صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الأذكار
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

ويقول : إليك اللهم أرغب ، وإياك أرجو ، فتقبل نسكي ، ووفقني ، وارزقني فيه من الخير أكثر ما أطلب ، ولا تخيبني إنك أنت الله الجواد الكريم (1) ، وهذه الليلة هي ليلة العيد ، وقد تقدم في أذكار العيد بيان فضل إحيائها بالذكر والصلاة ، وقد انضم إلى شرف الليلة شرف المكان ، وكونه في الحرم والإحرام ، ومجمع الحجيج ، وعقيب هذه العبادة العظيمة ، وتلك الدعوات الكريمة في ذلك الموطن الشريف.
فصل في الأذكار المستحبة في المزدلفة والمشعر الحرام : قال الله تعالى : (فإذا أفضتم (2) من عرفات فاذكروا الله (3) عند المشعر الحرام (4) واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين) [ البقرة : 198 ] فيستحب الإكثار من الدعاء في المزدلفة في ليلته ومن الأذكار والتلبية وقراءة القرآن ، فإنها ليلة عظيمة ، كما قدمناه في الفصل الذي قبل هذا.
566 - ومن الدعاء المذكور فيها : اللهم إني أسألك أن ترزقني في هذا المكان جوامع الخير كله ، وأن تصلح شأني كله ، وأن تصرف عني الشر كله ، فإنه لا يفعل ذلك غيرك ، ولا يجود به إلا أنت (5).
وإذا صلى الصبح في هذا اليوم صلاها في أول وقتها ، وبالغ في تبكيرها ، ثم يسير إلى المشعر الحرام ، وهو جبل صغير في آخر المزدلفة يسمى " قزح " بضم القاف وفتح الزاي ، فإن أمكنه صعوده صعده ، وإلا وقف تحته مستقبل الكعبة ، فيحمد الله تعالى ،
ويكبره ، ويهلله ويوحده ، ويسبحه ، ويكثر من التلبية والدعاء.
ويستحب أن يقول : اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه ، فوفقنا لذكرك كما هديتنا ،
__________
(1) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : ذال الحافظ : وهو حسن ، ولمأره مأثورا.
(2) فإذا أفضتم : أي دفعتم ، يقال فاض الإناء : إذا امتلأ حتى ينصب من نواحيه.
(3) فاذكروا الله ، أي : بالدعاء والتلبية.
(4) وهو مأخوذ من الشعار ، أي : العلامة ، لأنه من معلم الحج ، وأصل الحرام : المنع ، فهو ممنوع أن تفعل فيه ما لم يؤذن فيه.
(5) قال بان علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : لم أره مأثورا ، لكن تقدم الدعاء بصلاح الشأن قال ابن علان : وورد في الدعاء بجوامع الخير ما أسنده الحافظ من طريق الطبراني عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو...فذكر حديثا طويلا ، وفيه : " اللهم إني أسألك فواتح الخير ، وخواتمه وجوامعه ، وأوله وآخره ، وظاهره وباطنه ، والدرجات العلى من الجنة " قال الحافظ بعد تخريجه : هذا حديث حسن غريب ، أخرجه الحاكم مفرقا في موضعين وقال ; صحيح الإسناد.
(*)

(1/200)


واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك ، وقولك الحق (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) (1) ويكثر من قوله : (ربنا آتنا في الدنيا حسضنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
ويستحب أن يقول : " اللهم لك الحمد كله ، ولك الكمال كله ، ولك الجلال كله ، ولك التقديس كله ، اللهم اغفر لي جميع ما أسلفته ، واعصمني فيما بقي ، وارزقني عملا صالحا ترضى به عني يا ذا الفضل العظيم " (2).
اللهم إني أستشفع إليك بخواص عبادك ، وأتوسل بك إليك ، أسألك أن ترزقني جوامع الخير كله ، وأن تمن علي بما مننت به على أوليائك ، وأن تصلح حالي في الآخرة
والدنيا يا أرحم الراحمين (3).
فصل في الأذكار المستحبة في الدفع من المشعر الحرام إلى مننى : إذا أسفر الفجر انصرف من المشعر الحرام متوجها إلى منى ، وشعاره التلبية والأذكار والدعاء والإكثار من ذلك كله ، وليحرص على التلبية فهذا آخر زمنها ، وربما لا يقدر له في عمره تلبية بعدها.
فصل في الأذكار المستحبة بمنى يوم النحر : إذا انصرف من المشعر الحرام ووصل منى يستحب أن يقول : الحمد لله الذي بلغنيها سالما معافى ، اللهم هذه منى قد أتيتها ، وأنا عبدك ، وفي قبضتك أسألك أن تمن علي بما مننت به على أوليائك ، اللهم إني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني يا أرحم الراحمين (4).
فإذا شرع في رمي جمرة العقبة قطع التلبية مع أول حصاة واشتغل بالتكبير ، فيكبر مع كل حصاة ، ولا يسن الوقوف عندها للدعاء (5) ، وإذا كان معه هدي فنحره أو ذبحه ،
__________
(1) قال بان علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : لم أره مأثورا ، وكلام الشيخ - يعني النووي - يشير إلى أنه منتزع من الأية التي ذكرها ، وعزاه في " شرح المهذب " فقال : واستحب أصحابنا أن يقول...الخ.
(2) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : لم أره مأثورا ، وورد بعضه غير مقيد في حديث لأبي سعيد ، أخرجه ابن منصور في " مسند الفردوس " مرفوعا...فذكره ، وقال : وفي سنده خالد بن يزيد العمري ، وهو متروك.
(3) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : لم أره مأثورا.
(4) قال الحافظ : لم أره مأثورا.
(5) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : فائدة : أخرج الحافظ عن جابر رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (*)

(1/201)


استحب أن يقول عند الذبح أو النحر : بسم الله والله أكبر ، اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم (1) ، اللهم منك وإليك ، تقبل مني ، أو تقبل من فلان إن كان يذبحه عن غيره.
وإذا حلق رأسه بعد الذبح فقد استحب بعض علمائنا أن يمسك ناصيته بيده حالة الحلق ويكبر ثلاثا ثم يقول : الحمد لله على ما هدانا ، والحمد لله على ما أنعم به علينا ، اللهم هذه ناصيتي فتقبل مني واغفر لي ذنوبي ، اللهم اغفر لي وللمحلقين والمقصرين ، يا واسع المغفرة آمين (2).
وإذا فرغ من الحلق كبر وقال : " الحمد لله الذي قضى عنا نسكنا ، اللهم زدنا إيمانا ويقينا وعونا ، واغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا والمسلمين أجمعين (3).
فصل في الأذكار المستحبة بمنى في أيام التشريق : روينا في " صحيح مسلم " عن نبيشة الخير (4) الهذلي الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيام التشريق (5) أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى " فيستحب الإكثار من الأذكار ، وأفضلها قراءة القرآن.
568 - والسنة أن يقف في أيام الرمي عند الجمرة الأولى إذا رماها ، ويستقبل الكعبة ، ويحمد الله تعالى ، ويكبر ، ويهلل ، ويسبح ، ويدعو مع حضور القلب وخشوع الجوارح.
__________
= وهو واقف على القرن ، وهو يقول : " يا حي يا قيوم ، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث ، فاكفني شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفه عين " وقال الحافظ : حديث حسن غريب.
(1) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : نص عليها الشافعي فقال : والتسمية في الذبيحة : بسم الله ، وما ذاد بعد ذلك من ذكر الله فهو خير ، ولا أكره أن يقول فيها : صلى الله على محمد ، بل أحب ذلك ، وأحب أن يكثر الصلاة عليه ، لأن ذكر والصلاة على محمد صلى الله علثه وسلم عبادة يؤجر عليها.
(2) قال ابن علان في شرح الأذكار : قال الحافظ : لم أره مأثورا ، وآخره ، أي : " اغفر للمحلقين والمقصرين " متق عليه.
(3) قال الحافظ : لم أقف عليه أيضا.
(4) عن نبيشة الخير : هو بالنون فموحدة فتحتية فشين معجمة مصغر ، يقال فيه : نبيشة الخير بن عبد الله الهذلي ، ويقال : نبيشة بن عمرو بن عوف " روى أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أسارى فقال : يا رسول الله
إما أن تفاديهم ، وإما أن تمن عليهم ، فقال : " أمرت بخير ، أنت نبيشة الخير " روى عنه مسلم هذا الحديث ، ولم يرو عنه البخاري شيئا ، وخرج عنه الأربعة.
(5) سميت بذلك ، لإشراق ليلها بالقمر ونهارل بالشمس ، وقيل : لتشريق لحوم الأضاحي فيها.
(*)

(1/202)


569 - ويمكث كذلك قدر سورة بقرة ، ويفعل في الجمرة الثانية وهي الوسطى كذلك.
570 - ولا يقف عند الثالثة ، وهي جمرة العقبة.
فصل : وإذا نفر من منى فقد انقضى حجه ، ولم يبق ذكر يتعلق بالحج ، لكنه مسافر ، فيستحب له التكبير والتهليل والتحميد والتمجيد وغير ذلك من الأذكار المستحبة للمسافرين ، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
وإذا دخل مكة وأراد الاعتمار فعل في عمرته من الأذكار ما يأتي به في الحج في الأمور المشتركة بين الحج والعمرة وهي : الإحرام ، والطواف ، والسعي ، والذبح ، والحلق ، والله أعلم.
فصل فيما يقوله إذا شرب ماء زمزم.
571 - روينا عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ماء زمزم لما شرب له " (1) وهذا مما عمل العلماء والأخيار به ، فشربوه لمطالب لهم جليلة فنالوها.
قال العلماء : فيستحب لمن شربه للمغفرة أو للشفاء من مرض ونحو ذلك أن يقول عند شربه : اللهم إنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ماء زمزم لما شرب له " اللهم وإني أشربه لتغفر لي ولتفعل بي كذا وكذا ، فاغفر لي أو افعل.
أو : اللهم إني أشربه مستشفيا به فاشفني ، ونحو هذا ، والله أعلم.
فصل : وإذا أراد الخروج من مكة إلى وطنه طاف للوداع ، ثم أتى الملتزم فالتزمه ، ثم قال : اللهم ، البيت بيتك ، والعبد عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، حملتني على ما
سخرت لي من خلقك ، حتى سيرتني في بلادك ، وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك ، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى ، وإلا فمن الآن قبل أن ينأى عن بيتك داري ، هذا أوان انصرافي ، إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ، ولا راغب عنك ولا عن بيتك ، اللهم فأصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني ، وأحسن منقلبي ، وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي خيري الآخرة والدنيا ، إنك على كل شئ قدير (2) ويفتتح
__________
(1) وهو حديث حسن لشواهد.
(2) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : أخرجه الييهقي بسنده إلى الشافعي ، قال : وهو حسن.
قال الحافظ : وقد وجدته بمعناه من كلام بعض من روى عنه الشافعي أخرجه الطبراني في كتاب = (*)

(1/203)


هذا الدعاء ويختمه بالثناء على الله سبحانه وتعالى ، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في غيره من الدعوات.
وإن كانت امرأة حائضا استحب لها أن تقف على باب المسجد وتدعو بهذا الدعاء ثم تنصرف ، والله أعلم.
فصل في زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذكارها : إعلم أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن ، فإن زيارته صلى الله عليه وسلم من أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات ، فإذا توجه للزيارة أكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في طريقه ، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة وحرمها وما يعرف بها ، زاد من الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم ، وسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته صلى الله عليه وسلم وأن يسعده بها في الدارين ، وليقل : اللهم افتح علي أبواب رحمتك ، وارزقني في زيارة قبر نبيك صلى الله عليه وسلم ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك ، واغفر لي وارحمني يا خير مسؤول.
وإذا أراد دخول المسجد استحب أن يقول ما يقوله عند دخول باقي المساجد ، وقد قدمناه في أول الكتاب ، فإذا صلى تحية المسجد أتى القبر الكريم فاستقبله واستدبر القبلة (1) على نحو أربع أذرع من جدار القبر ، وسلم مقتصدا لا يرفع صوته ، فيقول : 572 - السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه ، السلام
عليك يا حبيب الله ، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين ، السلام عليك وعلى آلك وأصحابك وأهل بيتك وعلى النبيين وسائر الصالحين ; أشهد أنك بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، فجزاك الله عنا أفضل ما جزى رسولا عن أمته (2).
__________
= " الدعاء " عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق قال...فذكره.
قال الحافظ : وقد وردت أثار عديدة فيما يدعى به عند الملتزم ليس فيها شئ من المرفوعات ولا الموقوفات ، فلم أستوعبها ، واقتصرت على أثر واحد ، ثم أخرجه عن الأصمعي قال : رأيت أعرابيا عند الملتزم ، فقال : اللهم إن علي حقوقا فتصدق بها علي ، وإن علي تبعات فتحمل بها عني ، وأنا ضيفك ، وقد أوجدت لكل ضيف قرى ، فاجعل قراي الليلة الجنة.
(1) وقال بعض العلماء : يستقبل القبلة ، ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : لم أجده مأثورا بهذا التمام ، وقد ورد عن ابن عمر بعضه أنه كان يقف على قبر رسول الله صلى الله عليه سلم ويقول : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا عمر ، كذا في " إيضاح المناسك ".
اقل ابن علان : وأسنده الحافظ من طريقين ، بهذا اللفظ في إحدهما ، وبنحوه في الأخرى ، وقال في كل منهما : موقوف صحيح ، وعن مالك رحمه الله يقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، وهذا الوارد عن ابن عمر وغيره ، مال إليه الطبري فقال : وإن قال الزائر ما تقدم من التطويل فلا بأس به ، إلا أن الاتباع أولى من الابتداع ولو حسن...الخ.
(*)

(1/204)


وإن كان قد أوصاه أحد بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان ، ثم يتأخر قدر ذراع إلى جهة يمينه فيسلم على أبي بكر ، ثم يتأخر ذراعا آخر فسلام على عمر رضي الله عنهما ، ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتوسل به في حق نفسه ، ويتشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى ، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومن أحسن إليه وسائر المسلمين ، وأن يجتهد في إكثار
الدعاء ، ويغتنم هذا الموقف الشريف ويحمد الله تعالى ويسبحه ويكبره ويهلله ، ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكثر من كل ذلك ، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيكثر من الدعاء فيها.
573 - فقد روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة " (1).
وإذا أراد الخروج من المدينة والسفر استحب أن يودع المسجد بركعتين ، ويدعو بما أحب ثم يأتي القبر فيسلم كما سلم أولا ، ويعيد الدعاء ، ويودع النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : " اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك ، ويسر لي العود إلى الحرمين سبيلا سهلة بمنك وفضلك ، وارزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، وردنا سالمين غانمين إلى أوطاننا آمنين ".
فهذا آخر ما وفقني الله بجمعه من أذكار الحج ، وهي وإن كان فيها بعض الطول بالنسبة إلى هذا الكتاب ، فهي مختصرة بالنسبة إلى ما نحفظه فيه ، والله الكريم نسأل أن يوفقنا لطاعته ، وأن يجمع بيننا وبين إخواننا في دار كرامته.
__________
(1) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : فيه شيئان ، الأول : أنهما لم يخرجاه لا عن أبي هريرة ولا عن غيره إلا بلفظ " بيتي " بدل " قبري " الثاني : أن هذا القدر أخرجاه من حديث عبد الله بن زيد المازني ، وعندهما عن أبي هريرة مثله ، لكن بزيادة " ومنبري على حوضي ".
قال ابن علان : ثم أورد الحافظ للحديث طرقا كثيرة عند الطبراني وأبي عوانة وغيرهما ، ثم قال : فهذه الروايات متففقة على ذكر البيت ومعناه.
أقول : وقد ذكر الحافظ بعض الروايات التي ، جاءت بلفظ القبر ، ولا تخلو من ضعف.
ومعني الحديث قال بعضهم : هو على ظاهره : وأن ذلك المكان ينقل إلى الجنة وليس كسائر الأرض يذهب ويفني ، أو هو الآن من الجنة حقيقة ، وقيل : معني الحديث : أن الصلاة في ذلك الموضع والذكر فيه يؤدي إلى روضة من رياض الجنة ، ومن لزم العبادة عند المنبر يسقى يوم القيامة من الحوض ، كما جاء في الحديث : " الجنة
تحت ظلال السيوف " يريد أن الجهاد يؤدي إلى الجنة ، وقيل : إن معناه : ما بين منبره وبيته حذاء روضة من رياض الجنة ، وكذلك قوله في الحديث : قبري على ترعة من ترع الجنة ، أي : حذاء ترعة من ترعها.
والله إعلم.
والترعة : الروضة على المكان المرتفع خاصة ، فإن كان على المكان المطمئن فهو روضة.
(*)

(1/205)


وقد أوضحت في كتاب المناسك ما يتعلق بهذه الأذكار من التتمات والفروع الزائدات ، والله أعلم بالصواب ، وله الحمد والنعمة والتوفيق والعصمة.
574 - وعن العتبي قال : " كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله ، سمعت الله تعالى يقول : (ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) [ النساء : 64 ] وقد جئتك مستغفرا من ذنبي ، مستشفعا بك إلى ربي ، ثم أنشأ يقول : يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال : ثم انصرف ، فحملتني عيناي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي : يا عتبي ، الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له " (1).
كتاب أذكار الجهاد أما أذكار سفره ورجوعه فسيأتي في كتاب أذكار السفر إن شاء الله تعالى.
وأما ما يختص به فنذكر منه ما حضر الآن مختصرا.
(باب استحباب سؤال الشهادة) 575 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " ، عن أنس رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم حرام (2) ، فنام ثم استيقظ وهو يضحك ، فقالت : وما
يضحكك يا رسول الله ؟ قال : " ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك " ، فقالت : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) قال الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه " الصارم منكي في الرد على السبكي " : هذه الحكانة ذكرها بعضهم يرويها عن العتيبي بلا إسناد ، وبعضهم يروبها عن محمد بن حرب الهلالي ، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب ، عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي ، وقد ذكرها البيهقي في كتاب " شعب الإيمان " بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري ، حدثني أبو حرب الهلالي قال : حج أعرابي ، فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ راحلته ، فعقلها ثم دخل المسجد حتي أتي القبر ثم ذكر نحو ما تقدم.
(2) زاد في رواية : بنت ملحان ، وكانت تحت عبادة بن الصامت ، وهي الغميصاء بالغين المعجمة والصاد المهملة ، والغمص والرمص : نقص يكون في العين.
قال في الصحاح : الرمص بالتحريك : وسخ يجمع في الموق ، فإن سال فهو غمص ، وإن جمد فهو رمص.
(*)

(1/206)


قلت : ثبج البحر ، بفتح الثاء المثلثة وبعدها باء موحدة مفتوحة أيضا ثم جيم : أي ظهره ، وأم حرام بالراء.
576 - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن معاذ رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سأل الله القتل من نفسه صادقا ، ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد " قال الترمذي : حديث حسن صحيح (1).
577 - وروينا في " صحيح مسلم " عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه ".
578 - وروينا في " صحيح مسلم " أيضا عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سأل الله تعالى الشهادة (2) بصدق بلغه الله تعالى منازل الشهداء وإن مات على فراشه ".
(باب حث الإمام أمير السرية على تقوى الله تعالى
وتعليمه إياه ما يحتاج إليه من أمر قتال عدوه ومصالحتهم وغير ذلك) 579 - روينا في " صحيح مسلم " عن بريدة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية ، أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : " اغزوا بسم الله ، في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغلوا (3) ولا تغدروا (4) ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال "...وذكر الحديث بطوله.
(باب بيان أن السنة للإمام وأمير السرية إذا أراد غزوة أن يوري غيرها) 580 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم) عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال : " لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد سفرة إلا ورى بغيرها ".
__________
(1) وأخرجه أيضا أحمد في " المسند " ، وهو حديث صحيح ، صححه الحافظ وغيره.
(2) قال المصنف في " شرح مسلم " : الرواية الأخرى : يعني رواية أنس مفسرة لمعنى الرواية الثانية : يعني حديث سهل ، ومعناهما جميعا أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء وإن كان على فراشه ، ففيه استحباب نية الخير.
(3) من الغلول : الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها.
(4) بكسر الدال من الغدر : وهو نقض العهد.
(*)

(1/207)


(باب الدعاء لمن يقاتل أو يعمل على ما يعين على القتال في وجهه وذكر ما ينشطهم ويحرضهم على القتال) قال الله تعالى : (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) [ الأنفال : 65 ] وقال تعالى : (وحرض المؤمنين) [ النساء : 84 ].
581 - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ، فلما رأى
ما بهم من النصب والجوع قال : " اللهم إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة ".
(باب الدعاء والتضرع والتكبير عند القتال واستنجاز الله ما وعد من نصر المؤمنين) قال الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ، ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء الناس ويصدون عن سبيل الله) [ الأنفال : 45 - 47 ] قال بعض العلماء هذه الآية الكريمة أجمع شئ جاء في آداب القتال.
582 - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبته : " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم " فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده فقال : حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك ، فخرج وهو يقول : (سيهزم الجمع ويولون الدبر ، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) [ القمر : 45 - 46 ] ، وفي رواية " كان ذلك يوم بدر " هذا لفظ رواية البخاري.
وأما لفظ مسلم فقال : استقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه عز وجل يقول : " اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه.
قلت : يهتف بفتح أوله وكسر ثالثه ، ومعناه : يرفع صوته بالدعاء.
583 - وروينا في " صحيحيهما " عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - في بعض أيامه التي لقي فيها العدو - انتظر حتى مالت الشمس ، ثم قام

(1/208)


في الناس قال : " أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو (1) واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " ، ثم قال : " اللهم منزل الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم " وفي رواية : " اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم ".
584 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين.
قال اسيوطي في " تحفة بنكت الأذكار " : قال الحافظ : كذا في النسخة يوم حنين ، بالمهملة المضمومة والنون ، وهو تصحيف قديم ، وإنما هو يوم خبير - في الأصل : جبير ، وهو تصحيف.
وروينا في " صحيحيهما " عن أنس رضي الله عنه قال : صبح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ، فلما رأوه قالوا : محمد والخميس (2) ، فلجؤوا إلى الحصن ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال : " الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ".
585 - وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثنتان لا تردان - أو قلما تردان - الدعاء عند النداء ، وعند البأس حين يلجم بعضهم بعضا ".
قلت : في بعض النسخ المعتمدة " يلحم " بالحاء ، وفي بعضها بالجيم ، وكلاهما ظاهر.
586 - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال : " اللهم أنت عضدي ونصيري ، بك أحول ، وبك أصول ، وبك أقاتل ".
قال الترمذي : حديث حسن (3).
قلت : معنى عضدي : عوني.
قال الخطابي : معنى أحول : أحتال.
قال : وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون معناه : المنع والدفع ، من قولك : حال بين الشيئين : إذا منع أحدهما من الآخر ، فمعناه : لا أمنع ولا أدفع إلا بك.
__________
(1) قال الحافظ في " الفتح " : قال ابن بطال : حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر ، وهو نظير سؤال
العافية من الفتن.
(2) الخمسين هو الجيش ، كما وفع في نسخة من الأذكار ، وقد فسره به في البخاري ، قال : سمي خميسا ، لأنه خمسة أقسام : ميمنة وميسرة ، ومقدمة ، ومؤخرة ، وقلب.
(3) وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه ، وهو حديث صحيح ، صححه الحافظ وغيره.
(*)

(1/209)


587 - وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال : " اللهم إنا نجعلك في نحورهم ، ونعوذ بك من شرورهم ".
588 - وروينا في كتاب الترمذي عن عمارة بن زعكرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى يقول : إن عبدي كل عبدي ، الذي يذكرني وهو ملاق قرنه " يعني عند القتال.
قال الترمذي : ليس إسناده بالقوي (1).
قلت : زعكرة بفتح الزاي والكاف وإسكان العين المهملة بينهما.
589 - وروينا في كتاب ابن السني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين : " لا تتمنوا لقاء العدو ، فإنكم لا تدرون ما تبتلون به منهم ، فإذا لقيتموهم فقولوا : اللهم أنت ربنا وربهم ، وقلوبنا وقلوبهم بيدك ، وإنما يغلبهم أنت ".
590 - وروينا في الحديث الذي قدمناه عن كتاب ابن السني عن أنس رضي الله عنه قال : " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فلقي العدو ، فسمعته يقول : " يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين " (2) ، فلقد رأيت الرجال تصرع تضربها الملائكة من بين أيديها ومن خلفها (3).
591 - وروى الإمام الشافعي رحمه الله في " الأم " بإسناد مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش ، وإقامة الصلاة ، ونزول الغيث " (4).
قلت : ويستحب استحبابا متأكدا أن يقرأ ما تيسر له من القرآن ، وأن يقول دعاء الكرب الذي قدمنا ذكره.
592 - وأنه في " الصحيحين " " لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ".
593 - ويقول ما قدمناه هناك في الحديث الآخر : " لا إله إلا الله الحليم الكريم ، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم ، لا إله إلا أنت ، عز جارك وجل ثناؤك ".
__________
(1) لكن له شاهد حسنه به الحافظ ، قال ابن عالن في " شرح الأذكار " : قال احافظ : ولكن وجدت له شاهدا قويا مع أرساله أخرجه البغوي من طريق جبير بن نفير فلذلك قلت : حسن.
(2) في بعض النشخ : إياك أعبد وإياك أستعين.
(3) ؟ قدم التعليق عليه في الصفحة 105.
(4) انظر التعليق عليه في الصفحة 33.
(*)

(1/210)


ويقول : ما قدمناه في الحديث الآخر : " حسبنا الله ونعم الوكيل ".
ويقول : " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، اعتصمنا بالله ، استعنا بالله ، توكلنا على الله ".
ويقول : " حصنتنا كلنا أجمعين بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا ، ودفعت عنا السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ".
ويقول : " يا قديم الإحسان ، يا من إحسانه فوق كل إحسان ، يا مالك الدنيا والآخرة ، يا حي يا قيوم ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا من لا يعجزه شئ ولا يتعاظمه شئ ، انصرنا على أعدائنا هؤلاء وغيرهم ، وأظهرنا عليهم في عافية وسلامة عامة عاجلا " فكل هذه المذكورات جاء فيها حث أكيد ، وهي مجربة.
(باب النهي عن رفع الصوت عند القتال لغير حاجة)
594 - روينا في سنن أبي داود عن قيس بن عباد التابعي رحمه الله - وهو بضم العين وتخفيف الباء - قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال (1).
(باب قول الرجل في حال القتال : أنا فلان لإرعاب عدوه) 595 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ".
596 - وروينا في " صحيحيهما " عن سلمة بن الأكوع : أن عليا رضي الله عنهما لما بارز مرحبا (2) الخيبري ، قال علي رضي الله عنه : - أنا الذي سمتني أمي حيدره (3).
__________
(1) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : هكذا أخرجه أبو داود ، ثم أردفه بحديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره رفع الصوت عند القتال ، وهذا حديث حسن.
(2) قال المصنف في " التهذيب " : مرحب اليهودي بفتح الميم الحاء ، قتل كافرا يوم خيبر ،.
اه.
وقصة مبارزته معه عن سلمة قال : خرجنا إلى خيبر وكان عمي : يعني عامرا يرتجز ، فساق القصة إلى أن قال : فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وقال : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، فجئت به أقوده وهو أرمة ، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبسق في عينيه فبرأ ثم أعطاه الراية ، وخرج مرحب فقال : قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلام بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي رضي الله عنه : أنا الذي سمتني أمي حيدره * كليث غابات كريه المنظره أو فيهم بالصاع كيل السندره فضربه ففلق رأس مرحب فقتله ، وكان الفتح.
(3) حيدره : اسم للأسد.
(*)

(1/211)


596 م - وروينا في " صحيحيهما " عن سلمة أيضا أنه قال في حال قتاله الذين أغاروا
على اللقاح : أنا ابن الأكوع * واليوم يوم الرضع (باب استحباب الرجز حال المبارزة) فيه الأحاديث المتقدمة في الباب الذي قبل هذا.
597 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال له رجل : أفررتم يوم حنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال البراء : لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر ، لقد رأيته وهو على بغلته البيضاء ، وإن أبا سفيان بن الحارث (1) آخذ بلجامها ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " وفي رواية " فنزل ودعا واستنصر ".
598 - وروينا في " صحيحيهما " عن البراء أيضا قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب وقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول : " اللهم لولا أنت ما اهتدينا ، ولا تصدقنا ولا صلينا ، فأنزلن سكينة علينا ، وثبت الأقدام إن لاقينا ، إن الألى قد بغوا علينا ، إذا أرادوا فتنة أبينا " 599 - وروينا في " صحيح البخاري " عن أنس رضي الله عنه قال : جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب على متونهم أي : ظهورهم : ويقولون : نحن الذين بايعوا محمدا ، على الإسلام - وفي رواية : على الجهاد - ما بقينا أبدا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم : " اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ، فبارك في الأنصار والمهاجرة ".
(باب استحباب إظهار الصبر والقوة لمن جرح واستبشاره بما حصل له من الجرح في سبيل الله وبما يصير إليه من الشهادة ، وإظهار السرور بذلك وأنه لا ضير علينا في ذلك بل هذا مطلوبنا وهو نهاية أملنا وغاية سؤلنا) قال الله تعالى : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم
يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا
__________
(1) هو ابن عمه صلى الله عليه وسلم : أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
(*)

(1/212)


خوف عليهم ولا هم يحزنون.
يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيغ أجر المؤمنين.
الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم.
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان الله ، والله ذو فضل عظيم) [ آل عمران : 169 - 172 ].
600 - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس رضي الله عنه ، في حديث القراء أهل بئر معونة الذين غدرت الكفار بهم فقتلوهم : أن رجلا من الكفار طعن خال أنس وهو حرام بن ملحان ، فأنفذه ، فقال حرام : الله أكبر فزت ورب الكعبة.
وسقط في رواية مسلم " الله أكبر ".
قلت : حرام بفتح الحاء والراء.
(باب ما يقول إذا ظهر المسلمون وغلبوا عدوهم) ينبغي أن يكثر عند ذلك من شكر الله تعالى ، والثناء عليه ، والاعتراف بأن ذلك من فضله لا بحولنا وقوتنا ، وأن النصر من عند الله ، وليحذروا من الإعجاب بالكثرة ، فإنه يخاف منها التعجيز كما قال تعالى : (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) [ التوبة : 25 ].
(باب ما يقول إذا رأى هزيمة في المسلمين والعياذ بالله الكريم) يستحب إذا رأى ذلك أن يفزع إلى ذكر الله تعالى واستغفاره ودعائه ، واستنجار ما وعد المؤمنين من نصرهم وإظهار دينه ، وأن يدعو بدعاء الكرب المتقدم : 601 - لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم.
ويستحب أن يدعو بغيره من الدعوات المذكورة المتقدمة والتي ستأتي في مواطن الخوف والهلكة.
602 - وقد قدمنا في باب الرجز الذي قبل هذا " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى هزيمة المسلمين ، نزل واستنصر ودعا ".
وكان عاقبة ذلك النصر (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [ الأحزاب : 21 ].
603 - وروينا في " صحيح البخاري " عن أنس رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال عمي أنس بن النضر : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -

(1/213)


يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فقاتل حتى استشهد ، فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم.
(باب ثناء الإمام على من ظهرت منه براعة في القتال) 604 - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة إغارة الكفار على سرح المدية وأخذهم اللقاح وذهاب سلمة وأبي قتادة في أثرهم...فذكر الحديث ، إلى أن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة ".
(باب ما يقوله إذا رجع من الغزو) فيه أحاديث ستأتي إن شاء الله تعالى في " كتاب أذكار المسافر " ، وبالله التوفيق.
كتاب أذكار المسافر إعلم أن الأذكار التي تستحب للحاضر في الليل والنهار واختلاف الأحوال وغير ذلك مما تقدم تستحب للمسافر أيضا ، ويزيد المسافر بأذكار ، فهي المقصودة بهذا الباب ، وهي كثيرة منتشرة جدا ، وأنا أختصر مقاصدها إن شاء الله تعالى ، وأبوب لها أبوابا تناسبها ، مستعينا بالله ، متوكلا عليه.
(باب الاستخارة والاستشارة) إعلم أنه يستحب لمن خطر بباله السفر أن يشاور فيه من يعلم من حاله النصيحة والشفقة والخبرة ، ويثق بدينه ومعرفته ، قال الله تعالى : (وشاورهم في الأمر) [ آل عمران : 159 ] ودلائله كثيرة.
605 - وإذا شاور وظهر أنه مصلحة استخار الله سبحانه وتعالى في ذلك ، فصلى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة الذي قدمناه في بابه.
ودليل الاستخارة الحديث المتقدم عن " صحيح البخاري " وقد قدمنا هناك آداب هذا الدعاء وصفة هذه الصلاة ، والله أعلم.

(1/214)


(باب أذكاره بعد استقرار عزمه على السفر) فإذا استقر عزمه على السفر فليجتهد في تحصيل أمور : منها أن يوصي بما يحتاج إلى الوصية به ، وليشهد على وصيته ، ويستحل كل من بينه وبينه معاملة في شئ ، أو مصاحبة ، ويسترضي والديه وشيوخه ومن يندب إلى بره واستعطافه ، ويتوب إلى الله ويستغفره من جميع الذنوب والمخالفات ، وليطلب من الله تعالى المعونة على سفره ، وليجتهد على تعلم ما يحتاج إليه في سفره.
فإن كان غازيا تعلم ما يحتاج إليه الغازي من أمور القتال والدعوات وأمور الغنائم ، وتعظيم تحريم الهزيمة في القتال وغير ذلك.
وإن حاجا أو معتمرا تعلم مناسك الحج أو استصحب معه كتابا بذلك ، ولو تعلمها واستصحب كتابا كان أفضل.
وكذلك الغازي وغيره ، ويستحب أن يستصحب كتابا فيه ما يحتاج إليه ، وإن كان تاجرا تعلم ما يحتاج إليه من أمور البيوع ما يصح منها وما يبطل ، وما يحل وما يحرم ويستحب ويكره ويباح ، وما يرجح على غيره.
وإن كان متعبدا سائحا معتزلا للناس ، تعلم ما يحتاج إليه في أمور دينه ، فهذا أهم ما ينبغي له أن يطلبه.
وإن كان ممن يصيد تعلم ما يحتاج إليه أهل الصيد ، وما يحل من الحيوان وما يحرم ، وما يحل به الصيد وما يحرم ، وما يشترط ذكاته ، وما يكفي فيه قتل الكلب أو السهم وغير
ذلك.
وإن كان راعيا تعلم ما يحتاج إليه مما قدمناه في حق غيره ممن يعتزل الناس ، وتعلم ما يحتاج إليه من الرفق بالدواب وطلب النصيحة لها ولأهلها ، والاعتناء بحفظها والتيقظ لذلك ، واستأذن أهلها في ذبح ما يحتاج إلى ذبحه في بعض الأوقات لعارض ، وغير ذلك.
وإن كان رسولا من سلطان إلى سلطان أو نحوه اهتم بتعلم ما يحتاج إليه من آداب مخاطبات الكبار ، وجوابات ما يعرض في المحاورات ، وما يحل له من الضيافات والهدايا وما لا يحل ، وما يجب عليه من مراعاة النصيحة وإظهار ما يبطنه وعدم الغش والخداع والنفاق ، والحذر من التسبب إلى مقدمات الغدر أو غيره مما يحرم وغير ذلك.
وإن كان وكيلا أو عاملا في قراض أو نحوه تعلم ما يحتاج إليه مما يجوز أن يشتريه وما لا يجوز ، وما يجوز أن يبيع به وما لا يجوز ، وما يجوز التصرف فيه وما لا يجوز ، وما يشترط الإشهاد فيه ، وما يجب وما يشترط فيه ولا يجب ، وما يجوز له من الأسفار وما ولا يجوز.
وعلى جميع المذكورين أن يتعلم من أراد منهم ركوب البحر الحال التي يجوز فيها ركوب البحر ، والحال التي لا يجوز ، وهذا كله مذكور في كتب الفقه لا يليق بهذا الكتاب استقصاؤه ، وإنما غرضي هنا بيان الأذكار خاصة ، وهذا التعلم المذكور من جملة

(1/215)


الأذكار كما قدمته في أول هذا الكتاب ، وأسأل الله التوفيق وخاتمة الخير لي ولأحبائي والمسلمين أجمعين.
(باب أذكاره عند إرادته الخروج من بيته) 606 - يستحب له عند إرادته الخروج أن يصلي ركعتين لحديث المقطم (1) بن المقدام الصحاني (2) ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرا " رواه الطبراني (3).
قال بعض أصحابنا : يستحب أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية : (قل هو الله أحد).
وقال بعضهم : يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قل أعوذ برب الفلق) وفي الثانية (قل أعوذ برب الناس) فإذا سلم قرأ آية الكرسي ، فقد جاء أن من قرأ آية الكرسي قبل خروجه من منزله لم يصبه شئ يكرهه حتى
يرجع (4) ، ويستحب أن يقرأ سورة (لإيلاف قريش) فقد قال الإمام السيد الجليل أبو
__________
(1) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحاقظ : هو سهو نشأ عن تصحيف ، إنما هو المطعم بسكون الطاء وكسر العين.
(2) قال الحافظ : إنما هو الصنعاني ، بصاد ثم عين مهملة ، وبعد الألف نون ، نسبة إلى صنعاء دمشق ، وقيل : بل إلى صنعاء اليمن ، ثم تحول إلى الشام وكان في عصر صغار الصحابة ، ولم يثبت له سماع من صحابي ، بل أرسله عن بعضهم ، وجل روايته عن التابعين كمجاهد والحسن ، وقد جمع الطبراني أحاديثه الموصولة في ترجمته من مسند الشاميين ، وقال في أكثرها : المطعم بن مقدام الصنعاني كما ضبطته.
(3) قوله : رواه الطبراني : قال الحافظ : يتنادر منه مع قوله : الصحابي ، أن المراد " المعجم الكبير " للطبراني ، الذي هو مسند الصحابة ، وليس هذا الحديث فيه ، بل هو في كتاب " المناسك " للطبراني ، وأخرجه ابن عساكر في ترجمة مطعم بن المقدام الصنعاني من " تاريخه الكبير " ، فذكره حاله ومشايخه والرواة عنه ، وتاريخ وفاته ومن وثقه وأثني عليه ، وأسنده جملة من أحاديث ، منها هذا الحديث بعينه ، وسنده معضل أو مرسل إن ثبت له سماع من صحابي ، وقد نبه على ما ذكرناه ذكرناه من التصحيح وغيره الشيخ المحدث زين الدين القرشي الدمسقي فيما قرأته بخطه في هامش تخريج أحاديث " الإحياء " لشيخنا العراقي ، وأقره على ذلك ، وبلغني عن الحافظ زين الدين بن رجب البغدادي نزيل دمشق أنه نبه على ذلك أيضا رحمه الله تعالى.
ثم قال ابن علان : قالذ الحافظ : وجاء عن أنس حديث يدخل في هذا الباب ، وهو قوله : كان صلى اللخه عليه وسلم إذا سافر لم يرجل إذا نزل منزلا حتى يودع ذلك المكان بركعتين ، وفي رواية الدارمي : كان صلى الله عليه وسلم لا منزلا إلا ودعه بركعتين ، ثم ذكر له الحافظ شواهد بمعناه وحسنه بها.
(4) قال ابن علان في " شرح الأذكار : قال الحافظ : لم أجده بهذا اللفظ : بل بمعناه وأتم منه ، فمن ذلك = (*)

(1/216)


الحسن القزويني ، الفقيه الشافعي ، صاحب الكرامات الظاهرة ، والأحوال الباهرة ،
والمعارف المتظاهرة : إنه أمان من كل سوء.
قال أبو طاهر بن جحشويه : أردت سفرا وكنت خائفا منه ، فدخلت إلى القزويني أسأله الدعاء ، فقال لي ابتداء من قبل نفسه : من أراد سفرا ففزع من عدو أو وحش فليقرأ (لإيلاف قريش) فإنها أمان من كل سوء ، فقرأتها فلم يعرض لي عارض حتى الآن.
ويستحب إذا فرغ من هذه القراءة أن يدعو بإخلاص ورقة.
ومن أحسن ما يقول : اللهم بك أستعين ، وعليك أتوكل ، اللهم ذلل لي صعوبة أمري ، وسهل علي مشقة سفري ، وارزقني من الخير أكثر مما أطلب ، واصرف عني كل شر ، رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، اللهم إني أستحفظك وأستودعك نفسي وديني وأهلي وأقاربي وكل ما أنعمت علي وعليهم به من آخرة ودنيا ، فاحفظنا أجمعين من كل سوء يا كريم.
ويفتتح دعاءه ويختمه بالتحميد لله تعالى ، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا نهض من جلوسه فليقل : 607 - ما رويناه عن أنس رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يرد سفرا إلا قال حين ينهض من جلوسه : " اللهم إليك توجهت ، وبك اعتصمت ، اللهم اكفني ما همني وما لا أهتم له ، اللهم زودني التقوى ، واغفر لي ذنبي ، ووجهني للخير أينما توجهت " (1).
(باب أذكاره إذا خرج) قد تقدم في أول الكتاب ما يقوله الخارج من بيته ، وهو مستحب للمسافر ، ويستحب له الإكثار منه ، ويستحب أن يودع أهله وأقاربه وأصحابه وجيرانه ، ويسألهم الدعاء له ويدعو لهم.
__________
= حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم : من قرأ آية الكرسي وفاتحة حم المؤمن إلى (إليه المصير) حنى يصبح ، لم ير شيئا يكرهه حبى يمسى ، ومن قرأها حين يمسي لم ير شيئا يكرهه حتى يصبح ، وقال : هذا حديث غريب ، وسنده ضعيف ، أخرجه ابن السني والبيهقي في " الشعب " وأبو الشيخ في " ثواب الأعمال ".
(1) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : هذا حديث غريب ، أخرجه ابن السني وابن عدي في
ترجمة عمر بن مساور في الضعفاء.
(*)

(1/217)


608 - وروينا في " مسند الإمام أحمد بن حنبل " وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله تعالى إذا استودع شيئا حفظه ".
609 - وروينا في كتاب ابن السني وغيره ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أراد أن يسافر فليقل لمن يخلف : أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه " (2).
610 - وروينا عن أبي هريرة أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أراد أحدكم سفرا فليودع إخوانه ، فإن الله تعالى جاعل في دعائهم خيرا " (3).
611 - والسنة أن يقول له من يودعه ما رويناه في " سنن أبي داود " عن قزعه قال : قال لي ابن عمر رضي الله عنهما : تعال أودعك كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك " (4).
قال الإمام الخطابي : الأمانة هنا : أهله ومن يخلفه ، وماله الذي عند أمينه.
قال : وذكر الدين هنا لأن السفر مظنة المشقة ، فربما كان سببا لإهمال بعض أمور الدين.
قلت : قزعة ، بفتح القاف وقتح الزاي وإسكانها.
612 - ورويناه في كتاب الترمذي أيضا عن نافع عن ابن عمر قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ودع رجلا أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول : أستودع الله دينك وأمانتك وآخر عملك " (5).
613 - ورويناه أيضا في كتاب الترمذي عن سالم " أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفرا : ادن مني أودعك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا ، فيقول : " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك " قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.
614 - وروينا في " سنن أبي داود " وغيره بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يودع الجيش قال :
" أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم ".
__________
(1) وهو جزء من حديث رواه أحمد في المسند ، قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : بعد إخراج الحديث بجملته عن ابن عمر : هذا حديث صحيح أخرجه النسائي وابن حبان.
(2) وهو حديث حسن ، حسنه الحافظ وغيره.
(3) قال ابن عالن في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : هذا حديث غريب أخرجه الطبراني في " الأوسط ".
(4) وهو حديث حسن.
حسنه الحافظ وغيره.
(5) وهو حديث حسن بشواهده.
حسنه الحافظ.
(*)

(1/218)


515 - وروينا في كتاب الترمذي ، عن أنس رضي الله قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يارسول الله ، إني أريد سفرا فزودني ، فقال : " زودك الله التقوى " ، قال : زدني ، قال : " وغفر ذنبك " ، قال : زدني ، قال : " ويسر لك الخير حيثما كنت " قال الترمذي : حديث حسن.
(باب استحباب طلبه الوصية من أهل الخير) 516 - روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال : يا رسول الله إني أريد أن أسافر فأوصني ، قال : " عليك بتقوى الله تعالى ، والتكبير على كل شرف " ، فلما ولى الرجل قال : " اللهم اطو له البعيد ، وهون عليه السفر " ، قال الترمذي : حديث حسن.
(باب استحباب وصية المقيم المسافر بالدعاء له في مواطن الخير ولو كان المقيم أفضل من المسافر) 617 - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة ، فأذن وقال : " لا تنسنا يا أخي من دعائك ، فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا ".
وفي رواية قال : " أشركنا يا أخي في دعائك " قال
الترمذي : حديث حسن صحيح.
(باب ما يقوله إذا ركب دابته) قال الله تعالى : (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (1) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه (3) وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (3) ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [ الزخرف : 14 ].
618 - وروينا في كتب أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، بالأسانيد الصحيحة عن علي بن ربيعة قال : شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي بدابة ليركبها ، فلما وضع رجله في الركاب قال : بسم الله ، فلما استوى على ظهرها قال : الحمد لله ، ثم
__________
(1) أي ما تركبونه في البر والبحر.
(2) أي على ما تركبون من الانعام والفلك.
(3) أي مطيقين.
(*)

(1/219)


قال : (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقربين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ثم قال : الحمد لله ، ثلاث مرات ، ثم قال : الله أكبر ، ثلاث مرات ، ثم قال : سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، ثم ضحك ، فقيل : يا أمير المؤمنين من أي شئ ضحكت ؟ قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعلت ثم ضحك ، فقلت : يا رسول الله من أي شئ ضحكت ؟ قال : " إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال : اغفر لي ذنوبي ، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري " ، هذا لفظ رواية أبي داود.
قال الترمذي : حديث حسن.
وفي بعض النسخ : حسن صحيح (1).
619 - وروينا في " صحيح مسلم " في كتاب المناسك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ، ثم قال : (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون) اللهم إنا نسألك
في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا ، واطو عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنظر ، وسوء المنقلب في المال والأهل " وإذا رجع قالهن ، وزاد فيهن : " آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون " هذا لفظ رواية مسلم.
زاد أبو بكر في روايته " وكان النبي صلى الله عليه وسلم وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا ، وإذا هبطوا سبحوا (2) وروينا معناه من رواية جماعة من الصحابة أيضا مرفوعا.
__________
(1) ورواه أيضا ابن حبان في صحيحه ، وهو حديث صحيح.
(2) هذه الجملة من الحديث مدرجة ، وليست من حديث أبي داود بسنده ، وإنما رواها عبد الرزاق ، عن ابن قال كان المبي صلى الله عليه وسلم...إلى آخره ، وهو معضل ، وقد سها عن هذا الإمام النووي رحمه الله ، فجعله من الحديث ، وتعقبه الحافظ في تخيج الأذكار ، كما في " شرح الأذكار " لابن علان : 5 / 140 فقال : وقع في هذا الحديث خلل من بعض رواته ، وبيان ذلك أن مسلما وأبا داود وغيرهما أخرجوا هذا الحديث من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن علي الأزدي عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا...الحديث ، إلى قوله : لربنا حامدون ، فاتفق من أخرجه على سياقه إلى هنا ، ووقع عند أب ي داود بعد " حامدون " : وكان النبي صلى الله عليه وسلم وجيوشه...الخ ، وظاهره أن هذه الزيادة بسند التي قبلها ، فاعتمد الشيخ - يعني النووي - على ذلك ، وصرح بأنها عن ابن عمر ، وفيه نظر ، فإن أبا داود أخرج الحديث عن الحسن بن علي عن عبد الرزاق عن ابن جريج بالسند المذكور إلى ابن عمر ، فوجدنا الحديث في " مصنف عبد الرزاق " قال فيه : باب القول في السفر ، أخبرنا ابن جريج...فذكر الحديث إلى قوله : " لربنا حامدون " ثم أورد ثلاثة عشر حديثا بين مرفوع وموقوف ، ثم قال بعدها : أخبرنا ابن جريج قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وجيوشه إذا صعدوا الثنايا كبروا ، وإذا هبطوا سبحوا ، = (*)

(1/220)


620 - وروينا في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر ، وكآبة المنقلب ، والحور بعد الكون ،
ودعوة المظلوم ، وسوء المنظر في الأهل والمال ".
621 - وروينا في كتاب الترمذي وكتاب ابن ماجه بالأسانيد الصحيحة عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول : " اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنقلب ، ومن دعوة المظلوم ، ومن سوء المنظر في الأهل والمال " قال الترمذي : حديث حسن صحيح.
قال : ويروى : الحور بعد الكور أيضا : يعني : يروى الكون بالنون ، والكور بالراء.
قال الترمذي : وكلاهما له وجه ، قال : يقال : هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر ، ومن الطاعة إلى المعصية ، إنما يعني : الرجوع من شئ إلى شئ من الشر ، هذا كلام الترمذي ، وكذا قال غيره من العلماء : معناه بالراء والنون جميعا : الرجوع من الاستقامة ، أو الزيادة إلى النقص.
قالوا : ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها ، ورواية النون ، مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونا : إذا وجد واستقر.
قلت : ورواية النون أكثر ، وهي التي في أكثر أصول " صحيح مسلم " ، بل هي المشهورة فيها.
والوعثاء بفتح الواو وإسكان العين وبالثاء المثلثة وبالمد : هي : الشدة.
والكآبة بفتح الكاف وبالمد : هو تغير النفس من حزن ونحوه.
المنقلب : المرجع.
(باب ما يقول إذا ركب سفينة) قال الله تعالى : (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) (1) [ هود : 41 ] وقال الله تعالى : (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) الآيتين [ الزخرف : 12 ].
622 - وروينا في كتاب ابن السني عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا أن يقولوا (بسم الله مجراها ومرساها إن
__________
فوضعت الصلاة على ذلك ، هكذا أخرجه معضلا ، ولم يذكر فيه لابن جريج سندا ، فظهر أن من عطفه على الأول أو مزجه أدرجه ، وهذا أدق ما وجد في المدرج.
ا ه.
(1) مجراها ومرساها ، بفتح الميمين وضمهما مع الإمالة وعدمها ، مصدران : أي : جريها ورسيها ، أي : منتهى
سيرها ، وهما منصوبتان على الظرفية الزمانية على جهة الحذف ، أي : كما حذف من " جئتك مقدم الحاج " : أي وقت قدومه.
قال أبو حيان : ويجوز أن يكونا مرفوعين على الإبتداء ، و " بسم الله " الخبر ، قال في الحرز : فيكون إخبارا عن سفينة نوح بأن إجراءها وإرساءها باسم الله.
(*)

(1/221)


ربي لغفور رحيم) - (وما قدروا الله حق قدره...) الآية [ الزمر : 67 ] (1).
فال المصنف رحمه الله : هكذا هو في النسخ : إذا ركبوا لم يقل : السفينة.
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار " قال الحافظ : مردوية في التفسير ، قال فيه : إذا ركب السفينة ، وعند الطبراني في إحدى الروايتين : أراد ركبوا السفينة ، وفي الأخرى : إذا ركبوا الفلك ، فكأن الشيخ - يعني النووي - أراد كتاب ابن السني.
(باب استحباب الدعاء في السفر) 623 - روينا في كتب أبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن : دعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ، ودعوة الوالد على ولده " قال الترمذي : حديث حسن ، وليس في رواية أبي داود " على ولده ".
(باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها) 624 - روينا في " صحيح البخاري " عن جابر رضي الله عنه قال : كنا إذا صعدنا كبرنا ، وإذا نزلنا سبحنا.
625 - وروينا في سنن أبي داود في الحديث الصحيح الذي قدمناه في باب ما يقول إذا ركب دابته ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا ، وإذا هبطوا سبحوا (2).
626 - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :
" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قفل من الحج أو العمرة ، قال الراوي : ولا أعلمه إلا قال : الغزو ، كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، آيبون تائبون عابدون ، ساجدون لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده " هذا لفظ رواية البخاري ، ورواية
__________
(1) وهو حديث ضعيف.
(2) انظر التعليق على هذه الفقرة في الصفحة 189 فهي مدرجة في الحديث ، وقد خفيت على الإمام المووي رحمه الله.
(*)

(1/222)


مسلم مثله ، إلا أنه ليس فيها " ولا أعلمه إلا قال الغزو " وفيها " إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة ".
قلت : وقوله : أوفى : أي ارتفع ، وقوله : فدفد ، هو بفتح الفاءين بينهما دال مهملة ساكة وآخره دال أخرى : وهو الغليظ المرتفع من الأرض ، وقيل : الفلاة التي لا شئ فيها ، وقيل : غليظ الأرض ذات الحصى ، وقيل : الجلد من الأرض في ارتفاع.
627 - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنه معكم ، إنه سميع قريب ".
قلت : اربعوا بفتح الباء الموحدة ، معناه : ارفقوا بأنفسكم.
628 - وروينا في كتاب الترمذي الحديث المتقدم في باب استحباب طلبه الوصية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عليك بتقوى الله تعالى ، والتكبير على كل شرف ".
629 - وروينا في كتاب ابن السني عن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا علا شرفا من الأرض قال : " اللهم لك الشرف على كل شرف ، ولك الحمد على كل
حال " (1).
(باب النهي عن المبالغة في رفع الصوت بالتكبير ونحوه) 630 - فيه حديث أبي موسى في الباب المتقدم.
(باب استحباب الحداء للسرعة في السير وتنشيط النفوس وترويحها وتسهيل السير عليها) 631 - فيه أحاديث كثيرة مشهورة.
(باب ما يقول إذا انفلتت دابته) 632 - روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا ،
__________
(1) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : حديث غريب ، أخرجه أحمد عن عمارة بن زاذان ، وأخرجه ابن السني من وجه آخر عن عمارة ، وهو ضعيف.
(*)

(1/223)


يا عباد الله احبسوا ، فإن لله عز وجل في الأرض حاصرا سيحبسه " (1) قلت : حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه افلتت له دابة أظنها بغلة ، وكان يعرف هذا الحديث ، فقاله ، فحبسها الله عليهم في الحال ، وكنت أنا مرة مع جماعة ، فانفلتت منها بهيمة وعجزوا عنها ، فقلته ، فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام.
(باب ما يقوله على الدابة الصعبة) 633 - روينا في كتاب ابن السني عن السيد الجليل المجمع على جلالته وحفظه وديانته وورعه ونزاهته وبراعته أبي عبد الله يونس بن عبيد بن دينار البصري التابعي المشهور رحمه الله قال : ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في أذنها : (أفغير دين الله يبغون ، وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) [ آل عمران : 83 ] إلا وقفت بإذن الله تعالى (1).
(باب ما يقوله إذا رأى قرية يريد دخولها أولا يريده) 634 - روينا في " سنن النسائي " وكتاب ابن السني ، عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها : " اللهم رب السموات السبع وما أظللن ، والأرضين السبع وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما ذرين ، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها " (2).
__________
(1) وفي سنده ضعف وانقطاع ، قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : حديث غريب ، أخرجه ابن السني والطبراني ، وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود ، وقد جاء بمعناه حديث آخر أخرجه الطبراني بسند منقطع أنضا عن بن عتبة بن غزوان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا ضل أحدكم ، أو أراد عونا وهو بأرض ليس بها إنس فليقل : يا عباد الله أعينوني ثلاثا ، فإن لله عبادا لا يراهم " قال الحافظ : ولحديث عتبة شاهد من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر ، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة ، فليناد : يا عباد الله أعيوني ، وقال الحافظ : هذا حديث حسن الإسناد غريب جدا ، أخرجه البرار وقال : لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
(2) قال ابن علان : قال الحافظ : هو خبر مقطوع ، وراويه عنه المنهال ابن عيسى قال أبو حاتم : هو مجهول ، قال الحافظ : وقد وجدته عن أعلى من يونس ، أخرجه البيهقي في البسنده من طريق الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رصي الله عنهما قال : إذا استعصت دابة أحدكم ، أو كانت شموصا فليقرأ في أذنها (أفغير دين الله يبغون) إلى (ترجعون).
(3) وهو حديث حسن ، حسنه الحافظ وغيره.
(*)

(1/224)


635 - وروينا في كتاب ابن السني عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال : " اللهم إني أسألك من خير هذه
وخير ما جمعت فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما جمعت فيها ، اللهم ارزقنا حياها ، وأعذنا من وباها ، وحببنا إلى أهلها ، وحبب صالحي أهلها إلينا " (1).
(باب ما يدعو به إذا خاف ناسا أو غيرهم) 636 - روينا في " سنن أبي داود والنسائي " بالإسناد الصحيح ما قدمناه من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال : " اللهم إنا نجعلك في نحورهم ، ونعوذ بك من شرورهم " ويستحب أن يدعو معه بدعاء الكرب وغيره مما ذكرناه معه.
(باب ما يقول المسافر إذا تغولت الغيلان) 637 - روينا في كتاب ابن السني عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان " (2).
قلت : والغيلان جنس من الجن والشياطين وهم سحرتهم ، ومعنى تغولت : تلونت في صور ، والمراد : ادفعوا شرها بالأذان ، فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر.
وقد قدمنا ما يشبه هذا في " باب ما يقول إذا عرض له شيطان " ، في أول " كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات " وذكرنا أنه ينبغي أنه يشتغل بقراءة القرآن للآيات المذكورة في ذلك.
__________
(1) قال ابن علان : قال الحافظ : في سنده ضعف ، لكنه يعتضد بحديث ابن عمر ، فساق سنده إليه قال : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا خرجتم من بلدكم إلي بلد تريدونها فقولوا : اللهم رب السموات السبع وما أضلت ، فذكر مثل هذا الحديث الماضي أولا ، لكن بالإفراد فيها ، وزاد : ورب الجبال ، أسألك خير هذا المنزل وخير ما فيه ، وأعوذ بك من شر هذا المنزل ، وشر ما فيه ، اللهم ارزقنا جناه واصرف عنا وباه ، وأعطنا رضاه ، وحببنا إلى أهله وحبب أهله إلينا ، وفي سنده ضعف ، لكن توبع فرواه مبارك بن حسان عن نافع ، عن ابن عمر ، وفي مبارك أيضا مقال ، لكن يعضد بعض هذه الطر بعضا.
(2) ورواه أيضا أحمد في المسند ، وهو جزء من حديث طويل ، من رواية الحسن البصري عن جابر ، والجسن لم يسمع من جابر عن الأكثر ، ورواه أيضا البرار من الرواية الحسن عن سعد ، ولا يعلم للحسن سماع من
سعد ، ورواه الطبراني عن أبي هريرة ، وفي سنده عدي بن الفضل وهو متروك.
(*)

(1/225)


(باب ما يقول إذا نزل منزلا) 638 - روينا في " صحيح مسلم " و " موطأ مالك " و " كتاب الترمذي " وغيرهم عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من نزل منزلا ثم قال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم يضره شئ حتى يرتحل من منزله ذلك ".
639 - وروينا في " سنن أبي داود " وغيره عن عبد الله بن عمر الخطاب رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال : " يا أرض ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك ، وشر ما خلق فيك ، وشر ما يدب عليك ، أعوذ بك من أسد وأسود ، ومن الحية والعقرب ، ومن ساكن البلد ، ومن والد وما ولد " (1).
قال الخطابي : قوله " ساكن البلد " هم الجن الذين هم سكان الأرض ، والبلد من الأرض : ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء ومنازل.
قال : ويحتمل أن يكون المراد بالوالد : إبليس ، وما ولد : الشياطين ، هذا كلام الخطابي ، والأسود : الشخص ، فكل شخص يسمى أسود.
(باب ما يقول إذا رجع من سفره) 640 - السنة أن يقول ما قدمناه في حديث ابن عمر المذكور قريبا في " باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا ".
641 - وروينا في " صحيح مسلم " عن أنس رضي الله عنه ، قال : أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأبو طلحة ، وصفية رديفته على ناقته ، حتى إذا كنا بظهر المدينة قال : " آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون " ، فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة.
(باب ما يقوله المسافر بعد صلاة الصبح)
642 - إعلم أن المسافر يستحب له أن يقول ما يقوله غيره بعد الصبح ، وقد تقدم بيانه.
643 - ويستحب له معه ما رويناه في كتاب ابن السني عن أبي برزة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح - قال الراوي : لا أعلم إلا قال في سفر -
__________
(1) وهو حديث حسن ، حسنه الحافظ وغيره.
(*)

(1/226)


رفع صوته حتى يسمع أصحابه : " اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري ، اللهم أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي - ثلاث مرات - اللهم أصلح لي أخرتي التي جعلت إليها مرجعي - ثلاث مرات - اللهم أعوذ برضاك من سخطك ، اللهم أعوذ بك منك - ثلاث مرات - لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " (1).
(باب ما يقول إذا رأى بلدته) 644 - المستحب أن يقول ما قدمناه في حديث أنس في الباب الذي قبل هذا ، وأن يقول ما قدمناه في باب ما يقول إذا رأى قرية ، وأن يقول : 645 - " اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا " (2).
(باب ما يقول إذا قدم من سفره فدخل بيته) 646 - روينا في كتاب ابن السني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفره ، فدخل على أهله قال : " توبا توبا ، لربنا أوبا ، لا يغادر حوبا " (3).
قلت : توبا توبا : سؤال للتوبة ، وهو منصوب إما على تقدير : تب علينا توبا ، وإما على تقدير : نسألك توبا ، وأوبا بمعناه من آب : إذا رجع ، ومعنى لا يغادر : لا يترك ، وحوبا معناه : إثما ، وهو بفتح الحاء وضمها لغتان.
(باب ما يقال لمن يقدم من سفر)
يستحب أن يقال : الحمد لله الذي سلمك ، أو الحمد لله الذي جمع الشمل بك ، أو نحو ذلك ، قال الله تعالى : (لئن شكرتم لأزيدنكم) [ إبراهيم : 7 ] وفيه أيضا حديث عائشة رضي الله عنها المذكور في الباب بعده.
__________
(1) الحدثى بطوله سنده ضعيف ، وقد أخرج مسلم أوله عن أبي هريرة ، وليس فيه ثلاث مرات ، ولقسمه الآخر شواهد بمعناه ، فالحديث حسن بشواهده دون تقييده بثلاث مرات.
(2) لم يذكر المصنف من خرجه ، وقد ذكره الحافظ من رواية الطبراني في كتاب الدعاء عن أبي هريرة وله شاهد من حديث أنس ، وهو حديث حسن.
(2) وهو حديث حسن.
(*)

(1/227)


(باب ما يقال لمن يقدم من غزو) 647 - روينا في كتاب ابن السني عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو ، فلما دخل استقبلته فأخذت بيده ، فقلت : الحمد لله الذي نصرك وأعزك وأكرمك (1).
(باب ما يقال لمن يقدم من حج وما يقوله) 648 - روينا في كتاب ابن السني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أريد الحج ، فمشى معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا غلام ، زودك الله التقوى ، ووجهك في الخير ، وكفاك الهم " ، فلما رجع الغلام سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يا غلام قبل الله حجك ، وغفر ذنبك ، وأخلف نفقتك " (2).
649 - وروينا في " سنن البيهقي " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج " قال الحاكم : هو صحيح على شرط مسلم.
(3) كتاب أذكار الأكل والشرب
(باب ما يقول إذا قرب إليه طعامه) 650 - روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في الطعام إذا قرب إليه : " اللهم بارك لنا فيما رزقتنا ، وقنا عذاب النار ، بسم الله ".
*
__________
(1) قال الحافظ : وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود ، قال وعجبت للشيخ - يعني النووي - في اقتصاره عليى ابن السني دون أبي داود ، أما مسلم فلم يقع المقصود من هذا الحديث بالترجمة في روايته ، والله أعلم.
(2) وخرجه الحافظ من طريق الطبراني ، وقال : حديث غريب أخرجه ابن السني ، قال الطبراني في " الأوسط " لم يروه عن عبد الله بن عمر - يعني الراوي - عن نافع ، عن سالم ، عن أبيه ابن عمر إلا مسلمة الجهني ، ضعفه أبو داود.
(3) حسنه الحافظ في تخريج الأذكار.
(*)

(1/228)


(باب استحباب قول صاحب الطعام لضيفانه عند تقديم الطعام : كلوا ، أو ما في معناه) إعلم أنه يستحب لصاحب الطعام أن يقول لضيفه عند تقديم الطعام : بسم الله ، أو كلوا ، أو الصلاة (1) ، أو نحو ذلك من العبارات المصرحة بالإذن في الشروع في الأكل ، ولا يجب هذا القول بل يكفي تقديم الطعام إليهم ، ولهم الأكل بمجرد ذلك من غير اشتراط لفظ ، وقال بعض أصحابنا : لا بد من لفظ ، والصواب الأول.
651 - وما ورد في الأحاديث الصحيحة من لفظ الإذن في ذلك : محمول على الاستحباب.
(باب التسمية عند الأكل والشرب) 652 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سم الله ، وكل بيمينك " (2).
653 - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى في أوله ، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل : بسم الله أوله وآخره " قال الترمذي : حديث حسن صحيح.
654 - وروينا في " صحيح مسلم " عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه ، قال الشيطان : لا مبيت لكم ولا عشاء ، وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله ، قال الشيطان : أدركتم المبيت ، وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه ، قال : أدركتم المبيت والعشاء ".
655 - وروينا في " صحيح مسلم " أيضا في حديث أنس المشتمل على معجزة ظاهرة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاه أبو طلحة وأم سليم للطعام ، قال : ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ائذن لعشرة " ، فأذن لهم فدخلوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلوا وسموا الله تعالى ، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا ".
__________
(1) أو صلاة ، لعل وجه جعله من ألفاظ الاذن في التناول أنه يكفي تقدم الطعام إليهم ، فلهم الأكل بذلك من غير افتقار إلى إذن لفطا اكتفاء بالقرنية كما في الشرب بالسقايات في الطرق.
(2) وفي آخره : وكل مما يليك ، وسيأتي بتمامه في الصفحة (199).
(*)

(1/229)


656 - وروينا في " صحيح مسلم " أيضا عن حذيفة رضي الله عنه ، قال : " كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده ، وإنا حضرنا معه مرة طعاما ، فجاءت جارية كأنها تدفع ، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع ، فأخذ بيده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه ، وأنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها ، فأخذت بيدها ، فجاء الأعرابي ليستحل به ، فأخذت بيده ، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدهما " ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل.
657 - وروينا في " سنن أبي داود والنسائي " عن أمية بن مخشي الصحابي رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يأكل ، فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة ، فلما رفعها إلى فيه قال : بسم الله أوله وآخره ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : ما زال الشيطان يأكل معه ، فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه ".
قلت : مخشي ، بفتح الميم وإسكان الخاء وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء ، وهذا الحديث محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم تركه التسمية إلا في آخر أمره ، إذ لو علم ذلك لم يسكت عن أمره بالتسمية.
658 - وروينا في كتاب الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل طعاما في ستة من أصحابه ، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما إنه لو سمى لكفاكم " قال الترمذي : حديث حسن صحيح.
659 - وروينا عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من نسي أن يسمي على طعامه فليقرأ : قل هو الله أحد ، إذا فرغ ".
قلت : أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله ، فإن ترك في أوله عامدا أو ناسيا أو مكرها أو عاجزا لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكله ، استحب أن يسمي ، للحديث المتقدم ، ويقول : 660 - بسم الله أوله وآخره ، كما جاء في الحديث.
والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتسمية في الطعام في جميع ما ذكرناه.
قال العلماء من أصحابنا وغيرهم : ويستحب أن يجهر بالتسمية ليكون فيه تنبيه لغيره على التسمية وليقتدى به في ذلك ، والله أعلم.

(1/230)


661 - فصل : من أهم ما ينبغي أن يعرف : صفة التسمة ، وقدر المجزئ منها ، فاعلم أن الأفضل أن يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، فإن قال : بسم الله ، كفاه
وحصلت السنة ، وسواء في هذا الجنب والحائض وغرهما ، وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين ، فلو سمى واحد منهم أجزأ عن الباقين ، نص عليه الشافعي رضي الله عنه ، وقد ذكرته عن جماعة في كتاب " الطبقات " في ترجمة الشافعي ، وهو شبيه برد السلام وتشميت العاطس ، فإنه جزئ فيه قول أحد الجماعة.
(باب لا يعيب الطعام والشراب) 662 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط ، إن اشتهاه أكله ، وإن كرهه تركه " وفي رواية لمسلم " وإن لم يشتهه سكت ".
663 - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه " عن هلب الصحابي رضي الله عنه (1) قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله رجل : إن من الطعام طعاما أتحرج منه ، فقال : لا يتحلجن في صدرك شئ ضارعت به النصرانية ".
قلت : هلب بضم الهاء وإسكان اللام وبالباء الموحدة.
وقوله : يتحلجن ، هو بالحاء المهملة قبل اللام والجيم بعدها ، هكذا ضبطه الهروي والخطابي والجماهير من الأئمة ، وكذا ضبطناه في أصول سماعنا " سنن أبي داود " وغيره بالحاء المهملة ، وذكره أبو السعادات ابن الأثير بالمهملة أيضا ، ثم قال : ويروى بالخاء المعجمة ، وهما بمعنى واحد.
قال الخطابي : معناه : لا يقع في ريبة منه.
قال : وأصله من الحلج : هو الحركة والاضطراب ، ومنه حلج القطن.
قال : ومعنى ضارعت النصرانية ، أي : قاربتها في الشبه ، فالمضارعة : المقاربة في الشبه.
__________
(1) عن هلب الصحابي رضي الله عنه ، ضبطه المصنف كما سيأتي وغيره بضم الهاء وسكون اللام وبالباء الموحدة ، وهو هلب الطائي ، وأبو قبيصة مختلف في اسمه ، فقيل : زيد بن قيافة ، قاله البخاري ، وقيل : زيد بن عدي بن قيافة بن عدي بن عبد شمس بن عدي بن أخرم ، يجتمع هو وعدي بن أحزم الطائي في عدي بن أخرم ، وإنما قيل له : الهلب لأنه كان أقرع ، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسه ، فنبت شعره ، وهو كوفي
روى عنه ابنه قبيصة أحاديث ، منها حديث الباب.
(*)

(1/231)


(باب جواز قوله : لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدت أكله ونحو ذلك إذا دعت إليه حاجة) 664 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن خالد بن الوليد رضي الله عنه في حديث الضب لما قدموه مشويا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إليه ، فقالوا : هو الضب يا رسول الله ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ، فقال خالد : أحرام الضب يا رسول الله ؟ قال : " لا ، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ".
(باب مدح الآكل الطعام الذي يأكل منه) 665 - روينا في " صحيح مسلم " عن جابر رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهله الأدم ، فقالوا : ما عندنا إلا خل ، فدعا به فجعل يأكل منه ويقول : نعم الأدم الخل ، نعم الأدم الخل ".
(باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر) 666 - روينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دعي أحدكم فليجب ، فإن كان صائما فليصل ، وإن كان مفطرا فليطعم " قال العلماء : معنى فليصل : أي : فليدع.
667 - وروينا في كتاب ابن السني وغيره قال فيه : " فإن كان مفطرا فليأكل ، وإن كان صائما دعا له بالبركة ".
(باب ما يقوله من دعي لطعام إذا تبعه غيره) 668 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي مسعود الأنصاري قال : " دعا رجل النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه له خامس خمسة ، فتبعهم رجل ، فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن هذا اتبعنا فإن شئت أن تأذن له ، وإن شئت رجع ، قال : بل آذن له
يا رسول الله ".
(باب وعظه وتأديبه من يسئ في أكله) 669 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال : " كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت يدي تطيش في الصحفة (1) ، فقال
__________
(1) وهي دون القصعة ، والقصعة : ما تشبع عشرة - وقيل : الصحفة كالقصعة - وجمعها صحاف.
(*)

(1/232)


لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا غلام ، سم الله تعالى ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ".
وفي رواية في الصحيح قال : " أكلت يوما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت آكل من نواحي الصحفة ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مما يليك ".
قلت : قوله : تطيش ، بكسر الطاء وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ، ومعناه : تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة ولا تقتصر على موضع واحد.
670 - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن جبلة بن سحيم قال : أصابنا عام سنة مع ابن الزبير ، فرزقنا تمرا ، فكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يمر بنا ونحن نأكل ، ويقول : لا تقارنوا (1) ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقران (2) ، ثم يقول : " إلا أن يستأذن الرجل أخاه ".
قلت : قوله : لا تقارنوا ، أي : لا يأكل الرجل تمرتين في لقمة واحدة.
671 - وروينا في " صحيح مسلم " عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، أن رجلا أكل عند النبي صلى الله عليه وسلم بشماله ، فقال : " كل بيمينك " (3) ; قال : لا أستطيع ، قال : " لا استطعت " (4) ، ما منعه إلا الكبر (5) ، فما رفعها إلى فيه ".
قلت : هذا الرجل هو بسر ، بضم الموحدة وبالسين المهملة : ابن راعي العير بالمثناة وفتح العين ، وهو صحابي ، وقد أوضحت حاله ، وشرح هذا الحديث في " شرح صحيح مسلم " والله أعلم.
__________
(1) وفي رواية : لا تقرنوا.
(2) كذا لأكثر الرواة ، وأخرجه أبو داود الطيالسي بلفظ القران ، قال ابن الأثير في " النهاية " : إنما نهى عن القران لأن فيه شرها ، وذلك يزري بفاعله ، أو لأن فيه غبنا لرفيقه ، وقيل : إنما نهي عنه لما كانوا في من شدة العيش وقلة الطعام ، وكانوا مع هذا يواسون من قليل ، فوذا اجتمعوا على الآكل آثر بعضهم بعضا على نفسه ، وربما كان في القوم من قد اشتد جوعه ، فربما قرن بين التمرتين أو عطم اللقمه ة ، فأرشدهم إلى الاذن فيه ليطلب به أنفس الباقين.
(3) كل بمينك ، فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في الأكل.
(4) فيه جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا إذن.
(5) محل النهي عن الأكل بالشمال حيث لا عذر ، فإن كان عذر يمنع عن الأكل باليمين من مرض وجراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الأكل بالشمال.
(*)

(1/233)


(باب استحباب الكلام على الطعام) 672 - فيه حديث جابر الذي قدمناه في " باب مدح الطعام ".
قال الإمام أبو حامد الغزالي في " الإحياء " من آداب الطعام أن يتحدثوا في حال أكله بالمعروف ، ويتحدثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها.
(باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع) 673 - روينا في " سنن أبي داود وابن ماجه " عن وحشي بن حرب رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع ، قال : " فلعلكم تفترقون " ؟ قالوا : نعم ، قال : " فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه " (1).
(باب ما يقول إذا أكل مع صاحب عاهة) 674 - روينا في " سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه ، عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة ، فقال : " كل بسم الله ثقة بالله
وتوكلا عليه " (2).
(باب استحباب قول صاحب الطعام لضيفه ومن في معناه إذا رفع يده من الطعام " كل " وتكريره ذلك عليه ما لم يتحقق أنه اكتفى منه وكذلك يفعل في الشراب والطيب ونحو ذلك) إعلم أن هذا مستحب ، حتى يستحب ذلك للرجل مع زوجته وغيرها ، من عياله الذين يتوهم منهم أنهم رفعوا أيديهم ولهم حاجة إلى الطعام وإن قلت.
675 - ومما يستدل به في ذلك ما رويناه في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديثه الطويل المشتمل على معجزات ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما اشتد جوع أبي هريرة وقعد على الطريق يستقرئ من مر به القرآن ، معرضا بأن يضيفه ، ثم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الصفة ، فجاء بهم فأرواهم أجمعين من قدح لبن...وذكر
__________
(1) وهو حديث حسن بشواهده.
(2) وفي سنده المفضل بن فضالة بن أبي أمية البصري أبو مالك أخو مبارك بن فضلة ، وهو ضعيف ، كما في التقريب ، وقد قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد عن المفضل بن فضالة.
(*)

(1/234)


الحديث إلى أن قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " بقيبت أنا وأنت " قلت : صدقت يا رسول الله ، قال : اقعد فاشرب ، فقعدت فشربت ، فقال : اشرب فشربت ، فما زال يقول : اشرب ، حتى قلت : لا ، والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا ، قال : فأرني ، فأعطيته القدح ، فحمد الله تعالى وسمى وشرب الفضلة.
(باب ما يقول إذا فرغ من الطعام) 676 - روينا في " صحيح البخاري " عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال : " الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا " وفي رواية " كان إذا فرغ من طعامه " وقال مرة " إذا رفع مائدته قال : الحمد لله الذي
كفانا وأروانا غير مكفي ولا مكفور ".
قلت : مكفي ، بفتح الميم وتشديد الياء ، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة ، ورواه أكثر الرواة بالهمز ، وهو فاسد من حيث العربية ، سواء كان من الكفاية ، أو من كفأت الإناء ، كما لا يقال في مقروء من القراءة : مقرئ ، ولا في مرمى بالهمز.
قال صاحب " مطالع الأنوار " في تفسير هذا الحديث : المراد بهذا المذكور كله الطعام ، وإليه يعود الضمير.
قال الحربي : فالمكفي : الإناء المقلوب للاستغاء عنه ، كما قال : " غير مستغنى عنه " أو لعدمه ، وقوله : غير مكفور ، أي : غير مجحود نعم الله سبحانه وتعالى فيه ، بل مشكورة ، غير مستور الاعتراف بها والحمد عليها.
وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا الدعاء كله الباري سبحانه وتعالى ، وأن الضمير يعود إليه ، وأن معنى قوله : غير مكفي : أنه يطعم ولا يطعم ، كأنه على هذا من الكفاية ، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث ، أي : إن الله تعالى مستغن عن معين وظهير ، قال : وقوله : ولا مودع : أي : غير متروك الطلب منه والرغبة إليه ، وهو بمعنى المستغنى عنه ، وينتصب " ربنا " على هذا بالاختصاص أو المدح أو بالنداء ، كأنه قال : يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا ، ومن رفعه قطعه وجعله خبرا ، وكذا قيده الأصيلي كأنه قال : ذلك ربنا ، أي أنت ربنا ، ويصح فيه الكسر على البدل من الاسم في قوله : الحمد لله.
وذكر أبو السعادات ابن الأثير في " نهاية الغريب " نحو هذا الخلاف مختصرا.
وقال : ومن رفع " ربنا " فعلى الابتداء المؤخر : أي ربنا غير مكفي ولا مودع ، وعلى هذا يرفع " غير " قال : ويجوز أن يكون الكلام راجعا إلى الحمد ، كأنه قال : حمدا كثيرا غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى

(1/235)


عن هذا الحمد.
وقال في قوله : ولا مودع : أي غير متروك الطاعة ، وقيل : هو من الوداع ، وإليه يرجع ، والله أعلم.
677 - وروينا في " صحيح مسلم " عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إن الله تعالى ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ، ويشرب الشربة فيحمده عليها ".
678 - وروينا في " سنن أبي داود " وكتابي " الجامع " و " الشمائل " للترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من طعامه قال : " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين " (1).
679 - وروينا في " سنن أبي داود والنسائي " بالإسناد الصحيح عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال : " الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا ".
680 - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه " عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكل طعاما فقال : الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ، غفر له ما تقدم من ذنبه " قال الترمذي : حديث حسن.
قال الترمذي : وفي الباب - يعني باب الحمد على الطعام إذا فرغ منه - عن عقبة بن عامر وأبي سعيد وعائشة وأبي أيوب وأبي هريرة.
681 - وروينا في " سنن النسائي " وكتاب ابن السني بإسناد حسن (2) ، عن عبد الرحمن بن جبير التابعي ، أنه حدثه رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثماني سنين أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه طعام يقول : " بسم الله ، فإذا فرغ من طعامه قال : اللهم أطعمت وسقيت ، وأغنيت وأقنيت ، وهديت وأحييت ، فلك الحمد على ما أعطيت ".
__________
(1) وهو حديث حسن.
(2) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ بعد تخريج الحديث : هذا حديث صحيح أخرجه النسائي في الكبرى من طريق يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن بكر بن عمرو ، عن ابن هبيرة - يعني عبد الله - ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم ، وابن السني من طريق عبد الله بن زيد المقرئ ، عن سعيد ، وساقه الشيخ على لفظه.
وقوله - يعني النووي - بالإسناد حسن
قال الحافظ : في اقتصاره على حسن نظر ، فإن رجال سنده من يونس إلى الصحابي أخرج لهم مسلم ، وقد صرح التابعي بأن الصحابي حدثه في رواية المقرئ ، فلعله - أي النووي - خفي عليه حال ابن هبيرة.
(*)

(1/236)


682 - وروينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يقول في الطعام إذا فرغ : " الحمد لله الذي من علينا وهدانا ، والذي أشبعنا وأروانا ، وكل الإحسان آتانا " (1).
683 - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " وكتاب ابن السني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أكل أحدكم طعاما " وفي رواية ابن السني " من أطعمه الله طعاما فليقل : اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ، ومن سقاه الله تعالى لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ، فإنه ليس شئ يجزئ من الطعام والشراب غير اللبن " قال الترمذي : حديث حسن.
684 - وروينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرب في الإناء تنفس ثلاثة أنفاس يحمد الله تعالى في كل نفس ، ويشكره في آخره " (2).
(باب دعاء المدعو والضيف لأهل الطعام إذا فرغ من أكله) 685 - روينا في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن بسر - بضم الباء وإسكان السين المهملة - الصحابي قال : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي ، فقربنا إليه طعاما ووطبة فأكل منها ، ثم أتي بتمر فكان يأكله ويلقي النوى بين أصبعيه ويجمع السبابة والوسطى.
قال شعبة : هو ظني (3) وهو فيه إن شاء الله تعالى إلقاء النوى بين الأصبعين ، ثم أتي بشراب
__________
(1) وهو حديث حسن بشواهده.
(2) والمستغرب من هذا الحديث تكرار الحمد ، وأصل تثليث النفس في الشرب أخرجه مسلم من حديث أنس دون التسمية والتحميد ، قال الحافظ : وللمتن شاهد عن أبي هريرة يفسر الكفية امذكورة هنا وهو مطابق
لحديث ابن مسعود ، ولفظ حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس ، إذا أدلى الإناء إلى فيه سمى الله ، وإذا أخره ، حمد الله ، يفعل ذلك ثلاث مرات قال احافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني أيضا : هذا حديث حسن ، خرجه الخرائطي في " فضيلة الشكر ".
(2) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : معني هذا الكلام أن شعبة قال : الذي أظنه إن إلقاء النوى مذكور في الحديث ، وأشار إلى تردد فيه ، وشك في هذه الطريق ، لكن جاء في طريق أخرى عنه عند مسلم أيضا الجزم بذلك من غير شك فيه ، فهو ثابت بتلك الطريق ، ولا تضر رواية الشك سواء تقدمت على الرواية الأخرى أو تأخرت ، لأنه تيقن في وقت ، وشك في وقت ، والمتن ثابت ، ولا يمنعه النسيان في وقت آخر.
(*)

(1/237)


فشربه ، ثم ناوله الذي عن يمينه ، فقال أبي : ادع الله لنا ، فقال : " اللهم بارك لهم فيما رزقتهم ، واغفر لهم وارحمهم ".
قلت : الوطبة ، بفتح الواو وإسكان الطاء المهملة بعدها باء موحدة : وهي قربة لطيفة يكون فيها اللبن.
686 - وروينا في " سنن أبي داود " وغيره بالإسناد الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه ، فجاء بخبز وزيت (1) فأكل ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار ، وصلت عليكم الملائكة ".
687 - وروينا في " سنن ابن ماجه " عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال : أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ ، فقال : " أفطر عندكم الصائمون..." الحديث.
قلت : فهما قضيتان جرتا لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ.
688 - وروينا في " سنن أبي داود عن رجل عن جابر رضي الله عنه قال : " صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فلما فرغوا ، قال : أثيبوا أخاكم ، قالوا : يا رسول الله وما إثابته ؟ قال : إن الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب
شرابه فدعوا له فذلك إثابته " (2).
(باب دعاء الإنسان لمن سقاه ماء أو لبنا ونحوهما) 689 - روينا في " صحيح مسلم " عن المقداد رضي الله عنه في حديثه الطويل المشهور قال : " فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء ، فقال : اللهم أطعم من أطعمني ، واسق من سقاني ".
690 - وروينا في كتاب ابن السني عن عمرو بن الحمق (3) رضي الله عنه أنه سقى رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنا فقال : " اللهم أمتعه بشبابه ، فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء " (4).
__________
(1) وعند أحمد والطبراني : فقرب له زبيبا ، وهو الصواب ، قال الحافظ : وما أظن الزيت إلا تصحيفا عن الزبيب ا ه.
وقد تقدم الحديث في الصحفة (162) بلفظ : بخبز وزيت ، وهو تصحيف أيضا.
(2) وهو حديث حسن بشواهده.
(3) هو عمر بن الحمق ، بن الكاهن ، ويقال : الكاهن ، بن حبيب الخزاعي ، صحابي سكن الكوفة ، ثم مصر ، قتل في خلافة معاوية.
(4) وإسناده ضعيف ، لكن قال الحافظ : وللحديث شاهد عن عمرو بن ثعلبة الجهني عن الطبراني ، وآخر عند = (*)

(1/238)


قلت : الحمق ، بفتح الحاء المهملة وكسر الميم.
691 - وروينا فيه عن عمرو بن أخطب - بالخاء المعجمة وفتح الطاء - رضي الله عنه قال : " استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بماء في جمجمة وفيها شعرة فأخرجتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم جمله ، قال الراوي : فرأيته ابن ثلاث وتسعين أسود الرأس واللحية " (1).
قلت : الجمجمة ، بجيمين مضمومتين بينهما ميم ساكنة ، وهي قدح من خشب وجمعها جماجم ، وبه سمي دير الجماجم ، وهو الذي كانت به وقعة ابن الأشعث مع
الحجاج بالعراق ، لأنه كان يعمل فيه أقداح من خشب ، وقيل : سمي به لأنه بني من جماجم القتلى لكثرة من قتل.
(باب دعاء الإنسان وتحريضه لمن يضيف ضيفا) 692 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفه فلم يكن عنده ما يضيفه ، فقال : ألا رجل يضيف هذا رحمه الله ، فقام رجل من الأنصار فانطلق به..." وذكر الحديث.
(باب الثناء على من أكرم ضيفه) 693 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود (2) ، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك (3) ، حتى قلن كلهن مثل ذلك ، فقال : من يضيف هذا الليلة رحمه الله ، فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته : هل عند ك شئ ؟ قالت : لا ، إلا قوت صبياني ، قال : فعلليهم بشئ ، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل ، فإذا
__________
= ابن السني عن أنس من وجهين ، والله أعلم.
(1) وهو حديث حسن.
(2) أي أصابني الجهد وهو المشقة والحاجة وسوء العطش والجوع.
(3) وفي الحديث ما كان عليه النبي صلى الله عيله وسلم وأهل بيته من الزهد في الدنيا ، الصبر على الجوع وضيق الحال ، وفيه أنه ينبغي لكبير القوم أن يبدأ في مواساة الضيف ومن يطرقهم بنفسه ، فيواسيه من ماله أولا بما تيسر إن أمكنه ، وإلا فيطلب من أصحابه على سبيل التعاون على البر التقوى.
(*)

(1/239)


أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه ، فقعدوا وأكل الضيف ، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ، فأنزل الله تعالى هذه
الآية (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) [ الحشر : 9 ].
قلت : وهذا محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورية ، لأن العادة أن الصبي وإن كان شبعان يطلب الطعام إذا رأى من يأكله ، ويحمل فعل الرجل والمرأة على أنهما آثرا بنصيبهما ضيفهما ، والله أعلم.
(باب استحباب ترحيب الإنسان بضيفه وحمده الله تعالى على حصوله ضيفا عنده وسروره بذلك وثنائه عليه لكونه جعله أهلا لذلك) 694 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " من طرق كثيرة عن أبي هريرة وعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ".
695 - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة ، فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، قال : " ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة " ؟ قالا : الجوع يا رسول الله ، قال : " وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ، قوموا ، فقاموا معه ، فأتى رجلا من الأنصار (1) فإذا ليس هو في بيته ، فلما رأته المرأة قالت : مرحبا وأهلا ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين فلان ؟ قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء (2) ، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، ثم قال : الحمد لله ، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني..." وذكر تمام الحديث.
(باب ما يقوله بعد انصرافه عن الطعام) 696 - روينا في كتاب ابن السني عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أذيبوا طعامكم بذكر الله عز وجل والصلاة ، ولا تناموا عليه فتقسو له قلوبكم " (3).
__________
(1) هو أبو الهيثم بن التهيان.
(2) في الحديث حواز استعذاب الماء ، وأن ذلك لا ينافي الزهد ، وفيه أن خدمة الرجل أهل بيته وتوليته
حوائجهم بنفسه تواضعا لا ينا في المروءة ، بل هو من كمال الخلق وحسن التوضع.
(3) وهو حديث ضعيف ، قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : هذا حديث لا يثبت وإن كان معناه قويا.
(*)

(1/240)


كتاب السلام والاستئذان (وتشميت العاطس وما يتعلق بها) قال الله تعالى : (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة) [ النور : 61 ] وقال تعالى : (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) [ النساء : 86 ] وقال تعالى : (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا (1) وتسلموا على أهلها) (2) [ النور : 27 ] وقال تعالى : (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) [ النور : 59 ] وقال تعالى : (وهل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ، قال سلام) [ الذاريات : 24 ].
واعلم أن أصل السلام ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
وأما أفراد مسائله وفروعه فأكثر من أن تحصر ، وأنا أختصر مقاصده في أبواب يسيرة إن شاء الله تعالى ، وبه التوفيق والهداية والإصابة والرعاية.
(باب فضل السلام والأمر بإفشائه) 697 - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : " تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ".
698 - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خلق الله عز وجل آدم على صورته (3) طوله ستون ذراعا ، فلما خلقه قال : اذهب فسلم على أولئك : نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك ،
فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله فزادوه : ورحمة الله " (4).
__________
(1) أي بعضكم على بعض.
(2) أي تستأذنوا.
(3) هذه آداب شرعية أدب الله تعالى بها عباده المؤمنين ، وذلك في الاستئذان ، أمرهم أن لا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم حتى يستأنسوا ، قبل الدخول ويسلموا بعده ، وينبغي للإنسان أن يستأذن ثلاث مرات ، فإن أذن له وإلا انصرف.
(4) أي : إن الله تعالى خلق آدم في أول نشأته على صورته التي كان عليها من مبدأ فطرته إلى موته.
(5) وفي الحديث دليل على فضيلة آدم حيث تولى الله تعالى تأديبه ، وعلى أن السلام أدب قديم مشروع منذ = (*)

(1/241)


699 - وروينا في " صحيحيهما " عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : بعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، ونصر الضعيف ، وعون المظلوم ، وإفشاء السلام ، وإبرار القسم " هذا لفظ إحدى روايات البخاري.
700 - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا (1) أولا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ".
701 - وروينا في " مسند الدارمي " وكتابي الترمذي وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الجيدة ، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " ، قال الترمذي : حديث صحيح (2).
702 - وروينا في كتابي ابن ماجة وابن السني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : " أمرنا نبينا ; صلى الله عليه وسلم أن نفشي السلام (3).
703 - وروينا في " موطأ " الإمام مالك رضي الله عنه عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة ، أن الطفيل بن أبي بن كعب أخبره أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق ، قال : فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سقاط ، ولا صاحب بيعة (4) ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه ، قال الطفيل : فجئت عبد الله بن عمر يوما ، فاستتبعني إلى
__________
= خلق ادم ، وفيه دليل على استحباب السعي لطلب العلم ، وآدم أول من سعى لطلب العلم بمقضتى هذا الحديث.
(1) ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، قال ابن علان : قال المصنف : هكذا هو في جميع الأصول والروايات : " ولا تؤمنوا " بحذف النون من آخره ، وهي لغة معروفة صحيحة.
ا ه.
قال وقال بعضهم : حسن ذلك لمشاكلة الفعل المنصوب قبله : أي حتي تحابوا ، لكن قال الطيبي : ونحن استقر أنا نسخ مسلم والحمندي وجامع الأصول وبعض نسخ المصابيح فوجدناها مثبتة بالنون على الظاهر ، ونازعه في المرقاة في ذلك بأن نسخ المصابيح المقروءة على المشايخ الكبار كابن الجرزي والسيد أصيل الدين وجمال الدين المحدث وغيرها من النسخ الحاضرة كلها بحذف النون ، وكذا متن مسلم المصجج المقروءة على جملة مشايخ ، منهم السيد نور الدين الايجي.
(2) قال الحافظ : حديث حسن.
(3) إسناده جيد.
(4) أي بيعة نفيسة لقرينة مقابلته بالسقاط.
(*)

(1/242)


السوق ، فقلت له : ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق ؟ قال : وأقول : اجلس بنا هاهنا نتحدث ، فقال لي ابن عمر : يا أبا بطن (1) وكان الطفيل ذا بطن ، إنما نغدو من أجل السلام نسلم على من لقيناه (2).
704 - وروينا في " صحيح البخاري " عنه قال : وقال عمار رضي الله عنه : ثلاث
من جمعهن فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق من الإقتار.
وروينا هذا في غير البخاري مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
قلت : قد جمع في هذه الكلمات الثلاث خيرات الآخرة والدنيا ، فإن الإنصاف يقتضي أن يؤدي إلى الله تعالى جميع حقوقه وما أمره به ، ويجتنب جميع ما نهاه عنه ، وأن يؤدي للناس حقوقهم ، ولا يطلب ما ليس له ، وأن ينصف أيضا نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلا.
وأما بذل السلام للعالم ، فمعناه لجميع الناس ، فيتضمن أن لا يتكبر على أحد ، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع بسببه من السلام عليه بسببه.
وأما الإنفاق من الإقتار فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى والتوكل عليه والشفقة على المسلمين ، إلى غير ذلك ، نسأل الله تعالى الكريم التوفيق لجميعه.
(باب كيفية السلام) إعلم أن الأفضل أن يقول المسلم : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحدا ، ويقول المجيب : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، ويأتي بواو العطف في قوله : " وعليكم ".
وممن نص على أن الأفضل في المبتدئ أن يقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه " الحاوي " في كتاب السير ، والإمام أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتاب صلاة الجمعة وغيرهما.
__________
(1) فيه أن ذكر بعض خلقه الإنسان إذا لم يتأذ بذكره فلم يقصد به الإهانة وإدخال العيب لا يكون محرما منهيا عنه.
(2) قال الحافظ : وهو موقوف صحيح.
(3) وإسناده ضعيف في المرفوع.
(*)

(1/243)


705 - ودليله ما رويناه في مسند الدارمي وسنن أبي داود والترمذي عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم ، فرد عليه ثم جلس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر ، ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد عليه ثم جلس ، فقال : عشرون ، ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد عليه فجلس ، فقال : ثلاثون " فقال الترمذي : حديث حسن.
وفي رواية لأبي داود ، من رواية معاذ بن أنس رضي الله عنه ، زيادة على هذا ، قال : " ثم أتى آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ، فقال : أربعون ، وقال : هكذا تكون الفضائل ".
706 - وروينا في كتاب ابن السني ، بإسناد ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال : " كان رجل يمر بالنبي صلى الله عليه وسلم يرعى دواب أصحابه فيقول : السلام عليك يا رسول الله ، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه ، فقيل : يا رسول الله تسلم على هذا سلاما ما تسلمه على أحد من أصحابك ؟ قال : " وما يمنعني من ذلك وهو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلا ؟ ".
قال أصحابنا : فإن قال المبتدئ : السلام عليكم ، حصل السلام ، وإن قال : السلام عليك ، أو سلام عليك ، حصل أيضا.
وأما الجواب فأقله : وعليك السلام ، أو وعليكم السلام ، فإن حذف الواو فقال : عليكم السلام أجزأه ذلك وكان جوابا ، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه إمامنا الشافعي رحمه الله في " الأم " ، وقاله جمهور أصحابنا.
وجزم أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتابه " التتمة " بأنه لا يجزئه ولا يكون جوابا ، وهذا ضعيف أو غلط ، وهو مخالف للكتاب والسنة ونص إمامنا الشافعي.
أما الكتاب فقال الله تعالى : (قالوا سلاما ، قال سلام) [ هود : 69 ] وهذا وإن كان شرعا لمن قبلنا ، فقد جاء شرعنا بتقريره.
707 - وهو حديث أبي هريرة الذي قدمناه في جواب الملائكة آدم صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا " أن الله تعالى قال : هي تحيتك وتحية ذريتك " وهذه الأمة داخلة في
ذريته ، والله أعلم.
واتفق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب : عليكم ، لم يكن جوابا ، فلو قال :
__________
(1) قال ابن علان في " شرح الأذكار " : قال الحافظ : حديث غريب ، أخرجه أبو داود ولم يسق من لفظه إلا ما ذكره الشيخ ، بل أحال به على لفظ حديث عمران.
(*)

(1/244)


وعليكم بالواو ، فهل يكون جوابا ؟ فيه وجهان لأصحابنا ، ولو قال المبتدئ : سلام عليكم ، أو قال : السلام عليكم ، فللمجيب أن يقول في الصورتين : سلام عليكم ، وله أن يقول : السلام عليكم ، قال الله تعالى : (قالوا سلاما ، قال سلام) قال الإمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا : أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار ، قلت : ولكن الألف واللام أولى.
708 - فصل : روينا في " صحيح البخاري " عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه ، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا ".
قلت : وهذا الحديث محمول على ما إذا كان الجمع كثيرا ، وسيأتي بيان هذه المسألة وكلام الماوردي صاحب " الحاوي " فيها إن شاء الله تعالى.
فصل : وأقل السلام الذي يصير به مؤديا سنة السلام أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه ، فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسلام ، فلا يجب الرد عليه.
وأقل ما يسقط به فرض رد السلام أن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلم ، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الرد ، ذكرهما المتولي وغيره.
قلت : والمستحب أن يرفع صوته رفعا يسمعه به المسلم عليه أو عليهم سماعا محققا ، وإذا تشكك في أنه يسمعهم ، زاد في رفعه ، واحتاط واستظهر ، أما إذا سلم على أيقاظ عندهم نيام ، فالسنة أن يخفض صوته بحيث يحصل سماع الأيقاظ ولا يستيقظ
النيام.
709 - روينا في " صحيح مسلم " في حديث المقداد رضي الله عنه الطويل قال : " كنا نرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه من اللبن ، فيجئ من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان ، وجعل لا يجيئني النوم ، وأما صاحباي فناما ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم كما كان يسلم " والله أعلم.
فصل : قال الإمام أبو محمد القاضي حسين ، والإمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا : ويشترط أن يكون الجواب على الفور ، فإن أخره ثم رد لم يعد جوابا ، وكان آثما بترك الرد.

(1/245)


(باب ما جاء في كراهة الإشارة بالسلام باليد ونحوها بلا لفظ) 710 - روينا في كتاب الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس منا من تشبه بغيرنا ، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى ، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع ، وتسليم النصارى الإشارة بالكف " قال الترمذي : إسناده ضعيف (1).
711 - قلت : وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي عن أسماء بنت يزيد " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوما ، وعصبة من النساء قعود ، فألوى بيده بالتسليم " قال الترمذي : حديث حسن ، فهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين اللفظ والإشارة ، يدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث ، وقال في روايته : " فسلم علينا ".
(باب حكم السلام) إعلم أن ابتداء السلام سنة مستحبة ليس بواجب ، وهو سنة على الكفاية ، فإن كان المسلم جماعة ، كفى عنهم تسليم واحد منهم ، ولو سلموا كلهم كان أفضل.
قال الإمام القاضي حسين من أئمة أصحابنا في كتاب السير من تعليقه : ليس لنا سنة على الكفاية إلا هذا.
قلت : وهذا الذي قاله القاضي من الحصر ينكر عليه ، فإن أصحابنا رحمهم الله
قالوا : تشميت العاطس سنة على الكفاية كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى.
وقال جماعة من أصحابنا بل كلهم : الأضحية سنة على الكفاية في حق كل أهل بيت ، فإذا ضحى واحد منهم حصل الشعار والسنة لجميعهم.
وأما رد السلام ، فإن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه الرد ، وإن كانوا جماعة ، كان رد السلام فرض كفاية عليهم ، فإن رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين ، وإن تركوه كلهم ، أثموا كلهم ، وإن ردوا كلهم ، فهو النهاية في الكمال والفضيلة ، كذا قاله أصحابنا ، وهو ظاهر حسن.
واتفق أصحابنا على أنه لو رد غيرهم ، لم يسقط الرد ، بل يجب عليهم أن يردوا ، فإن اقتصروا على رد ذلك الأجنبي أثموا.
712 - روينا في سنن أبي داود عن علي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
__________
(1) ولكن له شواهد بمعناه يقو بها ، ومن المقرر في الشريعة الإسلامي أنه لا يجوز للمسلمين رجلا ونساء التشبة بالمفار سواء في عباداتهم ، أو أعيادهم ، أو زيائهم الخاصة بهم ، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا.
(*)

(1/246)


" يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم " (1).
713 - وروينا في الموطأ عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم " قلت : هذا مرسل صحيح الإسناد (2).
فصل : قال الإمام أبو سعد المتولي وغيره : إذا نادى إنسان إنسانا من خلف ستر أو حائط فقال : السلام عليك يا فلان ، أو كتب كتابا فيه : السلام عليك يا فلان ، أو السلام على فلان ، أو أرسل رسولا وقال : سلم على فلان ، فبلغه الكتاب أو الرسول ، وجب عليه أن يرد السلام ، وكذا ذكر الواحدي وغيره أيضا أنه يجب على المكتوب إليه رد السلام إذا بلغه السلام.
714 - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا جبريل يقرأ عليك السلام " (3) قالت : قلت : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.
هكذا وقع في بعض روايات " الصحيحين " " وبركاته " ولم يقع في بعضها ، وزيادة الثقة مقبولة.
ووقع في كتاب الترمذي " وبركاته " وقال : حديث حسن صحيح ، ويستحب أن يرسل بالسلام إلى من غاب عنه.
فصل : إذا بعث إنسان مع إنسان سلاما ، فقال الرسول : فلان يسلم عليك ، فقد قدمنا أنه يجب عليه أن يرد على الفور ، ويستحب أن يرد على المبلغ أيضا ، فيقول : وعليك وعليه السلام.
715 - وروينا في سنن أبي داود عن غالب القطان عن رجل قال : حدثني أبي عن
__________
(1) وهو حديث حسن.
(2) وهو شاهد لما قبله.
(3) قال القرطبي في " المفهم " : يقال : أقرأته السلام ، وهو يقرئك السلام ، رباعيا بضم حرف المضارعة منه ، فإذا قلت : يقرأ غليك السلام كان مفتوح حرف المضارعة لأنه ثلاثي ، وهذه الفضيلة عظيمة لعائشة ، غير أن ما ورد من تسليم الله عز وجل على خديجة أعلى وأغلى ، لأن ذلك سلام من الله ، وهذا سلام من الملك.
وقال المصنف في " شرح مسلم " : في الحديث فضيلة ظاهرة لعائشة ، وفيه استحباب بعث السلام ، ويجب على الرسول تبليغه ، وفيه بعث الأجنبي السلام إلى الأجنبية الصالحة إذا لم يخف ترتب مفسدة ، وأن الذي يبلغة السلام يرد عليه ، قال أصحابنا : وهذا الرد واجب على الفور ، وكذا لو بلغه سلام في ورقة من غائب وجب عليه أن يرد السلام باللفظ على الفور إذا قرأه.
(*)

(1/247)


جدي قال : بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ائته فأقرئه السلام ، فأتيته فقلت : إن أبي يقرئك السلام ، فقال : " وعليك السلام وعلى أبيك السلام ".
قلت : وهذا وإن كان رواية عن مجهول ، فقد قدمنا أن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم كلهم (1).
فصل : قال المتولي : إذا سلم على أصم لا يسمع ، فينبغي أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته عليه ، ويشير باليد حتى يحصل الإفهام ويستحق الجواب ، فلو لم يجمع بينهما لا يستحق الجواب.
قال : وكذا لو سلم عليه أصم وأراد الرد ، فيتلفظ باللسان ، ويشير بالجواب ليحصل به الإفهام ، ويسقط عنه فرض الجواب.
قال : ولو سلم على أخرس فأشار الأخرس باليد ، سقط عنه الفرض ، لأن إشارته قائمة مقام العبارة ، وكذا لو سلم عليه أخرس بالإشارة يستحق الجواب لما ذكرنا.
فصل : قال المتولي : لو سلم على صبي ، لا يجب عليه الجواب ، لأن الصبي ليس من أهل الفرض ، وهذا الذي قاله صحيح ، لكن الأدب والمستحب له الجواب.
قال القاضي حسين وصاحبه المتولي : ولو سلم الصبي على بالغ ، فهل يجب على البالغ الرد ؟ فيه وجهان ينبنيان على صحة إسلامه ، إن قلنا : يصح إسلامه ، كان سلامه كسلام البالغ ، فيجب جوابه.
وإن قلنا : لا يصح إسلامه ، لم يجب رد السلام ، لكن يستحب.
قلت : الصحيح من الوجهين وجوب رد السلام ، لقول الله تعالى : (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) [ النساء 86 ] ، وأما قولهما : إنه مبني على إسلامه ، فقال الشاشي : هذا بناء فاسد ، وهو كما قال ، والله أعلم.
ولو سلم بالغ على جماعة فيهم صبي ، فرد الصبي ولم يرد منهم غيره ، فهل يسقط عنهم ؟ فيه وجهان أصحهما - وبه قال القاضي حسين وصاحبه المتولي - لا يسقط ، لأنه ليس أهلا للفرض ، والرد فرض فلم يسقط به ، كما لا يسقط به الفرض في الصلاة على الجنازة.
والثاني وهو قول أبي بكر الشاشي صاحب " المستظهري " من أصحابنا : أنه يسقط ، كما يصح أذانه للرجال ، ويسقط عنه طلب الأذان.
قلت : وأما الصلاة على الجنازة ، فقد اختلف أصحابنا في سقوط فرضها بصلاة
الصبي على وجهين مشهورين ، الصحيح منهما عند الأصحاب : أنه يسقط ، ونص عليه الشافعي ، والله أعلم.
__________
(1) أنظر الصفحة (5).
(*)

(1/248)


فصل : إذا سلم عليه إنسان ثم لقيه على قرب ، يسن له أن يسلم عليه ثانيا وثالثا وأكثر ، اتفق عليه صحابنا.
716 - ويدل عليه ما رويناه في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث المسئ صلاته (1) " إنه جاء فصلى ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه ، فرد عليه السلام ، وقال : ارجع فصل فإنك لم تصل ، فرجع فصلى ، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى فعل ذلك ثلاث مرات.
717 - وروينا في " سنن أبي داود " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه " (2).
718 - وروينا في كتاب ابن السني عن أنس رضي الله عنه قال : " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون ، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة فتفرقوا يمينا وشمالا ثم التقوا من ورائها ، سلم بعضهم على بعض " (3).
فصل : إذا تلاقى رجلان ، فسلم كل واحد منهما على صاحبه دفعة واحدة أو أحدهما بعد الآخر ، فقال القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولي : يصير كل واحد منهما مبتدئا بالسلام ، فيجب على كل واحد منهما أن يرد على صاحبه.
وقال الشاشي : هذا فيه نظر.
فإن هذا اللفظ يصلح للجواب ، فإذا كان أحدهما بعد الآخر كان جوابا ، وإن كانا دفعة واحدة ، لم يكن جوابا وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب.
فصل : إذا لقي إنسان إنسانا ، فقال المبتدئ " وعليكم السلام " قال المتولي :
لا يكون ذلك سلاما ، فلا يستحق جوابا ، لأن هذه الصيغة لا تصلح للابتداء.
قلت : أما إذا قال : عليك ، أو عليكم السلام ، بغير واو ، فقطع الإمام أبو الحسن الواحدي بأنه سلام يتحتم على المخاطب به الجواب ، وإن كان قد قلب اللفظ المعتاد ، وهذا الذي قاله الواحدي هو الظاهر.
وقد جزم أيضا إمام الحرمين به ، فيجب فيه الجواب لأنه يسمى سلاما ، ويحتمل أن يقال : في كونه سلاما وجهان كالوجهين
__________
(1) هو خلاد بن رافع بن مالك الخزرجي.
(2) هو حديث صحيح.
(3) هو حديث حسن.
(*)

(1/249)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية