صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

تعالى أعلم .

(4/38)


مطلب : ذكر الأخبار الواردة في العزلة .
وقد جاء في مدح العزلة عدة أخبار ، عن النبي المختار ، وجملة آثار ، عن السلف الأخيار ، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال { : قال رجل أي الناس أفضل يا رسول الله ؟ قال مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله .
قال ثم من ؟ قال : رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه } - وفي رواية لهما { - يتقي الله ويدع الناس من شره } .
ورواه الحاكم بإسناد على شرطهما بلفظ { أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ قال : مؤمن يجاهد بنفسه وماله ، ورجل يعبد ربه في شعب من الشعاب وقد كفى الناس شره } .
وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد قال { : كان سعد بن أبي وقاص في إبله ، فجاءه ابنه عمر فلما رآه سعد قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب ، فنزل فقال له : أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك ، فضربه سعد في صدره وقال : اسكت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي } .
قال الحافظ المنذري : أي الغني النفس القنوع .
وروى الإمام أحمد والطبراني وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان واللفظ له عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من جاهد في سبيل الله كان ضامنا على الله ، ومن عاد مريضا كان ضامنا على الله ، ومن دخل على إمام يعزره كان ضامنا على الله ، ومن جلس في بيته لم يغتب إنسانا كان ضامنا على الله } وعند الطبراني { أو قعد في بيته فسلم الناس منه

(4/39)


وسلم هو من الناس } وهو عند أبي داود بنحوه .
ورواه الطبراني أيضا في الأوسط من حديث عائشة رضي الله عنها ولفظه : قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { خصال ست ما من مسلم يموت في واحدة منهن إلا كان ضامنا على الله أن يدخله الجنة ، فذكر منها ورجل في بيته لا يغتاب المسلمين ولا يجر إليهم سخطا ولا نقمة } .
وروى أيضا في الأوسط والصغير وحسن إسناده عن ثوبان قال : رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { طوبى لمن ملك لسانه ، ووسعه بيته ، وبكى على خطيئته } .
والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا والبيهقي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال { قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ قال أمسك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك } .
وروى الطبراني أيضا بإسناد مقارب عن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعا { من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها } .
ورواه أبو الشيخ في الثواب وله شواهد .
وأما حديث { السلامة في العزلة } فهو وإن كان معناه صحيحا فليس بحديث .
نعم قال السخاوي : أسند الديلمي معناه مسلسلا عن أبي موسى رفعه { سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته } ثم ساق قول أبي حيان رحمه الله تعالى : أرحت نفسي من الإيناس بالناس لما غنيت عن الأكياس باليأس وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدا بنات فكري وكتبي هن جلاسي وقال سيدنا عمر رضي الله عنه : خذوا حظكم من العزلة .
قال سعد بن أبي وقاص رضي

(4/40)


الله عنه : والله لوددت أن بيني وبين الناس بابا من حديد لا يكلمني أحد ولا أكلمه حتى ألحق بالله عز وجل .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لولا مخافة الوسواس لدخلت إلى بلاد لا أنيس بها ، وهل يفسد الناس إلا الناس .
وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين : العزلة عبادة وقال عمر بن عبد العزيز : إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت ويهرب من الناس فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة .
وأوصى داود الطائي : فر من الناس كما تفر من الأسد وأوصى سفيان الثوري رحمه الله تعالى بعض أصحابه فقال : إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل ، وليكن همك مرمة جهازك ، وكان يقول هذا زمان السكوت ولزوم البيت .
وقد كان سيدنا الإمام أحمد رضي الله عنه يحب الانفراد والعزلة من الناس ، وكذلك إبراهيم بن أدهم ، وسليمان الخواص ، ويوسف بن أسباط في خلق كثير من الخواص .

(4/41)


ثم ذكر الناظم رحمه الله تعالى بعض فوائد الخلوة غير ما قدمه فقال : ويسلم من قال وقيل ومن أذى جليس ومن واش بغيض وحسد ( ويسلم ) هو ( من قال ) فلان ( و ) من ( قيل ) في فلان وعن فلان ، وهو مما كرهه الله سبحانه وتعالى لنا كما في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال } .
رواه البخاري واللفظ له ومسلم وأبو داود ورواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة بنحوه ، والمراد حيث كان ذلك مما لا يعنيه ، وفي حديث أبي هريرة مرفوعا { من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه } .
( و ) يسلم أيضا ( من أذى جليس ) أي مجالس ، يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى فاعله أي ويسلم المعتزل من الأذى الصادر من الجليس وهو الأظهر ، ويحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي ويسلم في وحدته وخلوته من أن يؤذي هو جليسه ، ولا شك أن المتخلي سلم من الشيئين معا .
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة } قوله يحذيك أي يعطيك .
وعند أبي داود والنسائي عن أنس مرفوعا { مثل جليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء

(4/42)


أصابك من ريحه ، ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه } .
وروى الحاكم والعسكري عن أبي ذر مرفوعا : { الوحدة خير من جليس السوء ، والجليس الصالح خير من الوحدة ، وإملاء الخير خير من الصمت ، والصمت خير من إملاء الشر } .
( و ) يسلم أيضا ( من ) شخص ( واش ) يقال وشى فلان كلامه كذب فيه ، ووشى به إلى السلطان وشيا ووشاية نم وسعى ، وفي خبر ضعيف : خرجنا نشي بسعد إلى عمر .
قال في النهاية : يقال وشى به يشي وشاية إذا نم عليه وسعى به فهو واش وجمعه وشاة ، قال وأصله استخراج الحديث باللطف والسؤال ، ومنه في حديث الإفك { أن عبد الله بن أبي ابن سلول كان يستوشيه ويجمعه } أي يستخرج الحديث بالبحث عنه .
وفي رسالة ابن زيدون لابن أجهور : فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح ، ونبأ جاء به فاسق ، وهم الهمازون المشاءون بنميم ، والواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا ، والغواة الذين لا يتركون أديما صحيحا والسعاة الذين ذكرهم الأحنف بن قيس فقال : ما ظنك بقوم الصدق محمود إلا منهم .
قال الصلاح للصفدي في شرح الرسالة المذكورة في قوله : والواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا الأصل في هذا قول كثير عزة : لعم أبو الواشين لا عم غيرهم لقد كلفوا في خطة لا أريدها ولا يلبث الواشون أن يصدعوا العصا إذا هي لم يصلب على المرء عودها مطلب : حكاية لطيفة .
ذكرها الصلاح الصفدي في شرح الرسالة المذكورة قال : كان الخليلنجي القاضي عبد الله بن محمد ابن أخت

(4/43)


علوية المغني وكان ثقة ثبتا صدوقا تقلد القضاء للأمين ، وكان علوية عدوا له ، فجرت له قضية في بغداد فاستعفى من القضاء وسأل أن يولى بعض الكور البعيدة .
فتولى قضاء دمشق أو حمص ، فلما تولى المأمون الخلافة غناه يوما علوية بشعر الخليلنجي وهو : برئت من الإسلام إن كان ذا الذي أتاك به الواشون عني كما قالوا ولكنهم لما رأوك غرية بهجري تواصوا بالنميمة واحتالوا فقد صرت أذنا للوشاة سميعة ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا فقال له المأمون : من يقول هذا الشعر ؟ قال : قاضي بدمشق ، فأمر المأمون بإحضاره فأشخص وجلس المأمون للشرب وأحضر علوية ودعا بالقاضي ، فقال له : أنشدني قوله برئت من الإسلام الأبيات ، فقال يا أمير المؤمنين هذه أبيات قلتها من أربعين سنة وأنا صبي والذي أكرمك بالخلافة ، وورثك ميراث النبوة ما قلت شعرا منذ عشرين سنة إلا في زهد أو في عتاب صديق ، فقال له : اجلس فجلس ، فناوله قدح نبيذ كان في يده فأرعد وبكى ، وأخذ القدح من يده ، وقال : يا أمير المؤمنين ما غيرت الماء قط بشيء مما يختلف في تحليله ، فقال لعلك تريد نبيذ الزبيب ، فقال لا والله يا أمير المؤمنين لا أعرف شيئا من ذلك ، فأخذ المأمون القدح من يده وقال : أما والله لو شربت شيئا من هذا لضربت عنقك .
لقد ظننت أنك صادق في قولك كله ولكن لا يتولى إلي القضاء رجل بدأ في قوله بالبراءة من الإسلام ، انصرف إلى منزلك ، وأمر علوية فغير هذه الكلمة وجعل مكانها حرمت مكاني منك

(4/44)


والله الموفق .
وقول الناظم ( بغيض ) صفة لواش ( و ) يسلم الإنسان في خلوته أيضا من ( حسد ) جمع حاسد ، وتقدم الكلام عليه بما فيه كفاية .

(4/45)


ولما بين لك هذه الفوائد المترتبة على العزلة وأضعاف أضعافها من الفوائد مما لم ينبه عليه أمرك بها مؤكدا لما رغب فيه فقال : مطلب : في ملازمة البيوت عند الفتنة : فكن حلس بيت فهو ستر لعورة وحرز الفتى عن كل غاو ومفسد ( فكن ) أي إن كنت فهمت ما أشرت به إليك ، وأهديته عليك من هذه المناقب والفوائد الحاصلة بالاختلاء عن الناس ، فكن أنت ( حلس ) أي كن في اختلائك كحلس ( بيت ) لا تفارقه ولا تبرح عنه بل الزمه ( فهو ) أي صنيعك من لزومك لبيتك ( ستر لعورة ) وهي كل ما يستحى منه إذا ظهر .
قال في النهاية : وكل عيب وخلل في الشيء فهو عورة ، وهو المراد هنا .
وأشار بهذا إلى ما رواه ابن أبي الدنيا عن مكحول مرسلا قال : { قال رجل متى قيام الساعة يا رسول الله ؟ قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن لها أشراط وتقارب أسواق ، قالوا يا رسول الله ما تقارب أسواقها ؟ قال كسادها ومطر ولا نبات ، وأن تفشو الغيبة ، وتكثر أولاد البغية ، وأن يعظم رب المال ، وأن تعلو أصوات الفسقة في المساجد ، وأن يظهر أهل المنكر على أهل الحق .
قال رجل فما تأمرني ؟ قال فر بدينك وكن حلسا من أحلاس بيتك } .
وروى أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي .
قالوا فما تأمرنا ؟ قال

(4/46)


كونوا أحلاس بيوتكم } قال الحافظ المنذري : الحلس هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب ، يعني الزموا بيوتكم في الفتن كلزوم الحلس لظهر الدابة ، انتهى .
وقال في المطالع في قوله تلبس شر أحلاسها أي دنيء ثيابها ، وأصله من الحلس وهو كساء أو لبد يجعل على ظهر البعير تحت القتب يلازمه .
قال : ومنه يقال فلان حلس بيته أي ملازمه ، ونحن أحلاس الخيل أي الملازمون لظهورها .
ومنه في إسلام عمر رضي الله عنه : ولحوقها بالقلاص وأحلاسها أي ركوبها إياها ، انتهى .
وفي القاموس : الحلس بالكسر كساء على ظهر البعير تحت البردعة ويبسط في البيت تحت حر الثياب ، ويحرك ويجمع على أحلاس وحلوس وحلسة .
قال وهو حلس بيته إذا لم يبرح مكانه ، انتهى .
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لأصحابه : كونوا ينابيع الحكم ، مصابيح الحكمة سرج الليل جدد القلوب أحلاس البيوت ، خلقان الثياب ، تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض ، كما في شرح الإسلام لشيخ الإسلام ابن تيمية : و ) هو أي لزوم البيت ( حرز الفتى ) أي حصن حصين .
يقال حرز حريز أي منيع ( عن كل ) شخص ( غاو ) أي ضال من ذكر وأنثى يقال غوى يغوي غيا وغوى غواية ولا يكسر فهو غاو وغوي وغيان ( و ) عن كل ( مفسد ) لدينه ودنياه وقلبه وعقيدته ، يقال فسد كنصر وعقد وكرم فسادا وفسودا ضد صلح فهو فاسد .

(4/47)


مطلب : خير جليس المرء كتب تفيده علوما : وخير جليس المرء كتب تفيده علوما وآدابا كعقل مؤيد ( وخير جليس المرء ) العالم ( كتب ) جمع كتاب وإسناد الجلوس إليها مجاز ( تفيده ) بمطالعته فيها وإمعان نظره وسبره لها ( علوما ) جمع علم ، وحده صفة يميز المتصف بها بين الجواهر والأجسام والأعراض ، والواجب والممكن والممتنع تمييزا جازما مطابقا لا يحتمل النقيض ( و ) تفيده الكتب أيضا ( آدابا ) جمع أدب وهو الظرف وحسن التناول ، يقال أدب كحسن فهو أديب ( كعقل مؤيد ) أي كما تفيده الكتب أيضا بمطالعتها ولزوم التفهيم في معانيها عقلا .
وفي نسخة وعقل مؤيد بإضافة العقل إلى مؤيد ، أي عقل رجل مؤيد من الله تعالى بالتوفيق والتسديد والتحقيق ، والإلهام والتدقيق ، والإصابة في الأمور ، ومجانبة المحظور .

(4/48)


مطلب : في بيان العقل .
والعقل هو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها ، أو العلم بخير الخيرين ، أو شر الشرين ، أو مطلق الأمور لقوة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن ، والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ .
قال في القاموس وقال في شرح مختصر التحرير : العقل ما يحصل به الميز ، وهو غريزة نصا ليس بمكتسب ، بل خلقه الله تعالى يفارق به الإنسان البهيمة ، ويستعد به لقبول العلم وتدبير الصنائع الفكرية ، فكأنه نور يقذف في القلب كالعلم الضروري .
وقال الحسن بن علي البربهاري من أئمة أصحابنا : ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب ، وإنما هو فضل من الله تعالى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : هذا يقتضي أنه القوة المدركة كما دل عليه كلام الإمام أحمد ، وهو بعض العلوم الضرورية عند أصحابنا والأكثر .
وممن قال بذلك من غير أصحابنا أبو بكر بن الباقلاني وابن الصياغ وسليم الرازي فخرجت العلوم الكسبية ؛ لأن العاقل يتصف بكونه عاقلا مع انتقاء العلوم النظرية ، وإنما قالوا بعض العلوم الضرورية ؛ لأنه لو كان جميعها لوجب أن يكون الفاقد للعلم بالمدركات لعدم الإدراك المعلق عليها غير عاقل ، ومحل العقل القلب عند أصحابنا والشافعية والأطباء ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } أي عقل ، فعبر بالقلب عن

(4/49)


العقل لأنه محله ، وبقوله تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } وبقوله { لهم قلوب يعقلون بها } فجعل العقل في القلب .
وقد تقدم أنه بعض العلوم الضرورية والعلوم الضرورية لا تكون إلا في القلب .
نعم له اتصال بالدماغ كما قاله التميمي وغيره من أصحابنا وغيرهم .
وقالت الحنفية والطوفي منا : هو في الدماغ .
وقيل إن قلنا جوهر وإلا فهو في القلب .
والمعتمد عندنا أنه يختلف كالمدرك به ؛ لأنا نشاهد قطعا آثار العقول في الآراء والحكم والحيل وغيرها متفاوتة ، وذلك يدل على تفاوت العقول في نفسها .
وأجمع العقلاء على صحة قول القائل : فلان أعقل من فلان أو أكمل عقلا ، وذلك يدل على اختلاف ما يدرك به ، ولحديث أبي سعيد { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء أليس شهادة إحداكن مثل شهادة نصف الرجل ؟ قلن : بلى ، قال : فذلك من نقصان عقلها } .
وقال ابن عقيل والأشاعرة والمعتزلة : العقل لا يختلف ؛ لأنه حجة عامة يرجع إليها الناس عند اختلافهم ، ولو تفاوتت العقول لما كان كذلك ، انتهى والحق الأول ، والله أعلم .
فإن قلت : قد ذكرت أن العقل غير مكتسب ، فما وجه قول الناظم أنه يستفاد من مطالعة كتب العلم ؟ قلت : العقل عقلان ، غريزي وهذا هو الذي لا يزيد ولا يختلف ، والثاني تجريبي يختلف ويزيد وينقص بحسب كثرة الممارسة والتجربة ، وهذا ظاهر والله أعلم .
وقد نص عليه الطوفي منا وذكره في شرح التحرير ومختصره ، وقاله الماوردي من

(4/50)


الشافعية وغيرهم والله أعلم .
وقول الناظم مؤيد .
النسخ التي رأيتها بالباء الموحدة أي الدائم المستمر ، والصواب أنه بالياء المثناة تحت من أيدته تأييدا قويته تقوية .
قال الإمام المحقق ابن القيم روح الله روحه في كتابه الكلم الطيب والعمل الصالح سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، يعني الكتب .
قال وقال لي مرة : ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني ، أنا حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة .
وقال لي مرة : المحبوس من حبس قلبه عن ربه ، والمأسور من أسره هواه .
قال وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاق الرفاهية والنعيم بل ضدها مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا ، وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا تلوح نضرة النعيم على وجهه قال : وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله ، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة ، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاه من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها .

(4/51)


مطلب : في مدح الخلوة .
وقد أكثر الناس من مدح الخلوة وكف رجل لرجل عن الاختلاط بالناس نثرا ونظما .
قال بعضهم : أنست بوحدتي ولزمت بيتي فدام الأنس لي ونما السرور وأدبني الزمان فلا أبالي هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بسائل ما دمت حيا أسار الجيش أم ركب الأمير وقال غيره : اعكف على الكتب وادرس تؤتى فخار النبوة فالله قال ليحيى خذ الكتاب بقوة وقال آخر : رأيت الانقباض أجل شيء وأدعى في الأمور إلى السلامة فهذا الخلق سالمهم ودعهم فخلطتهم تقود إلى الملامة ولا تعبأ بشيء غير شيء يقود إلى خلاصك في القيامة وقال شيخ مشايخنا الشيخ عبد الباقي الحنبلي : دخل رجل على أبي العباس ثعلب وهو ينظر في الكتب فقال له إلى متى هذا ؟ فأنشد في الحال : إن صحبنا الملوك تاهوا وعقوا واستخفوا جهلا بحق الجليس أو صحبنا التجار صرنا إلى البؤس وأشغلونا كما هم بضبط الفلوس فلزمنا البيوت نستكثر الخير ونملي من الفضل بطون الطروس لو تركنا وذاك كنا ظفرنا كل أعمارنا بعلق نفيس غير أن الزمان بث بنيه فهم حسدونا على حياة النفوس ومن نظم الفقير على ظهر كتاب الملح الغرامية في شرح منظومة ابن فرح اللامية شعر : روح النفس في معان رقيقه ونكات من الغرام رشيقه وامح عن قلبك الهموم بنظم كل من حازه أثار رحيقه واغتذي بالفنون عن كل لهو يغتدى بالنهي لغير حقيقه واكتفي بالبيان عن ظل بان وعن الغيد بالعلوم الدقيقه واصحب السفر حيث كنت رفيقا فاز من سفره يكون رفيقه فهي عنوان عقل من

(4/52)


يصحبها عروة في المعاد تدعى وثيقه وعلى كل حال من أفضل كل جليس ، مجالستك لكتاب أنيس .
والله الموفق .

(4/53)


ولما كان لا يستغني كل إنسان عن مخالطة أبناء الزمان ، إذ الإنسان مدني بالطبع ومفتقر لأبناء جنسه بالوضع ، بين لك الناظم من تخالط مع استعمال الحمية عن التخليط ، واستصحاب اليقظة من التخبيط ، والتحرز من التفريط .
فقال : مطلب : في مخالطة أهل التقى والتعبد وفيه بيان معنى التوفيق : وخالط إذا خالطت كل موفق من العلما أهل التقى والتعبد ( وخالط ) أيها الأخ المسترشد والمستغيث المستنجد ( إذا خالطت ) أحدا من أبناء زمانك ، وعاشرت شخصا من إخوانك وأخدانك ، ولم تقدر على استدامة العزلة ، أو احتجت لإصلاح بعض أمور دينك على يد إمام راسخ رحله ( كل ) مفعول خالط ( موفق ) لطرق الخيرات ، مهتد لسبل السعادات ، مسدد في الحركات والسكنات ، غير مخذول ولا مفرط ، ولا جهول ولا مخلط ، والتوفيق مصدر وفق يوفق .
قال الإمام المحقق ابن القيم في شرح منازل السائرين : التوفيق إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله قادرا على فعل ما يرضيه مريدا له محبا له مؤثرا له على غيره ، ويبغض إليه ما يسخطه ويكرهه ، وهذا مجرد فعله تعالى والعبد محله .
قال وفسرت القدرية التوفيق بأنه خلق الطاعة ، والخذلان خلق المعصية ، انتهى .
وقالت المعتزلة : التوفيق خلق لطيف يعلم الرب تعالى أن العبد يؤمن عنده ، والخذلان محمول على امتناع اللطف .
حكاه أبو المعالي في الإرشاد .
وقال القاضي علاء الدين المرداوي في شرح التحرير : وفق أي سهل طريق الخير والطاعة ، والموفق

(4/54)


اسم فاعل هو صفة من صفات الله تعالى ، سمي به ؛ لأنه يوفق العباد أي يرشدهم ويهديهم إلى طاعته ، مأخوذ من الوفق والموافقة وهي التحام بين الشيئين .
وقال البغوي : التوفيق من الله خلق قدرة الطاعة وتسهيل سبيل الخير ، وعكسه الخذلان .

(4/55)


مطلب : مقام العبودية أشرف المقامات .
فأرشد الناظم رحمه الله تعالى أن الإنسان إذا خالط فلتكن خلطته لموفق من الله سبحانه لما فيه سعادته ونجاته ، وأن يكون ذلك الموفق ( من العلما ) جمع عالم وهو المتصف بالعلوم الشرعية وقصره لضرورة الوزن ، وذلك لأجل استفادته معرفة الأحكام ، من الحلال والحرام ، وإصلاح دينه ، ورسوخه وتمكينه ( أهل التقى ) صفة لازمة أو كاللازمة للعلماء ( و ) أهل ( التعبد ) والخضوع ، والذل والخشوع ، ورفع الأيدي وسفح الدموع بين يدي عالم السر والنجوى ، وكاشف الضر والبلوى .
وهذه من صفات علماء الآخرة الذين علومهم زاخرة ، ونفوسهم طاهرة ، ومقام العبودية اختاره المصطفى صلى الله عليه وسلم لنفسه على مقام الملك وهو مقام عظيم ، وصف الله سبحانه نبيه به في أشرف مقاماته كمقام التنزيل في قوله { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } ومقام الدعوة في قوله { وأنه لما قام عبد الله يدعوه } وفي مقام التحدي في قوله { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } .
وفي مقام الإسراء في قوله { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } .
{ وقام بين يديه صلى الله عليه وسلم رجل يوم الفتح فارتعد فقال له هون عليك إني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد } .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله } .

(4/56)


وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال { جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملك مهول ، فقال جبريل إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة ، فلما نزل قال يا محمد أرسلنا إليك ربك أملكا نبيا يجعلك أم عبدا رسولا ؟ قال جبريل : فتواضع لربك يا محمد ، قال بل عبدا رسولا } .
ومن مراسيل يحيى بن أبي كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد ، فإنما أنا عبد } خرجه ابن سعد في طبقاته .
وخرج أيضا من رواية أبي معشر عن المقبري عن عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاني ملك فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت نبيا ملكا ، وإن شئت نبيا عبدا فأشار إلي جبريل عليه السلام ضع نفسك فقلت نبيا عبدا .
قالت فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا ويقول : آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد } .
قلت : ورواه النسائي عن ابن عباس رضي الله عنه ما ولفظه { أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ملكا من الملائكة ومعه جبريل ، فقال الملك إن الله تبارك وتعالى يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير ، فأشار جبريل بيده أن تواضع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بل أكون عبدا نبيا .
فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا } .
ومن مراسيل الزهري

(4/57)


قال { بلغنا أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ملك لم يأته قبلها ومعه جبريل ، فقال الملك وجبريل صامت إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستأمر ، فأشار إليه أن تواضع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نبيا عبدا } قال الزهري : فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل منذ قالها متكئا .
وتقدم بعض ذلك في آداب الأكل والكلام عليه بما فيه غنية .
وما رواه الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها وقولها له { يا نبي الله لو أكلت وأنت متكئ كان أهون عليك ، فأصغى بجبهته إلى الأرض حتى كاد يمس بها الأرض وقال بل آكل كما يأكل العبد وأنا جالس كما يجلس العبد فإنما أنا عبد } .
قال بعض العارفين : من ادعى العبودية وله مراد باق فهو كاذب في دعواه ، إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته وقام بمراد سيده يكون اسمه ما يسمى به ونعته ما حلي به ، إذا دعي باسمه أجاب عن العبودية ، فلا اسم له ولا رسم ولا يجيب إلا لمن يدعوه بعبودية سيده ، وأنشأ يقول : يا عمرو ثاري عند زهراء يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أصدق أسمائي وقال آخر : مالي وللفقر إلى عاجز مثلي لا يملك إغنائي وإنما يحسن فقري إلى مالك إسعادي وإشقائي أتيه عجبا بانتمائي إلى أبوابه إذ قلت مولائي لا تدعني إلا بيا عبده فإنه أشرف أسمائي وما أحسن قول القاضي عياض في مثل هذا : ومما زادني عجبا وتيها وكدت بأخمصي أطأ

(4/58)


الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا ( تنبيهان ) : ( الأول ) : رأيت في بعض نسخ القصيدة من العلماء أهل التقى والتسدد بدل التعبد ، ومعناه كما مر سابقا التقويم والإصابة ، يقال سدده تسديدا قومه ووفقه للسداد أي الصواب من القول والعمل ، وأما سداد القارورة والثغر فبالكسر فقط والله أعلم .

(4/59)


مطلب : في بيان الممدوح من العزلة والمخالطة .
( الثاني ) : الممدوح من العزلة اعتزال ما يؤذي ، ومن الخلطة ما ينفع ، فلا ينبغي أن تقطع العزلة عن العلم والجماعات ومجالس الذكر والاحتراف للعائلة .
وقد قال شعيب بن حرب : الناس ثلاثة : رجل تعلمه فيقبل منك ، ورجل تتعلم منه ، واهرب من الثالث .
وكان الثوري يقول : أقلل من معرفة الناس .
وقال ابن أدهم : لا تتعرف إلى من لا تعرف ، وأنكر من تعرف .
وأنشد بعضهم في ذلك : إني نظرت إلى الزمان وأهله نظرا كفاني فعرفته وعرفتهم وعرفت عزي من هواني فحملت نفسي بالقناعة عنهم وعن الزمان وتركتها بعفافها والزهد في أعلى مكاني فلذاك أجتنب الصديق فلا أراه ولا يراني فتعجبوا لمغالب وهب الأقاصي للأداني وانسل من بين الزحام فما له في الخلق ثاني

(4/60)


مطلب : الناس في العزلة والاختلاط على ضربين : قال الإمام الحافظ ابن الجوزي : وفصل الخطاب في العزلة والاختلاط أن الناس على ضربين : عالم وعابد ، فالعالم لا ينبغي له أن ينقطع عن نفع الناس ، فإنه خلف الأنبياء ، وليعلم أن هداية الخلق أفضل من كل عبادة .
وفي الصحيحين { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم } .
قال : فمتى جاء الشيطان فحسن للعالم الانقطاع عن الخلق جملة فذاك خديعة منه ، بل ينبغي للعالم أن يعتزل شر ما يؤذي ويبرز لمن يستفيد ، فظهوره أفضل من اختفائه .
والعابد إن كان عابدا لا ينافس في هذا ، فإن من القوم من شغلته العبادة ، كما روي أن الحسن رأى رجلا متعبدا فأتاه فقال يا عبد الله ما منعك من مجالسة الناس ؟ فقال ما أشغلني عن الناس .
قال فما منعك أن تأتي الحسن ؟ قال ما أشغلني عن الحسن .
قال فما الذي أشغلك ؟ قال إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي به بالاستغفار للذنب والشكر لله على النعمة ، فقال له : أنت عندي أفقه من الحسن .
ومن القوم من غلبت عليه محبة الحي القيوم فلا يحصل له أنس ولا طيب عيش إلا بانفراده بربه ، فمثل هؤلاء عزلتهم أصلح لهم .
نعم لا ينبغي أن تشغلهم العزلة عن الجماعات ومجالسة العلماء ، فإن منعتهم كانت غير محمودة .
وعلى كل حال العزلة حمية وسلم للسلامة ، ولكن لا بد من معرفة الأحكام ليعبد الله على علم .
ولله در

(4/61)


الحميدي حيث يقول : لقاء الناس ليس يفيد شيئا سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا لأخذ العلم أو إصلاح حال وقال الحافظ السيوطي : إني عزمت وما عزمي بمنجزم ما لم تساعده ألطاف من الباري أن لا أصاحب إلا من خبرتهم دهرا مديدا وأزمانا بأسفار ولا أجالس إلا عالما فطنا أو صالحا أو صديقا لا بإكثار ولا أسائل شخصا حاجة أبدا إلا استعارة أجزاء وأسفار ولست أحدث فعلا غير مفترض أو مستحب ولم يدخل بإنكار ما لم أقم مستخير الله متكلا وتابعا ما أتى فيها بآثار فالعاقل إنما يخالط الأفاضل والأماثل من أهل التعبد والعلم والتسدد والحلم .
فإذا كنت ولا بد مخالطا فعليك بمخالطة العالم الناصح الذي : يفيدك من علم وينهاك عن هوى فصاحبه تهدى من هداه وترشد ( يفيدك من علم ) عنده ( وينهاك عن ) متابعة ( هوى ) وملابسته فإنه يهوي بصاحبه في النار .
ثم أكد الأمر بمخالطة من هو بالصفة المذكورة بقوله ( فصاحبه ) ولازمه ( تهدى ) بكثرة ملازمتك له ( من هداه ) وتنتفع بتقواه ( وترشد ) بفتواه إلى الصراط المستقيم والطريقة الواضحة ، وتترك الغي والضلال وبنيات الطريق الفاضحة .
فصحبة مثل هذا غنم ، والبعد عنه غرم ، فإنك تهتدي بهديه المقرب ، وتشدو بشدوه المطرب .
وقد قال الأوزاعي : الصاحب للصاحب كالرقعة في الثوب إذا لم تكن مثله شانته وقيل لابن السماك : أي الإخوان أحق بإبقاء المودة ؟ قال الوافر دينه ، الوافي عقله ، الذي لا يملك على القرب ، ولا ينساك على البعد ، إن

(4/62)


دنوت منه داناك .
وإن بعدت عنه راعاك ، وإن استعضدته عضدك ، وإن احتجت إليه رفدك ، وتكفي مودة فعله ، أكثر من مودة قوله .
وأنشدوا ، وهي مما ينسب لسيدنا علي رضي الله عنه : إن أخاك الصدق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعك وقيل لخالد بن صفوان : أي إخوانك أحب إليك ؟ قال : الذي يسد خلتي ، ويغفر زلتي ، ويقبل عثرتي .

(4/63)


مطلب : في مجانبة الهماز والبذي .
وأن المرء على دين خليله وإياك والهماز إن قمت عنه والبذي فإن المرء بالمرء يقتدي ( وإياك والهماز ) أي احذره وابعد عنه ولا تصاحبه فإنه يهمزك ( إن قمت عنه ) أي من عنده ، فمتى غبت عنه همزك .
قال في القاموس : الهمز الغمز والضغط والنخس والدفع والضرب والعض والكسر ، انتهى .
وفي النهاية : والهمز أيضا الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم ، وهذا مراد الناظم هنا .
وقد همز يهمز فهو هماز وهمزة للمبالغة ( و ) إياك و ( البذي ) أي الفاحش في مقالته ، المتمادي في رذالته .
قال في القاموس : البذي الرجل الفاحش والأنثى بالهاء يعني بذية ، وقد بذو بذاء وبذاءة وبذوت عليهم وأبذيتهم من البذاء وهو الكلام القبيح ، انتهى .
وقال في مطالع الأنوار : قوله كانت تبذو على أهلها أي تفحش في القول بذو يبذو بذوا .
كذا قيده القتبي .
وقال الهروي فيما رويناه عن ابن معدان عن أبي الحسين : كانت بذاء بكسر الباء ومباذاة وبذاءة فهو بذيء وبذي أي مهموز أو غير مهموز .
وقد روى الترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، وإن الله يبغض الفاحش البذيء } .
قال المنذري : البذيء بالذال المعجمة ممدودا هو المتكلم بالفحش ورديء الكلام انتهى .
فلم يذكر إلا أنه ممدود وقد علمت أنه يهمز ولا يهمز كما في المطالع .
واقتصر في القاموس على أنه

(4/64)


مقصور فقال : البذي كرضي الفاحش .
وإنما نهاك الناظم رحمه الله تعالى عن مصاحبة مثل الهماز والبذي لئلا تقتدي بهما وتسرق طبيعتك من طبيعتهما ( فإن المرء ) وإن تحرز مهما أمكنه ولو صالحا إذا ألم ( بالمرء ) البذي والقتات والهماز ( يقتدي ) به في سيرته وتسرق طبيعته من قبح ما انطوت عليه مفاسد سريرته .
وفي الحديث الشريف { يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل } ولفظ تبصرة ابن الجوزي { المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل } .
وفي كلام أرسطو طاليس : الأشكال لاحقة بأشكالها كما أن الأضداد مباينة لأضدادها .
وقال : من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل رفع الجاهل قدره عليه .
وقال الشاعر : فما ينفع الجرباء قرب صحيحة إليها ولكن الصحيحة تجرب فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أصعب وقال آخر على وزانهما وأحسن : فصاحب تقيا عالما تنتفع به فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب وإياك والفساق لا تصحبنهم فقربهم يعدي وهذا مجرب فإنا رأينا المرء يسرق طبعه من الإلف ثم الشر للناس أغلب كما قيل طين لاصق أو مؤثر كذا دود مرج خضرة منه يكسب وجانب ذوي الأوزار لا تقربنهم فقربهم يردي وللعرض يسلب وقال آخر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فإن المقارن للمقارن ينسب وقد { قال صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب } في عدة أحاديث صحاح في البخاري ومسلم وغيرهما .

(4/65)


ثم نهى الناظم عن صحبة الأحمق فقال : مطلب : في النهي عن مصاحبة الحمقى وذوي الجهل : ولا تصحب الحمقى فذو الجهل إن يرم صلاحا لأمر يا أخا الحزم يفسد ( ولا تصحب ) أي لا تعاشر ، يقال صحبه كسمعه صحابة ويكسر ، وصحبه عاشره واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه ، فنهاك الناظم أن تصحب ( الحمقى ) قال في القاموس : حمق ككرم وغنم حمقا بالضم وبضمتين وحماقة وانحمق واستحمق فهو أحمق قليل العقل ، وقوم ونسوة حماق وحمق بضمتين وكسكرى وسكارى ويضم .
وفي المطالع في قوله أرأيت إن عجز واستحمق أي فعل فعل الحمقى .
والأحموقة الفعلة الواحدة من فعل الحمق .
وفي القاموس فعل فعل الحمقى كاستحمق .
وقال في لغة الإقناع : الحمق ارتكاب الخطأ على بصيرة يظنه صوابا .
وقيل وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه .
وقيل استحسان ما تستقبحه العقلاء ، انتهى .
ثم بين الناظم رحمه الله علة ترك مصاحبته بقوله ( فذو ) أي صاحب ( الجهل ) ضد العلم ( إن يرم ) أي يطلب وهو مجزوم على أنه فعل الشرط الذي هو إن وفاعله ضمير يعود على ذي الجهل الذي هو الأحمق ( صلاحا لأمر ) من الأمور التي أفسدها هو أو غيره أو فسدت بنفسها ( يا أخا ) يا صاحب ( الحزم ) وهو ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة كالحزامة والحزومة ، يقال حزم ككرم فهو حازم وحزيم وجمعه حزمة وحزماء ( يفسد ) مجزوم على أنه جواب الشرط وحرك بالكسر للقافية .
وأشار بهذا إلى ما رواه الدينوري في المجالسة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لا

(4/66)


تواخ الفاجر فإنه يزين لك فعله ويحب لو أنك مثله ، ومدخله عليك ومخرجك من عنده شين وعار ، ولا الأحمق فإنه يجهد نفسه لك ولا ينفعك ، وربما أراد أن ينفعك فضرك ، فسكوته خير من نطقه ، وبعده خير من قربه ، وموته خير من حياته ، ولا الكذاب فإنه لا ينفعك معه عشرة ، ينقل حديثك وينقل الحديث إليك ، وإن تحدث بالصدق لا يصدق .
وقيل مكتوب في التوراة من اصطنع معروفا إلى أحمق فهي خطيئة مكتوبة عليه .
وقال بعضهم : صارم الأحمق فليس له خير من الهجران .
وقال سفيان الثوري : هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى .
وقال ابن عبد القدوس في قافيته : ولأن يعادي عاقلا خير له من أن يكون له صديق أحمق وقال بعضهم : اتق الأحمق لا تصحبه إنما الأحمق كالثوب الخلق فهو إن رقعته من جانب عاد من هون سريعا فانخرق فلا يسوغ لك أيها العاقل الرشيد ، صحبة مثل هذا الأحمق البليد ، فإنه يسوءك بحمقه وتأنبه ، ولا تعرف رضاه من غضبه .
وقد ألف الإمام الحافظ ابن الجوزي كتابا حافلا في الحمقى والمغفلين ، وكتابا في الأذكياء ، وهما من ألطف الكتب وأغزرهما فوائد .

(4/67)


مطلب : في طلب الأخوة والصداقة شرعا وطبعا .
( فوائد ) : ( الأولى ) : في الأخوة والصداقة ، وهي مطلوبة شرعا وطبعا .
قال تعالى : { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } بمعنى قواك بهم { وألف بين قلوبهم } التأليف بالجمع على ما يشاكل ، والمراد بالآية الأوس والخزرج وهم الأنصار رضي الله عنهم ، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية فألف الله بينهم ، وهذا من أعجب الآيات ، كانوا ذوي أنفة شديدة ، فلو لطم رجل رجلا لقاتلت عنه قبيلته حتى تدرك ثأره ، فآل بهم الإسلام إلى أن يقتل الرجل ابنه وأباه في طاعة الله عز وجل ، والجامع بين المسلمين الإسلام ، فقد اكتسبوا به أخوة أصلية وجب عليهم بذلك حقوق لبعضهم على بعض .
وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى شيئا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى } .
وفيهما عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، وشبك بين أصابعه } .
وتقدم الكلام على حقوق الوالدين وصلة الرحم وحق الضيف .
وأما حق الصحبة فقال مجاهد : صحبت ابن عمر رضي الله عنه عنهما ، وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني أكثر .
وأما الصداقة فإنها تطلق على ما دون الأخوة ، والأخوة هي المرتبة العليا ، وإنما تقع الأخوة الصادقة إذا حصل التشاكل بين الأخوين في أصل الوضع .

(4/68)


مطلب : في المحبة في الله وما ورد في ثوابها .
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف } وهذه الأخوة الخاصة هي التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه .
وقد علم أن الأخوة العامة في قوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } فهي واقعة بينهم قبل عقده ، غير أنه زاد الأمر الخاص ، وهذه الأخوة هي التي توجب المحبة في الله عز وجل وهي أوثق عرى الإيمان أن يحب في الله ويبغض في الله .
وتقدم أن من جملة السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله : رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى يقول : أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي } .
وعن أبي مسلم الخولاني قال : { أتيت مسجد أهل دمشق وإذا حلقة فيها كهول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى ، فقلت لجليس لي من هذا ؟ قال : هذا معاذ بن جبل ، فجئت من العشاء فلم يحضر ، فغدوت من الغد فلم يجئ ، فرحت فإذا أنا بالشاب يصلي إلى سارية ، فركعت ، ثم تحولت إليه ، قال فسلم فدنوت منه فقلت : إني أحبك في الله عز وجل ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المتحابون في الله

(4/69)


على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله } .
قال فخرجت حتى لقيت عبادة بن الصامت فذكرت له حديث معاذ بن جبل ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن ربه تبارك وتعالى يقول : { حقت محبتي للمتحابين في ، وحقت محبتي للمتباذلين في ، وحقت محبتي للمتزاورين في ، والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله } ذكره الإمام ابن الجوزي في التبصرة .
ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ { قلت لمعاذ والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك ، قال : فلأي شيء ؟ قلت : لله ، فجذب حبوتي ثم قال : أبشر إن كنت صادقا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء } الحديث .
وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال { : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأثر عن ربه تبارك وتعالى : حقت محبتي للمتحابين في ، وحقت محبتي للمتواصلين في ، وحقت محبتي للمتزاورين في ، وحقت محبتي للمتباذلين في } والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا .
واعلم أن هذا الثواب في هذه المحبة إنما يكون إذا كانت في الله خالصة لا يشوبها كدر ، وإذا قويت محبة الله عز وجل في القلب قويت محبة أوليائه والصالحين من عباده ، فلينظر الإنسان من يؤاخي ممن يحب ، ولا ينبغي أن يتخير إلا من سبر عقله ودينه .
وروى الإمام أحمد

(4/70)


والترمذي والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي وغيرهم .
عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من أعطى لله ، ومنع لله ، وأحب لله ، وأبغض لله ، وأنكح لله ، فقد استكمل إيمانه } ورواه أبو داود من حديث أبي أمامة بنحوه وليس فيه وأنكح لله .
وفي صحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي } .
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ثلاث أحلف عليهن : لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له .
وأسهم الإسلام ثلاثة : الصلاة والصوم والزكاة .
ولا يتولى الله عبدا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة ؛ ولا يحب رجل قوما إلا جعله الله معهم } الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد جيد .
قال ابن الجوزي في التبصرة : كان يقال : اصحب من إذا صحبته زانك .
وإذا خدمته صانك ؛ وإذا أصابتك خصاصة مانك ؛ وإن رأى منك حسنة سر بها ؛ وإن رأى منك سقطة سترها ؛ ومن إذا قلت صدق قولك ؛ ومن هو فوقك في الدين ؛ ودونك في الدنيا ؛ وكل أخ وجليس وصاحب لا تستفيد منه في دينك خيرا فانبذ عنك صحبته ؛ فإذا صفت المحبة وخلصت وقع الشوق والتزاور وصار بذل المال أحقر الأشياء .
وقد كان عمر رضي الله عنه يذكر الأخ من إخوانه في بعض الليل فيقول : يا طولها من ليلة ؛ فإذا صلى المكتوبة غدا إليه واعتنقه .
وقال مجاهد : إذا مشى أحد المتحابين في الله إلى الآخر فأخذ بيده فضحك إليه تحاتت

(4/71)


خطاياهما كما يتحات ورق الشجر .
وروي عن معروف الكرخي رحمه الله أنه قال : امش ميلا ؛ صل جماعة ، امش ميلين ؛ صل جمعة ؛ امش ثلاثة أميال ؛ شيع حاجا أو معتمرا ، امش ستة أميال ؛ شيع غازيا في سبيل الله ؛ امش سبعة أميال بصدقة من رجل إلى رجل ؛ امش ثمانية أميال ؛ أصلح بين الناس ؛ امش تسعة أميال ؛ صل رحما وقرابة ؛ امش عشرة أميال في حاجة عيالك ؛ امش أحد عشر ميلا في معونة أخيك ؛ امش بريدا ؛ والبريد اثنا عشر ميلا ؛ زر أخا في الله عز وجل .
وقد قدمنا في الحديث { وحقت محبتي للمتباذلين في } .

(4/72)


مطلب : في بيان مراتب بذل المال أدونها وأوسطها وأعلاها .
قال ابن الجوزي : وأما بذل المال فله ثلاث مراتب ؛ أدونها المساهمة ؛ وأوسطها المساواة ؛ وأعلاها تقديم الأخ في المال على النفس .
قال ابن عمر رضي الله عنه ما : لقد رأيتنا وما أحدنا أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم .
ثم قال ابن الجوزي : هيهات ، رحل الإخوان ، وأقام الخوان ، وقل من ترى في الزمان ، إلا من إذا دعي مان ، كان الأخ في الله يخلف أخاه في أهله إذا مات أربعين سنة .
وكان الرجل إذا أراد شين أخيه طلب حاجته إلى غيره .
ثم قال : نسخ في هذا الزمان رسم الأخوة وحكمه ، فلم يبق إلا الحديث عن القدماء ، فإن سمعت بإخوان صدق فلا تصدق ، انتهى .
وقال وهب بن الورد : صحبت الناس خمسين سنة فما وجدت رجلا غفر لي زلة ، ولا أقالني عثرة ، ولا ستر لي عورة .
وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه : إذا كان العذر طباعا فالثقة بكل أحد عجز .
وقيل لبعضهم : ما الصديق ؟ قال : اسم وضع على غير مسمى .
وحيوان غير موجود .
قال الشاعر : سمعنا بالصديق ولا نراه على التحقيق يوجد في الأنام وأحسبه محالا نمقوه على وجه المجاز من الكلام وقال جعفر الصادق لبعض إخوانه : أقلل من معرفة الناس ، وأنكر من عرفت منهم ، وإن كان لك مائة صديق فاطرح تسعة وتسعين وكن من الواحد على حذر .
وقال البحتري : إياك تغتر أو تخدعك بارقة من ذي خداع يرى بشرا وإلطافا فلو قلبت جميع الأرض قاطبة وسرت في الأرض أوساطا وأطرافا لم تلق فيها صديقا صادقا أبدا ولا

(4/73)


أخا يبذل الإنصاف إن صافى وقال آخر : خليلي جربت الزمان وأهله فما نالني منهم سوى الهم والعنا وعاشرت أبناء الرجال فلم أجد خليلا وفيا بالعهود ولا أنا وقال آخر : لما رأيت بني الزمان وما بهم خل وفي للشدائد أصطفي فعلمت أن المستحيل ثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي قلت : فإذا كان هذا كلام من كان في أوائل الإسلام أو في أوساطه ، وقد مضى بعده أكثر من خمسمائة عام ، وقد زعموا أن رسم الأخوة قد نسخ ، وعقد الصداقة قد فسخ .
فما بالك بزمان وفاؤه غدر .
وخيره شر .
ونفعه ضر .
وصدقه كذب ، وحسنته ذنب .
وصديقه خائن .
وصادقه مائن .
وخليله غادر .
وناسكه فاجر .
وعالمه جاهل .
وعاذره عاذل .
وقد صارت صلاة أهل زماننا عادة لا عبادة ، وزكاتهم مغرما يغرمونها لا يرجون من عودها إفادة ، وصيامهم كجوع البهائم .
وذكرهم كرغاء البعير الهائم .
فأين هذه الحالة من حالة من يتضجر لعدم وفاء إخوانه ، وأقرانه وأخدانه .
مطلب : قصة الهذلي مع السفاح .
وقد قيل إن أبا العباس السفاح كان يحدث أبا بكر الهذلي يوما إذ عصفت الريح فأرمت طستا من سطح إلى المجلس ، فارتاع من حضر ولم يتحرك الهذلي ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح ، فقال ما أعجب شأنك يا هذلي .
فقال إن الله تعالى يقول : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } وأنا لي قلب واحد ؛ فلما غمر بمحادثة أمير المؤمنين لم يكن فيه لمحادثة غيره مجال فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما حسست بها ولا وجهت لها قلبي .
فقال السفاح

(4/74)


لئن بقيت لأرفعن مكانك .
ثم أمر له بمال جزيل وصلة كبيرة فانظر بالله عليك واعتبر استغراق قلب هذا الرجل وانغماره بمحادثة مخلوق مثله وزن بحال وقوفك في الصلاة بين يدي الله ، وقد نصب لك وجهه الكريم ، ورفع من بينك وبينه الحجب .
فهل تجد قلبك منغمرا ومستغرقا في جمال الله وجلاله كاستغراق قلب الهذلي في محادثة السفاح فيا ويل من لم يعرف خالقه ولم خلقه ؟ ولم يقم بما أمر إن لم يعف ويغفر والله الموفق .
( الثانية ) : جملة الذين نهى الناظم عن صحبتهم ثلاثة : الهماز ، والبذي ، والأحمق .
وتقدم في أثر علي رضي الله عنه أنه نهى عن صحبة الفاجر أيضا والكذاب .
وكذا ينبغي أن لا تصاحب العاق لوالديه وقاطع الرحم .
وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : لا تودن عاقا كيف يودك وقد عق أباه .
وكذا قاطع الرحم .
وقد قال أبو العتاهية : من ذا الذي ترتجي الأقاصي إن لم تنل خيره الأداني ولكن الناظم لم يسبر من لا تنبغي صحبتهم .
ولم يستقص عدهم .
والحاصل أنه لا ينبغي للعاقل أن يصاحب شريرا مطلقا .
ومن ثم قال بعض العلماء : ينبغي فيمن تؤثر صحبته خمس خصال : أن يكون عاقلا .
حسن الخلق ، غير فاسق ، ولا مبتدع ، ولا حريص على الدنيا ، انتهى .
وضابط ذلك كل من لم تستفد من صحبته شيئا فتركه أولى ؛ وكل من تضرك صحبته في دينك فتركه واجب .
وكذا في دنياك ضررا له قيمة حيث كان لك منه بد .
ودفع المضار مقدم على جلب المنافع .
ويدفع أشد الضررين بأخفيهما .

(4/75)


والله تعالى أعلم .
( الثالثة ) الحماقة .
مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت ؛ فكأنه كاسد العقل والرأي فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر من الأمور .
قاله ابن الأعرابي .
وقال بعض العلماء : الحمق غريزة لا تنفع فيه حيلة وهو داء دواؤه الموت .
كما قيل : لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها ولبعضهم : لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة والطاعون والهرم ويروى أن سيدنا عيسى عليه السلام قال : عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما ، وعالجت الأحمق فأعياني .
ومن كلامهم : فلان ذو حمق وافر .
وعقل نافر .
ليس معه إلا ما يوجب حجة الله عليه .
مطلب : قصة العابد الأحمق : ويروى أن رجلا عابدا كان يتعبد في صومعة له .
فمطرت السماء وأعشبت الأرض .
فرأى حماره يرعى في ذلك العشب .
فقال : يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري .
فبلغ ذلك بعض الأنبياء فهم أن يدعو عليه .
فأوحى الله إليه لا تدع فإني أجازي العباد على قدر عقولهم .
قلت وقد أخرجه ابن عدي في كامله في ترجمة أحمد بن بشير .
وفي شعب البيهقي ، عن الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { تعبد رجل في صومعة ، فمطرت السماء ، وأعشبت الأرض ، فرأى حمارا يرعى ، فقال : يا رب ؛ لو كان لك حمار رعيته مع حماري } إلى آخره .
والله تعالى أعلم .

(4/76)


مطلب : خير الخصال ذكر الله في المساجد : وخير مقام قمت فيه وخصلة تحليتها ذكر الإله بمسجد ( وخير مقام ) من مقامات الدنيا ( قمت فيه ) من سائر الأرض ( و ) خير ( خصلة ) قال في القاموس : الخصلة الخلة والفضيلة والرذيلة وقد غلبت على الفضيلة وجمعها خصال ( تحليتها ) أي اتخذتها حليا والحلي ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة وجمعه حلي كدلي ، أو هو جمع والواحد حلية كظبية ، والحلية بالكسر الحلي ، وحليت المرأة كرضيت حليا فهي حال وحالية استفادت حليا أو لبسته كتحلت أو صارت ذات حلي ، وحلاها تحلية ألبسها حليا أو اتخذه لها أو وصفها ونعتها .
قاله في القاموس .
وقال الجوهري : الحلي حلي المرأة وجمعه حلي مثل ثدي وثدي وقد تكسر الحاء لمكان الياء مثل عصي ، وقد قرئ { من حليهم عجلا } بالضم والكسر ، انتهى .
يعني أن خير خصلة تزين العبد بها ( ذكر الإله ) المعبود بحق جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه ( بمسجد ) مراد الناظم أن خير مقام قمت فيه قيامك ، بمسجد ، وخير خصلة تحليت بها ذكر الله سبحانه على طريق اللف والنشر المشوش .
وقد تقدم الكلام على فضل المساجد وآدابها بما فيه كفاية .
وأما الذكر فقد قال تعالى { اذكروني أذكركم } .
وقال عليه الصلاة والسلام : فيما يروي عن ربه تعالى { من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم } .
{ وقال : عليه الصلاة والسلام وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدو في أثره

(4/77)


سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله } ، فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد أن لا يفتر لسانه عن ذكر الله سبحانه ، فكيف وقد علمت أن الذكر سبب لذكر مولاه له ، وهذه من أعظم الفوائد بل هي أعظمها .

(4/78)


مطلب : فوائد الذكر .
وقد ذكر الإمام المحقق ابن القيم للذكر أكثر من مائة فائدة ، منها طرد الشيطان وقمعه ، وأنه يرضي الرحمن ويزيل الهم والغم عن القلب ، ويجلب له الفرح والسرور ، ويقوي البدن والقلب ، ويجلب الرزق ، ويكسي الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة ، ويورثه المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة والنجاة ، فقد جعل الله لكل شيء سببا ، وجعل سبب المحبة دوام الذكر ، فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره ، فإن الدرس والمذاكرة كما أنه باب العلم ، فالذكر باب المحبة وطريقها الأعظم ، وصراطها الأقوم ، ويورث الذكر الذاكر المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان فيعبد الله كأنه يراه ، ويورثه الإنابة وهي الرجوع إلى الله والقرب منه ، ويفتح له بابا عظيما من أبواب المعرفة ، ويورثه الهيبة لربه وإجلاله لشدة استيلائه على قلبه وحضوره مع الله بخلاف الغافل ، وحياة القلب .
قال ابن القيم : سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء .
ويورث جلاء القلب من صداه ، فكل شيء له صدى وصدى القلب الغفلة والهوى ، وجلاء الذكر والتوبة والاستغفار ، ويحط الخطايا ويذهبها ؛ لأنه من أعظم الحسنات ، والحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين .
ويزيل الوحشة بين العبد وبين ربه ، وهو منجاة للعبد عن عذاب الله ، كما قال معاذ رضي الله عنه ويروى مرفوعا { ما

(4/79)


عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله } وهو سبب لنزول السكينة على العبد ، وغشيان الرحمة له ، وحفوف الملائكة به وهو غراس الجنة .
فقد روى الترمذي وقال حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه قال { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال لي يا محمد أقرئ أمتك السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء ، وأنها قيعان ، وأن غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر } .
وروي من حديث جابر وقال حسن صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة } قال الترمذي حديث حسن صحيح .

(4/80)


مطلب : يستحب لكل أحد أن يديم الذكر في جميع الأحيان .
واعلم أن المستحب لكل أحد أن يديم الذكر في جميع الأحيان ، وأن يكون في حال ذكره على أكمل الأحوال وأتمها ، متطهرا من الحدثين ، خاشعا حاضر القلب ، كأنك ترى مذكورك وتخاطبه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
قال تعالى لنبيه { ولا تكن من الغافلين } .
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه } .
وقد أجمع المسلمون على جواز الذكر لمحدث سواء كان حدثا أكبر أو أصغر ، وكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف قراءة القرآن .
وقد كره بعضهم الذكر للمحدث مستدلا بما في مسلم وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه قال { مر رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه } .
وبما روى أبو داود وغيره عن المهاجر بن قنفذ القرشي رضي الله عنه { أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر أو قال على طهارة } إسناده صحيح .

(4/81)


ومن كمال هيئة الذاكر أن يستقبل القبلة لأنه أفضل الجلوس .
واتفق العلماء على أنه لا يحسب للذاكر شيء من الأذكار الواردة حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع .
قال بعضهم : وينبغي أن يكون المحل الذي يذكر الله تعالى فيه خاليا من القاذورات فإنه أبلغ في احترام الذكر ، فلذلك كانت الطهارة والنظافة معتبرة في مجلس الذكر ومحله .
قلت : المذهب كراهة الذكر في نحو بيت الخلاء من المحلات النجسة لا بقلبه ، وحرمة قراءة القرآن فيه ، وتقدم ذلك ، وينبغي تنظيف فمه بالسواك ، فإن كان به نجاسة غسلها ، ولم يحرم ذكر الله والقراءة على من فمه نجس بل يكره وتقدم ، والله أعلم .

(4/82)


مطلب : في كف اللسان عن الفحشاء وأن يكون على الدوام رطبا بذكر الله : وكف عن العورى لسانك وليكن دواما بذكر الله يا صاحبي ندي ( وكف ) أي ادفع واصرف ( عن ) المقالة والكلمة ( العورى ) بالقصر لضرورة الوزن .
قال في القاموس : العوراء الكلمة أو الفعلة القبيحة ، انتهى .
ومنه حديث عائشة رضي الله عنها { يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من العوراء يقولها } .
قال في النهاية أي الكلمة القبيحة الزائغة عن الرشد ( لسانك ) تقدم الكلام عليه بما فيه غنية ( وليكن ) اللام للأمر والفعل مجزوم بها واسم يكن يعود على اللسان و ( دواما ) منصوب بنزع الخافض أي وليكن لسانك على الدوام والاستمرار في كل أحيانك وشئونك إلا ما استثني ( بذكر الله ) تعالى متعلق " بندي " ( يا صاحبي ) السامع لنظامي والممتثل لكلامي ( ندي ) أي رطبا وهو منصوب خبر يكن ، وإنما وقف عليه بالسكون على لغة من يسكن الياء في النصب .
قال أبو العباس المبرد : وهو من أحسن ضرورات الشعر ؛ لأنه حمل حالة النصب على حالتي الرفع والجر .
ومقتضى كلام الأشموني في شرح الألفية أن ذلك لغة لا ضرورة .
وكلام المبرد صريح بأنه ضرورة ، واستدل لذلك بقول المجنون قيس بن الملوح : ولو أن واش باليمامة داره وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا قلت : وهذا البيت في قصيدة مجنون عامر وهو قيس بن الملوح المذكور ، توفي رحمه الله سنة سبعين وهو من التابعين ، وهذه القصيدة طويلة جدا وفيها يقول : ألا أيها الركب اليمانون عرجوا

(4/83)


علينا فقد أمسى هوانا يمانيا يمينا إذا كانت يمينا فإن تكن شمالا ينازعني الهوى من شماليا أصلي فلا أدري إذا ما ذكرتها أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا أراني إذا صليت يممت نحوها بوجهي ولو كان المصلى ورائيا وما بي إشراك ولكن حبها كمثل الشجا أعيا الطبيب المداويا وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالليل خاليا خليلي لا والله لا أملك الذي قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا قضاها لغيري وابتلاني بحبها فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا ولو أن واش باليمامة داره وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا وماذا لهم لا أحسن الله حالهم من الحظ في تصريم ليلى حباليا والشاهد في قوله : ولو أن واش ، فكان مقتضى الظاهر أن يقول واشيا ؛ لأن الفتحة تظهر على المنقوص ، تقول رأيت قاضيا ولكن أجراه مجرى المرفوع والمجرور ، فإذا وقف عليه قال ولو أن واشي بالياء مثل قول الناظم ندي ، فندي منصوب بفتحة مقدرة على الياء لإجراء حالة النصب مجرى حالتي الرفع والجر والله أعلم .
وهذا الذي ذكره الناظم لما رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد عن عبد الله بن بشر رضي الله عنه { أن رجلا قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث - أي أتعلق - به قال : لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله } .
ورواه ابن أبي الدنيا عن مالك بن يخامر ولفظه { أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال لهم إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلت

(4/84)


أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله } ورواه الطبراني واللفظ له والبزار إلا أنه قال : { أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله } .
وكذا ابن حبان في صحيحه .
وعن أبي المخارق قال { قال النبي صلى الله عليه وسلم مررت ليلة أسري بي ، برجل مغيب في نور العرش ، قلت من هذا ملك ؟ قيل لا ، قلت نبي ؟ قيل لا ، قلت من هو ؟ قال هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطب من ذكر الله تعالى وقلبه معلق بالمساجد ولم يستسب لوالديه قط } رواه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا والله أعلم .

(4/85)


( تنبيه ) : تقدم أن الذكر أفضل من الدعاء ؛ لأنه ثناء على الله بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه ، والدعاء سؤال العبد حاجته .
وفي الترمذي { عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه يقول إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه } .
قال الإمام ابن القيم : وهذا الحديث هو فصل الخطاب في التفضيل بين الذاكر والمجاهد ، فإن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد ، والمجاهد الغافل ، والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله ، فأفضل الذاكرين المجاهدون ، وأفضل المجاهدين الذاكرون ، قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } .
وقد قال بعض العارفين : لو أقبل عبد على الله كذا كذا سنة ثم أعرض عنه لحظة لكان ما فاته أعظم مما حصله .
وذكر البيهقي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة } .
وذكر عن معاذ بن جبل يرفعه أيضا { ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها } .
وذكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه كان يقول : لكل شيء سقالة وإن سقالة القلوب ذكر الله عز وجل ، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله عز وجل ، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ولو يضرب بسيفه حتى ينقطع } فإذا كان الأمر كذلك فأين الذكر من الدعاء والله أعلم .

(4/86)


ولما ذكر الناظم كف اللسان عن العوراء خشي أن يتوهم متوهم اختصاص ذلك باللسان ، فدفع هذا الوهم بقوله : مطلب : ينبغي تحصين الجوارح عن الفحشاء كلها لتشهد له يوم القيامة : وحصن عن الفحشا الجوارح كلها تكن لك في يوم الجزا خير شهد ( وحصن ) بتشديد الصاد المهملة أي منع ( عن ) جميع ( الفحشا ) بالقصر ضرورة من القول والعمل ، وكل ما اشتد قبحه من الذنوب ، وكل ما نهى الله عنه ، وأكثر ما تستعمل في الزنا واللواط ، كقوله تعالى { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } .
{ أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } .
والفحشاء البخل في أداء الزكاة .
ومراد الناظم كل قبيح نهى الله ورسوله عنه فكف وحصن ( الجوارح ) جمع جارحة ( كلها ) وهي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل .
وتقدم الكلام عليها في صدر الكتاب ، فإن أنت حصنتها عن الفواحش ( تكن ) الجوارح المذكورة ( لك ) أيها الأخ المتقي لله فيها المحصنها عن كل ما يشينها ( في يوم الجزاء ) الذي هو يوم القيامة فيجازي كل أحد بما عمل من المليح والقبيح ولا يظلم ربك أحدا ( خير شهد ) بضم الشين المعجمة وفتح الهاء مشددة جمع شاهد .
وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال { كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، فقال : هل تدرون مم أضحك ؟ قلنا الله ورسوله أعلم ، قال من مخاطبة العبد ربه فيقول : يا رب ألم تجرني من الظلم ، يقول بلى ، فيقول إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني ،

(4/87)


فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا والكرام الكاتبين شهودا ، قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل } أي بالضاد المعجمة يعني أجادل وأخاصم وأدافع ، فإذا لم يكن العبد عمل بالجوارح مكروها لم تشهد عليه إلا بخير أعماله وسديد أفعاله وطيب أقواله ، فهي حينئذ خير شهود له عند ربه ومولاه .
وفي القرآن العظيم { ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله } الآيات .

(4/88)


ثم إن الناظم روح الله روحه حث على المحافظة على فعل الفروض في أوقاتها فقال : مطلب : في المحافظة على أداء الفروض المفروضة بأوقاتها : وحافظ على فعل الفروض بوقتها وخذ بنصيب في الدجى من تهجد ( وحافظ ) أي واظب ( على فعل ) أي أداء ( الفروض ) المفروضة من الصلوات الخمس وأداء الزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات المؤقتة ( ب ) أول ( وقتها ) لكن مراد الناظم رحمه الله تعالى الصلوات المكتوبة .
قال تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل } أي من وقت زوالها إلى إقبال ظلمة الليل ، أي الظهر والعصر والمغرب والعشاء { وقرآن الفجر } صلاة الصبح { إن قرآن الفجر كان مشهودا } يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار .
وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ فقال الصلاة على وقتها ، قلت ثم أي ؟ قال بر الوالدين ، قلت ثم أي ؟ قال الجهاد في سبيل الله .
قال حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني } .
وأخرج الإمام أحمد عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل ؟ قال سمعته قال : أفضل العمل الصلاة لوقتها ، وبر الوالدين ، والجهاد } ورواته محتج بهم في الصحيح .
وروى مالك وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال " أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { خمس صلوات

(4/89)


افترضهن الله عز وجل ، ومن أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه } .
وقد روى الإمام أحمد ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة } ولفظ مسلم { بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة } .
ورواه أبو داود والنسائي بلفظ { ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة } .
ورواه الترمذي ولفظه { بين الكفر والإيمان ترك الصلاة } .
وابن ماجه ولفظه { بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة } .
وعن بريدة رضي الله عنه قال { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر } رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح ولا نعرف له علة .
واعلم أن المعتمد من المذهب كفر تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يتضايق وقت الثانية عنها ولو كسلا وتهاونا بشرط الدعاية من إمام أو نائبه .
وعند الآجري من أئمة أصحابنا لا تعتبر الدعاية وأنه يقتل بعد الاستتابة ثلاثة أيام بلياليها كفرا ويصنع به كسائر الكفار من مواراة جثته ، ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في قبور المسلمين .
وعند الآجري لا توارى جثته بل يلقى على المزابل ولا كرامة .
ولا معنى لكثرة

(4/90)


الاستدلال لذلك مع شهرته .
وقد سئلت عن هذه المسألة فأجبت عنها في جزء لطيف .
وقد قال ابن حزم : جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحد متعمدا حتى يخرج وقتها عنها فهو كافر مرتد ، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفا .
قال الحافظ المنذري : وقد ذهب جماعات من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمدا لتركها حتى خرج جميع وقتها ، منهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء ، ومن غير الصحابة : الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك وإبراهيم النخعي والحكم بن عتبة وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ، انتهى والله أعلم .

(4/91)


مطلب : في التهجد وما ورد في فضله .
( وخذ ) أيها الأخ الصادق ، والخل الموافق ( بنصيب ) وافر ، وسهم صالح غير قاصر ( في الدجى ) أي في الظلام .
قال في القاموس : دجا الليل دجوا ودجوا أظلم كأدجى وتدجى وادجوجى ، وليلة داجية ، ودياجي الليل حنادسه كأنها جمع ديجاة انتهى ( من تهجد ) لقوله تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } يقال : هجد وتهجد أي نام وسهر فهو من الأضداد يطلق على النوم وضده ، ولا يخفى أن مراد الناظم روح الله روحه الأخذ بنصيب من صلاة الليل ، والمتهجد المصلي بالليل .
قال علماؤنا : التهجد لا يكون إلا بعد النوم .
والناشئة لا تكون إلا بعد رقدة ، وصلاة الليل أعم من ذلك ، فهي ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ، وهي سنة مرغب فيها ، وأفضل من صلاة النهار ، قد وردت بها الأخبار ، وتظافرت بالحث عليها الآثار وأفضل الليل نصفه الأخير ، وأفضله ثلثه الأول ، وهذا معنى قولهم أفضل الليل الثلث بعد النصف كما هو نص الإمام رضي الله عنه .
وقد روى مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل } .
وروى الإمام أحمد ، والطبراني بإسناد حسن ، والحاكم ، وقال صحيح على شرطهما عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { في الجنة

(4/92)


غرفة يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، فقال أبو مالك الأشعري : لمن هي يا رسول الله ؟ قال : لمن أطاب الكلام ، وأطعم الطعام ، وبات قائما والناس نيام } وفي حديث عبد الله بن سلام عند الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين أنه أول ما سمع من كلامه صلى الله عليه وسلم أن قال : { أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام } ، .
وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، ويصوم يوما ويفطر يوما } .
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين من قبلكم ، وقربة إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم } رواه الترمذي في كتاب الدعاء من جامعه وابن أبي الدنيا في التهجد وابن خزيمة في صحيحه والحاكم كلهم من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث ، وقال الحاكم : على شرط البخاري .
قلت : وكاتب الليث مختلف فيه ، كان ابن معين يوثقه .
وقال النسائي ليس بثقة .
وقال أبو حاتم : سمعت ابن معين يقول : أقل أحواله أن يكون قرأ هذه الكتب على الليث وأجازها له .
قال : وسمعت أحمد بن حنبل يقول : كان أول أمره متماسكا ثم فسد بآخره .
وقال

(4/93)


عبد الملك بن شعيب : ثقة مأمون .
وقال أبو حاتم : صدوق أمين ما علمت ، وقال ابن عدي : هو عندي مستقيم الحديث إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يعتمد ، وقد روى عنه البخاري في صحيحه ، والله أعلم .
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ، ومقربة لكم إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم ، ومطردة للداء عن الجسد } رواه الطبراني في الكبير ، والترمذي في الدعوات من جامعه .
ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجب صحة الجسد ويطرد عنه الداء .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية .
رواه الطبراني عنه مرفوعا .
قال الحافظ ابن رجب : والمحفوظ وقفه .
وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه : ركعة بالليل خير من عشر ركعات بالنهار أخرجه ابن أبي الدنيا .
وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار ؛ لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص .
وقد كان السلف الصالح يجتهدون على إخفاء أسرارهم .
قال الحسن : كان الرجل تكون عنده زواره فيقوم من الليل فيصلي لا يعلم به زواره .
وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت .
وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكي طول ليله وهي لا تشعر ؛ ولأن صلاة الليل أشق على النفوس ، فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار .
فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة .
قال بعضهم :

(4/94)


أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس .
ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر لقطع الشواغل عن القلب بالليل فيحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم كما قال تعالى : { إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا } ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلا .
ولهذا كانت صلاة الليل منهاة عن الإثم كما مر في حديث الترمذي وغيره .
وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له إن فلانا يصلي من الليل فإذا أصبح سرق ، فقال ستنهاه صلاته وما يقول } ولأن وقت التهجد من الليل أفضل أوقات التطوع بالصلاة وأقرب ما يكون العبد من ربه ، وهو وقت فتح أبواب السماء واستجابة الدعاء واستعراض حوائج السائلين .

(4/95)


وقد مدح سبحانه وتعالى المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته بقوله : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } وقال تعالى { والمستغفرين بالأسحار } .
وقال تعالى { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } .
ونفى سبحانه التسوية بين المتهجدين وبين غيرهم في قوله { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، إنما يتذكر أولو الألباب } .
وقالت عائشة رضي الله عنها لرجل : { لا تدع قيام الليل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه ، وكان إذا مرض أو قالت كسل صلى قاعدا } .
وفي رواية عنها رضي الله عنها { قالت : بلغني عن قوم يقولون إن أدينا الفرائض لم نبال أن لا نزداد ، ولعمري لا يسألهم الله إلا عما افترض عليهم ولكنهم قوم يخطئون بالليل والنهار ، وما أنتم إلا من نبيكم ، وما نبيكم إلا منكم ، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل .
ونزعت كل آية فيها قيام الليل } .
فأشارت عائشة رضي الله تعالى عنها إلى أن قيام الليل فيه فائدتان عظيمتان : الاقتداء بسنة ينبوع الهدى ، والتأسي بالشفيع غدا ، ومعدن الاهتداء .
وقال تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } وتكفير الذنوب والخطايا ، من منفس الكروب ومانح العطايا .
فإن بني آدم يخطئون بالليل والنهار ، فيحتاجون

(4/96)


إلى الاستكثار من مكفرات الأوزار .
وقيام الليل من أعظم المكفرات ، كما قال سيد السادات ومعدن السعادات ، لحامل لواء الفقهاء إلى الجنة سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه { قيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة ثم تلا { تتجافى جنوبهم } الآية } رواه الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره .
وقد روي أن المتهجدين يدخلون الجنة بغير حساب .
روي عن شهر بن حوشب رحمه الله عن أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق : سيعلم الخلائق اليوم من أولى بالكرم ، ثم يرجع فينادي : أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ؟ فيقومون وهم قليل ، ثم يرجع فينادي : ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء ، فيقومون وهم قليل ، ثم يرجع فينادي : ليقم الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، فيقومون وهم قليل ، ثم يحاسب سائر الناس } خرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي .
ويروى نحوه عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله .
ويروى أيضا نحوه من حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر من قوله ومرفوعا أيضا .
ويروى نحوه أيضا عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وربيعة الجرشي والحسن وكعب رحمهم الله تعالى .
قال بعض السلف : قيام الليل يهون طول قيام يوم القيامة ، وإذا كان أهله يسبقون إلى الجنة بغير حساب فقد استراح أهله من طول الموقف

(4/97)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية