صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

عليه وسلم بأبي بكر وهو يلعن بعض رقيقه ، فالتفت إليه وقال لعانين وصديقين كلا ورب الكعبة .
فعتق أبو بكر رضي الله عنه يومئذ بعض رقيقه ، قال ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا أعود } .
وأخرج مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة } ورواه أبو داود ولم يقل يوم القيامة .
والترمذي وحسنه عن ابن مسعود رفعه { لا يكون المؤمن لعانا } .
وأخرج البخاري ومسلم { لعن المؤمن كقتله } والطبراني بإسناد جيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابا من الكبائر .
وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا وشمالا ، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن ، فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها } .
وأخرج الإمام أحمد بإسناد جيد عن ابن ، مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { اللعنة إذا وجهت إلى من وجهت إليه ، فإن أصابت عليه سبيلا أو وجدت فيه مسلكا وإلا قالت يا رب وجهت إلى فلان فلم أجد فيه مسلكا ولم أجد عليه سبيلا ، فيقال لها ارجعي من حيث جئت } .
وأخرج مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال { بينما رسول الله صلى الله عليه

(1/178)


وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها ، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة قال عمران : فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض .
لها أحد } .
وروى أبو يعلى وابن أبي الدنيا بإسناد جيد عن أنس رضي الله عنه قال { سار رجل مع النبي صلى الله عليه وسلم فلعن بعيره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله لا تسر معنا على بعير ملعون } .
وقد { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لعن الديك فقال لا تلعنه ولا تسبه فإنه يدعو إلى الصلاة } .
وقال أنس : { كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلدغت رجلا برغوث فلعنها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنها فإنها نبهت نبيا من الأنبياء للصلاة } رواه أبو يعلى والبزار .
.

(1/179)


وأخرج أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما { أن رجلا لعن الريح عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال لا تلعن الريح فإنها مأمورة ، من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه } .
( فائدة ) : قال الشيخ عبد الكريم أبو القاسم اليافعي في شرح مسند الإمام الشافعي رضي الله عنه : يروى { أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الفقر فقال لعلك تسب الريح } انتهى .
فأفهم أن سب الريح يورث الفقر مع ما أفاد الحديث المذكور برجوع اللعنة على قائلها ، وفهم من كلامه انتفاء الحرمة بلعن غير المقيد من فرق أهل الضلال والفسوق والوبال لصريح الآيات القرآنية والأخبار المصطفوية .
قال جل شأنه { ألا لعنة الله على الظالمين } وقال عليه الصلاة والسلام { لعن الله اليهود والنصارى } فيجوز لعن الكفار عاما .
وهل يجوز لعن كافر معين ؟ قال في الآداب الكبرى : على روايتين ، وظاهر النظم المنع وهو المذهب .

(1/180)


قال شيخ الإسلام رضي الله عنه : ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز ، وأما لعنه المعين فالأولى تركها لأنه يمكن أن يتوب .
وقال في موضع آخر : قيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنه : أيؤخذ الحديث عن يزيد ؟ فقال لا ولا كرامة ، أو ليس هو فعل بأهل المدينة ما فعل .
وقيل له : إن قوما يقولون إنا نحب يزيد ، فقال وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم الآخر .
فقيل له أولا تلعنه ؟ فقال ما رأيت أباك يلعن أحدا وفي رواية متى رأيت أباك لعانا ؟ وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي في لعنة يزيد : أجازها العلماء الورعون ، منهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، وأنكر ذلك عليه الشيخ عبد المغيث الحربي وأكثر أصحابنا ، ذكره في الآداب الكبرى قال لكن منهم من بنى الأمر على أنه لم يثبت فسقه ، وكلام عبد المغيث يقتضي ذلك وفيه نوع انتصار ضعيف .
ومنهم من بنى الأمر على أنه لا يلعن الفاسق المعين .
وشنع الإمام الحافظ ابن الجوزي على من أنكر استجازة ذم المذموم ولعن الملعون كيزيد .
قال وقد ذكر الإمام أحمد في حق يزيد ما يزيد على اللعنة ، وذكر ما ذكره القاضي في المعتمد من رواية صالح : ومالي لا ألعن من لعنه الله عز وجل في كتابه ، إن صحت الرواية قال وصنف القاضي أبو الحسين كتابا في بيان من يستحق اللعن وذكر فيهم يزيد ، قال وقد جاء في الحديث لعن من فعل ما لا يقارب معشار عشر ما فعل يزيد ، وذكر الفعل العام كالوامصة وأمثاله ، وذكر رواية أبي طالب سألت أحمد بن حنبل عمن قال

(1/181)


لعن الله يزيد بن معاوية ، فقال لا أتكلم في هذا ، الإمساك أحب إلي .
قال ابن الجوزي : هذه الرواية تدل على اشتغال الإنسان بنفسه عن لعن غيره ، والأولى على جواز اللعنة كما قلنا في تقديم جواز التسبيح على لعنة إبليس ، وسلم ابن الجوزي أن ترك اللعن أولى .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال { قيل يا رسول الله ادع الله عز وجل على المشركين ، قال : إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة } قال في رواية الحافظ ابن الجوزي : وقد لعن الإمام أحمد رضي الله عنه من يستحق اللعن .
وقال مسدد : قالت الواقفية الملعونة والمعتزلة الملعونة .
وقال : على الجهمية لعنة الله .
وكان الحسن يلعن الحجاج .
وأحمد يقول الحجاج رجل سوء .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه : ليس في هذا عن أحمد لعنة معين لكن قول الحسن نعم .
وقال الشيخ أيضا : لم أر أحمد رضي الله عنه لعن معينا إلا لعنة نوع أو دعاء على معين بالعذاب أو سب له .
وفي الآداب الكبرى لابن مفلح ذكر القاضي ما نقله من خط أبي حفص العكبري أسنده إلى صالح بن أحمد ، قلت لأبي إن قوما ينسبونا إلى توالي يزيد ، فقال يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله ؟ ( فقلت ) ولم لا تلعنه ؟ فقال ومتى رأيتني ألعن شيئا لم لا تلعن من لعنه الله عز وجل في كتابه ، فقلت وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟ فقرأ { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم }

(1/182)


فهل يكون في قطع الرحم أعظم من القتل .
قال القاضي : وهذه الرواية إن صحت فهي صريحة في معنى علة لعن يزيد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه : الدلالة مبنية على استلزام المطلق للمعين .
انتهى .
( قلت ) أكثر المتأخرين من الحفاظ والمتكلمين يجيزون لعنة يزيد اللعين ، كيف لا وهو الذي فعل المعضلات ، وهتك ستر المخدرات ، وانتهك حرمة أهل البيت ، وآذى سبط النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي وميت ، مع مجاهرته بشرب الخمور والفسق والفجور .
ذكروا في ترجمته أنه كان مجاهرا بالشراب متهتكا فيه ، .
وله في وصفه بدائع وغرائب ونهاه والده فلم ينته ، فغضب عليه ، فأنشد يزيد يخاطبه ، ونسبها الأصمعي إلى غيره : أمن شربة من ماء كرم شربتها غضبت علي الآن طاب لي السكر سأشرب فاغضب لا رضيت كلاهما حبيب إلى قلبي عقوقك والخمر وهو القائل من قصيدة : وشمسة كرم برجها قعر دنها فمطلعها الساقي ومغربها فمي مدام كتبر في إناء كفضة وساق كبدر مع ندامى كأنجم إذا نزلت من دنها في زجاجة حكت نفرا بين الحطيم وزمزم نشير إليها بالبنان كأنما نشير إلى البيت العتيق المحرم إلى أن يقول : فإن حرمت يوما على دين أحمد فخذها على دين المسيح بن مريم وله من أمثال هذه الضلالات كثير جدا .
وفي المجلد السادس عشر من الوافي بالوفيات أن إلكيا الهراس سئل عن لعن يزيد فقال : فيه لأحمد قولان تلويح وتصريح ، ولمالك قولان تلويح وتصريح ، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح ، وكيف لا

(1/183)


يكون كذلك وهو اللاعب بالرند ، والمتصيد بالفهد ومدمن الخمر ، وذكر من شعره أشياء ثم ذكر أنه سبى أهل البيت لما ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسين والرءوس على أسنة الرماح ، وقد أشرفوا على ثنية العقاب ، فلما رآهم الخبيث أنشأ يقول : لما بدت تلك الحمول وأشرفت تلك الرءوس على شفا جيرون نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسول ديوني يعني بذلك أنه قتل بمن قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عتبة جده أبو أمه وخاله وغيرهما .
قلت : أنا لا أشك أن قائل هذا الكلام خارج من ربقة الإسلام ، والله ورسوله بريئان منه ، ثم إن الخبيث لما أتي برأس سيدنا الحسين رضوان الله عليه تناوله بقضيب فكشف عن ثناياه وهي أبيض من البرد ، فقال عليه غضب المتعال : نفلق هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما وقال أيضا لما فعل بأهل المدينة ما فعل وجاءه رسوله بالأخبار التي لا تفعلها إلا الكفار .
فتمثل بقول ابن الزبعرى : ليت أشياخي ببدر علموا جزع الخزرج من وقع الأسل والحاصل أن العلماء منهم من صرح بلعنه ، ومنهم من لوح ، ومنهم من منع ، وهو ظاهر النظم ، والله أعلم .
( تتمة ) ألحق كثير من العلماء الحجاج بن يوسف الثقفي بيزيد ، فخبثه كخبثه أو يزيد .
وفي فنون ابن عقيل : حلف رجل بالطلاق الثلاث أن الحجاج في النار ، فسأل فقيها ، فقال الفقيه أمسك زوجتك فإن الحجاج إن لم يكن مع أفعاله في

(1/184)


النار فلا يضرك الزنا ، والله أعلم .

(1/185)


مطلب : في بيان حقيقة الفحش وذكر الآثار الواردة في النهي عنه : وفحش ومكر والبذاء خديعة وسخرية والهزو والكذب قيد ( و ) يحرم على كل مكلف ( فحش ) بضم الفاء وسكون الحاء المهملة وبالشين المعجمة ، وأصله كل ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي كما في نهاية ابن الأثير .
{ ولما قالت عائشة لليهود ما قالت قال لها النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يحب الفحش ولا التفاحش } أراد بالفحش التعدي في القول والجواب لا الفحش الذي هو من قذع الكلام ورديه .
والتفاحش تفاعل منه وقد يكون الفحش بمعنى الزيادة والكثرة ، ومنه حديث بعضهم وقد سئل عن دم البراغيث فقال إن لم يكن فاحشا فلا بأس .
وفي شرح البخاري للحافظ ابن حجر : الفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح ويذم ، ويدخل في القول والفعل والصفة ، يقال طويل فاحش الطول إذا أفرط في طوله ، لكن استعماله في القول أكثر .
والمراد هنا بالفحش الكلام القبيح .
فأخرج الطبراني في الصغير والأوسط وأبو الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا عائشة لو كان الحياء رجلا كان رجلا صالحا ، ولو كان الفحش رجلا كان رجل سوء } .
وأخرج ابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما كان الفحش في شيء إلا شانه ، وما كان الحياء في شيء إلا زانه } .
وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها { أن يهودا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليكم ،

(1/186)


فقالت عائشة رضي الله عنها عليكم السام ولعنة الله وغضب الله عليكم .
قال مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش } .
وفي الصحيحين عنها { استأذن رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليكم ، فقالت عائشة رضي الله عنها وعليكم السام واللعنة .
فقال يا عائشة إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر .
قالت ألم تسمع ما قالوا ؟ قال قد قلت وعليكم } .
وفي رواية لهما { أن عائشة رضي الله عنها قالت بل عليكم السام والذام .
فقال يا عائشة لا تكوني فاحشة ، فقال ما سمعت ما قالوا ؟ فقال أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا ، قلت وعليكم } وفي لفظ : { مه يا عائشة فإن الله عز وجل لا يحب الفحش والتفحش وأنزل الله تعالى { وإذا جاءوك حيوك } الآية } .
الذام بالذال المعجمة والميم الذم ، وروي بالدال المهملة ومعناه الدائم ، والسام الموت .
وفي رواية { إنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا } قال في شرح مسلم : فيه الانتصار من الظالم والانتصار لأهل الفضل ممن يؤذيهم .
انتهى .
وفي كتاب الله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } قال ابن عرفة : كل ما نهى الله عنه فهو فاحش .
وأكثر استعمال الفاحشة في الزنا واللواطة وليس مرادا هنا ، والله أعلم .

(1/187)


ويحرم أيضا ( مكر ) وهو كما في القاموس والنهاية وغيرهما الخداع .
قال في لغة الإقناع : مكر مكرا من باب قتل خدع فهو ماكر ، وأمكر بالألف لغة .
وفي النهاية في قوله صلى الله عليه وسلم { اللهم امكر لي ولا تمكر بي } مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه ، وقيل هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة .
والمعنى ألحق مكرك بأعدائي لا بي .
قال وأصل المكر الخداع ، يقال مكر يمكر مكرا .
انتهى .
وقال الله تعالى { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } قال البيضاوي كغيره : ومكروا أي الذين أحس عيسى منهم الكفر هن اليهود وكلوا عليه من يقتله غيلة ، ومكر الله حين رفع عيسى وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل .
.

(1/188)


قال والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة لا يسند إلى الله تعالى إلا على سبيل المقابلة والازدواج .
والله خير الماكرين أي أقواهم مكرا وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب .
وقال الإمام العلامة الشيخ مرعي الكرمي في كتابه أقاويل الثقات : قال ومن المتشابه الاستهزاء والمكر في قوله { ومكروا ومكر الله } فمذهب السلف في هذا ونحوه أنهم يقولون صفات الله تعالى لا يطلع لها على ماهية وإنما تمر كما جاءت .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : مذهب سلف الأمة وأئمتها أن يصفوا الله تعالى بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ، ولا يجوز نفي صفات الله التي وصف بها نفسه ولا تمثيلها بصفات المخلوقين .
وقال المؤولون : المكر في الأصل حيلة يتوصل بها إلى مضرة الغير ، والله منزه عن ذلك فلا يمكن إسناده إليه سبحانه إلا بطريق المشاكلة .
انتهى .

(1/189)


أخرج الترمذي وقال غريب من حديث أبي سلمة الكندي عن فرقد السنجي عن مرة بن شراحيل الهمداني عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعا { ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به } إسناده ضعيف .
وأخرج أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قال { من خبب - بمعجمة فموحدتين تحتيتين - زوجة امرئ أو مملوكة فليس منا } ومعنى خبب أي أفسد وخدع .
وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب ، وفي نسخة صحيح عن أبي صرمة { من ضار ضر الله به ، ومن شاق شق الله عليه } ويحرم أيضا ( البذاء ) قال في المشارق : بذا يبذو بذا فحش في القول .
.

(1/190)


مطلب : في النهي عن الفحش .
أخرج الإمام أحمد ورجاله رجال الصحيح والترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ، والبذاء في الجفاء ، والجفاء في النار } .
وقال { الحياء والعي شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق } رواه الترمذي وقال حسن غريب عن أبي أمامة .
قال المنذري : العي قلة الكلام ، والبذاء هو الفحش في الكلام ، والبيان هو كثرة الكلام مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيتوسعون في الكلام ويتفصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله .
انتهى .
ورواه الطبراني بلفظ { الحياء والعي من الإيمان وهما يقربان من الجنة ويباعدان من النار ، والفحش والبذاء من الشيطان وهما يقربان من النار ويباعدان من الجنة } فقال أعرابي لأبي أمامة إنا لنقول في الشعر العي من الحمق ، فقال إني أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { وتجيبني بشعرك المنتن } .
وروى الطبراني باختصار وأبو الشيخ في الثواب واللفظ له عن قرة بن إياس رضي الله عنه قال { كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر عنده الحياء فقالوا يا رسول الله الحياء من الدين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو الدين كله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحياء والعفاف والعي عن اللسان لا عن القلب والعفة من الإيمان وإنهن يزدن في الآخرة وينقصن من الدنيا ، وما

(1/191)


يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من الدنيا ، وإن الشح والعجز والبذاء من النفاق وإنهن يزدن في الدنيا وينقصن من الآخرة وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن من الدنيا } .
ويحرم أيضا ( خديعة ) أي إرادة المكروه بالمسلم .
قال في القاموس : خدعه كمنعه خدعا ويكسر ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم كاختدعه فانخدع والاسم الخديعة ، والحرب خدعة مثلثة وكهمزة .
قال في المشارق في قوله صلى الله عليه وسلم { الحرب خدعة } كذا لأبي ذر وأكثر الروايات للصحيحين وضبطها الأصيلي خدعة بالضم .
قال أبو ذر لغة النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح وبه قال الأصمعي وغيره ، وحكى يونس فيه الوجهين ووجها ثالثا خدعة بضم الخاء وفتح الدال ، ولغة رابعة بفتحهما .
فالخدعة يعني بفتح الخاء وسكون الدال المهملة بمعنى أن أمرها ينقضي بخدعة واحدة يخدع بها المخدوع فتزل قدمه ولا يجد لها تلافيا ولا إقالة ، فكأنه نبه على أخذ الحذر من مثل ذلك .
ومن ضم الخاء وسكن الدال فمعناه أنها تخدع يعني أهلها ومباشريها .
ومن ضم الخاء وفتح الدال نسب الفعل إليها أي تخدع هي من اطمأن إليها وأن أهلها يخدعون فيها .
ومن فتحهما جميعا كان جمع خادع يعني أن أهلها بهذه الصفة فلا يطمأن إليهم كأنه قال أهل الحرب خدعة ثم حذف المضاف .
قال وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه ، ويقال خدع الطريق فسد فكأن الخداع يفسد تدبير المخدوع ويقيل رأيه .
وقال في الصحاح : خدعه يخدعه خدعا

(1/192)


وخدعا أيضا بالكسر مثل سحره سحرا أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم والاسم الخديعة انتهى .
قلت : ظاهر كلام المحدثين من أهل الغريب بل صريحه أنها تروى على أربعة أوجه من حيث اللغة ، ومقتضى ما ذكرناه عن القاموس والمشارق بضم ما أهمله كل واحد منهما إلى ما ذكره أنها خمس لغات فإن القاموس قال الحرب خدعة مثلثة وكهمزة ولا شك أن مراده مثلثة الخاء مع سكون الدال ، وقوله كهمزة أي بضم الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وأهمل ما ذكره صاحب المشارق من فتح الخاء والدال معا .
وأهمل صاحب المشارق فتح الخاء وسكون الدال لكنه غير وارد على صاحب القاموس ، لأن من رواه خدعة بفتحهما فهو جمع خادع كما بينه صاحب المشارق ، وإنما يرد على المشارق إهمال لغة الفتح مع السكون فاحفظه والله تعالى أعلم .

(1/193)


مطلب : فيما ورد في ذم الخدعة .
قال الله سبحانه وتعالى في حق المنافقين { يخادعون الله والذين آمنوا } قال البيضاوي : الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه لتنزله عما هو بصدده ، من قولهم خدع الضب إذا توارى في جحره ، وضب خادع وخدع إذا أوهم الحارس إقباله عليه ثم خرج من باب آخر وأصله الإخفاء ، ومنه المخدع للخزانة والأخدعان لعرقين خفيفين في العنق .
فالمخادعة تكون بين اثنين .
وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه لا يخفى عليه خافية ولأنهم لم يقصدوا خديعته ، بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف مضاف أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته كما قال { من يطع الرسول فقد أطاع الله } { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } وأما أن صورة صنعهم مع الله من إظهار الإيمان واستبطان الكفر وصنع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار استدراجا لهم ، وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم وإجراء .
حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين .
وفي القاموس : وإذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله .
وقال الجلال السيوطي : والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر الله فيها تحسين .
انتهى .
الخديعة لا تليق بالمؤمنين ، إذ هي تنافي النصح وسلامة الصدور والمودة والمحبة ، وتنبت الإثم والبغي والغل والحسد والحقد .
وأخرج ابن ماجه بإسناد صحيح والبيهقي وغيرهما عن

(1/194)


عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال { قيل يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال كل محموم القلب صدوق اللسان .
قالوا صدوق اللسان نعرفه فما محموم القلب ؟ قال هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد } .
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن الحسن مرسلا قال صلى الله عليه وسلم { إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة لكن دخلوها برحمة الله وسخاوة الأنفس وسلامة الصدور } .
.

(1/195)


مطلب : في السخرية والهزو وما ورد فيهما .
( و ) يحرم ( سخرية والهزو ) وهما لفظان مترادفان معناهما واحد .
قال الجوهري : الهزو السخرية وفي الحديث { أتسخر مني وأنت الملك } ؟ أي أتهزأ بي .
وفي القاموس هزأ منه وبه كمنع وسمع هزءا وهزءا ومهزأة سخر كتهزأ واستهزأ ، ورجل هزأة بالضم يهزأ منه وكهمزة يهزأ بالناس .
وقال سخر منه وبه كفرح سخرا وسخرا وسخرة هزئ كاستخر والاسم السخرية .
قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن } قال الضحاك : نزلت في وفد تميم كانوا يستهزئون بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة لما يرون من رثاثة حالهم .
والقوم وإن كان اسما يجمع الرجال والنساء إلا أنه قد يختص بالرجال ، فمن ثم عطف عليه قوله { ولا نساء من نساء } وقد روى أنس أن قوله تعالى { ولا نساء من نساء } نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين رضي الله عنها قال لها النساء يهودية بنت يهوديين .
وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة فيقال لهم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال له هلم فما يأتيه من الإياس } رواه البيهقي مرسلا .
وفي هذا وعظ لمن اتعظ وإيقاظ لمن تيقظ .

(1/196)


قال العلامة الشيخ مرعي في أقاويل الثقات : الاستهزاء من باب العبث والسخرية فمعنى يستهزئ بهم يعني يجازيهم على استهزائهم وهو من باب المشاكلة في اللفظ ليزدوج الكلام ك ( { جزاء سيئة سيئة مثلها } { نسوا الله فنسيهم } والمعنى يعاملهم معاملة المستهزئ ، أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإمهال ، وأما في الآخرة فيروى أنه يفتح لأحدهم باب الجنة فيسرع نحوه فإذا سار إليه سد دونه ثم يفتح له باب آخر فإذا أقبل عليه سد دونه .
وهذا الذي قاله على طريقة الخلف .
وأما مذهب السلف فلا يؤولون ولا يكيفون فيؤمنون بما أخبر لا كما يخطر في أوهام البشر ، والله الموفق .
( تنبيه ) : المستهزئ بغيره يرى فضل نفسه بعين الرضى عنها ، ويرى نقص غيره بعين الاحتقار ، إذ لو لم يحتقر غيره لما سخر منه .
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى ههنا ، التقوى ههنا ، التقوى ههنا ، ويشير إلى صدره ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم .
كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله } قال الحافظ ابن رجب في شرح النووية : المتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال وإلى غيره بعين النقص فيحتقرهم ويزدريهم ولا يراهم أهلا لأن يقوم بحقوقهم ولا أن يقبل من أحد منهم الحق إذا أورده عليه .
وقال في قوله صلى الله عليه وسلم { بحسب امرئ من

(1/197)


الشر أن يحقر أخاه المسلم } يعني يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم ، فإنه إنما يحقر أخاه المسلم لتكبره عليه ، والكبر من أعظم خصال الشر .
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ، فقال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ، فقال إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق - أي دفعه ورده - وغمط الناس } أي بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة هو احتقارهم وازدراؤهم كما جاء مفسرا عند الحاكم .
وأخرج الإمام : مالك ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم } قال أبو إسحاق سمعته بالنصب والرفع ولا أدري أيهما قال يعني بنصب الكاف من أهلكهم ورفعها .
وفسره الإمام مالك إذا قال ذلك معجبا بنفسه مزدريا بغيره فهو أشد هلاكا منهم ، لأنه لا يدري سرائر الله في خلقه .
انتهى .
قال الحافظ ابن رجب : وإذا كانت التقوى في القلوب فلا يطلع أحد على حقيقتها إلا الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } رواه مسلم .
فكثير من يكون له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا ويكون قلبه خرابا من التقوى ، ويكون من ليس له ذلك قلبه مملوءا من التقوى فيكون أكرم عند الله عز وجل بل ذلك هو الأكثر وقوعا .
وأخرج الإمام

(1/198)


أحمد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد ، وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملئوه ، ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين أو عمل صالح } ورواه البيهقي بلفظ { ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين ، أو عمل صالح ، حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا } وفي رواية له { ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى ، وكفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا } قوله طف الصاع بالإضافة أي قريب بعضكم من بعض .
وأخرج الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى } .
وأخرج البيهقي بإسناد فيه من يجهل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال { خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال : يا أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد .
ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى .
إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
ألا هل بلغت ؟ قالوا بلى يا رسول الله ، قال فليبلغ الشاهد الغائب ، ثم ذكر الحديث في تحريم الدماء والأموال والأعراض } .
وروى الطبراني في الصغير والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا قال البيهقي والمحفوظ الموقوف { إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا ، فجعلت أكرمكم أتقاكم ،

(1/199)


فأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان ، فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم ، أين المتقون } .
وفي الحديث الصحيح { من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه } .
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء ، الناس بنو آدم وآدم من تراب ، مؤمن تقي ، وفاجر شقي ، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها } .
وفي رواية { أهون على الله من الجعل يدفع الخرء بأنفه } .
وفي رواية { الذي يدهده الخرء بأنفه } قوله عبية الجاهلية هي بضم العين المهملة وكسرها وتشديد الباء الموحدة مكسورة وبعدها ياء مثناة تحتية مشددة أيضا هي الكبر والفخر والنخوة ، والجعلان جمع جعل بضم الجيم وفتح العين المهملة دويبة أرضية .
قال في حياة الحيوان : الجعل كصرد ورطب جمعه جعلان ويقال له أبو جعران وهو دويبة معروفة تسمى الزعقوق وهي أكبر من الخنفساء شديد السواد في بطنه لون حمرة للذكر قرنان يوجد كثيرا في مراح البقر والجاموس ومواضع الروث يتولد غالبا من أخثاء البقر ، ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها ومن عجيب أمره أنه يموت من ريح الورد وريح الطيب ، فإذا أعيد إلى الروث عاش .
وفي كلام شيخنا الشيخ عبد الغني النابلسي : ومن أين للجعلان تعبث في

(1/200)


الورد وفي لامية ابن الوردي : أيها العائب قولي عبثا إن طيب الورد مؤذ بالجعل وفي كلام المتنبي : كما تضر رياح الورد بالجعل وله جناحان لا يكاد أن يريان إلا إذا طار ، وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا ، وهو يمشي القهقرى إلى خلفه وهو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته ويسمى الكبرتك .
وإذا أراد الطيران تنفس فيظهر جناحاه .
ومن عادته أنه يحرس النيام ، فمن قام منهم لقضاء حاجته تبعه من شهوته للغائط لأنه قوته .
وقوله يدهده أي يدحرج وزنه ومعناه .
وفي مسند أبي داود الطيالسي والشعب للبيهقي عن ابن عباس مرفوعا { لا تفخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية } .
والحاصل أن كل من افتخر على إخوانه واحتقر أحدا من أقرانه وأخدانه أو سخر أو استهزأ بأحد من المؤمنين فقد باء بالإثم والوزر المبين .

(1/201)


وأما الكافر فيجوز احتقاره لأنه مهان لأنه لا حرمة له لعدم انقياده للإيمان ، فهو لكبره عن الإيمان محتقر ومجرم { ومن يهن الله فما له من مكرم } والله أعلم .

(1/202)


( و ) يحرم ( الكذب ) لا مطلقا بل ( قيد ) تحريمه .
مطلب : في قوله صلى الله عليه وسلم { لا يصلح الكذب إلا في ثلاث } بغير خداع الكافرين بحربهم وللعرس أو إصلاح أهل التنكد ( بغير ) أحد ثلاثة مواضع : الأول إذا كان بغير ( خداع الكافر ) وتقدم أن الخداع إرادة المكروه بالإنسان من حيث لا يعلم ، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم { الحرب خدعة } والكافرين جمع كافر من الكفر وهو ضد الإيمان وبفتح كالكفور والكفران بضمهما وكفر نعمة الله وبها كفورا وكفرانا جحدها وسترها ( بحربهم ) أي في أمر حربهم وجهادهم وما يتوصل به إلى خذلانهم وفشلهم .
( و ) الموضع الثاني إذا كان لغير ( العرس ) يعني وهي بكسر العين قال في القاموس : العرس بالكسر امرأة الرجل ورجلها جمعه أعراس .
والموضع الثالث : ما أشار إليه بقوله ( أو ) يكون الكذب لغير ( إصلاح ) ذات بين ( أهل التنكد ) بما يذهب وغر صدورهم ويجمع شملهم ويضم جماعتهم ويزيل فرقهم .
والإصلاح ضد الإفساد .
قال في القاموس : الصلاح ضد الفساد ، وأصلحه ضد أفسده ، والتنكد التعاسر .
قال في القاموس : تناكدا تعاسرا .
وناكده عاسره ، وأصل النكد الشدة والعسرة ، يقال نكد كفرح ، ورجل نكد شوم ، وقوم أنكاد ومناكيد .
وأما قول كعب رضي الله عنه من بانت سعاد : قامت فجاوبها نكد مثاكيل ، فالمراد بالنكد في كلامه اللاتي لا يعيش لهن ولد ، الواحدة نكدى كما قاله الإمام ابن هشام .
روى الترمذي وحسنه عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت قال

(1/203)


رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : الرجل يكذب في الحرب والحرب خدعة ، والرجل يكذب بين الرجلين ليصلح بينهما ، والرجل يكذب للمرأة ليرضيها بذاك } قال الإمام بن مفلح في الآداب الكبرى : ويحرم الكذب لغير إصلاح وحرب وزوجة وقال ابن الجوزي : وضابطه أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح إن كان ذلك المقصود مباحا ، وإن كان واجبا فهو واجب .
قال ابن مفلح : وهو مراد الأصحاب .
ومرادهم هنا لغير حاجة وضرورة فإنه يجب الكذب إذا كان فيه عصمة مسلم من القتل .
وعند أبي الخطاب يحرم أيضا لكن يسلك أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما .
وقال ابن عقيل : هو حسن حيث جاز لا إثم لي فيه ، وهو قول أكثر العلماء .
وقال الإمام المحقق ابن القيم في الهدي : يجوز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه ، كما كذب الحجاج بن علاط على المسلمين حتى أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت بالمسلمين من ذلك الكذب ، وأما ما نال من بمكة من المسلمين من الأذى والحزن فمفسدة يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب ، لا سيما تكميل الفرح وزيادة الإيمان الذي حصل بالخبر الصادق بعد هذا الكذب ، وكان الكذب سببا في حصول المصلحة الراجحة .
قال ونظير هذا الإمام والحاكم يوهم الخصم خلاف الحق ليتوصل بذلك إلى استعمال الحق .
كما أوهم سليمان بن داود عليهما السلام إحدى المرأتين بشق الولد نصفين

(1/204)


حتى يتوصل بذلك إلى معرفة عين أمه .
انتهى .
وقصة الحجاج بن علاط كما ذكرها الإمام المحقق في الهدي النبوي وابن هشام في السيرة وأهل السير والمغازي وذكرتها في كتابي تحبير الوفا في سيرة المصطفى ، قال في الهدي : وكان الحجاج بن علاط السلمي قد أسلم وشهد فتح خيبر وكانت تحته شيبة أخت بني عبد الدار قصي .
أي وهو أبو نصر الذي نفاه عمر رضي الله عنه لما سمع أم الحجاج بن يوسف الثقفي تقول الأبيات التي منها : هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج ومن ثم قال عروة بن الزبير رضي الله عنه يوما للحجاج : يا ابن المتحببة ، يعيره بذلك ، قال في الهدي : وكان الحجاج مكثرا من المال فكانت له معادن أرض بني سليم ، { فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على خيبر قال الحجاج بن علاط إن لي ذهبا عند امرأتي ، وإن تعلم هي وأهلها بإسلامي فلا مال لي ، فأذن لي فلأسرع السير وأسبق الخبر ، وقال له صلى الله عليه وسلم لا بد لي أن أقول ، أي أذكر ما هو خلاف الواقع ، فأذن له صلى الله عليه وسلم وقال قل قال الحجاج فخرجت حتى انتهيت إلى الحرم فإذا رجال من قريش يسمعون الأخبار ، قالوا حجاج والله عنده الخبر ، ولم يكونوا علموا ، فقالوا يا حجاج إنه قد بلغنا أن القاطع يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سار إلى خيبر ، فقلت عندي من الخبر ما يسركم ، فاجتمعوا علي يقولون إيه يا حجاج ؟ فقلت لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيبر فهزم

(1/205)


هزيمة لم يسمع مثلها قط ، وقتل أصحابه قتلا لم يسمع بمثله قط ، وأسر محمد ، وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلوه بين أظهرهم فصاحوا وقالوا لأهل مكة قد جاءكم الخبر ، هذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم قال حجاج وقلت لهم أعينوني على غرمائي ، فجمعوا له ماله بأحسن ما يكون .
قال في الهدي : فلما قدم مكة قال لامرأته أخفي علي واجمعي ما كان لي عندك من مالي فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم ، وإن محمدا قد أسر وتفرق عنه أصحابه ، وإن اليهود قد أقسموا لنبعثن به إلى مكة ثم لنقتلنه بقتلاهم بالمدينة يعني بني قريظة .
وفشا ذلك في مكة واشتد على المسلمين وبلغ منهم ، وأظهر المشركون الفرح والسرور ، وبلغ العباس رضي الله عنه جلبة الناس وإظهارهم السرور .
فأراد أن يقوم ويخرج فانخزل ظهره فلم يقدر على القيام فدعا ابنا له يقال له قثم وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به أعداء الله : قثم شبيه ذي الأنف الأشم فمتى ذي النعم يرغم من رغم وحشر إلى باب داره رجال كثيرون من المسلمين والمشركين منهم المظهر للفرح والسرور ، ومنهم الشامت والمعزي ، ومنهم من به مثل الموت من الحزن والبلاء .
فلما سمع المسلمون رجز العباس رضي الله عنه وتجلده طابت أنفسهم ، وظن المشركون أن قد أتاه ما لم يأتهم ثم أرسل العباس غلاما له إلى

(1/206)


الحجاج وقال له اخل به وقل له ويلك ما جئت به وما تقول ، فالذي وعد الله خير مما جئت به ، فلما كلمه الغلام قال له أقرئ أبا الفضل مني السلام وقل له ليخل بي في بعض بيوته حتى آتيه ، فإن الخبر على ما يسره .
فلما بلغ العبد باب الدار فقال أبشر أبا الفضل ، فوثب العباس فرحا كأنه لم يصبه بلاء قط حين جاءه .
فأتى الغلام وقبل ما بين عينيه فأخبره بقول الحجاج فأعتقه } .
وفي سيرة الشامي أنه اعتنقه وأعتقه .
فلما أخبره بالذي قال قال العباس لله علي عتق عشر رقاب وأن الغلام اسمه أبو زبيبة .
قال ولم أر له ذكرا في الإصابة .
انتهى .
قال في الهدي : قال أخبرني ، قال يقول لك الحجاج اخل به في بعض بيوتك حتى يأتيكم ظهرا ، فلما جاء الحجاج واختلى به أخذ عليه لتكتمن خبري .
وفي سيرة الشامي فناشده الله لتكتم عني ثلاثة أيام ، ويقال يوما وليلة ، فواثقه العباس رضي الله عنه على ذلك .
فقال له الحجاج قد افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وغنم أموالهم وجرت فيها سهام الله ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى صفية بنت حيي لنفسه وأعرس بها ، ولقد أسلمت ولكن جئت لمالي أردت أن أجمعه وأذهب به ، وإني استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول فأذن لي ، فأخف علي ثلاثا ثم اذكر ما شئت .
قال فجمعت له امرأته متاعه ثم انشمر راجعا ، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال ما فعل زوجك ؟ قالت ذهب ، وقالت لا يحزنك الله يا أبا

(1/207)


الفضل لقد شق علينا الذي بلغك ، فقال أجل لا يحزنني الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحب ، فتح الله سبحانه على رسوله خيبر وجرت فيها سهام الله ، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه ، وإن كان لك في زوجك حاجة فالحقي به .
قالت : أظنك والله صادقا .
قال فإني والله صادق والأمر على ما أقول .
قالت فمن أخبرك بهذا ؟ قال الذي أخبرك بما أخبرك ثم ذهب .
قال ابن إسحاق : فلبس حلة له وتخلق أي تطيب وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف ، فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة .
قال كلا والذي حلفتم به ، لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على بنت ملكهم ، يعني صفية بنت حيي ، وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه .
قالوا من جاءك بهذا الخبر ؟ قال الذي جاءكم بما جاءكم به ، ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله وانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه .
قالوا يا لعباد الله انفلت عدو الله ، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن .
قال في الهدي : ولقد سألني أن أكتم عليه ثلاثا لحاجة .
قال فرد الله تعالى ما كان بالمسلمين من كآبة وجزع على المشركين ، وخرج المسلمون من مواضعهم حتى دخلوا على العباس فأخبرهم الخبر فأشرقت وجوه المسلمين .
انتهى .
وقوله كما أوهم سليمان بن داود عليهما السلام إحدى المرأتين .
هذه القصة ذكرها الإمام بن القيم في كتابه الطرق الحكمية ، وهي أن امرأتين ارتفعتا إلى نبي الله داود عليه السلام ادعتا ولدا

(1/208)


معهما ، فحكم به داود عليه السلام للكبرى ، فقال سليمان ائتوني بالسكين أشقه بينكما ، فسمحت الكبرى بذلك ، وقالت الصغرى لا تفعل رحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى .
قال في الطرق الحكمية : فأي شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة ، فاستدل برضى الكبرى بذلك وأنها قصدت الاسترواح إلى التأسي بمساواة الصغرى في فقد ولدها ، وشفقة الصغرى عليه وامتناعها من الرضا بذلك دل على أنها هي أمه .
وأن الحامل لها على الامتناع هو ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها الله في قلب الأم .
انتهى .

(1/209)


مطلب : هل المراد بما أبيح به الكذب التورية أو مطلقا ؟ .
والحاصل أن الكذب مذموم ، وفاعله من الخير محروم .
وإنما يباح لما ذكرنا .
وقد اختلف علماؤنا هل الكذب في هذه المواضع المراد به التورية أو مطلقا .
فرواية حنبل عن الإمام تدل على تحريم الكذب ابتداء .
ورواية ابن منصور تدل على الإطلاق ، لكن الإطلاق ظاهر كلام الأصحاب .
قال الحجاوي وهو الصحيح ، وهو الذي رجحه ابن مفلح في الآداب الكبرى .
وروى الشيخان عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين ، أو قال بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا } زاد مسلم قالت ولم أسمعه { يرخص في شيء مما يقول الناس كذبا إلا في ثلاث } ، يعني الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها .
وهو في البخاري من قول ابن شهاب لم أسمع أحدا يرخص في شيء مما يقول الناس كذبا ، وذكره .
ولأبي داود والنسائي : { ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث } الحديث .
وأخرج الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد مرفوعا { كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال : رجل كذب لامرأته ليرضيها ، أو رجل كذب في خديعة حرب ، أو رجل كذب بين امرأين مسلمين ليصلح بينهما } وفي رواية { لا يحل الكذب } وهي عند الترمذي .
وفي أخرى لا يصلح الكذب وقال حديث حسن .
فالكذب في الحرب هو أن يظهر من نفسه قوة .
ويتحدث بما يقوي

(1/210)


أصحابه ويكيد به عدوه لقوله عليه الصلاة والسلام { الحرب خدعة } وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها .
.

(1/211)


والكذب للزوجة هو أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه ليستديم بذلك صحبتها ويصلح به خلقها .
قاله البغوي في شرح السنة .
قال الحجاوي رحمه الله تعالى : وظاهر كلام الأصحاب إباحة كذب الزوج للزوجة دون كذبها له .
قال والظاهر إباحته لهما لأنه إذا جاز للإصلاح بين اثنين أجنبيين فجوازه للإصلاح بينها وبين بعلها أفضل .
وقد روي أن رجلا في عهد عمر قال لزوجته : نشدتك بالله هل تحبيني ؟ فقالت أما إذا نشدتني بالله فلا ، فخرج الرجل حتى أتى عمر رضي الله عنه ، فأرسل إليها فقال أنت التي تقولين لزوجك لا أحبك ، فقالت يا أمير المؤمنين نشدني بالله أفأكذبه ؟ قال نعم فأكذبيه ، ليس كل البيوت تبنى على الحب .
ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والإحسان .

(1/212)


والكذب بين اثنين أو قبيلتين أو أكثر هو أن ينمي على أحدهما إلى صاحبه خيرا ويبلغه جميلا وإن لم يكن سمعه منه ، يريد بذلك الإصلاح ، أو كان سمع منه كلاما قبيحا فبدله بخير منه ، إذ لو وقف على ذلك لزادت الخصومة بينهما ونشأت العداوة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم { ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو البوائن خيرا } رواه البخاري ومسلم .
( تنبيه ) : ظاهر كلام إمامنا رضي الله عنه والأصحاب جواز الكذب في الصلح بين كافرين كما هو ظاهر الأخبار ، ورواية الإمام أحمد بين مسلمين في الخبر إرسال وفيه شهر مختلف في توثيقه .
ثم يحتمل أن بعض الرواة رواه بالمعنى ، وعلى كل فظاهره غير مراد لأنه يجوز للصلح بين كافر ومسلم لحق المسلم كالحكم بينهما ، ثم هو مفهوم اسم وفيه خلاف ، ذكر ذلك في الآداب الكبرى ، ثم حط كلامه بعد الإطالة على المنع بين كافرين أو كفار وجوازه بين كافر ومسلم .
وقال عن قول ابن حزم في كتاب الإجماع : اتفقوا على تحريم الكذب في غير الحرب ، وغير مداراة الرجل امرأته ، أو إصلاح بين اثنين ، أو دفع مظلمة ، مراده بين اثنين مسلمين أو مسلم وكافر ، والله أعلم .
فهذا ما ورد فيه النص ويقاس عليه ما في معناه ككذبه لستر مال غيره عن ظالم ، وإنكاره المعصية للستر عليه أو على غيره ما لم يجاهر الغير بها ، بل يلزمه الستر على نفسه وإلا كان مجاهرا ، اللهم إلا أن يريد إقامة الحد على نفسه كقصة ماعز ، ومع ذلك فالستر أولى ويتوب

(1/213)


بينه وبين الله تعالى .
وكل ذلك يرجع إلى دفع المضرات .
وقد قدمنا عن الإمام الحافظ بن الجوزي أن ضابط إباحة الكذب أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا به فهو مباح ، وإن كان ذلك المقصود واجبا فهو واجب ، وكذا قال النووي من الشافعية .
فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله فلقي رجلا فقال رأيت فلانا فإنه لا يخبر به ويجب عليه الكذب في مثل هذه الحالة .
ولو احتاج للحلف في إنجاء معصوم من هلكة .
قال الإمام الموفق لأن إنجاء المعصوم واجب ، كفعل سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا ، فحلفت أنه أخي ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال { صدقت المسلم أخو المسلم } ولكنه والحالة هذه ينبغي له العدول إلى المعاريض ما أمكن لئلا تعتاد نفسه الكذب .

(1/214)


مطلب : ينبغي العدول للمعاريض ما أمكن .
وفي حديث عمران بن حصين { إن في المعاريض لمندوحة من الكذب } أي فسحة وسعة يعني فيها ما يستغني به الرجل عن الاضطرار إلى الكذب ، وهو أن يريد بلفظه خلاف ظاهره ، كقوله هذا أخي وعنى في الدين ، وبالسقف وعنى السماء ، وبالفراش الأرض ، وبالوتد الجبل ، وباللباس الليل ، وبالنساء الأقارب وبالبارية السكين التي تبري القلم ، ولا بأس بتعلمها وتتبعها .
قال الإمام ابن الجوزي : قال الإمام عمر رضي الله عنه : ما يسرني أن لي بما أعلم من المعاريض مثل أهلي ومالي .
وقال النخعي : لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء يردون به عن أنفسهم .
( تنبيه ) : خبر عمران بن حصين في المعاريض ذكره الإمام الموفق في المغني محتجا به فظاهره الثبوت .
وفي الآداب الكبرى : هو ثابت عن إبراهيم النخعي .
قال : وروي مرفوعا وليس هو في مسند الإمام أحمد ولا في الكتب الستة .
ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب المعاريض بإسنادين ضعيفين .
وقال في الآداب : قال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف .
والحاصل أن المعتمد في المذهب أن الكذب يجوز حيث كان لمصلحة راجحة كما قدمناه عن الإمام ابن الجوزي ، وإن كان لا يتوصل إلى مقصود واجب إلا به وجب .
وحيث جاز فالأولى استعمال المعاريض .

(1/215)


وأما الحلف فإن كان ظالما حنث ولو أول ، لقوله صلى الله عليه وسلم { يمينك على ما يصدقك به صاحبك } وإن كان مظلوما كالذي يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره أو نال مسلما منه ضررا فهنا له تأويله ، وكذا إن لم يكن ظالما ولا مظلوما ولو بلا حاجة .
ويقبل في الحكم مع قرب الاحتمال وتوسطه لا مع بعده ، وسواء في ذلك الطلاق والعتاق واليمين المكفرة .
وحيث حلف كاذبا ولم يؤول حنث ولو مظلوما .
ولو استحلفه ظالم ما لفلان عندك وديعة وكان له عنده وديعة فإنه يعني بما الذي ، أو ينوي غير الوديعة ، أو غير مكانها ، أو يستثنى بقلبه ، فإذا فعل ذلك لم يحنث ، فإن لم يتأول أثم وهو دون إثم إقراره بها ، ويكفر كما في الإقناع وغيره ، والله أعلم .

(1/216)


مطلب : في تعريف الكذب .
( تتمة ) في بعض مثالب الكذب وتعريفه .
أما تعريفه فقال في الآداب الكبرى : هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه ، ولا يشترط فيه التعمد ، نعم التعمد شرط لكونه إثما كما ذكره في شرح مسلم وقال إنه مذهب أهل السنة ، وحكاه عنه في الآداب ولم يخالفه بل قال فلعل ظاهره لا يحرم لعدم تعمد الكذب ولم يذكر رواية أبي داود المذكورة وهي قوله { كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع } فظاهرها يأثم مع عدم تعمد الكذب لكنه لما علم أنه يسمع الكذب والصدق وجب عليه التحري والله أعلم ، ولهذا يقول أصحابنا في اليمين الغموس : هي التي يحلف بها كاذبا عالما بكذبه .
قال وهذا هو المشهور في الأصول وهو قول الشافعية وغيرهم ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم في الخبر الصحيح المشهور الذي بلغ التواتر { من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار } فقيده بالعمد .
قيل هو دعاء بلفظ الأمر أي بوأه الله ذلك ، وقيل هو خبر بلفظ الأمر يدل عليه ما في الصحيحين { يلج النار } .
ولذا قال بعض المتكلمين شرط الكذب العمدية .
وقال بعضهم أيضا : يعتبر للصدق الاعتقاد وإلا فهو كاذب ، وعلى القول الأول إن طابق الحكم الخارجي فصدق وإلا فكذب .
ثم قال : فإذا أخبر المرء عن وجود شيء يعلمه أو يظنه جاز ، وإن علم عدمه أو ظنه لم يجز ، وكذا إن شك فيه لأن الشك لا يصلح مستندا للإخبار ، وسواء طابق الخارج مع الظن أو الشك أو لا ، ولا كفارة في اليمين على

(1/217)


الماضي كما في المغني وغيره .
قال لأنها تنقسم ثلاثة أقسام : ما هو صادق فيه فلا كفارة فيه إجماعا ، وما تعمد الكذب فيه فهي اليمين الغموس ، وما يظنه حقا فتبين بخلافه فلا كفارة فيه .
وذكر في الأخيرين رواية قال في الآداب الكبرى : وبهذا ظهر أنه لو شك وحلف على خلاف ما يظنه فطابق أنه لا كفارة لأنه صادق وإن لم يجز إقدامه على اليمين والله أعلم .

(1/218)


مطلب : في مثالب الكذب .
وأما مثالب الكذب فهي أكثر من أن تذكر .
فأخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدوا إذا اؤتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم } .
ورواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى والحاكم والبيهقي من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا بلفظ { تقبلوا لي ستا أتقبل لكم الجنة : إذا حدث أحدكم فلا يكذب ، وإذا وعد فلا يخلف ، وإذا اؤتمن فلا يخن ، غضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم ، واحفظوا فروجكم } .
وأخرج الترمذي وقال حسن صحيح عن سيدنا الحسن بن علي رضوان الله عليهما قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم { دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة } .
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا .
وإياكم والكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا } .
وأخرج ابن حبان في صحيحه عن سيدنا أبي بكر الصديق رضوان الله عليه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { عليكم بالصدق

(1/219)


فإنه مع البر وهما في الجنة ، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار } ورواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن من حديث معاوية رضي الله عنه .
وأخرج الإمام مالك عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين .
وروى أبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه والبيهقي عن أبي برزة مرفوعا { ألا إن الكذب يسود الوجه .
والنميمة عذاب القبر } .
وأخرج البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { رأيت الليلة رجلين أتياني ، قال الذي رأيته يشق شدقيه فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة } .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر } زاد مسلم في رواية له { وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم } .
وأخرج الإمام أحمد والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء وإن كان صادقا } .
ورواه أبو يعلى من حديث سيدنا الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يبلغ العبد صريح الإيمان حتى يدع المزاح والكذب ، ويدع المراء وإن كان محقا } .
وروى الإمام أحمد قال حدثنا

(1/220)


وكيع سمعت الأعمش قال حدثت عن أبي أمامة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب } .
ورواه البزار وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعا بلفظ { يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب } .
وصح عن الصديق رضي الله عنه وروي مرفوعا { الكذب يجانب الإيمان } رواه البيهقي .
وأخرج الإمام أحمد عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت له كاذب } قال الحافظ المنذري : رواه الإمام أحمد عن شيخه عمر بن هارون وفيه خلاف وبقية رواته ثقات .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا كذب العبد تباعد الملك ميلا من نتن ما جاء به } .
وأخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد واللفظ للإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت { ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ، ما اطلع على أحد من ذلك بشيء فيخرج من قلبه حتى يعلم أنه قد أحدث توبة } .
ولفظ الحاكم { ما كان شيء أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب .
وما جربه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد وإن قل فيخرج له من نفسه حتى يجدد له توبة } وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي

(1/221)


والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ، ويل له ، ويل له } .
وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر } .
ورواه البزار بإسناد جيد من حديث سلمان رضي الله عنه ولفظه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ثلاثة لا يدخلون الجنة : الشيخ الزاني ، والإمام الكذاب ، والعائل المزهو } العائل هو الفقير ، والمزهو هو المعجب بنفسه المتكبر .
وقد قال صلى الله عليه وسلم { كفى بالمرء كذبا } ، وفي رواية { إثما } ، وفي رواية { بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع } رواه مسلم عن أبي هريرة .
قال في الآداب : ففي هذا الخبر أن من فعل ذلك وقع في الكذب المحرم ، فلا يفعل ليجتنب المحرم ، فيكون من فعل ذلك عمدا فقد تعمد كذبا .
وقال في شرح مسلم : معناه الزجر عن التحديث بكل ما سمع فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب ، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن .
قالت الحكماء : من خاف الكذب أقل المواعيد .
وقالوا : أمران لا يسلمان من الكذب : كثرة المواعيد ، وشدة الاعتذار .
وقال نافع مولى ابن عمر : طاف ابن عمر سبعا وصلى ركعتين ، فقال له رجل من قريش : ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن ، فقال ابن

(1/222)


عمر : أنتم أكثر منا طوافا وصياما ونحن خير منكم ، نحن نلتزم صدق الحديث وأداء الأمانة وإنجاز الوعد .
وأنشد محمود الوراق : أصدق حديثك إن في الصدق الخلاص من الكذب وقال آخر : ودع الكذوب لسانه خير من الكذب الخرس وقال آخر : ما أقبح الكذب المذموم صاحبه وأحسن الصدق عند الله والناس وقال آخر : الصدق أولى ما به دان الفتى فاجعله دينا ودع النفاق فما رأيت منافقا إلا مهينا وقال الحسن البصري : لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه ، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه .
وقال بعض الحكماء : من عرف بالصدق جاز كذبه ، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه .
وقالوا : الصدق عز ، والكذب خضوع .
وقال لقمان لابنه : يا بني احذر الكذب فإنه شهي كلحم العصفور ، من أكل منه شيئا لم يصبر عنه ، والله أعلم .
( خاتمة ) الكذب من حيث هو حرام إلا فيما تقدم ، ولكنه من الصغائر في المعتمد ، ما لم يكن كذبا على الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو رمى بفتنة فكبيرة .
وقد أوضحت ذلك في كتابي شرح منظومة الكبائر إيضاحا تاما .
والله الموفق .

(1/223)


ويحرم مزمار وشبابة وما يضاهيهما من آلة اللهو والردي ( ويحرم ) لثبوت النهي الصريح بالنقل الصحيح ( مزمار ) وهو ما يزمر به ، يقال زمر يزمر ويزمر زمرا وزميرا وزمر تزميرا غنى في القصب ، وهي زامرة وهو زمار وزامر قليل ، وفعلهما الزمارة كالكتابة ، ومزامير داود ما كان يتغنى به من الزبور وضروب الدعاء ، وجمع مزمار ومزمور والزمارة كجبانة ما يزمر به كالمزمار ، والمزمار مؤذن الشيطان وصوته .
مطلب : المزمار مؤذن الشيطان .
فقد قال قتادة لما أهبط إبليس قال رب لعنتني فما عملي ؟ قال السحر ، قال فما قرآني ؟ قال الشعر ، قال فما كتابي ؟ قال الوشم ، قال فما طعامي ؟ قال كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه ، قال فما شرابي ؟ قال كل مسكر ، قال فأين مسكني ؟ قال الأسواق ، قال فما صوتي ؟ قال المزامير .
قال فما مصائدي ؟ قال النساء .
قال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان : المعروف في هذا وقفه .
وقد رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب مصائد الشيطان وحيله : حدثنا أبو بكر التميمي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا ابن زعر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن إبليس لما أنزل إلى الأرض قال يا رب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيما فاجعل لي بيتا ، قال الحمام ، قال فاجعل لي مجلسا ، قال الأسواق ومجامع الطرق .
قال فاجعل لي طعاما ، قال كل ما لم يذكر اسم

(1/224)


الله عليه ، قال فاجعل لي شرابا ، قال كل مسكر ، قال فاجعل لي مؤذنا ، قال المزمار ، قال اجعل لي قرآنا ، قال الشعر ، قال اجعل لي كتابا ، قال الوشم ، قال اجعل لي حديثا ، قال الكذب ، قال اجعل لي رسلا ، قال الكهنة ، قال اجعل لي مصائد ، قال النساء } .
قال الإمام ابن القيم : وشواهد هذا الأثر كثيرة ، فكل جملة منه لها شاهد من السنة أو من القرآن ، ثم قال : وكون المزمار مؤذنه في غاية المناسبة ، فإن الغناء قرآنه ، والرقص والتصفيق اللذين هما المكاء والتصدية صلاته ، فلا بد لهذه الصلاة من مؤذن وإمام ومأموم ، فالمؤذن المزمار ، والإمام المغني ، والمأموم الحاضرون .
وروى الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال { خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخل ، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه فوضعه في حجره ففاضت عيناه ، فقال عبد الرحمن : تبكي وأنت تنهى الناس ؟ فقال إني لم أنه عن البكاء وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ، صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير شيطان ، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة .
وهذا هو رحمة ، ومن لا يرحم لا يرحم .
لولا أنه أمر حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك أشد من هذا ، وإنا بك لمحزونون .
تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب } قال الترمذي : هذا حديث حسن .
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت { دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحول

(1/225)


وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال مزمار الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال دعهما ، فلما غفل غمزتهما فخرجتا } ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر تسمية الغناء مزمار الشيطان وإنما أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهما جاريتان غير مكلفتين يغنيان بغناء الأعراب في الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب ، وكان اليوم يوم عيد .
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين ، وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات } يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية .
( و ) يحرم أيضا ( شبابة ) وهي اليراع من جملة آلات اللهو ( و ) يحرم أيضا ( ما ) أي الذي ( يضاهيهما ) أي يشابههما ويماثلهما من آلات اللهو ، يقال ضاهاه شاكله .
ونبه الناظم بتحريم الأخف على تحريم الأشد من باب أولى .
قال في إغاثة اللهفان : إذا كان الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حراما فكيف بما هو أشد منه كالعود والطنبور .
قال ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك .
وأقل ما فيه أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور .
ونصوص الإمام أحمد رضي الله عنه صريحة بتحريم المزمار والشبابة ونحوهما ( من ) كل ( آلة اللهو و ) آلة الفعل ( الردي ) يعني الحرام .
قال في الفروع : وتحرم كل ملهاة سوى الدف كمزمار وطنبور ورباب وجنك .

(1/226)


قال في المستوعب والترغيب : سواء استعمل لحزن أو سرور .
وسأله ابن الحكم عن النفخ في القصبة كالزمارة قال أكرهه .
ونص رضي الله عنه على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرها .
ويأتي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فالمذهب تحريم آلات اللهو إسماعا واستماعا وصنعة ونحو ذلك .
قال الناظم :

(1/227)


مطلب : في حكم المطرب كالطنبور والعود : ولو لم يقارنها غناء جميعها فمنها ذوو الأوتار دون تقيد ( ولو لم يقارنها ) أي آلات اللهو ( غناء ) بالمد ككساء ما طربه من الأصوات والألحان فتحرم ( جميعها ) ولو مفردة أو كل واحدة منها مفردة بنفسها ، قال الإمام النووي في روضه : القسم الثاني أنه يغني ببعض آلات الغناء بما هو من شعار شاربي الخمور وهو مطرب كالطنبور والعود والصنج وسائر المعازف والأوتار يحرم استماعه واستعماله .
قال وفي اليراع وجهان صحح البغوي التحريم ثم ذكر عن الغزالي الجواز ، قال والصحيح تحريم اليراع وهو الشبابة .
وقد صنف أبو القاسم الدولعي كتابا في تحريم اليراع .
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة .
فقال في فتاويه : وأما إباحة هذا السماع تحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاجتماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين ، ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والخلاف أنه أباح هذا السماع .
والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة مفردة والدف مفردا .
قال فمن لا يحصل أو لا يتأمل ربما اعتقد خلافا بين الشافعين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي ، وذلك وهم بين من الصائر إليه تنادي عليه أدلة الشرع والعقل مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه ويعتمد عليه .
ومن يتتبع ما اختلف فيه العلماء أو أخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد .

(1/228)


انتهى .
والذي جزم به علماؤنا وقطع به في الإقناع والمنتهى والغاية حرمة كل ملهاة سوى الدف كمزمار وطنبور ورباب وجنك وناي ومعزفة وجفانة وعود وزمارة الراعي ونحوها ، سواء استعملت لحزن أو لمرور ، ولهذا قال الناظم رحمه الله تعالى ( فمنها ) أي من آلات اللهو يعني من أنواعها وأقسامها ( ذوو ) أي أصحاب ( الأوتار ) جمع وتر بالتحريك شرعة القوس ومعلقها ويصنع للعود ونحوه فكلها محرمة ( دون تقيد ) أي من غير قيد لنوع منها بل جميعها محرمة منهي عنها .
وأما الطبل فكرهه الإمام أحمد رضي الله عنه لغير حرب ، واستحبه ابن عقيل في الحرب وقال لتنهيض طباع الأولياء وكشف صدور الأعداء .
قال وليس عبثا فقد أرسل الله الرياح والرعود قبل الغيوث ، والنفخ في الصور للبعث .
وشرع ضرب الدف في النكاح ، وفي الحج العج والثج ، حكاه عنه في الفروع والإنصاف وشرح المنتهى للمصنف وغيرهم .
وقال في الفروع أيضا : قال الإمام أحمد رضي الله عنه : أكره الطبل وهو الكوبة نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
ونقل ابن منصور : الطبل ليس فيه رخصة وفي عيون المسائل وغيرها فيمن أتلف آلة لهو : الدف مندوب إليه في النكاح لأمر الشارع بخلاف العود والطبل فإنه لا يباح استعماله والتلهي به بحال .
وفي الإنصاف في تحريم الضرب بالقضيب وجهان وأطلقهما في الفروع .
وقدم في ، الرعايتين والحاوي الصغير الكراهة .
وقال في المغني : لا يكره إلا مع تصفيق أو غناء أو رقص ونحوه .
وجزم ابن عبدوس في

(1/229)


تذكرته بالتحريم .
انتهى .
قال في تصحيح الفروع : قوله وفي القضيب وجهان انتهى .
يعني هل يحرم اللعب بالقضيب أم لا ، أحدهما لا يحرم بل يكره ، وبه قطع في آداب المستوعب وقدمه في الرعايتين والحاوي الصغير .
والوجه الثاني يحرم وهو الصواب ، وبه قطع ابن عبدوس في تذكرته انتهى .
وفي غنية سيدنا الشيخ عبد القادر قدس الله روحه : يكره تخريق الثياب للمتواجد عند السماع ، ويجوز سماع القول بالقضيب ويكره الرقص .
انتهى .
وقد علمت أن القاضي علاء الدين صوب في تصحيح الفروع التحريم وهو المذهب ، والله تعالى أعلم .
( تنبيه ) : كره الإمام أحمد التغبير ونهى عن استماعه وقال بدعة ومحدث .
ونقل أبو داود لا يعجبني .
ونقل يوسف لا يستمعه ، قيل هو بدعة ؟ قال حسبك .
وفي المستوعب منع إطلاق اسم البدعة عليه ومن تحريمه لأنه شعر ملحن كالحداء والحدو للإبل ونحوه .
الحدو سوق الإبل والغناء لها .
وقد حدوت الإبل حدوا واحدا بمعنى واحد إذا ساقها وزجرها كما في القاموس وفيه أيضا المغبرون قوم يغبرون بذكر الله تعالى أي يهللون ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها ، سموا بها لأنهم يرغبون الناس في الغابرة أي الباقية .
انتهى .
وقال الصغاني في كتاب مجمع البحرين : المغبرة قوم يغبرون ويذكرون الله عز وجل بدعاء وتضرع كما قال : عبادك المغبرة رش علينا المغفرة .
وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر تغبيرا لأنهم إذا تناشدوه بالألحان طربوا فرقصوا وأهزجوا فسموا المغبرة لهذا المعنى .

(1/230)


وقال ابن دريد : التغبير تهليل أو ترديد صوت يردد بقراءة أو غيرها .
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : أرى الزنادقة وضعوا هذا التغبير ليصدوا الناس عن ذكر الله تعالى وقراءة القرآن .
وقال الزجاج : مغبرين لتزهيدهم الناس في الفانية وهي الدنيا وترغيبهم إياهم في الآخرة وهي الغابرة الباقية .
انتهى .

(1/231)


مطلب : في ذكر الخلاف في حظر الغناء وإباحته : وحظر الغناء الأكثرون قضوا به وعن أبوي بكر إمام ومقتد ( وحظر ) أي منع ( الغناء ) بالمد ( الأكثرون ) من علمائنا وغيرهم ، ومراده من أصحابنا ( قضوا ) أي حكموا ( به ) أي بحظره وحرمته لأنه ينبت في القلب النفاق .
قال عبد الله بن الإمام رضي الله عنهما : سألت أبي عن الغناء فقال الغناء ينبت النفاق في القلب ، وقال لا يعجبني .
ثم ذكر قول الإمام مالك رحمه الله ورضي عنه إنما يفعله عندنا الفساق .
قال عبد الله وسمعت أبي يقول سمعت يحيى القطان يقول : لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ ، وقول أهل المدينة في السماع ، وأهل مكة في المتعة لكان فاسقا .
وقال سليمان التيمي : لو أخذت برخصة كل عالم وزلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله .
قال الإمام المحقق ابن القيم في إغاثة اللهفان : قد تواتر عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن .
فإذا كان هذا قول الشافعي في التغبير وتعليله له أنه يصد عن القرآن وهو شعر مزهد في الدنيا يغني به مغن ويضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو حجرة على توقيع غناء ، فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر - قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم .
فالله بين دينه ، وبين كل متعلم مفتون ، وعابد جاهل .
قال سفيان بن عيينة : كان يقال : احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل

(1/232)


فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون .
وقد روى علي بن الجعد عن محمد بن طلحة عن سعيد بن كعب المروزي عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع ، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع .
قال في إغاثة اللهفان : وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله .
وقد روي مرفوعا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي ولفظه بعد سياق السند عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل } والموقوف أصح .
قال بعض العارفين : السماع يورث النفاق في قوم ، والخنا في قوم ، والكذب في قوم ، والفجور في قوم ، والرعونة في قوم ، وأكثر ما يورث عشق الصور واستحسان الفواحش ، وإدمانه يثقل القرآن على القلب ويكرهه إلى استماعه بالخاصة ، وهذا عين النفاق بالاتفاق .
وذلك لأن الغناء قرآن الشيطان فلا يجتمع مع قرآن الرحمن في قلب واحد أبدا ، ولهذا كان الغناء ينبت النفاق في القلب .
وأيضا أساس النفاق أن يخالف الظاهر الباطن ، وهذا المستمع الغناء لا يخلو أن ينتهك المحارم فيكون فاجرا أو يظهر النسك والعبادة فيكون منافقا فإنه متى أظهر الرغبة في الله والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات ويلذع بنغمات الآلات ومحبة ما يكره الله ورسوله من أصوات المعازف وما يدعو إليه الغناء وبهيجه من قلبه كان من أعظم الناس نفاقا ، فإن هذا محض النفاق .
وقد

(1/233)


كتب الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدوها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء ذكره الإمام ابن القيم .
قال في الإنصاف والفروع وغيرهما : قال جماعة : يحرم الغناء .
قال في الترغيب : اختاره الأكثر كما أشار إليه الناظم .
قال الإمام أحمد : لا يعجبني وقال في الوصي يبيع أمة الصبي على أنها غير مغنية وعلى أنها لا تقرأ بالألحان .
( وعن ) الإمامين الكبيرين ( أبوي بكر إمام ) بدل من أبوي بكر وأراد به الإمام الأوحد والهمام الأمجد أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى ورضي عنه ، له التصانيف الدائرة ، والكتب السائرة ، والنظر الناقد ، والخاطر الواقد ، فمن تصانيفه الجامع الذي دار بلاد الإسلام حتى جمعه ، والعلل ، والسنة ، والعلم ، والطبقات ، وتفسير الغريب ، والأدب ، وأخلاق الإمام أحمد رضي الله عنه وغير ذلك .
سمع الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر ومحمد بن عوف الحمصي وطبقتهم ، وصحب أبا بكر المروذي إلى أن مات ، وسمع جماعة من أصحاب الإمام أحمد رضي الله عنه وعنهم ، منهم غير المروذي صالح وعبد الله ابنا الإمام رضي الله عنهما ، وإبراهيم الحربي ، والميموني ، وبدر المغازلي ، وأبو يحيى الناقد ، وحنبل ، وحرب الكرماني ، وأبو زرعة ، وخلق سواهم ، سمع

(1/234)


منهم مسائل الأمام أحمد ورحل إلى أقاصي البلاد في جمعها وسماعها ممن سمعها من الإمام أحمد ، وممن سمعها ممن سمعها منه ، شهد له شيوخ المذهب بالفضل والتقدم ، حدث عنه جماعة ، منهم محمد بن المظفر ، ومحمد بن يوسف الصيرفي ، وخلق كثير ، وكانت له حلقة بجامع المهدي .
توفي رضي الله عنه يوم الجمعة لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشر وثلاثمائة ، ودفن إلى جنب قبر المروذي عند رجلي الإمام أحمد رضي الله عنهم .
( ومقتد ) بالجر عطف على إمام أي تابع ومقلد وحذا حذو متبوعه ، وهو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف المعروف بغلام الخلال ، حدث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، وموسى بن هارون ومحمد بن الفضل الوصيفي ، وأبي خليفة الفضل بن الحباب البصري ، والحسين بن عبد الله الخرقي ، وأبي قاسم البغوي ، وآخرين ، وأخذ عنه عالم من العلماء ، منهم ابن شاقلا ، وأبو عبد الله بن بطة ، وأبو الحسن بن التميمي ، وأبو حفص البرمكي ، والعكبري ، وأبو عبد الله بن حامد .
كان أبو بكر عبد العزيز أحد أهل الفهم موثوقا به في العلم ، متسع الرواية ، متين الدراية ، مشهورا بالديانة ، موصوفا بالأمانة ، مذكورا بالعبادة والعفة والصيانة ، له المصنفات في العلوم المختلفات ، كالشافي ، والمقنع ، وتفسير القرآن ، والخلاف مع الشافعي ، وكتاب القولين ، وزاد المسافر والتنبيه ، وغير ذلك ، وذكره الإمام القاضي أبو يعلى ، ووصفه بالدين والورع والعلم

(1/235)


والبراعة ، وكان له قدم راسخ في تفسير القرآن ومعرفة معانيه .
روي أن رافضيا سأله عن قوله تعالى { والذي جاء بالصدق وصدق به } من هو ؟ قال : أبو بكر الصديق ، فرد عليه وقال بل هو علي ، فهم به الأصحاب ، فقال دعوه ، ثم قال اقرأ ما بعدها { لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } وهذا يقتضي أن يكون هذا المصدق ممن له سيئات سبقت ، وعلى قولك أيها السائل لم يكن لعلي سيئات ، فقطعه .
وهذا استنباط حسن إنما يعقله أهل العلم واللسان .
فدل على علمه وحلمه وحسن خلقه ، فإنه لم يقابل السائل على جفائه وعدل إلى العلم ، وهذا دأب أهل العلم والفهم .
توفي رضي الله عنه يوم الجمعة بعد الصلاة لعشر بقين من شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة .
روي عنه أنه قال : أنا عندكم ليوم الجمعة وذلك في علته ، فقيل له يعافيك الله أو كلاما هذا معناه فقال سمعت أبا بكر الخلال سمعت أبا بكر المروذي يقول : عاش الإمام أحمد بن حنبل ثمانيا وسبعين سنة ، ومات يوم الجمعة ، ودفن بعد الصلاة ، وعاش أبو بكر الخلال ثمانيا وسبعين سنة ، ومات يوم الجمعة ، ودفن بعد الصلاة ، وأنا عندكم إلى يوم الجمعة ، ولي ثمان وسبعون سنة فلما كان يوم الجمعة مات ودفن بعد الصلاة ، وهو من غريب الاتفاق ، ونظيره سيد العالم عاش ثلاثا وستين ، وأبو بكر عاش ثلاثا وستين ، وعمر عاش ثلاثا وستين ، وعلي عاش ثلاثا وستين ، وهذا من غريب الاتفاق .
فهذان الإمامان اللذان

(1/236)


هما الخلال وغلامه يروى عنهما .

(1/237)


قال الناظم : إباحته لا كرهه وأباحه إمام أبو يعلى مع الكره فانشد ( إباحته ) أي الغناء ( لا كرهه ) أي من غير كراهة .
قال في الإنصاف : وقيل يباح الغناء والنوح ، اختاره الخلال وصاحبه أبو بكر ، وكذا استماعه .
وقد نقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن الإمام أحمد رضي الله عنه قال عن الصوفية : لا أعلم أقواما أفضل منهم ، قيل إنهم يستمعون ويتواجدون ، قال دعوهم يفرحون مع الله ساعة ، قيل فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه ، فقال { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ذكره الإمام العلامة في الفروع .
قال ولعل مراد الإمام أحمد سماع القرآن ، وعذرهم الوارد كما عذر يحيى القطان في الغشي ، كما سنذكره في آداب القرآن .
قال في الفروع : وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه لإسماعيل بن إسحاق الثقفي ، وقد سمع عنده كلام الحارث المحاسبي ورأى أصحابه : ما أعلم أني رأيت مثلهم ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل ولا أرى لك صحبتهم ، وقد نهى عن كتابة كلام منصور بن عمار والاستماع للقاص به .
قال أبو الحسين لئلا يلهو به عن الكتاب والسنة لا غير .
وروى ابن ماجه { عن عائشة رضي الله عنها أنها زوجت يتيمة رجلا من الأنصار وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها ، قال فلما رجعنا قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلتم يا عائشة ؟ فقالت سلمنا ودعونا البركة ثم انصرفنا ، قال : إن الأنصار قوم فيهم غزل ألا قلتم يا عائشة أتيناكم أتيناكم ، فحيانا وحياكم .
زاد في

(1/238)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية