صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أدب الدنيا والدين
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الله عليه وسلم أنه قال { يشيب ابن آدم ويبقى معه خصلتان الحرص والأمل } .
وقيل للمسيح عليه السلام : ما بال المشايخ أحرص على الدنيا من الشباب ؟ قال : ؛ لأنهم ذاقوا من طعم الدنيا ما لم يذقه الشباب .
ولو صدق الحريص نفسه واستنصح عقله لعلم أن من تمام السعادة وحسن التوفيق الرضاء بالقضاء والقناعة بالقسم .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { اقتصدوا في الطلب فإن ما رزقتموه أشد طلبا لكم منكم له وما حرمتموه فلن تنالوه ولو حرصتم } .
وروي { أن جبريل - على نبينا وعليه السلام - هبط على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله - تبارك وتعالى - يقرأ عليك السلام ويقول لك : اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } .
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي : من لم يتأدب بأدب الله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات } .
وقيل : مكتوب في بعض الكتب : ردوا أبصاركم عليكم فإن لكم فيها شغلا .
وقال مجاهد في تأويل قوله تعالى : { فلنحيينه حياة طيبة } قال : بالقناعة .
وقال أكثم بن صيفي : من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة .
وقال بعض السلف : قد يخيب الجاهد الساعي ، ويظفر الوادع الهادي .
فأخذه البحتري فقال : لم ألق مقدورا على استحقاقه في الحظ إما ناقصا أو زائدا وعجبت للمحدود يحرم ناصبا كلفا وللمجدود يغنم قاعدا ما خطب من حرم الإرادة قاعدا

(1/280)


خطب الذي حرم الإرادة جاهدا وقال بعض الحكماء : إن من قنع كان غنيا وإن كان مقترا ، ومن لم يقنع كان فقيرا وإن كان مكثرا .
وقال بعض البلغاء إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة ، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة ، فمن أطاع الله - عز وجل - عن نصره ، ومن لزم القناعة زال فقره .
وقال بعض الأدباء : القناعة عز المعسر ، والصدقة حرز الموسر .
وقال بعض الأدباء : إني أرى من له قنوع يدرك ما نال أو تمنى والرزق يأتي بلا عناء وربما فات من تعنى والقناعة قد تكون على ثلاثة أوجه .
فالوجه الأول : أن يقنع بالبلغة من دنياه ، ويصرف نفسه عن التعرض لما سواه .
وهذا أعلى منازل القناعة .
وقال الشاعر : إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها وقال مالك بن دينار : أزهد الناس من لا تتجاوز رغبته من الدنيا بلغته .
وقال بعض الحكماء : الرضى بالكفاف يؤدي إلى العفاف .
وقال بعض الأدباء : يا رب ضيق أفضل من سعة ، وعناء خير من دعة .
وأنشدني بعض أهل الأدب ، وذكر أنه لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : أفادتني القناعة كل عز وأي غنى أعز من القناعه فصيرها لنفسك رأس مال وصير بعدها التقوى بضاعه تحرز حين تغنى عن بخيل وتنعم في الجنان بصبر ساعه والوجه الثاني : أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية ، ويحذف الفضول والزيادة .
وهذه أوسط حال المقتنع .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما من عبد إلا بينه وبين رزقه حجاب ، فإن قنع واقتصد أتاه رزقه ،

(1/281)


وإن هتك الحجاب لم يزد في رزقه } .
وقال بعض الحكماء : ما فوق الكفاف إسراف .
وقال بعض البلغاء : من رضي بالمقدور قنع بالميسور .
وقال البحتري : تطلب الأكثر في الدنيا وقد تبلغ الحاجة منها بالأقل وأنشدت لإبراهيم بن المدبر : إن القناعة والعفاف ليغنيان عن الغنى فإذا صبرت عن المنى فاشكر فقد نلت المنى والوجه الثالث : أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سنح فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيرا ، ولا يطلب ما تعذر وإن كان يسيرا .
وهذه الحال أدنى منازل أهل القناعة ؛ لأنها مشتركة بين رغبة ورهبة .
أما الرغبة ؛ فلأنه لا يكره الزيادة على الكفاية إذا سنحت .
وأما الرهبة ؛ فلأنه لا يطلب المتعذر عن نقصان المادة إذا تعذرت .
وفي مثله قال ذو النون - رحمة الله عليه - : من كانت قناعته سمينة طابت له كل مرقة .
وقد روى الحسن بن علي عن أبيه ، عن جده رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك ، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك ، ومن انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه ، ومن رضي بما رزقه الله تعالى قرت عينه } .
وقال أبو حازم الأعرج وجدت شيئين : شيئا هو لي لن أعجله قبل أجله ولو طلبته بقوة السموات والأرض ، وشيئا هو لغيري وذلك مما لم أنله فيما مضى ولا أناله فيما بقي يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني ، ففي أي هذين أفني عمري وأهلك نفسي .
وقال أبو تمام الطائي : لا تأخذوني بالزمان وليس لي

(1/282)


تبعا ولست على الزمان كفيلا من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولا لو جار سلطان القنوع وحكمه في الخلق ما كان القليل قليلا الرزق لا تكمد عليه فإنه يأتي ولم تبعث عليه رسولا وأنشدني بعض أهل الأدب لابن الرومي : جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين ونحن نسأل الله تعالى أكرم مسئول ، وأفضل مأمول ، أن يحسن إلينا التوفيق فيما منح ، ويصرف عنا الرغبة فيما منع ؛ استكفافا لتبعات الثروة ، وموبقات الشهوة .
روى شريك بن أبي نمر ، عن أبي الجذع ، عن أعمامه وأجداده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { خير أمتي الذين لم يعطوا حتى يبطروا ، ولم يقتروا حتى يسألوا } وقال أبو تمام الطائي : عندي من الأيام ما لو أنه أضحى بشارب مرقد ما غمضا لا تطلبن الرزق بعد شماسه فترومه شبعا إذا ما غيضا ما عوض الصبر امرؤ إلا رأى ما فاته دون الذي قد عوضا

(1/283)


الباب الخامس أدب النفس اعلم أن النفس مجبولة على شيم مهملة ، وأخلاق مرسلة ، لا يستغني محمودها عن التأديب ، ولا يكتفي بالمرضي منها عن التهذيب ؛ لأن لمحمودها أضدادا مقابلة يسعدها هوى مطاع وشهوة غالبة ، فإن أغفل تأديبها تفويضا إلى العقل أو توكلا على أن تنقاد إلى الأحسن بالطبع أعدمه التفويض درك المجتهدين ، وأعقبه التوكل ندم الخائبين ، فصار من الأدب عاطلا ، وفي صورة الجهل داخلا ؛ لأن الأدب مكتسب بالتجربة ، أو مستحسن بالعادة ، ولكل قوم مواضعة .
وذلك لا ينال بتوقيف العقل ولا بالانقياد للطبع حتى يكتسب بالتجربة والمعاناة ، ويستفاد بالدربة والمعاطاة .
ثم يكون العقل عليه قيما وزكي الطبع إليه مسلما .
ولو كان العقل مغنيا عن الأدب لكان أنبياء الله تعالى عن أدبه مستغنين ، وبعقولهم مكتفين .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { بعثت لأتمم مكارم الأخلاق } .
وقيل لعيسى ابن مريم - على نبينا وعليه السلام - : من أدبك ؟ قال : ما أدبني أحد ولكني رأيت جهل الجاهل فجانبته .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إن الله تعالى جعل مكارم الأخلاق ومحاسنها وصلا بينه وبينكم ، فحسب الرجل أن يتصل من الله تعالى بخلق منها .
وقال أزدشير بن بابك : من فضيلة الأدب أنه ممدوح بكل لسان ، ومتزين به في كل مكان ، وباق ذكره على أيام الزمان .
وقال مهبود : شبه العالم الشريف القديم الأدب بالبنيان الخراب الذي كلما علا سمكه كان أشد

(1/284)


لوحشته وبالنهر اليابس الذي كلما كان أعرض وأعمق كان أشد لوعورته ، وبالأرض الجيدة المعطلة التي كلما طال خرابها ازداد نباتها غير المنتفع به التفافا وصار للهوام مسكنا .
وقال ابن المقفع : ما نحن إلى ما نتقوى به على حواسنا من المطعم والمشرب بأحوج منا إلى الأدب الذي هو لقاح عقولنا ، فإن الحبة المدفونة في الثرى لا تقدر أن تطلع زهرتها ونضارتها إلا بالماء الذي يعود إليها من مستودعها .
وحكى الأصمعي رحمه الله تعالى أن أعرابيا قال لابنه : يا بني العقل بلا أدب كالشجر العاقر ، ومع الأدب دعامة أيد الله بها الألباب ، وحلية زين الله بها عواطل الأحساب ، فالعاقل لا يستغني وإن صحت غريزته ، عن الأدب المخرج زهرته ، كما لا تستغني الأرض وإن عذبت تربتها عن الماء المخرج ثمرتها .
وقال بعض الحكماء : الأدب صورة العقل فصور عقلك كيف شئت .
وقال آخر : العقل بلا أدب كالشجر العاقر ، ومع الأدب كالشجر المثمر .
وقيل الأدب أحد المنصبين .
وقال بعض البلغاء : الفضل بالعقل والأدب ، لا بالأصل والحسب ؛ لأن من ساء أدبه ضاع نسبه ، ومن قل عقله ضل أصله .
وقال بعض الأدباء : ذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب ، واتخذ الأدب غنما ، والحرص عليه حظا ، يرتجيك راغب ، ويخاف صولتك راهب ، ويؤمل نفعك ، ويرجى عدلك .
وقال بعض العلماء : الأدب وسيلة إلى كل فضيلة ، وذريعة إلى كل شريعة .
وقال بعض الفصحاء : الأدب يستر قبيح النسب .
وقال بعض الشعراء فيه : فما خلق الله

(1/285)


مثل العقول ولا اكتسب الناس مثل الأدب وما كرم المرء إلا التقى ولا حسب المرء إلا النسب وفي العلم زين لأهل الحجا وآفة ذي الحلم طيش الغضب وأنشد الأصمعي رحمه الله : وإن يك العقل مولودا فلست أرى ذا العقل مستغنيا عن حادث الأدب إني رأيتهما كالماء مختلطا بالترب تظهر منه زهرة العشب وكل من أخطأته في موالده غريزة العقل حاكى البهم في الحسب والتأديب يلزم من وجهين : أحدهما ما لزم الوالد لولده في صغره .
والثاني ما لزم الإنسان في نفسه عند نشوئه وكبره .
فأما التأديب اللازم للأب فهو أن يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها ، وينشأ عليها ، فيسهل عليه قبولها عند الكبر لاستئناسه بمبادئها في الصغر ؛ لأن نشوء الصغر على الشيء يجعله متطبعا به .
ومن أغفل تأديبه في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيرا .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن يفيده إياه ، أو جهل قبيح يكفه عنه ويمنعه منه } .
وقال بعض الحكماء : بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال وتفرق البال .
وقال بعض الشعراء : إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب قد ينفع الأدب الأحداث في صغر وليس ينفع عند الشيبة الأدب وقال آخر : ينشو الصغير على ما كان والده إن الأصول عليها تنبت الشجر وأما الأدب اللازم للإنسان عند نشوئه وكبره فأدبان : أدب مواضعة واصطلاح ، وأدب رياضة واستصلاح .
فأما أدب المواضعة والاصطلاح فيؤخذ

(1/286)


تقليدا على ما استقر عليه اصطلاح العقلاء ، واتفق عليه استحسان الأدباء .
وليس لاصطلاحهم على وضعه تعليل مستنبط ، ولا لاتفاقهم على استحسانه دليل موجب ، كاصطلاحهم على مواضعات الخطاب ، واتفاقهم على هيئات اللباس ، حتى إن الإنسان الآن إذا تجاوز ما اتفقوا عليه منها صار مجانبا للأدب ، مستوجبا للذم .
لأن فراق المألوف في العادة ، ومجانبة ما صار متفقا عليه بالمواضعة ، مفض إلى استحقاق الذم بالعقل ما لم يكن لمخالفته علة ظاهرة ومعنى حادث .
وقد كان جائزا في العقل أن يوضع ذلك على غير ما اتفقوا عليه فيرونه حسنا ، ويرون ما سواه قبيحا ، فصار هذا مشاركا لما وجب بالعقل من حيث توجه الذم على تاركه ومخالفا له من حيث أنه كان جائزا في العقل أن يوضع على خلافه .
وأما أدب الرياضة والاستصلاح فهو ما كان محمولا على حال لا يجوز في العقل أن يكون بخلافها ، ولا أن تختلف العقلاء في صلاحها وفسادها .
وما كان كذلك فتعليله بالعقل مستنبط ، ووضوح صحته بالدليل مرتبط .
وللنفس على ما يأتي من ذلك شاهد ألهمها الله تعالى إرشادا لها .
قال الله تعالى : { فألهمها فجورها وتقواها } قال ابن عباس رضي الله عنه : بين لها ما تأتي من الخير وتذر من الشر .
وسنذكر تعليل كل شيء في موضعه ، فإنه أولى به وأحق .
فأول مقدمات أدب الرياضة والاستصلاح أن لا يسبق إلى حسن الظن بنفسه ، فيخفى عنه مذموم شيمه ومساوئ أخلاقه ؛ لأن النفوس بالشهوات آمرة ، وعن الرشد زاجرة .
وقد قال الله تعالى :

(1/287)


{ إن النفس لأمارة بالسوء } .
وقال صلى الله عليه وسلم : { أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك ، ثم أهلك ، ثم عيالك } .
ودعت أعرابية لرجل فقالت : كبت الله كل عدو لك إلا نفسك .
فأخذه بعض الشعراء فقال : قلبي إلى ما ضرني داعي يكثر أسقامي وأوجاعي كيف احتراسي من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي فإذا كانت النفس كذلك فحسن الظن بها ذريعة إلى تحكيمها ، وتحكيمها داع إلى سلاطتها وفساد الأخلاق بها .
فإذا صرف حسن الظن عنها وتوسمها بما هي عليه من التسويف والمكر فاز بطاعتها ، وانحاز عن معصيتها .
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : العاجز من عجز عن سياسة نفسه .
وقال بعض الحكماء : من ساس نفسه ساد ناسه .
فأما سوء الظن بها فقد اختلف الناس فيه ، فمنهم من كرهه لما فيه من اتهام طاعتها ، ورد مناصحتها .
فإن النفس وإن كان لها مكر يردي فلها نصح يهدي .
فلما كان حسن الظن بها يعمي عن مساوئها ، كان سوء الظن بها يعمي عن محاسنها .
ومن عمي عن محاسن نفسه كان كمن عمي عن مساوئها ، فلم ينف عنها قبيحا ولم يهد إليها حسنا .
وقد قال الجاحظ في كتاب البيان : يجب أن يكون في التهمة لنفسه معتدلا ، وفي حسن الظن بها مقتصدا ، فإنه إن تجاوز مقدار الحق في التهمة ظلمها فأودعها ذلة المظلومين ، وإن تجاوز بها الحق في مقدار حسن الظن أودعها تهاون الآمنين ، ولكل ذلك مقدار من الشغل ، ولكل شغل مقدار من الوهن ، ولكل وهن مقدار من الجهل .
وقال الأحنف بن قيس : من ظلم نفسه كان

(1/288)


لغيره أظلم ، ومن هدم دينه كان لمجده أهدم .
وذهب قوم إلى أن سوء الظن بها أبلغ في صلاحها ، وأوفر في اجتهادها ؛ لأن للنفس جورا لا ينفك إلا بالسخط عليها ، وغرورا لا ينكشف إلا بالتهمة لها ؛ لأنها محبوبة تجور إدلالا وتغر مكرا ، فإن لم يسئ الظن بها غلب عليه جورها ، وتموه عليه غرورها فصار بميسورها قانعا ، وبالشبهة من أفعالها راضيا .
وقد قالت الحكماء : من رضي عن نفسه أسخط عليه الناس .
وقال كشاجم : لم أرض عن نفسي مخافة سخطها ورضا الفتى عن نفسه إغضابها ولو أنني عنها رضيت لقصرت عما تزيد بمثله آدابها وتبينت آثار ذاك فأكثرت عذلي عليه فطال فيه عتابها وقد استحسن قول أبي تمام الطائي : ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن هو بابنه وبشعره مفتون فلم يروا إساءة ظنه بالإحسان ذما ولا استقلال علمه لوما ، بل رأوا ذلك أبلغ في الفضل وأبعث على الازدياد فإذا عرف من نفسه ما تجن ، وتصور منها ما تكن ، ولم يطاوعها فيما تحب إذا كان غيا ، ولا صرف عنها ما تكره إذا كان رشدا ، فقد ملكها بعد أن كان في ملكها ، وغلبها بعد أن كان في غلبها .
وقد روى أبو حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الشديد من غلب نفسه } .
وقال عون بن عبد الله : إذا عصتك نفسك فيما كرهت فلا تطعها فيما أحبت ، ولا يغرنك ثناء من جهل أمرك .
وقال بعض البلغاء : من قوي على نفسه تناهى في القوة ، ومن صبر عن شهوته بالغ في المروة .
فحينئذ يأخذ نفسه عند معرفة

(1/289)


ما أكنت ، وخبرة ما أجنت بتقويم عوجها وإصلاح فسادها .
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت { يا رسول الله متى يعرف الإنسان ربه ؟ قال إذا عرف نفسه } .
ثم يراعي منها ما صلح واستقام من زيع يحدث عن إغفال ، أو ميل يكون عن إهمال ؛ ليتم له الصلاح وتستديم له السعادة ، فإن المغفل بعد المعاناة ضائع ، والمهمل بعد المراعاة زائغ .
وسنذكر من أحوال أدب الرياضة والاستصلاح فصولا تحتوي على ما يلزم مراعاته من الأخلاق ، ويجب معاناته من الأدب ، وهي ستة فصول متفرعة .

(1/290)


مجانبة الكبر والإعجاب الفصل الأول في مجانبة الكبر والإعجاب : لأنهما يسلبان الفضائل ، ويكسبان الرذائل .
وليس لمن استوليا عليه إصغاء لنصح ، ولا قبول لتأديب ؛ لأن الكبر يكون بالمنزلة ، والعجب يكون بالفضيلة .
فالمتكبر يجل نفسه عن رتبة المتعلمين ، والمعجب يستكثر فضله عن استزادة المتأدبين .
فلذلك وجب تقديم القول فيهما بإبانة ما يكسبانه من ذم ، ويوجبانه من لوم .
فنقول : أما الكبر فيكسب المقت ويلهي عن التألف ويوغر صدور الإخوان ، وحسبك بذلك سوءا عن استقصاء ذمه .
ولذلك { قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس أنهاك عن الشرك بالله والكبر ، فإن الله يحتجب منهما } .
وقال أزدشير بن بابك : ما الكبر إلا فضل حمق لم يدر صاحبه أين يذهب به فيصرفه إلى الكبر .
وما أشبه ما قال بالحق .
وحكي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها ويمشي الخيلاء فقال : يا أبا عبد الله ، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله ؟ فقال المهلب : أما تعرفني ؟ فقال : بل أعرفك ، أولك نطفة مذرة ، وآخرك جيفة قذرة ، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة .
فأخذ ابن عوف هذا الكلام فنظمه شعرا فقال : عجبت من معجب بصورته وكان بالأمس نطفة مذره وفي غد بعد حسن صورته يصير في اللحد جيفة قذره وهو على تيهه ونخوته ما بين ثوبيه يحمل العذره وقد كان المهلب أفضل من أن يخدع نفسه بهذا الجواب غير الصواب ، ولكنها زلة من زلات

(1/291)


الاسترسال ، وخطيئة من خطايا الإدلال .
فأما الحمق الصريح ، والجهل القبيح ، فهو ما حكي عن نافع بن جبير بن مطعم أنه جلس في حلقة العلاء بن عبد الرحمن الخرقي وهو يقرئ الناس ، فلما فرغ قال : أتدرون لم جلست إليكم ؟ قالوا : جلست لتسمع .
قال : لا ولكني أردت أن أتواضع لله بالجلوس إليكم .
فهل يرجى من هذا فضل أو ينفع فيه عذل ، وقد قال ابن المعتز : لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال استعانوا بالكبر ليعظم صغيرا ، ويرفع حقيرا ، وليس بفاعل .
وأما الإعجاب فيخفي المحاسن ويظهر المساوئ ويكسب المذام ويصد عن الفضائل .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب } .
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب .
وقال بزرجمهر : النعمة التي لا يحسد صاحبها عليها التواضع ، والبلاء الذي لا يرحم صاحبه منه العجب .
وقال بعض الحكماء : عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله .
وليس إلى ما يكسبه الكبر من المقت حد ، ولا إلى ما ينتهي إليه العجب من الجهل غاية ، حتى إنه ليطفئ من المحاسن ما انتشر ، ويسلب من الفضائل ما اشتهر .
وناهيك بسيئة تحبط كل حسنة وبمذمة تهدم كل فضيلة ، مع ما يثيره من حنق ويكسبه من حقد .
حكى عمر بن حفص قال : قيل للحجاج كيف وجدت منزلك بالعراق ؟ قال : خير منزل لو كان الله بلغني قتل أربعة فتقربت إليه بدمائهم : مقاتل بن مسمع ولي سجستان فأتاه الناس

(1/292)


فأعطاهم الأموال ، فلما عزل دخل مسجد البصرة فبسط الناس له أرديتهم فمشى عليها ، وقال لرجل يماشيه : لمثل هذا فليعمل العاملون .
وعبد الله بن زياد بن ظبيان التيمي خوف أهل البصرة أمر فخطب خطبة أوجز فيها ، فنادى الناس من أعراض المسجد : أكثر الله فينا مثلك .
فقال : لقد كلفتم الله شططا .
ومعبد بن زرارة كان ذات يوم جالسا في طريق فمرت به امرأة فقالت له : يا عبد الله كيف الطريق إلى موضع كذا ؟ فقال : يا هناه مثلي يكون من عبيد الله .
وأبو شمال الأسدي أضل راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها ، فقال : والله إن لم يرد إلي راحلتي لا صليت له صلاة أبدا .
فالتمسها الناس فوجدوها ، فقالوا له : قد رد الله راحلتك فصل .
فقال : إن يميني يمين مصر .
فانظر إلى هؤلاء كيف أفضي بهم العجب إلى حمق صاروا به نكالا في الأولين ، ومثلا في الآخرين .
ولو تصور المعجب المتكبر ما فطر عليه من جبلة ، وبلي به من مهنة ، لخفض جناح نفسه واستبدل لينا من عتوه ، وسكوتا من نفوره .
وقال الأحنف بن قيس : عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر ، وقد وصف بعض الشعراء الإنسان فقال : يا مظهر الكبر إعجابا بصورته انظر خلاك فإن النتن تثريب لو فكر الناس فيما في بطونهم ما استشعر الكبر شبان ولا شيب هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة وهو بخمس من الأقذار مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرفضة والثغر ملعوب يا ابن التراب ومأكول التراب غدا أقصر فإنك مأكول ومشروب وأحق من كان

(1/293)


للكبر مجانبا ، وللإعجاب مباينا ، من جل في الدنيا قدره ، وعظم فيها خطره ؛ لأنه قد يستقل بعالي همته كل كثير ، ويستصغر معها كل كبير .
وقال محمد بن علي : لا ينبغي للشريف أن يرى شيئا من الدنيا لنفسه خطيرا فيكون بها نابها .
وقال ابن السماك لعيسى بن موسى : تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك .
وكان يقال : اسمان متضادان بمعنى واحد : التواضع والشرف .
وللكبر أسباب : فمن أقوى أسبابه علو اليد ، ونفوذ الأمر ، وقلة مخالطة الأكفاء .
وحكي أن قوما مشوا خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : أبعدوا عني خفق نعالكم فإنها مفسدة لقلوب نوكى الرجال .
ومشوا خلف ابن مسعود فقال ارجعوا فإنها زلة للتابع وفتنة للمتبوع .
وروى قيس بن حازم { أن رجلا أتي به للنبي صلى الله عليه وسلم فأصابته رعدة ، فقال له صلى الله عليه وسلم : هون عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد } .
وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم حسما لمواد الكبر ، وقطعا لذرائع الإعجاب ، وكسرا لأشر النفس ، وتذليلا لسطوة الاستعلاء .
ومثل ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبض لي القبضة من التمر والزبيب فأظل اليوم وأي يوم .
فقال له عبد الرحمن بن عوف والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن قصرت بنفسك

(1/294)


.
فقال عمر رضي الله عنه : ويحك يا ابن عوف إني خلوت فحدثتني نفسي ، فقالت أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك فأردت أن أعرفها نفسها .
وللإعجاب أسباب : فمن أقوى أسبابه كثرة مديح المتقربين وإطراء المتملقين الذين جعلوا النفاق عادة ومكسبا ، والتملق خديعة وملعبا ، فإذا وجدوه مقبولا في العقول الضعيفة أغروا أربابها باعتقاد كذبهم ، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الاستهزاء بهم .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه سمع رجلا يزكي رجلا فقال له : قطعت مطاه لو سمعها ما أفلح بعدها } .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه المدح ذبح .
وقال ابن المقفع : قابل المدح كمادح نفسه .
وقال بعض الحكماء : من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أمكن الساخر منه .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إياكم والتمادح فإنه الذبح إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب ولا أزكي على الله أحدا } .
وقيل فيما أنزل الله عز وجل من الكتب السالفة : عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب .
وقال بعض الشعراء : يا جاهلا غره إفراط مادحه لا يغلبن جهل من أطراك علمك بك أثنى وقال بلا علم أحاط به وأنت أعلم بالمحصول من ريبك وهذا أمر ينبغي للعاقل أن يضبط نفسه عن أن يستفزها ، ويمنعها من تصديق المدح لها ، فإن للنفس ميلا لحب الثناء وسماع المدح .
وقال الشاعر : يهوى الثناء مبرز ومقصر حب الثناء طبيعة الإنسان فإذا سامح

(1/295)


نفسه في مدح الصبوة ، وتابعها على هذه الشهوة ، تشاغل بها عن الفضائل الممدوحة ، ولها بها عن المحاسن الممنوحة ، فصار الظاهر من مدحه كذبا ، والباطن من ذمه صدقا ، وعند تقابلهما يكون الصدق ألزم الأمرين .
وهذه خدعة لا يرتضيها عاقل ولا ينخدع بها مميز .
وليعلم أن المتقرب بالمدح يسرف مع القبول ويكف مع الإباء ، فلا يغلبه حسن الظن على تصديق مدح هو أعرف بحقيقته ولتكن تهمة المادح أغلب عليه .
فقل مدح كان جميعه صدقا ، وقل ثناء كان له حقا .
ولذلك كره أهل الفضل أن يطلقوا ألسنتهم بالثناء والمدح تحرزا من التجاوز فيه ، وتنزيها عن التملق به .
وقد روى مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تكونوا عيابين ولا تكونوا لعانين ولا متمادحين ولا متماوتين } .
وحكى الأصمعي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان إذا مدح قال : اللهم أنت أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون .
وقال بعض الشعراء : إذا المرء لم يمدحه حسن فعاله فمادحه يهذي وإن كان مفصحا وربما آل حب المدح بصاحبه إلى أن يصير مادح نفسه ، إما لتوهمه أن الناس قد غفلوا عن فضله ، وأخلوا بحقه .
وإما ليخدعهم بتدليس نفسه بالمدح والإطراء ، فيعتقدون أن قوله حق متبع ، وصدق مستمع .
وإما لتلذذه بسماع الثناء وسرور نفسه بالمدح والإطراء ، ما يتغنى بنفسه طربا إذا لم يسمع صوتا مطربا ولا غناء ممتعا .

(1/296)


ولأي ذلك كان فهو الجهل الصريح ، والنقص الفضيح .
وقد قال بعض الشعراء : وما شرف أن يمدح المرء نفسه ولكن أعمالا تذم وتمدح وما كل حين يصدق المرء ظنه ولا كل أصحاب التجارة يربح ولا كل من ترجو لغيبك حافظا ولا كل من ضم الوديعة يصلح وينبغي للعاقل أن يسترشد إخوان الصدق الذين هم أصفياء القلوب ، ومرائي المحاسن والعيوب ، على ما ينبهونه عليه من مساوئه التي صرفه حسن الظن عنها .
فإنهم أمكن نظرا ، وأسلم فكرا ، ويجعلون ما ينبهونه عليه من مساوئه عوضا عن تصديق المدح فيه .
وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { المؤمن مرآة المؤمن إذا رأى فيه عيبا أصلحه } .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوئنا .
وقيل لبعض الحكماء : أتحب أن تهدى إليك عيوبك ؟ قال : نعم ، من ناصح .
ومما يقارب معنى هذا القول ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما : من ترى أن نوليه حمص ؟ فقال : رجلا صحيحا منك ، صحيحا لك .
قال : تكون أنت ذلك الرجل .
قال : لا تنتفع بي مع سوء ظني بك وسوء ظنك بي .
وقيل في منثور الحكم : من أظهر عيب نفسه فقد زكاها .
فإذا قطع أسباب الكبر وحسم مواد العجب اعتاض بالكبر تواضعا وبالعجب توددا .
وذلك من أوكد أسباب الكرامة وأقوى مواد النعم وأبلغ شافع إلى القلوب يعطفها إلى المحبة ويثنيها عن البغض .
وقال بعض الحكماء : من برئ من ثلاث نال ثلاثا : من برئ من السرف نال العز .

(1/297)


ومن برئ من البخل نال الشرف .
ومن برئ من الكبر نال الكرامة .
وقال مصعب بن الزبير : التواضع مصائد الشرف .
وقيل في منثور الحكم : من دام تواضعه كثر صديقه .
وقد تحدث المنازل والولايات لقوم أخلاقا مذمومة يظهرها سوء طباعهم ، ولآخرين فضائل محمودة يبعث عليها زكاء شيمهم ؛ لأن تقلب الأحوال سكرة تظهر من الأخلاق مكنونها ، ومن السرائر مخزونها ، لا سيما إذا هجمت من غير تدريج وطرقت من غير تأهب .
وقد قال بعض الحكماء : في تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال .
وقال الفضل بن سهل : من كانت ولايته فوق قدرة تكبر لها ، ومن كانت ولايته دون قدرة تواضع لها .
وقال بعض البلغاء : الناس في الولاية رجلان : رجل يجل العمل بفضله ومروءته ، ورجل يجل بالعمل لنقصه ودناءته .
فمن جل عن عمله ازداد به تواضعا وبشرا ، ومن جل عنه عمله ازداد به تجبرا وتكبرا .

(1/298)


حسن الخلق الفصل الثاني في حسن الخلق روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن الله تعالى اختار لكم الإسلام دينا فأكرموه بحسن الخلق والسخاء فإنه لا يكمل إلا بهما } .
وقال الأحنف بن قيس : ألا أخبركم بأدوأ الداء ؟ قالوا بلى .
قال الخلق الدني واللسان البذي .
وقال بعض الحكماء : من ساء خلقه ضاق رزقه .
وعلة هذا القول ظاهرة .
وقال بعض البلغاء : الحسن الخلق من نفسه في راحة ، والناس منه في سلامة .
والسيئ الخلق الناس منه في بلاء ، وهو من نفسه في عناء ، وقال بعض الحكماء : عاشر أهلك بأحسن أخلاقك فإن الثواء فيهم قليل .
وقال بعض الشعراء : إذا لم تتسع أخلاق قوم تضيق بهم فسيحات البلاد إذا ما المرء لم يخلق لبيبا فليس اللب عن قدم الولاد فإذا حسنت أخلاق الإنسان كثر مصافوه ، وقل معادوه ، فتسهلت عليه الأمور الصعاب ، ولانت له القلوب الغضاب .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار } .
وقال بعض الحكماء : من سعة الأخلاق كنوز الأرزاق .
وسبب ذلك ما ذكرنا من كثرة الأصفياء المسعدين ، وقلة الأعداء المجحفين .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : { أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون } .
وحسن الخلق أن يكون سهل العريكة ، لين الجانب ، طليق الوجه ، قليل النفور ، طيب الكلمة .
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأوصاف فقال : { أهل الجنة كل

(1/299)


هين لين سهل طلق } .
ولما ذكرنا من هذه الأوصاف حدودا مقدرة ومواضع مستحقة ، ما قال الشاعر : أصفو وأكدر أحيانا لمختبري وليس مستحسنا صفو بلا كدر وليس يريد بالكدر الذي هو البذاء وشراسة الخلق ، فإن ذلك ذم لا يستحسن وعيب لا يرتضي .
وإنما يريد الكف والانقباض في موضع يلام فيه المساعد ويذم فيه الموافق ، فإذا كانت لمحاسن الأخلاق حدود مقدرة ومواضع مستحقة فإن تجاوز بها الحد صارت ملقا وإن عدل بها عن مواضعها صارت نفاقا .
والملق ذل ، والنفاق لؤم ، وليس لمن وسم بهما ود مبرور ولا أثر مشكور .
وقد روى حكيم عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه } .
وروى مكحول عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون وجيها عند الله تعالى } .
وقال سعيد بن عروة : لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر أحب إلي من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مختلفين .
وقال الشاعر : خل النفاق لأهله وعليك فالتمس الطريقا وارغب بنفسك أن ترى إلا عدوا أو صديقا وقال إبراهيم بن محمد : وكم من صديق وده بلسانه خئون بظهر الغيب لا يتذمم يضاحكني عجبا إذا ما لقيته ويصدفني منه إذا غبت أسهم كذلك ذو الوجهين يرضيك شاهدا وفي غيبه إن غاب صاب وعلقم وربما تغير حسن الخلق والوطاء إلى الشراسة والبذاء لأسباب عارضة ، وأمور

(1/300)


طارئة ، تجعل اللين خشونة والوطاء غلظة والطلاقة عبوسا .
فمن أسباب ذلك الولاية التي تحدث في الأخلاق تغيرا ، وعلى الخلطاء تنكرا ، إما من لؤم طبع ، وإما من ضيق صدر .
وقد قيل : من تاه في ولايته ذل في عزله .
وقيل : ذل العزل يضحك من تيه الولاية .
ومنها : العزل فقد يسوء به الخلق ويضيق به الصدر إما لشدة أسف أو لقلة صبر .
حكى حميد الطويل أن عمار بن ياسر عزل عن ولاية فاشتد ذلك عليه ، وقال : إني وجدتها حلوة الرضاع مرة الفطام .
ومنها : الغنى فقد تتغير به أخلاق اللئيم بطرا ، وتسوء طرائقه أشرا .
وقد قيل : من نال استطال .
وأنشد الرياشي : غضبان يعلم أن المال ساق له ما لم يسقه له دين ولا خلق فمن يكن عن كرام الناس يسألني فأكرم الناس من كانت له ورق وقال بعض الشعراء : فإن تكن الدنيا أنالتك ثروة فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر لقد كشف الإثراء منك خلائقا من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر وبحسب ما أفسده الغنى كذلك يصلحه الفقر .
وكتب قتيبة بن مسلم إلى الحجاج أن أهل الشام قد التاثوا عليه فكتب إليه أن اقطع عنهم الأرزاق ، ففعل فساءت حالهم فاجتمعوا إليه فقالوا : أقلنا .
فكتب إلى الحجاج فيهم فكتب إليه : إن كنت آنست منهم رشدا فأجر عليهم ما كنت تجري .
واعلم أن الفقر جند الله الأكبر يذل به كل جبار عنيد يتكبر .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لولا أن الله تعالى أذل ابن آدم بثلاث ما طأطأ رأسه لشيء : الفقر ، والمرض ، والموت } .

(1/301)


ومنها : الفقر فقد يتغير به الخلق إما أنفة من ذل الاستكانة أو أسفا على فائت الغنى .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : { كاد الفقر أن يكون كفرا ، وكاد الحسد أن يغلب القدر } .
وقال أبو تمام الطائي : وأعجب حالات ابن آدم خلقه يضل إذا فكرت في كنهه الفكر فيفرح بالشيء القليل بقاؤه ويجزع مما صار وهو له ذخر وربما تسلى من هذه الحالة بالأماني ، وإن قل صدقها .
فقد قيل : قلما تصدق الأمنية ولكن قد يعتاض بها سلوة من هم أو مسرة برجاء .
وقد قال أبو العتاهية : حرك مناك إذا اغتممت فإنهن مراوح وقال آخر : إذا تمنيت بت الليل مغتبطا إن المنى رأس أموال المفاليس ومنها الهموم التي تذهل اللب ، وتشغل القلب ، فلا تتبع الاحتمال ولا تقوى على صبر .
وقد قيل : الهم كالسم .
وقال بعض الأدباء : الحزن كالداء المخزون في فؤاد المحزون .
وقال بعض الشعراء : همومك بالعيش مقرونة فما تقطع العيش إلا بهم إذا تم أمر بدا نقصه ترقب زوالا إذا قيل تم إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم وحام عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقم حلاوة دنياك مسمومة فما تأكل الشهد إلا بسم فكم قدر دب في مهلة فلم يعلم الناس حتى هجم ومنها الأمراض التي يتغير بها الطبع ما يتغير بها الجسم ، فلا تبقى الأخلاق على اعتدال ولا يقدر معها على احتمال .
وقد قال المتنبي : آلة العيش صحة وشباب فإذا وليا عن المرء ولى وإذا الشيخ قال أف فما مل حياة وإنما الضعف ملا وإذا لم تجد

(1/302)


من الناس كفئا ذات خدر أرادت الموت بعلا أبدا تسترد ما تهب الدنيا فيا ليت جودها كان بخلا ومنها علو السن وحدوث الهرم لتأثيره في آلة الجسد كذلك يكون تأثيره في أخلاق النفس ، فكما يضعف الجسد عن احتمال ما كان يطيقه من أثقال فكذلك تعجز النفس عن أثقال ما كانت تصبر عليه من مخالفة الوفاق ، ومضيق الشقاق .
وكذلك ما ضاهاه .
وقال منصور النمري : ما كنت أوفي شبابي كنه عزته حتى مضى فإذا الدنيا له تبع أصبحت لم تطعمي ثكل الشباب ولم تشجي لغصته فالعذر لا يقع ما كان أقصر أيام الشباب وما أبقى حلاوة ذكراه التي تدع ما واجه الشيب من عين وإن رمقت إلا لها نبوة عنه ومرتدع قد كدت تقضي على فوت الشباب أسى لولا يعزيك أن العمر منقطع فهذه سبعة أسباب أحدثت سوء خلق كان عاما .
وها هنا سبب خاص يحدث سوء خلق خاص وهو البغض الذي تنفر منه النفس فتحدث نفورا على المبغض ، فيؤول إلى سوء خلق يخصه دون غيره .
فإذا كان سوء الخلق حادثا بسبب كان زواله مقرونا بزوال ذلك السبب ، ثم بالضد .

(1/303)


الحياء الفصل الثالث في الحياء : اعلم أن الخير والشر معان كامنة تعرف بسمات دالة كما قالت العرب في أمثالها : تخبر عن مجهوله مرآته وكما قال سلم بن عمرو الشاعر ، لا تسأل المرء عن خلائقه في وجهه شاهد من الخبر فسمة الخير الدعة والحياء ، وسمة الشر القحة والبذاء .
وكفى بالحياء خيرا أن يكون على الخير دليلا ، وكفى بالقحة والبذاء شرا أن يكونا إلى الشر سبيلا .
وقد روى حسان بن عطية عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الحياء والعي شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق } .
ويشبه أن يكون العي في معنى الصمت ، والبيان في معنى التشادق ، كما جاء في الحديث الآخر : { إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون } .
وروى أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار } .
وقال بعض الحكماء : من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه .
وقال بعض البلغاء : حياة الوجه بحيائه ، كما أن حياة الغرس بمائه .
وقال بعض البلغاء العلماء : يا عجبا كيف لا تستحيي من كثرة ما لا تستحيي وتبقى من طول ما لا تبقى .
وقال بعض الشعراء ، وهو صالح بن عبد القدوس : إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ولا خير في وجه إذا قل ماؤه حياؤك فاحفظه عليك وإنما يدل على فعل الكريم حياؤه وليس لمن سلب الحياء صاد عن قبيح ولا زاجر عن محظور ، فهو يقدم على ما يشاء ويأتي ما

(1/304)


يهوى ، وبذلك جاء الخبر .
روى شعبة عن منصور بن ربعي عن أبي منصور البدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : يا ابن آدم إذا لم تستح فاصنع ما شئت } .
وليس هذا القول إغراء بفعل المعاصي عند قلة الحياء كما توهمه بعض من جهل معاني الكلام ومواضعات الخطاب ، وفي مثل هذا الخبر قول الشاعر : إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء واختلف أهل العلم في معنى هذا الخبر ، فقال أبو بكر بن محمد الشاشي في أصول الفقه : معنى هذا الحديث أن من لم يستح دعاه ترك الحياء إلى أن يعمل ما يشاء لا يردعه عنه رادع .
فليستحي المرء فإن الحياء يردعه .
وسمعت من يحكي عن أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن المعنى فيه إذا عرضت عليك أفعالك التي هممت بفعلها فلم تستح منها لحسنها وجمالها فاصنع ما شئت منها .
فجعل الحياء حكما على أفعاله وكلا القولين حسن .
والأول أشبه ؛ لأن الكلام خرج من النبي صلى الله عليه وسلم مخرج الذم لا مخرج المدح .
لكن قد جاء الحديث بما يضاهي القول الثاني وهو قوله صلى الله عليه وسلم : { ما أحببت أن تسمعه أذناك فأته ، وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه } .
ويجوز أن يحمل هذا الحديث على المعنى الصريح فيه ويكون التأويل الأول في الحديث المتقدم أصح إذ ليس يلزم أن تكون أحاديث رسول الله

(1/305)


صلى الله عليه وسلم كلها متفقة المعاني بل اختلاف معانيها أدخل في الحكمة وأبلغ في الفصاحة إذا لم يضاد بعضها بعضا .
واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه : أحدها : حياؤه من الله تعالى .
والثاني : حياؤه من الناس .
والثالث : حياؤه من نفسه .
فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره .
وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { استحيوا من الله عز وجل حق الحياء .
فقيل : يا رسول الله فكيف نستحي من الله عز وجل حق الحياء ؟ قال : من حفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وترك زينة الدنيا ، وذكر الموت والبلى ، فقد استحى من الله عز وجل حق الحياء } .
وهذا الحديث من أبلغ الوصايا .
وقال أبو الحسن الماوردي ، مصنف الكتاب : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ذات ليلة فقلت : يا رسول الله أوصني : فقال : استح من الله عز وجل حق الحياء .
ثم قال : تغير الناس .
قلت : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : كنت أنظر إلى الصبي فأرى من وجهه البشر والحياء ، وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه .
ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات تصورتها ، وأذهلني السرور عن حفظها ووددت أني لو حفظتها .
فلم يبدأ بشيء صلى الله عليه وسلم قبل الوصية بالحياء من الله عز وجل ، وجعل ما سلبه الصبي من البشر والحياء سببا لتغير الناس ، وخص الصبي ؛ لأن ما يأتيه بالطبع من غير تكلف .
فصلى الله وسلم على من هدى أمته ، وتابع إنذارها ،

(1/306)


وقطع أعذارها ، وأوصل تأديبها ، وحفظ تهذيبها ، وجعل لكل عصر حظا من زواجره ، ونصيبا من أوامره .
أعاننا الله على قبولها بالعمل ، وعلى استدامتها بالتوفيق .
وقد روي أن علقمة بن علاثة قال : يا رسول الله عظني .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم { استح من الله تعالى استحياءك من ذوي الهيبة من قومك } .
وهذا الحياء يكون من قوة الدين وصحة اليقين .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : { قلة الحياء كفر } .
يعني من الله ؛ لما فيه من مخالفة أوامره .
وقال صلى الله عليه وسلم : { الحياء نظام الإيمان فإذا انحل نظام الشيء تبدد ما فيه وتفرق } .
وأما حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من اتقى الله اتقى الناس } .
وروي أن حذيفة بن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا فتنكب الطريق عن الناس ، وقال : لا خير فيمن لا يستحي من الناس .
وقال بشار بن برد : ولقد أصرف الفؤاد عن الشيء حياء وحبه في السواد أمسك النفس بالعفاف وأمسي ذاكرا في غد حديث الأعادي وهذا النوع من الحياء قد يكون من كمال المروءة وحب الثناء .
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : { من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له } .
يعني - والله أعلم - لقلة مروءته ، وظهور شهوته .
وروى الحسن عن أبي هريرة قال : قال صلى الله عليه وسلم : { إن مروءة الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه ومجلسه وإلفه وجليسه } .
وقال بعض الشعراء : ورب قبيحة ما حال بيني

(1/307)


وبين ركوبها إلا الحياء إذا رزق الفتى وجها وقاحا تقلب في الأمور كما يشاء وقال آخر : إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة الخلوات .
وقال بعض الحكماء : ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك .
وقال بعض الأدباء : من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر .
ودعا قوم رجلا كان يألف عشرتهم ، فلم يجبهم ، وقال : إني دخلت البارحة في الأربعين وأنا أستحي من سني .
وقال بعض الشعراء : فسري كإعلاني وتلك خليقتي وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري وهذا النوع من الحياء قد يكون من فضيلة النفس وحسن السريرة .
فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة ، فقد كملت فيه أسباب الخير ، وانتفت عنه أسباب الشر ، وصار بالفضل مشهورا ، وبالجميل مذكورا .
وقال بعض الشعراء : وإني ليثنيني عن الجهل والخنى وعن شتم ذي القربى خلائق أربع حياء وإسلام وتقوى وطاعة لربي ومثلي من يضر وينفع وإن أخل بأحد وجوه الحياء لحقه من النقص بإخلاله بقدر ما كان يلحقه من الفضل بكماله .
وقد قال الرياشي : يقال أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يتمثل بهذا الشعر : وحاجة دون أخرى قد سخت لها جعلتها للتي أخفيت عنوانا إني كأني أرى من لا حياء له ولا أمانة وسط القوم عريانا

(1/308)


الحلم والغضب الفصل الرابع في الحلم والغضب : روى محمد بن حارث الهلالي { أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إني أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } .
وروى سفيان بن عيينة أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية قال : يا جبريل ما هذا قال : لا أدري حتى أسأل العالم .
ثم عاد جبريل ، وقال : يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك } .
وروى هشام عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال : اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك } .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن الله يحب الحليم الحيي ، ويبغض الفاحش البذيء } .
وقال عليه الصلاة والسلام : { من حلم ساد ، ومن تفهم ازداد } .
وقال بعض الأدباء : من غرس شجرة الحلم اجتنى ثمرة السلم .
وقال بعض البلغاء : ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراض .
وقال بعض الشعراء : أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعيب وأن أعابا وأصفح عن سباب الناس حلما وشر الناس من يهوى السبابا ومن هاب الرجال تهيبوه ومن حقر الرجال فلن يهابا فالحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب ؛ لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد .
وقد قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره .
وحد الحلم ضبط النفس عن

(1/309)


هيجان الغضب .
وهذا يكون عن باعث وسبب .
وأسباب الحلم الباعثة على ضبط النفس عشرة : أحدها : الرحمة للجهال وذلك من خير يوافق رقة .
وقد قيل في منثور الحكم : من أوكد الحلم رحمة الجهال .
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه لرجل أسمعه كلاما : يا هذا لا تغرقن في سبنا ، ودع للصلح موضعا ، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله عز وجل فيه .
وشتم رجل الشعبي فقال : إن كنت ما قلت فغفر الله لي ، وإن لم أكن كما قلت فغفر الله لك .
واغتاظت عائشة رضي الله عنها على خادم لها ثم رجعت إلى نفسها فقالت : لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء .
وقسم معاوية رضي الله عنه قطافا فأعطى شيخا من أهل دمشق قطيفة فلم تعجبه ، فحلف أن يضرب بها رأس معاوية .
فأتاه فأخبره فقال له معاوية : أوف بنذرك وليرفق الشيخ بالشيخ .
والثاني : من أسبابه القدرة على الانتصار وذلك من سعة الصدر وحسن الثقة .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكرا للقدرة عليه } .
وقال بعض الحكماء : ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعا من السطوة .
وقال بعض البلغاء : أحسن المكارم عفو المقتدر ، وجود المفتقر .
والثالث : من أسبابه : الترفع عن السباب وذلك من شرف النفس وعلو الهمة .
كما قالت الحكماء : شرف النفس أن تحمل المكاره كما تحمل المكارم .
وقد قيل : إن الله تعالى سمى يحيى عليه السلام سيدا لحلمه .
وقد قال الشاعر : لا يبلغ المجد أقوام

(1/310)


وإن كرموا حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فتى الألوان مسفرة لا صفح ذل ولكن صفح أحلام والرابع من أسبابه : الاستهانة بالمسيء وذلك عن ضرب من الكبر والإعجاب ، ما حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق جلس يوما لعطاء الجند وأمر مناديه فنادى أين عمرو بن جرموز ، وهو الذي قتل أباه الزبير ، فقيل له : أيها الأمير إنه قد تباعد في الأرض .
فقال : أويظن الجاهل أني أقيده بأبي عبد الله ؟ فليظهر آمنا ليأخذ عطاءه موفرا .
فعد الناس ذلك من مستحسن الكبر .
ومثل ذلك قول بعض الزعماء في شعره : أوكلما طن الذباب طردته إن الذباب إذا علي كريم وأكثر رجل من سب الأحنف وهو لا يجيبه فقال : والله ما منعه من جوابي إلا هواني عليه .
وفي مثله يقول الشاعر : نجا بك لؤمك منجى الذباب حمته مقاذيره أن ينالا وأسمع رجل ابن هبيرة فأعرض عنه فقال له الرجل : إياك أعنى .
فقال له : وعنك أعرض .
وفي مثله يقول الشاعر : فاذهب فأنت طليق عرضك إنه عرض عززت به وأنت ذليل وقال عمرو بن علي : إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت سكت عن السفيه فظن أني عييت عن الجواب وما عييت والخامس من أسبابه : الاستحياء من جزاء الجواب .
وهذا يكون من صيانة النفس وكمال المروءة .
وقد قال بعض الحكماء : احتمال السفيه خير من التحلي بصورته ، والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته .
وقال بعض الأدباء : ما أفحش حليم ولا أوحش كريم .
وقال لقيط بن زرارة : وقل لبني سعد فما لي وما لكم

(1/311)


ترقون مني ما استطعتم وأعتق أغركم أني بأحسن شيمة بصير وأني بالفواحش أخرق وإن تك قد فاحشتني فقهرتني هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق .
والسادس من أسبابه : التفضل على السباب .
فهذا يكون من الكرم وحب التألف ، كما قيل للإسكندر : إن فلانا وفلانا ينقصانك ويثلبانك فلو عاقبتهما .
فقال : هما بعد العقوبة أعذر في تنقصي وثلبي .
فكان هذا تفضلا منه وتألفا .
وقد حكي عن الأحنف بن قيس أنه قال : ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال : إن كان أعلى مني عرفت له قدره ، وإن كان دوني رفعت قدري عنه ، وإن كان نظيري تفضلت عليه .
فأخذه الخليل ، فنظمه شعرا فقال : سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه إلي الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثة شريف ومشروف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف قدره وأتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فأحلم دائبا أصون به عرضي وإن لام لائم وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت إن الفضل بالفخر حاكم .
والسابع من أسبابه : استنكاف السباب وقطع السباب .
وهذا يكون من الحزم ، كما حكي أن رجلا قال لضرار بن القعقاع : والله لو قلت واحدة لسمعت عشرا .
فقال له ضرار : والله لو قلت عشرا لم تسمع واحدة .
وحكي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لعامر بن مرة الزهري : من أحمق الناس ؟ قال : من ظن أنه أعقل الناس .
قال : صدقت ، فمن أعقل الناس ؟ قال من لم يتجاوز الصمت في عقوبة الجهال .
وقال الشعبي : ما أدركت أمي

(1/312)


فأبرها ، ولكن لا أسب أحدا فيسبها .
وقال بعض الحكماء : في إعراضك صون أعراضك .
وقال بعض الشعراء : وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى وفي الخرق إغراء فلا تك أخرقا فتندم إذ لا تنفعنك ندامة كما ندم المغبون لما تفرقا وقال آخر : قل ما بدا لك من زور ومن كذب حلمي أصم وأذني غير صماء .
والثامن من أسبابه : الخوف من العقوبة على الجواب .
وهذا يكون من ضعف النفس وربما أوجبه الرأي واقتضاه الحزم .
وقد قيل في منثور الحكم : الحلم حجاب الآفات .
وقال الشاعر : ارفق إذا خفت من ذي هفوة خرقا ليس الحليم كمن في أمره خرق .
والتاسع من أسبابه : الرعاية ليد سالفة ، وحرمة لازمة .
وهذا يكون من الوفاء وحسن العهد ، وقد قيل في منثور الحكم : أكرم الشيم أرعاها للذمم .
وقال الشاعر : إن الوفاء على الكريم فريضة واللؤم مقرون بذي الإخلاف وترى الكريم لمن يعاشر منصفا وترى اللئيم مجانب الإنصاف .
والعاشر من أسبابه : المكر وتوقع الفرص الخلفية .
وهذا يكون من الدهاء .
وقد قيل في منثور الحكم : من ظهر غضبه قل كيده .
وقال بعض الأدباء : غضب الجاهل في قوله ، وغضب العاقل في فعله .
وقال بعض الحكماء : إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جوابا وأوجعته عقابا .
وقال إياس بن قتادة : تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلم وقال بعض الشعراء : وللكف عن شتم اللئيم تكرما أضر له من شتمه حين يشتم .
فهذه عشرة أسباب تدعو إلى الحلم .
وبعض الأسباب أفضل من بعض .
وليس إذا كان بعض أسبابه

(1/313)


مفضولا ما يقتضي أن تكون نتيجته من الحلم مذمومة .
وأما الأولى بالإنسان أن يدعوه للحلم أفضل أسبابه ، وإن كان الحلم كله فضلا .
وإن عري عن أحد هذه الأسباب كان ذلا ولم يكن حلما ، لأننا قد ذكرنا في حد الحلم أنه ضبط النفس عن هيجان الغضب ، فإذا فقد الغضب لسماع ما يغضب كان ذلك من ذل النفس وقلة الحمية .
وقد قال الحكماء : ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن : لا يعرف الجواد إلا في العسرة ، والشجاع إلا في الحرب ، والحليم إلا في الغضب .
وقال الشاعر : ليست الأحلام في حال الرضى إنما الأحلام في حال الغضب وقال آخر : من يدعي الحلم أغضبه لتعرفه لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب وأنشد النابغة الجعدي بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فلم ينكر صلى الله عليه وسلم قوله عليه .
ومن فقد الغضب في الأشياء المغضبة حتى استوت حالتاه قبل الإغضاب وبعده ، فقد عدم من فضائل النفس الشجاعة ، والأنفة ، والحمية ، والغيرة ، والدفاع ، والأخذ بالثأر ؛ لأنها خصال مركبة من الغضب .
فإذا عدمها الإنسان هان بها ولم يكن لباقي فضائله في النفوس موضع ، ولا لوفور حلمه في القلوب موقع .
وقد قال المنصور : إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة .
وقال بعض الحكماء : العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم .
وقال عمرو بن العاص : أكرموا سفهاءكم فإنهم يقونكم

(1/314)


العار والشنار .
وقال مصعب بن الزبير : ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا .
وقال أبو تمام الطائي : والحرب تركب رأسها في مشهد عدل السفيه به بألف حليم وليس هذا القول إغراء بتحكم الغضب والانقياد إليه عند حدوث ما يغضب ، فيكسب بالانقياد للغضب من الرذائل أكثر مما يسلبه عدم الغضب من الفضائل .
ولكن إذا ثار به الغضب عند هجوم ما يغضبه كف سورته بحزمه ، وأطفأ ثائرته بحلمه ، ووكل من استحق المقابلة إلى غيره .
ولم يعدم مسيئا مكافيا كما لم يعدم محسنا مجازيا .
والعرب تقول : دخل بيتا ما أخرج منه .
أي إن أخرج منه خير دخله خير ، وإن أخرج منه شر دخله شر .
وأنشد ابن دريد عن أبي حاتم : إذا أمن الجهال جهلك مرة فعرضك للجهال غنم من الغنم فعم عليه الحلم والجهل والقه بمنزلة بين العداوة والسلم إذا أنت جازيت السفيه كما جزى فأنت سفيه مثله غير ذي حلم ولا تغضبن عرض السفيه وداره بحلم فإن أعيا عليكم فبالصرم فيرجوك تارات ويخشاك تارة ويأخذ فيما بين ذلك بالحزم فإن لم تجد بدا من الجهل فاستعن عليه بجهال فذاك من العزم وهذه من أحكم أبيات وجدتها في تدبير الحلم والغضب .
وهذا التدبير إنما يستعمل فيما لا يجد الإنسان بدا من مقارنته ، ولا سبيل إلى إطراحه ومتاركته ، إما لخوف شره أو للزوم أمره .
فأما من أمكن إطراحه ولم يضر إبعاده ، فالهوان به أولى والإعراض عنه أصوب .
فإذا كان على ما وصفت استفاد بتحريك الغضب فضائله وأمن بكف نفسه عن الانقياد له

(1/315)


رذائله ، وصار الحلم مدبرا للأمور المغضبة بقدر لا يعتريه نقص بعدم الغضب ، ولا يلحقه زيادة بفقد الحلم .
ولو عزب عنه الحلم حتى انقاد لغضبه ضل عنه وجه الصواب فيه ، وضعف رأيه عن خيرة أسبابه ودواعيه ، حتى يصير بليد الرأي ، مغمور الروية ، مقطوع الحجة ، مسلوب العزاء ، قليل الحيلة ، مع ما يناله من أثر ذلك في نفسه وجسده حتى يصير أضر عليه مما غضب له .
وقد قال بعض الحكماء : من كثر شططه كثر غلطه .
وروي أن سلمان قال لعلي رضي الله عنه : ما الذي يباعدني عن غضب الله عز وجل ؟ قال : لا تغضب .
وقال بعض السلف : أقرب ما يكون العبد من غضب الله عز وجل ، إذا غضب .
وقال بعض البلغاء : من رد غضبه هد من أغضبه .
وقال بعض الأدباء : ما هيج جأشك كغيظ أجاشك .
وقال رجل لبعض الحكماء عظني .
قال : لا تغضب .
فينبغي لذي اللب السوي والحزم القوي أن يتلقى قوة الغضب بحلمه فيصدها ، ويقابل دواعي شرته بحزمه فيردها ، ليحظى بأجل الخبرة ويسعد بحميد العاقبة .
وقال بعض الأدباء : في إغضابك راحة أعصابك .
وسبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن دونها ، وسبب الحزن هجوم ما تكرهه النفس ممن فوقها .
والغضب يتحرك من داخل الجسد إلى خارجه ، والحزن يتحرك من خارج الجسد إلى داخله .
فلذلك قتل الحزن ولم يقتل الغضب لبروز الغضب وكمون الحزن .
وصار الحادث عن الغضب السطوة والانتقام لبروزه ، والحادث عن الحزن المرض والأسقام لكمونه .
ولذلك أفضى الحزن إلى الموت ولم يفض

(1/316)


إليه الغضب .
فهذا فرق ما بين الحزن والغضب .

(1/317)


واعلم أن لتسكين الغضب إذا هجم أسبابا يستعان بها على الحلم منها : أن يذكر الله عز وجل فيدعوه ذلك إلى الخوف منه ، ويبعثه الخوف منه على الطاعة له ، فيرجع إلى أدبه ويأخذ بندبه .
فعند ذلك يزول الغضب .
قال الله تعالى : { واذكر ربك إذا نسيت } قال عكرمة : يعني إذا غضبت .
وقال الله تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ومعنى قوله ينزغنك أي يغضبنك ، فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم يعني أنه سميع بجهل من جهل ، عليم بما يذهب عنك الغضب .
وذكر أن في التوراة مكتوبا يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب ، فلا أمحقك فيمن أمحق .
وحكي أن بعض ملوك الفرس كتب كتابا ودفعه إلى وزير له وقال : إذا غضبت فناولنيه .
وكان فيه : ما لك والغضب إنما أنت بشر ، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء .
وقال بعض الحكماء : من ذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله .
وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد : يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك ، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لما عفوت عني .
فعفا عنه لما ذكره قدرة الله تعالى .
وروي أن { رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القسوة فقال : اطلع في القبور واعتبر بالنشور } .
وكان بعض ملوك الطوائف إذا غضب ألقي عنده مفاتيح ترب الملوك فيزول غضبه ، ولذلك قال عمر رضي الله عنه : من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير .
ومنها : أن ينتقل عن

(1/318)


الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها ، فيزول عنه الغضب بتغير الأحوال والتنقل من حال إلى حال .
وكان هذا مذهب المأمون إذا غضب أو شتم .
وكانت الفرس تقول : إذا غضب القائم فليجلس وإذا غضب الجالس فليقم .
ومنها : أن يتذكر ما يئول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام .
وكتب إبرويز إلى ابنه شيرويه : إن كلمة منك تسفك دما وأخرى منك تحقن دما ، وإن نفاذ أمرك مع كلامك ، فاحترس ، في غضبك ، من قولك أن تخطئ ، ومن لونك أن يتغير ، ومن جسدك أن يخف ، فإن الملوك تعاقب قدرة ، وتعفو حلما .
وقال بعض الحكماء : الغضب على من لا تملك عجز ، وعلى من تملك لؤم .
وقال بعض الأدباء : إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذل العذر .
وقال بعض الشعراء : وإذا ما اعترتك في الغضب العزة فاذكر تذلل الاعتذار ومنها : أن يذكر ثواب العفو ، وجزاء الصفح ، فيقهر نفسه على الغضب رغبة في الجزاء والثواب ، وحذرا من استحقاق الذم والعقاب .
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { ينادي مناد يوم القيامة : من له أجر على الله عز وجل فليقم .
فيقوم العافون عن الناس .
ثم تلا : { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } } .
وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان ، في أسارى ابن الأشعث : إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الخير ثلاث خصال فمن كن فيه فقد استكمل الإيمان : من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا غضب لم يخرجه غضبه

(1/319)


من حق ، وإذا قدر عفا } .
وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلاما فقال عمر : أردت أن يستفزني الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا انصرف رحمك الله .
ومنها : أن يذكر انعطاف القلوب عليه ، وميل النفوس إليه ، فلا يرى إضاعة ذلك بتغير الناس عنه فيرغب في التألف وجميل الثناء .
وروى ابن أبي ليلى ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما ازداد أحد بعفو إلا عزا ، فاعفوا يعزكم الله } .
وقال بعض البلغاء : ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام ، ولا من شروط الكرم إزالة النعم .
وقال المأمون لإبراهيم بن المهدي : إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك فكرهت القتل للازم حرمتك .
فقال : يا أمير المؤمنين إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة ، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو فإن عاقبت فلك نظير ، وإن عفوت فلا نظير لك .
وأنشأ يقول : البر بي منك وطا العذر عندك لي فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم وقام علمك بي فاحتج عندك لي مقام شاهد عدل غير متهم لئن جحدتك معروفا مننت به إني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به فلا عدمناك من عاف ومنتقم

(1/320)


الصدق والكذب .
الفصل الخامس في الصدق والكذب : قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : { ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } .
وقال تعالى : { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسن بن علي رضي الله عنهما : { دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة } .
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { رحم الله امرأ أصلح من لسانه ، وأقصر من عنانه ، وألزم طريق الحق مقوله ، ولم يعود الخطل مفصله } .
وروى صفوان بن سليم قال : { قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : أيكون المؤمن جبانا ؟ قال : نعم .
قيل : أفيكون بخيلا ؟ قال : نعم .
قيل : أفيكون كذابا ؟ قال : لا } .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { ولا تلبسوا الحق بالباطل } أي لا تخلطوا الصدق بالكذب .
وقيل في منثور الحكم : الكذاب لص ؛ لأن اللص يسرق مالك ، والكذاب يسرق عقلك .
وقال بعض الحكماء : الخرس خير من الكذب وصدق اللسان أول السعادة .
وقال بعض البلغاء : الصادق مصان خليل ، والكاذب مهان ذليل .
وقال بعض الأدباء : لا سيف كالحق ، ولا عون كالصدق .
وقال بعض الشعراء : وما شيء إذا فكرت فيه بأذهب للمروءة والجمال من الكذب الذي لا خير فيه وأبعد بالبهاء من الرجال والكذب جماع كل شر ، وأصل كل ذم لسوء عواقبه ، وخبث نتائجه ؛ لأنه ينتج النميمة ، والنميمة تنتج البغضاء ، والبغضاء تؤول إلى العداوة ، وليس مع العداوة أمن ولا راحة .

(1/321)


ولذلك قيل : من قل صدقه قل صديقه .
والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية ، كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلة .
فالصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه ، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه .
ولكل واحد منها دواع .
فدواعي الصدق لازمة ، ودواعي الكذب عارضة ؛ لأن الصدق يدعو إليه عقل موجب وشرع مؤكد ، فالكذب يمنع منه العقل ويصد عنه الشرع .
ولذلك جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة حتى تصير متواترة ، ولم يجز أن تستفيض الأخبار الكاذبة ؛ لأن اتفاق الناس في الصدق والكذب إنما هو لاتفاق الدواعي ، فدواعي الصدق يجوز أن يتفق الجمع الكثير عليها ، حتى إذا تلقوا خبرا ، وكانوا عددا ينتفي عن مثلهم المواطأة ، وقع في النفس صدقه ؛ لأن الدواعي إليه نافعة ، واتفاق الناس في الدواعي النافعة ممكن .
ولا يجوز أن يتفق العدد الكثير ، الذي لا يمكن مواطأة مثلهم ، على نقل خبر يكون كذبا ؛ لأن الدواعي إليه غير نافعة ، وربما كانت ضارة .
وليس في جاري العادة أن يتفق الجمع الكثير على دواع غير نافعة .
ولذلك جاز اتفاق الناس على الصدق ؛ لجواز اتفاق دواعيهم ، ولم يجز أن يتفقوا على الكذب لامتناع اتفاق دواعيهم .
وإذا كان للصدق والكذب دواع فلا بد من ذكر ما سنح به الخاطر من دواعيهما .
أما دواعي الصدق فمنها : العقل ؛ لأنه موجب لقبح الكذب ، لا سيما إذا لم يجلب نفعا ولم يدفع ضررا .
والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا ، ويمنع من إتيان ما كان

(1/322)


مستقبحا .
وليس ما استحسن من مبالغات الشعراء ، حتى صار كذبا صراحا ، استحسانا للكذب في العقل كالذي أنشدنيه الأزدي لبعض الشعراء : توهمه فكري فأصبح خده وفيه مكان الوهم من فكرتي أثر وصافحه كفي فآلم كفه فمن لمس كفي في أنامله عقر ومر بقلبي خاطرا فجرحته ولم أر شيئا قط يجرحه الفكر وكقول العباس بن الأحنف وإن كان دون هذه المبالغة : تقول وقد كتبت دقيق خطي إليها : لم تجنبت الجليلا فقلت لها : نحلت فصار خطي مساعدة لكاتبه نحيلا لأنه خرج مخرج المبالغة في التشبيه والاقتدار على صنعة الشعر ، وأن شواهد الحال تخرجه عن تلبيس الكذب ، وكذلك ما استحسن في الصنعة ولم يستقبح في العقل وإن كان الكذب مستقبحا فيه .
ومنها : الدين الوارد باتباع الصدق وحظر الكذب ؛ لأن الشرع لا يجوز أن يرد بإرخاص ما حظره العقل ، بل قد جاء الشرع زائدا على ما اقتضاه العقل من حظر الكذب ؛ لأن الشرع ورد بحظر الكذب وإن جر نفعا أو دفع ضررا .
والعقل إنما حظر ما لا يجلب نفعا ولا يدفع ضررا .
ومنها : المروءة فإنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق ؛ لأنها قد تمنع من فعل ما كان مستكرها ، فأولى من فعل ما كان مستقبحا .
ومنها : حب الثناء والاشتهار بالصدق حتى لا يرد عليه قول ولا يلحقه ندم .
وقد قال بعض البلغاء : ليكن مرجعك إلى الحق ومنزعك إلى الصدق ، فالحق أقوى معين ، والصدق أفضل قرين .
وقال بعض الشعراء : عود لسانك قول الصدق تحظ به إن اللسان لما عودت معتاد موكل

(1/323)


بتقاضي ما سننت له في الخير والشر فانظر كيف ترتاد .

(1/324)


وأما دواعي الكذب فمنها : اجتلاب النفع واستدفاع الضر ، فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغترارا بالخدع ، واستشفافا للطمع .
وربما كان الكذب أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف ؛ لأن القبيح لا يكون حسنا والشر لا يصير خيرا .
وليس يجنى من الشوك العنب ولا من الكرم الحنظل .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة فإن فيه النجاة ، وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة فإن فيه الهلكة } .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لأن يضعني الصدق وقلما يفعل ، أحب إلي من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل .
وقال بعض الحكماء : الصدق منجيك وإن خفته ، والكذب مرديك وإن أمنته .
وقال الجاحظ : الصدق والوفاء توأمان ، والصبر والحلم توأمان فيهن تمام كل دين ، وصلاح كل دنيا ، وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد .
ومنها : أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذبا وكلامه مستظرفا ، فلا يجد صدقا يعذب ولا حديثا يستظرف ، فيستحلي الكذب الذي ليست غرائبه معوزة ، ولا ظرائفه معجزة .
وهذا النوع أسوأ حالا مما قبل ؛ لأنه يصدر عن مهانة النفس ودناءة الهمة .
وقد قال الجاحظ : لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه عنده .
وقال ابن المقفع : لا تتهاون بإرسال الكذبة من الهزل فإنها تسرع إلى إبطال الحق .
ومنها : أن يقصد بالكذب التشفي من عدوه فيسمه بقبائح يخترعها عليه ، ويصفه بفضائح ينسبها إليه .
ويرى أن معرة الكذب غنم

(1/325)


وأن إرسالها في العدو سهم وسم .
وهذا أسوأ حالا من النوعين الأولين ؛ لأنه قد جمع بين الكذب المعر والشر المضر .
ولذلك ورد الشرع برد شهادة العدو على عدوه .
ومنها : أن تكون دواعي الكذب قد ترادفت عليه حتى ألفها ، فصار الكذب له عادة ، ونفسه إليه منقادة ، حتى لو رام مجانبة الكذب عسر عليه ؛ لأن العادة طبع ثان .
وقد قالت الحكماء : من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه .
وقيل في منثور الحكم : لا يلزم الكذاب شيء إلا غلب عليه .
واعلم أن للكذاب قبل خبرته أمارات دالة عليه .
فمنها : أنك إذا لقنته الحديث تلقنه ولم يكن بين ما لقنته وبين ما أورده فرق عنده .
ومنها : أنك إذا شككته فيه تشكك حتى يكاد يرجع فيه ، ولولاك ما تخالجه الشك فيه .
ومنها : أنك إذا رددت عليه قوله حصر وارتبك ولم يكن عنده نصرة المحتجين ، ولا برهان الصادقين .
ولذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : الكذاب كالسراب .
ومنها : ما يظهر عليه من ريبة الكذابين وينم عليه من ذلة المتوهمين ؛ لأن هذه أمور لا يمكن الإنسان دفعها عن نفسه ؛ لما في الطبع من آثارها .
ولذلك قالت الحكماء : العينان أنم من اللسان .
وقال بعض البلغاء : الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا .
وقال بعض الشعراء : تريك أعينهم ما في صدورهم إن العيون يؤدي سرها النظر وإذا اتسم بالكذب نسبت إليه شوارد الكذب المجهولة ، وأضيفت إلى أكاذيبه زيادات مفتعلة حتى يصير الكاذب مكذوبا عليه ، فيجمع بين معرة الكذب منه

(1/326)


ومضرة الكذب عليه .
وقد قال الشاعر : حسب الكذوب من البلية بعض ما يحكى عليه فإذا سمعت بكذبة من غيره نسبت إليه ثم إنه إن تحرى الصدق اتهم ، وإن جانب الكذب كذب ، حتى لا يعتقد له حديث يصدق ، ولا كذب مستنكر .
وقد قال الشاعر : إذا عرف الكذاب بالكذب لم يكد يصدق في شيء وإن كان صادقا ومن آفة الكذاب نسيان كذبه وتلقاه ذا حفظ إذا كان صادقا وقد وردت السنة بإرخاص الكذب في الحرب وإصلاح ذات البين على وجه التورية ، والتأويل دون التصريح به .
فإن السنة لا يجوز أن ترد بإباحة الكذب ؛ لما فيه من التنفير ، وإنما ذلك على طريق التورية والتعريض ، كما { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تطرف برداء وانفرد عن أصحابه ، فقال له رجل : ممن أنت ؟ قال : من ماء } ، فورى عن الإخبار بنسبه بأمر يحتمل .
فظن السائل أنه عنى القبيلة المنسوبة إلى ذلك ، وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من الماء الذي يخلق منه الإنسان ، فبلغ ما أحب من إخفاء نفسه وصدق في خبره .
وكالذي حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر معه فتلقاه العرب وهم يعرفون أبا بكر ولا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : يا أبا بكر من هذا ؟ فيقول : هاد يهديني السبيل فيظنون أنه يعني هداية الطريق ، وهو إنما يريد هداية سبيل الخير ، فيصدق في قوله ويوري عن مراده .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

(1/327)


: { إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب } .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن في المعاريض ما يكفي أن يعف الرجل عن الكذب .
وقال بعض أهل التأويل في قوله تعالى { لا تؤاخذني بما نسيت } .
أنه لم ينس ولكنه معاريض الكلام .
وقال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يصرح فيه بالكذب .

(1/328)


واعلم أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب في القبح والمعرة ويزيد عليه في الأذى والمضرة ، وهي الغيبة والنميمة والسعاية .
فأما الغيبة فإنها خيانة وهتك ستر يحدثان عن حسد وغدر .
قال الله تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } .
يعني أنه كما لا يحل لحمه ميتا لا تحل غيبته حيا .
وروي { أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلتا تغتابان الناس فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : صامتا عما أحل لهما ، وأفطرتا على ما حرم عليهما } .
وروت أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من ذب عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله عز وجل أن يحرم لحمه على النار } .
وقال عدي بن حاتم : الغيبة رعي اللئام .
وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى ، يقول : الغيبة فاكهة النساء .
وقال رجل لابن سيرين رحمه الله : إني اغتبتك فاجعلني في حل .
فقال ما أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك .
وقال ابن السماك : لا تعن الناس على عيبك بسوء غيبك .
وقال الشاعر : لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله سترا من مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحدا منهم بما فيكا وربما عذر المغتاب نفسه بأنه يقول حقا ويعلن فسقا .
ويستشهد بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ثلاثة ليست غيبتهم بغيبة الإمام الجائر وشارب الخمر والمعلن بفسقه } .
فيبعد من الصواب ويجانب الأدب ؛ لأنه وإن كان

(1/329)


بالغيبة صادقا فقد هتك سترا كان بصونه أولى وجاهر من أسر وأخفى .
وربما دعا المغتاب ذلك إلى إظهار ما كان يستره ، والمجاهرة بما كان يضمره ، فلم يفد ذلك إلا فساد أخلاقه من غير أن يكون فيه صلاح لغيره .
وقد قيل لأنوشروان : ما الذي لا خير فيه ؟ قال : ما ضرني ولم ينفع غيري ، أو ضر غيري ولم ينفعني ، فلا أعلم فيه خيرا .
وقيل في منثور الحكم : لا تبد من العيوب ما ستره علام الغيوب .
وقد روى العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال : هي أن تقول لأخيك ما فيه فإن كنت صادقا فقد اغتبته ، وإن كنت كاذبا فقد بهته } .
وقال عبد الرحمن بن زيد في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم } إنه استهزاء المسلم بمن أعلن بفسقه .
{ ودخلت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم مستفتية فلما خرجت قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله ما أقصرها .
فقال : مهلا إياك والغيبة .
فقالت : يا رسول الله إنما قلت ما فيها .
قال : أجل ولولا ذلك لكان بهتانا } .
وسئل بعض الأدباء عن صفة اللئيم ، فقال : اللئيم إذا غاب عاب ، وإذا حضر اغتاب .
فأما الخبر فمحمول على الإنكار لأفعال هؤلاء ولا يكون الإنكار غيبة ؛ لأنه نهي عن منكر ، وفرق بين إنكار المجاهر وغيبة المساتر .
وأما النميمة : فهي أن تجمع إلى مذمة الغيبة رداءة وشرا ، وتضم إلى لؤمها دناءة وغدرا .
ثم تؤول إلى تقاطع المتواصلين ، وتباغض

(1/330)


المتحابين .
وروى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله .
قال : من شراركم المشاءون بالنميمة ، المفسدون بين الأحبة الباغون العيوب } .
وروى محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ملعون ذو الوجهين ، ملعون ذو اللسانين ملعون كل شفار ، ملعون كل قتات ، ملعون كل منان } .
الشفار المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة ، والقتات النمام وقيل النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم حديثهم ، والقتات هو الذي يستمع عليهم وهم لا يعلمون فينم حديثهم ، والمنان هو الذي يصنع الخير ويمن به .
وقيل في منثور الحكم : النميمة سيف قاتل .
وقال بعض الأدباء : لم يمش ماش شر من واش .
فأما السعاية فهي شر الثلاثة ؛ لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ولؤم النميمة ، التغرير بالنفوس والأموال ، والقدح في المنازل والأحوال .
وروى ابن قتيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الجنة لا يدخلها ديوث ولا قلاع } .
الديوث هو الذي يجمع بين الرجال والنساء ، سمي بذلك ؛ لأنه يدث بينهم .
والقلاع هو الساعي الذي يقع في الناس عند الأمراء ، سمي بذلك ؛ لأنه يأتي الرجل المتمكن عند الأمير فلا يزال يقع فيه حتى يقلعه .
وقال بعض الحكماء : الساعي بين منزلتين قبيحتين : إما أن يكون صدق فقد خان الأمانة ، وإما أن يكون قد كذب فخالف المروءة .
وقال بعض الحكماء

(1/331)


: الصدق يزين كل أحد إلا السعاة ، فإن الساعي أذم وآثم ما يكون إذا صدق .
وقال بعض البلغاء : النميمة دناءة والسعاية رداءة ، وهما رأس الغدر وأساس الشر فتجنب سبلهما ، واجتنب أهلهما .
ووقع الفضل بن سهل على قصة ساع سعى إليه : نحن نرى قبول السعاية شرا منها ؛ لأن السعاية دلالة ، والقبول إجازة ، فاتقوا الساعي فإنه إن كان في سعايته صادقا كان في صدقه آثما ، إذ لم يحفظ الحرمة ويستر العورة .
وقال الإسكندر لرجل سعى إليه برجل : أتحب أن نقبل منك ما تقول فيه على أن نقبل منه ما يقول فيك ؟ قال : لا .
قال : فكف عن الشر يكف عنك الشر .
وروي أن الله أوحى إلى موسى - على نبينا وعليه السلام - أن في بلدك ساعيا ولست أخبرك وهو في أرضك .
قال يا رب دلني عليه حتى أخرجه فقال : يا موسى أكره النميمة وأنم .

(1/332)


الحسد والمنافسة .
الفصل السادس في الحسد والمنافسة : اعلم أن الحسد خلق ذميم مع إضراره بالبدن وفساده للدين ، حتى لقد أمر الله بالاستعاذة من شره ، فقال تعالى : { ومن شر حاسد إذا حسد } وناهيك بحال ذلك شرا .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { دب إليكم داء الأمم قبلكم البغضاء والحسد هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم } .
فأخبر صلى الله عليه وسلم بحال الحسد وأن التحابب ينفيه وأن السلام يبعث على التحابب ، فصار السلام إذا نافيا للحسد .
وقد جاء كتاب الله تعالى بما يوافق هذا القول وقال الله تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } قال مجاهد : معناه ادفع بالسلام إساءة المسيء .
وقال الشاعر : قد يلبث الناس حينا ليس بينهم ود فيزرعه التسليم واللطف وقال بعض السلف : الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء ، يعني حسد إبليس لآدم عليه السلام وأول ذنب عصي الله به في الأرض ، يعني حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله .
وقال بعض الحكماء : من رضي بقضاء الله تعالى لم يسخطه أحد ، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد .
وقال بعض البلغاء : الناس حاسد ومحسود ، ولكل نعمة حسود .
وقال بعض الأدباء : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم ، وهم لازم ، وقلب هائم .
فأخذه بعض الشعراء فقال : إن الحسود الظلوم في كرب يخاله

(1/333)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية