صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

باب منه و في أول ما يقول الله تعالى للمؤمنين و في أول ما يقولون له
أبو داود الطيالسي قال : [ حدثنا عبد الله المبارك قال : حدثني يحيى بن أيوب عن عبيد الله زحر عن خالد بن أبي عمران عن أبي عياش عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن شئتم أنبأتكم بأول ما يقول الله عز و جل للمؤمنين يوم القيامة و بأول ما يقولون له ؟ قالوا : نعم يا رسول الله قال : فإن الله تعالى يقول للمؤمنين هل أحببتم لقائي ؟ فيقولون : نعم يا ربنا قال : و ما محملكم على ذلك ؟ قال : فيقولون : عفوك و رحمتك و رضوانك فيقول : فإني قد أوجبت لكم رحمتي ]
باب منه
ذكر أبو نعيم الحافظ قال : حدثنا سليمان بن أحمد قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن رجلا كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة و يشدد على نفسه و يقنط الناس من رحمة الله ثم مات قال : إي رب مالي عندك ؟ قال : النار قال : فأين عبادتي و اجتهادي ؟ قيل له : إنك كنت تقنط الناس من رحمتي في الدنيا و أنا أقنطك من رحمتي
و قال مقاتل : قال علي بن أبي طالب كرم الله و جهه : الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى و لم يرخص لهم في معاصي الله عز و جل

(1/415)


باب حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات
مسلم [ عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات ] خرجه البخاري أيضا و الترمذي و قال : حديث صحيح غريب
و خرج الترمذي [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لما خلق الله الجنة أرسل جبريل إلى الجنة فقال : انظر إليها و إلى ما أعددت لأهلها فيها قال فجاءها و نظر إليها و إلى ما أعد الله لأهلها فيها قال : فرجع إليه و قال : و عزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها قال : فأمر بها فحفت بالمكاره فقال : فأرجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها قال : فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه فقال : و عزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد قال اذهب إلى النار فانظر إليها و إلى ما أعددت لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه فقال : و عزتك لقد خفت ألا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال : و عزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها ]
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح
فصل : المكاره : كل ما يشق على النفس و يصعب عليها عمله كالطهارة في السبرات و غيرها من أعمال الطاعات و الصبر على المصائب و جميع المكروهات و الشهوات : كل ما يوافق النفس و يلائمها و تدعو إليه و يوافقها و أصل الحفاف الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إليه بعد أن يتحظى فمثل صلى الله عليه و سلم المكاره و الشهوات بذلك فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره و الصبر عليها و النار لا ينجو منها إلا بترك الشهوات و فطام النفس عنها
و قد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه مثل طريق الجنة و طريق النار بتمثيل آخر فقال : [ طريق الجنة حزن بربوة و طريق النار سهل بسهوة ] ذكره صاحب الشهاب
و الحزن : هو الطريق الوعر المسلك و الربوة : هو المكان المرتفع و أراد به أعلى ما يكون من الروابي و السهوة : بالسين المهملة هو الموضع السهل الذي لا غلط فيه و لا وعورة
و قال القاضي أو بكر بن العربي في سراج المريدين له و معنى قوله عليه السلام : [ حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات ] أي جعلت على حافاتها و هي جوانبها و يتوهم الناس أنه ضرب فيها المثل فجعله في جوانبها من الخارج و لو كان ذلك ما كان مثلا صحيحا و إنما هي من داخل و هذه صورتها :
الجنة النار
الصبر الألم الجاه المال النساء
المكاره الغزو
و عن هذا قال ابن مسعود : حفت الجنة بالمكاره و النار حفت بالشهوات فمن اطلع الحجاب فقد واقع ما وراء و كل من تصورها من خارج فقد ضل عن معنى الحديث و عن حقيقة الحال فإن قيل : فقد حجبت النار بالشهوات قلنا : المعنى واحد لأن الأعمى عن التقوى : الذي أخذت سمعه و بصره الشهوات يراها و لا يرى النار التي هي فيها و إن كانت باستيلاء الجهالة و رين الغفلة على قلبه كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ و هي محجوبة عنه و لا يرى الفخ لغلبة شهوة الحبة على قلبه و تعلق باله بها و جهله بما جعلت فيه و حجبت

(1/416)


باب احتجاج الجنة و النار و صفة أهلهما
البخاري [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم احتجت الجنة و النار فقالت هذه : يدخلني الجبارون و المتكبرون و قالت هذه : يدخلني الضعفاء و المساكين فقال الله لهذه : أنت عذابي أعذب بك من أشاء و قال لهذه : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء و لكل واحدة منكما ملؤها ] خرجه مسلم و الترمذي و قال : هذا حديث حسن صحيح
فصل : قال الحاكم أو عبد الله في علوم الحديث : سئل محمد خزيمة عن قول النبي صلى الله عليه و سلم تحاجت النار و الجنة فقالت هذه : يدخلني الضعفاء من الضعيف قال الذي يبرىء نفسه من الحول و القوة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة
قال المؤلف : و مثل هذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع و الله أعلم
و أما المساكين : فالمراد بهم المتواضعون و هم المشار إليهم في قوله عليه السلام : [ اللهم أحييني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين ] و لقد أحسن من قال :
( إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكين )
( ذاك الذي عظمت في الله رغبته ... و ذاك يصلح للدنيا و للدين )
و معنى [ تحاجت الجنة و النار ] أي حاجت كل واحدة صاحبتها و خاصمتها و سيأتي بيانه عند قوله عليه السلام : [ اشتكت النار إلى ربها ]
باب منه في صفة أهل الجنة و أهل النار و في شرار الناس من هم ؟
مسلم [ عن عياض بن عمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يوما في خطبته : أهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق و رجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى و مسلم و عفيف ضعيف متضعف ذو عيال
قال : و أهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلا و لا مالا و الخائن الذي لا يخفى له طمع و إن دق إلا خانة و رجل لا يصبح و لا يمسي إلا و هو يخادعك عن أهلك و مالك و ذكر البخل والكذب و الشنظير الفحاش ]
[ و عن حارثة بن وهب الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبر قسمه ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ] و في رواية : [ زنيم متكبر ] خرجه ابن ماجه أيضا
[ أبو داود عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يدخل الجنة الجواظ و لا الجعظري ] قال : الجواظ : الغليظ الفظ
ابن ماجه [ عن ابن عمران قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله رسول الله لا يعذب من عباده إلا المارد المتمرد الذي تمرد على الله و أبى أن يقول لا إله إلا الله ]
[ و عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يدخل النار إلا شقي قيل يا رسول الله و من الشقي ؟ قال : من لم يعمل لله بطاعته و لم يترك له معصية ]
[ و عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أهل الجنة من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس خيرا و هو يسمع و أهل النار من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس شرا و هو يسمع ]
مسلم [ عن أنس قال : مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم و جبت و جبت و جبت و مر بجنازة فأثنى عليها شرا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : و جبت و جبت و جبت فقال عمر : فداك أبي و أمي مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت : وجبت وجبت وجبت و مر بجنازة فأثني عليها شرا فقلت : وجبت وجبت وجبت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة و من أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض ] قالها ثلاثا
و قالت عائشة رضي الله عنها : الجنة دار الأسخياء و النار دار البخلاء
و قال زيد بن أسلم : أمرك الله تعالى أن تكون كريما فيدخلك الجنة و نهاك أن تكون بخيلا فيدخلك النار
و ذكر أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن كعب القرظي [ عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله و من أحب أن يكون اكرم الناس فليتق الله و من أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا : نعم يا رسول الله قال : من أكل وحده و منع رفده و جلد عبده أفأنبئكم بشر من هذا ؟ قالوا : نعم يا رسول الله قال : من يبغض الناس و يبغضونه قال : أفأنبئكم بشر من هذا ؟ قالوا : نعم يا رسول الله قال : من لا يقيل عثرة و لا يقبل معذرة و لا يغفرذنبا قال : أفأنبئكم بشر من هذا ؟ قالوا : نعم يا رسول الله قال : من لا يرجى خيره و لا يؤمن شره إن عيسى بن مريم قائم في بني إسرائيل خطيبا فقال : يا بني أسرائيل لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموها و قال : مرة فتظلموهم و لا تظلموا ظالما و لا تكافئوا طالما فيبطل فضلكم عند ربكم يا بني إسرائيل الأمر ثلاث : أمر بين رشده فاتبعوه و أمر بين غيه فاجتنبوه و أمر اختلف فيه فردوه إلى الله عز و جل ]
قال أبو نعيم و هذا الحديث لا يحفظ بهذا السياق عن النبي صلى الله عليه و سلم إلا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس
فصل : قوله : ذو سلطان مقسط و ما بعده مرفوع على أنها صفات لذو و هي بمعن صاحب و المقسط : العادل و المتصدق : المعطي الصدقات و الموفق : المسدد لفعل الخيرات و رفيق القلب : لينه عند التذكرة و الموعظة و يصلح أن يكون بمعنى الشفيق
و قوله : [ ضعيف متضعف ] يعني ضعيف في أمور الدنيا قوي في أمر دينه كما قال عليه السلام : [ المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف و في كل خير ] الحديث خرجه مسلم
أما من كان ضعيفا في أمور دينه لا يعني بها فمذموم و ذلك من صفات أهل النار كما قال : و أهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له أي لا عقل له و من لا عقل له ينفك به عن المفاسد و لا ينزجر به عنها فحسبك به ضعفا و خسارة في الدين و قد قيل في الزبير : إنه المال و ليس بشيء لأن النبي صلى الله عليه و سلم فسر ذلك بقوله الذين هم فيكم تبع لا يتبعون أهلا و لامالا
قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه : فيعني بذلك أن هؤلاء ضعفاء العقول فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية و لا فضيلة نفسية و لا دينية بل يهملون أنفسهم إهمال الأنعام ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال و الحرام و هذه الأوصاف الخبيثة الذاتية هي أوصاف هذه الطائفة المسماة بالقلندرية
و قد قال مطرف بن عبد الله بن الشخير راوي الحديث : و الله لقد أدركتهم في الجاهلية و إن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطاولها و يخفى بمعنى يظهر و هو من الأضداد
و قوله : و ذكر البخل و الكذب هكذا الرواية المشهورة بالواو الجامعة و الكذب و قد رواه ابن أبي جعفر عن الطبراني بأو التي للشك قاله القاضي عياض و لعله الصواب و به تصح القسمة لأنه ذكر أن أصحاب النار خمسة : الضعيف الذي وصفه و الخائن الذي و صف و الرجل المخادع الذي وصف
قال : و ذكر البخل و الكذب ثم ذكر الشنظير و الفحاش فرأى هذا القائل أن الرابع هو أحد الصنفين و قد يحتمل لأن يكون الرابع قد جمعها على رواية واو العطف كما جمعهما في الشنظير الفحاش
و قوله : أهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق و رجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى و مسلم و عفيف متعفف ذو عيال
قال القاضي عياض : كذا قيدناه بخفض مسلم عطفا على ما قبله و في رواية أخرى و مسلم عفيف بالرفع و حذف الواو شيخنا انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله
و العفيف : الكثير العفة و هي الانكفاف عن الفواحش و عن ما لا يليق و المتعفف : المتكلف العفة و الشظير : السيء الخلق و يقال شنظيرة أيضا قاله الجوهري و أنشد قول أعرابية :
( شنظيرة زوجنيه أهلي ... من حمقه يحسب رأسي رجلي )
( كأنه لم ير أنثى قبلي )
و ربما قالوا شنذيرة بالذال المعجمة لقربها من الظاء لغة أو لثغة و الفحاش الكثير الفحش و قيل الشنظير : هو الفحاش قال صاحب العين : يقال شنظر بالقوم إذا شتم أعراضهم و الشنظير : الفحاش من الرجال القلق و كذلك من الإبل و الجواظ : الجموع المنوع و منه قوله تعالى : { و جمع فأوعى }
و قيل : الجواظ الكثير اللحم المختال و قيل : هو الجافي القلب و العتل : قيل : الجافي الشديد الخصومة و قيل : هو الأكول الشروب الظلوم
قال المؤلف : و يقال : إنه الفظ الغليظ الذي لا ينقاد لخبر و الجعظري : الفظ الغليظ القصير و جاء في تفسيره في بعض الأحاديث هم الذين لا تصدع رؤوسهم
قال شيخنا : و الزنيم : المعروف بالشر و قيل : اللئيم و أما الزنيم المذكور في القرآن فرجل معين له زنمة كزنمة التيس و قيل : هو الوليد و كان له زنمة تحت أذنه و قيل هو الملصق بالقوم و قيل : هم الأخنس بن شريق
و قوله عليه السلام : [ من أثنيتم عليه شرا و جبت له النار ] يعارضه قوله عليه السلام [ لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ] أخرجه البخاري و الثناء بالشر : سب فقيل ذلك خاص بالمنافقين الذين شهدت الصحابة فيهم بما ظهر لهم و لذلك قال عليه السلام : [ و جبت به النار ] و المسلم لا تجب له النار و اختار هذا القول القاضي عياض
و قيل : ذلك جائز فيمن كان يظهر الشر و يعلن به فيكون ذلك من باب لا غيبة لفاسق
و قيل : إن النهي إنما هو بعد الدفن و أما قبله فممنوع لقوله عليه السلام : [ لا تسبوا الأموات ] فالنهي عن سب الأموات متأخر فيكون ناسخا و الله أعلم
و قوله : [ أنتم شهداء الله في الأرض ] معناه عند الفقهاء إذا أثنى عليه أهل الفضل و الصدق و العدالة لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخل في الحديث و كذلك لو كان القائل فيه عدوا له و إن كان فاضلا لأن شهادته في حياته لو كانت عليه كانت غير مقبولة و كذلك الحكم في الآخرة و الله أعلم
و قيل إن تكرار [ أنتم شهداء الله في الأرض ] ثلاثا إشارة إلى القرون الثلاثة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه و سلم [ خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ]
قلت : الأول أصح لأن الله تعالى مدح هذه الأمة بالفضل العدالة إلى يوم القيامة قال الله تعالى { و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } يعني في الآخرة كما تقدم فلا يشهد إلى العدول
و قد خرج البخاري [ عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال : مر على النبي صلى الله عليه و سلم بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال و جبت ثم مر عليه بأخرى فأثنوا عليها شرا أو قال غير ذلك فقال و جبت فقيل يا رسول الله قلت لهذا و جبت و لهذا و جبت فقال : المؤمنون شهداء الله في الأرض ] و خرجه ابن ماجه بهذا الإسناد و قال شهادة القوم و المؤمنون شهود الله في الأرض و في البخاري أيضا [ عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة قلنا : و ثلاثة ؟ قال : و ثلاثة : فقلنا : و إثنان ؟ قال : و اثنان ثم لم نسأله عن الواحد ] قال أبو محمد عبد الحق و هذا الحديث مخصوص و الله أعلم و الذي قبله يعطي العموم و إن كثرت شهوده و انطلقت ألسنة المسلمين فيه بالخير و الثناء الصالح كانت له الجنة و الله أعلم
قال المؤلف رحمه الله : و من هذا المعنى ما ذكره هناد بن السري أخبرنا إسحاق الرازي عن أبي سنان عن عبد الله بن السائب قال : مرت جنازة بعبد الله بن مسعود فقال لرجل قم فانظر من أهل الجنة هو أم من أهل النار ؟ قال الرجل : ما يدريني أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار ؟ و كيف أنظر ؟ قال : ثناء الناس عليه فإنهم شهداء الله في الأرض قال أبو محمد : و غير مستنكر إذا أحب الله عبدا أمر أن يلقى على ألسنة المسلمين الثناء عليه و في قلوبهم المحبة له قال الله تعالى { إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا }
و قال عليه السلام : [ إذا أحب الله عبدا قال يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه قال فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وذكر في البغضاء مثل ذلك ] و هذا حديث صحيح خرجه البخاري و مسلم قال أبو محمد عبد الحق : و قد شوهد رجال من المسلمين علماء صالحون كثر الثناء عليهم و صرفت القلوب إليهم في حياتهم و بعد مماتهم و منهم من كثر المشيعون لجنازته و كثر الحاملون لها و المتشغلون بها و ربما كثر الله الخلق بما شاء من الجن المؤمنين أو غيرهم مما يكون في صور الناس
ذكر قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : أخبرنا محمد يزيد الرفاعي قال مات عمرو بن قيس الملائي بناحية فارس فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى فلما دفن نظروا فلم يروا أحدا قال الرفاعي : سمعت هذا ممن لا أحصى كثرة و كان سفيان الثوري يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس هذا
و لما مات أحمد بن حنبل رضي الله عنه صلى عليه من المسلمين ما لا يحصى فأمر المتوكل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض فوجد موقف ألفي ألف و ثلاثمائة ألف أونحوها و لما انتشر خبر موته أقبل الناس من البلاد يصلون على قبره فصل عليه ما لا يحصى و لما مات الأوزاعي رضي الله عنه اجتمع للصلاة عليه من الخلق ما لا يحصى و روي أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة اليهود و النصارى نحو من ثلاثين ألفا لما روأوا من كثرة الخلق على جنازته و لما رأوا من العجب في ذلك اليوم
و لما مات سهل بن عبد الله التستري رحمه الله انكب الناس على جنازته و حضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله تعالى و كانت في البلد ضجة فسمع بها يهودي شيخ كبير فخرج فلما رأى الجنازة صاح و قال : هل ترون ما أرى ؟ قالوا : و ما ترى ؟ قال : أرى قوما ينزلون من السماء يتمسحون بالجنازة ثم أسلم و حسن إسلامه و يقال : إن الكعبة لم تخل من طواف طائف يطوف بها إلا يوم مات المغيرة بن حكيم فإنها خلت لانحشار الناس لجنازته تبركا بها و رغبة في الصلاة عليه
و قد شوهد من جنائز الصالحين من يشيعها الطير و يسير معها حيث سارت منهم : أبو الفيض ذو النون المصري و أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي حدث بذلك الثقات : قاله أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة له

(1/418)


باب منه في صفة أهل الجنة و أهل النار
مسلم [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا ] قال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب الرواية بالياء بلا خلاف و تحكم أبو اليد الكتاني فرواه بالثناء المثلثة و هي المنتصبة و هذا خطأ منه و تصحيف و خرجه مسلم أيضا [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ]
فصل : للعلماء في تأويل هذا الحديث و جهان :
أحدهما : أنها مثلها في الخوف و الهيبة و الطير أكثر الحيوانات خوفا حتى قالوا أحذرمن غراب و قد غلب الخوف على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا
الثاني : أنه مثلها في الضعف و الرقة كما جاء في الحديث الآخر في أهل اليمن هم أرق قلوبا و أضعف أفئدة
قلت : و يحتمل وجها ثالثا أنها مثلها خالية من كل ذنب سليمة من كل عيب لا خبرة لهم بأمور الدنيا كما روي [ عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر أهل الجنة البله ] و هو حديث صحيح أي البله عن معاصي الله و الله أعلم
قال الأزهري : الأبله في كلامهم على وجوه : يقولون عيش أبله إذا كان ناعما و منه أخذ بلهنية العيش قال بعضهم : و طالما عشت في بلهنية
و الأبله الذي لا عقل له و الأبله الذي طبع على الخير و هو غافل عن الشر لا يعرفه و قال هذا هو المراد بالحديث
و قال العتبي : البله هم الذين غلب عليهم سلامة الصدور و حسن الظن بالناس و أنشد :
( و لقد لهوت بطفلة ميالة ... بلهاء تطلعني على أسرارها )
يعني أنها أغراء لا دهاء فيها :
قلت : و نظير ما ذكرناه و ما قاله هؤلاء من الكتاب قوله تعالى { إلا من أتى الله بقلب سليم } و قوله عليه السلام و قد سئل أي الناس أفضل ؟ قال : [ الصادق اللسان المخموم القلب قالوا : أما الصادق اللسان فقد عرفناه أنه ذلك فما المخموم القلب ؟ قال : النقي الذي لا غل فيه و لا حسد ] ذكره أبو عبيده و العرب تقول خممت البيت أي كنسته و منه سميت الخمامة و هي مثل القمامة و الكناسة
و قال بعض العلماء في البله وجها آخر لطيفا و هو : أنهم سموا بذلك لقصورهم عن كمال المعرفة بحق الله تعالى و رؤية استحقاقه العبادة و إيثار طلبه و الشغف بحبه و خدمته و طلب رضاه الذي هو جنة الخلد إذا وقفوا بخواطرهم على الجنة و نعيمها و عبدوه و أطاعوا في نيل درجاتها و لذاتها غافلين عن مراقبة جلاله و ملاحظة كماله بعكوف همهم على نيل نعمه و أفضاله فهم بله أيضا بالإضافة إلى العقلاء عن الله عز و جل ذوي الألباب المقبلة على مشاهدة عظمة الله تعالى المتوجهين بكليتهم إليه المشغولين به عما لديه و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم في سياق قوله : [ أكثر أهل الجنة البله و عليون لأولي الألباب ] و في الخبر : أن طائفة من العقلاء بالله عز و جل تزفهم الملائكة إلى الجنة و الناس في الحساب فيقولون للملائكة : إلى أين تحملوننا ؟ فيقولون : إلى الجنة فيقولون : إنكم لتحمولوننا إلى غير بغيتنا فتقول لهم الملائكة : و ما بغيتكم ؟ فيقولون : المقعد الصدق مع الحبيب كما أخبر : { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } و لعل من هذا القبيل من يسأل الله الجنة إلا أن سؤاله إياها لا لها بل موافقة لمولاه لما علم أنه يحب أن يسأل من ثوابه و يستعاذ من عذابه فوافق مولاه
في إيثاره لا لحظ نفسه كما قال عليه السلام لأحد أصحابه الذي قال [ أما أنا فأقول في دعائي اللهم أدخلني الجنة و عافني من النار و لا أدري ما دندنتك و لا دندنه معاذ فقال له النبي صلى الله عليه و سلم حولها ندندن ]
قلت : خرجه أبو داود في سننه و ابن ماجه أيضا
فصل : قال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب : قوله صنفان من أهل النار لم أرهما الصنف فيما ذكر عن الخليل الطائفة من كل شيء و السوط في اللغة اسم العذاب و إن لم يكن له ثم ضرب قال الفراء
و قال ابن فارس في المجمل السوط من العذاب النصيب و السوط خلط الشيء بعضه ببعض و إنما سمي سوطا لمخالطته و إنما أراد النبي صلى الله عليه و سلم عظم السياط و خروجها عن حد ما يجوز به الضرب في التأديب و هذه الصفة للسياط مشاهدة عندنا بالمغرب إلى الآن و غيره
و قوله نساء كاسيات عاريات يعني أنهن كاسيات من الثياب عاريات من الذين لانكشافهن و إبدائهن بعض محاسنهن
و قيل : كاسيات ثيابا رقاقا يظهر ما خلفها و ما تحتها فهن كاسيات في الظاهر عاريات و في الحقيقة
و قيل : كاسيات في الدنيا بأنواع الزنية من الحرام و ما لا يجوز لبسه عاريات يوم القيامة ثم قال عليه السلام [ مائلات مميلات ] قيل : معناه زائغات عن طاعة الله تعالى و طاعة الأزواج و ما يلزمهن من صيانة الفروج و التستر عن الأجانب و مميلات يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن
و قيل : مائلات متبخترات في مشهين مميلات يملن رؤوسهن و أعطافهن من الخيلاء و التبختر و مميلات لقلوب الرجال إليهن لما يبدين من زينتهن و طيب رائحتهن
و قيل : يتمشطن الميلاء و هي مشطة البغايا و المميلات : اللواتي يمشطن غيرهن المشة الميلاء قال صلى الله عليه و سلم [ رؤوسهن كأسنمة اليخت ] معناه يعظمن رؤوسهن بالخمر و المقانع و يجعلن على رؤوسهن شيئا يمسي عندهم التازة لا عقص الشعر و الذاوئب المباح للنساء حسب ما ثبت في الصحيح عن أم سلمة قالت قلت : يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي الحديث

(1/425)


باب ما جاء في أكثر أهل الجنة و أكثر أهل النار
مسلم [ عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين و إذا أصحاب الجد محبوسون إلى أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار و قمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء ]
[ و من حديث ابن عباس في حديث كسوف الشمس : و رأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط و رأيت أكثر أهلها النساء قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال بكفرهن قيل أيكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير و يكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك ما تكره قالت ما رأيت منك خيرا قط ]
[ و عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن أقل ساكني الجنة النساء ]
فصل : قال علماؤنا : إنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى و الميل إلى عاجل زينة الدنيا لنقصان عقولهن أن تنقذن بصائرها إلى الأخرى فيضعفن عن عمل الآخرة و التأهب لها و لميلهن إلى الدنيا و التزين بها و لها ثم مع ذلك هن أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الأخرى لما لهم فيهن من الهوى و الميل لهن فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن صارفات عنها لغيرهن سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى و أعمالها من المقتين
و عن كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أيها الناس لا تطيعوا للنساء أمرا و لا تأمنوهن على مال و لا تدعوهن يدبرن أمر عشير فإنهن إن تركن و ما يردن أفسدن الملك و عصين المالك و جدناهن لا دين لهن في خلواتهن و لا ورع لهن عند شهواتهن اللذة بهن يسيرة و الحيرة بهن كثيرة فأما صوالحهن ففاجرات و أما طوالحهن فعاهرات و أما المعصومات فهن المعدومات فيهن ثلاث خصال من اليهود : يتظلمن و هن ظالمات و يحلفن و هن كاذبات و يتمنعن و هن راغبات فاستعيذوا بالله من شرارهن و كونوا على حذر من خيارهن و السلام
و قال صلى الله عليه و سلم : [ ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ] و سيأتي
و قال : [ ما رأيت من ناقصات عقل و دين أسلب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء ] و هو معنى قوله عليه السلام في الحديث المتقدم : [ مائلات مميلات ] قال الحافظ بن دحية : تحفظوا عباد الله منهن و تجبنوا غيهن و لا تثقوا بودهن و لا عهدهن ففي نقصان عقولهن و دينهن ما يغني عن الإطناب فيهن
باب منه
البخاري [ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من يأتي قيل : و من يأبى يا رسول الله قال : من أطاعتي دخل الجنة و من عصاني فقد أبى ]
و ذكر ابن أبي الدنيا قال : حدثنا محمد بن علي حدثنا أبو إسحاق بن الأشعث قال : سمعت فضيل بن عياض يقول : سمعت ابن عياض يقول : يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوهة خلقتها فتشرف على الخلائق فيقال : هل تعرفون هذه ؟ فيقولون : نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها بها قطعتم الأرحام و بها تحاسدتم و تباغضتم و اغتررتم ثم تقذف في جهنم فتنادي أي رب أين أتباعي و أشياعي فيقول الله : تعالى : ألحقوا بها أتباعها و أشياعها

(1/428)


باب ما جاء أن العرفاء في النار
[ عن أبي داود عن غالب القطان عن رجل عن أبيه عن جده الحديث و فيه أن أباه أرسله إلى النبي صلى الله عليه و سلم و أنه قال : إن أبي شيخ كبير و هو عريف الماء و أنه يسألك أن تجعل إلالعرافة بعده فقال : إن العرافة حق و لا بد الناس من عرفاء و لكن العرفاء في النار ] و في الصحيح في قصة هوازن : ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم
فصل : قال علماؤنا : العريف هنا القيام بأمر القبيلة و المحلة يلي أمورهم و يتعرف أخبارهم و يعرف الأمير منه أحوالهم و قوله العرافة حق و يريد أن فيها مصحلة للناس ورفقا لهم ألا تراه يقول و لا بد للناس من عرفاء و قوله في النار : معناه التحذير من الرئاسة و التأمر على الناس لما فيه من الفتنة و الله أعلم
باب منه
أبو داود الطياليسي قال : [ حدثنا هشام بن عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ويل للأمناء و ويل للعرفاء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء و الأرض و أنهم لم يلوا عملا ]

(1/430)


باب لا يدخل الجنة صاحب مكس و لا قاطع رحم
قال الله تعالى : { و لا تقعدوا بكل صراط توعدون و تصدون عن سبيل الله من آمن به و تبغونها عوجا } نزلت في المكاسين و العشارين في قول بعض العلماء و قال تعالى { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله } الآية
مسلم [ عن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لا يدخل الجنة قاطع ] قال ابن أبي عمر قال سفيان يعني قاطع رحم رواه البخاري
أبو داود [ عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا يدخل الجنة صاحب مكس ]
فصل : قال علماؤنا صاحب المكس هو الذي يعشر أموال الناس و يأخذ من التجار و المختلفين ما لا يجب عليهم إذا مروا به مكسا باسم العشر أو الزكاة و ليس هو الساعي الذي يأخذ الصدقات و الحق الواجب للفقراء و
قد قمنا أن التبديل إذا كان في الأعمال و ليس في العقائد صاحبه في المسيئة و إن عذب فإنه يخرج بالشفاعة على ما تقدم و هكذا القول في أهل الكبائر المتوعد عليها بالنار و اللعنة يخرجون بالشفاعة إذا ارتكبوها على غير وجه الاستحلال

(1/431)


باب ما جاء في أول ثلاثة يدخلون الجنة و أول ثلاثة يدخلون النار
أبو بكر بن شيبة [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أول ثلاثة يدخلون الجنة الشهيد و رجل عفيف متعفف ذو عيال و عبد أحسن عبادة ربه و أدى حق مواليه و أول ثلاثة يدخلون النار : أمير متسلط و ذو ثروة من مال لا يؤدي حقه و فقير فخور ]

(1/432)


باب ما جاء في أول من تسعر بهم جهنم
مسلم [ عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت قال : كذبك و لكنك قاتلت ليقال فلان جريء فقد قيل ثم أمر ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار و رجل تعلم العلم و علمه و قرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فرفعها قال : قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم و علمته و من قرآت فيك القرآن قال : كذبت و لكنك تعلمت ليقال عالم و قرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر بن فسحب على وجهه حتى ألقي في النار و رجل وسع الله عليه و أعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال : كذبت و لكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ] خرجه أبو عسيى الترمذي بمعناه و قال في آخره ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم على ركبتي فقال : [ يا أبا هريرة : أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ]

(1/432)


باب فيمن يدخل الجنة بغير حساب
مسلم [ عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال : هم الذين لا يسترقون و لا يتطيرون و لا يكتوون و على ربهم يتوكلون ]
الترمذي [ عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم و لا عذاب مع كل ألف سبعون ألفا و ثلاث حثيات من حثيات ربي ] قال الترمذي : هذا حديث غريب و قد أخرجه ابن ماجه أيضا
و خرج أبو بكر البزار [ من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا مع كل واحد من السبعين ألفا سبعون ألفا ] و خرج أيضا هو و أبو عبد الله الحكيم الترمذي [ عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فقال عمر : يا رسول الله فهلا استزدته ؟ قال : استزدته فأعطاني مع كل من السبعين ألفا سبعين ألفا فقال عمر : يا رسول الله فهلا استزدته ؟ قال : لقد استزدته فأعطاني هكذا ] و فتح أبو وهب يديه قال أبو وهب قال هشام هذا من الله لا يدري ما عدده
و خرج الترمذي الحكيم أيضا [ عن نافع أن أم قيس حدثته أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج آخذا بيدها في سكة من سكك المدينة حتى انتهى بها إلى بقيع الغرقد فقال يبعث من ها هنا سبعون ألفا يوم القيامة في صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب فقام رجل فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال : أنت منهم فقام آخر فقال يا رسول الله : ادع الله أن يجعلني منهم فقال : سبققك بها عكاشة ] قال أبو عبد الله فهذا العدد من مقبرة واحدة فكيف بسائر مقابر أمته و إنما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أنت منهم كأنه رأى فيه أنه منهم و الآخر لم يره بموضع ذلك فقال سبقك بها عكاشة و أم قيس هي بنت محصن أخت عكاشة بن محصن الأسدي
قلت : خرجه مسلم في صحيحه بمعناه
فصل : لا تظن أن من استوفى و اكتوى لا يدخل الجنة بغير حساب فإن النبي صلى الله عليه و سلم رقى نفسه و أمر بالرقي و كذلك كوى أصحابه و نفسه فيما ذكر الطبري و غيره فمحمل النبي عن رقى مخصوصة بدليل قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لآل عمرو بن حزم ] اعرضوا على رقابكم لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك [ و كذلك الكي الذي لا يوجد عنه غني فمن فعله في محله و على شرطه لم يكن ذلك مكروها في حقه و لا منقصا له من فضله و يجوز أن يكون من السبعين ألفا و قد كوى النبي صلى الله عليه و سلم نفسه فيما ذكره الطبري في كتاب آداب النفوس له ذكره الحليمي في كتاب المنهاج في الدين له
و اختلفت الرواية في الكي فروي أن النبي صلى الله عليه و سلم اكتوى من الكلم الذي أصابه في وجهه يوم أحد و كوى سعد بن زرارة من الشوكة و كوى سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن و أبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمة للقرآن و قد اكتوى عمران بن حصين و قطع رجله عروة بن الزبير فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحوا أن يكونوا من السبعين ألفا ففساد كلامه لا يخفى
باب منه
] أخبرنا ابن رواح إجازة قال : حدثنا السلفي قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن جعفر قراءة عليه و أنا أسمع بأصبهان سنة إحدى و تسعين و أربعمائة قال : أخبرنا أبو القاسم علي بن عمر ضبن إسحاق بن إبراهيم الأسدباذي الهمذاني قراءة عليه في شعبان سنة تسع و أربعمائة قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق بن السني الحافظ قال : أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد المطيقي قال : حدثنا أبو بكر بن زنجويه قال
حدثنا عثمان بن صالح قال : حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي جحيرة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب رجل غسل ثوبه فلم يجد له خلفا و رجل لم ينصب على مستوقدده بقدرين قط و رجل دعي بشراب فلم يقل له أيهما تريد و قال ابن مسعود : من احتفر بئرا بفلاة من الأرض إيمانا و احتسابا دخل الجنة بلا حساب
باب منه
ذكر أبو نعيم عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيكم أهل الفضل ؟ فيقول ناس من الناس فيقال انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون : إلى أين ؟ فيقولون إلى الجنة قالوا قبل الحساب ؟ قالوا : نعم قالوا : من أنتم ؟ قالوا : أهل الفضل قالوا : و ما كان فضلكم ؟ قالوا لنا إذا جهل علينا حلمنا و إذا ظلمنا صبرنا و إذا أسى علينا غفرنا قالوا : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ثم ينادي مناد ليقم أهل الصبر فيقوم ناس من الناس و هم قليل فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك فيقولون نحن أهل الصبر قالوا : و ما كان صبركم ؟ قالوا : صبرنا أنفسنا على طاعة الله و صبرناها عن معاصي الله قالوا : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين قال : ثم ينادي مناد ليقم جيران الله فيقوم ناس من الناس و هم قليل فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك قالوا : و لم جاورتم الله في داره ؟ قالوا : كنا نتزاور في الله و نتجالس في الله و نتبادل في الله عز و جل قالوا : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين
و ذكر [ من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا جمع الله الأولين و الآخرين في صعيد واحد ينادي مناد من تحت بطنان العرش : أين أهل المعرة بالله أين المحسنون ؟ قال : فيقوم عنق من الناس حتى يقفوا بين يدي الله تعالى فيقول و هو أعلم بذلك : من أنتم ؟ فيقولون نحن أهل المعرفة بك الذي عرفتنا إياك و جعلتنا أهلا لذلك فيقول : صدقتم ثم يقول ما عليكم من سبيل ادخلوا الجنة برحمتي ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : لقد نجاهم الله من أهوال يوم القيامة ] قال أبو نعيم : هذا طريق مرضي لولا الحارث بن منصور الوراق و كثرة وهمه
ابن المبارك عن ابن عباس قال : [ إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الحامدون لله تعالى على كل حال فيقومون فيسرحون إلى الجنة ثم ينادي ثانية : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا و طمعا و مما رزقناهم ينفقون } قال : فيقومون فيسرحون إلى الجنة قال : ثم ينادي ثالثة ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانوا { لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله } الآية فيسرحون إلى الجنة
و روي أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين عبادي الذين أطاعوني و حفظوا عهدي بالغيب فيقومون كأن وجوههم البدر أو الكوكب الدري ركبانا على نجائب من نور أزمتها من الياقوت الأحمر تطير بهم على رؤوس الخلائق حتى يقوموا بين يدي العرش فيقول الله لهم : السلام على عبادي الذين أطاعوني و حفظوا عهدي بالغيب أنا اصطفيتكم و أنا أحببتكم و أنا اخترتكم اذهبوا فأدخلوا الجنة بغير حساب فلا خوف عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فيفتح لهم أبوابها ثم إن الخلائق في المحشر موقوفون فيقول بعضهم لبعض : يا قوم أين فلان ابن فلان و ذلك حين يسأل بعضهم بعضا فينادي مناد { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون }
باب منه
ذكر الميانشي القرشي أبو جعفر عمر بن حفص [ من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر فيأمر الله تعالى جبريل أن يأتيهم فيسألهم من هم فيأتيهم فيسألهم فيقولون : نحن أصحاب الحديث فيقول الله تعالى لهم : ادخلوا الجنة طال ما كنتم تصلون على نبي صلى الله عليه و سلم ] و خرج [ عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور عليها قبال من در ثم ينادي مناد : أين الفقهاء و أين الأئمة و أين المؤذنوون ؟ اجسلوا على هذه فلا روع عليكم اليوم و لا حزن حتى يفرغ الله فيما بينه و بين العباد من الحساب ]
و روى يزيد بن هارون [ عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن ابن أبي ليلى عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : مسألة واحدة بتعلمها المؤمن خير له من عبادة سنة و خير له من عتق رقبه من ولد إسماعيل و إن طالب العلم و المرأة المطيعة لزوجها و الولد البار بوالديه يدخلون الجنة بغير حساب ] ونقلته من الزيادات بعد الأربعين لإسماعيل بن عبد الغافر رحمه الله قال : حدثنا يحيى عن الحسن ابن علي حدثنا يزيد بن هارون فذكره
باب منه
أبو نعيم [ عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف فقال أبو بكر يا رسول الله : زدنا قال : و هكذا و أشار سليمان بن حرب بيده كذلك قال يا رسول الله : زدنا فقال عمر رضي الله عنه : إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم صدق عمر ] هذا حديث غريب من حديث قتادة عن أنس تفرد به عن قتادة أبو هلال و اسمه محمد بن سليم الراسبي ثقة بصري
فصل : لا يحملنك يا أخي شيء من هذا الحديث و لا الذي قبله و لا ما وقع في صحيح مسلم من قوله عليه السلام مخبرا عن الله تعالى كما تقدم : فيقبض قبضة من النار على التجسيم و قد تقدم القول في هذا المعنى عند قوله : و يطوى السموات بيمينه و إنما المعنى أن الله تعالى يخرج من النار خلقا كثيرا لا يأخذهم عد و لا يدخلون تحت حصير فيخرجون دفعة واحدة بغير شفاعة أحد و لا ترتيب خروج بل كما يلقي القابض الشيء المقبوض عليه من يده في مرة واحدة فعبر عن ذلك بالحفنة و الحثوة و القبضة فاعلم ذلك

(1/433)


باب أمة محمد صلى الله عليه و سلم شطر أهل الجنة و أكثر
مسلم [ عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول الله تبارك و تعالى : يا آدم فيقول : لبيك و سعديك و الخير في يديك قال فيقول : أخرج بعث النار من ولدك قال و ما بعث ؟ قال من كل ألف تسعمائة و تسعة و تسعون و تسعون قال فذلك حين يشيب الصغير و تضع كل ذات حمل حملها و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب الله شديد قال : فاشتد ذلك عليهم قالوا يا رسول الله أينا ذلك الرجل ؟ قال : أبشروا فإن من يأجوج و مأجوج ألفا و منكم واحد ثم قال : و الذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة فحمدنا الله و كبرنا ثم قال : و الذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة فحمدنا الله و كبرنا ثم قال : و الذي نفسي بيده أن تكونوا شطر أهل الجنة إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالرقمة في ذراع الدابة ] خرجه البخاري
و روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ يكون الخلائق يوم القيامة مائة و عشرين صفا طول كل صف مسيرة أربعين ألف سنة و عرض كل صف عشرون ألف سنة قيل له يا رسول الله : كم المؤمنون ؟ قال : ثلاثة صفوف قيل له : و المشركون ؟ قال : مائة و سبعة عشر صفا قيل له : فما صفة المؤمنين من الكافرين ؟ قال : المؤمنون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ] ذكر هذا الخبر القتيبي في عيون الأخبار له و هو غريب جدا مخالف لصفوف المؤمنين الوارد في الأحاديث
و ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال [ حدثنا بن نمير قال حدثني موسى الجهني عن الشعبي قال : سمعته يقول قال نبي الله صلى الله عليه و سلم أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟ قالوا : الله و رسوله أعلم قال : فيسركم أن تكونوا نصف أهل الجنة ؟ قالوا : الله و رسوله أعلم قال : إن أمتي يوم القيامة ثلثي أهل الجنة إن الناس يوم القيامة عشرون و مائة صف و إن أمتي من ذلك ثمانون صفا ] و رواه مرفوعا [ عن عبد الله بن مسعود و فيه : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل الجنة يوم القيامة عشرون و مائة صف أنتم منها ثمانون صفا ] في إسناده الحرث بن حضيرة ضعيف ضعفه مسلم في صدر كتابه
و خرج ابن ماجه و الترمذي [ عن بريدة بن حصيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أهل الجنة عشرون و مائة صف ثمانون منها من هذه الأمة و أربعون من سائر الأمم ] قال أبو عيسى هذا حديث غريب
فصل : تقدم من حديث عبد الله بن عمر و فيه ثم يقول : اخرجوا بعث النار و في هذا يقال لآدم اخرج بعث النار فقيل إن آدم لما أمر أولا بالإخراج أمر هو و الملائكة أن يخرجوا و يميزوا أهل الجنة و أهل النار و الله أعلم
و قول الصحابة رضوان الله عليهم : أين ذلك الرجل يريدون من الواحد الذي لا يدخل النار توهما منهم أن القضية واردة فيهم فقال صلى الله عليه و سلم [ إن من يأجوج و مأجوج تسعمائة و تسعة و تسعين و منكم رجلا ] و أطلق لفظ البشارة و بين أن الألف كلها في النار لكن من غير هذه الأمة المحمدية و من هذه الأمة واحدة في الجنة على ما يقتضيه ظاهر هذا اللفظ و إذا كان كذلك استغرق العدد جميع أمة محمد صلى الله عليه و سلم فكانوا في الجنة أو أكثرهم لأن يأجوج و مأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطوف بين يديه من صلبه على ما يأتي بيانه من ذكرهم في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى و الله أعلم

(1/438)


باب في ذكر أبواب جهنم و ما جاء فيها و في أهوالها و أسمائها أجارنا الله منها برحمته و فضله إنه ولي ذلك و القادر عليه
ذكر الله عز و جل النار في كتابه و و صفها على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم و نعتها فقال عز و جل من قائل : { كلا إنها لظى * نزاعة للشوى } الشوى : جمع شواة و هي جلدة الرأس و قال : { و ما أدراك ما سقر * لا تبقي و لا تذر * لواحة للبشر } أي مغيرة يقال : لاحته الشمس و لوحته إذا غيرته و قال { و ما أدراك ما هيه * نار حامية } و قال { لينبذن في الحطمة } أي ليرمين فيها { و ما أدراك ما الحطمة } الآية
ذكر ابن المبارك [ عن خالد بن أبي عمران بسنده إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن النار لتأكل أهلها حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت ثم تعود كما كانت ثم تستقبله أيضا فتطلع على فؤاده و هو كذلك أبدا ] فذلك قوله تعالى { نار الله الموقدة } الآية و قال : { و إذا الجحيم سعرت } أي أوقدت و أضرمت و قال { و سيصلون سعيرا } و قال { و أعتدنا لهم عذاب السعير } و قال { و الذين كفروا لهم نار جهنم } الآية و قال { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } و سيأتي بيان هذا فأوعد بها الكافرين و خوف الطغاة و المتمردين و العصاة من الموحدين لينجزوا عما نهاهم عنه فقال و قوله الحق : { فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة أعدت للكافرين } و قال { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا } و قال : { ذلك يخوف الله به عباده } و الآي في هذا المعنى كثير و الله تعالى أعلم

(1/439)


باب ما جاء أن النار لما خلقت فزعت الملائكة حتى طارت أفئدتها
ذكر ابن المبارك قال أخبرنا معمر عن محمد بن المنكدر قال : لما خلقت النار فزعت الملائكة حتى طارت أفئدتها فلما خلق الله آدم سكن ذلك عنهم و ذهب ما كانوا يجدون
و قال ميمون بن مهران : لما خلق الله جهنم أمرها فزفرت زفرة فلم يبق في السموات السبع ملك إلا خر على وجهه فقال لهم الجبار جل جلاله : ارفعوا رؤوسكم أما عملتم أني خلقتكم لطاعتي و عبادتي و خلقت جهنم لأهل معصيتي خلقي فقالوا : ربنا لا نأمنها حتى نرى أهلها فذلك قوله تعالى : { و هم من خشيته مشفقون } فالنار عذاب الله فلا ينبغي لأحد أن يعذب بها و قد جاء النهي عن ذلك فقال : لا تعذبوا بعذاب الله و الله أعلم

(1/440)


باب ما جاء في البكاء عند ذكر النار و الخوف منها
[ ابن وهب عن زيد بن أسلم قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم و معه إسرافيل فسلما على النبي صلى الله عليه و سلم و إذا إسرافيل منكسر الطرف متغير اللون فقال النبي صلى الله عليه و سلم يا جبريل : ما لي أرى إسرافيل منكس الطرف متغير اللون ؟ قال : لاحت له آنفا حين هبط لمحة من جهنم فلذلك الذي ترى من كسر طرفه ]
ابن المبارك قال : [ أخبرنا محمد بن مطرف عن الثقة : أن فتى من الأنصار دخلته خشية من ذكر النار فكان يبكي عند ذكر النار حتى حبسه ذلك في البيت فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فجاءه في البيت فلما دخل النبي صلى الله عليه و سلم اعتنقه الفتى فخر ميتا فقال النبي صلى الله عليه و سلم جهزوا صاحبكم فإن الفرق من النار قد فلذ كبده ]
و روي أن عيسى عليه السلام مر بأربعة آلاف امرأة متغيرات الألوان عليهن مدارع الشعر و الصوف فقال عيسى عليه السلام : [ ما الذي غير ألوانكم معاشر النسوة ؟ قلن : ذكر النار غير ألواننا يا ابن مريم إن من دخل النار لا يذوق فيها بردا و لا شرابا ] ذكره الخرائطي في كتاب القبور
و روي أن سلمان الفارسي لما سمع قوله تعالى { و إن جهنم لموعدهم أجمعين } فر ثلاثة أيام هاربا من الخوف لا يعقل فجيء به إلى النبي صلى الله عليه و سلم فسأله فقال له يا رسول الله أنزلت هذه الآية قوله عز و جل : { إن جهنم لموعدهم أجمعين } فو الذي بعثك بالحق نبيا لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى { إن المتقين في جنات و عيون } الآية ذكره الثعلبي و غيره

(1/441)


باب ما جاء فيمن سأل الله الجنة و استجار به من النار
الترمذي [ عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة و من استجار بالله من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار ]
و روى البيهقي [ عن أبي سعيد الخدري أو عن ابن حجيرة الأكبر عن أبي هريرة أن أحدهما حدثه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه و بصره إلى أهل السماء و أهل الأرض فإذا قال العبد : لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم اللهم أجرني من حر نار جهنم قال الله لجهنم : إن عبدا من عبادي استجار بي منك و إني أشهدك أني أجرته و إذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سمعه و بصره إلى أهل السماء و أهل الأرض فإذا قال العبد : لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم : قال الله لجهنم : إن عبدا من عبادي قد استجار بي منك و من زمهريك أشهدك أني قد أجرته ] فقالوا و ما زمهرير جهنم ؟ قال : جب يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بعضه من بعض

(1/442)


باب ما في تقرر من الكتاب و السنة
تقرر من الكتاب و السنة أن الأعمال الصالحة و الإخلاص فيها مع الإيمان موصلة إلى الجنان و مباعدة من النيران و ذلك يكثر أيراده و القطع به مع الموافاة على ذلك يغني عن ذكر ذلك و يكيفك الآن من ذلك ما ثبت في الصحيحين [ عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا ] خرجه النسائي
[ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا ] و خرجه أبو عيسى الترمذي [ عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه و بين النار خندقا كما بين المشرق و المغرب ] و يروي [ ما بين السماء و الأرض ] قال : هذا حديث غريب من حديث أبي أمامة
و خرج الطبراني سليمان بن أحمد [ حدثنا عمارة بن وثيمة المصري قال : حدثنا أبي وثيمة بن موسى بن الفرات قال : حدثنا إدريس بن يحيى الخولاني عن رجاء بن أبي عطاء عن وهب بن عبد الله المعافري عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من أطعم أخاه حتى يشبعه و شقاه من ماء حتى يرويه بعده الله من النار سبع خنادق ما بين كل خندق مسيرة مائة عام ]
و في كتاب أبي داود [ عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من توضأ فأحسن الوضوء و عاد أخاه المسلم يوعد من جهنم سبعين خريفا ] قلت يا أبا حمزة : و ما الحزيف ؟ قال : العام
و في الصحيحين [ عن عدي بن حاتم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : من استطاع منكم أن يستتر من النار و لو بشق تمرة فليفعل ] لفظ مسلم

(1/443)


باب ما جاء في جهنم و أنها أدراك و لمن هي
قال الله تعالى : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } فالنار دركات سبعة أي طبقات و منازل و إنما قال : أدراك و لم يقل درجات لاستعمال العرب لكل ما تسافل درك و لما تعالى درج فيقول للجنة درج و للنار درك فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار و هي الهاوية لغلظ كفرهم و كثرة غوائلهم و تمكنهم من أذى المؤمنين
ابن وهب قال : حدثني ابن يزيد قال : قال كعب الأحبار : إن في النار لبئرا ما فتحت أبوابها بعد مغلقة ما جاء على جهنم منذ خلقها الله تعالى إلا تستعيذ بالله من شر ما في تلك البئر مخافة إذا فتحت تلك البئر أن يكون فيها من عذاب الله ما لا طاقة لها به و لا صبر لها عليه و هي الدرك الأسفل من النار
و ذكر ابن المبارك قال : أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن خيثمة عن ابن مسعود في قوله تعالى : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } قال : توابيت من حديد تصمت عليهم في أسفل النار قال : و أخبرنا إبراهيم بن هارون الغنوي قال : سمعت حطان بن عبد الله الرقاشي يقول : سمعت عليا يقول : هل تدرون كيف أبواب جهنم ؟ قال : هي مثل أبوابنا هذه ؟ قال : لا بل هي هكذا بعضها فوق بعض
و قال العلماء : أعلى الدركات جهنم و هي مختصة بالعصاة من أمة محمد صلى الله عليه و سلم و هي التي تخلو من أهلها فتصفق الرياح أبوابها ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية و قد يقال للدركات : درجات لقوله تعالى : { و لكل درجات مما عملوا }
و وقع في كتب الزاهد و الرقائق أسماء هذه الطبقات و أسماء أهلها من أهل الأديان على ترتيب لم يرد في أثر صحيح
قال الضحاك : في الدرك الأعلى المحمديون و في الثاني النصارى و في الثالث اليهود و في الرابع الصائبون و في الخامس المجوس و في السادس مشركو العرب و في السابع المنافقون
و قال معاذ بن جبل و ذكر العلماء السوء من العلماء : من إذا وعظ عنف و إذا وعظ أنف فذلك في الدرك الأول من النار و من العلماء من يأخذ علمه بأخذ السلطان فذلك في الدرك الثاني من النار و من العلماء من يخزن علمه فذلك في الدرك الثالث من النار و من العلماء من يتخير العلم و الكلام لوجوه الناس و لايرى سفلة الناس له موضعا فلذلك في الدرك الرابع من النار و من العلماء من يتعلم كلام اليهود و النصارى و أحاديثهم ليكثر حديثهم فذلك في الدرك الخامس من النار و من العلماء من ينصب نفسه للفتيا يقول للناس سلوني فذلك الذي يكتب عند الله متكلف و الله لا يحب المتكلفين فذلك في الدرك السادس من النار و من العلماء من يتخذ علمه مروءة و عقلا فذلك في الدرك السابع من النار ذكره غير واحد من العلماء
قلت : و مثله لا يكون رأيا و إنما بدر توقيفا ثم من هذه الأسماء ما هو اسم علم للنار كلها بجملتها نحو جهنم و سقر و لظى و سموم فهذه أعلام ليست لباب دون باب فاعلم ذلك و في التنزيل { و وقانا عذاب السموم } يريد النار بجملتها كما ذكرنا أجارنا الله منها بمنه و كرمه آمين

(1/444)


باب ما جاء أن جهنم تسعر كل يوم و تفتح أبوابها إلا يوم الجمعة
أبو نعيم قال : [ حدثنا سليمان بن أحمد قال : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري قال : حدثنا علي بن بحر قال : حدثنا سوار بن عبد العزيز عن النعمان ابن المنذر عن مكحول عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن جهنم تسعر في كل يوم و تفتح أبوابها إلا يوم الجمعة فإنها لا تسعر يوم الجمعة و لا تفتح أبوابها ] غريب من حديث عبد الله و مكحول لم نكتبه إلا من حديث النعمان
قال المؤلف رحمه الله : و لهذا المعنى كانت النافلة جائزة في يوم الجمعة عند قائم الظهيرة دون غيرها من الأيام و الله أعلم

(1/445)


باب ما جاء في قول الله تعالى لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم
قال الله تعالى في محكم كتابه { لها سبعة أبواب } و قال { حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها }
[ و عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد ] خرجه الإمامان الحافظان الترمذيان أبو عبد الله و أبو عيسى و قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول
قلت : مالك بن مغول أبو عبد الله البجلي الكوفي إمام ثقة خرج له البخاري و مسلم و الأئمة
قال أبي بن كعب : [ لجهنم سبعة أبواب أشدهما غما و كربا و حرا و أنتنها ريحا للزناة الذين ارتكبوا بعد العلم ]
و روى سلام الطويل [ عن أبي سفيان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم في قول الله تعالى : { لها سبعة أبواب } الآية : جزء أشركوا بالله و جزء شكوا في الله و جزء أغفلوا عن الله و جزء آثروا شهواتهم على الله و جزء شفوا غيظهم بغضب الله و جزء صيروا رغبتهم بحظهم عن الله و جزء عتوا على الله ] ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب منهاج الدين له و قال : فإن كان ثابتا فالمشركون بالله هم الثنوية و الشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أو لا إله لهم أو يشكون في شريعته أنها من عنده أولا و الغافلون عن الله هم الذين يجحدونه أصلا ولا يثبتونه و هم الدهرية و المؤثرون شهواتهم على الله هم المنهمكون في المعاصي لتكذيبهم رسل الله و أمره و نهيه و الشافون غيظهم بغضب الله تعالى هم القائلون أنبياء الله و سائر الداعين له المعذبون ينصح لهم أو يذهب غير مذهبهم و المصيرون رغبتهم بحظهم من الله تعالى هم المنكرون للبعث و الحساب منهم يعبدون أي شيء يرغبون فيه لهم جميع حظهم من الله تعالى و العاتون على الله هم الذين لا يبالون بأن يكون ما هم فيه حقا أو باطلا فلا يتفكرون و لا يعتبرون و لا يستدلون و الله أعلم بما أراد رسوله صلى الله عليه و سلم إن كان الحديث ثابتا
[ و قال بلال كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي في مسجد المدينة وحده فمرت به أعرابية فصلت خلفه و لم يعلم بها فقرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } فخرت الأعرابية مغشيا عليها و سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم وجبتها فانصرف و دعا بماء فصب على وجهها حتى أفاقت و جلست فقال النبي صلى الله عليه و سلم يا هذه ما لك ؟ فقالت : هذا شيء من كتاب الله أو شيء من تلقاء نفسك ؟ فقال يا أعرابية : بل هو من كتاب الله المنزل فقالت كل عضو من أعضائي يعذب على باب منها ؟ قال يا أعرابية بل لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب أهل كل باب على قدر أعمالهم فقالت : و الله إني إمرأة مسكينة لا مال لي و لا لي إلا سبعة أعبد أشهدك يا رسول الله أن كل عبد منهم على باب من أبواب جهنم حر لوجه الله تعالى فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا رسول الله : بشر الأعرابية أن الله قد قد غفرها لها و حرم عليها أبواب جهنم و فتح لها أبواب الجنة كلها ] و الله أعلم

(1/446)


باب منه و في بعد أبواب جهنم بعضها عن بعض و ما أعد الله تعالى فيها من العذاب
ذكر عن بعض أهل العلم في قول الله تعالى : { لكل باب منهم جزء مقسوم } قال : من الكفار و المنافقين و الشياطين و بين الباب و الباب خمسمائة عام
فالباب الأول : يسمى جهنم لأنه يتجهم في وجوه الرجال و النساء فيأكل لحومهم و هو أهون عذابا من غيره
و الباب الثاني : يقال له لظى نزاعة للشوى يقول أكله اليدان و الرجلان تدعو من أدبر عن التوحيد و تولى عما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم
و الباب الثالث : يقال له سقر و إنما سمي سقر لأنه يأكل اللحم دون العظم
الباب الرابع : يقال لها الحطمة فقال قال الله تعالى : { و ما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة } تحطم العظام و تحرق الأفئدة قال الله تعالى : { التي تطلع على الأفئدة } تأخذه النار من قدميه و تطلع على فؤاده و ترمي بشرر كالقصر كما قال تعالى : { إنها ترمي بشرر كالقصر * كأنه جمالة صفر } الآية يعني سودا فتطلع الشرر إلى السماء ثم تنزل فتحرق وجوههم و أيديهم و أبدانهم فيبكون الدمع حتى ينفد ثم يبكون الدماء ثم يبكون القيح حتى ينفد القيح حتى لو أن السفن أرسلت تجري فيما خرج من أعينهم لجرت
و الباب الخامس : يقال له الجحيم و إنما سمي جحيما لأنه عظيم الجمرة الجمرة الواحدة أعظم من الدنيا
و الباب السادس : يقال له السعير و إنما سمي السعير لأنه يسعر بهم و لم يطف منذ خلق فيه ثلاثمائة قصر في كل قصر ثلاثمائة بيت في كل بيت ثلاثمائة لون من العذاب و فيه الحيات و العقارب و القيود و السلاسل و الأغلال و فيه جب الحزن ليس في النار عذاب أشد منه إذا فتح باب الجب حزن أهل النار حزنا شديدا
و الباب السابع : يقال له الهاوية من وقع فيه لم يخرج منه أبدا و فيه بئر الهبهاب و ذلك قوله تعالى : { كلما خبت زدناهم سعيرا } إذا فتح الهبهاب يخرج منه نار تستعيذ منه النار و فيه الذين قال الله تعالى : { سأرهقه صعودا } أو هو جبل من نار يوضع أعداء الله على وجوههم على ذلك الجبل مغلولة أيديهم إلى أعناقهم مجموعة أعناقهم إلى أقدامهم و الزبانية وقوف على رؤوسهم بأيديهم مقامع من حديد إذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضربة سمع صوتها الثقلان
و أبواب النار : حديد فرشها الشوك غشاوتها الظلمة أرضها نحاس و رصاص و زجاج النار من فوقهم و النار من تحتهم لهم من فوقهم ظلل من النار و من تحتهم ظلل أوقد عليها ألف عام حتى احمرت و ألف عام حتى ابيضت و ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة مدلهمة مظلمة قد مزجت بغضب الله ذكره القتبي في عيون الأخبار
و ذكر ابن عباس أن جهنم سوداء مظلمة لا ضوء لها و لا لهب و هي كما قال الله تعالى { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } على كل باب سبعون ألف جبل في كل جبل سبعون ألف شعب من النار في كل شعب سبعون ألف شق من النار في كل شق سبعون ألف واد في كل واد سبعون ألف قصر من نار في كل قصر سبعون ألف بيت من نار في كل بيت سبعون ألف قلة من سم فإذا كان يوم القيامة كشف عنها الغطاء فيطير منها سرادق عن يمين الناس و آخر عن شمالهم و سرادق أمامهم و سرادق فوقهم و آخر من ورائهم فإذا نظر الثقلان إلى ذلك جثوا على ركبهم و كل ينادي رب سلم رب سلم
و قال وهب بن منبه : بين كل بابين مسيرة سبعين سنة كل باب أشد حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا و يقال إن لجهنم سبعة أبواب لكل باب منها سبعون واديا قعر كل واد منها سبعون عام لكل واد منها سبعون ألف شعب في كل شعب منها سبعون ألف مغارة في جوف كل مغارة سبعون ألف شق في كل شق منها سبعون ألف ثعبان في شدق كل ثعبان سبعون ألف عقرب لكل عقرب منها سبعون ألف فقارة في كل فقارة منها قلة سم لا ينتهي الكافر و لا المنافق حتى يواقع ذلك كله ذكره ابن وهب في كتاب الأهوال له و مثله لا يقال من جهة الرأي فهو توقف لأنه إخبار عن مغيب و الله تعالى أعلم

(1/448)


باب ما جاء في عظم جهنم و أزمتها و كثرة ملائكتها و في عظم خلقها و تفلتها من أيديهم و في قمع النبي صلى الله عليه و سلم إياها وردها عن أهل الموقف
مسلم [ عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ]
و ذكر ابن وهب [ قال : حدثني زيد بن أسلم قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فناجاه فقام النبي صلى الله عليه و سلم منكس الطرف فأرسلوا إلى علي فقالوا : يا أبا الحسن ما بال النبي صلى الله عليه و سلم محزونا منذ خرج جبريل عنه فأتاه علي فوضع يده على عضديه من خلفه و قبل بين كتفيه و قال : ما هذا الذي نراه منك يا رسول الله ؟ فقال : يا أبا الحسن أتاني جبريل فقال لي : { إذا دكت الأرض دكا دكا } الآية و جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام كل زمام يقوده سبعون ألف ملك فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة انفلتت من أيديهم فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع فأخذوها ]
و ذكر أبو حامد في كتاب كشف علوم الآخرة أنهم يأتون بها تمشي على أربع قوائم و تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك بيد كل واحد حلقة لو جمع حديد الدنيا كله ما عدل منها بحلقة واحدة على كل حلقة سبعون ألف زبني لو أمر زبني منهم أن يدك الجبال لدكها و أن يهد الأرض لهداها و أنها إذا انفلتت من أيديهم لم يقدروا على إمساكها لعظم شأنها فيجثو كل من في الموقف على الركب حتى المرسلون و يتعلق إبراهيم و موسى و عيسى بالعرش هذا قد نسي الذبيح و هذا قد نسي هارون و هذا قد نسي مريم عليهم السلام و كل واحد منهم يقول : نفسي نفسي لا أسألك اليوم غيرها قال : و هو الأصح عندي صلى الله عليه و سلم يقول [ أمتي أمتي سلمها يا رب و نجها يا رب ] و ليس في الموقف من تحمله ركبتاه و هو قوله تعالى : { و ترى كل أمة جاثية } الآية و عند تفلتها تكبو من الغيظ و الحنق و هو قوله تعالى : { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا } أي تعظيما لغيظها و حنقها يقول الله تعالى : { تكاد تميز من الغيظ } أي تكاد تنشق نصفين من شدة غيظها فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمر الله تعالى و يأخذ بخطامها و يقول [ ارجعي مدحورة إلى خلقك حتى يأتيك أهلك أفواجا ] فتقول : خلي سبيلي فإنك يا محمد حرام علي فينادي مناد من سرادقات العرش اسمعي منه و أطيعي له ثم تجذب و تجعل عن شمال العرش و يتحدث أهل الموقف بجذبها فيخف وجلهم و هو قوله تعالى : { و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } و هناك تنصب الموازين على ما تقدم
فصل : هذا يبين لك ما قلناه أن جهنم اسم علم لجميع النار و معنى : يؤتى بها يجاء بها من المحل الذي خلقها الله تعالى فيه فتدار بأرض المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط كما تقدم و الزمام ما يزم به الشيء أي يشد و يربط به و هذه الأزمة التي تساق بها جهنم تمنع من خروجها على أرض المحشر فلا يخرج منها إلا الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله بأخذه على ما تقدم و يأتي و ملائكتها كما وصفهم الله غلاظ شداد
و قد ذكر ابن وهب [ حدثنا عبد الرحمن بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في خرنة جهنم : ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق و المغرب ]
و قال ابن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة و قوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمعة فيدفع بتلك الضربة بسعين ألف إنسان في قعر جهنم
و أما قوله تعالى : { عليها تسعة عشر } فالمراد رؤساؤهم على ما يأتي و أما جملتهم فالعبارة عنهم كما قال الله تعالى : { و ما يعلم جنود ربك إلا هو }
فصل : قال العلماء : إنما خص النبي بردها و قمعها و كفها عن أهل المحشر دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم لأنه رآها في مسراه و عرضت عليه في صلاته حسب ما ثبت في الصحيح قال و في ذلك فوائد ثمان :
الأولى : أن الكفار لما كانوا يستهزئون به و يكذبونه في قوله و يؤذونه أشد الأذى أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفين به و بأمره تطييبا لقلبه و تسكينا لفؤاده
الثانية : الإشارة في ذلك إلى أن من طيب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة و الانتقام فالأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه و أحبابه بالتحية و الشفاعة و الإكرام
الفائدة الثالثة : و يحتمل أن عرضها عليه ليعلم منة الله تعالى حين أنقذهم منها ببركته و شفاعته
الفائدة الرابعة : و يحتمل أنه عرضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء نفسي نفسي يقول نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أمتي أمتي و ذلك حين تسجر جهنم و لذلك أمر الله عز و جل محمدا صلى الله عليه و سلم فقال جل من قائل : { يوم لا يخزي الله النبي } الآية
قال الحافظ أبو الخطاب : و الحكمة في ذلك أن يفرغ إلى شفاعة أمته و لو لم يؤمنه لكان مشغولا بنفسه كغيره من الأنبياء
الفائدة الخامسة : أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئا منها فإذا رأوها جزعوا و كفت ألسنتهم عن الخطيئة و الشفاعة من هولها و شغلهم أنفسهم عن أممهم و أما نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه مثل ما فزغوا ليقدر على الخطبة و هو المقام المحمود الذي وعده به ربه تبارك و تعالى في القرآن المجيد و ثبت في صحيح السنة
الفائدة السادسة : فيه دليل فقهي على أن الجنة و النار قد خلقتا خلافا للمعتزلة المنكرين لخلقها و هو يجزي على ظاهر القرآن في قوله تعالى : { أعدت للمتقين } { أعدت للكافرين } و الاعداد دليل الخلق و الإيجاد
الفائدة السابعة : و يحتمل أنه أراه إياها ليعلم خسة الدنيا في جنب ما أراه فيكون في الدنيا أزهد و على شدائدها أصبر حتى يؤديه إلى الجنة فقد قيل : حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء و بؤسا لنعمة تردي بصاحبها إلى البلاء
الفائدة الثامنة : و يحتمل أن الله تعالى أراد ألا يكون لأحد كرامة إلا يكون لمحمد صلى الله عليه و سلم مثلها و لما كان لإدريس عليه السلام كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة أراد الله تعالى أن يكون ذلك لصفه و نجيه و حبيبه و أمينه على وحيه محمد صلى الله عليه و سلم و كرم و عظم و بجل و وقر قال ذلك جميعه الحافظ بن دحية رضي الله عنه في كتاب الابتهاج في أحاديث المعراج

(1/450)


باب منه و في كلام جهنم و ذكر أزواجها و أنه لا يجوزها إلا من عنده جواز
روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال : [ حدثنا أنس بن مالك قال : نزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم يتلو هذه الآية { يوم تبدل الأرض غير الأرض } الآية قال النبي صلى الله عليه و سلم : أين يكون الناس يوم القيامة يا جبريل ؟ قال يا محمد : يكونون على أرض بيضاء لم يعمل عليها خطيئة قط { و تكون الجبال كالعهن المنفوش } قال : الصوف تذوب الجبال من مخافة جهنم يا محمد : إنه ليجاء بجهنم يوم القيامة تزف زفا عليها سبعون زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك حتى تقف بين يدي الله تعالى فيقول لها : يا جهنم تكلمي فتقول : لا إله إلا الله و عز تك و عظمتك لأنتقمن اليوم ممن أكل رزقك و عبد غيرك لا يجوزني إلا من عنده جواز فقال النبي صلى الله عليه و سلم : يا جبريل ما الجواز يوم القيامة ؟ قال أبشر و بشر ألا من شهد أن لا إله إلا الله جاز جسر جهنم قال فقال النبي صلى الله عليه و سلم : الحمد لله الذي جعل أمتي أهل لا إله إلا الله ]
و خرج الحافظ أبو محمد عبد الغني الحافظ [ من حديث سليمان بن عمرو يتيم أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إذا جمع الخلائق في صعيد يوم القيامة أقلبت النار يركب بعضها بعضا و خزنتها يكفونها و هي تقول : و عزة ربي لتخلين بيني و بين أزواجي أو لأغشين الناس عنقا واحدا فيقولون من أزواجك ؟ فتقول كل متكبر جبار ]

(1/454)


باب ما جاء أن التسعة عشر خزنة جهنم
قال الله تعالى : { عليها تسعة عشر }
ابن المبارك قال : أخبرنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن رجل من بني تميم قال : كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية { و ما أدراك ما سقر } الآية { عليها تسعة عشر } فقال : ما تسعة عشر ؟ قال : تسعة عشر ألف ملك قال : أو تسعة عشر ملكا قلت : لا بل تسعة عشر ملكا قال : و أنى تعلم ذلك ؟ فقلت : لقول الله عز و جل : { و ما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } قال : صدقت هم تسعة عشر ملكا بيد كل ملك منهم مرزبة لها شعبتان فيضرب الضرب فيهوي بها سبعين ألف خريف
و خرج الترمذي [ عن جابر بن عبد الله قال : قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم هل يعلم نبيكم عدة خزنة جهنم ؟ قالوا : لا ندري حتى نسأله فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا محمد غلب أصحابك اليوم فقال : و بماذا غلبوا ؟ قال : سألهم اليهود هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم ؟ قال : فماذا قالوا ؟ قال : قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا قال : لا يغلب قوم سألوا عما لا يعلمون فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا لكنهم سألوا نبيهم فقال أرنا الله جهرة علي بأعداء الله إني سائلهم عن تربة الجنة و هي الدرمك فلما جاءوا قالوا : يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم ؟ قال : هكذا و هكذا في مرة عشرة و في مرة تسعة قالوا : نعم قال لهم النبي صلى الله عليه و سلم : ما تربة الجنة ؟ قال : فسكتوا ثم قالوا : خبزة يا أبا القاسم فقال النبي صلى الله عليه و سلم : الخبز من الدرمك ] قال أبو عيسى : هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث خالد عن الشعبي عن جابر

(1/455)


باب ما جاء في سعة جهنم و عظم سرادقها و بيان قوله تعالى و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين
قال الله تعالى : { إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها }
ابن المبارك قال : [ أخبرنا عنبسة بن سعيد عن حبيب بن أبي عميرة عن مجاهد قال : قال ابن عباس : أتدري ما سعة جهنم ؟ قال : قلت : لا
قال : أجل و الله ما تدري أن بين شحمة أذن أحدهم و بين عاتقه مسيرة سبعين خريفا تجري منها أودية القيح و الدم قلت : لها أنهارا ؟ قال : لا بل أودية ثم قال : أتدري ما سعة جسر جهنم ؟ قلت : لا قال : قلت : أجل حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قوله تعالى : { و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة } قلت : فأين الناس يومئذ ؟ قال : على جسر جهنم ] خرجه الترمذي و صححه و قد تقدم
و [ عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم : لسرادق النار أربع جدر كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة ] ذكره ابن المبارك و خرجه الترمذي أيضا و سيأتي
و ذكر ابن المبارك قال : حدثنا محمد بن بشار عن قتادة { و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين } قال ذكر لنا أن عبد الله كان يقول : إن جهنم لتضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح و ذكره الثعلبي و القشيري عن ابن عباس

(1/456)


باب ما جاء أن جهنم في الأرض و أن البحر طبقها
[ روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : لا يركب البحر إلا رجل غاز أو حاج أو معتمر فإن تحت البحر نارا ] ذكره أبو عمر و ضعفه و قال : عبد الله بن عمر [ يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم ] ذكره أبو عمر أيضا و ضعفه
و في تفسير سورة ق عن وهب بن منبه قال : أشرف ذو القرنين على جبل [ ق ] فرأى تحت جبالا صغارا فقال له أنت ؟ قال : أنا قاف قال : فما هذه الجبال حولك ؟ قال هي عروقي و ما من مدينة إلا و فيها عرق من عروقي فإذا أراد الله أن يزلزل تلال الأرض أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزلت تلك الأرض فقال له : يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله قال : إن شأن ربنا لعظيم تقصر دونه الأوهام قال : بأدنى ما يوصف منها قال : إن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بضعها بعضا لولا هي لاحترقت من حر جهنم و ذكر الخبر
قال الشيخ المؤلف رحمه الله : و هذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض و الله أعلم بموضعها و أين هي من الأرض

(1/456)


باب ما جاء في قوله تعالى و إذا البحار سجرت و ما جاء أن الشمس و القمر يقذفان في النار
قال ابن عباس في قوله تعالى : { و إذا البحار سجرت } قال : أوقدت فصارت نارا و ذكر ابن وهب عن عطاء بن يسار أنه تلا هذه الآية { و جمع الشمس و القمر } قال : يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار فتكون نار الله الكبرى
و خرج أبو داود الطيالسي في مسنده [ عن يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم إن الشمس و القمر ثوران عقيران في النار ]
و روي عن كعب الأحبار أنه قال : يجاء بالشمس و القمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في النار
فصل : قلت : كذا الرواية ثوران بالثاء المثلثة و إنما يجمعان في جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله و لا تكون النار عذبا لهما لأنهما جماد و إنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين و حسرتهم هكذا قال بعض أهل العلم
و قال ابن قسي صاحب خلع النعلين : اعلم أن الشمس و القمر ثوران مكوران في نار جهنم على شبه هذا التكوير فنهار سعير و ليل زمهرير و الدار دار قائمة لا فرق بينها و بين هذين في حركة التسيار و التدوار و مدار فلكي الليل و النهار إلى أن تلك خالية من رحمة الله و مع هذه رحمة واحدة من رحمة الله و عن الشمس و القمر يكون سواد الدار و لهيب ظاهر النار و هما من أشد الغضب لله تعالى بما عايناه من عصيان العاصين و فسق الفاسقين إذ لا يكاد يغيب عنهما أين و لا تخفى عنها خائنة عين فإنه لا يبصر أحد إلا بنورهما و لا يدرك إلا بضوءيهما و لو كانا خلف حجاب من الغيب الليلي أو وراء ستر من الغيم اليومي فإن الضوء الباقي على البسيطة في ظل الأرض ضوؤهما و النور نورهما و مع ما هما عليه من الغضب لله فإنه لمك يشتد غضبهما إلا من حيث نزع لجام الرحمة عنهما و قبض ضياء اللين و الرأفة منهما و كذلك عن كل ظاهر من الحياة الدنيا في قبض الرحمة المستردة من هذه الدار إلى دار الحيوان و الأنوار
قال صلى الله عليه و سلم [ إن لله مائة رحمة نزل منها واحدة إلى الأرض فبها تتعاطف البهائم و يتراحم الخلق و تتواصل الأرحام فإذا كان يوم القيامة قبض الله هذه الرحمة وردها إلى التسعة و التسعين و أكملها مائة كما كانت ثم جعل المائة كلها رحمة المؤمنين و خلت دار العذاب و من فيها من الفاسقين من رحمة رب العالمين فبزوال هذه الرحمة زال ما كان فيه القمر من رطوبة و أنوار و لم يبق إلا ظلمة و زمهرير و بزوالها زال ما كان بالشمس من وضح و إشراق و لم يبق إلا فرط سواد و احتراق و بما كانا به قبل من الصفة الرحمانية كان إمهالها للعاصين و إبقاؤهما على القوم الفاسقين و هي زمام الإمساك و لجام المنع عن التدمير و الإهلاك و هي سنة الله تعالى في الإبقاء إلى الوقات و الإمهال إلى الآجال إلا أن يشاء غير ذلك فلا راد لأمره و لا معقب لحكمه لا إله إلا هو سبحانه ]
قال المؤلف رحمه الله : و قد روى عكرمة عن ابن عباس تكذيب كعب الأحبار في قوله و قال : هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام و الله أكرم و أجل من أن يعذب على طاعته ألم تر إلى قوله تعالى : { و سخر لكم الشمس و القمر دائبين } يعني دؤوبهما في طاعته فكيف يعذب عبدين أثنى الله عليهما أنهما دائبان في خدمته و طاعته ثم حدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن الله تعالى لما أبرم خلقه إحكاما و لم يبق غير آدم خلق شمسا و قمرا من نور عرشه ] الحديث و في آخره فإذا قامت الساعة و قضى الله في أهل الدارين و ميز أهل الجنة و النار و لم يدخلوها بعد أن يدعو الله بالشمس و القمر يجاء بهما أسودين مكورين قد وقفا في الزلازل لأن فرائصهما ترعد من أهوال ذلك اليوم من مخافة الرحمن تبارك و تعالى فإذا كانا حيال العرش خرا ساجدين لله تعالى فيقولان : إلهنا قد علمت طاعتنا لك و دؤوبنا في طاعتك و سرعتنا للمضي في أمرك في أيام الدنيا فلا تعذبنا بعبادة المشركين إيانا فيقول الله تعالى : صدقتما إني قد قضيت على نفسي أني أبدي و أعيد إني معيدكم إلى ما بدأتكما منه فارجعا إلى ما خلقتكما منه فيقولان : ربنا مم خلقتنا ؟ فيقول خلقتكما من نور عرشي فارجعا إليه فيلتمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الأبصار نورا فيختلطان بنور العرش فذلك قوله تعالى { إنه هو يبدئ ويعيد } ذكره الثعلبي في كتاب العرائس له و الله أعلم

(1/457)


باب ما جاء في صفة جهنم و حرها و شدة عذابها
الترمذي [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة ] قال أبو عيسى و حديث أبي هريرة في هذا الباب موقوف أصح و لا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن أبي شريك
ابن المبارك عن أبي هريرة قال : إن النار أوقدت ألف سنة فابيضت ثم أوقدت ألف سنة فاحمرت ثم أقوقدت ألف سنة فاسودت فهي مظلمة كسواد الليل
مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال ترونها كناركم لهي أشد سوادا من القار و القار : هو الزفت
ابن المبارك قال : أخبرنا سفيان عن سليمان عن أبي ظبيان عن سلمان قال : النار سوداء لا يضيء لهبها و لا جمرها ثم قرأ { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها }
مالك و [ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أصح ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قالوا يا رسول الله : و إن كانت لكافية قال : فإنها فضلت بتسعة و ستين جزءا ] أخرجه مسلم و زاد : كلها مثل حرها
ابن ماجه [ عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم و لولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما كان لأحد فيها منفعة ]
و في خبر آخر عن ابن عباس و هذه النار قد ضربت بماء البحر سبع مرات و لولا ذلك ما انتفع بها ذكره أبو عمر رحمه الله و قال عبد الله بن مسعود : ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم و لولا أنه ضرب بها البحر عشر مرات ما انتفعتم منها بشيء ]
و سئل ابن عباس عن نار الدنيا مم خلقت ؟ قال : من نار جهنم غير أنها أطفئت بالماء سبعين مرة و لولا ذلك ما قربت لأنها من نار جهنم
مسلم [ عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال : يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول : لا و الله يا رب و يؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له : هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط ؟ فيقول : لا و الله يا رب ما مر بي بؤس قط و لا رأيت شدة قط ]
أخرجه ابن ماجه أيضا [ من حديث محمد بن إسحاق عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار فيقول : اغمسوه في النار غمسة فيغمس فيها ثم يخرج فيقال له : أي فلان هل أصابك نعيم قط ؟ فيقول : لا ما أصابني نعيم قط و يؤتى بأشد المؤمنين ضرا و بلاء فيقال : اغمسوه في الجنة فيغمس غمسة ثم يخرج فيقال له : أي فلان هل أصابك ضر قط أو بلاء ؟ فيقول ما أصابني ضر قط و لا بلاء ]
[ و روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لو أن جهنميا من أهل جهنم أخرج كفه إلى أهل الدنيا حتى يبصروها لأحرقت الدنيا من حرها و لو أن خازنا من خزنة جهنم أخرج إلى أهل الدنيا حتى يبصروه لمات أهل الدنيا حين يبصرونه من غضب الله تعالى ]
و قال كعب الأحبار : و الذي نفس كعب بيده لو كنت بالمشرق و النار بالمغرب ثم كشف عنها لخرج دماغك من منخريك من شدة حرها يا قوم هل لكم بهذا قرار ؟ أم لكم على هذا صبر ؟ يا قوم طاعة الله أهون عليكم من هذا العذاب فأطيعوه
و خرج البزار في مسنده [ عن أبي هريرة قال في مسنده قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس رجل من أهل النار لأحرقهم ]
فصل : قوله : ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزء من نار جهنم يعني أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها ابن آدم لكانت جزءا من جزءا من أجزاء جهنم المذكور : بيانه أنه لو جمع حطب الدنيا فأوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءا أشد من حر نار الدنيا كما بينه في آخر الحديث
و قوله : و إن كانت لكافية إن هنا مخففة من الثقيلة عن البصريين نظيره { و إن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } أي إنها كانت كافية فأجابهم النبي صلى الله عليه و سلم : [ بأنها كما فضلت عليها في المقدار و العدد بتسعة و ستين فضلت عليها أيضا في شدة الحر بتسعة و ستين ضعفا ]

(1/459)


باب منه و ما جاء في شكوى النار و كلامها و بعد قعرها و أهوالها و في قدر الحجر الذي يرمى به فيها
روى الأئمة [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا فجعل لها نفسين : نفس في الشتاء و نفس في الصيف بأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها و أشد ما تجدون من الحر من سمومها ] أخرجها البخاري و مسلم
و [ عن أبي هريرة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ سمع وجبة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أتدرون ما هذا ؟ قلنا : الله و رسوله أعلم قال : هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار إلى الآن حتى انتهى إلى قعرها ] أخرجه مسلم
الوجبة : الهدة و هي صعت وقع الشيء الثقيل
الترمذي [ عن الحسن قال : قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا يعني منبر البصرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما و ما تفضي إلى قرارها ] قال : فكان ابن عمر يقول : أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد و إن قعرها بعيد و إن مقاقمها حديد قال أبو عيسى : لا نعرف للحسن سماعا من عتبة بن غزوان و إنما قدم عتبة بن غزوان البصرة في زمن عمرو ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر
ابن المبارك قال : [ أخبرنا يونس بن يزيد الزهري قال : بلغنا أن معاذ بن جبل كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : و الذي نفس محمد بيده إن ما بين شفة النار و قعرها لصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن و لحومهن و أولادهن تهوي من شفة النار قبل أن تبلغ قعرها سبعين خريفا ]
حدثنا هشام بن بشير قال : أخبرني زفر حدثنا ابن مريم الخزاعي قال : سمعت أبا أمامة يقول : إن ما بين شفير جهنم و قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي أو قال : صخرة تهوي عظمها كعشر عشراء عظام سلمان فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد : هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة ؟ قال : نعم غي و آثام
مسلم عن خالد بن عمير العدوي قال : خطبنا عتبة بن غزوان و كان أميرا على البصرة فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن الدنيا قد أذنت بصرم و ولت جدا و لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصلبها صاحبها و إنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فإنه ذكر لنا أن الحجر ليلقى من شفير جهنم فيهوى فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا و الله لتملأن الحديث و سيأتي بتمامه في أبواب الجنة إن شاء الله تعالى
و قال كعب : [ لو فتح من نار جهنم قدر منخر ثور بالمشرق و رجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها و إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب و لا نبي مرسل إلا خر جاثيا على ركبتيه و يقول : نفسي نفسي ]
فصل : قوله : [ اشتكت النار شكواها إلى ربها بأن أكل بعضها بعضا ] محمول على الحقيقة لا على المجاز إذ لا إحالة في ذلك و ليس من شرط الكلام عند أهل السنة في القيام بالجسم إلا الحياة و أما البنية و اللسان و البلة فليس من شرطه وليس يحتاج في الشكوى إلى أكثر من وجود الكلام و أما الاحتجاج في قوله عليه السلام : [ احتجت النار و الجنة ] فلا بد فيه من العلم و التفطن للحجة و قيل : إن ذلك مجاز عبر عنه بلسان الحال كما قال عنترة :
( فازور من وقع القنا بلبانه ... و شكا إلي بغبرة و تجمحم )
و قال آخر :
( شكا إلي جملي طول السرى ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى )
و الأول أصح إذ لا استحالة في ذلك و قد قال تعالى و هو أصدق القائلين { إن الحكم إلا لله يقص الحق } الآية و قد تقدم من كلامها : لا إله إلا الله و عزتك و جلالك و قال { كلا إنها لظى * نزاعة للشوى } الآية أي أدبر عن الإيمان و تولى أي أعرض عن أتباع الحق و جمع يعني المال فأوعى أي جعله في الوعاء أي كنزه و لم ينفقه في طاعة الله تعالى قال ابن عباس : تدعو المنافق و الكافر بلسان فصيح ثم تلتقطهم كما يلتقط الطائر الحب
قلت : قول ابن عباس هذا قد جاء معناه مرفوعا و هو يدل على أن المراد بالشكوى و الحجة الحقيقية
[ ذكر رزين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من كذب علي معتمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا قيل يا رسول الله : و لها عينان ؟ قال : أما سمعتم الله يقول { إذا رأتهم من مكان بعيد } الآية يخرج عنق من النار له عينان يبصران و لسان فيقول : وكلت بمن جعل مع الله إلها آخر فلو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه ] و في رواية أخرى [ فيخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم ] صححه أبو محمد بن العربي في قبسه و قال : [ يفصله عن الخلق بالمعرفة كما يفصل الخلق بالمعرفة كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة ]
و خرج الترمذي [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران و لسان ينطق يقول : إني وكلت بثلاث : بكل جبار عنيد و يكل ما دعا مع الله إلها آخر و بالمصورين ] و في الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى : هذا حديث غريب صحيح
و ذكر ابن وهب قال : حدثني العلاف بن خالد في قول الله تعالى : { و جيء يومئذ بجهنم } قال : يؤتى بجهنم يوم القيامة يأكل بعضها بعضا يقودها سبعون ألف ملك فإذا رأت الناس و ذلك قوله تعالى : { إذا رأتهم من مكان بعيد } الآية فإذا رأتهم زفرت زفرة فلا يبقى نبي و لا صديق إلا برك لركبتيه يقول : يا رب نفسي نفسي و يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : أمتي أمتي وكان بعض الوعاظ يقول : أيها المجترىء على النار ألك طاقة بسطوة الجبار و مالك خازن و مالك إذا غضب على النار و زجرها زجرة كادت تأكل بعضها بعضا

(1/462)


باب ما جاء في مقامع أهل النار و سلاسلهم و أغلالهم و أنكالهم
قال الله تعالى : { و لهم مقامع من حديد } و قال : { إذ الأغلال في أعناقهم و السلاسل يسحبون * في الحميم } و قال : { في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } و قال { إن لدينا أنكالا و جحيما } الآية و روي عن الحسن أنه قال : ما في جهنم واد و لا مغار و لا غل و لا سلسلة و لا قيد إلا و اسم صاحبها مكتوب عليه و روي عن ابن مسعود و سيأتي
الترمذي [ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لو أن رضاضة مثل هذه ـ و أشار إلى مثل الجمجمة ـ أرسلت من السماء إلى الأرض و هي مسيرة خمسمائة عام لبلغت الأرض قبل الليل و لو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل و النهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها ] قال هذا حديث إسناده صحيح
و في الخبر : إن شاء الله تعالى ينشئ لأهل النار سحابة فإذا رأوها ذكروا سحاب الدنيا فتناديهم : يا أهل النار ما تشتهون ؟ فيقولون : نشتهي الماء البارد فتمطرهم أغلالا تزاد في أغلالهم و سلاسل تزاد في سلاسلهم و قال محمد بن المنكدر لو جمع حديد الدنيا كله ما خلى منها و ما بقي ما عدل حلقة من حلق السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال { في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } الآية ذكره أبو نعيم
و قال ابن المبارك : أخبرنا سفيان عن بشير بن دعلوق أنه سمع نوفا يقول في قوله تعالى { في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } قال : كل ذراع سبعون باعا كل باع أبعد ما بينك و بين مكة و هو يومئذ في مسجد الكوفة
أخبرنا بكار بن عبد الله أنه سمع ابن أبي مليكة يحدث عن أبي بن كعب قال : إن حلقة من السلسلة التي قال الله { ذرعها سبعون ذراعا } إن حلقة منها مثل جميع حديد الدنيا
سمعت سفيان يقول في قوله { فاسلكوه } قال : بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه و قال ابن زيد و يقال : ما يأتي يوم القيامة على أهل النار إلا و رحمة من الله تطلع طائفة منهم فيخرجون و يقال : إن الحلقة من غل أهل جهنم لو ألقيت على أعظم جبل في الدنيا لهدته
و روي عن طاووس أن الله تعالى خلق ملكا و خلق له أصابع على عدد أهل النار فما من أهل النار معذب إلا و ملك يعذب بإصبع من أصابعه و لو وضع الملك أصبعا من أصابعه على السماء لأذابها ذكره القتبي في كتاب عيون الأخبار له

(1/465)


باب منه و ما جاء في كيفية دخول أهل النار النار
ذكر ابن وهب قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد قال : تلقاهم جهنم يوم القيامة بشرر كالنجوم فيولون هاربين فيقول الجبار تبارك و تعالى : ردوهم عليها فيردونهم فذلك قوله تعالى : { يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم } أي مانع يمنعكم و يلقاهم وهجها قبلأن يدخلوها عميا مغلولين أيديهم و أرجلهم و رقابهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ خزنة جهنم ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق و المغرب ]
قال ابن زيد : و لهم مقامع من حديد يقمعون بها هؤلاء فإذا قال خذوه فيأخذونه كذا و كذا ألف ملك فلايضعون أيديهم على شيء من عظامه إلا صار تحت أيديهم رفاتا العظام و اللحم يصير رفاتا قال : فتجمع أيديهم و أرجلهم و رقابهم في الأغلال فيلقون في النار مصفودين فليس لهم شيء يتقون به إلا الوجوه فهم عمي قد ذهبت أبصارهم ثم قرأ { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } الآية فإذا ألقوا فيها يكادون يبلغون قعرها يلقاهم لهبها فيردهم إلى أعلاها حتى إذا كادوا يخرجون تلقتهم الملائكة بمقامع من حديد فيضربونهم بها فجاء أمر غلب اللهب فهووا كما أسفل السافلين هكذا دأبهم و قرأ { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } فهم كما قال الله تعالى { عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية }
و الأنكال : القيود عن الحسن و مجاهد واحدها نكل و سميت القيود أنكالا لأنه ينكل بها أي يمنع قال الهروي و الأصفاد : هي الأغلال و يقال : القيود أعاذنا الله منها بمنه و كرمه

(1/467)


باب منه في رفع لهب النار أهل النار حتى يشرفوا على أهل الجنة
يروى أن لهب النار يرفع أهل النار حتى يطير كما يطير الشرر فإذا رفعهم أشرفوا علىأهل الجنة وبينهم حجاب فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } الآية و ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة حين يروا الأنهار تطرد بينهم { أن أفيضوا علينا من الماء } الآية فتردهم ملائكة العذاب بمقامع الحديد إلى قعر النار
قال بعض المفسرين : هو معنى قول الله تعالى : { لما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ذكره أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة له قال : و لعلك تقول : كيف يرى أهل الجنة أهل النار و أهل النار أهل الجنة ؟ و كيف يسمع بعضهم كلام بعض و بينهم ما بينهم من المسافة و غلظ الحجاب ؟ فيقال لك : لا تقل هذا فإن الله تعالى يقوي أسماعهم و أبصارهم حتى يرى بعضهم بعضا و يسمع بعضهم كلام بعض و هذا قريب في القدرة

(1/468)


باب ما جاء أن في جهنم جبالا و خنادق و أودية و بحارا و صهاريج و آبار و جبابا و تنانير و سجونا و بيوتا و جسورا و قصورا و أرحاء و نواعير و حيات أجارنا الله منها و في وعيد من شرب الخمر و المسكر و غيره
الترمذي [ عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : الصعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا و يهوي فيه كذلك أبدا ] قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة
و قد تقدم [ من حديث أنس : أن من مات سكران فإنه يبعث يوم القيامة سكران إلى خندق في وسط جهنم يسمى السكران ] و اختلف العلماء في تأويل قوله تعالى { فويل } فذكر ابن المبارك [ أخبرنا رشدين ابن سعد عن عمر بن الحارث أنه حدثه عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ويل : واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره ]
و الصعود : جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك قال : و أخبرنا سعيد بن أبي أيوب عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال : الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر لو سيرت فيه الجبال لماعت من حره قال : و أخبرنا سفيان عن زياد بن فياض عن أبي عياض أنه قال : الويل : مسيل في أصل جهنم
و ذكر ابن عطية في تفسيره عن أن الويل صهريج في جهنم من صديد أهل النار قال : و حكى الزهراوي عن آخرين : أنه باب من أبواب جهنم
و قال أبو سعيد الخدري : إنه واد بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا ذكره ابن عطية و قد تقدم رفعه
و خرجه الترمذي أيضا مرفوعا [ عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : الويل : واد في وسط جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره ] قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث ابن لهيعة
و قال ابن زيد في قوله تعالى { و ظل من يحموم } اليحموم : جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار { لا بارد } بل حار لأنه من دخان شفير جهنم { و لا كريم } أي لا عذب عن الضحاك و قال سعيد بن المسيب : و لا حسن منظره
و ذكر ابن وهب عم مجاهد في قوله تعالى { موبقا } قال : واد في جهنم يقال له موبق و قال عكرمة : هو نهر في جهنم يسيل نارا على حافتيه حيات مثل البغال الدهم فإذا سارت إليهم لتأخذهم استغاثوا منها بالاقتحام في النار و قال أنس بن مالك : هو واد في جهنم من قيح و دم
و قال نوف البكالي في قوله تعالى : { وجعلنا بينهم موبقا } قال : واد في جهنم بين أهل الضلالة و بين أهل الإيمان
و عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه و سلم أنها سئلت عن قول الله عز و جل { فسوف يلقون غيا } قالت : نهر في جهنم
و اختلفوا في الفلق في قوله تعالى { قل أعوذ برب الفلق } فروى ابن عباس أنه سجن في جهنم و قال كعب : هو بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره ذكره أبو نعيم
و ذكر أبو نعيم عن حميد بن هلال قال : حدثت أن في جهنم تنانير ضيقها كضيق زج أحدكم في الأرض تضيق على قوم بأعمالهم
ابن المبارك أخبرنا إسماعيل بن عياش حدثنا ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير عن شقي الأصبحي قال : إن في جهنم جبلا يدعى صعودا يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه قال الله تعالى { سأرهقه صعودا } و أن في جهنم قصرا يقال له هواء يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله قال الله تعالى { و من يحلل عليه غضبي فقد هوى } و أن في جهنم واديا يدعى آثاما فيه حيات و عقارب في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من سم و العقرب منهن مثل البغلة المؤلفة تلدغ الرجل فلا تلهيه عما يجد من حر جهنم حمة لدغتها فهو لما خلق له و أن في جهنم سبعين داء لأهلها كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم و أن في جهنم واديا يدعى غيا يسيل قيحا و دما فهو لما خلق له قال الله تعالى { فسوف يلقون غيا }
و روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال : [ حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن في جهنم بحرا أسود مظلما منتن الريح يغرق الله فيه من أكل رزقه و عبد غيره ]
و ذكر أبو نعيم [ عن محمد بن واسع قال : دخلت يوما على بلال بن أبي بردة فقلت : يا بلال إن أباك حدثني عن جدك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن في جهنم واديا يقال له لملم و لذلك الوادي بئر يقال له هبهب حق على الله تعالى أن يسكنها كل جبار فإياك أن تكون منهم ]
ابن المبارك قال : [ حدثنا يحيى بن عبيد الله قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن في جهنم واديا يقال له لملم و إن أودية جهنم لتستعيذ بالله من حره ]
مالك بن أنس [ عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن الحسين بن علي عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : كل مسكر خمر وثلاثة غضب الله عليهم و لا ينظر إليهم و لا يكلمهم و هم في المنسا و المنسا : بئر في جهنم : للمكذب بالقدر و المبتدع في دين الله و مدمن الخمر ] و ذكره الخطيب أبو بكر من حديث أحمد بن سليمان الخفاني القرشي الأسدي عن مالك
و ذكر ابن وهب من [ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر على صورة الناس يعلوهم كل شيء من الصغار فيساقون حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له بولس يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال ] أخرجه ابن المبارك
أخبرنا محمد بن عجلان [ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال ] أخرجه الترمذي و قال : حديث حسن
قلت : طينة الخبال عرق أهل النار أو عصارتهم شراب أيضا لمن شرب المسكر جاء ذلك في صحيح البخاري
و [ عن جابر : أن رجلا قدم من جيشان و جيشان من اليمن فسأل النبي صلى الله عليه و سلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أمسكر هو ؟ قال : نعم قال : إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا : يا رسول الله و ما طيتة الخبال ؟ قال : عرق أهل النار أو عصارة أهل النار ]
[ وروي عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : المدينة مهاجري و فيها مضجعي و منها مخرجي حق على أمتي حفظ جيراني فيها من حفظ وصيتي كنت له شهيدا يوم القيامة و من ضيعها أورده الله حوض الخبال قيل : و ما حوض الخبال ؟ قال : حوض من صديد أهل النار ] غريب من حديث خارجة بن زيد عن أبيه لم يروه عنه غير أبي الزناد تفرد به عنه ابنه عبد الرحمن
و روى الترمذي و أسد بن موسى [ عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : تعوذوا بالله من جب الحزن فقيل يا رسول الله : و ما جب الحزن ؟ قال : واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كل يوم سبعين مرة أعده الله للقراء المرائين ] و في رواية : [ أعده لله للذين يراءون الناس بأعمالهم ]
و قال الترمذي [ في حديث أبي هريرة مائة مرة قلنا : يا رسول الله و من يدخله ؟ : القراء المراءون بأعمالهم ] قال : حديث غريب خرجه ابن ماجه أيضا [ عن أبي هريرة و لفظه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تعوذوا بالله من جب الحزن قالوا : يا رسول الله و ما جب الحزن ؟ قال : واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كل يوم أربعمائة مرة قيل : يا رسول الله من يدخله ؟ قال : أعد للقراء المرائين بأعمالهم و إن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء ]
قال المحاربي : الجورة
و في حديث آخر ذكره [ أسد بن موسى أنه عليه السلام قال : إن في جهنم لواديا إن جهنم لتتعوذ من شر ذلك الوادي في كل يوم سبع مرات و إن في ذلك الوادي لجبا إن جهنم و ذلك الوادي ليتعوذان بالله من شر ذلك الجب و إن في الجب لحية إن جهنم و الوادي و ذلك الجب ليتعوذان بالله من شر ذلك الحية أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن ]
و قال أبي هريرة : إن في جهنم أرجاء تدور بعلماء السوء فيشرف عليهم بعض من كان يعرفهم في الدنيا : فيقول : ما صيركم إلى هذا و إنما كنا نتعلم منكم ؟ قالوا : إنا كنا نأمركم بالأمر و نخالفكم إلى غيره
قلت : و هذا مرفوع معناه في صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه و سيأتي في من أمر بالمعروف و لم يأته
و قال أبو المثنى الأملوكي : إن في النار أقواما يربطون بنواعير من نار تدور بهم تلك النواعير ما لهم فيها راحة و لا فترة و قال محمد بن كعب القرظي إن لمالك مجلسا في وسط جهنم و جسورا تمر عليها ملائكة العذاب فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها الحديث و سيأتي

(1/468)


باب منه : و في بيان قوله تعالى : فلا اقتحم العقبة و في ساحل جهنم و وعيد من يؤذي المؤمنين
ابن المبارك قال : أخبرنا رجل عن منصور عن مجاهد عن يزيد بن شجرة قال : و كان معاوية بعثه على الجيوش فلقي عدوا فرأى أصحابه فشلا فجمعهم فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : أما بعد اذكروا نعمة الله عليكم و ذكر الحديث و فيه : [ فإنكم ككتوبون عند الله بأسمائكم و سماتكم فإذا كان يوم القيامة قيل : يا فلان ها نورك يا فلان لا نور لك إن لجهنم ساحلا كساحل البحر فيه هوام و حيات كالبخت و عقارب كا لبغال الدهم فإذا استغاث أهل النار قالوا : الساحل ! فإذا ألقوا فيه سلطت عليهم تلك الهوام فتأخذ شفار أعينهم و شفاههم و ما شاء الله منهم تكشطها كشطا فيقولون : النار النار ! فإذا ألقوا فيها سلط الله عليهم الجرب فيحك أحدهم جسده حتى يبدو عظمه و إن جلد أحدهم لأربعون ذراعا قال : يقال : يا فلان هل تجد هذا يؤذيك ؟ فيقول : و أي شيء أشد من هذا ؟ فيقال : هذا بما كنت تؤذي المؤمنين ]
قال ابن المبارك : و أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمار الدهمني أنه حدثه عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : إن صعودا صخرة في جهنم إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت فإذا رفعوها عادت اقتحامها { فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة }
و قال ابن عمرو ابن عباس هذه العقبة جبل في جهنم
و قال محمد بن كعب و كعب الأحبار هي سبعون درجة في جهنم و قال الحسن و قتادة : هي عقبة شديدة صعبة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله عز و جل
و قال مجاهد و الضحاك و الكلبي : هي الصراط و قيل : النار نفسها
و قال الكلبي أيضا : هي جبل بين الجنة و النار يقول : فلأجاور هذه العقبة بعمل صالح ثم بين اقتحامها بما يكون فقال { فك رقبة } الآية
و قال ابن زيد و جماعة من المفسرين : معنى الكلام الاستفهام تقديره : أفلا اقتحم العقبة يقول : هلا أنفق ماله في فك الرقاب و إطعام السغبان ليجاوز به العقبة فيكون خيرا له من إنفاقه في المعاصي ؟
و قيل : معنى الكلام التمثيل و التشبيه فشبه عظم الذنوب و ثقلها بعقبة فإذا أعتق رقبة و عمل صالحا كان مثله كمثل من اقتحم العقبة و هي الذنوب التي تضره و تؤذيه و تثقله فإذا أزالها بالأعمال الصالحة و التوبة الخالصة كان كمن اقتحم عقبة يستوي عليها و يجوزها
قلت : هذا حديث حسن قال الحسن : هي و الله عقبة شديدة مجاهدة الإنسان نفسه و هواء وعدوه الشيطان و أنشد بعضهم :
( إني بليت بأربع يرمينني ... بالنبل قد نصبوا علي شراكا )
( إبليس و الدنيا و نفسي و الهوى ... من أين أرجو بينهن فكاكا )
( يا رب ساعدني بعفو إنني ... أصبحت لا أرجو لهن سواكا )
و أنشد غيره أيضا في معنى ذلك :
( إني بليت بأربع يرمينني ... بالنبل عن قوس لها توتير )
( إبليس و الدنيا و نفسي و الهوى ... يا رب أنت على الخلاص قدير )
و قال آخر :
( إني بليت بأربع ما سلطوا ... إلا لعظم بليتي و شقائي )
( إبليس و الدنيا ونفسي و الهوى ... كيف الخلاص و كلهم أعدائي )
قلت : قال : فمن أطاع مولاه و جاهد نفسه و هواه و خالف شيطانه و دنياه كانت الجنة نزله و مأواه و ممن تمادى في غيه و طغيانه و أرخى في الدنيا زمام عصيانه و وافق نفسه و هواه في مناه و لذاته و أطاع شيطانه في جمع شهواته كانت النار أولى به قال الله تعالى : { فأما من طغى * و آثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى }
و معنى فلا اقتحم العقبة : أي لم يقتحم العقبة و هذا خبر أي أنه لم يفعل و العرب تقول : لا فعل بمعنى لم يفعل قال زهير
( و كان طوى كشحا على سكينة ... فلا هوى أبداها و لم يتقدم )
أي فلم يبدها
ثم قال : { و ما أدراك ما العقبة * فك رقبة } يقول للنبي صلى الله عليه و سلم : أي لم تكن تدريها حتى أعلمتك ما العقبة : فك رقبة : أي عتق رقبة من الرق أو إطعام في يوم ذي مسغبة مجاعة يتيما ذا مقربة : أي قرابة أو مسكينا ذا متربة : يعني به اللاصق بالتراب من الحاجة في تفسير الحسن
و قال سفيان بن عيينة : كل شيء قال فيه و ما أدراك فإنه أخبره به و كل شيء قال فيه و ما يدريك فإنه لم يخبره به
و خرج الطبراني أبو القاسم سلمان بن أحمد في كتاب مكارم الأخلاق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لأن أجمع أناسا من أصحابي على صاع من طعام أحب إلي أن أخرج إلى السوق فأشترى نسمة فأعتقها

(1/473)


باب ما جاء في قوله تعالى و قودها الناس و الحجارة
الوقود بفتح الواو على وزن الفعول بفتح الفاء : الحطب و كذلك الطهور اسم للماء و السحور اسم الطعام و بضم الفاء : اسم للفعل و هو المصدر و الناس عموم و معناه : الخصوص ممن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها أجارنا الله منها قال : حطب النار : شباب و شيوخ و كهول و نساء عاريات طال منهن العويل
ابن المبارك [ عن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله : يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار و حتى يخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك و تعالى ثم يأتي أقوام يقرأون القرآن فإذا قرأوه قالوا : من أقرأ منا ؟ من أعلم منا ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال : هل ترون في أولئك من خير ؟ قالوا : لا ! قال : أولئك منكم و أولئك من هذه الأمة و أولئك هم وقود النار ] خرجه عن موسى بن عبيدة عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن ابن الهادي عن العباس بن عبد المطلب فذكره و الحجارة الكبريت خلقها الله تعالى عنده كيف شاء أو كما شاء عن ابن مسعود و غيره ذكره ابن المبارك عن عبد الله بن مسعود
و خصت بذلك لأنها تزيد على جميع الحجارة بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الإيقاد و نتن الرائحة و كثرة الدخان و شدة الالتصاق بالأبدان و قوة حرها إذا حميت
و قيل المراد بالحجارة : الأصنام لقوله تعالى : { إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم } أي حطب و هو ما يلقى في النار مما تذكى به و عليه فيكون الناس و الحجارة وقودا للنار على التأويل الأول و على التأويل الثاني يكونون معذبين بالنار و الحجارة و في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ كل مؤذ في النار ] و في تأويله و جهان :
أحدهما : أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار
الثاني : أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع و الهوام و غيرهما في النار معد لعقوبة أهل النار و ذهب بعض أهل التأويل إن أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة و الله أعلم

(1/476)


باب ما جاء في تعظيم جسد الكافر و أعضائه بحسب اختلاف كفره و توزيع العذاب على العاصي المؤمن بحسب أعمال الأعضاء
مسلم [ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد و غلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ]
[ الترمذي عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن غلظ جلد الكافر إثنان و أربعون ذراعا و إن ضرسه مثل أحد و إن مجلسه من جهنم كما بين مكة و المدينة ] قال هذ حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش و في رواية : و فخذه مثل البيضاء و مقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة أخرجه عن صالح مولى التؤامة عن أبي هريرة و قال : هذا حديث حسن غريب و قال : مثل الربذة يعنى به كما بين مكة و المدينة و البيضاء : جبل
ابن المبارك أنبأنا يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال [ ضرس الكافر يوم القيامة أعظم من أحد يعظمون لتمتلىء منهم و ليذوقوا العذاب ]
أخبرنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : [ ضرس الكافر مثل أحد و فخذه مثل البيضاء و جبينه مثل الورقان و مجلسه من النار كما بيني و بين الربذة و كثف بصره سبعون ذراعا وبطنه مثل إضم ] إضم بالكسر جبل قاله الجوهري
قلت : و الورقان جبل بالمدينة كما روي [ عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم فلما تجلى ربه للجبل صار بعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بمكة : ثور و ثبير و حراء و بالمدينة : أحد و ورقان و رضوى ]
و ذكر ابن المبارك قال : [ أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بصر الكافر ـ يعني غلظ جلده ـ سبعون ذراعا و ضرسه مثل أحد في سائر خلقه ] و ذكر عن عمرو بن ميمون أنه يسمع بين جلد الكافر و جسده دوي كدوي الوحش
الترمذي [ عن أبي المخارق عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ و الفرسخين يتوطؤه الناس ]
مسلم [ عن سمرة بن جندب أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال : منهم من تأخذه النار إلى كعبيه و منهم من تأخذه إلى ركبتيه و منهم من تأخذه إلى حجزته و منهم من تأخذه إلى ترقوته ] و في رواية : حقويه مكان حجزته
فصل : هذا الباب يدلك على أن كفر من كفر فقط ليس ككفر من طغى و كفر و تمرد و عصى و لا شك في أن الكفار في عذاب جهنم متفاوتون كما قد علم من الكتاب و السنة و لأنا نعلم على القطع و الثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء و المسلمين و فتك فيهم و أفسد في الأرض و كفر مساويا لعذاب من كفر فقط و أحسن للأنبياء و المسلمين ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي صلى الله عليه و سلم إلى ضحضاح لنصرته إياه و ذبه عنه و إحسانه إليه ؟ و حديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب و يصح أن يكون فيمن يعذب من الموحدين إلا أن الله تعالى بميتهم إماتة حسب ما تقدم بيانه
و في خبر كعب الأحبار : يا مالك مر النار لا تحرق ألسنتهم فقد كانوا يقرأون القرآن يا مالك قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم فالنار أعرف بهم و بمفدار استحقاقهم من الوالدة بولدها فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه و منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه و منهم من تأخذه النار إلى سرته و منهم من تأخذه إلى صدره و ذكر الحديث و سيأتي بكماله إن شاء الله تعالى
و ذكر القتبي في عيون الأخبار له مرفوعا [ عن أبي هريرة أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله إذا قضى بين خلقه و زادت حسنات العبد دخل الجنة و إن استوت حسناته و سيئاته حبس على الصراط أربعين سنة ثم بعد ذلك يدخل الجنة و إن زادت سيئاته على حسناته دخل النار من باب التوحيد فيعذبون في النار على قدر أعمالهم فمنهم من تنتهي له النار إلى كعبيه و منهم من تنتهي إلى ركبتيه و منهم من تنتهي النار إلى وسطه ] و ذكر الحديث
و ذكر الفقيه أبو بكر بن برجان أن حديث مسلم في معنى قوله تعالى { و لكل درجات مما عملوا و ليوفيهم أعمالهم و هم لا يظلمون } قال : أرى ـ و الله أعلم ـ أن هؤلاء الموصوفين في هذه الآية و الحديث أهل التوحيد فإن الكافر لا تعاف النار منه شيئا و كما اشتمل في الدنيا على الكفر شملته النار في الآخرة قال الله تعالى { لهم من فوقهم ظلل من النار و من تحتهم ظلل } أي أن ما فوقهم ظلل لهم و ما تحتهم ظلل لمن تحتهم
باب منه
ابن ماجه [ عن الحارث بن قيس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعتي أكثر من مضر و إن أمتي من يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها ]

(1/477)


باب ما جاء في شدة عذاب أهل المعاصي و إذا يتهم أهل النار بذلك
مسلم [ عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أشد عذابا يوم القيامة المصورون ] و ذكره قاسم بن أصبغ من حديث [ عبد الله بن مسعود أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي أو مصور يصدر التماثيل ]
و ذكر أو عمر بن عبد البر و ابن ماجه و ابن وهب [ من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن من أشد عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه ] إسناده فيه عثمان بن مقسم البزي لم يرفعه غيره و هو ضعيف عند أهل الحديث معتزلي المذهب ليس حديثه بشيء قاله أبو عمر
و ذكر ابن وهب قال : حدثنا ابن زيد قال : يقال إنه ليؤذي أهل النار نتن فروج الزناة يوم القيامة
ابن المبارك قال : أخبرنا موسى بن علي بن رباح قال : سمعت أبي يذكر عن بعض من حدث قال : ثلاثة قد آذوا أهل النار ـ و كل أهل النار في أذى ـ : رجال مغلقة عليهم توابيت من نار و هم في أصل الجحيم فيضجون حتى تعلوأصواتهم أهل النار فيقول لهم أهل النار : ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا ؟ فقالوا : كنا متكبرين و رجال قد شقت بطونهم يسبحون أمعاءهم في النار فقال لهم أهل النار : ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا ؟ قالوا : كنا نقتطع حقوق الناس بأيماننا و أمانتنا و رجال يسعون بين الجحيم و الحميم لا يقرون قبل لهم : ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا ؟ قالوا : كنا نسعى بين الناس بالنميمة
[ أخبرنا إسماعيل بن عياش حدثني تغلب بن مسلم عن أيوب بن بشير العجلي عن شقي بن مانع الأصبحي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى يسعون بين الجحيم و الحميم يدعون بالويل و الثبور يقول أهل النار بعضهم لبعض : ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى ؟ قال : فرجل مغلق عليه تابوت من جمر و رجل يجر أمعاءه و رجل يسيل فوه قيحا و دما و رجل يأكل لحمه قال فيقال لصاحب التابوت : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى ؟ قال فيقول : إن الأبعد مات و في عنقه أموال الناس لم يجد لها قضاء أو قال وفاء ثم يقال للذي يجر أمعاءه : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى ؟ قال فيقول : إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه ثم لا يغسله ثم يقال للذي يسيل فوه دما و قيحا : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى ؟ قال فيقول : إن الأبعد كان ينظر في كل كلمة قذيعة خبيثة فيذيعها يستلذها و يستلذ الرفث بها ثم يقال للذي يأكل لحمه : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى ؟ قال فيقول : إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس و يمشي بالنميمة ]
خرجه أبو نعيم الحافظ و قال : تفرد به إسماعيل بن عباس و شقي مختلف فيه فقيل : له صحبة
قلت : و قد تقدم حديث البخاري الطويل عن سمرة بن جندب و حديث ابن عباس و أبي هريرة و ابن مسعود في باب ما يكون منه في عذاب القبر و حديث أبي هريرة في الذين تسعر بهم جهنم و غير ذلك مما تقدم في معنى هذا الباب : فتأمل ذلك
و قد تقدم أن من أدان أموال الناس في غير سفه و لا إسراف و لم يجد قضاء و نيته الأداء و مات أن الله لا يحسبه عن الجنة و لا يعذبه بل يرضى عنه خصماؤه إن شاء الله و يكون الجميع في رحمته بكرمه و فضله فأما من أدانها لينفقها في المعاصي ثم لا يقدر على الأداء فلعله الذي يعذب

(1/480)


باب منه و في عذاب من عذب الناس في الدنيا
أبو داود الطيالسي قال : [ حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن أبي نجيح عن خالد بن حكيم عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أشد الناس عذابا يوم القيامة أشدهم عذابا للناس في الدنيا ]
و خرجه البخاري في التاريخ فقال : [ حدثنا علي حدثنا سفيان
عن عمرو بن دينار عن خالد بن حكيم بن حزام أن أبا عبيدة تناول رجلا من أهل الأرمن فكلمه خالد بن الوليد فقالوا : أغضبت الأمير ؟ فقال : لم أرد غضبه سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : أشد الناس عذابا يوم القيامة أشدهم عذابا للناس في الدنيا ]
و خرجه مسلم بمعناه [ من حديث هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس فقال : ما شأنهم ؟ قالوا : حبسوا على الجزية فقال هشام : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن الله عز و جل يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ]

(1/482)


باب ما جاء في شدة عذاب من أمر بالمعروف و لم يأته و نهى عن المنكر و أتاه و ذكر الخطباء و فيمن خالف قوله فعله و في أعوان الظلمة كلاب النار
البخاري [ عن أسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون : أي فلان ! ألست كنت تأمر المعروف و تنهى عن المنكر ؟ فيقول : كنت أمر بالمعروف و لا أفعله و أنهى عن المنكر و أفعله ]
و خرجه مسلم أيضا بمعناه [ عن أسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه في النار فيدور كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان ابن فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر ؟ فيقول : بلى ! كنت آمر بالمعروف و لا آتيه و أنهى عن المنكر و آتيه ]
و خرج أبو نعيم الحافظ [ من حديث مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أتيت ليلة لأسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت ردت قلت من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون و لا يفعلون و يقرأون كتاب الله و لا يعملون ]
و ذكر ابن المبارك قال : [ أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قال فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : خطباء أي من الذين يأمرون الناس بالبر و ينسون أنفسهم و هم يتلون الكتاب ] الآية
قال : [ و أخبرنا سفيان عن إسماعيل عن الشعبي قال : يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم في النار فيقولون : ما أدخلكم النار و إنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم و تعليمكم ؟ قالوا : إن كنا نأمركم بالخير و لا نفعله ]
و ذكر أبو نعيم الحافظ قال : [ حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال : حدثنا عبد الله بن حنبل قال : حدثنا سيار بن حاتم قال : حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله تعالى يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء ] هذا حديث غريب تفرد به سيار عن جعفر لم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال حدثنا أحمد بن إسحاق بن حمزة حدثنا محمد بن علوش بن الحسين الجرجاني قال : حدثنا علي بن المثنى قال : حدثنا يعقوب بن خليفة أبو يوسف الأعشى قال حدثني محمد بن مسلم الطائفي قال حدثني إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ الجلاوزة و الشرط أعوان الظلمة كلاب النار ] غريب من حديث طاووس تفرد به محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس الجلاوزة : جمع جلواز قال الجوهري : و الجلوز الشرطي و الجمع : الجلاوزة
فصل : قال بعض السادة : أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة : رجل ملك عبدا فعلمه شرائع الإسلام فأطاع و أحسن و عصى السيد فإذا كان يوم القيامة أمر بالعبد إلى الجنة و أمر بسيده إلى النار فيقول عند ذلك : واحسرتاه ! وأغبناه ! أما هذا عبدي ؟ أما كنت مالكا لمهجته و ماله ؟ و قادرا على جميع ماله ؟ فما له سعد و ما لي شقيت ؟ فيناديه الملك الموكل به : لأنه تأدب و ما تأدبت و أحسن و أسأت و رجل كسب مالا فعصى الله تعالى في جمعه و منعه و لم يقدمه بين يديه حتى صار إلى وارثه فأحسن في إنفاقه و أطاع الله سبحانه في إخراجه و قدمه بين يديه فإذا كان يوم القيامة أمر بالوارث إلى الجنة و أمر بصاحب المال إلى النار فيقول : و حسرتاه ! و اغبناه ! أما هذا ما لي فما أحسنت به أحوالي و أعمالي فيناديه الملك الموكل به : لأنه أطاع الله و ما أطعت و أنفق لوجهه و ما أنفقت فسعد و شقيت و رجل على قوما و وعظهم فعملوا بقوله و لم يعمل فإذا كان يوم القيامة أمر بهم إلى الجنة و أمر به إلى النار فيقول : و احسرتاه ! و اغبناه ! أما هذا علمي ؟ فما لهم فازوا به و ما فزت ؟ و سلموا به و ما سلمت ؟ فيناديه الملك الموكل به : لأنهم عملوا بما قلت و ما عملت فسعدوا و شقيت ذكره أبو الفرج بن الجوزي
فصل : قال إبراهيم النخعي رضي الله عنه : إني لأكره القصص لثلاث آيات : قوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم } و قوله تعالى { لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } و قوله تعالى : { و ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه }
قلت : و ألفاط هذه الأبيات تدل على ما ذكرناه من الأحاديث على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف و بالمنكر و بوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه و إنما كان كذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله و يستحق لأحكامه و هو كمن لم ينتفع بعمله
و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ] و قد تقدم
[ و روى أبو أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الذين يأمرون الناس بالبر و ينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم فيقال لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير و ننسى أنفسنا ]
و قوله : تندلق أي : تخرج و الاندلاق الخروج بسرعة يقال : اندلق السيف خرج من غمده و روي فتنفلق بدل فتندلق و الأقتاب : الأمعاء واحدها : قتب بكسر القاف و قال الأصمعي : واحدها : قتيبة و يقال لها أيضا : الأقصاب واحدها : قصبة قاله أبو عبيد
و قد قال صلى الله عليه و سلم : [ رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه في النار و هو أول من سيب السوائب ]
قلت : إن قال قائل : قد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري أن من ليس من أهل النار إذا دخلوها أحرقوا فيه و ماتوا على ما ذكرتموه في أصح القولين و هذه الأحاديث التي جاءت في العصاة بخلاف فكيف الجمع بينهما ؟
قيل له : الجمع ممكن و ذلك ـ و الله أعلم ـ أن أهل النار الذين هم أهلها كما قال الله تعالى { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } قال الحسن : تنضجهم النار في اليوم سبعين ألف مرة و العصاة بخلاف هؤلاء فيعذبون و بعد ذلك يموتون
و قد تختلف أيضاأحوالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم و آثامهم و قد قيل إنه يجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم غير أن آلام المؤمنين تكون أخف من آلام الكفار لأن آلام المعذبين و هم موتى أخف من عذابهم و هم أحياء دليله قوله تعالى : { و حاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا و عشيا و يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } فأخبر أن عذابهم إذا بعثوا أشد من عذابهم و هم موتى
و مثله ما جاء في حديث البراء من قول الكافر : رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة يرى أن ما يخلص له من عذاب الآخرة أشد مما هو فيه و قد يكون ما جاء في الخطباء هو عذابهم في القبور في أعضاء مخصوصة كغيرهم كما جاء في حديث سمرة الطويل على ما تقدم إلا أن قوله في حديث أسامة بن زيد يوم القيامة يدل على غير ذلك و قد يحتمل أن يجمع لهم الأمران لعظم ما ارتكبوه من مخالفة قولهم فعلهم و نعوذ بالله من ذلك

(1/482)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية