صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الآداب الشرعية
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأما المرتدون فإن الصحابة رضي الله عنهم باينتهم بالحروب والقتال ، وأي هجر أعظم من هذا ؟ وذكر الشيخ موفق الدين رحمه الله في المنع من النظر في كتب المبتدعة قال : كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم إلى أن قال : وإذا كان أصحاب النبي ومن اتبع سنتهم في جميع الأمصار والأعصار متفقين على وجوب اتباع الكتاب والسنة ، وترك علم الكلام ، وتبديع أهله وهجرانهم ، والخبر بزندقتهم ، وبدعتهم ، فيجب القول ببطلانه وأن لا يلتفت إليه ملتفت ، ولا يغتر به أحد .
وقال أبو داود لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه قال : لا أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه ، وإلا فألحقه به .
قال ابن مسعود : المرء بخدنه وقال عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي : قال لي أحمد إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه .
قال النبي صلى الله عليه وسلم { : ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم } ويجب الإغضاء عمن سترها وكتمها .
زاد في الرعاية الكبرى وشق عليه إشاعتها عنه .
قال المروذي قلت : لأبي عبد الله اطلعنا من رجل على فجور ، وهو يتقدم يصلي بالناس أخرج من خلفه قال : اخرج من خلفه خروجا لا تفحش عليه .
وقال ابن منصور لأبي عبد الله : إذا علم من الرجل الفجور أنخبر به الناس ؟ قال : لا بل يستر عليه إلا أن يكون داعية ، ويتوجه أن

(1/293)


في معنى الداعية من اشتهر وعرف بالشر والفساد ينكر عليه ، وإن أسر المعصية ، وهو يشبه قول القاضي فيمن أتى ما يوجب حدا إن شاع منه استحب أن يذهب إلى ولي الأمر ليأخذه به ، وإلا ستر نفسه .
وقد قال القاضي : فإن كان يستتر بالمعاصي فظاهر كلام أحمد أنه لا يهجر ، قال في رواية حنبل : ليس لمن يسكر ويقارف شيئا من الفواحش حرمة ولا صلة إذا كان معلنا بذلك مكاشفا .
قال الخلال في كتاب المجانبة : أبو عبد الله يهجر أهل المعاصي ومن قارف الأعمال الردية ، أو تعدى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى الإقامة عليه ، أو الإضرار ، وأما من سكر أو شرب أو فعل فعلا من هذه الأشياء المحظورة ، ثم لم يكاشف بها ، ولم يلق فيها جلباب الحياء ، فالكف عن أعراضهم ، وعن المسلمين ، والإمساك عن أعراضهم ، وعن المسلمين أسلم .
وكلام الشيخ موفق الدين السابق يقتضي أن لا فرق بين الداعية إلى البدعة وغيره ، وظاهره أنه إجماع السلف ، وذكر غيره في عيادة المبتدع الداعية روايتين ، وترك العيادة من الهجر ، واعتبر الشيخ تقي الدين المصلحة ، وذكر أيضا أن المستتر بالمنكر ينكر عليه ، ويستر عليه ، فإن لم ينته فعل ما ينكف به إذا كان أنفع في الدين ، وإن المظهر للمنكر يجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك .
وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتا إذا كان فيه كف لأمثاله فيتركون تشييع جنازته .
انتهى كلامه .
وهذا لا ينافيه وجوب الإغضاء ، فإنه لا يمنع وجوب الإنكار سرا

(1/294)


جمعا بين المصالح ، وكلامهم ظاهر ، أو صريح في وجوب الستر على هذا ، وظاهر كلام الخلال السابق يستحب ، ولم أجد بين الأصحاب رحمهم الله خلافا في أن من عنده شهادة بما يوجب حدا له أن يقيمها عند الحاكم ، ويستحب أن لا يقيمها لقوله : عليه السلام { من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة } ، فدل هذا على أن ستره لا يجب ، وأنه ينكر عليه بطريقة ، ولم يفرقوا بين أن يكون المشهود عليه مشهورا بالشر والفساد أم لا ، ولا يتوجه ما تقدم من كلام القاضي في المقر .
وروى أبو داود حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن نشيط عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة } حدثنا محمد بن يحيى ثنا إبراهيم بن أبي مريم أنبأنا الليث حدثني إبراهيم بن نشيط عن { كعب بن علقمة أنه سمع أبا الهيثم يذكر أنه سمع دحينا كاتب عقبة بن عامر قال : كان لي جيران يشربون الخمر فنهيتهم فلم ينتهوا ، فقلت لعقبة بن عامر : إن جيراننا هؤلاء يشربون الخمر ، وإني نهيتهم فلم ينتهوا فأنا داع لهم الشرط ، فقال : دعهم ، ثم رجعت إلى عقبة مرة أخرى فقلت : إن جيراننا قد أبوا أن ينتهوا عن شرب الخمر ، وأنا داع لهم الشرط ، فقال : ويحك دعهم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر معنى حديث مسلم .
قال أبو داود : قال هشام بن القاسم عن ليث في هذا الحديث قال : لا تفعل ، ولكن عظهم

(1/295)


وتهددهم } كعب تابعي ثقة لم يرو عن أبي الهيثم غيره ولهذا قال بعضهم في أبي الهيثم لا يعرف .
وقد روى خبره أحمد والنسائي ، وقال ابن عقيل في الفنون : الصحابة رضي الله عنهم آثروا فراق نفوسهم لأجل مخالفتها للخالق سبحانه وتعالى ، فهذا يقول : زنيت فطهرني ، ونحن لا نسخو أن نقاطع أحدا فيه لمكان المخالفة .
وقال في شرح مسلم في قوله صلى الله عليه وسلم : { ومن ستر مسلما ستره الله عز وجل يوم القيامة } قال : وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفا بالأذى والفساد ، وأما المعروف بذلك ، فيستحب أن لا يستر عليه ، بل ترفع قصته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة ؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله ، وهذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت ، أما معصية رآه عليها ، وهو بعد متلبس ، فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه على من قدر على ذلك ، فلا يحل تأخيرها ، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة .
وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب عند الحاجة ، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم ، وليس هذا من الغيبة المحرمة ، بل من النصيحة الواجبة ، وهذا مجمع عليه .
قال العلماء في القسم الأول الذي يستر فيه : هذا الستر مندوب فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع ،

(1/296)


لكن هذا الأولى وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه انتهى كلامه .
وإذا لم يأثم برفع فاعل معصية انقضت فرفع من هو متلبس بها ابتداء مثله ، أو أولى وما ذكره من الإجماع فيه نظر لما سبق ولما يأتي .
وقد ذكر هو وغيره قصة حاطب بن أبي بلتعة فيها هتك ستر المفسدة إذا كان فيه مصلحة ، أو كان في الستر مفسدة ، وإن الأحاديث في السنن تحمل على ما إذا لم تكن فيه مفسدة ، ولا تفوت به مصلحة .
وقد ذكر المهدوي في تفسيره أنه لا ينبغي لأحد أن يتجسس على أحد من المسلمين قال : فإن اطلع منه على ريبة وجب أن يسترها ويعظه مع ذلك ويخوفه بالله تعالى .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح ، وقد ستره عليه الله ، فيقول : يا فلان عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره الله عز وجل ، ويصبح يكشف ستر الله عز وجل عنه } .
في نسخ معتمدة أو معظم النسخ { معافاة } يعود إلى الأمة .
وفي بعض النسخ { وإن من المجاهرة } وفي بعضها { وإن من الجهار } يقال : جهر بأمره وأجهر وجاهر .
قال ابن عقيل في الفنون : سؤال عن قوله : صلى الله عليه وسلم { وجبت } ، والجواب أنه يجوز أن يكون قوله ذلك مما ألقي إليه من الوحي .
ويحتمل أن يكون لما ظهر له حين غفر شره لخيره ( والثالث ) يجوز أن يكون استسراره بالشر طاعة لله تعالى حيث قال : من أتى من هذه القاذورات فليستتر

(1/297)


بستر الله عز وجل فوجبت له المغفرة بطاعة الشرع باستسراره لستر الله عز وجل ، فجازاه الله عز وجل على ذلك بالمغفرة لما ستره عن الخلق طاعة للحق والله سبحانه أعلم .

(1/298)


فصل ( في هجر الكافر والفاسق والمبتدع والداعي إلى بدعة مضلة ) .
وقد تقدم الكلام في الهجر وقال أحمد في مكان آخر : ويجب هجر من كفر ، أو فسق ببدعة ، أو دعا إلى بدعة مضلة ، أو مفسقة على من عجز عن الرد عليه ، أو خاف الاغترار به ، والتأذي دون غيره وقيل : يجب هجره مطلقا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد السابق ، وقطع ابن عقيل به في معتقده قال ليكون ذلك كسرا له واستصلاحا واستدل عليه .
وقال أيضا : إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة ، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون ، هذا يقول : حديث خرافة والمعري يقول : تلوا باطلا وجلوا صارما وقالوا صدقنا فقلنا نعم يعني بالباطل كتاب الله عز وجل .
وعاشوا سنين وعظمت قبورهم واشتريت تصانيفهم ، وهذا يدل على برودة الدين في القلب .
وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى وقال الخلال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه .
قال : لا وإذا سلم عليه لا يرد عليه ، وقال ابن حامد : يجب على الخامل ، ومن لا يحتاج إلى خلطتهم ، ولا يلزم من يحتاج إلى خلطتهم لنفع المسلمين وقال ابن تميم : وهجران أهل البدع كافرهم وفاسقهم المتظاهرين بالمعاصي ، وترك السلام عليهم فرض كفاية ، ومكروه لسائر الناس ، وقيل : لا

(1/299)


يسلم أحد على فاسق معلن ولا مبتدع معلن داعية ، ولا يهجر مسلما مستورا غيرهما من السلام فوق ثلاثة أيام .
وقد تقدمت هذه المسألة وقال القاضي أبو الحسين في التمام : لا تختلف الرواية وفي وجوب هجر أهل البدع وفساق الملة أطلق كما ترى ، وظاهره أنه لا فرق بين المجاهر ، وغيره في المبتدع والفاسق قال : ولا فرق في ذلك بين ذي الرحم ، والأجنبي إذا كان الحق لله تعالى ، فأما إذا كان الحق لآدمي كالقذف والسب والغيبة وأخذ ماله غصبا ونحو ذلك نظرت ، فإن كان المهاجر والفاعل لذلك من أقاربه وأرحامه لم تجز هجرته ، وإن كان غيره ، فهل تجوز هجرته أم لا ؟ على روايتين وهذا لفظ والده في الأمر بالمعروف أو معناه إلا أنه قال : وإن كان الحق غيره ، فهل تجوز على روايتين .
وقال : قد نص أحمد على معنى هذا التفصيل قال في رواية الفضل بن زياد وقد سأله رجل عن ابنة عم له تنال منه وتظلمه وتشتمه وتقذفه فقال : سلم عليها إذا لقيتها اقطع المصارمة ، المصارمة شديدة ، وهذا يدل على منع الهجر لأقاربه لحق نفسه .
وقال في رواية المروذي : وقد سأله رجل فقال : إن رجلا من أهل الخير قد تركت كلامه لأنه قذف مستورا بما ليس منه ولي قرابة يسكرون ، فقال : اذهب إلى ذلك الرجل حتى تكلمه ودع هؤلاء الذين يسكرون ، وهذا يدل على جواز ذلك في حق القريب ، ولا يجوز ذلك في حق الأجنبي ؛ لأنه أمره بكلام القاذف ، ومنعه من كلام الشارب مع كونه قرابة له .
وقال المروذي ذكر الطوسي ،

(1/300)


فقال : صاحب صلاة وخير ، فقيل : له تكلمه ؟ فنفض يده .
وقال : إنما أنكرت عليه كلامه في ذلك الرجل يعني بشر بن الحارث وقال : إنه قيل : من أم جعفر ، وهذا يدل على جواز ذلك لحق آدمي ؛ لأنه هجر الطوسي مع صلاحه لكلامه في بشر وذلك لحق آدمي .
قال القاضي : وإنما كره أحمد هجرة الأقارب لحق نفسه للأخبار في صلة الرحم ، وإنما أجازها في حق الله تعالى ، ومنعها في حق الغير على رواية المروذي في حق الأجنبي ؛ لأن حق الله عز وجل أضيق لأنه لا يدخله العفو وحق الآدمي أخف لأنه يدخله العفو ، ويبين هذا قول النبي : صلى الله عليه وسلم { فدين الله عز وجل أحق أن يقضى .
} وكلام أكثر الأصحاب يقتضي أنه لا فرق ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في مواضع ، وهو الأولى والأخبار في صلة الرحم تخص بأدلة الهجر ، وحق الآدمي فيه حق الله تعالى ، وهو مبني على المساهلة والمسامحة بخلاف حق الآدمي .

(1/301)


فصل ( لا تجوز الهجرة بخبر الواحد عما يوجب الهجرة ) .
قال القاضي : ولا تجوز الهجرة بخبر الواحد بما توجب الهجرة نص عليه في رواية أبي مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان فقال : حدثني ابن مكرم الصفار حدثنا مثنى بن جامع الأنباري قال : ذكر أبو عبد الله هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني حديث المثنى { كان لا يأخذ بالقرف ولا يصدق أحدا على أحد } فقال : إلى هذا أذهب أنا أو هذا مذهبي ابن مكرم يشك وروى أبو مزاحم حدثني ابن مكرم حدثني الحسن بن الصباح البزار حدثنا وكيع عن سفيان عن محمد بن جحادة عن الحسن قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأخذ بالقرف ولا يصدق أحدا على أحد } .
فإن قيل لا يمتنع أن يهجر بخبر الواحد ؛ لأنه يكسب التهمة كما يجوز الحبس بالتهمة لخبر بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن { النبي صلى الله عليه وسلم أنه حبس في تهمة } .
وقد قال أحمد في رواية المروذي وحنبل { : حبس النبي صلى الله عليه وسلم في تهمة } .
قيل : يحتمل أن يكون وجه الحديث أن رجلا ادعى على رجل حقا يتعلق بالمال وبالبدن ، وأقام شاهدين ظاهرهما العدالة ، ولم يعرف النبي صلى الله عليه وسلم عدالتهما في الباطن فحبس المشهود عليه ليسأل عن عدالتهما في الباطن ؛ لأن شهادتهما تهمة في حق المدعى عليه وهذا معدوم في مسألتنا انتهى كلام القاضي .
وقد حمل بعض أصحابنا كلام أحمد على ظاهره في الحبس في تهمة فيتوجه عليه الهجر بخبر الواحد وفي

(1/302)


المسألتين نظر والله أعلم .
والقرف التهمة يقال : قرفته بكذا إذا أضفته إليه وعبته واتهمته .
وقد تقدم في أوائل الكتاب عند ذكر الغيبة إخبار ابن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم بالذي قال من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فيما رواه أبو داود والترمذي ، أظنه من حديث ابن مسعود ونظيره إخبار زيد بن أرقم للنبي عن كلام عبد الله بن أبي ، وهو في الصحيحين ، وفيه أنزلت سورة المنافقين ، وقال ابن عبد البر قال معاذ بن جبل : إذا كان لك أخ في الله تعالى فلا تماره ولا تسمع فيه من أحد ، فربما قال لك ما ليس فيه فحال بينك وبينه ، وقد قيل : إن الوشاة كثير إن أطعتهم لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما الإل اختلف فيه ، واستشهد ابن الجوزي بهذا البيت على أنه القرابة وقيل أيضا : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا راسلتهم برسول أي : برسالة استشهد به ابن الجوزي في قوله تعالى : { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } المعنى إنا رسالة رب العالمين أي : ذوو رسالة رب العالمين هذا قول الزجاج .
وقال ابن قتيبة : الرسول يكون في معنى الجمع كقوله تعالى : { هؤلاء ضيفي } وقوله تعالى : { ثم يخرجكم طفلا } وروى الحاكم في تاريخه أن رجلا ذكر في مجلس مسلم بن قتيبة ، فتناوله بعض أهل المجلس ، فقال له سلم يا هذا أوحشتنا من نفسك ، وآيستنا من مودتك ، ودللتنا على عورتك سلم ثقة روى له البخاري توفي سنة مائتين .
فصل من عنده سماع لمبتدع فطلبه دفعه إليه لعل الله

(1/303)


ينقذ به .
نقله عبد الله ، وحضر زنديق مجلس أبي عبد الله فقال له إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : هذا عدو الله كبش الزنادقة ، فقال أبو عبد الله : من أمركم بهذا عمن أخذتم هذا ؟ دعوا الناس يأخذون العلم وينصرفون ، وقد تقدم ما يخالف هذا عن غير واحد من الأئمة .

(1/304)


فأما هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله فقال ابن عقيل يكره وكلام الأصحاب خلافه ولهذا قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : اقتصاره في الهجرة على الكراهة ليس بجيد بل من الكبائر على نص أحمد الكبيرة ما فيه حد في الدنيا ، أو وعيد في الآخرة .
وقد صح قوله عليه السلام { : فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار } .
وظاهر كلام الأكثر هنا ، لا فرق بين ثلاثة أيام ، وأكثر وكلامهم في النشوز يدل على هذا وذلك لظاهر ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله عز وجل ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره .
التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه } ، وفيهما أو في مسلم { ولا تنافسوا ولا تهجروا } .
وفي نسخة معتمدة { ولا تهاجروا ولا تقاطعوا ، إن الله عز وجل لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } التدابر المعاداة والمقاطعة ؛ لأن كل واحد يولي صاحبه دبره ، والتحسس بالحاء قيل : الاستماع لحديث قوم وبالجيم التفتيش عن العورات ، وقيل : بالحاء تطلبه لنفسك وبالجيم لغيرك ، وقيل : هما بمعنى ، وهو طلب معرفة ما غاب ، وحال ولا تهجروا ولا تهاجروا بمعنى ، والمراد النهي عن الهجرة ، وقطع الكلام ، وقيل : يجوز أن

(1/305)


يكون " لا تهجروا " أي : لا تتكلموا بالهجر بضم الهاء وهو الكلام القبيح .
وروى الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة { المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه } ، وذكر الحديث بمعنى بعض ما تقدم .
وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا { المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه } .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس } ، وفي لفظ { تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء ، فيقال : أنظروا هذين حتى يصطلحا } وفي رواية { إلا المتهاجرين } رواه مسلم الشحناء العداوة كأنه شحن قلبه بغضا أي : ملأه ، وكلامه في المستوعب وغيره على أنه لا يحرم في الثلاثة أيام للخبر { لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث } .
قال في شرح مسلم قال العلماء : رضي الله عنهم إنما عفي عنها في الثلاثة ؛ لأن الآدمي مجبول من الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك ، فعفي عنها في الثلاث ليزول ذلك العارض وسيأتي كلام أبي داود بعد هذا الخبر يوافق هذا ، وقيل : إن الخبر لا يدل على الهجرة في الثلاثة .
قال في شرح مسلم على مذهب من لا يحتج بالمفهوم : ويتوجه أولا أن الخبر في الهجر بعذر شرعي للخبر السابق .
والذي ذكر القاضي في المجرد والشيخ عبد القادر وغيرهما استحباب هجرة أهل البدع والأهواء والفساق أطلقوا ولم يفرقوا .

(1/306)


فصل ( في زوال الهجر ومسائل في الغيبة ومتى تباح بالسلام ) .
والهجر المحرم يزول بالسلام ذكره في الرعاية والمستوعب ، وزاد ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام عليه ثم قال في المستوعب : والهجران الجائز هجر ذوي البدع أو مجاهر بالكبائر ولا يصل إلى عقوبته ، ولا يقدم على موعظته ، أو لا يقبلها ، ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما قال في الفصول ليحذر منه ، أو يكسره عن الفسق ولا يقصد به الإزراء على المذكور ، والطعن فيه ولا فيما يشاور فيه من النكاح أو المخاطبة .
قال أبو طالب سئل أبو عبد الله عن الرجل يسأل الرجل يخطب إليه فيسأل عنه فيكون رجل سوء ، فيخبره { مثل ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لفاطمة : معاوية عائل ، وأبو جهم عصاه على عاتقه } .
يكون غيبة إن أخبره قال : { المستشار مؤتمن } يخبره بما فيه وهو أظهر ، ولكن يقول : ما أرضاه لك ونحو هذا حسن .
وعن الحسن بن علي أنه سأل ، أبا عبد الله عن معنى الغيبة يعني في النصيحة قال : إذا لم ترد عيب الرجل .
وقال الخلال : أخبرني حرب سمعت أحمد يقول : إذا كان الرجل معلنا بفسقه فليست له غيبة أخبرنا أبو عتبة ثنا ضمرة أنبأنا ابن شوذب عن الحسن قال : ليس للفاسق المعلن بفسقه غيبة .
أنبأنا أحمد بن منصور الرمادي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن زيد بن أسلم قال : إنما الغيبة لمن لم يعلن بالمعاصي وقال في رواية الفضل بن زياد في رجل صاحب قينات ومعازف يؤذي أهل المسجد إذا ذكر ما فيه لا يضر ؛ لأنه

(1/307)


قد أعلن لا يضره إذا حدث الناس عنه .
وقال محمد بن يحيى الكحال لأبي عبد الله : الغيبة أن يقول في الرجل ما فيه قال : نعم .
قلت : حديث بهز قال ليس له أصل ولفظه { أترغبون عن ذكر الفاسق كي يعرفه الناس ؟ اذكروه } ذكره القاضي وغيره وخبر بهز هذا له طرق عنه ، وهي ضعيفة قال بعضهم : وأمثلها الجارود بن يزيد وهو متروك .
وذكر ابن عبد البر في كتاب بهجة المجالس عن النبي : صلى الله عليه وسلم { ثلاثة لا غيبة فيهم الفاسق المعلن بفسقه ، وشارب الخمر ، والسلطان الجائر } قال : وقال أنس والحسن : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة فيه .
وقال الحجاج بن فرافصة قلت لمجاهد : الرجل يكون وقاعا في الناس فأقع فيه أله غيبة قال : لا قلت : من ذا الذي تحرم غيبته قال : رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين ، خفيف البطن من أموالهم ، أخرس اللسان عن أعراضهم ، فهذا حرام الغيبة ، ومن كان سوى ذلك فلا حرمة له ولا غيبة فيه ، فهذه في غير النصيحة .
ورواية الكحال تحريم الغيبة مطلقا ، والأشهر عنه الفرق بين المعلن وغيره ، وظاهر الفصول والمستوعب أن من جاز هجره جازت غيبته ، ومرادهما والله أعلم ومن لا فلا ، ورواية الكحال أيضا تدل على تحريم لقب كالأعمش ، وقد تقدمت في أوائل الكتاب ، وأن رواية الأثرم تدل على جوازه إذا لم يعرف إلا به .
وقد احتج البخاري على غيبة أهل الفساد وأهل الريب بقوله عليه السلام في { عيينة بن حصن لما استأذن عليه : بئس أخو العشيرة } ويأتي ما يتعلق بهذا خبر

(1/308)


عتبان بن مالك في إنكار المنكر المظنون ، وفي الصحيحين تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو بتبوك { : ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه ، فقال له : معاذ بن جبل بئس ما قلت ، فسكت رسول الله } ، ففيه الطعن بالاجتهاد والظن ، وأن من ظن غلط الطاعن رد عليه ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على واحد منهما ومن الغيبة للتظلم قوله تعالى : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } .
وقال ابن هبيرة في حديث معاذ { : واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ؛ } لقدرته سبحانه على العدل الذي أمر به قال : وعلى هذا أرى قوله تعالى : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } .
أن الاستثناء من الجنس ليس بمنقطع كما كان يقول الشيخ محمد بن يحيى الزبيدي .
وذلك أن المظلوم إذا شكا إلى الله تعالى اقتضى عدل الله عز وجل الإيقاع بظالمه فيحب الله سبحانه وتعالى أن يجهر المظلوم بالشكوى ليكون المقدر والإيقاع بالظالم مبسوط العذر عند الخلق ، وزاجرا لأمثاله عن أمثال فاعله ، وإنما يمهل الظالم من جهة أن الخلق إذا ملك أحدهم مملوكين فجنى على أحدهم جناية ، فإن أرشها لسيده ، فالخلق ملك لله عز وجل ، فلا اعتراض عليه ، فلولا هذه الحالة لما كنت أطمع للظالم أن يؤخر الإيقاع به طرفة عين .
انتهى كلامه .
والمروي عن ابن عباس في الآية : إلا أن يدعو المظلوم

(1/309)


على من ظلمه فإن الله تعالى قد أرخص له .
وعن الحسن والسدي إلا أن ينتصر المظلوم من ظالمه .
وعن مجاهد أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه .
وعنه أيضا إلا أن يجهر الضيف بذم من يضيفه .
وقرأ عبد الله بن عمرو وجماعة من التابعين بفتح الظاء قال ثعلب : هي مردودة على { ما يفعل الله بعذابكم } ؟ { إلا من ظلم } وقيل : المعنى إلا أن يجهر الظالم بالسوء ظلما ، وقيل : إلا أن يجهروا بالسوء للظالم .
فعلى هذا الاستثناء منقطع ، ومعناه لكن المظلوم يجوز له أن يجهر لظالمه بالسوء ، ولكن يجهر بالسوء واجهروا له بالسوء .
وقال ابن زيد { من ظلم } أي : أقام على النفاق فيجهر له بالسوء حتى ينزع ذكر ذلك ابن الجوزي ، ومن ذلك قول هند للنبي صلى الله عليه وسلم : { إن أبا سفيان رجل شحيح } ، وقول الحضرمي أو الكندي للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال : { لك يمينه فقال يا رسول الله : إنه رجل فاجر لا يبالي } قال في شرح مسلم : وفيه أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه : إنه ظالم ، أو فاجر أو نحوه يحتمل ذلك منه ، وما قاله ظاهر ، وظاهر كلام أصحابنا وغيرهم يؤاخذ بذلك ويتأول الخبر .
وروى أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن الشريد مرفوعا { لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته } قال أحمد : قال وكيع عرضه شكايته وعقوبته حبسه ، ولعل من هذا ما جرى بين العباس وعلي لما تحاكما في ذلك إلى عمر فكان كل منهما متأولا معذورا في قوله للآخر ، فإنه أشكل على جماعة حتى أسقطه بعضهم من الحديث ،

(1/310)


وهو في الصحيحين ولذلك لم ينكر عمر وعثمان وسعد والزبير وعبد الرحمن ما قيل ، لكن كان القول في الوجه .
وقد تقدم كلام الإمام أحمد في الاستعانة بالجيران وغيرهم على إزالة المنكر ، وفي الخبر الصحيح المشهور { خير دور الأنصار بنو فلان } الحديث قال في شرح مسلم : فيه جواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة ولا هوى ولا يكون هذا غيبة .
وهذا صحيح وهو كثير في كلام أحمد وغيره من الأئمة .

(1/311)


وليست الغيرة عذرا في غيبة ونحوها في ظاهر كلام أحمد ، والأصحاب لعموم الأدلة ، ويتوجه احتمال ، وهو معنى كلام ابن عقيل في الفنون فإنه قال : قل أن يصح رأي مع فورة طبع ، فوجب التوقف إلى حين الاعتدال ، وهو أيضا معنى ما اختاره الشيخ تقي الدين ، فإنه اختار أن لا يقع طلاق من غضب حتى تغير ، ولم يزل عقله كالمكره ، وذلك لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : { استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال : اللهم هالة بنت خويلد ، فقلت : وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها } ؟ الغيرة بفتح الغين مصدر غار الرجل يغار غيرة وغيرا وغارا .
والغيرة بكسر الغين الميرة والنفع .
.
وقولها : حمراء الشدقين أي : لم يبق بشدقها بياض شيء من الأسنان قد سقطت من الكبر .
قال الطبري وغيره من العلماء : الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبة عليهن فيها لما جبلن عليه من ذلك ، ولهذا لم يزجر عائشة وقال القاضي عياض : عندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها ، وأول شبيبها ، ولعلها لم تكن بلغت حينئذ ، كذا قال وهذا لا يمنع الإنكار زجرا وتأديبا كسائر المحرمات .
وفي الصحيحين أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إني أعرف إذا كنت راضية عني وإذا كنت علي غضبى قالت : فقلت : ومن أين تعرف ذلك ؟ قال : أما إذا كنت عني راضية

(1/312)


فإنك تقولين : لا ورب محمد ، وإذا كنت غضبى قلت : لا ورب إبراهيم قلت : أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك } قال القاضي عياض : مغاضبة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم هو مما سبق من الغيرة التي عفي عنها للنساء في كثير من الأحكام لعدم انفكاكهن منها حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة : يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة قال واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله } قال القاضي عياض : ولولا ذلك كان على عائشة رضي الله عنها في ذلك من الحرج ما فيه ، لأن الغضب على النبي صلى الله عليه وسلم وهجره كبيرة .
عظيمة ولهذا قالت لا أهجر إلا اسمك .
فدل على أن قلبها وحبها كما كان ، وإنما الغيرة في النساء لفرط المحبة .
انتهى كلامه .
وفي الصحيحين أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج أقرع بين نسائه ، فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجنا معه جميعا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الليل سار مع عائشة يتحدث معها فقالت حفصة لعائشة : ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين ، وأنظر قلت : بلى فركبت حفصة على بعير عائشة وركبت عائشة على بعير حفصة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم ، ثم سار معها حتى نزلوا ، فافتقدته عائشة فغارت فلما نزلت جعلت تجعل رجليها بين الإذخر وتقول يا رب

(1/313)


سلط علي عقربا أو حية تلدغني ، رسولك ولا أستطيع أقول له شيئا } .
قال أبو زكريا النووي في شرح مسلم : هذا الذي فعلته ، وقالته حملها عليه فرط الغيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن أمر الغيرة معفو عنه انتهى كلامه ، وما قاله لا يوافق مذهب الشافعي .
وروى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن عبد الله بن زيد عن الأزرق عن عقبة مرفوعا { : غيرتان إحداهما يحبها الله عز وجل ، والأخرى يبغضها الله عز وجل : الغيرة في الريبة يحبها الله ، والغيرة في غيرها يبغضها الله عز وجل ، والمخيلة إذا تصدق الرجل يحبها ، والمخيلة في الكبر يبغضها الله عز وجل وقال : ثلاث دعوات مستجابات دعوة المظلوم ، ودعوة الوالد ، ودعوة المسافر } .
ولابن ماجه من حديث أبي هريرة ذكر الغيرة فقط .
قيل : يحيى لم يسمع من زيد فدل ذلك على أن هذه الغيرة منهي عنها ، ويوافقه ما رواه أحمد والبخاري وغيرهما من حديث أبي هريرة { أنه عليه السلام قال له رجل : أوصني قال : لا تغضب فردد عليه قال : لا تغضب } وروى أحمد غير حديث في هذا المعنى ، وفي بعضها من رواية حميد عن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة أن الرجل قال : ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ، فإذا الغضب يجمع الشر كله ، وروي أيضا من حديث ابن عباس : { علموا ويسروا ولا تعسروا ، وإذا غضب أحدكم فليسكت ثلاثا } .
وروي عن { عبد الله بن عمر أنه سأل النبي صلى الله

(1/314)


عليه وسلم ماذا يباعدني من غضب الله عز وجل ؟ قال لا تغضب } .
فنهيه عنه دليل على دخوله تحت الوسع وإلا لم ينه عن المحال ، وما كان سببه محرما أو غير محرم تترتب عليه الأحكام مع وجود العقل إلا المكره لمعنى يختص به ، وظهر من هذا أن هذا السبب إن لم يكن معذورا فيه ، وزال عقله كان كزواله ببنج ونحوه على الخلاف فيه عندنا ، وإلا كان كسكر معذور فيه ، ونوم ونحوه ، وقد { أتى أبو موسى الأشعري النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله فوجده غضبان ، وحلف لا يحملهم وكفر } .
الحديث .
{ وسأله رجل عن ضالة الإبل ، فغضب حتى احمرت وجنتاه ، واحمر وجهه ثم قال : ما لك ولها ؟ دعها } الحديث وهما في الصحيحين .
{ وكان عليه السلام عند بعض نسائه فأهدى بعضهن إليه طعاما فضربت يد الخادم ، فسقطت الصحفة فانفلقت فجمع الطعام ويقول : غارت أمكم ثم أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها فدفعها إلى التي كسرت صحفتها ، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرتها .
} رواه البخاري من حديث أنس والدارقطني ، فصارت قضية من كسر شيئا فهو له وعليه مثله .
ولأحمد وأبي داود والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها { أخذتني رعدة من شدة الغيرة ، فكسرت الإناء ، ثم ندمت فقلت يا رسول الله : ما كفارة ما صنعت ؟ فقال : إناء مثل إناء ، وطعام مثل طعام } .
وروى أبو داود في باب ترك السلام على أهل الأهواء حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت البناني عن سمية عن عائشة أنه { اعتل بعير لصفية

(1/315)


بنت حيي ، وعند زينب فضل ظهر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب : أعطيها بعيرك فقالت : أنا أعطي تلك اليهودية ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر .
} سمية تفرد عنها ثابت ؛ ولأنه قول ابن عباس وغيره وقد ظهر من ذلك الجواب عما تقدم مع أنه يحتمل أن الإنكار اختصره الراوي ، وأنه كان قد تقدم من النبي فاكتفى به .
والحديث الأخير ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك ، وظهر أيضا الجواب عما قال البخاري : باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب ، ثم روى قصة الأنصاري لما سمع اليهودي يقول : والذي اصطفى موسى على البشر ، فغضب فلطمه ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ لأن الغضب مع وجود العقل لا يسامح بسببه في الأفعال هذا إن لم يكن جزاء هذا الفعل اختصره الراوي من هذه القصة للعلم به ووضوحه ، لكنه خلاف الظاهر ، ولهذا فهم البخاري خلافه ، والله سبحانه أعلم .
وفي الصحيحين من حديث { ابن عباس أنه سأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم } وذكر القصة ، { ودخول عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وقوله : لو رأيتنا يا رسول الله ، وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فغضبت على امرأتي يوما ، فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت : ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي

(1/316)


صلى الله عليه وسلم ليراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فقلت : قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عز وجل عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد هلكت .
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت : لا يغرنك أن كانت جارتك أوسم منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منك فتبسم أخرى فقلت : أستأنس يا رسول الله ؟ قال : " نعم " فجلست فرفعت رأسي في البيت فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهبا ثلاثة فقلت : ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك ، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله عز وجل ، فاستوى جالسا ثم قال : أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ ، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت : استغفر لي يا رسول الله ، وكان قد أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن ، حتى عاتبه الله عز وجل على موجدته أي : غضبه } .

(1/317)


وقال في المستوعب في موضع آخر : ويكره هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاث إلا أن يكون من أهل الأهواء والبدع والفساق المدمنين على ذلك انتهى كلامه ، والأولى التحريم كما تقدم وقال عليه السلام { : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ، ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام } وفي رواية " فيصد هذا ويصد هذا " .
متفق عليه من حديث أبي أيوب " يصد " بضم الصاد يعرض أي : يوليه عرضه بضم العين أي : جانبه .
وروى أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة عن هشام بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على إصرارهما ، وأولهما فيئا يكون سبقه بالفيء كفارة له ، فإن سلم فلم يقبل ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة ورد عليه الشيطان ، وإن ماتا على إصرارهما لم يدخلا الجنة جميعا أبدا } إسناده جيد .
وعن أبي هريرة مرفوعا { لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث فإن مرت به ثلاث ، فليلقه فليسلم عليه ، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر ، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم ، وخرج المسلم من الهجرة } رواه أبو داود .
حدثنا أحمد بن سعيد السرخسي أن أبا عامر أخبرهم حدثنا محمد بن هلال حدثني أبي عن أبي هريرة فذكره ، وقال : " إذا كانت الهجرة لله عز وجل فليس من هذا في شيء عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل انتهى كلامه " .

(1/318)


أبو عامر هو العقدي عبد الملك بن عمرو وهلال لم يرو عنه غير ابنه ووثقه ابن حبان وباقيه جيد .
ولأبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه " فإن فوق ثلاث فمات دخل النار " حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن خالد حدثنا ابن عثمان حدثنا عبد الله بن المسيب أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا فذكره وفيه " فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرات كل ذلك لا يرد عليه باء بإثمه " حديث حسن .
وروى أبو حفص عن أبي هريرة مرفوعا { السلام يقطع الهجران } وذكر النواوي رحمه الله أن مذهب مالك والشافعي ، ومن وافقهما يزول الهجر المحرم بالسلام ، وقال أحمد وابن القاسم المالكي إن كان يؤديه لم يقطع السلام هجرته .
انتهى كلامه .
وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن السلام يقطع الهجران ؟ فقال : قد يسلم عليه وقد صد عنه ، ثم قال أبو عبد الله : النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا } فإذا كان قد عوده أن يكلمه ، وأن يصافحه ، ثم قال : إلا أنه ما كان من هجران في شيء يخالف عليه فيه الكفر فهو جائز ، ثم قال أبو عبد الله : النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة كعب بن مالك حين خاف عليهم ولم يدر ما يقول فيهم : " لا تكلموهم " قيل لأبي عبد الله : عمر قال في صبيغ : لا تجالسوه ، قال : المجالسة الآن غير الكلام قلت لأبي عبد الله : كان لي جار يشرب المسكر أسلم عليه ؟ فسكت ، وقد قال لي في بعض هذا الكلام : لا تسلم عليه ولا تجالسه .

(1/319)


قال القاضي : في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظاهر كلام أحمد أنه لا يخرج من الهجرة بمجرد السلام بل يعود إلى حاله مع المهجور قبل الهجرة ، وذكر رواية الأثرم وقول أحمد في رواية محمد بن حبيب وقد سئل عن الرجل لا يكلم الرجل أيجربه السلام من الصرم ؟ فقال : أتخوف من أجل أنهما يصد أحدهما عن صاحبه ، وقد كانا متآنسين يلقى أحدهما صاحبه بالبشر إلا أن يتخوف منه نفاقا قال : وإنما لم يجعله أحمد خارجا من الهجرة بمجرد السلام حتى يعود إلى عادته معه في الاجتماع والمؤانسة ؛ لأن الهجرة لا تزول إلا بعوده إلى عادته معه انتهى كلام القاضي وتقدم قول أحمد في الذي تشتمه ابنة عمه إذا لقيها : سلم عليها اقطع المصارمة ؟ فظاهره أن السلام يقطعها مطلقا ، وظاهر قول أصحابنا أن الهجر محرم لا يزول بغير ذلك ، ونص عليه الشافعي رواه عنه البيهقي ، ويتوجه على قول من جعل من أصحابنا الكتابة والمراسلة كلاما أن يزول الهجر المحرم بها .
ثم وجدت ابن عقيل ذكره وللشافعي وجهان قال الشيخ محيي الدين النواوي : وأصحهما يزول لزوال الوحشة .
انتهى كلامه .
وأنشد بعضهم : لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا فيكشف الله سترا من مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحدا منهم بما فيكا واستغن بالله عن كل فإن به غنى لكل وثق بالله يكفيكا وقال صاحب المختار من الحنفية : ولا غيبة لظالم ولا لفاسق ولا إثم في السعي به ولا غيبة إلا لمعلوم ولا غيبة لأهل قرية ،

(1/320)


وكذا ذكر القاضي عياض وغيره في غير المعين ، وخالف فيه بعضهم ذكره النواوي في حديث أم زرع ، والأول مأثور عن إبراهيم ، ولم يذكر أصحابنا هذا ، والظاهر أنهم لا يريدون هذا فظاهر كلام بعضهم إن عرف بعد البحث لم يجز ، وإلا جاز فليس هذا ببعيد ، وذكر في المحيط أن الغيبة حرام إلا في حال ، وهو أن يكون رجلا يضر الناس باللسان ، واليد فلا غيبة في ذكره لقوله عليه السلام : { اذكروا الفاجر بما فيه } وذكر الشيخ تقي الدين إن المظهر للمحرمات تجوز غيبته بلا نزاع بين العلماء ، قال : وفي حديث آخر { من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له } .
وهذا الخبر من رواية الربيع بن بدر عن أبان ، وهما ضعيفان ، وعن أنس مرفوعا وسئل أيضا عن غيبة تارك الصلاة ، فقال : إذا قيل عنه : إنه تارك الصلاة وكان تاركها فهذا جائز ، وينبغي أن يشاع ذلك عنه ، ويهجر حتى يصلي .
وقال الشيخ تقي الدين في المستتر : ويذكر أمره على وجه النصيحة ، وقال أيضا : يجب أن يكون على وجه النصح ، وابتغاء وجه الله تعالى ، وإن تصدق بعرضه على من اغتابه قبل أن يغتابه ، فإسقاط للحق قبل وجود سببه ، وحديث أبي ضمضم أنه كان يتصدق بعرضه إذا أصبح لعل المراد من غيبته وقعت مع أنا لا نسلم صحته .

(1/321)


فصل ( في الاستعانة بأهل الأهواء وأهل الكتاب في الدولة ) .
قال أبو علي بن الحسين بن أحمد بن الفضل البلخي دخلت على أحمد ابن حنبل ، فجاءه رسول الخليفة يسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء .
فقال أحمد : لا يستعان بهم قال : يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم قال : إن النصارى واليهود لا يدعون إلى أديانهم ، وأصحاب الأهواء داعية .
عزاه الشيخ تقي الدين إلى مناقب البيهقي وابن الجوزي يعني للإمام أحمد ، وقال : فالنهي عن الاستعانة بالداعية لما فيه من الضرر على الأمة انتهى كلامه ، وهو كما ذكر .
وفي جامع الخلال عن الإمام أحمد أن أصحاب بشر المريسي ، وأهل البدع والأهواء لا ينبغي أن يستعان بهم في شيء من أمور المسلمين .
فإن في ذلك أعظم الضرر على الدين والمسلمين وروى البيهقي في مناقب أحمد عن محمد بن أحمد بن منصور المروذي أنه استأذن على أحمد بن حنبل ، فأذن فجاء أربعة رسل المتوكل يسألونه فقالوا : الجهمية يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها أولى أم اليهود والنصارى ؟ فقال أحمد : أما الجهمية فلا يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها ، وأما اليهود والنصارى فلا بأس أن يستعان بهم في بعض الأمور التي لا يسلطون فيها على المسلمين حتى لا يكونوا تحت أيديهم ، قد استعان بهم السلف .
قال محمد بن أحمد المروذي أيستعان باليهود والنصارى وهما مشركان ، ولا يستعان بالجهمي ؟ قال : يا بني يغتر بهم المسلمون وأولئك لا يغتر بهم المسلمون .

(1/322)


فصل ( في حظر حبس أهل البدع لبدعتهم ) .
قال المروذي : سألت أبا عبد الله عن قوم من أهل البدع يتعرضون ويكفرون قال : لا تتعرضوا لهم قلت : وأي شيء تكره من أن يحبسوا ؟ قال : لهم والدات وأخوات ، قلت : فإنهم قد حبسوا رجلا وظلموه ، وقد سألوني أن أتكلم في أمره حتى يخرج ، فقال : إن كان يحبس منهم أحد فلا ، ثم قال أبو عبد الله : هذا جارنا حبس ذلك الرجل فمات في السجن ، وأظن أنه قال غير مرة كيف حكى أبو بكر بن خلاد فقلت له .
قال : كنت عند ابن عيينة قاعدا فجاء الفضيل فقال : لا تجالسوه يعني لابن عيينة تحبس رجلا في السجن ؟ ما يؤمنك أن يقع السجن عليه قم فأخرجه فعجب أبو عبد الله وجعل يستحسنه .

(1/323)


فصل ( في إنكار المنكر الخفي والبعيد والماضي ) .
قال في الرعاية : ويحرم التعرض لمنكر فعل خفي على الأشهر ، أو مستور ، أو ماض ، أو بعيد ، وقيل : يجهل فاعله ، ومحله انتهى كلامه .
وقال أيضا ، والإنكار فيما فات ومضى إلا في العقائد والآراء قال القاضي في الماضي يشترط أن يعلم استمرار الفاعل على فعل المنكر ، فإن علم من حاله ترك الاستمرار على الفعل لم يجز إنكار ما وقع على الفعل ، كذا قال فإن كان مراده أنه ندم ، وأقلع وتاب ، فصحيح ، لكن هل يجوز في هذه الحال ويرفعه إلى ولي الأمر ليقيم الحد ؟ ينبني على سقوطه بالتوبة فإن اعتقد الشاهد سقوطه لم يرفعه وإلا رفعه ، وبين الحال كما قاله في المغني فيمن شهد برهن الرهن ثانيا على دين أخذه الراهن من المرتهن ، وجعله الراهن رهنا بهما .
وأما إذا كان مصرا على المحرم ولم يتب ، فهذا يجب إنكار الفعل الماضي وإصراره ، وهل يرفعه إلى ولي الأمر ؟ قد تقدم الكلام في وجوب الستر واستحبابه ، والتفرقة فيه ، ولهذا تقبل الشهادة عندنا بسبب قديم يوجب الحد في المشهور من المذهب ، فهذا إنكار ، وإقامة شهادة ، وعلل المنع بما روي عن عمر : إنما شهد لضغن ولم يعلل بأن الشاهد فعل ما لا يجوز .
وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { احتج آدم وموسى فقال موسى : يا آدم خيبتنا وأخرجتنا من الجنة } وفي لفظ : { تحاج آدم وموسى فقال له موسى : أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم

(1/324)


من الجنة } .
وفي لفظ { احتج آدم وموسى عند ربهما عز وجل فقال موسى : أنت آدم خلقك الله عز وجل بيده ، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا ، فبكم وجدت الله عز وجل كتب التوراة قبل أن أخلق ؟ قال موسى : بأربعين عاما قال آدم : فهل وجدت فيها : { وعصى آدم ربه فغوى } قال : نعم ، قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله عز وجل علي أن أعمله قبل أن أخلق بأربعين سنة ؟ } هو في الألفاظ كلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فحج آدم موسى } وللبخاري في رواية { فحج آدم موسى ثلاثا } والمراد بقوله : أتلومني على أمر قدره الله عز وجل علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ هذه الكتابة في التوراة كتصريح هذه الرواية ؛ لأن علم الله عز وجل وما قدره وأراده قديم ، وآدم مرفوع بالاتفاق أي : غلب فظهر بالحجة .
قال في شرح مسلم : ومعنى كلام آدم إنك يا موسى تعلم أن هذا كتب وقدر علي فلا بد من وقوعه فلا تلومني على ذلك ؛ لأن اللوم على الذنب شرعي لا عقلي ، وإذ تاب الله عز وجل على آدم ، وغفر له زال عنه اللوم ، فمن لامه كان محجوجا بالشرع .
فإن قيل : فالعاصي منا لو قال : هذه المعصية قدرها الله عز وجل علي لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك ، وإن كان صادقا فيما قاله .
( فالجواب ) أن هذا العاصي باق في دار التكليف جار

(1/325)


عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم وغيرهما ، وفي زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل ، وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت ، فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف ، وعن الحاجة إلى الزجر ، ففي القول إيذاء له ، وتخجيل بلا فائدة انتهى كلامه .
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : رحمة الله على موسى قال : لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله لا لأجل كونها ذنبا ، ولهذا احتج عليه آدم عليه السلام بالقدر ، وأما كونه لأجل الذنب كما يظنه طوائف من الناس فليس مرادا بالحديث ، فإن آدم عليه السلام كان قد تاب من الذنب ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لوم التائب باتفاق الناس ، وأيضا فإن آدم عليه السلام احتج بالقدر ، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين وسائر أهل الملل وسائر العقلاء .
وقال أيضا في كتاب الفرقان : وهذا الحديث قد ضلت به طائفتان طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله عز وجل لأجل القدر ، وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون أن لهم فعلا .
ومن الناس من قال : إنما حجه ؛ لأنه أبوه أو لأنه قد تاب أو لأن الذنب كان في شريعة ، واللوم في أخرى ، أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة ، وكل هذا باطل ، ولكن وجه الحديث أن موسى عليه السلام لم يلم إياه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة ، فقال : لماذا أخرجتنا

(1/326)


ونفسك من الجنة ، لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبا ، وتاب منه فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام ، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل : { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } .
والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم ، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب قال تعالى : { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك } : فأمره بالصبر على المصائب ، والاستغفار من المعائب انتهى كلامه .
وهو وكلام غيره يدل على أن الذنب الماضي يلام صاحبه وينكر عليه إذا لم يتب وقد تقدم ذكر الذي في شرح مسلم .
ونص الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية عبد الله والمروذي وأبي طالب وغيرهم في الطنبور ووعاء الخمر وأشباه ذلك يكون مغطى لا نعرض له ، ونص في رواية إسحاق ، ومحمد بن أبي حرب أيضا على أنه ينكره ويتلفه .
وقال أبو الحسين : هل يجب إنكار المغطى ؟ على روايتين أصحهما : يجب ؛ لأنا تحققنا المنكر .
( الثانية ) : لا يجب كأهل الذمة إذا أظهروا الخمر أنكر عليهم ، وإذا ستروه لم يتعرض لهم ، وكذا في الترغيب أنه يجب في أصح الروايتين .
وفي معتقد ابن عقيل : ولا يكشف من المعاصي ما لم يظهر ، وكذا قال ابن الجوزي : من تستر بالمعصية في داره ، وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس عليه إلا أن يظهر ما يعرفه كأصوات المزامير والعيدان فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي ، وإن فاحت روائح الخمر ، فالأظهر جواز الإنكار وسيأتي كلام ابن عقيل

(1/327)


فيه في فصول اللباس .
قال ابن الجوزي : قال المفسرون والتجسس البحث عن عيب المسلمين وعوراتهم ، فالمعنى لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذا ستره الله عز وجل .
وقيل لابن مسعود : هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا قال : إنا نهينا عن التجسس ، فإن يظهر لنا شيء نأخذ به انتهى كلامه .
وقال عبد الكريم بن الهيثم العاقولي : سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يسمع صوت الطبل والمزمار لا يعرف مكانه ، فقال : وما عليك وما غاب عنك ؟ فلا تفتش .
ونقل يوسف وغيره وما عليك إذا لم تعرف مكانه .
وقال محمد بن أبي حرب : سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه ، قال : يأمره فإن لم يقبل يجمع عليه ويهول عليه .
ونقل جعفر فيمن يسمع صوت الغناء في الطريق .
قال : هذا قد ظهر ، عليه أن ينهاهم ورأي أن ينكر الطبل يعني إذا سمع صوته .
وقيل له : مررنا بقوم قد أشرفوا من علية لهم يغنون فجئنا صاحب الخبر أخبرناه فقال : لم تكلموا في الموضع الذي سمعتم ؟ فقيل : لا ، قال : كان يعجبني أن تكلموا ، ثم قال : لعل الناس كانوا يجتمعون وكانوا يشهرون .
وهذا معنى ما ذكره الأصحاب في باب الوليمة أنه لزم القادر الحضور والإنكار ، وإلا لم يحضر وانصرف .
وقال القاضي في المعتمد : ولا يجب على العالم والعامي أن يكشف منكرا قد ستر ، بل محظور عليه كشفه لقول الله تعالى : { ولا تجسسوا } .
وقال الشيخ تقي الدين : ومن كان قادرا على إراقة الخمر وجب عليه إراقتها ، ولا ضمان

(1/328)


عليه ، وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر ، فإنهم يعاقبون عليه أيضا بإراقتها ، وشق ظروفها وكسر دنانها ، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم .
وهذا ظاهر في إنكار المنكر المستور ، ولم نجد فيه خلافا ، ومعناه كلام صاحب النظم ، قال في الرعاية بعد كلامه السابق : وقيل : من علم منكرا قريبا منه في دار ونحوها دخلها ، وأنكره .
وقال صاحب النظم : المستتر من فعله بموضع لا يعلم به غالبا إما لبعده أو نحوه غير من حضره ويكتمه ، وأما من فعله بموضع يعلم به جيرانه ، ولو في داره فإن هذا معلن مجاهر غير مستتر .

(1/329)


فصل ( ينبغي الإنكار على الفعل غير المشروع وإن كثر فاعلوه ) .
ينبغي أن يعرف أن كثيرا من الأمور يفعل فيها كثير من الناس خلاف الأمر الشرعي ، ويشتهر ذلك بينهم ويقتدي كثير من الناس بهم في فعلهم .
والذي يتعين على العارف مخالفتهم في ذلك قولا وفعلا ، ولا يثبطه عن ذلك وحدته وقلة الرفيق ، وقد قال الشيخ محيي الدين النووي : ولا يغتر الإنسان بكثرة الفاعلين لهذا الذي نهينا عنه ممن لا يراعي هذه الآداب ، وامتثل ما قاله السيد الجليل الفضيل بن عياض : لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها ، ولا تغتر بكثرة الهالكين .
وقال أبو الوفاء ابن عقيل في الفنون : من صدر اعتقاده عن برهان لم يبق عنده تلون يراعي به أحوال الرجال .
{ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } .
كان الصديق رضي الله عنه ممن يثبت على اختلاف الأحوال فلم تتقلب به الأحوال في كل مقام زلت به الأقدام إلى أن قال : وقد يكون الإنسان مسلما إلى أن يضيق به عيش ، وإنما ديننا مبني على شعث الدنيا وصلاح الآخرة فمن طلب به العاجلة أخطأ .

(1/330)


فصل ( في تمييز الأعمال وانقسام الفعل الواحد بالنوع إلى طاعة ومعصية بالنية .
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى : قاعدة نافعة عامة في الأعمال ) وذلك أنها تشتبه دائما في الظاهر ، مع افتراقها في الحقيقة والباطن حتى تكون صورة الخير والشر واحدة ، وإنما المفرق بينهما الباطن ذلك إلى فعل ما هو شر باعتبار الباطن مع ظن الفاعل ، أو غيره أنه خير ، وإلى ترك ما هو خير مع ظن التارك وغيره أنه ترك شرا ، إلا من عصمه الله تعالى بالهداية ، وحسن النية ، وأكثر ما يبتلى الناس بذلك عند الشهوات والشبهات ، وهذا الأصل هو مذهب أهل السنة وجماهير المسلمين إن الفعل الواحد بالنوع ينقسم إلى طاعة ومعصية ، وإن اختلفوا في الواحد بالشخص ، هل تجتمع فيه الجهتان ؟ وخالف أبو هاشم في الواحد بالنوع أيضا .
واتفق الناس على أن النوع الواحد من أن الحيوان كالآدمي ينقسم إلى مطيع وعاص .
واختلفوا في الشخص الواحد هل يجتمع فيه استحقاق الثواب والعقاب ، والمدح والذم ؟ فذهب أهل السنة المانعون من تخلد أهل الكبائر لجواز ذلك ، وأباه المخلدة ، وأنا أذكر لذلك أمثالا يتفطن لها اللبيب حتى تحقق النية في العمل ، فإنها هي الفارقة كما قال النبي : صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات } فإن هذه كلمة جامعة ، عظيمة القدر .
فمن الأمثلة الظاهرة في الأعمال : الصلاة والصدقة والجهاد والحكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك الصادر من المرائي الذي يريد العلو في

(1/331)


الأرض ، ورياء الناس ، ومن المخلص الذي يريد وجه الله والدار الآخرة ، ومن الأمثلة في الترك أن التقوى والورع الذي هو ترك المحرمات ، والشبهات من الكذب والظلم ، وفروع ذلك في الدماء والأموال والأعراض تشتبه بالجبن والبخل والكبر فقد يترك الرجل من شهادة الحق الواجب إظهارها ما يظن أن يتركه خوفا من الكذب ، وإنما تركه جبنا عن الحق ، ويترك الجهاد ، وإقامة الحدود ظنا أنه يتركه خوفا من الظلم ، وإنما تركه جبنا ويترك فعل المعروف والإحسان إلى الناس ظنا أنه تركه ورعا من الظلم إذا كان المحسن إليه يخاف منه الظلم ، وإنما تركه بخلا إذا لم يكن في نفس ذلك إعانة على الظلم ، وقد يترك قضاء الحقوق الشرعية من الابتداء بالسلام ، وعيادة المريض ، وشهود الجنائز والتواضع في الأخلاق ، وتحمل الشهادة وأدائها ، وغير ذلك ظنا منه أنه تركه لئلا يفضي إلى مخالطة الظلمة والخونة والكذبة ، وإنما تركه كبرا وترأسا عليهم ، كما أنه يفعل ذلك ظنا أنه فعله لأجل الحقوق الشرعية ، ومكارم الأخلاق ، وإنما فعله رغبة إليهم حرصا وطمعا أو رهبة منهم .
وقول النبي : صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى } ثم قسم الهجرة الواحدة بالنوع إلى قسمين من أجل حديث على وجه الأرض .

(1/332)


فصل ( لا ينبغي ترك العمل المشروع خوف الرياء ) .
مما يقع للإنسان أنه أراد فعل طاعة يقوم عنده شيء يحمله على تركها خوف وقوعها على وجه الرياء ، والذي ينبغي عدم الالتفات إلى ذلك ، وللإنسان أن يفعل ما أمره الله عز وجل به ورغبه فيه ، ويستعين بالله تعالى ، ويتوكل عليه في وقوع الفعل منه على الوجه الشرعي .
وقد قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله : لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفا من أن يظن به الرياء بل يذكر بهما جميعا ، ويقصد به وجه الله عز وجل ، وذكر قول الفضيل بن عياض رحمه الله : إن ترك العمل لأجل الناس رياء ، والعمل لأجل الناس شرك قال : فلو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير .
انتهى كلامه .
قال أبو الفرج بن الجوزي فأما ترك الطاعات خوفا من الرياء فإن كان الباعث له على الطاعة غير الدين فهذا ينبغي أن يترك ؛ لأنه معصية ، وإن كان الباعث على ذلك الدين وكان ذلك لأجل الله عز وجل مخلصا فلا ينبغي أن يترك العمل ؛ لأن الباعث الدين ، وكذلك إذا ترك العمل خوفا من أن يقال : مراء ، فلا ينبغي ذلك لأنه من مكايد الشيطان .
قال إبراهيم النخعي : إذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة ، فقال : إنك مراء فزدها طولا ، وأما ما روي عن بعض السلف أنه ترك العبادة خوفا من الرياء ، فيحمل هذا على أنهم أحسوا من نفوسهم بنوع تزين فقطعوا ، وهو كما قال ، ومن هذا قول الأعمش كنت عند

(1/333)


إبراهيم النخعي ، وهو يقرأ في المصحف فاستأذن رجل فغطى المصحف ، وقال : لا يظن أني أقرأ فيه كل ساعة ، وإذا كان لا يترك العبادة خوف وقوعها على وجه الرياء فأولى أن لا يترك خوف عجب يطرأ بعدها .
وقد تقدم شيء في العجب قبل فصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويأتي قبل فصول اللباس في الدخول على السلطان يأمره وينهاه قول داود الطائي أخاف عليه السوط ، قال : إنه يقوى قال : أخاف عليه السيف قال : إنه يقوى قال : أخاف عليه الداء الدفين : العجب .

(1/334)


فصل ( في تفاوت الأجر لمن يشق عليه العمل ومن لا يشق ) .
قال الخلال : كتب إلي يوسف بن عبد الله الإسكاف حدثنا الحسن بن علي بن الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن الرجل يشرع له وجه بر ، فيحمل نفسه على الكراهة ، وآخر يشرع له فيسر بذلك أيهما أفضل قال : ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم { من تعلم القرآن ، وهو كبير يشق عليه أن له أجرين } .
وفي الصحيحين عن عائشة مرفوعا { الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ، ويتتعتع فيه له أجران } .
السفرة الرسل لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله تعالى ، وقيل : الكتبة ، والبررة المطيعون ، والذي يتتعتع فيه له أجر بالقراءة ، وأجر بتعبه قال في شرح مسلم قال القاضي عياض وغيره من العلماء : والماهر أفضل ، وأكثر أجرا فإنه مع السفرة ، وله أجور كثيرة يذكر هذه المنزلة لغيره ، وكيف يلتحق به من لم يعتن بكتاب الله عز وجل وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته ودراسته كاعتنائه حتى مهر فيه ، فظاهر هذا يناقض ما تقدم عن الإمام أحمد رضي الله عنه قال الله عز وجل : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } .
وقد يقال : مراد أحمد رضي الله عنه إذا اعتنى جهده ، وهو يشق عليه ، ومراد القاضي عياض وغيره إذا حصل منه تقصير ، والله سبحانه أعلم .

(1/335)


حكم اللعن ، ولعن المعين ) .
ويجوز لعن الكفار عاما ، وهل يجوز لعن كافر معين ؟ على روايتين قال الشيخ تقي الدين : ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز ، وأما لعنه المعين ، فالأولى تركها ؛ لأنه يمكن أن يتوب .
وقال في موضع آخر : قيل : لأحمد ابن حنبل أيؤخذ الحديث عن يزيد فقال : لا ولا كرامة أو ليس هو فعل بأهل المدينة ما فعل ؟ وقيل له : إن أقواما يقولون : إنا نحب يزيد فقال : وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم الآخر ؟ فقيل له : أو لا تلعنه ؟ فقال : متى رأيت أباك يلعن أحدا .
وقال الشيخ تقي الدين أيضا في موضع آخر في لعن المعين من الكفار من أهل القبلة وغيرهم ، ومن الفساق بالاعتقاد ، أو بالعمل : لأصحابنا فيها أقوال ( أحدها : ) أنه لا يجوز بحال ، وهو قولي أبي بكر وعبد العزيز ( والثاني : ) يجوز في الكافر دون الفاسق ( والثالث ) يجوز مطلقا قال ابن الجوزي : في لعنة يزيد أجازها العلماء الورعون منهم أحمد بن حنبل ، وأنكر ذلك عليه الشيخ عبد المغيث الحربي ، وأكثر أصحابنا ، لكن منهم من بنى الأمر على أنه لم يثبت فسقه ، وكلام عبد المغيث يقتضي ذلك ، وفيه نوع انتصار ضعيف ، ومنهم من بنى الأمر على أن لا يلعن الفاسق المعين ، وشنع ابن الجوزي على من أنكر استجازة ذم المذموم ، ولعن الملعون كيزيد .
قال : وقد ذكر أحمد في حق يزيد ما يزيد على اللعنة ، وذكر رواية مهنا سألت أحمد عن يزيد ، فقال : هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل .
قلت : فيذكر عنه الحديث ؟ قال

(1/336)


: لا يذكر عنه الحديث لا ينبغي لأحد أن يكتب عنه حديثا .
قلت : ومن كان معه حين فعل ؟ فقال : أهل الشام ، قال الشيخ تقي الدين : هذا أكثر ما يدل على الفسق لا على لعنة المعين .
وذكر ابن الجوزي : ما ذكره القاضي في المعتمد من رواية صالح وما لي لا ألعن من لعنه الله عز وجل في كتابه .
إن صحت الرواية قال : وقد صنف القاضي أبو الحسين كتابا في بيان من يستحق اللعن ، وذكر فيهم يزيد قال : وقد جاء في الحديث لعن من فعل ما لا يقارب معشار عشر ما فعل يزيد ، وذكر الفعل العام كلعن الوامصة وأمثاله ، وذكر رواية أبي طالب سألت أحمد بن حنبل عمن قال : لعن الله يزيد بن معاوية .
فقال : لا تكلم في هذا ، الإمساك أحب إلي .
قال ابن الجوزي : هذه الرواية تدل على اشتغال الإنسان بنفسه عن لعن غيره .
والأولى على جواز اللعنة كما قلنا في تقديم التسبيح على لعنة إبليس ، وسلم ابن الجوزي أن ترك اللعن أولى ، وقد روى مسلم عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله ادع الله على المشركين قال : { إني لم أبعث لعانا ، وإنما بعثت رحمة } قال ابن الجوزي : وقد لعن أحمد بن حنبل من يستحق اللعن .
فقال في رواية مسدد : قالت الواقفية الملعونة ، والمعتزلة الملعونة .
وقال عبيد الله بن أحمد الحنبلي : سمعت أحمد بن حنبل يقول على الجهمية : لعنة الله ، وكان الحسن يلعن الحجاج ، وأحمد يقول : الحجاج رجل سوء .
قال الشيخ تقي الدين : ليس في هذا عن أحمد لعنة معين ، لكن قول الحسن نعم .
وقال ابن

(1/337)


الجوزي قال الفقهاء : لا تجوز ولاية المفضول على الفاضل إلا أن يكون هناك مانع إما خوف فتنة ، أو يكون الفاضل غير عالم بالسياسة لحديث عمر في السقيفة ، وحديث أبي بكر في تولية عمر رضي الله عنهما وأجاب من قال : كان خارجيا بأن الخارجي من خرج على مستحق ، وإنما خرج الحسين رضي الله عنه لدفع الباطل وإقامة الحق .
وقال ابن الجوزي : نقلت من خط ابن عقيل قال : قال رجل : كان الحسين رضي الله عنه خارجيا ، فبلغ ذلك من قلبي ، فقلت : لو عاش إبراهيم رضي الله عنه صلح أن يكون نبيا ، فهب أن الحسن والحسين نزلا عن رتبة إبراهيم مع كونه سماهما ابنيه ، أو لا يصيب ولد ولده أن يكون إماما بعده ؟ فأما تسميته خارجيا وإخراجه عن الإمامة لأجل صولة بني أمية هذا ما لا يقتضيه عقل ولا دين ، قال ابن عقيل : ومتى حدثتك نفسك وفاء الناس فلا تصدق ، هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس حقوقا على الخلق إلى أن قال : { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } .
فقتلوا أصحابه وأهلكوا أولاده ، وقال الشيخ تقي الدين : فقد جوز ابن الجوزي الخروج على غير العادل ، وفسر ابن عقيل الآية بالتفسير المرجوح .
وفي البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم } وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد في خلافة أبيه معاوية ، وكان في الجيش أبو أيوب الأنصاري ، قال الشيخ تقي الدين : والجيش عدد معين لا مطلق ، وشمول المغفرة

(1/338)


لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد واحد من الظالمين ، فإن هذا حصر ، والجيش معينون ويقال : إن يزيد إنما غزا القسطنطينية لأجل هذا الحديث .
وقال القاضي في المعتمد : من حكمنا بكفرهم من المتأولين وغيرهم ، فجائز لعنتهم نص عليه ، وذكر أنه قال في اللفظية على من جاء بهذا : لعنة الله عليه ، غضب الله ، وذكر أنه قال عن قوم معينين : هتك الله الخبيث ، وعن قوم : أخزاه الله .
وقال في آخر : ملأ الله قبره نارا .
قال الشيخ تقي الدين : لم أره نقل لعنة معينة إلا لعنة نوع ، أو دعاء على معين بالعذاب ، أو سبا له لكن قال القاضي : لم يفرق بين المطلق ، والمعين ، وكذلك جدنا أبو البركات .
قال القاضي : فأما فساق أهل الملة بالأفعال كالزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وقتل النفس ، ونحو ذلك ، فهل يجوز لعنهم أم لا ؟ فقد توقف أحمد عن ذلك في رواية صالح قلت لأبي : الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره يلعنه ؟ فقال : لا يعجبني لو عم فقال : ألا لعنة الله على الظالمين .
وقال أبو طالب : سألت أحمد عن من نال يزيد بن معاوية قال : لا تكلم في هذا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : { لعن المؤمن كقتله } قال فقد توقف عن لعنة الحجاج مع ما فعله ، ومع قوله : الحجاج رجل سوء ، وتوقف عن لعنة يزيد بن معاوية مع قوله في رواية مهنا ، وقد سأله عن يزيد بن معاوية فقال : هو الذي فعل بالمدينة ما فعل قتل بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهبها لا ينبغي

(1/339)


لأحد أن يكتب حديثه .
قال أبو بكر الخلال في كتاب السنة الذي ذكره أبو عبد الله في التوقف في اللعنة ففيه أحاديث كثيرة لا تخفي على أهل العلم ، ويتبع قول الحسن وابن سيرين فهما الإمامان في زمانهما ، ويقول : لعن الله من قتل الحسين بن علي ، لعن الله من قتل عثمان ، لعن الله من قتل عليا ، لعن الله من قتل معاوية بن أبي سفيان ، ونقول : لعنة الله على الظالمين إذا ذكر لنا رجل من أهل الفتن على ما تقلده أحمد .
قال القاضي فقد صرح الخلال باللعنة قال : قال أبو بكر عبد العزيز فيما وجدته في تعاليق أبي إسحاق : ليس لنا أن نلعن إلا من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق الإخبار عنه .
قال الشيخ تقي الدين المنصوص عن أحمد الذي قرره الخلال اللعن المطلق العام لا المعين كما قلنا في نصوص الوعيد والوعد ، وكما نقول في الشهادة بالجنة والنار ، فإنا نشهد بأن المؤمنين في الجنة ، وأن الكافرين في النار ونشهد بالجنة والنار لمن شهد له الكتاب والسنة ، ولا نشهد بذلك لمعين إلا من شهد له النص ، أو شهد له الاستفاضة على قول ، فالشهادة في الخبر كاللعن في الطلب ، والخبر والطلب نوعا الكلام ، ولهذا قال النبي : صلى الله عليه وسلم { إن الطعانين واللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة } ، فالشفاعة ضد اللعن كما أن الشهادة ضد اللعن وكلام الخلال يقتضي أنه لا يلعن المعينين من الكفار ، فإنه ذكر قاتل عمر ، وكان كافرا ، ويقتضي أنه لا يلعن المعين

(1/340)


من أهل الأهواء ، فإنه ذكر قاتل علي ، وكان خارجيا .
ثم استدل القاضي للمنع بما جاء من ذم اللعن ، وأن هؤلاء ترجى لهم المغفرة ، ولا تجوز لعنتهم ؛ لأن اللعن يقتضي الطرد والإبعاد بخلاف من حكم بكفره من المتأولين ، فإنهم مبعدون من الرحمة كغيرهم من الكفار ، واستدل على جواز ذلك ، وإطلاقه بالنصوص التي جاءت في اللعن وجميعها مطلقة كالراشي والمرتشي ، وآكل الربا وموكله ، وشاهديه ، وكاتبيه .
قال الشيخ تقي الدين : فصار للأصحاب في الفساق ثلاثة أقوال ( أحدها : ) المنع عموما وتعينا إلا برواية النص .
( والثاني ) : إجازتها .
( والثالث : ) التفريق وهو المنصوص ، لكن المنع من المعين هل هو منع كراهة أو منع تحريم ؟ ثم قال في الرد على الرافضي لا يجوز واحتج بنهيه عليه السلام عن لعنة الرجل الذي يدعى حمارا .
وقال هنا ظاهر كلامه الكراهة ، وبذلك فسره القاضي فيما بعد لما ذكر قول أحمد : لا تعجبني لعنة الحجاج ونحوه لو عم فقال : ألا لعنة الله على الظالمين .
قال القاضي : فقد كره أحمد لعن الحجاج قال : ويمكن أن يتأول توقف أحمد عن لعنة الحجاج ونظرائه ( أنه ) كان من الأمراء فامتنع من ذلك من وجهين ( أحدهما : ) نهي جاء عن لعنة الولاة خصوصا ( الثاني : ) أن لعن الأمراء ربما أفضى إلى الهرج ، وسفك الدماء والفتن ، وهذا المعنى معدوم في غيرهم .
قال الشيخ تقي الدين : والذين اتخذوا أئمة في الدين من أهل الأهواء هم أعظم من الأمراء عند أصحابهم ، وقد يفضي ذلك

(1/341)


إلى الفتن .
وذكر يعني القاضي ما نقله من خط أبي حفص العكبري أسنده إلى صالح بن أحمد قلت لأبي : إن قوما ينسبون إلي تولي يزيد ، فقال : يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ؟ فقلت : ولم لا تلعنه ؟ فقال : ومتى رأيتني ألعن شيئا ؟ لم لا نلعن من لعنه الله عز وجل في كتابه ؟ فقلت : وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟ فقرأ : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } .
فهل يكون في قطع الرحم أعظم من القتل ؟ قال القاضي : وهذه الرواية إن صحت فهي صريحة في معنى لعن يزيد قال الشيخ تقي الدين : الدلالة مبنية على استلزام المطلق للمعين انتهى كلامه .
وقال في مكان آخر : وقد نقل عن أحمد لعنة أقوام معينين من دعاة أهل البدع ، ولهذا فرق من فرق من الأصحاب بين لعنة الفاسق بالفعل ، وبين دعاة أهل الضلال إما بناء على تكفيرهم ، وإما بناء على أن ضررهم أشد ، ومن جوز لعنة المبتدع المكفر معينا ، فإنه يجوز لعنة الكافر المعين بطريق الأولى ، ومن لم يجوز أن يلعن إلا من ثبت لعنه بالنص ، فإنه لا يجوز لعنة الكافر المعين ، فمن لم يجوز إلا لعن المنصوص يرى أن لا يجوز ذلك لا على وجه الانتصار ولا على وجه الجهاد ، وإقامة الحدود كالهجرة ، والتعزير والتحذير .
وهذا مقتضى حديث أبي هريرة الذي في الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو لأحد ، أو على أحد قنت بعد

(1/342)


الركوع .
وقال فيه : اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب } حتى نزلت : { ليس لك من الأمر شيء } .
قال : وكذلك من لم يلعن المعين من أهل السنة ، أو من أهل القبلة ، أو مطلقا ، وأما من جوز لعنة الفاسق المعين على وجه البغض في الله عز وجل ، والبراءة منه والتعزير ، فقد يجوز ذلك على وجه الانتصار أيضا ، ومن يرجح المنع من لعن المعين ، فقد يجيب عما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بأحد أجوبة ثلاثة إما بأن ذلك منسوخ كلعن من لعن في القنوت على ما قاله أبو هريرة ، وإما أن ذلك مما دخل في قوله : { اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ، فأيما مسلم سببته أو لعنته ، وليس كذلك فاجعل ذلك له صلاة وزكاة ورحمة تقربه بها إليك يوم القيامة } .
لكن قد يقال : هذا الحديث لا يدل على تحريم اللعنة ، وإنما يدل أنه يفعلها باجتهاده بالتعزير فجعل هذا الدعاء دافعا عمن ليس لها بأهل ، وإما أن يقال : اللعن من النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بالنص فقد يكون اطلع على عاقبة الملعون ، وقد يقال : الأصل مشاركته في الفعل ، ولو كان لا يلعن إلا من علم أنه من أهل النار لما قال : { إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ، فأيما مسلم سببته ، أو شتمته ، أو لعنته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة } .
فهذا يقتضي أنه كان يخاف أن يكون لعنه بما يحتاج أن يستدرك بما يقابله من الحسنات ، فإنه معصوم ، والاستدراك بهذا الدعاء يدفع ما يخافه

(1/343)


من إصابة دعائه لمن لا يستحقه ، وإن كان باجتهاد ، إذ هو باجتهاده الشرعي معصوم لأجل التأسي به .
وقد يقال : نصوص الفعل تدل على الجواز للظالم كما يقتضي ذلك القياس ، فإن اللعنة هي البعد عن رحمة الله ، ومعلوم أنه يجوز أن يدعى عليه من العذاب بما يكون مبعدا عن رحمة الله عز وجل في بعض المواضع كما تقدم ، فاللعنة أولى أن تجوز ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن لعن من علم أنه يحب الله ورسوله ، فمن علم أنه مؤمن في الباطن يحب الله ورسوله لا يلعن ؛ لأن هذا مرحوم بخلاف من لا يكون كذلك انتهى كلامه .
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : { استأذن رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم ، فقالت عائشة رضي الله عنها : عليكم السام واللعنة .
فقال : يا عائشة إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر قالت : ألم تسمع ما قالوا ؟ قال : قد قلت : وعليكم } وللبخاري في رواية { : إن الله رفيق } ، وفيهما أيضا { أن عائشة قالت : بل عليكم السام والذام ، فقال : يا عائشة لا تكوني فاحشة .
فقلت : ما سمعت ما قالوا ؟ فقال : أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا ؟ قلت : وعليكم } .
وفي لفظ { مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش والتفحش } وأنزل الله عز وجل : { وإذا جاءوك حيوك } .
الذام بالذال المعجمة ، وتخفيف الميم الذم روي بالدال المهملة ، ومعناه الدائم .
وللبخاري عن عائشة رضي الله عنها { أن يهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا :

(1/344)


السام عليكم ، فقالت عائشة : عليكم لعنة الله وغضب الله عليكم .
قال : مهلا يا عائشة عليك بالرفق ، وإياك والعنف والفحش } ولهما أو لمسلم من حديث جابر { إنا نجاب عليهم ، ولا يجابون علينا } قال في شرح مسلم فيه الانتصار من الظالم ، وفيه الانتصار لأهل الفضل ممن يؤذيهم انتهى كلامه .
والاستدلال بهذا الخبر في جواز لعنة المعين وعدمه محتمل .
وللبخاري من حديث عمر رضي الله عنه { أن رجلا كان اسمه عبد الله ، وكان يلقب حمارا ، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب فأتي به يوما فأمر به فجلده .
فقال رجل من القوم : اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله } خرجه البخاري في باب ما يكره من لعن شارب الخمر ، وإنه ليس بخارج عن الملة ، فهذا ظاهر الدلالة .
ولمسلم من حديث بريدة { أن خالد بن الوليد لما رمى المرجومة بحجر ، فنضح الدم على وجهه فسبها ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له } .
قال في النهاية : اللعن من الله عز وجل الطرد والإبعاد ومن الخلق السب والدعاء انتهى كلامه ، فظاهره جواز السب لولا التوبة .
وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال : { أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فأمر بضربه فمنا من يضربه بيده ، ومنا

(1/345)


من يضربه بثوبه ، ومنا من يضربه بنعله ، فلما انصرف قال رجل من القوم : ما له أخزاه الله ؟ فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم } ، وفي لفظ له { قال بعض القوم : أخزاك الله قال : لا تقولوا هكذا ، ولا تعينوا عليه الشيطان } ، وفي النهاية قاتل الله اليهود أي : قتلهم ، وقيل : لعنهم قيل : عاداهم .
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بلغه عن سمرة أنه باع خمرا ، فقال : قاتله الله .
لكن ذكر في النهاية أنه من الدعاء الذي لا يقصد كقوله : تربت يداك .
وفي الصحيحين في قنوته عليه الصلاة والسلام للنازلة { اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية } .
قال في شرح مسلم فيه جواز لعن الكفار ، وطائفة معينة منهم .
وفي فنون ابن عقيل حلف رجل بالطلاق الثلاث أن الحجاج في النار فسأل فقيها فقال الفقيه أمسك زوجتك ، فإن الحجاج إن لم يكن مع أفعاله في النار ، فلا يضرك الزنا .
ويجوز لعن من ورد النص بلعنه ، ولا يأثم عليه في تركه ، ويجب إنكار البدع المضلة ، وإقامة الحجة على إبطالها سواء قبلها قائلها ، أو ردها ، ذكره في الرعاية ، وقد مر قال ابن عقيل في الفنون لا يصح ابتياع الخمر ليريقها ، ويصح ابتياع كتب الزندقة ليحرقها ذكره الشيخ تقي الدين في مسودة شرح المحرر ، ولم يزد عليه ، ثم وجدته في الفنون قال : لأن في الكتب مالية الورق انتهى كلامه .
ويتوجه قول : أنه يجوز لأنه استنقاذ كشراء الأسير .
وكأن ابن عقيل إنما حكى

(1/346)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية