صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الشريعة للآجري
المؤلف : الآجري
مصدر الكتاب : موقع جامع الحديث
http://www.alsunnah.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الشريعة للآجري بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي ، وعلى آل محمد وصحبه وسلم ، عمر بن إبراهيم عفا الله عنه ، أخبرنا الفقيه الإمام أبو الحسن أحمد بن مقبل أيده الله وسدده قال : أنا الفقيه الإمام أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن مسعود البريهي - رحمه الله - قال : أخبرنا الفقيه الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر بن حمير بن تبع بن فضل قال : أنا الشيخ الفقيه أسعد بن خير بن يحيى بن عيسى بن ملامس - رحمه الله - عن أبيه خير بن يحيى قال : أنا أبو بكر أحمد بن محمد البزار المكي ، عن محمد بن الحسين الآجري - رحمة الله عليه - ، قال محمد بن الحسين الآجري - رحمه الله - : أحق ما ابتدأت به الكلام : الحمد لله مولانا الكريم ، وأجل الحمد ما حمد به الكريم نفسه ، فأنا أحمده به : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين (1) ، و الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، وله الحمد في الآخرة ، وهو الحكيم الخبير ، يعلم ما يلج في الأرض ، وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء ، وما يعرج فيها ، وهو الرحيم الغفور ، و الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، و الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، وكبره تكبيرا (2) ، أحمده شكرا لما تفضل به علينا من نعمه الدائمة ، وأياديه القديمة ، حمد من يعلم أن مولاه الكريم يحب الحمد ، فله الحمد على كل حال ، وصلى الله على البشير النذير السراج المنير ، سيد ولد آدم عليه السلام ، المذكور نعته في التوراة والإنجيل ، الخاتم لجميع الأنبياء ، ذلك محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين ، وعلى أصحابه المنتخبين ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين ، يرزقنا الله وإياكم التمسك بطاعته ، وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبما كان عليه صحابته والتابعون لهم بإحسان ، وبما كان عليه الأئمة من علماء المسلمين ، وعصمنا وإياكم من الأهواء المضلة ، إنه سميع قريب
__________
(1) سورة : الفاتحة آية رقم : 2
(2) سورة : الإسراء آية رقم : 111

(1/1)


1 - أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : ثنا سعيد بن عبد الجبار الحمصي قال : ثنا معان بن رفاعة السلامي قال : نا إبراهيم بن عبد الرحمن العذري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يتحمل هذا العلم من كل خلف (1) عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين »
__________
(1) الخلف بالتحريك والسكون : كل من يجيء بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر. يقال خلف صدق، وخلف سوء

(1/2)


2 - أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال : ثنا أبو الربيع الزهراني قال : نا حماد بن زيد ، عن بقية بن الوليد ، عن معان بن رفاعة ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يحمل هذا العلم من كل خلف (1) عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين »
__________
(1) الخلف بالتحريك والسكون : كل من يجيء بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر. يقال خلف صدق، وخلف سوء

(1/3)


3 - أخبرنا محمد بن بكير ، عن جعفر بن سليمان ، عن عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه قال : : الفقيه العفيف الزاهد المتمسك بالسنة : أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان قال محمد بن الحسين : جعلنا الله وإياكم ممن تحيا بهم السنن ، وتموت بهم البدع ، وتقوى بهم قلوب أهل الحق ، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء ، بمنه وكرمه

(1/4)


باب ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة بل الاتباع وترك الابتداع قال محمد بن الحسين رحمه الله : إن الله عز وجل بمنه وفضله أخبرنا في كتابه عمن تقدم من أهل الكتابين اليهود والنصارى أنهم إنما هلكوا لما افترقوا في دينهم ، وأعلمنا مولانا الكريم أن الذي حملهم على الفرقة عن الجماعة والميل إلى الباطل الذي نهوا عنه إنما هو البغي والحسد بعد أن علموا ما لم يعلم غيرهم ، فحملهم شدة البغي والحسد إلى أن صاروا فرقا فهلكوا فحذرنا مولانا الكريم أن نكون مثلهم فنهلك كما هلكوا بل أمرنا عز وجل بلزوم الجماعة ، ونهانا عن الفرقة ، وكذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الفرقة وأمرنا بالجماعة ، وكذلك حذرنا أئمتنا ممن سلف من علماء المسلمين كلهم يأمرون بلزوم الجماعة ، وينهون عن الفرقة ، فإن قال قائل : فاذكر لنا ذلك لنحذر ما تقوله ، والله الموفق لنا إلى سبيل الرشاد ، قيل له : سأذكر من ذلك ما حضرني ذكره مبلغ علمي الذي علمني الله عز وجل ، نصيحة لإخواني من أهل القرآن وأهل الحديث ، وأهل الفقه وغيرهم من سائر المسلمين ، والله الموفق لما قصدت له ، والمعين عليه إن شاء الله قال الله تعالى في سورة البقرة : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (1) وقال عز وجل : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (2) وقال تعالى في سورة آل عمران : إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (3) وقال تعالى في سورة الأنعام : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (4) وقال تعالى في سورة يونس : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (5) قال تعالى في سورة حم عسق : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (6) وقال تعالى في سورة لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب قوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (7) قال محمد بن الحسين رحمه الله : فأعلمنا مولانا الكريم أنهم أوتوا علما ، فبغى بعضهم على بعض ، وحسد بعضهم بعضا ، حتى أخرجهم ذلك إلى أن تفرقوا فهلكوا فإن قال قائل : فأين المواضع من القرآن التي فيها نهانا الله تعالى أن نكون مثلهم حتى نحذر ما حذرنا مولانا الكريم من الفرقة بل نلزم الجماعة ؟ قيل له : قال الله تعالى في سورة آل عمران : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (8) ، وقال تعالى في سورة الأنعام : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (9) وقال تعالى في سورة الروم : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (10) وقال تعالى في سورة حم عسق : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (11) قال محمد بن الحسين رحمه الله : فهل يكون من البيان أشفى من هذا عند من عقل عن الله تعالى وتدبر ما به حذره مولاه الكريم من الفرقة ؟ ثم اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم أن الله تعالى قد أعلمنا وإياكم في كتابه أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه ليضل من يشاء ، ويهدي من يشاء جعل الله عز وجل ذلك موعظة يتذكر بها المؤمنون ، فيحذرون الفرقة ، ويلزمون الجماعة ويدعون المراء والخصومات في الدين ، ويتبعون ولا يبتدعون ، فإن قال قائل : أين هذا من كتاب الله تعالى ؟ قيل له : قال الله تعالى في سورة هود : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (12) ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع ما أنزله إليه ، ولا يتبع أهواء من تقدم من الأمم فيما اختلفوا فيه ، ففعل صلى الله عليه وسلم ، وحذر أمته الاختلاف والإعجاب واتباع الهوى ، قال الله تعالى في سورة حم الجاثية : ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين (13) ، ثم قال الله تعالى : هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (14)
__________
(1) سورة : البقرة آية رقم : 213
(2) سورة : البقرة آية رقم : 253
(3) سورة : آل عمران آية رقم : 19
(4) سورة : الأنعام آية رقم : 159
(5) سورة : يونس آية رقم : 93
(6) سورة : الشورى آية رقم : 14
(7) سورة : البينة آية رقم : 4
(8) سورة : آل عمران آية رقم : 102
(9) سورة : الأنعام آية رقم : 153
(10) سورة : الروم آية رقم : 30
(11) سورة : الشورى آية رقم : 13
(12) سورة : هود آية رقم : 118
(13) سورة : الجاثية آية رقم : 16
(14) سورة : الجاثية آية رقم : 20

(1/5)


4 - أخبرنا أبو بكر عمر بن سعيد القراطيسي قال : ثنا أحمد بن منصور الرمادي قال : أنا أبو صالح عبد الله بن صالح قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا (1) وقوله : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (2) وقوله : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه (3) وقوله : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم (4) وقوله : ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله (5) وقوله : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه (6) قال ابن عباس : أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله تعالى قال محمد بن الحسين : هذا ما حضرني ذكره مما أمر الله تعالى به أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يلزموا الجماعة ويحذروا الفرقة فإن قال قائل : فاذكر من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حذر أمته ذلك قيل له : نعم ، وواجب عليك أن تسمعه ، وتحذر الفرقة وتلزم الجماعة وتستعين بالله العظيم على ذلك
__________
(1) سورة : الأنعام آية رقم : 159
(2) سورة : آل عمران آية رقم : 105
(3) سورة : آل عمران آية رقم : 7
(4) سورة : النساء آية رقم : 140
(5) سورة : الأنعام آية رقم : 153
(6) سورة : الشورى آية رقم : 13

(1/6)


باب ذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بلزوم الجماعة وتحذيره إياهم الفرقة

(1/7)


5 - حدثنا أبو محمد عبد الله بن العباس الطيالسي قال : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال : نا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد »

(1/8)


6 - أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال : نا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر قال : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالشام فقال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قيامي فيكم ، فقال : « من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد »

(1/9)


7 - وأخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال : ثنا هدبة بن خالد قال : نا أبان بن يزيد قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدا حدثه ، أن أبا سلام حدثه ، أن الحارث الأشعري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله تعالى أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل يعملون بهن » وذكر الحديث بطوله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وأنا آمركم بخمس أمرني الله تعالى بهن : الجماعة ، والسمع والطاعة ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ، فمن فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة (1) الإسلام من رأسه إلا أن يراجع »
__________
(1) الربقة : في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها ، فاستعارها للإسلام ، يعني ما يشد به المسلم نفسه من عرى الإسلام : أي حدوده وأحكامه وأومره ونواهيه

(1/10)


8 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال : حدثنا حماد بن زيد قال : نا أيوب ، عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رياح القيسي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات ، فميتة جاهلية »

(1/11)


9 - وأخبرنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني قال : نا محمد بن بشار ، ومحمد بن المثنى ، أن محمد بن جعفر ، حدثهم ، عن شعبة ، عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رياح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله : « من فارق الجماعة وخالف الطاعة مات ميتة جاهلية ومن اعترض أمتي برها وفاجرها لا يحتشم من مؤمنها ، ولا يفي لذي عهدها ، فليس من أمتي ، ومن قتل تحت راية عمية (1) ، يغضب للعصبية ويقاتل للعصبية ويدعو لعصبة له ووالى لعصبة مات ميتة جاهلية » لفظ حديث أبي موسى
__________
(1) عمية : الأمر الذي لا يستبين وجهه ، وقيل : كناية عن جماعة مجتمعين على أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل

(1/12)


10 - أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال : ثنا محمد بن سليمان لوين قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رياح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ، مات ميتة جاهلية »

(1/13)


11 - وأخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : نا أبو هشام الرفاعي قال : نا أبو بكر بن عياش قال : نا عاصم ، عن زر عن عبد الله قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله (1) فخط خطا فقال : « هذا الصراط » ثم خط حوله خططا ، فقال : « وهذه السبل ، فما منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه »
__________
(1) سورة : الأنعام آية رقم : 153

(1/14)


12 - وأخبرنا ابن عبد الحميد أيضا قال : نا زهير بن محمد المروزي قال : أنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا وقال بأصبعه على الأرض خطة قال : « هذا سبيل الله » ثم خط خطوطا عن يمين الخط ويساره ، وقال : « هذه سبل على كل سبيل (1) منها شيطان يدعو إليه » ثم تلا : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (2) الخطوط التي عن يمنيه ويساره
__________
(1) السبيل : الطريق
(2) سورة : الأنعام آية رقم : 153

(1/15)


13 - وحدثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي قال : ثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج قال : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا ، وخط خطين عن يمينه ، وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط ، فقال : « هذا سبيل الله » ، ثم تلا هذه الآية : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله (1)
__________
(1) سورة : الأنعام آية رقم : 153

(1/16)


14 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا ميمون بن الأصبغ ، وأبو مسعود أحمد بن الفرات قالا : نا عبد الله بن صالح أبو صالح قال : نا معاوية بن صالح ، أن عبد الرحمن بن جبير ، حدثه عن أبيه ، عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعلى جنبتي الصراط سوران بينهما ، وأبوب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا ، وداع يدعو من فوق الصراط ، فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب قال : ويحك لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام ، والستور : حدود الله ، والأبواب المفتحة محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم »

(1/17)


15 - وأخبرنا أبو بكر بن أبي داود قال : ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد قال : حدثنا آدم بن أبي إياس قال نا الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران ، بينهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتفرقوا ، وداع يدعو من فوق الصراط ، فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب قال له : ويحك لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط : الإسلام ، والستور : حدود الله ، والأبواب : محارم الله تعالى ، والداعي على رأس الصراط : كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط : واعظ الله في قلب كل مسلم »

(1/18)


16 - وأخبرنا الفريابي قال : أخبرنا عثمان بن أبي شيبة قال : نا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل قال : قال عبد الله : « إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين ينادون : يا عبد الله هلم هذا الصراط ليصدوا عن سبيل الله ، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتاب الله »

(1/19)


17 - أخبرنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : نا جدي قال : نا موسى بن أعين ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن ثابت بن قطبة أن عبد الله بن مسعود قال في خطبته : « يا أيها الناس ، عليكم بالطاعة والجماعة ، فإنها حبل الله الذي أمر به ، وما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة »

(1/20)


18 - أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : نا زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا عبد الله بن موسى ، عن عيسى الحناط ، عن الشعبي قال : كان يقال : « من أراد بحبحة (1) الجنة فعليه بجماعة المسلمين »
__________
(1) البحبحة : التمكن في الحلول والمقام

(1/21)


19 - وأخبرنا ابن عبد الحميد أيضا قال نا زهير بن محمد قال : أخبرنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم الأحول قال : قال أبو العالية : تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه ، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ، ولا تحرفوا الصراط يمينا ولا شمالا ، وعليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم والذي عليها أصحابه ، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يفعلوا الذي فعلوه خمس عشرة سنة ، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء (1) قال : فحدثت به الحسن فقال : صدق ونصح ، وحدثت به حفصة بنت سيرين ، فقالت : يا بني أحدثت بهذا محمدا ؟ قلت : لا ، قالت : فحدثه إذن قال محمد بن الحسين : علامة من أراد الله به خيرا : سلوك هذا الطريق ، كتاب الله ، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنن أصحابه رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان ، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء مثل الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، والقاسم بن سلام ، ومن كان على مثل طريقتهم ، ومجانبة كل مذهب يذمه هؤلاء العلماء ، وسنبين ما يرضونه إن شاء الله تعالى
__________
(1) البغضاء : شدة الكره والمقت

(1/22)


باب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة ؟ قال محمد بن الحسين رحمه الله : أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم : عن أمة موسى عليه السلام : « أنهم اختلفوا على إحدى وسبعين ملة ، كلها في النار إلا واحدة » ، وأخبرنا عن أمة عيسى عليه السلام أنهم اختلفوا عليه على اثنتين وسبعين ملة ، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة ، قال صلى الله عليه وسلم : « وتعلو أمتي الفريقين جميعا تزيد عليهم فرقة واحدة ، ثنتان وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة » ثم إنه سئل صلى الله عليه وسلم : « من الناجية ؟ » فقال في حديث : « ما أنا عليه وأصحابي » وفي حديث قال : « السواد الأعظم » وفي حديث قال : « واحدة في الجنة ، وهي الجماعة » قلت أنا : ومعانيها واحدة إن شاء الله تعالى

(1/23)


20 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا المسيب بن واضح قال : سمعت يوسف بن أسباط يقول : « أصول البدع أربع : الروافض ، والخوارج ، والقدرية ، والمرجئة ، ثم تتشعب كل فرقة ثماني عشرة طائفة ، فتلك اثنتان وسبعون فرقة ، والثالثة والسبعون الجماعة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : » إنها الناجية «

(1/24)


21 - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال : نا النضر بن شميل قال : نا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تفرق اليهود والنصارى على إحدى ، أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة »

(1/25)


22 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا علي بن خشرم قال : أخبرنا الفضل بن موسى ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تفرقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، واختلف النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة »

(1/26)


23 - وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا الهيثم بن خارجة قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل : تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ، تزيد عليهم ، كلها في النار إلا ملة واحدة ، فقالوا : من هذه الملة الواحدة ؟ قال : ما أنا عليها وأصحابي »

(1/27)


24 - حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي قال : نا أبو بكر بن زنجويه قال : حدثنا محمد بن يوسف الفريابي قال : حدثنا سفيان يعني الثوري ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليأتين على أمتي مثل ما أتى على بني إسرائيل مثلا بمثل حذو (1) النعل بالنعل ، وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ، كلها في النار إلا ملة واحدة » قيل : من هي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عليه السلام : « ما أنا عليه اليوم وأصحابي »
__________
(1) حذو الشيء : في موازاته ومقابلته ومساواته

(1/28)


25 - حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثنا عاصم بن علي قال : نا أبو معشر وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا ابن بكار قال : حدثنا أبو معشر ، عن يعقوب بن زيد بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ذكر حديثا طويلا قال فيه : وحدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمم فقال : « تفرقت أمة موسى عليه السلام على إحدى وسبعين ملة ، سبعون منها في النار وواحدة في الجنة ، وتفرقت أمة عيسى عليه السلام على اثنتين وسبعين ملة ، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وتعلو أمتي على الفرقتين جميعا بملة واحدة ، اثنتان وسبعون منها في النار ، وواحدة في الجنة » ، قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال : « الجماعة » قال يعقوب بن زيد : فكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا حدث بهذا الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآنا ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (1) ثم ذكر أمة عيسى فقرأ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (2) قال : ثم ذكر أمتنا فقرأ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (3)
__________
(1) سورة : الأعراف آية رقم : 159
(2) سورة : المائدة آية رقم : 65
(3) سورة : الأعراف آية رقم : 181

(1/29)


26 - وأخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي قال : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال : حدثنا شبابة يعني ابن سوار قال : أخبرنا سليمان بن طريف ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا ابن سلام ، على كم تفرقت بنو إسرائيل ؟ » قال : على واحدة وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة ، كلهم يشهد على بعض بالضلالة ، قالوا : أفلا تخبرنا لو قد خرجت من الدنيا فتفرق أمتك ، على ما يصير أمرهم ؟ قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : « بلى ، إن بني إسرائيل تفرقوا على ما قلت وستفترق أمتي على ما افترقت عليه بنو إسرائيل ، وستزيد فرقة واحدة لم تكن في بني إسرائيل » وذكر الحديث

(1/30)


27 - وحدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي عوف البزوري قال : حدثنا سويد بن سعيد قال : حدثنا مبارك بن سحيم ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا السواد الأعظم »

(1/31)


28 - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : نا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : نا أبو بكر بن عياش ، عن موسى بن عبيدة ، عن ابنة سعد ، عن أبيها سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة ، ولن تذهب الأيام والليالي حتى تفترق أمتي على مثلها أو قال : عن مثل ذلك ، وكل فرقة منها في النار إلا واحدة وهي الجماعة »

(1/32)


29 - أخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي قال : نا محمد بن هارون أبو نشيط ، وإبراهيم بن هانئ النيسابوري قالا : حدثنا أبو المغيرة قال : حدثنا صفوان قال : حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي ، عن أبي عامر الهوزني ، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أنه قام حين صلى الظهر بالناس بمكة فقال : ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : « ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة » قال محمد بن الحسين رحمه الله : رحم الله عبدا حذر هذه الفرق ، وجانب البدع ولم يبتدع ، ولزم الأثر فطلب الطريق المستقيم ، واستعان بمولاه الكريم

(1/33)


30 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا معاذ قال : حدثنا ابن عون ، عن محمد يعني ابن سيرين قال : كانوا يقولون : إذا كان الرجل على الأثر (1) فهو على الطريق
__________
(1) الأثر : هدي النبي والسلف الصالح

(1/34)


باب ذكر خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وتحذيره إياهم سنن من قبلهم من الأمم

(1/35)


31 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليأخذن أمتي بأخذ الأمم والقرون قبلها شبرا بشبر ، وذراعا بذراع » قيل : يا رسول الله ، كما فعلت فارس والروم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ومن الناس إلا أولئك ؟ »

(1/36)


32 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : أخبرنا سنيد بن داود قال : حدثني حجاج قال : قال ابن جريج : أخبرني زياد بن سعد ، عن محمد بن زيد بن المهاجر ، عن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع وباعا بباع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه »

(1/37)


33 - وحدثنا ابن عبد الحميد أيضا قال : حدثنا زهير بن محمد قال : أنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده قال : كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده بالمدينة ، فجاءه جبريل عليه السلام بالوحي ، فذكر حديثا طويلا قال فيه : جاءكم جبريل عليه السلام يتعاهد دينكم « لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو (1) النعل بالنعل ولتأخذن بمثل أخذهم ، إن شبرا بشبر ، وإن ذراعا بذراع ، وإن باعا بباع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه »
__________
(1) حذو الشيء : في موازاته ومقابلته ومساواته

(1/38)


34 - أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا علي بن الجعد قال : أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال : حدثنا شهر يعني ابن حوشب قال : حدثنا عبد الرحمن بن غنم أن شداد بن أوس حدثه : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو (1) القذة (2) بالقذة »
__________
(1) حذو الشيء : في موازاته ومقابلته ومساواته
(2) القذة بالقذة : المراد أنهم يسيرون على نهج واحد ولا يختلفان ويتبع بعضهم بعضا

(1/39)


35 - حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال : حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال : حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين قال : حدثنا الأوزاعي قال : ثنا يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن الصنابحي ، عن حذيفة بن اليمان قال : « » لتتبعن أثر من كان قبلكم حذو (1) النعل بالنعل ، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئنكم ، ولتنقضن عرى (2) الإسلام عروة فعروة ، ويكون أول نقضها الخشوع حتى لا يرى خاشعا ، وحتى يقول أقوام : ذهب النفاق من أمة محمد فما بال الصلوات الخمس ؟ لقد ضل من كان قبلنا حتى ما يصلون بينهم أولئك المكذبون بالقدر ، وهم أسباب الدجال ، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال قال محمد بن الحسين : من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل ، علم أن أكثرهم العام منهم يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى سنن كسرى وقيصر وعلى سنن أهل الجاهلية وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العمال والأمراء وغيرهم ، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية ، والأكل والشرب والولائم ، والمراكب والخدم والمجالس والمجالسة ، والبيع والشراء ، والمكاسب من جهات كثيرة ، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب ، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، والله المستعان ، ما أقل من يتخلص من البلاء الذي قد عم الناس ، ولن يميز هذا إلا عاقل عالم قد أدبه العلم ، والله الموفق لكل رشاد ، والمعين عليه
__________
(1) حذو الشيء : في موازاته ومقابلته ومساواته
(2) العروة : ما يستمسك به ويعتصم من الدين

(1/40)


باب ذم الخوارج وسوء مذاهبهم ، وإباحة قتالهم وثواب من قتلهم أو قتلوه قال محمد بن الحسين : لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء عصاة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن صلوا وصاموا ، واجتهدوا في العبادة ، فليس ذلك بنافع لهم ، نعم ، ويظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس ذلك بنافع لهم ؛ لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون ، ويموهون على المسلمين ، وقد حذرنا الله تعالى منهم ، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم ، وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده ، وحذرناهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان ، والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس ، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج يتوارثون هذا المذهب قديما وحديثا ، ويخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين ، فأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو رجل طعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقسم الغنائم ، فقال : اعدل يا محمد ، فما أراك تعدل ، فقال صلى الله عليه وسلم : « ويلك ، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ » فأراد عمر رضي الله عنه قتله ، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من قتله وأخبر : « أن هذا وأصحابا له يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه ، يمرقون من الدين » وأمر في غير حديث بقتالهم ، وبين فضل من قتلهم أو قتلوه ، ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى ، واجتمعوا وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى قدموا المدينة ، فقتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وقد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان بالمدينة في أن لا يقتل عثمان ، فما أطاقوا على ذلك رضي الله عنهم ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولم يرضوا لحكمه ، وأظهروا قولهم وقالوا : لا حكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : كلمة حق أرادوا بها الباطل ، فقاتلهم علي رضي الله عنه فأكرمه الله تعالى بقتلهم ، وأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل من قتلهم أو قتلوه ، وقاتل معه الصحابة فصار سيف علي رضي الله عنه في الخوارج سيف حق إلى أن تقوم الساعة

(1/41)


باب ذكر السنن والآثار فيما ذكرناه

(1/42)


36 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا عيسى بن حماد زغبة قال : أخبرنا الليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من خيبر ، وفي ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها فيعطي ، فقال : يا محمد ، اعدل فقال : « ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ لقد خبت (1) وخسرت إذا لم أكن أعدل » فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله دعني فأقتل هذا المنافق فقال : « معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون (2) من الدين كما يمرق (3) السهم من الرمية (4) »
__________
(1) خاب : لم يظفر بما طلب
(2) يمرقون : يجوزون ويخرقون ويخرجون
(3) مرق السهم من الرمية : اخترقها وخرج من الجانب الآخر في سرعة
(4) الرمية : الهدف الذي يرمى

(1/43)


37 - وحدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال : حدثنا ابن أبي عمر يعني محمدا العدني قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم (1) بالجعرانة ، غنائم حنين ، والتبر في حجر بلال ، فقال له رجل : يا رسول الله ، اعدل ، فإنك لم تعدل قال : « ويلك ، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ » فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنقه ، فقال : « لا ، دعه فإن هذا في أصحاب له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم (2) يمرقون (3) من الدين كما يمرق (4) السهم من الرمية »
__________
(1) الغنائم : جمع الغنيمة ، وهي ما يؤخذ من المحاربين في الحرب قهرا
(2) التراقي : جمع ترقوة : وهي عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان
(3) يمرقون : يجوزون ويخرقون ويخرجون
(4) مرق السهم من الرمية : اخترقها وخرج من الجانب الآخر في سرعة

(1/44)


38 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا ابن المقرئ قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم (1) بالجعرانة ، فقام رجل فقال : اعدل ، فإنك لم تعدل فقال : « ويحك : فمن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ » فقال عمر رضي الله عنه : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : « دعه فإن هذا أصحاب له - أو في أصحاب له - يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم (2) ، يمرقون (3) من الدين كما يمرق (4) السهم من الرمية (5) »
__________
(1) الغنائم : جمع الغنيمة ، وهي ما يؤخذ من المحاربين في الحرب قهرا
(2) التراقي : جمع ترقوة : وهي عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان
(3) يمرقون : يجوزون ويخرقون ويخرجون
(4) مرق السهم من الرمية : اخترقها وخرج من الجانب الآخر في سرعة
(5) الرمية : الهدف الذي يرمى

(1/45)


39 - حدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال : حدثنا يزيد بن يوسف ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، والضحاك الهمداني ، عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسما إذ قال ذو الخويصرة التميمي : يا رسول الله اعدل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ويحك : فمن يعدل إذا لم أكن أعدل » فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، أتأذن لي أضرب عنقه ؟ قال : « لا ، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته ، وصيامه مع صيامه ، يمرقون (1) من الدين كما يمرق السهم من الرمية (2) ، ينظر إلى نصله (3) فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء ، سبق الفرث والدم ، يخرجون على حين فرقة من الناس ، آيتهم (4) رجل أدعج (5) إحدى يديه مثل ثدي المرأة ، أو مثل البضعة (6) ، تدردر (7) » قال أبو سعيد : أشهد : لسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أني كنت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قتلهم والتمس في القتلى ، فأتى به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) يمرقون : يجوزون ويخرقون ويخرجون
(2) الرمية : الهدف الذي يرمى
(3) النصل : حديدة الرمح والسهم والسكين
(4) الآية : العلامة
(5) الدعج : شدة سواد العينين مع سعتهما
(6) البضعة : القطعة من اللحم
(7) تتدردر : تترجرج وتضطرب وتتحرك وتجيء وتذهب

(1/46)


40 - حدثنا عمر بن أيوب قال : حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال : حدثنا يزيد بن يوسف ، عن الأوزاعي ، عن قتادة بن دعامة ، عن أنس بن مالك ، وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ، ثم قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم (1) ، يمرقون (2) من الدين كما يمرق (3) السهم من الرمية (4) ، ثم لا يرجعون حتى يرتد على فوقه ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى (5) لمن قتلهم أو قتلوه ، يدعون إلى كتاب الله ، وليسوا منه في شيء ، من قتلهم كان أولى بالله منهم » قالوا : يا رسول الله ، ما سيماهم (6) ؟ قال : « التحليق »
__________
(1) التراقي : جمع ترقوة : وهي عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان
(2) يمرقون : يجوزون ويخرقون ويخرجون
(3) مرق السهم من الرمية : اخترقها وخرج من الجانب الآخر في سرعة
(4) الرمية : الهدف الذي يرمى
(5) طوبى : اسم الجنة ، وقيل هي شجرة فيها
(6) السيما : العلامة أو الدليل

(1/47)


41 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا هارون بن عبد الله قال : حدثنا سيار بن حاتم قال : حدثنا جعفر بن سليمان قال : حدثنا أبو عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح الأنصاري ، عن كعب الأحبار قال : للشهيد نوران ، ولمن قتله الخوارج عشرة أنوار له ، ولجهنم سبعة أبواب : باب منها للحرورية ، ولقد خرجوا على داود نبي الله في زمانه قال محمد بن الحسين : هذه صفة الحرورية ، وهم الشراة الخوارج ، الذين قال الله تعالى : فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله (1) الآية ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته ممن هذه صفته
__________
(1) سورة : آل عمران آية رقم : 7

(1/48)


42 - حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال : حدثنا ابن أبي عمر قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله (1) الآية ، فقال : « إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى (2) الله تعالى ، فاحذروهم »
__________
(1) سورة : آل عمران آية رقم : 7
(2) عنى : أراد وقصد

(1/49)


43 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا يحيى بن حكيم قال : حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال : حدثنا أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب (1) إلى قوله : وما يذكر إلا أولو الألباب فقال : « يا عائشة ، إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى (2) الله تعالى ، فاحذروهم »
__________
(1) سورة : آل عمران آية رقم : 7
(2) عنى : أراد وقصد

(1/50)


44 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا المثنى بن أحمد قال : حدثنا عمرو بن خالد قال : حدثنا ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، في قوله تعالى : وأخر متشابهات (1) قال : « أما المتشابهات : فهن آي في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرءوهن ، من أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى هذه الكلمة ، كل فرقة يقرءون آيات من القرآن ، ويزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى ومما تتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (2) ويقرءون معها : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (3) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا : قد كفر ، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك فهؤلاء الأئمة مشركون ، فيخرجون فيفعلون ما رأيت ؛ لأنهم يتأولون هذه الآية »
__________
(1) سورة : آل عمران آية رقم : 7
(2) سورة : المائدة آية رقم : 44
(3) سورة : الأنعام آية رقم : 1

(1/51)


45 - وحدثنا أبو بكر بن عبد الحميد قال : حدثنا ابن المقرئ قال : ثنا سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : ذكر لابن عباس الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن ؟ قال : « يؤمنون بمحكمه ، ويضلون عن متشابهه وقرأ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به (1) »
__________
(1) سورة : آل عمران آية رقم : 7

(1/52)


46 - حدثنا ابن عبد الحميد أيضا قال : حدثنا ابن المقرئ قال : حدثنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال : سمعت ابن عباس وذكر له الخوارج واجتهادهم وصلاتهم ، قال : « ليس هم بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى ، وهم على ضلالة »

(1/53)


47 - وأخبرنا عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا مخلد بن الحسن بن أبي زميل قال : حدثنا أبو المليح الرقي ، عن سليمان بن أبي نشيط ، عن الحسن : وذكر الخوارج فقال : « حيارى سكارى ، ليس بيهود ولا نصارى ، ولا مجوس فيعذرون »

(1/54)


48 - وحدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين قال : حدثنا الصلت بن مسعود قال : حدثنا جعفر بن سليمان قال : حدثنا المعلى بن زياد قال : قيل للحسن : يا أبا سعيد ، خرج خارجي بالخريبة ، فقال : المسكين رأى منكرا فأنكره ، فوقع فيما هو أنكر منه قال محمد بن الحسين : فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام عدلا كان الإمام أو جائرا ، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه ، واستحل قتال المسلمين ، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ، ولا بطول قيامه في الصلاة ، ولا بدوام صيامه ، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قلته أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين ، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمة المسلمين

(1/55)


49 - حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثنا عاصم بن علي ، قال حدثنا أبو معشر وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال : ثنا محمد بن بكار قال : حدثنا أبو معشر ، عن يعقوب بن زيد بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك قال : ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ذو نكاية للعدو واجتهاد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أعرف هذا » فقالوا : يا رسول الله ، نعته كذا وكذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أعرفه » ، فبينا هم كذلك إذ طلع الرجل ، فقالوا : هذا ، يا رسول الله ، فقال : « ما كنت أعرف هذا ، هذا أول قرن رأيته في أمتي ، إن به لسفعة من الشيطان » قال : فلما دنا الرجل ، سلم ، فرد عليه القوم السلام قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نشدتك بالله ، هل حدثت نفسك حين طلعت علينا ، أن ليس في القوم أحد أفضل منك ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فدخل المسجد يصلي قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : » قم فاقتله « فدخل أبو بكر المسجد فوجده قائما يصلي ، فقال أبو بكر في نفسه : إن للصلاة لحرمة وحقا ولو استأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فجاء إليه ، فقال له : » أقتلته ؟ « قال : لا ، رأيته قائما يصلي ، ورأيت للصلاة حقا وحرمة ، وإن شئت أن أقتله ، قتلته قال » لست بصاحبه « ثم قال : » اذهب يا عمر فاقتله « قال : فدخل عمر المسجد ، فإذا هو ساجد قال : فانتظره طويلا ، ثم قال : في نفسه : إن للسجود لحقا ، ولو أني استأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد استأمره من هو خير مني قال : فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : » أقتلته ؟ « قال : لا ، رأيته ساجدا ، ورأيت للسجود حقا ، وإن شئت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتله قتلته قال : » لست بصاحبه « قم يا علي فاقتله ، أنت صاحبه إن وجدته » قال : فدخل علي كرم الله وجهه المسجد ، فلم يجده قال : فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو قتل اليوم ما اختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال » وذكر باقي الحديث

(1/56)


50 - حدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا فضل بن سهل الأعرج قال : حدثنا زيد بن الحباب قال : أخبرني موسى بن عبيدة قال : حدثني هود بن عطاء الحنفي ، عن أنس بن مالك قال : كان فينا شاب ذو عبادة وزهد ، فوصفناه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وسميناه باسمه ، فلم يعرفه ، فبينا نحن كذلك إذ أقبل ، فقلنا : يا رسول الله هو ذا ، فقال : « إني لأرى على وجهه سفعة (1) من الشيطان » فجاء فسلم على القوم ، فردوا السلام ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجعلت في نفسك أن ليس في القوم أحد خير منك ؟ « قال : نعم ، ثم ولى ، فدخل المسجد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » من يقتل الرجل ؟ « فقال أبو بكر : أنا يا رسول الله ، فدخل المسجد ، فوجده يصلي فقال أبو بكر : وجدته يصلي ، وقد نهيتنا عن ضرب المصلين ، فقال » من يقتل الرجل ؟ فقال عمر رضي الله عنه : أنا يا رسول الله فدخل المسجد فوجده ساجدا ، فقال : أقتل رجلا يصلي وقد نهانا عن ضرب المصلين « فجاء ، فقال له النبي : » مه يا عمر « قال وجدته ساجدا ، وقد نهيتنا عن ضرب المصلين ، ثم قال : » من يقتل الرجل ؟ « فقال علي كرم الله وجهه : أنا ، فقال : » أنت تقتله إن وجدته « ، فذهب علي فجاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : » مه يا علي « قال : وجدته قد خرج ، فقال : » أما إنك لو قتلته لكان أولهم وآخرهم ، وما اختلف من أمتي اثنان «
__________
(1) سفعة : تغير إلى السواد

(1/57)


باب ذكر قتل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه للخوارج مما أكرمه الله تعالى بقتالهم

(1/58)


51 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا صفوان بن صالح قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا ابن لهيعة قال : حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، مولى أم سلمة : أن الحرورية ، لما خرجوا وهم مع علي بن أبي طالب ، قالوا : لا حكم إلا لله ، فقال علي : أجل ، كلمة حق أريد بها باطل ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف أناسا ، إني لأعرف صفتهم ، يقولون الحق لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه ، هم أبغض خلق الله إلى الله ، فيهم أسود إحدى يديه طبي (1) شاة ، أو حلمة ثدي فلما قتلهم علي رضي الله عنه قال : انظروا ، فنظروا فلم يجدوا شيئا ، فقال : ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثة ، ثم وجدوه في خربة (2) ، فأتوا به علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حتى وضعوه بين يديه قال عبيد الله بن أبي رافع : أنا حضرت ذلك من أمرهم
__________
(1) طبي الشاة : ضرعها
(2) الخرب : البناء المتهدم

(1/59)


52 - وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو يعني ابن الحارث ، عن بكير يعني ابن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحرورية لما خرجت وهم مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قالوا : لا حكم إلا لله ، فقال علي كرم الله وجهه : كلمة حق أريد بها باطل ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم ، ولا يجاوز تراقيهم (1) وأشار إلى حلقه هم أبغض خلق الله إليه تعالى ، منهم أسود ، إحدى يديه طبي (2) شاة ، أو حلمة شاة قال : فلما قتلهم علي رضي الله عنه قال : انظروا فنظروا ، فلم يجدوا شيئا ، فقال : ارجعوا ، فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة (3) فأتوا به حتى وضعوه بين يديه قال عبيد الله : وأنا حاضر ذلك من أمرهم ، وقول علي فيهم
__________
(1) التراقي : جمع ترقوة : وهي عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان
(2) طبي الشاة : ضرعها
(3) الخرب : البناء المتهدم

(1/60)


53 - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : ثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال : حدثنا عوف ، وهشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة يعني السلماني قال : شهدت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه النهر ، فلما قتلت الخوارج قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إن فيهم رجلا مخدج (1) اليد أو مودن (2) اليد ، قال : فنظروا فلم يقدروا عليه ، فقال ذلك ثلاثا ثم قال : انظروا وقلبوا القتلى ، فاستخرجوا رجلا آدم مثدنا (3) يده اليمنى كأنها ثدي المرأة ، فلما رآه استقبل القبلة ورفع يديه فحمد الله وأثنى عليه وشكر الله الذي ولاه قتلهم ، والذي أكرمه بقتالهم ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لولا أن تبطروا (4) لحدثتكم بما سبق على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من الكرامة لمن قاتل هؤلاء القوم قال عبيدة : فقلت : يا أمير المؤمنين ، أشيء بلغك عن النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء سمعته منه ؟ قال : بل شيء سمعته منه ورب الكعبة
__________
(1) المخدج : القصير اليد ، والمراد رجل من الخوارج وصفه لهم النبي صلى الله عليه وسلم
(2) مودن اليد : ناقص اليد صغيرها
(3) المثدن : صغير اليد مجتمعها، وقيل : المثدن مقلوب ثند، يريد أنه يشبه ثندوة الثدي
(4) البطر : الطغيان عند النعمة وطول الغنى، والتكبر

(1/61)


54 - وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن صالح البخاري قال : حدثنا عبد الله بن عمر الكوفي قال : حدثنا وكيع ، عن جرير بن حازم ، وأبي عمرو بن العلاء النحوي ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيخرج قوم فيهم رجل مودن (1) اليد ، أو مثدون (2) اليد ، أو مخدج (3) اليد ، ولولا أن تبطروا (4) لأنبأتكم ما وعد الله تعالى الذين يقتلونهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال عبيدة : فقلت لعلي رضي الله عنه : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، سمعته ورب الكعبة ، سمعته إي ورب الكعبة ، سمعته إي ورب الكعبة سمعته
__________
(1) مودن اليد : ناقص اليد صغيرها
(2) مثدون اليد : صغير اليد مجتمعها
(3) المخدج : القصير اليد ، والمراد رجل من الخوارج وصفه لهم النبي صلى الله عليه وسلم
(4) البطر : الطغيان عند النعمة وطول الغنى، والتكبر

(1/62)


55 - وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا لوين محمد بن سليمان قال : حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن عبد الله بن شريك العامري ، عن جندب قال : لما كان يوم قتل علي رضي الله عنه الخوارج نظرت إلى وجوههم وإلى شمائلهم ، فشككت في قتالهم ، فتنحيت عن العسكر غير بعيد ، فنزلت عن دابتي ، وركزت رمحي ، ووضعت درعي (1) تحتي ، وعلقت برنسي (2) مستترا به من الشمس ، وأنا معتزل من العسكر ناحية ، إذ طلع أمير المؤمنين رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت في نفسي : ما لي وله ؟ أنا أفر منه ، وهو يجيء إلي ، فقال لي : يا جندب ، ما لك في هذا المكان تنحيت عن العسكر ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أصابني وعك (3) ، فشق علي الغبار ، فلم أستطع الوقوف قال : فقال : أما بلغك ما للعبد في غبار العسكر من الأجر ؟ ثم ثنى رحله ، فنزل ، فأخذت برأس دابته ، وقعد فقعدت ، فأخذت البرنس بيدي فسترته من الشمس ، فقال : فوالله إني لقاعد إذ جاء فارس يركض (4) ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن القوم قد قطعوا الجسر ذاهبين ، قال : فالتفت إلي ، فقال : إن مصارعهم دون النهر ، قال : وإن الرجل الذي أخبره عنده واقف ، إذ جاء رجل آخر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد والله عبروا ، فما بقي منهم أحد قال : ويحك ، إن مصارعهم دون النهر ، قال : فجاء فارس آخر يركض ، فقال : يا أمير المؤمنين ، والذي بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق لقد رجعوا ، ثم جاء الناس ، فقالوا : قد رجعوا ، حتى إنهم ليتساقطون في الماء زحاما على العبور قال : ثم إن رجلا جاء ، فقال : يا أمير المؤمنين إن القوم قد صفوا الصفوف ، ورموا فينا ، وقد جرحوا فلانا ، فقال علي رضي الله عنه : هذا حين طاب القتال قال : فوثب فقعد على بغلته ، فقمت إلى سلاحي فلبسته ، ثم شددته علي ، ثم قعدت على فرسي ، وأخذت رمحي ، ثم خرجت ، فلا والله يا عبد الله بن شريك ، ما صليت العصر ، قال أبو جعفر لوين : أو قال : الظهر حتى قتلت بيدي سبعين
__________
(1) الدرع : قميص المرأة
(2) البرنس : كل ثوب رأسه منه ملتزق به
(3) الوعك : الحمى ، وقيل ألمها
(4) يركض : يعدو

(1/63)


56 - وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا محمد بن بكار قال : حدثنا إسماعيل بن زكريا ، عن يزيد بن أبي زياد قال : سألت سعيد بن جبير ، عن أصحاب النهر ، ؟ فقال : حدثني مسروق ، قال سألتني عائشة رضي الله عنها فقالت : « هل أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ذا الثدية ؟ » قال : قلت لم أره ، ولكن قد شهد عندي من قد رآه ، قالت « فإذا قدمت الأرض فاكتب إلي بشهادة نفر قد رأوه أمناء » فجئت والناس أشياع قال : فكلمت من كل سبع عشرة ممن قد رآه قال : فقلت : كل هؤلاء عدل رضى ، فقالت : « قاتل الله فلانا ، فإنه كتب إلي أنه أصابه بمصر »

(1/64)


57 - قال إسماعيل : قال يزيد : وحدثني من ، سمع عائشة رضي الله عنها تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي » قالت : وما كان بيني وبينهم إلا ما كان بين المرأة وأحمائها قال محمد بن الحسين رحمه الله : رضي الله عن علي بن أبي طالب ورضي عن عائشة أم المؤمنين ، ونفعنا بحبهما ، وحب جميع الصحابة رضي الله عنهم

(1/65)


باب ذكر ثواب من قاتل الخوارج فقتلهم أو قتلوه

(1/66)


58 - حدثنا موسى بن هارون أبو عمران قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان (1) ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول الناس ، يمرقون (2) من الإسلام كما يمرق (3) السهم من الرمية (4) فمن لقيهم فليقتلهم ، فإن قتلهم أجر عند الله »
__________
(1) الأسنان : الأعمار
(2) يمرقون : يجوزون ويخرقون ويخرجون
(3) مرق السهم من الرمية : اخترقها وخرج من الجانب الآخر في سرعة
(4) الرمية : الهدف الذي يرمى

(1/67)


59 - أخبرنا أبو سعيد المفضل بن محمد الجندي ، بالمسجد الحرام قال : حدثنا علي بن زياد اللحجي قال : حدثنا أبو قرة موسى بن طارق قال : سمعت الأزهر بن صالح يقول : حدثني أبو غالب أنه سمع أبا أمامة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خرجت خارجة بالشام فقتلوا ، وألقوا في جب (1) ، أو بئر قال : فأقبل أبو أمامة وأنا معه ، حتى وقف عليهم ، ثم بكى ، ثم قال : سبحان الله ، ما فعل الشيطان بهذه الأمة ؟ كلاب النار ، كلاب النار ، ثلاثا ، شر قتلى تحت ظل السماء ، شر قتلى تحت ظل السماء ، خير قتلى تحت ظل السماء ، خير قتلى تحت ظل السماء ، خير قتلى تحت ظل السماء من قتلوه قال : قلت يا أبا أمامة ، أشيء تقوله برأيك ، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني إذن لجريء ، إني إذن لجريء ، ثلاثا ، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ، ولا مرتين ، ولا ثلاثا ، حتى عد عشرا ، سمعت من رسول الله يقول : « سيأتي قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم (2) ، أو لا يعدو تراقيهم ، يمرقون (3) من الإسلام ، كما يمرق (4) السهم من الرمية ، لا يعودون في الإسلام حتى يعود السهم على فوقه ، طوبى (5) لمن قتلوه أو قتلهم »
__________
(1) الجب : البئر
(2) التراقي : جمع ترقوة : وهي عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان
(3) يمرقون : يجوزون ويخرقون ويخرجون
(4) مرق السهم من الرمية : اخترقها وخرج من الجانب الآخر في سرعة
(5) طوبى : اسم الجنة ، وقيل هي شجرة فيها

(1/68)


60 - وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا عمي قال : حدثنا عصمة بن المتوكل قال : حدثني المبارك بن فضالة ، عن أبي غالب قال : كنت بالشام ، وبها صدي بن عجلان أبو أمامة ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لي صديقا قال : فجيء برءوس الحرورية ، فألقيت بالدرج ، فجاء أبو أمامة فصلى ركعتين ، ثم توجه نحو الرءوس قال : فقلت : لأتبعنه حتى أسمع ما يقول ، قال : فتبعته حتى وقف عليهم فبكى ، ثم قال : « سبحان الله ما صنع إبليس بأهل هذه الأمة » قال ثم قال : « كلاب أهل النار ، كلاب النار ، كلاب النار ، ثلاثا » ، ثم قال : « شر قتلى قتلوا تحت ظل السماء ، وخير قتلى الذين قتلوهم » قال : ثم تلا هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله (1)
__________
(1) سورة : آل عمران آية رقم : 7

(1/69)


61 - وحدثنا أبو بكر بن أبي داود أيضا قال حدثنا يعقوب بن سفيان قال : حدثني بكر بن خلف قال : حدثنا قطن بن عبد الله الحداني قال : حدثني أبي قال : حدثني أبو غالب قال : كنت في مسجد دمشق فجاءوا بسبعين رأسا من رءوس الخوارج ، فنصبت على درج (1) المسجد ، فجاء أبو أمامة فنظر إليهم فقال : كلاب جهنم ، شر قتلى قتلوا تحت ظل السماء ، ومن قتلوا خير قتلى تحت ظل السماء ، وبكى فنظر إلي ، فقال : يا أبا غالب ، إنك ببلد هؤلاء به كثير قال : قلت : نعم قال : أعاذك الله تعالى منهم ، ثم قال : تقرأ القرآن ؟ قلت : نعم قال : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ، هن أم الكتاب وأخر متشابهات (2) إلى قوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به قال : قلت : يا أبا أمامة : إني رأيت تغرغرت لهم عيناك قال : رحمة لهم ، إنهم كانوا من أهل الإسلام قال : فقال له رجل : يا أبا أمامة ، أمن رأيك تقوله ، أم شيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني إذا لجريء ، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ، ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع
__________
(1) الدرج : الطريق
(2) سورة : آل عمران آية رقم : 7

(1/70)


62 - حدثنا حامد بن شعيب البلخي قال : حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن الأعمش ، عن ابن أبي أوفى : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الخوارج كلاب النار » قال محمد بن الحسين : قد ذكرت من التحذير من مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله تعالى ، عن مذهب الخوارج ، ولم ير رأيهم ، وصبر على جور الأئمة ، وحيف الأمراء ، ولم يخرج عليهم بسيفه ، وسأل الله تعالى كشف الظلم عنه ، وعن المسلمين ، ودعا للولاة بالصلاح ، وحج معهم ، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين وصلى معهم الجمعة والعيدين ، فإن أمروه بطاعة فأمكنه أطاعهم ، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم ، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم ، وإذا دارت الفتن بينهم لزم بيته وكف لسانه ويده ، ولم يهو ما هم فيه ، ولم يعن على فتنة ، فمن كان هذا وصفه كان على الصراط المستقيم إن شاء الله

(1/71)


باب في السمع والطاعة لمن ولي أمر المسلمين والصبر عليهم وإن جاروا ، وترك الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة

(1/72)


63 - أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن البختري الحنائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا عمر بن يزيد ، صاحب الطعام قال : سمعت الحسن أيام يزيد بن المهلب قال : وأتاه رهط (1) فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ، ويغلقوا عليهم أبوابهم ، ثم قال : والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم ، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلوا إليه ، ووالله ما جاءوا بيوم خير قط ، ثم تلا : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ، وما كانوا يعرشون (2)
__________
(1) الرهط : الجماعة من الرجال دون العشرة
(2) سورة : الأعراف آية رقم : 137

(1/73)


64 - أخبرنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن هشام قال : نا الحسن ، عن ضبة بن محصن ، عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون ، فمن عرف برئ ، ومن كره سلم ، ولكن من رضي وتابع » قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : « لا ما صلوا »

(1/74)


65 - وحدثنا أيضا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا هدبة بن خالد قال : حدثنا همام قال : حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن ضبة بن محصن ، عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون ، فمن عرف برئ ، ومن كره سلم ، ولكن من رضي وتابع » قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : « لا ما صلوا »

(1/75)


66 - حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال حدثني أبو التياح عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة »

(1/76)


67 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد قال : أخبرني عبادة بن الوليد قال : أخبرني أبي ، عن أبيه قال : « بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط (1) والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا ، لا نخاف في الله لومة (2) لائم »
__________
(1) المنشط : الأمر الذي تنشط له وتحبه وترغب فيه
(2) اللوم : العذل والتعنيف

(1/77)


68 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا عبد الوهاب ، يعني الثقفي قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، أن الوليد بن عبادة قال : أخبرني أبي قال : « بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمكره والمنشط » فذكر مثله

(1/78)


69 - حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين قال : حدثنا محمد بن بكار قال : حدثنا فرج بن فضالة ، عن لقمان بن عامر ، عن أبي أمامة الباهلي : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اسمعوا لهم وأطيعوا في عسركم ويسركم ومنشطكم (1) ومكرهكم ، وأثرة (2) عليكم ، ولا تنازعوا الأمر أهله ، وإن كان لكم »
__________
(1) المنشط : الأمر الذي تنشط له وتحبه وترغب فيه
(2) الأثرة والاستئثار : الانفراد بالشيء دون الآخرين

(1/79)


70 - وأخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن علقمة بن وائل الحضرمي ، عن أبيه قال : سأل يزيد بن سلمة الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قامت علينا أمراء ، فسألونا حقهم ، ومنعونا حقنا ، فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ، ثم سأله الثانية أو الثالثة ، فجبذه (1) الأشعث بن قيس ، وقال : « اسمعوا وأطيعوا ، فإنما عليهم ما حملوا ، وعليكم ما حملتم »
__________
(1) الجبذ : الشد والجذب بقوة

(1/80)


71 - حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثني جدي قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة قال : قال لي عمر بن الخطاب : « لعلك أن تخلف بعدي ، فأطع الإمام ، وإن كان عبدا حبشيا وإن ضربك فاصبر ، وإن حرمك فاصبر ، وإن دعاك إلى أمر منقصة في دنياك فقل : سمعا وطاعة ، دمي دون ديني »

(1/81)


72 - وأخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد الحنائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا ليث ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة قال : قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : « لا أدري لعلك أن تخلف بعدي فأطع الإمام ، وإن أمر عليك عبد حبشي مجدع (1) ، وإن ظلمك فاصبر ، وإن حرمك فاصبر ، وإن دعاك إلى أمر ينقصك في دنياك فقل : سمعا وطاعة ، دمي دون ديني » قال محمد بن الحسين : فإن قال قائل : إيش الذي يحتمل عندك قول عمر رضي الله عنه فيما قاله ؟ قيل له : يحتمل والله أعلم أن نقول : من أمر عليك من عربي أو غيره أسود أو أبيض أو عجمي فأطعه فيما ليس لله فيه معصية ، وإن حرمك حقا لك ، أو ضربك ظلما لك ، أو انتهك عرضك ، أو أخذ مالك ، فلا يحملك ذلك على أن تخرج عليه بسيفك حتى تقاتله ، ولا تخرج مع خارجي يقاتله ، ولا تحرض غيرك على الخروج عليه ، ولكن اصبر عليه وقد يحتمل أن يدعوك إلى منقصة في دينك من غير هذه الجهة يحتمل أن يأمرك بقتل من لا يستحق القتل ، أو بقطع عضو من لا يستحق ذلك ، أو بضرب من لا يحل ضربه ، أو بأخذ مال من لا يستحق أن تأخذ ماله ، أو بظلم من لا يحل له ولا لك ظلمه ، فلا يسعك أن تطيعه ، فإن قال لك : لئن لم تفعل ما آمرك به وإلا قتلتك أو ضربتك ، فقل : دمي دون ديني ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل » ولقوله صلى الله عليه وسلم « إنما الطاعة في المعروف »
__________
(1) المجدع : المقطوع

(1/82)


73 - حدثنا أبو جعفر أحمد بن خالد البردعي في المسجد الحرام سنة تسع وسبعين ومائتين قال : حدثنا علي بن سهل الرملي قال : حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن جابر ، قال : حدثني رزيق مولى بني فزارة قال : سمعت مسلم بن قرظة الأشجعي ، يقول : سمعت عمي عوف بن مالك الأشجعي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم » قلنا : يا رسول الله : أفلا ننابذهم (1) على ذلك ؟ قال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، ألا من ولي عليكم منهم ، فرآه يأتي شيئا من معصية الله عز وجل ، فلينكر ما يأتي به من معصية الله ، ولا تنزعن يدا من طاعة الله عز وجل « قلت لرزيق : الله ، يا أبا المقدام لسمعت مسلم بن قرظة ، يقول : سمعت عمي عوف بن مالك ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ما أخبرت به عنه ؟ قال ابن جابر : فجثا رزيق على ركبتيه ، واستقبل القبلة ، وحلف على ما سألته أن يحلف عليه قال ابن جابر : ولم أستحلفه اتهاما له ، ولكني استحلفته استثباتا
__________
(1) المنابذة : المكاشفة بالعداوة والمقاتلة

(1/83)


باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها وتخوف العقلاء على قلوبهم أن تهوى ما يكرهه الله تعالى ولزوم البيوت والعبادة لله تعالى

(1/84)


74 - حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا سعيد بن سليمان ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي (1) ، من يستشرف لها تستشرف له ، ومن وجد منها ملجأ أو معاذا (2) فليعذ (3) به »
__________
(1) السعي : المشي السريع القريب من الجري
(2) المعاذ : الملاذ والمأوى والملجأ الذي نعتصم به
(3) عاذ : لجأ وتحصن واعتصم واحتمى

(1/85)


75 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا وهب بن بقية الواسطي ، قال : أنا خالد ، يعني ابن عبد الله الواسطي ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تكون فتن كرياح الصيف ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، من استشرف (1) لها استشرفته »
__________
(1) استشرف : رغب وتطلع

(1/86)


76 - حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا شيبان بن فروخ قال : ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، عن رجل كان مع الخوارج ثم فارقهم ، قال أبو القاسم وحدثني جدي ، وأبو خيثمة قالا : نا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال ، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ، ثم فارقهم قال : دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب ذعرا (1) ، يجر رداءه (2) ، فقالوا لم ترع (3) ؟ لم ترع ؟ مرتين ، فقال : والله لقد رعتموني قالوا : أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم ، قالوا : فهل سمعت من أبيك حديثا يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثناه ؟ قال : سمعته يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنه ذكر فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، قال : فإن أدركتها فكن عبد الله المقتول » قال أيوب : ولا أعلمه إلا قال : ولا تكن عبد الله القاتل ، قالوا : أنت سمعت هذا من أبيك يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم ، فقدموه على ضفة النهر ، فضربوا عنقه ، فسال دمه كأنه شراك (4) ما اخذفر يعني ما اختلط بالماء الدم وبقروا (5) أم ولده عما في بطنها «
__________
(1) الذعر : الفزع والخوف الشديد
(2) الرداء : ما يوضع على أعالي البدن من الثياب
(3) الروع : الخوف الشديد والفزع
(4) الشراك : أحد السيور من الجلد والتي تمسك بالنعل على ظهر القدم
(5) بقر : شق

(1/87)


77 - حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد أيضا قال : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد قال : أنا عاصم ، عن أبي كبشة قال : سمعت أبا موسى يقول على المنبر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمنا ، ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ، ويصبح كافرا ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي (1) » قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : « كونوا أحلاس (2) بيوتكم »
__________
(1) السعي : المشي السريع القريب من الجري
(2) الأحلاس : جمع حلس : وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب ، ومعنى : كونوا أحلاس البيوت أي الزموها

(1/88)


78 - وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا عبد الملك بن شعيب قال : حدثني ابن وهب قال : حدثني الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن خالد بن أبي عمران ، أن الحكم بن مسعود النجراني ، حدثه ، أن أنس بن أبي مرثد الأنصاري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ستكون فتنة بكماء (1) صماء عمياء ، المضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي (2) ، ومن أبى فليمدد عنقه »
__________
(1) بكماء : لا تنطق والمعنى لا ينطق أحد فيها بالحق أو النصح
(2) السعي : المشي السريع القريب من الجري

(1/89)


79 - وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أسيد بن عاصم الأصبهاني قال : حدثنا إسماعيل بن عمرو قال : أخبرنا قيس ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن شقيق بن سلمة ، عن حذيفة وعن مجالد ، عن عامر ، عن مسروق ، عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تتقارب الفتن ، ولا ينجو منها إلا من كرهها ، ولم يأخذ المال ، فإن أخذ المال فهو شريكهم في الدماء وغيرها » قال محمد بن الحسين : قد ذكرت هذا الباب في كتاب الفتن في أحاديث كثيرة ، وقد ذكرت هاهنا طرفا منها ؛ ليكون المؤمن العاقل يحتاط لدينه ، فإن الفتن على وجوه كثيرة ، وقد مضى منها فتن عظيمة ، نجا منها أقوام ، وهلك فيها أقوام باتباعهم الهوى ، وإيثارهم للدنيا ، فمن أراد الله به خيرا فتح له باب الدعاء ، والتجأ إلى مولاه الكريم ، وخاف على دينه ، وحفظ لسانه ، وعرف زمانه ، ولزم المحجة الواضحة السواد الأعظم ، ولم يتلون في دينه ، وعبد ربه تعالى ، فترك الخوض في الفتنة ، فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير ، ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو محذر أمته الفتن ؟ قال : « يصبح الرجل مؤمنا ، ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ، ويصبح كافرا »

(1/90)


80 - حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري قال : حدثنا محمد بن المصفى قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : ثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ، إلا من أحياه الله بالعلم »

(1/91)


81 - حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن المجدر قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش قال حدثنا عمرو بن عاصم قال : حدثنا معتمر قال : سمعت أبي يحدث عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « بادروا بالأعمال ، ستكون فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ، ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع الرجل دينه بعرض من الدنيا »

(1/92)


82 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا عبد الوهاب الوراق قال : أنا هاشم بن القاسم ، عن الأشجعي ، عن سفيان يعني الثوري ، عن أبي سنان الشيباني ، عن سعيد بن جبير قال : قال لي راهب : يا سعيد في الفتنة يتبين لك من يعبد الله تعالى ، ومن يعبد الطاغوت

(1/93)


83 - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن المعلى بن زياد ، عن معاوية بن قرة ، عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « العبادة في الهرج (1) كالهجرة إلي » وحدثنا علي بن إسحاق بن زاكيا قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : حدثنا حماد بن زيد وذكر الحديث ، مثله إلى آخره
__________
(1) الهرج : الفتنة والاختلاط والقتل، وأصل الهرج الكثرة في الشيء والاتساع

(1/94)


باب الحث على التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه رضي الله عنهم وترك البدع وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة وقول الصحابة رضي الله عنهم

(1/95)


84 - أخبرنا الفريابي قال حدثنا حبان بن موسى قال : أنا عبد الله بن المبارك ، عن سفيان الثوري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : « نحمد الله بما هو أهله » ثم يقول « من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، أصدق الحديث كتاب الله عز وجل ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار »

(1/96)


85 - حدثنا أبو بكر محمد بن الليث الجوهري قال : نا أبو هشام الرفاعي قال : حدثنا أبو بكر بن عياش قال : حدثنا أبو حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أحسن الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة »

(1/97)


86 - أخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي قال : حدثنا داود بن رشيد قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، وحجر الكلاعي قالا : دخلنا على العرباض بن سارية ، وهو الذي نزلت فيه : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم (1) الآية وهو مريض قال : فقلنا له : إنا جئناك زائرين وعائدين ، ومقتبسين ، فقال عرباض : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغداة (2) ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ، ذرفت (3) منها العيون ووجلت (4) منها القلوب فقال قائل : يا رسول الله : إن هذه لموعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟ قال : « أوصيكم بتقوى الله ، والطاعة والسمع ، وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ (5) ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة » وحدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي قال : حدثنا الفضل بن زياد قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا ثور بن يزيد ، وذكر الحديث مثله إلى آخره
__________
(1) سورة : التوبة آية رقم : 92
(2) الغداة : الصبح
(3) ذرفت العيون : سال منها الدمع
(4) الوجل : الخوف والخشية والفزع
(5) النواجذ : هي أواخر الأسنان. وقيل : التي بعد الأنياب.

(1/98)


87 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا أحمد بن صالح المصري قال : حدثنا أسد بن موسى قال : نا معاوية بن صالح قال : حدثنا ضمرة بن حبيب ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، أنه سمع عرباض بن سارية السلمي يقول : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت (1) منها العيون ، ووجلت (2) منها القلوب ، قلنا : يا رسول الله ، إن هذه موعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟ قال : « قد تركتكم على البيضاء ، ليلها ونهارها ، ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعليكم بالطاعة ، وإن عبدا حبشيا ، عضوا عليها بالنواجذ (3) » حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : أنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن ثور بن يزيد ، وذكر الحديث نحوا منه إلى آخره
__________
(1) ذرفت العيون : سال منها الدمع
(2) الوجل : الخوف والخشية والفزع
(3) النواجذ : هي أواخر الأسنان. وقيل : التي بعد الأنياب.

(1/99)


88 - وحدثنا ابن عبد الحميد أيضا قال : حدثنا زهير قال : أنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي إدريس الخولاني قال : أخبرني يزيد بن عميرة ، أنه سمع معاذ بن جبل ، رضي الله عنه يقول في كل مجلس يجلسه : « هلك المرتابون ، إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ، ويفتح فيها القرآن ، حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن في ذلك الزمان فيقول : ما بال الناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ، فيقول : ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإنما ابتدع ضلالة »

(1/100)


89 - وأخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي قال : حدثنا أبو بكر بن زنجويه قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : سمعت أبا إدريس الخولاني ، يقول : أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه ، وأدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه ، وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه ، وفاتني معاذ بن جبل ، فأخبرني يزيد بن عميرة ، أنه كان يقول في كل مجلس يجلسه : « الله حكم عدل قسط ، تبارك اسمه ، هلك المرتابون ، إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ، ويفتح فيها القرآن ، حتى يأخذ الرجل والمرأة ، والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن في ذلك الزمان فيقول : قد قرأت القرآن فما للناس لا يتبعوني ، وقد قرأت القرآن ثم يقول : ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة ، اتقوا زيغة (1) العالم ، فإن الشيطان يلقي على في (2) الحكيم كلمة الضلالة ، ويلقي المنافق كلمة الحق قال : قلنا : وما يدرينا رحمك الله أن المنافق يلقي كلمة الحق ، وأن الشيطان يلقي على في الحكيم كلمة الضلالة ؟ قال : اجتنبوا من كلمة الحكيم كل متشابه ، الذي إذا سمعته قلت : ما هذه ؟ ولا ينأينك ذلك عنه ، فإنه لعله أن يراجع ، ويلقي الحق إذا سمعه ، فإن على الحق نورا »
__________
(1) الزيغ : البعد عن الحق ، والميل عن الاستقامة
(2) فيه : أي فمه

(1/101)


90 - أخبرنا الفريابي قال : نا الحسن بن علي الحلواني ، بطرسوس سنة ثلاث وثلاثين ومائتين قال : سمعت مطرف بن عبد الله يقول : سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده الزائغون في الدين يقول : قال عمر بن عبد العزيز : « سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا ، الأخذ بها اتباع لكتاب الله تعالى ، واستكمال لطاعة الله تعالى ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد من الخلق تغييرها ، ولا تبديلها ، ولا النظر في شيء خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد ، ومن استنصر بها فهو منصور ، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا »

(1/102)


91 - حدثنا أبو محمد الحسن بن علويه القطان قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : « إن ناسا يجادلونكم بشبيه القرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى »

(1/103)


باب التحذير من طوائف يعارضون سنن النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله تعالى وشدة الإنكار على هذه الطبقة قال محمد بن الحسين : ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء قد ثبت عند العلماء ، فعارض إنسان جاهل فقال : لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله تعالى ، قيل له : أنت رجل سوء ، وأنت ممن يحذرناك النبي صلى الله عليه وسلم ، وحذر منك العلماء وقيل له : يا جاهل ، إن الله أنزل فرائضه جملة ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما أنزل إليهم قال الله عز وجل وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (1) فأقام الله تعالى نبيه عليه السلام مقام البيان عنه ، وأمر الخلق بطاعته ، ونهاهم عن معصيته ، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه ، فقال تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (2) ، ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (3) وقال عز وجل : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (4) ثم فرض على الخلق طاعته صلى الله عليه وسلم في نيف وثلاثين موضعا من كتابه تعالى وقيل لهذا المعارض لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جاهل قال الله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (5) أين تجد في كتاب الله تعالى أن الفجر ركعتان ، وأن الظهر أربع ، والعصر أربع ، والمغرب ثلاث ، وأن العشاء الآخرة أربع ؟ أين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها ، وما يصلحها وما يبطلها إلا من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ومثله الزكاة ، أين تجد في كتاب الله تعالى من مائتي درهم خمسة دراهم ، ومن عشرين دينارا نصف دينار ، ومن أربعين شاة شاة ، ومن خمس من الإبل شاة ، ومن جميع أحكام الزكاة ، أين تجد هذا في كتاب الله تعالى ؟ وكذلك جميع فرائض الله ، التي فرضها الله في كتابه ، لا يعلم الحكم فيها إلا بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا قول علماء المسلمين ، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام ، ودخل في ملة الملحدين ، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته رضي الله عنهم مثل ما بينت لك فاعلم ذلك
__________
(1) سورة : النحل آية رقم : 44
(2) سورة : الحشر آية رقم : 7
(3) سورة : النور آية رقم : 63
(4) سورة : النساء آية رقم : 65
(5) سورة : البقرة آية رقم : 43

(1/104)


92 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا ألفين أحدكم متكئا (1) على أريكته (2) يبلغه الأمر عني ، فيقول : ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه لم أجد هذا في كتاب الله تعالى »
__________
(1) اتكأ : اضطجع متمكنا والاضطجاع الميل على أحد جنبيه
(2) الأريكة : كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة

(1/105)


93 - وحدثنا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني قال : حدثنا الحسين بن علي بن الأسود العجلي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر ، عن سالم أبي النضر ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا أعرفن أحدكم متكئا (1) على أريكته (2) ، يأتيه الأمر من أمري ، مما أمرت به ، أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ، ما وجدنا في كتاب الله تعالى اتبعناه »
__________
(1) اتكأ : اضطجع متمكنا والاضطجاع الميل على أحد جنبيه
(2) الأريكة : كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة

(1/106)


94 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : أنا عاصم بن علي قال : حدثنا أبو معشر قال : ثنا سعيد ، عن أبي هريرة : قال رسول الله : « لا أعرفن أحدا منكم أتاه عني حديث ، وهو متكئ (1) على أريكته (2) يقول اتل به قرآنا »
__________
(1) اتكأ : اضطجع متمكنا والاضطجاع الميل على أحد جنبيه
(2) الأريكة : كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة

(1/107)


95 - أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عفير الأنصاري قال : ثنا نصر بن علي الجهضمي قال حدثنا أبي قال : حدثنا حريز بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عوف ، عن المقدام بن معد يكرب الكندي : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ، ألا إني أوتيت القرآن ومثله ، ألا إني أوتيت القرآن ومثله ، ألا إنه يوشك رجل شبعان على أريكته (1) يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وذكر الحديث
__________
(1) الأريكة : كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة

(1/108)


96 - أخبرنا أحمد بن سهل الأشناني قال : حدثنا الحسين بن علي بن الأسود قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي نضرة ، عن عمران بن الحصين أنه قال لرجل : « إنك امرؤ أحمق ، أتجد في كتاب الله تعالى الظهر أربعا لا تجهر فيها بالقراءة ؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحوهما ، ثم قال : أتجد هذا في كتاب الله تعالى مفسرا ؟ إن كتاب الله أحكم ذلك ، وإن السنة تفسر ذلك »

(1/109)


97 - وحدثنا أحمد بن سهل قال : حدثنا الحسين بن علي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا ثوبان ، عن حماد بن سلمة ، عن يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير أنه حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا فقال رجل : إن الله تعالى قال في كتابه : كذا وكذا فقال : ألا أراك تعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الله تعالى ، رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بكتاب الله تعالى

(1/110)


98 - حدثنا أحمد بن سهل قال : حدثنا الحسين بن علي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا قطبة بن عبد العزيز ، وأبو بكر بن عياش ، عن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرما عليه ثيابه ، فنهى المحرم ، فقال : ائتني بآية من كتاب الله تعالى بنزع ثيابي ، فقرأ عليه : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (1)
__________
(1) سورة : الحشر آية رقم : 7

(1/111)


99 - حدثنا أبو محمد الحسن بن علوية القطان قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : إن ناسا يجادلونكم بشبيه القرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى

(1/112)


100 - وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا عيسى بن حماد زغبة قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن الأشج قال : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى

(1/113)


101 - وأخبرنا يوسف بن يعقوب القاضي قال : حدثنا أبو الربيع يعني الزهراني قال : حدثنا جرير يعني ابن عبد الحميد ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : قال عبد الله : لعن الله الواشمات (1) والمستوشمات (2) والمتفلجات (3) للحسن ، المغيرات لخلق الله تعالى فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب كانت تقرأ القرآن فأتته فقالت له : ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمتوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله تعالى ؟ فقال عبد الله : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى ، فقالت : لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدت هذا ، قال : فقال عبد الله : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ، ثم قال : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (4)
__________
(1) الواشمة : هي فاعلة الوشم وهو أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل فيزرق أثره أو يخضر
(2) المستوشمة : التي تطلب من يطبع النقوش على جلدها طلبا للحسن
(3) المتفلجات : المفرقات بين الأسنان طلبا للجمال
(4) سورة : الحشر آية رقم : 7

(1/114)


102 - أخبرنا يوسف بن يعقوب قال : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمات » فذكر نحو الحديث قبله حدثنا أحمد بن سهل الأشناني قال : حدثنا الحسين بن علي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا المفضل بن المهلهل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، أن امرأة من بني أسد وذكر الحديث نحوه

(1/115)


103 - وحدثنا أحمد بن سهل أيضا قال : حدثنا الحسين بن علي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا ابن المبارك ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء : في قول الله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول (1) قال : إلى الله : إلى كتاب الله ، وإلى الرسول إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) سورة : النساء آية رقم : 59

(1/116)


104 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : أنا الحوطي عبد الوهاب بن نجدة قال : حدثنا بقية بن الوليد قال : حدثنا سوادة بن زياد ، وعمرو بن مهاجر ، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب إلى الناس : إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله

(1/117)


105 - وأخبرنا أحمد بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا هاشم بن القاسم الحراني قال : حدثنا عيسى يعني ابن يونس ، عن الأوزاعي ، عن مكحول قال : السنة سنتان : سنة الأخذ بها فريضة ، وتركها كفر وسنة الأخذ بها فضيلة ، وتركها إلى غير حرج قال محمد بن الحسين : فيما ذكرت في هذا الجزء من التمسك بشريعة الحق ، والاستقامة على ما ندب الله تعالى إليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وندبهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم : ما إذا تدبره العاقل علم أنه قد ألزمه التمسك بكتاب الله تعالى ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبسنة الخلفاء الراشدين ، وجميع الصحابة رضي الله عنهم ، وجميع من تبعهم بإحسان ، وأئمة المسلمين ، وترك الجدال والمراء والخصومة في الدين ، ولزم مجانبة أهل البدع ، والاتباع ، وترك الابتداع ، فقد كفانا علم من مضى من أئمة المسلمين الذين لا يستوحش عن ذكرهم ، من مذاهب أهل البدع والضلالات ، والله الموفق لكل رشاد ، والمعين عليه

(1/118)


باب ذم الجدال والخصومات في الدين

(1/119)


106 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : أنا يعلى بن عبيد قال : نا الحجاج بن دينار ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ، ثم قرأ : ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (1)
__________
(1) سورة : الزخرف آية رقم : 58

(1/120)


107 - وحدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا محفوظ بن أبي توبة قال : حدثنا محمد بن بشر العبدي قال : حدثنا حجاج بن دينار ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدل ، ثم تلا هذه الآية : ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (1)
__________
(1) سورة : الزخرف آية رقم : 58

(1/121)


108 - وحدثنا عمر بن أيوب السقطي ، أيضا قال محمد بن الصباح الجرجرائي قال : حدثنا كثير بن مروان الفلسطيني ، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي قال : حدثني أبو الدرداء ، وأبو أمامة ، وواثلة بن الأسقع ، وأنس بن مالك قالوا : خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتمارى في شيء من الدين ، فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله ، ثم انتهرنا ، فقال : « يا أمة محمد ، لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار ثم قال : أبهذا أمرتم ؟ أو ليس عن هذا نهيتم ، أو ليس إنما هلك من كان قبلكم بهذا ؟ ثم قال : ذروا (1) المراء لقلة خيره ، ذروا المراء ، فإن نفعه قليل ، ويهيج العداوة بين الإخوان ، ذروا المراء ، فإن المراء لا تؤمن فتنته ، ذروا المراء ، فإن المراء يورث الشك ويحبط العمل ، ذروا المراء ، فإن المؤمن لا يماري (2) ، ذروا المراء ، فإن المماري قد تمت حسراته ، ذروا المراء ، فكفى بك إثما لا تزال مماريا ، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة ، ذروا المراء ، فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة : في وسطها ، ورباضها ، وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق ، ذروا المراء ، فإن أول ما نهاني ربي تعالى عنه بعد عبادة الأوثان ، وشرب الخمر ، المراء ذروا المراء فإن الشيطان قد أيس أن يعبد ولكنه قد رضي منك بالتحريش ، وهو المراء في الدين ، ذروا المراء ، فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة ، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها على الضلالة ، إلا السواد الأعظم » قالوا : يا رسول الله ، ما السواد الأعظم ؟ قال : « من كان على ما أنا عليه وأصحابي ، من لم يمار في دين الله تعالى ولم يكفر أحدا من أهل التوحيد بذنب » وذكر الحديث قال محمد بن الحسين : لما سمع هذا أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يماروا في الدين ، ولم يجادلوا ، وحذروا المسلمين المراء والجدال ، وأمروهم بالأخذ بالسنن ، وبما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا طريق أهل الحق ممن وفقه الله تعالى ، وسنذكر عنهم ما دل على ما قلنا إن شاء الله تعالى
__________
(1) ذروا : اتركوا
(2) المراء : المجادلة على مذهب الشك والريبة

(1/122)


109 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن محمد بن واسع ، عن مسلم بن يسار أنه كان يقول : « إياكم والمراء (1) فإنها ساعة جهل العالم ، وبها يبتغي الشيطان زلته »
__________
(1) المراء : المجادلة على مذهب الشك والريبة

(1/123)


110 - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي ، قال حدثنا سريج بن النعمان قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن محمد بن واسع ، عن مسلم بن يسار قال : إنه كان يقول : « إياكم والمراء (1) ، فإنها ساعة جهل العالم ، وبها يبتغي الشيطان زلته »
__________
(1) المراء : المجادلة على مذهب الشك والريبة

(1/124)


111 - وحدثنا الفريابي قال : ثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب قال : كان أبو قلابة يقول : لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم ، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة ، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم

(1/125)


112 - حدثنا عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا هشيم بن بشير ، عن العوام بن حوشب ، عن معاوية بن قرة قال : الخصومات في الدين تحبط الأعمال

(1/126)


113 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، أن عمر بن عبد العزيز قال : من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل

(1/127)


114 - وحدثنا الفريابي ، أيضا قال : حدثني إبراهيم بن المنذر الحزامي قال : حدثنا معن بن عيسى قال : انصرف مالك بن أنس يوما من المسجد ، وهو متكئ على يدي فلحقه رجل يقال له : أبو الجويرية كان يتهم بالإرجاء ، فقال : يا أبا عبد الله اسمع مني شيئا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي قال : فإن غلبتني ؟ قال : إن غلبتك اتبعتني قال : فإن جاء رجل آخر ، فكلمنا فغلبنا ؟ قال : نتبعه قال مالك رحمه الله : يا عبد الله ، بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم بدين واحد ، وأراك تنتقل من دين إلى دين قال عمر بن عبد العزيز : من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل

(1/128)


115 - وحدثنا الفريابي قال : ثنا محمد بن داود الفريابي قال : حدثنا محمد بن عيسى قال ثنا مخلد ، عن هشام يعني ابن حسان قال : جاء رجل إلى الحسن فقال : يا أبا سعيد ، تعال حتى أخاصمك في الدين ، فقال الحسن : أما أنا فقد أبصرت ديني ، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه

(1/129)


116 - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : ثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا حماد بن مسعدة قال : كان عمران القصير يقول : إياكم والمنازعة والخصومة ، وإياكم وهؤلاء الذين يقولون أرأيت أرأيت

(1/130)


117 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا أبو الخطاب ، زياد بن يحيى قال : ثنا سعيد بن عامر قال : حدثنا سلام بن أبي مطيع : أن رجلا من أصحاب الأهواء قال لأيوب السختياني يا أبا بكر ؟ أسألك عن كلمة قال : فولى أيوب ، وجعل يشير بإصبعه : ولا نصف كلمة ولا نصف كلمة

(1/131)


118 - وحدثنا الفريابي قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا سعيد بن عامر قال سمعت جدي ، أسماء بن خارجة يحدث قال : دخل رجلان على محمد بن سيرين من أهل الأهواء ، فقالا : يا أبا بكر نحدثك بحديث ؟ قال : لا قالا : فنقرأ عليك آية من كتاب الله عز وجل ؟ قال : لا ، لتقومن عني أو لأقومن

(1/132)


119 - وحدثنا ابن عبد الحميد قال : حدثنا زهير بن محمد قال : حدثنا موسى بن أيوب الأنطاكي قال : حدثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، قال : مكتوب في التوراة يا موسى لا تخاصم أهل الأهواء يا موسى لا تجادل أهل الأهواء ، فيقع في قلبك شيء ، فيرديك فيدخلك النار

(1/133)


120 - قال زهير : سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول : سمعت مروان بن شجاع يقول : سمعت عبد الكريم الجزري يقول : ما خاصم ورع قط في الدين

(1/134)


121 - وحدثنا ابن عبد الحميد قال : حدثنا زهير قال ، أخبرنا أبو خالد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو يعني ابن قيس قال : قلت للحكم : ما اضطر الناس إلى الأهواء ؟ قال : الخصومات

(1/135)


122 - حدثنا عمر بن أيوب السقطي قال : حدثنا محفوظ بن أبي توبة قال : حدثنا محمد بن بشر العبدي ، عن زياد بن كليب قال : قال أبو حمزة لإبراهيم : يا أبا عمران أي هذه الأهواء أعجب إليك ؟ فإني أحب أن آخذ برأيك وأقتدي بك ، قال : ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير ، وما هي إلا زينة الشيطان وما الأمر إلا الأمر الأول

(1/136)


123 - حدثنا عمر بن أيوب قال : حدثنا محفوظ قال : حدثنا إبراهيم بن خالد الصنعاني قال : حدثنا رباح بن زيد ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : أن رجلا قال لابن عباس : الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم قال : فقال ابن عباس : الهوى كله ضلالة

(1/137)


124 - حدثنا الفريابي قال : حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال : أخبرني أبي قال : سمعت الأوزاعي يقول : عليك بآثار من سلف ، وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال ، وإن زخرفوا لك بالقول

(1/138)


125 - حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد الحنائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا محمد بن واسع قال : رأيت صفوان بن محرز وأشار بيده إلى ناحية من المسجد ، وشببة قريب منه ، يتجادلون ، فرأيته ينفض ثوبه وقام وقال : إنما أنتم جرب إنما أنتم جرب

(1/139)


126 - حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا الحسين بن الحسن المروزي قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، أنا أبو الحكم قال : أنا موسى بن أبي كردم وقال غيره : ابن أبي درم ، عن وهب بن منبه قال : بلغ ابن عباس عن مجلس ، كان في ناحية باب بني سهم ، يجلس فيه ناس من قريش فيختصمون ، فترتفع أصواتهم ، فقال ابن عباس : انطلقوا بنا إليهم ، فانطلقنا حتى وقفنا ، فقال لي ابن عباس : أخبرهم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب عليه السلام وهو في بلائه ، قال وهب : فقلت : قال الفتى : يا أيوب أما كان في عظمة الله وذكر الموت ما يكل لسانك ويقطع قلبك ويكسر حجتك ، يا أيوب أما علمت أن لله تعالى عبادا أسكنتهم خشية الله من غير عي (1) ولا بكم ، وإنهم لهم النبلاء الفصحاء الطلقاء الألباء العالمون بالله وأيامه ، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تعالى تقطعت قلوبهم وكلت ألسنتهم وطاشت عقولهم وأحلامهم فرقا من الله تعالى وهيبة له فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية ، لا يستكثرون لله الكثير ولا يرضون له بالقليل يعدون أنفسهم مع الظالمين الخاطئين ، وإنهم لأنزاه ، أبرار ، أخيار ، ومع المضيعين المفرطين ، وإنهم لأكياس أقوياء ، ناحلون دائبون ، يراهم الجاهل فيقول : مرضى وليسوا بمرضى ، وقد خولطوا وقد خالط القوم أمر عظيم
__________
(1) العي : العجز عن التعبير اللفظي بما يفيد المعنى المقصود

(1/140)


127 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال : حدثنا محمد بن حسان بن فيروز الأزرق قال : حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد قال : حدثني موسى بن أبي درم ، عن يوسف يعني ابن ماهك ، عن ابن عباس أنه بلغه عن مجلس في ناحية بني سهم فيه شباب من قريش يختصمون ويرتفع أصواتهم ، فقال ابن عباس لوهب بن منبه : انطلق بنا إليهم قال : فانطلقا حتى وقفنا عليهم ، فقال ابن عباس لوهب بن منبه : أخبر القوم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب عليه السلام وهو في بلائه ، فقال وهب : قال الفتى : لقد كان في عظمة الله عز وجل ، وذكر الموت ، ما يكل لسانك ، ويقطع قلبك ، ويكسر حجتك ؟ أفلم تعلم يا أيوب أن لله عبادا ، أسكتتهم خشية الله من غير عي (1) ولا بكم ، وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء العالمون بالله وأيامه ، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تعالى تقطعت قلوبهم ، وكلت ألسنتهم ، وكلت أحلامهم فرقا من الله تعالى وهيبة له ، حتى إذا استفاقوا من ذلك ابتدروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية ، لا يستكثرون لله الكثير ، ولا يرضون له بالقليل ، ناحلون ذائبون ، يراهم الجاهل فيقول : مرضى ، وقد خولطوا ، وقد خالط القوم أمر عظيم
__________
(1) العي : العجز عن التعبير اللفظي بما يفيد المعنى المقصود

(1/141)


128 - وحدثنا ابن عبد الحميد قال : حدثنا زهير قال : حدثنا أبو حذيفة الصنعاني قال : حدثني عبد الصمد بن معقل ، أنه سمع وهبا يقول : دع المراء (1) والجدال عن أمرك ، فإنك لا تعجز أحد رجلين : رجل هو أعلم منك ، فكيف تماري وتجادل من هو أعلم منك ؟ ورجل أنت أعلم منه ، فكيف تماري وتجادل من أنت أعلم منه ، ولا يطيعك ، فاقطع ذلك عليك قال محمد بن الحسين رحمه الله : من كان له علم وعقل ، فميز جميع ما تقدم ذكري له من أول الكتاب إلى هذا الموضع علم أنه محتاج إلى العمل به ، فإن أراد الله به خيرا لزم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين في كل عصر ، وتعلم العلم لنفسه ، لينتفي عنه الجهل ، وكان مراده أن يتعلمه لله تعالى ولم يكن مراده ، أن يتعلمه للمراء والجدال والخصومات ، ولا للدنيا ، ومن كان هذا مراده سلم إن شاء الله تعالى من الأهواء والبدع والضلالة ، واتبع ما كان عليه من تقدم من أئمة المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم ، وسأل الله تعالى أن يوفقه لذلك فإن قال قائل : فإن كان رجل قد علمه الله تعالى علما ، فجاءه رجل يسأله عن مسألة في الدين ، ينازعه فيها ويخاصمه ، ترى له أن يناظره ، حتى تثبت عليه الحجة ، ويرد عليه قوله ؟ قيل له : هذا الذي نهينا عنه ، وهو الذي حذرناه من تقدم من أئمة المسلمين فإن قال قائل : فماذا نصنع ؟ قيل له : إن كان الذي يسألك مسألته مسألة مسترشد إلى طريق الحق لا مناظرة ، فأرشده بألطف ما يكون من البيان بالعلم من الكتاب والسنة ، وقول الصحابة ، وقول أئمة المسلمين رضي الله عنهم وإن كان يريد مناظرتك ، ومجادلتك ، فهذا الذي كره لك العلماء ، فلا تناظره ، واحذره على دينك ، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين إن كنت لهم متبعا فإن قال : فندعهم يتكلمون بالباطل ، ونسكت عنهم ؟ قيل له : سكوتك عنهم وهجرتك لما تكلموا به أشد عليهم من مناظرتك لهم كذا قال من تقدم من السلف الصالح من علماء المسلمين
__________
(1) المراء : المجادلة على مذهب الشك والريبة

(1/142)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية