صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : إحياء علوم الدين
المؤلف : أبو حامد الغزالي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فنقول: حقك إن كنت من المريدين للآخرة أن لا تغفل أولا عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها. أما الشروط السوابق فهي الأذان والطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والانتصاب قائما والنية. فإذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة؛ فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءا بالفرح والاستبشار مشحونا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم " أرحنا يا بلال " أي أرحنا بها وبالنداء إليها إذ كان قرة عينه فيها صلى الله عليه وسلم. وأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفك الأبعد ثم في ثيابك وهي غلافك الأقرب، ثم في بشرتك وهي قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك فاجتهد له تطهيرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك. وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل؟ فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر. وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما فتدل بها بنفسك ويستكين تحت الخجلة قلبك وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف.

(1/174)


وأما الاستقبال فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى الله عز وجل ليس مطلوبا منك هيهات فلا مطلوب سواه. وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبيغ على القلب فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز وجل فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك. فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه وقد قال صلى الله عليه وسلم " إذا قام العبد إلى صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى الله عز وجل انصرف كيوم ولدته أمه " وأما الاعتدال قائما فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقا مطأطئا متنكسا، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترؤس والتكبر، وليكن على ذكرك ههنا خطر القيام بين يدي الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال. واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله بل قدر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من نفسك بالتماسك عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبدا من عباده أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو أحق أن يخشى؟ ولذلك لما قال أبو هريرة " كيف الحياء من الله فقال صلى الله عليه وسلم تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح من قومك " وروي " من أهلك " وأما النية فاعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلا وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ذلك لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا للمنة منه بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك، وعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي؟ وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف. وأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه فالله يشهد إنك لكاذب وإن كان الكلام صدقا كما شهد على المنافقين في قولهم: إنه صلى الله عليه وسلم رسول الله. فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل فأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيوشك أن يكون قولك " الله أكبر " كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته؛ وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه.

(1/175)


وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض " وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه. وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السموات والأرض فانظر إليه أمتوجه هو إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق متبع للشهوات أو مقبل على فاطر السموات؟ وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق. ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقا. وإذا قلت " حنيفا مسلما " فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال. وإذا قلت " وما أنا من المشركين " فأخطر ببالك الشرك الخفي فإن قوله تعالى " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " نزل فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس وكن حذرا مشفقا من هذا الشرك، واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة عن هذا الشرك فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه. وإذا قلت " محياي ومماتي لله " فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده وأنه إن صدر ممن رضاه غضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال. وإذا قلت " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله عز وجل حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها، وأن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك، فإن من قصده سبع أو عدو ليفرسه أو يقتله فقال: أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه، فإن ذلك لا ينفعه، بل لا يعيذه إلا تبديل المكان؛ فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عز وجل عن شر الشيطان وحصنه " لا إله إلا الله " إذ قال عز وجل فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم " لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي " والمتحصن به لا معبود له سوى الله سبحانه فأما من اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله عز وجل.
واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ. فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها: فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة، رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره وهي درجات أصحاب اليمين، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولا ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه. ففرق بين أن يكون السان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب والمقربون لسانهم ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب. وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت " بسم الله الرحمن الرحيم " فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه، وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه. وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى. وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا جرم كان " الحمد لله " ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله. ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخر من الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى. فإذا قلت " الرحمن الرحيم " فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبغث بها رجاؤك. ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك " مالك يوم الدين " أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه. ثم جدد الإخرص بقولك " إياك نعبد " وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك و " إياك نستعين " وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلا لمناجاته. ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين.

(1/176)


ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك " بسم الله الرحمن الرحيم " ومن التحميد ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقا فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل " إهدا الصراط المستقيم " الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك. وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصدقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم التمس الإجابة وقل " آمين " فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم فيما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل " يقول العبد " الحمد لله رب العالمين " فيقول الله عز وجل: حمدني عبدي وأثنى علي. وهو معنى قوله " سمع الله لمن حمده... الحديث الخ " فلو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله؟ وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور - كما سيأتي في كتاب تلاوة القرآن - فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر مننه وإحسانه. ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد؛ والخوف حق الوعيد؛ والعزم حق الأمر والنهي؛ والاتعاظ حق الموعظة، والشكر حق ذكر المنة، والاعتبار حق إخبار الأنبياء. وروي أن زرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى " فإذا نقر في الناقور " خر ميتا وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى " إذا السماء انشقت " اضطرب حتى تضطرب أوصاله. وقال عبد الله بن واقد: رأيت ابن عمر يصلي مغلوبا عليه؛ وحق له أن يحترق قلبه بوعد سيده ووعيده فإنه عبد مذنب ذليل بين يدي جبار قاهر. وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب. ودرجات ذلك لا تنحصر. والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضا. ثم يراعي الهيبة في القراءة فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل. ويفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتحميد والتعظيم والتمجيد. كان النخعي إذا مر بمثل قوله عز وجل " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله " يخفض صوته كالمستحي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به. وروي أنه يقال لقارىء القرآن " اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا " وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور قال صلى الله عليه وسلم " إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت " وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة. فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجي عند غفلة المناجي ليعود إليه. وألزم لخشوع القلب فإن الخلاص عن الالتفات باطنا وظاهرا ثمرة الخشوع. ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال صلى الله عليه وسلم وقد رأى رجلا مصليا يعبث بلحيته " أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه " فإن الرعية بحكم الراعي. ولهذا ورد في الدعاء " اللهم أصلح الراعي والرعية " وهو القلب والجوارح. وكان الصديق رضي الله عنه في صلاته كأنه وتد. وابن الزبير رضي الله عنه كأنه عود. وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه جماد، وكل ذلك يقتضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك؟ وكل من يطمئن بين يدي غير الله عز وجل خاشعا وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثا فذلك لقصور معرفته عن جلال الله عز وجل وعن إطلاعه على سره وضميره. وقال عكرمة في قوله عز وجل " الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين " قال: قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه. وأما الركوع والسجود فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع يديك مستجيرا بعفو الله عز وجل من عقابه بتجديد نية ومتبعا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك. وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار. ثم ترتفع من ركوعك راجيا أنه راحم لك ومؤكدا

(1/177)


للرجاء في نفسك بقولك " سمع الله لمن حمده " أي أجاب لمن شكره. ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول " ربنا لك الحمد " وتكثر الحمد بقولك " ملء السموات وملء الأرض " ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب. وإن أمكنك أنلا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل. وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله فإنك من التراب خلقت وإليه تعود فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل " سبحان ربي الأعلى " وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك وقائلا " رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم " أو ما أردت من الدعاء. ثم أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك. وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله. وكذلك الملك لله وهو معنى " التحيات " وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وسلم وشخصه الكريم وقل " سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه. ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين. ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاما وافيا بعدد عباده الصالحين. ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة مجددا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفا للتحصن بها. ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة. وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين. واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم الصلاة به. واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة. وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها. وقال صلى الله عليه وسلم للذي أوصاه " صل صلاة مودع " ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخف أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن فترد صلاتك في وجهك، وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله. كان يحيى بن وثاب إذا صلى مكث ما شاء الله تعرف عليه كآبة الصلاة. وكان إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض. فهذا تفصيل صلاة الخاشعين، الذين هم في صلاتهم خاشعون... والذين هم على صلواتهم يحافظون... والذين هم على صلاتهم دائمون. والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة، فبالقدر الذي يسر له منه ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر وفي مداراة ذلك ينبغي أن يجتهد. وأما صلاة الغافلين فهي محظرة إلا أن يتغمده الله برحمته والرحمة واسعة والكرم فائض فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ويغمرنا بمغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته. واعلم ان تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله عز وجل وأداءها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة. فأولياء الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة لاسيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه عز وجل بالسجود. ولذلك قال تعالى " واسجد واقترب " وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفائه عن كدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة وبالجلاء والخفاء حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله، كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها. ويختلف أيضا بما فيه المكاشفة فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله ولبعضهم من أفعاله ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة. ويكون لتعين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى وأشدها مناسبة الهمة فإنها إذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة وكانت المرآة صدئة فاحتجبت عنها الهداية لا لبخل من جهة المنعم بالهداية بل لخبث متراكم الصدإ على مصب الهداية تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك

(1/178)


إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر، ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء، ولو كان للطفل تمييز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات والأرض، وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده. ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوة، وقد خلق الخلق أطوارا فلا ينبغي أن ينكر كل واحد ما وراء درجته، نعم لما طلبوا هذا من المجادلة والمباحثة المشوشة ولم يطلبوها من تصفية القلوب عما سوى الله عز وجل فقدوه فأنكروه. ومن لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن بالغيب ويصدق به إلى أن يشاهد بالتجربة ففي الخبر " إن العبد إذا قام في الصلاة رفع الله سبحانه الحجاب بينه وبين عبده وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء بصلاته ويؤمنون على دعائه - وإن المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه وينادي مناد: لو علم هذا المناجي ما التفت. وإن أبواب السماء تفتح للمصلين. وإن الله عز وجل يباهي ملائكته بعبده المصلي " ففتح أبواب السماء ومواجهة الله تعالى إياه بوجهه كناية عن الكشف الذي ذكرناه. وفي التوراة مكتوب: يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصليا باكيا فأنا الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري، قال: فكنا نرى أن تلك الرقة والبكاء والفتوح الذي يجده المصلي في قلبه من دنو الرب سبحانه من القلب. وإذا لم يكن هذا الدنو هو القرب بالمكان فلا معنى له إلا الدنو بالهداية والرحمة وكشف الحجاب. ويقال إن العبد إذا صلى ركعتين عجب منه عشرة صفوف من الملائكة كل صف منهم عشرة آلاف وباهى الله به مائة ألف ملك. وذلك أن العبد قد جمع في الصلاة بين القيام والقعود والركوع والسجود وقد فرق الله ذلك على أربعين ألف ملك، فالقائمون لا يركعون إلى يوم القيامة والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة، وهكذا الراكعون والقاعدون، فإن ما رزق تعالى الملائكة من القرب والرتبة لازم مستمر على حال واحد لا يزيد ولا ينقص لذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا " وما منا إلا له مقام معلوم " وفارق الإنسان الملائكة في الترقي من درجة إلى درجة فإنه لا يزال يتقرب إلى الله تعالى فيستفيد مزيد قربه وباب المزيد مسدود على الملائكة عليهم السلام وليس لكل واحد إلا رتبته التي هي وقف عليه. وعبادته التي هو مشغول بها لا ينتقل إلى غيرها ولا يفتر عنها " لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون " ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات. قال الله عز وجل " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع. ثم ختم أوصاف المفليحن بالصلاة أيضا فقال تعالى " والذين هم على صلواتهم يحافظون " ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات " أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون " فوصفهم بالفلاح أولا وبوراثة الفردوس آخرا، وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين " فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم. نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله وقبحت أفعاله إنه الكريم المنان القديم الإحسان وصلى الله على كل عبد مصطفى.الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر، ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء، ولو كان للطفل تمييز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات والأرض، وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده. ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوة، وقد خلق الخلق أطوارا فلا ينبغي أن ينكر كل واحد ما وراء درجته، نعم لما طلبوا هذا من المجادلة والمباحثة المشوشة ولم يطلبوها من تصفية القلوب عما سوى الله عز وجل فقدوه فأنكروه. ومن لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن بالغيب ويصدق به إلى أن يشاهد بالتجربة ففي الخبر " إن العبد إذا قام في الصلاة رفع الله سبحانه الحجاب بينه وبين عبده وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء بصلاته ويؤمنون على دعائه - وإن المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه وينادي مناد: لو علم هذا المناجي ما التفت. وإن أبواب السماء تفتح للمصلين. وإن الله عز وجل يباهي ملائكته بعبده المصلي " ففتح أبواب السماء ومواجهة الله تعالى إياه بوجهه كناية عن الكشف الذي ذكرناه. وفي التوراة مكتوب: يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصليا باكيا فأنا الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري، قال: فكنا نرى أن تلك الرقة والبكاء والفتوح الذي يجده المصلي في قلبه من دنو الرب سبحانه من القلب. وإذا لم يكن هذا الدنو هو القرب بالمكان فلا معنى له إلا الدنو بالهداية والرحمة وكشف الحجاب. ويقال إن العبد إذا صلى ركعتين عجب منه عشرة صفوف من الملائكة كل صف منهم عشرة آلاف وباهى الله به مائة ألف ملك. وذلك أن العبد قد جمع في الصلاة بين القيام والقعود والركوع والسجود وقد فرق الله ذلك على أربعين ألف ملك، فالقائمون لا يركعون إلى يوم القيامة والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة، وهكذا الراكعون والقاعدون، فإن ما رزق تعالى الملائكة من القرب والرتبة لازم مستمر على حال واحد لا يزيد ولا ينقص لذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا " وما منا إلا له مقام معلوم " وفارق الإنسان الملائكة في الترقي من درجة إلى درجة فإنه لا يزال يتقرب إلى الله تعالى فيستفيد مزيد قربه وباب المزيد مسدود على الملائكة عليهم السلام وليس لكل واحد إلا رتبته التي هي وقف عليه. وعبادته التي هو مشغول بها لا ينتقل إلى غيرها ولا يفتر عنها " لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون " ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات. قال الله عز وجل " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع. ثم ختم أوصاف المفليحن بالصلاة أيضا فقال تعالى " والذين هم على صلواتهم يحافظون " ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات " أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون " فوصفهم بالفلاح أولا وبوراثة الفردوس آخرا، وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين " فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم. نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله وقبحت أفعاله إنه الكريم المنان القديم الإحسان وصلى الله على كل عبد مصطفى.

(1/179)


حكايات وأخبار في صلاة الخاشعين
رضي الله عنهم

(1/180)


اعلم أن الخشوع ثمرة الإيمان ونتيجة اليقين الحاصل بجلال الله عز وجل ومن رزق ذلك فإنه يكون خاشعا في الصلاة وفي غير الصلاة بل في خلوته وفي بيت المال عند الحاجة، فإن موجب الخشوع معرفة اطلاع الله تعالى على العبد ومعرفة جلاله ومعرفة تقصير العبد. فمن هذه المعارف يتولد الخشوع وليست مختصة بالصلاة ولذلك روى عن بعضهم أنه لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء من الله سبحانه وخشوعا له، وكان الربيع بن خيثم من شدة غضه لبصره وإطراقه يظن بعض الناس أنه أعمى، وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود: صديقك الأعمى قد جاء، فكان يضحك ابن مسعود من قولها، وكان إذا دق الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقا غاضا بصره، وكان ابن مسعود إذا نظر إليه يقول " وبشر المخبتين " أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك - وفي لفظ آخر: لأحبك وفي لفظ آخر: لضحك - ومشى ذات يوم مع ابن مسعود في الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وغلى النار تلتهب صعق وسقط مغشيا عليه إلى مثل الساعة التي صعق فيها ففاتته خمس صلوات وابن مسعود عند رأسه يقول: هذا والله هو الخوف. وكان الربيع يقول، ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي، وكان عامر بن عبد الله من خاشعي المصلين وكان إذ صلى ربما ضربت ابنته بالدف وتحدث النساء بما يردن في البيت ولم يكن يسمع ذل ولا يعقله، وقيل له ذات يوم هل تحدثك نفسك في الصلاة بشيء؟ قال: نعم بوقوفي بين يدي الله عز وجل ومنصرفي إحدى الدارين، قيل: فهل تجد شيئا مما نجد من أمور الدنيا؟ فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أن أجد في صلاتي ما تجدون وكان يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. وقد كان مسلم بن يسار منهم، وقد نقلنا أنه لم يشعر بسقوط اسطوانة في المسجد وهو في الصلاة. وتأكل طرف من أطراف بعضهم واحتيج فيه إلى القطع فلم يمكن منه فقيل: إنه في الصلاة لا يحس بما يجري عليه؛ فقطع وهو في الصلاة. وقال بعضهم: الصلاة من الآخرة فإذا دخلت فيها خرجت من الدنيا وقيل لآخر: هل تحدث نفسك بشيء من الدنيا في الصلاة؟ فقال: لا في الصلاة ولا في غيرها. وسئل بعضهم هل تذكر في الصلاة شيئا؟ فقال: وهل شيء أحب إلي من الصلاة فأذكره فيها؟ وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ. وكان بعضهم يخفف الصلاة خيفة الوسواس، وروي أن عمار بن ياسر صلى صلاة فأخفها فقيل له: خففت يا أبا اليقظان فقال: هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئا؟ قالوا: لا: قال: إني بادرت سهو الشيطان، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له نصفها. ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها " وكان يقول " إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها " ويقال إن طلحة والزبير وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم كانوا أخف الناس صلاة، وقالوا نبادر بها وسوسة الشيطان. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله عز وجل فيها: وسئل أبو العالية عن قوله تعالى " الذين هم عن صلاتهم ساهون " قال هو الذي يسهو في صلاته فلا يدري على كم ينصرف أعلى شفع أم على وتر؟ وقال الحسن: هو الذي يسهو عن وقت الصلاة حتى تخرج وقال بعضهم: هو الذي إن صلاها في أول الوقت لم يفرح وإن أخرها عن الوقت لم يحزن فلا يرى تعجيلها خيرا ولا تأخيرها إثما، واعلم أن الصلاة قد يحسب بعضها ويكتب بعضها دون بعض كما دلت الأخبار عليه وإن كان الفقيه يقول: إن الصلاة في الصحة لا تتجزأ، ولكن ذلك له معنى آخر ذكرناه وهذا المعنى دلت عليه الأحاديث إذ ورد جبر نقصان الفرائض بالنوافل وفي الخبر " قال عيسى عليه السلام: يقول الله تعالى بالفرائض نجا مني عبدي وبالنوافل تقرب إلى عبدي " وقال النبي صلى الله عليه وسلم " قال الله تعالى لا ينجو مني عبدي إلا بأداء ما افترضته عليه " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى صلاة فترك من قراءتها آية فلما انفتل قال ماذا قرأت فسكت القوم؛ فسأل أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: قرأت سورة كذا وتركت آية كذا فما ندري أنسخت أم رفعت؟

(1/181)


فقال: أنت لها يا أبي، ثم أقبل على الآخرين فقال: ما بال أقوام يحضرون صلاتهم ويتمون صفوفهم ونبيهم بين أيديهم لا يدرون ما يتلو عليهم من كتاب ربهم؟ ألا إن بني إسرائيل كذا فعلوا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن قل لقومك تحضروني أبدانكم وتعطوني ألسنتكم وتغيبون عني بقلوبكم باطل ما تذهبون إليه " وهذا يدل على أن استماع ما يقرأ الإمام وفهمه بدل عن قراءة السورة بنفسه: وقال بعضهم إن الرجل يسجد السجدة عنده أنه تقرب بها إلى الله عز وجل ولو قسمت ذنوبه في سجدته على أهل مدينته لهلكوا: قيل وكيف يكون ذلك؟ قال. يكون ساجدا عند الله وقلبه مصغ إلى هوى ومشاهد لباطل قد استولى عليه. فهذه صفة الخاشعين. فدلت هذه الحكايات والأخبار مع ما سبق على أن الأصل في الصلاة الخشوع وحضور القلب وأن مجرد الحركات مع الغفلة قليل الجدوى في المعاد والله أعلم. نسأل الله حسن التوفيققال: أنت لها يا أبي، ثم أقبل على الآخرين فقال: ما بال أقوام يحضرون صلاتهم ويتمون صفوفهم ونبيهم بين أيديهم لا يدرون ما يتلو عليهم من كتاب ربهم؟ ألا إن بني إسرائيل كذا فعلوا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن قل لقومك تحضروني أبدانكم وتعطوني ألسنتكم وتغيبون عني بقلوبكم باطل ما تذهبون إليه " وهذا يدل على أن استماع ما يقرأ الإمام وفهمه بدل عن قراءة السورة بنفسه: وقال بعضهم إن الرجل يسجد السجدة عنده أنه تقرب بها إلى الله عز وجل ولو قسمت ذنوبه في سجدته على أهل مدينته لهلكوا: قيل وكيف يكون ذلك؟ قال. يكون ساجدا عند الله وقلبه مصغ إلى هوى ومشاهد لباطل قد استولى عليه. فهذه صفة الخاشعين. فدلت هذه الحكايات والأخبار مع ما سبق على أن الأصل في الصلاة الخشوع وحضور القلب وأن مجرد الحركات مع الغفلة قليل الجدوى في المعاد والله أعلم. نسأل الله حسن التوفيق
الباب الرابع
في الإمامة والقدوة
وعلى الإمام وظائف قبل الصلاة
وفي القراءة وفي أركان الصلاة وبعد السلام

(1/182)


أما الوظائف التي هي قبل الصلاة فستة أولها أن لا يتقدم للإمامة على قوم يكرهونه فإن اختلفوا كان النظر إلى الأكثرين، فإن كان الأقلون هم أهل الخير والدين فالنظر إليهم أولى وفي الحديث " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رءوسهم: العبد الآبق وامرأة زوجها ساخط عليها وإمام أم قوما وهم له كارهون " وكما ينهى عن تقدمه مع كراهيتهم فكذلك ينهى عن التقدمة إن كان وراءه من هو أفقه منه إلا إذا امتنع من هو أولى منه فله التقدم، فإن لم يكن شيء من ذلك فليتقدم مهما قدم وعرف من نفسه القيام بشروط الإمامة. ويكره عند ذلك المدافعة فقد قيل إن قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم. وما روى من مدافعة الإمامة بين الصحابة رضي الله عنهم فسببه إيثارهم من رأوه أنه أولى بذلك أو أخوفهم على أنفسهم السهو وخطر ضمان صلاتهم، فإن الأئمة ضمناء وكأن من لم يتعود ذلك ربما يشتغل قلبه ويتشوش عليه الإخلاص في صلاته حياء من المقتدين لاسيما في جهره بالقراءة، فكان لاحتراز من احترز أسباب من هذا الجنس. الثانية إذا خير المرء بين الأذان والإمامة فينبغي أن يختار الإمامة فإن لكل واحد منهما فضلا ولكن الجمع مكروه بل ينبغي أن يكون الإمام غير المؤذن، وإذا تعذر الجمع فالإمامة أولى. وقال قائلون: الأذان أولى لما نقلناه من فضيلة الأذان ولقوله صلى الله عليه وسلم " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن " فقالوا، فيها خطر الضمان. وقال صلى الله عليه وسلم " الإمام أمين فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا " وفي الحديث " فإن أتم فله ولهم وإن نقص فعليه لا عليهم " ولأنه صلى الله عليه وسلم قال " اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين " والمغفرة أولى بالطلب فإن الرشد يراد للمغفرة وفي الخبر " من أم في مسجد سبع سنين وجبت له الجنة بلا حساب ومن أذن أربعين عاما دخل الجنة بغير حساب " ولذلك نقل عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتدافعون الإمامة: والصحيح أن الإمامة أفضل إذ واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما والأئمة بعدهم. نعم فيها خطر الضمان والفضيلة مع الخطر كما أن رتبة الإمارة أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم " ليوم من سلطان عادل أفضل من عبادة سبعين سنة " ولكن فيها خطر ولذلك وجب تقديم الأفضل والأفقه فقد قال صلى الله عليه وسلم " أئمتكم شفعاؤكم - أو قال وفدكم إلى الله - فإن أردتم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم " وقال بعض السلف. ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين لأن هؤلاء قاموا بين يدي الله عز وجل وبين خلقه هذا بالنبوة وهذا بالعلم وهذا بعماد الدين وهو الصلاة. وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعنهم للخلافة، إذ قالوا نظرنا فإذا الصلاة عماد الدين فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا وما قدموا بلالا احتجاجا بأنه رضيه للأذان وما روي " أنه قال له رجل: يا رسول الله دلني على عمل أدخل به الجنة قال: كن مؤذنا، قال لا أستطيع، قال: كن إماما، قال: لا أستطيع، فقال: صل بإزاء الإمام " فلعله ظن أنه لا يرضى بإمامته إذ الأذان إليه والإمامة إلى الجماعة وتقديمهم له. ثم بعد ذلك توهم أنه ربما يقدر عليها الثالثة أن يراعي الإمام أوقات الصلوات فيصلي في أوائلها ليدرك رضوان الله سبحانه ففضل أول الوقت على آخره كفضل الآخرة على الدنيا هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث " إن العبد ليصلي الصلاة في آخر وقتها ولم تفته، ولما فاته من أول وقتها خير لهمن الدنيا وما فيها " ولا ينبغي أن يؤخر الصلاة لانتظار كثرة الجماعة بل عليهم المبادرة لحيازة فضيلة أول الوقت فهي أفضل من كثرة الجماعة ومن تطويل السورة. وقد قيل كانوا إذا حضر اثنان في الجماعة لم ينتظروا الثالث، وإذا حضر أربعة في الجنازة لم ينتظروا الخامس " وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر وكانوا في سفر وإنما تأخر للطهارة فلم ينتظر وقدم عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حتى فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة فقام يقضيها. قال: فأشفقنا من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد أحسنتم هكذا فافعلوا " وقد تأخر في صلاة الظهر فقدموا أبا بكر رضي الله عنه حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة

(1/183)


فقام إلى جانبه " وليس على الإمام انتظار المؤذن وإنما على المؤذن انتظار الإمام للإقامة فإذا حضر فلا ينتظر غيره الرابعة أن يؤم مخلصا لله عز وجل ومؤديا أمانة الله تعالى في طهارته وجميع شروط صلاته.فقام إلى جانبه " وليس على الإمام انتظار المؤذن وإنما على المؤذن انتظار الإمام للإقامة فإذا حضر فلا ينتظر غيره الرابعة أن يؤم مخلصا لله عز وجل ومؤديا أمانة الله تعالى في طهارته وجميع شروط صلاته.

(1/184)


أما الإخلاص فبأن لا يأخذ عليها أجرة فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص الثقفي وقال " اتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا " فالأذان طريق إلى الصلاة فهي أولى بأن لا يؤخذ عليها أجر، فإن أخذ رزقا من مسجد قد وقف على من يقوم بإمامته أو من السلطان أو آحاد الناس فلا يحكم بتحريمه ولكنه مكروه. والكراهية في الفرائض أشد منها في التراويح " وتكون في أجرة له على مداومته على حضور الموضع ومراقبة مصالح المسجد في إقامة الجماعة لا على نفس الصلاة. وأما الأمانة فهي الطهارة باطنا عن الفسق والكبائر والإصرار على الصغائر فالمترشح للإمامة ينبغي أن يحترز عن ذلك بجهده فإنه كالوفد والشفيع للقوم فينبغي أن يكون خير القوم وكذا الطهارة ظاهرا عن الحدث والخبث فإنه لا يطلع عليه سواه، فإن تذكر في أثناء صلاته حدثا أو خرج منه ريح فلا ينبغي أن يستحي بل يأخذ بيد من يقرب منه ويستخلفه " فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنابة في أثناء الصلاة فاستخلف واغتسل ثم رجع ودخل في الصلاة " وقال سفيان: صل خلف كل بر وفاجر إلا مدمن خمر أو معلن بالفسوق أو عاق لوالديه أو صاحب بدعة أو عبد آبق الخامسة أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف فليلتفت يمينا وشمالا فإن رأى خللا أمر بالتسوية. فيل كانوا يتحاذون بالمناكب ويتضامون بالكعاب. ولا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. والمؤذن يؤخر الإقامة عن الأذان بقدر استعداد الناس في الصلاة. ففي الخبر " ليتمهل المؤذن بين الأذان والإقامة بقدر ما يفرغ الآكل من طعامه والمعتصر من اعتصاره " وذلك لأنه نهى عن مدافعة الأخبثين وأمر بتقديم العشاء على العشاء طلبا لفراغ القلب السادسة أن يرفع صوته بتكبيرة الإحرام وسائر التكبيرات ولا يرفع المأموم صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه. وينوي الإمام لينال الفضل فإن لم ينو صحت صلاته وصلاة القوة إذا نووا الاقتداء. ونالوا فضل القدوة وهو لا ينال فضل الإمامة، وليؤخر المأموم تكبيره عن تكبيرة الإمام فيبتدىء بعد فراغه والله أعلم. وأما وظائف القراءة فثلاثة أولها أن يسر بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد ويجهر بالفاتحة والسورة بعدها في جميع الصبح وأولي العشاء والمغرب وكذلك المنفرد. ويجهر بقوله " آمين " في الصلاة الجهرية وكذا المأموم ويقرن المأمون تأمينه بتأمين الإمام معا لا تعقيبا ويجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " والأخبار فيه متعارضة واختيار الشافعي رضي الله عنه الجهر الثانية أن يكون للإمام في القيام ثلاث سكتات هكذا رواه سمرة بن جندب وعمران بن الحصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أولاهن: إذا كبر وهي الطولى منهن مقدار ما يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب وذلك وقت قراءته لدعاء الاستفتاح فإنه لم يسكت يفوتهم الاستماع فيكون عليه ما نقص من صلاتهم، فإن لم يقرءوا الفاتحة في سكوته واشتغلوا بغيرها فذلك علية لا عليهم. السكنة الثانية: إذا فرغ من الفاتحة ليتم من يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى فاتحته وهي كنصف السكتة الأولى. السكنة الثالثة: إذا فرغ من السورة قبل أن يركع وهي أخفها وذلك بقدر ما تنفصل القراءة عن التكبير فقد نهى عن الوصل فيه. ولا يقرأ المأموم وراء الإمام إلا الفاتحة فإن لم يسكت الإمام قرأ فاتحة الكتاب معه والمقصر هو الإمام. وإن لم يسمع المأموم في الجهرية لبعده أو كان في السرية فلابأس بقراءة السورة الوظيفة الثالثة أن يقرأ في الصبح سورتين من المثاني مادون المائة فإن الإطالة في قراءة الفجر والتغليس بها سنة، ولا يضره الخروج منها مع الإسفار، ولابأس بأن يقرأ في الثانية بأواخر السور نحو الثلاثين أو العشرين إلى أن يختمها لأن ذلك لا يتكرر على الأسماع كثيرا فيكون أبلغ في الوعظ وأدعى إلى التفكر، وإنما كره بعض العلماء قراءة بعض أول السور وقطعها. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بعض سورة يونس فلما انتهى إلى ذكر موسى وفرعون قطع فركع وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر آية من البقرة وهي قوله " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا " وفي الثانية " ربنا آمنا بما أنزلت " وسمع بلالا يقرأ من ههنا وهنا؛ فسأله عن ذلك فقال: أخلط الطيب بالطيب، فقال: أحسنت ويقرأ في الظهر بطوال المفصل إلى ثلاثين آية وفي العصر بنصف ذلك وفي المغرب بأواخر المفصل. وآخر صلاة صلاها

(1/185)


رسول الله صلى الله عليه وسلم: المغرب؛ قرأ فيها سورة المرسلات ما صلى بعدها حتى قبض. وبالجملة التخفيف أولى لاسيما إذا كثير الجمع قال صلى الله عليه وسلم في هذه الرخصة " إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء " وقد كان معاذ بن جبل يصلي بقوم العشاء فقرأ البقرة فخرج رجل م الصلاة وأتم لنفسه، فقالوا: نافق الرجل، فتشاكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا فقال " أفتان أنت يا معاذ اقرأ سورة سبح والسماء والطارق والشمس وضحاها " وأما وظائف الأركان فثلاثة؛ أولها: أن يخفف الركوع والسجود فلا يزيد في التسبيحات على ثلاث فقد روي عن أنس أنه قال " ما رأيت أخف صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام " نعم روي أيضا عن أنس بن مالك لما صلى خلف عمر بن عبد العزيز وكان أميرا بالمدينة قال " ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الشاب قال: وكنا نسبح وراءه عشرا عشرا " وروي مجملا أنهم قالوا " كنا نسبح وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركوع والسجود عشرا عشرا " وذلك حسن ولكن الثلاث إذا كثر الجمع أحسن. فإذا لم يحضر إلا المتجردون للدين فلابأس بالعشر، هذا وجه الجمع بين الروايات. وينبغي أن يقول الإمام عند رفع رأسه من الركوع " سمع الله لمن حمده " الثانية: في المأموم؛ ينبغي أن لا يساوي الإمام في الركوع والسجود بل يتأخر فلا يهوي للسجود إلى إذا وصلت جبهة الإمام إلى المسجد، هكذا كان اقتداء الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يهوي للركوع حتى يستوي الإمام راكعا. وقد قيل إن الناس يخرجون من الصلاة على ثلاثة أقسام؛ طائفة بخمس وعشرين صلاة وهم الذين يكبرون ويركعون بعد الإمام: وطائفة بصلاة واحدة وهم الذين يساوونه، وطائفة بلا صلاة وهم الذين يسابقون الإمام. وقد اختلف في أن الإمام في الركوع هل ينتظر لحوق من يدخل لينال فضل الجماعة وإدراكهم لتلك الركعة؟ ولعل الأولى أن ذلك مع الإخلاص لابأس به إذا لم يظهر تفاوت ظاهر للحاضرين فإن حقهم مرعي في ترك التطويل عليهم. الثالثة: لا يزيد في دعاء التشهد على مقدار التشهد حذرا من التطويل ولا يخص نفسه في الدعاء بل يأتي بصيغة الجمع فيقول " اللهم اغفر لنا " ولا يقول " اغفر لي " فقد كره للإمام أن يخص نفسه ولابأس أن يستعيذ في التشهد بالكلمات الخمس المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول " نعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين " وقيل سمي مسيحا لأنه يمسح الأرض بطولها وقيل لأنه ممسوح العين أي مطموسها، وأما وظائف التحلل فثلاثة، أولها: أن ينوي بالتسليمتين السلام على القوم والملائكة. الثانية: أن يثبت عقيب السلام كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما فيصلي النافلة في موضع آخر. فإن كان خلفه نسوة لم يقم حتى ينصرفن وفي الخبر المشهور " أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقعد إلا قدر قوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام تبارك تيا ذا الجلال والإكرام " الثالثة: إذا وثبفينبغي أن يقبل بوجهه على الناس ويكره للمأموم القيام قبل انتقال الإمام. فقد روي عن طلحة والزبير رضي الله عنهما أنهما صليا خلف إمام فلما سلما قالا للإمام ما أحسن صلاتك وأتمها إلا شيئا واحدا أنك لما سلمت لم تنفتل بوجهك. ثم قالا للناس: ما أحسن صلاتكم إلا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم. ثم ينصرف الإمام حيث شاء من يمينه وشماله واليمين أحب. هذه وظيفة الصلوات، وأما الصبح فزيد فيها القنوت فيقول الإمام " اللهم اهدنا " ولا يقول اللهم اهدني ويؤمن المأمون فإذا انتهى إلى قوله " إنك تقضي ولا يقضى عليك " فلا يليق به التأمين وهو ثناء، فيقرأ معه فيقول مثل قوله أو يقول " بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " أو " صدقت وبررت " وما أشبه ذلك. وقد روي حديث في رفع اليدين في القنوت فإذا صح الحديث استحب ذلك وإن كان على خلاف الدعوات في آخر التشهد إذ لا يرفع بسببها اليد بل التعويل على التوقيف وبينهما أيضا فرق أن للأيدي وظيفة في التشهد وهو الوضوع على الفخذين على هيئة مخصوصة ولا وظيفة لهما ههنا، فلا

(1/186)


يبعد أن يكون رفع اليدين هو الوظيفة في القنوت، فإنه لائق بالدعاء والله أعلم. فهذه جمل آداب القدوة والإمامة والله الموفق. يكون رفع اليدين هو الوظيفة في القنوت، فإنه لائق بالدعاء والله أعلم. فهذه جمل آداب القدوة والإمامة والله الموفق.
الباب الخامس
فضل الجمعة وآدابها وسننها وشروطها
فضيلة الجمعة
إعلم أن هذا يوم عظيم عظم الله به الإسلام وخصص به المسلمين. قال الله تعالى " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " فحرم الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي إلى الجمعة. وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله عز وجل فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في مقامي هذا " وقال صلى الله عليه وسلم " من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه " وفي لفظ آخر " فقد نبذ الإسلام وراء ظهره " واختلف رجل إلى ابن عباس يسأله عن رجل مات لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة، فقال: في النار، فلم يزل يتردد إليه شهرا يسأله عن ذلك وهو يقول في النار وفي الخبر: إن أهل الكتابين أعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصرفوا عنه وهدانا الله تعالى له وأخره لهذه الأمة وجعله عيدا لهم فهم أولى الناس به سبقا وأهل الكتابين لهم تبع. وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أتاني جبريل عليه السلام في كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يفرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولأمتك من بعدك. قلت: فما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خير ساعة من دعا فيها بخير قسم له أعطاه الله سبحانه إياه أو ليس له قسم ذخر له ما هو أعظم منه؛ أو تعوذ من شر مكتوب عليه إلا أعاذه الله عز وجل من أعظم منه وهو سيد الأيام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، قلت: ولم؟ قال: إن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من المسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة نزل تعالى من عليين على كرسيه فيتجلى لهم حتى ينظروا إلى وجهه الكريم " وقال صلى الله عليه وسلم " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط إلى الأرض وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد كذلك تسميه الملائكة يوم السماء وهو يوم النظر إلى الله تعالى في الجنة " وفي الخبر " إن الله عز وجل في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار " وفي حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال " إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام " وقال صلى الله عليه وسلم " إن الجحيم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء فلا تصلوا في هذه الساعة إلا يوم الجمعة فإنه صلاة كله وإن جهنم لا تسعر فيه " وقال كعب: إن الله عز وجل فضل من البلدان مكة ومن الشهور رمضان ومن الأيام الجمعة ومن الليالي ليلة القدر ويقال إن الطير والهوام يلقى بعضها بعضا في يوم الجمعة فتقول: سلام سلام ويوم صالح وقال صلى الله عليه وسلم " من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقي فتنة القبر "
بيان شروط الجمعة

(1/187)


اعلم أنها تشارك جميع الصلوات في الشروط وتتميز عنها بستة شروط الأول الوقت: فإن وقعت تسليمة الإمام في وقت العصر فاتت الجمعة وعليه أن يتمها ظهرا أربعا، والمسبوق إذا وقعت ركعته الأخيرة خارجا من الوقت ففيه خلاف الثاني المكان: فلا تصح في الصحاري والبراري وبين الخيام بل لابد من بقعة جامعة لأبنية لا تنقل بجمع أربعين ممن تلزمهم الحلة والقرية فيه كالبلد، ولا يشترط فيه حضور السلطان ولا إذنه ولالكن الأحب استئذانه الثالث العدد: فلا تنعقد بأقل من أربعين ذكورا مكلفين أحرارا مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا، فإن انفضوا حتى نقص العدد إما في الخطبة أو في الصلاة لم تصح الجمعة بل لابد منهم من الأول إلى الآخر الرابع الجماعة: فلو صلى أربعون في قرية أو في بلدن متفرقين لم تصح جمعتهم. ولكن المسبوق إذا أدرك الركعة الثانية جاز له الانفراد بالركعة الثانية. وإن لم يدرك ركوع الركعة الثانية اقتدى ونوى الظهر وإذا سلم الإمام تممها ظهرا الخامس أن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى في ذلك البلد. فإن تعذر اجتماعهم في جامع واحد جاز في جامعين وثلاثة وأربعة بقدر الحاجة. وإن لم تكن حاجة فالصحيح الجمعة التي يقع بها التحريم أولا. وإذا تحققت الحاجة فالأفضل الصلاة خلف الأفضل من الإمامين، فإن تساويا فالمسجد الأقدم، فإن تساويا ففي الأقرب، ولكثرة الناس أيضا فضل يراعى السادس الخطبتان: فهما فريضتان والقيام فيهما فريضة والجلسة بينهما فريضة. وفي الأولى أربع فرائض: التحميد وأقله الحمد لله. والثانية: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والثالثة: الوصية بتقوى الله سبحانه وتعالى والرابعة: قراءة القرآن. وكذا فرائض الثانية أربعة إلا أنه يجب فيها الدعاء بدل القراءة. واستماع الخطبتين واجب من الأربعين. وأما السنن: فإذا زالت الشمس وأذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر انقطعت الصلاة سوى التحية، والكلام لا ينقطع إلا بافتتاح الخطبة. ويسلم الخطيب على الناس إذا أقبل عليهم بوجهه ويدون عليه السلام فإذا فرغ المؤذن قام مقبلا على الناس بوجهه لا يلتفت يمينا ولا شمالا ويشغل يديه بقائم السيف أو العنزة والمنبر كي لا يعبث بهما أو يضع إحداهما على الأخرى. ويخطب خطبتين بينهما جلسة خفيفة. ولا يستعمل غريب اللغة ولا يمطط ولا يتغنى. وتكون الخطبة قصيرة بليغة جامعة. ويستحب أن يقرأ آية في الثانية أيضا. ولا يسلم من دخل والخطيب يخطب فإن سلم لم يستحق جوابا، والإشارة بالجواب حسن، ولا يشمت العاطسين أيضا. هذه شروط الصحة. فأما شروط الوجوب: فلا تجب الجمعة إلا على ذكر بالغ عاقل مسلم حر مقيم في قرية تشتمل على أربعين جامعين لهذه الصفات، أو في قرية من سواد البلد يبلغها نداء البلد من طرف بابها والأصوات ساكنة والمؤذن رفيع الصوت لقوله تعالى " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " ويرخص لهؤلاء في ترك الجمعة لعذر المطر والوحل والفزع والمرض والتمريض إذا لم يكن للمريض قيم غيره. ثم يستحب لهم - أعني أصحاب الأعذار - تأخير الظهر إلى أن يفرغ الناس من الجمعة، فإن حضر الجمعة مريض أو مسافر أو عبد أو امرأة صحت جمعتهم وأجزأت عن الظهر والله أعلم
بيان آداب الجمعة على ترتيب العادة
وهي عشر جمل

(1/188)


الأول أن يستعد لها يوم الخميس عزما عليها واستقبالا لفضلها فيشتغل بالدعاء والاستغفار والتسبيح بعد العصر يوم الخميس لأنها ساعة قوبلت بالساعة المبهمة في يوم الجمعة. قال بعض السلف: إن لله عز وجل فضلا سوى أرزاق العباد لا يعطى من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة، ويغسل في هذا اليوم ثيابه ويبيضها ويعد الطيب إن لم يكن عنده، ويفرغ قلبه من الأشغال التي تمنعه من البكور إلى الجمعة، وينوي في هذه الليلة صوم يوم الجمعة فإن له فضلا وليكن مضموما إلى يوم الخميس أو السبت - لا مفردا فإنه مكروه - ويشتغل بإحياء هذه الليلة بالصلاة وختم القرآن فلها فضل كثير وينسحب عليها فضل يوم الجمعة. ويجامع أهله في هذه الليلة أو في يوم الجمعة فقد استحب ذلك قوم حملوا عليه قوله صلى الله عليه وسلم " رحم الله من بكر وابتكر وغسل واغتسل " وهو حمل الأهل على الغسل. وقيل معناه غسل ثيابه - فروي بالتخفيف - واغتسل لجسده. وبهذا تتم آداب الاستقبال ويخرج من زمرة الغافلين الذين إذا أصبحوا قالوا ما هذا اليوم؟ قال بعض السلف: أوفى الناس نصيبا من الجمعة من انتظرها ورعاها من الأمس، وأخفهم نصيبا من إذا أصبح يقول: أيش اليوم؟ وكان بعضهم يبيت ليلة الجمعة في الجامع لأجلها الثاني إذا أصبح ابتدأ بالغسل بعد طلوع الفجر، وإن كان لا يبكر فأقر به إلى الرواح أحب ليكون أقرب عهدا بالنظافة، فالغسل مستحب استحبابا مؤكدا، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه قال صلى الله عليه وسلم " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " والمشهور من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما " من أتى الجمعة فلغتسل " وقال صلى الله عليه وسلم " من شهد الجمعة من الرجال والنساء فلغتسل " وكان أهل المدينة إذا تساب المتسابان يقول أحدهما للآخر: لأنت أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة. وقال عمر لعثمان رضي الله عنهما لما دخل وهو يخطب " أهذه الساعة؟ - منكرا عليه ترك البكور - فقال: ما زدت بعد أن سمعت الأذان على أن توضأت وخرجت فقال: والوضوء بوضوء عثمان رضي الله تعالى عنه وبما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل " ومن اغتسل للجنابة فليفض الماء على بدنه مرة أخرى على نية غسل الجمعة، فإن اكتفى بغسل واحد أجزأه وحصل له الفضل إذا نوى كليهما ودخل غسل الجمعة في غسل الجنابة. وقد دخل بعض الصحابة على ولده وقد اغتسل فقال له: أللجمعة؟ فقال: بل عن الجنابة، فقال: أعد غسلا ثانيا، وروى الحديث في غسل الجمعة على كل محتلم.

(1/189)


وإنما أمره به لأنه لم يكن نواه. وكان لا يبعد أن يقال المقصود النظافة وقد حصلت دون النية، ولكن هذا ينقدح في الوضوء أيضا وقد جعل في الشرع قربة فلا بد من طلب فضلها. ومن اغتسل ثم أحدث توضأ ولم يبطل غسله والأحب أن يحترز عن ذلك الثالثة الزينة، وهي مستحبة في هذا اليوم وهي ثلاثة: الكسوة والنظافة وتطييب الرائحة. أما النظافة فبالسواك وحلق الشعر وقلم الظفر وقص الشارب وسائر ما سبق في كتاب الطهارة. قال ابن مسعود: من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله عز وجل منه داء وأدخل فيه شفاء، فإن كان قد دخل الحمام في الخميس أو الأربعاء فقد حصل المقصود.فليتطيب في هذا اليوم بأطيب طيب عنده ليغلب بها الروائح الكريهة ويوصل بها الروح والرائحة إلى مشام الحاضرين في جواره " وأحب طيب الرجا ما ظهر ريحه وخفي لونه وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه " وروي ذلك في الأثر. وقال الشافعي رضي الله عنه: من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله. وأما الكسوة فأحبها البياض من الثياب - إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض - ولا يلبس ما فيه شهرة. ولبس السواد ليس من السنة ولا فيه فضل بل كره جماعة النظر إليه لأنه بدعة محدثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمامة مستحبة في هذا اليوم. وروى واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة " فإن أكربه الحر فلا بأس بنزعها قبل الصلاة وبعدها ولكن لا ينزع في وقت السعي من المنزل إلى الجمعة ولا في وقت الصلاة ولا عند صعود الإمام المنبر في خطبته الرابع البكور إلى الجامع: ويستحب أن يقصد الجامع من فرسخين وثلاث وليبكر ويدخل وقت البكور بطلوع الفجر وفضل البكور عظيم. وينبغي أن يكون في سعيه إلى الجمعة خاشعا متواضعا ناويا للاعتكاف في المسجد إلى وقت الصلاة قاصدا للمبادرة إلى جواب نداء الله عز وجل إلى الجمعة إياه. والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه وقد قال صلى الله عليه وسلم " من راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر فمن جاء بعد ذلك فأنما جاء لحق الصلاة ليس له من الفضل شيء " والساعة الأولى إلى طلوع الشمس؛ والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها حين ترمض الأقدام، والرابعة والخامسة بعد الضحى الأعلى إلى الزوال وفضلها قليل؛ ووقت الزوال حق الصلاة ولا فضل فيه. وقال صلى الله عليه وسلم " ثلاث لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا ركض الإبل في طلبهن؛ الأذان والصف الأول والغدو إلى الجمعة " وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: أفضلهن الغدو إلى الجمعة. وفي الخبر " إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم " وجاء في الخبر " إن الملائكة يتفقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضا عنه: ما فعل فلان وما الذي أخره عن وقته؟ فيقولون: اللهم إن كان أخره فقر فأغنه وإن كان أخره مرض فاشفه وإن كان أخره شغل ففرغه لعبادتك وإن كان أخره لهو فأقبل بقلبه إلى طاعتك " وكان يرى في القرن الأول سحرا وبعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد حتى اندرس ذلك فقيل: أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع. وكيف لا يستحي المسلمون من اليهود والنصارى وهم يبكرون إلى البيع والكنائس يوم السبت والأحد؟ وطلاب الدنيا كيف يبكرون إلى رحاب الأسواق للبيع والشراء والربح فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة؟ ويقال: إن الناس يكونون في قربهم عند النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى على قدر بكورهم إلى الجمعة. ودخل ابن مسعود رضي الله عنه بكرة الجامع فرأى ثلاثة نفر قد سبقوه بالبكور فاغتم لذلك وجعل يقول في نفسه معاتبا لها رابع أربعة: وما رابع أربعة من البكور ببعيد الخامس في هيئة الدخول: ينبغي أن لا يتخطى رقاب الناس ولا يمر بين أيديهم والبكور يسهل ذلك عليه فقد ورد وعيد شديد في تخطي الرقاب وهو أنه يجعل جسرا يوم القيام يتخطاه الناس " وروى ابن جريج مرسلا " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما

(1/190)


هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلا يتخطى رقاب الناس حتى تقدم فجلس فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم عارض الرجل حتى لقيه فقال: يا فلان ما منعك أن تجمع اليوم معنا؟ قال: يا نبي الله قد جمعت معكم: فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ألم نرك تتخطى رقاب الناس " أشار به إلى أنه أحبط عمله. وفي حديث مسند أنه قال " ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: أو لم ترني يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم؛ رأيتك تأنيت وذيت " أي تأخرت عن البكور وآذيت الحضور. ومهما كان الصف الأول متروكا خاليا فله أن يتخطى رقاب الناس لأنهم ضيعوا حقهم وتركوا موضع الفضيلة. قال الحسن: تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجوامع يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم. وإذا لم يكن في المسجد إلا من يصلي فينبغي أن لا يسلم لأنه تكليف جواب في غير محله السادس أن لا يمر بين يدي الناس ويجلس حيث هو إلى أقرب أسطوانة أو حائط حتى لا يمرون بين يديه أعني بين يدي المصلي فإن ذلك لا يقطع الصلاة ولكنه منهي عنه قال صلى الله عليه وسلم " لأن يقف أربعين عاما خير له من أن يمر بين يدي المصلي " وقال صلى الله عليه وسلم " لأن يكون الرجل رمادا أو رميما تذروه الرياح خير من أن يمر بين يدي المصلي " وقد روي في حديث آخر في المار والمصلي حيث صلى على الطريق أو قصر في الدفع فقال " لو يعلم المار بين يدي المصلى والمصلي ما عليهما في ذلك لكان أن يقف أربعين سنة خيرا له من أن يمر بين يديه " والأسطوانة والحائط والمصلى المفروش حد للمصلي فمن اجتاز به فينبغي أن يدفعه قال صلى الله عليه وسلم " ليدفعه فإن أبى فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان " وكان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يدفع من يمر بين يديه حتى يصرعه، فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه عند مروان فيخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك. فإن لم يجد أسطوانة فلينصب بين يديه شيئا طوله قدر ذراع ليكون ذلك علامة لحدة السابع أن يطلب الصف الأول فإن فضله كثير كما رويناه وفي الحديث " من غسل واغتسل وبكر وابتكر ودنا من الإمام واستمع كان ذلك له كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام " وفي لفظ آخر " غفر الله له إلى الجمعة الأخرى - وقد اشترط في بعضها - ولم يتخط رقاب الناس " ولا يغفل في طلب الصف الأول عن ثلاثة أمور، أولها: أنه إذا كان يرى بقرب الخطيب منكرا يعجز عن تغييره - من لبس حرير من الإمام أو غيره أو صلى في سلاح كثير ثقيل شاغل أو سلاح مذهب أو غير ذلك - مما يجب فيه الإنكار فالتأخر له أسلم وأجمع للهم، فعل ذلك جماعة من العلماء طلبا للسلامة. قيل لبشر بن الحرث: نراك تبكر وتصلي في آخر الصفوف، فقال: إنما يراد قرب القلوب لا قرب الأجساد. وأشار به إلى أن ذلك أقرب لسلامة قلبه. ونظر سفيان الثوري إلى شعيب بن حرب عند المنبر يسمع إلى الخطبة من أبي جعفر المنصور فلما فرغ من الصلاة قال: شغل قلبي قربك من هذا هل أمنت أن تسمع كلاما يجيب عليك إنكاره فلا تقوم به؟ ثم ذكر ما أحدثوا من لبس السواد فقال: يا أبا عبد الله أليس في الخبر " أدن واستمع " فقال: ويحج ذاك للخلفاء الراشدين المهديين، فأما هؤلاء فكلما بعدت عنهم ولم تنظر إليهم كان أقرب إلى الله عز وجل. وقال سعيد بن عامر " صليت إلى جنب أبي الدرداء فجعل يتأخر في الصفوف حتى كنا في آخر صف؛ فلما صلينا قلت له: أليس يقال خير الصفوف أولها؟ قال: نعلم إلا أن هذه الأمة مرحومة منظور إليها من بين الأمم فإن الله تعالى إذا نظر إلى عبد في الصلاة غفر له ولمن وراءه من الناس فإنما تأخرت رجاء أن يغفر لي بواحد منهم ينظر الله إليه. وروى بعض الرواة أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فمن تأخر على هذه النية إيثارا وإظهارا لحسن الخلق فلابأس، وعند هذا يقال " الأعمال بالنيات " ثانيها: إن لم تكن مقصورة عند الخطيب مقتطعة عن المسجد للسلاطين فالصف الأول محبوب وإلا فقد كره بعض العلماء دخول المقصورة. كان الحسن وبكر المزني لا يصليان في المقصورة ورأيا أنها قصرت على السلاطين وهي بدعة أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساجد. والمسجد مطلق لجميع الناس وقد اقتطع ذلك على خلافة. وصلى أنس بن مالك وعمران بن حصين في المقصورة ولم يكرها ذلك لطلب القرب. ولعل الكراهية تختص بحالة التخصيص والمنع فأما

(1/191)


مجرد المقصورة إذا لم يكن منع فلا يوجد كراهة وثالثها: أن المنبر يقطع بعض الصفوف وإنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرفيه مقطوع. وكان الثوري يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر وهو متجه لأنه متصل ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع منه. ولا يبعد أن يقال الأقرب إلى القبلة هو الصف الأول ولا يراعى هذا المعنى. وتكره الصلاة في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد وكان بعض الصحابة يضرب الناس ويقيمهم من الرحاب الثامن أن يقطع الصلاة عند خروج الإمام ويقطع الكلام أيضا بل يشتغل بجواب المؤذن ثم باستماع الخطبة. وقد جرت عادة بعض العوام بالسجود عند قيام المؤذنين ولم يثبت له أصل في أثر ولا خبر، ولكنه إن وافق سجود تلاوة فلا بأس بها للدعاء لأنه وقت فاضل: ولا يحكم بتحريم هذا السجود فإنه لا سبب لتحريمه، وقد روي عن علي وعثمان رضي الله عنهما أنهما قالا: من استمع وأنصت فله أجران ومن لم يستمع وأنصت فله أجر ومن سمع ولغا فعليه وزران ومن لم يستمع ولغا فعليه وزر واحد. وقال صلى الله عليه وسلم " من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت أو مه فقد لغا ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعة له " وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بإشارة أو رمي حصاة لا بالنطق. وفي حديث أبي ذر " أنه لما سأل أبيا والنبيصلى الله عليه وسلم يخطب فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ فأومأ إليه أن أسكت: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبي: اذهب فلا جمعة لك، فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدق أبي " وإن كان بعيدا من الإمام فلا ينبغي أن يتكلم في العلم وغيره بل يسكت لأن كل ذلك يتسلل ويفضي إلى هنيمة حتى ينتهي إلى المستمعين ولا يجلس في حلقة من يتكلم فمن عجز عن الاستماع بالبعد فلينصت فهو المستحب. وإذا كان تكره الصلاة في وقت خطبة الإمام فالكلام أولى بالكراهية. وقال علي كرم الله وجهه: تكره الصلاة في أربع ساعات؛ بعد الفجر وبعد العصر ونصف النهار والصلاة والإمام يخطب التاسع أن يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها فإذا سمع قراءة الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة. فإذا فرغ من الجمعة قرأ " الحمد لله " سبع مرات قبل أن يتكلم " وقل هو الله أحد والمعوذتين " سبعا سبعا وروى بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة وكان حرزا له من الشيطان ويستحب أن يقول بعد الجمعة " اللهم يا غني ياحميد يا مبدىء يا معيد يا رحيم يا ودود أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك " يقال من داوم على هذا الدعاء أغناه الله سبحانه عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب، ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين " وروى أبو هريرة أربعا " وروى علي وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهم ستا والكل صحيح في أحوال مختلفة، والأكمل أفضل العاشر أن يلازم المسجد حتى يصلي العصر فإن أقام إلى المغرب فهو الأفضل. يقال من صلى العصر في الجامع كان له ثواب الحج ومن صلى المغرب فله ثواب حجة وعمرة فإن لم يأمن التصبع ودخول الآفة عليه من نظر الخلق إلى اعتكافه أو خاف الخوض فيما لا يعنى فالأفضل أن يرجع إلى بيته ذاكرا الله عز وجل مفكرا في آلائه شاكرا لله تعالى على توفيقه خائفا من تقصيره مراقبا لقلبه ولسانه إلى غروب الشمس حتى لا تفوته الساعة الشريفة. ولا ينبغي أن يتكلم في الجامع وغيره من المساجد بحديث الدنيا قال صلى الله عليه وسلم " يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم أمر دنياهم ليس لله تعالى فيهم حاجة فلا تجالسوهم " .جرد المقصورة إذا لم يكن منع فلا يوجد كراهة وثالثها: أن المنبر يقطع بعض الصفوف وإنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرفيه مقطوع. وكان الثوري يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر وهو متجه لأنه متصل ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع منه. ولا يبعد أن يقال الأقرب إلى القبلة هو الصف الأول ولا يراعى هذا المعنى. وتكره الصلاة في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد وكان بعض الصحابة يضرب الناس ويقيمهم من الرحاب الثامن أن يقطع الصلاة عند خروج الإمام ويقطع الكلام أيضا بل يشتغل بجواب المؤذن ثم باستماع الخطبة. وقد جرت عادة بعض العوام بالسجود عند قيام المؤذنين ولم يثبت له أصل في أثر ولا خبر، ولكنه إن وافق سجود تلاوة فلا بأس بها للدعاء لأنه وقت فاضل: ولا يحكم بتحريم هذا السجود فإنه لا سبب لتحريمه، وقد روي عن علي وعثمان رضي الله عنهما أنهما قالا: من استمع وأنصت فله أجران ومن لم يستمع وأنصت فله أجر ومن سمع ولغا فعليه وزران ومن لم يستمع ولغا فعليه وزر واحد. وقال صلى الله عليه وسلم " من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت أو مه فقد لغا ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعة له " وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بإشارة أو رمي حصاة لا بالنطق. وفي حديث أبي ذر " أنه لما سأل أبيا والنبيصلى الله عليه وسلم يخطب فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ فأومأ إليه أن أسكت: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبي: اذهب فلا جمعة لك، فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدق أبي " وإن كان بعيدا من الإمام فلا ينبغي أن يتكلم في العلم وغيره بل يسكت لأن كل ذلك يتسلل ويفضي إلى هنيمة حتى ينتهي إلى المستمعين ولا يجلس في حلقة من يتكلم فمن عجز عن الاستماع بالبعد فلينصت فهو المستحب. وإذا كان تكره الصلاة في وقت خطبة الإمام فالكلام أولى بالكراهية. وقال علي كرم الله وجهه: تكره الصلاة في أربع ساعات؛ بعد الفجر وبعد العصر ونصف النهار والصلاة والإمام يخطب التاسع أن يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها فإذا سمع قراءة الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة. فإذا فرغ من الجمعة قرأ " الحمد لله " سبع مرات قبل أن يتكلم " وقل هو الله أحد والمعوذتين " سبعا سبعا وروى بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة وكان حرزا له من الشيطان ويستحب أن يقول بعد الجمعة " اللهم يا غني ياحميد يا مبدىء يا معيد يا رحيم يا ودود أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك " يقال من داوم على هذا الدعاء أغناه الله سبحانه عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب، ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين " وروى أبو هريرة أربعا " وروى علي وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهم ستا والكل صحيح في أحوال مختلفة، والأكمل أفضل العاشر أن يلازم المسجد حتى يصلي العصر فإن أقام إلى المغرب فهو الأفضل. يقال من صلى العصر في الجامع كان له ثواب الحج ومن صلى المغرب فله ثواب حجة وعمرة فإن لم يأمن التصبع ودخول الآفة عليه من نظر الخلق إلى اعتكافه أو خاف الخوض فيما لا يعنى فالأفضل أن يرجع إلى بيته ذاكرا الله عز وجل مفكرا في آلائه شاكرا لله تعالى على توفيقه خائفا من تقصيره مراقبا لقلبه ولسانه إلى غروب الشمس حتى لا تفوته الساعة الشريفة. ولا ينبغي أن يتكلم في الجامع وغيره من المساجد بحديث الدنيا قال صلى الله عليه وسلم " يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم أمر دنياهم ليس لله تعالى فيهم حاجة فلا تجالسوهم " .

(1/192)


بيان الآداب والسنن الخارجة عن الترتيب السابق
الذي يعم جميع النهار وهي سبعة أمور

(1/193)


الأول أن يحضر مجالس العلم بكرة أو بعد العصر ولا يحضر مجالس القصاص فلا خير في كلامهم. ولا ينبغي أن يخلو المريد في جميع يوم الجمعة عن الخيرات والدعوات حتى توافيه الساعة الشريفة وهو في خير ولا ينبغي أن يحضر الحلق قبل الصلاة. وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة " إلا أن يكون عالما بالله يذكر بأيام الله ويفقه في دين الله يتكلم في الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعا بين البكور وبين الاستماع. واستماع العلم النافع في الآخرة أفضل من اشتغاله بالنوافل فقد روى أبو ذر " إن حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة " قال أنس بن مالك في قوله تعالى " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " أما إنه ليس بطلب دنيا لكن عيادة مريض وشهود جنازة وتعلم علم وزيارة أخ في الله عز وجل. وقد سمى الله عز وجل فضلا في مواضع قال تعالى " وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " وقال تعالى " ولقد آتينا داود منا فضلا " يعني العلم فتعلم العلم في هذا اليوم وتعليمه من أفضل القربات. والصلاة أفضل من مجالس القصاص إذ كانوا يرونه بدعة ويخرجون القصاص من الجامع: بكر ابن عمر رضي الله عنهما إلى مجلسه في المسجد الجامع فإذا قاص في موضعه فقال: قم عن مجلسي! فقال: لا أقوم وقد جلست وسبقتك إليه، فأرسل ابن عمر إلى صاحب الشرطة فأقامه. فلو كان ذلك من السنة لما جازت إقامته فقد قال صلى الله عليه وسلم " لا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا " وكان ابن عمر إذا قام الرجل له من مجلسه لم يجلس فيه حتى يعود إليه. وروي أن قاصا كان يجلس بفناء حجرة عائشة رضي الله عنها فأرسلت إلى ابن عمر: إن هذا قد آذاني بقصصه وشغلني عن سبحتي، فضربه ابن عمر حتى كسر عصاه على ظهره ثم طرده الثاني أن يكون حسن المراقبة للساعة الشريفة ففي الخبر المشهور " إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه " وفي خبر آخر " لا يصادفها عبد يصلي " واختلف فيها فقيل إنها عند طلوع الشمس وقيل عند الزوال وقيل مع الأذان وقيل إذا صعد الإمام المنبر وأخذ في الخطبة وقيل إذا قام الناس إلى الصلاة وقيل آخر وقت العصر - أعني وقت الاختيار - وقيل قبل غروب الشمس " وكانت فاطمة رضي الله عنها تراعي ذلك الوقت وتأمر خادمتها أن تنظر إلى الشمس فتؤذها بسقوطها فتأخذ في الدعاء والاستغفار إلى أن تغرب الشمس، وتخبر بأن تلك الساعة هي المنتظرة وتؤثره عن أبيها صلى الله عليه وسلم وعليها " وقال بعض العلماء: هي مبهمة في جميع اليوم مثل ليلة القدر تتوفر الدواعي على مراقبتها. وقيل إنها تنتقل في ساعات يوم الجمعة كتنقل ليلة القدر وهذا هو الأشبه، وله سر لا يليق بعلم المعاملة ذكره ولكن ينبغي أن يصدق بما قال صلى الله عليه وسلم " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها " ويوم الجمعة من جملة تلك الأيام فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرضا لها بإحضار القلب وملازمة الذكر والنزوع عن وساوس الدنيا فعساه يحظى بشيء من تلك النفحات. وقد قال كعب الأحبار: إنها في آخر ساعة من يوم الجمعة وذلك عند الغروب، فقال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يوافقها عبد يصلي ولات حين صلاة! فقال كعب: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قعد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة قال: بلى، قال: فذلك صلاة؟ فسكت أبو هريرة. وكان كعب مائلا إلى أنها رحمة من الله سبحانه للقائمين بحق هذا اليوم وأوان إرسالها عند الفراغ من تمام العمل. وبالجملة هذا وقت شريف مع وقت صعود الإمام المنبر فليكثر الدعاء فيهما الثالث يستحب أن يكثر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم فقد قال صلى الله عليه وسلم " من صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة قيل يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال تقول اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وتعقد واحدة، وإن قلت اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء وأعطه الوسيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته واجزه عنا ما هو أهله واجزه أفضل ما جازيت نبيا عن أمته وصل عليه وعلى جميع

(1/194)


إخوانه من النبيين والصالحين يا أرحم الراحمين " تقول هذا سبع مرات فقد قيل من قالها في سبع جمع في كل جمعة سبع مرات وجبت له شفاعته صلى الله عليه وسلم. وإن أراد أن يزيد أتى بالصلاة المأثورة فقال " اللهم اجعل فضائل صلواتك ونوامي بركاتك وشرائف زكواتك ورأفتك ورحمتك وتحيتك على محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين قائد الخير وفاتح البر ونبي الرحمة وسيد الأمة اللهم ابعثه مقاما محمودا تزلف به قربه وتقر به عينه يغبطه به الأولون وألاخرون اللهم أعطه الفضل والفضيلة والشرف والوسيلة والدرجة الرفيعة والمنزلة الشامخة المنيفة اللهم أعط محمدا سؤله وبلغه مأموله واجعله أول شافع وأول مشفع اللهم عظم برهانه وثقل ميزانه وأبلج حجته وارفع في أعلى المقربين درجته اللهم احشرنا في زمرته واجعلنا من أهل شفاعته وأحينا على سنته وتوفنا على ملته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه غير خزايا ولا نادمين ولا شاكين ولا مبدلين ولا فاتنين ولا مفتونين آمين يارب العالمين " وعلى الجملة فكل ما أتى به من ألفاظ الصلاة ولو بالمشهورة في التشهد كان مصليا. وينبغي أن يضيف إليه الاستغفار فإن ذلك أيضا مستحب في هذا اليوم الرابع قراءة القرآن فليكثر منه وليقرأ سورة الكهف خاصة. فقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما " أن من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أعطي نورا من حيث يقرؤها إلى مكة وغفر له إلى يوم الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصح وعوفي من الداء والدبيلة وذات الحنب والبرص والجذام وفتنة الدجال " ويستحب أن يختم القرآن في يوم الجمعة وليلتها إن قدر، وليكن ختمه للقرآن في ركعتي الفجر إن قرأ بالليل أو في ركعتي المغرب أو بين الإذان والإقامة للجمعة فله فضل عظيم. وكان العابدون يستحبون أن يقرءوا يوم الجمعة قل هو الله أحد ألف مرة. ويقال إن من قرأها في عشر ركعات أو عشرين فهو أفضل من ختمة وكانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة وكانوا يقولون " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " ألف مرة وإن قرأ المسبعات الست في يوم الجمعة أو ليلتها فحسن. وليس يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ سورا بأعيانها إلا في يوم الجمعة وليلتها كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة " قل يا أيها الكافرون. وقل هو الله أحد " وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة: سورة الجمعة والمافقين وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرؤهما في ركعتي الجمعة. وكان يقرأ في الصبح يوم الجمعة. سورة سجدة لقمان وسورة هل أتى على الإنسان الخامس الصلوات يستحب إذا دخل الجامع أن لا يجلس حتى يصلي أربع ركعات يقرأ فيهن " قل هو الله أحد " مائتي مرة في كل ركعة خمسين مرة فقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن من فعله لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له " ولا يدع ركعتي التحية وإن كان الإمام يخطب ولكن يخفف. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وفي حديث غريب " أنه صلى الله عليه وسلم سكت للداخل حتى صلاهما " فقال الكوفيون: إن سكت له الإمام صلاهما. ويستحب في هذا اليوم أو في ليلته أن يصلي أربع ركعات بأربع سور: الأنعام والكهف وطه ويس. فإن لم يحسن قرأ يس وسورة سجدة لقمان وسورة الدخان وسورة الملك ولا يدع قراءة هذه الأربع سور في ليلة الجمعة ففيها فضل كثير. ومن لا يحسن القرآن قرأ ما يحسن فهو له بمنزلة الختمة. ويكثر من قراءة سورة الإخلاص. ويستحب أن يصلي صلاة التسبيح - كما سيأتي في باب التطوعات كيفيتها - لأنه صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس " صلها في كل جمعة وكان ابن عباس رضي الله عنهما لا يدع هذه الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال وكان يخبر عن جلالة فضلها. والأحسن أن يجعل وقته إلى الزوال للصلاة وبعد صلاة الجمعة إلى العصر لاستماع العلم وبعد العصر إلى المغرب للتسبيح والاستغفار. السادس الصدقة مستحبة في هذا اليوم خاصة فإنها تتضاعف إلا على من سأل والإمام يخطب وكان يتكلم في كلام الإمام فهذا مكروه. وقال صالح بن محمد: سأل مسكين يوم الجمعة والإمام يخطب - وكان إلى جانب أبي - فأعطى رجل أبي قطعة ليناوله إياها فلم يأخذها منه أبي. وقال ابن مسعود إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق أن لا يعطى وإذا سأل

(1/195)


على القرآن فلا تعطوه. ومن العلماء من كره الصدقة على السؤال في الجامع الذين يتخطون رقاب الناس؛ إلا أن يسأل قائما أو قاعدا في مكانه من غير تخط. وقال كعب الأحبار: من شهد الجمعة ثم انصرف فتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما وسجودهما وخشوعهما ثم يقول: اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا اله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه. وقال بعض السلف. من أطعم مسكينا يوم الجمعة ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم الإمام " بسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم أسألك أن تغفر لي وترحمي وتعافيني من النار " ثم دعا بما بدا له استجيب له السابع أن يجعل يوم الجمعة للآخرة فيكف فيه عن جميع أشغال الدنيا ويكثر فيه الأوراد ولا يبتدىء فيه السفر فقد روي " أنه من سافر في ليلة الجمعة دعا عليه ملكاه " وهو بعد طلوع الفجر حرام إلا إذا كانت الرفقة تفوت. وكره بعض السلف شراء الماء في المسجد من السقاء ليشربه أو يسبله حتى لا يكون مبتاعا في المسجد فإن البيع والشراء في المسجد مكروه. وقالوا: لابأس لو أعطى القطعة خارج المسجد ثم شرب أو سبل في المسجد. وبالجملة ينبغي أن يزيد في الجمعة في أوراده وأنواع خيراته فإن الله سبحانه إذا أحب عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال وإذا مقته استعمله في الأوقات الفاضلة بسيء الأعمال ليكون ذلك أوجع في عقابه وأشد لمقته لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت. ويستحب في الجمعة دعوات، وسيأتي ذكرها في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى. وصلى الله على كل عبد مصطفى.القرآن فلا تعطوه. ومن العلماء من كره الصدقة على السؤال في الجامع الذين يتخطون رقاب الناس؛ إلا أن يسأل قائما أو قاعدا في مكانه من غير تخط. وقال كعب الأحبار: من شهد الجمعة ثم انصرف فتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما وسجودهما وخشوعهما ثم يقول: اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا اله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه. وقال بعض السلف. من أطعم مسكينا يوم الجمعة ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم الإمام " بسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم أسألك أن تغفر لي وترحمي وتعافيني من النار " ثم دعا بما بدا له استجيب له السابع أن يجعل يوم الجمعة للآخرة فيكف فيه عن جميع أشغال الدنيا ويكثر فيه الأوراد ولا يبتدىء فيه السفر فقد روي " أنه من سافر في ليلة الجمعة دعا عليه ملكاه " وهو بعد طلوع الفجر حرام إلا إذا كانت الرفقة تفوت. وكره بعض السلف شراء الماء في المسجد من السقاء ليشربه أو يسبله حتى لا يكون مبتاعا في المسجد فإن البيع والشراء في المسجد مكروه. وقالوا: لابأس لو أعطى القطعة خارج المسجد ثم شرب أو سبل في المسجد. وبالجملة ينبغي أن يزيد في الجمعة في أوراده وأنواع خيراته فإن الله سبحانه إذا أحب عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال وإذا مقته استعمله في الأوقات الفاضلة بسيء الأعمال ليكون ذلك أوجع في عقابه وأشد لمقته لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت. ويستحب في الجمعة دعوات، وسيأتي ذكرها في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى. وصلى الله على كل عبد مصطفى.
الباب السادس
في مسائل متفرقة تعم بها البلوى
ويحتاج المريد إلى معرفتها
فأما المسائل التي تقع نادرة فقد استقصيناها
في كتب الفقه

(1/196)


مسألة الفعل القليل وإن كان لا يبطل الصلاة فهو مكروه إلا لحاجة وذلك في دفع المار وقتل العقرب التي تخاف ويمكن قتلها بضربة أو ضربتين فإذا صارت ثلاثا فقد كثرت وبطلت الصلاة، وكذلك القملة والبرغوث مهما تأذى بهما كان له دفعهما، وكذلك حاجته إلى الحك الذي يشوش عليه الخشوع. كان معاذ يأذ القملة والبرغوث في الصلاة. وابن عمر كان يقتل القملة في الصلاة حتى يظهر الدم على يده. وقال النخعي: يأخذها وبوهنها ولا شيء عليه إن قتلها. وقال ابن المسيب: يأخذها ويخدرها ثم يطرحها. وقال مجاهد: الأحب إلى أن يدعها إلا أن تؤذيه فتشغله عن صلاته فيوهنها قدر ما لا تؤذي ثم يلقيها. وهذه رخصة وإلا فالكمال الاحتراز عن الفعل وإن قل. ولذلك كان بعضهم لا يطرد الذباب وقال: لا أعود نفسي ذلك فأفسح على صلاتي. وقد سمعت أن الفساق بين يدي الملوك يصبرون على أذى كثير ولا يتحركون. ومهما تثاءب فلابأس أن يضع يده على فيه وهو الأولى. وإن عطس حمد الله عز وجل في نفسه ولا يحرك لسانه. وإن تجشأ فينبغي أن لا يرفع رأسه إلى السماء وإن سقط رداؤه فلا ينبغي أن يسويه وكذلك أطراف عمامته فكل ذلك مكروه إلا لضرورة.
مسألة الصلاة في النعلين جائزة وإن كان نزع النعلين سهلا، وليست الرخصة في الخف لعسر النزع بل هذه النجاسة معفو عنها. وفي معناها المداس " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نعليه، ثم نزع فنزع الناس نعالهم فقال: لم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا فقال صلى الله عليه وسلم: إن جبرائيل عليه السلام أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا أراد أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض وليصل فيهما " وقال بعضهم: الصلاة في النعلين أفضل لأنه صلى الله عليه وسلم قال " لم خلعتم نعالكم؟ " وهذه مبالغة فإنه صلى الله عليه وسلم سألهم ليبين لهم سبب خلعه إذ علم أنهم خلعوا على موافقته. وقد روى عبد الله بن السائب " أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه " فإذن قد فعل كليهما فمن خلع فلا ينبغي أن يضعهما عن يمينه ويساره فيضيق الموضع ويقطع الصف بل يضعهما بين يديه ولا يتركهما وراءه فيكون قلبه ملتفتا إليهما. ولعل من رأى الصلاة فيهما أفضل راعي هذا المعنى وهو التفات القلب إليهما. روى أبو هريرة رضي الله عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا صلى أحدكم فليجعل نعليه بين رجليه " وقال أبو هريرة لغيره: اجعلهما بين رجليك ولا تؤذ بهما مسلما. ووضعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على يساره وكان إماما فللإمام أن يفعل ذلك إذ لا يقف أحد على يساره. والأولى أن لا يضعهما بين قدميه فتشغلانه ولكن قدام قدميه، ولعله المارد بالحديث. وقد قال جبير بن مطعم. وضع الرجل نعليه بين قدميه بدعة.
مسألة إذا بزق في صلاته لم تبطل صلاته لأنه فعل قليل. وما لا يحصل به صوت لا يعد كلاما وليس على شكل حروف الكلام إلا أنه مكروه فينبغي أن يحترز منه إلا كما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إذ روى بعض الصحابة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في القبلة نخامة فغضب غضبا شديدا ثم حكها بعرجون كان في يده وقال: ائتوني بعبير، فلطخ أثرها بزعفران ثم التفت إلينا وقال: أيكم يحب أن يبزق في وجهه؟ فقلنا: لا أحد، قال: فإن أحدكم إذا دخل في الصلاة فإن الله عز وجل بينه وبين القبلة " وفي لفظ آخر " واجهه الله تعالى فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه ولا عن يمينه ولكن عن شماله أو تحت قدمه اليسرى فإن بدرته بادرة فليبصق في ثوبه وليقل به هكذا ودلك بعضه ببعض "

(1/197)


مسألة لوقوف المقتدى: سنة وفرض؛ أما السنة: فأن يقف الواحد عن يمين الإمام متأخرا عنه قليلا، والمرأة الواحدة تقف خلف الإمام؛ فإن وقفت بجنب الإمام لم يضر ذلك ولكن خالفت السنة. فإن كان معها رجل وقف الرجل عن يمين الإمام وهي خلف الرجل. ولا يقف أحد خلف الصف منفردا بل يدخل في الصف أو يجر إلى نفسه واحدا من الصف. فإن وقف منفردا صحت صلاته مع الكراهية. وأما الفرض. فاتصال الصف وهو أن يكون بين المقتدي والإمام رابطة جامعة فإنهما في جماعة فإن كانا في مسجد كفى ذلك جامعا لأنه بنى له فلا يحتاج إلى اتصال صف بل إلى أن يعرف أفعال الإمام، صلى أبو هريرة رضي الله عنه على ظهر المسجد بصلاة الإمام. وإذا كان الماموم على فناء المسجد في طريق أو صحراء مشتركة وليس بينهما اختلاف بناء مفرق فيكفي القرب بقدر غلوة سهم وكفى بها رابطة إذ يصل فعل أحدهما إلى الآخر. وإنما يشترط إذا وقف في صحن دار على يمين المسجد أو يساره وبابها لاطىء في المسجد فالشرط أن يمد صف المسجد في دهليزها من غير انقطاع إلى الصحن. ثم تصح صلاة من في ذلك الصف ومن خلفه دون من تقدم عليه وهكذا حكم الأبنية المختلفة فأما البناء الواحد والعرصة الواحدة فكالصحراء.
مسألة المسبوق إذا أدرك آخر صلاة الإمام فهو أول صلاته فليوافق الإمام وليبن عليه وليقنت في الصبح في آخر صلاة نفسه. وإن قنت مع الإمام وإن أدرك مع الإمام بعض القيام فلا يشتغل بالدعاء وليبدأ بالفاتحة وليخففها. فإن ركع الإمام قبل تمامها وقدر على لحوقه في اعتداله من الركوع فليتم. فإن عجز وافق الإمام وركع وكان لبعض الفاتحة حكم جميعها فتسقط عنه بالسبق. وإن ركع الإمام وهو في السورة فليقطعها. وإن أدرك الإمام في السجود أو التشهد كبر للإحرام ثم جلس ولم يكبر بخلاف ما إذا أدركه في الركوع فإنه يكبر ثانيا في الهوى لأن ذلك انتقال محسوب له. والتكبيرات للانتقالات الأصلية في الصلاة لا للعوارض بسبب القدوة. ولا يكون مدركا للركعة ما لم يطمئن راكعا في الركوع والإمام بعد في حد الراكعين. فإن لم يتم طمأنينته إلا بعد مجاوزة الإمام حد الراكعين فاته تلك الركعة.
مسألة من فاتته صلاة الظهر إلى وقت العصر فليصل الظهر أولا ثم العصر، فإن ابتدأ بالعصر أجزأه ولكن ترك الأولى واقتح شبهة الخلاف. فإن وجد إماما فليصل العصر ثم ليصل الظهر بعده فإن الجماعة بالأداء أولى. فإن صلى منفردا في أول الوقت ثم أدرك جماعة صلى في الجماعة ونوى صلاة الوقت والله يحتسب أيهما شاء. فإن نوى فائتة أو تطوعا جاز. وإن كان قد صلى في الجماعة فأدرك جماعة أخرى فلينو الفائتة أو النافلة فإعادة المؤداة بالجماعة مرة أخرى لا وجه له وإنما احتمل ذلك لدرك فضيلة الجماعة.
مسألة من صلى ثم رأى على ثوبه نجاسة فالأحب قضاء الصلاة ولا يلزمه. ولو رأى النجاسة في أثناء الصلاة رمى بالثوب وأتم والأحب الاستئناف. وأصل هذا قصة خلع النعلين حين أخبر جبرائيل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عليهما نجاسة فإنه صلى الله عليه وسلم لم يستأنف الصلاة.
مسألة من ترك التشهد الأول أو القنوت أو ترك الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول أو فعل فعلا سهوا وكانت تبطل الصلاة بتعمده أو شك فلا يدر أصلى ثلاثا أو أربعا: أخذ باليقين وسجد سجدتي السهو قبل السلام. فإن نسي فبعد السلام مهما تذكر على القرب. فإن سجد بعد السلام وبعد أن أحدث بطلت صلاته. فإنه لما دخل في السجود كأنه جعل سلامه نسيانا في غير محله فلا يحصل التحلل به وعاد إلى الصلاة فلذلك يستأنف السلام بعد السجود. فإن تذكر سجود السهو بعد خروجه من المسجد أو بعد طول الفصل فقد فات.

(1/198)


مسألة الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل أو جهل بالشرع لأن امتثال أمر الله عز وجل مثل امتثال أمر غيره وتعظيمه كتعظيم غيره في حق القصد. ومن دخل عليه عالم فقام له فلو قال: نويت أن أنتصب قائما تعظيما لدخول زيد الفاضل لأجل فضله مقبلا عليه بوجهي، كان سفها في عقله بل كما يراه ويعلم فضله تنبعث داعية التعظيم فتقيمه ويكون معظما إلا إذا قام لشغل آخر أو في غفلة. واشتراط كون الصلاة ظهرا أداء فرضا في كونه امتثالا كاشتراط كون القيام مقرونا بالدخول مع الإقبال بالوجه على الداخل وانتفاء باعث آخر سواه. وقصد التعظيم به ليكون تعظيما. فإنه لو قام مدبرا عنه أو صبر فقام بعد ذلك بمدة لم يكن معظما. ثم هذه الصفات لابد وأن تكون معلومة وأن تكون مقصودة ثم لا يطول حضورها في النفس في لحظة واحدة وإنما يطول نظم الألفاظ الدالة عليها إما تلفظا باللسان وإما تفكرا بالقلب. فمن لم يفهم نية الصلاة على هذا الوجه فكأنه لم يفهم النية. فليس فيه إلا أنك دعيت إلى أن تصلي في وقت فأجبت وقمت فالوسوسة محض الجهل. فإن هذه القصود وهذه العلوم تجتمع في النفس في حالة واحدة ولا تكون مفصلة الآحاد في الذهن بحيث تطالعها النفس وتتأملها. وفرق بين حضور الشيء في النفس وبين تفصيله بالفكر. والحضور مضاد للعزوب والغفلة، وإن لم يكن مفصلا. فإن من علم الحادث مثلا فيعلمه بعلم واحد في حالة واحدة وهذا العلم يتضمن علوما هي حاضرة وإن لم تكن مفصلة فإن من علم الحادث فقد علم الموجود والمعدوم والتقدم والتأخر والزمان، وأن التقدم للعدم وأن التأخر للوجود، فهذه العلوم منطوية تحت العلم بالحادث، بدليل أن العالم بالحادث إذا لم يعلم غيره لو قيل له هل علمت التقدم فقط أو التأخر أو العدم أو تقدم العدم أو تأخر الوجود أو الزمان المنقسم إلى المتقدم والمتأخر؟ فقال ما عرفته قط كان كاذبا وكان قوله مناقضا لقوله: إني أعلم الحادث. ومن الجهل بهذه الدقيقة يثور الوسواس فإن الموسوس يكلف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها وذلك محال. ولو كلف نفسه ذلك في القيام لأجل العالم لتعذر عليه. فبهذه المعرفة يندفع الوسواس وهو أن امتثال أمر الله سبحانه في النية كامتثال أمر غيره ثم أزيد على سبيل التسهيل والترخيص وأقول. لو لم يفهم الموسوس النية إلا بإحضار هذه امور مفصلة ولم يمثل في نفسه الامتثال دفعة واحدة وأحضر جملة ذلك في أثناء التكبير من أوله إلى آخره بحيث لا يفرغ من التكبير إلا وقد حصلت النية كفاه ذلك. ولا نكلفه أن يقرن الجميع بأول التكبير أو آخره فإن ذلك تكليف شطط. ولو كان مأمورا به لوقع للأولين سؤال عنه ولوسوس واحد من الصحابة في النية، فعدم وقوع ذلك دليل على أن الأمر على التساهل، فكيفما تيسرت النية للموسوس ينبغي أن يقنع به حتى يتعود ذلك وتفارقه الوسوسة، ولا يطالب نفسه بتحقيق ذلك فإن التحقيق يزيد في الوسوسة. وقد ذكرنا في الفتاوي وجوها من التحقيق في تحقيق العلوم. والقصود المتعلقة بالنية تفتقر العلماء إلى معرفتها أما العامة فربما ضرها سماعها ويهيج عليها الوسواس فلذلك تركناها.

(1/199)


مسألة ينبغي أن لا يتقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود والرفع منهما ولا في سائر الأعمال ولا ينبغي أن يساويه بل يتبعه ويقفو أثره فهذا معنى الاقتداء، فإن ساواه عمدا لم تبطل صلاته كما لو وقف بجنبه غير متأخر عنه. فإن تقدم عليه ففي بطلان صلاته خلاف، ولا يبعد أن يقضي بالبطلان تشبيها بما لو تقدم في الموقف على الإمام؛ بل هذا أولى لأن الجماعة اقتداء في الفعل لا في الموقف فالتبعية في الفعل أهم. وإنما شرط ترك التقدم في الموقف تسهيلا للمتابعة في الفعل وتحصيلا لصورة التبعية إذ اللائق بالمقتدى به أن يتقدم فالتقدم عليه في الفعل لا وجه له إلا أن يكون سهوا. ولذلك شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير فيه فقال " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار " وأما التاخر عنه بركن واحد فلا يبطل الصلاة، وذلك بأن يعتدل الإمام عن ركوعه وهو بعد لم يركع ولكن التأخر إلى هذا الحد مكروه فإن وضع الإمام جبهته على الأرض وهو بعد لم ينته إلى حد الراكعين بطلت صلاته. وكذا إن وضع الإمام جبهته للسجود الثاني وهو بعد لم يسجد السجود الأول.
مسألة حق على من حضر الصلاة إذا رأى من غيره إساءة في صلاته أن يغيره وينكر عليه. وإن صدر من جاهل رفق بالجاهل وعلمه. فمن ذلك الأمر بتسوية الصفوف ومنع المنفرد بالوقوف خارج الصف، والإنكار على من يرفع رأسه قبل الإمام إلى غير ذلك من الأمور. فقد قال صلى الله عليه وسلم " ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه " وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من رأى من يسيء صلاته فلم ينهه فهو شريكه في وزرها. وعن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا أظهرت فلم تغير أضرت بالعامة. وجاء في الحديث " أن بلالا كان يسوي الصفوف ويضرب عراقيبهم بالدرة " وعن عمر رضي الله عنه قال: تفقدوا إخوانكم في الصلاة فإذا فقدتموهم فإن كانوا مرضى فعودوهم وإن كانوا أصحاء فعاتبوهم. والعتاب إنكار على من ترك الجماعة ولا ينبغي أن يتساهل فيه. وقد كان الأولون يبالغون فيه حتى كان بعضهم يحمل الجنازة إلى بعض من تخلف عن الجماعة إشارة إلى أن الميت هو الذي يتأخر عن الجماعة دون الحي. ومن دخل المسجد ينبغي أن يقصد يمين الصف؛ ولذلك تزاحم الناس عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قيل له: تعطلت الميسرة فقال صلى الله عليه وسلم " من عمر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر " ومهما وجد غلاما في الصف ولم يجد لنفسه مكانا فله أن يخرجه إلى خلف ويدخل فيه - أعني إذا لم يكن بالغا - وهذا ما أردنا أن نذكره من المسائل التي تعم بها البلوى. وسيأتي أحكام الصلوات المتفرقة في كتاب الأوراد إن شاء الله تعالى.
الباب السابع
في النوافل من الصلوات

(1/200)


اعلم أن ما عدا الفرائض من الصلوات ينقسم إلى ثلاثة أقسام: سنن ومستحبات وتطوعات. ونعني بالسنن ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المواظبة عليه كالرواتب عقيب الصلوات وصلاة الضحى والوتر والتهجد وغيرها؛ لأن السنة عبارة عن الطريق المسلوكة. ونعني بالمستحبات ما ورد الخبر بفضله ولم ينقل المواظبة عليه - كما سننقله في صلوات الأيام والليالي في الأسبوع - وكالصلاة عند الخروج من المنزل والدخول فيه وأمثاله. ونعني بالتطوعات ما وراء ذلك مما لم يرد في عينه أثر ولكنه تطوع به العبد من حيث رغب في مناجاة الله عز وجل بالصلاة التي ورد الشرع بفضلها مطلقا؛ فكأنه متبرع به إذا لم يندب إلى تلك الصلاة بعينها وإن ندب إلى الصلاة مطلقا، والتطوع عبارة عن التبرع. وسميت الأقسام الثلاثة نوافل من حيث إن النفل هو الزيادة وجملتها زائد على الفرائض. فلفظ: النافلة والسنة والمستحب والتطوع؛ أردنا الاصطلاح عليه لتعريف هذه المقاصد. ولا حرج على من يغير هذا الاصطلاح فلا مشاحة في الألفاظ بعد فهم المقاصد. وكل قسم من هذه الأقسام تتفاوت درجاته في الفضل بحسب ما ورد فيها من الأخبار والآثار المعرفة لفضلها وبحسب طول مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وبحسب صحة الأخبار الواردة فيها واشتهارها، ولذلك يقال سنن الجماعات أفضل من سنن الانفراد. وأفضل سنن الجماعات: صلاة العيد ثم الكسوف ثم الاستسقاء. وأفضل سنن الانفراد: الوتر ثم ركعتا الفجر ثم ما بعدهما من الرواتب على تفاوتها. واعلم أن النوافل باعتبار الإضافة إلى معلقاتها تنقسم إلى ما يتعلق بأسباب كالكسوف والاستسقاء وإلى ما يتعلق بأوقات، والمتعلق بالأوقات ينقسم إلى ما يتكرر بتكرر اليوم والليلة أو بتكرر الأسبوع أو بتكرر السنة فالجملة أربع أقسام.
القسم الأول
ما يتكرر بتكرر الأيام والليالي
وهي ثمانية، خمسة هي رواتب الصلوات الخمس، وثلاثة وراءها وهي صلاة الضحى وإحياء ما بين العشاءين والتهجد

(1/201)


الأولى راتبة الصبح وهي ركعتان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " ويدخل وقتها بطلول الفجر الصادق وهو المستطير دون المستطيل. وإدراك ذلك بالمشاهدة عسير في أوله إلا أن يتعلم منازل القمر أو يعلم اقتراع طلوعه بالكواكب الظاهرة للبصر. فيستدل بالكواكب عليه. ويعرف بالقمر في ليلتين من الشهر فإن القمر يطلع مع الفجر ليلة ست وعشرين، ويطلع الصبح مع غروب القمر ليلة اثني عشر من الشهر هذا هو الغالب، ويتطرق إليه تفاوت في بعض البروج وشرح ذلك يطول. وتعلم منازل القمر من المهمات للمريد حتى يطلع به على مقادير الأوقات بالليل وعلى الصبح، ويفوت وقت ركعتي الفجر بفوات وقت فريضة الصبح وهو طلوع الشمس، ولكن السنة أداؤهما قبل الفرض. فإن دخل المسجد وقد قامت الصلاة فليشتغل بالمكتوبة فإنه صلى الله عليه وسلم قال " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ثم إذا فرغ من المكتوبة قام إليهما وصلاهما. والصحيح أنهما أداء ما وقعتا قبل طلوع الشمس لأنهما تابعتان للفرض في وقته وإنما الترتيب بينهما سنة في التقديم والتأخير إذا لم يصادف جماعة. فإذا صادف جماعة انقلب الترتيب وبقيتا أداء. والمستحب أن يصليهما في المنزل ويخففهما، ثم يدخل المسجد ويصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يجلس ولا يصلي إلى أن يصلي المكتوبة. وفيما بين الصبح إلى طلوع الشمس الأحب فيه الذكر والفكر والاقتصار على ركعتي الفجر والفريضة الثانية راتبة الظهر وهي ست ركعات: ركعتان بعدها وهي أيضا سنة مؤكدة، وأربع قبلها وهي أيضا سنة وإن كانت دون الركعتين الأخيرتين. روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى أربع ركعات بعد زوال الشمس يحسن قراءتهن وركوعهن وسجودهن صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى الليل " وكان صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعا بعد الزوال يطيلهن ويقول إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة فأحب أن يرفع لي فيها عمل " رواه أبو أيوب الأنصاري وتفرد به، ودل عليه أيضا ما روت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة غير المكتوبة بني له بيت في الجنة ركعتين قبل الفجر وأربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين قبل العصر وركعتين بعد المغرب " وقال ابن عمر رضي الله عنهما: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم عشر ركعات فذكر ما ذكرته أم حبيبة رضي الله عنها إلا ركعتي الفجر فإنه قال: تلك ساعة لم يكن يدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حدثتني أختي حفصة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين في بيتها ثم يخرج. وقال في حديثه: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد العشاء. فصارت الركعتان قبل الظهر آكد من جملة الأربعة. ويدخل وقت ذلك بالزوال. والزوال يعرف بزيادة ظل الأشخاص المنتصبة مائلة إلى جهة الشرق، إذ يقع للشخص ظل عند الطلوع في جانب المغرب يستطيل فلا تزال الشمس ترتفع والظل ينقص وينحرف عن جهة المغرب إلى أن تبلغ الشمس منتهى ارتفاعها وهو قوس نصف النهار فيكون ذلك منتهى نقصان الظل. فإذا زالت الشمس عن منتهى الارتفاع أخذ الظل في الزيادة فمن حيث صارت الزيادة مدركة بالحس دخل وقت الظهر. ويعلم قطعا أن الزوال في علم الله سبحانه وقع قبله ولكن التكاليف لا ترتبط إلا بما يدخل تحت الحس. والقدر الباقي من الظل الذي منه يأخذ في الزيادة يطول في الشتاء ويقصر في الصيف، ومنتهى طوله بلوغ الشمس أول الجدي، ومنتهى قصره بلوغها أول السرطان. ويعرف ذلك بالأقدام والموازين. ومن الطرق القريبة من التحقيق لمن أحسن مراعاته أن يلاحظ القطب الشمالي بالليل ويضع على الأرض لوحا مربعا وضعا مستويا بحيث يكون أحد أضلاعه من جانب القطب، بحيث لو توهمت سقوط حجر من القطب إلى الأرض ثم توهمت خطا من مسقط الحجر إلى الضلع الذي يليه من اللوح لقام الخط على الضلع على زاويتين قائمتين أي لا يكون الخط مائلا إلى أحد الضلعين، ثم تنصب عمودا على اللوح نصبا مستويا في موضع علامة 5 وهو بإزاء القطب فيقع ظله على اللوح في أول النهار مائلا إلى جهة المغرب في صوب خط أ ثم لا يزال يميل إلى أن ينطبق على خط ب، بحيث لو مد رأسه لانتهى على الاستقامة إلى مسقط الحجر، ويكون موازيا للضلع الشرقي

(1/202)


والغربي غير مائل إلى أحدهما، فإذا بطل ميله إلى الجانب الغربي فالشمس في منتهى الارتفاع، فإذا انحرف الظل عن الخط الذي على اللوح إلى جانب الشرق فقد زالت الشمس. وهذا يدرك بالحس تحقيقا في وقت هو قريب من أول الزوال في علم الله تعالى، ثم يعلم على رأس الظل عند انحرافه علامة، فإذا صار الظل من تلك العلامة مثل العمود دخل وقت العصر فهذا القدر لابأس بمعرفته في علم الزوال وهذه صورته:الغربي غير مائل إلى أحدهما، فإذا بطل ميله إلى الجانب الغربي فالشمس في منتهى الارتفاع، فإذا انحرف الظل عن الخط الذي على اللوح إلى جانب الشرق فقد زالت الشمس. وهذا يدرك بالحس تحقيقا في وقت هو قريب من أول الزوال في علم الله تعالى، ثم يعلم على رأس الظل عند انحرافه علامة، فإذا صار الظل من تلك العلامة مثل العمود دخل وقت العصر فهذا القدر لابأس بمعرفته في علم الزوال وهذه صورته:

(1/203)


الثالثة راتبة العصر وهي أربع ركعات قبل العصر. روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " رحم الله عبدا صلى قبل العصر أربعا " ففعل ذلك على رجاء الدخول في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحب استحبابا مؤكدا فإن دعوته تستجاب لا محالة له. ولم تكن مواظبته على السنة قبل العصر كمواظبته على ركعتين قبل الظهر الرابعة راتبة المغرب وهما ركعتان بعد الفريضة لم تختلف الرواية فيهما، وأما ركعتان قبلها بين أذان المؤذن وإقامة المؤذن على سبيل المبادرة فقد نقل عن جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعبادة بن الصامت وأبي ذر وزيد بن ثابت وغيرهم قال عبادة أو غيره: كان المؤذن إذا أذن لصلاة المغرب ابتدر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السواري يصلون ركعتين وقال بعضهم: كنا نصلي الركعتين قبل المغرب حتى يدخل الداخل فيحسب أنا صلينا فيسأل أصليتم المغرب؟ وذلك يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم " بين كل أذانين صلاة لمن شاء " وكان أحمد بن حنبل يصليهما فعابه الناس فتركهما فقيل له في ذلك فقال: لم أر الناس يصلونهما، فتركتهما وقال: لئن صلاهما الرجل في بيته أو حيث لا يراه الناس فحسن. ويدخل وقت المغرب بغيبوبة الشمس عن الأبصار في الأراضي المستوية التي ليست محفوفة بالجبال فإن كانت محفوفة بها في جهة المغرب فيتوقف إلى أن يرى إقبال السواد من جانب المشرق قال صلى الله عليه وسلم " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم " والأحب المبادرة في صلاة المغرب خاصة وإن أخرت وصليت قبل غيبوبة الشفق الأحمر وقعت أداء ولكنه مكروه. وأخر عمر رضي الله عنه صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة وأخرها ابن عمر حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين الخامسة راتبة العشاء الآخرة أربع ركعات بعد الفريضة. قالت عائشة رضي الله عنها " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعد العشاء الآخرة أربع ركعات ثم ينام " واختار بعض العلماء من مجموع الأخبار أن يكون عدد الرواتب سبع عشرة كعدد المكتوبة: ركعتان قبل الصبح وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وأربع قبل العصر وركعتان بعد المغرب وثلاث بعد العشاء الآخرة وهي الوتر ومهما عرفت الأحاديث الواردة فيه فلا معنى للتقدير فقد قال صلى الله عليه وسلم " الصلاة خير موضع فمن شاء أكثر ومن شاء أقل " فإذا اختيار كل مريد من هذه الصلاة بقدر رغبته في الخير فقد ظهر فيما ذكرناه أن بعضها آكد من بعض، وترك الآكد أبعد لاسيما والفرائض تكمل بالنوافل فمن لم يستكثر منها يوشك أن لا تسلم له فريضة من غير جابر السادسة الوتر: قال أنس بن مالك " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بعد العشاء بثلاث ركعات، يقرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد " وجاء في الخبر " أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسا وفي بعضها متربعا " وفي بعض الأخبار " إذا أراد أن يدخل فراشه زحف إليه وصلى فوقه ركعتين قبل أن يرقد يقرأ فيهما إذا زلزلت الأرض وسورة التكاثر " وفي رواية أخرى قل يا أيها الكافرون ويجوز الوتر مفصولا وموصولا، بتسليمة واحدة وتسليمتين: وقد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بركعة وثلاث وخمس وهكذا بالأوتار إلى إحدى عشرة ركعة والرواية مترددة في ثلاث عشرة وفي حديث شاذ " سبع عشرة ركعة " وكانت هذه الركعات - أعني ما سمينا جملتها وترا - صلاة بالليل وهو التهجد والتهجد بالليل سنة مؤكدة - وسيأتي ذكر فضلها في كتاب الأوراد وفي الأفضل خلاف فقيل إن الإيتار بركعة فردة أفضل إذ صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الإيتار بركعة فردة وقيل الموصولة أفضل للخروج عن شبهة الخلاف لاسيما الإمام إذ قد يقتدي به من لا يرى الركعة الفردة صلاة، فإن صلى موصولا نوى بالجميع الوتر وإن اقتصر على ركعة واحدة بعد ركعتي العشاء أو بعد فرض العشاء نوى اوتر وصح. لأن شرط الوتر أن يكون في نفسه وترا وأن يكون موترا لغيره مما سبق قبله وقد أوتر الفرض ولو أوتر قبل العشاء لم يصح أي لا ينال فضيلة الوتر الذي هو خير له من حمر النعم كما ورد به الخبر. وإلا فركع فردة صحيحة في أي وقت كان وإنما لم يصح قبل العشاء لأنه خرق إجماع الخلق في الفعل ولأنه لم يتقدم ما يصير به وترا.

(1/204)


فأما إذا أراد أن يوتر بثلاث مفصولة ففي نيته في الركعتين نظر. فإنه إن نوى بهما التهجد أو سنة العشاء لم يكن هو من الوتر. وإن وى الوتر لم يكن هو في نفسه وترا. وإنما الوتر ما بعده. ولكن الأظهر أن ينوي الوتر كما ينوي في الثلاث الموصولة الوتر. ولكن للوتر معنيان، أحدهما: أن يكون في نفسه وترا، والآخر أن ينشأ ليجعل وترا بما بعده فيكون مجموع الثلاثة وترا، والركعتان من جملة الثلاث إلا أن وتريته موقوفة على الركعة الثالثة. وإذا كان هو على عزم أن يوترهما بثالثة كان له أن ينوي بهما الوتر. والركعة الثالثة وتر بنفسها وموترة لغيرها. والركعتان لا يوتران غيرهما وليستا وترا بأنفسهما ولكنهما موترتان بغيرهما. والوتر ينبغي أن يكون آخر صلاة الليل فيقع بعد التهجد. وسيأتي فضائل الوتر والتهجد وكيفية الترتيب بينهما في كتاب ترتيب الأوراد السابعة صلاة الضحى: فالمواظبة عليها من عزائم الأفعال وفواضلها، أما عدد ركعاتها فأكثر ما نقل فيه ثمان ركعات. روت أم هانىء أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما " أنه صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ثماني ركعات أطالهن وحسنهن " ولم ينقل هذا القدر غيرها. فأما عائشة رضي الله عنها فإنها ذكرت " أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله سبحانه " فلم تحد الزيادة أي أنه كان يواظب على الأربعة ولا ينقص منها وقد يزيد زيادات. وروي في حديث مفرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات " وأما وقتها فقد روى علي رضي الله عنه " أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ستا في وقتين، إذا أشرقت الشمس وارتفعت قام وصلى ركعتين - وهو أول لورد الثاني من أوراد النهار كما سيأتي - وإذا انبسطت الشمس وكانت في ربع السماء من جانب الشرق صلى أربعا " فالأول إنما يكون إذا ارتفعت الشمس قيد نصف رمح والثاني إذا مضى من النهار ربعه بإزاء صلاة العصر فإن وقته أن يبقى من النهار ربعه، والظهر على منتصف النهار، ويكون الضحى على منتصف ما بين طلوع الشمس إلى الزوال، كما أن العصر على منتصف ما بين الزوال إلى الغروب. وهذا أفضل الأوقات. ومن وقت ارتفاع الشمس إلى ما قبل الزوال وقت للضحى على الجملة. الثامنة إحياء ما بين العشاءين وهي سنة مؤكدة ومما نقل عدده من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العشاءين ست ركعات ولهذه الصلاة فضل عظيم. وقيل إنها المراد بقوله عز وجل " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى بين المغرب والعشاء فإنها من صلاة الأوابين " وقال صلى الله عليه وسلم " من عكف نفسه فيما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو بقرآن كان حقا على الله أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ويغرس له بينهما غراسا لو طافه أهل الأرض لوسعهم " وسيأتي بقية فضائلها في كتاب الأوراد إن شاء الله تعالى. إذا أراد أن يوتر بثلاث مفصولة ففي نيته في الركعتين نظر. فإنه إن نوى بهما التهجد أو سنة العشاء لم يكن هو من الوتر. وإن وى الوتر لم يكن هو في نفسه وترا. وإنما الوتر ما بعده. ولكن الأظهر أن ينوي الوتر كما ينوي في الثلاث الموصولة الوتر. ولكن للوتر معنيان، أحدهما: أن يكون في نفسه وترا، والآخر أن ينشأ ليجعل وترا بما بعده فيكون مجموع الثلاثة وترا، والركعتان من جملة الثلاث إلا أن وتريته موقوفة على الركعة الثالثة. وإذا كان هو على عزم أن يوترهما بثالثة كان له أن ينوي بهما الوتر. والركعة الثالثة وتر بنفسها وموترة لغيرها. والركعتان لا يوتران غيرهما وليستا وترا بأنفسهما ولكنهما موترتان بغيرهما. والوتر ينبغي أن يكون آخر صلاة الليل فيقع بعد التهجد. وسيأتي فضائل الوتر والتهجد وكيفية الترتيب بينهما في كتاب ترتيب الأوراد السابعة صلاة الضحى: فالمواظبة عليها من عزائم الأفعال وفواضلها، أما عدد ركعاتها فأكثر ما نقل فيه ثمان ركعات. روت أم هانىء أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما " أنه صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ثماني ركعات أطالهن وحسنهن " ولم ينقل هذا القدر غيرها. فأما عائشة رضي الله عنها فإنها ذكرت " أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله سبحانه " فلم تحد الزيادة أي أنه كان يواظب على الأربعة ولا ينقص منها وقد يزيد زيادات. وروي في حديث مفرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات " وأما وقتها فقد روى علي رضي الله عنه " أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ستا في وقتين، إذا أشرقت الشمس وارتفعت قام وصلى ركعتين - وهو أول لورد الثاني من أوراد النهار كما سيأتي - وإذا انبسطت الشمس وكانت في ربع السماء من جانب الشرق صلى أربعا " فالأول إنما يكون إذا ارتفعت الشمس قيد نصف رمح والثاني إذا مضى من النهار ربعه بإزاء صلاة العصر فإن وقته أن يبقى من النهار ربعه، والظهر على منتصف النهار، ويكون الضحى على منتصف ما بين طلوع الشمس إلى الزوال، كما أن العصر على منتصف ما بين الزوال إلى الغروب. وهذا أفضل الأوقات. ومن وقت ارتفاع الشمس إلى ما قبل الزوال وقت للضحى على الجملة. الثامنة إحياء ما بين العشاءين وهي سنة مؤكدة ومما نقل عدده من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العشاءين ست ركعات ولهذه الصلاة فضل عظيم. وقيل إنها المراد بقوله عز وجل " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى بين المغرب والعشاء فإنها من صلاة الأوابين " وقال صلى الله عليه وسلم " من عكف نفسه فيما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو بقرآن كان حقا على الله أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ويغرس له بينهما غراسا لو طافه أهل الأرض لوسعهم " وسيأتي بقية فضائلها في كتاب الأوراد إن شاء الله تعالى.

(1/205)


القسم الثاني
ما يتكرر بتكرر الأسابيع
وهي صلاة أيام الأسبوع ولياليه لكل يوم ولكل ليلة أما الأيام فنبدأ فيها بيوم الأحد. يوم الأحد: روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى يوم الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وآمن الرسول مرة كتب الله له بعدد كل نصراني ونصراينة حسنات وأعطاه الله ثواب نبي وكتب له حجة وعمرة وكتب له بكل ركعة ألف صلاة وأعطاه الله في الجنة بكل حرف مدينة من مسك أذفر " وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " وحدوا الله بكثرة الصلاة يوم الأحد فإنه سبحانه واحد لا شريك له فمن صلى يوم الأحد بعد صلاة الظهر أربع ركعات بعد الفريضة والسنة يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وتنزيل السجدة، وفي الثانية فاتحة الكتاب وتبار الملك ثم تشهد وسلم ثم قام فصلى ركعتين أخريين يقرأ فيهما فاتحة الكتاب وسورة الجمعة وسأل الله سبحانه حاجته كان حقا على الله أن يقضي حاجته " .
يوم الاثنين: روى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى يوم الاثنين عند ارتفاع النهار ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد والمعوذتين مرة مرة فإذا سلم استغفر الله عشر مرات وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات غفر الله تعالى له ذنوبه كلها " وروى أنس ابن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى يوم الاثنين ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة فإذا فرغ قرأ قل هو الله أحد اثنتي عشرة واستغفر اثنتين عشرة مرة ينادى به يوم القيامة: أين فلان بن فلان ليقم فليأخذ ثوابه من الله عز وجل؟ فأول ما يعطى من الثواب ألف حلة ويتوج ويقال له ادخل الجنة فيستقبله مائة ألف ملك مع كل ملك هدية يشيعونه حتى يدور على ألف قصر من نور يتلألأ " يوم الثلاثاء: روى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى يوم الثلاثاء عشر ركعات عند انتصاف النهار " وفي حديث آخر " عند ارتفاع النهار يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات لم تكتب عليه خطيئة إلى سبعين يوما فإن مات إلى سبعين يوما مات شهيدا وغفر له ذنوب سبعين سنة.
يوم الأربعاء: روى أبو إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى يوم الأربعاء ثنتي عشرة ركعة عند ارتفاع النهار يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات والمعوذتين ثلاث مرات نادى مناد عند العرش: يا عبد الله استأنف العمل فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك ورفع الله سبحانه عنك عذاب القبر وضيقه وظلمته ورفع عنك شدائد القيامة، ورفع له من يومه عمل نبي " .
يوم الخميس: عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى يوم الخميس بين الظهر والعصر ركعتين يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وآية الكرسي مائة مرة وفي الثانية فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مائة مرة ويصلي على محمد مائة مرة أعطاه الله ثواب من صام رجب وشعبان ورمضان وكان له من الثواب مثل حاج البيت وكتب له بعدد كل من آمن بالله سبحانه وتوكل عليه حسنه " يوم الجمعة، روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " يوم الجمعة صلاة كله ما من عبد مؤمن قام إذا استقلت الشمس وارتفعت قدر رمح أو أكثر من ذلك فتوضأ ثم أسبغ الوضوء فصلى سبحة الضحى ركعتين إيمانا واحتسابا إلا كتب الله له مائتي حسنة ومحا عنه مائتي سيئة ومن صلى أربع ركعات رفع الله سبحانه له في الجنة أربعمائة درجة ومن صلى ثماني ركعات رفع الله تعالى له في الجنة ثمانمائة درجة وغفر له ذنوبه كلها ومن صلى ثنتي عشرة ركعة كتب الله له ألفين ومائتي حسنة ومحا عنه ألفين ومائتي سيئة ورفع له في الجنة ألفين ومائتي درجة " وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من دخل الجامع يوم الجمعة فصلى أربع ركعات قبل صلاة الجمعة يقرأ في كل ركعة الحمد لله وقل هو الله أحد خمسين مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له " .

(1/206)


يوم السبت: روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من صلى يوم السبت أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات فإذا فرغ قرأ آية الكرسي كتب الله له بكل حرف حجة وعمرة ورفع له بكل حرف أجر سنة صيام نهارها وقيام ليلها وأعطاه الله عز وجل بكل حرف ثواب شهيد وكان تحت ظل عرش الله مع النبيين والشهداء " .
وأما الليالي. ليلة الأحد: روى أنس بن مالك في ليلة الأحد أنه صلى الله عليه وسلم قال " من صلى ليلة الأحد عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمسين مرة والمعوذتين مرة مرة واستغفر الله عز وجل مائة مرة واستغفر لنفسه ولوالديه مائة مرة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة وتبرأ من حوله وقوته والتجأ إلى الله ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن آدم صفوة الله وفطرته وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وعيسى روح الله ومحمدا حبيب الله كان له من الثواب بعدد من دعا لله ولدا ومن لم يدع لله ولدا وبعثه الله عز وجل يوم القيامة مع الآمنين وكان حقا على الله تعالى أن يدخله الجنة مع النبيين " .
ليلة الإثنين: روى الأعمش عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى ليلة الإثنين أربع ركعات يقرأ في الركعة الأولى الحمد لله وقل هو الله أحد عشر مرات، وفي الركعة الثانية الحمد لله وقل هو الله أحد عشرين مرة، وفي الثالثة الحمد لله وقل هو الله أحد ثلاثين مرة، وفي الرابعة الحمد لله وقل هو الله أحد أربعين مرة ثم يسلم ويقرأ هو الله أحد خمسا وسبعين مرة واستغفر الله لنفسه ولوالديه خمسا وسبعين مرة ثم سأل الله حاجته كا حقا على الله أن يعطيه سؤله ما سأل " وهي صلاة الحاجة.
ليلة الثلاثاء: من صلى ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد والمعوذتين خمس عشرة مرة، ويقرأ بعد التسليم خمس عشرة مرة آية الكرسي واستغفر الله تعالى خمس عشرة مرة كان له ثواب عظيم وأجر جسيم. وروي عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى ليلة الثلاثاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وإنا أنزلناه وقل هو الله أحد سبع مرات أعتق الله رقبته من النار ويكون يوم القيامة قائده ودليله إلى الجنة " .
ليلة الأربعاء: روت فاطمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى ليلة الأربعاء ركعتين يقرأ في الأول فاتحة الكتاب وقل أعوذ برب الفلق عشر مرات، وفي الثانية بعد الفاتحة قل أعوذ برب الناس عشر مرات ثم إذا سلم استغفر الله عشر مارت ثم يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم عشر مرات نزل من كل سماء سبعون ألف ملك يكتبون ثوابه إلى يوم القيامة " وفي حديث آخر " ست عشرة ركعة يقرأ بعد الفاتحة ما شاء الله ويقرأ في آخر الركعتين آية الكرسي ثلاثين مرة وفي الأوليين ثلاثين مرة قل هو الله أحد يشفع في عشرة من أهل بيته كلهم وجبت عليهم النار " وروت فاطمة رضي الله عنها أنها قالت " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ليلة الأربعاء ست ركعات قرأ في ركعة بعد الفاتحة قل اللهم مالك الملك إلى آخر الآية فإذا فرغ من صلاته يقول جزى الله محمدا عنا ما هو أهله غفر له ذنوب سبعين سنة وكتب له براءة من النار " .
ليلة الخميس: قال أبو هريرة رضي الله عنه " قال النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي خمس مرات وقل هو الله أحد خمس مرات والمعوذتين خمس مرات فإذا فرغ من صلاته استغفر الله تعالى خمس عشر مرة وجعل ثوابه لوالديه فقد أدى حق والديه عليه وإن كان عاقا لهما وأعطاه الله تعالى ما يعطي الصديقين والشهداء " .

(1/207)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية