صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الشريعة للآجري
المؤلف : الآجري
مصدر الكتاب : موقع جامع الحديث
http://www.alsunnah.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

باب بيان خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن الحسين رحمه الله : اعلموا رحمنا الله وإياكم أنه لم يختلف من شمله الإسلام وأذاقه الله الكريم طعم الإيمان أنه لم يكن خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، لا يجوز لمسلم أن يقول غير هذا ، وذلك لدلائل خصه الله الكريم بها ، وخصه بها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، وأمر بها بعد وفاته ، منها : أنه أول من أسلم من الرجال ، وأول من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصحبه وأحسن الصحبة ، وأنفق عليه ماله ، وصاحبه في الغار ، والمنزل عليه السكينة ، وعاتب الله عز وجل الخلق كلهم في النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر ، فإنه أخرجه من المعاتبة ، وهو قوله عز وجل : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار (1) ) الآية ، والصابر معه بمكة في كل شدة ، ورفيقه في الهجرة ، ومرض النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يمكنه الخروج إلى الصلاة فأمر أن يتقدم أبو بكر ، فيصلي بالناس ، ولا يتقدم غيره ، وصلى صلى الله عليه وسلم خلفه ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف ، وقال لبلال : « إن أبطأت فقدم أبا بكر فليصل بالناس » وقال صلى الله عليه وسلم : « إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر » وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار وقد علم صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر إنما حزنه على النبي صلى الله عليه وسلم وإشفاقه عليه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ » فكل هذه الخصال الشريفة الكريمة دلت على أنه الخليفة بعده ، لا يشك في هذا مؤمن وأما ما كان بعد وفاته فإنه رواه جبير بن مطعم أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلمته في شيء فأمرها أن ترجع إليه فقالت : يا رسول الله ، أرأيت إن لم أجدك تعرض بالموت فقال لها : « إن لم تجديني فأتي أبا بكر » ثم بايعه المهاجرون والأنصار معرفة منهم بحق أبي بكر وفضله ، وبايعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه لهو أول من بايعه من بني هاشم وروى الشعبي عن شقيق بن سلمة قال : قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقت ما قتل : استخلف علينا ؟ فقال : ما أستخلف ، ولكن إن يرد الله عز وجل بهذه الأمة خيرا يجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ، على خيرهم وروي أن أبا بكر رضي الله عنه قام بعدما بويع له وبايع له علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأصحابه قام ثلاثا يقول : أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم ، هل من كاره ؟ قال : فيقوم علي رضي الله عنه في أوائل الناس فيقول : لا والله لا نقيلك ولا نستقيلك ، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذا الذي يؤخرك ؟ وقال علي رضي الله عنه في حديث طويل ، وقد دخل عليه عبد الله بن الكوا ، وقيس بن عباد ، وقد سألاه بعد رجوعه من قتال الجمل فقالا : هل معك عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أما أن يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا والله ، ولو كان عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما تركت أخا تيم بن مرة ولا ابن الخطاب على منبره ، ولو لم أجد إلا يدي هذه ، ولكن نبيكم صلى الله عليه وسلم ، نبي رحمة لم يمت فجأة ، ولم يقتل قتلا ، مرض ليالي وأياما ، وأياما وليالي ، يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة ، فيقول : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » وهو يرى مكاني ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فإذا الصلاة عضد الإسلام وقوام الدين ، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ، فولينا الأمر أبا بكر ، فأقام أبو بكر رحمه الله بين أظهرنا ، الكلمة جامعة ، والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان ، ولا شهد أحد منا على أحد بالشرك ، ولا يقطع منه البراءة ، فكنت والله آخذ إذا أعطاني ، وأغزو إذا أغزاني ، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه فلما حضرت أبا بكر الوفاة ولاها عمر رضي الله عنه قال محمد بن الحسين رحمه الله : ثم ذكر علي رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فذكر من فضله ومن شرفه وبيعته له ورضاه بذلك والسمع والطاعة له ، وسنذكر ما قاله في الجميع إن شاء الله وصدق علي رضي الله عنه ، وروي عن الحسن قال : قال علي رضي الله عنه قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رحمه الله فصلى بالناس ، وقد رأى مكاني ، وما كنت غائبا ولا مريضا ، ولو أراد أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا وروى عبد خير قال : سمعت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول : قبض الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على خير ما قبض عليه نبي من الأنبياء قال : فأثنى عليه قال : ثم استخلف أبو بكر رضي الله عنه فعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنته ، ثم قبض أبو بكر رضي الله عنه على خير ما قبض الله عز وجل عليه أحدا ، وكان خير هذه الأمة بعد نبيها ، ثم استخلف عمر رضي الله عنه فعمل بعملهما وسنتهما ، ثم قبض على خير ما قبض عليه أحد ، وكان خير هذه الأمة بعد نبيها ، وبعد أبي بكر ، وقال علي رضي الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثنى أبو بكر ، وثلث عمر ، يعني سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل ، وثنى أبو بكر بعده بالفضل ، وثلث عمر بالفضل بعد أبي بكر قال محمد بن الحسين : هذا كله مع ما يروى عن علي رضي الله عنه ، في فضل أبي بكر ، وعمر رضي الله عنهما ما يدل على ما قلنا ، وسنذكر فضلهما من قول علي رضي الله عنهم ما يقر الله الكريم به أعين المؤمنين ، ويسخن به أعين المنافقين ، ويذل نفس كل رافضي وناصبي قد خطى بهم عن طريق الحق ، وسلك بهما طرق الشيطان فاستحوذ عليهم ، فهم في غيهم يترددون ، وعن طريق الرشاد متنكبون
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/299)


باب ذكر الأخبار التي دلت على ما قلنا

(3/300)


1162 - حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري قال : حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فكلمته في شيء فأمرها أن ترجع إليه فقالت : يا رسول الله : أرأيت إن لم أجدك ؟ كأنها تعني الموت فقال : « إن لم تجديني ائتي أبا بكر »

(3/301)


1163 - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد قال : حدثنا محمد بن رزق الله الكلوذاني قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه قال : أخبرني محمد بن جبير بن مطعم أن أباه جبير بن مطعم حدثه أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلمته في شيء فأمرها بأمر فقالت : إن جئت يا رسول الله فلم أجدك ؟ تعرض بالموت فقال لها : « إن لم تجديني فأتي أبا بكر »

(3/302)


1164 - وحدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا عمار بن الحسن ومحمد بن حميد الرازي قالا : حدثنا أبو تميلة وهو يحيى بن واضح قال : حدثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة قال : قال رجل لأبي بكر : يا خليفة الله قال : « لست بخليفة الله ، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم »

(3/303)


1165 - وأنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثني جدي قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال : حدثني نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة قال : قيل لأبي بكر رضي الله عنه : يا خليفة الله قال : « أنا خليفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنا راض بذلك يعني فكره أن يقال : يا خليفة الله عز وجل »

(3/304)


1166 - وأنبأنا أبو القاسم أيضا قال : حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال : حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال : حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر الطيار رضي الله عنهم قال : ولينا أبو بكر رضي الله عنه « فخير خليفة أرحمه بنا وأحناه علينا »

(3/305)


1167 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أيوب بن منصور الضبعي قال : حدثنا شبابة يعني : ابن سوار قال : حدثنا شعيب بن ميمون ، عن حصين بن عبد الرحمن ، وأبي حباب كلاهما عن الشعبي ، عن شقيق بن سلمة قال : قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : استخلف علينا قال : « ما أستخلف ، ولكن إن يرد الله عز وجل بهذه الأمة خيرا يجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم على خيرهم »

(3/306)


1168 - وحدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا أيوب بن محمد الوزان قال : حدثنا مروان قال : حدثنا مساور الوراق ، عن عمرو بن سفيان قال : خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الجمل فقال : أما بعد ، فإن الإمارة لم يعهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها عهدا فنتبع أمره ، ولكنا رأيناها من تلقاء أنفسنا ، استخلف أبو بكر رحمه الله فأقام واستقام ، ثم استخلف عمر فأقام واستقام

(3/307)


1169 - وحدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا محمد بن معاوية بن مالج قال : حدثنا علي بن هاشم ، عن أبيه ، عن أبي الجحاف ، قال : قام أبو بكر رضي الله عنه بعدما بويع له وبايع له علي رضي الله عنه وأصحابه قام ثلاثا يقول : « أيها الناس ، قد أقلتكم بيعتكم هل من كاره ؟ قال : فيقوم علي رضي الله عنه أوائل الناس يقول : لا والله لا نقيلك ، ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذا الذي يؤخرك »

(3/308)


1170 - أنبأنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال : حدثنا محمد بن هارون الفلاس قال : حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو إدريس تليد بن سليمان قال : حدثنا أبو الجحاف قال : احتجب أبو بكر رضي الله عنه عن الناس ثلاثا يشرف عليهم كل يوم فيقول : « قد أقلتكم بيعتي فبايعوا من شئتم » قال : فيقوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول : لا والله لا نقيلك ، ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يؤخرك «

(3/309)


1171 - حدثنا أبو محمد عبد الله بن العباس الطيالسي قال : حدثنا هلال بن العلاء الرقي قال : حدثنا أبي قال : حدثنا إسحاق الأزرق قال : حدثنا أبو سنان ، عن الضحاك بن مزاحم ، عن النزال بن سبرة الهلالي قال : وافقنا من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ذات يوم طيب نفس ومزاحا فقلنا : يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك ، قال : « كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابي » قلنا : حدثنا عن أصحابك خاصة ، قال : « ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب إلا كان لي صاحبا » قلنا : حدثنا عن أبي بكر قال : « ذاك امرؤ سماه الله عز وجل صديقا على لسان جبريل عليه السلام ، وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا » . . . . . . وذكر الحديث

(3/310)


1172 - حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي قال : حدثنا إبراهيم بن فهد قال : حدثنا محمد بن خالد الواسطي قال : حدثنا شريك ، عن أبي بكر الهذلي ، عن الحسن قال : قال علي رضي الله عنه : « قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبا بكر رضي الله عنه يصلي بالناس وقد رأى مكاني ، وما كنت غائبا ولا مريضا ، ولو أراد أن يقدمني لقدمني ، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا »

(3/311)


1173 - وحدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا الحسن بن عرفة قال : حدثنا أبو معاوية الضرير ، عن أبي بكر الهذلي ، عن الحسن قال : دخل عبد الله بن الكوا ، وقيس بن عباد على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعدما فرغ من قتال الجمل فقالا له : أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت : رأيا رأيته حين تفرقت الأمة ، واختلفت الدعوة ، إنك أحق الناس بهذا الأمر ، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك ، وإن كان عهدا عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنت الموثوق المأمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تحدث عنه ، قال : فتشهد علي رضي الله عنه قال : وكان القوم إذا تكلموا تشهدوا ، قال : فقال : أما أن يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا والله ، ولو كان عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركت أخا تيم بن مرة ، ولا ابن الخطاب على منبره ، ولو لم أجد إلا يدي هذه ، ولكن نبيكم صلى الله عليه وسلم نبي رحمة ، لم يمت فجأة ، ولم يقتل قتلا ، مرض ليالي وأياما ، وأياما وليالي ، فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة ، فيقول مروا أبا بكر فليصل بالناس ، وهو يرى مكاني ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نظرنا في أمرنا ، فإذا الصلاة عضد الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لديننا فولينا الأمر أبا بكر رضي الله عنه ، فأقام أبو بكر رحمه الله بين أظهرنا ، الكلمة جامعة ، والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان ، ولا يشهد أحد منا على أحد بالشرك ، ولا نقطع منه البراءة ، فكنت والله آخذ إذا أعطاني ، وأغزو إذا أغزاني ، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه ، فلما حضرت أبا بكر الوفاة ولاها عمر رحمه الله فأقام عمر بين أظهرنا ، الكلمة جامعة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان ، ولا يشهد أحد منا على أحد بالشرك ، ولا نقطع منه البراءة ، فكنت والله آخذ إذا أعطاني ، وأغزوا إذا أغزاني ، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه فلما حضرت عمر رضي الله عنه الوفاة ظن أنه إن يستخلف خليفة فيعمل ذلك الخليفة بخطيئة إلا لحقت عمر في قبره ، فأخرج منها ولده وأهل بيته ، وجعلها في ستة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيها عبد الرحمن بن عوف ، فقال : هل لكم أن أدع نصيبي منها على أن أختار لله ولرسوله وأخذ ميثاقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه أمرنا ، فضرب بيده يد عثمان فبايعه فنظرت في أمري ، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي ، وإذا الميثاق في عنقي لعثمان فاتبعت عثمان رحمه الله لطاعته حتى أديت له حقه

(3/312)


1174 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن زياد التستري قال : حدثنا سليمان بن الحكم قال : حدثنا سليمان بن عمرو النخعي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن سويد بن غفلة قال : لما بايع الناس أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « يا أيها الناس ، أذكركم بالله ، أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه قال : فأكب الناس كأنما صب على رءوسهم السخن قال : فقام إليه علي بن أبي طالب ، ومعه السيف ، فدنا منه حتى وضع رجلا على عتبة المنبر والأخرى على الحصبا فقال : والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذا الذي يؤخرك »

(3/313)


1175 - وحدثني عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا محمد بن معاوية بن مالج قال : حدثنا كثير بن مروان الفلسطيني ، عن الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سويد بن غفلة قال : مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر ، وعمر رضي الله عنهما وينتقصونهما ، فدخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقلت : يا أمير المؤمنين ، مررت بنفر من أصحابك يذكرون أبا بكر ، وعمر بغير الذي هما فيه من الأمة أهل ، ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما مثل ما أعلنوا ما اجترءوا على ذلك قال علي رضي الله عنه : « أعوذ بالله ، أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى عليه المضي ، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل ، أخوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحباه ووزيراه رحمة الله عليهما ، ثم قام دامع العين يبكي قابضا على يدي حتى دخل المسجد فصعد المنبر ، وجلس عليه متمكنا قابضا على لحيته ينظر فيها ، وهى بيضاء ، حتى اجتمع له الناس ، ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة ، ثم قال : » ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه ، وعما قالوا عنه بريء ، وعلى ما قالوا معاقب ، أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لا يحبهما إلا مؤمن تقي ، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء ، صحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدق والوفاء يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان ، فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يرى مثل رأيهما رأيا ، ولا يحب كحبهما أحدا ، مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو عنهما راض ، والمؤمنون عنهما راضون ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على صلاة المؤمنين ، فصلى بهم سبعة أيام في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ، واختار له ما عنده ، وولاه المؤمنون ذلك ، وفوضوا الزكاة إليه لأنهما مقرونتان ، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين ، أنا أول من سن ذلك له من بني عبد المطلب ، وهو لذلك كاره يود أحدا منا كفاه ذلك ، وكان والله خير من بقي ، وأرأفه رأفة ، وأحسنه ورعا ، وأقدمه سنا وإسلاما ، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بميكائيل رأفة ورحمة ، وبإبراهيم عفوا ووقارا ، فسار فينا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى مضى على أجله ذلك ، ثم ولى الأمر بعده عمر رحمه الله واستأمر المسلمين في هذا فمنهم من رضي به ، ومنهم من كره ، وكنت فيمن رضي فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه ، فأقام الأمر على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، يتبع آثارهما كاتباع الفصيل أثر أمه ، وكان والله رفيقا رحيما بالضعفاء ، وللمؤمنين عونا ، وناصرا للمظلومين على الظالمين ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، ثم ضرب الله عز وجل بالحق على لسانه ، وجعل الصدق من شأنه حتى كنا نظن أن ملكا ينطق على لسانه ، فأعز الله بإسلامه الإسلام ، وجعل هجرته للدين قواما ، وألقى الله عز وجل له في قلوب المنافقين الرهبة ، وفي قلوب المؤمنين المحبة ، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل عليه السلام فظا غليظا على الأعداء ، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار ، الضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله ، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ، ورزقنا المضي على أثرهما والحب لهما ، فمن لكم بمثلهما فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا باتباع أثرهما ، والحب لهما ، فمن أحبني فليحبهما ، ومن لم يحبهما فقد أبغضني ، وأنا منه بريء ، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة ، ولكنه لا ينبغي أن أعاقب قبل التقدم ، ألا فمن أتيت به يقول هذا بعد اليوم فإن عليه ما على المفتري ، ألا وإن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، وعمر ، ثم الله أعلم بالخير أين هو ، أقول قولي هذا ويغفر الله لي ولكم « قال محمد بن الحسين رحمه الله : ونذكر في هذا الباب قصة وفاة أبي بكر رضي الله عنه لما قبض أبو بكر رضي الله عنه ، وسجي عليه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه باكيا مسرعا مسترجعا وهو يقول : اليوم انقطعت خلافة النبوة ، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر ، وأبو بكر رضي الله عنه مسجى فقال : رحمك الله أبا بكر كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته ، وكنت أول القوم إسلاما ، وأخلصهم إيمانا ، وأشدهم يقينا ، وأخوفهم لله تبارك وتعالى ، وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل ، وأحوطهم على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأحدبهم على الإسلام ، وأيمنهم على أصحابه ، وأحسنهم صحبة ، وأكثرهم مناقب ، وأفضلهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأقربهم وسيلة ، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هديا وسمتا ورحمة وفضلا ، أشرفهم منزلة ، وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده ، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيرا ، كنت عنده بمنزلة السمع والبصر ، صدقت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقا فقال في كتابه : ( والذي جاء بالصدق وصدق به (1) ) أبو بكر وآسيته حين بخلوا ، وأقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا ، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة ، وصاحبته في الغار ، والمنزل عليه السكينة ، ورفيقه في الهجرة وخلفته في دين الله عز وجل وفي أمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس فقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي ، فنهضت حين وهن أصحابه ، وبرزت حين استكانوا ، وقويت حين ضعفوا ، ولزمت منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكنت خليفته حقا ، لم تنازع ولم تصدع بزعم المنافقين ، وكبت الكافرين ، وكره الحاسدين ، وفسق الفاسقين وغيظ الباغين ، وقمت بالأمر حين فشلوا وذكر الحديث إلى آخره ، ثم قال : رضينا عن الله قضاه ، وسلمنا له أمره ، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بمثلك أبدا وذكر الحديث ، وسنذكره بطوله في موضع آخر إن شاء الله تعالى قال محمد بن الحسين رحمه الله : من يقول على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، غير ما ذكرنا من بيعته له ورضاه بذلك ، ومعونته له وذكر فضله فقد افترى على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ونحله إلى ما قد برأه الله عز وجل منه من مذاهب الرافضة الذين قد خطئ بهم عن سبيل الرشاد ، فإن قال : فإنه قد روي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لم يبايع أبا بكر رضي الله عنه ، إلا بعد أشهر ، ثم بايعه قيل له : إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند من عقل عن الله عز وجل أعلى قدرا ، وأصوب رأيا مما تنحله إليه الرافضة ، وذلك أن الذي ينحل هذا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عليه فيه أشياء لو عقل ما يقول كان سكوته أولى به من الاحتجاج به ، بل ما يعرف عن علي رضي الله عنه ، غير ما تقدم ذكرنا له من الرضا والتسليم بخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكذا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون لأبي بكر رضي الله عنه بالخلافة والفضل
__________
(1) سورة : الزمر آية رقم : 33

(3/314)


1176 - حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي قال : حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال : ثنا يحيى بن سليم قال : حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر الطيار رضي الله عنه قال : ولينا أبو بكر رحمه الله « فخير خليفة أرحمه بنا وأحناه علينا » قال محمد بن الحسين رحمه الله : فإن قال قائل : فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله شرها قيل له : إن كنت ممن يعقل فاعلم أن هذا مدح لبيعة أبي بكر رضي الله عنه ، وليس هو ذما لها يا جاهل ، فإن قال : كيف ؟ قيل له : لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، ودفن اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فمضى إليهم أبو بكر ومعه عمر رضي الله عنهما ، وخشي أن يحدثوا شيئا لا يستدرك سريعا فكلمهم بما يحسن ، ويجمل من الكلام ، ووعظهم فقال منهم قائل : منا أمير ومنكم أمير قال محمد بن الحسين رحمه الله : فلو تم هذا لكان فيه بلاء عظيم ، واختلفت الكلمة ؛ لأنه لا يجوز أن يكونا خليفتين في وقت واحد ، فقام عمر رضي الله عنه بتوفيق الله الكريم له فقال : لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، ثم قال لأبي بكر : مد يدك أبايعك ، فمد يده فبايعه ، فعلمت الأنصار وجميع المهاجرين أن الحق فيما فعله عمر فبايعه الجميع طائعين غير مكرهين لم يختلفوا عليه ، وجاء علي بن أبي طالب فبايعه ، وجاء الزبير فبايعه ، وجاء بنو هاشم فبايعوه ، فقول عمر رضي الله عنه : كانت بيعة أبي بكر فلتة يعني : افتلتت من أن يكون للشيطان فيها نصيب ، لم يسفك فيها دم ، ولم يختلف عليه الناس ، فهذا مدح لها ليس بذم يا من يطلب الفتنة اعقل إن كنت تعقل

(3/315)


1177 - حدثنا أبو الفضل العباس بن علي بن العباس النسائي قال : حدثنا مشرف بن سعيد الواسطي قال : حدثنا أحمد بن داود أبو سعيد قال : حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن زر ، عن عبد الله بن مسعود قال : « كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عمر رضي الله عنه : ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر فصلى بالناس ؟ قالوا : اللهم نعم قال : فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ قالوا : كلنا لا تطيب نفسه نحن نستغفر الله عز وجل »

(3/316)


1178 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال : حدثنا الحسن بن عرفة قال : حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم الضرير ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما ثقل (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن أبي بكر : « ائتني بكتف حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه بعدي قالت : فلما قام عبد الرحمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أبى الله والمؤمنون أن يختلف على أبي بكر « قال محمد بن الحسين رحمه الله : كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما اختلف على أبي بكر رضي الله عنه بل تتابع المهاجرون والأنصار وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وبنو هاشم على بيعته والحمد لله على رغم أنف كل رافضي مقموع ذليل ، قد برأ الله عز وجل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه عن مذهب السوء
__________
(1) الثقل : ضعف الحركة لشدة المرض أو لكبر السن أو لامتلاء الجسم أو للهم وغيره

(3/317)


باب ذكر خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن جميع الصحابة أجمعين قال محمد بن الحسين رحمه الله : وكان أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جعل الله الكريم فيه من الأحوال الشريفة الكريمة والدليل على ذلك أنه لما علم أبو بكر الصديق رضي الله عنه موضع عمر من الإسلام وأن الله عز وجل أعز به الإسلام وعلم موضعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علم قدر ما خصه الله الكريم به من الفضائل فناصح أبو بكر ربه عز وجل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فاستخلف عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعلم أن الله مسائله عن ذلك فما ألي جهدا في النصيحة للمسلمين ، ولقد عارض رجل من المهاجرين لأبي بكر رضي الله عنه ، فقال له : أذكرك الله عز وجل واليوم الآخر فإنك قد استخلفت على الناس رجلا فظا غليظا ، وإن الله عز وجل سائلك ، فقال أبو بكر : أجلسوني ، فأجلسوه فقال : أتفرقوني إلا بالله ؟ فإني أقول له تبارك وتعالى إذا لقيته : استخلفت عليهم خير أهلك قال محمد بن الحسين رحمه الله : وصدق أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكيف لا يكون عمر رضي الله عنه عنده كذلك والنبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب » وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر » وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ما كنا نبعد أن السكينة تنطبق على لسان عمر وقال أيضا علي رضي الله عنه : إن عمر عبد ناصح الله عز وجل فنصحه ، وزوج علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ابنته أم كلثوم بعمر رضي الله عنه ، وقتل عمر رضي الله عنه وهى عنده وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثنى أبو بكر رضي الله عنه ، وثلث عمر رضي الله عنه يعني سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل ، وثنى أبو بكر بعده بالفضل ، وثلث عمر بعدهما بالفضل وقال ابن مسعود رحمه الله : « لما أسلم عمر رضي الله عنه قال المشركون : انتصف القوم منا كان إسلام عمر عزا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت خلافته رحمة ، والله ما استطعنا أن نصلي ظاهرين حتى أسلم عمر ، وإني لأحسب أن بين عيني عمر رحمه الله ملكا يسدده فإذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر وقال ابن عباس : » لما أسلم عمر رضي الله عنه قال المشركون : انتصف القوم منا « ، وقال ابن عباس : » لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد لقد استبشر أهل السماء اليوم بإسلام عمر ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك إما بعمر بن الخطاب ، وإما بأبي جهل بن هشام » فسبقت الدعوة في عمر لأن الله عز وجل كان يحبه وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله عز وجل جعل الحق على لسان عمر وقلبه » وقال صلى الله عليه وسلم : « قد كان يكون في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب » وروي عن أنس بن مالك أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « أقرئ عمر السلام ، وأخبره أن غضبه عز ، ورضاه عدل » قال محمد بن الحسين رحمه الله : ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه من الفضائل ما يكثر ذكرها ، وسنذكرها في غير هذا الموضع ثم قال علي رضي الله عنه وقد خطب الناس بالكوفة في خلافته رضي الله عنه على منبر الكوفة لم يكرهه أحد على قوله ، ولم تأخذه في الله لومة لائم فقال : « إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، ثم عمر » وروى هذا عنه جميع أصحاب علي رضي الله عنه ، ممن مثلهم يصدق على علي رضي الله عنه وروى عنه ابنه محمد ابن الحنفية رضي الله عنه ، فبهذه الأحوال الشريفة وغيرها استخلفه أبو بكر رضي الله عنه ، ورضي به جميع الصحابة ومن بعدهم من التابعين ، وجميع المؤمنين إلى أن تقوم الساعة ، فالحمد لله على ذلك

(3/318)


1179 - أنبأنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدثنا عبد العزيز وهو ابن أبي سلمة قال : حدثني زيد بن أسلم ، عن أبيه ، فيما أعلم قال : كتب عثمان بن عفان رضي الله عنه وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذه إلى الخليفة من بعده قال : حتى إذا لم يبق إلا أن يسمي الرجل أخذت أبا بكر غشية قال : وفرق عثمان أن يموت ولم يسم أحدا ، وعرف أنه لا يعدو عمر بن الخطاب ، فكتب في الصحيفة عمر بن الخطاب ، ثم طواها فأفاق أبو بكر وقد علم أنه لم يسم أحدا قال : فرغت قال : نعم قال : من سميت ؟ قال : عمر بن الخطاب قال : رحمك الله وجزاك خيرا فوالله لو توليتها لرأيتك لها أهلا

(3/319)


1180 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي قال : حدثنا بشر بن شعيب ، عن أبيه ، عن الزهري قال : حدثني القاسم بن محمد أن أسماء بنت عميس ، أخبرته أن رجلا من المهاجرين دخل على أبي بكر رضي الله عنه ، حين اشتد وجعه الذي توفي فيه ، فقال : قد استخلف على الناس رجلا فظا غليظا ، فقال أبو بكر : « أتفرقوني بالله عز وجل ؟ فإني أقول لله تعالى : استخلفت عليهم خير أهلك »

(3/320)


1181 - أنبأنا أبو جعفر محمد بن صالح بن ذريح العكبري قال : حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا عبدة يعني : ابن سليمان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن زبيد اليامي قال : لما حضرت أبا بكر الصديق رضي الله عنه الوفاة بعث إلى عمر رضي الله عنه ليستخلفه ، فكان مما قال له : « إني موصيك بوصية إن حفظتها إن لله عز وجل حقا عليك في الليل لا يقبله في النهار ، وحقا في النهار لا يقبله في الليل ، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة ، وإنها ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا ، وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل ، وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا » ثم قال في آخر وصيته : « فإن حفظت قولي هذا لم يكن غائب أحب إليك من الموت ، ولابد لك منه ، وإن ضيعت قولي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ، ولابد لك منه ولن تعجزه » قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى : لقد حفظ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وصية الله ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم ، ووصية خليفة رسول الله في نفسه وفي رعيته بالحق الذي أمر حتى خرج من الدنيا زاهدا فيها وراغبا في الآخرة ، لم تأخذه في الله لومة لائم لا يشك في هذا مؤمن ذاق حلاوة الإيمان

(3/321)


1182 - حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال : حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ قال : حدثنا حيوة بن شريح ، عن بكر بن عمرو ، وعن مشرح بن هاعان قال : سمعت عقبة بن عامر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب »

(3/322)


1183 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني قال : حدثنا بشر بن بكر قال : حدثنا أبو بكر بن أبي مريم ، عن حبيب بن عبيد ، عن غضيف بن الحارث ، عن بلال قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « جعل الحق على قلب عمر ولسانه »

(3/323)


1184 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا محمود بن غيلان المروزي قال : قال أنبأنا عبد الرزاق ، قال أنبأنا معمر ، عن عاصم ، عن زر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : « ما كنا نبعد أن السكينة (1) تنطق على لسان عمر رضي الله عنه »
__________
(1) السكينة : الطمأنينة والمهابة والوقار

(3/324)


1185 - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا محمد بن رزق الله الكلوذاني قال : حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني قال : حدثنا سلمة بن الأسود قال : أخبرني أبو عبد الرحمن قال : دخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عمر رضي الله عنه وقد سجي (1) بثوبه فقال : ما أحد أحب إلي أن ألقى الله عز وجل بصحيفته من هذا المسجى (2) بينكم ثم قال : رحمك الله ابن الخطاب إن كنت بذات الله لعليما ، وإن كان الله في صدرك لعظيما ، وإن كنت لتخشى الله في الناس ، ولا تخشى الناس في الله عز وجل ، كنت جوادا بالحق ، بخيلا بالباطل ، خميصا من الدنيا ، بطينا من الآخرة ، لم تكن عيابا ، ولا مداحا
__________
(1) سجي : غطي
(2) مسجى : مغطى

(3/325)


1186 - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا محمد بن رزق الله الكلوذاني قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : قال : أخبرنا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسعود رحمه الله قال : كان إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه عزا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت خلافته رحمة ، والله ما استطعنا أن نصلي ظاهرين حتى أسلم عمر ، وإني لأحسب أن بين عيني عمر ملكا يسدده ، فإذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر قال محمد بن الحسين رحمه الله : ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه من الفضائل عند الله وعند رسوله وعند جميع الصحابة ، رضي الله عنهم ما سنذكره في موضعه إن شاء الله

(3/326)


باب ذكر خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وعن جميع الصحابة قال محمد بن الحسين رحمه الله : لما طعن عمر رضي الله عنه ، وتيقن أنه الموت كان من حسن توفيق الله الكريم له ، ونصيحته لله عز وجل في رعيته ، وحسن النظر لهم حيا وميتا ، أنه جعل الأمر بعده شورى بين جماعة من الصحابة الذين قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، وقد شهد لهم بالجنة ، وأخرج ولده من الخلافة ومن المشورة ، وقال لهم : « من اخترتم منكم أن يكون خليفة فهو خليفة » وهم ستة عثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم ، وجزاهم عن الأمة خيرا ، فما قصروا في الاجتهاد ، فرضي القوم بعثمان بن عفان رضي الله عنه ، فبايعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وسائر الصحابة ، لم يختلف عليه واحد منهم لعلمهم بفضله ، وقديم إسلامه ، ومحبته لله ولرسوله ، وبذله لماله لله ولرسوله ، ولفضل علمه ولعظيم قدره عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإكرام النبي صلى الله عليه وسلم له ، لا يشك في ذلك مؤمن عاقل ، وإنما يشك في ذلك جاهل شقي قد خطئ به عن سبيل الرشاد ، ولعب به الشيطان ، وحرم التوفيق فإن قال قائل : فاذكر من بعض مناقبه ، ما إذا سمعها من جهل فضل عثمان رضي الله عنه ، رجع عن مذهبه الخطأ إلى الصواب ، قيل له : أول مناقبه تصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه ، وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياه ابنتيه ، ولم يزوجه إلا بوحي من السماء ، روى ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى أوحى إلي أن أزوج كريمتي من عثمان بن عفان » قال محمد بن الحسين رحمه الله : زوجه أولا رقية ، فلما ماتت قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه : « يا عثمان ، هذا جبريل عليه السلام يخبرني أن الله عز وجل ، قد زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية ، وعلى مثل صحبتها » ، وروى أبو هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قبر ابنته الثانية التي كانت عند عثمان ، رضي الله عنه فقال : « ألا أبو أيم ، ألا أخو أيم يزوجها عثمان ، فلو كان لي عشر لزوجتهن عثمان ، وما زوجته إلا بوحي من السماء » ثم اعلموا ، رحمكم الله ، أنه إنما يسمى عثمان ذا النورين ، لأنه لم يجمع بين ابنتي نبي في التزويج واحدة بعد الأخرى من لدن آدم عليه السلام ، إلا عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فلذلك سمي ذا النورين ، فهذه أحد مناقبه الشريفة ، ومنها أن عبد الرحمن بن سمرة قال : جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وفي كمه ألف دينار فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ثم ولى « قال عبد الرحمن بن سمرة : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده في حجره ويقول : » ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم أبدا « وقال قتادة : » إن عثمان رضي الله عنه جهز في جيش العسرة تسعمائة وثلاثين بعيرا وسبعين فرسا « وقال ابن شهاب الزهري : » حمل عثمان بن عفان رضي الله عنه في غزوة تبوك على تسعمائة بعير وأربعين بعيرا ، ثم جاء بستين فرسا فأتم بها الألف « وقال النبي صلى الله عليه وسلم : » من يشتري بئر رومة ، فيجعلها سقاية للمسلمين ، غفر الله له « فاشتراها عثمان رضي الله عنه ، ثم ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك « وقال النبي صلى الله عليه وسلم : » لكل نبي رفيق ورفيقي عثمان بن عفان « وقال النبي صلى الله عليه وسلم : » إن الملائكة لتستحيي من عثمان بن عفان « وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : » يشفع عثمان بن عفان يوم القيامة لمثل ربيعة ومضر « ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بفتن كائنة تكون بعده ، وأخبر أن عثمان ، رضي الله عنه بريء منها وأخبر أنه يقتل مظلوما ، وأمره بالصبر ، فصبر رضي الله عنه ، حتى قتل مظلوما وقد اجتهد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ورحم أصحابه - في نصرته ، فمنعهم وقال : أنتم في حل من بيعتي ، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل سالما مظلوما » و « كان يحيي الليل كله بركعة يختم فيها القرآن » ومناقبه كثيرة شريفة عند من يعقل ممن نفعه الله الكريم بالعلم ، سنذكرها إن شاء الله في موضعها

(3/327)


1187 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : لو لم يكن في عثمان رضي الله عنه إلا هاتان الخصلتان كفتاه : « جمعه المصحف ، وبذله دمه دون دماء المسلمين » وروي عن جندب قال : قال حذيفة رحمه الله : قد ساروا إليه ، والله ليقتلنه قال : قلت : فأين هو ؟ قال : في الجنة . قال : قلت : فأين قتلته ؟ قال : في النار والله

(3/328)


1188 - وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال : حدثنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب قال : بلغني أن عامة الركب ، الذي ساروا إلى عثمان رضي الله عنه جنوا « قال ابن المبارك : وكان الجنون لهم قليلا قال محمد بن الحسين رحمه الله : ولقد أنكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل عثمان رضي الله عنه إنكارا شديدا ، وبكوا عليه ، ورثوه . أولهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ألقى عن رأسه عمامة سوداء ، ونادى ثلاثا : اللهم ، إني أبرأ إليك من دم ابن عفان ، اللهم لا أرضى قتله ، ولا آمر به . وبكى عليه زيد بن ثابت بكاء شديدا ، ورثاه كعب بن مالك الأنصاري ، وأنكر ذلك عبد الله بن سلام ، وحذيفة ، وسعيد بن زيد قال لهم أعني الذين ساروا إليه فقتلوه : » لو أن أحدا انقض لما صنعتم بعثمان لكان محقوقا أن ينقض ، وحمل الحسن بن علي رضي الله عنهما من دار عثمان رضي الله عنه جريحا . وأما ذكرنا قصة ما جعل عمر رضي الله عنه الأمر إلى من ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم المشهود لهم بالجنة ، حتى اختاروا عثمان بن عفان رضي الله عنه خليفة للمسلمين

(3/329)


1189 - فحدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال : حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن خيثمة بن عبد الرحمن قال : لما حضر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الموت أمر الستة النفر بالشورى ، وكان طلحة غائبا ، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثا حتى يستقيم أمرهم على رجل ، قال عمر : « إن استقام أمركم قبل أن يقدم طلحة فأمضوه على ما استقام أمركم عليه ، وإن قدم طلحة قبل أن يستقيم أمركم فأدنوه منكم ، فإنه رجل من المهاجرين » ، فلما اجتمعوا وكانوا خمسة ، فإذا أمرهم لا يستقيم ، فقال عبد الرحمن بن عوف رحمه الله : إنكم لا تستقيمون على أمر وأنتم خمسة . . ، فليعاد كل رجل منكم ، وأنا عديد الغائب « ، فتعاد علي والزبير ، فولى الزبير أمره عليا ، وتعاد عثمان وسعد ، فولى سعد أمره عثمان ، فقال عبد الرحمن للزبير وسعد : وليتما أمركما عليا وعثمان ، فاعتزلا ، وخلا عبد الرحمن وعلي وعثمان ، فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان : أنتما بنو عبد مناف ، فاختارا : إما أن تتبرءا من الإمرة ، فأوليكما الأمر ، فتختارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم رجلا ، وإما أن تولياني ذلك وأبرأ من الإمرة . فولياه ذلك ، فدعا ربه ساعة ، ورفع يديه ، ثم أخذ بيد علي فقال : الله عليك راع إن أنا بايعتك لتعدلن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولتتقين الله عز وجل وإن أنا لم أبايعك لتسمعن ولتطيعن لمن بايعت . فقال علي رضي الله عنه : نعم ثم أخذ بيد عثمان رضي الله عنه فقال : الله عليك راع إن أنا بايعت غيرك ، لتسمعن ولتطيعن ، قال عثمان : نعم ، ثم صفق على يد عثمان رضي الله عنهم أجمعين

(3/330)


1190 - حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا أبو عبيد الله المخزومي المكي قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن صبيح ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : « قد جعلت الأمر من بعدي إلى هؤلاء الستة الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض : عثمان ، وعلي ، وعبد الرحمن ، وسعد وطلحة ، والزبير ، فمن استخلفوا منهم فهو الخليفة »

(3/331)


1191 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال بن سبرة الهلالي قال : ما خطب عبد الله بن مسعود خطبة إلا شهدتها ، فشهدته حين نعي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذكر عثمان رضي الله عنه فقال : « أمرنا خير من بقي ولم نألوا »

(3/332)


1192 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا منجاب بن الحارث قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن مسعر بن كدام ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال بن سبرة قال : سمعت عبد الله بن مسعود : حين استخلف عثمان يقول : « أمرنا خير من بقي ولم نألوا »

(3/333)


1193 - أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن البختري الحنائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عبد الله بن المختار ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي وائل قال : قدم علينا عبد الله بن مسعود ، فنعى (1) إلينا عمر رضي الله عنه فلم أر يوما أكثر باكيا حزينا منه ، ثم قال عبد الله : « والذي نفسي بيده ، لو أنى أعلم أن عمر كان يحب كلبا لأحببته ، وإنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أجمعنا فبايعنا عثمان ، فلم نألوا عن خيرنا وأفضلنا ذا فوق »
__________
(1) النعي : الإخبار بالموت يقال : نعى الميت ينعاه نعيا ونعيا، إذا أذاع موته، وأخبر به، وإذا ندبه

(3/334)


باب ذكر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن ذريته الطيبة قال محمد بن الحسين رحمه الله : اعلموا رحمنا الله وإياكم أنه لم يكن بعد عثمان رضي الله عنه أحد أحق بالخلافة من علي رضي الله عنه لما أكرمه الله عز وجل به من الفضائل التي خصه الله الكريم بها ، وما شرفه الله عز وجل به من السوابق الشريفة ، وعظيم القدر عند الله عز وجل وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعند صحابته رضي الله عنهم وعند جميع المؤمنين ، قد جمع له الشرف من كل جهة ، ليس من خصلة شريفة إلا وقد خصه الله عز وجل بها : ابن عم الرسول ، وأخو النبي صلى الله عليه وسلم ، وزوج فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأبو الحسن والحسين ريحانتي النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان النبي صلى الله عليه وسلم له محبا ، وفارس العرب ومفرج الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر الله عز وجل نبيه بالمباهلة لأهل الكتاب لما دعوه إلى المباهلة ، فقال الله عز وجل : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم (1) ) فأبناؤنا وأبناؤكم : فالحسن والحسين رضي الله عنهما ونساؤنا ونساؤكم : فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنفسنا وأنفسكم : علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله » ، ثم دعا عليا رضي الله عنه فدفع إليه الراية ، وذلك يوم خيبر ؛ ففتح الله الكريم على يديه ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه محب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن الله عز وجل ورسوله محبان لعلي رضي الله عنه ، وروى بريدة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أمرني ربي عز وجل بحب أربعة ، وأخبرني أنه يحبهم إنك يا علي منهم ، إنك يا علي منهم ، إنك يا علي منهم ثلاثا » ، وسئلت عائشة رضي الله عنها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالت : « ما رأيت رجلا قط كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، ولا امرأة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من امرأته » وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال « يا محمد إن الله عز وجل يأمرك أن تحب عليا وتحب من يحب عليا » وروى أنس بن مالك قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بطير جبلي ، فقال : « اللهم ، ائتني برجل يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله » ، فإذا علي بن أبي طالب يقرع الباب ، فقال أنس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغول ، ثم أتى الثانية والثالثة ، فقال : « يا أنس ، أدخله ، فقد عنيته » فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اللهم ؛ إلي اللهم ؛ إلي » وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » وذلك لما خلفه في غزوة تبوك على المدينة ، فقال قوم من المنافقين كلاما لم يحسن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما خلفتك على أهلي فهلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » وقال صلى الله عليه وسلم : « من كنت مولاه فعلي مولاه » وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : « لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق » وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من آذى عليا فقد آذاني » وقال جابر بن عبد الله : ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلا ببغضهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وروي عن أبي عبد الله الحبلي قال : دخلت على أم سلمة فقالت لي : أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم ؟ فقلت : معاذ الله فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من سب عليا فقد سبني » ولما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وعلي رضي الله عنه حاضر لم يؤاخ بينه وبين أحد فقال له علي رضي الله عنه في ذلك فقال : « والذي بعثني بالحق ما أخرتك إلا لنفسي ، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي » وقال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها لما زوجها لعلي رضي الله عنه : « لقد زوجتك سيدا في الدنيا وسيدا في الآخرة » وروى أبو سعيد الخدري قال : كنا عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من المهاجرين والأنصار ، فخرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « ألا أخبركم بخياركم ؟ » قلنا : بلى . قال : « خياركم الموفون المطيبون إن الله عز وجل يحب الخفي التقي » قال ومر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « الحق مع ذا الحق مع ذا » قال محمد بن الحسين رحمه الله : ومناقب علي رضي الله عنه وفضائله أكثر من أن تحصى ، ولقد أكرمه الله عز وجل بقتال الخوارج ، وجعل سيفه فيهم ، وقتاله لهم سيف حق إلى أن تقوم الساعة فلما قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وبرأه الله من قتله وأفضت الخلافة إليه كما روى سفينة وأبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : « الخلافة بعدي ثلاثون سنة » فلما مضى أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان علي رضي الله عنه الخليفة الرابع ، فاجتمع الناس بالمدينة إليه ، فأبى عليهم ، فلم يتركوه فقال : فإن بيعتي لا تكون سرا ، ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني ، فخرج إلى المسجد فبايعه الناس
__________
(1) سورة :

(3/335)


1194 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد الواسطي قال : حدثنا أبو بكر الأثرم قال : قال لي أحمد بن حنبل : اكتب هذا الحديث ، فإنه حديث حسن في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ثم قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال : حدثنا عبد الملك عن سلمة بن كهيل ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن محمد بن الحنفية قال : كنت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعثمان رضي الله عنه محصور (1) قال : فأتاه رجل فقال : إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال : فقام علي رضي الله عنه فأخذت بوسطه تخوفا عليه ، فقال : خل ، لا أم لك قال : فأتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الدار ، وقد قتل عثمان رضي الله عنه فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه ، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب ، فدخلوا عليه ، فقالوا : إن عثمان قد قتل ، ولابد للناس من خليفة ، ولا نعلم أحدا أحق بها منك ، فقال لهم علي رضي الله عنه : « لا تزيدون ، فإني أكون لكم وزيرا خير من أمير قالوا : لا ، والله ما نعلم أحدا أحق بها منك ، قال : فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرا ، ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني . قال : فخرج إلى المسجد فبايعه الناس » وحدثنا ابن عبد الحميد قال : حدثنا أبو يحيى العطار قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، . . . وذكر الحديث بإسناده مثله قال محمد بن الحسين رحمه الله : فهذا مذهبنا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه الخليفة الرابع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الخلافة ثلاثون سنة » وقد روي عن حذيفة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « وإن وليتموها أبا بكر فزاهد في الدنيا ، راغب في الآخرة ، وإن وليتموها عمر فقوي أمين ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وإن وليتموها عليا فهاد مهدي ، يقيمكم على طريق مستقيم » . قال محمد بن الحسين رحمه الله : كما قال حذيفة : لم يزل علي رضي الله عنه منذ نشأ مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض النبي صلى الله عليه وسلم على الطريق المستقيم ، ثم بايع لأبي بكر رضي الله عنه فكان على الطريق المستقيم ، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه بايع عمر رضي الله عنهما فكان معه على الطريق المستقيم ، فلما قبض عمر رضي الله عنه بايع عثمان بن عفان رضي الله عنه فكان معه على الطريق المستقيم ، فلما قتل عثمان رضي الله عنه ظلما برأه الله من قتله ، وكان قتله عنده ظلما مبينا ، ثم ولي الخلافة بعدهم رضي الله عنه فكان والحمد لله على الطريق المستقيم ، متبعا لكتاب الله عز وجل متبعا لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متبعا لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لم يغير من سنتهم ، ولم يبدل ، زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة ، متواضعا في نفسه ، رفيعا عند الله عز وجل وعند المؤمنين حتى قتل شهيدا ، لعن الله قاتله وأخزاه في الدنيا والآخرة
__________
(1) الحصر : المنع والحبس

(3/336)


1195 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن جعفر بن محمد ، عن ، عن أبيه ، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : « قطع قميصا سنبلانيا ، فأتى به فلبسه ، فكأنه جاوز كماه أصابعه ، فقطع ما جاوز الأصابع من الكمين »

(3/337)


1196 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا هارون بن مسلم بن هرمز ، عن أبيه ، : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أعطى الناس في عام واحد ثلاث عطيات قال : ثم قدم عليه خراج أصبهان ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أيها الناس ، اغدوا إلى العطاء الرابع فخذوه ، فإني والله ما أنا لكم بخازن ، فقسمه فيهم ، ثم أمر بيت المال فكسح ونضح (1) ، فصلى فيه ركعتين ، ثم قال : يا دنيا ، غري غيري
__________
(1) النضح : الرش بالماء

(3/338)


1197 - أخبرنا أبوعبد الله الحسين بن محمد بن عفير الأنصاري قال : حدثنا إسحاق بن داود القنطري العبد الصالح قال : حدثنا الحسن بن الربيع قال : حدثنا سعيد بن عبد الغفار قال : حدثنا ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن عبد بن زرير الغافقي قال : دخلنا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في يوم عيد أضحى أو فطر فقرب إلينا خزيرة (1) ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لو قربت إلينا من هذا الوز والبط ، فإن الله عز وجل قد أكثر الخير ؟ فقال علي رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يحل للخليفة من مال المسلمين إلا قصعتان (2) : قصعة يأكل هو وأهل بيته ، وقصعة لأصحابه » قال محمد بن الحسين : قد ذكرت من خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخليفة الرابع ما فيه الكفاية لمن عقل ؛ ليزيد المؤمنين محبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي لا يحبه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
__________
(1) الخزير : لحم يقطع ثم يطبخ بماء كثير وملح فإذا نضج يذر عليه الدقيق ويعصد به
(2) القصعة : وعاء يؤكل ويثرد فيه وكان يتخذ من الخشب غالبا

(3/339)


1198 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع بن الجراح ، ويحيى بن عيسى قالا : حدثنا الأعمش ، عن عدي بن ثابت ، عن زر بن حبيش ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم : « إنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق »

(3/340)


1199 - وحدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال : حدثنا أبو بكر محمد بن خلف قال : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا الحارث بن حصيرة ، عن أبي داود ، عن عمران بن حصين قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلي رضي الله عنه إلى جنبه ، إذ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ، ويجعلكم خلفاء الأرض (1) ) قال : فارتعد علي رضي الله عنه فأمسكه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : « ما لك يا علي ؟ » قال : يا رسول الله ، قرأت هذه الآية ، فخشيت أن أبتلي بها ، فلم أملك نفسي ، فأصابني ما رأيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة » وقال ابن مخلد قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف : جاءني جعفر الطيالسي فسألني عن هذا الحديث
__________
(1) سورة : النمل آية رقم : 62

(3/341)


1200 - وحدثنا أبو بكر بن أبي داود السجستاني قال : حدثنا عيسى بن عبد الله الطيالسي قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا مندل يعني ابن علي ، عن إسماعيل بن سلمان قال : حدثنا أبو عمرو ، مولى بشر بن غالب ، عن محمد بن الحنفية : في قوله تعالى : ( سيجعل لهم الرحمن ودا (1) ) قال : « لا تلقى مؤمنا إلا وفي قلبه ود لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل بيته »
__________
(1) سورة : مريم آية رقم : 96

(3/342)


آخر ذكر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال محمد بن الحسين رحمه الله : ومذهبنا أنا نقول في الخلافة والتفضيل بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم هذا طريق أهل العلم

(3/343)


1201 - حدثنا أبو سعيد الحسن بن علي الجصاص قال : حدثنا الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعي يقول : « في الخلافة والتفضيل لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنه قال محمد بن الحسين رحمه الله : وهذا قول أحمد بن حنبل رحمه الله قال محمد بن الحسين : فقد أثبت من بيان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ما إذا نظر فيها المؤمن سره ، وزاده محبة للجميع ، وإذا نظر فيها رافضي خبيث أو ناصبي ذليل مهين ، أسخن الله الكريم بذلك أعينهما في الدنيا والآخرة ؛ لأنهما خالفا الكتاب والسنة ، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم واتبعا غير سبيل المؤمنين ، قال الله عز وجل ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (1) ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : » عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ « ، فهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن اتبعهم بإحسان
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 115

(3/344)


باب ذكر تثبيت محبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم في قلوب المؤمنين قال محمد بن الحسين رحمه الله : من علامة من أراد الله عز وجل به خيرا من المؤمنين وصحة إيمانهم محبتهم لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كذا قال النبي صلى الله عليه وسلم

(3/345)


1202 - حدثنا أبو العباس أحمد بن موسى بن زنجويه القطان قال : حدثنا إبراهيم بن الوليد قال : حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم قال : حدثنا عبد العزيز بن النعمان القرشي ، عن يزيد بن حبان ، عن عطاء ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي »

(3/346)


1203 - وحدثني أبو بكر بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا العباس بن أبي طالب قال : حدثنا أبو النضر ، عن عبد العزيز بن النعمان القرشي قال : حدثنا يزيد بن حيان ، عن عطاء ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم »

(3/347)


1204 - حدثنا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني قال : حدثنا الربيع بن ثعلب قال : حدثنا إسماعيل بن علية ، عن حميد الطويل قال : قال أنس بن مالك : قالوا : « إن حب عثمان وعلي لا يجتمعان في قلب مؤمن وكذبوا ، قد جمع الله عز وجل حبهما بحمد الله في قلوبنا »

(3/348)


1205 - وحدثنا ابن عبد الحميد قال : حدثنا زياد بن أيوب الطوسي قال : حدثنا إسماعيل ابن علية قال : أخبرنا حميد قال : قال أنس بن مالك : قالوا : « إن حب عثمان وعلي رضي الله عنهما لا يجتمع في قلب مؤمن ، وكذبوا ، قد اجتمع حبهما بحمد الله في قلوبنا »

(3/349)


1206 - وحدثنا عبد الله بن الصقر السكري قال : حدثنا عبد الله بن أيوب المخرمي قال : حدثنا خالد يعني الواسطي قال : سمعت أبا شهاب ، يقول : « لا يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم إلا في قلوب أتقياء هذه الأمة »

(3/350)


1207 - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا مخلد بن الحسين قال : حدثنا أبو المليح الرقي قال : كان ميمون بن مهران يقول : « إن أقواما يقولون : لا يسعنا أن نستغفر لعثمان وعلي ، وأنا أقول غفر الله لعثمان وعلي وطلحة والزبير »

(3/351)


1208 - حدثنا ابن عبد الحميد قال : حدثنا فضل بن زياد قال : حدثنا محمد بن مقاتل العباداني ، عن بعض أهل العلم ، عن حماد بن سلمة ، عن أيوب السختياني قال ابن عبد الحميد : حدثنا محمد بن حبيب البزاز قال : حدثنا عبد الصمد ، عن محمد بن مقاتل قال : سمعت أبي يذكر ، عن حماد بن سلمة ، عن أيوب السختياني قال : « من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله عز وجل ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى ، ومن أحسن القول في أصحاب محمد فقد برئ من النفاق » وقال ابن حبيب : ومن قال الحسنى في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق

(3/352)


1209 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد قال : حدثنا أحمد بن إسحاق الرقي قال : حدثنا عبد الله بن جعفر قال : حدثنا محمد بن مروان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قول الله عز وجل : ( آمنوا كما آمن الناس (1) ) قال : « أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم » أنشدنا أبو بكر بن أبي الطيب لبعضهم : إني رضيت عليا قدوة علما كما رضيت عتيقا صاحب الغار وقد رضيت أبا حفص وشيعته وما رضيت بقتل الشيخ في الدار كل الصحابة عندي قدوة علم فهل علي بهذا القول من عار إن كنت تعلم أني لا أحبهم إلا لوجهك فاعتقني من النار
__________
(1) سورة : البقرة آية رقم : 13

(3/353)


باب ذكر أتباع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافته لسنن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، ونفعنا بحب الجميع قال محمد بن الحسين رحمه الله : فإن قال قائل : فهل غير علي بن أبي طالب في خلافته شيئا مما سنه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ؟ قيل له : معاذ الله ، بل كان لهم متبعا ، وسيذكر من ذلك ما لا يخفى ذكره عند العلماء ممن سلمه الله عز وجل من مذهب الرافضة والناصبة ، ولزم الطريق المستقيم . من ذلك أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لما ولي الخلافة أجرى أمر فدك ، وقبل من أبي بكر ما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « لا نورث ، ما تركنا صدقة » ، أعني أبا بكر القائل ، فلما أفضت الخلافة إلى علي رضي الله عنه أجراه على ما أجراه أبو بكر رضي الله عنه وكان عنده أن الحق فيما فعله أبو بكر رضي الله عنه ولو كان الحق عنده في غير ما فعله أبو بكر لرده ، ولم يأخذه في الله لومة لائم ، خلاف ما قالته الرافضة الأنجاس ، وهذا مشهور لا يمكن أحد أن يقول غير هذا ، فأما ما سنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يغيره علي رضي الله عنه ، واتبعه على ذلك

(3/354)


1210 - فحدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا عبيد بن جناد الحلبي قال : حدثنا عطاء بن مسلم ، عن صالح المرادي ، عن عبد خير قال : رأيت عليا رضي الله عنه صلى العصر فصف له أهل نجران صفين ، فلما صلى أومأ (1) رجل منهم فأخرج كتابا فناوله إياه ، فلما قرأه دمعت عيناه ، ثم رفع رأسه إليهم ، فقال : يا أهل نجران ، أو يا أصحابي ، هذا والله خطي بيدي وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : يا أمير المؤمنين ، أعطنا ما فيه ، قال : ودنوت منه ، فقلت : إن كان رادا على عمر رضي الله عنه يوما ما فاليوم يرد عليه ، فقال : لست براد على عمر اليوم شيئا صنعه ، إن عمر كان رجلا رشيد الأمر ، وإن عمر أخذ منكم خيرا مما أعطاكم ، ولم يجر عمر رضي الله عنه ما أخذ منكم لنفسه ، إنما أجراه لجماعة المسلمين
__________
(1) الإيماء : الإشارة بأعضاء الجسد كالرأس واليد والعين ونحوه

(3/355)


1211 - حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الشاهد قال : حدثنا الحسن بن عفان الكوفي قال : حدثنا أبو يحيى الحماني ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد وقال أبو سعيد : وحدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال : حدثنا أبو معاوية الضرير ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد قال : جاء أهل نجران إلى علي رضي الله عنه فقالوا : يا أمير المؤمنين ، كتابك بيدك ، وشفاعتك بلسانك ، أخرجنا عمر من أرضنا فارددنا إليها ، فقال : « ويحكم ، إن عمر كان رجلا رشيد الأمر ، فلا أغير شيئا صنعه عمر » قال الأعمش : وكانوا يقولون : لو كان في نفسه شيء عليه لاغتنم هذه وأخبرنا أبو سعيد قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز قال أبو عبيد القاسم بن سلام قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد قال : جاء أهل نجران إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر الحديث مثله

(3/356)


1212 - وأخبرنا أبو سعيد قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز قال : قال أبو عبيد : حدثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عمن سمع الشعبي يقول : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قدم الكوفة : « ما قدمت لأحل عقدة عقدها عمر رضي الله عنه قال محمد بن الحسين رحمه الله : هذا رد على الرافضة الذين خطئ بهم عن طريق الحق ، وأسخن الله تعالى أعينهم ، ونسبوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى ما قد برأه الله عز وجل مما ينحلونه إليه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لو علم علي رضي الله عنه أن الحق في غير ما حكم به أبو بكر لرده ، ولم يأخذه في الله لومة لائم ، ولكن علم أن الحق هو الذي فعله أبو بكر ، فأجراه على ما فعل أبو بكر رضي الله عنهما ، وكذا فعل عمر في أهل نجران ، وكذا لما سن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام شهر رمضان ، وجمع الناس عليه ، أحيا بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلاها الصحابة في جميع البلدان ، وصلاها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما أفضت الخلافة إليه ، صلاها وأمر بالصلاة ، وترحم على عمر رضي الله عنه فقال : » نور الله قبرك يا ابن الخطاب ، كما نورت مساجدنا وقال : أنا أشرت على عمر بذلك « ، وهذا رد على الرافضة الذين لا يرون صلاتها ، خلافا على عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وعلى جميع المسلمين

(3/357)


1213 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال : حدثنا محمد بن أبي الحارث ، بباب الشام قال : حدثنا عبيد بن إسحاق قال : حدثنا سيف بن عمر قال : حدثني سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة قال : قال علي رضي الله عنه : « لأنا حرضت عمر رحمه الله ، ورضي الله عنه على قيام شهر رمضان ، أخبرته أن فوق السماء السابعة حظيرة ؛ يقال لها : حظيرة القدس ، فيها قوم يقال لهم : الروح ، فإذا جاءت ليلة القدر استأذنوا ربهم عز وجل في النزول إلى الدنيا ، فلا يمرون بأحد يصلي ، أو يستقبلونه في طريق إلا أصابه من ذلك بركة قال : فقال عمر رضي الله عنه : إذن ، والله يا أبا الحسن ، نعرض الناس للبركة ، فأمرهم بالقيام »

(3/358)


1214 - وحدثنا ابن مخلد قال : حدثنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن بن يونس السراج قال : حدثنا عبد الله بن محمد يعني ابن ربيعة قال : حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : أمنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قيام شهر رمضان قال : ومر ببعض مساجد أهل الكوفة ، وهم يصلون القيام فقال : « نور الله قبرك يا ابن الخطاب كما نورت مساجدنا »

(3/359)


1215 - وحدثنا ابن مخلد قال : حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة العتكي قال : حدثنا الحكم يعني ابن مروان قال : حدثنا الحسن بن صالح ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي الحسناء ، أن عليا رضي الله عنه « أمر رجلا أن يصلي بالناس في رمضان خمس ترويحات عشرين ركعة » قال محمد بن الحسين رحمه الله : وهكذا بايع علي بن أبي طالب رضي الله عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه في جمعه المصحف ، وصوب رأيه في جمعه ، وقال : أول من جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأنكر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على طوائف من أهل الكوفة ممن عاب عثمان رضي الله عنه بجمعه للمصحف ، فأنكر عليهم إنكارا شديدا خلاف ما قالته الرافضة

(3/360)


1216 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن السدي ، عن عبد خير ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : « إن أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان أول من جمع القرآن بين اللوحين »

(3/361)


1217 - وحدثنا الفريابي قال ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن السدي ، عن عبد خير ، عن علي رضي الله عنه قال : سمعته يقول : « رحم الله أبا بكر ، هو أول من جمع القرآن بين اللوحين »

(3/362)


1218 - وحدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن سيف السجستاني قال : حدثنا السري بن يحيى بن أخي هناد بن السري قال : حدثنا سعيد بن إبراهيم التيمي قال : حدثنا سيف بن عمر التميمي الأسيدي قال : حدثنا محمد بن أبان ، عن علقمة بن مرثد ، عن العيزار بن جرول ، عن سويد بن غفلة الجعفي قال : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : أيها الناس ؛ الله الله ، وإياكم والغلو في عثمان رضي الله عنه وقولكم : خراق المصاحف ، فوالله ما خرقها إلا عن ملاء منا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم جمعنا فقال : ما تقولون في هذه القراءة التي قد اختلف فيها الناس ، يلقى الرجل الرجل فيقول : قراءتي خير من قراءتك ، وقراءتي أفضل من قراءتك ، وهذا شبيه بالكفر ، فقلنا : ما الرأي يا أمير المؤمنين ؟ قال : أرى أن أجمع الناس على مصحف واحد ، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا ، فقلنا : فنعم ما رأيت ، فأرسل إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص ، فقال : يكتب أحدكما ويمل الآخر ، فإذا اختلفتما في شيء فارفعاه إلي ، فكتب أحدهما وأملى الآخر ، فما اختلفا في شيء من كتاب الله عز وجل إلا في حرف في سورة البقرة ، فقال أحدهما : التابوت . وقال الآخر : التابوه ، فرفعاه إلى عثمان رضي الله عنه فقال : التابوت ، قال : وقال علي رضي الله عنه : لو وليت مثل الذي ولي لصنعت مثل الذي صنع قال : فقال القوم لسويد بن غفلة : الله الذي لا إله إلا هو ، لسمعت هذا من علي رضي الله عنه ؟ قال : الله الذي لا إله إلا هو ، لسمعت هذا من علي رضي الله عنه

(3/363)


1219 - وحدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال : حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني قال : حدثنا سلم بن قادم قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن رجل ، عن سويد بن غفلة قال : قال علي رضي الله عنه : « لو وليت لفعلت الذي فعل عثمان ، يعني في المصاحف » قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى : ومن أصح الدلائل وأوضح الحجج على كل رافضي مخالف لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أن عليا كرم الله وجهه لم يزل يقرأ بما في مصحف عثمان رضي الله عنه ، ولم يغير منه حرفا واحدا ، ولا قدم حرفا على حرف ولا أخر ، ولا زاد فيه ولا نقص ، ولا قال : إن عثمان فعل في هذا المصحف شيئا لي أن أفعل غيره ، ما يحفظ عنه شيء من هذا رضي الله عنه ، وهكذا ولده رضي الله عنه ، لم يزالوا يقرءون بما في مصحف عثمان رضي الله عنه حتى فارقوا الدنيا ، وهكذا أصحاب علي رضي الله عنه لم يزالوا يقرئون المسلمين بما في مصحف عثمان رضي الله عنه ، لا يجوز لقائل أن يقول غير هذا ، من قال غير هذا فقد كذب ، وأتى بخلاف ما عليه أهل الإسلام . قال محمد بن الحسين رحمه الله : مرادنا من هذا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يزل متبعا لما سنه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، متبعا لهم ، يكره ما كرهوا ، ويحب ما أحبوا ، حتى قبضه الله عز وجل شهيدا ، الذي لا يحبه إلا مؤمن تقي ولا يبغضه إلا منافق شقي

(3/364)


باب ذكر فضائل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قال محمد بن الحسين رحمه الله : المحمود الله على كل حال وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم ، اعلموا رحمنا الله وإياكم أنه قد تقدم ذكرنا لفضائل المهاجرين والأنصار ، ولفضائل العشرة ، أولهم أبو بكر وعمر ، ولأبي بكر رضي الله عنه فضائل على الانفراد نذكرها إن شاء الله تعالى ، ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فضائل اجتمعا فيها ، نذكر فضلهما جميعا ، ولعمر رضي الله عنه فضائل خصه الله الكريم بها ، نذكرها إن شاء الله على حسب ما تأدى إلينا والله الموفق

(3/365)


باب تصديق أبي بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أول الناس إسلاما

(3/366)


1220 - حدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا عمران بن الحسن الشامي قال : حدثنا عبد الرحمن بن مغر الدوسي قال : حدثنا مجالد ، عن الشعبي قال : سئل ابن عباس رضي الله عنهما : من أول من أسلم ؟ فقال : أبو بكر رضي الله عنه ، أما سمعت قول حسان بن ثابت رضي الله عنه : إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأفضلها إلا النبي وأولاها بما حملا والثاني التالي المحمود شيمته وأول الناس منهم صدق الرسلا

(3/367)


1221 - وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا محمد بن حميد الرازي قال : حدثنا عبد الرحمن بن مغر ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : سألت ابن عباس رضي الله عنه : من أول من أسلم ؟ قال : أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثم قال : أما سمعت قول حسان بن ثابت رضي الله عنه : إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها بعد النبي وأولاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا

(3/368)


1222 - وحدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثني عبد الله بن سعيد الأشج قال : حدثني عقبة بن خالد أملاه علي من كتابه قال : حدثنا شعبة قال : حدثني سعيد الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ألست أحق الناس بها ؟ ألست أول من أسلم ؟ ألست صاحب كذا ؟ ألست صاحب كذا ؟

(3/369)


1223 - وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج ، قال : حدثنا عقبة بن خالد السكوني ، عن شعبة ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : ألست أحق الناس بها ؟ ألست أول من أسلم ؟ ألست صاحب كذا ؟ ألست صاحب كذا ؟

(3/370)


1224 - وحدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا أبو كريب ، وأبو سعيد الأشج قالا : حدثنا ابن إدريس قال المطرز : وحدثنا محمد بن المثنى ، وبندار قالا : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي حمزة ، عن زيد بن أرقم قال : « أول من أسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ قال : فذكرت ذلك لإبراهيم ، فأنكره وقال : » أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه «

(3/371)


1225 - وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا علي بن الجعد ، أنبأنا شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا حمزة الأنصاري يقول : سمعت زيد بن أرقم يقول : « أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه قال عمرو بن مرة : فذكرت ذلك لإبراهيم فأنكره ، وقال : » أبو بكر «

(3/372)


1226 - وحدثنا أبو القاسم أيضا ؛ قال : حدثني جدي يعني أحمد بن منيع قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : « أول من أسلم أبو بكر رضي الله عنه »

(3/373)


1227 - وحدثنا قاسم المطرز أيضا ؛ قال : حدثنا أبو سعيد الأشج قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : « أبو بكر أول من أسلم »

(3/374)


1228 - حدثني أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي رحمه الله قال : حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون قال : أدركت مشيختنا ومن نأخذ عنه ، منهم : ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، ومحمد بن المنكدر ، وعثمان بن محمد الأخشني يقولون : أبو بكر أول الرجال إسلاما

(3/375)


1229 - وحدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي قال : حدثنا علي بن مسلم الطوسي قال : حدثنا يوسف بن يعقوب قال : سمعت مشيختنا أهل الفقه منهم : سعد بن إبراهيم ، وصالح بن كيسان ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وعثمان بن محمد الأخشني ، وغير واحد يذكرون « أن أبا بكر رضي الله عنه أول من أسلم »

(3/376)


1230 - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد الواسطي قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي قال : حدثنا يحيى بن أبي بكير قال : حدثنا زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله يعني ابن مسعود قال : « أول من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وعمار ، وأمه سمية ، وصهيب ، والمقداد ، وبلال رضي الله عنهم »

(3/377)


1231 - وحدثنا أبو القاسم البغوي قال : حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني قال : حدثنا يحيى بن أبي بكير قال : حدثنا زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن مسعود قال : « كان أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمار ، وأمه سمية ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد رضي الله عنهم »

(3/378)


1232 - حدثنا قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا القاسم بن سعيد بن المسيب بن شريك قال : حدثنا علي بن عاصم ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال أبو بكر : لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما : « قد علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك » قال : صدقت يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فمد يده فبايعه ، فلما جاء الزبير رحمه الله قال : « أما علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك ؟ قال : فمد يده فبايعه »

(3/379)


1233 - وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زنجويه قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري في حديثه عن عروة قال : سعى رجال من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا : هذا صاحبك ، يزعم أنه قد أسري به الليلة إلى بيت المقدس ، ثم رجع من ليلته ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : « أو قال ذاك » ؟ قالوا : نعم ، قال أبو بكر : « فأنا أشهد إن كان قال ذاك لقد صدق » قالوا : تصدقه بأنه جاء إلى الشام في ليلة واحدة ورجع قبل أن يصبح ، قال أبو بكر رضي الله عنه : « نعم أصدقه بأبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء غدوة (1) وعشية ، فلذلك سمي أبو بكر الصديق رضي الله عنه »
__________
(1) الغدوة : البكرة وهي أول النهار

(3/380)


1234 - حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين قال : حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني قال : حدثنا محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، عن أبي عبد الملك ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : كان بين رجل من الأنصار وبين أبي بكر رضي الله عنه بعض المعاتبة ، فاعتذر أبو بكر رضي الله عنه إليه ، فأبى أن يقبل ، قال : فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد وجده (1) ، فلما راح أقبل الرجل فجلس إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ، فقام فجلس عن شماله فأعرض عنه ، ثم قام فجلس بين يديه فأعرض عنه ، فقال : يا رسول الله ، إني قد أرى أنك تعرض عني ، وقد علمت أنك تفعل ذلك لشيء بلغك عني أو لسخط في نفسك علي ، فما خير دنياي وأنت تعرض عني ، والذي بعثك بالحق ما أبالي أن لا أحيا في الدنيا ساعة وأنت ساخط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنت الذي ابتدأك أبو بكر فأبيت أن تقبل منه ، إن الله عز وجل بعثني إليكم جميعا فقلتم : كذبت وقال صاحبي : صدقت » ثم قال : « هل أنتم تاركي وصاحبي ؟ هل أنتم تاركي وصاحبي ؟ هل أنتم تاركي وصاحبي ؟ »
__________
(1) الوجد : الغضب ، والحزن والمساءة وأيضا : وجدت بفلانة وجدا، إذا أحببتها حبا شديدا.

(3/381)


باب ذكر مواساة أبي بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله وأهله

(3/382)


1235 - حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال : حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما نفعنا مال ما نفعنا مال أبي بكر رضي الله عنه »

(3/383)


1236 - وحدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي قال : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما نفعنا مال ما نفعنا مال أبي بكر رضي الله عنه »

(3/384)


1237 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر » قال : فبكى أبو بكر وقال : هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله ؟ «

(3/385)


1238 - وحدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، ويوسف بن موسى القطان ، والمخرمي يعني محمد بن عبد الله قالوا : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر » قال : فبكى أبو بكر وقال : هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله ؟ «

(3/386)


1239 - أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال : حدثنا أرطأة أبو حاتم ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أحد أعظم عندي يدا من أبي بكر ، واساني بنفسه وماله ، وأنكحني ابنته »

(3/387)


1240 - وحدثنا الفريابي قال . حدثنا محمد بن مصفى الحمصي قال : حدثنا بقية بن الوليد قال : حدثنا بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، أن أبوابا ، كانت مفتحة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فسدت غير باب أبي بكر فقالوا : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبوابنا فسدت غير باب أبي بكر خليله ، فبلغه فقام فيهم ، فقال : « أتقولون : سد أبوابنا وترك باب خليله ، فلو كان لي منكم خليل كان هو خليلي ، ولكني خليل الله عز وجل ، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟ فقد واساني بنفسه وماله ، وقال لي : صدق وقلتم : كذب »

(3/388)


1241 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا المعافى بن سليمان الجزري ، حدثنا فليح بن سليمان ، عن سالم بن أبي النضر ، عن عبيد بن جبير ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال : « إن آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن خلة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر »

(3/389)


1242 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا أبو الوليد هشام بن عمار الدمشقي قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن عبدا من عباد الله عز وجل خير بين الدنيا وبين ما عند ربه ، فاختار ما عند ربه عز وجل » فبكى أبو بكر رضي الله عنه وعلم أنه يريد نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سدوا الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر ، فإني لا أعلم أحدا أفضل عندي يدا في الصحبة من أبي بكر رضي الله عنه »

(3/390)


1243 - وحدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال : حدثنا محمد بن حميد الرازي قال : حدثنا علي بن مجاهد ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، في قول الله عز وجل : ( فأنزل الله سكينته عليه (1) ) قال : « على أبي بكر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه » قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى : لما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه في الغار ، وجاء المشركون فوقفوا على الغار حزن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ) على أبي بكر رضي الله عنه
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/391)


باب ذكر قضاء أبي بكر دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعداته بعد موته

(3/392)


1244 - حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي ؛ قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، سمع محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا » ، فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم على أبي بكر أمر مناديا فنادى : من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتني قال جابر بن عبد الله : فجئت أبا بكر ، فأخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو قدم مال البحرين ؛ أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا » قال جابر : فأتيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني ، ثم أتيته فلم يعطني ، ثم أتيته فلم يعطني ، فقلت له : قد أتيتك فلم تعطني ، فإما أن تعطيني وإما أن تبخل عني فقال : أقلت : تبخل عني ؟ وأي داء أدوأ من البخل ؟ قالها ثلاثا ، ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك «

(3/393)


1245 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : « حثيت حثية ، فقال لي أبو بكر : عدها ، فعددتها فوجدتها خمسمائة ، فقال : خذ مثلها مرتين »

(3/394)


1246 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا علي بن عبد الله المديني قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : حدثنا محمد بن المنكدر قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو قد جاء مال البحرين ، لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا » فلم يجئ مال البحرين ، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما جاء مال البحرين . . . فذكر مثله

(3/395)


1247 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : أنبأنا ابن جريج ، أخبرني عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، عن جابر بن عبد الله قال : وأخبرني محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : لما مات النبي صلى الله عليه وسلم جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : من كان له على النبي صلى الله عليه وسلم دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا . قال جابر : فقلت : « وعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا » ، فبسط يده ثلاث مرات ، قال جابر : فعد في يدي خمسمائة ، ثم خمسمائة ثم خمسمائة

(3/396)


1248 - وحدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال : حدثنا ابن أبي عمر قال : حدثنا سفيان قال : سمعت ابن المنكدر يقول : سمعت جابر بن عبد الله يقول : قال سفيان : وسمعت عمرو بن دينار أيضا يحدث عن محمد بن علي قال : سمعت جابر بن عبد الله وزاد أحدهما على الآخر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو قد جاء مال البحرين ، لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا وقال بيديه جميعا » فقبض النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يجيء مال البحرين ، فقدم على أبي بكر بعده ، فأمر مناديا : من كانت له على النبي صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتني ، فقمت ، فقلت : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو قد جاء مال البحرين ؛ أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا » فحثى أبو بكر مرة ، فقال لي : عدها . فعددتها ، فإذا هي خمسمائة درهم فقال : « خذ مثليها »

(3/397)


باب ذكر قصة أبي بكر رضي الله عنه في الغار مع النبي صلى الله عليه وسلم

(3/398)


1249 - حدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا حاتم بن الليث الجوهري قال : حدثنا معلى بن أسد العمي قال : حدثنا هلال بن عبد الرحمن الأزدي قال : حدثنا علي بن زيد ، وعطاء بن أبي ميمونة ، عن أنس بن مالك ، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : لما كانت ليلة الغار قلت : يا رسول الله ، دعني فأدخل قبلك ، فإن كان شيء كان بي ، فدخل أبو بكر رضي الله عنه . فالتمس (1) الغار بيده وشق ثوبه ، فكلما رأى جحرا في الغار ألقمه ثوبه ، حتى فعل ذلك بثوبه أجمع ، وبقي جحر منها ، فوضع عقبه عليه ، وقال : يا رسول الله ، ادخل الغار ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح قال : « يا أبا بكر ، أين ثوبك ؟ » ، فأخبرته بما صنعت فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال : « اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة » فأوحى إليه أني قد استجبت لك « قال أنس : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أبي بكر كأنه بيته ، ويصنع بمال أبي بكر كما يصنع بماله
__________
(1) التمس الشيء : طلبه

(3/399)


1250 - وحدثني أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا محفوظ بن أبي توبة قال : حدثنا عثمان بن صالح قال : حدثنا رشدين بن سعد قال : حدثني موسى بن حبيب ، وجرير بن حازم ، عن الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس قال : لما كانت ليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ؛ قال لصاحبه أبي بكر : « أنائم أنت ؟ » قال : لا ، وقد رأيت صنعك وتقلبك يا رسول الله ، فما لك بأبي أنت وأمي ، قال : « جحر رأيته قد انهار ، فخشيت أن تخرج منه هامة تؤذيك أو تؤذيني » فقال أبو بكر : يا رسول الله ، فأين هو ؟ فأخبره ، فسد الجحر ، وألقمه عقبه ثم قال : نم بأبي أنت وأمي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رحمك الله من صديق ، صدقتني حين كذبني الناس ، ونصرتني حين خذلني الناس ، وآمنت بي حين كفر بي الناس ، وآنستني في وحشتي ، فأي منة لأحد علي كمنتك »

(3/400)


1251 - حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا أبو أمية الطرسوسي محمد بن إبراهيم قال : حدثنا يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري قال : حدثني عبد الرحمن بن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله قال : حدثني أبي ، عن جابر بن عبد الله : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما ذهب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغار ، فأرادا أن يدخلا الغار ، فدخل أبو بكر ثم قال : كما أنت يا رسول الله ، فضرب برجله فأطار اليمام يعني الحمام الطواري ، وطاف فلم ير شيئا ، وطاف فلم ير شيئا فقال : ادخل يا رسول الله ، فدخل فإذا في الغار جحر ، فألقمه أبو بكر عقبه مخافة أن يخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء ، وغزلت العنكبوت على الغار ، وذهب الطالب في كل مكان ، فمروا على الغار ، وأشفق أبو بكر منهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ( لا تحزن إن الله معنا (1) ) » وذكر الحديث
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/401)


1252 - وحدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال : حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، قال : قالت عائشة : فبينا نحن جلوس في بيتنا في نحر (1) الظهيرة قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا (2) في ساعة لم يكن يأتينا فيها . قال أبو بكر رضي الله عنه : فداء له أبي وأمي إن جاء به في هذه الساعة لأمر ، قالت عائشة : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن ، فأذن له ، فدخل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل لأبي بكر : « أخرج من عندك » فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنه قد أذن لي في الخروج » فقال أبو بكر رضي الله عنه : الصحبة بأبي أنت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نعم » فقال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله ، إحدى راحلتي هاتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بالثمن » قالت : فجهزناهما أحث الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكت (3) به الجراب ، فلذلك كانت تسمى ذات النطاقين ، ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له : ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو غلام شاب ، لقن (4) ، ثقف (5) ، فيدخلهم من عندهم السحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منيحة من غنم ، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء ، فيثبتان في رسلهما ، حتى ينعق (6) بهما عامر بن فهيرة بغلس (7) ، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه رجلا من بني الدئل ، ثم من بني عبد بن عدي هاديا خريتا (8) ، والخريت : الماهر في الهداية ، قد غمس يده في حلف العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش ، فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ، فأتاهما براحلتيهما صبيحة الليالي الثلاث ، فارتحل ، فانطلق معهم عامر بن فهيرة مع أبي بكر والدليل ، وأخذ بهم طريق إذاخر وهي طريق الساحل قال محمد بن الحسين : وقد حدثنا بهذا الحديث الفريابي ، من غير طريق في حديث الزهري رحمه الله عن عروة رضي الله عنه
__________
(1) نحر الظهيرة : المراد وقت اشتداد الحر وبلوغ الشمس منتهاها في الارتفاع
(2) التقنع : تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره
(3) الإيكاء : سد فتحة الإناء وربط فم القربة
(4) لقن : فاهم ذكي
(5) الثقف : الحاذق الفطن
(6) النعيق : الصياح
(7) الغلس : ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح
(8) الخريت : الدليل الماهر في معرفة الطرق والممرات الخفية

(3/402)


باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه وهما في الغار : « ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما »

(3/403)


1253 - حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثنا عفان بن مسلم قال : حدثنا همام قال : حدثنا ثابت ، عن أنس بن مالك ، أن أبا بكر رضي الله عنه حدثه ؛ قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه ؛ لأبصرنا تحت قدميه فقال : « يا أبا بكر ، » ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ «

(3/404)


1254 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا عفان بن مسلم قال : حدثنا همام بن يحيى قال : حدثنا ثابت البناني قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : يا رسول الله ، لو نظر القوم إلينا ؛ لأبصرونا تحت أقدامهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما »

(3/405)


1255 - وحدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز ؛ قال : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : حدثنا عفان بن مسلم قال : حدثنا همام قال : حدثنا ثابت ، عن أنس بن مالك ، أن أبا بكر رضي الله عنه حدثه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه ، لأبصرنا تحت قدميه ، فقال : « يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ »

(3/406)


باب في قول الله عز وجل : ( فأنزل الله سكينته عليه (1) )
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/407)


1256 - حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال : حدثنا محمد بن حميد الرازي قال : حدثنا علي بن مجاهد ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير : في قول الله عز وجل : ( فأنزل الله سكينته عليه (1) ) قال : « على أبي بكر رضي الله عنه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه »
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/408)


1257 - حدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي قال : حدثنا أبو معاوية قال : حدثنا عبد العزيز بن سياة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، في قول الله عز وجل : ( فأنزل الله سكينته عليه (1) ) قال : « على أبي بكر رضي الله عنه ، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت السكينة عليه »
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/409)


باب ما ذكر أن الله عز وجل عاتب جميع الناس في النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر رضي الله عنه ، فإنه أخرجه من المعاتبة

(3/410)


1258 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال : حدثنا داود بن المحبر قال : حدثنا الربيع بن صبيح ، عن الحسن ، في قول الله عز وجل : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار (1) ) « والله لقد عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعا إلا أبا بكر رضي الله عنه »
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/411)


1259 - وحدثنا أيضا ابن عبد الحميد قال : حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال : حدثنا داود بن المحبر قال : حدثنا أبو عوانة ، عن فراس ، عن الشعبي قال : « لقد عتب الله عز وجل على أهل الأرض جميعا إلا على أبي بكر رضي الله عنه حين ؛ قال : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار (1) ) »
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/412)


1260 - حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا سوار بن عبد الله القاضي ، قال : حدثنا أبو يعلى التوزي قال : سمعت سفيان بن عيينة قال : « عاتب الله عز وجل المسلمين جميعا في نبيه صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر وحده ، فإنه أخرج من المعاتبة وتلا قوله عز وجل ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين (1) ) »
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 40

(3/413)


باب ذكر صبر أبي بكر رضي الله عنه في ذات الله عز وجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة لله تعالى ولرسوله يريد بذلك وجه الله عز وجل

(3/414)


1261 - أنبأنا الفريابي قال : حدثنا الحسن بن الصباح قال : حدثنا محمد بن كثير ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ، ولم يأت علينا يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا طرفي النهار غدوة (1) وعشية ، فلما ابتلي المسلمون ، خرج أبو بكر مهاجرا قبل أرض الحبشة ، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ قال : أخرجني قومي ، فأريد أن أسيح (2) في الأرض ، وأعبد ربي عز وجل ، قال : فإنك لا تخرج ولا يخرج مثلك ، أنت تكسب المعدم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري (3) الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فارجع فاعبد ربك ببلدك فأنا لك جار ، فارتحل ابن الدغنة ومعه أبو بكر حتى أتى كفار قريش ، فقال : إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة ، فقالوا : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، ويفعل فيها ما يشاء ، وليقرأ فيها ما شاء ، ولا يعلن القراءة ولا الصلاة ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا ، قالت عائشة رضي الله عنها : فأتى ابن الدغنة أبا بكر ، فقال له ذلك ، فلبث أبو بكر رضي الله عنه على ذلك ما شاء الله ثم بداله ، فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيه ، فتتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رضي الله عنه بكاء ، لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن ، فأفزع ذلك كفار قريش ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره ، وإنه قد جاوز ذلك ، وابتنى مسجدا بفناء داره ، وأعلن القراءة ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا ، فإن أحب أن يقتصر على ذلك فليفعل ، وإن أبي فأسأله أن يرد عليك ذمتك ، فإنا كرهنا أن نخفرك (4) ، ولسنا نقر لأبي بكر الاستعلان ، فأتاه ابن الدغنة فقال : يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه ، فإما أن تقتصر عليه ، وإما أن ترجع إلي ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت (5) في عقد رجل عقدت له . فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله عز وجل ورسوله ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال : حدثنا ابن أبي عمر قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أنبأنا معمر ، عن الزهري قال : أخبرني عروة ، عن عائشة رحمها الله قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين وذكر الحديث مثله إلى آخره
__________
(1) الغدوة : البكرة وهي أول النهار
(2) السياحة : تطلق عدة معان مثل : الذهاب في الأرض والسير، والتجول، والهجرة
(3) القرى : ما يقدم إلى الضيف
(4) نخفرك : ننقض عهدك
(5) الخفر : نقض العهد

(3/415)


1262 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا محمود بن آدم المروزي قال : حدثنا بشر بن السري قال : حدثنا مصعب بن ثابت ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه في قول الله عز وجل ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى (1) ) قال : « نزلت في أبي بكر رضي الله عنه »
__________
(1) سورة : الليل آية رقم : 19

(3/416)


1263 - حدثنا حامد بن شعيب أبو العباس البلخي قال : حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال : حدثنا أبو سعيد المؤدب ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن مسعود قال : « إن أبا بكر رضي الله عنه اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق ، فأعتقه لله عز وجل ، فأنزل الله تعالى : ( والليل إذا يغشى ، والنهار إذا تجلى ، وما خلق الذكر والأنثى ، إن سعيكم لشتى (1) ) يعني سعي أبي بكر رضي الله عنه ، وأمية ، وأبي . ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى (2) ) بلا إله إلا الله يعني أبا بكر ( فسنيسره لليسرى (3) ) قال : الجنة ( وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى (4) ) بلا إله إلا الله يعني أمية وأبيا ( فسنيسره للعسرى (5) ) قال : النار ( وما يغني عنه ماله إذا تردى (6) ) قال : إذا مات ( إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى (7) ) يعني أمية وأبيا ( وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى (8) ) يعني أبا بكر ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى (9) ) قال : لم يصنع ذلك أبو بكر ليد كانت منه إليه ، فيكافئه بها ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى (10) ) » قال محمد بن الحسين رحمه الله : جميع ما تقدم ذكرنا له يدل على أن الله عز وجل خص أبا بكر رضي الله عنه بأشياء فضله بها على جميع صحابته رضي الله عنهم أجمعين
__________
(1) سورة : الليل آية رقم : 1
(2) سورة : الليل آية رقم : 5
(3) سورة : الليل آية رقم : 7
(4) سورة : الليل آية رقم : 8
(5) سورة : الليل آية رقم : 10
(6) سورة : الليل آية رقم : 11
(7) سورة : الليل آية رقم : 12
(8) سورة : الليل آية رقم : 17
(9) سورة : الليل آية رقم : 19
(10) سورة : الليل آية رقم : 20

(3/417)


باب ذكر بيان تقدمة أبي بكر رضي الله عنه على جميع الصحابة رضي الله عنهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته

(3/418)


1264 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا محمد بن الصباح قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين مرض قال : « مروا إنسانا يصلي بالناس » قالت : فخرج عبد الله بن زمعة ، فلقي عمر ، فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا ، فتقدم فصل بالناس ، قال فذهب فتقدم يصلي بالناس فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فقال : « من هذا ؟ » فقالوا : عمر ، فقال : « لا ، يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر » قال : فقال عمر رضي الله عنه لعبد الله بن زمعة : لم يكن سماني ؟ قال : لا ، قال : فلامه أشد اللئامة وتغيظ عليه وحدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها . . . وذكر الحديث مثله

(3/419)


1265 - حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا عبد الله بن نفيل قال : حدثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق قال : حدثنا الزهري قال : حدثنا عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال : لما استعين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده ، في نفر من المسلمين ، دعاه بلال إلى الصلاة ، فقال : « مروا من يصلي بالناس » قال عبد الله بن زمعة : فخرجت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الناس ، وكان أبو بكر رضي الله عنه غائبا فقلت : يا عمر ، قم فصل بالناس فقام فكبر فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته قال : وكان عمر رجلا مجهرا فقال صلى الله عليه وسلم : « فأين أبو بكر ، يأبى الله ذلك والمسلمون ، يأبى الله ذلك والمسلمون » قال : فبعث إلى أبي بكر بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال عبد الله بن زمعة : قال لي عمر : ويحك ما صنعت بي يا ابن زمعة ، والله ما ظننت حين أمرتني أن أصلي بالناس إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ، ولولا ذلك ما صليت بالناس ، فقلت : والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة

(3/420)


1266 - وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا ابن أبي فديك قال : حدثني موسى بن يعقوب الزمعي ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن عبد الله بن زمعة أخبره أنه عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي هلك فيه قال عبد الله : ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مر الناس فليصلوا » قال : فخرجت فلقيت ناسا ، فلما لقيت عمر لم أبغ من وراءه ، فقلت له صل للناس ، فخرج عمر فصلى للناس ، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت عمر ، قال ابن زمعة : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطلع رأسه من حجرته ثم قال : « ألا لا ، ألا لا يصلي للناس إلا ابن أبي قحافة ، ليصل للناس ابن أبي قحافة » فقال ذلك مغضبا قال ابن زمعة فانصرف عمر ، وقال لي عمر : أي أخي أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأمرني ؟ قلت لا ، ولكني لما رأيتك لم أبغ من وراءك قال : فوجد (1) من ذلك وجدا شديدا « قال أحمد بن صالح : هذا هو الصحيح قال محمد بن الحسين : يعني أنه لم يتم الصلاة ولكنه لما كبر وجهر بالقراءة سمعه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال محمد بن الحسين رحمه الله : وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : » مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فصلى أبو بكر بالناس والنبي صلى الله عليه وسلم حي «
__________
(1) الوجد : الغضب ، والحزن والمساءة وأيضا : وجدت بفلانة وجدا، إذا أحببتها حبا شديدا.

(3/421)


1267 - حدثنا أبو بكر بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا محمد بن رزق الله الكلوذاني قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : حدثنا سفيان بن حسين ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك قال : لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه ، أتاه بلال فأذنه بالصلاة ، فقال له : « يا بلال ، قد بلغت ، فمن شاء فليصل ومن شاء فليذر » قال : فقال له : يا رسول الله ، فمن يصلي للناس ؟ قال : « أبو بكر ، مروه فليصل بالناس » قال : فلما تقدم أبو بكر ليصلي كشف الستور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فنظرنا إليه كأنه ورقة بيضاء عليه خميصة (1) سوداء فظن أبو بكر رضي الله عنه أنه يريد الخروج فتأخر ، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم « أي مكانك » قال : فصلى أبو بكر فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات من يومه
__________
(1) الخميصة : ثوب أسود أو أحمر له أعلام

(3/422)


1268 - وحدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال : حدثنا ابن أبي عمر قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك قال : آخر نظرة نظرتها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، كشف الستارة فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف ، والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه وأبو بكر يؤمهم فأشار إليهم : « أن امكثوا » وألقى السجف (1) وتوفي من آخر ذلك اليوم صلوات الله وسلامه عليه «
__________
(1) السجف : الستر

(3/423)


1269 - حدثنا أبو أحمد ، أيضا قال : حدثنا ابن أبي عمر قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أنبأنا معمر ، عن الزهري قال : أخبرني أنس بن مالك قال : لما كان يوم الاثنين كشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ، فرأى أبا بكر رضي الله عنه وهو يصلي بالناس ، قال : فنظرنا إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم كأنه ورقة مصحف وهو يبتسم قال : فكدنا أن نفتتن في صلاتنا فرحا برؤية النبي صلى الله عليه وسلم قال : فأراد أبو بكر أن ينكص (1) ؛ قال : فأشار إليه « أن كما أنت » قال : ثم أرخى الستر ، فقبض من يومه ذلك
__________
(1) نكص : رجع وتأخر

(3/424)


1270 - حدثنا أبو بكر بن عبد الحميد الواسطي قال : ثنا محمد بن رزق الله الكلوذاني قال : حدثنا الحسين بن علي الجعفي قال : حدثنا زائدة بن قدامة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه قال : مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » فقالت عائشة : يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق ومتى يقم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس فقال : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » قال : فأتاه الرسول فقال له فصلى بالناس حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3/425)


1271 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت الصلاة ، فجاء بلال إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال : يا أبا بكر ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس ، وقد حانت الصلاة ، فهل لك أن تؤم الناس ؟ قال : نعم فأقام بلال ، وتقدم أبو بكر فكبر للناس وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي حتى قام في الصف ، وأخذ الناس في التصفيق ، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس التفت ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن يصلي ، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ورجع القهقرى (1) وراءه ، حتى قام في الصف وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى للناس ، فلما فرغ أقبل على الناس فقال : « يا أيها الناس ، ما لكم حين نابكم في الصلاة أخذتم في التصفيق ، إنما التصفيق للنساء ، من نابه في الصلاة شيء فليقل : سبحان الله ، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول : سبحان الله إلا التفت ، يا أبا بكر ، ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت إليك ؟ » فقال أبو بكر : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم «
__________
(1) القهقرى : المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه

(3/426)


1272 - وأنبأنا إبراهيم بن موسى الجوزي قال : حدثنا هارون بن عبد الله البزاز قال : حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا أبو حازم ، عن سهل بن سعد قال : كان بين بني عمرو بن عوف قتال قال : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ثم أتاهم يصلح بينهم وقال لبلال : « إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس » فلما حضرت الصلاة أمر أبا بكر فصلى بالناس « قال محمد بن الحسين رحمه الله : هذه السنن يصدق بعضها بعضا ، وتدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله عنه بأن يصلي بالناس في حياته إذا لم يحضر ، وفي مرضه إذا لم يقدر ، وقوله لما تقدم عمر رضي الله عنه فقال : » لا ، يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر « دليل على أنه لم يكن أفضل منه ، وعلى أنه الخليفة من بعده ، وكذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الخليفة الرابع وقد ذكر أبا بكر وشرفه وفضله وقال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فصلى بالناس ، وقد رأى مكاني ، وما كنت غائبا ولا مريضا ، ولو أراد أن يقدمني لقدمني ، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا . قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : » لا ينبغي لقوم يكون فيهم أبو بكر يؤمهم غيره «

(3/427)


1273 - وحدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن ذريح العكبري قال : حدثنا نصر بن عبد الرحمن الوشاء قال : حدثنا أحمد بن بشير قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة رحمها الله تعالى قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا ينبغي لقوم يكون فيهم أبو بكر يؤمهم غيره »

(3/428)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية