صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية |
المعلم الحادي عشر: العمل بالعلم (1/70)
أن يترجم هذا العلم للواقع، أن يخرجه الإنسان من قرار القلب إلى القالب، ومن الأقوال إلى الأفعال، يتمسك به ويطبقه ويلتزمه. ((فاستمسك بالذي أوحي إليك)) [الزخرف:43].
فإذا تعلم طالب العلم سنة أو حكمة، تمسك بها وعمل بها أشهد الله على أنه من أهلها، إن ترجمة العلم إلى الجوارح حياته، وكم من سنن أحييت لما خرج طلاب العلم فنشروها أمام الأمة بلسان الحال والمقال، قال الله تعالى عن علماء بني إسرائيل: ((وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)) [السجدة:24].
بعض طلاب العلم الذين شرح الله صدرهم للعلم والعمل إذا رأيتهم ذكرتك بالله رؤيتهم(1)[65]).
العمل بالعلم كمال للإنسان، وأعظم ما يعين على ضبط العلم ووضع البركة فيه.
قالوا في الحكمة: اعمل بالحديث مرة، تكن من أهله(2)[66]). فمن عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم.
من الأخطاء أن يستهين الطالب بالسنة في التطبيق، يقول: هذا سنة وليس بواجب، نعم ليس بواجب ولكن في حق طالب العلم الذي ينبغي أن يكون أكمل وأحرص له شأن آخر، وليس العلم للحفظ، وإنما هو للعمل.
قال بعض السلف: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل)(3)[67]).
__________
(1) 65]) من محاضرة وصايا لطلاب العلم، للشيخ محمد.
(2) 66]) ذكره الشيخ حسن المشاط رحمه لله في رفع الأستار شرح طلعة الأنوار عن عمرو بن قيس الملائي رحمه الله (ص:195).
(3) 67]) رواه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في الجامع، وصححه المحقق الزهيري برقم (1274)، (ص:707). وروى نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن المنكدر رحمه الله.
ومن العمل الذي ينبغي لطالب العلم المواظبة عليه: أذكار الصباح والمساء والدخول والخروج والشدة والرخاء(1)[68]). (1/71)
وأن يجعل له ورد من قيام الليل وصيام النهار، يتزود به، ويجعل له حظا من تشييع الجنائز، وزيارة القبور، وعيادة المرضى(2)[69]).
كذلك يحرص أن تكون بينه وبين الله حسنات لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، كالإحسان إلى الأيتام(3)[70])، والأرامل، وزيارة الضعفاء ومواساتهم، ونحوها من الأعمال الصالحة التي يبارك الله في حال الإنسان بسببها تستوجب له الدعوات المباركات، والمحبة من الله سبحانه وتعالى(4)[71]). واقرأ في تراجم العلماء وسير الأئمة الذين مضوا –رحمة الله عليهم- تحس بالهيبة والإجلال لهذا العالم؛ لأنه قرن القول بالعمل، حينما يقال: كان عالما في التفسير.. إماما في الحديث.. متواضعا حليما، وكان كثير الإحسان.. كثير الصدقات.. كثير البكاء من خشية الله.. كثير قيام الليل وصيام النهار، تحس بأثره، وتنتفع بعلمه، لذلك أوصي أن يحرص طالب العلم على العمل الذي هو بركة العلم.
__________
(1) 68]) للمزيد من الحديث عن حال طالب العلم مع الذكر، راجع درس البلوغ –للشيخ جزاه الله خيرا- عند شرح حديث عائشة (كان يذكر الله على كل أحيانه).
(2) 69]) وتدبر كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله: (لابد للعبد من أوقات ينفرد فيها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته، وتفكره ومحاسبته لنفسه وإصلاح قلبه) اهـ. من الفتاوى (ص:10) نقلا عن: كيف نتحمس لطلب العلم لأبي القعقاع محمد صالح آل عبد الله (ص:8).
(3) 70]) مقدمة درس شرح الترمذي، للشيخ محمد –حفظه الله.
(4) 71]) قال ابن المبارك رحمه الله: ما رأيت أحدا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة! (السير8/97).
كان زين (1)[72]) العابدين -رحمة الله عليه- علي بن الحسين مع العلم والصلاح والعمل، كان إذا جن عليه الليل، لبس ثيابا مبتذلة، وحمل على ظهره الطعام، ومضى به إلى بيوت الأرامل والأيتام، وهو إمام في زمانه، ولم يعلم أحد أن هذا هو زين العابدين، سليل بيت النبوة إلا بعد أن توفي، وفقدوا من كان يقرع عليهم بيوتهم بالصدقات في جوف الليل(2)[73]). (1/72)
وكان الإمام شعبة بن الحجاج بن الورد الذي يقول فيه سفيان الثوري: (أمير المؤمنين في الحديث)، وكان يهابه ويجله، كان شعبة -رحمة الله عليه- لا يرد سائلا سأله، حتى إنه دخل عليه رجل وبكى واشتكى أن دابته فقدت عليه، فسأله كم قيمتها، قال: ثلاثة دنانير، فأدخل يده في جيبه وقال: هذه ثلاثة دنانير، والله لا أملك غيرها(3)[74]).
كانوا يضحون ويتصدق أحدهم بنصف ماله، بل ربما خرج عن ماله كله؛ لأن العلم إذا أثر انكسر القلب لله جل جلاله، فلم يبال بالدنيا جاءت أم ذهبت، والذي ضرنا ركوننا إلى الدنيا.
فالأعمال الصالحة تقرب الإنسان من الله، وتزيده قربة منه سبحانه وتعالى، ولعله تصيبه دعوة تكون مستجابة عند الله سبحانه وتعالى.
وقل أن تجد عالما يحسن إلى الناس إلا وجدته في أعلى المراتب والقبول له كأحسن وأجمل ما يكون له القبول.
جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل، وهي مواقف تنبئ عن الرحمة بالمسلمين.
الفصل الثالث : معالم في آداب طالب العلم في درسه
المعلم الأول: أخذ العلم فنا فنا.
المعلم الثاني: الاجتهاد في ضبط العلم.
المعلم الثالث: عدم الاستعجال في النزول للساحة.
__________
(1) 72]) (بتصرف) من محاضرة (وصايا للخريجين)، للشيخ محمد -حفظه الله-.
(2) 73]) ذكره الحافظ الذهبي رحمه الله في السير. انظر نزهة الفضلاء (7/406).
(3) 74]) أخرجه الحافظ أبو نعيم رحمه الله بسنده في الحلية (7/146).
المعلم الأول: أخذ العلم فنا فنا (1/73)
فإن أفضل شيء أخذ الفن الواحد وإتقانه(1)[75])، ثم يأخذ غيره.
قال البعض:
وفي ترادف الفنون المنع جا ... ... إذ توأمان اجتمعا لن يخرجا
فضبط الفن الواحد، ثم ضبط ما سواه أنفع، ويستثنى من هذا الأصل إذا كان عند الطالب ملكة قوية في الضبط وتفرغ، واستطاع أن يجمع بين فنين أو أكثر، فلا حرج؛ لأن الملكة تختلف، أو كان طالب العلم لا يجد في بلده ولا يتيسر له وجود العلماء، فيتغرب السنة والسنتين في ديار العلم، فيحتاج أن يقرأ أكثر من فن وعلم؛ لأنه محتاج إلى ذلك، فهذا لا حرج عليه أن يجمع بين علمين.
المعلم الثاني: الاجتهاد في ضبط العلم(2)[76]):
كم نجلس من مجالس الدنيا، فنسمع فيها فضول الأحاديث والأخبار، ولو سألت الواحد عن خبر من الأخبار لقصه عليك لا يخرم منه حرفا واحدا.
ثم نجلس مع العلماء الأجلاء وأهل الفضل الذين هم على علم بالكتاب والسنة، ينثرون درر الكتاب والسنة، ولا نرفع بذلك رأسا!
والله إذا بلغ الإنسان إلى هذا المقام فليبكي على نفسه؛ لأن الله حرمه التوفيق، إذا جلست في مجالس العلم فرأيت قلبك لم يعي ذلك العلم، فابك على نفسك، فلعل ذنبا حال بينك وبين ذلك الخير.
__________
(1) 75]) من حاضرة حلية طالب العلم، للشيخ محمد.
(2) 76]) (بتصرف) من دروس تفسير سورة النور، للشيخ محمد -وفقه الله-.
ومما يعين الطالب على ضبط العلم: استشعاره أن كل حكمة يضبطها أنها قربة وطاعة لله تعالى، فيشفق على نفسه من أن تفوته فائدة واحدة يحفظها غيره وهو لم يحفظها، فلعله يقوم من المجلس وهو أرفع قدرا عند الله سبحانه وتعالى منه(1)[77])، فيحرص على أن لا تفوته كلمة، ولا يفوته ضبط لمسألة أو تحليل لقاعدة في ذلك المجلس، وهذا من محبة الله للعبد، فإذا رأيت الله جل جلاله يشرح صدر طالب العلم فلا تفوته كلمة، ولا تفوته نادرة، يضبط حق الضبط، ويحصل حق التحصيل، فاعلم أن الله سيبارك في علمه، ولذلك ما نبغ من السلف ولا أشتهر من الأئمة إلا من كان بهذه المثابة، وربما أتاهم الخبر أن للعالم فلانا مجلسا عقد لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد كذا، فيتركون طعامهم، وينطلقون إلى ذلك العالم لضبط العلم، كل ذلك طلبا لمرضاة الله. (1/74)
__________
(1) 77]) من مقدمة شرح سنن الترمذي، للشيخ محمد –حفظه الله-.
ولذلك بارك الله لهم، وألقى لهم المحبة بين الناس، ووضع لهم القبول بين عباده. نسأل الله العظيم أن يمن علينا بواسع رحمته(1)[78]). (1/75)
وفي حديث أنس عن زيد في الصحيحين (قال: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية)، انظر إلى الدقة والهمة في ضبط المسائل والسنة.
وهذه خصلة طيبة في طالب العلم أن يكون دقيقا في المسائل والنصوص، وهي أحظ في العلم وأكثر نبوغا وفهما (2)[79]).
__________
(1) 78]) ومما يستملح من الأخبار في الحث على ضبط العلم وحفظه ما وقع للإمام أبي حامد الغزالي فقد سافر الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله إلى جرجان وقرأ على كثير من علمائها وهو صغير، وكان يكتب تعليقات أستاذه في الفقه والفوائد التي أخذها منه وجمعها في كراريس سماها (التعليقة)، وقد كان يريد الاكتفاء بالكتابة دون الحفظ، غير أن هذا لقنه درسا قاسيا، حيث قطع عليه الطريق وهو في طريق عودته إلى طوس، وأخذ قطاع الطريق جميع ما كان مع القافلة بما فيه المخلاة –أي حقيبة أبي حامد التي كانت فيها تعليقته- وقد حكى أبو حامد هذه الحادثة فقال، فتبعتهم فالتفت إلى كبيرهم وقال: ويحك، ارجع وإلا هلكت، فقلت: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط فما هي بشيء تنتفعون به، فقال: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟! ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلي المخلاة.
قال أبو حامد: فقلت: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد من علمي. طبقات الشافعية الكبرى (1/195). نقلا عن كتاب آداب طالب العلم، لابن رسلان (ص:154).
(2) 79]) من دروس شرح كتاب عمدة الأحكام، للشيخ محمد –كتاب الصيام-.
المعلم الثالث: عدم الاستعجال في النزول للساحة (1/76)
فإطالة الوقت في الطلب فيها خير كثير للطالب، والذي أضر الكثيرين خروجهم إلى الساحة، ولما يأخذوا قسطا من كمال العلم فأضروا باستعجالهم، ولم يثق الناس بعلمهم، وفي الحكمة: (حب الظهور قصم الظهور).
وكان العلماء -رحمة الله عليهم- يعنون بإطالة الزمن في الطلب(1)[80]). وفي أبيات الشافعي المشهورة ما يؤيد أن من شروط نيل العلم طول الزمن في الطلب(2)[81]):
أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وصحبة أستاذ وطول زمان
وهذا الإمام عبد الله بن وهب من أصحاب الإمام مالك -رحمة الله على الجميع- تفقه على الإمام مالك خمسة وعشرين سنة.. ربع قرن، سبحان الله، ونحن نستكثر ثلاث سنوات في كتاب معين(3)[82]).
والمنهج الذي تعلمت عليه هو إطالة الوقت في زمن الطلب.
أذكر أني قرأت سنن الترمذي على الوالد -رحمة الله عليه- في أربع سنوات، في كل ليلة درس، وصحيح مسلم في ست سنوات، في كل ليلة درس، ما عدا يومي الثلاثاء والجمعة، والموطأ في ثلاث سنوات ونصف، وصحيح البخاري ابتدأت مع الوالد واستمريت معه أكثر من عشر سنوات، وتوفي رحمه الله ولم أكمله عليه.
__________
(1) 80]) قال الإمام مالك رحمه الله: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه. وقال الحافظ محمد بن جعفر الكرابيسي الملقب بغندر رحمه الله: لزمت شعبة عشرين سنة.
(2) 81]) ديوان الإمام الشافعي رحمه الله بتعليق الزعبي ط. الثالثة (ص:81).
(3) 82]) من دروس شرح بلوغ المرام، للشيخ محمد -حفظه الله-.
وجربنا طول النفس في الطلب، والإطالة في زمن الطلب فيها مزايا، منها: يخرج طالب العلم بمادة مكتملة وتصور واضح، ويتربى الطالب على الصبر وتحمل المشاق والمتاعب، وهي أدعى للإخلاص والضبط، وليس المهم أن تختم الكتاب على الشيخ، فالعبرة ليست بالكم وكثرة المشايخ، وإنما بالكيف والنتيجة والثمرة، وطالب العلم –والحمد لله- على خير وعبادة أثناء زمن الطلب يحتسب الأمر في التعب والنصب. (1/77)
ففي الاستعجال جناية على العلم، ولا يمنع من هذا أن يوجد بعض الطلاب عنده ملكة في الفهم والحفظ، يمكن أن يحصل الكثير من العلم في وقت قليل.
المعلم الرابع: مذاكرة العلم:
مما أضر كثيرا من طلاب العلم اليوم(1)[83]) أنهم لا يذاكرون، يأتي الشخص إلى مجلس العلم دون تحضير للدرس، فيفاجأ بأشياء، وتنهال عليه المعلومات، فلا يستطيع أن يضبط الدرس، لكن إذا كان عنده تحضير سابق مع مذاكرة ومناظرة لاحقة فإن هذا من أضبط ما يكون للعلم، وإذا انتهى من الدرس يرجع إلى البيت ويحاول يستذكر الشرح مرة ثانية، ولو كان معه طالب علم يتذاكر معه بحيث يكمل كل منهما النقص الذي ربما فات الآخر، لكان ذلك أضبط للعلم، والمذاكرة حياة العلم، كما قال بعض الفضلاء(2)
__________
(1) 83]) من دروس شرح كتاب التوحيد، للشيخ محمد –شريط رقم (1)- جواب السؤال الثاني في نهاية الدرس.
(2) 84]) هو العلامة مجدد العلم في بلاد شنقيط سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي رحمه الله، (ت:1233). ترجم له كثيرون، منهم صاحب معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي (ص:36) فقال:
عالم واسع المعرفة، رحل أربعين سنة في طلب العلم، أخذ عن أجلة، منهم علامة النحو المختار بن بونة الجكني، والفقيه المغربي محمد البناني، وتخرج عليه عشرات العلماء، وترك مؤلفات كثيرة تمتاز بتحقيقات نفيسة، فأقبل عليها العلماء، منها مراقي السعود وشرحه نشر البنود، ونوازل في الفقه، وألفية في البلاغة مع شرحها نور الأقاح.
شارك في الجهاد ضد البرتغاليين أيام حملتهم على المغرب، وتوفي عام 1230هـ. اهـ بتصرف.
ومن مراثية بعضهم له:
أحيا علوم الشرع حتى ظهرت
وأهلك البدعة حتى اندثرت
طود علوم ماله نظير
يزول وهو لم يزل ثبير
قد كاد يوصف بالترجيح
لفهمه ونقله الصحيح
فهو الإمام الحجة العريف
له الفتاوى وله التصنيف
علم الحديث فيه لا يبارى
كأنما نشأ في بخارى
والبيت الذي استشهد به الشيخ من منظومته طلعة الأنوار، اختصر بها ألفية الحافظ العراقي في المصطلح في نحو ثلثها مع تحريرات دقيقة.
[84]): (1/78)
واعلم بأن العلم بالمذاكرة ... ... والدرس والفكرة والمناظرة
وكان السلف -رحمهم الله- يعرفون هذا كما قالوا:
(كنا نسمع الحديث من جابر بن عبد الله، فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا، فإذا أبو الزبير أحفظنا..)(1)[85]).
ثم يفضل بعد الدرس وبعد المذاكرة مع طالب علم جيد وحريص على الفائدة أن تكتب المعلومات، أو تكتب ملخص استفدته من خلال الدرس ومن خلال المراجعة، هذا الملخص تعتبره كأساس لك في التحصيل، بحيث لو رجعت بعد ختم الكتاب ترجع إلى هذا الملخص، وتصبح المعلومات منضبطة مختصرة، ثم بعد ذلك تتوسع في شرحها والإضافة عليها، وما يستجد عندك من معلومات في كل باب وتحت كل مسألة بحسبها، وحسب توسعك في العلم والفن.
فإذا سار طالب العلم على هذه الطريقة، فإنه سيستفيد خيرا كثيرا، وأنبه على ضرورة اختيار طالب علم حريص على الفائدة، حتى لا يضيع وقتك.
الفصل الرابع : معالم في بعض أحكام الفتوى
تمهيد: في أهمية مقام الفتوى.
المعلم الأول: الإخلاص في النية.
المعلم الثاني: البصيرة وضبط العلم.
المعلم الثالث: تحصيل الورع.
المعلم الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوى.
المعلم الخامس: تحصيل الخشية من الله.
المعلم السادس: معرفة حال المستفتي.
تمهيد : في أهمية مقام الفتوى
الحديث في هذه (الأسطر)(2)[86]) عن ثغر من ثغور الإسلام، تبين به الشريعة والأحكام(3)[87])، عن ذلك الثغر العظيم الذي تولى الله -جل وعلا- أمره من فوق سبع سماوات، ألا وهو الفتيا.
__________
(1) 85]) رواه الحافظ أبو خيثمة رحمه الله في كتاب العلم بتحقيق الشيخ الألباني رحمه الله (ص:21)، ط. المكتب الإسلامي.
(2) 86]) في الشريط: (اللحظة المباركة).
(3) 87]) هذا الفصل أخذ من محاضرة (من أحكام الفتوى)، للشيخ محمد، ألقيت بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية.
هذا الثغر الذي تتعطش الأمة في كل زمان ومكان إلى أهله ورجاله، الذين نور الله قلوبهم بالعلم،وشرح صدورهم بالعلم والحكمة والإيمان، فجعلهم به هداة مهتدين، يقولون الحق وبه يعدلون، هذا المقام العظيم الذي يقوم به المسلم مبلغا لشرع الله ودين الله عز وجل، فما أشرفه من مقام، وما أعظمه من ثغر جليل المرام، يوم يقف الإنسان لكي يبين الحلال والحرام ويفصل الشريعة والأحكام، على نور من الله وهدى من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/79)
ولذلك أخبر الله جل وعلا أنه تولى هذا المقام العظيم بنفسه، فقال في كتابه الكريم: ((يستفتونك قل الله يفتيكم)) [النساء:176]، يوم نزلت هذه النازلة برسول الأمة صلى الله عليه وسلم، فتولى الله جوابها وحلها ودفع إشكالها، وقد تقلدها رسول الأمة صلى الله عليه وسلم حين بين حلال الله وحرامه، وشرعه ونظامه، فهدى الله به الأمة إلى حكم الله في النوازل والمشاكل، ثم خلفه صلى الله عليه وسلم في هذا الثغر العظيم و المقام الجليل الكريم، أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
فكانوا أئمة هداة مهتدين، يسيرون على نهجه صلى الله عليه وسلم قولا وعملا واعتقادا، ثم تبعهم التابعون لهم بإحسان كلما مضى لهم جيل، تبعه على ذلك النهج جيل، فهم على أوضح حجة وأبين سبيل، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى به عاملا عن عمله، وما زالت الأمة بخير ما قام علماؤها بهذا الثغر، ولا تزال الأمة بخير مادام قد وجد فيها من يبين الحلال والحرام، ويفصل الشريعة والأحكام، يلتزم بذلك المنهج المفضي إلى الجنة دار السلام، ولو لم يكن لفضل الفتوى إلا عظيم البلوى لكفاها شرفا وفضلا.
فإن العلماء –رحمهم الله- يقولون: يستدل على فضل الشيء بعظيم أثره في الناس.
فكم أحيي من سنن المرسلين، وأميت من بدع المضلين، حين تقلد الفتوى أئمة الدين، وكم انتشر من البدع والأهواء، وتنازعت الناس السبل، بسبب ضياع هذا الثغر العظيم. (1/80)
ولذلك عد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرزية العظيمة حين قال: (حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)(1)[88]).
فما أعظمها من مصيبة على الأمة إذا تقلد الجهال هذا المقام، وما أعظمه من شرف، وما أجلها من نعمة إذا وجد في الأمة العالم البصير الحاذق الذي يعرف حكم الله سبحانه وتعالى في النوازل والمشاكل.
وقد تسفك الدماء، وتنتهك الأعراض بسبب الخلاف في مسألة من مسائل الدين، حين لا يستطيع الناس أن يجدوا من يفصل بينهم في نازلة من النوازل.
فإن النفوس تحب الأموال، وقد تحب المناصب والمراتب، فيتنازع الناس في حلالها وحرامها، فيعيش الناس حياة الفوضى، حتى يأتي ذلك العالم البصير الخبير لكي يخبر عن حكم الله الحكيم الخبير في هذه النازلة، التي لولا أن الله لطف وهيأ لهم هذا العالم لانتهت بالناس إلى شر عظيم وبلاء عميم.
فالفتوى لها فضل عظيم. قال العلماء: إن الإنسان إذا تقلد الفتوى أجر على علمها والعمل بها.
فتصور أخي طالب العلم إذا خرجت إلى أمتك وقمت على هذا الثغر في بلدك، فأصبحت الناس تصدر عن رأيك في الحلال والحرام، يعملون به آناء الليل وأطراف النهار، وأجور امتثالهم لأمر الله في صحيفة عملك.
__________
(1) 88]) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو وعائشة - رضي الله عنهما -.
ولذلك ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أن الرجل ينصب له ميزانه يوم القيامة، فتأتي أعمال كالغمامات، فيقول: يا رب.. ما هذا؟ يقال: سنن دعوت إليها، كتب لك أجر من عمل بها)(1)[89]). (1/81)
فهذا عضل عظيم، وكم من كربات تفرج بالفتوى بإذن الله عز وجل، يأتيك السائل في ظلمات الليل قد قال لامرأته كلمة لا يدري أهي حلال، فيعيش معها ويبيت معها، أم هي حرام، فلا يستقر قراره حتى يسألك فتفتيه عن حكم الله عز وجل.
ويأتيك الرجل قد ضاقت عليه الأرض بما رحبت في مال لا يدري أحلال فيطعم، أو حرام فيجتنب ويحجم،حتى تبين له حكم الله عز وجل في ذلك.
فالفتوى مقام عظيم، ولذلك تشرف به العلماء وزادوا به شرفا وفضلا حينما جاءهم الجليل والحقير والسوقة والأمير لكي يعرف حكم الله جل وعلا عنده، فالناس كلهم محتاجون إلى المفتي، علت مناصبهم أم نزلت، شرفت مراتبهم أو أهينت، كلهم محتاجون إلى حكم الله تعالى الذي يبينه المفتي، ولذلك تشرف به العلماء، حتى أثر عن بعضهم أنه تقلد الفتوى ما لا يقل عن أربعين عاما، فلما حضرته الوفاة بكت ابنته، فقال لها: أتبكي علي وأربعون عاما أوقع عنه، يعني: أتسيئين الظن أن الله يخيبني وأنا أربعون عاما أسد ثغر الفتوى لأهل الإسلام.
__________
(1) 89]) لم أجده، وروى الحافظ ابن عبد البر في الجامع أثرا في معناه موقوفا على إبراهيم النخعي برقم (224). انظر الجامع (ص:209)، تحقيق الأستاذ الزهيري.
ولازم هذا أن لكل مقام عظيم، وكل منصب جليل كريم يحتاج صاحبه لبلوغه أن يدفع الثمن، وأن يبذل المقابل والعوض، وكون الإنسان متحملا لأمانة الفتوى يستوجب عليه ذلك أن يكون على صفات وأخلاق وآداب تليق بمثله أن يبلغ عن الله عز وجل شريعته، وأن يبين حكمه، ولذلك تكلم العلماء عن آداب المفتي وشروطه، وأهليته، وما ينبغي أن يراعيه، فنسأل الله العظيم أن يشرفنا وإياكم بهذا المقام العظيم، وأن يرزقنا فيه الإخلاص. (1/82)
لهذا المقام (معالم) وأمور يوصى بها طالب العلم:
المعلم الأول: إخلاص النية لله
فأول ما يجب عليه في خاصة نفسه وأهمها وأعظمها: إخلاص النية لله جل وعلا، فإياك أن تسأل عن مسألة أو تسأل عن حكم شرعي وتريد أن تجيب فيه أو تتكلم فيه أو تبينه للناس إلا وأنت مخلص لوجه الله جل وعلا.
أن تبين حكم الله لعباد الله وأنت ترجو ما عند الله جل وعلا، وبالإخلاص يكون التوفيق وتيسير الفتوى ونور التقوى، الذي هو فرقان بين الحق والباطل: ((يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا)) [الأنفال:29]، وعماد التقوى ولبها وروحها وأساسها إخلاص النية لله جل وعلا.
ومن تكلم في المسائل، وحل المعضلات والمشاكل، وهو يرجو ما عند الله، فتح الله عليه في كلامه، وألهمه البصيرة في شريعته ونظامه، وكان موفقا مسددا ملهما، ولا يزال المخلص يجد من الله معونة وكفاية للمئونة.
فبالإخلاص يعظم أجر البلوى، فإن الكلمة التي تخرج لوجه الله تصعد إلى الله وعليها نور.
لما أخبر الله تعالى أنه: ((إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)) [فاطر:10]، فكل مسألة في الدين تكلمت فيها وأنت ترجو رحمة الله رب العالمين، تؤجر عليها، على حروفها، على كلماتها، على الخير الذي يكون بها.
فلو أن أمة سمعت منك فتوى في حلال، فعملت به، نلت أجور كل من عمل بها إذا أخلصت، ولو أن أمة سمعت منك فتوى في حرام أن الله حرمه وأردت ما عند الله وأنت تتكلم، فكل من عمل بذلك الأمر واجتنب ذاك المنهي، فإنه في ميزان حسناتك، فبالإخلاص يخط المفتي في صفحات أعماله أجورا لا يعلمها إلا الله جل وعلا. (1/83)
ومن ثمرات الإخلاص: حسن البلاء.
فإن الفتوى التي يفتي فيها أهلها وهم يريدون ما عند الله، الغالب أنه يكون لها أثر وقبول عند الناس.
ولذلك تجد بعض المفتين إذا أفتى أصغت له الآذان، وارتاحت له القلوب، واطمأنت لكلامه النفوس، وعملت وتمسكت بما يقول، وذلك -والله أعلم- لما في القلوب من عمارتها بالإخلاص لله جل وعلا، وهذه ثلاث ثمرات لمن أخلص لله في فتواه.
المعلم الثاني: البصيرة في العلم
فقد أخبر -عليه الصلاة والسلام- أن فتوى الجهلاء ضلالة، وأن الأمة تضل إذا تقلد الفتوى فيها الجهلاء، والعكس بالعكس، وتهدى إذا تقلد الفتوى فيها العلماء.
البصيرة: فمن هذه الساعة ولو بقي لك في هذا المعقل من معاقل الإسلام(1)[90])، لو بقيت لك سنة دراسية واحدة من هذه الساعة توطن نفسك على زيادة العلم والتحري والبصيرة، علك أن تنقل علما نافعا ينفعك الله به في الدين والدنيا والآخرة، تفتح قلبك وسمعك وفؤادك للعلم فتنهل منه، لا تنكف عن قليل فيه ولا كثير، فالذي يريد تقلد الفتوى يفتح قلبه لأنوار الوحي من الكتاب والسنة، ويتعطش لكل مسألة، ولا يقف أمام السائل، ويقول هذه مسألة لا أحتاج إليها، هذه مسألة لا أعمل بها، كل مسألة هيئ من نفسك أنك غدا مسؤول عنها، في العقيدة، في الأحكام، في الآداب، والأخلاق.
__________
(1) 90]) ألقيت في الجامعة الإسلامية بالمدينة.
جميع ما تراه من قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم تعيشه وتفتح قلبك لوعيه وضبطه على نور من الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ((إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)) [ق:37]، وعظة لمن أراد السداد والنجاح والفلاح أن يشرح الله صدره لوعي العلم. (1/84)
المعلم الثالث: الورع
وهو غذاء الفتوى وأساسها، فإذا سئلت عن أي أمر لا علم لك به، ولو سئلت على رؤوس الأشهاد تقول بكل عزة وإباء: الله أعلم(1)[91]).
وليكن عندك الفرح أن تقول في المسألة: الله أعلم، أكثر من فرحك أن تجيب عليها؛ لأنك إن قلت: الله أعلم، فقد سلمت وسلم الناس منك، وإن قلت فيما لا علم لك فقد تحملت المؤونة(2)[92])، ولذلك قال بعض السلف: حق على من أفتى أن يقيم نفسه بين الجنة والنار، فينظر سبيله فيها، حق واجب وفرض عليه.
ولذلك كان من الداء والمقتلة للإنسان أن يجيب في كل ما سئل عنه؛ لأنه لا بد أن تكون هناك مسائل لم تطمئن بعد إلى قول فيها وتفتي به. قال ابن عباس وابن مسعود فيما أثر عنهما: (من هذا الذي يجيب الناس في كل ما سألوه أمجنون هو(3)[93]))؟ أي: لا عقل عنده.
__________
(1) 91]) قال في الطلعة:
والزم للا أدري إذا ما تسأل ... ... عن كشف ما لتحقيق فيه تجهل
وقال بعضهم:
وإن تقل مالي سوى ذي مرتبه
قلنا فما على السكوت معتبه
وكم بلا أدري أجاب المصطفى
حتى أتى الوحي وإلا وقفا
(2) 92]) أخرج الإمام أبو داود رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أفتى بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه).
(3) 93]) رواه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في الجامع بتحقيق الزهيري برقم (2206) (ص:1123).
كذلك من الورع أن يكون على علم وبصيرة بالسؤال، فلا يفتي في مسألة حتى يكون ملما بأطراف السؤال الذي نزل بك، فلا تحكم على شيء إلا بعد تصوره. (1/85)
ولذلك من القواعد التي قررها العلماء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فلا تدخل ولا تبدي رأيك في أمر لم تتصوره بعد، تنتظر حتى ينتهي السائل من سؤاله فتنظر أهذا السؤال مما تعلمه، فتجيب، أم مما لا تعلمه، فتكف عنه، وتتورع عنه.
المعلم الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوى
فقد تكون الفتوى من علمك، ولكن الجواب فيها يحدث مفسدة عظيمة على الأمة، فتتلطف وتحسن المخرج منها بجواب تعذر فيه إلى الله، ومع ذلك لا تقع الأمة به في فتنة.
ولذلك نبه العلماء على أنه من آكد ما ينبغي على المفتي أن ينظر إلى أثر فتواه، فكم من فتاوى يسمعها العوام فيحملونها على غير المحامل، ويحملون كلامها من التفسير ما لا تحتمل، فليس المهم أن تعرف المسألة وتعرف حكمها فقط، ولكن الأهم أن تعرف ما الذي يترتب على هذا السؤال؛ لأن الله بعث الرسل، وأنزل الكتب من أجل المصالح ودرء المفاسد.
فإذا أصبحت الفتوى تفضي إلى المفاسد، وتقطع عن العباد المصالح فليس ثم ما يوجب ذكرها في هذه الحالة الضيقة المخصوصة.
واقرأ في تراجم العلماء والسلف الصالح كيف كانوا يمتنعون في مواطن الفتن عما فيه مفسدة، فلا تجيب بين العوام إذا سئلت عن مسائل تورث عندهم الفتنة والشبهة ولا تحسن منها المخرج، فتشوش عليهم بذكر شيء أنت معذور في تركه أمام الله جل وعلا.
ولذلك قالوا: يحتاج المفتي إلى أمرين:
أ- علم الفتوى.
ب- فقه الفتوى.
فعلم الفتوى من ناحية المادة، وفقه الفتوى أن يلازم العلماء ويدرس فتاوى السلف الصالح والعلماء المهتدين، وكيف كانوا يحسنون التخلص من مواطن الفتن.
المعلم الخامس: تحصيل الخشية من الله عز وجل (1/86)
وهو الأساس العظيم للتوفيق والتسديد في الفتوى، فكل مسألة في الدين والشريعة تتكلم فيها، فاجعل الجنة والنار نصب عينيك، تخاف الله، لا تخاف أحدا سواه، ترجو رحمة الله ولا ترجو شيئا عداه.
ولذلك قال بعض العلماء: لن يوفق الإنسان لتبليغ رسالة الله إلا بالخشية، وكلما وجدت الإنسان يصدع بالحق، ويقول الحق، ويأمر بالحق، ويهدي إلى الحق، فاعلم أن في قلبه من خشية الله على قدر ما وجدت فيه من الصدق والتبليغ لرسالة الله.
وكلما وجدت المفتي يبين حكم الله جل وعلا، ويجلي الحقائق على أنصع ما تكون وأظهر ما تكون وأوضح ما تكون، فاعلم أن في قلبه من خشية الله على قدر ما وجدت من آثار فتواه من الوضوح.
((الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه)) [الأحزاب:39]. قال بعض العلماء: إن الله قرن الخشية بالتبليغ للرسالة والأداء للأمانة، ولذلك لن يستطيع طالب علم أن يبلغ أمانته إلا بقوة خوف من الله، وكلما كمل خوفه كمل تبليغه لرسالة الله.
وانظر إلى حال طلاب العلم تجد ذلك جليا ظاهرا، فبمجرد ما يرجع الشاب أو طالب العلم إلى قريته أو إلى بلده، وقلبه معمور بالخوف من الله، أن يسأله عن هذه الأمة، ويحاسبه عن هؤلاء القوم، وتجده على خوف ووجل، وجدته ناشرا للعلم، باذلا له، فيخرج الخوف من الله ما عنده من العلم.
فتبليغ رسالة الله والفتوى عن الله والإخبار عن الله يحتاج إلى شيء من الخوف والخشية والمعاملة لله سبحانه وتعالى.
والذي يجبن ويضعف، ويهاب الخلق أكثر من هيبته للخالق، ويخشى المخلوق أكثر من خشيته للخالق، فإنه لا يأمن أن يحرف دين الله وشريعة الله، نسأل الله السلامة والعافية.
المعلم السادس: التأني في فهم السؤال وتصوره (1/87)
فلا يجوز للإنسان أن يفتي في مسألة لم يتصورها بعد، أو يتصورها على كلام إنسان لا يحسن فهمها، ومن هنا أنبه على ما يقع فيه كثير من طلاب العلم من الاستعجال في الفتوى قبل معرفة حقائق أمورها وملابسات مشاكلها ومعضلاتها، ولذلك تجد العلماء يكثرون المراجعة للسائل والاستفهام من السائل، والاستيضاح منه، حتى يكون حكمهم للنازلة عن تصور كامل، فإذا سئلت عن مسألة، واحتملت أوجها، أو احتملت احتمالات متعددة، فلا تتعجل حتى تسأل السائل هل مراده كذا؟. أم مراده كذا؟. وقد يقع اللبس في كلام السائل، فيعطيك ألفاظا محتملة، وقد يأتيك السائل وهو يرغب في التحريم أو يرغب في التحليل، فيعطيك ألفاظا تعينك على التحليل أو تعينك على التحريم، فالعواطف والمؤثرات الخارجية لصيغة السؤال ضعها جانبا، ولينصب تصورك للسؤال بعينه، وأحسن فهم النازلة بذاتها، ثم بين حكم الله تعالى فيها، فحسن التصور مهم، ولذلك أوصي طالب العلم إذا وجد اختلافا بين العلماء في النوازل والمسائل أن ينظر على صيغة الأسئلة، فإنه سيجد للأسئلة وتصوير النازلة أثرا عظيما في التأثير على المفتي.
ومن هنا أيضا أنبه على أنه إذا كان السائل يسألك عن شيء معين يعرفه المختصون، فالأفضل أن تستبين ممن له خبرة وعلم بذلك التخصص، وأن لا تتعجل بحمل الجواب على ضوء إفادته قبل الرجوع إلى أهل الاختصاص.
وهنا أمور، منها: لو سألك عن أمر يتعلق بالأطباء، أو مسألة طبية، فقال لك: يفعلون ويفعلون، فلا تتعجل، وتقول: الحكم كذا وكذا، قل: لا.. حتى أسمع من طبيب. يقول لك -مثلا-: هناك عملية يموت فيها الإنسان، هل يجوز فعلها أو لا يجوز؟.
ليس من حق هذا السائل أن يصف العملية بكونها مفضية للهلاك أو مفضية للسلامة، فتقول: أنا لا أفتي في هذه العملية، وهذا التداوي أو هذا الدواء، حتى أسأل أهل الخبرة، هل الغالب فيه النفع، أو الغالب فيه الضرر؟.
فهذا مثال للمسائل التي تحتاج للرجوع إلى أهل الخبرة، ولذلك تجد بعض العلماء الأجلاء كان إذا سئل عن المسألة قال: يسأل عن ذلك أهل العلم به. (1/88)
انظر إلى الإمام النووي في (المجموع) -لما اختلف العلماء في الريق الخارج من الفم أثناء النوم، هل هو نجس أم طاهر؟. على وجهين مشهورين: من يقول: إنه خارج من المعدة، فهو فضلة تأخذ حكم الفضلة النجسة، ومن قال هو خارج من الفم، يعطيه حكم المخاط والبصاق؛ لأنها فضلة طاهرة-.
قال الإمام النووي: فإني سألت الأطباء فقالوا: إنه من الفم، وعليه فليس بنجس. والطب الحديث يؤكد أنه من الغدد اللعابية.
فلما رجع إلى أهل العلم والخبرة بالشيء كفى المؤونة، فلذلك يرجع في الفتاوى والمسائل إلى أهل كل اختصاص.
النقطة الثانية: بالنسبة لحكم النازلة يحتاج المفتي في حكم النازلة أن يكون ذا اجتهاد.
فأحق من يستفتى في النوازل أهل الاجتهاد، وإذا وجد المجتهد وغير المجتهد، فالفتوى بالمجتهد ألزم وألصق وآكد.
حتى إن بعض العلماء يرى أن النوازل التي يجتهد فيها يحرم الرجوع فيها إلى غير المجتهدين، ومن هنا تدرك خطأ كثير من طلاب العلم يتعاطفون مع المسائل النازلة قبل أن يسألوا العلماء.
وتجد هذا يقول لك: هي حلال لكذا وكذا، وهذا يقول: هي حرام لكذا وكذا، وهذه جرأة على الله في الفتوى، وهي من المزالق التي جعلت كثيرا من طلاب العلم يجدون الهم والغم وعدم التوفيق في طلب العلم.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)(1)[94]). ومن غضب الله أن يفتي فيما هو ليس بأهل له، فيحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله.
__________
(1) 94]) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم -رحمهم الله- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: (من سخط الله).
الاجتهاد الذي هو سلاح النوازل، والذي هو حل المشكلات والمعضلات، ولذلك قالوا: أبلغ العلم الاجتهاد، وكم من أئمة من السلف -رحمة الله عليهم- ما أفتوا حتى شابت رؤوسهم، وقل أن يوجد غيرهم فحينئذ تعينت عليهم الفتوى فأقدموا، لذلك لا يجوز أن يفتي في مسألة اجتهادية لا يعلمها، واعتبره العلماء من كبائر الذنوب: ((وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)) [البقرة:169]، فالقول على الله بدون بينة أو حجة أو سلطان هلاك، قال الله تعالى يخاطب نبيه: ((قل إني على بينة من ربي)) [الأنعام:57]، قالوا: (من ربي) هي الحجة والدليل من الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يجتهد وهو لم يبلغ درجة الاجتهاد، فمشاكل المسلمين العامة التي يتعلق بها مصير الأمة، لا يجوز أن تقول: حكمها كذا، هذه لها أهلها ومجامعها، إنها مشكلات والله لو عرضت على أئمة علماء من السلف لرعدت فرائصهم من خشية الله أن يتكلموا فيها؛ لأنها تحتاج إلى دراسة واستبيان واستقراء لدليل الكتاب والسنة، حتى يفتي فيها. (1/89)
فالتعجل في الفتوى دون علم آفة عظيمة، ولا يجوز لأحد أن يفتي فيما لا علم له، قال تعالى: ((قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين)) [ص:86]، قالوا: من التكلف الإفتاء فيما لا علم للإنسان به.
المعلم السابع: معرفة حال المستفتي
فينبغي على المفتي أن يكون على علم بالناس وأحوالهم، فمنهم المخادع، ومنهم الكذاب، ومنهم المغرض، ومنهم المفسد، فعليه أن يعرف أقدار الناس، وهذا يرجع إلى أصل السنة: من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه الرجل فيسأله عن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، فيقول: (إيمان بالله)، ثم يسأله الثاني عن أحب الأعمال، فيقول: (الصلاة على وقتها)، ويسأله ثالث فيقول: (الجهاد في سبيل الله)، (حج مبرور)، قالوا: اختلف جوابه بحسب اختلاف أحوال السائلين.
وينبغي على المفتي أن يعرف أحوال السائلين وملابسات أسئلتهم، فإن بعض الفتاوى تتأثر بمن يسأل، وتتأثر بمن يستفهم، فينبغي أن يكون الإنسان على بصيرة. (1/90)
وقد يكون الغرض من السؤال الفتنة، فإن السائل قد يسألك عن مسألة تعلم أنه قد خالفك فيها شيخ فاضل وليس مراده جوابك، ولكن مراده الطعن في الشيخ الذي خالفك.
ومن هنا أنبه على مسالة ينبغي أن يتفطن لها طلاب العلم. إذا جاءك رجل وقال لك: الشيخ فلان يفتي بكذا وكذا، أنت تفتي بماذا؟ أو الشيخ يرى كذا وكذا، أنت ترى ماذا؟. إياك أن تجيبه حتى يتأدب؛ لأنه ربما كان الحق معك، فتخطئ هذا العالم، فتنزل مكانته عند الناس بسبب تخطئتك له، ولذلك قل له: لا تسألني عن فتوى عالم بعينه، ولكن سلني عن المسالة؛ لأنه لو كان يريد الحق لسألك عن المسالة دون ذكر أحد من العلماء، لكن كونه يقول: فلان أفتى، بم تفتي؟ فهو يريد أحدكما، إما أن يريدك أو يريده، فإن كان العالم الذي سأل عنه مشهورا معروفا بالفضل فهو يريدك، وإن كان الذي سأل عنه عدوا له أو يكرهه أو يشنع عليه المسائل فهو يريد من سأل عن فتواه.. فعليك أن تكون حذرا لبيبا.
ومن مراعاة حال المستفتي: الإشفاق والترفق بالسائل. مثال ذلك: لو جاءك رجل يسألك عن طلاق، ويغلب على ظنك أنك لو أفتيته أنه يصاب في نفسه، وهذا يقع، فإن الرجل يأتيك متوتر الأعصاب، شارد الذهن، مضطربا في نفسه، قال كلمة لزوجته، لو قلت له: حكمها كذا، أو هي طالق، ربما يغشى عليه، وربما يصيبه مرض في عقله، ويترتب عليها من الخطر على السائل ما الله به عليم.. وهذا معروف.
قالوا: الحكمة أن تترفق به، تقول له: اسأل فلانا، يقول: أفتني، تقول له: لعله أو يمكن أن يكون فيها طلاق، أو يحتمل أنها لا تطلق، تمهد له، لا تقل له مباشرة: طلقت عليك امرأتك، لكن تعطيه نوعا من التخفيف عليه، فهذا من النصح لعامة المسلمين والترفق بهم في الفتوى.
الفصل الخامس : إجابات مهمة عن أسئلة ملمة (1/91)
السؤال الأول
هناك مقالة تفشت بين بعض طلاب العلم: وهي أن الدراسة النظامية في الجامعة أو غيرها تنافي الإخلاص، فما هو قول فضيلتكم(1)[95])؟
الجواب:
هذه مسألة تشكل على كثير من طلاب العلم، والذي يظهر -والعلم عند الله- أن ذلك ليس بصحيح؛ لأن هؤلاء التبس عليهم وجود فضل الدنيا مع العلم، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أنه إذا كان السبب الداعي للعمل عند الطالب هو وجه الله، وجاءت حظوظ الدنيا بالتبع، أن ذلك لا يؤثر ولا يقدح في الإخلاص.
من أدلة الكتاب:
أ-قول الله جل وعلا: ((وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)) [الأنفال:7]، لاحظ هؤلاء هم الذين قاتلوا يوم بدر وشهدوها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الباعث أول خروجهم طلب العير، فلما تغير الحال وأصبحوا إما العير وإما القتال، قال الله عز وجل عنهم: ((وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)) [الأنفال:7] .
فكانوا يتمنون أن يكون حظهم العير، ومع ذلك أنزل الله فيهم من الفضل ما لم ينزله في غيرهم، من ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر فيهم: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)(2)[96]).
فهذا يدل على أنه إذا كان العلم أخروي وفيه نية دنيوية تابعة وليست الأصل انها لا تضر.
__________
(1) 95]) من محاضرة حلية طالب العلم ألقيت في قاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية بتاريخ 16/11/1412هـ.
(2) 96]) متفق عليه من حديث علي رضي الله عنه.
ب-ومن أدلة الكتاب: قول الله تعالى: ((ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)) [البقرة:198]، فإنها نزلت في قول طائفة من المفسرين في الرجل الذي يحج وفي نيته الجمع بين الحج والتجارة، فالحج عبادة وجهاد، وينوي فيه التجارة، وهي دنيوية، ومع ذلك لم يعنفه الله عز وجل، ولم يعتبر إخلالا في مقصده. (1/92)
من أدلة السنة:
أ-ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل قتيلا فله سلبه)(1)[97])، قال بعض العلماء: في هذا الحديث دليل على جواز وضع ما يحفز الإنسان على طاعة الله ومرضات الله فالنبي صلى الله عليه وسلم رغب في القتال في سبيل الله، وجعل الجائزة والحظ لمن قتل عدوا لله أن يأخذ سلبه، فهذا حظ من حظوظ الدنيا، فلا يقدح ولا يؤثر؛ لأنه تبع لنية الآخرة، فالمقصود ألا يلبس الشيطان على الإخوة طلاب العلم.
اجعل الدنيا تبعا، لا تجعل الشهادة هي الأساس، بل تجعلها وسيلة، ولا عليك بعد ذلك، والعمل الأخروي إذا خالطته نية الدنيا لا يخلو من ثلاث حالات:
أ- أن تكون نية الآخرة هي الأصل ونية الدنيا تبع، فهذا مما معنا ولا يؤثر.
__________
(1) 97]) أخرجه الإمام أبو داود (2718)، والإمام الدارمي (2/229) والإمام أحمد (3/114) وغيرهم من حديث أنس رضي الله عنه، وصححه الالباني رحمه الله في الإرواء، برقم (2221).
ب- أن تكون نية الدنيا أعظم من نية الآخرة، وهي الأصل، والآخرة تبع لهذا والعياذ بالله، فهذا الذي عناه الله بقوله: ((فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق)) [البقرة:200]، وهو الذي عناه صلى الله عليه وسلم بقوله: (الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل للذكر، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)(1)[98]). نسأل الله الإخلاص في القول والعمل، والعصمة من الخطأ والزلل، والله تعالى أعلم(2)[99]). (1/93)
السؤال الثاني
بعض المهتمين بالدعوة يقولون: في هذا العصر الذي قل فيه الدعاة تقدم الدعوة على العلم، واستدلوا بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فهل هذا صحيح(3)[100])؟
الجواب:
حديث الأعرابي الذي رواه أنس ا في الصحيحين قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه).
__________
(1) 98]) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2) 99]) لم يذكر الشيخ -حفظه الله- هنا الحالة الثالثة، وهي: إذا تساوت الرغبتان، لكن بسطها في مسألة حكم طلب العلم وتولي الولايات الشرعية: كالتدريس والقضاء والفتيا والإمامة وغيرها في نحو عشر صفحات في درس البلوغ عند شرح حديث عثمان بن أبي العاص: (يا رسول الله إجعلني إمام قومي..) الحديث في الشريط رقم (10) من كتاب الصلاة.
(3) 100]) مستفاد باختصار من شرح حديث أنس في البلوغ، وحديث مالك بن الحويرث في شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد.
ليس كما يزعم البعض ويظن، فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- حينما قاموا بالإنكار على الأعرابي لم يكونوا تاركي فائدة العلم التي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من المعلوم بداهة أنه بقيامهم وإمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن حديثه انتفى وصف ذلك المجلس بكونه مجلس علم محض، وأصبح العلم منصبا إلى تلك الحادثة والنازلة بعينها، والذي يظهر -والعلم عند الله- أن أول ما يجب على الإنسان طلب العلم بخطاب الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم والأمة تبع ((فاعلم أنه لا إله إلا الله)) [محمد:19]؛ لأن العبودية الصحيحة لله تعالى لا تتحقق إلا بالعلم، والنجاة في الدنيا والآخرة متوقفة على العلم، ثم بعد أن يطلب العلم سواء على سبيل الإجزاء أو على الكمال، بعد ذلك يتوجه عليه الأمر بالعمل بالعلم ثم بالتبليغ، ويدل لذلك آية التوبة: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)) [التوبة:122]. فجعل مرتبة الدعوة والإنذار بعد مرتبة التفقه والعلم. (1/94)
ولا يعني هذا أن يسكت طالب العلم أثناء الطلب ويقول: لا أنكر حتى أصبح عالما أو شيخا، هذا خطأ، بل كلما تعلم شيئا وضبطه بلغه على حسب مقدرته، ولا إفراط ولا تفريط.
وإذا بدأ طالب العلم مع العوام والجهال والصغار في الدعوة، يبدأ بالأهم، فالأهم العقيدة وتصحيح عقائد الناس، ثم تصحيح عباداتهم، وهذا الهدى دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة إن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات...)(1)[101]) الحديث.
__________
(1) 101]) متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
فيبدأ بتعليمهم أصول الدين وأساسياته لكي يصح إيمان العبد، ولأن العبادة وقبولها تنبني على صحة العقيدة، ثم يعلمهم كيفية الطهارة وكيفية الصلاة.. وغيرها من فروض الأعيان، فالمقصود أنه ينبغي الاعتناء بذلك. وما انتشرت السنن، ولا أميتت البدع، ولا حييت معالم الدين وأشرقت أنواره إلا بالدعوة إليه وتبليغ رسالة الله. (1/95)
وهل حصل ما حصل من الجهل -حتى أصبح الكثير من الناس يقع في أخطأ توجب بطلان صلاته أو صيامه أو حجه وعبادته والعياذ بالله، وهو يعيش بين طلاب العلم- إلا بسبب تقاعس بعض الطلاب عن أداء هذه الرسالة العظيمة.
وينبغي أن يفرق بين قضيتين: الدعوة إلى أصول الدين والقواعد العامة، أو النهي عن المنكرات العامة الواضحة التي لا تحتاج إلى كثير علم، وبين الدعوة إلى المسائل الخاصة الدقيقة التي هي من اختصاص العلماء، فمن أمثلة الأولى: الدعوة إلى التوحيد، شخص أمامك يعبد الوثن، لا يسوغ لك أن تقول: أنا ما أدعوه حتى أتعلم وأتسلح بالعلم الكامل وأعرف الرد على الشبهات؛ لأن الدعوة إلى اصل الدين يستوي فيه عامة المسلمين، ويعتبر فرض عين على كل مسلم إذا رأى إنسانا يعبد غير الله أن يدعوه إلى توحيد الله عز وجل، ولا يعذر أحد بترك هذا الأصل، فهو أمر من الواضحات.
كذلك لو رأيت إنسانا على الزنا أو شرب الخمر والعياذ بالله، فإن الزنا وشرب الخمر منكر واضح لا يحتاج إلى كثير علم. شخص لا يصلي أو لا يزكي، فكل إنسان مطالب بدعوته.
وأما الدعوة إلى خصوصيات الأحكام أو المسائل التي تنزل بالناس ويحتاج فيها إلى علم وبصيرة ونور ومعرفة، فهذه للعلماء، ولا بد فيها من نور الوحي والبينة والبصيرة في الدعوة. ((قل إني على بينة من ربي)) [الأنعام:57]، ((قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة)) [يوسف:108].
ومن هنا ندرك خطأ بعض الناس حين يقول: كل واحد يدعو، ويقوم ويتكلم بما يفتح الله عليه، فقد يأتي هذا الجاهل، أو حديث عهد بالجاهلية، ويقف أمام أناس لهم علم ولهم معرفة، لكي يتكلم بما فتح الله عليه، فيخبط خبط عشواء، هذا طبعا من الإفراط، وأما التفريط نجد مثلا من يقول بترك الدعوة حتى يكتمل علمه، والمنكرات عن يمينه ويساره، من أمامه ومن خلفه، قرير العين، وهو يقول: لا.. حتى أنتهي من العلم كاملا ثم أدعو الناس.. لا.. القضية وسط، فالمسائل التي لا يعذر أحد بجهلها، كمسائل الأصول، كل إنسان مطالب بالدعوة إليها، أما المسائل الدقيقة يترك الفصل فيها لأهل العلم، والمقصود أن طالب العلم لا يبقى، ويقول: أنا لا أدعو حتى أنتهي من طلب العلم، هذا تقصير،ويتحمل التبعية، بل يدعو على قدر علمه، حتى ولو في أحكام العبادات، لو قام بعد صلاة العصر كل يوم وتكلم عن هدي من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات والمناسبات خلال السنة، لكان خيرا كثيرا، ولا يتعلم أحد سنة منك فيعمل بها إلا كنت شريكه في الأجر، ولو أن هذا المتعلم منك علم أبناءه وبناته وأهله وجيرانه، أو نطق بهذه السنة في مجلس، لكان لك مثل أجره، حتى جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالعبد يوم القيامة، فينصب له ميزان، فتأتي أعمال كالسحابة، فيقول: يا رب.. ما هذه الأعمال؟. هذه ليست بأعمالي، فيقول الله تبارك وتعالى: بلى.. هذه سنن دعوت إليها، كان لك أجر من عمل بها)(1)[102]). فالتجارة مع الله ربح وفوز(2)[103])، فلذلك أقول: إن طالب العلم يعلم، ولكن على قدر علمه (1/96)
__________
(1) 102]) تقدم (ص:114).
(2) 103]) من محاضرة الوصايا الذهبية للشيخ، ألقيت بتأريخ 10/1/1411هـ بجدة.
السؤال الثالث (1/97)
كيف تكون مجادلة العلماء ومماراة السفهاء التي في الحديث؟ نرجوا التوضيح، وجزاكم الله خيرا(1)[104]).؟.
الجواب:
قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من طلب العلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء -وفي رواية: أو ليصرف وجوه الناس إليه- فهو في النار)(2)[105]).
هذا الحديث العظيم ينبغي لكل طالب علم أن يجعله نصب عينيه؛ لأنه يتعلق بأول خطوة في الطلب، وهي إخلاص النية لله عز وجل، التي هي من أجل أعمال القلوب.
فالقلوب محل نظر الله عز وجل: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم)(3)[106]).
لا ينظر الله إلى فصاحة طالب العلم ولا إلى جماله ولا إلى ماله، ولكن إلى نيته وتعلقه به جل وعلا.
ولكن ما أن يغير طالب العلم نيته -والعياذ بالله- إلا غير الله عليه، فيقسو قلبه من بعد لين، وتنقبض نفسه من بعد انشراح، فيصبح هدفه من العلم الرياء والسمعة والثناء وصرف وجوه الناس إليه، قالو: (أول العلم غرور وطفرة، وآخره سرور ورحمة).
__________
(1) 104]) من دروس شرح عمدة الأحكام - الشريط رقم 154.
(2) 105]) رواه ابن ماجة، وصححه الشيخ ناصر الدين رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب، (ج1، ص:47).
(3) 106]) رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فمن راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به، قال بعض العلماء في معنى الحديث: إن الله يقيمه على رؤوس الأشهاد ويقول: هذا فلان ابن فلان الذي راءى الناس، فيرى الناس ذلته وحقارته في ذلك الموضع -والعياذ بالله-، نسأل الله عز وجل ألا يجعلنا ذلك الرجل. وأما في الدنيا فلا يؤمن عليه من مكر الله، يستدرجه في تحصيل العلم، حتى إذا حصل علما كثيرا، صرف قلوب الناس عنه -والعياذ بالله-، لا تجد من يرتاح لعلمه، ولا من يرتاح للتعلم على يديه، قد نفرت القلوب من كلامه وأسلوبه، وكست الظلمة مجلسه ووجهه، وهذا من عاجل مكر الله لمن راءى في علمه. نسأل الله السلامة والعافية. (1/98)
ومن إمارات وعلامات المماراة والمجادلة للعلماء: أن تجد طالب العلم إذا ذكرت أمامه مسألة يشكك ويعترض، ويقول: هذا لا يستقيم، هذا لا يصير، هذا كذا، هذا كذا، وهو لم يفقه بعد، ولم يراجع المسألة، ويعرف وجه مأخذ العالم ودليله.
ولذلك قالوا: من كان ديدنه مجادلة العلماء لم يأمن أن يرد آية أو حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهلك، ناهيك عن محق بركة علمه.
ولذلك ذكروا في ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف(1)[107]) رحمه الله، وكان وعاء من أوعية العلم في الحديث والفقه، حتى كانت له اجتهادات انفرد بها، هذا العالم -رحمة الله عليه-، كاد أن يكون مغمورا ولم يشتهر علمه، والسبب -كما ذكره من ترجم له- أنه كان كثير الاعتراض والتعنت لابن عباس رضي الله عنهما.
__________
(1) 107]) عن الزهري قال: (كان أبوسلمة يماري ابن عباس، فحرم بذلك علما كثيرا). مختصر جامع بيان العلم (ص:65)، وتذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، لابن جماعة -رحمة الله على الجميع- (ص:171).
وكان لبعض مشايخنا منهجا تربويا لطلابه؛ يستحب عدم مناقشة الطلاب في مجلس العلم، ويترك للطلاب أن يتناقشوا فيما بينهم، ثم إذا لم يستطيعوا حل الإشكال رجعوا إليه؛ لأن ذلك ربما جرأ السفلة والرعاع والمبتدئين على عدم إجلال وتقدير واحترام العلم، وربما أدى إلى كسر هيبة العلماء في النفوس. (1/99)
ما كنا -والله- نعرف سوء الأدب والاعتراض على العالم في مجلس العلم، ولا حرج في المناقشة التي تدل على حب الفهم ومعرفة الحق والاقتناع بالدليل ومعرفة التفصيل؛ لأنه لا يمكن ضبط العلم إلا بها،ولكن تكون بأصول وضوابط شرعية سامية، تصون حرمة العلم وقدر العلماء.
ومن علامة مماراة العالم ومجادلته: الإتيان بمسألة غريبة يستشكل بها في المجلس أمام العامة، فيظهر أنه ذلك الذي يعرف الأصول والضوابط ويفهمها.
وكم من استشكالات وردت علينا أمام العلماء، انتظرنا وراعينا فيها الأدب في المجلس وحفظ حرمة العلماء، حتى فتح الله علينا، فقرأنا ما يزيلها ويجليها لنا(1)[108]).
أعرف مسألة(2)[109])، مكثت فيها أكثر من عشر سنوات أسأل العلماء عن دليلها، ما وجدتها إلا في مخطوطة للإمام ابن العربي في شرح الموطأ لها دليل من الكتاب.
السؤال الرابع
ما رأيكم في بعض طلاب العلم يجتمعون للمناقشة في المناهج والمسائل، فيجتهدون، ويخطئ بعضهم بعضا وهم متفقون في الأصول؟ نرجو من فضيلتكم توجيه النصح لهم(3)[110]).
الجواب:
__________
(1) 108]) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يمنعني إلا مهابته، فسألته، فقال: هما حفصة، وعائشة). رواه البزار والطبراني، وقال السيوطي: سنده صحيح. فتح القدير (1/14، 5/251).
(2) 109]) من دروس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -كتاب الحج- أسئلة الشريط رقم (140).
(3) 110]) من درس شرح عمدة الأحكام -أسئلة الشريط رقم (139).
الحقيقة هذا السؤال عام، والتفرق الموجود له طرق متعددة، ولذلك الإجابة على هذا السؤال قد تفهم على غير المراد، ولكن أنبه على الأصل الذي ينبغي على المسلم أن يلتزمه: (1/100)
أولا: اعلم أن الله عز وجل جعل هذا الدين كلا لا يتجزأ: ((منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)) [الروم:31-32] وأمر الله بالاعتصام والتآلف، ونهى عن الفرقة والتخالف، ((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)) [آل عمران:103]؛ لأنه ليس هناك موجب للخلاف في الأصل، فيلزم المسلم الكتاب والسنة، ولا يجتهد إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون الكلام الذي يجتهد فيه صالحا للاجتهاد وفيه مساغ للخلاف.
الشرط الثاني: أن يكون أهلا للاجتهاد.
فأي قول خرج عن هذه الأصول، كأن يكون مستنبطا من غير الكتاب والسنة، أو اجتهد وهو ليس بأهل، أو اجتهد في ما لا مجال للاجتهاد فيه، فإن خطأه بين واضح ظاهر، وعلى هذا فإنني أقول: ينبغي لطلاب العلم التناصح وتذكير بعضهم بعضا بالتي هي أحسن، وأن يشد بعضهم من أزر بعض، وأن يكمل بعضهم نقص بعض، ولا يعني ذلك المجاملة في الحق أو ترك بعضنا البعض على أمر الخطأ فيه بين، أو المخالفة فيه لكتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو منهج السلف الصالح واضحة، كل ذلك لا نعنيه، إنما نعني تهيئة الجو لقبول النصيحة وإصلاح الخطأ.
وأما التجريح الذي فيه حظوظ النفس فلا يرضي الله، وهو يهلك صاحبه -والعياذ بالله-.
الكلام في الناس ولو كان بحق، وخالط قصدك إشفاء الغيظ والحنق والحقد، خرج عن كونه عبادة؛ لأنه لا يراد به وجه الله؛ ولذلك حذر علماء الجرح والتعديل -رحمهم الله- من أن يستغل الشيطان الإنسان من قصد التوجيه إلى بغض الشخص، حتى كان الجرح والتعديل من أصعب العلوم، لا من جهة تحصيله فقط، بل من جهة كبح النفس ومجاهدتها حتى يصبح جرحه وتعديله خالصا لوجه الله. (1/101)
ومن لوازم الإخلاص في الجرح:
أولا: أن يكون الباعث عليه إقامة الحجة على أخيك، والغيرة على الكتاب والسنة، والحرص على الخير للناس، فهذه الركيزة الأولى.
ثانيا: من لوازم هذا الإخلاص أن تأتي لأخيك وتستره، والتشهير به فيه معنى لحظوظ النفس وحب الانتصار، وهو يضاد الإخلاص، بل والشرع، فإن الزاني يطالب المسلم بستره إذا زنى، وأجمع العلماء عليه، كما في حديث هزال(1)[111]) المعروف، فهذا من حق العامة من المسلمين، فكيف بطالب علم اجتهد أو تأول فأخطأ، من باب أولى وأحرى، فإن وجدت من نفسك أنها قابلة، لأن تنصحه في السر فاعلم أنك تريد وجه الله، وإن وجدت أنها تأمرك أن تسارع بكشفه، وتضيق حينما تهم بالذهاب إليه، فاعلم أن الشيطان قد دخل إلى شعبة من شعب قلبك.
__________
(1) 111]) حديث هزال رضي الله عنه رواه الإمام أبو داود -رحمه الله-، والإمام النسائي وغيرهما، وخلاصته أنه قال له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لو سترته بثوبك كان خيرا لك).
وما المانع أن تدخل بيته محتسبا الخطوات عند الله، تشتري بها رحمات الله، ويعلم الله من قلبك أنك ما دخلت بيته إلا وأنت تريد ما عند الله جل وعلا، وتأتي إليه بكل نصح وتجرد، فإذا وجدته بين طلابه جلست كأنك واحد منهم -تهيئ الأسباب- حتى يفرغ. ثم تقوم معه إلى خلوته، وتقدم له ما عندك، أما أن تأتيه بين طلابه أو تتلقف زيد أو عبيد من طلابه، وتقول له: الشيخ فيه كذا وكذا، هذا أمر من الصعوبة بمكان. (1/102)
ثالثا: إذا جئته تتخير الحجج المناسبة والأسلوب المؤثر، وتظهر الشفقة عليه كأنه غريق تريد إنقاذه، ثم إن وجدت في نفسك أنها تشتهي إهانته وإفحامه وتسفيه رأيه ومنهجه، فاعلم أنك على جرف هار، وأنك -ولو كنت صاحب حق بهذا الشعور والميل، خرجت عن كونك ترجو ما عند الله إلى ما ترجوه من حظوظ نفسك.
وقف بعض العلماء على إمام من أئمة السلف في الجرح، وقال له: تكلمت في أقوام لعلهم حطوا رحالهم في الجنة منذ مائتي عام، فجلس العالم يبكي تأثرا حتى غشي عليه في المجلس، فليس مراد المذكر إلا حثه على الاجتهاد في أن تكون نيته لله جل وعلا، وليس المراد أنه لا حاجة للجرح والتعديل، بل قد يكون واجبا كما هو معلوم.
وليس -والله- من العيب أن يختلف العلماء وأن يتناظروا ويتناقشوا، هذا لاعيب فيه ولا حرج، ولكن المصيبة كل المصيبة دخول حثالات ممن لا يخافون الله ولا يتقونه في نقل الأحاديث ونقل الشائعات بين طلاب العلم حتى أفسدوا ذات بينهم، والله الموعد، ووالله لتمرن على الإنسان ساعة يعلم ما الذي أراد بهذه التصرفات التي يفعلها، وليعلمن نيته وقصده في سكرة الموت، أو في ظلمة القبر، أو عند زلة الصراط، يعرف عندها هل يريد وجه الله أو يريد حظوظ نفسه.
يا أخي.. في الإنسان كفاية بعيوبه عن عيوب الناس، في الإنسان شغل في نفسه عن الناس.
عليك نفسك فاشتغل بمعايبها ... ... ... ودع عيوب الناس للناس
إذا أصبح النصح والنقد فيه هوى وإشفاء غيظ، صار أقرب إلى الإثم منه إلى الأجر، فقد تجد شابا حديث عهد بالتزام لو عرضت له شهوة لانتكس، وهو يتكلم في عالم، وقد كفاه غيره من أهل العلم بيان الخطأ الذي أخطأ فيه ذلك العالم، ما الذي أدخل أمثال هؤلاء أن يتكلموا في العلماء ويقولون: الشيخ فلان يؤخذ عليه كذا وكذا، وقد تكون المسألة من المسائل الفرعية التي يعذر فيها بنص أو حجة، هذا أمر خطير جدا، وبهذه الجرأة تضيع الأمة، ويفلت الزمام، وتذهب حقوق العلماء والدعاة والصالحين والأخيار، حين يتسلط من لا خوف ولا ورع له، والمقصود: أن من علم أنه من أهل النقد والاستدراك على العلماء، فليتقدم أو يتأخر، المهم أن يريد وجه الله، ويعلم ما يجيب به الله إذا سأله عن الكلام في فلان أو علان.. (1/103)
كم من شاب يمضي أيامه ولياليه في النقد والتجريح بغير الحق، ولو سألته عن صحة وضوء من توضأ ولم يتمضمض لما علم لها جوابا، فينبغي للإنسان أن يشتغل فيما يعنيه عن ما لا يعنيه، وقد ورد في الخبر أنه: (لا تقوم الساعة حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها(1)[112]))، ولن يكون اللعن حتى يكون الاحتقار والازدراء، وهذه هوة سحيقة أن يتربى الشباب على الحقد على الدعاة والعلماء الأحياء، ثم ينتقل الدور إلى سلف الأمة، ثم تحرق كتبهم، ويكون ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ظهور الشر وغلبته، وعندها تقوم الساعة فللجنة طلابها، وللنار طلابها -والعياذ بالله-، ونسأل الله أن يجنبنا هذه المهالك والمزالق.
__________
(1) 112]) أخرجه الإمام الطبراني رحمه الله من حديث عوف بن مالك الأشجعي، وقال الهيثمي: فيه عبد الحميد بن إبراهيم وثقه ابن حبان وهو ضعيف، وفيه جماعة لم أعرفهم.اهـ. مختصرا من: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة (1/348) للشيخ الفاضل حمود التويجري رحمه الله.
السؤال الخامس (1/104)
هل خدمة طالب العلم لشيخه من آداب الطلب أم فيها محظور ولا تنبغي؟. أرجو إزالة الإشكال في هذه المسألة(1)[113])؟
الجواب:
لا غضاضة ولا حرج في خدمة الأحرار من عامة الناس لمن كان من أهل العلم والفضل، كالعلماء ومن في حكمهم من كبار السن وصالحي الناس، والأصل فيها خدمة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (كنت أقرب للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه وأحمل له إداوته) (2)[114])؛ لأن تعظيم أهل العلم وإجلالهم في الحدود الشرعية إجلال للدين والشرع، وإجلال لما حوته صدورهم من العلم، الذي شهد الله بفضلهم فيه ((بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)) [العنكبوت:49]، وقال تعالى: ((لكن الراسخون في العلم)) [النساء:162].
ومن إكرامهم وتبجيلهم: خدمتهم، ويعتبر من القرب، لكن محل ذلك إذا أمنت الفتنة، أما إذا خاف طالب العلم أو الشيخ على نفسه الفتنة، وخشي أن يغتر بإطرائهم، سيما إذا كان طالب العلم شابا حدثا، فإنه قد لا يأمن على نفسه الفتنة، ويكون ذلك مظنة الحسد بين الأقران.
وكان بعض العلماء يشدد في ذلك نصحا للمسلمين، وصيانة لحمى الدين من الغلو والتعلق بالمخلوقين، ولذلك أثر عن ابن مسعود أنه لما خرج من المسجد، خرج معه أصحابه، قال: ما بكم؟. وما شأنكم؟. قالوا: رأيناك تمشي وحدك فأحببنا أن نسير وراءك، قال: إليكم عني، فإنها فتنة للمتبوع، وذلة للتابع(3)[115]).
__________
(1) 113]) باختصار من دروس شرح بلوغ المرام، للشيخ محمد -باب قضاء الحاجة-.
(2) 114]) متفق عليه، ومثله وبمعناه أيضا عن أنس رضي الله عنه، والمغيرة، وغيرهما..
(3) 115]) أخرجه الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله في المصنف (6/213).
وكان بعض الفضلاء يحكي عن الشيخ الأمين -رحمة الله عليه- أنه أعطاه رجل ماء ليتوضأ به، ثم همز ابنه ليقوم بصب الماء على الشيخ، قال الابن: فجئت إلى الإبريق، فلما دنوت لآخذه، نهرني الشيخ وصب على نفسه، قال، فغمزني أبي الثانية -يعني حاول-، يقول: فجئت المرة الثانية واقتربت من الشيخ، فدفعني وسحب الإبريق -رحمة الله عليه-، وهو عالم وإمام من الأئمة في العلم والورع والصلاح، ومع ذلك لم يقبل من هذا الطفل أن يلي طهوره. فقد يمتنع بعض أهل الفضل من ذلك إما لكمال فيه، أو خوف على نفسه، بل ينبغي على طالب العلم العاقل أن لا يفوت حسناته بخدمة الناس وتعظيمهم له. (1/105)
قال ابن عمر رضي الله عنهما: لا تصم في السفر متنفلا، إنك إن صمت قال أصحابك: أنزلوا الصائم، أجلسوا الصائم، حتى يذهب أجرك، فكانوا يخشون ذهاب حسناتهم بخدمة الناس لهم.
وكان بعض العلماء يقول: أخشى من تعظيم الناس لي أن يذهب حسناتي.
وقد تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله بكلام نفيس على اغترار الناس بصحبة الصالحين، وهو على المعاصي، حتى يغتر بصحبتهم، فيفرق بينهم يوم القيامة.
والمقصود من صحبة وخدمة أهل العلم والفضل: التأسي بهم، والعمل بما يقولون، والوفاء والبر بهم، ورد الجميل لهم إذا رضوا بذلك، وعلم منهم الرضا.
وإذا غلب على الظن أنه يحفظ دينه، وأن ذلك يعين إخوانه على القرب منه والألفة والمحبة وفي حدود المشروع، فلا حرج، وقد توسع أهل البدع في هذا الباب حتى استعبدوا الناس -والعياذ بالله- من دون الله، فأهانوهم، وأذلوهم بلحس الركب والأقدام والأيدي.. وغير ذلك مما تمجه الطباع السليمة، فضلا عن النفوس المستقيمة التي تسير على نهج الله، الذي أراد تكرمة بني آدم لا إذلاله، حتى أن الإمام مالك -رحمة الله عليه- كان يشدد في تقبيل اليد، ويسميها السجدة الصغرى، خوفا من ذريعة الغلو في الصالحين والعلماء، ويتأكد ذلك في هذه الأزمنة التي ضعف فيها الدين في نفوس الناس، وبالغ العوام في هذه الأمور، أو يكون طالب العلم أو العالم في بيئة تبالغ في ذلك من الانحناء عند السلام وأخذ الكف بعد السلام ومسح الوجه بها.. كل ذلك من البدع والضلال الذي نشأ من الغلو في الصالحين والعلماء، ودين الإسلام دين عدل، فلا غلو ولا إجحاف (1/106)
السؤال السادس
بعض طلاب العلم يرى أن من الأصلح لطالب العلم أن يعتزل -في كثير من الأحيان- الناس حتى يأمن شرهم، هل هذا صحيح(1)[116])؟
الجواب:
مخالطة الناس مع الصبر أفضل من العزلة، كما جاء في الحديث: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم)(2)[117])، وهذا من حيث العموم، أما إذا كان طالب العلم لا يستطيع التحمل والصبر على الأذى، أو ضعف أخلاقه لا يساعده على الدعوة والنصح وتعليم الناس مع عبادته وصلاحه، فهذا فتح الله عليه في باب العبادة، وتحمل أحاديث الأمر بالاعتزال على مثل هذه الحالات الذي يغلب على الظن فيها هلاك صاحبها بسبب الخلطة.
__________
(1) 116]) من دروس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -أحسن الله له الختام-.
(2) 117]) رواه الإمام الترمذي، والإمام ابن ماجة رحمهما الله، وصححه الشيخ ناصر الدين في المشكاة برقم (5087).
أما من رزقه الله العلم بالكتاب والسنة مع حسن خلق ولين ورفق، وحكمة وصبر، فهذا يجب عليه أن يخرج إلى الساحة، ويذكر العباد برب العباد، وينصح ويوجه ويقيم حجة الله على خلقه، وهو بأفضل المنازل، فالإسلام كيف تبلغ شريعته وتقام حجته، وتنصب راياته وتبين معالمه إذا أصبح علماؤه وطلاب علمه عاكفين في المساجد وفي الخلوات يقرؤون ويتعبدون؟.. الإسلام دين كفاح، دين جهاد ودعوة وإصلاح ((كنتم خير أمة أخرجت للناس)) [آل عمران:110]، والسبب هل تصلون وتصومون فقط؟ لا.. بل ((تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)) [آل عمران:110] وإذا تقاعس العلماء وطلاب العلم عن الدعوة والجهاد في سبيل الله وإصلاح العباد وتقريبهم من ربهم، من الذي ينذر ويبشر ببشارة الله، ويقيم حجة الله على عباد الله. ولله در القاضي عبد الوهاب رحمه الله في أبياته اللطيفة: (1/107)
متى تصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا
وإن ترفع الوضعاء يوما ... على الرفعاء من إحدى البلايا(1)[118])
__________
(1) 118]) الذخيرة لابن بسام، ووفيات الأعيان لابن خلكان (1/304) نقلا عن قواعد في التعامل مع العلماء، للشيخ عبد الرحمن اللويحق (ص:95)، وأوردها في الديباج المذهب (ص:160).
يعني إذا كان العلماء والأكابر أهل الفضل جلسوا في الزوايا يتعبدون، إذا: لا نثنى صغار السن والأحداث لقيادة الأمة، وعندها لا تسأل عن فساد الأحوال، ولذلك نص العلماء -رحمهم الله- أن تولي القضاء يجب على العالم طلبه إذا غلب على ظنه أنه يحكم بالعدل وينفع الناس، ولما استشكل بعضهم ذلك، أجيب بأنه: إذا امتنع من أجل أن يتورع، كان منجيا لنفسه قاصرا الخير عليها، وإذا خرج للقضاء كان قائما بحق الغير عليه: من نشر العدل والعلم والحكمة، والحث على طاعة الله، وذلك نفعه للكافة والعامة، وهو أفضل من نفع نفسه خاصة، وهو معنى مستنبط من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب)(1)[119])، فحال من يؤثر في غيره مختلف عن حال من ينفر غيره، ومن كان ضرره أكثر من نفعه لو خرج للناس، فالأفضل له أن يتعبد ويصلح نفسه. (1/108)
ولما كتب عبد الله العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، كتب إليه الإمام مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر(2)[120]). اهـ
__________
(1) 119]) رواه الإمام أحمد رحمه الله، والأربعة من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وهو في صحيح الجامع.
(2) 120]) ذكرها الحافظ ابن عبد البر في التمهيد، وعنه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/114) -رحمة الله عليهما-.
وهذا فتح من الله على البعض من الأخيار الصالحين البررة، ربما جلس معهم العامي، فلا يجد عندهم أسلوب الدعوة، بمجرد ما يخطئ يقيمون الدنيا ويقعدونها عليه، لماذا؟؛ لأن الله لم يفتح عليهم في الدعوة، فهذا فضل من الله، والله يعطي فضله من يشاء، ولبعض الناس جهاده في خلوته أكثر من جهاده في علانيته، ومنهم العكس، ومنهم من جمع الله له بين الحسنيين، وآتاه كلا الفضيلتين، ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: (إذا رأيت البناء بلغ سلعا، فاخرج من المدينة)(1)[121])؛ لأنه رضي الله عنه كان شديدا في طاعة الله، ويأخذ بالعزائم، ويرى أنه لا يجوز لك - وتعتبر من الذين يكنزون الذهب والفضة في الآية - أن تنام وعندك دينار واحد زائد عن حاجتك، من زهده وقوة خوفه من الله عز وجل رضي الله عنه وأرضاه، وهذا من حكمته صلى الله عليه وسلم: أن فاضل بين أصحابه، فكان يعطي البعض أحاديث الزهد، كأبي ذر، لو تتبعت أحاديثه في مسند الإمام أحمد لوجدت أكثرها في الزهد، والبعض من الصحابة أحاديثه في الجهاد أكثر، والبعض أحاديثه في العبادة، والبعض أحاديثه في العلم، والخلاصة أن الناس يختلفون، وبناء عليه يحكم لكل حسب حاله. والله تعالى أعلم. (1/109)
السؤال السابع
أنا خطيب مسجد، تكلم في بعض الناس، فبم تنصحوني؟ وما هي وصيتكم لمن يتكلم في الدعاة والعلماء، وينفر منهم الناس؟. وهل تجدي المناقشة معهم(2)[122])؟
الجواب:
هذه -والله- المصيبة التي تحزن إذا انتقص أهل العلم والفضل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله إن باطن الأرض أولى من ظاهرها في العيش مع أقوام لا يعرفون لأهل العلم حقهم، ولا يقدرون لهم قدرهم.
__________
(1) 121]) راجع العواصم من القواصم، للقاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله، هامش (ص: 76) بتحقيق الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله.
(2) 122]) (بتصرف) من محاضرة وصايا لطالب العلم وأسئلة درس التفسير، الشريط رقم (9).
يا هذا.. قد نظرت إلى الدعاة والهداة، فوجدت فيهم من الفضل والصلاة والاستقامة والدعوة إلى الله ما سوف يحاسبك الله عنه، لم يبق إلا أن ينتقص العلماء وينفر منهم، وتحذر الناس من مجالسهم، إنها مصيبة ورزية، إنها ثلمة -والله- في الإسلام إذا انتقص العلماء والدعاة، وتتبعت عوراتهم وأخطاؤهم،ونفر من مجالسهم، هذا مفتون، شأن أهل البدع -والعياذ بالله-. (1/110)
إنهم ينفرون من العلماء، ولذلك من أهم وأظهر سمات أهل الضلال أنهم يحتقرون أهل العلم؛ لأنهم يعلمون أنه لا يكشف عوارهم بعد الله إلا العلماء، فلذلك إخواني في الله ينبغي أن نتق الله في حقوق العلماء، في حقوق طلاب العلم والدعاة والهداة إلى الله عز وجل، ينبغي أن تلجم هذه الألسن بلجام الورع، والله، ما من كلمة تتلفظ فيها -حتى لو نقلت عن عالم أو داعية كلمة فيها انتقاص له- تحمل وزرها بين يدي الله عز وجل، ونزل نفسك منزلة هذا العالم، أترضى أن تظهر للناس فضيحتك وأخطاؤك.
سلمنا جدلا أنه أخطأ، فما الذي جعلك أن تذكر السيئات ولا تذكر الحسنات؟
قال سعيد بن المسيب رحمه الله: من هذا الذي كمل، إنما يرجى الإنسان بالغلبة، ذلك أن الله تعالى يقول: ((فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون)) [الأعراف:8]، ما قال: فمن خلصت موازينه(1)
__________
(1) 123]) قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (3/283):
(ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل مأجور؛ لاجتهاده، فلايجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين اهـ.
وقال أيضا في المدارج (2/39):
(... فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة أو أهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحكم، وتعطلت معالمها) اهـ.
ويقول الإمام ابن رجب رحمه الله في القواعد الفقهية (ص:3):
(والمنصف: من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه).
ويقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي رحمه الله في السير (14/40) في ترجمة محمد ابن نصر:
(ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له، قمنا عليه وبدعناه، وهجرناه، لما تسلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة) اهـ.
وقال رحمه الله أيضا في السير (20/46):
(ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن) اهـ. من قواعد في التعامل مع العلماء، للشيخ عبد الرحمن بن معلا اللويحق - ط دار الوراق الأولى 1415هـ.
[123]). (1/111)
ولذلك العالم قد يزل، ولا ينبغي أن تعجل في التشنيع عليه، بل يلتمس له العذر ما أمكن؛ لأن التشنيع عليه ثلمة في الدين.
والمنهج: أن تنقد الخطأ للخطأ، ولا تجرح، شأن أهل الصلاح والفضل يبينون الخطأ دون تتبع عورات المسلمين وأعراضهم: ((وما شهدنا إلا بما علمنا)) [يوسف:81]، لا ينبغي للمسلم أن يقتحم عوار أخيه فيتهمه في منهجه وعقيدته، الذي يعنيك ما قرأت وما سمعت، وأما أن يلمز بعضنا بعضا، وأن يحاول كل منا أن يفسر أقوال العلماء ويحملها على غير محاملها، فإنه سيسأل بين يدي الله عن ذلك: ((ستكتب شهادتهم ويسألون)) [الزخرف:19].
أحبتي في الله! إن الله قسم بين الخلق فضله، فجعل أقواما مفاتيح للخير، ويتكلمون بالخير، ولا يعرفون الفحش، برأهم الله من السوء في أنفسهم وأقوالهم، أعفة في اللسان، أعفة في الجنان، لا يدخلون في قلوبهم غلا على مسلم، وهي من صفات أهل الجنة: ((ونزعنا ما في صدورهم من غل)) [الأعراف:43].
ولذلك لا يزال الإنسان يحسد العالم على علمه، على صلاحه، حتى تفنى حسناته -والعياذ بالله-.
ومن العجب أن ترى طالب علم مجتهدا في العلم، قائما الليل وصائما النهار، حتى إذا جاء الكلام عن العلماء والدعاة، خرجت منه تلك الكلمات، فأتت على جميع حسناته -والعياذ بالله-، قالوا: يا رسول الله.. هي تصوم وتصلي، ولكنها تؤذي جارتها، قال: (لا خير فيها، هي من أهل النار)(1)[124])، قالوا: ولا يؤمن على من نال من أعراض الدعاة والعلماء من سوء الخاتمة، كما في قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مع الرجل، وسعيد بن زيد رضي الله عنه مع المرأة، لما اتهماهما(2)[125])، فدعيا عليهما فساءت خاتمتهما -والعياذ بالله-، يا هذا.. وما يدريك أن لهؤلاء دعوات في السحر لا ترد، وما يدريك لعلهم من أولياء الله، فتكون بمعاداتهم محاربا لله: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)(3)[126]). (1/112)
يا أخي، المسلم الحق (من سلم المسلمون من لسانه ويده)(4)[127])، ليس الإسلام الحقيقي: أن يأتي المسلم ظاهره على خير وباطنه منطوي على الحقد والغل وخبث النية والطوية على عباد الله، هذا ليس من الإسلام، الإسلام فيه براءة الظاهر والباطن.
المسلم الحق يستهويك حديثه، سديد في منطقه وفي رأيه، بعيد عن سفاسف الأمور، سبحان الله! ما وجدنا ننقل إلا عورات، وعورات من؟! عورات أهل العلم والفضل.
إخواني في الله ينبغي علينا:
أولا: ألا نتصف بهذه الصفة والخصلة التي يبغضها الله، إنها الفحش في القول: ((لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)) [النساء:148].
__________
(1) 124]) تقدم تخريجه (ص:77).
(2) 125]) قصة الرجل مع سعد رضي الله عنه، والمرأة مع سعيد بن زيد رضي الله عنه، ذكرها الحافظ الذهبي رحمه الله في السير. انظر نزهة الفضلاء (23/2، 27/3).
(3) 126]) رواه الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) 127]) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
ومن تخلق بذلك ليس بحبيب لله عز وجل، بل جاء في الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)(1)[128])، فكيف بالعالم؟ (1/113)
ثانيا: ألا نسكت على من ينتقص علماءنا، ينبغي أن نغار على علمائنا، إذا لم نغر عليهم فعلى من نغار؟ وإذا لم تأخذك حمية الدين للعالم، فلمن تكون؟
ثالثا: نفرق بين من ينقد بأدب، وحسن خلق، وعلى علم وبينة، وبين من ينتقد ويطعن في العلماء وطلاب العلم، العرض أمره ليس بالهين، فلو أن ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم طعنوا في عرض دون بينة -وحاشاهم من ذلك- لما قبل منهم، ولردت شهادتهم، لقوله تعالى: ((ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون)) [النور:4]، فإذا كان هذا في العرض(2)[129])، فكيف بمن يقذف العالم والداعية في عقيدته ومنهجه؟. فالذي ينبغي التبين والتثبت.
الناس كثر فيها القيل والقال والنقل والشائعات.
رابعا: الاشتغال بعيوب النفس عن عيوب الناس، لاسيما أهل العلم والفضل، فالماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، وعليك بنفسك وعيوبك.
فللناس رب محاسبهم، ويجزيهم على الخير إحسانا، وعلى غيره صفحا وغفرانا.
وقال قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر في حاطب رضي الله عنه حين كتب الكتاب للكفار، يكشف سرا من أسرار المسلمين، ومع ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)(3)[130]).
هذا يدل على أن العبد الصالح قد يكون بينه وبين الله حسنات تحرق خطاياه وزلله.
__________
(1) 128]) رواه الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) 129]) قال بعض الفضلاء:
ألم يكن قيل لمن أساءوا
ظنهم في الإفك لولا جاءوا
ثلاثة عادلة لا يقبلون
في عرض مسلم فكيف بالظنون؟
(3) 130]) تقدم تخريجه.
تريد لهذا العالم الذي أفنى ليله ونهاره في الجهاد والدعوة إلى الله عز وجل أن تفني حسناتك أمامه؟. تريد أن الله لا يغفر إساءته، وله من الحسنات ونشر العلم والخير ما لا يحصى، فالرجاء في الله عظيم(1)[131]). (1/114)
والله أسال: أن يرزقنا عفة الظاهر والباطن، وهذه –والله- وصية لكم أجمعين، لا أقصد بها شخصا معينا، ولا طائفة معينة، ولكن أريد أن يترسمها كل مؤمن فضلا عن طالب العلم.
وأما الأخ الذي تكلم فيه فأوصيه بما يأتي:
__________
(1) 131]) من درس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -السنن الراتبة- شريط رقم (31).
أولا: أن تتعزى وتتسلى بمن مضوا قبل من السلف والأخيار، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء والعلماء الأبرار، اتهم في عرضه، واتهم في فكره ومنهجه، فقيل فيه: أفاك؛ حاشاه، وقيل: ساحر، وقيل: كذاب، ومات وهو سيد الأولين والآخرين؛ لأن الله تعالى جعل الأمور بعواقبها، وهي سنة ماضية في كل من تمسك بهذا الدين: أن يبتلى على قدر تمسكه، كما اشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل، ثم الأمثل)(1)[132])، فإن كنت أمثل صب عليك من البلاء ما لا يعلمه إلا الله، ولتعلم أن الله سيضعك -بالصبر على هذا البلاء- في مرتبة أحبابه وأوليائه ((وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)) [السجدة:24]، أن تصبر وتحتسب عند الله عز وجل مما قيل فيك، فإن الله تبارك وتعالى قد تكفل بعباده وبيده أزمة الأمور، فاصبر والله معك، قال صلى الله عليه وسلم: (من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا ولا أوسع من الصبر)(2)[133])، والله تعالى يقول: ((إن الله مع الصابرين)) [البقرة:153]، فإذا أراد الله رفعك وكره ذلك الخلق كلهم، فله الأمر من قبل ومن بعد(3)[134]). (1/115)
ولا تعبأ بحسدهم وبغضهم لك، ولما ابتلي الحافظ عبد الغني رحمه الله في محنته(4)[135])، قال فيه القائل:
إن يحسدوك فلا تعبأ بقائلهم ... هم الغثاء وأنت السيد البطل
__________
(1) 132]) رواه الإمام الترمذي، والإمام ابن ماجة، والإمام الدارمي -رحمهم الله- وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله في المشكاة رقم (1562).
(2) 133]) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3) 134]) من محاضرة وصايا لطلاب العلم، للشيخ محمد.
(4) 135]) راجع قصة محنته رحمه الله في اعتقاده في أول المجلد الثاني من ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب رحمه الله.
والناس لا نجاة منها، فلو صاحبت أفضل الناس لابد من كلام الناس فيك. (1/116)
تالله لو صحب المرء جبريلا ... لا بد من قيل وقيلا
قد قيل في الله أقوال مسماة ... تتلى إذا رتل القرآن ترتيلا
قد قيل إن له صاحبة ... تعالى الله عما قيلا
فالله لم يسلم من كلام خلقه: من أن له صاحبة وولدا، تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا.
وهذه الفتنة لو وجدت عقولا وقلوبا تتقي الله، لما راجت واستحكمت، وقد وقعت فتن في زمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم من ذلك، في الدماء، لكنها وجدت عقولا راجحة ضيقت نطاقها، وعرفت أهل الشر والغوى فيها، ونحن لا نبرئ ساحات أهل العلم من وجود أناس لا خير فيهم، دخلاء على الصالحين، أو يتمسحون بالصلاح وهم منهم براء، وأشهد الله أني بريء ممن برئ من عقيدة السلف، وأبرأ إلى الله ممن يتكلم ويطعن في الصالحين والأخيار.
ثانيا: لا تناقش الجهال حتى لا تهلكهم، ربما أثناء نقاشه يرد آية أو حديثا بمحض هواه وفهمه فيهلك، وتضيع وقتك.
قال الإمام الشافعي: جادلني عالم فجدلته -أي غلبته-، وجادلني جاهل فغلبني، لأن الجاهل لا تدري من أين تأتيه، إذا جئته من يمين، يأتيك من شمال، وهكذا، ليست عنده ضوابط ولا قواعد ولا اصول يحتكم إليها، فلا تضيع وقتك معه، قل له: ارجع إلى العلماء، حتى لا تفسد القلوب بسبب هذه المناقشات التي لا تجدي؛ لأن هذا النوع من النقاش يفسدها ويوقع بينها الخلاف، والله قرن الفشل بالخلاف ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)) [الأنفال:46].
ثالثا: إذا كان الذي أمامك طالب علم، قد حصل علم آلة الخلاف والنقاش والاجتهاد، وتستفيد من مناقشته ومناظرته، فخذ بآداب البحث والمناظرة، وهي معروفة ومشهورة، ومنها:
أ- أن يكون(1)[136]) الخلاف بحجة وبرهان، والاستدلال بهذه الحجة مبني على أصل مقرر عند العلماء لا بمحض الهوى، فيستنبط (استنباطا) ما سبقه إليه أحد، والعلم الحق موروث، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (.. وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم..)(2)[137]). (1/117)
فالذي يتكلم في الخلافيات والمسائل، ويناظر إخوانه وهو يعتمد أصول العلماء ويتكلم بكلامهم، فقد تكلم بإثارة من علم السلف.
وإذا جاءك إنسان بقول عليه دليل وليس لك علم به، فاسكت -رحمك الله- حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، فقد يمقت الله طالب العلم برده لسنة. وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول: (أخاف إن تركت سنته أن أضل، إن الله يقول: ((فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)) [النور:63]، ينبغي أن يزن طالب العلم نفسه بميزان الشرع، ولا يتكلم في دين الله إلا بحجة من الله وبينة، لا بالهوى والظن، ((وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا)) [يونس:36].
عود نفسك من اليوم: أنك لا تدخل في نقاش أو خلاف دون تصور وحجة وبرهان، واترك طلاب العلم حولك يختلفون ويصيحون ويقيمون الدنيا ويقعدونها،واستمع لخلافهم وانصت، وخذا ما صفا، ودع ما كدر، واجن الثمار وألق الحطب في النار.
وأما عاقبة من فتن وكان جريئا على الخلافات والمناظرات والمناقشات، دون علم، فإنه إذا تخرج لا يرتاح حتى يجد من يناقشه ويناظره، ويصبح ديدنه ذلك، وأصحب ما عنده مسألة إجماعية لا خلاف فيها، ويصير علمه وبضاعته -والعياذ بالله- القيل والقال.
__________
(1) 136]) من أسئلة دروس البلوغ عند شرح حديث ابن عمر (نهي عن بيع العربون).
(2) 137]) الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (5/196)، والترمذي (2682)، والخطيب في الرحلة (ص:81)، وهو حسن عند كثير من الحفاظ.
كان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمة الله عليه- متصفا بأنه لا يمكن أن يناقش أحدا أبدا، ويؤثر عنه أنه يجلس في المجلس، فما أن يقوم المشايخ بالمناظرة مع بعضهم حتى يقوم من المجلس، وبهذا أصبح عزيزا بعلمه، عزيزا بشخصه(1)[138])، بخلاف ما إذا أصبح الإنسان منفلت اللسان، يجادل كل من هب ودب، فتضيع هيبة علمه. (1/118)
ومجالس الجدل والمماراة أمر الله بعدم الجلوس فيها: ((وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم)) [النساء:140].
ب- تحديد المسألة وتحرير موضع النزاع، حتى لا تضيعوا الوقت في مناقشة مسائل، متفق عليها بينكم أو لا التقاء بينكم فيها.
ج- تحديد الأصل حتى يعرف من المطالب بالدليل ومن المدعي ومن المدعى عليه، فالذي يخرج عن الأصل هو المطالب بالدليل مثلا الأصل فيها الجواز، الذي يقول بعدم الجواز هو المطالب بالدليل، لكن الذي يحصل من بعض طلاب العلم يجلسون مع بعض، الأول يقول: ائتني بالدليل على عدم الجواز، والثاني كذلك يقول: لا.. بل أنت تعطني دليل على الجواز.. وهكذا، مع أنه إذا كان أصل المسألة أمر تعبدي، فالذي يقول غير مشروع لا يطالب بالدليل؛ لأن الأصل معه، والآخر يقول بأنه مشروع هو الذي يطالب بدليل نسبة شيء إلى الشرع.. وهكذا.
__________
(1) 138]) قال الإمام الشافعي رحمه الله: (من إذلال العلم، أن تناظر كل من ناظرك، وتقاول كل من قاولك) مناقب الشافعي، للبيهقي (2/151).
د- أن ينظر في هذا الدليل بكل إنصاف وتجرد للحق، والله، ما أنصفت خصمك من نفسك إلا وفقك الله للحق، وهذا مجرب، وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- يتناظرون ويتناقشون، ويحصلون من الفوائد دررا ونكتا، لا تزال قواعد تنير الطريق لمن وراءهم، ومن قرأ الفقه الإسلامي يدرك أنه ما ثرت مادته إلا بردود العلماء ومناقشاتهم، حتى أصبحنا اليوم لو نزلت نازلة أو مشكلة معاصرة، نستطيع أن نخرجها على أصول العلماء، فكان الخلاف ثراء للمادة العلمية، لماذا؟. لأن مناقشاتهم مبنية على أساس: سلامة الصدر، وحسن الظن، والتجرد للحق. (1/119)
بخلاف ما يفعله بعض الطلاب -أصلحهم الله- من التشكيك في المدرس، والتشويش عليه، وإظهار عواره أمام الطلاب، وليته اتقى الله، ولم يؤذ هذا المسلم ويحرم إخوانه من الفائدة، وليته سكت فلم يتحمل وزر ما نطق به.
الحلم زين والسكوت سلامة ... ... ... فإذا نطقت فلا تكن مهذارا
فلنتق الله في هذه المجالس، ونراقب الله في المناقشات التي لا يراد بها وجه الله، لو أن طلاب العلم إذا جلسوا تذاكر كل بما سمع من شيخه، واستمروا على ذلك، وأصبح هذا ديدنهم وشأنهم، لوجدوا عاقبة وثمرة العلم من: انشراح الصدر، وعلو الدرجة، ولم يمر يوم أو أسبوع إلا وقد ازداد طالب العلم بما يرفعه الله به درجات، فإن شئت فاستقل أو استكثر. ونسأل الله العظيم أن يعصمنا وإياكم من هذه الآفات. والله تعالى أعلم.
السؤال الثامن
أرجو أن تدلونا على كتاب يكون -بعد عون الله تعالى- عونا على تحضير دروس بلوغ المرام على النمط الذي نسمعه من فضيلتكم(1)[139])؟
الجواب:
الحقيقة: الطريقة الأكمل والأفضل قراءة الحديث وضبط نصه وحفظه، ثم يقرأ شرحا مفصلا للحديث، ولمعاني الألفاظ، بحيث يكون عنده تصور مبدئي، ثم بعد ذلك يتفرغ للشرح الذي يسمعه.
__________
(1) 139]) من دروس شرح البلوغ.
فإن حصلت عنده إشكالات، يكون قد تهيأ لسماع الأجوبة عليها، فإن وجد فيها ما يحل هذه الإشكالات ويزيلها فالحمد لله، وإلا تداركها بالسؤال بعد الدرس. (1/120)
وأما الرجوع للمطولات في البداية، فإنها تربك طالب العلم، وطلاب العلم لهم ثلاثة أحوال:
المرتبة الأولى: مرتبة البداية، ويكون الطالب لا يميز بين الأدلة، ولا يعرف قويها من ضعيفها، ولا جهة دلالتها.
فهذا يقتصر على الخلاصة من الدرس، والراجح من الأحكام مع دليله، ولا يتعرض للأقوال ومناقشة أدلتها؛ لأنه لا يكلف بها.
كما ذكر هذا الإمام ابن القيم في (إعلام الموقعين)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (المجموع) في أكثر من موضع، إن شأن هذا: الاكتفاء بقول عالم مع معرفة دليله، ويسير على هذا الشرح بقول واحد ودليله، ويبقى حتى يصل إلى درجة الاتباع.
وبعد أن يعرف الفقه بكماله، أو يقرأ كتابا في أحاديث الأحكام بكامله، يكون عنده تصور مبدئي، يصبح بعد هذا وقد أخذ الفقه بدليله ممن يوثق به، وضبطه على نمط معين.
فإذا لقي الله عز وجل وسأله عن هذا الذي يقوله أو يفعله أو يفتي به، ذكر حجته ودليله بين يدي الله عز وجل.
وإذا كان لا يحسن النظر وفهم الدليل، فقد احتج بما كلف بالرجوع إليهم في قوله تعالى: ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) [النحل:43].
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: إجماع السلف على هذا: كانوا يأمرون العوام بالرجوع إلى أهل العلم، ولا يكلفوهم باجتهاد ولا بنظر.
المرتبة الثانية: وهي الاتباع وفهم الدليل: لا يعرف وجه الأدلة، ومراتب الدلالة، وكيفية التعامل مع النصوص المتعارضة، والترجيح، ولكنه يفهم الدليل ووجه دلالته، وإذا جاءته أقوال عديدة يتشتت ويتذبذب، ولا يستطيع أن يقف بين فحول الأئمة وينتقي من أقوالهم وترجيحاتهم،فهذا شأنه أن يأذ كل قول بدليله.
فتتعبد الله بقول أو بحجة من كتاب أو سنة، ولا تذهب لشيخ آخر حتى لا تتشتت، فقد يكون الشيخ الأول يعتبر دلالة المفاهيم، والثاني لا يعتبرها، فلا تثبت على طريقة، تارة تتعبد الله بدليل، وتارة تتركه، وهذا تناقض منع العلماء منه، وهو التنقل والتلفيق بين أقوال العلماء. (1/121)
وهذه مرتبة المتبع: عنده إلمام بالدليل دون الترجيح بين أنواع الأدلة، وهذه حالة كثير من طلاب العلم المتقدمين، ولذلك بعضهم يتذبذب؛ لأنهم يدخلون على الخلافات والأقوال قبل أن يكون عندهم تصور لأدلة ومسالك الفقهاء.
فإذا قرأت الفقه بقول عالم ودليله -كما كان السلف يفعلون- دون تعصب، فأنت متبع، ولا مانع أن تلقى الله بقول أحمد، أو الشافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، بالدليل، فهم أئمة يقتدى بهم، وأجمعت الأمة على أخذ علم هؤلاء وجلالتهم.
فتسير في فقهك بضوابط وأصول منضبطة مرتبة، حتى تصل إلى مرتبة الاجتهاد.
والذي ضر الكثير من طلاب العلم: الاجتهاد في هذه المرحلة، فيمل ويسأل ويحتار، خاصة في مسائل البيوع والمعاملات.
ولذلك تجد بعض الطلاب يقول في مسألة كذا: أنا متحير، لا أدري أين الحق ولا أين الراجح، أو يرجح بهواه، فيقول: هذا أقوى في نظري من هذا، ولكن بالهوى -والعياذ بالله- لا بالحجة والبرهان؛ لأنه لا يملك الملكة التي تجعله يرجح بضوابط معينة.
وبعض الأدلة كلها من القوة بمرتبة واحدة، ولكن بعضها ألصق بالقواعد والأصول من بعض، والله يقول: ((ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما)) [الأنبياء:79]، فجعل خلاف الفقه فيه حجة لكل قول، ولكن جعل التفهيم لسليمان، وأثنى على الجميع.
فالمقصود أن طالب العلم في هذه المرتبة الاتباع، لا يحتار، بل يعرف ويضبط مسالك وطرق العلماء في الاستدلال، إن سار على هذا الضابط سلم، مثلا: مفهوم الصفة أنه حجة، تقول: (في السائمة الزكاة)، أنها إذا لم ترع أكثر الحول لا زكاة فيها، فتعتبر مفهوم الصفة هنا في باب الزكاة، وتعتبره في أبواب المعاملات كما اعتبرته في العبادات. (1/122)
لكن لو تنقلت بين عالمين: أحدهما يرجح مفهوم الصفة مثلا، والآخر لا يقول به، وقلت بأقواله في المعاملات؛ لقوته فيها وتمرسه، فترد نصوصا فيها حجة المفهوم الذي تعتبره في العبادات ولا تعتبره، ولا تتعبد الله به في المعاملات، فيصبح هذا تناقض، وهذا الذي جعل العلماء -رحمة الله عليهم- يمنعون من التلفيق بين أقوال العلماء والمذاهب في بداية التفقه.
ومن بلغ مرحلة أن يجتهد ويقف أمام ترجيحات الفقهاء، وكانت عنده ضوابط ومسالك يسير بها في اجتهاداته، وكذلك ملكة يعلم بها قوة وضعف أدلة الخصم، فإذا بلغ هذه المرتبة، ينتقل للمرتبة الثالثة، وهي:
المرتبة الثالثة: الاجتهاد.
أما أن تكون في مرتبة الاتباع وتجتهد، فلا، والله، لشرف لك أن تقول: اتبع قول فلان -وتراه موثوقا بعلمه وديانته من علماء السلف، أو من العلماء المعاصرين ممن شهد لهم بالضبط والتحري، فتبقى على قوله بالدليل- من أن تجتهد ولست من أهل الاجتهاد، فإذا انتهيت من الفقه وعلم هذا الشيخ أو ذاك وتصورته على هذه الطريقة، إذا بك وجميع مسائل الفقه منحصرة عندك بضوابط معينة، وتجدك اكتملت عندك الصورة، وتصورت الفقه بأكمله على نمط معين مؤصل على منهج السلف، ولذلك انظروا للأئمة، ما منهم إلا وكان له مذهب معين.
فمثلا شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله انظر إليه في (المجموع): قال أصحابنا، وارتضاه أصحابنا، وهو الصحيح من أقوال أصحابنا.
بل إنه يجتهد في المذهب، فيقول: والصحيح من مذهب أحمد كذا، وغلط بعض أصحابنا في كذا وكذا، ويقول: ومن قال أن مذهب أحمد كذا فقط غلط لكذا وكذا. فتجده حجة في مذهبه، حجة خارجا عن مذهبه. (1/123)
كما في الإنصاف للمرداوي -رحمة الله عليه- إذا ذكر الخلافات داخل المذهب وقال: قال الشيخ، فمراده: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، ويقطع ويقوي قوله بترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمة، لماذا؟. لأنه قرأ علم إمام من الأئمة المشهود لهم بالإمامة والاقتداء بهم بالدليل، فوضع الله له البركة والخير في علمه.
ولا شك أن طالب العلم حينما يقرأ مثلا أركان الصلاة بدليل في مذهب واحد، ليس مثل أن يقرأها في المذاهب الأخرى بأدلة متباينة متعارضة، فكيف يضبط؟! وهكذا طالب العلم، إذا لم يستطع التمييز بين الأدلة يكتفي بالقول الراجح بدليله، ويمضي ويبقى على هذا، ويسير حتى ينتهي من الفقه كله، ويتصور أبوابه ومباحثه، ولا يهمك نقد غيرك لك، يلومك من يلومك، ويسفه رأيك من يسفهه، لا شأن لك به، كلنا أخذ الفقه بهذه الطريقة، كنا نأخذ على مشايخنا ونضبط أقوالهم، بالدليل لا مجرد أقوال رجال، لا.. بل بالدليل.
فلما انتهينا أصبح الفقه أمامنا منضبط، وبعد أن قرأنا على مشايخنا، وجدنا أقوال وأدلة تخالف ما كنا تلقيناه على مشايخنا، فأخذنا بها وتركنا ما كنا عليه وخالفناهم؛ لقوة أدلتها، وما نقص ذلك من قدرهم ومنزلتهم في قلوبنا، أبدا والله، ولكن الحق أحب إلينا من كل أحد.
فلذلك: الطالب الذي يأخذ منهج معين، يفيد ويستفيد، ويصل إلى مرتبة الفقيه، وأما من يسلك كل يوم طريق ويتذبذب، لا تجد له أصلا.
وخذ طالب علم ممن سار على هذا المنهج الغير منضبط، وناظره في مسألة معينة، لا تجد له أصلا ثابتا، ولا تخرج مع بنتيجة، وتجده عائما ليس له ميزان تصل مع إليه فيعذرك وتعذره في المسألة، أو تصلا إلى قول فصل في القضية، والسبب هو أن الأساس الذي سار عليه هو: التلقي من مشارب مختلفة في بداية الطلب، فيواجه أقوال وإشكالات يوردها جهابذة العلماء، لا يحسن فهم توجيهها، ولا الخروج منها. (1/124)
وكذلك يواجهه في شروح الأحاديث: كشروح الإمام النووي، أو ابن حجر، أو الحافظ ابن دقيق، أو الحافظ العيني.. وغيرهم -رحمة الله على الجميع-.
ولو جئت تنظر في قول كل واحد منهم تقول: أبدا، هذا قوله راجح، ثم إذا جئت تقرأ لغيره، تجد قول الأول من أضعف ما يكون، ثم تجد جوابا عن هذا الجواب عند الأول، وتصبح في حيرة.
وحتى لو وصلت إلى نتيجة، لا تأمن من أنك كما قلت للقول الأول بأنه راجح، لا تزال مزعزع الثقة بقولك وما أنت عليه، ولو في آخر قول وصلت إليه.
ولذلك الأفضل الانضباط بأصل معين من البداية، وهذا الذي يميز فقه المتقدمين من الأئمة على غيرهم، تجد فقههم كالبناء، وأصولهم ثابتة ومنضبطة.
ومن هنا تلمس: أن بعض الفقهاء والعلماء له أقوال غريبة في المعاملات، فتتعجب كيف قال به في هذه المسألة، ويزول عجبك حين تعرف أن له أصلا مشى عليه، واختاره ضابطا له بقي عليه وثبت عليه.
مثلا بعض المالكية يقول في المزارعة: إذا كانت الزراعة تابعة للنخل المسقي في حدود الثلث جاز أن تتبع، وإذا كانت أكثر من الثلث لا تتبع. فتستغرب من أين جاءوا بضابط الثلث، فتجد الإمام مالك رحمه الله أخذ من قوله عليه الصلاة والسلام: (الثلث والثلث كثير)(1)[140]) ضابطا في القلة والكثرة، وهذا أصل اعتمده من السنة، وليس من هواه، فيقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاعتبر الثلث ضابطا في جميع الأبواب.
__________
(1) 140]) متفق عليه من حديث أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
وهكذا الفقه عند المتقدمين، أصولهم في العبادات هي أصولهم في المعاملات، لا تتغير، ولا تتناقض ولا تختلف. (1/125)
بخلاف بعض المؤلفات المعاصرة، خذه، تجده يرجح بأصل من العبادات، يخالفه في المعاملات ولا يعتبره، مع أن المسألة في البابين مبنية على الأصل نفسه، فيناقض نفسه بنفسه، ويفتي هنا بالجواز، وهناك بعدمه، مع أن الأصل واحد؛ لأنه ينظر إلى كل مسألة منفصلة عن نظائرها وعن مقاصد الشريعة وبعيدا عن مجموعة الأحاديث التي وردت فيها، وليس هذا صنيع السلف -رحمة الله عليهم-، بل ربما نظروا إلى أصل مقصود الشرع، هل ينظر في هذا الباب إلى المسامحة أم التضييق؟ ومعهم ملكات تؤهلهم لذلك.
أئمة ودواوين علم، يحفظون القرآن والسنة، بل البعض يحفظ مئات آلاف الأحاديث.
فإذا جاء أحدهم للمسألة، يستحضر كل هذه النصوص وشتاتها في الكتاب والسنة، وقد تجد الحديث في الهبات، يستنبط منه دليلا على مسألة ما في الصوم، والحديث في الصلاة وفيه دلالة على مسألة في العشرة الزوجية، وهذا فضل من الله، فاضل به بين العلماء، وظهرت فيه سعة وشمولية هذه الشريعة الكاملة، وظهر فيه فضل علماء السلف: بحسن الاستنباط وحسن الفهم ودقة الوعي، بل ربما تجد الواحد يحدثك بقصة في آية قرآنية ويستنبط منها حكما شرعيا ومسألة فقهية.
وهذا من فهمهم عن الله وارتباطهم بالكتاب والسنة، تجد الواحد منهم يقوم بهذا القرآن في ثلاث ليال. يختمونه فتمر بهم المسائل، ناهيك عن ورعهم وخوفهم من التقول على الله، وارتباطهم بالله، واستلهامهم منه التوفيق والسداد(1)[141])، والمقصود أن الذي يريد أن يضبط الفقه يضبطه بالأصول، ويتقيد بها دون تعصب ولا جمود، في مرحلية ينتقل إلى ما بعدها حتى يصل إلى مرتبة الاجتهاد. (1/126)
كل ذلك بإخلاص وتعظيم لعلماء السلف، ومعرفة حقهم وعظيم فضلهم علينا.
فكم من قول ربما سخر طالب العلم منه واستهجنه واستبعده، يتبين له فيما بعد أنه الصواب، أو يتبين وجهه ودليله الذي يعذر به صاحبه أمام الله جل وعلا.
__________
(1) 141]) ذكر الشيخ علي القارئ رحمه الله في كتابه الطبقات (أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان إذا أشكلت عليه مسألة قال لنفسه: ما هذا إلا لذنب أحدثته، فيبدأ يستغفر الله، أو يقوم يصلي، ويتضرع لربه ويدعو مولاه، فيفتحها الله عليه، فيقول: أرجو أن يكون قد تاب الله علي – أي: لأن تفهيمه لي السمألة مظنة توبته علي -، فبلغ ذلك الفضيل بن عياض، فبكى بكاء شديدا، وقال: ذلك لقلة ذنوبه، أما غيره فلا ينتبه لذلك) اهـ. من طبقات الحنفية، للشيخ علي القارئ (2/478) نقلا عن كتاب كيف نتحمس لطلب العلم الشرعي، لمحمد بن صالح آل عبد الله.
كنت أعجب من قول الإمام ابن جرير، شيخ المفسرين رحمه الله، يقول: إن فرض الأذن في الوضوء: الغسل كالوجه، وليس المسح فسألت الوالد -رحمة الله عليه-، فقال: لا تعجب يا بني، ألم يقل صلى الله عليه وسلم في دعاء سجود التلاوة (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره..)(1)[142]) الحديث، فأضاف السمع للوجه، وهذا وإن كان قولا ضعيفا ترده السنة القولية والفعلية، لكن المقصود هو معرفة قدرنا عند أولئك الرجال الذين حوت صدورهم الكتاب والسنة: ((بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)) [العنكبوت:49]. نسأل الله لنا ولإخواننا العصمة من الزلل. (1/127)
السؤال التاسع
عندما يفتي البعض في إجابة مسألة، يذكر أقوالا لأهل العلم فيها، ولا ينسبها لأصحابها، أليس من الأمانة العلمية: نسبة القول لصاحبه؟ وما هي المراجع والمصادر الفقهية المعتمدة في كل مذهب، والتي تعتني بذكر الأدلة؟ أفيدونا بالتفصيل جزاكم الله خيرا(2)[143])؟
الجواب:
هذا فيه تفصيل: فإن كان في أسلوب نسبته للقول يوهم أنه من كلامه، فالأمانة العلمية تقتضي: نسبة القول لصاحبه، أما شخص يقول:
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين أو على ثلاثة أقوال، فهذا ليس مدعي لنفسه شيئا، ولا يطالب بنسبة الأقوال لأصحابها، وهي في حقه مرتبة فضل، لا مرتبة فرض.
__________
(1) 142]) رواه الإمام أبو داود -رحمه الله- وغيره، وصححه الحاكم، ووافقه الإمام الذهبي -رحمهما الله-.
(2) 143]) من درس شرح عمدة الأحكام، السنن الراتبة، شريط رقم (31)، وبتصرف من محاضرة آداب طالب العلم، ألقيت بمكة المكرمة.
والعلم بنسبة الأقوال، وحفظها، وحفظ أصحابها، أمر تشيب منه الرؤوس، ولذلك تجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -وناهيك به علما وتحقيقا، ومع أنه جمع فأوعى كثيرا من العلم- يقول: وهذه المسألة للعلماء فيها قولان: أصحها كذا وكذا، أو يقول: قول بالمنع وقول بالجواز، ولا ينسب الأقوال، وأحيانا يسترسل فيبين صحة النسبة؛ لأن الفقه يحتاج إلى بيان وتمييز الأقوال. (1/128)
ثم المرتبة الثانية: وهي أعلى مما قبلها: نسبة الأقوال، وأعلى منها تحرير نسبة هذا القول، وهل هو المذهب أم قول ضعيف أم مشهور؟ وهل هو عند المتقدمين أو المتأخرين؟ فهذه أمور تختص بعلماء جهابذة؛ لأنها تحتاج نفسا طويلا، وباعا قويا، وهو من أقوى ما يميز علماء وفقهاء السلف -رحمهم الله- عن غيرهم: الفقه المقارن أو المقابل. خذ مثالا على ذلك: الإمام ابن جرير الطبري -رحمة الله عليه- في اختلاف الفقهاء في التفسير تجده يقول: وقال بعض العلماء: لا يجوز ذلك، ومنهم فلان وفلان.. ثم يسوق سنده حدثني فلان عن فلان أنه سئل عن كذا وكذا فقال بكذا وكذا، وإذا كان في السند أو الرواية ضعف، بينه، وهذه أمور خدمها علماء السلف -رحمهم الله- سواء في المذاهب الفقهية أو غيرها من العلوم الأخرى.
وينبغي التنبيه على أن الأئمة لهم أسانيد بعضها أقوى من بعض، وأصحاب وكتب بعضها أقوى في الترجيح من بعض، إذا تعارضوا.
وأما المراجع الفقهية، فخذها مرتبة حسب المذاهب(1)
__________
(1) 144]) أخذت المراجع من مذكرة بخط الشيخ -حفظه الله-، كتبها لطلاب كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأضفت عليها من جواب الشيخ حول المراجع من درس البلوغ في الشريط رقم (9) - كتاب الصلاة، ومن أسئلة الدرس الثاني من دروس شرح سنن الترمذي.
وأحيل القارئ الكريم لأخذ نبذة تعريفية عن كل كتاب وميزاته ومكانته بين كتب المذهب، أحيله على كتاب مهم لطالب علم الفقه، يعتبر مدخلا لكتب المذاهب، وهو كتاب: (كتابة البحث العلمي ومصادر الدراسات الفقهية)، لمعالي الدكتور الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان، ط دار الشروق بجدة.
[144]). (1/129)
أ- الحنفية:
1- المتون:
- المختصر(1)[145])، للقدوري.
- كنز الدقائق، للنسفي.
2- الشروح والحواشي:
- فتح القدير، لابن الهمام مع تكملته(2)[146]). (من أكبر شروح الهداية وأوسعها).
- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم مع تكملته.
- حاشية عابدين، لابن عابدين مع تكملته، من أفضل كتب المذهب وأجمعها.
- الاختيار في تعليل المختار، لأبي الفضل الموصلي. احتوى على ما عليه الفتوى في المذهب(3)[147]).
3- الكتب التي تعني بأدلة الحنفية:
- أحكام القرآن، للجصاص (من الكتاب).
- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني (من السنة).
- المبسوط، للسرخسي، (النقلية والعقلية).
- بدائع الصنائع، للكاساني، (النقلية والعقلية).
ب- المالكية:
1- المتون:
- المختصر، لخليل بن إسحاق.
- الرسالة، لابن ابي زيد القيرواني.
2- الشروح والحواشي:
- الشرح الكبير، للدردير (أوضحها وأخصرها).
- مواهب الجليل، للحطاب.
- حاشية الخرشي (اعتنى بالأمثلة).
- منح الجليل، لعليش.
- حاشية البناني (اعتنى بالخلاف في المذهب وحسمه بين الماليكة، ورد تعارض عبارات المختصر).
- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، للدسوقي.
3- الكتب التي تعتني بأدلة المالكية:
- أحكام القرآن، لابن العربي (من الكتاب).
- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (من الكتاب).
- المنتقى، للباجي (من السنة)، مع الأدلة العقلية.
- مسالك الدلالة في بيان أدلة الرسالة، للغماري، مناقشة الأدلة والردود باختصار.
- التمهيد والاستذكار، لابن عبد البر (من السنة)، ويعتني بالردود والمناقشات في المسائل الخلافية.
ج- الشافعية:
1- المتون:
- المهذب، للشيرازي.
__________
(1) 145]) مطبوع مع اللباب في شرح الكتاب، للميداني - بيروت - المكتبة العلمية عام 1400هـ.
(2) 146]) التكملة من باب الوكالة إلى آخر الكتاب، للمولي شمس الدين المعروف بقاضي زاده، (ت 988هـ) رحمه الله.
(3) 147]) مطبوع مع متنه المختار.
- المنهاج (منهاج الطالبين)، للإمام النووي رحمه الله. (1/130)
2- الشروح والحواشي:
- المجموع شرح المهذب، للنووي، اعتنى بالأدلة والردود والمناقشات.
- نهاية المحتاج شرح المنهاج، للرملي الملقب بالشافعي الصغير، وهو من أوسع كتب المذهب، ويعتني بالراجح من الخلاف فيه.
- مغني المحتاج، للشربيني.
- حاشية قليوبي وعميرة.
- حواشي الشرواني والعباد.
3- الكتب التي تعني بأدلة الشافعية:
- أحكام القرآن، إلكيا الهراسي الطبري (من الكتاب).
- فتح الباري، لابن حجر (من السنة).
- شرح النووي على مسلم (من السنة).
- المجموع، للنووي، (العقلية والنقلية).
د- الحنابلة:
1- المتون:
- المقنع، لابن قدامة.
- منتهى الإرادات، للفتوحي.
- الإقناع، للحجاوي.
2- الشروح والحواشي:
- المبدع، لابن مفلح.
- شرح منتهى الإرادات، للبهوتي.
- كشاف القناع، للبهوتي.
3- تحرير المذهب عند اختلاف الروايات والأوجه:
- الإنصاف، للمرداوي، وقد جمعه من مائة وخمسين كتابا في المذهب، وهو من أعظم كتب الحنابلة.
4- أدلة الحنابلة: (النقلية العقلية):
- كتب الإمام ابن قدامة، مثل: العمدة، وهو أخصرها وأجلها، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم المغني.
- كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم.
هـ- الظاهرية:
- المحلى، للإمام أبي محمد علي بن حزم الظاهري، وهو أنفسها وأجمعها، وقد جمع فأوعى، وذكر أدلتهم والردود على ما ورد عليهم من اعتراضات.
و- مذاهب السلف من الصحابة والتابعين، وأقوالهم في المسائل الخلافية: يمكن معرفتها عن طريق المصنفات والكتب التي تعتني بذكر فتاويهم، وهي تأتي على طريقتين: على طريقة الحكاية والتلخيص، فتجدها في المغني والمجموع؛ وأما على الطريقة المسندة، فمن أشهرها ما يلي:
- المصنف، لعبد الرزاق.
- المصنف، لابن أبي شيبة.
- تهذيب الآثار، للإمام المسند العظيم ابن جرير الطبري.
- المحلى، لابن حزم.
ز- الكتب التي تعتني بنقل الإجماع في المسائل الفقهية:
-الإجماع، لابن المنذر. (1/131)
-مراتب الإجماع، لابن حزم.
-مغني ذوي الأفهام، لابن عبد الهادي(1)[148]).
السؤال العاشر
يقول الأخ: نويت أن أقوم بتأليف كتاب، ولكن ينتابني وسواس: أن هذا رياء، وأن لا أكتب اسمي وأرمز بلقبي، فهل هذا حل للوسواس، أم ترون أن أكتب اسمي كاملا ولا أهتم بهذا الوسواس(2)[149])؟
الجواب:
أولا: لا أرى أن كل إنسان -عنت له فكرة التأليف- أن يكتب إلا بشروط ثلاثة:
أ- الأهلية في العلم والتأليف: وتكون بشهادة أهل العلم للشخص.
جلس الإمام مالك رحمه الله ذات يوم بين طلابه، فسأل سائل عن مسألة، فأجابه عبد الرحمن بن القاسم العتقي، وهو من أصحاب مالك، فغضب مالك رحمه الله وقال: لا ينبغي لأحد أن يفتي حتى يشهد له من هو خير منه أنه أهل للفتوى، والله ما أفتيت الناس حتى شهد لي سبعون من أهل هذا المسجد -يعني مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- أني أهل للفتوى(3)[150])، فلا ينبغي التصدر الكامل للفتوى والتأليف، إلا ممن شهد له أهل العلم بأنه أهل لهذا المقام.
فالعين تبصر ما دنى ونأى ... ... ... ولا ترى ما بها إلا بمرآة
ويعلم الله(4)[151]): أنني عرض علي مجلس أفضل من هذا المجلس، في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصغر سنا من الآن، وامتنعت؛ لأن التصدر يحتاج إلى أهلية.
أما كون الإنسان يجمع من هنا وهناك، ويعيد صياغة العبارات، ثم يخرجها، وتحسب على أنها كتب علمية فلا.
__________
(1) 148]) للشيخ -حفظه الله- درسا مستقلا في كيفية كتابة البحوث الفقهية والاستفادة من المصادر والمراجع ضمن أشرطة شرح عمدة الفقه. للتوسع يمكن الرجوع إليها.
(2) 149]) بتصرف، من سؤال في دروس شرح عمدة الفقه، في باب الطلاق، وبتصرف من مقدمة دروس شرح عمدة الأحكام عند قول المصنف رحمه الله: فقد سألني.
(3) 150]) ذكره الحافظ الذهبي رحمه الله في السير. انظر نزهة الفضلاء (3/621).
(4) 151]) من شرح دروس عمدة الأحكام -كتاب الحج- عام 1414هـ.
والأهلية تحتاج إلى أمور ثلاثة: (1/132)
أ- علم موروث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- سنوات طويلة من طلب العلم، وكان السلف ربما جلس الواحد منهم عند العالم ثلاثين عاما، قبل أن يتصدر للتدريس.
ج- عقل؛ لان الإنسان قد يكون عالم ولا عقل له. والعلماء ثلاثة مراتب:
أ- عالم عقله أكبر من علمه، عنده علم قليل، ولكن عنده حكمة وبصيرة في توجيه الناس وإرشادهم إلى ما يكون فيه خير كثير.
ب- عالم علمه أكبر من عقله، عنده علم كثير ويحفظ ويقرأ، ولكنه لا يحسن وضع الأمور في نصابها.
ج- عالم استوى عقله وعلمه، وهذه مرتبة الكمال، فلا بد من الأمرين للمتصدر.
العلم: وهو الركيزة الأولى، والعقل: الذي يعرف به محاسن الأمور ومساوئها، وهذه الركيزة الثانية.
وأما التصدر الجزئي فيكفي فيه علم الشخص بالمسألة التي يتكلم فيها.
ومن لم يتوفر فيه هذا الشرط، فليتق الله في نفسه وفي المسلمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من اتخاذ الجهال رؤوسا في توجيه الأمة وتعليمها، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)(1)[152]).
ولأن من ألف فقد عرض عقله على الناس في طبق، فإما أن يرى منه عقل كامل، أو ما هو دون ذلك.
إضافة إلى مدح الناس وثنائهم عليه بالخير أو ذمهم، ولذلك قالوا: من ألف فقد استهدف، أي صار هدفا للناس في المدح أو الذم.
وكان علماء السلف إذا الفوا، عرضوا مؤلفاتهم على علماء عصرهم حتى يشهدوا بأهلية المؤلف(2)[153]).
__________
(1) 152]) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو وعائشة رضي الله عنهما.
(2) 153]) ومن ذلك عرض الإمام البخاري رحمه الله كتابه بعد تأليفه على كبار حفاظ عصره، كالإمام أحمد، وابن المديني، وابن معين -رحمة الله على الجميع-.
ب-أن توجد الحاجة لهذا التأليف: وهي من علامات وثمرات الإخلاص وإرادة وجه الله، أما إذا لم توجد حاجة، فلماذا يؤلف الإنسان! وما وجد هذا الزخم والغثاء في التآليف المعاصرة إلا حين فقد هذا الشرط، وصار كل من اشتهى ألف، ولذلك انظر إلى السلف الصالح -رحمة الله عليهم- ما كانوا يؤلفون حتى يلح عليهم في الطلب ويسألوا(1)[154]). (1/133)
ولله أمر عجيب: أن ترى من يؤلف اليوم في مسالة قتلت بحثا من علماء سلفنا الصالح -رحمة الله عليهم-، وأنهوا الكلام فيها واستوعبوها بحثا، وكفونا فيها المؤنة.
فيأتي هذا ويقول: أحكام الوضوء، والثاني يؤلف في أحكام السواك أو الطهارة، وكلها مسائل ليست طارئة أو نازلة، بل ربما من المسائل التي هي من الفروع الواضحة، والتي قل أن يخلو منها كتاب.
فيأتي هذا -وليته يكتفي بالنقل المقيد-، لا.. بل المصيبة أنه يجمع من كتب بعض المذاهب الزلات والهنات، ويطلق لسانه بالسب والشتم والثلب وانتقاص العلماء، وربما نقل عبارة لكي يعلق عليها بصفحات يثرب فيها على من ألف قبله، وهذا خطأ، وإلا لما ألف أحد(2)[155]). نسأل الله السلامة والعافية.
بل ربما نصب نفسه حكما بين فحول الأئمة والعلماء، كالإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحمة الله عليهم-.
__________
(1) 154]) انظر مقدمة كل من: الإمام مسلم رحمه الله لصحيحه، وخليل صاحب المختصر، وعمدة الأحكام، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي - فقد صرحوا في مقدماتهم بأن من سبب تأليفهم الإلحاح عليهم والطلب في التأليف-، ونظم العمريطي، للورقات حيث قال:
وقد سئلت مدة في نظمه
مسهلا لحفظه وفهمه
فلم أجد مما سئلت بدا
وقد شرعت في مستمدا
وقال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في مقدمة سلم الوصول:
سألني إياه من لا بد لي ... ... ... من امتثال سؤله الممتثل
(2) 155]) قال بعض الفضلاء:
الناس لم يؤلفوا في العلم
حتى يكونوا غرضا للذم
ما ألفوا إلا ابتغاء الأجر
والحسنات وجميل الذكر
مواقف كان يهابها العلماء الحفاظ الأتقياء، ويأتي هذا يزعم أنه أتى بالقول الفصل الذي لا ينبغي اتباع قول غيره(1)[156])، ويخرج على الناس في المسائل بأشذ وأضعف قول عند السلف. نعم هناك تعصب ولا شك، والإنسان ليس بكامل. (1/134)
والتعصب جبلة، والمعصوم من عصمه الله من التعصب لغير الحق، والمبالغة في ذلك حتى يخرج الإنسان فيها عن حد الشرع لا تحمد.
ولا نقصد بهذا الكلام تقديس أقوال العلماء، لكن أن نعرف قدرنا ومن نحن بعد الله لولا كتبهم وعلمهم، والتآليف أمانة، والناس إذا قرأت لك أو استمعت لمحاضرتك أو دروسك تأتمنك على الدين.
ج- أن يكتب وهو يريد وجه الله والدار الآخرة، ونفع الأمة، لا الرياء والشهرة، ولا مزاحمة الغير. ولما ألف الإمام مالك رحمه الله موطأه، ألف الناس الموطآت، فقالوا له: يا أبا عبد الله.. كثرت الموطآت، فقال: ستعلمون ما أريد به وجه الله(2)[157]).
والآن -بالله عليكم- هل تعرفون موطأ غير موطأ الإمام مالك برواية محمد بن الحسن أو يحيى بن يحيى الليثي، اندثرت كل تلك الموطآت، فالأمور التي يقصد بها غير وجه الله عز وجل، غالبا تكون وبالا على صاحبها، فما كان لله دام واتصل.
ثانيا: التأليف لا يدل دائما على العلم:
__________
(1) 156]) روى أبو نعيم رحمه الله في الحلية عن سعيد بن سليمان قال: قلما سمعت مالكا يفتي بشيء إلاتلا هذه الآية: ((إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين)) [الجاثية:32].
(2) 157]) الديباج (ص:26).
فبعض الناس قد يعجز أثناء درسه عن إباحة كل ما في نفسه من علم، ويكون علمه مختبئا، لا يظهر إلا إذا أمسك قلمه، والبعض العكس، وبعض العلماء جمع الله له بين التدريس والتأليف، وهذا موجود في كتب التراجم، تجد بعضهم أثني عليه في التدريس، ولم يثن عليه في التأليف؛ ولذلك اليوم تجد البعض من العلماء وعاء من أوعية العلم، حافظا يستحضر الشتات في المسألة، لكن لو سألته عن نازلة، لا يحسن الفتوى فيها، ولله تعالى في خلقه شؤون وحكم. (1/135)
ولا مانع أن تؤلف وتنفع إخوانك، ولو أخذت كتابا من كتب السلف، أخرجته للنور -تحتسب عند الله الأجر، ويكون لك مثل أجر مؤلفه ووفاء لحقهم علينا- لكان أجدى من هذا الزخم الموجود في المكتبات، والذي لا نحتاجه.
السؤال الحادي عشر
نرجو من فضيلة شيخنا الكريم أن يعطينا بعض الأشياء عن حياة والده وبعض المواقف من سيرته(1)[158])؟
الجواب:
هذا سؤال مفاجئ، والشخص إذا فوجئ بالسؤال لا يستحضر، لكن من أهم الأمور التي كنت ألمسها في الوالد -رحمة الله عليه-:
أ- قضية إخلاص العمل لله جل جلاله. أذكر أني ذات مرة راجعته في مسألة فيها دخل من الدنيا، فقال لي كلمة قد يقولها عوام الناس، ولكن والله كان لها عظيم الأثر في قلبي إلى الآن، قال: يا بني.. إن الله عليم بذات الصدور - أي بحقائقها من إرادة وجهه أو إرادة الدنيا -، فقال: بذات الصدور، والله هذه الكلمة إلى الآن في قلبي، كل ما وجدت شيئا من دخل الدنيا تذكرتها.
__________
(1) 158]) من محاضرة (وصايا لطالب العلم)، و (بتصرف) من محاضرة (قبسات من حياة النبي صلى الله عليه وسلم)، ألقيت في الدمام بتاريخ 5/6/1412هـ.
ب-مما لسمته منه -رحمة الله عليه-: كثرة العبادة الخفية،كان يجلس مع الناس ولا تظهر عليه كثرة العبادة، ولكن ما إن يخلو في جوف الليل حتى أسمع نشيجه وبكاؤه من غرفته -رحمة الله عليه-، وكان كثير قيام الليل، حتى أني أذكر أن بعض المشايخ في بعض المحاضرات استبعد أن يختم الشخص القرآن في ليلة، وجرى بينه وبينه كلام، وقلت: إن ذلك ممكن، خاصة في ليالي الشتاء، وإن كان -طبعا- خلاف السنة كما تعلمون، أن لا يختم في أقل من ثلاث. (1/136)
فذكرت ذلك للوالد، فقال: ليس ببعيد، بل هو سهل جدا وبسيط، فلم أزل معه وكأني مع المحاضر أشكك في ذلك حتى قال لي: يا بني.. الحمد لله مرت علي في بداية الطلب سنوات أستفتح بعد العشاء بالقرآن ولا يأتي السحر إلا وأنا في آخر القرآن. رحمة الله عليه.
ج-ومما عرف به: الورع والحرص على أكل الحلال. يقول لي العم: محل اتفاق عندنا أنه ما كان عنده صبوة إلى الحرام.
د-وكان أهم شيء عنده: الوقت، منذ بداية الطلب، يذكر لي أحد كبار السن عن خال له من أقرباء الشيخ الذي ارتحل الوالد لأخذ العلم عنه، يقول: وكان لا يخالط الطلاب إلا إذا كانت هناك فائدة، ولا يأنس بكل أحد -رحمة الله عليه-، وأنا لا أذكر أنه دخل المنزل وكان الوقت وقد صلاة وجلس دون أن يبدأ بالصلاة، حتى في مرض موته، كان يصلي جالسا ما كتب الله له، ثم ينقلب على فراشه.
وله مكتبة فيها ما لا يقل عن أربعة آلاف كتاب، ما فيها كتاب إلا وقرأه من جلدته إلى جلدته.
هـ- ووجدت فيه خصلة، أنه لا يمكن أن يتكلم في شيء يجهله، ولو كان من أوضح الواضحات، وكان يستشهد بقول الله تعالى: ((قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين)) [ص:86]، وإذا أعطاك المسالة يعطيك إياها عن تحرير، وهذا من أجل نعم الله على طالب العلم: أن يرزقه الله عدم تكلف شيء لا يعرفه، وهو دليل على أمانته ووقوفه عند حدود الله.