيد بن مرثد و عن الرضين بن عطاء
و خرج البخاري و مسلم و أبو داود [ عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة يقول : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخير و كنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية و شر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر ؟ قال : نعم فقلت : هل بعد ذلك من خير ؟ قال : نعم و فيه دخن قلت : و ما دخنه ؟ قال : قوم يستنون بغير سنتي و يهتدون بغير هديي تعرف منهم و تنكر فقلت : هل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله : صفهم لنا قال : نعم قوم من جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا فقلت يا رسول الله : فما تأمرني إن أدركت ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين و إمامهم قلت : فإن لم يكن لهم جماعة و لا إمام ؟ قال فاعتزل الفرق كلها و لو إن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت و أنت على ذلك ]
و في رواية قال : [ تكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي و لا يستنون بسنتي و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جسمان إنس قال فكيف أصنع يا رسول الله إن إدركت ذلك ؟ قال : تسمع و تطيع و إن ضرب ظهرك و أخذ مالك فاسمع و أطع ] لفظ مسلم
و في كتاب أبي داود [ بعد قوله هدنة على دخن قال قلت يا رسول الله : ثم ماذا ؟ قال إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك و أخذ مالك فأطعه و إلا فمت و أنت عاض في جذل شجرة قلت ثم ماذا ؟ قال : ثم يخرج الدجال و معه نهر و نار فمن وقع في ناره وجب أجره و حط وزره و من وقع في نهره وجب وزره و حط أجره قال ثم ماذا ؟ قال : هي قيام الساعة ]
فصل
قوله : على أقذاء الأقذاء جمع القذا و القذا جمع قذاة و هو ما يقع في العين من الأذى و في الطعام و الشراب من تراب أو نتن أو غير ذلك فالمراد به في الحديث الفساد الذي يكون في القلوب أي أنهم يتقون بعضهم بعضا و يظهرون الصلح و الاتفاق و لكنهم في باطنهم خلاف ذلك و الجذل : الأصل كما هو مبين في كتاب مسلم على أصل شجرة

(1/633)


باب منه إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار
مسلم [ عن الأحنف بن قيس قال : خرجت و أنا أريد هذا الرجل فلقيني أبو بكرة فقال : أين تريد يا أحنف ؟ قال : فقلت أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم يعني عليا قال فقال لي : يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إذا توجه المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار قال فقلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه قد أراد قتل صاحبه ] أخرجه البخاري و في بعض طرقه [ أنه كان حريصا على قتل صاحبه ]
فصل
قال علماؤنا : ليس هذا الحديث في أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم بدليل قوله تعالى { و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } فأمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية و لو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغي لتعطلت فريضة من فرائض الله و هذا يدل على أن قوله القول و المقتول في النار ليس في أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم لأنهم إنما قاتلوا على التأويل قال الطبري : لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين من المسلمين الهرب منه و لزوم المنازل و كسر السيوف لما أقيم حد و لا أبطل باطل و لوجد أهل النفاق و الفجور سبيلا إلى استحال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين و سبي نسائهم و سفك دمائهم بأن يتحزبوا عليهم و يكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولون هذه فتنة قد نهينا عن القتال فيها و أمرنا بكف الأيدي و الهرب منها و ذلك مخالف لقوله عليه الصلاة و السلام [ خذوا على أيدي أسفهائكم ]
قلت : فحديث أبي بكرة محمول على ما إذا كان القتال على الدنيا و قد جاء هكذا منصور فيما سمعناه من بعض مشايخنا : إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل و المقتول في النار خرجه البزار
و مما يدل على صحة هذا ما خرجه مسلم عن صحيحه [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم و الذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل و لا المقتول فيما قتل فقيل : كيف يكون ذلك ؟ قال الهرج القاتل و المقتول في النار ] فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهالة من طلب الدنيا أو أتباع هوى كان القاتل و المقتول في النار فأما قتال يكون على تأويل ديني فلا و أما أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم و رضي عنهم فيجب على المسلمين توقيرهم و الإمساك عن ذكر زللهم و نشر محاسبتهم لثناء الله عز و جل في كتابه فقال و قوله الحق { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } و قال : { محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } إلى آخر السورة و قال : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل } و كل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور و إن كان بعضهم أفضل من بعض و أكثر سوابق و قيل : إن من توقف من الصحابة حملوا الأحاديث الواردة بالكف عن عمومها فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف و القتال و ربما ندم بعضهم على ترك ذاك كعبد الله ابن عمر فإنه ندم على تخلفه عن نصرة علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فقال عند موته ما آسى على شيء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية يعني فئة معاوية و هذا هو الصحيح إن الفئة الباغية إذا علم منها البغي قوتلت قال عبد الرحمن بن أبزي : شهدنا صفين مع علي في ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان : قتل منهم ثلاث و ستون منهم عمار بن ياسر
و قال أبو عبد الرحمن السلمي : شهدنا مع علي صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم يتبعونه كأنه علم لهم قال و سمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة يا هاشم : تقدم الجنة تحت الأبارقة اليوم ألقى الأحبة محمدا و حزبه و الله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شغفات الجبال لعلمنا أنا على الحق و أنهم على الباطل قال :
( نحن ضربناكم على تنزيلة ... فاليوم نضربكم على تأويلة )
( ضربا يزيل الهام عن مقيلة ... و يذهل الخليل عن خليلة )
( أو يرجع الحق إلى سبيله )
قال : فلم أر أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ و سئل بعض المتقدمين عن الدماء التي وقعت بين الصحابة فقال : { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم و لا تسألون عما كانوا يعملون }
و قد أشبعنا القول في هذه المسألة في كتاب الجامع لأحكام القرآن في سورة الحجرات و الصواب ما ذكرناه لك أولا و الله أعلم
و روي عنه عليه الصلاة و السلام أنه قال : [ سيكون بين أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي ثم يستن بها قوم من بعدهم يدخلون به النار ]

(1/635)


باب جعل الله بأس هذه الأمة بينها
قال الله تعالى { أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض }
مسلم [ عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها و إن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها و أعطيت الكنزين الأحمر و الأبيض [ قال ابن ماجه في سننه يعني الذهب و الفضة ] و إني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة و أن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم و إن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد و إني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلهكم بسنة عامة و أن لا يسلط عليهم من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم و لو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا و يسبي بعضهم بعضا ] زاد أبو داود : [ و إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين و إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة و لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي المشركين و حتى يعبد قبائل من أمتي الأوثان و أنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون يزعم كلهم أنه نبي و أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي و لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ]
ابن ماجه [ عن معاذ بن جبل قال : صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما صلاة فأطال فيها فلما نصرف قلنا أو قالوا يا رسول الله : أطلت اليوم الصلاة قال : إني صليت صلاة رغبة و رهبة سألت الله لأمتي ثلاثا فأعطاني اثنتين و رد علي واحدة سألته ألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها و سألته ألا يهلكهم غرقا فأعطانيها و سألته ألا يجعل بأسهم بينهم فردها علي ]
و أخرجه مسلم [ عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أقبل ذات يوم من العالية و في رواية : في طائفة من أصحابه حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين فصلينا معه و دعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال : سألت ربي ثلاثا فأعطاني إثنتين و منعني واحدة سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها و سألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها و سألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ] و أخرجه الترمذي و النسائي و صححه و اللفظ النسائي
[ و عن خباب بن الأرت و كان شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه راقب رسول الله صلى الله عليه و سلم الليل كلها حتى كان الفجر فلما سلم رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلاته جاء خباب فقال يا رسول الله : بأبي أنت و أمي لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أجل إنها صلاة رغب و رهب سألت الله فيها لأمتي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين و منعني واحدة سألت ربي ألا يهلكنا بما أهلك الأمم فأعطانيها و سألت ربي عز و جل ألا يظهر عليها عدوا من غيرنا فأعطانيها و سألت ربي عز و جل ألا يلبيسنا شيعا فمنعنيها ]
ابن ماجه [ عن أبي موسى قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن بين الساعة لهرجا قال قلت يا رسول الله ما الهرج ؟ قال : القتل القتل فقال بعض المسلمين : يا رسول الله إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا و كذا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس بقتل المشركين و لكن بقتل بعضكم بعضا حتى يقتل الرجل جاره و ابن عمه و ذا قربته ] و ذكر الحديث و الله أعلم

(1/638)


باب ـ ما يكون من الفتن و إخبار النبي صلى الله عليه و سلم بها
مسلم [ عن حذيفة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مقاما ما ترك فيه شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به حفظ من حفظه و نسيه من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء و إن ليكون منه الشيء قد نسيه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه ]
و خردج أبو داود أيضا عنه قال : [ و الله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه و الله ما ترك رسول الله صلى الله عليه و سلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاث مائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه و اسم أبيه و اسم قبيلته ]
مسلم [ عن حذيفة بن اليمان قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسا أنبأنا فيه عن الفتنة فقال و هو يعد الفتن : منها ثلاثة لا يكدن يذرن شيئا و منهن فتن كرياح الصيف منها صغارا و منها كبار ] قال حذيفة : فذهب أولئك الرهط كلهم غيري
أبو داود [ عن عبد الله بن عمر : كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر الفتن فأكثر فيها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل يا رسول الله : و ما فتنة الأحلاس ؟ قال : هي هرب و خرب ثم فتنة السوء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني و ليس مني و إنما أوليائي المتقون ثم يصطلح الناس على رجل كودك على ضلع ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل انقضت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمنا و يمسي كافرا و يمسي مؤمنا و يصبح كافرا حتى يصير الناس فسطاطين : فسطاط إيمان لا نفاق فيه و فسطاط نفاق لا إيمان فيه فإذا كان ذلكم فانتظروا الدجال من سومه أو من غده ]
فصل
قول حذيفة : قيام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مقاما و في الرواية الأخرى مجلسا قد جاء مبينا في حديث أبي زيد قال : [ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم الفجر و صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى فصعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان و ما هو كائن فأعلمنا أحفظنا ] أخرجه مسلم
و روى الترمذي [ من حديث أبي سعيد الخدري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة العصر نهارا ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه و نسيه من نسيه ] فظاهر هذا أن ذلك المقام كان من بعد العصر لا قبل ذلك و هذا تعارض فيجوز أن يكون ذلك كله في يومين فيوم خطب فيه من بعد العصر و يوم قام فيه خطيبا كله و يجوز أن تكون الخطبة من بعد صلاة الصبح إلى غروب الشمس كما في حديث أبي زيد و اقتصر بعض الرواة في الذكر على ما بعد العصر كما في حديث أبي سعيد الخدري و فيه بعد و الله أعلم
و قوله : حتى ذكر فتنة الأحلاس قال الخطابي : إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها و طول لبثها يقال للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه : هو حلس بيته و يحتمل أن تسمى هذه الفتنة بالأحلاس لسوادها و ظلمتها و الحرب ذهاب الأهل و المال يقال حرب الرجل فهو حريب إذا سلب أهله و ماله و من هذا المعنى أخذ لفظ الحرب لأن فيها ذهاب النفوس و الأموال و الله أعلم و الدخن : الدخان يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه و قوله : كودك على ضلع مثل و معناه الأمر الذي لا يثبت و لا يستقيم يريد أن هذا الرجل غير خليق بالملك و الدهيماء : تصغير الدهماء على معنى المذمة لها و التعظيم لأمرها كما قال : [ دويهية تصفر منها الأنامل ] أي ههذ الفتنة سوداء مظلمة و دلت أحاديث هذا الباب على أن الصحابة رضي الله عنهم كان عندهم من علم الكوائن إلى يوم القيامة العلم الكثير لكن لم يشيعوها إذ ليست من أحاديث الأحكام و ما كان فيه شيء من ذلك حدثوا به و تقصروا عنه
و قد روى البخاري عن أبي هريرة قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه و سلم وعاءين أما أحدهما فبثثته و أما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم قال أبو عبد الله البلعوم مجرى الطعام و الفسطاط الخيمة الكبيرة و تسمى مدينة مصر الفسطاط و المراد به في هذا الحديث الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى تشبيها بانفراد الخيمة عن الأخرى و تشبيها بانفراد المدينة عن الأخرى حملا على تسمية مصر بالفسطاط و الله أعلم

(1/640)


باب ذكر الفتنة التي تموج موج البحر و قول النبي صلى الله عليه و سلم : هلاك أمتي على يد أغيلمة من سفهاء قريش
ابن ماجه عن شقيق عن حذيفة قال : كنا جلوسا عند عمر بن الخطاب فقال : أيكمك يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم في الفتنة ؟ قال حذيفة : فقلت أنا فقال إنك لجزيء قال : كيف سمعه يقول ؟ قلت سمعته يقول [ فتنة الرجل في أهله و ماله و جاره يكفرها الصلاة و الصيام و الصدقة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ] فقال عمر : ليس هذا أريد التي تموج موج البحر قال مالك و لها يا أمير المؤمنين إن بينك و بينها بابا مغلقا قال يفتح الباب أو يكسر قال : بل يكسر قال : ذلك أجدر أن لا يغلق فقلت لحذيفة أكان عمر يعلم من الباب ؟ قال : نعم كما يعلم أن دون غد الليلة فقلت لحذيفة أكان عمر يعلم من الباب ؟ قال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط قال فهبنا أن نسأله من الباب فقلنا لمسروق : سله فسأله : هو عمر أخرجه البخاري و مسلم أيضا
و خرج الخطيب أبو بكر بن أحمد بن علي من حديث مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب دخل على بني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فوجدها تبكي فقال : ما يبكيك ؟ قالت هذا اليهودي لكعب الأحبار يقول إنك باب من أبواب جهنم فقال عمر : ما شاء الله إني لأرجو أن يكون الله خلقني سعيدا قال ثم خرج فأرسل إلى كعب فدعاه فلما جاءه كعب قال يا أمير المؤمنين : و الذي نفسي بيده لا تنسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة فقال عمر : أي شيء هذا ؟ مرة في الجنة و مرة في النار قال : و الذي نفسي بيده إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها فإذا مت لم يزالوا يتقحمون فيها إلى يوم القيامة
البخاري عن عمرو بن يحيى بن سعيد قال : أخبرني جدي قال : كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة و معنا مروان فقال أبو هريرة : سمعت الصادق المصدوق يقول : [ هلكة أمتي على يد أغيلمة من قريش ] قال مروان لعنة الله عليهم من أغيلمة قال أبو هريرة : لو شئت أن أقول بني فلان و بني فلان لفعلت فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حتى تملكوا بالشام فإذا رآهم أحداثا و غلمانا قال لنا : عسى هؤلاء أن يكونوا منهم قلنا : أنت أعلم
الغلام الطار الشارب و الجمع الغلمة و الغلمان و نص مسلم في صحيحه في كتاب الفتن [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : يهلك أمتي هذا الحي من قريش قال : فما تأمرنا ؟ قال : لو أن الناس اعتزلوهم ]
فصل
قال علماؤنا رحمة الله عليهم : هذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان عنده من علم الفتن ؟ العلم الكثير و التعيين على من يحدث عنه الشر الغزير ألا تراه يقول لو شئت قلت لكم هم بنو فلان و بنو فلان لكنه سكت عن تعيينهم مخافة ما يطرأ من ذلك من المفاسد و كأنهم و الله أعلم يزيد بن معاوية و عبيد الله بن زياد و من تنزل منزلتهم من أحداث ملوك بني أمية فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و سبيهم و قتل خيار المهاجرين و الأنصار بالمدينة و بمكة و غيرها و غير خاف ما صدر عن الحجاج و سليمان بن عبد الملك و ولده من سفك الدماء و إتلاف الأموال و إهلاك الناس بالحجاز و العراق و غير ذلك و بالجملة و غير ذلك و بالجملة فبنو أمية قابلوا وصية النبي صلى الله عليه و سلم في أهل بيته و أمته بالمخالفة و العقوق فسفكوا دماءهم و سبوا نساءهم و أسروا صغارهم و خربوا ديارهم و جحدوا فضلهم و شرفهم و استباحوا لعنهم و شتمهم فخالفوا رسول الله صلى الله عليه و سلم في وصيته و قابلوه بنقيض مقصودة و أمنيته فواخجلتهم إذا وقفوا بين يديه و افضحيتهم يوم يعرضون عليه و الله أعلم

(1/642)


باب ما جاء في بيان مقتل الحسين رضي الله عنه و لا رضي عن قاتله
ذكر أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ قال : [ حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا محمد بن إبراهيم الحلواني قال ابن السكن و أخبرني أبو بكر محمد بن محمد بن إسماعيل حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الحداد قالا : حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد قال : حدثنا عطاء بن مسلم عن أشعث بن سحيم عن أبيه عن أنس بن الحارث قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق فمن أدركه منكم فلينصره ] فقتل أنس يعني مع الحسين بن علي عليهما السلام
أنبأناه إجازة الشيخ الفقيه القاضي أبو عامر عن أبي القاسم بن بشكوال عن أبي محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عتاب و أبي عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد عن أبي عمر بن عبد البر قال : حدثنا الحافظ أبو القاسم خلف بن القاسم قال : حدثنا الإمام الحافظ أبو علي بن السكن فذكره
و خرج الإمام أحمد في مسنده قال : [ حدثنا مؤمل قال : حدثنا عمارة بن زاذان حدثنا ثابت عن أنس أن ملك المطر استأذن أن يأتي النبي صلى الله عليه و سلم فأذن له فقال لأم سلمة : أملكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد قال : و جاء الحسين ليدخل فمنعه فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي صلى الله عليه و سلم و على منكبيه و على عاتقه قال : فقال الملك للنبي صلى الله عليه و سلم أتحبه ؟ قال : نعم قال : أما إن أمتك ستقتله و إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أم سلمة فصرتها في خمارها ] قال ثابت : بلغنا أنها كربلاء
و قال مصعب بن الزبير : حج الحسين خمسة و عشرين حجة ماشيا و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم فيه و في الحسن : [ إنهما سيدا شباب أهل الجنة و قال : هما ريحانتاي من الدنيا و كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا رآهما هش لهما و ربما أخذهما ] كما روى أبو داود أنهما دخلا المسجد و هو يخطب فقطع خطبته و نزل فأخذهما و صعد بهما قال : [ رأيت هذين فلم أصبر ] و كان يقول فيهما [ اللهم إني أحبهما و أحب من يحبهما ] و قتل رحمه الله و لا رحم قاتله يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى و ستين بكربلاء بقرب موقع يقال له الطف بقرب من الكوفة
قال أهل التواريخ : لما مات معاوية و أفضت الخلافة إلى يزيد و ذلك سنة ستين ـ و وردت البيعة على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ بالبيعة إلى أهلها أرسل إلى الحسين بن علي و إلى عبد الله بن الزبير ليلا فأتي بهما فقال : بايعا فقالا : مثلنا لا يبايع سرا و لكن نبايع على رؤوس الناس إذ أصبحنا فرجعا إلى بيوتهما و خرجا من ليلتهما إلى مكة و ذلك ليلة الأحد بقيتا من رجب فأقام الحسين بمكة شعبان و رمضان و شوالا و ذا القعدة و خرج يوم التروية يريد الكوفة فبعث عبد الله بن زياد خيلا لمقتل الحسين و أمر عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فأدركه بكر بلاء و قيل : إن عبيد الله بن زياد كتب إلى الحر بن يزيد الرياحي أن جعجع بالحسين قال أهل اللغة أراد أحبسه و ضيق عليه و الجعجع : الجعجاع الموضع الضيق من الأرض ثم أمده بعمرو بن سعد في أربعة آلاف ثم ما زال عبيد الله يزيد العساكر و يستفز الجماهير إلى أن بلغوا اثنين و عشرين ألفا و أميرهم عمرو بن سعد و وعده أن يملكه مدينة الري فباع الفاسق الرشد بالغي و في ذلك يقول :
( أأترك ملك الري و الري منيتي ... و أرجع مأثوما بقتل حسين )
فضيق عليه اللعين أشد تضييق و سد بين يديه وضح الطريق إلى أن قتله يوم الجمعة و قيل يوم السبت العاشر من المحرم و قال ابن عبد البر في الاستيعاب : قتل يوم الأحد لعشر مضين من المحرم بموضع من أرض الكوفة يقال له كربلاء و يعرف بالطف أيضا و عليه جبة خزد كفاء و هو ابن ست و خمسين سنة قاله نسابة قريش الزبير بن بكار و مولده الخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة و فيها كانت غزوة ذات الرقاع و فيه قصرت الصلاة و تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم أم سلمة و اتفقوا على أنه قتل يوم عاشوراء العاشر من المحرم سنة إحدى و ستين و يسمى عام الحزن و قتل معه اثنان و ثمانون رجلا من الصحابة مبارزة منهم الحر بن يزيد لأنه تاب و رجع مع الحسين ثم قتل جميع بنيه إلا عليا المسمى بعد ذلك بزين العابدين كان مريضا أخذ أسيرا بعد قتل أبيه و قتل أكثر إخوة الحسين و بني أعمامه رضي الله عنهم ثم أنشأ يقول :
( يا عين إبكي بعبرة و عويل ... و اندبي ـ إن ندبت آل الرسول )
( سبعة كلهم لصلب علي ... قد أصيبوا و تسعة لعقيل )
قال جعفر الصادق : وجد بالحسين ثلاث و ثلاثون طعنة بالسيف و أربع و ثلاثون ضربة و اختلفوا فيمن قتله فقال يحيى بن معين : أهل الكوفة يقولون : إن الذي قتل الحسين عمرو بن سعد قال ابن عبد البر : إنما نسب قتل الحسين إلى عمرو بن سعد لأنه كان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد إلى قتال الحسين و أمر عليهم عمرو بن سعد و وعده أن يوليه الري إن ظفر بالحسين و قتله و كان في تلك الخيل و الله أعلم قوم من مصر و من اليمين و في شعر سليمان بن فتنة الخزاعي و قيل : إنها لأبي الرميح الخزاعي ما يدل على الاشتراك في دم الحسين و قيل : قتله سنان بن أبي سنان النخعي و قال مصعب النسابة الثقة : قتل الحسين بن علي سنان بن أبي سنان النخعي و هو جد شريك القاضي و يصدق ذلك قول الشاعر :
( و أي رزية عدلت حسينا ... غداة تبيده كفا سنان )
و قال خليفة بن خياط : الذي ولي قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن و أمير الجيش عمرو بن سعد و كان شمر أبرص و أجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير حز رأسه و أتى به عبيد الله بن زياد و قال :
( أوقر ركابي فضة ذهبا ... أني قتلت الملك المحجبا )
( قتلت خير الناس أما و أبا ... و خيرهم ـ إذ ينسبون ـ نسبا )
هذه رواية أبي عمر بن عبد البر في الاستيعاب و قال غيره : تولى حمل الرأس بشر بن مالك الكندي و دخل به على ابن زياد و هو يقول :
( أوقر ركابي فضة ذهبا ... إن قتلت الملك المحجبا )
( و خيرهم إذ يذكرون النسبا ... قتلت خير الناس أما و أبا )
في أرض نجد و حرا و يثربا
فغضب ابن زياد من قوله و قال : إذا عملت أنه كذلك فلم قتلته ؟ و الله لا نلت مني خيرا أبدا و لألحقنك به ثم قدمه فضرب عنقه
و في هذه الرواية اختلاف و قد قيل إن يزيد بن معاوية هو الذي قتل القاتل
و قال الإمام أحمد بن حنبل : قال عبد الرحمن بن مهدي : [ حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه و يتتبعه فيها قال قلت يا رسول الله ما هذا ؟ قال : دم الحسين و أصحابه لم أزل أتبعه منذ اليوم ] قال عمار : فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم و هذا سند صحيح لا مطعن في و ساق القوم حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم كما تساق الأسرى حتى إذا بلغوا بهم الكوفة خرج الناس فجعلوا ينظرون إليهم و في الأسارى علي بن حسين و كان شديد المرض قد جمعت يداه إلى عنقه و زينب بنت علي و بنت فاطمة الزهراء و أختها أم كلثوم و فاطمة و سكينة بنت الحسين و ساق الظلمة و الفسقة معهم رؤوس القتلة
روى قطر عن منذر الثوري عن محمد بن الحنفية قال : قتل مع الحسين سبعة عشر رجلا كلهم من ولد فاطمة عليها الصلاة و السلام
و ذكر أبو عمر بن عبد البر عن الحسن البصري قال : أصيب مع الحسين بن علي ستة عشر رجلا من أهل بيته ما على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه و قيل : إنه قتل مع الحسين من ولده و أخوته و أهل بيته ثلاثة و عشرون رجلا
و في صحيح البخاري في المناقب عن أنس بن مالك : أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعل في طست فجعل ينكت و قال في حسنة شيئا فقال أنس : كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه و سلم و كان مخضوبا بالوسمة يقال : نكت في الأرض إذا أثر فيها و نكت بالحصباء إذا ضرب بها و كان الفاسق يؤثر في رأسه المكرم بالقضيب و أمد عبيد الله بن زياد من قور الرأس حتى ينصب في الرمح فتحاماه أكثر الناس فقام رجل يقال له طارق بن المبارك بل هو ابن المشؤوم الملعون المذموم فقوره و نصبه بباب دار عبيد الله و نادى في الناس و جمعهم في المسجد الجامع و خطب الناس خطبة لا يحل ذكرها ثم دعا بزياد ابن حر بن قيس الجعفي فسلم إليه رأس الحسين و رؤوس أخوته و بنيه و أهل بيته و أصحابه و دعي بعلى بن الحسين فحمله و حمل عماته و أخواته إلى يزيد على محامل بغير وطاء و الناس يخرجون إلى لقائهم في كل بلد و منزل حتى قدموا دمشق و دخلوا من باب توما و أقيموا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي ثم وضع الرأس المكرم بين يدي يزيد فأمر أن يجعل في طست من ذهب و جعل ينظر إليه و يقول هذه الأبيات :
( صبرنا و كان الصبر منا عزيمة ... و أسيافنا يقطعن كفا و معصما )
( نعلق هاما من رجال أعزة ... علينا و هم كانوا أعق و أظلما )
ثم تكلم بكلام قبيح و أمر بالرأس أن تصلب بالشام و لما صلبت أخفى خالد بن عفران شخصه من أصحابه و هو من أفاضل التابعين فطلبوه شهرا حتى وجدوه فسألوه عن عزلته فقال : ألا ترون ما نزل بنا :
( جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد ... متزملا بدمائه تزميلا )
( و كأنما بك يا ابن بنت محمد ... قتلوا جهارا عامدين رسولا )
( قتلوك عطشانا و لم يترقبوا ... في قلتك التنزيل و التأويلا )
( و يكبرون بأن قتلت و إنما ... قتلوا بك التكبير و التهليلا )
و اختلف الناس في موضع الرأس المكرم ؟ و أين حمل من البلاد ؟ فذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني أن يزيد حين قدم عليه رأس الحسين بعث به إلى المدينة فأقدم إليه عدة من موالي بني هاشم و ضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان ثم بعث بث الحسين و بقي من أهله معهم و جهزهم بكل شيء و لم يدع لهم حاجة المدينة إلا أمر بها و بعث برأس الحسين عليه السلام إلى عمرو بن سعيد العاص و هو إذ ذلك علمله على المدينة فقال عمرو وددت أنه لم يبعث به إلي ثم أمر عمرو بن سعيد بن العاص برأس الحسين عليه السلام فكفن و دفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة عليها الصلاة و السلام و هذا أصح ما قيل في ذلك و لذلك قال الزبير بن بكار الرأس حمل إلى المدينة و الزبير أعلم أهل النسب و أفضل العلماء لهذا السبب قال : حدثني بذلك محمد بن حسن المخزومي النسابة
و الإمامية تقول إن الرأس أعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يوما من المقتل و هو يوم معروف عندهم يسمون الزيارة فيه زيارة الأربعين و ما ذكر أنه في عسقلان في مشهد هناك أو بالقاهرة فشيء باطل لا يصح و لا يثبت و قد قتل الله قاتله صبرا و لقي حزنا و ذعرا و جعل رأسه الذي اجتمع فيه العيب و الذم في الموضع الذي جعل فيه رأس الحسين و ذلك بعد قتل الحسين بستة أعوام و بعث المختار به إلى المدينة فوضع بين يدي بني الحسين الكرام و كذلك عمرو بن سعد و أصحابه اللئام ضربت أعناقهم بالسيف و سقوا كأس الحمام و بقي الوقوف بين يدي الملك العلام في يوم { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي و الأقدام }
و في الترمذي : حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير قال : لما أتي برأس عبيد الله بن زياد و أصحابه نصبت في المسجد في الرحبة فانتهيت إليهم و هم يقولون قد جاءت فإذا هي حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا : جاءت قد جاءت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا
قال العلماء : و ذلك مكافأة لفعله برأس الحسين و هي من آيات العذاب الظاهرة عليه ثم سلط الله عليهم المختار فقتلهم حتى أوردهم النار و ذلك أن الأمير مذحج بن إبراهيم بن مالك لقي عبيد الله بن زياد على خمسة فراسخ من الموصل و عبيد الله في ثلاثة و ثلاثين ألفا و إبراهيم في أقل من عشرين ألفا فتطاعنوا بالرماح و تراموا بالسهام و اصطفقوا بالسيوف إلى أن اختلط الظلام فنظر إبراهيم إلى رجل عليه بزة حسنة و درع سابغة و عمامة خز دكناء و ديباجة خضراء من فوق الدرع و قد أخرج يده من الديباجة و رائحة المسك تشم عليه و في يده صحيفة له مذهبة فقصده الأمير إبراهيم لا لشيء إلا لتلك الصحيفة و الفرس الذي تحته حتى إذا لحقه لم يلبث أن ضربه ضربة كانت فيها نفسه فتناول الصحيفة و غار الفرس فلم يقدر عليه و لم يبصر الناس بعضهم بعضا من شدة الظلمة فتراجع أهل العراق إلى عسكرهم و الخيل لا تطأ إلا على القتلى فأصبح الناس و قد فقد من أهل العراق ثلاثة و سبعون رجلا و قتل من أهل الشام سبعون ألفا
( فيتعشوا منهم بسبعين ألفا ... أو يزيدون قبل وقت العشاء )
فلما أصبح وجد الأمير الفرس رده عليه رجل كان أخذه و لما علم أن الذي قتل هو عبيد الله بن زياد كبر و خر ساجدا و قال : الحمد لله الذي أجرى قتله على يدي فبعث به إلى المختار زيادة على سبعين ألف رأس في أولها أشد رؤوس أهل الفساد عبيد الله المنسوب إلى زياد
قال المؤلف رحمه الله : فقلت هذا من كتاب مرج البحرين في مزايد المشرقين و المغربين للحافظ أبي الخطاب بن دحية رضي الله عنه
فصل
و مثل صنيع عبيد الله بن زياد صنع قبله بشر بن أرطأة العامري الذي هتك الإسلام و سفك الدم الحرام و أذاق الناس الموت الزؤام لم يدع لرسول الله صلى الله عليه و سلم الذمام فقتل أهل بيته الكرام و حكم في مفارقهم الحسام و عجل لهم الحمام ذبح ابني عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب و هما صغيران بين يدي أمهما يمرحان و هما قثم و عبد الرحمن فوسوست أمهما و أصابها ضرب من الجان لم أشعله الثكل في قلبها من لهب النيران
روى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه في حديث فيه طول : كان أبو ذر الغفاري صاحب رسول الله يتعوذ من شر يوم البلاء و يوم العورة في صلاة صلاها أطال قيامها و ركوعها و سجودها قال : فسألناه مم تعوذت و فيم دعوت ؟ فقال : تعوذت من يوم البلاء و يوم العورة فإن نساء من المسلمات ليسبين ليكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها فدعوت الله عز و جل أن لا يدركني هذا الزمان و لعلكما تدركانه
و ذكر أبو عمر بن عبد البر قال : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن أنبأنا أبو محمد إسماعيل بن محمد الحبطلي ببغداد في تاريخه الكبير حدثنا محمد بن مؤمن بن حماد قال : حدثنا سلمان بن شيخ قال : حدثنا محمد بن عبد الحكم عن عوانة قال : أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بشر بن أرطأة في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة و عامل المدينة يومئذ لعلي عليه السلام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم ففر أبو أيوب و لحق بعلي رضي الله عنهما و دخل بشر المدينة فصعد منبرها فقال : أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس يعني عثمان بن عفان ثم قال يا أهل المدينة : و الله لولا ما عهدته إلى معاوية ما تركت فيها محتلما إلا قتلته ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية و أرسل إلى بني سلمة فقال ما لكم عند أمان و لا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله فأخبر جابر فانطلق حتى جاء الشام فأتى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم فقال لها : ماذا ترين فإني خشيت أن أقتل و هذه بيعة ضلالة فقالت : أرى أن تبايع و قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع فأتى جابر بشرا فبايعه لمعاوية و هدم بشر دورا بالمدينة ثم انطلق حتى أتى مكة و بها أبو موسى الأشعري فخاف أبو موسى على نفسه أن يقتله فهرب فقيل ذلك لبشر فقال : ما كنت لأقتله و قد خلع عليا و لم يطلبه و كتب أبو موسى إلى اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل من الناس من أبى أن يقر بالحكومة ثم مضى بشر إلى اليمن و عامل اليمن لعلي رضي الله عنه عبيد الله بن العباس فلما بلغه أمر بشر فر إلى الكوفة و استخلف على المدينة عبيد الله بن عبد مدان الحارثي فأتى بشر فقتله و قتل ابنه و لقي ثقل عبيد الله بن العباس و فيه ابنان صغيران لعبيد الله بن عباس فقتلهما و رجع إلى الشام
و ذكر أبو عمرو الشيباني قال : لما وجه معاوية بشر بن أرطاة لقتل شيعة علي رضي الله عنه سار إلى أن أتى المدينة فقتل ابني عبيد الله بن العباس و فر أهل المدينة حتى دخلوا الحرة حرة بني سليم و هذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بشر على همدان فقتل و سبى نساءهم فكن أول نساء سبين في الإسلام و قتل أحياء من بني سعد و قد اختلفوا كما ترى في أي موضع قتل الصغيرين من أهل البيت هل في المدينة أو في مكة أو في اليمن لأنه دخل هذه البلاد و أكثر فيها الفساد و أظهر لعلي رضي الله عنه العناد و أفرط في بعضه و زاد و سلط على أهل البيت الكريم الأجناد فقتل و سبى و أباد و لم يبق إلا أن يخد الأخاديد و يعد الأوتاد و كان معاوية قد بعثه في سنة أربعين إلى اليمن و عليها عبيد الله ابن العباس أخو عبد الله بن العباس ففر عبيد الله و أقام بشر باليمن و باع دينه ببخس من الثمن فأخاف السبيل و رعى المرعى الوبيل و باع المسلمات و هتك المحرمات فبعث علي رضي الله عنه في طلبة حارثة بن قدامة السعدي فهرب بشر إلى الشام و قد ألبس بذميم أفعاله ثياب العار و الذمام و بقي الوقوف بين يدي الملك العلام { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي و الأقدام } و رجع الشريف أبو عبد الله محمد إلى بلاد اليمن فلم يزل واليا عليهم حتى قتل علي رضي الله عنه و يقال : إن بشر بن أطأرة لم يسمع من النبي صلى الله عليه و سلم حرفا لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قبض و هو صغير فلا تصح له صحبة قاله الإمام أحمد بن حنبل و يحيى بن معين و غيرهما و قال آخرون : خوف في آخر عمره قال يحيى بن معين : و كان الرجل سوء قال المؤلف رحمه الله : كذا ذكره الحافظ أبو الخطاب بن دحية رحمه الله
و قد ذكر أبو داود [ عن جنادة عن ابن أبي أمية قال : كنا مع بشر بن أطأرة في البحر فأتى بشارق يقال له منصور و قد سرق بختية فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا تقطع الأيدي في الغزو و لولا ذلك لقطعته ]
قال أبو محمد عبد الحق : بشر هذا يقال ولد في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم و كانت له أخبار سوء في جانب علي و أصحابه و هو الذي ذبح طفلين لعبيد الله بن العباس ففقدت أمهما عقلها و هامت على وجهها فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره و يذهب عقله كان كذلك قال ابن دحية : و لما ذبح الصغيرين و فقدت أمهما عقلهما كانت تقف في الموسم تشعر شعرا يبكي العيون و يهيج بلابل الأحزان و العيون و هو هذا :
( هامن أحس بإبني اللذين هما ... كالدرتين تسطا عنهما الصدف )
يقال تسطعت العصاة إذا صارت فلقا قاله في المجمل و غيره
( هامس أحس بإنبي اللذين هما ... سمعي و عقلي فقلبي اليوم مختطف )
( حدثت بشرا و ما صدقت ما زعموا من قولهم و من الإفك الذي اقترف )
( أحنى على و دجي إبني مرهف ... مشحوذة وكذاك الإثم يقترف )

(1/643)


باب ما جاء أن اللسان في الفتنة أشد من وقع السيف
أبو داود [ عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ستكون تستطف قتلاها في النار اللسان فيها أشد من وقع السيف ] خرجه الترمذي و قال في حديث غريب و سمعت محمد بن إسماعيل يقول : لا يعرف لزياد بن سمين كوشى عن عبد الله بن عمر غير هذا الحديث الواحد
و روي موقوفا و ذكره أبو داود [ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له اللسان فيها كوقوع السيف ] أخرجه ابن ماجه أيضا [ عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إياكم و الفتن فإن اللسان فيها مثل وقع السيف ]
فصل
قلت : قوله [ تستنطف ] أي ترمي مأخوذ من نطف الماء أي قطر و النطفة الماء الصافي قل أو كثر و الجمع النطاف أي أن هذه الفتنة تقطر قتلاها في النار أي ترميهم فيها لأقتتالهم على الدنيا و اتباع الشيطان و الهوى و قتلاها بدل من قوله العرب هذا المعنى الذي ظهر لي في هذا و لم أقف فيه على شيء لغيري و الله أعلم قوله : [ اللسان فيها أشد من وقع السيف ] أي بالكذب عند أئمة الجور و نقل الأخبار إليهم فربما ينشأ عن ذلك من النهب و القتل و الجلد و المفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها
و في الصحيحين [ عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار بعد ما بين المشرق و المغرب ] و في رواية عنه قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي في النار أبعد ما بين المشرق و المغرب ] لفظ مسلم
و قد روي [ أن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقى لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا ] فقوله : من سخط الله أي مما يسخط الله و ذلك بأن يكون كذبة أو بهتانا أو بخسا أو باطلا يضحك به الناس كما جاء [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ويل للذي تكلم بالكلمة من الكذب ليضحك الناس ويل له و ويل له ]
و في حديث ابن مسعود [ إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الرفاهية من سخط الله ترديه بعد ما بين السماء و الأرض ] قال أبو زياد الكلابي : الرفاهية السعة في المعاش و الخصب و هذا أصل الرفاهية فأراد عبد الله بن أن يتكلم بالكلمة في تلك الرفاهية و الأتراف في دنياه مستهينا بها لما هو فيه من النعمة فيسخط الله عز و جل عليه قال أبو عبيدة و في الرفاهية لغة أخرى الرفاعية و ليس في هذا الحديث يقال : هو في رفاهية و رفاعية من العيش و قوله : صماء بكاء عمياء يريد أن هذه الفتنة لا تسمع و لا تبصر فلا تقلع و لا ترتفع لأنها لا حواس لها فترعوى إلى الحق و أنه شبهها لاختلاطها و فتل البريء فيها و السقيم بالأعمى الأصم الأخرس الذي لا يهتدي إلى شيء فهو يخبط عشواء و البكم الخرس في أصل الخلقة و الصم الطرش

(1/652)


باب الأمر بالصبر عند الفتن و تسليم النفس للقتل عندها و السعيد من جنبها
أبو داود [ عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أبا ذر قلت : لبيك رسول الله و سعديك و ذكر الحديث قال : كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت بالوصيف يعني القبر قلت الله و رسوله أعلم أو قال ما خار الله لي و رسوله قال عليك بالصبر أو قال تصبر ثم قال يا أبا ذر قلت لبيك و سعديك ؟ قال : كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت أحجار قد غرقت بالدم قلت : ما خار الله لي و رسوله قال عليك بمن أنت منه قال : قلت يا رسول الله أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي ؟ قال : شاركت القوم إذا قال : قلت : فما تأمرني ؟ قال تلزم بيتك قال قلت فإن دخل على بيتي ؟ قال : فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك بيوء بإثمه و إثمك خرجه ابن ماجه و قال تصبر من غير شك و زاد بعده قال : كيف أنت وجوع يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك أو لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك
قال : قلت الله و رسوله أعلم ما خار الله لي و رسوزله قال : عليك بالعفة ثم قال : كيف أنت و قتل يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم الحديث
و قال : فألق طرف ردائك على وجهك فيبوء بإثمه و إثمك فيكون من أصحاب النار ]
و في حديث عبد الله بن مسعود حين ذكر الفتنة قال : الزم بيتك قيل : فإن دخل على بيتي ؟ قال : فكن مثل الجمل الأورق الثقال الذي لا ينبعث إلا كرها و لا يمشي إلا كرها ذكره أبو عبيدة قال : حدثنيه أبو النضر عن المسعودي عن علي بن مدرك عن أبي الرواع عن عبد الله قال أبو عبيدة سمعت بعض الرواة يقول : الرواع و الوجه الرواع بضم الراء
أبو داود قال [ عن المقداد بن الأسود قال : وايم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن السعيد لمن جنب الفتن و لمن ابتلى فصبر فواها ]
الترمذي [ عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه : كالقابض على الجمر ] قال : حديث غريب
فصل
قوله بالوصيف الوصيف الخادم يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت و يدفنه إلا أن يعطى وصيفا أو قيمته و قد يكون معناه أن مواضع القبور تضيق عليهم فيبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف و قوله : غرقت بالدم أي لزمت و الغروق اللزوم فيه و يروى غرقت و أحجار الزيت موضع المدينة
روى الترمذي [ عن عمير مولى بن أبي اللحم عن أبي اللحم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم يستسقي و هو مقنع بكفيه يدعو ]
و ذكر عمر بن أبي شيبة في كتاب المدينة على ساكنها الصلاة و السلام قال : حدثنا محمد بن يحيى عن ابن أبي فديك قال : أدركت أحجار الزيت ثلاثة أحجار مواجهة بيت أم كلاب و هو اليوم يعرف ببيت بني أسد فعلا الكنيس الحجارة فاندفنت قال : و حدثنا محمد بن يحيى قال : و حدثنا محمد يحيى قال أخبرني أبو ضمرة الليثي عن عنان عن ابن الحارث بن عبيد عن هلال بن طلحة الفهري أن حبيب بن سلمة الفهري كتب إليه أن كعبا سألنسي أن أكتب له إلى رجل من قومي عالم بالأرض قال : فلما قدم كعب المدينة جاءني بكتابه ذلك فقال : أعالم أنت بالأرض ؟ قلت : نعم و كانت بالزوراء حجارة يضعون عليها الزياتون رواياهم فأقبلت حتى جئتها فقلت هذه أحجار الزيت فقال كعب لا و الله ما هذه صفتها في كتاب الله انطلق أمامي فإنك أهدى بالطريق مني فانطلقنا حتى جئنا بني عبد الأشهل فقال يا أبا هلال : إني أجد أحجار الزيت في كتاب الله تعالى فسأل القوم عنها و هم يومئذ متوافرون فسألهم عن أحجار الزيت و قال إنها ستكون بالمدبنة ملحمة عندها
فصل
و أما حديث ابن مسعود : كن مثل الجمل الأورق فقال الأصمعي الأورق و هو الذي في لونه بياض إلى سواد و منه قيل للرماد أورق و الحمامة ورقاء ذكره الأصمعي قال : و هو أطيب الإبل لحما و ليس بمحمود عند العرب في عمله و سيره و أما الثقال فهو البطيء قال عبيد : إنما خص عبد الله الأورق من الإبل لما ذكر من ضعفه عن العمل ثم اشترط الثقاتل أيضا فزاده إبطاء و ثقلا فقال : كن في الفتنة مثل ذلك و هذا إذا دخل عليك و إنما أراد عبد الله بهذا التبثط عن الفتنة و الحركة فيها
فصل
و أما أمره صلى الله عليه و سلم أبا ذر بلزوم البيت و تسليم النفس للقتل فقالت طائفة : ذلك عند جميع الفتن و غير جائز لمسلم النهوض في شيء منها قالوا : و عليه أن يستسلم للقتل إذا أريدت نفسه و لا يدفع عنها و حملوا الأحاديث على ظاهرها و ربما احتجوا من جهة النظر بأن قالوا : إن كل فريق من المقتتلين في الفتنة فإنه يقاتل على تأويل و إن كان في الحقيقة خطأ فهو عند نفسه محق و غير جائز لأحد قتله و سبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضي بقضاء مما اختلف فيه العلماء على ما يراه صوابا فغير جائز لغيره من الحكام نقضه إذا لم يخالف بقضائه ذلك كتابا و لا سنة و لا جماعة و كذلك المقتتلون في الفتنة كل حزب منهم عند نفسه محق دون غيره مما يدعون من التأويل فغير جائز لأحد قتالهم و إن هم قصدوا القتلى فغير جائز دفعهم و قد ذكرنا من تخلف عن الفتنة و قعدوا منهم عمران بن الحصين و ابن عمر و قد روي عنهما و عن غيرهما منهم عبيدة السلماني أن من اعتزل الفريقين فدخل بيته فأتى يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه و إن أبى الدفع عن نفسه فغير مصيب كقوله عليه الصلاة و السلام [ من أريدت نفسه و ماله فقتل فهو شهيد ] قالوا فالواجب على كل من أريدت نفسه و ماله فقتل ظلما دفع ذلك ما وجد إليه السبيل متأولا كان المريد أو معتمدا للظلم
قلت : هذا هو الصحيح من القولين إن شاء الله تعالى و في صحيح مسلم [ عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال : فلا تعطه مالك قال : أرأيت إن قاتلني قال : قاتله قال : أرأيت إن قتلني قال : فأنت شهيد قال : أرأيت إن قتلته قال : هو في النار ]
و قال ابن المنذر : ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من قتل دون ماله فهو شهيد ] و قد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص و دفعهم عن أنفسهم و أموالهم و هذا مذهب ابن عمر و الحسن البصري و قتادة و مالك و الشافعي و أحمد و إسحاق و النعمان و قال أبو بكر : و بهذا يقول عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه و ماله إذا أريد ظلما للأخبار التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يخص وقتا من وقت و لا حالا دون إلا السلطان فإن جماعة من أهل العلم كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه و ماله إلا بالخروج على السلطان و محاربته أنه لايحاربه و لا يخرج عليه للأخبار الواردة الدالة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصبر على ما يكون منهم من الجور و الظلم و قد تقدم ذلك في بابه و الحمد لله

(1/654)


باب ـ جعل الله في أول هذه الأمة عافيتها و في آخرها بلاءها
مسلم [ عن عبد الله بن عمر قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه و منا من يتنضل و منا من هو في جشره إذ نادى منادي يا رسول الله صلى الله عليه و سلم الصلاة جامعة فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم و إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها و سيصيب آخرها بلاء و أمور تنكرونها و تجيء فتنة فيدفق بعضها بعضا و تجي الفتنة فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ثم تنكشف و تجيء الفتنة فيقول هذه منه فمن أراد أن يزحزح عن النار و يدخل الجنة فلتأته و هو يؤمن بالله و اليوم الآخر و ليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه و من بايع إماما فأعطاه صفقة يده و ثمرة قلبه فليعطه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر قال ابن عبد الرحمن عبد رب الكعبة : فدنوت منه فقلت له : ناشدتك الله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم فأهوى إلى أذنيه و قلبه بيديه و قال : سمعته أذناي و وعاه قلبي فقلت له : هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل و نقتل أنفسنا و الله عز و جل يقول : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } فسكت ساعة ثم قال : أطعه في طاعة الله و اعصه في معصية الله ]
فصل
قوله : ينتضل الانتضال الرمي بالسهام و الجشر المال من المواشي التي ترعى أمام البيوت و الديار يقال : مال جشر يرعى في مكانه لأنه يرجع إلى أهله يقال : جشرنا دوابنا أي أخرجناها إلى المرعى و أصله البعد و منه يقال للأعزب : جشر و جشير لبعده عن النساء و في الحديث : [ من ترك قراءة القرآن شهرين فقد جشره ] أي بعد عنه و قوله : [ يدفق بعضها بعضا ] أي يتلو بعضها بعضا و ينصب بعضها على بعض و التدفق التصبب و هذا المعنى مبين في نفس الحديث لقوله و تجيء الفتنة ثم تنكشف و تجيء الفتنة و تزحزح أي تبعد و منه قوله تعالى { و ما هو بمزحزحه من العذاب } أي بمبعده و صفقة اليد أصلها ضرب الكف على الكف زيادة في الاستيثاق مع النطق باللسان و الالتزام بالقلب و في التنزيل { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } الآية و قوله : فاضربوا عنق الآخر قيل : المراد عنه و خلعه و ذلك قتله و موته و قيل : قطع رأسه و إذهاب نفسه يدل عليه قوله في الحديث الآخر : فاضربوه بالسيف كائنا ما كان و هو ظاهر الحديث هذا إذا كان الأول عدلا و الله أعلم

(1/658)


باب جواز الدعاء بالموت عند الفتن و ما جاء أن بطن الأرض خير من ظهرها
مالك [ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يدعو فيقول : اللهم إني أسألك فعل الخيرات و ترك المنكرات و حب المساكين و إذا أردت الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ] و قد تقدم هذا في أول الكتاب قال ابن وهب : و حدثني مالك قال : كان أبو هريرة يلقى الرجل فيقول له : مت إن استطعت فيقول له لم ؟ قال تموت و أنت تدري على ما تموت خير لك من أن تموت و أنت لا تدري على ما تموت عليه قال مالك : و لا أرى عمر دعا ما دعا به من الشهادة إلا خالف التحول من الفتن
قلت : و قد جاء هذا المعنى مرفوعا عن أبي هريرة روى النضر بن شميل [ عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ويل للعرب من شر قد اقترب موتوا إن استطعتم ] و هذا غاية في التحذير من الفتن و الخوض فيها حين جعل الموت خيرا من مباشرتها
و روى الترمذي [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كان أمراؤكم خياركم و أغيناؤكم سمحاءكم و أموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها و إذا كان أمراؤكم شراركم و أغنياؤكم بخلاءكم و أموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ] قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري في حديثه غرائب لا يتابع عليها و هو رجل صالح
البخاري [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ] أخرجه مسلم و ابن ماجه بمعناه و زاد مثنى و ليس به الدين إلا البلاء
و روى شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت أبا الزعاء يحدث عن عبد الله قال : [ ليأتين على الناس زمان يأتي الرجل القبر فيقول يا ليتني مكان هذا ليس به حب الله و لكن من شدة ما يرى من البلاء ]
قلت : و كان هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن و شدة المحن و المشقات و الأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه و ماله و ولده قد أذهبت الدين منه و من أكثر الناس أو قلة الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن و كذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن حتى قال النبي صلى الله عليه و سلم [ العبادة في الهرج كهجرة إلي ] و قد مضى الكلام في هذا المعنى في أول الكتاب و نزيده وضوحا إنه شاء الله تعالى و الله أعلم

(1/659)


باب أسباب الفتن و المحن و البلاء
أبو نعيم [ عن إدريس الخولاني عن عبيدة بن الجراح عن عمر بن الخطاب قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بلحيتي و أنا أعرف الحزن في وجهه فقال : إنا لله و إنا إليه راجعون أتاني جبريل آنفا فقال : إنا لله و إنا إليه راجعون فقلت إنا لله و إنا إليه راجعون فمم ذلك يا جبريل ؟ فقال : إن أمتك مفتتنة بعدك من دهر غير كثير فقلت : فتنة كفر أو فتنة ضلال ؟ فقال : كل سيكون فقلت و من أين و أنا تارك فيهم كتاب الله ؟ قال فبكتاب الله يفتنون و ذلك من قبل أمرائهم و قرائهم يمنع الأمراء الناس الحقوق فيظلمون حقوقهم و لا يعطونها فيقتتلوا و يفتتنوا و يتبع القراء أهواء الأمراء الناس الحقوق فيظلمون حوققهم و لا يعطونها فيقتتلوا و يفتتنوا و يتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون قلت : كيف يسلم من يسلم منهم ؟ قال : بالكف و الصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه و إن منعوا تركوه ]
البزار [ عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لم تظهر الفاحشة في قوم فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم و لا نقضوا المكيال و الميزان إلا أخذوا بالسنين و شدة المؤنة و جوار السلطان و لم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء و لولا البهائم لم يمطروا و لم ينقضوا عهد الله و لا عهد رسوله إلا سلط عليهم عدوهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم و إذا لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ] أخرجه ابن ماجه أيضا في سننه
و ذكره أبو عمر بن عبد البر و أبو بكر الخطيب من حديث [ سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد قال : حدثنا مالك عن عمه أبي سهيل عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم : أي المؤمنين أفضل ؟ قال : أحسنهم خلقا قال : فأي المؤمنين أكيس ؟ قال : أكثرهم للموت ذكرا و أحسنهم له استعدادا أولئك الأكياس ثم قال يا معشر المهاجرين : لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ] و ذكر الحديث
و قال عطاء الخراساني : إذا كان خمس كان خمس : إذا أكل الربا كان الخسف و الزلزلة و إذا جار الحكام قحط المطر و إذا ظهر الزنا كثر الموت و إذا منعت الزكاة هلكت الماشية و إذا تعدى على أهل الذمة كانت الدولة ذكره أبو نعيم
الترمذي [ عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا مشت أمتي المطيطا و خدمها أبناء الملوك فارس و الروم سلط شرارها على خيارها ] قال : هذا حديث غريب
ابن ماجه [ عن قيس بن أبي حازم قال : قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } و إنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه ] أخرجه أبو داود في سننه و الترمذي في جامعه
مسلم [ عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : إذا فتحت عليكم فارس و الروم أي قوم أنتم ؟ قال عبد الرحمن بن عوف : نكون كما أمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أو غير ذلك تنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون أو نحو ذلك ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض ]
و أخرج أيضا [ عن عمرو بن عوف و هو حليف بني عامر بن لؤي و كان شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث أبو عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد صالح أهل البحرين و أمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين رآهم ثم قال : أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين قالوا أجل يا رسول الله قال : فأبشروا و أملوا ما بسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم و لكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم كما بسطت على من كان من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ]
و في رواية : [ فتلهيكم كما ألهتكم بدل فتهلككم ]
و أخرج ابن ماجه [ عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما أدع بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ] أخرجه البخاري و مسلم أيضا
و أخرج ابن ماجه [ عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من صباح إلا و ملكان يناديان ويل للرجال من النساء و ويل للنساء من الرجال ]
و أخرج أيضا [ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قام خطيبا و كان فيما قال : إن الدنيا خضرة حلوة و إن الله مستخفلكم فيها فناظر كيف تعملون ألا فاتقوا الله و اتقوا النساء ] خرجه مسلم أيضا و قال : بدل قوله فاتقوا الله فاتقوا النار و اتقوا النساء و زاد [ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ]
الترمذي [ عن كعب بن عياض قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن لكل أمة فتنة و فتنة أمتي المال ] قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب
و [ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من سكن البادية جفا و من اتبع الصيد غفل و من أتى أبواب السلطان افتتن ] قال : و في الباب عن أبي هريرة
و هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري
فصل
حذر الله سبحانه و تعالى عباده فتنة المال و النساء في كتابه و على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم فقال عز من قائل { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم و أولادكم عدوا لكم فاحذروهم } و قال تعالى : { إنما أموالكم و أولادكم فتنة } ثم قال سبحانه و تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم } فنبه الله على ما يعتصم به من فتنة حب المال و الولد في آي ذكر الله فيها فتنة و ما كان عاصما من فتنة المال و الولد فهو عاصم من كل الفتن و الأهواء و قال تعالى { زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث } ثم قال تعالى : { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات } فوصف تعالى ما للمتقين عند ربهم ثم وصف أحوالهم بنعتهم إلى قوله { و المستغفرين بالأسحار } و هذا تنبيه لهم على تزهيدهم فيما زين لهم و ترغيبهم فيما هو خير منه و مثل هذا في القرآن كثير
و المطيطاء : بضم الميم و المد : المشي بتبختر و هي مشية المتكبرين المفتخرين و هو مأخوذ من مط يمط إذا مد قال الجوهري : و المطيطاء بضم الميم ممدودا التبختر و مد اليدين في المشي و في الحديث [ إذا مشت أمتي المطيطياء و خدمتهم فارس و الروم كان بأسهم بينهم ] و قوله : ثم ينطلقون في مساكن المهاجرين قيل في الكلام حذف أي في مساكين المهاجرين و المعنى أنه إذا وقع التنافس و التحاسد و التباغض حملهم ذلك على أن يأخذ القوي على ما أفاء الله المساكين الذي لا يقدر على مدافعته فيمنعه عنه ظلما و قهرا بمقتضى التنافس و التحاسد
و قيل : ليس في الكلام حذف و أن المعنى المراد أن مساكين المهاجرين و ضعفاءهم سيفتح عليهم إذ ذاك من الدنيا حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض و هذا اختيار القاضي عياض و الأول اختيار شيخنا أبي العباس القرطبي قال : و هو الذي يشهد له مساق الحديث و معناه و ذلك أنه عليه الصلاة و السلام أخبرهم أنه يتغير بهم الحال و أنهم عنهم أو عن بعضهم أحوال غير مرضية تخالف أحوالهم التي كانوا عليها من التنافس و التباغض و انطلاقهم في مساكين المهاجرين فلا بد أن يكون هذا الوصف غير مرضى كالأوصاف التي قبله و أن تكون تلك الأوصاف المتقدمة توجيها و حينئذ يلتئم الكلام أوله و أخره و الله أعلم و يعضده رواية السمرقندي فيحملون بعضهم على رقاب بعض أي بالقهر و الغلبة

(1/660)


باب منه و ما جاء أن الطاعة سبب الرحمة و العافية
ذكر أبو نعيم الحافظ قال : [ حدثنا سليمان بن أحمد قال : حدثنا المقدام بن داود حدثنا علي بن معبد الرقي حدثنا وهب بن راشد حدثنا مالك بن دينار عن خلاس بن عمرو عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله عز و جل يقول : أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك و ملك الملوك قلوب الملوك بيدي و أن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة و الرحمة و إن العباد إذا عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط و النقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك و لكن اشغلوا أنفسكم بالذكر و التضرع إلي أكفكم ملوككم ] غريب من حديث مالك مرفوعا تفرد به علي بن معبد عن وهب ابن راشد

(1/664)


أبواب الملاحم ـ باب أمارات الملاحم
أبو داود [ عن معاذ بن جبل : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : عمران بيت المقدس خراب يثرب و خراب يثرب خروج الملحمة فتح القسطنطنية و فتح القسطنطنية خروج الدجال ]
البخاري [ عن عوف بن مالك قال : أتيت النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك و هو في قبة من آدم فقال : أعدد ستا بين يدي الساعة موتى ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يأخذ فيكم كقفاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلتاه ثم هدنة تكون بينكم و بين بني الأصفر فيعذرون فيأتونكم تحت ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفا ]
و خرجه أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير بمعناه و زاد بعد قوله إثنا عشر ألفا [ فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة في مدينة يقال لها دمشق ] ذكره بإسناده أبو الخطاب بن دحية في كتاب مرج البحرين في فوائد المشرقين و المغربين
و قال : عوف بن مالك الأشجعي : شهد موت النبي و حضر فتح بيت المقدس
مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فتحه صلحا لخمس خلون من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة ثم حضر قسمة كنوز كسرى على يد أمير المؤمنين عمر ثم شاهد قتال الجمل و صفين و شاهد عوف رضي الله عنه أيضا الموتان الذي كان بالشام قبل ذلك و هو المسمى بطاعون عمواس مات يومئذ ستة و عشرون ألفا و قال المديني خمسة و عشرين ألفا و عمواس : بفتح العين و الميم لأنه [ عم و أسى ] أي جعل بعض الناس أسوة بعض و عمواس قرية بين الرملة و بيت المقدس مات فيه أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح و الأمير الفقيه أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل قال الإمام أحمد بن حنبل في تاريخه كان الطاعون عمواس سنة ثمانية عشر رواه عن أحمد أبو زرعة الرازي قال : كان الطاعون سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة و في سنة سبع عشرة رجع عمر من سرغ و موتان بضم الميم هي لغة و غيرهم يفتحونها و هم اسم الطاعون و الموت
و قوله : كقفاص الغنم هو داء يأخذها لا يلبثها قاله أبو عبيدة لأن القفاص الموت العجل و يقال بالسين و قيل هو داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق و قد انقضت هذه الخمس و عاش عوف بن مالك إلى زمن عبد الله بن مروان سنة ثلاث و سبعين من الهجرة و قد أربى بصفين على المائة و قال الواقدي : مات عوف بن مالك بالشام سنة ثلاث و تسعين فإن صح ما قال فقد مات في أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان إن لم يكن تصحيفا منه و الله أعلم

(1/667)


باب ما ذكر في ملاحم الروم و تواترها و تداعي الأمم على أهل الإسلام
ابن ماجه [ عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يكون بينكم و بين بني الأصفر هدنة فيغدرون بكم فيسيرون إليكم في ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفا ]
و [ عن ذي مخمر و كان رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول ستصالحكم الروم صلحا آمنا ثم تغزون أنتم و هم عدوا فتنصرون و تغنمون و تقتسمون و تسلمون ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول فيرفع رجل من أهل الصليب صليبه فيقول غلب الصليب فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه فعند ذلك تغدر الروم و يجمعون الملحمة فيأتون تحت ثمانين راية اثنا عشر ألفا ]
و أخرجه أبو داود و زاد [ و يثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة ]
و أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده و إسناده صحيح ثابت و ذو مخمر بالميم لا غير و هو ابن أخي النجاشي قاله الأوزاعي و قد عده أبو عمر في موالي رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله ابن دحية
و خرجا جميعا عن ابن ماجه و أبو داود [ عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : الملحمة الكبرى و فتح قسطنطنية و خروج الدجال في سبعة أشهر ] و خرجه الترمذي و قال : حديث حسن صحيح
[ و عن عبد الله بن بشر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بين الملحمة و فتح المدينة ست سنين و يخرج الدجال في السابعة ] خرجه ابن ماجه و أبو داود و قال أبو داود : هذا صحيح من حديث عيسى
قلت : يريد حديث معاذ المذكور قبله
مسلم عن بشير بن جابر قال : هاجت ريح حمراء بالكوفة فجاء رجل ليس له هجيرا ألا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة قال : فقعد و كان متكئا فقال : إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث و لا يفرح بغنيمة ثم قال بيده هكذا و نحاها نحو الشام فقال : عدو يجمعون لأهل الأسلام و تجمع لهم أهل الإسلام قلت : الروم تعني ؟ قال : نعم و يكون عند ذلك القتال ردة شديدة فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجر بينهم الليل فيبقى هؤلاء و هؤلاء كل غير غالب و تفنى الشرطة ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا فيبقى هؤلاء و هؤلاء كل غير غالب و تفنى الشرطة ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا فيبقى هؤلاء و هؤلاء كل غير غالب و تفنى الشرطة و إذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية الإسلام فيجعل الله الدائرة عليهم فيقتتلون مقتلة إما قال لم ير مثلها و إما قال لا يرى مثلها حتى إن الطائر ليمر بجثمانهم فما يخلفهم حتى يخر ميتا فيتعادى بنو الأب كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد فبأي غنيمة يفرح و بأي ميراث يقسم فبينما هم كذلك إذ سمعوا بناس هم أكثر من ذلك فجاءهم الصريخ فقال : إن الدجال قد خرج في ذراريهم فيرفضون ما بأيديهم و يقبلون فيبعثون عشر فوارس طليعة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني لأعرف أسماءهم و أسماء آبائهم و ألوان خيولهم هم خير فوارس على ظهر الأرض أو من خير فوارس يومئذ
أبو داود [ عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل من القوم : من قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم كثير و لكنكم غثاء كغثاء السيل و لينزعن الله من صدور عدوكم المهاية و ليقذفن في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله و ما الوهن ؟ قال : حب الدنيا و كراهة الموت ]
فصل
قوله : بني الأصفر يعني الروم و في تسميتهم بذلك قولان
أحدهما : أن جيشا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدهر فوطئوا نساءهم فولدن أولادا صفرا قاله ابن الأنباري
الثاني : أنهم نسبوا إلى الأصفر ابن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام قاله ابن إسحاق و هذا أشبه من القول الأول و الهدنة : الصلح و الغاية الراية كما جاء مفسرا في الحديث بعده سميت بذلك لأنها تشبه السحابة لمسيرها في الجو و الغاية و الصابة السحابة و قد رواها بعض رواة البخاري تحت ثمانين غابة بباء مفردة النقطة و هي الأجمة شبه اجتماع رماحهم و كثرتها بالأجمة التي هي الغابة و الصحيح الأول لأنها تظل الأجناد لكثرة راياتهم و اتصال أويلتهم و علاماتهم كالسحاب الذي يظل الإنسان
و قد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إن تحت كل غاية اثني عشر ألفا فجملة العدو تسعمائة ألف و ستون ألفا ] ذكره الحافظ أبو الخطاب بن دحية و قد روي مرفوعا في حديث فيه طول عن حذيفة : أن الله تعالى يرسل ملك الروم و هو الخامس من الهرقل يقال له ضمارة و هو صاحب الملاحم فيرغب إلى المهدي في الصلح و ذلك لظهور المسلمين على المشركين فيصالحه إلى سبعة أعوام فيضع عليهم الجزية عن يد و هم صاغرون فلا تبقى لرومي حرمة و يكسرون لهم الصليب ثم يرجع المسلمون إلى دمشق فبينما الناس كذلك إذا برجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم و بناتهم في القيود و الأغلال فتعير نفسخ فيرفع الصليب و يرفع صوته فيقول : ألا من كان يعبد الصليب فينصره فيقوم رجل من المسلمين فيكسر الصليب و يقول : الله أغلب و أنصر فحينئذ يغدرون و هم أولى بالغدر فيجمعون عند ذلك ملوك الروم في بلادهم خفية فيأتون إلى بلاد المسلمين حيث لا يشعر بهم المسلمون و المسلمون قد أخذوا منهم الأمن و هم على غفلة أنهم مقيمون على الصلح فيأتون أنطاكية في اثني عشر ألف راية تحت كل راية اثنا عشر ألفا فلا يبقى بالجزيرة و لا بالشام و لا بأنطاكية نصراني إلا و يرفع الصليب فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام و الحجاز و اليمن و الكوفة و البصرة و العراق يعرفهم بخروج الروم و جمعهم و يقول لهم أعينوني على جهاد عدو الله و عدوكم فيبعث إليه أهل المشرق أنه قد جاء عدو من خراسان على ساحل الفرات و حل بنا ما شغلنا عنك فيأتي إليه بعض أهل الكوفة و البصرة و يخرج إليه المهدي و يخرج معهم المسلمون إلى لقائهم فيلتقي بهم المهدي و من معه من المسلمين فيأتون إلى دمشق فيدخلون فيها فتأتي الروم إلى دمشق فيكونون عليها أربعين يوما فيفسدون البلاد و يقتلون العباد و يهدمون الديار و يقطعون الأشجار ثم إن الله تعالى ينزل صبره و نصره على المؤمنين فيخرجون إليه فتشتد الحرب بينهم و يستشهد من المسلمين خلق كثير فيا لها من وقعة و مقتلة ما أعظمها و ما أعظم هولها و يرتد من العرب يومئذ أربع قبائل سليم و نهد و غسان و طي فيلحقون بالروم و ينتصرون مما يعاينون من الهول العظيم و الأمر الجسيم ثم إن الله تعالى ينزل النصر و الصبر و الظفر على المسلمين فيقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى يخوض الخيل في دمائهم و تشتعل الحرب بينهم حتى إن الحديد يقطع بعضه بعضا و إن الرجل من المسلمين ليطعن العلج بالسفود فينفذه و عليه الدرع من الحديد فيقتل المسلمون من المشركين خلقا كثيرا حتى تخوض الخيل في الدماء و بنصر الله تعالى المسلمين و يغضب على الكافرين و ذلك رحمة من الله تعالى لهم فعصابة من المسلمين يومئذ خير خلق الله و المخلصين من عباد الله ليس فيهم مارد و لا مارق و لا شارد و لا مرتاب و لا منافق ثم إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم و يكبرون على المدائن و الحصون فتقع أسوارها بقدرة الله فيدخلون المدائن و الحصون و يغنمون الأموال و يسبون النساء و الأطفال و يكون أيام المهدي أربعين سنة عشر سنين في المغرب و اثنتا عشرة سنة بالكوفة و اثنتا عشرة بالمدينة و ستة بمكة و تكون منيته فجأة بينما الناس كذلك إذ تكلم الناس بخروج الدجال اللعين و سيأتي من أخبار المهدي ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى
و قوله : ليس له هجير الدأب و العادة يقال : ما زال ذلك هجيراه و إهجيراه و إجيراه أي دأبه و عادته و هاجت : أي تحركت ريح حمراء أي شديدة احمرت لها الشجر و انكشفت الأرض فظهرت حمرتها و لما رأى ذلك الرجل جاء مجيء الخائف من قرب الساعة و الشرطة هنا بضم الشين أول طائفة من الجيش تقاتل سموا بذلك لعلامة تميزوا بها و الأشراط العلامات و تفنى الشرطة أي تقتل و تفيء ترجع و منه حتى تفيء إلى أمر الله و نهد تقدم و منه سمي النهد نهدا لتقدمه الصدر و الدايرة و يروي و الدائرة و المعنى متقارب قال الأزهري : الدائرة الدولة تدور على الأعداد و الدائرة النصر و الظفر يقال : لمن الدائرة أي لمن الدولة و على من الدائرة ؟ أي الهزيمة قاله أبو عبيد الهروي : و الجنبات جمع جنبة و هي الجانب و يروى بجثمانهم أي بأشخاصهم و قوله : إذ سمعوا بناس بنون و سين هم أكثر بالثاء المثلثة و يروى بباس بباء واحدة أكبر بباء واحدة أيضا و هو الأمر الشديد و هو الصواب لرواية أبي داود و إذ سمعوا بأمر هو أكبر من ذلك و الصريخ الصارخ أي المصوت عند الأمر الهائل و يرفضون أي يرمون و يتركون و الطليعة الذي يتطلع الأمر و يسكتشفه و تداعى الأمم اجتماعها و دعا بعضها بعضا حتى تصير العرب بين الأمم كالقصعة و الأكلة و غثاء السيل ما يقذف به على جانب الوادي من الحشيش و النبات و القماش و كذلك الغثاء بالتشديد و الجمع : الأغثاء و الله أعلم

(1/668)


باب منه و بيان قوله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها
[ عن حذيفة قال : فتح لرسول الله صلى الله عليه و سلم فتح فأتيته فقلت : الحمد لله يا رسول الله ألقى الإسلام بجرانه و وضعت الحرب أوزارها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالا ستا أفلا تسألني عنها يا حذيفة ؟ قلت : بلى يا رسول الله فما أولها ؟ قال : موتى و فتح بيت المقدس ثم فئتان دعواهما واحدة يقتل بعضهم بعضا ثم يفيض المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيسخطها و موت كقفاص الغنم و غلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات أشهر و في الشهر كنبات السنة فيرغب قومه فيه فيملكونه و يقولون نرجو أن يرد بك علينا ملكنا فيجمع جمعا عظيما ثم يسير حتى يكون بين العريش و أنطاكية فأميركم يومئذ نعم الأمير فيقول لأصحابه : كيف ترون ؟ فيقولون : نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا و بينهم فيقول : لا أرى ذلك و لكن تخلي لهم أرضهم و نسير بذرارينا و عيالنا حتى نحرزهم ثم يغزوهم و قد أحرزنا ذرارينا و عيالاتنا فيسيرون حتى يأتوا مدينتي هذه و يستمد أهل الشام فيمدونه فيقول : لا ينتدب معي إلا من باع نفسه الله حتى يلقاهم فيلقاهم ثم يكسر غمده ثم يقاتل حتى يحكم الله بينهم فينتدبون سبعون ألفا أو يزيدون على ذلك فيقول حسبي سبعون ألفا لا تحملهم الأرض و في القوم عين العدو فيخبرهم بالذي كان فيسير إليهم حتى إذا التقوا سألوه أن يخلي بينهم و بين من كان بينهم نسب فيأتي و يدعو أصحابه فيقول : أتدرون ما يسأل هؤلاء ؟ فيقولون : ما أحد أولى بنصر الله و قتاله منا فيقول : امضوا و اكسروا أغمادكم فيسل الله سيفه عليهم فيقتل منهم الثلثان و يفر في السفن منهم الثلث حتى إذا تراءت لهم جبالهم فبعث الله عليهم ريحا فردتهم إلى مراسيهم إلى الشام فأخذوا و ذبحوا عند أرجل سفنهم عند الشاطئ فيومئذ تضع الحرب أوازارها ] رواه إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن ربيعة بن سفيان بن ماتع المغافري عن مكحول عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا ذكره الفقيه بن برجان في كتاب الإرشاد له و منه نقلته و في إسناده مقال و الله أعلم

(1/673)


باب ما جاء في قتال الترك و صفتهم
البخاري [ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا و كرمان من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر ]
و خرج مسلم [ عن أبي هريرة أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة حمر الوجوه صغار الأعين ذلف الأنوف ] و في رواية [ يلبسون الشعر و يمشون في الشعر ] خرجه البخاري و أبو داود و النسائي و ابن ماجه و الترمذي و غيرهم
و خرجه ابن ماجه [ عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغارا الأعين عراض الوجوه كأن أعينهم حدق الجراد و كأن وجوههم المجان المطرقة ينتعلون الشعور و يتخذون الدرق يربطون خيولهم بالنخيل ]
أبو داود [ عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث يقاتلونكم قوم صغارا الأعين يعني الترك قال تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقونهم بجزيرة العرب فأما في السياقة الأولى فينجوا منهم من هرب و أما في الثانية فينجو بعضهم و يهلك بعض و أما في الثالثة فيصطلمون ]
فصل
قوله : المجان المطرقة المجان جمع مجن و هو الترس و المطرقة هي التي قد عوليت بطراق و هو الجلد الذي يغشاه شبه وجوههم في عرضها و نتوء وجناتها بالترس و المطرقة قال معناه الخطابي و غيره و قيده القاضي عياض رحمه الله في كتاب مشارق الأنوار له فقال : الصواب فيه المطرقة بفتح الطاء و تشديد الراء
قاله الحافظ أبو الخطاب بن دحية قال لي شيخنا المحدث الكبير اللغوي النحوي أبو إسحاق الحمزي بل الصواب فيه المطرقة بسكون الطاء و فتح الراء أي التي أطرقت بالعقب أي ألبست حتى غلظت و كأنها ترس على ترس و منه طارقت النعل إذا ركبت جلدا على جلد و خرزته عليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى : هذا معنى ما نقلناه عن الخطابي و قال أهل اللغة : و في الصحاح و المجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة المخصوفة يقال : أطرقت الجلد و العصب أي ألبسته و ترس مطرق و قولهم : نعالهم الشعر أي يصنعون من الشعر حبالا و يصنعون منها نعالا كما يصنعون منه ثيابا و يشهد بهذا قوله يلبسون الشعر و يمشون في الشعر هذا ظاهره و يحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذا أسدلوها كاللباس و ذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال و الأول أظهر
قال ابن دحية : إنما كان نعالهم من ضفائر الشعر أو من جلود مشعرة لما في بلادهم من الثلج العظيم الذي لا يكون في بلد كبلادهم و يكون من جلد الذئب و غيره و قوله : يلبسون الشعر فهو إشارة إلى الشرابيش التي يدار عليها بالقندس و القندس كلب الماء و هو من ذوات الشعر كالمعز و ذوات الصوف كالضأن و ذوات الوبر الإبل و قوله : ذلف الأنف أي غلاظها يقال : أنف أذلف إذا كان فيه غلظ و انبطاح و الذلف في اللغة تأخر الأرنبة و قيل تطامن فيها و قيل فطس الأنوف كما في حديث البخاري عن أبي هريرة فالحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضا و يروى دلف الأنوف بالدال المهملة و المعجمة أكثر
قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية رضي الله عنه : و خوزا قيدناه في صحيح البخاري و مسلم بالزاي و قيده الجرجاني في خور كورمان بالراء المهملة مضافا إلى كرمان و كذا صوبه الدارقطني بالراء المهملة مع الإضافة و حكاه عن الإمام أحمد بن حنبل و قال : إن غيره صحف فيه و قال غير الدارقطني إذا أضيف فبالراء المهلمة لا غير و إذا عطفته فبالزاي لا غير و يقال : إنهما جنسان

(1/674)


باب في سياقة الترك للمسلمين و سياقة المسلمين لهم
روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده قال : [ حدثنا أبو نعيم حدثنا بشر بن المهاجر قال : حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه و سلم فسمعت النبي يقول : إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأن وجوههم الحجف ثلاث مرات حتى يحلقوهم بجزيرة العرب أما السياقة الأولى فينجو من هرب منهم و أما السياقة الثانية فيهلك بعض و ينجو بعض و أما السياقة الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم قالوا يا نبي الله من هم ؟ قال : هم الترك قال : أما و الذي نفسي بيده ليربطون خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين قال : و كان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة و متاع السفر و الأسقية بعد ذلك للهرب مما سمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم من البلاء من الترك ]
قال الإمام أبو الخطاب عمر بن دحية و هذا سند صحيح أسنده إمام السنة و الصابر على المحنة أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني عن الإمام العدل المجمع على ثقته أبي نعيم الفضل بن دكين و بشير بن المهاجر و ثقه رأى أنس بن مالك روى عن جماعة من الأئمة فوثقوه
قال المؤلف رحمه الله : و خرج أبو داود قال [ حدثنا جعفر بن مسافر قال : حدثنا خلاد بن يحيى : حدثنا بشير بن مهاجر قال : حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث يقاتلونكم صفار الأعين يعني الترك قال : تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقونهم بجزيرة العرب فأما في السياقة الأولى فينجو منهم من هرب و أما الثانية فينجو بعض و يهلك بعض و أما في الثالثة فيصطلمون ]
فصل
الاصطلام : الاستئصال و أصله من الصلم و هو القطع اصطملت أذنه إذا استوفيت بالقطع و أنشد الفراء :
( ثمت اصطمت إلى الصماخ فلا قرن و لا أذن )
و الحديث الأول يدل على خروجهم و قتالهم المسملين و قتلهم و قد وقع ذلك على نحو ما أخبر صلى الله عليه و سلم فخرج منهم في هذا الوقت أنهم لا يحميهم إلا الله و لا يردهم عن المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج و مأجوج أو مقتدمهم
قال الحافظ السيد بن دحية رضي الله عنه : يخرج في جمادى الأولى سنة سبع عشرة و ستمائة جيش من الترك يقال له الططر عظم في قتله الخطب و الخطر و قضى له من قتل النفوس المؤمنة الوطر و لم تهتد إلى دفعه بالحيل الفطر يقتلون من وراء النهر و ما دونه من جميع البلاد بلاد خراسان و محو رسوم ملك بني ساسان و هذا الجيش ممن يكفر بالرحمن و يرى أن الخالق المصور هما النيران و ملكهم يعرف بخان خاقان و خربوا بيوت مدينة نشاور و أطلقوا فيها النيران و خار عنهم من أهل خوارزم كل إنسان و لم يبق منهم إلا من اختبأ في المغارات و الكهفان حتى و صلوا إليها و قتلوا و سبوا و خبروا البنيان أطلقوا الماء على المدينة من نهر جيحان فغرق فيها مباني الذرا و الأركان ثم صيروا المشهد الرضوي بطوس أرضا بعد أن كانوا و قطعوا ما أمر الله عز و جل به أن يوصل من الدين بأخسر الأديان إلى أن وصلوا بلا قهستان فخربوا مدينة الري و قزوين و أبهر و زنجان و مدينة أردبيل و مدينة مراغي كرسي بلاد أذربيجان و استأصلوا شأفة من في هذه البلاد من العلماء و الأعيان و استباحوا قتل النساء و ذبح الولدان ثم وصلوا إلى العراق الثاني و أعظم مدنه مدينة أصبهان و دور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع و الإتقان و أهلها مشتلون بعلم الحديث فحفضهم الله بهذا الشأن و كف كف الكفر عنهم بأيمان الإيمان و أنزل عليهم مواد التأييد و الإحسان فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان و حققوا الخبر بأنها بلد الفرسان و اجتمع فيها مائة ألف إنسان و خرجوا إليهم كأسد و لكن غاباتها عوامل الخرصان و قد لبسوا البيضا كثغور الأقحوان و عليهم دروع فضفاضة في صفاء الغدران و هيئات للمجاهدين درجات الجنان و أعدت للكافرين دركات النيران و برز إلى الططر القتل في مضاجعهم و ساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم فمرقوا عن أصبهان مروق السهم من الرمي و أنشدوا :
( إلى الوادي فطم على القرى )
ففروا منهم فرار الشيطان يوم بدر له خصاص و رأوا أنهم إن وقفوا لم يمكن لهم من الهلاك محاص و واصلوا السير بالسرى و هدوا من همدان الوهاد و الذرى بعد أن قامت الحرب على ساق و الأرواح في مساق من ذبح مثله و ضرب الأعناق و صعدوا جبل أوزند فقتلوا من فيه من جموع صلحاء المسلمين و خربوا ما فيه من الجنات و البساتين و انتهكوا منهم و من نسائهم حرمات الدين و كانت استطالتهم على مقدار ثلثي بلاد المشرق الأعلى و قتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى و قتلوا في العراق الثاني عدة تقرب أن يستقصى و ربطوا خيولهم في سواري المساجد و الجوامع كما جاء في الحديث المنذر لخروجهم الشارح الجامع و أوغلوا في بلاد المشرق أي إيغال و قادوا الجيوش إليها مقادة أبي رغال في كلام له إلى أن قال : و قطع السبل و أخافوها و جاسوا خلال الديار و طافوها و ملأوا قلوب المؤمنين رعبا و سحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحبا و حكموا سيوفهم في رقاب أهلها و أطلقوا يد التخريب في وعرها و سهلها و لا شك أنهم هم المنذر بهم في الحديث و أن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الآخرة منها
قال المؤلف رحمه الله : فقد كملت بحمد الله خرجاتهم و لم يبق إلا قتلهم و قتالهم فخرجوا على العراق الأول و الثاني كما ذكرناه و خرجوا في هذا الوقت على العراق الثالث بغداد و ما اتصل بها من البلاد و قتلوا جميع من كان فيها من الملوك و العلماء و الفضلاء و العباد و حصروا ميا فارقين و استباحوا جميع من فيها من الملوك و المسلمين و عبروا الفرات إلى أن وصلوا إلى مدينة حلب فخربوها و قتلوا من فيها إلى أن تركوها خالية يبابا ثم أوغلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام و فلقوا بسيوفهم الرؤوس و الهام و دخل رعبهم الديار المصرية و لم يبق إلا الحوق بالدار الأخروية فخرج إليهم من مصر الملك المظفر الملقب بقطز رضي الله عنه بجميع من معه من المعسكر و قد بلغت الحناجر القلوب و الأنفس بعزيمة صادقة و نية خالصة إلى أن التقى بعين جالوت فكان له عليهم من النصر و الظفر كما كان لطالوت فقتل منهم جمع كثير و عدد غزير و انجلوا عن الشام من ساعتهم و رجع جميعه كما كان إلى الإسلام و عبروا الفرات منهزمين و رأوا ما لم بشاهدوه منذ زمان و لا حين و راحوا خائبين خاسرين مدحورين أذلاء صاغرين

(1/676)


باب منه و ما جاء في ذكر البصرة و الأيلة و بغداد و الإسكندرية
أبو داود الطيالسي قال : حدثنا الحشرج بن نباتة الكوفي حدثنا سعيد بن جيهان [ عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لتنزلن طائفة من أمتي أرضا يقال لها البصرة و يكثر بها عددهم و نحلهم ثم يجيء قوم من بني قنطورا عراض الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له دجلة فيتفرق المسلمون ثلاث فرق : أما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق البادية فهلكت و أما فرقة فتأخذ على أنفسها و كفرت و هذه و تلك سواء و أما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم و يقاتلون فقتلاهم شهداء و يفتح الله على بقيتهم ]
و خرجه أبو داود السختياني في سننه بمعناه فقال : [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال : حدثني سعيد بن جيهان : حدثنا مسلم بن أبي بكرة قال : سمعت أبي يحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له دجلة يكون عليه جسر يكثر أهلها و تكون من أمصار المهاجرين قال ابن يحيى و هو محمد قال معمر : و يكون من أمصار المسلمين فإذ كان آخر الزمان جاء بنو قنطورا عراض الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر فيتفرق أهلها ثلاث فرق : فرقة تأخذ أذناب البقر و البرية و هلكوا و فرقة يأخذون لأنفسهم و كفروا و فرقة يجعلون ذريتهم خلف ظهورهم و يقاتلون و هم الشهداء ]
قال أبو داود : و [ حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثني إبراهيم بن صالح بن درهم قال : سمعت أبي يقول : انطلقنا حاجين فإذا رجل فقال لنا : إلى جنبكم قرية يقال لها الأيلة قلنا : نعم قال : من يضمن لي منكم أن يصلي في مسجد العشار ركعتين أو أربعا و يقول لأبي هريرة سمعت خليلي يقول : إن الله بيعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم ]
ذكر الخطيب أبو بكر بن أحمد بن ثابت في تاريخ بغداد أنبأنا أبو القاسم الأزهري [ حدثنا أحمد بن محمد بن موسى قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن المنادني قال : ذكر في إسناد شديد الضعف عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي قيس عن علي رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : تبنى مدينة بين الفرات و دجلة يكون فيها شر ملك بني العباس و هي الزوراء يكون فيها حرب مقطعة تسبى فيها النساء و يذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم ] قال أبو قيس فقيل لعلي رضي الله عنه يا أمير المؤمنين : قد سماها رسول الله صلى الله عليه و سلم الزوراء فقال : لأن الحرب تزور في جوانبها حتى تطبقها
و قال أرطأة بن المنذر قال رجل لابن عباس و عنده حذيفة بن اليمان أخبرني عن تفسيرقوله تعالى { حم * عسق } فأعرض عنه حتى أعاد ثلاثا فقال حذيفة : أنا أنبأك بها قد عرفت لم تركها نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبني عليه مدينتين بشق النهر بينهما شقا فإذا أراد الله زوال ملكهم و انقطاع دولتهم بعث الله على إحداها نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة فتحترق كلها كأنها لم تكن في مكانها فتصبح صاحبتها متعجبة كيف قلبت فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد ثم يخسف الله بها و بهم جميعا فذلك { حم * عسق } أي عزيمة من عزمات الله و فتنة و قضاء حم أي حم ما هم كائن ع عدلا منه س سيكون ق واقع في هاتين المدينتين
و نظير هذا التفسير ما [ روى جرير بن عبد الله البجلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : تبنى مدينة بين دجلة و دجيل و قطربل و الفرات يجتمع فيها جبابرة الأرض تجيء إليها الخزائن يخسف بها و في رواية يخسف بأهلها فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة ] و قرأ ابن عباس [ حم عسق ] بغير عين و كذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود حكاه الطبري و قال العباس و كان علي يعرف الفتن بها
و [ ذكر القشيري و الثعلبي في تفسيرهما أن النبي صلى الله عليه و سلم لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه فقيل له يا رسول الله : ما أحزنك ؟ قال : أخبرت ببلايا تصيب أمتي من خسف و قذف و نار تحشرهم و ريح تقذفهم في البحر و آيات متتابعات بنزول عيسى و خروج الدجال ] لفظ الثعلبي
و قد روي حديث الزوراء محمد بن زكريا الغلابي و أسند عن [ علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال : أما هلاكها على يد السفياني كأني بها و الله قد صارت خاوية على عروشها ] و محمد بن زكريا قال الدارقطني كان يضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه و سلم
و ذكر ابن وهب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قيل له بالاسكندرية : إن الناس قد فزعوا فأمر بسلاحه و فرسه فجاءه رجل فقال من أين هذا الفزع ؟ قال : سفن تراءت من ناحية قبرس قال : انزعوا عن فرسي قال : قلنا اصلحك الله إن الناس قد ركبوا فقال : ليس هذا بملحمة الإسكندرية إنما يأتون من ناحية المغرب من نحو أنطابلس فيأتي مائة ثم مائة حتى عدد تسعمائة
و خرج الوائلي أبو نصر في كتاب الإبانة من حديث رشدين بن سعد عن عقيل عن الزهري عن كعب قال : إني لأجد في كتاب الله المنزل على موسى بن عمران أن للإسكندرية شهداء يستشهدون في بطحائها خير من مضى و خيرمن بقى و هم الذين يباهي الله عز و جل بهم شهداء بدر
فصل
قوله : المجان يفتح الجيم جمع مجن بكير الميم و هو الترس و المطرقة هي التي قد عدلت بطراق و هو الجلد الذي يغشاه شبه وجوههم في عرضها و نتوء وجناتها بالترسة و المطرقة و في الصحاح و المجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة المخصوفة و يقال : أطرقت بالجلد و العصب أي لبست و ترس مطرق و قوله : نعالهم الشعر أي يصنعون من الشعر حبالا و يصنعون منها نعالا كما يصنعون منه ثيابهم و يشهد لهذا قوله يلبسون الشعر و يمشون في الشعر هذا ظاهره و يحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذ أسدلوها كاللباس و ذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال و الأول أظهر و الله أعلم و قوله : ذلف الأنف أي غلاظها يقال : أنف إذا كان فيه غلظ و انبطاح و أنوف ذلف و الاصطلام : الاستئصال و أصله من الصلم و هو القطع
قوله : بغائط الغائط المطمئن من الأرض و البصرة الحجارة الرخوة و بها سميت البصرة و بنوا قنطورا هم الترك يقال إن قنطورا جارية كانت لإبراهيم عليه السلام ولدت له أولادا من نسلهم الترك و قيل : هم من ولد يافث و هم أجناس كثيرة فمنهم أصحاب مدن و حصون و منهم قوم في رؤوس الجبال و البراري و الشعاب ليس لهم عمل غير الصيد ومن لم يصد منهم ودج دابته فشوى الدم في مصران فأكله و هم يأكلون الرخم و الغربان و غيرهما و ليس لهم دين و منهم من كان على دين المجوسية و منهم من تهود و ملكهم الذي يقال له خاقان يلبس الحرير و تاج الذهب و يحتجب كثيرا و فيهم بأس شديد و فيهم سحر و أكثرهم مجوس
و قال وهب بن منبه : الترك بنو عم يأجوج وز مأجوج يعني أنهم كلهم من ولد يافث
و قيل : إن أصل الترك أو بعضهم من اليمن من حمير و قيل فيهم : إنهم من بقايا قوم تبع و الله أعلم ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإبانة
باب
ذكر أبو نعيم الحافظ [ عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : يوشك أن يملأ الله أيديكم مالك العجم ثم يجعلهم أسدا لا يفرون فيقتلون مقاتلكم و يأكلون فيئكم ] غريب من حديث يونس تفرد به عنه حماد

(1/679)


باب ما جاء في فضل الشام و أنه معقل من الملاحم
البزار [ عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام ألا و إن الإيمان حين تقع الفتن بالشام ] خرجه أبو بكر أحمد بن سلمان النجار و قال عود الإسلام قال أبو محمد عبد الحق : هذا حديث صحيح و لعل هذه الفتن هي التي تكون عند خروج الدجال و الله و رسوله أعلم
قلت : و خرجه الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحكم بن عبد الله بن خطاف الأزدري و هو متروك [ عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : هب رسول الله صلى الله عليه و سلم من نومه مذعورا و هو يرجع فقلت : مالك بأبي أنت و أمي ؟ قال : سل عمود الإسلام من تحت رأسي ثم رميت بصري فإذا هو قد غرز في وسط الشام فقيل لي يا محمد إن الله اختار لك الشام و جعلها لك عزا و محشرا و منعة و ذكر أن من أراد الله به خيرا أسكنه الشام و أعطاه نصيبه منها و من أراد الله به شرا أخرج سهما من كنانته فهي معلقة وسط الشام فرماه به فلم يسلم دنيا و لا أخرى ]
و روي عن عبد الملك بن حبيب أن قال : حدثني من أثق به أن الله عز و جل قال للشام : أنت صفوتي من أرضي و بلادي ليسكنك خيرتي من خلقي و إليك المحشر من خرج منك رغبة عنك فبسخط مني عليه و من دخلك رغبة فيك فبرضى مني دخلك
أبو داود [ عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام ]
و ذكر أبو بكر بن أبي شيبة [ عن أبي الزاهرية قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : معقل المسلمين من الملاحم دمشق و معقلهم من الرجال بيت المقدس و معقلهم من يأجوج و مأجوج الطور ]
قلت : هذا صحيح ثبت معناه مرفوعا في غير ما حديث وسيأتي

(1/682)


باب ما جاء أن الملاحم إذا وقعت بعث الله جيشا يؤيد به الدين
ابن ماجه [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا وقعت الملاحم بعث الله جيشا من الموالي هم أكرم العرب فرسانا و أجوده سلاحا يؤيد الله بهم الدين ]

(1/683)


باب ما جاء في المدينة و مكة و خرابهما
مسلم [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : تبلغ المساكن أهاب أو يهاب ] قال زهير : قلت لسهيل فكم ذاك من المدينة ؟ قال كذا و كذا ميلا
أبو داود [ عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح ] قال الزهري : و سلاح قريب من خيبر
قلت : المسالح : المطالع و يقال القوم مستعد بهم في المراصد و يرتبون لذلك و سموا بذلك لحملهم السلاح و قال الجوهري : و المسلحة كالثغر و المرقب و في الحديث كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العذيب قال بشر :
( بكل قياد مسنفة عنود ... أضر بها المسالح و الفرار )
القياد : حبل تقاد به الدابة و المسنف : المتقدم يقال : أسنف الفرس أي تقدم الخيل فإذا سمعت في الشعر مسنفة بكسر النون فهي من هذا و هي الفرس التي تتقدم الخيل في سيرها و العنود : من عند الطريق يعند بالضم عنودا أي عدل فهم عنود و العنود أيضا من النوق التي ترعى ناحية و الجمع عند و منه قوله تعالى : { إنه كان لآياتنا عنيدا } أي مجانيا للحق معاندا له معرضا عنه يقال عند الرجل إذا عتا و جاوز قدره
مسلم [ عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي يريد عوافي السباع و الطير ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدان و حشا حتى إذا بلغ ثانية الوداع خرا على و جهيهما ]
[ و عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للمدينة : ليتركنها أهلها على خير ما كانت مذللة للعوافي يعني السباع و الطير ] و عن [ حذيفة قال : أخبرني رسول الله صلى الله عليه و سلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة ]
و ذكر أبو زيد عمر بن شبه في كتاب المدينة على ساكنها الصلاة و السلام عن أبي هريرة قال : ليخرجن أهل المدينة خير ما كانت نصفها زهو و نصفها رطب قيل و من يخرجهم منها يا أبا هريرة ؟ قال : أمراء السوء
قال أبوزيد [ و حدثنا سليمان بن أحمد قال : حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إليها إليها فيعمرونها حتى تمتلىء ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا ]
و خرج [ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ليخرجن أهل المدينة ثم ليعودون إليها ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون إليها أبدا و ليدعنها و هي خير ما تكون مونقة قبل فمن يأكلها ؟ قال الطير و السباع ]
و خرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : و الذي نفسي بيده لتكونن بالمدينة ملحمة يقال لها الحالقة لا أقول حالقة الشعر و لكن حالقة الدين فاخرجوا من المدينة و لو على قدر بريد
و عن الشيباني قال : لتخربن المدينة و البنود قائمة البنود جمع بند و هو العلم الكبير قاله في النهاية قال مسلم [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم : يخرب الكعبة ذو السويقتين رجل من الحبشة ] البخاري [ عن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : كأني به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا ] الفحج : تباعد ما بين الفخذين
و في حديث [ حذيفة الطويل عنه صلى الله عليه و سلم : كأني بحبشي أفحج الساقين أزرق العينين أفطس الأنف كبير البطن و أصحابه ينقضونها حجرا حجرا و يتناولنها حتى يرموا بها إلى البحر يعني الكعبة ] ذكره أبو الفرج بن الجوزي و هو حديث فيه طول و قال أبو عبيدة القاسم بن سلام في حديث علي عليه السلام استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم و بينه فكأني برجل من الحبشة أصعل أصمع أحمش الساقين قاعد عليها و هي تهدم
قال : حدثنا يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن حفصة عن أبي العالية عن علي قال الأصمعي قوله أصعل هكذا يروى فأما كلام العرب فهو صعل بغير ألف و هو الصغير الرأس الحبشة كلهم قال و الأصمع الصغير الأذن يقال منه رجل أصمع و امرأة صمعاء و كذلك غير الناس
أبو داود الطيالسي [ عن أبي هريرة النبي صلى الله عليه و سلم يبايع لرجل بين الركن و المقام و أول من يستحل هذا البيت أهله فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب ثم تجيء الحبشة فيخربونه خراب لا يعمر بعده أبدا و هم الذين يستخرجون كنزه ] ذكر الحليمي فيما ذكر أنه يكون في زمن عيسى عليه السلام و أن الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين الحبشي قد سار إلى البيت لهدمه فيبعث إليه عيسى عليه السلام طائفة من الناس ما بين الثمان إلى التسع
و ذكر أبو حامد في كتاب مناسك الحج له و غيره و يقال : لا تغرب الشمس يوما إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدل و لا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به و احد من الأوتاد و إذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس و قد رفعت الكعبة ليس فيها أثر و هذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد ثم يرتفع القرآن من المصاحف فيتصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة واحدة ثم ترجع الناس إلى الأشعار و الأغاني و أخبار الجاهلية ثم يخرج الدجال و ينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقتل الدجال و الساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب تتوقع ولادتها و في الخبر استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين و يرفع في الثالثة
قال المؤلف رحمه الله و قيل : إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من صدور الناس و من المصاحف و ذلك بعد موت عيسى عليه السلام و هو الصحيح في ذلك على ما يأتي بيانه
فصل : ثبت في الصحيح الدعاء للمدينة و الحث على سكناها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ يأتي على الناس زمن يدعو الرجل ابن عمه و قريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء و المدينة خير لهم كانوا يعلمون و الذي بيده لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه إلا أن المدينة كالكير تخرج الخبث لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد ] رواه أبو هريرة و خرجه مسلم
خرج [ عن سعيد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء ]
و نحوه عن أبي هريرة رضي الله عنه و مثل هذا كثير و هو خلاف ما تقدم و إذا كان هذا فظاهره التعارض و ليس كذلك فإن الحض على سكناها ربما كان عند فتح الأمصار و وجود الخيرات بها كما جاء في حديث [ سفيان بن أبي زهير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : تفتح اليمن فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم و من أطاعهم و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ثم تفتح الشام فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم و من أطاعهم و المدينة خير لهم لو كانوا يعملون ثم تفتح العراق فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم و من أطاعهم و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ] رواه الأئمة و اللفظ لمسلم فحض صلى الله عليه و سلم على سكناها حين أخبر بانتقال الناس عنها عند فتح الأمصار لأنها مستقر الوحي و فيها مجاورته ففي حياته صحبته و رؤية و جهه الكريم و بعد و فاته مجاورة حدثه الشريف و مشاهدة آثاره العظيمة و لهذا قال : [ لا يصبر أحد على لأوائها و شدتها إلا كنت شفيعا أو شهيدا له يوم القيامة ] و قال : [ من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها ثم إذاتغيرت الأحوال و اعتورتها الفتن و الأهوال كان الخروج منها غير قادح و الانتقال منها حسنا غير قادح ]
فصل :
و أما قوله : [ من أراد أهل المدينة بسوء ] فذلك محمول على زمانه و حياته كما في الحديث الآخر [ لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه ] و قد خرج منها بعد موته صلى الله عليه و سلم من الصحابة من لم يعوضها الله خيرا منه فدل على أن ذلك محمول على حياته فإن الله تعالى كان يعوض أبدا رسوله صلى الله عليه و سلم خيرا ممن رغب عنه و هذا واضح و يحتمل أن يكون قوله : أذابه الله كناية عن إهلاكه في الدنيا قبل موته و قد فعل الله ذلك بمن غزاها و قاتل أهلها كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله عند مصرفه عنها إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير بلاه الله بالماء الأصفر في بطنه فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث
و قال الطبري مات بهرشي و ذلك بعد الوقعةبيثلاث ليال و هرشي جبل من بلاد تهامة على طريق الشام و المدينة قريب من الجحفة و كإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغرائه أهل المدينة حرم النبي المختار و قتله بها بقايا المهاجرين و الأنصار فمات بعد هذه الوقعة و إحراق الكعبة بأقل من ثلاثة أشهر و لأنه توفي بالذبحة و ذات الجنب في نصف ربيع الأول بحوارين من قرى حمص و حمل إلى دمشق و صلى عليه ابنه خالد و قال المسعودي : صلى عليه ابنه معاوية و دفن في مقبرة باب الصغير و قد بلغ سبعا و ثلاثين سنة فكانت ولايته ثلاث سنين و ثمانية أشهر و اثني عشر يوما
فصل :
و أما قوله : [ تتركون المدينة ] حدثنا المخاطب فمرداه غير المخاطبين لكن نوعهم من أهل المدينة أو نسلهم و على خير ما كانت عليه فيما قبل و قد و جد هذا الذي قاله النبي صلى الله عليه و سلم و ذلك أنها صارت بعده صلى الله عليه و سلم معدن الخلافة و موضعها و مقصد الناس و ملجأهم معلقهم حتى تنافس الناس فيها و توسعوا في خططها و غرسوا و سكنوا منها ما لم يسكن قبل و بنوا فيها و سيدوا حتى بلغت المساكن أهاب فلما انتهت حالها كمالا و حسنا تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها بتغلب الأعراب عليها و توالي الفتن فيها فخاف أهلها و ارتحلوا عنها و صارت الخلافة بالشام و وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المزي في جيش عظيم من أهل الشام فنزل بالمدينة فقاتل أهلها فهزمهم و قتلهم بحرة المدينة قتلا ذريعا و استباح المدينة ثلاثة أيام فسميت و قعة الحرة لذلك و فيه يقول الشاعر :
( فإن تقتلونا يوم حرة واقم ... فإنا على الإسلام أول من قتل )
و كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا لذي الحجة سنة ثلاث و ثلاثين و يقال لها حرة زهرة و كانت الوقعة بموضع يعرف بواقم على ميل من مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقتل بقايا المهاجرين و الأنصار و خيار التابعين و هم ألف و سبع مائة و قتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء و الصبيان و قتل بها من حملة القرآن سبعمائة رجل من قريش و سبعة و تسعون قتلوا جهرا ظلما في الحرب و صبرا
و قال الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم في المرتبة الرابعة و جالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم و بالت وراثت بين القبر و المنبر أدام الله تشريفها و أكره الناس على أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع و إن شاء أعتق و ذكر له يزيد بن عبد الله بن زمعة البيعة على حكم القرآن و السنة فأمر بقتله فضربت عنقه صبرا
و ذكر الأخباريون أنها خلت من أهلها و بقيت ثمارها لعوافي الطير و السباع كما قال صلى الله عليه و سلم ثم تراجع الناس إليها و في حال خلوها غدت الكلاب على سواري المسجد و الله أعلم
و ذكر أبو زيد عمر بن شبة قال : حدثنا صفوان عن شريح بن عبيد أنه قرأ كتابا بالكعبة : ليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم أمر يفزعهم حتى يتركوها و هي مذللة و حتى تبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء و حتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء و أما قوله في الراعيين حتى إذا بلغا ثنية المداع خرا على وجهيهما فقيل سقطا ميتين
قال علماؤنا : و هذا إنما يكون في آخر الزمان و عند انقراض الدنيا بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث : آخر من يحشر راعيان من مزينة قيل : معناه آخر من يموت فيحشر لأن الحشر بعد الموت و يحتمل أن يتأخر حشرها لتأخر موتهما قال الداودي أبو جعفر أحمد بن نصر في شرح البخاري له : و قوله الراعيين ينعقان بغنمهما يعني يطلبان الكلأ
و قوله : و حشا يعني خالية و قوله ثنية الوداع يعني موضعا قريبا من المدينة مما يلي مكة
و قوله : خرا على و جهيهما يعني أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى و هو الموت
و قوله : آخر من يحشر يعني أنهما بأقصى المدينة فيكونان في أثر من يبعث منها ليس أن بعض الناس يخرج بعد بعض من الأجداث إلا بالشيء المتقارب يقول الله تعالى : { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون }
و قوله النبي صلى الله عليه و سلم [ يصعق الناس فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو كان من الذين استثنى الله ]
و قال شيخنا أبو العباس القرطبي : و يحتمل أن يكون معناه آخر من يحشر إلى المدينة أي يساق إليها كما في كتاب مسلم رحمه الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله : و قد ذكر ابن شبة خلاف هذا كله فذكر عن حذيفة بن أسيد قال : آخر الناس يحشر رجلان من مزينة يفقدان الناس فيقول أحدهما لصاحبه : قد فقدنا الناس منذ حين انطلق بنا إلى شخص بني فلان فينطلقان فلا يجدان بها أحدا ثم يقول : انطلق بنا إلى المدينة فينطلقان فلا يجدان بها أحدا ثم يقول : انطلق بنا إلى منازل قريش ببقيع الغرقد فينطلقان فلا يريان إلا السباع و الثعالب فيوجهان نحو البيت الحرام
و قد ذكر عن أبي هريرة قال : [ آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة و آخر من مزينة فيقولان : أين الناس فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعلب فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجهيهما حتى يلحقاهما بالناس ]
فصل :
و أما قوله في حديث أبي هريرة : يبايع لرجل بين الركن و المقام فهو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان على مانذكره أيضا يملك الدنيا كلها و الله أعلم
فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة : مؤمنان و كافران فالمؤمنان سليمان بن داود و الإسكندر و الكافران نمروذ و بخت نصر و سيملكها من هذه الأمة خامس و هو المهدي

(1/684)


باب ـ في الخليفة الكائن في آخر الزمان المسمى بالمهدي و علامة خروجه
مسلم عن أبي نضيرة قال : كنا جلوسا عند جابر بن عبد الله فقال : يوشك أهل العراق أن لا يجيء قفيز و لا درهم قلنا : من أين ؟ قال : من قبل العجم يمنعون ذلك ثم قال : يوشك أهل الشام أن لا يجيء دينار و لا مدى قلنا من أين لك ذلك ؟ قال من قبل الروم ثم سكت هنيهة ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يكون في آخر الزمان خليفة يحثى المال حثيا و لا يعده عدا ] قيل لأبي نضرة و أبي العلاء تريان أنه عمر بن عبد العزيز قالا : لا
أبو داود [ عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه و هو كاره فيبايعونه بين الركن و المقام و يبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم البيداء بين مكة و المدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام و عصائب العراق فيبايعونه ثم ينشر رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم و ذلك بعث كلب و الخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب فيغتم المال و يعمل في الناس بسنة نبيهم صلى الله عليه و سلم و يلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى و يصلي عليه المسلمون ]
و ذكر ابن شبة فقال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن مسلمة قال : حدثنا أبو المهزم عن أبي هريرة قال : يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة فيقتل المقاتلة و يبقر بطون النساء و يقولون للحبلى في البطن اقتلوا صبابة السوء فإذا علوا البيداء من ذي الخليفة خسف بهم فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم قال أبو المهزم : فلما جاء جيش ابن دلجة قلناهم فلم يكونوا هم
قال : حدثنا محمد بن يحيى قال : حدثنا أبو ضمرة الليثي عن عبد الرحمن بن الحرب بن عبيد عن هلال بن طلحة الفهري قال : قال كعب الأحبار : تجهز يا هلال قال فخرجنا حتى إذا كنا بالعقيق ببطن المسيل دون الشجرة و الشجرة يومئذ قائمة قال يا هلال إني أجد صفة الشجرة في كتاب الله قلت هذه الشجرة قال : فنزلنا فصلينا تحتها ثم ركبنا حتى إذا استوينا على ظهر البيداء قال يا هلال : إني أجد صفة البيداء قلت أنت عليها قال : و الذي نفسي بيده إن في كتاب الله جيشا يؤمون البيت الحرام فإذا استووا عليها نادى آخرهم أولهم ارفقوا فخسف بهم و بأمتعتهم و أموالهم و ذرياتهم إلى يوم القيامة ثم خرجنا حتى إذا انهبطت رواحلنا أدنى الروحاء قال يا هلال : إني أجد سفة الروحاء قال قلت الآن حين دخلنا الروحاء قال : و حدثنا أحمد بن عيسى قال : و حدثنا ابن عيسى قال : و حدثنا عبيد الله بن وهب قال : و حدثني ابن لهيعة عن بشر بن محمد المعفري قال : سمعت أبا نواس يقول : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : إذا أخسف الجيش بالبيداء فهو ظهور المهدي
قلت : و لخروجه علامتان يأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى
فصل :
قوله : ثم سكت هنية بضم الهاء و تشديد الياء أي مدة يسيرة بتصغيرهن و يروى بهاءين و رواه الطبري هنيئة مهموز و هو خطأ لا وجه له فيه دلالة على صدق النبي صلى الله عليه و سلم حيث أخبر عما سيكون بعد فكان و مثله الحديث الآخر : منعت العراق درهمها و قفيزها الحديث أي ستمنع و أتى بلفظ الماضي في الأخبار لأنه ماض في علم الله أنه سيكون كقوله عز من قائل { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } و المعنى أنه لا يجيء إليها كما جاء مفسرا في هذا الحديث و معناه و الله أعلم سيرجعون عن الطاعة و يأبون من إذا ما وظف عليهم في أحد الأمر و ذلك أنهم يرتدون عن الإسلام و عن أداء الجزية و لم يكن ذلك في زمانه و لكن أخبر أنهم سيفعلون ذلك و قوله [ يحثي المال حثيا ] قال ابن الأنباري أعلى اللغتين حثا يحثي و هو أصح و أفصح و يقال حثا يحثو و يحثي و احث بكسر الثاء و ضمها كلها لمعنى اغرف بيديك

(1/691)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية