صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الأخبار الطوال |
فإن هؤلاء القوم قد أقاموا بمكانهم لا يخرجون منه، وأمدادهم تترى عليهم كل يوم) فقال عمرو: (الرأي أن تشيع أن أمير المؤمنين توفي، ثم ترتحل بجميع من معك، فإن القوم إذا بلغهم ذلك طلبونا فنقف لهم عند ذلك)، ففعل النعمان ذلك، وتباشرت الأعاجم، وخرجوا في آثار المسلمين، حتى إذا قاربوهم وقفوا لهم، ثم تزاحفوا، فاقتتلوا، فلم يسمع إلا وقع الحديد على الحديد، وكثرت القتلى من الفريقين، وحال بينهما الليل، فانصرف كل فريق إلى معسكرهم، وبات المسلمون لهم أنين من الجراح، ثم أصبحوا، وذلك يوم الأربعاء، فتزاحفوا، واقتتلوا يومهم كله، وصبر الفريقان، ثم كان ذلك دأبهم يوم الخميس، وتزاحفوا يوم الجمعة، وتواقفوا، وركب النعمان بن مقرن برذونا أشهب، ولبس ثيابا بيضاء، وسار بين الصفوف، يذمر المسلمين، ويحضهم، وجعل ينتظر الساعة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقاتل فيها، ويستنزل النصر، وهي زوال النهار، ومهب الرياح، وسار في الرايات يقول لهم (إني هاز لكم الراية ثلاثا، فإن هززتها أول مرة فليشد كل رجل منكم حزام فرسه، وليستلم شكته، فإذا هززتها الثانية فصوبوا رماحكم، وهزوا سيوفكم، فإذا هززتها الثالثة، فكبروا، واحملوا، فإني حامل). (1/136)
فلما زالت الشمس بأدنى صلوا ركعتين ركعتين، ووقف، ونظر الناس إلى الراية، فلما هزها الثالثة كبروا، وحملوا، فانتقضت صفوف الأعاجم، وكان النعمان أول قتيل، فحمله أخوه سويد بن مقرن إلى فسطاطه، فخلع ثيابه، فلبسها، وتقلد سيفه، وركب فرسه، فلم يشك أكثر الناس أنه النعمان، وثبتوا، يقاتلون عدوهم، ثم أنزل الله نصره، وانهزمت الأعاجم، فذهبت على وجوهها، حتى صاروا إلى قرية من نهاوند على فرسخين، تسمى (دزيزيد)
فنزلوها لأن حصن نهاوند لم يسعهم، وأقبل حذيفة بن اليمان، وقد كان تولى الأمر بعد النعمان، حتى أناخ عليهم، فحاصرهم بها.
قال: وإنهم خرجوا ذات يوم مستعدين للحرب، فقاتلهم المسلمون، فانهزمت الأعاجم، وانقطع عظيم من عظمائهم يسمى (دينار) فحال المسلمون بينه وبين الدخول إلى الحصن، واتبعه رجل من عبس، يسمى (سماك بن عبيد) فقتل قوما كانوا معه، واستسلم له الفارس، فاستأسره سماك، فقال لسماك: (انطلق بي إلى أميركم، فإني صاحب هذه الكورة، لأصالحه على هذه الأرض، وأفتح له باب الحصن)، فانطلق به إلى حذيفة، فصالحه حذيفة عليها، وكتب له بذلك كتابا. (1/137)
فأقبل دينار حتى وقف على باب حصن نهاوند، ونادى من فيه (افتحوا باب الحصن، وانزلوا، فقد آمنكم الأمير، وصالحني على أرضكم).
فنزلوا إليه، فبذلك سميت (ماه دينار).
وأقبل رجل من أشراف تلك البلاد إلى السائب بن الأقرع، وكان على المغانم، فقال له (أتصالحني على ضياعي، وتؤمنني على أموالي، حتى أدلك على كنز لا يدري ما قدره، فيكون خالصا لأميركم الأعظم، لأنه شئ لم يؤخذ في الغنيمة).
وكان سبب هذا الكنز أن النخارجان الذي كان يوم القادسية أقبل بالمدد، فألفى العجم قد انهزموا، فوقف، فقاتل حتى قتل، وكان من أعاظم الأعاجم، وكان كريما على كسرى أبرويز، وكانت له امرأة من (أكمل) (1) النساء جمالا، وكانت تختلف إلى كسرى، فبلغ النخارجان ذلك، فرفضها، فلم يقربها، وبلغ ذلك كسرى، فقال يوما للنخارجان وقد دخل عليمع العظماء والأشراف: (بلغني أن لك عينا عذبة الماء، وأنك لا تشرب منها) فقال النخارجان أيها الملك، بلغني أن
الأسد ينتاب تلك العين، فاجتنبتها مخافة الأسد) فاستحلي كسرى جواب النخارجان، وعجب من فطنته، فدخل دار نسائه، وكانت له ثلاثة آلاف امرأة لفراشه، فجمعهن وأخذ ما كان عليهن من حلي، فجمعه، ودفعه إلى امرأة النخارجان،
__________
(1) في الأصل أجمل.
(*) (17 - الأخبار الطوال)
ودعا بالصاغة، فاتخذوا للنخارجان تاجا من ذهب مكللا بالجوهر الثمين، فتوجه به، فبقي ذلك التاج وتلك الحلي عند ولد بني المرأة، فلما وقعت الحرب بناحيتهم ساروا به إلى قرية لأبيهم، سميت باسمه، يقال لها (الخوارجان) وفيها بيت نار، فاقتلعوا الكانون (1) ودفنوا الحلي تحته، وأعادوا الكانون كهيئته. (1/138)
فقال له السائب: إن كنت صادقا فأنت آمن على أولادك وضياعك وأهلك وولدك، فانطلق به حتى استخرجه في سفطين: أحدهما التاج، والآخر الحلي.
فلما قسم السائب الغنائم بين من حضر القتال، وفرغ حمل السفطين في خرجين على ناقته، وقدم بهما على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان من أمرهما الخبر المشهور، اشتراهما عمرو بن الحارث بعطاء المقاتلة والذرية جميعا، ثم حملهما إلى الحيرة فباع بفضل كثير، واعتقد بذلك أموالا بالعراق، وكان أول قرشي اعتقد بالعراق، فقال عروة بن زيد الخيل يذكر أيامهم: ألا طرقت رحلي وقد نام صحبتي بإيوان سيرين المزخرف خلتي ولو شهدت يومي جلولاء حربنا ويوم نهاوند المهول استهلت إذا لرأت ضرب أمري غير خامل
مجيد بطعن الرمح أروع مصلت ولما دعوا يا عروة بن مهلهل ضربت جموع الفرس حتى تولت دفعت عليهم رحلتي وفوارسى وجردت سيفي فيهم ثم التي وكم من عدو أشوس متمرد عليه بخيلي في الهياج أظلت وكم كربة فرجتها وكريهة شددت لها أزري إلى أن تجلت وقد أضحت الدنيا لدي ذميمة وسليت عنها النفس حتى تسلت وأصبح همي في الجهاد ونيتي فلله نفس أدبرت وتولت فلا ثروة الدنيا نريد اكتسابها إلا أنها عن وفرها قد تحلت وما ذا أرجى من كنوز جمعتها وهذى المنايا شرعا قد أظلت
__________
(1) الكانون: الموقد.
(*)
(ولاية عثمان بن عفان) وتوفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر، واستخلف عثمان (1/139)
ابن عفان، فعزل عمار بن ياسر عن الكوفة، وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان أخا عثمان لأمه، أمهما أروى بنت أم حكيم بن عبد المطلب بن هاشم، وعزل أبا موسى الأشعري عن البصرة، وولاها عبد الله بن عامر بن كريز، وكان ابن خال عثمان، وكان حدث السن، واستعمل عمرو بن العاص على حرب مصر، واستعمل عبد الله بن أبي سرح على خراجها، وكان أخاه من الرضاعة، ثم عزل عمرو بن العاص، وجمع الحرب والخراج لعبد الله بن أبي سرح.
(الفتوحات في عهد عثمان) ثم كانت غزوة سابور من أرض فارس، وافتتاحها.
وأميرها عثمان بن أبي العاص، ثم كان فتح إفريقية سنة تسع وعشرين، وأميرها عبد الله بن أبي سرح، ثم كان فتح قبرس، وأميرها معاوية بن أبي سفيان.
ثم إن أهل إصطخر نزعوا يدا من الطاعة، وقدمها يزدجرد الملك في جمع من الأعاجم، فسار إليهم عثمان بن أبي العاص وعبد الله بن عامر، فكان الظفر للمسلمين، وهرب يزدجرد نحو خراسان، فأتى مرو.
فأخذ عامله بها، وكان اسمه (ماهويه) بالأموال، وقد كان ماهويه صاهر خاقان ملك الأتراك، فلما تشدد عليه أرسل إلى خاقان يعلمه ذلك، فأقبل خاقان في جنوده حتى عبر النهر مما يلي آمويه، ثم ركب المفازة حتى أتى مرو، ففتح له ماهويه أبوابها، وهرب يزدجرد على رجليه وحده، فمشى مقدار فرسخين حتى انتهى في السحر إلى رحى فيها سراج يتقد، فدخلها، وقال للطحان: (آوني عندك الليلة) قال الطحان: أعطني أربعة دراهم، فإني أريد أن أدفعها إلى صاحب الرحا (1)، فناوله سيفه
__________
(1) الرحا: الحجر العظيم، وتكتب بالياء والألف.
(*)
ومنطقته، وقال: (هذا لك،) ففرش له الطحان كساءه، فنام يزدجرد (1/140)
لما ناله من شدة التعب، فلما استثقل نوما قام إليه الطحان بمنقار الرحا، فقتله، وأخذ سلبه (1)، وألقاه في النهر.
ولما أصبح الناس تداعوا، فأجلبوا على الأتراك من كل وجه، فخرج خاقان منهزما حتى أوغل في المفازة، فطلبوا الملك فلم يجدوه، فخرجوا يقفون أثره حتى انتهوا إليه، فوجدوه قتيلا مطروحا في الماء، وأصابوا بزته عند الطحان.
وذلك في السنة السادسة من خلافة عثمان، وهي سنة ثلاثين من التاريخ (2)، فعند ذلك انقضى ملك فارس، وأرخوا عليه تاريخهم الذي يكتبون به اليوم.
وهرب ماهويه حتى نزل أبرشهر مخافة أن يقتله أهل مرو، فمات بها.
وسار عبد الله بن خازم السلمي إلى سرخس (3)، فافتتحها أيضا، وسار عبد الله ابن عامر إلى كرمان وسجستان، فافتتحهما.
(بيعة علي بن أبي طالب) ثم قتل (4) عثمان رضي الله عنه، فلما قتل بقي الناس ثلاثة أيام بلا إمام، وكان الذي يصلي بالناس الغافقي، ثم بايع الناس عليا رضي الله عنه، فقال: (أيها الناس، بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار قبل أن تقع البيعة، فإذا وقعت فلا خيار، وإنما على الإمام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وإن هذه بيعة عامة، من ردها رغب عن دين الإسلام، وإنها لم تكن فلتة).
ثم إن عليا رضي الله عنه أظهر أنه يريد السير إلى العراق، وكان على الشام يومئذ معاوية بن أبي سفيان، وليها لعمر بن الخطاب سبعا، ووليها جميع ولاية عثمان
__________
(1) السلب: كل ما على الإنسان من اللباس.
(2) سنة ثلاثين من التأريخ الهجري أي 650 م (3) مدينة قديمة بين نيسابور ومرو، في وسط الطريق، وهي مدينة معطشة، ليس بها ماء.
(4) وكان قتله في 18 ذي الحجة سنة 35 (31 مايو 655 م).
(*)
رضي الله عنه اثنتي عشرة سنة، فواتاه الناس على السير إلا ثلاثة نفر: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة الأنصاري. (1/141)
وبعث علي رضي الله عنه عماله إلى الأمصار، فاستعمل عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن حسان على الكوفة، وكانت له هجرة، واستعمل عبد الله ابن عباس على جميع أرض اليمن، واستعمل قيس بن سعد بن عبادة على مصر، واستعمل سهل بن حنيف على الشام.
فأما سهل فإنه لما انتهى إلى تبوك، وهي تخوم أرض الشام استقبله خيل لمعاوية، فردوه، فانصرف إلى علي، فعلم علي رضي الله عنه عند ذلك أن معاوية قد خالف، وأن أهل الشام بايعوه.
وحضر الموسم، فاستأذن الزبير وطلحة عليا في الحج، فأذن لهما، وقد كانت عائشة أم المؤمنين خرجت قبل ذلك معتمرة، وعثمان محصور، وذلك قبل مقتله بعشرين يوما، فلما قضت عمرتها أقامت، فوافاها الزبير وطلحة.
وكتب علي بن أبي طالب إلى معاوية (أما بعد، فقد بلغك الذي كان من مصاب عثمان رضي الله عنه، واجتماع الناس علي ومبايعتهم لي، فأدخل في السلم أو ائذن بحرب).
وبعث الكتاب مع الحجاج بن غزية الأنصاري، فلما قدم على معاوية، وأوصل كتاب علي إليه، فقرأه، فقال: (انصرف إلى صاحبك، فإن كتابي مع رسولي على أثرك)، فانصرف الحجاج، وأمر معاوية بطومارين (1)، فوصل أحدهما بالآخر، ولفا، ولم يكتب فيهما شيئا إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب على العنوان (من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب).
ثم بعث به مع رجل من عبس، له لسان وجسارة، فقدم العبسي على علي، فناوله الكتاب، ففتحه، فلم ير فلم فيه شيئا، إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وعند علي وجوه الناس.
__________
(1) الطامور والطوامير: الصحيفة.
(*)
فقام العبسي، فقال: (أيها الناس، هل فيكم أحد من عبس ؟) قالوا: نعم. (1/142)
قال: فاسمعوا مني، وافهموا عني، أني قد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبي لحاهم بدموع أعينهم تحت قميص عثمان، رافعيه على أطراف الرماح، قد عاهدوا الله ألا يشيموا (1) سيوفهم حتى يقتلوا قتلته، أو تلحق أرواحهم بالله).
فقام إليه خالد بن زفر العبسي، فقال: بئس لعمر الله وافد الشام أنت، أتخوف المهاجرين والأنصار بجنود أهل الشام وبكائهم على قميص عثمان، فو الله ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب، ولئن بكوا عليه بالشام، فقد خذلوه بالعراق).
ثم إن المغيرة بن شعبة دخل على علي رضي الله عنه، فقال: (يا أمير المؤمنين، إن لك حق الصحبة، فأقر معاوية على ما هو عليه من أمرة الشام، وكذلك جميع عمال عثمان، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعتهم استبدلت حينئذ أو تركت)، فقال علي رضي الله: (أنا ناظر في ذلك).
وخرج عنه المغيرة ثم عاد إليه من غد، فقال: (يا أمير المؤمنين، إني أشرت أمس عليك برأي، فلما تدبرته عرفت خطاه، والرأي أن تعاجل معاوية وسائر عمال عثمان بالعزل، لتعرف السامع المطيع من العاصي، فتكافئ كلا بجزائه) ثم قام، فتلقاه ابن عباس داخلا، فقال لعلي رضي الله عنه: (فيم أتاك المغيرة ؟) فأخبره علي بما كان من مشورته بالأمس، وما أشار عليه بعد، فقال ابن عباس: (أما أمس فإنه نصح لك، وأما اليوم فغشك.
) وبلغ المغيرة ذلك، فقال: (صدق ابن عباس، نصحت له، فلما رد نصحي بدلت قولي)، ولما خاض الناس في ذلك سار المغيرة إلى مكة، فأقام بها ثلاثة أشهر، ثم انصرف إلى المدينة.
ثم إن عليا رضي الله عنه نادى في الناس بالتأهب للمسير إلى العراق، فدخل
عليه سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة،
__________
(1) شام السيف شيما: سله أو أغمده وهو من الأضداد.
(*)
فقال لهم: (قد بلغني عنكم هناة كرهتها لكم)، فقال سعد: (قد كان ما بلغك، فأعطني سيفا يعرف المسلم من الكافر حتى أقاتل به معك). (1/143)
وقال عبد الله بن عمر: (أنشدك الله أن تحملني على ما لا أعرف).
وقال محمد بن مسلمة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أقاتل بسيفي ما قوتل به المشركون، فإذا قوتل أهل الصلاة ضربت به صخر أحد حتى ينكسر، وقد كسرته بالأمس).
ثم خرجوا من عنده.
ثم إن أسامة بن زيد دخل، فقال: (أعفني من الخروج معك في هذا الوجه، فإني عاهدت الله ألا أقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله).
وبلغ ذلك الأشتر، فدخل على علي، فقال: (يا أمير المؤمنين، إنا وإن لم نكن من المهاجرين والأنصار، فإنا من التابعين بإحسان، وإن القوم وإن كانوا أولى بما سبقونا إليه فليسوا بأولى مما شركناهم فيه، وهذه بيعة عامة، الخارج منها طاعن مستعتب، فحض هؤلاء الذين يريدون التخلف عنك باللسان، فإن أبوا فأدبهم بالحبس) فقال علي: (بل أدعهم ورأيهم الذي هم عليه).
ولما هم علي رضي الله عنه بالمسير إلى العراق، اجتمع أشراف الأنصار، فأقبلوا حتى دخلوا على علي، فتكلم عقبة بن عامر، وكان بدريا (1) فقال: (يا أمير المؤمنين إن الذي يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسعي بين قبره ومنبره أعظم مما ترجو من العراق، فإن كنت إنما تسير لحرب الشام، فقد أقام عمر فينا، وكفاه سعد زحف القادسية، وأبو موسى زحف الأهواز، وليس من هؤلاء رجل إلا ومثله معك، والرجال أشباه، والأيام دول)، فقال علي (إن
الأموال والرجال بالعراق، ولأهل الشام وثبة أحب أن أكون قريبا منها).
ونادى في الناس بالمسير، فخرج وخرج معه الناس.
__________
(1) ممن شهدوا غزوة بدر.
(*)
(وقعة الجمل) (1) قالوا: ولما قضى الزبير وطلحة وعائشة حجهم تآمروا في مقتل عثمان، فقال الزبير وطلحة لعائشة: (إن أطعتنا طلبنا بدم عثمان). (1/144)
قالت: (وممن تطلبون دمه ؟)، قالا: (إنهم قوم معروفون، وإنهم بطانة علي ورؤساء أصحابه، فاخرجي معنا حتى نأتي البصرة فيمن تبعنا من أهل الحجاز، وإن أهل البصرة لو قد رأوك لكانوا جميعا يدا واحدة معك).
فأجابتهم إلى الخروج، فسارت والناس حولها يمينا وشمالا.
ولما فصل علي من المدينة نحو الكوفة بلغه خبر الزبير وطلحة وعائشة، فقال لأصحابه: (إن هؤلاء القوم قد خرجوا يؤمون البصرة)، لما دبروه بينهم، فسيروا بنا على أثرهم، لعلنا نلحقهم قبل موافاتهم، فإنهم لو قد وافوها لمال معهم جميع أهلها)، قالوا: (سر بنا يا أمير المؤمنين).
فسار حتى وافى ذا قار (2)، فأتاه الخبر بموافاة القوم البصرة، ومبايعة أهل البصرة لهم إلا بني سعد، فإنهم لم يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وقالوا لأهل البصرة: (لا نكون معكم ولا عليكم)، وقعد عنهم أيضا كعب بن سور في أهل بيته، حتى أتته عائشة في منزله، فأجابها، وقال: (أكره ألا أجيب أمي)، وكان كعب على قضاء البصرة.
ولما انتهى الخبر إلى علي وجه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ليستنهض أهل الكوفة، ثم أردفه بابنه الحسن وبعمار بن ياسر، فساروا حتى دخلوا الكوفة،
وأبو موسى يومئذ بالكوفة، وهو جالس في المسجد، والناس محتوشوه (3)
__________
(1) وقعت في منتصف جمادي الآخر سنة 36 (نوفمبر 656 م).
(2) مكان قريب من البصرة، اشتهر بيوم لبنى شيبان فيه، وكان أبرويز أغزاهم جيشا فظفرت بنو شيبان، وهو أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم.
(3) احتوش القوم ملانا واحتوشوا عليه جعلوه وسطهم.
(*)
وهو يقول: (يا أهل الكوفة، أطيعوني تكونوا جرثومة (1) من جراثيم العرب، يأوي إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائف، أيها الناس، إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت تبينت، وإن هذه الفتنة الباقرة (2) لا يدرى من أين تأتي، ولا من أين تؤتى، شيموا سيوفكم، وانزعوا أسنة رماحكم، واقطعوا أوتار قسيكم، والزموا قعور البيوت، أيها الناس، إن النائم في الفتنة خير من القائم، والقائم خير من الساعي). (1/145)
فانتهى الحسن بن علي وعمار رضي الله عنهما إلى المسجد الأعظم وقد اجتمع عالم من الناس على أبي موسى، وهو يقول لهم هذا وأشباهه، فقال له الحسن: (اخرج عن مسجدنا، وامض حيث شئت).
ثم صعد الحسن المنبر، وعمار صعد معه، فاستنفرا الناس، فقام حجر بن عدي الكندي، وكان من أفاضل أهل الكوفة فقال: (انفروا خفافا وثقالا، رحمكم الله) فأجابه الناس من كل وجه: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين، نحن خارجون على اليسر العسر والشدة والرخاء.
فلما أصبحوا من الغد خرجوا مستعدين، فأحصاهم الحسن، فكانوا تسعة آلاف وستمائة وخمسين رجلا، فوافوا عليا بذي قار قبل أن يرتحل.
فلما هم بالمسير غلس الصبح، ثم أمر مناديا، فنادى في الناس بالرحيل، فدنا منه الحسن، فقال: (يا أبت أشرت عليك حين قتل عثمان وراح الناس إليك وغدوا، وسألوك أن تقوم
بهذا الأمر ألا تقبله حتى تأتيك طاعة جميع الناس في الآفاق، وأشرت عليك حين بلغك خروج الزبير وطلحة بعائشة إلى البصرة أن ترجع إلى المدينة، فتقيم في بيتك، وأشرت عليك حين حوصر عثمان أن تخرج من المدينة، فإن قتل قتل وأنت غائب، فلم تقبل رأيي في شئ من ذلك).
__________
(1) جرثومة كل شئ أصله ومجتمعه.
(2) يعني أنها مفسدة للدين ومفرقة بين الناس ومشتتة أمورهم.
(*) (19 - الأخبار الطوال)
فقال له علي: (أما انتظاري طاعة جميع الناس من جميع الآفاق، فإن البيعة لا تكون إلا لمن حضر الحرمين من المهاجرين والأنصار، فإذا رضوا وسلموا وجب على جميع الناس الرضا والتسليم، وأما رجوعي إلى بيتي والجلوس فيه، فإن رجوعي لو رجعت كان غدرا بالأمة، ولم آمن أن تقع الفرقة، وتتصدع عصا هذه الأمة، وأما خروجي حين حوصر عثمان فكيف أمكنني ذلك ؟ ! وقد كان الناس أحاطوا بي كما أحاطوا بعثمان، فاكفف يا بني عما أنا أعلم به منك). (1/146)
ثم سار بالناس، فلما دنا من البصرة كتب الكتائب، وعقد الألوية والرايات، وجعلها سبع رايات، عقد لحمير وهمدان راية، وولى عليهم سعيد بن قيس الهمداني، وعقد لمذحج والأشعريين راية، وولى عليهم زياد ابن النضر الحارثي، ثم عقد لطيئ راية، وولى عليهم عدي بن حاتم، وعقد لقيس وعبس وذبيان راية، وولى عليهم سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، وعقد لكندة وحضرموت وقضاعة ومهرة راية، وولى عليهم حجر ابن عدي الكندي، وعقد للأزد وبجيلة وخثعم وخزاعة راية، وولى عليهم
مخنف بن سليم الأزدي، وعقد لبكر وتغلب وأفناء ربيعة راية، وولى عليهم محدوج الذهلي، وعقد لسائر قريش والأنصار وغيرهم من أهل الحجاز راية، وولى عليهم عبد الله بن عباس، فشهد هؤلاء الجمل وصفين والنهر، وهم أسباع كذلك، وكان على الرجالة جندب بن زهير الأزدي.
ولما بلغ طلحة والزبير ورود علي رضي الله عنه بالجيوش، وقد أقبل حتى نزل (الخريبة) (1) فعبأهم طلحة والزبير، وكتباهم كتائب، وعقدا الألوية، فجعلا على الخيل محمد بن طلحة، وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير، ودفعا اللواء الأعظم إلى عبد الله بن حرام بن خويلد، ودفعا لواء الأزد إلى كعب بن سور، وولياه الميمنة، ووليا قريشا وكنانة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ووليا أمر
__________
(1) محلة من محال البصرة ينسب إليها كثيرون، وقد كان مدينة للفرس خربت لتواتر الغارات عليها، ولما مصرت البصرة ابتنيت إلى جانبها.
(*)
الميسرة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو الذي قالت عائشة فيه: (وددت لو قعدت في بيتي ولم أخرج في هذا الوجه لكان ذلك أحب إلي من عشرة أولاد، لو رزقتهن من رسول الله صلى الله عليه على فضل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعقله وزهده). (1/147)
ووليا على قيس مجاشع بن مسعود، وعلى تيم الرباب عمرو بن يثربي، وعلى قيس والأنصار وثقيف عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى خزاعة عبد الله بن خلف الخزاعي، وعلى قضاعة عبد الرحمن بن جابر الراسبي، وعلى مذحج الربيع بن زياد الحارثي، وعلى ربيعة عبد الله بن مالك.
قالوا: وأقام علي رضي الله عنه ثلاثة أيام يبعث رسله إلى أهل البصرة، فيدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فلم يجد عند القوم إجابة، فزحف نحوهم يوم الخميس لعشر مضين من جمادى الآخرة، وعلى ميمنته الأشتر،
وعلى ميسرته عمار بن ياسر، والراية العظمى في يد ابنه محمد بن الحنفية، ثم سار نحو القوم حتى دنا بصفوفه من صفوفهم، فواقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر، يدعوهم ويناشدهم، وأهل البصرة وقوف تحت رايتهم، وعائشة في هودجها أمام القوم.
قالوا: وإن الزبير لما علم أن عمارا مع علي رضي الله عنه ارتاب بما كان فيه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحق مع عمار، وتقتلك الفئة الباغية).
قالوا: ثم إن عليا دنا من صفوف أهل البصرة، وأرسل إلى الزبير يسأله، ليدنو، فيكلمه بما يريد، وأقبل الزبير حتى دنا من علي رضي الله عنه، فوقفا جميعا بين الصفين حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال له علي: (ناشدتك الله يا أبا عبد الله، هل تذكر يوما مررنا أنا وأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يدك، فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحبه ؟، قلت: نعم، يا رسول الله، فقال لك: أما إنك تقاتله، وأنت له ظالم...؟)، فقال الزبير: (نعم، أنا ذاكر له).
ثم انصرف علي إلى قومه، وقال لأصحابه: (احملوا على القوم، فقد أعذرنا إليهم)، فحمل بعضهم على بعض، فاقتتلوا. (1/148)
بالقنا والسيوف.
وأقبل الزبير حتى دنا من ابنه عبد الله وبيده الراية العظمى، فقال: (يا بني، أنا منصرف)، قال: (وكيف يا أبت ؟)، قال: (ما لي في هذا الأمر من بصيرة، وقد اذكرني على أمرا، قد كنت غفلت عنه، فانصرف يا بني معي)، فقال عبد الله: (والله لا أرجع أو يحكم الله بيننا).
فتركه الزبير، ومضى نحو البصرة ليتحمل منها، ويمضي نحو الحجاز.
ويقال: إن طلحة لما علم بانصراف الزبير هم أن ينصرف، فعلم مروان بن الحكم ما يريده، فرماه بسهم، فوقع
في ركبته، فنزف حتى مات.
وأقبل الزبير حتى دخل البصرة، وأمر غلمانه أن يتحملوا، فيلحقوا به، وخرج من ناحية الخريبة، فمر بالأحنف بن قيس، وهو جالس بفناء داره، وحوله قومه، وقد كانوا اعتزلوا الحرب، فقال الأحنف: (هذا الزبير، ولقد انصرف لأمر، فهل فيكم من يأتينا بخبره ؟)، فقال له عمرو بن جرموز: (أنا آتيك بخبره).
فركب فرسه، وتقلد سيفه، ومضى في أثره، وذلك قبل صلاة الظهر، فلحقه، وقد خرج من دور البصرة، فقال له: (أبا عبد الله، ما الذي تركت عليه القوم ؟)، قال الزبير: (تركتهم، وبعضهم يضرب وجوه بعض بالسيف)، قال: (فأين تريد ؟)، قال: (انصرف لحال بالي، فما لي في هذا الأمر من بصيرة).
قال عمرو بن جرموز: (وأنا أيضا أريد الخريبة، فسر بنا).
فسارا حتى دنا وقت الصلاة، فقال الزبير: (إن هذا وقت الصلاة، وأنا أريد أن أقضيها)، قال عمرو: (وأنا أريد أن أقضيها)، قال الزبير: (أنت مني في أمان، فهل أنا منك كذلك)، قال: (نعم).
فنزلا جميعا، وقام الزبير في الصلاة، فلما سجد حمل عليه عمرو بالسيف، فضربه حتى قتله، وأخذ درعه وسيفه وفرسه، وأقبل حتى أتى عليا، وهو واقف، والناس
يجتلدون بالسيوف، فألقى السلاح بين يديه، فلما نظر علي رضي الله عنه إلى السيف، قال: (إن هذا السيف طالما فرج به صاحبه الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبشر يا قاتل ابن صفية بالنار)، فقال عمرو: (نقتل أعداءكم، وتبشروننا بالنار ؟ !). (1/149)
قالوا: ثم إن عليا أمر ابنه محمد بن الحنفية، فقال: تقدم برايتك.
وكان معه الراية العظمى، فتقدم بها وقد لاث (1) أهل البصرة بعبد الله بن الزبير، وقلدوه
الأمر، فتقدم محمد بالراية، فاستقبله أهل البصرة بالقنا والسيوف، فوقف بالراية، فتناولها منه علي رضي الله عنه، وحمل وحمل معه الناس، ثم ناولها ابنه محمدا، واشتد القتال وحميت الحرب، وانكشف الناس عن الجمل، وقتل كعب بن سور، وثبتت الأزد وضبة، فقاتلوا قتالا شديدا.
فلما رأى علي شدة صبر أهل البصرة جمع إليه حماة أصحابه، فقال: إن هؤلاء القوم قد محكوا (2)، فاصدقوهم القتال، فخرج الأشتر وعدي بن حاتم وعمرو بن الحمق وعمار بن ياسر في عددهم من أصحابهم، فقال عمرو بن يثربي لقومه، وكانوا في ميمنة أهل البصرة (إن هؤلاء القوم الذين قد برزوا إليكم من أهل العراق هم قتلة عثمان، فعليكم بهم)، وتقدم أمام قومه بني ضبة، فقاتل قتالا شديدا، وكثرت النبل في الهودج، حتى صار كالقنفذ، وكان الجمل مجففا (3)، والهودج مطبق بصفائح الحديد.
وصبر الفريقان بعضهم لبعض حتى كثرت القتلى وثار القتام، وطلت الألوية والرايات، وحمل على بنفسه، وقاتل حتى انثنى سيفه، وخرج فارس أهل البصرة عمرو بن الأشرف، لا يخرج إليه أحد من أصحاب على إلا قتله، وهو يرتجز، ويقول:
__________
(1) اجتمعوا به، ولاث به يلوث كلاذ.
(2) المحك: التمادي في الغضب.
(3) أي عليه تجفاف، وهو ما يوضع على الخيل والإبل من حديد أو غيره في الحرب.
(*)
يا أمنا يا خير أم نعلم والأم تغذو ولدها وترحم ألا ترين كم جواد يكلم (1/150)
وتختلي هامته والمعصم فخرج إليه من أهل الكوفة الحارث بن زهير الأزدي، وكان من فرسان علي، فاختلفا ضربتين، فأوهط (1) كل منهما صاحبه، فخرا جميعا صريعين، يفحصان (2) بأرجلهما حتى ماتا.
قالوا: وانكشف أهل البصرة انكشافه، وانتهى الأشتر إلى الجمل، وعبد الله بن الزبير آخذ بخطامه، فرمى الأشتر بنفسه على عبد الله بن الزبير، فصار تحته، فصاح عبد الله بن الزبير: (اقتلوني ومالكا)، فثاب إلى ابن الزبير أصحابه.
فلما خاف الأشتر على نفسه قام عن عبد الله بن الزبير، وقاتل حتى خلص إلى أصحابه، قد عار فرسه، فقال لهم: (ما أنجاني إلا قول ابن الزبير: اقتلوني ومالكا، فلم يدر القوم من مالك، ولو قال اقتلوني والأشتر لقتلوني).
وقاتل عدي بن حاتم حتى فقئت إحدى عينيه، وقاتل عمرو بن الحمق، وكان من عباد أهل الكوفة، ومعه النساك قتالا شديدا، فضرب بسيفه حتى انثنى، ثم انصرف إلى أخيه رياح، فقال له رياح: (يا أخي، ما أحسن ما نصنع اليوم، أن كانت الغلبة لنا).
قالوا: ولما رأى علي لوث أهل البصرة بالجمل، وانهم كلما كشفوا عنه عادوا، فلاثوا به، قال لعمار وسعيد بن قيس وقيس بن سعد بن عبادة والأشتر وابن بديل ومحمد بن أبي بكر وأشباههم من حماة أصحابه: (إن هؤلاء لا يزالون يقاتلون مادام هذا الجمل نصب أعينهم، ولو قد عقر فسقط لم تثبت له ثابتة)، فقصدوا بذوي الجد من أصحابه قصد الجمل حتى كشفوا أهل البصرة عنه، وأفضى
__________
(1) الإيهاط: الإثخان ضربا، أو الرمي المهلك.
(2) يتمرغان في التراب كما تفحص الدجاجة لتتخذ لها أفحوصة تبيض فيها.
(*)
إليه رجل من مراد الكوفة، يقال له (أعين بن ضبيعة)، فكشف عرقوبه بالسيف، فسقط وله رغاء، فغرق في القتلى، و مال الهودج بعائشة، فقال علي لمحمد بن أبي بكر: (تقدم إلى أختك)، فدنا محمد، فأدخل يده في الهودج، فنالت يده ثياب عائشة، فقالت: (أنا لله، من أنت، ثكلتك أمك)، فقال (أنا أخوك محمد). (1/151)
ونادى علي رضي الله عنه في أصحابه: لا تتبعوا موليا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تنتهبوا مالا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن).
قال: فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع، فلا يعرض له أحد إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به، و الدواب التي حاربوا عليها، فقال له بعض أصحابه: (يا أمير المؤمنين، كيف حل لنا قتالهم، ولم يحل لنا سبيهم وأموالهم) فقال علي رضي الله عنه: (ليس على الموحدين سبي، ولا يغنم من أموالهم إلا ما قاتلوا به وعليه، فدعوا مالا تعرفون، والزموا ما تؤمرون).
قال: وأمر علي محمد بن أبي بكر أن ينزل عائشة فأنزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعي، وكان عبد الله فيمن قتل ذلك اليوم، فنزلت عند امرأته صفية.
وقال علي رضي الله عنه لمحمد: (انظر هل وصل إلى أختك شئ ؟) قال: (أصاب ساعدها خدش سهم، دخل بين صفائح الحديد).
ودخل علي رضي الله عنه البصرة، فأتى مسجدها الأعظم، واجتمع الناس إليه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (أما بعد، فإن الله ذو رحمة واسعة وعقاب أليم، فما ظنكم بي يا أهل البصرة جند المرأة وأتباع البهيمة ؟ رغا، فقاتلتم، وعقر، فانهزمتم، أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، وماؤكم زعاق (1)، أرضكم قريبة من الماء، بعيدة من السماء،
__________
(1) ماء زعاق، مر غليظ لا يطاق شربه.
(*)
وأيم الله ليأتين عليها زمان لا يرى منها إلا شرفات مسجدها في البحر، مثل جؤجؤ (1) السفينة، انصرفوا إلى منازلكم). (1/152)
ثم نزل، وانصرف إلى معسكره، وقال لمحمد بن أبي بكر: (سر مع أختك حتى توصلها إلى المدينة، وعجل اللحوق بي بالكوفة)، فقال: (أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين)، فقال علي: (لا أعفيك منه، ومالك بد).
فسار بها حتى أوردها المدينة.
وشخص علي عن البصرة، واستعمل عليها عبد الله بن عباس، فلما انتهى إلى المربد (2) التفت إلى البصرة، ثم قال: (الحمد لله الذي أخرجني من شر البقاع ترابا، وأسرعها خرابا، وأقربها من الماء، وأبعدها من السماء.
ثم سار، فلما أشرف على الكوفة، قال: (ويحك يا كوفان، ما أطيب هواءك، وأغذى تربتك، الخارج منك بذنب، والداخل إليك برحمة، لا تذهب الأيام والليالي، حتى يجئ إليك كل مؤمن، ويبغض المقام بك كل فاجر، وتعمرين، حتى إن الرجل من أهلك ليبكر إلى الجمعة فلا يلحقها من بعد المسافة).
قالوا: وكان مقدمه الكوفة يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وثلاثين، فقيل له: (يا أمير المؤمنين، أتنزل القصر ؟)، قال: (لا حاجة لي في نزوله، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يبغضه، ولكني نازل الرحبة)، ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم، فصلى ركعتين، ثم نزل الرحبة، فقال الشني يحرض عليا على المسير إلى الشام: قل لهذا الإمام قد خبت الحر ب، وتمت بذلك النعماء وفرغنا من حرب من نكث العه د، وبالشام حية صماء
تنفث السم، ما لمن نهشته فارمها قبل أن تعض شفاء قالوا: وإن أول جمعة صلى بالكوفة خطب، فقال: (الحمد لله أحمده،
__________
(1) الجؤجؤ: الصدر.
(2) المربد: فضاء وراء البيوت يرتفق به، وبه سمى مربد البصرة.
(*)
وأستعينه وأستهديه، وأومن به وأتوكل عليه، وأعوذ بالله من الضلالة والردى، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، انتخبه لرسالته، واختصه لتبليغ أمره، أكرم خلقه عليه، وأحبهم إليه، فبلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وأدى الذي عليه صلى الله عليه وسلم، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله، وأقربه لرضوان الله، وأفضله في عواقب الأمور عند الله، وبتقوى الله أمرتم، وللإحسان خلقتم، فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه، فإنه حذر بأسا شديدا، واخشوا الله خشية ليست بتعذير، واعملوا من غير رياء ولا سمعة، فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل، ومن عمل مخلصا له تولاه الله، وأعطاه أفضل نيته، وأشفقوا من عذاب الله، فإنه لم يخلقكم عبثا، ولم يترك شيئا من أمركم سدى، قد سمي آثاركم، وعلم أسراركم، وأحصى أعمالكم، وكتب آجالكم، فلا تغرنكم الدنيا، فإنها غرارة لأهلها، والمغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي، وأن الآخرة هي دار القرار، نسأل الله منازل الشهداء، ومرافقة الأنبياء، ومعيشة السعداء، فإنما نحن به وله). (1/153)
ثم وجه عماله إلى البلدان، فاستعمل على المدائن وجوخى (1) كلها يزيد بن قيس
الأرحبي، وعلى الجبل وأصبهان محمد بن سليم، وعلى البهقباذات قرط بن كعب، وعلى كسكر وحيزها قدامة بن عجلان الأزدي، وعلى بهرسير وإستانها عدي ابن الحارث، وعلى إستان العالي حسان بن عبد الله البكري، وعلى إستان الزوابي سعد (2) بن مسعود الثقفي، وعلى سجستان وحيزها ربعي بن كأس، وعلى خراسان كلها خليد بن كأس.
__________
(1) كورة واسعة في سواد بغداد.
(2) في الأصل: سعيد.
(*) (20 - الأخبار الطوال)
فأما خليد بن كأس فإنه لما دنا من خراسان بلغه أن أهل نيسابور خلعوا يدا من طاعة، 0 وأنه قدمت عليهم بنت لكسرى من كابل، فمالوا معها، فقاتلهم خليد، فهزمهم، وأخذ ابنة كسرى بأمان، وبعث بها إلى علي. (1/154)
فلما أدخلت عليه، قال لها: (أتحبين أن أزوجك من ابني هذا ؟) يعني الحسن، قالت: (لا أتزوج أحدا على رأسه أحد، فإن أنت أحببت رضيت بك)، قال: (إني شيخ، وابني هذا من فضله كذا وكذا)، قالت: (قد أعطيتك الجملة).
فقام رجل من عظماء دهاقين العراق، يسمى نرسى، فقال: (يا أمير المؤمنين، قد بلغك أني من سنخ (1) المملكة، وأنا قرابتها، فزوجنيها) فقال: (هي أملك بنفسها)، ثم قال لها: (انطلقي حيث شئت، وانكحي من أحببت، لا بأس عليك).
واستعمل على الموصل، ونصيبين، ودارا، وسنجار، وآمد، وميا فارقين، وهيت، وعانات، وما غلب عليها من أرض الشام الأشتر، فسار إليها، فلقيه الضحاك بن قيس الفهري، وكان عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان، فاقتتلوا بين حران (2) والرقة (3) بموضع يقال له المرج إلى وقت المساء.
وبلغ ذلك معاوية، فأمد الضحاك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في خيل عظيمة، وبلغ ذلك الأشتر،
فانصرف إلى الموصل، فأقام بها يقاتل من أتاه من أجناد معاوية، ثم كانت وقعة صفين.
__________
(1) السنخ: الأصل من كل شئ.
(2) حران: مدينة قديمة فيما بين النهرين، قاعده بلاد مضر، فتحها العرب على يد عياض ابن غنم سنة 639 م، وقد اشتهرت بالفلاسفة والعلماء أمثال ثابت بن قرة والبتاني (3) الرقة: قاعدة ديار مضر في الجزيرة على الفرات، وعندما قطع علي بن أبي طالب نهر الفرات في وقعة صفين سنة 656 م، وفيها آثار قديمة.
(*)
(وقعة صفين) (1) قالوا: وضربت الركبان إلى الشام بنعي عثمان، وتحريض معاوية على الطلب بدمه، فبينا معاوية ذات يوم جالس إذ دخل عليه رجل، فقال: (السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: وعليك، من أنت، لله أبوك ؟ فقد روعتني بتسليمك علي بالخلافة قبل أن أنالها)، فقال: (أنا الحجاج بن خزيمة بن الصمة)، قال: (ففيم قدمت ؟)، قال: (قدمت قاصدا إليك بنعي عثمان)، ثم أنشأ يقول: إن بني عمك عبد المطلب هم قتلوا شيخكم غير الكذب وأنت أولى الناس بالوثب فثب وسر مسير المحزئل (2) المتلئب قال: ثم إني كنت فيمن خرج مع يزيد بن أسد لنصر عثمان، فلم نلحقه، فلقيت رجلا، ومعي الحارث بن زفر، فسألناه عن الخبر، فأخبرنا بقتل عثمان، وزعم أنه ممن شايع على قتله، فقتلناه، وإني أخبرك، أنك تقوى بدون ما (1/155)
يقوى به علي، لأن معك قوما لا يقولون إذا سكت، ويسكتون إذا نطقت، ولا يسألون إذا أمرت، ومع علي قوم يقولون إذا قال، ويسألون إذا سكت، فقليلك خير من كثيرة، وعلي لا يرضيه إلا سخطك، ولا يرضى بالعراق دون الشام، وأنت ترضى بالشام دون العراق، فضاق معاوية بما أتاه به الحجاج بن خزيمة ذرعا، وقال: أتاني أمر فيه للناس غمه وفيه بكاء للعيون طويل مصاب أمير المؤمنين، وهذه تكاد لها صم الجبال تزول فلله عينا من رأى مثل هالك أصيب بلا ذحل وذاك جليل (3)
__________
(1) كان مبدأ محاربات صفين في أول صفر سنة 37 ه (يوليه سنة 657).
(2) المحزئل: المرتفع.
(3) الذحل: الثأر.
(*)
تداعت عليه بالمدينة عصبة فريقان، منهم قاتل وخذول دعاهم، فصموا عنه عند دعائه وذاك على ما في النفوس دليل سأنعى أبا عمرو بكل مثقف وبيض لها في الدارعين صليل تركتك للقوم الذين تظافروا (1/156)
عليك، فماذا بعد ذاك أقول فلست مقيما ما حييت ببلدة أجر بها ذيلي وأنت قتيل وأما التي فيها مودة بيننا فليس إليها ما حييت سبيل سألقحها حربا عوانا ملحة وإني بها من عامنا لكفيل وكتب علي إلى جرير بن عبد الله البجلي، وكان عامل عثمان بأرض الجبل مع زحر بن قيس الجعفي، يدعوه إلى البيعة له، فبايع وأخذ بيعة من قبله، وسار حتى قدم الكوفة.
وكتب إلى الأشعث بن قيس بمثل ذلك، وكان مقيما باذربيجان طول ولاية عثمان بن عفان، وكانت ولايته مما عتب الناس فيه على عثمان، لأنه ولاه عند مصاهرته إياه، وتزويج ابنة الأشعث من ابنه، ويقال إن الأشعث هو الذي افتتح عامة آذربيجان، وكان له بها أثر ونصح واجتهاد، وكان كتابه إليه مع زياد بن مرحب، فبايع لعلي، وسار حتى قدم عليه الكوفة.
وإن عليا أرسل جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في طاعته، والبيعة له، أو الإيذان بالحرب، فقال الأشتر: (ابعث غيره فإني لا آمن مراهنته) فلم يلتفت إلى قول الأشتر.
فسار جرير إلى معاوية بكتاب علي، فقدم على معاوية، فألفاه وعنده وجوه أهل الشام، فناوله كتاب علي، وقال: (هذا كتاب علي إليك، وإلى أهل الشام يدعوكم إلى الدخول في طاعته، فقد اجتمع له الحرمان، والمصران، والحجازان، واليمن، والبحران، وعمان، واليمامة، ومصر، وفارس، والجبل، وخراسان، ولم يبق إلا بلادكم هذه، وإن سال عليها واد من أوديته
غرقها).
وفتح معاوية الكتاب فقرأه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فقد لزمك ومن قبلك من المسلمين بيعتي، وأنا بالمدينة، وأنتم بالشام، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. (1/157)
فليس للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الأمر في ذلك للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل مسلم، فسموه إماما، كان ذلك لله رضى، فإن خرج من أمرهم أحد بطعن فيه أو رغبة عنه رد إلى ما خرج منه، فإن أبي قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ويصله جهنم وساءت مصيرا، فادخل فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار، فإن أحب الأمور فيك وفيمن قبلك العافية، فإن قبلتها وإلا فائذن بحرب، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي، أحملك وإياهم على ما في كتاب الله وسنة نبيه، فأما تلك التي تريدها، فإنما هي خدعة الصبي عن الرضاع).
فجمع معاوية إليه أشراف أهل بيته، فاستشارهم في أمره، فقال أخوه عتبة بن أبي سفيان: (استعن على أمرك بعمرو بن العاص) وكان مقيما في ضيعة له من حيز فلسطين، قد اعتزل الفتنة.
فكتب إليه معاوية (أنه قد كان من أمر علي في طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ما بلغك، وقد قدم علينا جرير بن عبد الله في أخذنا ببيعة علي، فحبست نفسي عليك، فأقبل، أناظرك في ذلك، والسلام).
فسار ومعه ابناه عبد الله ومحمد حتى قدم على معاوية، وقد عرف حاجة معاوية إليه، فقال له معاوية: (أبا عبد الله، طرقتنا في هذه الأيام ثلاثة أمور، ليس فيها ورد ولا صدر)، قال: (وما هن ؟) قال: (أما أولهن، فإن محمد بن أبي حذيفة كسر السجن وهرب نحو مصر فيمن كان معه من أصحابه، وهو من
أعدى الناس لنا، وأما الثانية فإن قيصر الروم قد جمع الجنود ليخرج إلينا فيحاربنا على الشام، وأما الثالثة فإن جريرا قدم رسولا لعلي بن أبي طالب يدعونا إلى البيعة له أو إيذان بحرب).
قال عمرو: (أما ابن أبي حذيفة فما يغمك من خروجه من سجنه في أصحابه، فأرسل في طلبه الخيل، فإن قدرت عليه قدرت، وإن لم تقدر عليه لم يضرك، وأما قيصر، فاكتب إليه تعلمه، أنك ترد عليه جميع من في يديك من أسارى الروم، وتسأله الموادعة والمصالحة تجده سريعا إلى ذلك، راضيا بالعفو منك، وأما علي بن أبي طالب فإن المسلمين لا يساوون بينك وبينه). (1/158)
قال معاوية: (إنه مالأ على قتل عثمان، وأظهر الفتنة، وفرق الجماعة).
قال عمرو: (إنه وإن كان كذلك، فليست لك مثل سابقته وقرابته، ولكن ما لي أن شايعتك على أمرك حتى تنال ما تريد ؟).
قال: (حكمك).
قال عمرو: (اجعل لي مصر طعمة ما دامت لك ولاية).
فتلكأ معاوية، وقال: (يا عبد الله، لو شئت أن أخدعك خدعتك).
قال عمرو: (ما مثلي يخدع).
قال له معاوية: (ادن مني أسارك).
فدنا عمرو منه، فقال: (هذه خدعة، هل ترى في البيت غيري وغيرك) ثم قال: (يا عبد الله، أما تعلم أن مصر مثل العراق ؟).
قال عمرو: (غير أنها إنما تكون لي إذا كانت لك الدنيا، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا).
فتلكأ عليه، وانصرف عمرو إلى رحله، فقال عتبة لمعاوية: (أما ترضى
أن تشتري عمرا بمصر إن صفت لك قليتك (1) لا تغلب على الشام).
وقال معاوية: (بت عندنا ليلتك هذه)، فبات عتبة عنده، فلما أخذ معاوية مضجعه أنشأ عتبة:
__________
(1) القلية: مرقة تتخذ من لحوم الجزور وأكبادها.
(*)
أيها المانع سيفا لم يهز إنما ملت على خز وقز إنما أنت خروف ناعم بين ضرعين وصوف لم يجز نالك الخير، فخذ من درة شخبة الأول، واترك ما عزز واترك الحرص عليها ضنة وأشبب النار لمقرور يكز إن مصرا لعلي أو لنا يغلب اليوم عليها من عجز وسمع معاوية ذلك، فلما أصبح بعث إلى عمرو، فأعطاه ما سأل، وكتبا بينهما في ذلك كتابا، ثم إن معاوية استشار عمرا في أمره، وقال ما ترى ؟ قال عمرو: إنه قد أتاك في هذه البيعة خبر أهل العراق من عند خير الناس، ولست أرى لك أن تدعو أهل الشام إلى الخلافة، فإن ذلك خطر عظيم حتى تتقدم قبل ذلك بالتوطين للأشراف منهم، وأشراب قلوبهم اليقين، بأن عليا مالأ على قتل عثمان، واعلم أن رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي، فأرسل إليه ليأتيك، ثم وطن له الرجال على طريقه كله، يخبرونه بأن عليا قتل عثمان، (1/159)
وليكونوا من أهل الرضا عنده، فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام، وإن تعلق هذه الكلمة بقلبه لم يخرجها شئ أبدا.
فدعا يزيد بن أسد، وبسر بن أبي أرطأة، وسفيان بن عمرو، ومخارق بن الحارث، وحمزة بن مالك، وحابس بن سعد، وغير هؤلاء من أهل الرضا عند شرحبيل بن السمط، فوطنهم له على طريقه، ثم كتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فكان يلقى الرجل بعد الرجل من هؤلاء في طريقه، فيخبرونه أن عليا مالأ على قتل عثمان، ثم أشربوا قلبه ذلك.
فلما دنا من دمشق أمر معاوية أشراف الشام باستقباله، فاستقبلوه، وأظهروا تعظيمه، فكان كلما خلا برجل منهم ألقى إليه هذه الكلمة، فأقبل حتى دخل على معاوية مغضبا، فقال: (أبى الناس إلا أن ابن أبي طالب قتل عثمان، والله لئن بايعته لنخرجنك من الشام)، فقال معاوية: (ما كنت لأخالف أمركم، وإنما أنا
واحد منكم. (1/160)
قال: فأردد هذا الرجل إلى صاحبه - يعني - جريرا - فعلم عند ذلك معاوية أن أهل الشام مع شرحبيل، فقال لشرحبيل: إن هذا الذي تهم به لا يصلح ألا برضي العامة، فسر في مدائن الشام، فأعلمهم ما نحن عليه من الطلب بثأر خليفتنا وبايعهم على النصرة والمعونة.
فسار شرحبيل يستقري مدن الشام، مدينة بعد مدينة، ويقول: (أيها الناس، إن عليا قتل عثمان، وإنه غضب له قوم فلقيهم، فقتلهم، وغلب على أرضهم، ولم يبق إلا هذه البلاد، وهو واضع سيفه على عاتقه، وخائض به غمرات الموت حتى يأتيكم، ولا يجد أحدا أقوى على قتله من معاوية، فانهضوا أيها الناس بثأر خليفتكم المظلوم.
فأجابه الناس كلهم إلا نفرا من أهل حمص نساكا، فإنهم قالوا (نلزم بيوتنا ومساجدنا، وأنتم أعلم).
فلما ذاق معاوية أهل الشام، وعرف مبايعتهم له قال لجرير (إلحق بصاحبك، وأعلمه أني وأهل الشام لا نجيبه إلى البيعة)، ثم كتب إليه بأبيات كعب بن جعيل: أرى الشام تكره ملك العراق وأهل العراق لهم كارهونا وكل لصاحبه مبغض يرى كل ما كان من ذاك دينا وقالوا علي إمام لنا فقلنا رضينا ابن هند رضينا وقالوا نرى أن تدينوا لنا فقلنا لهم لا نرى أن ندينا وكل يسر بما عنده يرى غث ما في يديه سمينا وما في على لمستعتب مقال سوى ضمه المحدثينا وليس براض ولا ساخط ولا في النهاة ولا الآمرينا ولا هو ساء ولا سره ولا بد من بعد ذا أن يكونا فلما قرأ علي رضي الله عنه قال للنجاشي أجب، فقال: دعن معاوي ما لن يكونا فقد حقق الله ما تحذرونا أتاكم علي بأهل العراق
وأهل الحجاز فما تصنعونا
يرون الطعان خلال العجاج وضرب القوانس في النقع دينا هم هزموا الجمع جمع الزبير وطلحة والمعشر الناكثينا فإن يكره القوم ملك العراق فقدما رضينا الذي تكرهونا فقولوا لكعب أخي وائل ومن جعل الغث يوما سمينا جعلتم عليا وأشياعه نظير ابن هند أما تستحونا ولما رجع جرير إلى علي كثر قول الناس في التهمة له، واجتمع هو والأشتر عند علي، فقال الأشتر: (أما والله يا أمير المؤمنين، لو أرسلتني فيما أرسلت فيه هذا لما أرخيت من خناق معاوية، ولم أدع له بابا يرجو فتحه إلا سددته، ولا عجلته عن الفكرة)، قال جرير: (فما يمنعك من إتيانهم ؟ !)، قال الأشتر: (الآن وقد أفسدتهم، والله ما أحسبك أتيتهم إلا لتتخذ عندهم مودة، والدليل على ذلك كثرة ذكرك مساعدتهم وتخويفنا بكثرة جموعهم، ولو أطاعني أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك من أهل الظنة محبسا لا يخرجون منه حتى يستتب هذا الأمر). (1/161)
فغضب جرير مما استقبله به الأشتر، فخرج من الكوفة ليلا في أناس من أهل بيته، فلحق بقر قيسيا، وهي كورة من كور الجزيرة، فأقام بها.
وغضب علي لخروجه عنه، فركب إلى داره، فأمر بمجلس له فأحرق،
فخرج أبو زرعة بن عمرو ابن عم جرير، فقال: (إن كان إنسان قد أجرم فإن في هذه الدار أناسا كثيرا لم يجرموا إليك جرما، وقد روعتهم)، فقال علي: (أستغفر الله).
ثم خرج منها إلى دار لابن عم جرير، يقال له ثوير بن عامر، وقد كان خرج معه، فشعث فيها شيئا، ثم انصرف.
قالوا: ولما فرغ علي رضي الله عنه من أصحاب الجمل خافه عبيد الله بن عمر أن يقتله بالهرمزان، فخرج حتى لحق بمعاوية، فقال معاوية لعمرو: (قد أحيا الله لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقدوم عبيد الله ابنه علينا).
قال: (21 - الأخبار الطوال)
فأراده معاوية على أن يقوم في الناس فيلزم عليا دم عثمان، فأبى، فاستخف به معاوية، ثم أدناه بعد وقربه. (1/162)
قالوا: ولما عزم أهل الشام على نصر معاوية، والقيام معه أقبل أبو مسلم الخولاني، وكان من عباد أهل الشام، حتى قدم على معاوية، فدخل عليه في أناس من العباد، فقال له: (يا معاوية قد بلغنا أنك تهم بمحاربة علي بن أبي طالب، فكيف تناوئه (1) وليست لك سابقته ؟)، فقال لهم معاوية: (لست أدعي أني مثله في الفضل، ولكن تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟)، قالوا: (نعم) (2)، قال: (فليدفع لنا قتلته حتى نسلم إليه هذا الأمر).
قال أبو مسلم: (فاكتب إليه هذا الأمر، حتى أنطلق أنا بكتابك)، فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الخليفة عثمان قتل معك في المحلة، وأنت تسمع من داره الهيعة (3)، فلا تدفع عنه بقول ولا بفعل، وأقسم بالله لو قمت في أمره مقاما صادقا، فنهنهت (4) عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، وأخرى أنت بها ظنين، إيواؤك قتلته، فهم
عضدك ويدك وأنصارك وبطانتك، وبلغنا أنك تبتهل (5) من دمه، فإن كنت صادقا فأمكنا من قتلته، نقتلهم به، ونحن أسرع الناس إليك، وإلا فليس لك ولا لأصحابك عندنا إلا السيف، فوالله الذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في البر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله والسلام).
فسار أبو مسلم بكتابه حتى ورد الكوفة، فدخل على علي، فناوله الكتاب، فلما قرأه تكلم أبو مسلم، فقال (يا أبا الحسن، إنك قد قمت بأمر، ووليته،
__________
(1) في الأصل: تناويه.
(2) في الأصل: بلى.
(3) الهيعة: صوت الصارخ للفزع.
(4) النهنهة: الزجر والكف.
(5) أي تتحلل.
(*)
ووالله ما نحب أنه لغيرك أن أعطيت الحق من نفسك، إن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما، فادفع إلينا قتلته، وأنت أميرنا، فإن خالفك أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصرة، وألسنتنا لك شاهدة، وكنت ذاعذر ومحجة)، فقال له علي: (أغد علي بالغداة). (1/163)
وأمر به، فأنزل، وأكرم.
فلما كان من الغد دخل إلى علي وهو في المسجد، فإذا هو بزهاء عشرة آلاف رجل، قد لبسوا السلاح، وهم ينادون: (كلنا قتلة عثمان)، فقال أبو مسلم لعلي: (إني لأرى قوما ما لك معهم أمر، وأحسب أنه بلغهم الذي قدمت له، ففعلوا ذلك خوفا من أن تدفعهم إلي).
قال علي: (إني ضربت أنف هذا الأمر وعينه، فلم أر يستقيم دفعهم إليك ولا إلى غيرك، فاجلس حتى أكتب جواب كتابك).
ثم كتب:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك، تذكر فيه قطعي رحم عثمان، وتأليبى الناس عليه، وما فعلت ذلك، غير أنه رحمه الله عتب الناس عليه، فمن بين قاتل وخاذل، فجلست في بيتي، واعتزلت أمره، إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك، فأما ما سألت من دفعي إليك قتلته، فإني لا أرى ذلك، لعلمي أنك إنما تطلب ذلك ذريعة إلى ما تأمل، ومرقاة إلى ما ترجو، وما الطلب بدمه تريد، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لينزل بك ما ينزل بالشاق العاصي الباغي، والسلام).
وكتب إلى عمرو بن العاص: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، أما بعد، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، صاحبها منهوم فيها، لا يصيب منها شيئا إلا ازداد عليها حرصا، ولم يستغن بما نال عما لا يبلغ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من أتعظ بغيره، فلا تحبط عملك بمجاراة معاوية في باطله، فإنه سفه الحق واختار الباطل والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص: (من عمرو بن العاص إلى علي بن أبي طالب، أما بعد، فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ذات بيننا أن تجيب إلى ما ندعوك إليه، من شورى تحملنا وإياك على الحق، ويعذرنا الناس لها بالصدق والسلام). (1/164)
قالوا: ولما أجمع علي على المسير إلى أهل الشام، وحضرت الجمعة صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صاى الله عليه وسلم، ثم قال: (أيها الناس، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى قتلة المهاجرين والأنصار، سيروا إلى الجفاة
الطغام الذين كان إسلامهم خوفا وكرها، سيروا إلى المؤلفة قلوبهم ليكفوا عن المسلمين بأسهم).
فقام إليه رجل من فزارة، يسمى أربد، فقال: (أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة، فقتلناهم ؟ كلا، ها الله، إذا لا نفعل ذلك).
فقام الأشتر، فقال: (أيها الناس، من لهذا ؟) فهرب الفزاري وسعى شؤبوب (1) من الناس في أثره، فلحقوه بالكناسة (2) فضربوه بنعالهم حتى سقط، ثم وطئوه بأرجلهم حتى مات، فأخبر بذلك علي رضي الله عنه فقال: (قتيل عمية، لا يدرى من قتله) فدفع ديته إلى أهله من بيت المال، وقال بعض شعراء بني تميم: أعوذ بربي أن تكون منيتي كما مات في سوق البراذين أربد تعاوره همدان خصف نعالهم إذا رفعت عنه يد وقعت يد وقام الأشتر، فقال: (يا أمير المؤمنين، لا يؤيسنك من نصرتنا ما سمعت من هذا الخائن، إن جميع من ترى من الناس شيعتك، لا يرغبون بأنفسهم عنك،
__________
(1) الشؤبوب: الدفعة من المطر، والمراد الجماعة.
(2) اسم موضع بالكوفة.
(*)
ولا يحبون البقاء بعدك، فسر بنا إلى أعدائك، فوالله ما ينجو من الموت من خافه، ولا يعطي البقاء من أحبه، ولا يعيش بالأمل إلا المغرور). (1/165)
فأجابه جل الناس إلى المسير، إلا أصحاب عبد الله بن مسعود، وعبيدة
السلماني، والربيع بن خثيم في نحو من أربعمائة رجل من القراء، فقالوا: (يا أمير المؤمنين، قد شككنا في هذا القتال، مع معرفتنا فضلك، ولا غنى بك ولا بالمسلمين عمن يقاتل المشركين، فولنا بعض هذه الثغور لنقاتل عن أهله).
فولاهم ثغر قزوين والري، وولى عليهم الربيع بن خثيم، وعقد له لواء، وكان أول لواء عقد في الكوفة.
قالوا: وبلغ عليا أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية، ولعن أهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما.
فأتياه، فقالا: (يا أمير المؤمنين، ألسنا على الحق، وهم على الباطل ؟)، قال: (بلى، ورب الكعبة المسدنة)، قالوا: (فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم ؟)، قال: (كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين، ولكن قولوا: (اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي من لجج به).
قالوا: ولما عزم علي رضي الله عنه على الشخوص أمر مناديا، فنادى بالخروج إلى المعسكر بالنخيلة (1)، فخرج الناس مستعدين، واستخلف علي على الكوفة أبا مسعود الأنصاري، وهو من السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة.
وخرج علي رضي الله عنه إلى النخيلة، وأمامه عمار بن ياسر، فأقام بالنخيلة معسكرا، وكتب إلى عماله بالقدوم عليه.
ولما انتهى كتابه إلى ابن عباس ندب الناس، وخطبهم، وكان أول من تكلم الأحنف بن قيس، ثم قام خالد بن المعمر السدوسي، ثم قام عمرو بن مرحوم
__________
(1) موضع بالبادية قرب الكوفة على سمت الشام.
(*)
العبدي، وكلهم أجاب، فخلف علي البصرة أبا الأسود الديلي، وسار بالناس حتى قدم علي على بالنخيلة. (1/166)
فلما اجتمع إلى علي قواصيه، وانضمت إليه أطرافه تهيأ للمسير من النخيلة،
ودعا زياد بن النضر وشريح بن هانئ، فعقد لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس، وقال: (ليسر كل واحد منكما منفردا عن صاحبه، فإن جمعتكما حرب، فأنت يا زياد الأمير، واعلما أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، فإياكما أن تسأما عن توجيه الطلائع، ولا تسيرا بالكتائب والقبائل من لدن مسير كما إلى نزولكما إلا بتعبية وحذر، وإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم، فليكن معسكركم في أشرف المواضع ليكون ذلك لكم حصنا حصينا، وإذا غشيكم الليل فحفوا عسكركم بالرماح والترسة، وليليهم الرماة، وما أقمتم فكذلك فكونوا، لئلا يصاب منكم غرة، واحرسا عسكركما بأنفسكما، ولا تذوقا نوما إلا غرارا ومضمضة، وليكن عندي خبركما، فإني ولا شئ إلا ما شاء الله حثيث السير في إثركما، ولا تقاتلا حتى تبدأ أو يأتيكما أمري إن شاء الله).
فلما كان اليوم الثالث من مخرجهما قام في أصحابه خطيبا، فقال: (يا أيها الناس، نحن سائرون غدا في آثار مقدمتنا، فإياكم والتخلف، فقد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي، وجعلته على الساقة، وأمرته ألا يدع أحدا إلا ألحقه بنا) فلما أصبح نادى في الناس بالرحيل، وسار، فلما انتهى إلى رسوم مدينة بابل، قال لمن كان يسايره من أصحابه: (إن هذه مدينة قد خسف بها مرارا، فحركوا خيلكم، وأرخوا أعنتها، حتى تجوزوا موضع المدينة، لعلنا ندرك العصر خارجا منها).
فحرك، وحركوا دوابهم، فخرج من حد المدينة وقد حضرت الصلاة، فنزل، فصلى بالناس، ثم ركب، وسار حتى انتهى إلى دير كعب فجاوزه، وأتى ساباط المدائن، فنزل فيه بالناس، وقد هيئت له فيه الأنزال..فلما أصبح ركب وركب الناس معه، وإنهم لثمانون ألف رجل، أو يزيدون،
سوى الأتباع والخدم، ثم سار حتى أتى مدينة الأنبار، فلما وافى المدائن عقد (1/167)
لمعقل بن قيس في ثلاثة آلاف رجل، وأمره أن يسير على الموصل ونصيبين حتى يوافيه بالرقة (1)، فسار حتى وافى حديثة الموصل، وهي إذ ذاك المصر، وإنما بنى الموصل بعد ذلك مروان بن محمد.
فلما انتهى معقل إليها إذا هو بكبشين يتناطحان، ومع معقل رجل من خثعم يزجر، فجعل الخثعمي يقول: (إيه، إيه،) فأقبل رجلان، فأخذ كل منهما كبشا، فقاده وانطلق به.
فقال الخثعمي لمعقل (لا تغلبون ولا تغلبون) فقال معقل: (يكون خيرا، إن شاء الله).
ثم مضى حتى وافى عليا وقد نزل (البليخ) (2) فأقام ثلاثا، ثم أمر بجسر، فعقد، وعبر الناس، ولما قطع علي رضي الله عنه الفرات أمر زياد بن النضر وشريح ابن هانئ أن يسيرا أمامه، فسارا حتى انتهيا إلى مكان يدعى (سور الروم) لقيهما أبو الأعور السلمي في خيل عظيمة من أهل الشام، فأرسلا إلى علي يعلمانه ذلك.
فأمر علي الأشتر أن يسير إليهما، وجعله أميرا عليهما، فسار حتى وافى القوم، فاقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض حتى جن عليهم الليل، وانسل أبو الأعور في جوف الليل حتى أتى معاوية.
وأقبل معاوية بالخيل نحو صفين، وعلى مقدمته سفيان بن عمرو، وعلى ساقته بسر (3) بن أبي أرطأة العامري، فأقبل سفيان بن عمرو، ومعه أبو الأعور، حتى وافيا صفين، وهي قرية خراب من بناء الروم، منها إلى الفرات غلوه (4)، وعلى شط الفرات مما يليها غيضة (5) ملتفة، فيها نزور طولها نحو من فرسخين، وليس في ذينك الفرسخين طريق إلى الفرات إلا طريق واحد مفروش بالحجارة،
__________
(1) مدينة مشهورة على الفرات من الجانب الشرقي.
(2) نهر بالرقة يجتمع فيه الماء من عيون.
(3) في الأصل: بشر.
(4) الغلوة: قدر رمية بسهم وقد تستعمل في سباق الخيل.
(5) الغيضة بالفتح: الأجمة، ومجتمع الشجر في مغيض ماء.
(*)
وسائر ذلك خلاف وغرب ملتف لا يسلك، وجميع الغيضة نزور ووحل إلا ذلك الطريق الذي يأخذ من القرية إلى الفرات. (1/168)
فأقبل سفيان بن عمرو وأبو الأعور حتى سبقا إلى موضع القرية، فنزلا هناك مع ذلك الطريق، ووافاهما معاوية بجميع الفيلق، حتى نزل معهما، وعسكر مع القرية، وأمر معاوية أبا الأعور أن يقف في عشرة آلاف من أهل الشام على طريق الشريعة، فيمنع من أراد السلوك إلى الماء من أهل العراق.
وأقبل علي رضي الله عنه حتى وافى المكان، فصادف أهل الشام قد احتووا على القرية والطريق، فأمر الناس، فنزلوا بالقرب من عسكر معاوية، وانطلق السقاءون والغلمان إلى طريق الماء، فحال أبو الأعور بينهم وبينه.
وأخبر علي رضي الله عنه بذلك، فقال لصعصعة بن صوحان (ايت معاوية، فقل له، إنا سرنا إليكم لنعذر قبل القتال، فإن قبلتم كانت العافية أحب إلينا، وأراك قد حلت بيننا وبين الماء، فإن كان أعجب إليك أن ندع ما جئنا له، ونذر الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا.
فقال الوليد: (أمنعهم الماء كما منعوه أمير المؤمنين عثمان، اقتلهم عطشا، قتلهم الله).
فقال معاوية لعمرو بن العاص: ما ترى ؟.
قال: (أرى أن تخلي عن الماء، فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريان).
فقال عبد الله بن أبي سرح، وكان أخا عثمان لأمه: (أمنعهم الماء إلى الليل، لعلهم أن ينصرفوا إلى طرف الغيضة، فيكون انصرافهم هزيمة).
فقال صعصعة لمعاوية: (ما الذي ترى ؟).
قال معاوية: ارجع، فسيأتيكم رأيي).
فانصرف صعصعة إلى علي، فأخبره بذلك.
وظل أهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء إلا من كان ينصرف من الغلمان إلى طرف الغيضة، فيمشي مقدار فرسخين، فيستقي، فغم عليا رضي الله عنه
أمر الناس غما شديدا، وضاق بما أصابهم من العطش ذرعا، فأتاه الأشعث بن قيس فقال: يا (أمير المؤمنين، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا ؟ ولني الزحف إليه، فوالله لا أرجع أو أموت، ومر الأشتر فلينضم إلي في خيله)، فقال له علي: (ايت في ذلك ما رأيت). (1/169)
فلما أصبح زاحف أبا الأعور، فاقتتلوا، وصدقهم الأشتر والأشعث حتى نفيا أبا الأعور وأصحابه عن الشريعة، وصارت في أيديهما، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: (ما ظنك بالقوم اليوم إن منعوك الماء كما منعتهم أمس ؟، فقال معاوية: (دع ما مضى، (ما ظنك بعلي ؟)، قال: (ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه، لأنه أتاك في غير أمر الماء).
ثم توادع الناس، وكف بعضهم عن بعض، وأمر علي ألا يمنع أهل الشام من الماء، فكانوا يسقون جميعا، ويختلط بعضهم ببعض، ويدخل بعضهم في معسكر بعض، فلا يعرض أحد من الفريقين لصاحبه إلا بخير، ورجوا أن يقع الصلح.
وأقبل عبيد الله بن عمر بن الخطاب حتى استأذن على علي، فأذن له، فدخل عليه، فقال له علي: (أقتلت الهرمزان ظلما، وقد كان أسلم على يدي عمي العباس، وفرض له أبوك في ألفين، وترجو أن تسلم مني ؟).
فقال له عبيد الله: (الحمد لله الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان، وأنا أطلبك
بدم أمير المؤمنين عثمان).
فقال له علي: (ستجمعنا وإياك الحرب، فتعلم).
قال: فلم يزالوا يتراسلون شهري ربيع (1) وجمادى الأولى، ويفزعون فيما بين ذلك، يزحف بعضهم إلى بعض، فيحجز بينهم القراء والصالحون، فيفترقون من غير
__________
(1) ربيع الثاني من سنة 37 ه = أغسطس 657 م.
(*) (22 - الأخبار الطوال)
حرب حتى فزعوا في هذه الثلاثة الأشهر خمسا وثمانين فزعة، كل ذلك يحجز بينهم القراء. (1/170)
فلما انقضت جمادى الأولى بات علي رضي الله عنه يعبي أصحابه، ويكتب كتائبه، وبعث إلى معاوية يؤذنه بحرب، فعبى معاوية أيضا أصحابه، وكتب كتائبه.
فلما أصبحوا تزاحفوا وتواقفوا تحت راياتهم في صفوفهم، ثم تحاجزوا، فلم تكن حرب، وكانوا يكرهون أن يلتقوا بجميع الفيلقين مخافة الاستئصال، غير أنه يخرج الجماعة من هؤلاء إلى الجماعة من أولئك، فيقتتلون بين العسكرين، فكانوا كذلك حتى أهل هلال رجب، فأمسك الفريقان.
قالوا: وأقبل أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي حتى دخلا على معاوية، فقالا: (علام تقاتل عليا، وهو أحق بهذا الأمر منك ؟).
قال: (أقاتله على دم عثمان).
قالا: (أو هو قتله ؟).
قال: (آوى قتلته، فسلوه أن يسلم إلينا قتلته، وأنا أول من يبايعه من أهل الشام).
فأقبلا إلى علي رضي الله عنه، فأخبراه بذلك.
فاعتزل من عسكر علي زهاء عشرين
ألف رجل، فصاحوا: (نحن جميعا قتلنا عثمان).
فخرج أبو الدرداء وأبو أمامة فلحقا ببعض السواحل، ولم يشهدا شيئا من تلك الحروب.
وإن معاوية بعث إلى شرحبيل بن السمط، وحبيب بن مسلمة، ومعن بن يزيد ابن الأخنس، وقال: (انطلقوا إليه، وسلوه أن يسلم إلينا قتلة عثمان، ويتخلى مما هو فيه حتى نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من رضوا وأحبوا).
فأقبلوا حتى دخلوا على علي رضي الله عنه، فبدأ حبيب بن مسلمة، فتكلم
بما حمله معاوية، فقال له علي: (وما أنت وذاك، لا أم لك، فلست هناك ؟ !) فقام حبيب مغضبا، فقال: (والله لتريني بحيث تكره)، قال شرحبيل: (أفلا تسلم إلينا قتلة عثمان ؟)، (قال علي: (إني لا أستطيع ذلك، وهم زهاء عشرين ألف رجل)، فقاما عنه، فخرجا، قالوا: فمكث الناس كذلك إلى أن انسلخ المحرم (1). (1/171)
وفي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي، وكان صاحب لواء طيئ مع معاوية: فما بين المنايا غير سبع بقين من المحرم أو ثمان ألم يعجبك أنا قد هجمنا وإياهم على الموت العيان أينهانا كتاب الله عنهم ولا ينهاهم آي القرآن فلما انسلخ المحرم بعث علي مناديا، فنادى في عسكر معاوية عند غروب
الشمس: (إنا أمسكنا لتنصرم الأشهر الحرم، وقد تصرمت، وإنا ننبذ إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين).
فبات الفريقان يكتبون الكتائب، وقد أوقدوا النيران في العسكرين، فلما أصبحوا تزاحفوا، وقد استعمل علي على الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجالة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، ودفع الراية العظمى إلى هاشم بن عتبة المرقال، وجعل على الميمنة الأشعث بن قيس وعلى الميسرة عبد الله بن عباس، وعلى رجالة الميمنة سليمان بن صرد، وعلى رجالة الميسرة الحارث بن مرة العبدي، وجعل في القلب مضر، وفي الميمنة ربيعة، وفي الميسرة أهل اليمن، وضم قريشا وأسدا وكنانة إلى عبد الله بن عباس، وضم كندة إلى الأشعث، وضم بكر البصرة إلى الحضين (3) ابن المنذر، وضم تميم البصرة إلى الأحنف بن قيس، وولى أمر خزاعة عمرو بن الحمق، وولى بكر الكوفة نعيم بن هبيرة، وولى سعد رباب البصرة خارجة
__________
(1) من سنة 38 ه.
(2) في الأصل: الحصين.
(*)
ابن قدامة، وولى بجيلة رفاعة بن شداد، وولى ذهل الكوفة رويما الشيباني، وولى حنظلة البصرة أعين بن ضبيعة، وجعل على قضاعة كلها عدي بن حاتم، وجعل على لهازم الكوفة عبد الله بن بديل، وعلى تميم الكوفة عمير بن عطارد، وعلى الأزد جندب بن زهير، وعلى ذهل البصرة خالد بن المعمر، وعلى حنظلة الكوفة شبث ابن ربعي، وعلى همدان سعد بن قيس، وعلى لهازم البصرة خزيمة بن خازم، وعلى سعد رباب الكوفة أبا صرمة، واسمه الطفيل، وعلى مذحج الأشتر، وعلى عبد قيس الكوفة عبد الله بن الطفيل، وعلى عبد قيس البصرة عمرو بن حنظلة، وعلى قيس البصرة شدادا الهلالي، وعلى اللفيف من القواصي القاسم بن حنظلة الجهني. (1/172)
واستعمل معاوية على الخيل عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى الرجالة مسلم ابن عقبة، لعنه الله، وعلى الميمنة عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى الميسرة حبيب ابن مسلمة، ودفع اللواء الأعظم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، واستعمل على أهل دمشق الضحاك بن قيس، وعلى أهل حمص ذا الكلاع، وعلى أهل قنسرين زفر بن الحارث، وعلى أهل الأردن سفيان بن عمرو، وعلى أهل فلسطين مسلمة ابن خالد، وعلى رجالة دمشق بسر بن أبي أرطأة، وعلى رجالة حمص حوشبا ذا ظليم، وعلى رجالة قنسرين طريف بن حابس، وعلى رجالة الأردن عبد الرحمن القيني، وعلى رجالة فلسطين الحارث بن خالد الأزدي، وعلى قيس دمشق همام ابن قبيصة، وعلى قيس حمص هلال بن أبي هبيرة، وعلى رجالة الميمنة حابس ابن ربيعة، وعلى قضاعة دمشق حسان بن بجدل، وعلى قضاعة حمص عباد ابن يزيد، وعلى كندة دمشق عبد الله بن جون السكسكي، وعلى كندة حمص يزيد بن هبيرة، وعلى النمر بن قاسط يزيد بن أسد العجلي، وعلى حمير هانئ بن عمير، وعلى قضاعة الأردن مخارق بن الحارث، وعلى لخم فلسطين نابل ابن قيس، وعلى همدان الأردن حمزة بن مالك، وعلى غسان الأردن زيد بن الحارث،
وعلى أهل القواصي القعقاع بن أبرهة، وعلى الخيل كلها عمرو بن العاص، وعلى الرجالة كلها الضحاك بن قيس. (1/173)
واصطف كل فريق منهم سبعة صفوف، صفين في الميمنة وصفين في الميسرة، وثلاثة صفوف في القلب، فكان الفريقان أربعة عشر صفا، فوقفوا تحت راياتهم، لا ينطق أحد منهم بكلمة، فخرج رجل من أهل العراق يسمى حجل بن أثال، وكان من فرسان العرب، فوقف بين صفوف أهل العراق وأهل الشام، ثم نادى (هل من مبارز ؟ وهو متقنع بالحديد، فخرج إليه أبوه أثال، وكان من معدودي فرسان
أهل الشام متقنعا بالحديد، ولم يعلم واحد منهما من صاحبه، فتطاردا، والناس قد شخصت أبصارهم، ينظرون، فطعن كل واحد منهما صاحبه، فلم يصنعا شيئا، لكمال لأمتيهما، (1) فحمل الأب على الابن، فاحتضنه حتى أشاله (2) عن سرجه، فسقط وسقط الأب عليه، فانكشفت وجوههما، فعرف كل واحد منهما صاحبه، فانصرفا إلى عسكريهما، ثم تفرق الناس يومئذ، ولم يكن بينهما غير هذا.
فلما أصبحوا عادوا إلى مواقفهم، كما كانوا بالأمس، فخرج عتبة بن أبي سفيان حتى وقف على فرسه بين الصفين، فدعا جعدة بن هبيرة بن أبي وهب القرشي، ليخرج إليه، فأقبل جعدة حتى دنا من عتبة، فتجاريا ماهم فيه، وتقاولا حتى أغضب جعدة عقبة، فتناوله عتبة بلسانه، فانصرفا مغضبين، وعبى كل منهما لصاحبه كتيبة، فاقتتلوا بين الصفين، وأعين الناس إليهم، وباشر جعدة القتال، فانهزم عتبة، وانصرف الفريقان لم يكن بينهم يومئذ إلا ذاك، فقال النجاشي يذكر ما كان بينهما: إن شتم الكريم يا عتب خطب فاعلمنه من الخطوب عظيم أمه أم هانئ، وأبوه من لؤي بن غالب لصميم إنه للهبيرة بن أبي وه ب، أقرت بفضله مخزوم
__________
(1) اللأمة: الدرع.
(2) رفعه.
(*)
وقال أيضا: (1/174)
ما زلت تنظر في عطفيك أبهة لا يرفع الطرف منك التيه والصلف لما رأيتهم صبحا حسبتهم أسد العرين حمى أشبالها الغرف (1) ناديت خيلك إذ عض السيوف بها عوجي إلي، فما عاجوا وما وقفوا هلا عطفت إلى قتلى مصرعة منها السكون ومنها الأزد والصدف قد كنت في منظر عن ذا ومستمع يا عتب لو لا سفاه الرأي والترف قالوا (وخرج الأشعث في يوم من الأيام في خيل من إبطال أهل العراق، فخرج إليه حبيب بن مسلمة في مثل ذلك من أهل الشام، فاقتتلوا بين الصفين مليا حتى مضى جل النهار، ثم انصرفوا وقد انتصف بعضهم من بعض.
وخرج يوما آخر المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص في خيل، فخرج إليه أبو الأعور السلمي في مثل ذلك، فاقتتلوا بين الصفين جل النهار.
فلم يفر أحد عن أحد.
وخرج يوما آخر عمار بن ياسر في خيل من أهل العراق، فخرج إليه عمرو بن العاص في ذلك، ومعه شقة سوداء على قناة، فقال الناس: (هذا لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: (أنا مخبركم بقصة هذا اللواء: هذا لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: من يأخذه بحقه ؟، فقال عمرو: وما حقه يا رسول الله ؟ فقال: لا تفر به من كافر، ولا تقاتل به مسلما).
فقد فر به من الكافرين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قاتل به المسلمين اليوم.
فاقتتل عمرو
وعمار ذلك اليوم كله، لم يول واحد منهما صاحبه الدبر.
وخرج في يوم آخر محمد بن الحنفية، فخرج إليه عبيد الله بن عمر في مثل عدده من أهل الشام، فقال عبيد الله لابن الحنفية: (ابرز لي) فقال محمد:
__________
(1) الغرف: الشجر الكثيف الملتف، أي شجر كان.
(*)
(نزال) قال: (وذاك). (1/175)
فنزلا جميعا عن فرسيهما، ونظر علي إليهما، فحرك فرسه حتى دنا من محمد، ثم نزل، وقال لمحمد: (أمسك على فرسي) ففعل.
ومشى إلى عبيد الله، فولى عنه عبيد الله، وقال: (مالي في مبارزتك من حاجة، إنما أردت ابنك) فقال محمد: (يا أبت (1)، لو تركتني أبارزه لرجوت أن أقتله) قال: (لو بارزته لرجوت ذلك، وما كنت آمنا أن يقتلك).
واقتتلت خيلاهما إلى أنصاف النهار، ثم انصرفت، وكل غير غالب.
وخرج في يوم آخر عبد الله بن عباس في خيل من أهل العراق، فخرج إليه الوليد بن عتبة في مثلها من أهل الشام، فقال الوليد: (يا ابن عباس، قطعتم أرحامكم، وقتلتم إمامكم، ولم تدركوا ما أملتم)، فقال له ابن عباس: (دع عنك الأساطير، وابرز إلي)، فأبى الوليد، وقاتل ابن عباس يومئذ بنفسه قتالا شديد، ثم انصرفا منتصفين.
وخرج في يوم آخر عمرو بن العاص في خيل من أهل الشام، فخرج إليه سعد بن قيس الهمداني في مثل ذلك من أهل العراق، وعمرو يرتجز: لا تأمنن بعدها أبا حسن طاحنة تدقكم دق الطحن إنا نمر الحرب إمرار الرسن (2) فبدر ممن كان مع عمرو فتى من أهل الشام، يسمى حجر الشر، فدعا للبراز،
فبرز إليه حجر بن عدي، فاطعنا، فطعنه حجر الشر طعنة أذراه عن فرسه، وحماة أصحابه، فانصرفا وقد جرحه السنان، فخرج إليه الحكم بن أزهر، وكان من أشراف الكوفة، فاختلفا ضربتين، فضربه حجر الشر فقتله، ثم نادى (هل من مبارز ؟)، فبرز إليه ابن عم للحكم يسمى رفاعة بن طليق، فضربه حجر الشر فقتله، فقال علي: (الحمد لله الذي قتل هذا مقتل عبد الله بن بديل).
وخرج في يوم آخر عبد الله بن بديل الخزاعي، وكان من أفاضل أصحاب علي
__________
(1) في الأصل يا أبة.
(2) الرسن: محركة الجبل وما كان من زمام على أنف.
(*)
في خيل من أهل العراق، فخرج إليه أبو الأعور السلمي في مثل ذلك من أهل الشام فاقتتلوا (1) هويا من النهار، فترك عبد الله أصحابه يعتركون في مجالهم، وضرب فرسه حتى أحماه، ثم أرسله على أهل الشام، فشق جموعهم، لا يدنو منه أحد إلا ضربه بالسيف حتى انتهى إلى الرابية التي كان معاوية عليها، فقام أصحاب معاوية دونه، فقال معاوية: (ويحكم، إن الحديد لم يؤذن له في هذا، فعليكم بالحجارة) فرث بالصخر حتى مات، فأقبل معاوية حتى وقف عليه، فقال: (هذا كبش القوم) هذا كما قال الشاعر: أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا كليث عرين بات يحمي عرينة رمته المنايا قصدها فتقطرا قالوا: وكان فارس معاوية الذي يبتهي به حريث مولاه، وكان يلبس بزة معاوية، ويستلئم سلاحه، ويركب فرسه، ويحمل متشبها بمعاوية، فإذا حمل قال (1/176)
الناس: (هذا معاوية وقد كان معاوية نهاه عن علي، وقال (اجتنبه، وضع رمحك حيث شئت).
فخلا به عمرو، وقال: (ما يمنعك من مبارزة علي، وأنت له كفء ؟)، قال: (نهاني مولاي عنه)، قال: (وإني والله لأرجو إن بارزته أن تقتله، فتذهب بشرف ذلك).
فلم يزل يزين له ذلك حتى وقع في قلب حريث.
فلما أصبحوا خرج حريث حتى قام بين الصفين، وقال: (يا أبا الحسن، ابرز إلي، أنا حريث)، فخرج إليه علي، فضربه، فقتله.
وبعث علي يوما من تلك الأيام إلى معاوية: (لم نقتل الناس بيني وبينك ؟ ابرز إلي، فأينا قتل صاحبه تولى الأمر).
فقال معاوية لعمرو: (ما ترى ؟) قال: (قد أنصفك الرجل، فابرز إليه)، فقال معاوية: (أتخدعني عن نفسي، ولم أبرز إليه، ودوني عك والأشعرون).
ثم قال:
__________
(1) هوى بالضم وكغني ساعة من النهار أو من الليل.
(*)
ما للملوك وللبراز وإنما حظ المبارز خطفه من باز ووجد من ذلك على عمرو، فهجره أياما، فقال عمرو لمعاوية: (أنا خارج إلى علي غدا). (1/177)
فلما أصبحوا بدر عمرو حتى وقف بين الصفين، وهو يرتجز: شدا على شكتي لا تنكشف يوم لهمدان ويوم للصدف ولتميم مثله أو تنحرف والربعيون لهم يوم عصف
إذا مشيت مشية العود النطف اطعنهم بكل خطي ثقف (1) ثم نادى: (يا أبا الحسن، اخرج إلي، أنا عمرو بن العاص).
فخرج إليه علي، فتطاعنا، فلم يصنعا شيئا، فانتضى على سيفه، فحمل عليه، فلما أراد أن يجلله رمى بنفسه عن فرسه، ورفع إحدى رجليه، فبدت عورته، فصرف على وجهه، وتركه.
وانصرف عمرو إلى معاوية، فقال له معاوية: (أحمد الله وسوداء إستك يا عمرو).
قالوا: وخرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب يوما من تلك الأيام، وكان من فرسان العرب وإبطالها في خيل من أهل الشام، وخرج الأشتر في مثلها، فاشتدت بينهما الحرب، فالتقى عبيد الله والأشتر، فحمل عبيد الله على الأشتر، وبدره الأشتر يطعنه، فأخطأه، وأسرع الأشتر في أصحاب عبيد الله، فانصرف الفريقان، وللأشتر الفضل.
وخرج يوما آخر عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان من معدودي رجال معاوية، فخرج إليه عدي بن حاتم في مثلها، فاقتتلوا يومهم كله، ثم انصرفوا، وكل غير غالب.
__________
(1) الخطى الثقف: الرمح المعتدل.
(*) (23 - الأخبار الطوال)
وخرج يوما ذو الكلاع في أربعة آلاف فارس من أهل الشام قد تبايعوا على الموت، فحملوا على ربيعة، وكانوا في ميسرة علي، وعليهم عبد الله بن عباس، فتصدعت جموع ربيعة، فناداهم خالد بن المعمر: (يا معشر ربيعة أسخطتم الله) فثابوا إليه، فاشتد القتال حتى كثرت القتلى، ونادى عبيد الله بن عمر: (أنا الطيب ابن الطيب، فسمعه عمار، فناداه: (بل أنت الخبيث ابن الطيب). (1/178)
ثم حمل عبيد الله، وهو يرتجز:
أنا عبيد الله ينميني عمر خير قريش من مضى ومن غبر غير رسول الله والشيخ الأغر أبطأ عن نصر ابن عفان مضر والربعيون، فلا اسقوا المطر فضرب شمر بن الريان العجلي، فقتله، وكان من فرسان ربيعة.
(مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب) فلما أصبحوا خرج عبيد الله فيمن كان معه بالأمس، وخرجت إليهم ربيعة، فاقتتلوا بين الصفين، وعبيد الله أمامهم يضرب بسيفه، فحمل عليه حريث بن جابر الحنفي، فطعنه في لبته (1)، فقتله، وقد اختلفوا في قتله، فقالت (2) همدان: قتله هانئ بن الخطاب، وقال (ت) حضرموت: قتله مالك بن عمرو الحضرمي، وقالت ربيعة: حريث بن جابر الحنفي، وهو المجمع عليه، فقال كعب بن جعيل يرثيه: ألا إنما تبكي العيون لفارس بصفين أجلت خيله وهو واقف فأضحى عبيد الله بالقاع مسلما تمج دما منه والعروق النوازف ينوء وتعلوه سبائب من دم كما لاح في جيب القميص الكفائف (3) وقد ضربت حول ابن عم نبينا من الموت شهباء المناكب شارف (4)
__________
(1) المنحر وموضع القلادة من الصدر.
(2) في الأصل: فقال.
(2) السبائب جمع سبيبة وهي الشقة الرقيقة من الثياب، والكفائف طرر القميص التي لا
أهداب لها.
(4) يعني أن الكتيبة قد صارت مناكبها شهباء لما يعلوها من الحديد.
(*)
تموج ترى الرايات حمرا كأنها إذا صوبت للطعن طير عواكف جزى الله قتلانا بصفين خير ما جزى عبادا غادرتها المواقف (مقتل ذي الكلاع) قالوا: وخرج ذو الكلاع في يوم من تلك الأيام في كتيبة من أهل الشام من عك ولخم، فخرج إليه عبد الله بن عباس في ربيعة، فالتقوا، ونادى رجل من مذحج العراق (يا آل مذحج، خذموا (1)) فاعترضت مذحج عكا يضربون سوقهم بالسيوف، فيبركون. (1/179)
فنادى ذو الكلاع..يا آل عك، بروكا كبروك الإبل.
وحمل رجل من بكر بن وائل يسمى خندفا على ذي الكلاع، فضربه بالسيف على عاتقه، فقد الدرع، وفري عاتقه، فخر ميتا، فلما قتل ذو الكلاع تمحكت عك، وصبروا لعض السيوف، فلم يزالوا كذلك حتى أمسوا.
وكان أهل العراق وأهل الشام أيام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كل فريق منهم في الفريق الآخر، فلا يعرض أحد لصاحبه، وكانوا يطلبون قتلاهم، فيخرجونهم من المعركة، ويدفنونهم.
قالوا: وإن عليا رضي الله عنه أشاع أنه يخرج إلى أهل الشام بجميع الناس، فيقاتلهم حتى يحكم الله بينه وبينهم، ففزع الناس لذلك فزعا شديدا، وقالوا: (إنما كنا إلى اليوم تخرج الكتيبة إلى مثلها، فيقتتلون بين الجمعين، فإن التقينا بجميع
الفيلقين فهو فناء العرب).
وقام (على) في الناس خطيبا، فقال: (ألا إنكم ملاقو القوم غدا بجميع الناس، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا الله الصبر والعفو، والقوهم بالجد).
__________
(1) في الأصل: خدموا والصواب: خذموا أي أسرعوا في السير.
(*)
فقال كعب بن جعيل: أصبحت الأمة في أمر عجب والملك مجموع غدا لمن غلب أقول قولا صادقا غير الكذب أن غدا تهلك أعلام العرب واجتمع أهل الشام إلى معاوية، فعرضهم، فنادى مناديه: (أين الجند المقدم ؟) فخرج أهل حمص تحت راياتهم، وعليهم أبو الأعور السلمي، ثم نادى: (أين أهل الأردن ؟)، فخرجوا تحت راياتهم، وعليهم زفر بن الحارث الكلابي، ثم نادى: (أين جند الأمير ؟) فجاء أهل دمشق تحت راياتهم، وعليهم الضحاك ابن قيس، فأطافوا بمعاوية، فعقد لعمرو بن العاص على جميع الناس، وساروا حتى وقفوا بإزاء أهل العراق. (1/180)
وقعد معاوية على منبر ينظر منه فوق رابية إلى الفريقين إذا اقتتلوا، وأقبلت عك الشام، وقد عصبوا أنفسهم بالعمائم، وطرحوا بين أيديهم حجرا، وقالوا: لا نولي الدبر أو يولي معنا هذا الحجر)، فصفهم عمرو خمسة صفوف، ووقف أمامهم يرتجز: يا أيها الجيش الصليب الإيمان
قوموا قياما، فاستعينوا الرحمن (1) إني أتاني خبر فأبكان إن عليا قتل ابن عفان ردوا علينا شيخنا كما كان وأنشأ رجل من أهل الشام يقول: تبكي الكتيبة يوم جر حديدها يوم الوغى جزعا على عثمانا يسلون حق الله لا يعدونه وسألتم لعلي السلطانا فأتوا ببينة بما تسلونه هذا البيان، فأحضروا البرهانا ولما أصبح علي رضي الله عنه غلس (2).
بصلاة الفجر، ثم أمر أصحابه، فخرجوا
__________
(1) في الأصل: الرحمان.
(2) صلى الفجر في أول وقته.
(*)
تحت راياتهم، ثم جعل يدور على رايات أهل الشام، فيقول: (من هؤلاء ؟) فيسمون له، حتى إذا عرفهم، وعرف مراكزهم، قال لأزد الكوفة: (اكفوني أزد الشام)، وقال لخثعم: (اكفوني خثعم)، فأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام، ثم أمرهم أن يحملوا من كل ناحية حملة رجل واحد، فحملوا، وحمل علي رضي الله عنه على الجمع الذي كان فيه معاوية في أهل الحجاز من قريش والأنصار وغيرهم، وكانوا زهاء اثني عشر ألف فارس، وعلى إمامهم، وكبروا وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض، فانتقضت (1/181)
صفوف أهل الشام، واختلفت راياتهم، وانتهوا إلى معاوية، وهو جالس على منبره، معه عمرو بن العاص، ينظران إلى الناس، فدعا بفرس ليركبه.
ثم إن أهل الشام تداعوا بعد جولتهم، وثابوا، ورجعوا على أهل العراق، وصبر القوم بعضهم لبعض إلى أن حجز بينهم الليل، فقتل في ذلك اليوم أناس كثير من أعلام العرب وأشرافهم، فلما أصبحوا دخل الناس بعضهم في بعض، يستخرجون قتلاهم، فيدفنونهم يومهم ذلك كله.
ثم إن عليا قام في عشية ذلك اليوم في أصحابه فقال: (أيها الناس، اغدوا على مصافكم، وازحفوا إلى عدوكم، وغضوا الأبصار، و اخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، وأثبتوا، واذكروا الله كثيرا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا، إن الله مع الصابرين).
وقام معاوية في أهل الشام، فقال: (أيها الناس، اصبروا وصابروا، ولا تتخاذلوا لا تتواكلوا، فإنكم على حق، ولكم حجة، وإنما تقاتلون من سفك الدم الحرام، فليس له في السماء عاذر).
وقام عمرو، فقال: (أيها الناس، قدموا المستلئمة وأخروا الحسر (1)، وأعيرونا جماجمكم اليوم، فقد بلغ الحق مقطعة، وإنما هو ظالم أو مظلوم).
__________
(1) الحاسر خلاف الدارع، ويقال للرجال في الحرب الحسر لانه لادرع عليهم ولا بيض على رؤوسهم.
(*)
فبات الفريقان طول تلك الليلة يتعبون للحرب، ثم غدوا على مصافهم، وحمل الفريقان بعضهم على بعض، وحمل حبيب بن مسلمة، وكان على ميسرة معاوية، على ميمنة علي رضي الله عنه، فانكشفوا وجالوا جولة، ونظر علي إلى ذلك، فقال لسهل بن حنيف: (انهض فيمن معك من أهل الحجاز حتى (1/182)
تعين أهل الميمنة، فمضى سهل فيمن كان معه من أهل الحجاز نحو الميمنة، فاستقبلهم جموع أهل الشام، فكشفوه ومن معه حتى انتهوا إلى علي، وهو في القلب، فجال القلب وفيه على جولة، فلم يبق مع علي إلا أهل الحفاظ والنجدة، فحث علي فرسه نحو ميسرته، وهم وقوف يقاتلون من بإزائهم من أهل الشام، وكانوا ربيعة.
قال زيد بن وهب: فإني لأنظر إلى علي، وهو يمر نحو ربيعة، ومعه بنوه: الحسن والحسين ومحمد، وإن النبل ليمر بين أذنيه وعاتقه، وبنوه يقونه بأنفسهم، فلما دنا علي من الميسرة، وفيها الأشتر، وقد وقفوا في وجوه أهل الشام يجالدونهم، فناداه علي، وقال: (إيت هؤلاء المنهزمين، فقل: أين فراركم من الموت الذي لم تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم).
فدفع الأشتر فرسه، فعارض المنهزمين، فناداهم: (أيها الناس، إلي إلي، أنا مالك بن الحارث) فلم يلتفتوا إليه، فظن أنه بالاستعراف، فقال: (أيها الناس أنا الأشتر) فثابوا إليه، فزحف بهم نحو ميسرة أهل الشام.
فقاتل بهم قتالا شديدا حتى انكشف أهل الشام، وعادوا إلى مواقفهم الأولى.
ورتب الأشتر ميمنة علي رضي الله عنه والقلب مراتبهما قبل الجولة، فلما عادوا إلى مواقفهم جعل على يسير في الصفوف ويؤنبهم على ما كان من جولتهم، وذلك ما بين صلاة العصر والمغرب.
قال: ثم إن أهل الشام حملوا على تميم، وكانوا في الميمنة، فكشفوهم، فناداهم زحر (1) بن نهشل: يا بني تميم، إلى أين ؟ قالوا: (ألا ترى إلى ما قد غشينا ؟ !)
__________
(1) في الأصل: زجر.
(*)
فقال: (ويحكم، أ فرارا واعتذارا ؟ ! إن لم تقاتلوا على الدين، فقاتلوا على الأحساب، احملوا معي). (1/183)
فحمل وحملوا، فقاتل حتى قتل، وهو أمامهم، وحمل
الناس جميعا بعضهم على بعض، واقتتلوا حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، ثم تكادموا (1) بالأفواه، وتحاثوا بالتراب، ثم تنادوا من كل جانب: (يا معشر العرب، من للنساء والأولاد، الله الله في الحرمات).
وإن عليا رضي الله عنه لينغمس في القوم، فيضرب بسيفه حتى ينثني، ثم يخرج متخضبا بالدم حتى يسوى له سيفه، ثم يرجع، فينغمس فيهم، وربيعة لا تترك جهدا في القتال معه والصبر، وغابت الشمس، وقربوا من معاوية، فقال لعمرو: (ما ترى ؟) قال: (إن تخلي سرادقك).
فنزل معاوية عن المنبر الذي كان يكون عليه، وأخلى السرادق، وأقبلت ربيعة، و إمامها علي رضي الله عنه حتى غشوا السرادق، فقطعوه، ثم انصرفوا، وبات علي تلك الليلة في ربيعة.
(مقتل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال) فلما أصبح علي غادى (2) أهل الشام القتال، ودفع رايته العظمى إلى هاشم بن عتبة، فقاتل بها نهاره كله، فلما كان العشي انكشف أصحابه انكشافه، وثبت هاشم في أهل الحفاظ منهم والنجدة، فحمل عليهم الحارث بن المنذر التنوخي، فطعنه طعنة جائفة (3)، فلم ينته عن القتال، ووافاه رسول علي يأمره أن يقدم رايته، فقال للرسول: (انظر إلى ما بي) فنظر إلى بطنه، فرآه منشقا، فرجع إلى علي، فأخبره، ولم يلبث هاشم أن سقط، وجال أصحابه عنه، وتركوه بين القتلى، فلم يلبث أن مات.
وحال الليل بين الناس وبين القتال.
__________
(1) عض بعضهم بعضا.
(2) باكرهم.
(3) قاتله، وجأفه أي صرعه، لغة في جعفه.
(*)
فلما أصبح علي غلس (1) بالصلاة، وزحف بجموعه نحو القوم على التعبية الأولى، (1/184)
ودفع الراية إلى ابنه عبد الله بن هاشم بن عتبة، وتزاحف الفريقان فاقتتلوا.
فروي عن القعقاع الظفري أنه قال: (لقد سمعت في ذلك اليوم من أصوات السيوف ما الرعد القاصف دونه) وعلي رضي الله عنه واقف ينظر إلى ذلك، ويقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين).
ثم حمل علي بنفسه على أهل الشام حتى غاب فيهم، فانصرف مخضبا بالدماء، فلم يزالوا كذلك يومهم كله والليل حتى مضى ثلثه، وجرح علي خمس جراحات، ثلاث في رأسه واثنتان في وجهه، ثم تفرقوا وغدوا على مصافهم، وعمرو بن العاص يقدم أهل الشام، فحمل عبد الله بن جعفر ذو الجناحين في قريش والأنصار في وجه عمرو فاقتتلوا، وحمل غلامان أخوان من الأنصار على جموع أهل الشام حتى انتهيا إلى سرادق معاوية، فقتلا على باب السرادق، ودارت رحى الحرب إلى أن ذهب ثلث الليل، ثم تحاجزوا، ولما أصبح الناس اختلط بعضهم ببعض، يستخرجون قتلاهم، فيدفنونهم.
وكتب معاوية إلى علي: (أما بعد، فإني إنما أقاتلك على دم عثمان، ولم أر المداهنة في أمره وإسلام حقه، فإن أدرك بثأري فيه فذاك، وإلا فالموت على الحق أجمل من الحياة على الضيم، وإنما مثلي ومثل عثمان، كما قال المخارق: فمهما تسل عن نصرتي السيد لا تجد لدى الحرب بيت السيد عندي مذمما فكتب إليه علي: (أما بعد، فإني عارض عليك ما عرض مخارق على بني فالج، حيث قال:
__________
(1) الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح، والمراد أنه صلى الصبح في أول وقته.
(*)
يا راكبا إما عرضت فبلغا بني فالج حيث استقر قرارها هلموا إلينا لا تكونوا كأنكم بلاقع أرض طار عنها غبارها سليم بن منصور أناس أعزة وأرضهم أرض كثير وبارها (1) فكتب إليه معاوية: إنا لم نزل للحرب قادة، وإنما مثلي ومثلك ما قال أوس بن حجر: إذا الحرب حلت ساحة الحي أظهرت عيوب رجال يعجبونك في الأمن وللحرب أقوام يحامون دونها وكم قد ترى من ذي رواء ولا يغني ثم غدوا على الحرب، وراية أهل الشام العظمى مع عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد، وكان يحمل بها فلا يلقاه شئ إلا هده، وكان من فرسان العرب، وكانت من أهل العراق جولة شديدة، فنادى الناس الأشتر، وقالوا: (أما ترى اللواء أين قد بلغ ؟)، فتناول الأشتر لواء أهل العراق، فتقدم به، وهو يرتجز: إني أنا الأشتر معروف الشتر إني أنا الأفعى العراقي الذكر (2) فقاتل أهل الشام حتى رد اللواء، وردهم على أعقابهم، ففي ذلك يقول النجاشي: رأيت اللواء كظل العقاب يقحمه الشامي الأخزر (3) دعونا له الكبش كبش العراق (1/185)
وقد خالط العسكر العسكر فرد اللواء على عقبه وفاز بحظوتها الأشتر (مقتل حوشب ذي ظليم) قالوا: وأخذ الراية جندب بن زهير، فخرج إليه حوشب ذو ظليم، وكان من عظماء أهل الشام، وفرسانهم، فأخذ الراية وجعل يمضي بها قدما، وينكأ
__________
(1) أي شجرها.
(2) الشتر بالتحريك انقلاب جفن العين من أعلى وأسفل، أو استرخاء أسفله، والأشتر لقب اشتهر به إبراهيم بن مالك بن الحارث (3) العقاب طائر عظيم، والخزر بالتحريك انكسار بصر العين خلقة، أو ضيقها وصغرها.
(*)
في أهل العراق، فخرج إليه سليمان بن صرد، وكان من فرسان علي، فاقتتلوا، فقتل حوشب، وجال أهل العراق جولة انتقضت صفوفهم، وانحاز أهل الحفاظ منهم مع علي رضي الله عنه إلى ناحية أخرى يقاتلون، وأقبل عدي بن حاتم يطلب عليا في موضعه الذي خلفه فيه، فلم يجده، فسأل عنه، فدل عليه، فأقبل إليه، فقال: (يا أمير المؤمنين، أما إذ كنت حيا فالأمر أمم (1)، واعلم أني ما مشيت إليك إلا على أشلاء القتلى، وما أبقى هذا اليوم لناو لا لهم عميدا). (1/186)
وكان أكثر من صبر في تلك الساعة مع علي وقاتل ربيعة، فقال علي رضي الله عنه: (يا معشر ربيعة، أنتم درعي وسيفي) ثم ركب الفرس (2) الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم - يسمى الريح - وجنب بين يديه بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء، وتعمم بعمامته صلى الله عليه وسلم السوداء، ثم أمر مناديه، فنادى: (أيها الناس، من يشري نفسه لله ؟) فانتدب له الناس، وانضموا إليه، فأقبل بهم على أهل الشام حتى أزال راياتهم، وجالوا جولة قبيحة حتى دعا معاوية بفرسه ليركبها، ثم نادى مناديه في أهل الشام:
(إلى أين أيها الناس ؟ أثيبوا، فإن الحرب سجال فثاب إليه الناس، وكروا على أهل العراق.
وقال معاوية لعمرو: قدم عك والأشعرين، فإنهم كانوا أول من انهزم في هذه الجولة.
فأتاهم عمرو، فبلغهم قول معاوية، فقال رئيسهم مسروق العكي: (انتظروني حتى آتي معاوية) فأتاه، فقال: (افرض لقومي في ألفين ألفين، ومن هلك منهم، فابن عمه مكانه)، قال: (ذلك لك)، فانصرف إلى قومه، فأعلمهم ذلك، فتقدموا، فاضطربوا هم وهمدان بالسيوف اضطرابا شديدا، فأقسمت عك لا ترجع حتى ترجع همدان، وأقسمت همدان على مثل ذلك.
فقال عمرو لمعاوية: (لقيت أسد أسدا، لم أر كاليوم قط.
) فقال معاوية: (لو أن معك حيا آخر كعك، ومع علي كهمدان لكان الفناء).
__________
(1) أي يسير وهين.
(2) الفرس للذكر والأنثى من الخيل.
(*)
وكتب معاوية إلى علي: (بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب، أما بعد، فإني أحسبك أن لو علمت وعلمنا، أن الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم نجنها على أنفسنا، فإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا، فقد بقي لنا منها ما ينبغي أن نندم على ما مضى ونصلح ما بقي، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، ولا أخاف من القتل إلا ما تخاف، وقد والله رقت الأجناد، وتفانى الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا ما يستذل به العزيز، ولا يسترق به الحر، والسلام. (1/187)
) فكتب إليه علي رضي الله عنه: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد أتاني كتابك، تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم نجنها على أنفسنا، فاعلم أنك وإيانا منها إلى غاية لم نبلغها بعد، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست أمضى على
الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك أنا بنو عبد مناف، وليس لبعضنا على بعض فضل، فليس كذلك، لأن أمية ليس كهاشم، ولا حربا كعبد المطلب، ولا أبا سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، وفي أيدينا فضل النبوة التي بها قتلنا العزيز، ودان لنا بها الذليل).
ثم إن عليا رضي الله عنه غلس بالصلاة صلاة الفجر، وزحف بجموعه نحو أهل الشام، فوقف الفريقان تحت راياتهم، وخرج الأشتر على فرس كميت ذنوب (1).
مقنعا بالحديد، وبيده الرمح، فحمل على أهل الشام، فاتبعه الناس، وكسر فيهم ثلاثة أرماح، واضطرب الناس بالسيوف وعمد الحديد، وبرز رجل من أهل الشام مقنعا بالحديد، ونادى: (يا أبا الحسن، ادن مني، أكلمك) فدنا منه علي
__________
(1) طويل الذنب.
(*)
حتى اختلفت أعناق فرسيهما بين الصفين، فقال: (إن لك قدما في الإسلام ليس لأحد، وهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجهادا، فهل لك أن تحقن هذه الدماء، وتؤخر هذه الحرب برجوعك إلى عراقك، ونرجع إلى شامنا الان تنظر وننظر في أمرنا ؟). (1/188)
فقال علي: (يا هذا، إني قد ضربت أنف هذا الأمر وعينيه، فلم أجده يسعني إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد، إن الله لا يرضى من أوليائه أن يعصى في الأرض، وهم سكوت، لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، فوجدت القتال أهون من معالجة الأغلال في جهنم).
قال: فانصرف الشامي، وهو يسترجع، ثم اقتتلوا حتى تكسرت الرماح، وتقطعت السيوف، وأظلمت الأرض من القتام (1)، وأصابهم البهر (2)، وبقي بعضهم ينظر إلى بعض بهيرا.
فتحاجزوا بالليل، وهو ليلة الهرير.
ثم أصبحوا غداة هذه الليلة، واختلط بعضهم ببعض يستخرجون قتلاهم ويدفنونهم.
ثم إن عليا قام من صبيحة ليلة الهرير في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس، إنه قد بلغ بكم وبعدوكم الأمر إلى ما ترون، ولم يبق من القوم إلا آخر نفس، فتأهبوا رحمكم الله لمناجزة عدوكم غدا، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وهو خير الحاكمين).
وبلغ ذلك معاوية، فقال لعمرو: (ما ترى، فإنما هو يومنا هذا وليلتنا هذه ؟)، فقال عمرو: (إني قد أعددت بحيلتي أمرا أخرته إلى هذا اليوم، فإن قبلوه اختلفوا، وإن ردوه تفرقوا، قال معاوية: (وما هو ؟) قال عمرو: (تدعوهم إلى كتاب الله حكما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك).
فعلم معاوية أن الأمر كما قال.
قالوا: وأن الأشعث بن قيس قال لقومه، وقد اجتمعوا إليه: (قد رأيتم ما كان في اليوم الماضي من الحرب المبيرة (3).
وأنا والله إن التقينا غدا، إنه لبوار العرب وضيعة الحرمات).
__________
(1) الغبار.
(2) البهر: انقطاع النفس أو تتابعه من الإعياء وهو وهو مبهور وبهير.
(3) المسرفة في إهلاك الناس.
(*)
قالوا: (فانطلقت العيون إلى معاوية بكلام الأشعث، فقال: صدق الأشعث، لئن التقينا غدا ليميلن الروم على ذراري أهل الشام، وليميلن دهاقين فارس على ذراري أهل العراق، وما يبصر هذا الأمر إلا ذوو الأحلام، اربطوا المصاحف على أطراف القنا (1)). (1/189)
قالوا: فربطت المصاحف، فأول ما ربط مصحف دمشق الأعظم، ربط على خمسة أرماح، يحملها خمسة رجال، ثم ربط سائر المصاحف، جميع ما كان معهم، وأقبلوا في الغلس، ونظر أهل العراق إلى أهل الشام قد أقبلوا، وأمامهم شبيه بالرايات، فلم يدروا ما هو، حتى أضاء الصبح، فنظروا، فإذا هي المصاحف.
ثم قام الفضل بن أدهم أمام القلب، وشريح الجذامي أمام الميمنة، وورقاء ابن المعمر أمام الميسرة، فنادوا: (يا معشر العرب، الله.
الله في نسائكم وأولادكم
من فارس والروم غدا، فقد فنيتم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم).
فقال علي رضي الله عنه: (ما الكتاب تريدون، ولكن المكر تحاولون).
ثم أقبل أبو الأعور السلمي على برذون أشهب، وعلى رأسه مصحف، وهو ينادي: (يا أهل العراق، هذا كتاب الله حكما فيما بيننا وبينكم).
فلما سمع أهل العراق ذلك قام كردوس بن هانئ البكري، فقال: (يا أهل العراق، لا يهدئكم ما ترون من رفع هذه المصاحف، فإنها مكيدة).
ثم تكلم سفيان بن ثور النكري (2)، فقال: (أيها الناس، أنا قد كنا بدأنا بدعاء أهل الشام إلى كتاب الله، فردوا علينا، فاستحللنا قتالهم، فإن رددناه عليهم حل لهم قتالنا، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ولا رسوله).
ثم قام خالد بن المعمر، فقال لعلي: (يا أمير المؤمنين، ما البقاء إلا فيما دعا القوم إليه إن رأيته، وإن لم تره فرأيك أفضل).
ثم تكلم الحضين بن المنذر، فقال: أيها الناس، إن لنا داعيا قد حمدنا ورده وصدره، وهو المأمون على ما فعل، فإن قال: لا، قلنا: لا، وإن قال: نعم، قلنا: نعم).
__________
(1) جمع قناة وهى الرمح.
(2) في الأصل: البكري.
(*)
فتكلم علي، وقال: (عباد الله، أنا أحرى من أجاب إلى كتاب الله، وكذلك أنتم، غير أن القوم ليس يريدون بذلك إلا المكر، وقد عضتهم الحرب، والله، لقد رفعوها وما رأيهم العمل بها، وليس يسعني مع ذلك أن ادعى إلى كتاب الله فأبى، وكيف وإنما قاتلناهم ليدينوا بحكمه). (1/190)
فقال الأشعث: (يا أمير المؤمنين نحن لك اليوم على ما كنا عليه لك أمس، غير أن الرأي ما رأيت من أجابه القوم إلى كتاب الله حكما).
فأما عدي بن حاتم وعمرو بن الحمق فلم يهويا ذلك، ولم يشيروا على علي به.
ولما أجاب علي رضي الله عنه، قالوا له: (فابعث إلى الأشتر ليمسك عن الحرب ويأتيك).
وكان يقاتل في ناحية الميمنة، فقال علي ليزيد بن هانئ: (انطلق إلى الأشتر، فمره أن يدع ما هو فيه، ويقبل)، فأتاه، فأبلغه، فقال: (ارجع إلى أمير المؤمنين، فقل له إن الحرب قد اشتجرت بيني وبين أهل الناحية، فليس يجوز أن انصرف).
فانصرف يزيد إلى علي، فأخبره بذلك، وعلت الأصوات من ناحية الأشتر، وثار النقع (1)، فقال القوم لعلي، (والله ما نحسبك أمرته إلا بالقتال).
فقال: (كيف أمرته بذلك، ولم أساره سرا ؟ !) ثم قال ليزيد: (عد إلى الأشتر، فقل له.
أقبل، فإن الفتنة قد وقعت).
فأتاه، فأخبره بذلك.
فقال الأشتر: (الرفع هذا المصاحف ؟)، قال: (نعم).
قال: (أما والله لقد ظننت بها حين رفعت، أنها ستوقع اختلافا وفرقة).
فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم، فقال: (يا أهل الوهن الذل، أ حين علوتم القوم تنكلون لرفع هذه المصاحف ؟ أمهلوني فواقا (2))، قالوا: (لا ندخل معك في خطيئتك)، قال: (ويحكم، كيف بكم وقد قتل خياركم وبقي أراذلكم، فمتى كنتم محقين ؟ أحين كنتم تقاتلون أم الآن حين أمسكتم ؟ فما حال قتلاكم الذين
__________
(1) الغبار الساطع.
(2) الفواق بضم الفاء ويفتحها مابين الحلبتين من الوقت، فالنافة تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب.
(*)
لا ننكرون فضلهم، أ في الجنة أم في النار ؟). (1/191)
قالوا (: قاتلناهم في الله، وندع قتالهم في الله).
فقال: (يا أصحاب الجباة السود، كنا نظن أن صلاتكم عبادة وشوق إلى الجنة، فنراكم قد فررتم إلى الدنيا، فقبحا لكم).
فسبوه، وسبهم،
وضربوا وجه دابته بسياطهم، وضرب هو وجوه دوابهم بسوطه.
وكان مسعر بن فدكي وابن الكواء وطبقتهم من القراء الذين صاروا بعد خوارج كانوا من أشد الناس في الإجابة إلى حكم المصحف.
وإن معاوية قام في أهل الشام، فقال: (أيها الناس، إن الحرب قد طالت بيننا وبين هؤلاء القوم، وإن كل واحد منا يظن أنه على الحق وصاحبه على الباطل، وإنا قد دعوناهم إلى كتاب الله والحكم به، فإن قبلوه، وإلا كنا قد أعذرنا إليهم).
ثم كتب إلى علي: (أن أول من يحاسب على هذا القتال أنا وأنت، وأنا أدعوك إلى حقن هذه الدماء وألفة الدين واطراح الضغاثن، وأن يحكم بيني وبينك حكمان، أحدهما من قبلي والآخر من قبلك، ما يجدانه مكتوبا مبينا في القرآن يحكمان به، فأرض بحكم القرآن إن كنت من أهله).
فكتب إليه علي: (دعوت إلى حكم القرآن، وإني لأعلم أنك ليس حكمه تحاول، وقد أجبنا القرآن إلى حكمه لا إياك، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا بعيدا).
وكتب إلى عمرو بن العاص: (أما بعد، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئا إلا انفتح له بذلك حرص يزيده فيها رغبة، ولن يستغني صاحبها بما نال منها عما لم ينله، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، فلا تحبط عملك بمجاراة معاوية على باطله، وإن لم تنته لم تضر بذلك إلا نفسك، والسلام).
فأجابه عمرو: (أما بعد، فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ما بيننا الإنابة إلى الحق، وقد جعلنا القرآن حكما بيننا وبينك لنرضى بحكمه، ويعذرنا الناس عند المناجزة، والسلام).
فكتب إليه علي: (أما بعد، فإن الذي أعجبك مما نازعتك نفسك إليه من طلب الدنيا منقلب عنك، فلا تطمئن إليها، فإنها غرارة، ولو اعتبرت بما مضى انتفعت بما بقي، والسلام). (1/192)
فكتب إليه عمرو: (أما بعد، فقد أنصف من جعل القرآن حكما، فاصبر يا أبا الحسن، فإنا غير منيليك إلا ما أنا لك القرآن، والسلام).
فاجتمع قراء أهل العراق وقراء أهل الشام، فقعدوا بين الصفين، ومعهم المصحف يتدارسونه، فاجتمعوا على أن يحكموا حكمين، وانصرفوا.
فقال أهل الشام: (قد رضينا بعمرو).
وقال الأشعث ومن كان معه من قراء أهل العراق: (قد رضينا نحن بأبي موسى).
فقال لهم علي: (لست أثق برأي أبي موسى، ولا بحزمه، ولكن أجعل ذلك لعبد الله بن عباس).
قالوا: (والله ما نفرق بينك وبين ابن عباس، وكأنك تريد أن تكون أنت الحاكم، بل اجعله رجلا هو منك ومن معاوية سواء، ليس إلى أحد منكما بأدنى منه إلى الآخر).
قال علي رضي الله عنه: (فلم ترضون لأهل الشام بابن العاص، وليس كذلك ؟).
قالوا: (أولئك أعلم، إنما علينا أنفسنا).
قال: (فإني أجعل ذلك إلى الأشتر).
قال الأشعث: (وهل سعر هذه الحرب إلا الأشتر، وهل نحن إلا في حكم الأشتر ؟).
قاعلي: (وما حكمه ؟).
قال: (يضرب بعض وجوه بعض حتى يكون ما يريد الله).
قال: (فقد أبيتم إلا أن تجعلوا أبا موسى). (1/193)
قالوا: (نعم).
قال: (فاصنعوا ما أحببتم).
قالوا: فأرسلوا رسولا إلى أبي موسى، وقد كان اعتزل الحرب، وأقام بعرض (1) من أعراض الشام، فدخل عليه مولى له، فقال: (قد اصطلح الناس)، قال: (الحمد لله رب العالمين).
قال: (وقد جعلوك حكما).
قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
فأقبل أبو موسى حتى دخل عسكر علي، فولوه الأمر، ورضوا به، فقبله.
فقال الأحنف بن قيس لعلي: (إنك قد منيت بحجر الأرض، وداهية العرب، وقد عجمت أبا موسى، فوجدته كليل الشفرة، قريب العقر، وإنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل يدنو من صاحبه حتى يكون في كفه، ويبعد منه حتى يكون مكان النجم، فإن شئت أن تجعلني حكما فافعل، وإلا فثانيا أو ثالثا، فإن قلت: إني لست من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابعث رجلا من صحابته، واجعلني وزيرا له ومشيرا).
فقال علي: (إن القوم قد أبوا أن يرضوا بغير أبي موسى، والله بالغ أمره).
قالوا: فقال أيمن بن خريم الأسدي من أهل الشام، وكان معتزلا للقوم: لو كان للقوم رأي يهتدون به بعد القضاء رموكم بابن عباس لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس (2)
__________
(1) العرض: الجانب من كل شئ.
(2) تقول العرب لمن خاتل، ضرب أخماسا لأسداس، وهو مثل، أصله أن شيخا كان في إبله ومعه أولاده رجالا يرعونها، قد طالت غربتهم عن أهلهم، فقال لهم ذات يوم: ارعوا إبلكم بربعا، فرعوا ربعا نحو طريق أهلهم، فقالوا له، لو رعيناها خمسا، فزادوا يوما قبل أهلهم،
فقالوا لو رعيناها سدسا، ففطن الشيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس، ما همتكم رعيها، إنما همتكم أهلكم.
(*) (25 - الأخبار الطوال)
قالوا: وقد كان معاوية جعل لأيمن بن خريم ناحية من فلسطين على أن يبايعه، فأبى، وقال: لست بقاتل رجلا يصلي * على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلى إثمي * معاذ الله من سفه وطيش أأقتل مسلما في غير حق * فليس بنافعي ما عشت عيشي (وثيقة التحكيم) قالوا: فاجتمع أهل العراق وأهل الشام وأتوا بكاتب، وقالوا: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين). (1/194)
فقال معاوية (بئس الرجل أنا إن أقررت بأنه أمير المؤمنين ثم أقاتله.
قال عمرو (بل اكتب اسمه واسم أبيه).
فقال الأحنف بن قيس: (يا أمير المؤمنين، لا تمح اسم أمره المؤمنين، فإني أخاف إن محوتها لم ترجع إليك أبدا، ولا تجبهم إلى ذلك).
فقال علي: الله أكبر، سنة بسنة، أما والله لقد جرى على يدي نظير هذا - يعني القضية يوم الحديبية (1)، وامتناع قريش أن يكتب محمد رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب، اكتب محمد بن عبد الله، فكتبوا.
(هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قضية علي على أهل العراق شاهدهم وغائبهم، وقضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم، إنا تراضينا أن نقف عند حكم القرآن فيما يحكم من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات،
على ذلك تقاضيا وبه تراضيا، وإن عليا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ناظرا وحاكما، ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص ناظرا وحاكما، على أن عليا ومعاوية أخذا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه، وذمته وذمة
__________
(1) قرية قريبة من مكة، سميت ببئر فيها، وقد ورد ذكرها في الحديث كثيرا.
(*)
رسوله أن يتخذا القرآن إماما، ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورا، وما لم يجدا في الكتاب رداه إلى سنة رسول الله الجامعة، لا يتعمدان لها خلافا، ولا يبغيان فيها بشبهة). (1/195)
(وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على علي ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضى بما حكما به مما في كتاب الله وسنة نبيه، وليس لهما أن ينقضا ذلك، ولا يخالفاه إلى غيره، وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأشعارهما وأبشارهما وأهاليهما وأولادهما ما لم يعدوا الحق، رضي به راض أو سخطه ساخط، وإن الأمة أنصارهما على ما قضيا به من الحق مما هو في كتاب الله، فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فلشيعته وأصحابه أن يختاروا مكانه رجلا من أهل المعدلة والصلاح على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق، وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدد في هذه القضية فلشيعته أن يولوا مكانه رجلا يرضون عدله، وقد وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضة، ورفع السلاح، وقد وجبت القضية على ما سمينا في هذا الكتاب من موقع الشرط على الأميرين والحكمين والفريقين، والله أقرب شهيد، وكفى به شهيدا، فإن خالفا وتعديا فالأمة بريئة من حكمهما ولا عهد لهما ولا ذمة، والناس آمنون على أنفسهم وأهاليهم وأولادهم إلى انقضاء الأجل، والسلاح موضوعة والسبل آمنة، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر، وللحكمين أن ينزلا منزلا متوسطا عدلا بين أهل العراق وأهل
الشام، ولا يحضرهما فيه إلا من أحبا عن تراض منهما، والأجل إلى انقضاء شهر رمضان، فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة عجلاها، وإن رأيا تأخيرها إلى آخر الأجل أخراها، فإن هما لم يحكما بما في كتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الأجل، فالفريقان على أمرهم الأول في الحرب، وعلى الأمة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر، وهم جميعا يد واحدة على من أراد في هذا الأمر إلحادا أو ظلما أو خلافا).
(شهد على ما في هذا الكتاب الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والأشعث بن قيس، والأشتر)
ابن الحارث، وسعيد بن قيس، والحصين والطفيل ابنا الحارث بن عبد المطلب، وأبو سعيد بن ربيعة الأنصاري، وعبد الله بن خباب بن الأرت، وسهل بن حنيف، وأبو بشر بن عمر الأنصاري، وعوف بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن عبد الله الأسلمي، وعقبة بن عامر الجهني، ورافع بن خديج الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والنعمان بن العجلان الأنصاري، وحجر بن عدي الكندي، ويزيد بن حجية النكري، ومالك بن كعب الهمداني، وربيعة بن شرحبيل، والحارث بن مالك، وحجر بن يزيد، وعلبة بن حجية. (1/196)
ومن أهل الشام: حبيب بن مسلمة الفهري، وأبو الأعور السلمي، وبسر ابن أرطأة القرشي، ومعاوية بن خديج الكندي، والمخارق بن الحارث، ومسلم ابن عمرو السكسكي، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وحمزة بن مالك، وسبيع ابن يزيد الحضرمي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعلقمة بن يزيد الكلبي، وخالد بن الحصين السكسكي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، ويزيد بن أبجر العبسي، ومسروق بن جبلة العكي، وبسر بن يزيد الحميري، وعبد الله بن عامر القرشي، وعتبة بن أبي سفيان، ومحمد بن أبي سفيان، ومحمد بن عمرو بن العاص، وعمار بن الأحوص الكلبي، ومسعدة بن عمرو العتبي، والصباح
بن جلهمة الحميري، وعبد الرحمن بن ذي الكلاع، وثمامة بن حوشب، وعلقمة بن حكم).
وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين).
(الخلاف بعد التحكيم) وإن الأشعث أخذ الكتاب فقرأه على الفريقين، يمر به على كل، راية راية، وقبيلة قبيلة، فيقرؤه عليهم، فمر برايات عنزة، وكان مع على منهم أربعة آلاف رجل، فلما قرأه عليهم قال أخوان منهم، اسمهما جعد ومعدان: (لا حكم إلا لله) ثم شدا على أهل الشام، فقاتلا حتى قتلا، وهما أول من حكم.
ثم مر على رايات مراد، فقرأه عليهم، فقال صالح بن شقيق، وكان من أفاضلهم (لا حكم إلا لله، وإن كره المشركون، ثم مر به على رايات بني راسب، فتنادوا (لا يحكم الرجال في دين الله)، ثم مر به على رايات بني تميم، فقالوا مثل ذلك، فقال عروة بن أدية: (أتحكمون في دين الله الرجال، فأين قتلانا يا أشعث ؟) ثم حمل بسيفه على الأشعث، فأخطأه، وأصاب السيف عجز دابته، فانصرف الأشعث إلى قومه، فمشى إليه سادات تميم، فاعتذروا إليه، فقبل وصفح. (1/197)
وأقبل سليمان بن صرد إلى على مضروبا في وجهه بالسيف، فقال: (يا أمير المؤمنين، أما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة).
وقام محرز بن خنيس بن ضليع إلى علي، فقال: (يا أمير المؤمنين، أما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل، فو الله إني لخائف أن يورثك ذلا ؟).
قال علي: (أبعد أن كتبناه ننقضه ؟ هذا لا يجوز) ثم إن عليا ومعاوية اتفقا على أن يكون مجتمع الحكمين بدومة الجندل، وهو
المنصف بين العراق والشام.
ووجه علي مع أبي موسى شريح بن هانئ في أربعة آلاف من خاصته، وصير عبد الله بن عباس على صلاتهم، وبعث معاوية مع عمرو بن العاص أبا الأعور السلمي في مثل ذلك من أهل الشام.
فساروا من صفين حتى وافوا دومة الجندل، وانصرف علي بأصحابه حتى وافى الكوفة، وانصرف معاوية بأصحابه حتى وافى دمشق، ينتظران ما يكون من أمر الحكمين.
وكان علي إذا كتب إلى ابن عباس في أمر اجتمع إليه أصحابه، فقالوا: (ما كتب إليك أمير المؤمنين ؟) فيكتمهم، فيقولون: (لم كتمتنا ؟ وإنما كتب إليك في كذا وكذا)، فلا يزالون يزكنون (1) حتى يقفوا على ما كتب.
__________
(1) زكن الخبر زكنا بالتحريك علمه، وقبل الزكن: التفرس والظن الذي هو كاليقين.
(*)
وتأتي كتب معاوية إلى عمرو بن العاص، فلا يأتيه أحد من أصحابه، يسأله عن شئ من أمره. (1/198)
قالوا: وكتب معاوية إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وإلى عبد الله بن الزبير، وإلى أبي الجهم بن حذيفة، وإلى عبد الرحمن بن عبد يغوث: (أما بعد، فإن الحرب قد وضعت أوزارها، وصار هذان الرجلان إلى دومة الجندل، فاقدموا عليهما إن كنتم قد اعتزلتم الحرب، فلم تدخلوا فيما دخل فيه الناس، لتشهدوا ما يكون منهما، والسلام).
فلما أتاهم كتابه ساروا جميعا إلى دومة الجندل، فأقاموا ينتظرون ما يكون من الرجلين، وحضر معهم سعد بن أبي وقاص، وسار المغيرة بن شعبة، وكان مقيما بالطائف لم يشهد شيئا من تلك الحروب حتى أتى دومة الجندل، فأقام ينتظر ما يكون منهما، فلما طال مقامه سار من هناك حتى أتى معاوية بدمشق، فقال له معاوية: (أشر على بما ترى)، فقال له المغيرة: (لو أشرت عليك لقاتلت
معك، ولكني قد أتيتك بخبر الرجلين).
قال: (وما خبرهما ؟).
قال: (إني خلوت بأبي موسى لأبلو ما عنده، فقلت: (ما تقول فيمن اعتزل عن هذا الأمر، وجلس في بيته كراهية للدماء ؟)، فقال: (أولئك خيار الناس، خفت ظهورهم من دماء إخوانهم، وبطونهم من أموالهم).
قال: (فخرجت من عنده، وأتيت عمرو بن العاص، فقلت: (يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن اعتزل هذه الحروب ؟)، فقال: (أولئك شرار الناس، لم يعرفوا حقا، ولم ينكروا باطلا).
(وأنا أحسب أبا موسى خالعا صاحبه، وجاعلها) لرجل لم يشهد، وأحسب هواه في عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وأما عمرو بن العاص فهو صاحبك الذي عرفته، وأحسب سيطلبها لنفسه أو لابنه عبد الله، ولا أراه يظن أنك أحق بهذا الأمر منه).
فأقلق ذلك معاوية).
(مداولة الحكمين) قالوا: ثم إن عمرو بن العاص جعل يظهر تبجيل أبي موسى وإجلاله، وتقديمه في الكلام وتوقيره، ويقول: (صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي، وأنت أكبر سنا مني). (1/199)
ثم اجتمعا ليتناظرا في الحكومة، فقال أبو موسى: (يا عمرو، هل لك فيما فيه صلاح الأمة ورضي الله ؟).
قال: (وما هو ؟).
قال: (نولي عبد الله بن عمر، فإنه لم يدخل نفسه في شئ من هذه الحروب).
قال له عمرو: (أين أنت من معاوية ؟).
قال أبو موسى: (ما معاوية موضعا لها، ولا يستحقها بشئ من الأمور).
قال عمرو: (ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ؟).
قال: (بلى).
قال: (فإن معاوية ولى عثمان، وبيته بعد في قريش ما قد علمت، فإن قال
الناس: لم ولي الأمر وليست له سابقة ؟ فإن لك في ذلك عذرا، تقول: إني وجدته ولى عثمان، والله تعالى يقول: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وهو مع هذا أخو أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحد أصحابه).
قال أبو موسى: (اتق الله يا عمرو، أما ما ذكرت من شرف معاوية)، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافة، لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصباح، فإنه من أبناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا شرق الأرض وغربها، ثم أي شرف لمعاوية مع علي بن أبي طالب ؟، وأما قولك إن معاوية ولي عثمان، فأولى منه ابنه عمرو بن عثمان، ولكن إن طاوعتني أحيينا سنة عمر بن الخطاب وذكره بتوليتنا ابنه عبد الله الحبر (1)).
__________
(1) الرجل العالم الصالح، وجمعه أحبار.
(*)
قال عمرو: (فما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته ؟). (1/200)
فقال أبو موسى: (إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمسا، ولكن هلم نجعلها للطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر).
قال عمرو: (يا أبا موسى، إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ضرسان، يأكل بأحدهما، ويطعم بالآخر).
قال أبو موسى: (ويحك يا عمرو، إن المسلمين قد أسندوا إلينا أمرا بعد أن تقارعوا بالسيوف وتشاكوا بالرماح، فلا نردهم في فتنة).
قال: (فما ترى ؟).
قال: (أرى أن نخلع هذين الرجلين، عليا ومعاوية، ثم نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من أحبوا).
قال عمرو: (فقد رضيت بذلك، وهو الرأي الذي فيه صلاح الناس).
* * * قال: فافترقا على ذلك، وأقبل ابن عباس إلى أبي موسى، فخلا به، وقال: (ويحك يا أبا موسى، أحسب والله عمرا قد اختدعك، فإن كنتما قد اتفقتما على شئ فقدمه قبلك ليتكلم، ثم تكلم بعده، فإن عمرا رجل غدار، ولست آمن أن يكون قد أعطاك الرضى فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في الناس خالفك)، قال أبو موسى: (قد اتفقنا على أمر لا يكون لأحدنا على صاحبه فيه خلاف إن شاء الله) (إعلان الحكم) فلما أصبحوا من غد خرجوا إلى الناس، وهم مجتمعون في المسجد الجامع، فقال أبو موسى لعمرو: (أصعد المنبر، فتكلم).
فقال عمرو: (ما كنت أتقدمك وأنت أفضل مني فضلا، وأقدم هجرة وسنا). (1/201)
فبدأ أبو موسى، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أيها الناس، إنا قد نظرنا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة ويصلح أمرها، فلم نر شيئا هو أبلغ في ذلك من خلع هذين الرجلين، علي ومعاوية، وتصييرها شورى ليختار الناس لأنفسهم من رأوه لها أهلا، وإني قد خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وولوا عليكم من أحببتم) ثم نزل.
وصعد عمرو، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إن هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، ألا وإني قد خلعت صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي أمير المؤمنين عثمان، والطالب بدمه،
وأحق الناس بمقامه).
فقال له أبو موسى: (مالك، لا وفقك الله، غدرت وفجرت، وإنما مثلك مثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث).
فقال له عمرو: (ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا).
* * * وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه (1) بالسوط، وحجز الناس بينهما، وكان شريح يقول: (ما ندمت على شئ قط كندامتي ألا أكون ضربته مكان السوط بالسيف، أتى الدهر في ذلك بما أتى).
وانسل أبو موسى، فركب راحلته، وهرب، حتى لحق بمكة، فكان ابن عباس يقول: (لحي الله أبا موسى، لقد نبهته فما انتبه، وحذرته بما صار إليه فما انحاش (2).
وكان أبو موسى يقول: (لقد حذرني ابن عباس غدر عمرو، فاطمأننت إليه، ولم أظن أنه يؤثر شيئا على نصيحة المسلمين).
__________
(1) علاه به.
(2) ما ينحاش لشئ أي ما يكترث له.
(*) (26 - الأخبار الطوال)
(مبايعة معاوية) ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية، فسلموا عليه بالخلافة. (1/202)
وأقبل ابن عباس وشريح بن هانئ ومن كان معهما من أهل العراق إلى علي، فأخبروه الخبر، فقام سعيد بن قيس الهمداني، فقال: (والله لو اجتمعنا على الهدى ما زادنا على ما نحن عليه بصيرة).
ثم تكلم عامة الناس بنحو من هذا.
(فتنة الخوارج)
قالوا: (ولما بلغ أهل العراق ماكان من أمر الحكمين لقيت الخوارج بعضها بعضا، واتعدوا أن يجتمعوا عند عبد الله بن وهب الراسبي، فاجتمع عنده عظماؤهم وعبادهم، فكان أول من تكلم منهم عبد الله بن وهب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (معاشر إخواني، إن متاع الدنيا قليل، وإن فراقها وشيك، فاخرجوا بنا منكرين لهذه الحكومة، فإنه لا حكم إلا لله، وإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).
ثم تكلم حمزة بن سيار، فقال: (الرأي ما رأيتم، ومنهج الحق فيما قلتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من قائد وسائس وراية تحفون بها، وترجعون إليها).
فعرضوا الأمر على يزيد بن الحصين، وكان من عبادهم، فأبى أن يقبلها، ثم عرضوها على ابن أبي أوفى العبسي، فأبى أن يقبلها، ثم عرضوها على عبد الله ابن وهب الراسبي، فقال: (هاتوها، فوالله ما أقبلها رغبة في الدنيا، ولا فرارا من الموت، ولكن أقبلها لما أرجو فيها من عظيم الأجر).
ثم مد يده، فقاموا إليه، فبايعوه، فقام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (أما بعد، فإن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق والجهاد في سبيله (إن الذين
يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد)، وقال الله عز وجل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)، وأشهد على أن أهل دعوتنا من أهل ديننا أن قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الكتاب وجاروا في الحكم، وأن جهادهم لحق، فأقسم بمن تعنو له الوجوه وتخشع له الأبصار، لو لم أجد على قتالهم مساعدا لقاتلتهم وحدي حتى ألقى ربي شهيدا). (1/203)
فلما سمع ذلك عبد الله بن السخبر، وكان من أصحاب البرانس (1) استعبر باكيا، ثم قال: (لحي الله امرء لا يكون تشريح ما بين عظمه ولحمه وعصبه أيسر عنده من سخط الله عليه في لحظة يسعى بها على مقته، فكيف وإنما تريدون بذلك وجه الله، يا إخوتي، تقربوا إلى الله ببغض من عصاة، واخرجوا إليهم، فاضربوا وجوههم بالسيوف حتى يطاع الله يثبكم ثواب المطيعين العاملين بمرضاته، القائمين بحقوقه، فإن تظفروا فالغنيمة والفتح، وأن تغلبوا فأي شئ أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته) ثم افترقوا يومهم ذلك.
فلما كان من الغد أقبل عبد الله بن وهب الراسبي في نفر من أصحابه حتى دخل على شريح بن أبي أوفى العبسي، وكان من عظمائهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، فإن هذين الحكمين قد حكما بغير ما أنزل الله، وقد كفر إخواننا حين رضوا بهما، وحكموا الرجال في دينهم، ونحن على الشخوص من بين أظهرهم، وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق).
فقال شريح: (أنذر أصحابك.
وأعلمهم خروجك، ثم اخرج بنا على بركة الله حتى نأتي المدائن، فننزلها، ونرسل إلى إخواننا الذين بالبصرة، فيقدموا علينا، فتكون أيديهم مع أيدينا).
__________
(1) البرنس كل ثوب رأسه منه ملتزق به، دراعة كان أو ممطرا أو جبة، وقال الجوهري، البرنس: قلنسوة كبيرة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام.
(*)