صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : قوت القلوب
المؤلف : أبو طالب المكي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقد روينا في الأثر: من لم يعرف نعم الله تعالى عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه؛ هذا مع سوابغ العوافي والكفايات والوقايات، ويقال: إن في باطن الجسم من النعم سبعة أضعاف النعم التي في ظاهره، وإن في القلب من النعم أضعاف ما في الجسم كله من النعم، وإن نعم الإيمان بالله تعالى والعلم واليقين أضعاف نعم الأجسام والقلوب؛ فهذه كلها نعم مضاعفة على نعم مترادفة لا يحصيها إلا من أنعم بها ولا يعلمها إلا من خلقها، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، سوى نعم المطعم والمشرب والملبس والمنكح من دخول ذلك وخروجه وكثرة تكرره وتزايده بأن أدخل مهناه وأخرج أذاه وبأن طيب مدخله ويسر مخرجه وبقى منفعته وما أحال من صورته وغير من صفته فللتزهيد والذلة والاعتبار والتذكرة؛ وتلك أيضا نعم، قال: يقال إن الرغيف لا يستدير حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صنعة من السماء والأرض وما بينهما من الأجسام والأعراض والأفلاك والرياح والليل والنهار وبني آدم وصنائعهم والبهائم ومعادن الأرض، أولها ميكائيل الذي يكيل الماء من الخزائن فيفرغه على السحاب ثم السحاب التي تحمله فيرسله ثم الرياح التي تحمل السحاب والرعد والبرق والملكان اللذان يسوقان السحاب وآخرها الخباز فإذا استدار رغيفا طلب سبعة آلاف صانع كل صانع أصل من أصول الصنائع؛ فهذه كلها نعم في حضور رغيف فكيف بمازاد عليه مما وراءه، فعلى العبد بكل نعمة شكران طولب بشكرنعمة واحدة علي حقيقتها هلك إلا أن تغمده رحمة من ربه فتغمره لتمام النعمة.
وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة، فقال: هل تدري ماتمام النعمة؟ قال: لا، قال: دخول الجنة وقيل لبعض الحكماء: ما النعيم؟ قال: الغني فإني رأيت الفقير لا عيش له، قيل: زدنا، قال العافية فإني رأيت السقيم لا عيش له قيل: زدنا قال: الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له، قيل: زدنا، قال: الشباب فإني رأيت الهرم لا عيش له، قيل: زدنا، قال: لا أجد مزيدا، وبعض ما ذكره هو أحد الوجوه في قوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) الأحقاف: 20 قيل: الشباب وقيل: الفراغ وقيل الأمن والصحة، وفي قوله تعالى:(وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) آل عمران: 152 قيل: العوافي والغنى، وبمعناه في قوله تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) لقمان: 20 قيل: ظاهرة العوافي وباطنة البلاوي لأنه سبب نعيم الآخرة ومزيدها لقوله تعالى: (ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) البقرة:155، وقد جاء في الخبر: من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وأنشدت في معناه لبعض أهل القناعة:
إذا القوت تأتي لك ... والصحة والأمن
وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن
وأنشد الآخر:
كن وفلقة خبز ... وكوز ماء وأمن
ألذ من كل عيش ... يحويه سحب وسجن
وحدثونا أن عابدا عبد الله تعالى سبعين عاما، فأرسل الله تعالى إليه ملكا يبشره بدخول الجنة برحمة الله تعالى، فهجس في نفسه بل بعملي فاطلع الله تعالى على ذلك منه فأوحى إلى عرق ساكن من عروقه أن تحرك عليه، قال: فاضطرب لذلك وقلق وانقطعت عبادته وذهبت أعماله شغلا منه بنفسه وقلق بنفسه، ثم أوحى الله تعالى إلى العرق أن اسكن فسكن، فرجع العبد إلى عبادته فأوحى الله تعالى إليه إنما قيمة عبادتك عرق واحد سكن من عروقك فاعترف.

(1/294)


وروينا معناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف آخر أن رجلا عبد الله سبعين عاما قال: فيأمر الله عز وجل به إلى الجنة برحمته فيقول: بل بعملي فيقول الله عز وجل: أدخلوا عبدي الجنة بعمله قال: فيمكث في الجنة سبعين عاما فيأمر الله تعالى به أن يخرج، ويقال له: قد استوفيت ثواب عملك قال: فيسقط في يديه ويندم فينظر أقوى شيء كان في نفسه بينه وبين ربه فإذا هوالرجاء وحسن الظن فيقول: يارب اتركني في الجنة برحمتك لا بعملي قال: فيقول الله عز وجل: دعوا عبدي في جنتي برحمتي، وحدثت عن رجل شكا إلى بعض أهل المدينة فقره وأ ظهر لذلك غمه فقال له الرجل: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف؟ قال: لا، قال: فيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف قال: لا، قال: فيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرة آلاف، قال: لا، قال: فيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف؟ قال: لا، قال: أفما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا وهذا كما قال لأن في الإنسان قيم هذه الأشياء من الجوارح وزيادة من المال لأنها ديات جوارحه لو قطعت.
وحدثني بعض الشيوخ في معناه أن بعض القراء المقربين اشتد به الفقر حتى أحزنه وضاق به ذرعا، قال: فرأى في المنام كأن قائلا يقول له تود أنا أنسيناك سورة الإنعام وأن لك ألف دينار؟ قال: لا، قال: فسورة هود؟ قال: لا، قال: فسورة يوسف، قال: لا، قال: فمعك قيم مائة ألف وأنت تشكو الفقر فأصبح وقد سرى عنه همه، وهكذا جاء في الخبر: تغنوا بالقرآن أي استغنوا به ومن لم يستغن بآيات الله تعالى فلا أغناه الله عز وجل وإن القرآن هو الغنى الذي لا فقر معه ولا غنى بعده، ومن آتاه الله القرآن فظن أن أحدا أغنى منه فقد استهزأ بآيات الله تعالى، وفي لفظ آخر: فقد استخف بما أنزل الله عز وجل، وفي الخبر: من لم يتغن بالقرآن فليس منا، وفي الخبر المجمل كفى باليقين غنى والقرآن هو حق اليقين.
وروينا عن بعض السلف يقول الله عز وجل: إن عبدا أغنيته عن ثلاث فقد أتممت عليه نعمتي عن سلطان يأتيه وطبيب يداويه وعما في يد أخيه.
وروينا في مناجاة أيوب عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى أوحى إليه: ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان فإذا شكر على نعمائي قال الملكان: اللهم زده نعما على نعمه، فإنك أهل الشكر والحمد فكن من الشاكرين قريبا وزدهم شكرا وزدهم من النعماء وكفى بالشاكرين ياأيوب علو الرتبة عندي وعند ملائكتي، فأنا أشكر شكرهم وملائكتي تدعو لهم والبقاع تحبهم والآثار تبكي عليهم فكن لي ياأيوب شاكرا ولآلائي ذاكرا ولا تذكرني حتى أذكرك ولا تشكرني حتى أشكر أعمالك أنا أوفق أوليائي لصالح الأعمال وأشكرهم على ما وفقتهم وأقتضيهم الشكر ورضيت به مكافأة فرضيت بالقليل عن الكثير وتقبلت القليل وجازيت عليه بالجزيل وشر العبيد عندي من لم يشكرني إلا في وقت حاجته، ولم يتضرع بين يدي إلا في وقت عقوبته وذكر الكلام وقد جعل الله تعالى الشاكرين بوصف الصالحين والمقربين والعالمين؛ وهذه الأوصاف الثلاث من أعالي مقامات الموقنين، فقال عز وجل: وقليل من عبادي الشكور كما قال الله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) ص:24 وكما قال في وصف المقربين: (ثلة من الأولين) (وقليل من الآخرين) الواقعة: 13 - 14 وكما قال عز وجل: (ما يعلمهم إلا قليل) الكهف:22

(1/295)


وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: سلوا الله العافية وما أعطى عبد أفضل من العافية إلا اليقين ففضل العافية على كل عطاء ورفع اليقين، فوق العافية لأن بالعافية يتم نعيم الدنيا واليقين معه وجود نعيم الآخرة؛فلليقين فضل على العافية كفضل الدوام على الانتقال، والعافية سلامة الأبدان من الأسقام والعلل واليقين سلامة الأديان من الزيغ والأهواء: فهاتان نعمتان تستوعبان عظيم الشكر من العبد كما استوعب القلب والجسم جسيم النعم من الملك، ومن أقوى المعاني في قوله تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون) (إلا من أتى الله بقلب سليم) الشعراء:88 - 89 قيل: سالم من الشك والشرك والسالم الصحيح المعافى وبوجود عافية اليقين في القلوب عدم الشك والنفاق وهي أمراض القلوب، كما قال تعالى: (في قلوبهم مرض) البقرة: 10 قيل: شك ونفاق وعافية القلب أيضا من الكبائر كما قال تعالى: (فيطمع الذي في قلبه مرض) الأحزاب:32 يعني الرياء، ويقال: ما من مصيبة إلا ولله تعالى فيها خمس نعم؛ أولها: أنها لم تكن في الدين ويقال كل مصيبة في غير الدين فهي طريق من الدين، والثانية: إنها لم تكن أكبر منها، والثالثة: أنها كانت مكتوبة عليه لا محالة فقد نفدت واستراح منها، والرابعة: إنها عجلت في الدنيا ولم تؤجل في الآخرة فتعظم على مقدار عذاب الآخرة، والخامسة: أن ثوابها خير منها فإن المصيبة إذا كانت في أمر الدنيا فإنها طريق إلى الآخرة وعندنا في قوله تعالى: (إن الإنسان لظلوم كفار) إبراهيم: 34 قيل: ظلوم بالتسخط كفار بالمعاصي وبالنعم، وحدثت أن العباس رضي الله عنه لما توفي قعد ابنه عبد الله رضي الله عنه للتعزية فدخل الناس أفواجا يعزونه فكان فيمن دخل أعرابي فأنشده:
اصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية بعد صبر الراس
خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس
فقال ابن عباس: ماعزاني أحد تعزية الأعرابي واستحسن ذلك، وفي قوله تعالى: (إن الإنسان لربه لكنود) العاديات: 6 قيل: هو الذي يشكو المصائب وينسى النعم، ولو علم أن مع كل مصيبة عشر نعم بحذائها وزيادة قلت شكواه وبدلها شكرا، ثم إن المصائب لا تخلو من ثلاثة أقسام كلها نعم من الله تعالى، إما أن تكون درجة وهذا للمقربين والمحسنين، واما أن تكون كفارة، وهذا لخصوص أصحاب اليمين وللأبرار،أو تكون هذا عقوبة وهذا للكافة من المسلمين، فتعجيل العقوبة في الدنيا رحمة ونعمة ومعرفة هذه النعم طريق الشاكرين، ومن أفضل النعم عند العلماء نعمة الإيمان ثم دوامه، لأن دوام الشيء نعمة ثانية لأنه بحكم ثان عن مشيئة ثانية لأن الإرادة منه تعالى بحكم الإظهار لا توجب دوام المظهر فكان الشيء يظهر بإرادته ثم يتلاشى كأن لم يكن إلا أن يحكم سبحانه وتعالى حكما ثانيا بنعمة ثانية بالثبات والدوام إذ لو لم يرد دوام السموات والأرض ما داما ولو لم يرد دوام ثبات الجبال ما ثبتت، كذلك لو لم يرد دوام الإيمان وثباته في القلوب بعد الكتب لظهر بالكتب ثم انمحى ورجع القلب إلى الكفر لكنه أنعم نعما لا تحصى بدوامه وثباته في القلب، ومنه قوله تعالى: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) الرعد:39 أي يمحو ما لايشاء ثبوته ويثبت ما يحب ولا يستطيع العبد شكر نعمة الإيمان ومعرفة بداية التفضل به وقديم الإحسان من غير قدم من العبد ولا استحقاق بل بفضل الله وبرحمته، وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى: (كلا لما يقض ما أمره) عبس: 23 أي لا يقضي العبد أبدا شكر ما أمره الله تعالى من نعمة الإسلام الي هي أصول النعم في الدنيا والآخرة وهي سبب النجاة من النار ومفتاح دخول الجنة ولا أول للعبد فيها ولاشفيع كان له إلى الله تعالى بها ثم دوام ذلك وثباته مع الطرف والأنفاس بمدد منه نعم مترادفة.

(1/296)


ومن هذا قوله تعالى: (كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) المجادلة:22 أي قواهم بمدد يثبته ويقويه وهو معنى قوله تعالى:(يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) إبراهيم:27 ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: يامقلب القلوب أي عن الإيمان ومقلبها في الشك والشرك ثبت قلبي على طاعتك، ومعرفة هذه النعمة اللطيفة العظيمة تستخرج من القلب خوف سوء الخاتمة لمشاهدة سرعة تقليب القلب بالمشيئة وذلك مزيد شكرها وهذا داخل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أحبوا الله تعالى لما أسدى إليكم من نعمه ولما يغذوكم به أيضا، فمن أفضل ما غذانا به نعمة الإيمان له والمعرفة به وغذاؤه لنا منه دوام ذلك ومدده بروح منه وتثبيتنا عليه في تصريف الأحوال إذ هو أصل الأعمال التي هي مكان النوال، فلو قلب قلوبنا عن التوحيد كما يقلب جوارحنا في الذنوب، ولو قلب قلوبنا في الشك والضلال كما يقلب نياتنا في الأعمال أي شيء كنا نصنع وعلى أي شيء كنا نعول وبأي شيء كنا نطمئن ونرجو؛ فهذا من كبائر النعم ومعرفته هو من شكر نعمة الإيمان والجهل بهذا غفلة عن نعمة الإيمان يوجب العقوبة وادعاء الإيمان أنه عن كسب معقول أو استطاعة بقوة وحول هو كفر نعمة الإيمان وأخاف على من توهم ذلك أن يسلب الإيمان لأنه بدل شكر نعمة الله كفرا.
وقد جعل الله تعالى الخيرات من كسب الإيمان وليس لنا فيما يكسبنا الخيرات مكان بل الله تعالى من علينا أن هدانا للإيمان وجعله سببا يكسب لنا بإحسانه الإحسان كما قال تعالى: (أو كسبت في إيمانها خيرا) الأنعام:158 قيل التوبة، وقيل: الصالحات كلها كسب الإيمان ومن النعم بعد الإيمان توفيقنا للحسنى وتيسيرنا لليسرى، ثم صرف الكفر وأخلاق الكفرة وأعمالهم ثم تزيين الإيمان وتحبيبه إلينا وتكريه الفسوق والعصيان فضلا منه ونعمة إلى ما لا يحصى من نعمه فشكر ذلك لايقام به إلا بما وهب أيضا وأنعم به من المعرفة بذلك والمعونة عليه، والحياء من تتابع النعم هو من الشكر والمعرفة بالتقصير عن الشكر شكر، والاعتذار من قلة الشكر شكر، والمعرفة بعظيم الحلم وكثيف الستر شكر، والاعتراف بما أعطى من حسن الثناء وجميل النشر أنه من النعم من غير استحقاق من العبد بل هو مضاف إلى نعمه بل هو من الشكر، وحسن التواضع بالنعم والتذلل فيها شكر، وشكر الخلق بالدعاء لهم وحسن الثناء عليهم لأنهم ظروف العطاء وأسباب المعطى تخلقا بأخلاق المولى جل وعلا هو من الشكر، وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر، وتلقي النعم بحسن القبول وتكثير تصغيرها وتعظيم حقيرها من الشكر، لأن طائفة هلكت باستصغار الأشياء واستحقار وجود المنافع بها جهلا بحكمة الله تعالى واستصغار النعمة فكان ذلك كفرا بالنعم، ومن الناس من يقول إن الصبر أفضل من الشكر وليس يمكن التفضيل بينهما عند أهل التحصيل من قبل أن الشكر مقام لجملة من المؤمنين والترجيح بين جماعة على جماعة لا يصح من قبل تفاوتهم في اليقين في المشاهدات لأن بعض الصابرين أفضل من بعض الشاكرين لفضل معرفته وحسن صبره، وخصوص الشاكرين أفضل من عموم الصابرين لحسن يقينه وعلو مشاهدته، ولكن تفضيل ذلك من طريق الأحوال والمقامات أنا نقول: والله أعلم أن الصبر عن النعيم أفضل لأن فيه الزهد والخوف؛ وهما أعلى المقامات وأن الشكر على المكاره أفضل لأن فيه البلاء والرضا، وأن الصبر على الشدائد والضراء أفضل من الشكر على النعم والسراء من قبل أنه أشق على النفس وأن الصبر مع حال الغنى والمقدرة أن يعصي بذلك أفضل من الشكر على النعم من قبل أن الصبر عن المعاصي بالنعم أفضل من الطاعة بها لمن جاهد نفسه فيها، فإذا شكر على ما يصبر عليه فقد صار البلاء عنده نعمة، وهذا أفضل لأنها مشاهدة المقربين، وإذا صبر عما يشكر عليه من النعم كان أفضل لأنها حال المجاهدة.

(1/297)


وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل يعني الأقرب شبها بنا فالأقرب، فرفع أهل البلاء إليه ووصف نفسه به وجعلهم الأمثل فالأمثل منه فمن كان برسول الله صلى الله عليه وسلم أمثل كان هو الأفضل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكرا على شدة بلائه كذلك الشاكر من الصابرين يكون أفضل لشكره على البلاء إذ هو الأقرب والأمثل بالأنبياء، وكل مقام من مقامات المقربين يحتاج إلى صبر وشكر، وأحدهما لا يتم إلا بالآخر لأن الصبر يحتاج إلى شكر عليه ليكمل، والشكر يحتاج إلى صبر عليه ليستوجب المزيد، وقد قرن الله تعالى بينهما ووصف المؤمنين بهما فقال: (إن في ذلك لأيات لكل صبار شكور) لقمان: 31 فذكرالشكر بلفظ المبالغة في الوصف على وزن فعول، كما ذكرالصبر على وزن فعال وهو وصف المبالغة أيضا، ولذلك اقتسما الإيمان نصفين، كما جاء في الخبر: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله؛ لأن اليقين أصلهما وهما ثمرتاه عنه يوجدان لأن الشاكر أيقن بالنعمة أنها من المنعم وأيقن بإنجاز ما وعده من المزيد فشكر كما أيقن الصابر بمسه بالبلاء لأنه هو المبتلي وأيقن بثواب المبلي وحسن ثنائه على الصابرين فصبر فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فهما حالا الموقن إذ لا يخلو في أدنى وقت من أحد اثنين؛ بلية وتحية، إذ في كل شيء له آية فحاله في البلية الصبر، وحاله في التحية الشكر، والله يحب الصابرين ويحب الشاكر وهذا آخر شرح مقام الشكر والحمد لله رب العالمين.
شرح مقام الرجاء
ووصف الراجين وهو الرابع من مقامات اليقين
قال الله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء) الشورى:19 وقال: جلت قدرته: (وكان بالمؤمنين رحيما) الأحزاب: 43 وقال تعالى: (ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) الزمر:53 وروينا في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: ولا يبالي أنه هو الغفور الرحيم، وفي الأخبار لمشهورة فقبض قبضة فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي المعنى والله أعلم أن رحمتي وسعت كل شيء فليس يضيق هولاء عنها ولا أبالي بدخولهم فيها، ويكون هؤلاء أيضا في الجنة، ولا أبالي بأعمالهم السيئة كلها، وقال سبحانه وتعالى في وصف المتقين: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله) آل عمران:135 فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله، وقال عز وجل في وصف المتوكلين: (إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) النجم:32 وقال تعالى مخبرا عن الملائكة الحافين حول عرشه: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) الشورى:5 وأخبر عز وجل أن النار أعدها لأعدائه وأنه خوف بها أولياءه، فقال تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده) الزمر:16 ومثله قول عز وجل: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) آل عمران:131 وقال: (فأنذرتكم نارا تلظى) الليل:14 لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وقال تعالى في عفوه عن الظالمين (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) الرعد:6

(1/298)


ورينا أن النبي عليه السلام لم يزل يسأل في أمته حتى قيل له: أما ترضى وقد أنزلت عليك هذه الآية: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) آل عمران:135 وفي تفسير قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) الضحى:5 قال: لا يرضى محمد صلى الله عليه وسلم أن يدخل واحد من أمته النار، وكان أبوجعفر محمد بن علي رضي الله عنه يقول: أنتم أهل العراق تقولون أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى: (ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله) الزمر:53 الآية، ونحن أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب الله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) الضحى: 5 وعده ربه عز وجل أن يرضيه في أمته، وروينا في حديث أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى: أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة جعل عقابها في الدنيا الزلازل والفتن فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجلا من أهل الكتاب فيقال هذا فداؤك من النار، وروينا في لفظ آخر: يأتي كل رجل من هذه الأمة بيهودي أو نصراني إلى جهنم فيقول: هذا فدائي من النار فيلقي فيها، وفي الخبر: إن الحمى من فيح جهنم وهي حظ المؤمنين من النار، وروينا في تفسير قوله تعالى: (يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه) التحريم:8، إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: تريد أن أجعل حساب أمتك إليك؟ فقال: لا يارب أنت خير لهم مني، قال: إذا لا نخزيك فيهم، وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبوي لأني أعلم أن الله تبارك وتعالى أرحم بي منهما.
وروينا في خبر سلمة بن وردان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه تعالى في ذنوب أمته فقال: يارب اجعل حسابهم إلي لئلا يطلع على مساوئهم غيري فأوحى الله تعالى إلىه: هم أمتك وهم عبادي وأنا أرحم بهم منك لا أجعل حسابهم إلى غيري كيلا تنظر في مساوئهم أنت ولا غيرك، وقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال حياتي خير لكم وموتي خيرلكم، أما حياتي فإني أبين لكم السنن وأشرع الشرائع، وأما موتي فأعمالكم تعرض علي فما رأيت منها حسنا حمدت الله عز وجل وما رأيت منها شيئا استغفرت الله عز وجل لكم.
وروينا في الأثر: إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله عز وجل ملائكته وبقاع الأرض معاصيه وبدلها حسنات حتى يرد القيامة وليس شيء يشهد عليه، وكذلك يقال: إن المؤمن إذا عصاه ستره الله تعالى عن أبصار الملائكة كيلا تراه فتشهد عليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: ياكريم العفو، فقال له جبريل عليه السلام: تدري ما تفسير يا كريم العفو هو أنه عفا عن السيئات برحمته ثم بدلها حسنات بكرمه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة، فقال: هل تدري ما تمام النعمة؟ قال: لا، قال: دخول الجنة، وقد أخبرنا الله تعالى أنه قد أتم نعمته علينا برضاه الإسلام لنا؛ فهذا دليل على دخول الجنة، فقال عز وجل: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة: 3 وقد اشتركنا في ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نرجو المغفرة لذنوبنا بفضله، فقال عز من قائل: (ليغفرلك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر يتم نعمته عليك)، و في خبر علي رضي الله عنه: من أذنب ذنبا فستره الله تعالى عليه في الدنيا، فالله تبارك وتعالى أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة، ومن أذنب ذنبا فعوقب عليه في الدنيا فالله تعالى أعدل من أن يثني عقوبته على عبده في الآخرة، وفي لفظ آخر: لا يذنب عبد في الدنيا فيستره الله تعالى عليه إلا غفر له في الآخرة.
وعن بعض السلف: كل عاص فإنه يعصي تحت كنف الرحمن، والكنف من الإنسان حضنه ما بين يديه وصدره، قال: فمن ألقى عليه كنفه ستر عورته ومن رفع عنه كنفه افتضح، ويقال:إن من فضح في الدنيا بذنب فهو كفارته ولا يفضح به في الآخرة.

(1/299)


وفي الخبر: إذا أذنب العبد فاستغفر الله، يقول الله سبحانه وتعالى لملائكته: انظروا إلى عبد أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفرالذنب فيأخذ بالذنب، أشهدكم أني قد غفرت له، وحدثت عن محمد بن مصعب قال: كتب إلى أسود بن سالم بخطه:إن العبد إذا كان مسرفا على نفسه؛ يرفع يديه يدعو يقول: يارب فإذا قال يارب، حجبت الملائكة صوته، فإذا قال الثانية يارب، حجبت الملائكة صوته، فإذا قال الثالثة يا رب حجبت الملائكة صوته، فإذا قال الرابعة يقول الله تعالى حتى متى تحجبوا صوت عبدي عني، قد علم عبدي أنه ليس له رب يغفر الذنوب غيري، أشهدكم أني قد غفرت له، وفي الحديث إذا أذنب العبد حتى تبلغ ذنوبه عنان السماء غفرتها له ما استغفرني ورجاني.
وفي حديث آخر: لو لقيني عبدي بقراب الأرض ذنوبا، لقيته بقرابها مغفرة ما لم يشرك بي شيئا، وفي الخبر: إن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ساعات، فإن تاب واستغفر لم يكتبه عليه وإلا كتبها سيئة، وفي لفظ آخر: فإذا كتبها عليه وعمل حسنة، قال صاحب الشمال وهو أمير عليه: ألق هذه السيئة حتى ألقي من حسناته واحدة من تضعيف العشرة وأرفع تسع حسنات فيلقي عنه هذه السيئة ويقال: إن الله تعالى جعل في قلب صاحب اليمين من الرحمة للعبد أضعاف ما جعل في قلب صاحب الشمال مع أنه أمره عليه، فإذا عمل العبد حسنة فرح بها ملك اليمين، ويقال: فرح بها الملائكة فيكتب للعبد بفرحه الحسنات.
وروينا في حديث أنس بن مالك الطويل: إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه، فقال الأعرابي: فإن تاب؟ محي من صحيفته، قال: فإن عاد؟ قال رسول صلى الله عليه وسلم يكتب عليه، قال الأعرابي: فإن تاب؟ قال محي من صحيفته، قال: إلى متى يارسول الله؟ قال: إلى أن يستغفر: ويتوب إلى الله تعالى، وأن الله لا يمل من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار، فإذا هم العبد بحسنة كتبها صاحب اليمين حسنة قبل أن يعملها فإذا عملها كتبها عشر حسنات ثم ضاعفها الله عز وجل إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بخطيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت خطيئة واحدة وراءها حسن عفوالله تعالى: وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لا أصوم إلا الشهر لا أزيد عليه ولاأصلي إلا الخمس لا أزيد عليهن وليس لله تبارك وتعالى في مالي صدقة ولاحج ولا أتطوع أين أنا إذا مت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: في الجنة، قال: يا رسول الله معك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نعم معي إن حفظت قلبك من اثنين الغل والحسد ولسانك من اثنين: الغيبة والكذب، وعينك من اثنين: النظر إلى ما حرم الله تعالى وإن تزدري بهما مسلما دخلت معي الجنة على راحتي هاتين.

(1/300)


وروينا في الخبر الطويل عن أنس رضي الله عنه: أن الأعرابي قال: يا رسول الله من يلي حساب الخلق؟ قال: الله عز وجل قال:هو بنفسه؟ قال: نعم، قال:فتبسم الأعرابي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مم ضحكت ياأعرابي؟ فقال: إن الكريم إذا قدر عفا وروي تجاوز، وإذا حاسب سامح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق ألا ولا كريم أكرم من اله عز وجل هو أكرم الأكرمين، ثم قال عليه السلام: فقه الأعرابي، وفيه أيضا: إن الله تبارك وتعالى شرف الكعبة وعظمها، ولو أن عبدا هدمها حجرا حجرا ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى، قال الأعربي من أولياء الله؟ قال: المؤمنون كلهم أولياء الله تعالى، أما سمعت الله تعالى يقول: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) البقرة:257، وفي الخبر المفرد عن النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن أفضل من الكعبة، والمؤمن طيب طاهر والمؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة، وفي الخبر المشهورعن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة رضي الله عنهما وكعب الأحبار أنه نظر إلى الكعبة فقال: ما أشرفك وما أعظمك وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، وقد أمر الله سبحانه وتعالى أنبياءه بتطهير بيته لأوليائه إجلالا لهم فشرف البيت بهم، وفي الخبر عن الله تعالى: من أهان وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا الثائر لوليي في الدنيا والآخرة، وفي أخبار يعقوب عليه السلام أن الله تعالى أوحى إلىه: تدري لم فرقت بينك وبين يوسف عليه السلام هذه المدة؟ قال: لا قال:لقولك لإخوته أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون، لم خفت الذئب عليه ولم ترجني له، ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له، ومن سبق عنايتي بك أن جعلت نفسي عندك أرحم الراحمين، فرجوتني ولولا ذلك لكنت أجعل نفسي عندك أبخل الباخلين، فالرجاء هو اسم لقوة الطمع في الشيء بمنزلة الخوف اسم لقوة الحذر من الشيء، ولذلك أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء في التسمية وأقام الحذر مقام الخوف فقال: علت كلمته: (يدعون ربهم خوفا وطمعا) وقال تعالى: (يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) وهو وصف من أوصاف المؤمنين وخلق من أخلاق الإيمان لا يصح إلا به كما لا يصح الإيمان إلا بالخوف، فالرجاء بمنزلة أحد جناحي الطير لايطير إلا بجناحيه، كذلك لا يؤمن من لا يرجو من آمن به ويخافه وهو أيضا مقام من حسن الظن بالله تعالى وجميل التأميل له، فلذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا يموتن أحدكم إلاوهو حسن الظن بالله تعالى لأنه قال عن الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله تعالى ماأحسن عبد بالله تعالى ظنه إلا أعطاه الله تعالى ذلك لأن الخير كله بيده أي فإذا أعطاه حسن الظن بالله تعالى فقد أعطاه ما يظنه لأن الذي حسن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له.
وروينا عن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان الثوري رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) البقرة:195 قال: أي أحسنوا بالله تعالى الظن، وكذلك دخل رسول الله على الرجل وهو في سياق الموت فقال: كيف تجدك؟ فقال: أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي، فقال عليه السلام: ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما رجا وأمنه مما يخاف، ولذلك قال علي كرم الله وجهه للرجل الذي أطار الخوف عقله حتى أخرجه إلى القنوط فقال له: يا هذا أيأسك من رحمة الله تعالى أعظم من ذنبك؟ صدق رضي الله عنه لأن الإياس من روح الله تعالي الذي يستريح إليه المكروب من الذنوب والقنوط من رحمة الله تعالى التي يرجوها المبتلي بالذنوب أعظم من ذنوبه وهو أشد من جميع ذنوبه لأنه قطع بهواه على صفات الله تعالى المرجوة وحكم على كرم وجهه بصفته المذمومة فكان ذلك من أكبر الكبائر وإن كانت ذنوبه كبائر.

(1/301)


وهكذا جاء في التفسير: ولاتلقوا بأيدكم إلى التهلكة قال: هو العبد يذنب الكبائر ويلقى بيده ولا يتوب ويقول: قد هلكت لا ينفعني عمل فنهوا عن ذلك إلا أن الرجاء مقام جليل وحال شريف نبيل لا يصلح إلا للكرماء من أهل العلم، والحياء وهو حال يحول عليهم بعد مقام الخوف، يروحون به من الكرب ويستريحون إلىه من مقارفة الذنب، ومن لم يعرف الخوف لم يعرف الرجاء، ومن لم يقم في مقام الخوف لم يرفع إلى مقامات أهل الرجاء على صحة وصفاء ورجاء، كل عبد من حيث خوفه ومكاشفته عن أخلاق مرجوة من معنى ما كان كوشف به من صفات مخوفة، فإن كان أقيم مقام المخوفات من المخلوقات مثل الذنوب والعبوب والأسباب، رفع من حيث تلك المقامات إلى مقامات الرجاء، بتحقيق الوعد وغفران الذنب وتشويق الجنان وما فيها من الأوصاف الحسان؛ وهذه مواجهات أصحاب اليمين وإن كان أقيم مقام مخاوف الصفات عن مشاهدة معاني الذات مثل سابق العلم وسوء الخاتمة وخفي المكر وباطن الاستدارج وبطش القدرة وحكم الكبر والجبروت، رفع من هذه المقامات إلى مقام المحبة والرضا، فرجا من معاني الأخلاق وأسماء الكرم والإحسان والفضل والعطف واللطف والإمتنان، وليس يصح أن نخبر بكل ما نعلم من شهادة أهل الرجاء في مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين، وهو يفسد من لم يرزقه أشد الفساد فليس يصلح إلا بخصوصة ولا يجديه ولا يستجيب له ولا يستخرج إلا من المحبة ولا محبة إلا بعد نصح القلب من الخوف، وأكثر النفوس لا يصلح إلاعلى الخوف، كعبيد السوء لا يستقيمون إلا بالسوط والعصا ثم يواجهون بالسيوف صلتا، ومن علامة صحة الرجاء في العبد كون الخوف باطنا في رجائه لأنه لما تحقق برجاء شيء خاف فوته لعظم المرجو في قلبه وشدة اغتباطه به، فهو لا ينفك في حال رجائه من خوف فوت الرجاء؛ والرجاء هو ترويحات الخائفين، ولذلك سمت العرب الرجاء خوفا لأنهما وصفان لا ينفك أحدهماعن الآخر، ومن مذهبهم أن الشيء إذا كان لازما لشيء أو وصفا له أو سببا منه، أن يعبروا عنه به فقالوا: مالك لا ترجو كذا وهم يريدون ما لك لا تخاف؟ وعلى هذه اللغة جاء قول الله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا) نوح: 13 أجمعوا على تفسيره: مالكم لا تخافون لله عظمة، وهو أيضا أحد وجهي تفسير قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه) الكهف:110 أي يخاف من لقائه ومثل الخوف من الرجاء، مثل اليوم من الليلة لما لم ينفك أحدهما عن الآخر جاز أن يعبر عن المدة بأحدهما فيقال: ثلاثة أيام وثلاث ليال، ومنه قول الله تعالى مخبرا عن قصة واحدة فقال عز وجل: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) مريم: 10

(1/302)


ثم قال تعالى: (ثلاثة أيام إلا رمزا) آل عمران:41 فلما لم يكن اليوم ينفك عن ليلته والليلة لا تنفك عن يومها أخبر عن أحدهما بالآخر لأن أحدهما يشبه الآخر مندرج فيه، ولا يظهر إلا أحدهما بحكمة الله تعالى وقدرته لتفاوت أحكامه فيهما، وافتراق إنعامه بهما، فإذا ظهر النهار اندرج الليل فيه بقدرته تعالى، وإذا ظهر الليل استتر النهار بحكمه تعالى، وهو حقيقة إيلاجه أحدهما في الآخر، وتحقيق تكويره أحدهما على صاحبه، فكذلك حقيقة الرجاء والخوف في معاني الملكوت إذا ظهر الخوف كان العبد خائفا، وظهرت عليه أحكام الخوف عن مشاهدة التجلي بوصف مخوف، فسمي العبد خائفا لغلبته عليه وبطن الرجاء في خوفه، وإذا ظهر الرجاء كان العبد راجيا وظهرت منه أحكام الرجاء عن مشاهدة تجلي الربوبية بوصف مرجو فوصف العبد به لأنه هو الأغلب عليه وبطن الخوف في رجائه لأنهما وصفان للإيمان كالجناحين للطير، فالمؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه وكلسان الميزان بين كفتيه ومنه قول مطرف: لو وزن خوف المؤمن ورجاءه لاعتدلا فهذا أصل في معرفة حقيقة الرجاء وصدق الطمع في المرجو، فالمؤمنين في اعتدال الخوف والرجاء مقامان؛ أعلاهما مقام المقربين، وهو ما حال عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة والأخلاق المرجوة، والثاني مقام أصحاب اليمين وهو ماعرفوه من بدائع الأحكام وتفاوت الأقسام، من ذلك أنه أنعم سبحانه وتعالى على الخلق بفضله عن كرمه اختيارا لا إجبارا، فلما أعلمهم ذلك رجو تمام النعمة من حيث ابتداؤها، ومن ههنا طمع السحرة في المغفرة لما ابتدؤا بالإيمان فقالوا: إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا إن كنا أول المؤمنين، أي من حيث جعلنا أول المؤمنين من هذا المكان نرجو أن يغفر لنا بأن جعلنا مؤمنين به فرجوه منه، وقد ذم الله تعالى عبدا أوجده نعمة ثم سلبها فأيس من عودها عليه فقال تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور) هود:9 ثم استثنى عباده الصابرين عليه الصالحين له فقال تعالى: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) هود:11

(1/303)


وروي أن لقمان عليه السلام قال لابنه خف الله تعالى خوفا لا تأمن فيه مكره، وارجه رجاء أشد من خوفك، قال: وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟ قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما، ويرجو بالآخر؟ والمعنى أن الخوف والرجاء وصف الإيمان لا يخلو منهما قلب مؤمن، فصار كذي قلبين حينئذ ثم إن الخلق خلقوا على أربع طبقات، في كل طبقة طائفة فمنهم من يعيش مؤمنا ويموت مؤمنا، فمن ههنا رجاؤهم لأنفسهم ولغيرهم من المؤمنين، إذ قد أعطاهم فرجوا أن يتم عليهم نعمته وأن لا يسلبهم بفضله ما به بدأهم، ومن الناس من يعيش مؤمنا ويموت كافرا فهذا موضع خوفهم عليهم وعلى غيرهم لمكان علمهم بهذا الحكم ولغيب حكم الله تعالى بعلمه السابق فيهم، ومن الناس من يعيش كافرا ويموت مؤمنا، ومنهم من يعيش كافرا ويموت كافرا؛ فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم الثاني للمشترك إذا رأوه فلم يقنطوا بظاهره أيضا خوف هذا الرجاء خوفا ثانيا أن يموت على تلك الحال وأن يكون ذلك هو حقيقة عند الله تعالى، فعلم المؤمن بهذه الأحكام الأربعة ورثه الخوف والرجاء معا، فاعتدل حاله بذلك لاعتدال إيمانه به، وحكم على الخالق بالظاهر، ووكل إلى علام الغيوب السرائر، ولم يقطع على عبد بظاهره من الشر، بل يرجو له ما بطن عند الله تعالى من الخير، ولم يشهد لنفسه ولا لغيره بظاهر الخير، بل يخاف أن يكون قد استسر عند الله تعالى باطن شر، إلا أن حال التمام أن يخاف العبد على نفسه ويرجو لغيره لأن ذلك هو وجد المؤمنين من قبل أنهم متعبدون بحسن الظن، فهم يحسنون الظن بالناس، ويخرجون لهم المعاذير بسلامة الصدور، وتسليم ما غاب إلى من إليه تصير الأمور، ثم هم في ذلك يسيئون الظن بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها، ويوقعون الملاوم عليها ولا يحتجون لها لباطن الإشفاق منهم عليهم، ولخوف التزكية منهم لهم، فمن قلب عليه هذان المعنيان فقد مكر به حتى يحسن الظن بنفسه ويسيء ظنه بغيره، فيكون خائفا على الناس، راجيا لنفسه، عاذرا لنفسه، محتجا لها، لائما للناس، ذاما لهم؛ فهذه أخلاق المنافقين، ثم إن للراجي حالا من مقامه ولحاله علامة من رجائه، فمن علامة الرجاء عن مشاهدة المرحو، دوام المعاملة وحسن التقرب إليه وكثرة التقرب بالنوافل لحسن ظنه به وجميل أمله منه، وأنه يتقبل صالح ما أمر به تفضلا منه من حيث كرمه، لا من حيث الواجب عليه، ولا الاستحقاق منا وأنه أيضا يكفر سئ ما عمله إحسانا منه ورحمة من حيث لطفه بنا وعطفه علينا لأخلاقه السنية وألطافه الخفية لا من حيث اللزوم له بل من حيث حسن الظن به، كما قال سفيان الثوري رضي الله عنه: من أذنب ذنبا، فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجا غفرانه غفر الله عز وجل له ذنبه، قال: لأن الله تعالى غير قوما فقال تعالى: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) فصلت:23 وقد قال سبحانه وتعالى في مثله: (وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا) الفتح:12 أي هلكى، ففي دليل خطابه عز وجل أن من ظن حسنا كان من أهل النجاة، وقد جاء في الأثر: إن من أذنب ذنبا فأحزنه ذلك غفر له ذنبه وإن لم سيغفر، ومقام الرجاء كسائر مقامات اليقين منها فرض وفضل، فعلى العبد فرض أن يرجو مولاه وخالقه معبوده ورازقه، من حيث كرمه وفضله، لا من حيث نظره إلى صفات نفسه ولؤمه، وقد كان سهل رحمه الله تعالى يقول: من سأل الله تبارك وتعالى شيئا فنظر إلى شيء وإلى أعماله لا يرى الإجابة حتى يكون ناظرا إلى الله تبارك وتعالى وحده وإلى لطفه وكرمه، ويكون موقنا بالإجابة، ولعمري أن من سأل الله تعالى ورغب إلىه في شيء، ورجاه ناظرا إلى نفسه وعمله، فإنه غير مخلص في الرجاء له تعالى لشركه في النظر إليه، وإذا لم يكن مخلصا لم يكن موقنا، ولا يقبل الله تعالى عملا ولا دعاء إلا من موقن بالإجابة مخلص، فإذا شهد التوحيد ونظر إلى الوحدانية فقد أخلص وأيقن، وهكذا جاء في الخبر: إذا دعوتم فكونوا موقنين بالإجابة، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من موقن ومن داع دعاء بينا من قلبه، لأن من استعمله الله تعالى بالدعاء له فقد فتح له بابا من العبادة.

(1/304)


وفي الخبر: الدعاء نصف العبادة ولايقبل الله تعالى من الدعاء إلا الناخلة بمعنى المنخول وهو الخالص، فأقل ما يعطيه من دعائه أن يكون ذلك حسنة منه، يضعفه له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وأعلاه أن يدخر له في الآخرة ماهو خير له من جيمع الدنيا وما فيها مما لم يخطر على قلبه قط، ويكون ذلك حسن نظر من الله تعالى له واختيار، وأوسط ذلك أن يصرف عنه من البلاء الذي هو لو كان علمه كان صرفه أهم عليه وأحب إليه مما سأل فيه، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من داع دعا موقنا بالإجابة في غير معصية ولا قطيعة رحم، إلا إعطاه الله تعالى إحدى ثلاث؛ إما أن يجيب دعوته فيما سأل، أو يصرف عنه من السوء مثله، أو يدخر له في الآخرة ما هو خير له، وفي أخبار موسى عليه السلام: يارب أي خلقك أنت عليه أشد تسخطا؟ فقال تعالى: من لم يرض بقضائي، ومن يستخيرني في أمر فإذا قضيت له كره ذلك، وفي الخبر الآخر: إنه قال يارب أي الأشياء أحب إليك وأيها أبغض؟ فقال سبحانه وتعالى: أحب الأشياء إلي الرضا بقضائي وأبغضها إلي أن تطري نفسك.
وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم: أنه قال للرجل الذي قال: أوصني فقال: لاتتهم الله تعالى في شيء قضاه عليك، وفي الخبر الآخر: أنه نظر إلى السماء وضحك صلى الله عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال: عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن في كل قضائه له خير، إن قضي له بالسراء رضي؛ وكان خيرا له وإن قضي عليه بالضراء رضي به وكان خيرا له، ومن حسن الظن بالله تعالى لطف التملق له سبحانه وتعالى، وهو من قوة الطمع فيه، وفي خبر: حسن الظن بالله عز وجل من حسن عبادة الله عز وجل، كما روينا في تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) البقرة:73 إن الكلمات هي قوله عليه السلام: يارب هذا الذنب الذي أصبته كان من قبل نفسي أو من شيء سبق في علمك قبل أن تخلقني قضيته علي، فقال:بل شيء سبق في علمي كتبته عليك، قال: يارب فكما قضيته علي فاغفر لي، قال: فهي الكلمات التي لقاه الله تعالى إياها.
وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ قال: فإن لقن الله تعالى العبد حجته قال: يارب رجوتك وخفت الناس، قال: لقد غفرت له، وفي الخبرالمشهور: أن رجلا كان يداين الناس فيسمح لهم ويتجاوز عن المعسر فلقي الل تعالى ولم يعمل خيرا قط، فقال الله تعالى سبحانه وتعالى: نحن أحق بذلك منك قال: فغفر له برجائه وظنه، ثم يتفاوت الراجون في فضائل الرجاء، فالمقربون منهم رجوا النصيب الأعلى من القرب والمجالسة والتجلي بمعاني الصفات مما عرفوه؛ وهذا عن علمهم به وأصحاب اليمين من الراجين رجوا النصيب الأوفر من مزيده والفضل الأجزل من عطائه يقينا بما وعد، ومن الرجاء: انشراح الصدر بأعمال البر وسرعة السبق والمبادرة بها خوف فوتها ورجاء قبولها، ثم مهاجرة السوء ومجاهدة النفس رجاء انتجاز الموعور وتقربا إلى الرحيم الودود، ومنه قول أصدق القائلين: (إن الذين آمنواوالذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله) البقرة:218 وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرة والمجاهدة فقال المهاجر: من هجر السوء، والمجاهد: من جاهد نفسه في الله تعالى، وأقام الصلاة التي هي خدمة المعبود، وبذل المال سرا وعلانية وقليلا وكثيرا، وأن لا يشتغل عن ذلك بتجارة الدنيا، كما وصف الله سبحانه وتعالى المحققين من الراجين إذ يقول عز من قائل: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) فاطر: 29

(1/305)


ومن الرجاء القنوت في ساعات الليل؛ وهو طول القيام للتهجد، والدعاء عند تجافي الجنوب عن المضاجع لما وقر في القلوب من المخاوف، ولذلك وصف الله الراجين بهذا في قوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر: 9 فسمى أهل الرجاء والحذر وأهل التهجد آناء الليل علماء، وحصل من دليل الكلام: أن من لم يخف ولم يرج غير عالم لنفيه المساواة بينهما، وهذا مما يحذف خبره اكتفاء بأحد وصفيه إذ في الكلام دليل عليه فالرجاء هو أول مقام من اليقين عند المقربين وهو ظاهر أوصاف الصديقين، ولايكمل في قلب عبد، ولا يتحقق به صاحبه حتى يجتمع فيه هذه الأوصاف؛ الإيمان بالله تعالى، والمهاجرة إليه سبحانه وتعالى، والمجاهدة فيه وتلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله تعالى، ثم السجود آناء الليل، والقيام والحذر مع ذلك كله؛ فهذه جملة صفات الراجين، وهو أول أحوال الموقنين ثم تتزايد الأعمال في ذلك ظاهرا وباطنا بالجوارح والقلوب عن تزايد الأنوار والعلوم ومكاشفات الغيوب بالأوصاف الموجودة وفصل الخطاب، إن الخوف والرجاء طريقان إلى مقامين؛ فالخوف طريق العلماء إلى مقام العلم، والرجاء طريق العمال إلى مقام العاملين، وقد وصف الله عز وجل الراجين مع الأعمال الصالحة لقوة رجائهم بالخوف، تكملة لصدق الرجاء وتتمة لعظيم الغبطة به، فقال تعالى وتقدس: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) المؤمنون: 60 وقال عز وجل مخبرا عنهم في حال وفائهم وأعمال برهم:(إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) (فمن الله علينا) الطور:26 - 27 وقال عز وجل: (يوفون بالنذر ويخافون يوما) الإنسان: 7 من قبل أن الخوف مرتبط بالرجاء، فمن تحقق بالرجاء صارعه الخوف أن يقطع به دون ما رجا، وقال أهل العربية في معنى قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) (الجاثية:14 أي للذين لايخافون عقوبات الله تعالى، فإذا كان هذا أمره بالمغفرة لمن لا يرجو فكيف يكون غفره وفضله على من يرجو، وبعضهم يقول في معنى قوله تعالى: (ويرجون من الله ما لا يرجون) النساء: 104 أي تخافون منه ما لا يخافون، فلولا أنهما عند العلماء كشيء واحد ما فسر أحدهما بالآخر، ومن الرجاء الأنس بالله تعالى في الخلوات،ومن الأنس به الأنس بالعلماء والتقرب من الأولياء، وارتفاع الوحشة بمجالسة أهل الخير، وسعة الصدر والروح عندهم، ومن الرجاء سقوط ثقل المعاونة على البر والتقوى، لوجود حلاوة الأعمال والمسارعة إليها، والحث لأهلها عليها والحزن على فوتها والفرح بدركها، ومن ذلك الخبر المأثور من سرته حسنته وساءته سيئته، فهو مؤمن، والخبر المأثور: خيار أمتي الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا لأن المؤمن على يقين من أمره وبصيرة من دينه، والخوف والرجاء وصف الموقن بالله تعالى فهو إذا عمل حسنة، أيقن بثوابها لصدق الوعد وكرم الموعد، وإذا عمل سيئة أيقن بالكراهة لها، وخاف المقت عليها لخوف الوعيد وعظمة المتوعد من قبل أن دخوله في الطاعة، دخول في محبة الله تعالى ومرضاته لما دل العلم عليه؛ فهذا رضا الله سبحانه وتعالى في الدنيا، فكيف لا يسره رضاه ومن قبل أن دخوله في المعصية دخول في غضب الله تعالى ومكارهه، بما دل العلم عليه فذلك الذي يسوءه لأن مقت الله تعالى اليوم معاصيه وسخطه غدا تعذيبه، ومن هذا قول الله عز وجل وهو أصدق القائلين: (ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم) غافر:10 قال: لما نظروا إلى أنفسهم بتشويه خلقهم في النار مقتوها فنودوا لمقت الله في الدنيا على معاصيه أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم في العذاب، كما أن رضاه غدا تنعيمهم في جنته كذلك رضاه اليوم عملهم بطاعته ومرضاته؛ وهذا وصف عبد مراد مكاشف بعلم اليقين.

(1/306)


ومن هذا حديث زيد الخيل إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: جئتك أسألك عن علامة الله تعالى فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد فقال: كيف أصبحت فقال: أصبحت أحب الخير وأهله وإذا قدرت على شيء منه سارعت إليه وأيقنت بثوابه وإذا فاتني شيء منه حزنت عليه وحننت إليه فقال صلى الله عليه وسلم: هذه علامة الله تعالى فيمن يريد ولو أرادك للأخرى هيأك لها، ثم لم يبال في أي أوديتها هلكت،ومن الرجاء التلذذ بدوام حسن الإقبال والتنعم بمناجاة ذي الجلال وحسن الإصغاء إلى محادثة القريب والتلطف في التملق للحبيب وحسن الظن به في العفو الجميل ومنال الفضل الجزيل، وقال بعض العارفين: للتوحيد نور وللشرك نار، ونور التوحيد أحرق لسيئات المؤمن من نار الشرك لحسنات المشرك، ولما احتضر سليمان التيمي قال لابنه: يابني حدثني بالرخص واذكر لي الرجاء حتى ألقى الله تعالى على حسن الظن به، وكذلك لما حضر سفيان الثوري رضي الله عنه الوفاة جعل العلماء حوله يرجونه، وحدثنا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال لابنه عند الموت: اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء وحسن الظن، فلولا أن الرجاء وحسن الظن من فواضل المقامات ما طلبه العلماء في آخر الأوقات عند فراق العمر ولقاء المولى لتكون الخاتمة به وهم يسألون الله حسن الخاتمة طول الحياة، ولذلك قيل:إن الخوف أفضل مادام حيا فإذا حضر الموت فالرجاء أفضل، وقد كان يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى يقول في مقامات الرجاء: إذا كان توحيد ساعة يحبط ذنوب خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة ماذا سيصنع بالذنوب؟ وقال أبو محمد سهل رضي الله عنه: لا يصبح الخوف إلا لأهل الرجاء، وقال مرة: العلماء مقطوعون إلا الخائفين، والخائفون مقطوعون إلا الراجين، وكان يجعل الرجاء مقاما في المحبة وهو عند العلماء أول مقامات المحبة، ثم يعلو في الحب على قدر ارتفاعه في الرجاء وحسن الظن، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في الرجاء لا يصلح ذكرها لعموم الناس ولكن نذكر من ذلك ما ظهر خلق الله تعالى لجهنم من فضل رحمته سوطا يسوق الله عز وجل به عباده إلى الجنة، وخبر آخر، يقول الله تعالى: إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ولم أخلقهم لأربح عليهم، وفي حديث عطاء بن يسارعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ماخلق الله تعالى شيئا إلا جعل له ما يغلبه وجعل رحمته تغلب غضبه، والخبر المشهور: إن الله تعالى كتب على نفسه قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي تغلب غضبي، والأخبار المشهورة عن معاذ بن جبل وأنس بن مالك رضي الله عنهما: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن كان آخركلامه قول: لا إله إلا الله لم تمسه النار، ومن لقي الله تعالى لا يشرك به شيئا حرمت عليه النار ولا يدخل النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان، وقد قال في خبر آخر: لو يعلم الكافر سعة رحمة الله تعالى ما أيس من رحمته أحد وقد قال تعالى في حسن عفوه عن أكبر الكبائر بعد ظهور الآيات: (ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك) النساء: 153، وقال في خطاب لطيف لأوليائه يعرفهم نفاذ أحكامه فيهم وجريان مشيئته عليهم: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم، عزيز لا يوصل إليه إلا به، حكيم حكم بمشيئته على عباده، ثم يغفر الذنوب جميعا فلا يبالي كما أجرى على من فضله على العالمين، مقالة الكافرين فلم يضرهم مع تفضيله لهم إذ قالوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فقال: أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين؛ وبهذا المعنى عارض علي كرم الله وجهه رأس الجالوت لما قال له: لم تلبثوا بعد نبيكم عليه السلام إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف فقال علي كرم الله وجهه: أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.

(1/307)


وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بمايفزعهم وينفرهم،وقال في حديث آخر: بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، ولما وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا الحديث، فهبط جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى يقول: لم تقنط عبادي؟ فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجاهم وشوقهم، ولما تلا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) الحج: 1 قال: أتدرون أي يوم؟ هذا يوم يقال لآدم عليه السلام: قم فابعث نصيب النار من ذرتك، فقال: كم؟ قيل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة، قال: فبكوا يومهم ذلك وتركوا الأشغال والعمل، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بالكم أنتم في الأمم مثل شعرة بيضاء في جلد ثور أسود، والخبر المشهور: لو لم تذنبون لخلق الله تعالى خلقا يذنبون ليغفر لهم، وفي لفظ آخر: لذهب بكم وجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم، إنه هو الغفور الرحيم أي أن وصفه سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة، فلابد أن يخلق مقتضى وصفه حتى يحق وصفه عليه هذا كما يقول في علم المعرفة: إن له سبحانه وتعالى من كل اسم وصفا ومن كل وصف فعل، وفي هذا سر المعرفة ومنه معرفة الخصوص، وحكي لنا معناه عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال: خلا لي الطواف ذات ليلة، وكانت ليلة مطيرة مظلمة فوقفت في الملتزم عند الباب فقلت: يارب اعصمني حتى لاأعصيك أبدا، فهتف بي هاتف من البيت: ياإبراهيم أنت تسألني العصمة وكل عبادي المؤمنين يطلبون ذلك، فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر؟ وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول: لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا ولكن الله تعالى قمعه بالذنوب.
وفي الخبر مثله: لوم لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب، قيل:وما هو؟ قال: العجب، ولعمري أن العجب من صفات النفس المتكبرة، وهو يحبط الأعمال، وهو من كبائر أعمال القلوب والذنوب من أخلاق النفس الشهوانية، ولأن يبتلي العبد الشهواني بعشر شهوات من شهوات النفس خير له من أن يبتلي بصفة من صفات النفس مثل الكبر، والعجب، والبغي، والحسد، وحب المدح، وطلب الذكر؛ لأن هذه منها؛ معاني صفات الربوبية، ومنها أخلاق الأباسلة، وبها هلك إبليس، وشهوات النفس من وصف الخلقة وبها عصى أدم ربه فاجتباه بعدها وتاب عليه وهدى، وقد قال بشر بن الحرث: سكون النفس إلى المدح أضر عليها من العاصي، ورأى يوسف بن الحسين مخنثا فأعرض عنه إزراء عليه، فالتفت إليه المخنث وقال: وأنت أيضا يكفيك مابك ففزع من قوله، فقال: وأي شيء تعلم؟ قال: لأن عندك أنك خير مني، فاعترف يوسف بقوله، فتاب واستغفر وكان بعض الراجين من العارفين إذا تلا هذه الآية، آية الدين التي في سورة البقرة، يسر بذلك ويستبشر لها ويعظم رجاؤه عندها، فقيل له في ذلك: إنها ليس فيها رجاء ولا ما يوجب الاستبشار فقال: بلى فيها رجاء عظيم، قيل: وكيف ذلك؟ فقال: إن الدنيا كلها قليل ورزق الإنسان فيها قليل من قليل وهذا الدين من رزقه قليل، ثم إن الله تبارك وتعالى احتاط في ذلك ورفق النظر لي بأن وكد ديني بالشهود والكتاب وأنزل فيه أطول آية في كتابه، ولو فاتني ذلك لم أبال به فكيف يكون فعله بي في الآخرة التي لا عوض لي من نفسي فيها.

(1/308)


وكذلك كان بعض الراجين يفهم من قوله تعالى إذا تلا: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) الزمر:47 يرجو من ذلك بوادي الجود والإحسان مما لم يحسبه في الدنيا قط، وقد كان الجنيد رحمه الله يقول: إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيئين بالمحسنين، وعلى ذلك جاء في الخبر: ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ماخطرت قط على قلب أحد حتى أن إبليس يتطاول رجاء أن تصيبه، وفي الخبر: إن لله تعالى تسعا وتسعين رحمة أظهر منها في الدنيا رحمة واحدة بها يتراحم الخلائق فتحن الوالدة إلى ولدها وتعطف البهيمة على ولدها، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى تلك التسعة والتسعين، ثم بسطها على جميع خلقه وكل رحمة منها طباق السموات والأرضين، قال: فلا يهلك على الله تعالى إلا هالك، وقد قال بعض العلماء: إن الله تعالى إذا غفر لعبد في موقف القيامة ذنبا غفر ذلك الذنب لكل من عمله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعملوا وأبشروا واعلموا أن أحدا لن ينجيه عمله.
وفي الحديث الآخر: ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة ولا ينجيه من النار، قالوا: ولا أنت يارسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة وفضل، وروي عنه صلى الله عليه وسلم:إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وفي لفظ آخرأترونها للمصفين المتقين بل هي للمخلصين المتلوثين وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما، وقد بعثهما واليين على اليمن فأوصاهما فيما أمرهما به فقال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، فعلم المؤمنين بكرم الله تعالي وخفي لطفه، ولطيف منه لا يقعدهم عن تأميله، ولا يقصر بهم عن رجاءه، ولا حسن ظنهم به، ولا يقوى الخوف فيخرجهم إلى الأياس من رحمته، لأجل علمهم بجبريته وكبريائه، من قبل أن المهوب هو المحبوب فمحبته تؤنسهم وترجيهم، وهيبته تزعجهم وتخيفهم فخوفهم في المهابة في لذاذة ونعيمهم بالحب في مهابة فهم في مقام الخوف والمحبة معتدلون، وبقوة العلم بهما متمكنون، وفي مشاهدة المخوف والمحبوب مستقيمون، وهذا المقام هو وصف العارفين من الموقنين؛ وهم أهل كمال الإيمان وصفوة خصوص ذوي الإيقان إذ قد عرفوا أن الله تبارك وتعالى كامل في صفاته لا يعتريه نقصان في وصف دون وصف وإنما الرحمة لسعة العلم، كما العلم لسعة القدرة لما شهدوا من وصفه بما سمعوا من كلامه أنه كان عليما قديرا.

(1/309)


كذلك قال تعالى: (وسعت كل شيء رحمة وعلما) غافر:7 وكذلك فهموا من قوله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء) الأعراف:156 فدخلت جهنم وغيرها في توسعة الرحمة من حيث كن شيئا وقوله عز وجل: (فسأكتبها للذين يتقون) الإسراء: 44 معناه خصوص الرحمة، وصفها لا كنهها، إذ لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء، لأن جهنم والنار الكبرى وغيرهما ليس كنه عذابه ولا كلية تعذيبه، فمن ظن ذلك به لم يعرفه، ولأنه لما أظهر من عذابه مقدار طاقة الخلق كما أنه أظهر من ملكه ونعمه مقدار مصالح الخلق وما لا يصلح للخلق، ولا يطيقون إظهاره أكثر مما أظهر من النعيم والعذاب، بل لا ينبغي لهم أن يعرفوا فوق ما أبدى لأن نهاية تعذبيه وتنعيمه من نهاية ملكه الذي هو قائم به وملكه عن غاية قدرته وسلطانه، ولانهاية لذلك، ولا يطيق الخلق كله إظهار ذلك، وذلك أيضا عن تعالي صفاته وبهاء أسمائه المتناهيات، ولا سبيل إلى كشف ذلك من الغيوب، فسبحان من لا نهاية لقدرته ولا حد لعظمته ولا أمد لسلطانه، وكذلك شهدوا ما سمعوا من قوله عز وجل: (إنه كان حليما غفورا) الإسراء: 44، وقال: (وكان الله عليما حليما) الأحزاب: 51، فعلموا أن المغفرة على سعة الحلم، كما أن الحلم سعة العلم، فلما رأوا عظيم حلمه رجو عظيم مغفرته، ولما شهدوا كثيف ستره أملوا جميل عفوه، وكذلك يقال: إن حملة العرش يتجاوبون بأصوات سبحانك على حلمك بعد علمك، سبحانك على عفوك بعد قدرتك، فللراجين من العارفين فهوم من السمع للكلام نحو علو نظرهم عن سمو علومهم بمعاني الصفات، وكل صاحب مقام يشهد من مقامه ويسمع من حيث شهادته، فأعلاهم شهادة الصديقون، ثم الشهداء ثم الصالحون، ثم خصوص المؤمنين، فبه تبارك وتعالى استدلوا عليه، ومنه إليه نظروا، هم درجات عند الله والله بصير بمايعلمون، وكان سهل رضي الله عنه يقول: المحسن يعيش في سعة الرحمة والمسيء يعيش في سعة الحلم، وصفاته تبارك وتعالى كاملات، فمن شهد ترجيح بعضها على بعض دخل عليه النقص من مشاهدته لقصور علمه عن تمام علم من فوقه من الشهداء، ولأجل مقامه المراد به دون طريق الصديقين من الأقوياء، فعاد ذلك على العبد فصار ذلك مقاما له في القرب والبعد تعالى وصف المشهود عن النقصان والحد، ومثل الرجاء من الخوف مثل الرخصة في الدين من العزائم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه، وفي لفظ آخر أبلغ من هذا:وأؤكد أن الله يحب أن يقبل رخصه كما يكره أن يوتى معاصيه.

(1/310)


وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق: ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله تعالى، وخيرالدين أيسره، وقال هلك المتعمقون، هلك المتنطعون، وقال عليه الصلاة والسلام: بعثت بالحنيفية السهلة السمحة، وقال صلى الله عليه وسلم: أحب أن يعلم أهل الكتاب أن في ديننا سماحة، وقال الله عز وجل: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) الأعراف:157، واستجاب للمؤمنين في قولهم: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، فقال عز وجل: قد فعلت؛ فهذه العلوم هي أسباب قوة الرجاء في أولي الألباب كيف وقد جاء ما يغلب حكم الرجاء من غير اغترار ماروي عن الله تعالى أنا إلى الرحمة والعفو أقرب مني إلى العقوبة، وفي الخبر: إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم ويشق عليهم، وفي كلام لعلي رضي الله عنه: إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله تعالى ولا يؤمنهم مكر الله تعالى، وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود عليه السلام: ما لك وحدانيا؟ قال: عاديت الخلق فيك، قال: أما علمت أن محبتي أن تعطف على عبادي وتأخذ عليهم بالفضل هنالك، أكتبك من أوليائي وأحبابي ولا تنظر إلى عبيدي نظرة جفاء ولا قسوة، فإذا أنت قد أبطلت أجرك فاحفظ عني ثلاثا: خالص حبيبي مخالصة، وخالف أهل الدنيا مخالفة، ودينك فقلدنيه، وعن داود وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى خلقي، قال: يا رب هذا أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ فقال عز وجل: اذكرني لحسن الجميل واذكر آلائي وإحساني وذكرهم ذلك فإنهم لايعرفون مني إلا الجميل.
وروي عن يزيد الرقاشي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله تعالى على منابر من نور يعرفون عليها، قالوا: من هم؟ قال: الذين يحببون عباد الله إلى الله تعالى ويحببون الله عز وجل إلى عباده ويمشون في الأرض نصحاء، فقلنا هذا حببوا الله إلى عباده فكيف يحببون عباد الله إلى الله؟ قال: يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما حرم الله فإذا أطاعوهم أحبهم الله، ورؤي أبان بن عياش في النوم بعد موته، وكان من أكثر الناس حديثا بالرخص وأبواب الرجاء فقال: أوقفني ربي عز وجل بين يديه فقال: ما حملك على أن حدثت عني بما حدثت به من الرخص؟ قال: فقلت يا رب أردت أن أحببك إلى خلقك، قال: قد غفرت لك، وحدثت عن مالك بن دينار: أنه لقي أبانا فقال: إلى كم تحدث للناس بالرخص فقال: يا أبا يحيى إني لأرجو أن ترى من عفو الله تعالى يوم القيامة ما تخرق له كساءك هذا من الفرح.
وفي حديث ربعي بن حراش عن أخيه، وكان من خيار التابعين وهو ممن تكلم بعد الموت، قال:لما مات أخي سجي بثوبه وألقيناه على نعشه فكشف الثوب عن وجهه واستوى قاعدا وقال: إن لقيت ربي عز وجل فحياني بروح وريحان ورب غير غضبان، وإني رأيت الأمر أيسر مما تظنون ولا تغتروا فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ينتظرني وأصحابه حتى أرجع إليهم قال: ثم طرح نفسه فكأنه كانت حصاة وقعت في طست فحملناه فدفناه، وقال بكر بن سليمان: دخلنا على مالك رحمه الله تعالى في العشية التي قبض فيها فقلنا كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون غدا من عفو الله تعالى ما لم يكن لكم في حساب، قال: فما برحنا حتى أغمضناه ودفناه، ورؤي يحيى بن أكثم في النوم فقيل: ما فعل الله تعالى بك: فقال: أوقفني بين يديه وقال: ياشيخ السوء فعلت وفعلت قال: فأخذني من الرعب والفزع ما يعلم الله تعالى، ثم قلت يارب ما هكذا حدثت عنك، فقال: وما حدثت عني؟ فقلت: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بن مالك عن نبيك صلى الله عليه وسلم عنك أنك قلت: تباركت وتعاليت أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء، وقد كنت أظن بك أن لا تعذبني، فقال عز وجل: صدق نبيي وصدق أنس صدق الزهري وصدق معمر وصدق عبد الرزاق وصدقت، قال: فغلفت وخلع علي وألبست ومشى بين يدي الولدان إلى الجنة فقلت يا لها من فرحة.

(1/311)


وفي الخبر: أن رجلا من بني إسرائيل كان يشدد على الناس ويقنطهم من رحمة الله تعالى فيقول الله تعالى له يوم القيامة: اليوم أؤيسك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها، وفي الحديث: أن رجلين تواخيا في الله تعالى من بين إسرائيل فكان أحدهما عابدا والآخر مسرفا على نفسه، فكان هذا العابد ينهاه ويزجره فيقول له: دعني وربي أبعثت علي رقيبا؟ حتى رآه ذات يوم على كبيرة فغضب فقال: لا يغفر الله لك قال: فيقول الله تعالى له يوم القيامة: أتستطيع أن تحظر رحمتي على عبادي اذهب فقد غفرت لك، ثم قال للعابد: وأنت فقد أوجبت لك النار، قال: فوالذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة أهلكت دنياه وآخرته، وروينا في معناه أن لصا كان يقطع الطريق أربعين سنة في بني إسرائيل فمر عليه عيسى عليه السلام وخلفه عابد من عباد بني اسرائيل من الحواريين فقال للص في نفسه: هذا نبي الله يمر وإلى جنبه حواريه لو نزلت فكنت معهما ثالثا، قال: فنزل فجعل يريد أن يدنو من الحواري ويزدري نفسه تعظيما للحواري ويقول في نفسه: مثلي لا يمشي إلى جنب هذا العابد قال وأحس به الحواري فقال في نفسه: هذا يمشي إلى جانبي قال: فضم نفسه وتقدم إلى عيسى عليه السلام فمشى إلى جانبه فبقي اللص خلفه، قال: فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: قل لهما يستأنفان العمل فقد أحبطت ما سلف من أعمالهما، أما الحواري فقد أحبطت حسناته لعجبه بنفسه وأما الآخر فقد أحبطت سيئاته بما ازدرى على نفسه قال: فأخبرهما بذلك وضم اللص إلىه سياحته وجعله من حواريه.
وروينا عن مسروق بن الأجدع: إن نبيا من الأنبياء كان ساجدا فوطئ بعض العتاة على عنقه حتى الزق الحصى بجبهته قال: فرفع النبي عليه السلام رأسه مغضبا فقال: اذهب فلن يغفر الله قال: فأوحى الله تعالى إليه تتألى علي في عبادي أني قد غفرت له.
قال ابن عباس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت يدعو علي لمشركين ويلعنهم في صلاته فنزلت ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم إلي قوله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم) آل عمران: 128 قال: فترك الدعاء عليهم، قال: فهدى الله تعالى عامة أولئك الإسلام.
والأخبار فيما يوجب الرجاء وحسن الظن أكثر من أن تجمع ولم نقصد جمعها، وإنما دللنا بقليل على كثير، ونبهنا عقول ذوي التبصير، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) الانفطار:6 فنبه العبد مع غرته على كرمه، وذكره مع جهله حسن تسويته إياه بتعديله، يدل على نعمته.
وروينا عن الضحاك إن العبد ليدنو من ربه تبارك وتعالى عند العرض فيقول: عبدي أتحصي عملك؟ فيقول: إلهي كيف أحصيه من دونك وأنت الحافظ للأشياء، فيذكره الله تعالى جميع ذنوبه في الدنيا في ساعاتها، فيقول: أنت عبدي فقر بما عرفتك وذكرتك، فيقول نعم سيدي، فيقول الله سبحانه أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، فلم أجعل للذنوب رائحة توجد منك، ولم أجعل في وجهك شينها، وأنا أغفرها لك اليوم على ما كان منك، بإيمانك بي وتصديقك المرسلين.
وروينا عن محمد الحنفية عن أبيه علي كرم الله وجهه قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم (فاصفح الصفح الجميل) الحجر:85 قال: يا جبريل وما الصفح الجميل؟ قال: يا محمد إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتب، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل فالله مع كرمه تعالى أولى أن لا يعاتب من عفا عنه، قال فبكى جبريل وبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث الله عز وجل إليهما ميكائيل فقال: إن ربكما يقرئكما السلام ويقول لكما: كيف أعاتب من عفوت عنه، هذا ما لا يشبه كرمي.
ومن الرجاء شدة الشوق إلى ما شوق إليه الكريم وسرعة التنافس في كل نفيس ندب إليه الرحيم، فأما الرجاء الذي هو همة جملة الناس من الإقامة في المعاصي والانهماك في الخطايا وهو يرجو المغفرة وينتظر الكرامة، فليس هذا برجاء عند العلماء، لأن الرجاء مقام من اليقين، وليس هذا وصف الموقنين؛ لأن هذا اسمه هو اغترار بالله تعالى، وغفلة عن الله تعالى، وجهل بأحكام الله تعالى.

(1/312)


وقد تهدد الله تعالى قوما ظنوا مثل هذا، وأصروا على حب الدنيا والرضا بها، وتمنوا المغفرة على ذلك، فسماهم خلفا، والخلف: الرديء من الناس، وتوعدهم بشديد البأس في قوله عز وجل: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) الأعراف:169 والأخبار في حقيقة الرجاء تزيد المغترين اغترارا وتزيد المستدرجين بالستر والنعيم خسارا، وهي مزيد للتوابين الصادقين، وقرة عين المحبين المخلصين، وسرور لأهل الكرم والحياء، وروح ارتياح لذوي العصمة والوفاء، ينتفع به، ويشتد عنده حياؤه، ويروح به كروبهم، وترتاح إليه عقولهم، فهؤلاء يستخرج منهم الرجاء وحسن الظن من العبادات ما لا يستروحه الخوف، إذ المخاوف تقطع عن أكثر المعاملات، فصار الرجاء طريقا لأهله وصاروا رائجين به كما قال عمر رضي الله عنه: رحم الله صهيبا لو لم يخف الله تعالى لم يعصه: أي يترك المعاصي للرجاء لا للخوف، فصار الرجاء طريقه، فهؤلاء هم الراجون حقا وهذه علامتهم، ولمثل هذا ذكرنا الأسباب التي توجب الرجاء، وتولد حسن الظن في قلوب أهل الصفاء.
ومن الرجاء تحسين الأخلاق مع الخلق، وجميل الصبر عليهم، وحسن الصفح، ولطيف المداراة لهم تقربا إلى الله عز وجل بذلك، وتخلقا بأخلاقه رجاء ثوابه، وطمعا في تنجيز وعده، واتباعا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن الرجاء ترك الأهواء الرديئة، والشهوات المطغية ويحتسب في ذلك على الله نفيس الذخائر العالية.
فقد روينا عن حميد عن أنس قال: مقابل عرش الرحمن غرفة يرسل إليها جبريل عليه السلام، فإذا انتهى إليها خر لله ساجدا، ثم يقول: يارب لمن خلقت هذه، لأي نبي؟ لأ صديق؟ لأي شهيد؟ قال: فيرد عليه عز وجل: لمن آثر هواي على هواه.
ومن الرجاء افتعال الطاعات، وحسن الموافقات، ينوي بها، ويسأل مولاه الكريم عظيم الرغائب وجليل المواهب، لما وهب له من حسن الظن به.
كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سألتم الله تعالى فأعظموا الرغبة، وسلوه الفردوس الأعلى، فإن الله عز وجل لا يتعاظمه شيء.
وفي حديث آخر فأكثروا وسلوا الدرجات العلى، فإنما تسألون جوادا كريما، وفي الآثار أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة، فإذا دخلا الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه، فيقول الآخر: يارب ما كان هذا في الدنيا بأكثر عبادة لك مني فرفعته علي في عليين، فيقول الله سبحانه وتعالى: إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى وكنت أنت تسألني النجاة من النار، فأعطيت كل عبد سؤله.
وروينا في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلا يخرج من النار فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول له: كيف وجدت مكانك؟ فيقول: يارب شر مكان، فيقول: ردوه إلى مكانه، قال: فيمشي ويلتفت إلى ورائه، فيقول الله عز وجل: إلى أي معنى تلفت؟ فيقول له: يارب قد رجوت أن لا تعيدني إليها بعد إذ أخرجتني منها، فيقول تعالى: اذهبوا به إلى الجنة فقد صار الرجاء طريقه إلى الجنة، كما كان الخوف طريق صاحبه في الدنيا إليها.
كما روينا: إن الآخر سعى مبادرا إلى النار لما قال: ردوه فقيل له في ذلك، فقال: لقد ذقت من وبال معصيتك في الدنيا ماخفت من عذابه في الآخرة فقيل: اصرفوه إلى الجنة، وقال الله سبحانه في وصف قوم: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه) الإسراء: 57 فطرق لأوليائه من القرب والوسيلة الرجاء، كما طرق الخوف منه إليها، وهذا أحد الوجهين في الآية لمن لم يجعله وصفا للأصنام لأنها قرئت بالتاء تدعون قرأها طلحة بن مصرف، فكذلك ندب المؤمنين إلى طلب القرب منه قي قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة: 35 فهذه جملة أحكام الرجاء وأوصاف الراجين، فمن تحقق بجميعها فقد استحق درجات أهل الرجاء، وهو عند الله تعالى من المقربين، ومن كان فيه وصف من هذه الأوصاف فله مقام من الرجاء.

(1/313)


واعلم أن مقام اليقين لا يزيل بعضها بعضا ولكن يندرج بعضها في بعض، فمن غلب عليه حال مشاهدته وصف بما غلب عليه واستمر بما سوى ذلك من المقامات فيه، ومن عمل بشرط مقام منها وقام بحكم الله تعالى فيه نقل إلى ما سواه، وكان المقام الأول له علما والثاني الذي أقيم فيه له وجدا، فكتم الوجد لأنه سره وعبر عن العلم لأنه قد جاوزه فصار له علانية، ومقام الرجاء هو جند من جنود الله عز وجل يستخرج من بعض العباد ما لا يستخرج غيره لأن بعض القلوب تلين وتستجيب عن مشاهدة الكرم والإحسان وتقبل وتطمئن بمعاملة النعم والإحسان ما لا يوجد ذلك منها عند التخويف والترهيب بل قد يقطعها ذلك ويوحشها إذ قد جعل الرجاء طريقها فوجدت فيه قلوبها.
ومثل الرجاء في الأحوال مثل العوافي والغنى في الإنسان من يقبل قلبه ويجتمع همه عندهما ويوجد نشاطه وتحسن معاملته بهما.
كما روينا عن الله سبحانه وتعالى: إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ومن عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، إني أدبر عبادي بعلمي، إني بهم خبير، فكذلك من عبادي من لا يصلحه إلا الرجاء ولا يستقيم قلبه إلا عليه ولا تحسن معاملته إلا بوجود حسن الظن فهو طريقه إليه ومقامه منه ومنه علمه به وعنده يجد قلبه معه، إلا أنه وإن كان طريقا يخرج إلى الله عز وجل فإن الخوف أقرب منه، وما كان أقرب فهو أعلى، كما أن الغنى والعوافي طرقان إلى الله تعالى إلا أن الفقر والبلاء عندي أقرب منهما وأعلى والله غالب على أمره.
وقد روينا عن معمر عن الحسن: أنه قال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساء بالله الظن ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
شرح مقام الخوف
ووصف الخائفين وهو الخامس من مقامات اليقين
قال الله عز وجل: (وما يعقلها إلا العالمون) العنكبوت:43 فرفع العلم على العقل وجعله مقاما فيه وقد قال سبحانه وتعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر:28 فجعل الخشية مقاما في العلم حققه بها، والخشية حال من مقام الخوف، والخوف اسم لحقيقة التقوى، والتقوى معنى جامع للعبادة وهي رحمة الله تعالى للأولين والآخرين، ينظم هذين المعنيين قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة: 21 وقوله تعالى: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) النساء: 131، وهذه الآية قطب القرآن مداره عليها والتقوى سبب أضافه تعالى إليه تشريفا له، ومعنى وصله به وأكرم عباده عليه تعظيما له فقال: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) الحج:37 وقال: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات:13 وفي الخبر: إذا جمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم يقول: يا أيها الناس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، فأنصتوا إلي اليوم، فإنما هي أعمالكم ترد عليكم، أيها الناس إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا، فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم، قلت: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات:13 وأبيتم إلا فلان بن فلان أغنى من فلان، فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي، أين المتقون؟ قال: فينصب للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلهم الجنة بغير حساب.
والخوف حال من مقام العلم، وقد جمع الله تعالى للخائفين ما فرقه على المؤمنين، وهو الهدى والرحمة والعلم والرضوان، وهذه جمل مقامات أهل الجنان، فقال تعالى: (هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) الأعراف:154 وقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر:28 وقال جل ذكره: (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) البينة:8

(1/314)


وفي خبر موسى عليه السلام: وأما الخائفون فلهم الرفيق الأعلى، لا يشاركون فيه، فأفردهم من غير مشاركة بالرفيق الأعلى، كا حققهم اليوم بشهادة التصديق، وهذا مقام من النبوة، فهم مع الأنيباء في المزية من قبل أنهم ورثة الأنبياء، لأنهم هم العلماء، قال تعالى: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين) النساء:69، ثم قال تعالى في وصف منازلهم: (وحسن أولئك رفيقا) النساء:69 بمعنى رفقا، عبر عن جماعتهم بالواحد، لأنهم كانوا كأنهم واحد، وقد يكون رفيقا مقاما في الجنة من أعلى عليين، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم عند الموت وقد خير بين البقاء في الدنيا وبين القدوم على الله تعالى فقال: أسألك الرفيق الأعلى.
وفي خبر موسى عليه السلام: فأولئك لهم الرفيق الأعلى، فدل أنهم مع الأنبياء بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، وشرف مقامهم فوق كل مقام، لطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.
فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان، وهو علم الوجود والإيقان، وهو سبب اجتناب كل نهي ومفتاح كل أمر، وليس شيء يحرق شهوات النفوس فيزيل آثار آفاتها إلا مقام الخوف.
وقال أبو محمد سهل رحمه الله تعالى: كمال الإيمان العلم، وكمال العلم الخوف، وقال مرة: العلم كسب الإيمان، والخوف كسب المعرفة.
وقال أبو الفيض المصري: لايسقى المحب كأس المحبة إلا من بعد أن ينضج الخوف قلبه وقال: خوف النار عند خوف الفراق بمنزلة قطرة قطرت في بحر لجي، وكل مؤمن بالله تعالى خائف منه، ولكن خوفه على قدر قربه، فخوف الإسلام: اعتقاد العزة والجبرية لله تعالى، وتسليم القدرة والسطوة له، والتصديق لما أخبر به من عذابه وما تهدد به من عقابه.
وقال الفضيل بن عياض: إذا قيل لك تخاف الله فاسكت، لأنك إن قلت لا كفرت، وإن قلت نعم فليس وصفك وصف من يخاف.
وشكا واعظ إلى بعض الحكماء فقال: ألا ترى إلى هؤلاء أعظهم وأذكرهم فلا يرقون؟ فقال: وكيف تنفع الموعظة من لم يكن في قلبه لله تعالى مخافة، وقد قال الله تعالى في تصديق ذلك: (سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى) الأعلى: 10 - 11 أي يتجنب التذكرة الشقي، فجعل من عدم الخوف شقيا وحرمه التذكرة فخوف عموم المؤمنين بظاهر القلب عن باطن العلم بالعقد، وخوف خصوصهم وهم الموقنون بباطن القلب عن باطن العلم بالوجد: فأما خوف اليقين فهو للصديقين من شهداء العارفين عن مشاهدة ما آمن به من الصفات المخوفة.
وقد جاء في خبر إذا دخل العبد في قبره لم يبق شيء كان يخافه دون الله عز وجل إلا مثل له يفزعه ويرعبه إلى يوم القيامة فأول خوف اليقين الموصوف الذي هو نعت الموصوفين من المؤمنين، المحاسبة للنفس في كل وقت، والمراقبة للرب في كل حين، والورع عن الإقدام على الشبهات من كل شيء من العلوم بغير يقين بها ومن الأعمال بغير فقه فيها.
وفي خبر موسى عليه السلام: وأما الورعون فإنه لايبقى أحد إلا ناقشته بالحساب وفتشته عما في يديه إلا الورعين، فإني أستحييهم وأجلهم أن أوقفهم للحساب، فالورع حال من الخوف، ثم كف الجوارح عن الشبهات وفضول الحلال من كل شيء، بخشوع قلب، ووجود إخبات.
وقال علي كرم الله وجهه: ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ثم سجن اللسان وخزن الكلام، لئلا يدخل في دين الله عز وجل ولا في العلم ما لم يشرعه الله في كتابه أو لم يذكره رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، أو لم ينطق به الأئمة من السلف في سيرهم مما لم يكن أصله موجودا في الكتاب والسنة، وتسميته واضحة في العلم، فيجتنب ذلك كله، (ولاتقف ما ليس لك به علم) الإسراء:36 خوفا من المساءلة، ولا يدخل فيه لدقيق هوى يدخل عليه ولا لعظيم حظ دنيا يدخل فيه وأن ينصح نفسه لله تعالى لأنها أولى الخلق، ثم ينصح الخلق في الله تعالى فيبتدئ بالنصح في أمور الدين والآخرة، ثم يعقبه في أسباب الدنيا لأن أمور الآخرة أهم، والغش في الدين أعظم، والتزود للمنقلب آثر.
روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من غش أمتي فعليه لعنة الله، قيل وما غش أمتك يا رسول الله؟ قال: أن يبتدع لهم بدعة فيتبع عليها، فإذا فعل ذلك فقد غشهم.

(1/315)


وثمرة الخوف العلم بالله عز وجل والحياء من الله عز وجل وهو أعلى سريرات أهل المزيد يستبين أحكام ذلك في معنيين؛ هما جملة العبد إن يحفظ رأسه وما حواه من السمع والبصر واللسان وأن يحفظ بطنه وما وعاه وهو القلب والفرج واليد والرجل: وهذا خوف العموم، وهو أول الحياء.
فأما خوف الخصوص فهو أن لا يجمع ما لا يأكل ولا يبني ما لا يسكن، ولا يكاثر فيما عنه ينتقل ولا يغفل ولا يفرط عما إليه يرتحل، وهذا هو الزهد وهو حياء مزيد أهل الحياء من تقوى أصحاب اليمين، وقد روينا معنى ما ذكرناه في حديثين، أحدهما عام والآخر خاص، وكل من لم يستعمل قلبه في بدايته، ويجعل الخوف حشو إرادته لم ينجب في خاتمته، ولم يكن إماما للمتقين عند علو معرفته.
وأعلى الخوف أن يكون قلبه معلقا بخوف الخاتمة، لا يسكن إلى علم ولا عمل، ولا يقطع على النجاة بشيء من العلوم وإن علت، ولا لسبب من أعماله وإن جلت، لعدم علمه تحقيق الخواتم، فقد قيل: إنما يوزن من الأعمال خواتمها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة خمسين سنة حتى يقال إنه من أهل الجنة، وفي خبر: حتى ما يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر، ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار ولا يتأتى في هذا المقدار من الوقت شيء من عمل الجسم بالجوارح، إنما هو من أعمال القلوب بمشاهدة العقول، وهو شرك التوحيد الذي لم يكن متحققا به، وشك في اليقين الذي لم يكن في الحياة الدنيا مشاهدا له، فظهر له بيان ذلك عند كشف الغطاء، فغلب عليه وصفه وبدت فيه حاله كما يظهر له أعماله السيئة فيستحليها قلبه أو ينطق بها لسانه أو يخامرها وجده، فتكون هي خاتمته التي تخرج عليها روحه، وذلك في سابقته التي سبقت له من الكتاب كما قال تعالى: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) الأعراف: 37 تكون عند مفارقة الروح من الجسد (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) هود:109 وقد جاء في خبر حتى لايبقى بينه وبين الجنة إلا فواق ناقة، فيختم له بعمل أهل النار، وهذا يكون عند بلوغ الروح التراقي، وتكون النفس قد خرجت من جميع الجسد، واجتمعت في القلب إلى الحلقوم فهذا هو شبر، وفواق ناقة: هو ما بين الحلبتين، وقيل: هو شوط من عدوها بين سيرين؛ وهذا من تقلبات القلوب عند حقيقة وجهة التوحيد إلى وجهة الضلال والشرك عندما يبدو له من زوال عقل الدنيا، وذهاب علم المعقول فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسب.
وأكثر ما يقع سوء الخاتمة لثلاث طوائف من الناس: أهل البدع والزيغ في الدين، لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول، فأول آية تظهر لهم من قدرة الله تعالى أن يطيح عقله عند شهودها فيذهب إيمانه ولا يثبت لمعاينتها، كما تحترق الفتيلة فيسقط المصباح.
والطبقة الثانية أهل الكبر والإنكار لآيات الله عز وجل وكراماته لأوليائه في الحياة الدنيا، لأنهم لم يكن لهم يقين يحمل القدرة ويمده الإيمان؛ فيعتورهم الشك ويقوى عليهم لفقد اليقين.

(1/316)


والطبقة الثالثة ثلاثة أصناف: متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة، وجميعهم دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة، لأن سوء الختم على مقامات أيضا كمقامات اليقين والشرك في عمر الحياة، منهم المدعي المتظاهر الذي لم يزل إلى نفسه وعمله ناظرا، والفاسق المعلن، والمصر المدمن، يتصل بهم المعاصي إلى آخر العمر، ويدوم تقلبهم فيها إلى كشف الغطاء، فإذا رأوا الآيات تابوا إلى الله تعالى بقلوبهم، وقد انقطعت أعمال الجوارح فليس يتأتى منهم، فلا تقبل توبتهم، ولا تقال عثرتهم، ولاترحم عبرتهم، وهم من أهل هذه الآية، (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن) النساء:18 فهم مقصودون بقوله عز وجل: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) سبأ:54 وهم معنيون بمعنى قوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده) غافر:84، فنصوص الآية للكفار ومعناها ومقام منها لأهل الكبائر وذوي الإصرارمن الفاسقين الزائغين، من حيث اشتركوا في سوء الخاتمة ثم تفاوتوا في مقامات منها، تظهر لهم شهوات معاصيهم، ويعاد عليهم تذكرها، لخلو قلبهم من الذكر والخوف حتى يختم لهم بشهادتها؛ فهذه الأسباب تجلب الخوف وتقطع قلوب ذوي الألباب.
وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول: المريد يخاف أن يبتلي بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلي بالكفر.
وكذلك قال أبو يزيد رحمه الله تعالى قبله: إذا توجهت إلى المسجد كان في وسطي زنار أخاف أن يذهب بي إلى البيعة وبيت النار حتى أدخل المسجد فيقطع عني الزنار، فهذا لي في كل يوم خمس مرات، هذا لعلمهم بسرعة تقلب القلوب في قدرة علام الغيوب.
وقد روينا معنى ذلك عن عيسى عليه السلام أنه قال: يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي ونحن معشر الأنبياء نخاف الكفر.
وروينا في أخبار الأنبياء: أن نبيا شكا إلى الله تعالى الجوع والقمل والعري سنين فأوحى الله تعالى إليه: أما رضيت أن عصمت قلبك أن تكفر بي حتى تسألني الدنيا، فأخذ التراب فوضعه على رأسه وقال: بلى قد رضيت يارب فاعصمني من الكفر فلم يذكر له نعمته عليه بنبوته وعرضه للكفر، وجوز دخوله عليه بعد النبوة، فاعترف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ورضي به واستعصم.
وقد كان عبد الواحد بن زيد إمام الزاهدين قبلهما يقول: ماصدق خائف قط ظن أنه لا يدخل النار وما ظن أن يدخل النار إلا خاف أن لا يخرج منها أبدا.
وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى إمام العلماء قبلهم: يخرج من النار رجل بعد ألف عام وياليتني ذلك الرجل، هذا لشدة خوفه من الخلود في الأبدية، قال فبعد أن أخرج منها بوقت لا أبالي.
والعدو يدخل على العارفين من طريق الإلحاد في التوحيد والتشبيه في اليقين والوسوسة في صفات الذات، ويدخل على المريدين من طريق الآفات والشهوات، فلذلك كان خوف العارفين أعظم، ومن قبل أن العدو يدخل على كل عبد من معنى همه فيشككه في اليقين كما يزين له الشهوات، فأرواحهم معلقة بالسابقة ماذا سبق لهم من الكلمة، هناك مشاهدتهم، ومن ثم فزعهم، لايدرون أسبق لهم قدم صدق عند ربهم فيختم لهم بمقعد صدق، فيكونون ممن قال تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) الأنبياء:101 ويخافون أن يكونوا قد حقت عليهم الكلمة، فيكونون ممن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: يقول الله سبحانه وتعالى هؤلاء في النار ولا أبالي فلا ينفعهم شفاعة شافع، ولاينقذهم من النار دافع، كما قال مولاهم الحق: (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار) الزمر:19 وكقوله تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم) السجدة:13 فهذه الآية ومعناها تخويف لأولي الأبصار.
وقال عالمنا رحمه الله في قوله تعالى (وإياي فاتقون) البقرة:41 عموم أي فيما نهيت عنه: وقوله تعالى (وإياي فارهبون) البقرة:40 أي في السابقة وهذا خصوص.

(1/317)


وقد نوع بعض العارفين خوف المؤمنين على مقامين فقال: قلوب الأبرار معلقة، بالخاتمة يقولون: ليت شعري ماذا يختم لنا به؟ وقلوب المقربين معلقة بالسابقة يقولون: ليت شعري ماذا سبق لنا به؟ وهذان المقامان عن مشاهدتين: إحداهما أعلى وأنفذ من الأخرى لحالين: أحدهما أتم وأكمل، فهذا كما قيل ذنوب المقربين حسنات الأبرار: أي ما يرغب فيه الأبرار فهو عندهم فضائل، قد زهد فيه المقربون، فهو عندهم حجاب، ومن حقت عليه كلمة العذاب، وسبق له من مولاه الختم بسوء الاكتساب، لم ينفعه شيء، فهو يعمل في بطالة لا أجر له ولا عاقبة قد نظر إليه نظرة بعذ؛ فهو يزداد بأعماله بعدا من قبل أن سوء الخاتمة قد تكون في وسط العمر، فلا ينتظر بها آخره يوافق معصية تكون سببها كعند الخاتمة، إذ هما في سبق العلم سواء، فالخاتمة حينئذ فاتحة، والوقتان واحد.
فإذا انقطعت الآجال وانتهت الأعمال تناهي في الإبعاد فحل في دار البعد، وقد روينا في الخبر والله لا يقبل الله تعالى من مبتدع عملا إنه رد على الله تعالى سننه فرد عليه عمله كلما ازداد اجتهادا ازداد من الله تعالى بعدا، كما قال الحكيم:
من غص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء
بل كيف يصنع من أقصاه مالكه ... فليس ينفعه طب الأطباء
وعن مشاهدة هذا المعنى كان خوف الحسن البصري رحمه الله تعالى وحزنه، لعلمه بأنه عز وجل لايبالي ما فعل، فخاف أن يقع بوصف الجبرية في ترك المبالاة، وأن يجعله نكالا لأصحابه، وموعظة لأهل طبقته.
ويقال إنه ما ضحك أربعين سنة وكنت إذا رأيته قاعدا كأنه أسير قدم ليضرب عنقه، وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها، وإذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه، وعوتب في شدة حزنه فقال: ما يؤمنني أن يكون قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني، فقال اذهب فلا غفرت لك، فأنا أعمل في غير معمل، فنحن أحق بهذا من الحسن رحمه الله، ولكن ليس الخوف يكون لكثرة الذنوب، فلو كان كذلك لكنا أكثر خوفا منه، إنما يكون لصفاء القلب وشدة التعظيم لله تعالى.
وقد بشر العلاء بن زياد العدوي بالجنة وكان من العباد فغلق عليه بابه سبعا ولم يذق طعاما، وجعل يبكي ويقول: أنا في قصة طويلة، حتى دخل عليه الحسن فجعل يعذله في شدة خوفه وكثرة بكائه، فقال يأخي من أهل الجنة إن شاء الله تعالى، أقاتل نفسك؟ فما ظنك برجل يعذله الحسن في الخوف، وقد كان من فوقهم من عليه الصحابة يتمنون أنهم لم يخلقوا بشرا وقد بشروا بالجنة يقينا في غير خبر.
من ذلك قول أبي بكر رضي الله عنه: ليتني مثلك ياطير وأني لم أخلق بشرا، وقول عمر رضي الله عنه: وددت أني كنت كبشا ذبحني أهلي لضيفهم، وأبوذر رضي الله عنه يقول: وددت أني شجرة تعضد، وطلحة والزبير رضي الله عنهما يقولان: وددنا أنا لم نخلق، وعثمان رضي الله عنه يقول: وددت أني إذا مت لا أبعث، وعائشة رضي الله عنها تقول: وددت أني كنت نسيا منسيا، وابن مسعود رضي الله عنه يقول: ليتني أني أكون رمادا، وفي رواية عنه: ليتني كنت بعرة، ليتني لم أك شيئا في طبقة يكثر عدهم ونحن في ارتكاب الكبائر ونحدث نفوسنا بالدرجات العلى والقرب من سدرة المنتهى، ونسينا أن أبانا آدم صلوات الله عليه أخرج من الجنة بعد أن دخلها بذنب واحد ونحن لم نرها بعد فإنما نضرب في حديد بارد.
وروينا في خبر أن رجلا من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا فقالت أمه هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في سبيل الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره، وفي حديث آخر بمثل هذه القصة أنه دخل على بعض أصحابه وهو عليل، فسمع أمه تقول هنيئا لك الجنة، فقال: من هذه المتألية على الله عز وجل فقال الرجل: هي أمي يا رسول الله فقال: وما يدرك لعل فلانا كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه.

(1/318)


وروينا بمثل معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على طفل منفوس، ففي راوية: إنه سمع يقول في دعائه: اللهم قه عذاب القبر وعذاب جهنم وفي رواية ثانية: إنه سمع قائلة تقول: هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة، فغضب وقال: ما يدريك؟ إنه كذلك والله، إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي، إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا لا يزاد فيهم ولاينقص منهم، وقد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة عثمان بن مظعون، وكان من المهاجرين الأول واستشهد لما قالت أم سلمة رضي الله عنها ذلك، وكانت تقول: والله لا أزكي أحدا بعد عثمان رضي الله عنه، وأعجب من ذلك أنا روينا عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه أنه قال: والله لا أزكي أحدا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي الذي ولدني قال: فتكلمت الشيعة، فأخذ يذكر من فضائل علي كرم الله وجهه ومناقبه؛ فهذه المعاني أحرقت قلوب الخائفين ولعل ذكر البعد في الأبعاد الذي شيب الحبيب القريب في قوله صلى الله عليه وسلم: شيبتني هود وأخواتها وسورة الواقعة وإذا الشمس كورت وعم يتساءلون لأن في سورة هود ألا بعدا لثمود (ألا بعدا لعاد قوم هود) هود:60 ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود، وفي سورة الواقعة: (ليس لوقعتها كاذبة) الواقعة:2 يعني وقعت السابقة لمن سبقت له وحقت الحاقة بمن حقت عليه خافضة رافعة خفضت قوما في الآخرة كانوا مرفوعين في الدنيا حين ظهرت الحقائق وكشفت عواقب الخلائق، وأما سورة التكوير ففيها خواتم المصير وهي صفة القيامة لمن أيقن وفيها تجلي معاني الغضب لمن عاين آخر ذلك، وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت هذا فصل الخطاب أي عند تسعير النيران واقتراب الجنان، حينئذ يبتين للنفس ما أحضرت من شر يصلح له الجحيم أوخير يصلح له النعيم وتعلم إذ ذاك من أي أهل الدارين تكون وفي أي منزلين تحل، فكم من قلوب قد تقطعت حسرات على الأبعاد من الجنان بعد اقترابها وكم من نفوس تصاعدت زفرات عن يقينها بمعاينة لنيران أنها تصيبها، وكم من أبصار ذليلة خاشعة لمشاهدة الأهوال، وكم من عقول طائشة لمعاينة الزلزال.
وحدثنا عن أبي سهل رحمه الله تعالى قال: رأيت كأني أدخلت الجنة فلقيت فيها ثلاثمائة نبي، فسألتهم ما أخوف ما كنتم تخافون في الدنيا؟ فقالوا لي: سوء الخاتمة، فالخاتمة هي من مكر الله تعالى الذي لا يوصف، ولا يفطن له ولا عليه يوقف، ولا نهاية لمكره، لأن مشيئته وأحكامه لا غاية لها.

(1/319)


ومن ذلك الخبر المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل بكيا خوفا من الله تعالى، فأوحى الله إليهما لم تبكيان وقد أمنتكما؟ فقالا: ومن يأمن مكرك؟ فلولا أنهما علما أن مكره لانهاية له، لأن حكمه لاغاية له، لم يقولا ومن يأمن مكرك مع قوله: قد أمنتكما ولكان قد انتهى مكره بقوله، ولكانا قد وقفا على آخر مكره، ولكن خافا من بقية المكر الذي هو غيب عنهما، وعلما أنهما لا يقفان على غيب الله تعالى، إذ هو علام الغيوب، فلا نهاية للعلام في علم، ولا غاية للغيوب بوصف، فلم يحكم عليهما القول لعنايته بهما وفضل نظره إليهما، ولأنهما على مزيد من معرفة الصفات، إذ المكر عن الوصف وإظهار القول لايقضي على باطن الوصف، فكأنهما خافا أن يكون قوله تعالى: قد أمنتكما مكري مكرا منه أيضا بالقول على وصف مخصوص عن حكمة قد استأثر بعلمها يختبر بذلك حالهما، وينطر كيف يعملان تعبدا منه لهما به، إذ الابتلاء وصفه من قبل أن المبتلي اسمه فلا يترك مقتضى وصفه لتحقق اسمه، ولا تبدل سنته التي قد خلت في عباده، كما اختبر خليله عليه السلام لما هوى به المنجنيق في الهواء، فقال حسبي الله ربي فعارضه جبريل عليه السلام فقال ألك حاجة؟ قال لا، وفاء بقوله حسبي الله فصدق القول بالعمل فقال الله تعالى: (وإبراهيم الذي وفى) النجم:37 بقوله حسبي اللهولأن الله تعالى لا يدخل تحت الأحكام؛ ولا يلزمه ما حكم به على الأنام، ولا يختبر صدقه سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يوصف بضد الصدق وأن بدل الكلم هو بتبديل منه، لأن كلامه قائم به، فله أن يبدل به ماشاء، وهو الصادقين في الكلامين، العادل في الحكمين، الحاكم في الحالين، لأنه حاكم عليه ولا حكم يلزمه فيه، لأنه قد جاز العلوم والعقول التي هي أماكن للحدود من الأمر والنهي، وفات الرسوم والمعقول التي هي أواسط الأحكام والأقدار.
وفي مشاهدة ما ذكرناه علم دقيق من علوم التوحيد، ومقام رفيع من أحوال التوحيد وبمثل هذا المعنى وصف صفيه موسى في قوله تعالى (فأوجس في نفسه خيفة موسى) طه:66 بعد قوله تعالى (لا تخافا إنني معكما) طه:46 الآية، فلم يأمن موسى أن يكون قد أسر عنه في غيبه، واستثنى في نفسه سبحانه ما لم يظهره له في القول، لمعرفة موسى عليه السلام بخفي المكر وباطن الوصف، ولعلمه أنه لم يعطه الحكم إذ هو محكوم عليه مقهور، فخاف خوفا ثانيا حتى أمنه أمنا ثانيا بحكم ثان، فقال: (لا تخف إنك أنت الأعلى) طه:68 فاطمأن إلى القائل ولم يسكن إلى الإظهار الأول، لعلمه بسعة علمه أنه هو علام الغيوب التي لا نهاية لها، ولأن القول أحكام والحاكم لا تحكم عليه الأحكام كما لا تعود عليه الأحكام، وإنما تفصل الأحكام من الحاكم العلام، ثم تعود على المحكومات أبدا، ولأنه جلت قدرته لا يلزمه مالزم الخلق الذي هم تحت الحكم، ولايدخل تحت معيار العقل والعلم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، عند من عرفه فأجله وعظمه عن معارف من جهله.
ومن هذا قول عيسى عليه السلام من قوله تعالى: (إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) المائدة:116 لما قال له: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) المائدة:116 ومثل هذا قوله في يوم القيامة (إن تعذبهم فإنهم عبادك) المائدة:118 فجعلهم في مشيئة لعزته وكحمته ولا يصلح أن نكشف حقيقة ما فصلناه في كتاب، ولا ينبغي أن نرسم ما رمزناه من الخطاب خشية الإنكار، وكراهة تفاوت علم أهل المعقول والمعيار إلا أن يسأل عنه من أقيم فيه وأريد به من ذوي القوة والإبصار، فينقل من قلب إلى قلب، فحينئذ يتلوه شاهد منه، أويكشفه علام الغيوب في سرائر القلوب بوحي الإلهام، ويقذفه بنور الهدى للإعلام، والله الموفق لمن شاء من العباد، لما شاء من الحيطة بالعلم وهو الفتاح العليم إذا فتح القلب علمه وإذا نوره بالقين ألهمه.
ومن خوف العارفين علمهم بأن الله تعالى يخوف عباده بمن شاء من عباده الأعلين، يجعلهم نكالا لأدنين ويخوف العموم من خلقه بالتنكيل ببعض الخصوص من عباده حكمة له وحكما منه.

(1/320)


فعند الخائفين في علمهم أن الله تعالى قد أخرج طائفة من الصالحين نكالا خوف بهم المؤمنين؛ ونكل طائفة من الشهداء خوف بهم الصالحين، وأخرج جماعة من الصديقين خوف بهم الشهداء؛ والله تعالى أعلم بما وراء ذلك.
وقد أخرج جماعة من الملائكة وعظ بهم النبيين، وخوف بهم الملائكة المقربين، فصار من أهل كل مقام عبرة لمن دونهم وموعظة لمن فوقهم، وتخويف وتهديد لأولي الأبصار، وهذا داخل في بعض تفسير قوله عز وجل: (آتيناه آياتنا فانسلخ منها) الأعراف:175 قال بعض أهل التفسير في أخبار بلعم بن باعوراء: إنه أوتي النبوة، والمشهور أنه أوتي الاسم الأكبر، فكان سبب هلاكه، وهو مقتضى وصف من أوصافه، وهو ترك المبالاة بما أظهر من العلوم والأعمال، فلم يسكن عند ذلك أحد من أهل المقامات في مقام، ولا نظر أحد من أهل الأحوال إلى حال، ولا أمن مكر الله تعالى عالم به في كل حال، كيف وقد سمعوه تبارك وتعالى يقول: (إن عذاب ربهم غير مأمون) المعارج:28 فأجهل الناس من أمن غير مأمون، وأعلمهم من خاف في الأمن حتى يخرج من دار الخوف إلى مقام أمين.
وهذا خوف لايقوم له شيء؛ وكرب لا يوازيه مقام ولا عمل، لولا أن الله تعالى عدله بالرجاء لأخرج إلى القنوط، ولولا أنه روحه بروح الأنس بحسن الظن لأدخل في الإياس، ولكن إذا كان هو المعدل وهو المروح كيف لا يعتدل الخوف والرجاء، ولا يمتزج الكرب بالروح والرضا، حكمة بالغة، وحكم نافذ، لعلم سابق، وقدر جار، ماشاء الله تعالى لا قوة إلا بالله.
وفي شهود ما ذكرناه علم عن مشاهدة توحيد لمن أشهده، فأقل ما يفيد علم هذا الخائفين ترك النظر إلى أعمالهم ورفع السكون إلى علومهم وصدق الافتقار في كل حال ودوام الانقطاع بكل هم والإزراد على النفس في كل وصف؛ وهذه مقامات لقوم، فيكون هذا الخوف سبب نجاتهم من هذه الوقائع إذ قد جعل الله تعالى التخويف أمنة من الأخذ بالمفاجأة وسببا للرأفة والرحمة لمن ألبسه إياه، وهو أحد الوجهين وفي قوله تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض) النحل:45 الآية، ثم قال تعالى: (أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم) النحل: 47 وليس يصلح أيضا أن نكشف سر المخاوف من الخاتمة والسابقة لأن ذلك يكون عن حقائق معاني الصفات التي ظهرت عن حقيقة الذات فأظهرت بدائع الأفعال وغرائب المآل وأعادت الأحكام على من أظهر بها وجعل لها ممن حقت عليه الكلمات وجعل نصيبه من معاني هذه السريرة من الصفات فيؤدي ذلك منا إلى كشف باطن الأوصاف؛ وهذا غير مأمور به ولا مأذون فيه، لأنه لا يجب فلم يؤمر به، ولأنه لم يبح فلم يؤذن فيه، وهو من سر القدر وقد نهي عن إفشائه في غير خبر ولو لم يطلع الأولياء عليه لما قيل: فلا تفشوه، فإن أقام الله تعالى عبدا مقام هذه المشاهدة أغناه بالمعاينة عن الخبر، وآنسه بالمحادثة عن الأثر، وذلك هو العلم النافع الذي يكون العلام معلمه، وذلك هو الأثر اللازم الذي يكون الجاعل مؤثره، (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) الطلاق:3 فالكتب الذي لا يمحي ما كان من نوره والعين التي لا تخفى لأنها بحضوره والنور الذي لا يطفأ لأنه من روحه والروح الذي لا كرب فيه لأنه من ريحانه والمدد الذي لا ينقطع فمن روحه، وقد كتب وأيد وكل كتاب بيد مخلوق فغيرمحفوظ وقد يضيع وكل أيد بغير روحه فمقطوع وما كتبه الصانع بصنعه في قلب حفيظ فمثبت عتيد.
وقد روينا عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: (في لوح محفوظ) البروج:22، قال: قلب المؤمن وقال آخر في قوله: (والبيت المعمور) الطور:4 قلب العارف، وقال بعض أهل المعرفة: (في بيوت أذن الله أن ترفع) النور:36 قلوب المقربين رفعت إلى وصف الخالق عن ذكر المخلوقين ويذكر فيها اسمه بالتوحيد على تجريد الوحدانية عن شهادة الأحدية.

(1/321)


وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول: الصدر هو الكرسي والقلب هو العرش والله تبارك وتعالى واضع عليه عظمته وجلاله، وهو مشهود بلطفه وقربه، فصدرالمومن أوله صمدية وآخره روحانية وأوسطه ربوبية، فهو صمدي روحاني رباني وقلبه أوله قدرة وآخره بر، وأوسطه لطف، فإذا كان كذلك فهو مشكاة فيها مصباح يرى به الزجاج كأنها كوكب دري تشهد به الآلاء، فهو مرآة جسدي يرى فيرى به الوجه ويجده عنده كما يراه به من وراء مرآة مشاهدة من قلب موقن بعين يقين، يشهد الصدر الكرسي والقلب العرش والله تعالى عليه.
ولا يحل للعلماء أيضا كشف علامات سوء الخاتمة فيمن رأوها فيه من العمال لأن لها علامات جلية عند المكاشفين بها وأدلة خفية عند العارفين المشرف بهم عليها، ولكنها من سر المعبود في العبد خبيئة وخبأة في خزائن النفوس لم يطلع عليها إلا الأفراد وقد ستر ذلك وعطاه بسعة رحمته وحلمه وكثيف ستره وفضله وسيخرج ذلك الخباء يوم تبلى السرائر عند غضبه وعظيم سطوته، فما له من قوة، من عمل، ولا ناصر من علم لا قوة له فينتصر بها، لأن النصرة عزة وهو ذليل، ولا ناصر، لأن الناصر هو الخاذل والمقوى هو المضعف، فما أسوأ حال من لا ينصر نفسه، وليست له من مولاه صحبة، ولو صحبه لنصره، ولو نصره لأعزه ولو وليه لهرب منه عدوه.
قال تعالى: (لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون) الأنبياء:43 وقال تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض) الفرقان: 6 الآية.
فمن حكمته غفره ومن رحمته ستره، وقال تعالى: (يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون) النمل: 25؛ فهذه العلوم التي ذكرناها توجب حقائق المخاوف، وهي من سر الملك وخباء الملكوت.
على أن للعبد عند الموت علامات ليس يخفى على العارف بسوء الخاتمة بها لمشاهدته لها وللأحياء علامات عند المكاشفين على الاطلاع يعرفون بها سوء الخاتمة منهم، وهذا علم مخصوص به: من أقيم مقام مقامات المكاشفات عن مشاهدة حقيقة من ذات، وهوسر علام الغيوب عند من أطلعه عليه من أهل القلوب، لأن الكشف يتنوع أنواعا من المعاني، فمنه كشف معاني الآخرة، ومنه كشف بواطن الدنيا، ومنه الاطلاع على حقائق الأشياء المستورة لظواهر الأحكام، فهذا من سر الملكوت، ومن معاني كشوف الجبروت.
وقد جاء في خبر القدر سر الله فلا تفشوه فهذا خطاب لمن كوشف به، وفي خبر آخر ستر الله فلا تكشفوه فهذا خطاب لمن لم يكاشف به، وهذا نهي عن السؤال عنه، وهو داخل في قوله تعالى (ولاتقف ما ليس لك به علم) الإسراء:36 أي لا تتبع نفسك علم ما لم تكلف، ولا تسأل عما لم يجعل من علمك ولم يوكل إليك، ولأنه إذا علمه لم ينفعه علمه شيئا، وإنما ينفعه علم الأحكام والأسباب، لأنها طرقات، وبمثل مخاطبة المؤمنين خاطب أنبياءه عليهم السلام في هذا المعنى في قوله تعالى لنوح عليه السلام حين قال: (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق) هود:45 لأنه قدكان وعده نجاة أهله فقال سبحانه وتعالى: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم) هود:46 أي دعاءك ومسألتك لي ما لم أجعله من علمك ولم أكله إليك عمل غير صالح، فعندها استغفر ربه واسترحمه.

(1/322)


وإن العبد عند موته في آخر ساعة من عمره يكشف له عند كشف الغطاء عن بصره وجوه كثيرة قد اتخذت آلهة من دون الله أو أشرك بها مع الله تعالى وكلها تزيين وغرور فإن وقف القلب مع أحدها، أو زين له بعضها أوتقلب قلبه في شيئ منها عند آخر أنفاسه ختم له بذلك، فخرجت روحه على الشك أو الشرك، وهذا هو سوء الخاتمة، وهو نصيب العبد من الكتاب في السابقة عند خلق الأرواح، معدومة لها في الأشباح في الآباد والآزال قبل إظهار الأكوار والأدوار، فشهدتها الأرواح هناك غرورا، ووقفت معها وقد زادت لها زورا رسوم في القلب في التخطيط قبل خلق الأجسام لها، وقبل حجبها بكشف الهياكل عند ظهورها في الوجود، وقبل إقامتها بشاهد العقل، لكن بشاهد الأولية بدت، وبمعنى القيومية وجدت، وبوصف الجامع جمعت ثم فرقت ههنا، فظهرت الآن عند الفراق، لما كانت شهدت في التلاق، واعترفت في الآخر بما كانت نطقت في الأول وخرجت الروح على ما شهدت، وهذا كان خبر السابقة التي أدركت الأرواح المرافقة لها في الأجسام عند الخاتمة.
ومن ذلك جاء في الأثر: يأخذ ملك الأرحام النطفة في يده فيقول: يارب أذكر أم أنثى؟ أسوى أم معوج، ما رزقه، وما عمله؟ ما أثره ماخلقه؟ قال: ثم يخلق الله تعالى على يده كما قال: فإذا صورة قال: يارب أنفخ فيه بالسعادة أو بالشقاوة فلذلك خرجت الروح بما دخلت به (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم، وتصلية جحيم) الواقعة:88 - 94 (كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) الأعراف:29 (كما بدأنا أول خلق نعيده) الأنبياء:104 (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني) السجدة:13 وقال سبحانه وتعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) الأنبياء:101 (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك) يونس:96 (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) الأعراف: 179 (ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون) المؤمنون:63 (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) الزمر:47 (إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين) الأنبياء: 106 فهذه الآي ونظائرها وردت في السوابق الأول والخواتم الآخر، وفيها سرائر الغيوب وغرائب الفهوم، وهي من آي المطلع لأهل الإشراف على شرفات العرش والأعراف.
وقال بعض العارفين: لو علمت أحدا على التوحيد خمسين سنة ثم حالت بيني وبينه أسطوانة فمات لم أقطع له بالتوحيد، لأني لا أدري ما ظهر من التقليب.
وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل حركة، وكل خطرة وهمة، يخافون البعد من الله تعالى، وهم الذين مدح الله تبارك وتعالى (وقلوبهم وجلة) وقال لا يصح خوفه حتى يخاف من الحسنات كما يخاف من السيئات.
وقال أيضا: أعلى الخوف أن يخاف سابق علم الله تعالى فيه، ويحذر أن يكون منه حدث خلاف السنة يجره إلى الكفر، وقال: خوف التعظيم ميزان خوف السابقة.
وكان بعض العارفين يقول: لو كانت الشهادة على باب الدار والموت على الإسلام عند باب الحجرة لاخترت الموت على الشهادة، قيل ولم؟ قال: لأني لا أدري ما يعرض بقلبي من المشاهدة فيما بين باب الحجرة وباب الدار فيغير التوحيد.

(1/323)


وروينا عن زهير بن نعيم الباني قال: ما أكبر همي ذنوبي، إنما أخاف ما هو أعظم علي من الذنوب وهو أن أسلب التوحيد، وأموت على غيره، وروي ابن المبارك عن أبي لهيعة عن بكر بن سوادة قال: كان رجل يعتزل الناس أينما كان يكون وحده فجاء أبو الدرداء فقال: أنشدك الله تعالى ما يحملك على أن تعتزل الناس؟ قال: إني أخشى أن أسلب ديني وأنا لا أشعر، قال: أترى في الحي مائة يخافون ما تخاف؟ فلم يزل ينقص حتى بلغ عشرة قال: فحدثت بذلك رجلا من أهل الشام فقال ذلك شرحبيل بن سمط يعني من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان أبوالدرداء يحلف بالله تعالى ويقول: ما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه عند الموت إلا سلبه، وقد كان بعض علمائنا يقول: من أعطى التوحيد أعطيه بكماله، ومن منعه منعه بكماله إذا كان التوحيد في نفسه لا يتبعض.
ولما احتضر سفيان الثوري رضي الله عنه جعل يبكي ويجزع فقيل له: يا أبا عبد الله عليك بالرجاء فإن عفو الله أعظم من ذنوبك فقال: أو على ذنوبي أبكي؟ لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال أن ألقى الله تعالى بأمثال الجبال من الخطايا، وقال مرة: ذنوبي أهون من هذه ورفع حبة من الأرض إنما أخاف أن أسلب التوحيد في آخر الوقت، وقد كان رحمه الله أحد الخائفين، كان يبول الدم من شدة الخوف، وكان يمرض المرضة من المخافة، وعرض بوله على بعض الكتابيين فقال: هذا بول راهب من الرهبان وكان يلتفت إلى حماد بن سلمة فيقول: يا أبا سلمة ترجو لمثلي العفو أو يغفر لمثلي؟ فيقول له حماد:نعم أرجو له.
وقد كان بعض العلماء يقول: لو أني أيقنت أن يختم لي بالسعادة كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس في حياتي أجعله في سبيل الله تعالى.
وحدثني بعض إخواني الصادقين وكان خائفا أنه أوصى بعض إخوانه فقال: إذا حضرتني الوفاة فاقعد عند رأسي فإذا عاينت فانظر إلي فإن رأيتني مت على التوحيد فاعمد إلى جميع ما أملكه فاشتر به لوزا وسكرا وانثره على صبيان أهل المدينة وقل: هذا عرس المنفلت، وإن رأيتني مت على غير التوحيد فأعلم الناس أني قد مت على غير التوحيد حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ليحضر جنازتي من أحب على بصيرة لئلا يلحقني الرياء فأكون قد خدعت المسلمين فقلت: ومن أين أعلم أنك قد مت على التوحيد؟ فذكر له علامة تظهر من بعض الأموات لم نحب ذكرها، قال: فكنت عند رأسه أنظر إليه كما أمر، حتى أعاين فرأيت علامة حسن الخاتمة وأمارة الموت على التوحيد قد ظهرت وفاضت روحه، قال: فنفذت وصيته كما أمر ولم أحدث بذلك إلا خصوص إخواني من العلماء؛ وذلك أن العبد مهما عمل في حياته من سوء أعيد ذكره عليه عند فراق الحياة ووقعت مشاهدته فيه عند آخرساعة من عمره، فإن استحلى ذلك بقلبه أو استهواه بنفسه وقف معه فإذا وقف معه حسب عليه عملا له وإن قل وكان ذلك خاتمته وكذلك ما عمل من خير أعيد ذكره ومشاهدته عليه فإن عقد عليه بقلبه أو أحب وقف معه فحسب عملا له وكان ذلك حسن خاتمته.
وقال بعض هذه الطائفة في قول الله تعالى: (خلق الموت والحياة ليبلوكم) الملك:2 قال: يبلوكم بتقليب القلوب في حال الحياة بخواطر الذنوب وفي حال الموت بإلحاد عن التوحيد، فمن خرجت روحه على التوحيد وجاوزت البلاوي كلها إلى المبلى فهو المؤمن وذلك هوالبلاء الحسن، كما قال الله تعالى: (ولىبلي المؤمنين منه بلاء حسنا) الأنفال: 17 فهذه المعاني من العلوم أوجبت خوف الخائفين من علم الله تعالى فيهم فلم ينظروا معها إلى محاسن أعمالهم لحقيقة معرفتهم بربهم؛ وهذا الخوف هو الثواب لعلمهم بما يعلمون، فلما سلموا من مطالبة بما يعملون وصحوا على العلم ظهر لهم خوف علم الله تعالى فيهم نعمة من الله تعالى عليهم، فكان ذلك مقاما لهم، كما قال الله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما) المائدة: 23 قيل بالخوف.

(1/324)


والمقام الآخر لأصحاب اليمين دون هولاء؛ خوف الجنايات والاكتساب، وخوف الوعيد وسر العقاب، وخوف التقصير في الأمر وخوف مجاوزة الحد وخوف سلب المزيد، وخوف حجاب اليقظة بالغفلة، وخوف حدوث الفترة بعد الاجتهاد عن المعاملة، وخوف وهن العزم بعد القوة وخوف نكث العهد بنقض التوبة، وخوف الوقوع في الإبتلاء بالسبب الذي وقعت منه التوبة، وخوف عود الاعوجاج عن الاستقامة، وخوف العادة بالشهوة وخوف الحور بعد الكور؛ وهو الرجوع عن الحجة إلى طريق الهوى وحرث الدنيا وخوف اطلاع الله تعالى عليهم عندما سلف من ذنوبهم ونظره إلىهم على قبيح فعلهم فيعرض عنهم ويمقتهم وهذه كلها مخاوف وطرقات لأهل المعارف وبعضها أعلى من بعض وبعضهم أشد خوفا من بعض، ويقال: إن العرش جوهرة يتلألأ ملء الكون فلا يكون للعبد وجد في حال من الأحوال إلا طبع مثاله في العرض على الصورة التي يكون عليها العبد فإذا كان يوم القيامة ووقف للمحاسبة أظهرت له صورته من العرش فرأى نفسه على هيئته التي كان في الدنيا فذكر فعله بمشاهدته نفسه فيأخذه من الحياء والرعب ما يجل وصفه.
ويقال: إن الله سبحانه إذا أعطى عبدا معرفة ثم لم يعامله بها لم يسلبه إياها، بل أبقاها عليه ليحاسبه على مقدارها، ولكن يرفع عنه البركة ويقطع عنه المزيد.
وقد ذم الله تعالى عبدا أوجد له نعمة استعمله بها صالحا بعد أن كان قد ابتلاه بهواه ففخر الآن بعمله ونسي ما قدمت يداه، ولم يخف أن يعيده فيما قد كان جناه في قوله تبارك وتعالى: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور) هود:10 ومن المخاوف خوف النفاق، وقد كان السلف لصالح من الصحابة رضي الله عنهم وخيار التابعين يخافون ذلك.
كان حذيفة رضي الله عنه يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا حتى يلقى الله تعالى، إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات.
وكان يقول: تأتي على القلب ساعة يمتلئ بالإيمان حتى لا يكون للنفاق فيه مغرز إبرة، ويأتي عليه ساعة يمتلئ بالنفاق حتى لايكون للإيمان فيه مغرز إبرة.
وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إنكم لتعلمون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر وفي لفظ آخر: من الموبقات.
وقد كان الحسن رحمه الله يقول: لوأني أعلم أني بريء من النفاق كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
وقيل: لايعرى من النفاق إلاثلاث طبقات من المؤمنين: الصديقون والشهداء والصالحون، وهؤلاء الذين مدحهم الله تعالى بكمال النعمة عليهم، وألحقهم بمقامات أنبيائه لكمال الإيمان وحقيقة اليقين فيهم، وقيل من أمن من النفاق فهو منافق.
وكان بعضهم يقول: علامة النفاق أن يكره من الناس ما يأتي مثله، وأن يحب على شيء من الجور، وأن يبغض على شيء من الحق، ومن النفاق من إذامدح بما ليس فيه أعجبه ذلك.
وعلامات النفاق أكثر من أن تحصى، يقال هي سبعون علامة، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع هن أصولها تتشعب منها الفروع فقال عليه الصلاة والسلام أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، وإن كانت فيه خصلة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب؛ وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر وفي لفظ آخر إذا عاهد غدر فصارت خمسا.
وقال رجل لابن عمر رضي الله عنهما: إنا ندخل على هؤلاء الأمراء ونصدقهم بما يقولون فإذا خرجنا تكلمنا فيهم، فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروينا عنه من طريق آخر أنه سمع رجلا يذم الحجاج ويقع فيه فقال له: أرأيت لو كان الحجاج حاضرا أكنت تتكلم بما تكلمت به؟ قال لا، قال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأشد من ذلك أن نفرا قعدوا على باب حذيفة رضي الله عنه ينتظرونه، فكانوا يتكلمون في شيء من شأنه، فلما خرج عليهم سكتوا حياء منه، فقال:تكلموا فيما كنتم تقولون فسكتوا، فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/325)


وأعظم من هذا ما كان الحسن رحمه الله يذهب إليه، كان يقول: إن من النفاق اختلاف السر والعلانية، واختلاف اللسان والقلب، والمدخل والمخرج.
فدقائق النفاق وخفايا الشرك عن نقصان التوحيد وضعف اليقين أوجبت المخاوف على المؤمنين خشية مقت الله تعالى، وخوف حبوط الأعمال.
من ذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن الرجل ليخرج من منزله ومعه دينه فيرجع إلى منزله وليس معه من دينه شيء، يلقى الرجل فيقول: إنك لذيت وذيت ويلقى الآخر فيقول لأنت وأنت، ولعله لا يخلى منه بشيء، وقد سخط الله تعالى عليه، يعني به التزكية لما لا يعلم، والمدح لمن يستحق الذم، واختلاف قلبه ولسانه، ففي هذا مقت من الله تعالى.
وفوق هذه المخاوف سلب الإيمان الذي هو عندك في خزانة المؤمن، يظهره كيف شاء، ويأخذه متى شاء، لا يدري أهبة وهبه لك فيبقيه عليك لكرمه؟ أو وديعة وعارية أودعك إياه وأعارك هو؟ فيأخذه إذا لا محالة لعدله وحكمته، وقد أخفى عنك حقيقة ذلك، واستأثر بعاقبته.
وقال بعض العارفين: إنما قطع بالقوم عند الوصول مع الخاتمة: وقال آخر: واخطراه كما قال أبو الدرداء وحلف: ما أحد أمن من أن يسلب إيمانه إلا سلبه، أفرأيت الوقت الذي قال حذيفة: يأتي على القلب ساعة فيمتلئ نفاقا حتى لا يكون فيه للإيمان مغرز إبرة، إن صادف الموت ذلك الوقت وكان هو آخر وقت، أليس تخرج روحه على النفاق، وكذلك تقليبات القلوب في معاني الشرك وتلويحات الشك إن وافق وقت الوفاة كان خاتمته عند لقاء مولاه، وإنما سميت الخاتمة لأنها آخر عمله وآخر ساعة من العمر، وخاتم الشيء آخره ومن ذلك قوله تعالى: (وخاتم النبيين) الأحزاب:40 أي آخرهم، ومثله: (ختامه مسك) المطففين:26 وخاتمه مسك أي آخر الكأس، بدلا من الثفل يكون مسكا.
ومن المخاوف خوف قطع المزيد من علم الإيمان مع بقية المعرفة المبتدأة ليكون مستدرجا بها كما قال بعض العلماء: إن الله تبارك وتعالى إذا أعطى عبدا معرفة فلم يعامله بها لم يسلبه تلك المعرفة ولكن بقاؤها فيه حجة عليه ليحاسبه على قدرها وإنما يقطع عنه المزيد وقد يقسى قلبه وتجري عينه وذلك من النقصان الذي لا يعرفه إلا أهل التمام لأنه يمنعه منه ما ينفعه عنده ويعطيه ما يغتر به ويفتتن عند الخلق لأن عين الوجه من الملك للدنيا وعين القلب من الملكوت للآخرة وقال مالك ابن دينار: قرأت في التوراة: إذا استكمل العبد النفاق ملك عينيه فيبكي متى شاء وقد كانوا يستعيذون بالله عز وجل من بكاء النفاق وهو أن يفتح للعبد ألوان البكاء ويغلق عنه باب الذل والخشوع.

(1/326)


وقد قال الله عز وجل: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون) يوسف: 16 وكان السلف أيضا يقولون: استعيذوا بالله من خشوع النفاق قيل: وما هو؟ قال: أن تبكي العين والقلب قاس فلأن يعطي الإنسان رقة القلب في جمود عين خير من أن يعطي دموع عين في قسوة قلب، ورقة القلب عند أهل القلوب هو خشوعه وخوفه وذله وانكساره وإخباته، فمن أعطاه هذا في قلبه لم يضره ما منعه من بكاء عينه فإن رحج له بفيض العين فهو فضل، ومن أعطاه بكاء العين وحرمه خشوع القلب وذله وخضوعه وإخباته فهو مكر به؛ وهذا هو حقيقة المنع وعدم النفع وجملة بكاء العين إنما هو في علم العقل، فأما علم التوحيد بمشاهدة اليقين فلا بكاء فيه لأنه يظهر لشاهد الوحدانية فيحمله على علم القدرة فتفيض الدموع بانتشاق القوة، وقد وصف الله تعالى الباكين: إن البكاء يزيدهم خشوعا في قوله تعالى: (يبكون ويزيدهم خشوعا) الإسراء: 109 فإذا زادنا البكاء كبرا وفخرا علمنا بذلك عدم الخشوع في القلب فكان تصنعا وعجبا لخفايا آفات النفوس، فأعلى المخاوف خوف السوابق والخواتم كما كان بعض العارفين يقول: ما بكائي وغمي من ذنوبي وشهواتي لأنها أخلاقي وصفاتي لا يليق بي غيرها إنما حزني وحسرتي كيف كان قسمي منه ونصيبي حين قسم الأقسام وفرق العطاء بين العباد فكيف كان قسمي منه البعد، فهذا الذي ذكرناه هو جمل خوف العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وهم أبدال النبيين وأئمة المتقين، أولو القوة والتمكين، وسئل أبو محمد رحمه الله: هل يعطي الله أحدا من الخوف مثقالا فقال: من المؤمنين من يعطي من الخوف وزن الجبل قيل: فكيف يكون حالهم يأكلون وينامون وينكحون؟ قال: نعم يفعلون ذلك والمشاهدة لا تفارقهم والمأوى يظلهم قيل: فأين الخوف قال:يحمله حجاب القدرة بلطيف الحكمة ويستر القلب تحت الحجاب في التصريف بصفات البشرية فيكون مثل هذا العبد مثل المرسلين، وهذا كما قال لأن مشاهدة التوحيد بالتصريف والحكمة تقيمه بالقيام بالأحكام، وذلك أن نور الإيمان في القلب عظيم لو ظهر للقلب لأحرق الجسم وما اتصل به من الملك إلا أنه مستور بالفضل مغطى بالعلم لإيقاع الأحكام، وإيجاب التصريف فيها والقيام يجري مجرى الغايات من معاني القدر والصفات لأن الأنوار محجوبة بالأسماء والأسماء محجوبة بالأفعال والأفعال محجوبة بالحركات فتظهر الحركة بالقدرة وهي غيب من ورائها، كذلك يظهر التصريف بالحكمة من نور الإيمان وأنوار الإيمان مستورة من ورائه.
وقال بعض العارفين: لو كشف وجه المؤمن للخلق عند الله تعالى لعبدوه من دون الله تعالى ولو ظهر نور قلبه للدنيا لم يثبت له شيء على وجه الأرض، فسبحان من ستر القدرة ومعانيها بالحكمة وأسبابها حلما منه ورحمة وتطريقا للخلق إليه للمنفعة، وفي قراءة أبي بن كعب مثل نور المؤمن، فولا أن نوره من نوره ما استجاز إبدال حرف بغير معناه، وقد كان سهل رحمه الله تعالى يقول: الخوف مباينة للنهي والخشية الورع والإشفاق الزهد، وكان يقول: دخول الخوف على الجاهل يدعوه إلى العلم، ودخوله على العالم يدعوه إلى الزهد، ودخوله على العامل يدعوه إلى الإخلاص، وقال أيضا الإخلاص فريضة لا تنال إلا بالخوف ولا ينال الخوف إلا بالزهد فقد صار الخوف يصلح للكافة إذ دخوله على العامة يخرجهم عن الحرام، ودخوله على الخاصة يدخلهم في الورع والزهد، لأن من خاف ترك، وقال أيضا: من أحب أن يرى خوف الله تعالى في قلبه فلا يأكل إلا حلالا ولا يصلح علم الرجاء إلا للخائف، وقال: الخوف ذكر والمحبة أنثى، ألا ترى أن أكثر النساء يدعون المحبة يريد بهذا أن فضل الخوف على الرجاء كفضل الذكر على الأنثى؛ وهذا كما قال لأن الخوف حال العلماء، والرجاء حال العمال، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على الكواكب.
وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل من علم أحب إلي من فضل من عمل، وخير دينكم الورع واعلم أن الخوف عند العلماء على غير ما يتصور في أوهام العامة وخلاف ما يعدونه من القلق والاحتراق أو الوله والانزعاج لأن هذه خطرات وأحوال ومواجيد للوالهين وليست من حقيقة العلم في شيء، بمنزلة مواجيد بعض الصوفية من العارفين في أحوال المحبة، من احتراقهم وولههم.

(1/327)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية