صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مصطلحات نحوية

المسلك الثاني : تعريف الفعل ببيان حده وحقيقته .
قال سيبويه (ت 180 ه‍) : (وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى ، ولما يكون ولم يقع ، وما هو كائن لم ينقطع . . والأحداث نحو : الضرب والحمد والقتل) (18) .
وواضح أنه : أن (المراد بأحداث الأسماء ما كان فيها عبارة عن الحدث وهو المصدر) (19) .
أي أن الأفعال أبنية أو صيغ مأخوذة من المصادر ، فهي تدل بمادتها على المصدر أو الحدث ، وبصيغتها على زمان وقوعه ، من ماض أو حاضر أو مستقبل .
وعرفه ابن السراج (ت 316 ه‍) بقوله : (الفعل ما دل على معنى وزمان ، وذلك الزمان إما ماض وإما حاضر وإما مستقبل ، وقلنا : (وزمان) لنفرق بينه وبين الاسم الذي يدل على معنى فقط) (20) .
وأما إشارته إلى أن المراد بالزمن أقسامه الثلاثة ، فالظاهر أنها لمجرد البيان ، وسيأتي أن بعض النحاة عدوا ذلك قيدا احترازيا مما دل على حدث وزمان مبهم كالمصدر .
وقد أشكل أبو علي الفارسي على مثل هذا الحد ، بأن من الأفعال ما هو عند النحويين دال على زمن غير مقترن بحدث ، نحو (كان) المفتقرة إلى الاسم المنصوب [ أي الناقصة ] ، وهو عندهم فعل ، ومع ذلك فهو دال على الزمان المجرد من الحدث) (21) .
____________
(18) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون ، 1 / 12 .
(19) مسائل خلافية في النحو ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق محمد خير الحلواني ، ص 69 .
(20) الأصول في النحو ، ابن السراج ، تحقيق عبد الحسين الفتلي ، 1 / 41 .
(21) المسائل العسكريات ، أبو علي الفارسي ، تحقيق علي جابر المنصوري ، ص 76 .

(1/74)


سادساً ـ مصطلح الكلام

1 ـ الكلام لغةً:
استعمل الكلام في أربعة معانٍ لغوية:
«أحدها: الحدث الذي هو التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيداً، أي: تكليمك إيّاه...
والثاني: ما في النفس ممّا يعبّر عنه باللفظ المفيد، وذلك كأن يقوم بنفسك معنى (قام زيد)... فيسمّى ذلك الذي تخيّلته كلاماً...
والثالث: ما تحصل به الفائدة سواءً كان لفظاً أو خطّاً أو إشارةً، أو ما نطق به لسان الحال»(1).
والرابع: «اللفظ المركّب أفاد أم لم يفد»(2).

____________
(1) شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، ص 27 ـ 29.
(2) أـ همع الهوامع، السيوطي، تحقيق عبد السلام هارون وعبد العال مكرم 1|29.
ب ـ شرح ألفيّة ابن مالك، ابن عقيل، تحقيق محيي الدين عبدالحميد 1|14.

(1/75)


2ـ الكلام اصطلاحاً:
وأمّا النحاة فقد استعملوا (الكلام) أوّلاً في مطلق ما يتكلّم به من الاَلفاظ الدالّة على معنى، ثمّ أرادوا به بعد ذلك خصوص ما تحصل به الفائدة من الاَلفاظ.
والكلام من المصطلحات التي ولدت بولادة النحو، فقد جاء في الروايات أنّ الاِمام عليّاً عليه السلام ألقى إلى أبي الاَسود الدؤلي صحيفة جاء فيها: «الكلام كلّه: اسم وفعل وحرف»(3).
وأوّل تعريف اصطلاحي وجدته للكلام هو قول الرمّاني (ت 384 هـ): «الكلام ما كان من الحروف دالاًّ بتأليفه على معنى»(4). وواضح أنّه غير مانع من دخول الكلمة والتراكيب الناقصة كالمضاف والمضاف إليه، والصفة والموصوف.
وعرّفه ابن جنّي (ت 392 هـ) بقوله: «الكلام كلّ لفظ مستقلّ بنفسه، مفيد لمعناه، وهو الذي يسمّيه النحويّون الجمل»(5)، وتابعه عليه ابن يعيش (ت 643 هـ)(6).
ويريد بالمستقلّ «ما كان من الاَلفاظ قائماً برأسه، غير محتاج [في
____________
(3) أـ إنباه الرواة على أنباه النحاة، القفطي، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم 1|39.
ب ـ معجم الاَُدباء، ياقوت 14|49.
ج ـ الاَشباه والنظائر في النحو، السيوطي، تحقيق عبد العال مكرم 1|12 ـ 13.
(4) الحدود في النحو، الرماني، ضمن كتاب (رسائل في النحو واللغة) تحقيق مصطفى جواد ويوسف مسكوني، ص 42.
(5) الخصائص، ابن جنّي، تحقيق محمّد علي النجّار 1|17.
(6) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|20.

(1/76)


الدلالة على معناه] إلى متمّم له»(7)، ويريد بالمفيد التامَّ في مقابل المفردات والمركّبات الناقصة، «فالتامّ هو المفيد، أعني الجملة وما كان في معناها من نحو: صهٍ وإيهٍ، والناقص ما كان بضدّ ذلك، نحو: زيدٍ... وكان أخوك»(8) إذا أُريد بـ (كان) الناقصة.
وكأنّ ابن جنّي لاحظ أنّ قوله (مفيد) ـ بالمعنى الذي بيّنه ـ مغنٍ عن تقييد اللفظ بكونه مستقلاًّ، فعاد إلى تعريف الكلام بأنّه: أصوات تامّة مفيدة(9).
ويلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ الصوت «جنس بعيد؛ لانطلاقه على ذي الحروف وغيرها»(10).
ثانياً: أنّ (التامّة) و (المفيدة بمعنىً واحد، فكان ينبغي الاقتصار على إحداهما.
وقال الحريري (ت 516 هـ): «الكلام عبارة عمّا يحسن السكوت عليه، وتتمُّ الفائدة به»(11)، وتابعه عليه السرمدي (ت 776 هـ)(12).
ومراده بـ (ما) اللفظ، وكان الاََوْلى التصريح به، وقوله (وتتمّ الفائدة به) تفسير لِما قبله، فيحسن الاكتفاء بأحدهما عن الآخر.
وقال في شرحه: «ولا يأتلف [الكلام] من أقلّ من كلمتين، فأمّا
____________
(7) الخصائص، 1|21.
(8) الخصائص، ابن جنّي 1|18.
(9) الخصائص، ابن جنّي 1|18.
(10) شرح الاَزهرية في علم العربية، خالد الاَزهري، ص 11.
(11) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري، ص 2.
(12) شرح اللؤلؤة، السرمري، مخطوط مصوّرته لديّ 5| ب.

(1/77)


قولك: صه، بمعنى اسكت، ومه، بمعنى اكفف، ففي كلٍّ منهما ضمير مستتر للمخاطب، والضمير المستتر يجري مجرى الاسم ظاهراً»(14).
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بقوله: «الكلام هو المركّب من كلمتين أُسندت إحداهما إلى الاَُخرى»(14).
وقال ابن يعيش في شرحه: إنّ مراده «بالمركّب اللفظ المركّب، فحذف المركب لظهور معناه، وقوله: (من كلمتين) فصل احترز به عمّا يتألّف من الحروف، نحو الاَسماء المفردة... وقوله: (أُسندت إحداهما إلى الاَُخرى) فصل ثانٍ احترز به عن مثل معدي كرب وحضر موت، وذلك أنّ التركيب على ضربين: تركيب إفراد... [وهو] أن تأتي بكلمتين فتركّبهما وتجعلهما كلمة واحدة بإزاء حقيقة واحدة... ولا تفيد هذه الكلم بعد التركيب... وتركيب الاِسناد أن تركّب كلمة مع كلمة تنسب إحداهما إلى الاَُخرى... على السبيل الذي به يحسن موقع الخبر وتمام الفائدة»(15).
وإنّما عبّر بالاِسناد دون الاِخبار؛ لاَنّ الاِسناد أعمّ؛ إذ يشمل النسبة التي في الكلام الخبري والطلبي والاِنشائي(16).
وقام ابن الحاجب (ت 646 هـ) باختزال تعريف الزمخشري، فقال: «الكلام ما تضمّن كلمتين بالاِسناد»(17).
وجرى أبو حيّان (ت 745 هـ) مجراهما في التعريف، فقال: «الكلام
____________
(13) شرح على متن ملحة الاِعراب، ص 2.
(14) المفصّل في علم العربيّة، الزمخشري، ص 6.
(15) شرح المفصّل، ابن يعيش، 1|20.
(16) أ ـ شرح الرضي على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1|33.
ب ـ شرح المفصّل، ابن يعيش 1|20.
(17) شرح الرضي على الكافيه 1|31.

(1/78)


قول دالّ على نسبة إسنادية»(18)، وإن كان يفضلهما من حيث إنّه لم يذكر تركّب الاِسناد من كلمتين، ممّا قد يوهم ـ رغم صحّته ـ عدم جواز تركّب الكلام من أكثر من كلمتين.
وقد لاحظ عليه ابن هشام أنّ «مقتضاه أنّ الكلام لا يختصّ بالمفيد؛ لاَنّ الحدّ صادق على كلٍّ من جملتَي الشرط والجزاء، والجملة الواقعة صلة، مع أنّ كلاًّ من ذلك غير مفيد»(19).
وعرّفه ابن الاَنباري (ت 577 هـ) بقوله: الكلام «ما كان من الحروفِ دالاًّ بتأليفه على معنىً يحسن السكوت عليه»(20).
وهو اصطلاح لتعريف الرمّاني المتقدّم، بنحو يجعله مانعاً من دخول الكلمة والمركّبات الناقصة، إلاّ أنّه ـ كالحريري ـ أطال في مقدّمته، وكان بوسعه الاستغناء عن عبارة (ما كان من الحروف دالاًّ بتأليفه) بقوله: (اللّفظ الدالّ)، وهذا ما فعله ابن الناظم (ت 686 هـ) إذ قال: «الكلام... هو اللفظ الدالّ على معنىً يحسن السكوت عليه»(21).
وعرّفه الشلوبيني (ت 645 هـ) بأنّه «لفظ مركّب وجوداً أو نيّةً، مفيد بالوضع... والمركّب نيّةً كقولك: قم واقعد»(22)، وتابعه عليه ابن عصفور (ت 669 هـ)(23).
ويلاحظ عليه أن تقسيمه التركيب إلى وجودي وتقديري، ليس قيداً
____________
(18) أـ شرح اللمحة البدرية، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 1|229.
ب ـ غاية الاِحسان في علم اللسان، أبو حيّان، مخطوط مصوّرته لديّ، 2| أ.
(19) شرح اللمحة البدرية، ابن هشام، 1|229 ـ 230.
(20) أسرار العربية، ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار، ص 3.
(21) شرح ابن الناظم على الاَلفية، ص 3.
(22) التوطئة، الشلوبيني، تحقيق يوسف أحمد المطوّع، ص 112.
(23) المقرّب، ابن عصفور، تحقيق أحمد الجواري وعبدالله الجبوري 1|45.

(1/79)


احترازيّاً، وإنّما هو مجرّد إيضاح لنوعَي المركب، فكان يحسن إدراجه في شرح التعريف كما فعل الحريري في تعريفه المتقدّم، ولعلّه لاَجل ذلك عمد ابن معطي (ت 668 هـ) إلى إجراء بعض التعديل على الحدّ، فقال: «الكلام هو اللفظ المركّب المفيد بالوضع»(24).
ومراده بالوضع «أن يدلّ [اللفظ] على معنىً عيّنه الواضع بإزائه»(25).
وتشير بعض المصادر إلى أنّ أوّل من أدخل قيد (الوضع) في حدّ الكلام هو أبو موسى الجزولي (ت 607 هـ)(26)، وتابعه على ذلك تلميذه ابن معطي والشلوبيني وابن عصفور.
ولم يرَ بعض النحاة ضرورة لاِثبات قيد (الوضع)؛ «لاَنّ الصحيح اختصاصه بالمفردات، والكلام خاصّ بالمركّبات، ودلالتها غير وضعيّة على الاَصحّ»(27)، بل قد يقال بعدم الاحتياج له حتّى لو كانت دلالة المركّبات بالوضع؛ لاَنّه ليس ذاتيّاً للكلام ليدخُل في حدّه، ولاَنّه ليس قيداً احترازياً عن شيء ما دام الكلام على اللغة وليست دلالتها إلاّ بالوضع.
وطرح ابن مالك (ت 672 هـ) تعريفين للكلام:
أوّلهما: «الكلام ما تضمّن من الكلم إسناداً مفيداً مقصوداً لذاته»(28).
وممّا قاله السلسيلي في شرحه: «قوله: (مفيداً) احترز به من المتضمّن إسناداً، لكنّه غير مفيد، نحو قولهم: النار حارّة والسماءُ فوقَ الاَرضِ، قوله:
____________
(24) الفصول الخمسون، ابن معطي، تحقيق محمود الطناحي، ص 149.
(25) حاشية الشيخ ياسين على شرح التصريح 1|20.
(26) المحصول 1|ب، شرح الفصول 1|أ نقلاً عن مقدّمة محقّق كتاب الفصول الخمسون، ص 113.
(27) شرح الاَزهرية في علم العربية، خالد الاَزهري، ص 15.
(28) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات، ص 3.

(1/80)


(مقصوداً) احترز به من حديث النائم، ومحاكاة بعض الطيور للاِنسان، قوله: (لذاته) احترز به من المقصود لغيره، كالجملة الموصول بها والمضاف إليها»(29).
وواضح من كلامه أنّه يشترط لكون الكلام مفيداً، مضافاً لدلالته على معنىً يحسن السكوت عليه، أن يزوّد السامع بعلم جديد، بأن لا يكون مضمونه معلوم الثبوت أو الانتفاء بالضرورة، وقد وافقه على هذا كلّ من الاَشموني (ت 900 هـ)(30) والاَزهري (ت 905 هـ)(31)، وهو شرط لا يمكن قبوله؛ لاَنّ تضمُّن الكلام لعلم جديد على السامع ليس داخلاً في حقيقته «وإلاّ لكان الشيء الواحد، كلاماً وغير كلام ، إذا خوطب به من يجهله فاستفاد مضمونه، ثمّ خوطب به ثانياً»(32)، أو خوطب به شخصان أحدهما يجهل مضمونه والآخر يعلمه.
ولا ضرورة أيضاً للتقييد بكون الكلام (مقصوداً) لاِخراج حديث النائم ومحاكاة الطيور؛ أمّا حديث النائم فهو داخل في الكلام إنْ تضمّن معنىً يصحّ السكوت عليه، وأمّا محاكاة الطيور، فلا تتبادر إلى الذهن من تعريف الكلام ليحترز منها.
وأمّا التعريف الثاني، فهو ما ذكره في أُرجوزته الاَلفية من قوله: «كلامنا لفظ مفيد، كاستقم».
وقد اختلف شرّاحه في قوله: (كاستقم)، فقال بعضٌ إنّه مثال بعد تمام
____________
(29) شفاء العليل في إيضاح التسهيل، السلسيلي، تحقيق عبدالله البركاتي 1|96 ـ 97.
(30) شرح الاَشموني على الاَلفية، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 1|8.
(31) شرح الاَزهرية في علم العربيّة، الاَزهري، ص 13.
(32) همع الهوامع، السيوطي 1|30.

(1/81)


الحدّ، وذهب بعضٌ آخر إلى أنّه تتميم للحدّ، ومنشأ الخلاف هو تحديد المراد من قوله: (مفيد)؛ لاَنّ هذه الكلمة قد استعملت من قبل النحاة في ثلاثة معانٍ:
أوّلها: ما دلّ على معنىً مطلقاً، سواءً صحّ السكوت عليه أم لا، ومن شواهد ذلك تقييد بعضهم له بما يدلّ على إرادة خصوص التامّ، كقول الحريري: «وتتمّ به الفائدة»(33)، وقول ابن الخشّاب: «فائدة يحسن السكوت عليها»(34)، وقول العكبري: «الكلام عبارة عن الجملة المفيدة فائدة تامّة»(35).
والثاني: ما دلّ على خصوص المعنى الذي يحسن السكوت عليه، وقد تقدّم استعمال ابن جنّي له بهذا المعنى، ومن شواهده قول ابن الاَنباري بعد تعريفه الكلام بما كان من الحروف دالاًّ بتأليفه على معنىً يحسن السكوت عليه: الفرق بين الكلم والكلام «أنّ الكلم ينطلق على المفيد وغير المفيد، أمّا الكلام فلا ينطلق إلاّ على المفيد خاصّة»(36).
والثالث: ما دلّ على معنىً يحسن السكوت عليه، ولم يكن معناه ضروريّ الثبوت والانتفاء، وقد مرّ بيانه عند الكلام على التعريف الاَوّل لابن مالك.
وقد ذهب أغلب شرّاح الاَلفية إلى إرادة المعنى الاَوّل للاِفادة، وأنّ قوله: (كاستقم) تتميم للحدّ، ومن هؤلاء ابن الناظم(37)، والمكودي(38)،
____________
(33) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري، ص 2.
(34) المرتجل، ابن الخشّاب، تحقيق علي حيدر، ص 340.
(35) مسائل خلافية في النحو، أبو البقاء العكبري، تحقيق محمّد خير الحلواني، ص 31.
(36) أسرار العربية، ابن الاَنباري، ص 3.
(37) شرح الاَلفية، ابن الناظم، ص 3.
(38) شرح الاَلفية، المكودي، ص 6.

(1/82)


والاَشموني(39).
وذهب المرادي إلى إرادة المعنى الثاني، وحمل (استقم) على التمثيل بعد تمام الحدّ(40).
وقال الملوي بهذا الشأن: «قال شيخنا: الخلاف لفظيّ، فمن حمل المفيد على المفيد مطلقاً، قال: تتميم، ومن حمله على الفائدة التامّة جعله تمثيلاً بعد تمام الحدّ»(41).
والذي اتّضح ممّا عرضناه أنّ الخلاف بينهم معنويٌّ وليس لفظيّاً؛ لاَنّه يدور حول تحديد المعنى المراد بلفظ (الاِفادة)، وليس اختلافاً في الاَلفاظ المعبّر بها عن معنىً واحد.
وممّا قيل في شرح التعريف الثاني: «وعلم من تفسير المفيد بما ذكر أنّه لا يحتاج إلى قولهم: (المركّب)؛ لاَنّ المفيد الفائدة المذكورة يستلزم التركيب، ولا إلى قولهم: (المقصود)؛ لاَنّ حسن سكوت المتكلّم يستدعي أن يكون قاصداً لِما تكلّم به»(42).
وحصل حدّ الكلام على يد ابن هشام (ت 761 هـ) على أفضل صيغة وأحضرها، إذ عرّفه بأنّه «القول المفيد»(43)، وأراد بالقول اللفظ الدالّ على معنى، وبالمفيد ما دلّ على معنىً يحسن السكوت عليه.
وكأنّه لاحظ أنّ قوله: (مفيد) يغني عن أخذ الدلالة على المعنى في
____________
(39) شرح الاَلفية،الاشموني، 1|8.
(40) شرح الاَلفية، المكودي، ص 6.
(41) حاشية الملوي على شرح المكودي، ص 6.
(42) أـ شرح الاَشموني على الاَلفية، ص 8.
ب ـ شرح التصريح على التوضيح، الاَزهري 1|20 ـ 21.
(43) شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، ص 27.

(1/83)


جنس الحدّ، فعاد إلى تعريف الكلام بأنّه: «اللفظ المفيد»(44)، «والمراد باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف تحقيقاً أو تقديراً»(45).

* * *

____________
(44) أـ الاِعراب عن قواعد الاِعراب، ابن هشام، تحقيق رشيد العبيدي، ص 60.
ب ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 1|11.
(45) أوضح المسالك، ابن هشام 1|11.

(1/84)


سابعاً ـ مصطلح الكَلِم

1 ـ الكلم لغةً:
الكلم في اللغة جمع كلمة، قال ابن منظور: «والكلم لا يكون أقلَّ من ثلاث كلمات؛ لاَنّه جمع كلمة»(46). وقال ابن جنّي: «الكلم... جمع كلمة، بمنزلةِ سَلِمة وسَلِم، ونَبِقة ونَبِق»(47).

2 ـ الكَلِم اصطلاحاً:
استعمل النحاة (الكلم) بمعنىً مشابه لمعناه اللغوي، قال سيبويه (ت 180 هـ): «هذا باب عِلْمِ ما الكلم من العربيّة»(48)، فاختار الكلم على الكلام... وذلك أنّه أراد تفسير ثلاثة أشياء مخصوصة، وهي الاسم والفعل والحرف، فجاء بما يخصُّ الجمع وهو الكلم»(49).
وقال الحريري: (ت 516 هـ): «فإنْ قلت: (إن قام زيد)، سُمِّي ذلك كلماً؛ لكونه ثلاث كلمات، ولا يسمّى كلاماً؛ لاَنّه لا يحسن السكوت عليه، فإنْ وصلته بقولك: (قمتُ)، سُمِّي كلاماً؛ لحسن السكوت عليه، وسمّي أيضاً كلماً؛ لكونه من أربعة ألفاظ»(50).
وقال ابن معطي (ت 628 هـ): الكلم «المركّب مفيداً كان أو غير
____________
(46) لسان العرب، ابن منظور، مادّة (كلم).
(47) الخصائص، ابن جنّي، تحقيق محمّد علي النجّار، 1|25.
(48) الكتاب، سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون، 1|12.
(49) الخصائص، ابن جنّي، 1|25.
(50) شرح على متن ملحة الاِعراب، القاسم بن علي الحريري، ص 2 ـ 3.

(1/85)


مفيد»(51).
ويؤخذ عليه أنّه شامل لِما تركّب من كلمتين، نحو: (قامَ زيد) و(إنْ قام) مع أنّه ليس كلماً في الاصطلاح.
وقال ابن يعيش (ت 643 هـ): «وأمّا الكلم ... فهو يقع على ما كان جمعاً، مفيداً كان أو غير مفيد، فإنْ قلت: (قام زيد)... فهو كلام؛ لحصول الفائدة منه، ولا يقال له كلم؛ لاَنّه ليس بجمع؛ إذ كان من جزءين، وأقلّ الجمع ثلاثة،ولو قلت: (إنّ زيداً قائم)... كان كلاماً من جهة إفادته، ويسمّى كلماً لاَنّه جمع»(52). «فالكلم أعمّ من جهة المعنى؛ لانطلاقه على المفيد وغيره، وأخصّ من جهة اللفظ؛ لكونه لا ينطلق على المركّب من كلمتين»(53).
والصياغة النهائيّة التي اتّفقوا عليها في تعريف الكلم اصطلاحاً هي: ما تركّب من ثلاث كلماتٍ فأكثر، أفاد أم لم يفد(54).

* * *

____________
(51) الفصول الخمسون، ابن معطي، تحقيق محمود الطناحي، ص 149.
(52) شرح المفصّل، ابن يعيش، 1|21.
(53) أ ـ أوضح المسالك في شرح ألفيّة ابن مالك، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 1|12.
ب ـ شرح ابن الناظم على الاَلفية، ص 4.
(54) أ ـ شرح ابن عقيل على الاَلفية، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، 1|14 ـ 15.
ب ـ شرح الاَشموني على الاَلفية، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، 1|22.
ج ـ همع الهوامع، السيوطي، تحقيق عبد السلام هارون وعبد العال مكرم، 1|35.

(1/86)


ثامناً ـ مصطلح الجملة

1 ـ الجملة لغةً:
والجملة في اللغة: جماعة الشيء، وأجملَ الشيءَ جمعه بعد تفرُّقه، وأجملَ له الحساب كذلك»(55).

2 ـ الجملة اصطلاحاً:
استعملت (الجملة) من قبل النحاة بمعنىً اصطلاحي مرادف للكلام في القرن الثالث الهجري، ولعلّ المبرّد (ت 285 هـ) أوّل من استعملها كذلك في مواضع متفرّقة من كتابه «المقتضب»، قال: «وإنّما كان الفاعل رفعاً؛ لاَنّه هو والفعل جملة يحسن السكوت عليها وتجب بها الفائدة»(56).
وقال الفارسيّ (ت 377 هـ): «ما ائتلف من هذه الاَلفاظ الثلاثة [الاسم والفعل والحرف] كان كلاماً، وهو الذي يسمّيه أهل العربيّة: الجمل»(57).
وربّما كان الرمّاني (ت 384 هـ) أوّل من عرّفها بقوله: «الجملة هي المبنيّة من موضوع ومحمول للفائدة»(58)، وهو تعريف يمنحها مضموناً مماثلاً لمضمون الكلام اصطلاحاً.
وقال ابن جنّي (ت 392 هـ): «أمّا الكلام: فكل لفظ مستقلّ بنفسه
____________
(55) لسان العرب، ابن منظور، مادّة (جمل).
(56) المقتضب، المبرّد، تحقيق محمّد عبد الخالق عضيمة 1|8.
(57) المسائل العسكريات، أبو علي الفارسي، تحقيق علي جابر المنصوري، ص 83.
(58) الحدود في النحو، الرمّاني، ضمن كتاب «رسائل في النحو واللغة» تحقيق مصطفى جواد ويوسف مسكوني، ص 39.

(1/87)


مفيد لمعناه، وهو الذي يسمّيه النحويّون: الجمل»(59).
وقد درج على استعمالها بهذا المعنى جمع من النحاة كالجرجاني (ت 471 هـ)(60) والحريري (ت516 هـ)(61)، والزمخشري (ت 538 هـ)(62)، وابن الخشّاب (ت 567 هـ)(63)، وأبي البقاء العكبري (ت 616 هـ)(64)، وابن يعيش (ت 643 هـ)(65).
وجاء ابن مالك (ت 672 هـ) فصرّح بالفرق بين الجملة والكلام، إذ عرّف الكلام بقوله: «الكلام ما تضمّن من الكلم إسناداً مفيداً مقصوداً لذاته»(66)، وقد أراد بقيد (لذاته) إخراج ما هو مقصود لغيره كجملة الصلة(67)، نحو: جاءَ أبوه، من قولنا: جاء الذي قام أبوه، فهي جملة وليست كلاماً؛ لاَنّ الاِسناد فيها «ليس مقصوداً لذاته، بل لتعيين الموصول وتوضيحه، ومثلها الجملة الخبرية والحالية والنعتيّة»(68)؛ إذ لم تقصد لذاتها، بل لغيرها،
____________
(59) أ ـ الخصائص، ابن جنّي، تحقيق محمّد علي النجّار 1|17.
ب ـ اللمع في العربيّة، ابن جنّي، تحقيق فائز فارس، ص 26.
(60) المقتصد في شرح الاِيضاح، عبد القاهر الجرجاني،تحقيق كاظم بحر المرجان 1|68.
(61) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري، ص 3.
(62) المفصّل في علم العربيّة، الزمخشري، ص 6.
(63) المرتجل، ابن الخشّاب، تحقيق علي حيدر، ص 28 و 340.
(64) مسائل خلافية في النحو، أبو البقاء العكبري، تحقيق محمّد خير الحلواني، ص 31.
(65) شرح المفصّل، ابن يعيش، 1|21.
(66) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات، ص 3.
(67) أ ـ شرح الاَشموني على الاَلفيّة، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 1|21.
ب ـ البهجة المرضيّة، السيوطي 1|8.
(68) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 1|21.

(1/88)


فليست كلاماً، بل جزء كلام(69).
وذهب الرضي (ت 686 هـ) هذا المذهب أيضاً فقال: «والفرق بين الجملة والكلام: أنّ الجملة ما تضمّنَ الاِسناد الاَصليّ، سواءً كانت مقصودة لذاتها أو لا... فكل كلام جملة ولا ينعكس»(70).
وتابعهما على ذلك ابن هشام (ت 761 هـ)، فقد قال بعد تعريف كلّ من الكلام والجملة: إنّهما «ليسا مترادفين... [إذ] إنّها أعمّ منه؛ إذ شرطه الاِفادة بخلافها»(71)، «فكلّ كلام جملة ولا ينعكس، ألا ترى أنّ نحو (إنْ قام زيد) من قولك: (إنْ قام زيد قام عمرو) يسمّى جملة ولا يسمّى كلاماً»(72).
وتابعهم السيوطي (ت 911 هـ) قائلاً: «وعلى هذا فحدّ الجملة: القول المركّب، كما أفصح شيخنا العلاّمة الكافيچي»، ثمّ واصل كلامه مشيراً إلى أنّ الكافيچي (ت 879 هـ) قد عدل عن هذا «واختار (الترادف)، قال: لاَنّا نعلم بالضرورة أنّ كلّ مركّب لا يطلق عليه الجملة، وسبقه إلى اختيار ذلك ناظر الجيش وقال: إنّه الذي يقتضيه كلام النحاة، قال: وأمّا إطلاق الجملة على ما ذكر من الواقعة شرطاً أو جواباً أو صلة، فإطلاقٌ مجازيّ؛ لاَنّ كلاًّ منها كان جملة قبل، فأُطلقت الجملة عليه باعتبار ما كان، كإطلاق اليتامى على البالغين؛ نظراً إلى أنّهم كانوا كذلك»(73).

* * *

____________
(69) شفاء العليل في شرح التسهيل ، السلسيلي، تحقيق عبدالله البركاتي، 1 | 97.
(70) شرح الرضي على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1 | 33.
(71) مغني اللبيب عن كتب الاعاريب، ابن هشام، تحقيق مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، ص 490.
(72) الاعراب عن قواعد الاعراب، ابن هشام، تحقيق رشيد العبيدي، ص 60.
(73) همع الهوامع، السيوطي، تحقيق عبدالسلام هارون وعبدالعال سالم مكرم 1 | 37.

(1/89)


تاسعاً ـ مصطلح الحال

* الحال لغةً:
يطلق الحال في اللغة على عدّة معانٍ، نذكر منها:
1 ـ ما عليه الاِنسان من خير أو شرّ.
2 ـ الوقت الذي أنت فيه.
3 ـ صَرْف الدهر(1).
والحال يُذكّر ويؤنّث، والتذكير يشمل لفظه وضميره ووصفه وغيرها، لكنّ الاَرجح في لفظه هو التذكير، فيقال: (حال) بلا تاء، والاَرجح في غير اللفظ هو التأنيث، قال الشاعر:
إذا أعجبتكَ الدهرَ حالٌ أمرئٍ **** فَدَعْهُ وواكل أمره واللياليا
وألف الحال منقبلة عن واو؛ لقولهم في جمعها: أحوال، وفي
____________
(1) لسان العرب، ابن منظور، مادّة (قول).

(1/90)


تصغيرها: حويلة، واشتقاقها من التحوّل وهو التنقّل(1).
«وقد يؤنّثُ لفظُها، فيقال: حالةٌ، قال الشاعر:
على حالةٍ لو أَنَّ في القومِ حاتِماً **** على جودِه لضنَّ بالماءِ حاتِمُ»(2)
* الحال اصطلاحاً:
قبل أن يستقرّ لفظ (الحال) عنواناً للمعنى الاصطلاحي النحوي، عبّر النحاة عنه بعناوين متعدّدة، ففي كتاب سيبويه (ت 180 هـ) نجد العناوين الاَربعة التالية:
1 ـ الحال، قال: «ما ينتصب لاَنّه حال... وذلك قولك: ما شأنك قائماً»(3).
2 ـ الخبر، قال: «ما ينتصبُ فيه الخبر... وذلك قولك: فيها عبدالله قائماً»(4).
3 ـ الصفة، قال: «واعلم أنّ الشيء يوصف بالشيء... كقولك: هذا زيدٌ ذاهباً»(5).
4 ـ الموقوع فيه، قال: «ما ينتصبُ لاَنّه وقع فيه الفعل»(6)، أو لاَنّه
____________
(1) أ ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
ب ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1 |212.
ج ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|365.
(2) شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد: 245.
(3) الكتاب، سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون 2|60.
(4) كتاب سيبويه 2|88.
(5) كتاب سيبويه 2|121.
(6) كتاب سيبويه 1|44.

(1/91)


«حال وقع فيه الاَمر، فانتصب لاَنّه موقوع فيه الاَمر، وذلك قولك: قتلته صبراً»(1). وعبّر الفرّاء (ت 207 هـ) عن الحال بعنوانين:
أوّلهما: الفعل، قال في تفسير الآية الكريمة: (ولمّا جاءهم كتابٌ من عند اللهِ مصدّق)(2): «إن شئت رفعت (المصدّق) ونويت أن يكون نعتاً للكتاب؛ لاَنّه نكرة، ولو نصبته على أن تجعل المصدّق (فعلاً) للكتاب، لكان صواباً، وفي قراءة عبدالله في آل عمران (ثمّ جاءكم رسول مصدّقاً)، فجعله فعلاً»(3).
والثاني: القطع، قال في تفسير الآية الكريمة: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتّقين)(4): إنّ من وجوه إعراب (هدىً) «أن تجعل (الكتاب) خبراً لـ (ذلك)، فتنصب (هدىً) على القطع... وإنْ شئت نصبت (هدىً) على القطع من الهاء التي في (فيه)، كأنّك قلت: لا شكّ فيه هادياً»(5).
وعبّر المبرّد (ت 285 هـ) عن الحال بالمفعول فيه، قال: «هذا باب من المفعول، ولكنّا عزلناه ممّا قبله؛ لاَنّه مفعول فيه، وهو الذي يسمّيه النحويّون الحال»(6).
والوجه في تسمية الحال مفعولاً فيه أنّ لها شبهاً خاصّاً به
____________
(1) كتاب سيبويه 1|370.
(2) سورة البقرة 2: 89.
(3) معاني القرآن، يحيى بن زياد الفرّاء، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّد النجّار 1|55.
(4) سورة البقرة 2: 2.
(5) معاني القرآن، الفرّاء 1|12.
(6) المقتضب، محمّد بن يزيد المبرّد، تحقيق محمّد عبد الخالق عضيمة 4|166.

(1/92)


«وخصوصاً ظرف الزمان؛ وذلك لاَنّها تقدّر بـ (في) كما يقدّر الظرف، فإذا قلت: جاء زيد راكباً، كان تقديره: في حال ركوب، كما أنّك إذا قلت: جاء زيد اليوم، كان تقديره: جاء زيد في اليوم»(1).

* * *

وأقدم من عرّف الحال اصطلاحاً هو ابن السرّاج (ت 316 هـ) قال: «الحال إنّما هي هيئة الفاعل أو المفعول أو صفته في وقت ذلك الفعل المخبر به عنه»(2).
وعرّفها ابن الاَنباري (ت 577 هـ) بما يماثل تعريف ابن السرّاج، قال: الحال «هيئة الفاعل والمفعول»(3)، وهو وإنْ لم يقيّدها بزمن وقوع الفعل، إلاّ أنّ مراده ذلك، بدليل قوله في شرح التعريف: «ألا ترى أنّك إذا قلت: جاءني زيد راكباً، كان الركوب هيئة زيد عند وقوعِ المجيء منه، وإذا قلت: ضربته مشدوداً، كان الشدّ هيئته عند وقوعِ الضرب له»(4).
ولا يخفى ما في هذا التعريف من مسامحة في التعبير؛ فإنّ الحال ليست هي الهيئة، وإنّما هي اللفظ الدالّ عليها.
وقد خلا تعريف ابن جنّي (ت 392 هـ) من هذه المسامحة؛ إذ قال:
____________
(1) شرح المفصّل، ابن يعيش 2|55.
(2) الاَُصول في النحو، ابن السرّاج، تحقيق عبد الحسين الفتلي 1|258.
(3) أسرار العربية، ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار: 190.
(4) أسرار العربية، ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار: 190.

(1/93)


الحال «وصف هيئة الفاعل أو المفعول به»(1)، وتابعه عليه كلٌّ مِن ابن الخشّاب (ت 567 هـ)(2)، وابن يعيش (ت 643 هـ)(3)، وابن بابشاذ (ت 469 هـ)(4)چع، والزمخشري (ت 538 هـ)(5)، والمطرزي (ت 160 هـ)(6)، وابن معطي (ت 628 هـ)(7).
وقد أشكل ابن إيازٍ على هذا التعريف بأنّه «يبطل بالوصف في قولك: جاءني زيد الراكب»(8)، فإنّه وصف لهيئة الفاعل وليس حالاً.
وتجدر الاِشارة إلى أنّ ابن الحاجب كان قد سبق إلى طرح هذا الاِشكال بقوله: إنّ العاقل في «جاء زيد العاقل، بيان لهيئة زيد، وهو فاعل، فهو بيان لهيئة الفاعل، وليس بحال»، ولكنّه دفعه قائلاً: «وجوابه أنّ... قوله: بيان لهيئة الفاعل، تنبيهاً على اعتبار الفاعلية في بيان الهيئة، وفي قولك: جاء زيد العاقل، لم تجئ بالعاقل بياناً لزيد باعتبار الفاعلية، وإنّما جئت به بياناً باعتبار الذات، لا باعتبار كونها فاعلة»(9).

____________
(1) اللمع في العربيّة، ابن جنّي، تحقيق فائز فارس: 62.
(2) المرتجل في شرح الجمل، ابن الخشّاب، تحقيق علي جديد: 160.
(3) شرح المفصّل، ابن يعيش 2|55.
(4) شرح المقدّمة المحسبة، ابن بابشاذ، تحقيق خالد عبد الكريم 2|310.
(5) أ ـ المفصّل في علم العربيّة، جار الله الزمخشري: 61.
ب ـ شرح الاَُنموذج في النحو، جمال الدين الاَردبيلي، تحقيق حسني عبد الجليل يوسف: 50.
(6) المصباح في علم النحو، أبو الفتح المطرزي، تحقيق عبد الحميد سيّد طلب: 69.
(7) الفصول الخمسون، ابن معطي، تحقيق محمود الطناحي: 119.
(8) المحصول في شرح الفصول، الورقة 101 ب، نقلاً عن حاشية الفصول الخمسون: 119.
(9) الاَمالي النحوية، ابن الحاجب، تحقيق هادي حسن حمّودي 2|114.

(1/94)


وعرّفها ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله: «الحال ما يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به لفظاً ومعنىً»(1).
فأضاف القيد الاَخير (معنىً) ليجعل التعريف شاملاً لاَفراد من الحال تخرج عنه لولا هذا القيد.
وقوله: «لفظاً، أي سواءٌ كان الفاعل أو المفعول به الذي وقع الحال عنه لفظاً، أي: لفظيّاً، بأنْ تكون فاعلية الفاعل أو مفعوليّة المفعول باعتبار لفظ الكلام ومنطوقه... أو معنىً، أي: معنويّاً، بأنْ تكون فاعلية الفاعل أو مفعوليّة المفعول باعتبار معنىً يفهم من فحوى الكلام لا باعتبار لفظه ومنطوقه»(2)
. وقد تقدّمت أمثلة «الفاعل والمفعول اللفظيّين، أمّا المفعول المعنوي فنحو (شيخاً) في قوله تعالى: (وهذا بعلي شيخاً)(3)؛ فإنّ (بعلي) خبر المبتدأ، وهو في المعنى مفعول لمدلولِ (هذا)، أي: أُنبّهُ على بعلي وأشير إليه شيخاً، وأمّا الفاعل المعنوي، فكما في قوله:
كأنّه خارجاً من جنب صفحته *** [سفودُ شَرْبٍ نَسَوْهُ عند مُفْتأَدِ]
إذ المعنى: يشبه خارجاً سفود شرب»(4).
ولاحظ الرضي الاسترابادي على هذا التعريف أنّه ليس جامعاً؛ إذ يخرج عنه «الحال التي هي جملة بعد عامل ليس معه ذو حال، كقوله:
وقد أَغتدي والطير في وكناتها *** بمنجردٍ قيدِ الاَوابدِ هيكلِ

____________
(1) شرح الرضي على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 2|7.
(2) الفوائد الضيائية، عبد الرحمن الجامي، تحقيق أُسامة طه الرفاعي 1|381.
(3) سورة هود 11: 32.
(4) شرح الرضي على الكافية 2|13.

(1/95)


ويخرج أيضاً الحال عن المضاف إليه إذا لم يكن المضاف عاملاً في الحال، وإنْ كان ذلك قليلاً، كقوله تعالى: (بل نتّبع ملّةَ إبراهيم حنيفاً)، وقوله تعالى: (إنّ دابر هؤلاءِ مقطوع مصبحين)(1).
لكنّه دفع الاِشكال بخروج الحال من المضاف إليه بقوله:
«إنّ الحال عمّا أُضيف إليه غير العاملِ في الحال، لا يجيء إلاّ «أوّلاً»: إذا كان المضاف فاعلاً أو مفعولاً يصحّ حذفه وقيام المضاف إليه مقامه، كما أنّك لو قلت: بل نتّبع إبراهيم، مقام (بل نتّبعُ ملّةَ إبراهيم) جازَ، فكأنّه حال من المفعول، و«ثانياً»: إذا كان المضاف فاعلاً أو مفعولاً وهو جزء المضاف إليه، كما في قوله تعالى: (إنّ دابر هؤلاءِ مقطوع مصبحين)، لاَنّ دابر الشيء أصله، فكأنّه قال: يقطع دابر هؤلاءِ مصبحين، فكأنّه حال من مفعول ما لم يسمّ فاعله»(2).
وقال ابن عصفور (ت 669 هـ) في تعريف الحال: أنّها «اسم أو ما في تقديره، منصوب لفظاً أو نيّة، مفسّر لِما انبهم من الهيئات، أو مؤكّد لِما انطوى عليه الكلام، فالمفسّر قولك: جاء زيد ضاحكاً، والمؤكّد: تبسّم زيد ضاحكاً»(3).
والجديد في هذا التعريف:
أوّلاً: تقسيمه الحال إلى صريح ومقدّر، ليكون شاملاً للحال جملة وشبه جملة، وهذا حسن، ولكنّ الاَفضل جعل (الاسم) جنساً للتعريف،
____________
(1) شرح الرضي على الكافية 2|8، و الايتان اللتان في النصّ هما على التوالي 135|البقرة، 66|الحجر.
(2) شرح الرضي على الكافية 2|9.
(3) المقرّب، ابن عصفور، تحقيق أحمد الجواري وعبدالله الجبوري 1|145.

(1/96)


والاِشارة إلى أقسامه في شرحه.
ثانياً: تقسيمه الحال إلى مفسّرة (مبيّنة) للهيئة ومؤكّدة؛ التفاتاً منه إلى أنّهما نوعان مختلفان.
ثالثاً: أنّه أطلق الحال المفسّرة للهيئة، ولم يقصرها على ما يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول، وبذلك جعل التعريف صالحاً لشمول الحال من المضاف إليه بلا حاجة إلى التأويل المتقدّم من الرضي، وشاملاً للحالِ من الخبر في نحو قوله تعالى: (وهذا بعلي شيخاً)، ومن المبتدأ في نحو: الاِنسان صادقاً ممدوح.
وأمّا إشارته إلى أنّ الحال (منصوب لفظاً أو نيّة) فسيأتي وجه الاعتراض عليها.
وعرّف ابن مالك (ت 672 هـ) الحال بتعريفين:
أوّلهما: «ما دلّ على هيئة وصاحبها، متضمّناً ما فيه معنى (في) غير تابع ولا عمدة»(1).
وممّا ذكر في شرحه: أنّ قيد (وصاحبها) مخرج لنحو (القهقرى) في جملة: رجعت القهقرى؛ [ لدلالتها على الهيئة دون صاحبها]، وقوله (متضمّناً ما فيه معنى: في) مخرج لِما يكون معنى (في) لمجموعه، نحو: دخلتُ الحمّامَ؛ لاَنّ معناه: دخلتُ في الحمّام، لكنّ ليس بعض الحمّام أَوْلى بمعنى (في) من بعضٍ، بخلافِ جئت راكباً، فإنّ معناه: جئت في حال ركوب، فمعنى (في) مختصّ بجزء مفهومه وهو المصدر، وقوله (غير تابع) مخرج لنحو (راكب) في قولنا: مررتُ برجل راكبٍ، وقوله
____________
(1) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات: 108.

(1/97)


(ولا عمدة) مخرج للخبر في نحو: زيدٌ راكبٌ(1).
ويلاحَظ أنّ قوله: (ما دلّ على هيئةٍ) كافٍ لاِخراج نحو (الحمّام) في المثال؛ إذ الحمّام لا يدلّ على هيئة.
وثانيهما: قوله في أُرجوزته:
الحال وصف فضلة منتصبُ ***** مفهم في حالٍ كفرداً أَذهبُ
أي: «أنّه الوصف الفضلة المنتصبُ للدلالة على الهيئة»(2).
والمراد بالوصف: ما دلّ على معنىً وذات متّصفة به، وهو: اسم الفاعلِ والمفعول والصفّة المشبّهة وأمثلة المبالغة وأفعل التفضيل(3).
«والمراد الوصف ولو تأويلاً؛ لتدخل الجملة وشبهها والحال الجامدة؛ لتأويل كلّ بالوصف المشتقّ»(4).
ويخرج بقيد الوصف نحو (القهقرى) في: رجعت القهقرى(5)؛ فإنّه
____________
(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل، محمّد بن عيسى السلسيلي، تحقيق عبدالله البركاتي 2|521.
(2) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 1|625.
(3) أ ـ شرح الاَشموني على الاَلفية، ضمن حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
ب ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(4) أ ـ شرح ابن الناظم على الاَلفية: 124.
ب ـ شرح التصريح على التوضيح 1|366.
ج ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(5) أ ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام الاَنصاري، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 2|78.
ب ـ شرح ابن الناظم على الاَلفية: 124.
ج ـ شرح الاَشموني على الاَلفية 2|169.

(1/98)


اسم للرجوعِ إلى خلف(1)، فهو مصدر لا وصف.
ويخرج بقوله (فضلة) الوصف الواقع عمدة، وهو الخبر في نحو: زيد قائم(2)، «والمبتدأ في نحو: أقائم الزيدان»(3).
«والمراد بالفضلة ما يصحّ الاستغناء عنه، وقد يعرض له ما يوجب ذِكره، إمّا لوقوعه سادّاً مسدّ الخبر، نحو: ضربي زيداً قائماً، أو لتوقّف المعنى عليه، كقوله:
إنّما الميتُ من يعيشُ كئيباً *** كاسفاً باله قليلَ الرجاءِ»(4).
وقوله: «منتصب، أي: أصالة، وقد يجرّ لفظه بالباء ومِن بعد النفي، لكنّ ذلك ليس مقيساً على الاَصحّ، نحو:
فما رجعت بخائبةٍ ركابٌ *** حكيم بن المسيَّبِ منتهاها»(5).
وقيد (النصب) «مخرج لنعتَي المرفوع والمخفوض، كجاءني رجل راكبٌ، ومررت برجل راكب»(6)، وقد حمل ابن الناظم «قوله: منتصب على جائز النصب، واعترضه بوصف المنصوب، وحمله المرادي على واجب النصب، فيخرج النعت؛ لاَنّه غير لازم النصب، وهو أظهر؛ لاَنّ
____________
(1) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
(2) أ ـ شرح المكودي على الاَلفية: 77.
ب ـ شرح ابن عقيل على الاَلفية 1|625.
ج ـ شرح ابن الناظم على الاَلفية: 124.
(3) شرح الاَشموني على الاَلفية 2|169.
(4) أ ـ شرح المكودي على الاَلفية: 77.
ب ـ شرح الاَشموني على الاَلفية 2|169.
(5) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
(6) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|79.

(1/99)


النصب من أحكام الحال اللازمة له»(1).
وممّا أُخذ عليه:
أوّلاً: أنّه لم يقيّد (منتصب) باللزوم، وإنْ كان مرادَه؛ ليخرج النعت المنصوب كرأيت رجلاً راكباً، فإنّه يفهم في حال ركوبه، وإنْ كان ذلك بطريق اللزوم لا بطريق القصد؛ فإنّ القصد إنّما هو تقييد المنعوت»(2).
وثانياً: أنّه يلزم من ذِكر النصب الدور المستحيل عقلاً؛ لاَنّ النصب حكم، والحكم فرع التصوّر؛ إذ لا يحكم على شيء إلاّ بعد تصوّره، والتصوّر متوقّف على جميع أجزاء الحدّ التي منها النصب، فيحصل الدور»(3)
. وقد أُجيب عن إشكال الدور بأنّ الحكم لا يتوقّف على معرفة كنه حقيقة الشيء المتوقّفة على الحدّ، بل يكفي فيه تصوّر الشيء بوجه ما(4).
ومع هذا يبقى إثبات (النصب) في التعريف غير مستحسن؛ لاَنّه من عوارض الحال، لا من ذاتيّاتها التي يطلب إثباتها في الحدّ، ولذا قال المكودي: «وتسامح الناظم في هذا التعريف؛ لاِدخاله فيه النصب وهو من أحكام الحال لا جزءاً من ماهيّته»(5).

____________
(1) شرح المكودي على الاَلفية: 77.
(2) شرح الاَشموني على الاَلفية 2|170.
(3) أ ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|79.
ب ـ شرح التصريح على التوضيح 1|367.
(4) أ ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|170.
ج ـ شرح التصريح على التوضيح 2|367.
(5) شرح المكودي على الاَلفية: 77.

(1/100)


ولاَجلِ ذلك ذهب بعضٌ إلى أنّ الاََوْلى حمل قوله (منتصب) على كونه خبراً لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراضية وليست قيداً في التعريف(1)، وهذا ما يقتضيه صنيع ابن عقيل في شرحه للاَلفية، فإنّه لم يخرج بالوصف شيئاً(2)ِ.
وخرج بقوله: (مفهم في حال)، أي: دالٌّ على الهيئة، ثلاثة أشياء:
أوّلها: التمييز، في نحو: للهِ درّه فارساً، فإنّه لا يدلّ على الهيئة؛ لاَنّه على معنى (من) لا (في)(3)، وإنّما هو لبيان جنس المتعجّب منه(4).
وثانيها: النعت، في نحو: رأيتُ رجلاً راكباً، فإنّه لا يقصد به الدلالة على الهيئة، وإنّما المقصود به تقييد المنعوت وتخصيصه، وإنْ لزم منه بيان الهيئة ضمناً وعرضاً(5).

أقول:
كفاية قيد الدلالة على الهيئة لاِخراج النعت المنصوب تكون سبباً آخر
____________
(1) أ ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|170.
ب ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(2) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(3) أ ـ شرح المكودي على الاَلفية: 77.
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
(4) أ ـ شرح ابن عقيل على الاَلفية 1|625.
ب ـ شرح ابن الناظم: 124.
ج ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|78.
د ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
(5) أ ـ شرح ابن الناظم على الاَلفية: 124.
ب ـ شرح ابن عقيل على الاَلفية 1|625.
ج ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|78.

(1/101)


لحذف قيد (النصب) من الحدّ، مضافاً للسبب المتقدّم من كونه ليس من ذاتيّات المعرّف، فقد كان مسوّغ ذِكره هو إخراج النعت به مطلقاً، بعد الحمل على إرادة النصب اللازم.
وثالثها: الخبر؛ فإنّ «مراده بقوله: (يبيّن الهيئة) أنّه ذكر لبيانها، نصّ على هذه القاعدة ابن الحاجب في أماليه، قال: إذا قيل: الفاعل ما أُسند إليه الفعل، فمعناه: ما ذُكر ليُسند إليه الفعل... والخبر إنّما ذُكر للاِسناد إلى المبتدأ لا لبيان الهيئة»(1).
وقد عقّب الخضري على قيد (الدلالة على الهيئة) بقوله: «أي هيئة صاحبه وصفته وقت وقوعِ الفعل»(2)، وفي كلامه نظر؛ لاَنّه يجعل الحدّ غير شامل للحالِ من المبتدأ والخبر.
وقد اتّضح من عرض تعريفَي ابن مالك أنّ كليهما يختصّ بالحال المبيّنة للهيئة دون المؤكّدة.
وأمّا الرضي (ت 686 هـ) فقد عمد أيضاً ـ قبل بيان حدّ الحال ـ لقسمتها إلى نوعيها، فقال: «الحال على ضربين: منتقلة ومؤكّدة، ولكلّ منهما حدّ، لاختلاف ماهيّتهما»(3).
ومراده بالمنتقلة الحال المبيّنة أو المؤسّسة في تعبير غيره، والمسوّغ للتعبير عنها بالمنتقلة هو ما ذكروه من أنّ الانتقال هو الاَصل فيها وأغلب حالاتها(4)گك. لكنّه عرّفها بطريقة لا تخلو من التعقيد، فلم يتابعه على الاَخذ
____________
(1) شرح اللمحة البدرية في علم العربية، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 2|137.
(2) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(3) شرح الرضي على الكافية 2|10.
(4) أ ـ شرح ابن الناظم على الاَلفية: 124.
ب ـ شرح ابن عقيل على الاَلفية 1|626.
ج ـ شرح المكودي على الاَلفية: 77.

(1/102)


بها أحدٌ ممّن تأخّر عنه، قال: «فحدُّ المنتقلة جزء كلام يتقيّد بوقت حصول مضمونه، تعلّقُ الحدثِ الذي في ذلك الكلام بالفاعلِ أو المفعول أو بما يجري مجراهما...
ويخرج بقولنا: حصول مضمونه، المصدر في نحو: رجع القهقرى، لاَنّ الرجوع يتقيّد بنفسه لا بوقتِ حصول مضمونه، ويخرج النعت بقولنا: يتقيّد تعلّق الحدث بالفاعل أو المفعول؛ فإنّه [النعت] لا يتقيّد بوقت حصول مضمونه ذلك التعلّق، وقولنا: أو بما يجري مجراهما، يدخل حال الفاعل والمفعول المعنويَّين... والحال عن المضاف إليه الذي لا يكون في المعنى فاعلاً أو مفعولاً للمضاف... والحال في نحو قوله:... وقد أغتدي والطير في وكناتها.
وحدّ المؤكّدةِ: اسم غير حدث يجيء مقرّراً لمضمون جملة... فقولنا: غير حدث، احتراز عن المنصوب في نحو: رجع رجوعاً»(1).
وقال ابن الناظم (ت 686 هـ) في تعريف الحال المبيّنة: «الوصف المذكور فضلة لبيان هيئة ما هو له»، وأشكل على والدِه بأنّ «قوله: (مفهم في حال) يشمل النعت، ألا ترى أنّ قولك: مررت برجلٍ راكبٍ، في معنى: مررت برجل في حال ركوبه، فلاَجل ذلك عدلت عن هذه العبارة إلى قولي... لبيان هيئة ما هو له»(2)، وقد تابعه على هذا الحدّ الشيخ خالد الاَزهري (ت 905 هـ)(3).

____________
(1) شرح الرضي على الكافية 2|10 ـ 11.
(2) شرح ابن الناظم على الاَلفية: 134.
(3) شرح الاَزهرية في علم العربيّة، خالد الاَزهري: 113.

(1/103)


ويلاحظ على كلامه:
أوّلاً: أنّه أحسنَ بعدم ذِكر (النصب) في الحدّ؛ للاَسباب المتقدّمة.
ثانياً: أنّ تمثيله ـ في الاعتراض على والده بدخول النعت ـ بجملة (مررت برجلٍ راكب) غير جيّد، إذ يمكن ردّه بخروجه بقيد النصب الذي ذكره الناظم في الحدّ، فكان عليه أن يمثّل بنحو: رأيتُ رجلاً راكباً(1).
ثالثاً: أنّه يمكن ردّ اعتراضه على والده بطريقين:
أوّلهما: أنّ الاعتراض متوقّف على كون مراد والده بجمله (مفهم في حال) معنىً آخر غير (بيان هيئة صاحبه)، ولكنّ الاَقرب إرادته لهذا المعنى؛ بدلالة تعبيره به في تعريفه المتقدّم للحال الذي سجّله في كتابه (التسهيل)، ولذا صرّح ابن عقيل بأنّ «قول المصنّف (مفهم في حال) هو معنى قولنا: للدلالة على الهيئة»(2).
وثانيهما: أنّ النعت خارج لاَنّه لا يفهم الحال بطريق القصد، وإنّما يدلّ عليها عَرَضاً(3).
وتقدّم أبو حيّان (ت 745 هـ) بتعريفين للحال:
أوّلهما: «اسم يبيّن الهيئة»(4).
وهو أوجز تعريف يواجهنا حتّى الآن، وقوله (اسم) شامل للصريح والمؤوّل، وللمشتقّ (الوصف) والجامد المؤوّل بالمشتقّ، ولم يذكر قيد (الفضلة) التفاتاً منه لعدم الحاجة إليه؛ لاَنّ مَن ذكره أراد به إخراج ما كان
____________
(1) حاشية الشيخ ياسين العليمي على شرح التصريح 1|366.
(2) شرح ابن عقيل على الاَلفية 1|625.
(3) شرح التصريح على التوضيح|للاَزهري 1|367.
(4) شرح اللمحة البدرية في علم العربية 2|136.

(1/104)


عمدة من الاَوصاف، كالمبتدأ والخبر، وهما خارجان بقيد (بيان الهيئة)؛ فإنّهما لا يُذكران لبيانها، بل يُذكر المبتدأ لكي يسند إليه الخبر، ويُذكر الخبر لكي يُسند إلى المبتدأ.
إلاّ أنّ ابن هشام أشكل عليه بأنّه لا يشمل «الحال المؤكّدة، نحو: (فتبسَّمَ ضاحكاً) و (ولّى مدبراً)؛ فإنّها حال ولم تُذكر للتبيين، بل للتأكيد؛ إذ البيان مستفاد قبل مجيئها»(1).
وثانيهما: «اسم مبيّن هيئة أو مؤكّد»(2)، ولا يرد عليه الاِشكال المذكور.
وأمّا ابن هشام (ت 761 هـ) فقد ذكر للحال تعريفين أيضاً:
الاَوّل: «وصف فضلة يقع في جواب كيف، كضربت اللِّصَّ مكتوفاً»(3).
وردّ الاِشكال عليه بخروج نحو (مفسدين) في قوله تعالى: (ولا تعثوا في الاَرضِ مفسدين)(4)، فإنّه حال، ومع ذلك لا يقع في جواب كيف، وكان ردّه: أنّ الحدّ المذكور للحال المبيّنة لا للحالِ المؤكّدة»(5).

أقول:
كان بوسعه أن يعتذر عن ابن حيّان في تعريفه الاَوّل بهذا العذر
____________
(1) شرح اللمحة البدرية 2|137.
(2) غاية الاِحسان في علم اللسان، أبو حيّان الاَندلسي، مخطوط 6|أ.
(3) شرح قطر الندى، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد: 327.
(4) سورة البقرة 2: 60.
(5) شرح قطر الندى: 329.

(1/105)


أيضاً، بدلاً من تثبيت الاِشكال عليه.
والثاني: شامل لنوعَي الحال، وهو: «وصف فضلة مسوق لبيان هيئة صاحبه، أو تأكيده، أو تأكيد عامله، أو [تأكيد] مضمون الجملة قبله»(1).
وهو تعريف قابل للاختزال بحذف (الوصف)، فإنّ المراد به الاحتراز عن دخول نحو (القهقرى)، وهو خارج بقيد الدلالة على الهيئة، وبالاِمكان الاجتزاء بذِكر(التأكيد) وترك بيان أقسامه إلى شرح التعريف.
ويلاحظ أنّه كرّر هذا التعريف في شرحه على الاَلفية، إلاّ أنّه قسّم الحال أوّلاً إلى نوعيها، ثمّ ذكر لكلٍّ منهما ما يخصّه من التعريف(2).
وعرّفها السيوطي (ت 911 هـ) بأنّها «فضلة دالٍّ على هيئة صاحبه». وقال في شرحه: إنّ قيد الدلالة على الهيئة مخرج لجميع المنصوبات عدا المصدر النوعي، فإنّه يخرج بقيد صاحبه، نحو (القهقرى) في جملة رجعت القهقرى؛ فإنّه يدلّ على هيئة الرجوع لا هيئة الصاحب(3).
ويلاحظ أنّه يمكن الاستغناء عن قيد (الفضلة) في هذا الحدّ؛ إذ المراد بها الاحتراز عمّا دلّ على الهيئة ممّا هو عمدة في الكلام كالمبتدأ والخبر، وقد علمنا أنّهما خارجان أيضاً بقيد الدلالة على الهيئة؛ لاَنّهما ـ كما تقدّم ـ لم يُذكرا لبيان الهيئة، وإنّما ذُكر أوّلهما لكي يُسند إليه والثاني لكي يُسند.
فالاَفضل في تعريف الحال المبيّنة أن يقال: هي اسم مبيّن لهيئة صاحبه.

____________
(1) شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد: 244.
(2) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|77، و 99 ـ 101.
(3) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، السيوطي، تحقيق عبد العال مكرم 4|8.

(1/106)


خمس وعشرون ـ مصطلح الحال

* الحال لغةً :
للحال في اللغة معانٍ عديدة (1) ، أهمّها :
أوّلاً : ما عليه الاِنسان من خير أو شرّ ، وهذا المعنى أوفق المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي ، كما سيتّضح.
ثانياً : الوقت الذي أنت فيه.
ثالثاً : صَرْفُ الدهر.
رابعاً : زوجة الرجل.
وألف الحال « منقلبة عن واو ؛ لقولهم في جمعها : أَحوال ، وفي تصغيرها : حُويلة ، واشتقاقها من التحوّل ، وهو التنقّل »(2).
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة (حول).
(2) أ ـ شرح التصريح على التوضيح ، خالد الاَزهري 1|365.

(1/107)


ومعنى الحال « يذكّر ويؤنّث ، وهو الاَفصح ، يقال : حال حَسَنٌ ، وحالٌ حَسَنةٌ ، وقد يؤنّثُ لفظُها ، فيقال : حالة ، قال الشاعر :

على حالةٍ لو أنّ في القومِ حاتِماً * على جودِه لَضنَّ بالماءِ حاتِمُ »(1)
« ومن شواهد تذكير لفظ الحال قول الشاعر :

إِذا أعجبتك الدهرَ حالٌ من امرىٍَ * فدعه وواكِل أَمرَهُ واللياليا »(2)
* الحال اصطلاحاً :
ورد في كتاب سيبويه (ت 180 هـ) عدّة عناوين للتعبير عن المعنى الاصطلاحي للحال ، وهي : الحال ، المفعول فيه ، الصفة ، الخبر(3).
وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بـ : (المنصوب على القطع)(4).
وقد عرّف سيبويه الحال بأنّه : « ما يعمل فيه الفعل فينتصب ، وهو حال وقع فيه الفعل... وذلك قولك : ضربتُ عبدالله قائماً »(5).
وعرّفه ابن السرّاج (ت 316 هـ) بقوله : « الحال إنّما هي هيئة الفاعل أو المفعول أو صفته في وقت ذلك الفعل المخبَر به عنه »(6).
____________
=
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
ج ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد : 245.
(2) أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد 2|77 (حاشية المحقّق).
(3) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون 1|44 و ج 2|49 ـ 50 و 87.
(4) معاني القرآن ، يحيى بن زياد الفرّاء ، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّد علي النجّار 1|313.
(5) كتاب سيبويه 1|44.
(6) الاَُصول في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبد الحسين الفتلي 1|258.

(1/108)


ومثله تعريف ابن جنّي (ت 392 هـ)(1) ، والزمخشري (ت 538 هـ)(2) ، وابن الاَنباري (ت 577 هـ)(3) ، والمطرّزي (ت 610 هـ)(4) ، وأبي البقاء العكبري (ت 616 هـ)(5) ، وابن يعيش (ت 643 هـ)(6).
ويلاحظ أنّ حصر مجيء الحال بكونها مبيّنة لخصوص هيئة الفاعل أو المفعول به ، لا يمكن الموافقة عليه ، رغم ذهاب كثير من النحاة إليه ، وقد خالفهم في ذلك سيبويه وغيره من القدماء ، وبعض النحاة المعاصرين ، كما ستأتي الاِشارة إليه في خاتمة البحث.
وعرّفه الزجّاجي (ت 337 هـ) بقوله : « الحال هو اسم نكرة جاء بعد معرفة ، وقد تمّ الكلام دونه »(7).
ويرد على هذا التعريف :
أوّلاً : إنّ الحال قد تأتي معرفة لا نكرة ، نحو قولهم : أَرسَلها العِراكَ(8).
وقد دُفع هذا الاِيراد بما ذهب إليه سيبويه من « أنّ هذا مصدر لفعل
____________
(1) اللمع في العربيّة ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 62.
(2) المفصّل في علم العربيّة ، جار الله الزمخشري : 61.
(3) أسرار العربيّة ، أبو البركات ابن الاَنباري ، تحقيق فخر صالح قداره : 176.
(4) المصباح في علم النحو ، ناصر المطرّزي ، تحقيق ياسين محمود الخطيب : 61 ـ 62.
(5) اللباب في علل البناء والاِعراب ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق غازي مختار طليمات 1|284.
(6) شرح المفصّل ، ابن يعيش 2|55.
(7) الجمل ، أبو إسحاق الزجّاجي ، تحقيق علي توفيق الحمد : 35.
(8) البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، ابن أبي الربيع الاِشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي 1|516.

(1/109)


محذوفٍ تقديره : أَرسلَها تعتركُ العراك ، والفعل [المحذوف] هو الحال ، كما تقول : جاء زيد يضحك »(1).
ثانياً : إنّ صاحبَ الحال قد يكون نكرة لا معرفة ، كما في نحو : فيها رجل قائماً ؛ فقد ذهب سيبويه إلى « أنّه حال من النكرة ، وجعله جاء على القليل »(2) .
وتجدر الاِشارة إلى أنّ اختلاف النحاة في جواز مجيء صاحب الحال نكرة مخصوص بما لو كانت الحال متأخّرة عن صاحبها ، وأمّا إذا كانت متقدّمة عليه كما في نحو : فيها قائماً رجل ، فلا خلاف بينهم في جوازه(3).
ثالثاً : إنّه ذكر مجيء الحال بعد معرفةٍ تمّ الكلام دونها ، وهذا ما ذهب إليه غيره من النحاة أيضاً كما سيأتي ، وقد اعترض على ذلك باعتراضين :
____________
(1) أ ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي 1|517.
ب ـ الكتاب 2|112.
ج ـ المقتضب ، المبرّد ، تحقيق عبد الخالق عضيمة 3|237.
د ـ المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 163.
هـ ـ شرح المفصّل 2|62 ـ 63.
و ـ شرح جمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1|336.
(2) أ ـ كتاب سيبويه 2|112.
ب ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي 1|519.
(3) أ ـ الجمل ، عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر : 17.
ب ـ شرح الاَُنموذج ، عبد الغني الاَردبيلي ، تحقيق حسني عبد الجليل يوسف : 51.
ج ـ شرح المقدّمة الجزولية الكبير ، أبو علي الشلوبين ، تحقيق تركي العتيبي 2|726.
د ـ المصباح في علم النحو : 62.

(1/110)


أوّلهما : إنّ الحال قد تأتي والكلام قبلها غير تامّ ، كما في نحو : ضربي زيداً قائماً(1) ، ومحاولة التخلّص من هذا الاعتراض بأنّ « هذا وشبهه مقدّر بالتمام ؛ لاَنّ (ضربي زيداً) في معنى (ضربتُ زيداً) أو في معنى (ضربي زيداً إذا كان قائماً) ، فحذف الخبر وسدَّ الحال مسدَّ الخبر »(2) ، هي محاولة واضحة التكلّف ، لا تقوى على دفع الاعتراض.
وثانيهما : « إنّا نجدُ كثيراً من الاَلفاظ موافقة لِما ذكر ، وليس بحال ؛ كقولك : ضربتُ رجلاً ، وضربتُ يوماً ، وضربتُ تأديباً ، وأشباه ذلك ، فكلّها نكرة جاءت بعد معرفة قد تمّ الكلام دونها ، وليست بحال »(3).
وأمّا ابن برهان العكبري (ت 456 هـ) فقد عرّف الحال بأنّها : « زيادة في الخبر ؛ وذلك أنّ قولهم : (جاء زيد) جملة خبرية ، قد انعقد بها الفائدة ، فاستغنت وصحّ السكوت عليها ، فإن قلتَ : راكباً ، فقد زدت في الفائدة ، والزيادة فضلة ، والفضلة منصوبة »(4).
ويؤخذ على هذا التعريف أنّه غير مانع من دخول المفعول المطلق ، والمفعول فيه ، والمفعول معه ، كما في نحو : جلسَ زيدٌ جلسةَ الحزينِ ، وجاء زيدٌ صباحاً ، وسار زيدٌ وشاطئ النهرِ.
وعرّفه ابن بابشاذ (ت 469 هـ) بأنّه :« ما يذكر للبيان عن هيئة الفاعل والمفعول... وشرطه أن يكون نكرة مشتقّة تأتي بعد معرفة ، قد تمّ الكلام
____________
(1) شرح المقدّمة المحسبة ، طاهر بن بابشاذ ، تحقيق خالد عبد الكريم 1|313.
(2) شرح المقدّمة المحسبة 1|313.
(3) الاِيضاح في شرح المفصّل ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي 1|328.
(4) شرح اللمع ، ابن برهان ، تحقيق فائز فارس 1|132.

(1/111)


دونها ، مقدّرة بـ : في منتقلة »(1).
وقريب منه قول ابن معطي (ت 628 هـ) : الحال « بيان هيئة الفاعل أو المفعول بنكرة مشتقّة بعد معرفة قد تمّ الكلام دونها منتقلة »(2).
والجديد في هذا التعريف إشارته إلى كون الحال مشتقّة منتقلة ، وكونها كذلك غالب وليس لازماً ؛ إذ إنّها قد تأتي جامدة ثابتة ، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من النحاة(3) ، ومنهم ابن مالك إذ قال في ألفيّته :

وكونه منتقلاً مُشتقّا * يغلبُ لكن ليس مستحَقّا

وعرّفه عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) بقوله : الحال « كلّ صفة نكرة منصوبة بمعنى في حال كذا »(4).
ومرادهم بالصفة أو الوصف : « ما صيغ من المصدر ليدلّ على متّصف ، وذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة وأمثلة المبالغة وأفعل التفضيل »(5) ، فكأنّه قال : إنّ الحال نكرة مشتقّة.
وقوله : (بمعنى في حال كذا) بمعنى قول غيره : مبيّنة للهيئة.
____________
(1) شرح المقدّمة المحسبة 1|310 ـ 312.
(2) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 186.
(3) أ ـ شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2|32.
ب ـ الفوائد الضيائية ، عبد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة الرفاعي 1|389 ـ 390.
ج ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2|79.
د ـ شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّد الطيّب الاِبراهيم : 171.
هـ ـ همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق عبد العال سالم مكرم 2|10.
(4) الجمل : 16.
(5) شرح الاَشموني على الاَلفيّة ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد 1|242.

(1/112)


وقوله : (منصوبة) « أي أصالة ، وقد يجرّ لفظه بالباء ومن بعد النفي ، ولكن ليس ذلك مقيساً على الاَصحّ ، نحو :

فما رجعت بخائبةٍ ركابٌ * حكيمُ بنُ المسيَّبِ منتهاها »(1)
أمّا ابن الحاجب (ت 646 هـ) فقد عرّف الحال بقوله : « الحال : ما يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به لفظاً أو معنىً ، نحو : ضربتُ زيداً قائِماً ، وزيدٌ في الدار قائماً ، وهذا زيد قائماً »(2).
« قوله : (لفظاً أو معنىً) حال من [لفظ] الفاعل أو المفعول [به] ، أي : ملفوظاً أو معنويّاً... أمّا المفعول المعنوي فنحو : شيخاً ، في قوله تعالى : ( وهذا بَعلي شيخاً )(3) ؛ فإنّ ( بَعلي ) خبر المبتدأ ، وهو في المعنى مفعول لمدلول ( هذا ) ، أي : أُنبّه على بعلي وأشير إليه شيخاً. وأمّا الفاعل المعنوي فكما في قوله :

كأنّه خارجاً من جنب صفحتِهِ * ..........................

إذ المعنى : يُشبه خارجاً »(4).
وممّا ذكره الرضي في مناقشة هذا التعريف أنّه « ليس في هذا الحدّ تحقيق معنى الحال وبيان ماهيّته ؛ لاَنّه ربّما يُتوهّم أنّه موضوع لبيان هيئة الفاعل أو المفعول مطلقاً ، لا في حالة الفعل ، فيظنُّ في (جاءَني زيد راكباً) ، أنّ (راكباً) هيئة لهذا الفاعلِ مطلقاً ، لا في خصوص حالِ المجيء ، فيكون غلطاً.
____________
(1) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
(2) شرح الرضي على الكافية 2|8.
(3) سورة هود 11 : 72.
(4) شرح الرضي على الكافية 2|13.

(1/113)


ويخرج عن هذا الحدّ الحالُ التي هي جملة بعد عامل ليس معه ذو حالٍ ، كقوله :

وقد أغتدي والطيرُ في وكناتِها * بمنجردِ قيدِ الأوابدِ هيكلِ »(1)
وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه : « كلّ اسم أو ما هو في تقديره ، منصوب لفظاً أو نيّةً ، مفسِّر لِما انبهم من الهيئات ، أو مؤكّد لِما انطوى عليه الكلام ، فالمفسِّر نحو قولك : جاء زيدٌ ضاحكاً ، والمؤكّد : تبسّم زيدٌ ضاحكاً »(2).
وقد تضمّن هذا التعريف بيان أنّ الحال قد يكون مفرداً وقد يكون جملةً ، وأنّ نصبه قد يكون لفظيّاً وقد يكون تقديريّاً ، وهي تقسيمات لا حاجة إلى إيرادها في متن التعريف الذي يطلب منه بيان ذاتيّات المعرَّف التي تميّزه عن غيره ، ثمّ يوكل بيان أقسامه وتفصيلاته إلى شرح التعريف.
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فقد عرَّف الحال بتعريفين :
أوّلهما : « هو ما دلَّ على هيئة وصاحبها ، متضمّناً ما فيه معنى (في) ، غيرُ تابع ولا عمدة »(3).
وممّا ذكر في شرحه : أنّ « قوله : (على هيئة) ، يشمل الحال ونحو (تربّعت) ؛ فإنّها هيئة في الفعل... قوله : (وصاحبها) خرج [به] تربّعتُ... قوله : (متضمّناً ما فيه معنى في) أخرج نحو : بنيتُ صومعةً ؛ فإنّه غير متضمّنٍ معنى (في) مع دلالته على هيئة وصاحبها... [وقوله :] (غير تابع) أخرج : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، [وقوله :] (ولا عمدة) أخرج
____________
(1) شرح الرضي على الكافية 2|8.
(2) المقرَّب ، ابن عصفور ، تحقيق أحمد الجواري وعبدالله الجبوري 1|145.
(3) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّد كامل بركات : 108.

(1/114)


(راكب) من (زيدٌ راكبٌ) ؛ فإنّ هذين التركيبين فيهما ما في الحال من الدلالة على هيئةٍ وصاحبها وتضمّن معنى (في) ، إلاّ أنّ التركيب الاَوّل تابع ، والثاني عمدة ، فليسا حالين »(1).
وثانيهما : ما ذكره في ألفيّته بقوله :

« الحالُ وصفٌ فضلةٌ منتصب * ُمُفهِمُ في حالِ كـ : فَرداً أَذهبُ »

وقال ابن هشام الاَنصاري شارحاً هذا الحدّ : « الوصف : جنس يشمل الخبر والنعت والحال ، وفضلة : مخرج للخبر ، ومنتصب : مخرج لنعتَي المرفوع والمخفوض كـ : (جاءني رجلٌ راكبٌ) و (مررتُ برجلٍ راكبٍ) ، ومفهِم في حال كذا : مخرج لنعت المنصوب كـ : (رأيت رجلاً راكباً) ؛ فإنّه إنّما سيق لتقييد المنعوت ، فهو لا يفهِم في حال كذا بطريق القصد ، وإنّما أَفهمه بطريق اللزوم.
وفي هذا الحدّ نظر ؛ لاَنّ النصبَ حكم ، والحكم فرع التصوّر ، والتصوّر متوقّف على الحدّ ، فجاء الدور »(2).
ولاحظَ عليه ابن الناظم : أنّ « فيه ـ مع إدخالِ حكم في الحدّ ـ أنّه حدّ غير مانع ؛ لاَنّه يشمل النعت ، ألا ترى أنّ قولك : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، في معنى : مررت برجلٍ في حالِ ركوبه ، كما أنّ قولكَ : جاء زيدٌ ضاحكاً ، في معنى : جاء زيد في حال ضحكه »(3).
____________
(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمّد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبدالله البركاتي 2|521.
(2) أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد 2|78 ـ 79.
(3) شرح ابن الناظم على ألفيّة ابن مالك : 124.

(1/115)


أقول :
إنّ اعتراضه بدخول النعت في نحو : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، مدفوع بأخذ قيد (النصب) في التعريف ، وكان ينبغي الاعتراض بدخول النعت في نحو : رأيتُ رجلاً راكباً ، إلاّ أنّ الاعتراض يكون حينئذٍ قابلاً للدفع بما ذكره ابن هشام من أنّه يفهِم في حالِ كذا بطريق اللزوم لا القصد ، أو بطريق التضمّن كما سيذكره ابن الناظم نفسه.
وقال ابن الناظم (ت 686 هـ) في تعريف الحال : « هو الوصف المذكور فضلة لبيانِ هيئة ما هو له ، فالوصف : جنس يشمل الحال المشتقّة ، نحو : جاءَ زيد راكباً ، والحال المؤوّلة بالمشتق كقوله تعالى : ( فانفروا ثُباتٍ )(1) ، ومخرجٌ نحو (القهقرى) من قولك : رجعتُ القهقهرى ، و (المذكور فضلة) يخرج الخبر من نحو : زيدٌ قائمٌ... و (لبيان هيئة ما هو له) يُخرج التمييزَ من نحو : لله درّه فارساً ، والنعتَ من نحو : مررتُ برجلٍ راكبٍ ؛ فإنّ التمييز في ذلك والنعتَ في ذا ، ليس واحد منهما مذكوراً لقصد بيان الهيئة ، بل التمييز مذكور لبيان جنس المتعجّب منه ، والنعت مذكور لتخصيص الفاعل ، ووقع بيان الهيئة بهما ضمناً »(2).
وأمّا الرضي الاسترابادي (ت 686 هـ) فقد قال في تعريف الحال : « الاََوْلى أن نقول : الحال على ضربين : منتقلة ومؤكّدة ، ولكلّ منهما حدّ ؛ لاختلاف ماهيّتهما ، فحدُّ المنتقلة : جزءُ كلام يتقيَّدُ بوقتِ حصولِ مضمونه تعلُّقُ الحدثِ الذي في ذلك الكلام بالفاعل أو المفعول أو بما يجري
____________
(1) سورة النساء 4 : 71.
(2) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 124.

(1/116)


مُجراهما.
فبقولنا : (جزءُ كلامٍ) تخرج الجملة الثانية في نحو : ركبَ زيدٌ وركبَ مع ركوبه غلامُه ، إذا لم نجعلها حالاً.
ويخرج بقولنا : [بوقت] حصول مضمونه ، المصدرُ في نحو : رجع القهقرى ؛ لاَنّ الرجوع يتقيّد بنفسه ، لا بوقت حصول مضمونه.
ويخرج النعتُ بقولنا : (يتقيّد تعلّق الحدث بالفاعل أو المفعول) ؛ فإنّه لا يتقيّد بوقت حصول مضمونه ذلك التعلّق.
وقولنا : (أو بما يجري مجراهما) يُدخل حال الفاعل والمفعول المعنويّين ، نحو : (وهذا بعلي شيخاً) ، و :

كأنّه خارجاً من جنبِ صفحته * سَفُّودُ شَرْبٍ نَسوْهُ عند مُفْتَأَدِ
... وحدُّ المؤكّدة : اسم غير حدث يجيءُ مقرِّراً لمضمون جملة »(1).
ويلاحظ أنّ إثبات الحال المؤكّدة « مذهب الجمهور ، وذهب المبرّد والفرّاء والسهيلي إلى إنكارها ، وقالوا : لا تكون الحال إلاّ مبنيّة ؛ إذ لا يخلو [الكلام] من تجديد فائدة ما عند ذكرها »(2).
وقد وافق ابنُ هشام (ت 761 هـ) الرضيَّ على قسمة الحال إلى قسمين لاختلافهما في الماهيّة ، وتعريف كلٍّ منهما على حدّه ، وطرح على هذا الاَساس ثلاثة تعاريف للحال :
أوّلها : إنّ الحال : « وصف فضلة يقع في جواب كيف ، كـ :
____________
(1) شرح الرضي على الكافية 2|10 ـ 11.
(2) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، السيوطي ، تحقيق عبد العال سالم مكرم 4|39.

(1/117)


(ضربتُ اللصّ مكتوفاً)...
فإن قلتَ : يَردُ على ذِكر الوصف نحو قوله تعالى : ( فانفروا ثباتٍ ) ؛ فإنّ ( ثُباتٍ ) حال وليس بوصف ، وعلى ذِكر الفضلة نحو قوله تعالى : ( ولا تمشِ في الاَرض مَرَحاً )(1)... فإنّه لو أسقط ( مَرَحاً ) فسدَ المعنى ، فيبطل كون الحال فضلةً ، وعلى ذِكر الوقوع في جواب (كيف) نحو قوله تعالى : ( ولا تعثوا في الاَرضِ مفسدين )(2) ؛ [فإنّ الحال فيها لا يقع في جواب كيف]..
قلتُ : ( ثُباتٍ ) في معنى متفرّقين ، فهو وصف تقديراً ، والمراد بالفضلة ما يقع بعد تمام الجملة ، لا ما يصلح الاستغناء عنه ، والحدّ المذكور للحال المبيّنة لا المؤكّدة »(3).
ثانيها : الحال : « وصفٌ فضلةٌ مسوق لبيان هيئة صاحبه ، أو تأكيده ، أو تأكيد عامله ، أو مضمون الجملة قبله... فقولي : (وصف) جنس يدخل تحته الحال والخبر والصفة ، وقولي : (فضلة) فصل مخرج للخبر... وقولي : (مسوق لبيان هيئة ما هو له) مخرج لاَمرين ، أحدهما نعت الفضلة ، من نحو : رأيتُ رجلاً طويلاً... فإنّه وإن كان وصفاً فضلةً لكنّه لم يُسَق لبيان الهيئة ، وإنّما سيق لتقييد الموصوف ، وجاء بيان الهيئة ضمناً ، والثاني : بعض أمثلة التمييز ، نحو : لله دَرُّه فارساً ؛ فإنّه وإن كان وصفاً فضلةً ، لكنّه لم يُسَق لبيان الهيئة ، ولكنّه سيق لبيان جنس المتعجّب
____________
(1) سورة الاِسراء 17 : 37 ، سورة لقمان 31 : 18.
(2) سورة البقرة 2 : 60.
(3) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد : 234 ـ 235.

(1/118)


منه ، وجاء بيان الهيئة ضمناً ، وقولي : (أو تأكيده... إلى آخره) تمّمت به ذِكر أنواع الحال »(1).
وقد تابعه على هذا التعريف جمال الدين الفاكهي (ت 972 هـ)(2).
ثالثها : ما ذكره في شرحه على الاَلفيّة ، وهو مماثل للتعريف الثاني ، إلاّ أنّه ذكر في شرحه أنّ كلمة (الوصف) في الحدّ مخرجة لنحو (القهقرى) في : رجعتُ القهقرى(3).
وعرّفه ابن عقيل (ت 769 هـ) بتعريف تابع فيه ابن مالك في ما ذكره في ألفيّته ، فقال : إنّه « الوصف الفضلة المنتصب للدلالة على الهيئة »(4).
وقال الخضري في شرحه : « ولا يرد [عليه] أنّ النصبَ حكم من أحكام الحال ، فأخذُهُ في تعريفه يؤدّي للدور ؛ لتوقّفه على التصوّر ، والتصوّر على التعريف ؛ لاَنّه يكفي في الحكم التصوّر بوجهٍ ما ولو بالاسم ، فلا يتوقّف على التصوّر المستفاد من الحدّ »(5).
وعرّفه السيوطي (ت 911 هـ) بقوله : « هو فضلة دالّ على هيئة صاحبه ، نحو : جاء زيدٌ ضاحكاً ، فـ (ضاحكاً) فضلة دالّ على الهيئة التي جاء عليها زيد.
وخرج بـ (الفضلة) العمدة ، نحو : زيدٌ ضاحك ، وبـ (دالّ على
____________
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد : 244 ـ 246.
(2) شروح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّد الطيّب الاِبراهيم : 164 ـ 165.
(3) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|78.
(4) شرح ابن عقيل على الاَلفيّة ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد 1|625.
(5) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.

(1/119)


الهيئة) سائر المنصوبات إلاّ المصدر النوعي ، وبـ (صاحبه) نحو : القهقرى ؛ فإنّه يدلّ على هيئة الرجوع لا على هيئة الصاحب.
ولا يقدح في جعله فضلة عدم الاستغناء عنه في بعض المواضع ، نحو : ( وإذا بطشتم بطشتم جبّارين )(1) ؛ لاَنّه عارض ، كما لا يقدح في العمدة عروض الاستغناء عنه »(2).
والملاحظ أنّ بعض متأخّري النحاة لم يشيروا إلى مجيء الحال من الفاعل والمفعول خاصّة ، لا في حدّ الحال ولا في شرحه(3) ، بل صرّح بعضهم بمجيئه لبيان هيئة غيرهما كالخبر(4) والمضاف إليه(5).
وأمّا النحاة المعاصرون ، فإنّهم يرفضون قصر مجيء الحال من الفاعل والمفعول به ، ويذهبون إلى مجيئها من غيرهما ، فالشيخ مصطفى الغلاييني يعرّف الحال بأنّها : « وصفٌ فضلةٌ يُذكر لبيان هيئة الاسم الذي يكون الوصف له » ويقول في بيانه : « تجيء الحال من الفاعل نحو : (رجعَ الغائبُ سالماً) ومن نائب الفاعل نحو : (تؤكل الفاكهة ناضجةً) ومن الخبر نحو : (هذا الهلالُ طالعاً) ومن المبتدأ ـ كما هو مذهب سيبويه ومن تابعه ، وهو الحقّ ـ نحو : (أنتَ مجتهداً أخي)... ومن المفاعيل كلّها على الاَصحّ ،
____________
(1) سورة الشعراء 26 : 130.
(2) همع الهوامع 4|8.
(3) أ ـ شرح قطر الندى : 234 ـ 235.
ب ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2|77 ـ 79.
ج ـ شرح الحدود النحوية : 165 ـ 167.
(4) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 125.
(5) أ ـ شرح شذور الذهب : 248.
ب ـ شرح ابن عقيل على الاَلفيّة 1|644 ـ 645.

(1/120)


لا من المفعول به وحده »(1).
والاَُستاذ عبّاس حسن يعرّف الحال بأنّها : « وصفٌ فضلةٌ يبيّن هيئة ما قبله ـ من فاعل أو مفعول به ، أو منهما معاً ، أو من غيرهما ـ وقت وقوع الفعل » ، ويشير في الحاشية إلى أنّه « لا قيمة للاعتراض على مجيء الحال من المبتدأ أو من اسم الناسخ... ذلك لاَنّ من يرفضونه لا يرفضونه للسبب القويم الصحيح ، وهو : عدم الاستعمال العربي الاَصيل ، وإنّما يرفضونه لاَنّه لا يتّفق مع مظهر من مظاهر السلطان الذي وهبوه للعامل... والغريب أنّ المأثور الكثير من كلام العرب الخُلَّص لا يوافقهم ولا يؤيّدهم مع كثرته ! بدليل صحّة قولهم : أعجبني عطاءُ المحسنِ مبتسماً ، وسرّني صوتُ القارئ خاشعاً ، ولهذا يخالفهم ـ بحقّ ـ سيبويه وفريق معه »(2).

***
____________
(1) جامع الدروس العربيّة ، مصطفى الغلاييني 3|75.
(2) النحو الوافي ، عبّاس حسن 2|363 ـ 364.

(1/121)


عاشراً ـ مصطلح التنوين

للتنوين في اللغة معنيان: أوّلهما: إدخالُ النون(1)، والثاني: التصويت(2).
ولاَجل ذلك نجد توجيهين لاستعمال كلمة التنوين في معناها الاصطلاحي لدى النحاة، يستند كلٌ منهما إلى أحد المعنيين اللغويين.
الاَول: قولهم: التنوين في اللغة مصدر (نوَّن) الكلمة إذا أدخل عليها نوناً، ثم نُقِلَ إلى النون المدخلة مطلقاً، ثم غلب ـ لدى النحاة ـ في النون المخصوصة التي تلحق آخر الاَسماء حتى صار اسماً لها(3).

____________
(1) أ ـ شرح الرضي على الكافية 4|482.
ب ـ الفوائد الضيائية 2|395.
ج ـ شرح الاَشموني 1|11.
(2) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 1|30.
(3) أ ـ شرح ابن يعيش على المفصّل 9|29.
ب ـ حاشية الصّبان 1|30.

(1/122)


والثاني: أنّه أُطلق على النون الساكنة؛ لاَنّها «تُحدث رنيناً خاصّاً وتنغيماً عند النطق بها، ولهذا يسمّونها التنوين، أي: التصويت والترنيم؛ لاَنّها سببه»(1).
وقبل أن تستعمل كلمة (التنوين) عنواناً للمعنى الاصطلاحي، عبّر أبو الاَسود الدؤلي (ت69 هـ) عنه بلفظ (الغُنَّة)؛ فإنّه حينما أراد تنقيط المصحف نقط الاِعراب، أحضر كاتباً وقال له: «إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، فإن رأيتني ضممت فمي، فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعتُ شيئاً من ذلك (غنّة) فاجعل مكان النقطة نقطتين»(2).
وقد استعمل لفظ التنوين بعد أبي الاَسود مِن قبل بعضِ تلاميذه، وإن كنّا لا نعلم من هو على وجه التحديد، فقد روي «عن خالد الحذّاء، قال: سألت نصر بن عاصم... كيف تقرأ (قُلْ هو الله أحد، الله الصمد)؟ فلم ينوّن، فأخبرته أن عروة ينوّن، فقال: بئس ما قال، وهو للبئس أهل»(3).
واستفاد بعض الدارسين من هذا النصّ أن نصر بن عاصم هو أوّل من اهتدى لاستخدام مصطلح التنوين(4)، ولكنّي لا أرى النصَّ ظاهراً في أكثر من كونِ التنوين كان مستخدماً في عهده.

____________
(1) النحو الوافي 1|26.
(2) أ ـ أخبار النحويين البصريين للسيرافي: 16.
ب ـ نزهة الالباء في طبقات الاَدباء، الانباري: 12.
(3) أ ـ أخبار النحويين البصريين: 20 ـ 21.
ب ـ طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي: 27.
(4) المصطلح النحوي، القوزي: 45.

(1/123)


وفي كتاب سيبويه (ت 180 هـ) استعمل لفظ (النون)(1) إلى جانب (التنوين).
واستعمل الفرّاء (ت 207 هـ) النون، والانصراف، بمعنى التنوين الاصطلاحي، قال: «وقد سمعتُ كثيراً من الفصحاء يقرؤون (قل هو الله أحد، الله الصمد) فيحذفون (النون) من أحد»(2)، وقال عند الكلام على قوله تعالى: (ولقد نصركم الله في مواطنَ كثيرة)(3): «نصبت (مواطن) لاَنّ كلّ جمع كانت فيه ألفٌ قبلها حرفان وبعدها حرفان، فهو لا (يُجرى)، مثل صوامع ومساجد... وإنما منعهم من (إجرائه) أنّه مثال لم يأتِ عليه شيء من الاَسماء المفردة، وأنّه غاية للجمِاع(4)... فلذلك أيضاً منعه من (الانصراف)(5).
وأقدم ما وجدته من تعريفات (التنوين) اصطلاحاً، قول ابن السراج (ت 316 هـ): «التنوين: نون صحيحة ساكنة، وإنّما خصّها النحويّون بهذا اللّقب وسمّوها (تنويناً)؛ ليفرّقوا بينها وبين النون الزائدة المتحركة التي تكون في التثنية والجمع»(6)، وبينها وبين «النون الاَولى في (ضَيْفَنٍ) للطفيلي، وهو الذي يجيء مع الضيف متطفّلاً... والنون الاَولى في (رَعشنٍ) للمرتعش، لتحرّكهما وصلاً»(7).

____________
(1) الكتاب 1|48، 2|298.
(2) معاني القرآن 1|432.
(3) سورة التوبة 9|25.
(4) يقصد صيغة منتهى الجموع.
(5) معاني القرآن للفرّاء 1|428.
(6) الاَصول في النحو، ابن السرّاج 1|47.
(7) شرح التصريح، الاَزهري 1|31.

(1/124)


ويلاحظ على هذا التعريف شموله لنون الكلمة الاَصليّة في نحو: قُطنْ وَرَسنْ، ولنون التوكيد الخفيفة في نحو قوله تعالى: (لنسفعاً بالناصية)(1)، والنون اللاّحقة للقوافي المطلقة والمقيّدة (وسيأتي بيانها)، مع أن شيئاً من ذلك ليس داخلاً في التنوين اصطلاحاً.
وعرّفه ابن الخشّاب (ت 567 هـ) بتعريفين:
أوّلهما: «نون ساكنة تلحق آخر الاسم المتمكّن علامةً لخفَّته»(2).
ومراده بخفَّة الاسم «تمكّنه في باب الاسمّية، لكونه لم يشبه الحرف فيُبنى، ولا الفعل فيُمنع من الصرف»(3)، ولكنّ هذا يجعل التعريف خاصّاً بتنوين التمكين، ممّا ينافي قسمته بعدئذٍ إلى أنواعه التي تضمّ أيضاً تنوين التنكير والمقابلة والعِوَض، فكان الاَوْلى الاقتصار على قوله: (نون ساكنة تلحق آخر الاسم)، وإن كان سيرد عليه عندئذٍ دخول النون اللاحقة لآخر القوافي مطلقة ومقيّدة.
وثانيهما: التنوين «غُنَّةٌ تلحق آخر الاسم تثبت وصلاً في اللفظ وتحذف في الخطّ»(4).
والمراد بالغُنّة هو النون الساكنة؛ لما تقدّم من أنّها تحدث رنيناً خاصّاً وتنغيماً عند النطق بها.
وقد احترز بقيد (تحذف في الخطّ) من تنوين الترنّم، وهو «النون
____________
(1) سورة العلق 96|15.
(2) المرتجل: 9.
(3) أ ـ أوضح المسالك 1|13.
ب ـ شرح المفصل 9|29.
(4) المرتجل: 12.

(1/125)


اللاّحقة لآخر القوافي المطلقة، أي: التي آخرها حرف مدّ، كقوله:
أَقِلّي اللّومَ عاذِلَ والعتاَبنْ *** وقولي إن أَصبتُ: لقد أَصابَنْ
[أو اللاّحقة لآخر] القوافي المقيّدة زيادة على الوزن...، كقوله:
قالت بناتُ العمِّ: يا سلمى وإننْ *** كان فقيراً معدماً؟ قالت: وإنِنْ
[فإنهما] ليسا من أنواع التنوين في شيء، لثبوتهما مع (أل)، وفي الفعل وفي الحرف، وفي الخطّ والوقف، ولحذفهما في الوصل»(1).
ويلاحظ أنه لم يقيّد النون بكونها زائدة؛ اكتفاءً بأن مجيئها آخر الاسم يعني أنها ليست جزءاً منه، بل زائدة عليه.
وأما الشلوبيني (ت 645 هـ) فقد عرّف التنوين بأنه: «نون ساكنة وضعاً، زائدة، تلحق الاسم بعد كماله، تفصله عمّا بعده»(2)، وتابعه عليه المكودي (ت 807 هـ)(3).
فأضاف قيد (زائدة) وقد علمنا أنه لا ضرورة له، ولم يقيّده بسقوط النون خطّاً، ممّا يجعله شاملاً للتنوين اللاّحق لاَواخر القوافي.
وتجدر الاِشارة إلى أن الشلوبيني وقبله ابن الخشّاب خصّا التنوين باللاّحقِ للاَسماء، فلم يكونا بحاجة إلى الاحتراز عن دخول نون التوكيد الخفيفة؛ لاَنّها إنّما تدخل على الاَفعال دون الاَسماء، ولكنّ هذه الصياغة لا تجعل التعريف كاشفاً عن كون الكلمة اسماً، بل هي تجعل الفراغ عن معرفة اسمّية الكلمة دخيلاً في معرفة حدّ التنوين المراد اصطلاحاً.

____________
(1) أوضح المسالك 1|13 ـ 16.
(2) التوطئة: 117.
(3) شرح المكودي على الاَلفية: 7.

(1/126)


وعرّفه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله: «التنوين: نون ساكنة تتبع حركة الآخر، لا لتأكيد الفعل»(1).
وممّا قيل في شرحه:
أوّلاً: أنّه أطلق قوله: (حركة الآخر)، ولم يقل: (آخر الاسم)؛ ليشمل تنوين الترنّم(2)، وهذا ظاهر في أنّه يريد بالتنوين الاصطلاحي كلّ نون ساكنة تلحق الكلمة لفظاً أو خطّاً، ولا يستثني من ذلك إلاّ نون التوكيد الخفيفة اللاّحقة للفعل المضارع.
ثانياً: قوله: (تتبع حركة الآخر) «ولم يقل (تتبع الآخر)؛ لاَن المتبادر من متابعتها الآخر لحوقها به من غير تخلّل شيء، وهنا الحركة متخلّلة بين آخر الكلمة والتنوين. فإن قلت: فآخر الكلمة هي الحركة، فلا حاجة إلى ذكر الحركة، قلت: المتبادر من الآخر الحرف الآخر»(3).
ولست أرى داعياً لكلّ هذه الدقّة؛ إذ العرف لا يرى الحركات مانعة من اتصال الحروف ببعضها.
وعرّفه ابن مالك (ت 672 هـ) بقوله: «التنوين: نون ساكنة تُزاد آخر الاسم»(4).
وهو واضح في أنّه يريد بالتنوين اصطلاحاً كلّ نون ساكنة تلحق الاسم لفظاً أو خطّاً، بل إنّه صرّح بشموله لتنوين الترنّم(5)، وصياغته
____________
(1) شرح الرضي على الكافية 4|482.
(2) أ ـ شرح الرضي 4|482.
ب ـ الفوائد الضيائية 2|395.
(3) الفوائد الضيائية 2|395.
(4) التسهيل: 217.
(5) التسهيل: 217.

(1/127)


للتعريف تشابه صياغة الشلوبيني وابن الخشّاب في كونه لا يكشف عن اسمّية الكلمة، وإن تشخيصه متفرّع على العلم باسميتها.
وعرّفه ابن الناظم (ت 686 هـ) بأنه «نون ساكنة زائدة تلحق آخر الاسم لفظاً وتسقط خطّاً»(1).
فأخرج بقوله: (تسقط خطّاً) تنوين الترنّم، وبقوله: (تلحق آخر الاسم) نون التوكيد الخفيفة اللاّحقة للفعل.
ولعلّه أوّل تعريف يحصر التنوين الاصطلاحي بما يلحق الاسم خاصة دون قسيميه من الفعل والحرف، فيكون بذلك كاشفاً عن اسمّية الكلمة، وعليه ما كان ينبغي تقييده باللاّحق للاسم، بل الاَفضل تقييده باللاّحق للكلمة، وإخراج نون التوكيد الخفيفة بقيد (لغير توكيد)، وهذا ما فعله ابن هشام (ت 761 هـ)؛ إذ عرّفَ التنوين بأنه: «نون زائدة ساكنة، تلحق الآخر لفظاً لا خطّاً لغير توكيد»(2)، وأفضل منه تعريفه إيّاه أيضاً: «نون ساكنة تلحق الآخر لفظاً وتسقط خطّاً لغير توكيد»(3)، بحذف قيد (زائدة)، ولو قال: (يلحق آخر الكلمة) لكان أكمل.
وعرّفه الاَشموني (ت 900 هـ) بأنه: «نون تلحق الآخر لفظاً لا خطّاً لغير توكيد»(4).
ولم يقيّد النون بأنها ساكنة لاِخراج النون المتحركة؛ اكتفاءً بالاحتراز عنها بقوله: (لا خطّاً)؛ إذ النون المتحركة تثبت خطّاً.

____________
(1) شرح ابن الناظم: 4.
(2) شرح قطر الندى: 15.
(3) شرح الالفية لابن هشام 1|13.
(4) شرح الاَشموني 1|12.

(1/128)


وعرّفه الاَزهري (ت 905 هـ) بتعريفين:
أوّلهما: «نون ساكنة، تلحق الآخر، تثبت وصلاً، غالباً [ في الاسماء] وتحذف خطّاً ووقفاً»(1).
وقوله: (غالباً) قيد لما تقدّمه من الاَمور الثلاثة، أي: كونها ساكنة، وتلحق الآخر، وتثبت وصلاً؛ «ومن غير الغالب أن التنوين قد يتحرك لالتقاء الساكنين، نحو: (مخطوراً * انْظُر)(2)، وقد يلحق الاَوّل نحو: (شربتُ ماً) بالقصر والتنوين(3)، وقد يحذف وصلاً إذا كان في عَلَم موصوفٍ بابن مضافٍ إلى عَلَم، نحو: (قالَ زيدُ بن عمرو) بحذفِ تنوين زيد تخفيفاً»(4).
وثانيهما: «نون ساكنة أصالة تلحق الآخر لفظاً لا خطّاً لغير توكيد».
وقال: «وقيدتُ السكون بالاَصالة؛ لئلاّ يخرج بعض أفراد التنوين، إذا حُرِّكَ لالتقاء الساكنين»(5).
ولا ضرورة لاِثبات قيديْ (غالباً) و(أصالة) في متن التعريف، لاَنّ الداعي لهما هو إخراج الاَمور العارضة على التنوين بعد تحقّقه، والتي يمكن بيانها في شرح التعريف.
وعرّفه السيوطي (ت 911 هـ) بأنه «نون تثبت لفظاً لا خطّاً» وقال: «هذا أحسن حدوده وأخصرها وأوجزها؛ إذ سائر النونات المزيدة الساكنة أو غيرها تثبت خطّاً»(6).

____________
(1) شرح الاَزهرية: 20.
(2) سورة الاِسراء 17 : من الآيتين: 20 ـ 21.
(3) الاَصل (ماءً)، فخفّفت بحذف الهمزة فأصبحت (ماً).
(4) شرح الاَزهرية: 20 ـ 21.
(5) شرح التصريح 1|30 ـ 31.
(6) همع الهوامع 4|405.

(1/129)


وفيه أنه بلغ درجة عالية من التركيز لا تفي بإعطاء صورة واضحة للتنوين الاصطلاحي، مضافاً لكونه غير مانع من دخول نون التوكيد الخفيفة في نحو: (لنسفعاً).

(1/130)


حادي عشر ـ مصطلح المفعول به

عبّر سيبويه (ت 180 هـ) عن (المفعول به) بكلمة (المفعول) فقط(1)پ، وتابعه على ذلك غيره من النحاة كالمبرّد (ت 285 هـ)(2) والزجّاجي (ت 337 هـ)(3).
ولعلّ التعبير بـ (المفعول به) حدث قُبيل القرن الثالث الهجري؛ إذْ استعمله محمد بن سلام الجمحي (ت 231 هـ) في قوله: إنّ أبا الاَسود الدؤلي «وضع باب الفاعل والمفعول به والمضاف...»(4)، واستعمله من النحاة ابن السرّاج (ت 316 هـ)(5) وشاع استعماله بعد ذلك.
وأقدم محاولة للتعريف بالمفعول به إصطلاحاً ـ في حدود إطّلاعي ـ هي قول ابن بابشاذ (ت 469 هـ): «المفعول به [ما] يذكر للبيان عن من وقع به الفعل... [نحو] ضربت زيداً»(6).

____________
(1) الكتاب، سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون 1|33.
(2) المقتضب، أبو العباس المبرّد، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة 4|299.
(3) الاِيضاح في علل النحو، أبو القاسم الزجاجي، تحقيق مازن المبارك: 64ـ65.
(4) طبقات فحول الشعراء، ابن سلاّم، تحقيق محمود شاكر 1|12.
(5) الموجز في النحو، ابن السراج، تحقيق مصطفى الشويمي وابن سالم دامرجي: 34.
(6) شرح المقدمة المحسبة، ابن بابشاذ، تحقيق خالد عبدالكريم 2|302.

(1/131)


وعرّفه الحريريّ (ت 516 هـ) بأنه «كلّ اسم تعدّى الفعل إليه»(1)، وتابعه عليه ابن الاَنباري (ت 577 هـ)(2).
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بأنه: «الذي يقع عليه فعل الفاعل»(3). وقد أخذ بهذا التعريف معظم مَن تأخّر عنه من النحاة، وذكروا في تفسيره ما يحدّد المراد منه بنحو يجعله شاملاً لكلّ أفراده، وممّن أخذ به:
أولاً: ابن يعيش (ت 643 هـ)، وعقّب عليه بقوله: «قد تقدّم القول: إنّ المصدر هو المفعول في الحقيقة... فمعنى قوله: (هو الذي وقع عليه فعل الفاعل) يريد يقع عليه المصدر؛ لاَنّ المصدر فعل الفاعل»(4).
ثانياً: ابن الحاجب (ت 646 هـ)، وعقّب عليه بملاحظتين، وهما:
1 ـ أن المُراد بوقوع الفعل هو «تعلّقه بما لا يُعقل إلاّ به»(5)، فلا يشكل على الحدّ بعدم شموله نحو «ما ضربت زيداً، ولا تضرب زيداً... [لاَن ] زيداً في المثالين متعلّق بضرب، وإن (ضربَ) يتوقف فهمه عليه أو على ما قام مقامه من المتعلّقات»(6).
2 ـ أن مراده بوقوع فعل الفاعل عليه، هو: تعلّق فِعل الفاعل به(7)،
____________
(1) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري: 30.
(2) أسرار العربية، ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار: 85.
(3) أ ـ المفصّل في علم العربيّة، جار الله الزمخشري: 34.
ب ـ شرح الانموذج في النحو، جمال الدين الاَردبيلي، تحقيق حسني عبد الجليل يوسف: 41.
(4) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|124.
(5) شرح الكافية، الرضي الاسترآبادي، تحقيق يوسف حسن عمر 1|334.
(6) شرح قطر الندى، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد: 201.
(7) الاَمالي النحوية، ابن الحاجب، تحقيق هادي حسن حمودي 2|142.

(1/132)


وأن المفعول به ليس هو المفعول حقيقة، بل هو ما يتعلق به المفعول الحقيقي، وهي ملاحظة مماثلة للتي ذكرها ابن يعيش.
ثالثاً: ابن هشام (ت 761 هـ)(1)، لكنه نسب التعريف إلى ابن الحاجب(2)، وهذا عجيب من مثله، سيّما وأن ابن الحاجب نفسه يصرّح بكونه للزمخشري(3).
وأمّا الرضيّ (ت 688 هـ) فقد فسّر المُراد بما وقع عليه فعل الفاعل، بأنه «ما وقع عليه أو جرى مجرى الواقع عليه؛ ليدخل فيه المنصوب في [نحو]: ما ضربت زيداً»، ثم أشكل على تفسير ابن الحاجب لوقوع الفعل بتعلقه بما لا يُعقل الاّ به، لاَنه مدخل للمجرورات في نحو: مررت بزيدٍ، مع أن لفظ المفعول به لا يصدق عليها إلاّ بواسطة حرف جر، وأمّا مطلق المفعول به فلا يقع عليها، والكلام هنا في المطلق.
وقد خلص الرضي إلى طرح صياغة جديدة لتعريف المفعول به، وأنه «اسم مفعولٍ، غيرُ مقيّد، مصوغ من عامله المثبت أو المجعول مثبتاً».
وممّا ذكره في شرحه: «بقولنا: اسم مفعول غير مقيّد مصوغ من عامله، يخرج جميع المعمولات، أمّا المفعول المطلق؛ فلاَنّ الضرب في قولك: ضربتُ ضرباً... وإن كان مفعولاً للمتكلم... الاّ أنه لا يقال... إنّ ضرباً مضروب، وأما سائر المفاعيل فيطلق عليها إسم المفعول المصوغ من عامله، لكن مقيّداً بحرف الجر... وكذا في قولك: مررت بزيدٍ... زيدٌ
____________
(1) أ ـ شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد: 312.
ب ـ شرح قطر الندى، ابن هشام: 201.
(2) شرح قطر الندى، ابن هشام: 201.
(3) الاَمالي النحوية، ابن الحاجب 2|142.

(1/133)


ممرور به»(1).
وأمّا عبد الرحمن الجامي (ت 898 هـ) فقد عاد إلى تعريف الزمخشري، وفسّره بنحو يدفع إشكال الرضيّ، بأن قال: «المُراد بوقوع فعل الفاعل عليه تعلقه به بلا واسطة حرف جّر؛ فإنهم يقولون في: ضربت زيداً: إنّ الضرب واقع على زيد، ولا يقولون في (مررتُ بزيدٍ): إنّ المرور واقع عليه، بل متلبّس به، فخرّج به المفاعيل الثلاثة الباقية؛ فانه لا يُقال في واحد منها: إنّ الفعل واقع عليه، بل: فيه أو له أو معه، و[يخرج] المفعول المطلق بما يفهم من مغايرته لفعل الفاعل؛ فإن المفعول المطلق عين فعله.
والمُراد بفعل الفاعل فعل، اعتبر إسناده إلى ما هو فاعل حقيقة أو حكماً، فخرج به مثل (زيد) في: (ضُرِب زيدٌ) على صيغة المجهول؛ فإنّه لم يعتبر إسناده إلى فاعله، ولا يشكل بمثلِ: أُعطي زيدٌ درهماً، فإنّه يصدق على (درهماً) أنّه واقع عليه فعل الفاعل الحكمي المعتبر إسناد الفعل إليه؛ فإنّ مفعول ما لم يُسمَّ فاعله في حكم الفاعل.
وبما ذكرناه ظهر فائدة ذكر الفاعل [في الحدّ] فلا يرد أنّه لو قال: (ما وقع عليه الفعل) لكان أخصر»(2).
وقال الاَزهري (ت 905 هـ) في تعريفه: «هو الاِسم الذي وقع عليه فعل الفاعل ويصحّ نفيه عنه»(3)، فأضاف القيد الاَخير ليدخل في التعريف نحو: ما ضربت زيداً.

____________
(1) شرح الكافية، الرضيّ 1|334.
(2) الفوائد الضيائية، عبد الرحمن الجامي، تحقيق أسامه طه الرفاعي 1| 320.
(3) شرح الاَزهرية، الشيخ خالد الاَزهري: 107.

(1/134)


( 319 )
وأمّا السيوطي (ت 911 هـ) فقد أبقى التعريف على حاله، وفسّر وقوع الفعل بقوله: «المُراد بالوقوع التعلّق، ليدخل نحو: أوجدت ضرباً... وما ضربت زيداً»(1)، فأدخل بذلك المثال الاَخير في الحدّ، دون حاجة لاَن يلحق به القيد الذي ذكره الاَزهري.
وقد تبيّن من خلال البحث انّ الرضيّ لم يحذو حذوَ الزمخشري في تعريف المفعول به، بل طرح تعريفاً يخصّه، ونريد الاِشارة إلى أنّ ثمّة نحوياً آخر فعل ذلك أيضاً، وهو ابن عصفور الاِشبيلي (ت 669 هـ)، فانّه عرّف المفعول به بأنّه: «كل فضلة إنتصبت عن تمام الكلام، يصلح وقوعها في جواب من قال: بأيّ شيء وقع الفعل، أو يكون على طريقة من يصلح ذلك فيه»(2).
ولكنّ النحاة أعرضوا عن تعريفهما، ومالوا إلى الاَخذ بتعريف الزمخشري، فكتب له البقاء دونهما.

* * *

(1/135)


ثاني عشر ـ مصطلح الفاعل

الفاعل لغة: «مَن أوجد الفعل»(1)، وقد استعملت كلمة (الفاعل) بمعناها الاِصطلاحي منذ نشأة النحو، فقد ذكر ابن سلاّم أن أبا الاَسود الدؤلي «وضع باب الفاعل والمفعول به والمضاف»(2).
وأقدم مَن عَرَّف الفاعل اصطلاحاً هو ابن السرّاج (ت 316 هـ)، قال: «الفاعل: الذي بَنيْتهُ على فعل تحدّثُ به عنه، نحو: قامَ عبدالله... فعبدالله مبنيّ على قام، وقام حديث عنه»(3).
وكأنّه لاحظ أنّ صياغة التعريف بهذا الشكل تجعله غير مانع من دخول المبتدأ ونائب الفاعل، فعمد إلى صياغةٍ أُخرى للتعريف بقوله: الفاعل «هو الذي بنيته على الفعل الذي بنيته للفاعل، ويجعل الفعل حديثاً عنه مقدماً قبله، كان فاعلاً في الحقيقة أو لم يكن، كقولك: جاء زيدٌ، ومات عمروٌ»(4).
قيَّد الفعل بكونه مبنيّاً للفاعل؛ إخراجاً لنائب الفاعل، وبكونه مقدّماً على الفاعل؛ إخراجاً للمبتدأ.
ولا يخفى أنّ هذا التعريف بكلتا صياغتيه يظلّ قاصراً عن شمول
____________
(1) أ ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|267.
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|42.
(2) طبقات فحول الشعراء، ابن سلاّم الجمحي، تحقيق محمود محمّد شاكر 1|12.
(3) الموجز في النحو، ابن السرّاج، تحقيق مصطفى الشويمي وابن سالم دامرجي: 29.
(4) الاَصول في النحو، ابن السرّاج، تحقيق عبد الحسين الفتلى 1|81.

(1/136)


( 321 )
فاعل الفعل الاِنشائي؛ إذ الفعل ليس حديثاً عنه.
ولعلّه لاَجل ذلك عمد أبو عليّ الفارسي (ت 377 هـ) إلى صياغته بقوله: الفاعل: ما «يسند الفعل إليه مقدّماً عليه... وبهذا المعنى الذي ذكرت يرتفع الفاعل، لا بأنّه أحدث شيئاً على الحقيقة، فلهذا يرتفع في النفي إذا قيل: لم يخرج عبد اللهِ، كما يرتفع في الاِيجاب»(1).
فأبدل عبارة (المحدَّث به عن الفاعل) بقوله: (المسند إلى الفاعل)؛ ليدخل في التعريف «فاعل الفعل الاِنشائي، نحو: بعتُ، وهل ضرب زيدٌ؟»(2) لكنه لم يقيّد الفعل بكونه مبنيّاً للمعلوم ممّا يجعل التعريف غير مانع من دخول نائب الفاعل.
ويتّضح ممّا صرّح به ابن السرّاج والفارسي ومَن بعدهما، أنّ الفاعل «في عُرف أهل هذه الصنعة أمرٌ لفظيٌّ، يدلّ على ذلك تسميتهم إيّاه فاعلاً في الصور المختلفة من النفي والاِيجاب والمستقبل والاستفهام ما دام [الفعل ] مقدماً عليه... ويؤيّد إعراضهم عن المعنى [الحقيقي] عندك وضوحاً أنّك لو قدّمت الفاعل، فقلت: زيد قام، لم يبق عندك فاعلاً، وإنّما يكون مبتدءاً وخبراً»(3).
وتقدّم ابن جنيّ (ت 392 هـ) بما يماثل تعريف الفارسي مضموناً، فقال: «الفاعل... اسم ذكرته بعد فعل، وأسندت ونسبت ذلك الفعل إلى
____________
(1) أ ـ الايضاح العضدي، أبو عليّ الفارسي، تحقيق حسن شاذلي فرهود 1|63 ـ 64.
ب ـ المقتصد في شرح الاِيضاح، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق كاظم بحر المرجان 1|325 ـ 326.
(2) شرح الرضيّ على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1|185.
(3) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|74.

(1/137)


الاسم»(1)، وفعل مثله ابن الاَنباري (ت 577 هـ)(2).
أمّا عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) وابن الخشّاب (ت 567 هـ)، فقد أخذا تعريف الفارسي بنصّه(3)، وعقّب الجرجاني على ما ذكره الفارسي من أنّه لا يشترط في الفاعل أن يكون قد أحدث شيئاً حقيقة، بقوله: «وهذا التلخيص ممّا لم يُسبق إليه الشيخ أبو علي»(4)، وقد تقدّم ما يثبت أنّ السابق إليه هو ابن السرّاج.
وقال الحريري ( ت 516 هـ) في تعريفه: «الفاعل... اسم تقدّمه فعل مقرر على صيغته، وجعل الفعل حديثاً عنه»(5).
ومُراده بالمقرر على صيغته الفعل المبني للمعلوم، احترازاً من دخول نائب الفاعل، وتعبيره بجعل الفعل حديثاً عن الفاعل، يمنع من شمول التعريف لفاعل الجملة الاِنشائية.
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بقوله: «الفاعل هو ما كان المسند إليه من فعل أو شبهه مقدّماً عليه أبداً، كقولك: ضرب زيدٌ، وزيد ضاربٌ غلامُهُ، وحسنٌ وجهه»(6).
والجديد في هذه الصياغة للتعريف الاِشارة إلى أنّ رافع الفاعل ليس الفعل وحده، بل هو «ما أُسند إليه من الفعل أو ما كان في معناه من
____________
(1) اللّمع في العربيّة، ابن جنّي، تحقيق فائز فارس : 31.
(2) أسرار العربيّة، ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار: 77.
(3) أ ـ الجمل، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق علي حيدر: 3.
ب ـ المرتجل في شرح الجمل، ابن الخشّاب، تحقيق علي حيدر: 117.
(4) المقتصد في شرح الاِيضاح 1|327.
(5) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري: 28.
(6) المفصّل في علم العربية، جار الله الزمخشري: 18.

(1/138)


الاَسماء... نحو أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبّهة بأسماء الفاعلين، نحو قولك: زيدٌ ضاربٌ غلامُهُ وحسنٌ وجههُ ومضروبٌ أخوه، فهذا في تقدير يضرِبُ غلامُهُ، وحَسُنَ وجهُهُ، ويَضْرِبُ أخوه»(1).
ومنه يتّضح بناء الزمخشري على عدم التفرقة بين الفاعل ونائب الفاعل، في اعتبار كلّ منهما فاعلاً اصطلاحاً، ولاَجله لم يقيّد الفعل بكونه مبنيّاً للمعلوم، وقد سبقهُ إلى هذا البناء عبد القاهر الجرجاني(2)، وتابعهما عليه ابن يعيش (ت 643 هـ)، فقال: «وبعضهم يقول في وصفه: كلّ اسم تقدّمه فعل غير مغيّرٍ عن بنيته؛... [لاَجل] الانفصال من فعل ما لم يسمَّ فاعله، ولا حاجة إلى الاحتراز من ذلك؛ لاَنّ الفعل إذا أُسند إلى المفعول... صارَ ارتفاعه من جهة ارتفاع الفاعل؛ إذ ليس من شرط الفاعل أن يكون موجداً للفعل أو مؤثّراً فيه»(3).
وعرّفه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله: «الفاعل: هو ما أُسند اليه الفعل أو شبهه، وقُدّم عليه على جهة قيامه به، مثل: قام زيد، وزيد قام أبوه»(4).
«قوله: (على جهة قيامه به)... أي: على طريقة قيامه به وشكله، سواء كان قائماً به أو لا... ويعني بتلك الجهة ألاّ تغيَّر صيغة الفعل إلى فُعِلَ ويُفْعَلُ وأشباههما... [وبه] يخرج مفعول ما لم يُسمَّ فاعله»(5).

____________
(1) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|74.
(2) شرح الرضيّ على الكافية 1|187.
(3) شرح المفصّل 1|74.
(4) أ ـ شرح الرضيّ على الكافية 1|185.
ب ـ الاَمالي النحوية، ابن الحاجب، تحقيق هادي حسن حمودي 3|48.
(5) شرح الرضيّ على الكافية 1|186 ـ 187.
أ ـ شرح الرضي على الكافية 1 | 186 ـ 187.
ب ـ الفوائد الضيائية، عبد الرحمن الجامي، تحقيق أسامة الرفاعي 1|254.

(1/139)


«وتمثيله بـ (زيد قائم أبوه) لرفع شبه الفعل للفاعل، ليس نصّاً في ما قصد؛ لاحتمالِ كون (قائم) خبراً مقدماً على (أبوه)، ولو قال: أبواه، لكان نصّاً»(1). وعرّفه الشلوبيني (ت 645 هـ) بقوله: «الفاعل: كل اسم أُسند إليه فعل، أو اسم في معنى الفعل، وقدّم عليه على معنى أنّه فعل، أو مشبهاً هو وما أُسند إليه لما هو كذلك»(2).
والجديد إشارته بقوله: (أو مشبهاً... الخ) إلى أنّ الفاعل كما يكون اسماً صريحاً، يكون اسماً مؤوّلاً، نحو: سرّني أنّك ناجح.
وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه «اسم أو ما في تقريره، متقدّم عليه ما أسند إليه لفظاً أو نيّةً، على طريقة فَعَلَ أو فاعل»(3).
فلم يُشِرْ إلى كون المُسند صريحاً تارةً ومؤوّلاً أُخرى، لكنّه أضاف جديداً بإشارته إلى أنّ تقدّم الفعل على الفاعل، قد يكون لفظيّاً، وقد يكون بالنيّة والتقدير.
وقال ابن مالك (ت 672 هـ) في تعريفه: الفاعل «هو المُسند اليه فعل أو مضمّن معناه، تام مقدّمٌ فارغ غير مصوغ للمفعول»(4).
فأضاف قيدين للتعريف هما: كون الفعل المُسند تامّاً؛ لاِخراج اسم كان وأخواتها من الاَفعال الناقصة، وكون الفعل فارغاً لاِخراج المبتدأ
____________
(1) شرح الرضيّ على الكافية 1|187.
(2) التوطئة، أبو علي الشلوبيني، تحقيق يوسف أحمد المطوّع: 154.
(3) المقرّب، ابن عصفور، تحقيق أحمد الجواري وعبد الله الجبوري 1|53.
(4) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات: 75.

(1/140)


المتقدم خبره(1).
ويلاحظ أنّه لم ينصَّ في متن التعريف على مجيء الفاعل اسماً صريحاً تارة ومؤوّلاً أخرى، ولا على أن تَقدُّم الفعل على الفاعل يكون تارة باللفظ واُخرى بالتقدير، وترك بيان ذلك كلّه لشرح التعريف، لكنه قسَّم المسند إلى فعل أو مضمّن معناه.
وعرّفه بدر الدين ابن الناظم (ت 686 هـ) بأَنه «الاِسم المُسند إليه فعل مقدّم على طريقة فعل أو يفعل أو اسم يشبهه»(2).
فلم يقيّد الفعل بكونه تامّاً فارغاً.
أمّا عدم تقييده بالتّام، فيمكن توجيهه بأنّه لا حاجة إليه؛ «لخروج اسم كان بقيد الاِسناد؛ إذ لم تسند إليه أصلاً، أمّا على أنها لا حدث لها، بل هي روابط وقيود للمسند وهو الخبر، فواضح، وأما على أن لها حدثاً مطلقاً وهو الحصول والثبوت، فلاَنّه لم يسند الاسم، بل لمضمون الجملة، وهو مصدر خبرها مضافاً لاسمها، فمعنى كان زيد قائماً: حصل قيامُ زيد»(3).
وأمّا عدم ذكره قيد المفرّغ لاخراج نحو: قائم زيدٌ ويقومان الزيدان، فلعلّه لعدم الحاجة إليه؛ لاَنّ الفاعل لا يكون إلاّ واحداً، فإسناد الفعل أو ما يشبهه إلى الضمير يجعله مرفوعاً بالفاعلية، ويمنع من كون الاسم الظاهر فاعلاً أيضاً، فيعرب باعراب آخر، كأن يكون مبتدءاً مؤخراً كما في المثال الاَول، أو بدلاً من الفاعل كما في المثال الثاني.

____________
(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل، السلسيلي، تحقيق عبد الله البركاتي 1|411.
(2) شرح الاَلفية، ابن الناظم: 82.
(3) أ ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|158.
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاشموني 2|42.

(1/141)


وعرّفه ابن هشام (ت 761هـ) بأربعة تعاريف:
الاَول: «الفاعل: اسم أو ما في تأويله، أسند إليه فعل أو ما في تأويله، وقدّمَ عليه على طريقة فَعَل أو فاعِل»(1).
وهو لا يختلف مضموناً عن تعريف الشلوبيني المتقدم، وإن كان أوضح منه عبارة.
الثاني: الفاعل: «اسم أو ما في تأويله، أسند إليه فعل أو ما في تأويله، مقدّم، أصليّ المحلّ والصيغة»(2).
وممّا قال في شرحه: «أصلي المحلّ مخرج لنحو: قائم زيد؛ فإنّ المسند وهو (قائم) أصله التأخير؛ لاَنّه خبر، وذكر (الصيغة) مخرج لنحو: ضُرِبَ زيدٌ؛... فإنها مفرَّعة عن صيغة (ضَرَبَ)»(3).
الثالث: الفاعل: «ما قدّم الفعل أو شبهه عليه، وأسند إليه على جهة قيامه به أو وقوعه منه»(4).
وممّا قال في شرحه: «وقولي: (على جهة قيامه به أو وقوعه منه) مخرج لمفعول ما لم يُسَمَّ فاعله، نحو: ضُرِبَ زيدٌ وعمروٌ مضروبٌ غلامُهُ، فزيد والغُلام وان صدق عليهما أنهما قُدّمَ عليهما فعل وشبهه وأسند إليهما، لكن هذا الاسناد على جهة الوقوع عليهما، لا على جهة القيام به كما في قولك: عَلِمَ زيدٌ، أو الوقوع منه كما في قولك: ضَرَب
____________
(1) شرح اللمحة البدرية في علم العربية، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 1|337.
(2) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد 1|335 ـ 336.
(3) المصدر نفسه 1|336.
(4) شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد: 158.

(1/142)


عمروٌ»(1).
الرابع: الفاعل «اسم صريح أو مؤوّل به، أُسند إليه فعلْ و مؤوّل به، مقدّماً عليه بالاَصالة، واقعاً منه أو قائماً به»(2).
وعرّفه ابن عقيل (ت 769 هـ) بأنّه «الاسم المسند إليه فعل على طريقة فعل أو شبهه»(3).
فلم ينصَّ على تقدّم الفعل، لكنّه قال في شرح التعريف: «فخرج بالمسند إليه فعل ما أُسند إليه غيره، نحو: زيد أخوك، أو جملة نحو:... زيد قامَ»(4)، فليس هناك ـ في رأيه ـ فعل مسند للاسم حال تأخّره عنه؛ لاَنّ المسند حينئذٍ هو الجملة المركبة من الفعل وفاعله المضمر، وقد صرّح بذلك الملوي بقوله: «والتحقيق أن [زيداً في] زيد قامَ لم يسند إليه فعل؛ لاَنّ المسند جملة»(5).
وهناك توجيه آخر ذكره الخضري، وهو أنّه «لم يقيّد الشرح الفعل وشبهه بالمقدّم أصالة لاِخراج المبتدأ؛... لاَنّ هذا حكم من أحكام الفاعل، لا قيد في تعريفه»(6).
وعرّفه المكودي (ت 807 هـ) بأنّه «الاسم المسند إليه فعل أو ما في
____________
(1) شرح شذور الذهب: 159.
(2) شرح قطر الندى وبلّ الصدى، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد: 250 ـ 251.
(3) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق محيي الدين عبدالحميد 1|462.
(4) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 1|463.
(5) حاشية الملوي على شرح المكودي: 51.
(6) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|158.

(1/143)


مجراه، مقدماً عليه، على طريقة فعل أو فاعل»(1).
فقيّد الفعل بكونه مقدّماً، وقد علمنا أنّه لا ضرورة لهذا القيد.
وتجدر الاِشارة إلى أنّ قول ابن عقيل: (على طريقة فعل أو شبهه) أرق من تعبير المكودي بـ (فعل أو فاعل)؛ لاَنّ ما يعمل عمل الفعل المبني للمعلوم يشمل صيغة فاعل وغيرها كما تقدّم، وقد حاول الملوي توجيه عبارته بأن مراده من قوله (فاعل) هو «الوصف غير اسم المفعول، فشمل اسم الفاعل وغيره»(2)، ولا يخفى ما فيه من بعد عن ظاهر العبارة، ومثله في البعد عن الظهور تفسيره لقول المكودي: (أو ما جرى مجراه) بأنه «راجع إلى الاسم والفعل، أي ما جرى مجرى الاسم، وما جرى مجرى الفعل، فسقط الاعتراض بأنه لا يشمل الفاعل الذي في تأويل الاسم»(3).
وعرّفه الاشموني (ت 900هـ) بأنه «الاسم الذي أسند إليه فعل تام أصلي الصيغة أو مؤوّل به»(4).
فقيّد الفعل بكونه تامّاً، وقد اتضح عدم ضرورته، وقيّده أيضاً بكونه (أصليّ الصيغة) يريد مبنيّاً للمعلوم، وعقّب عليه الصبّان بقوله: «المراد بأصالتها عدم تحويلها إلى صيغة ما لم يُسَمَّ فاعله، لا عدم التصرف فيها مطلقاً... نعم، لو قال: (على طريقة فعلَ)، لكان أوضح»(5).
وعرّفه السيوطي (ت 911هـ) بتعريفين:
أولهما: «المسند إليه فعل تامّ مقدّم فارغ باقٍ على الصوغ الاَصلي،
____________
(1) شرح المكودي على الاَلفية: 51.
( 2 ـ 3 ) حاشية الملوي على شرح المكودي: 51
(4) شرح الاشموني على الاَلفية 1|168
(5) حاشية الصبان على شرح الاشموني 2 | 42 ـ 43.

(1/144)


أو ما يقوم مقامه»(1)، وهو مشابه مضموناً لتعريف ابن مالك المتقدم.
وثانيهما: «ما أسند اليه عامل مفرّغٌ على جهة وقوعه منه أو قيامه به»(2).
فاستبدل كلمة (فعل) بكلمة (عامل) الشاملة للفعل وما تضمّن معناه:
ومن مجموع ما تقدّم يتضح أن جمهور النحاة متفقون على حقيقة المعنى الاصطلاحي الفاعل، وانما حصل الاختلاف في صياغته لسببين:
الاَول: الاختلاف في الاَلفاظ المستعملة للتعبير عن معنى واحد، كاختلافهم في تسمية الفعل المبني للمعلوم.
والثاني: أنّ بعضهم قد يذكر في التعريف قيداً لا يذكره غيره، إما لاخنّه يراه من أحكام الفاعل وليس من ذاتيّاته، كتقديم الفعل عليه، أو لاَنه محترز عنه بما هو مذكور في التعريف، كقيد الاِسناد المغني عن تقييد الفعل بكونه تامّاً، أو لاَنه لا داعي لاِثباته في متن التعريف، ويفضّل بيانه في شرحه، كتقسيم الفاعل إلى اسم صريح ومؤوّل.
ويمكن تلخيص تعريفهم للفاعل بأنه: «اسم اسند إليه فعل مبنيّ للمعلوم» على أن يراد بالاسم والفعل ما يشمل الصريح والمؤوّل، ويراد بالفعل المقدّم على الفاعل لفظاً أو تقديراً.

* * *

____________
(1) البهجة الموضية، جلال الدين السيوطي، تحقيق مصطفى الدشتي 1|149.
(2) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، جلال الدين السيوطي، تحقيق عبدالعال سالم مكرم 2|253.

(1/145)


ثالث عشر ـ نائب الفاعل

طرح النحاة الاَوائل عناوين شتى لهذا المصطلح قبل أن يستقر على عنوان نائب الفاعل، فقد عبّر عنه سيبويه (ت 180هـ) بأنه «المفعول الذي لم يتعدَّ اليه فعل فاعل»(1)، وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بما «لم يسمّ فاعله»(2)، وأسماه المبرد (ت 285هـ) بـ «المفعول الذي لا يذكر فاعله»(3)، وقال ابن السرّاج (ت 316هـ): «المفعول الذي لم يسمَّ من فعل به»(4)، وقال الفارسي (ت 377هـ): «المفعول به في المعنى»(5)، وقال الزبيدي (ت 379هـ): «المفعول الذي لم يسمَّ فاعله»(6)، وقال ابن جني ( ت 392 هـ) : «المفعول الذي جعل الفعل حديثاً عنه»(7) ، وقال ابن معطي (ت 628هـ): «الاسم الذي يقام مقام الفاعل»(8)، وقال ابن الحاجب (ت 646هـ): «مفعول ما لم يسمَّ فاعله»(9).

____________
(1) الكتاب، سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون 1|33.
(2) معاني القرآن، يحيى بن زياد الفرّاء، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّد علي النجّار 1|99.
(3) المقتضب، محمّد بن يزيد المبرد، تحقيق محمّد عبدالخالق عضيمة 4|50.
(4) الاصول في النحو، ابن السرّاج، تحقيق عبدالحسين الفتلي 1|86.
(5) الاِيضاح العضدي، أبو علي الفارسي، تحقيق حسن شاذلي فرهود 1|70.
(6) الواضح في علم العربية، محمّد بن الحسن الزبيدي، تحقيق أمين علي السيّد: 16.
(7) اللمع في العربية، ابن جني، تحقيق فائز فارس: 33.
(8) الفصول الخمسون، يحيى بن عبدالمعطي: 177.
(9) أ ـ شرح الرضي على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1|215.
ب ـ الفوائد الضيائيّة، عبدالرحمن الجامي، تحقيق أسامة طه الرفاعي 1|271.

(1/146)


وأوّل من عبّر عنه بنائب الفاعل هو ابن مالك (ت 672هـ)(1).
«قال أبو حيّان: لم أَرَ مثل هذه الترجمة لغير ابن مالك»(2)، وإن كان ابن معط قد سبقه إلى مضمونها في قوله المتقدم، وهذه التسمية «أولى وأخصر من قول كثير: المفعول الذي لم يسمَّ فاعله [وما كان بمعناه]؛ لصدقه على (ديناراً) من (أعطي زيدٌ ديناراً)، وعدم صدقه على الظرف وغيره ممّا ينوب عن الفعل، وإن أجيب بأن المفعول الذي لم يسمَّ فاعله صار كالعلم بالغلبة على ما ينوب مناب الفاعل من مفعول وغيره»(3).
وأما المعنى الاصطلاحي لهذا العنوان فلعلّ أوّل مَن حاول تحديده هو ابن الحاجب (ت 646هـ) بقوله: هو «كل مفعول حذف فاعله، وأقيم هو مقامه. وشرطه أن تغيّر صيغة الفعل إلى فُعِلَ ويُفْعَلُ»(4)، «ونظائرهما ممّا يضمّ أوّله في الماضي ويكسر ما قبل آخره... ويضم أوّله ويفتح ما قبل آخرهِ في المضارع»(5) من الاَفعال غير الثلاثيّة، «لكنه اقتصر على الثلاثي لكونه أصلاً للرباعي وذي الزيادة»(6)، وواضح أن هذا الشرط
____________
(1) أ ـ تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات: 77.
ب ـ الخلاصة الاَلفية لابن مالك وشروحها.
(2) أ ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|286.
ب ـ حاشيه الخضري على شرح ابن عقيل 1|167.
(3) أ ـ حاشية الصّبان على شرح الاَشموني 2|61.
ب ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|167.
(4) شرح الرضي على الكافية 1|215.
(5) أ ـ شرح الرضي على الكافية 1|216.
ب ـ الفوائد الضيائيّة 1|271.
(6) شرح الرضي على الكافية 1|216.

(1/147)


مختص بما «كان عامله فعلاً»(1).
والمراد بقوله: (وأقيم هو مقامه) أنه يقوم «مقام الفاعل في إسناد الفعل أو شبههِ إليه»(2)، فيكون جارياً مجرى الفاعل في كلّ ما له من أحكام(3)) مثل «الرفع، ووجوب التأخير عن الرافع، وامتناع الحذف»(4)، بل إنّ بعض النحاة أجروه مجرى الفاعل حتى في التسميّة، كالجرجاني والزمخشري(5) وابن يعيش(6) من المتقدمين، والدكتور مهدي المخزومي من المعاصرين(7).
ويرد على تعريف ابن الحاجب الاشكال المتقدم على تسمية النائب عن الفاعل بمفعول ما لم يسمَّ فاعله، من عدم صدقه على بعض ما ينوب عن الفاعل كالظرف وغيره، ولكنّ لا يشكل عليه بأنه صادق على بعض المفاعيل، كالمفعول الثاني من نحو: أُعْطِيَ زيدٌ ديناراً؛ لعدم قيامه مقام الفاعل في الاسناد إليه وما يتبعه من الاَحكام.
وعرّفه ابن هشام (ت761هـ) بأنه «ما حذف فاعله وأقيم هو
____________
( 1 ، 2 ) الفوائد الضيائيّة 1|271.
(3) أ ـ تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: 77.
ب ـ شرح قطر الندى وبلّ الصدى، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد: 260.
(4) أ ـ شفاء العليل في إيضاح التسهيل، السلسيلي، تحقيق عبدالله البركاتي 1|418.
ب ـ شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبدالحميد: 16.
(5) شرح الرضي على الكافية 1|187.
(6) شرح المفصّل، ابن يعيش 1|74.
(7) في النحو العربي نقد وتوجيه، مهدي المخزومي: 45 ـ 48.

(1/148)


مقامه»(1)
وعرّفه الاَزهري (ت 905 هـ) بقوله: «اسم حذف فاعله، وأقيم هو مقامه»(2).
ولا بُدّ من تفسير (ما) و(اسم) الواردين في تعريفهما بالاسم الصريح أو المؤوّل، ليكون التعريف شاملاً لمثلِ: عُلِمَ أنّ زيداً قائم.
ويلاحظ على هاتين الصياغتين عدم صيانتهما للتعريف من اشكال عدم صدقه على بعض ما ينوب عن الفاعل كالظروف، لظهور عبارة (ما حذف فاعله) في خصوص المفعول به، وإن صُرِّحَ في شرحه بارادة ما يشمل غيره.
ولعلّ الاَولى تعريفه بأنه: «ما يقوم مقام الفاعل المحذوف» من الاَسماء الصريحة والمؤوّلة، ويجري مجراه في أحكامه.

* * *

____________
(1) شرح شذور الذهب: 159.
(2) شرح الاَزهرية في علم العربية، خالد الاَزهري: 78.

(1/149)


رابع عشر ـ مصطلح المثنّى

* المثنّى لغة:
قال بعض النحاة: المثنّى لغة: اسم مفعول، بمعنى «المعطوف، من ثنيتُ العود إذا عطفته»(1).
ويلاحظ عليه: أنّ اسم المفعول من الفعل (ثنى) هو (مَثْنِيٌّ) لا (مُثَنّىً).
ولعلّه لاَجل ذلك ذهب غيره إلى القول: إنّ معناه «المعطوف كثيراً»(2)
، ليكون اسم مفعول من الفعلِ (ثَنّى) الشيء إذا أكثر من ثنيِهِ وعطفه.

____________
(1) أ ـ شرح المفصّل، ابن يعيش 4|137.
ب ـ اللباب في علل البناء والاِعراب، أبو البقاء العكبري، تحقيق غازي مختار طليمات 1|96.
ج ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|66.
(2) حاشية الصبّان على شرح الاَُشموني 1|75.

(1/150)


ويلاحظ عليه: أنّه لا مناسبة بين كثرة ثني الشيء لغة، وبين المعنى الاصطلاحي النحوي للمثنّى، ولعلّ الاََوْلى كونه اسم مفعول من الفعل «ثَنَّيْتُهُ تَثْنِيَةً، أي: جعلته اثنين»(1).

* المثنّى اصطلاحاً:

أَوّلاً: تاريخه:
أكثر سيبويه (ت 180 هـ) من استعمال كلمة (التثنية) تعبيراً عن المعنى الاصطلاحي، وإن كان قد عبّر عنه أيضاً بلفظي (المثنّى) و(الاثنين(2).
وأمّا المبرّد (ت 285 هـ) فقد عبّر عنه بالتثنية(3)، ولم يستعمل عنوان المثنّى إلاّ نادراً، كقوله: «ولم يجز أن يكون إعراب المثنّى كإعراب الواحد(4).
واستعمل بعضهم عنوان (التثنية) و(الاثنين)، كابن السرّاج (ت 316 هـ)(5)، والزجّاجي (ت 337)(6)، وأبي سعيد السيرافي
____________
(1) لسان العرب، ابن منظور، مادّة «ثني».
(2)الكتاب، سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون 1|17 و19 و23، 3|227 و391 و411 و640.
(3) المقتضب، المبرّد، تحقيق محمّد عبد الخالق عضيمة 1|5 و6 و7 و48.
(4) المقتضب 3|37.
(5) الموجز في النحو، ابن السرّاج، تحقيق مصطفى الشويمي وابن سالم دامرجي: 29.
(6) أ ـ الجمل في النحو، الزجّاجي، تحقيق علي توفيق الحمد: 9.
ب ـ الاِيضاح في علل النحو، الزجّاجي، تحقيق مازن المبارك: 121 و124.

(1/151)


(ت 368 هـ)(1).
ومن أقدم النحاة الّذين وجدتهم يقتصرون على كلمة (المثنّى) عنواناً للمعنى الاصطلاحي:
ـ ابن معطي (ت 628 هـ) في كتابه الفصول الخمسون.
ـ ابن عقيل (ت 672 هـ) في شرحه على ألفيّة ابن مالك.
ـ ابن هشام (ت 761 هـ) في كتبه: شرح شذور الذهب، وشرح قطر الندى، وأوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك.

ثانياً: تعريفه:
أَوّل تعريف اصطلاحي للمثنّى هو ما يمكن استخلاصه ممّا ذكره الزجّاجي (ت 337 هـ) في بيان معنى التثنية، من أنّها: «ضمّ اسم إلى اسم مثله في اللفظ... بأن يقتصر على أحدهما... ويؤتى بعلم التثنية آخراً، وذلك قولك: رجل ورجلٌ، ثمّ تقول: رجلان»(2).
وقوله: «مثله في اللفظ» احتراز من الاسمين المتغايرين لفظاً، كزيد وبكر؛ فإنّه لا يصحّ تثنيتهما.
والملاحظ أنّ هذا التعريف وأمثاله ممّا سيأتي، هو في الواقع تعريف بكيفية تصرّف المتكلّم بالاسم بالنحو الذي يلزم منه تحويله من مفرد إلى مثنّىً، أي أنّه تعريف باللازم (المثنى) عن طريق التعريف بالملزوم (عملية الضمّ التي يقوم بها المتكلّم).

____________
(1) شرح كتاب سيبويه، السيرافي، ج 1، تحقيق رمضان عبد التوّاب، ومحمود فهمي حجازي، ومحمّد هاشم عبد الدائم، ص 136.
(2) الاِيضاح في علل النحو، أبو القاسم الزجّاجي، تحقيق مازن المبارك: 121.

(1/152)


وعرّفه الرمّاني (ت 384 هـ) بأنّه صيغة «مبنيّة من الواحد، للدلالة على الاثنين»(1).
وقوله: «مبنيّة من الواحد» يريد به أنّ المثنّى اصطلاحاً هو ما كان له واحد من لفظه، وأنّه ليس كلّما دلّ اللفظ على معنى التثنية كان (مثنىً) في الاصطلاح النحوي، وسيأتي تأكيد النحاة لهذا القيد، وبيان ما يخرج به عن حقيقة المثنّى.
وقد يشكل على هذا التعريف بأنّه لا يشمل ما دلّ على اثنتين، وجوابه: بكون المراد بالاثنين شيئين أو شخصين أو «اسمين اثنين أعمّ من أن يكونا مذكّرين أو مؤنّثين»(2).
وعرّفه ابن بابشاذ (ت 469 هـ) بأنّه «ضمّ شيء إلى شيء مثله، كقولك: الزيدانِ والزيدينِ»(3).
والمراد بـ (مثله) مماثله في اللفظ.
وهناك ملاحظة سجّلها ابن الحاجب (ت 646 هـ) على هذا التعريف وما يماثله من التعريفات الآتية لابن يعيش والشلوبيني وابن عصفور، وهي: «ليس قول من قال: ضمّ شيء إلى مثله، في حدّ المثنّى بشيء؛ لاَنّك لو قلت: زيد وزيد، ضمّ شيء إلى مثله، وليس بمثنّى»(4).
وعرّفه الحريري (ت 516 هـ) بأنّه «الاسم الدالّ على مسمّيَين متّفقَي
____________
(1) الحدود في النحو، الرمّاني، ضمن كتاب رسائل في النحو واللغة، تحقيق يوسف مسكوني ومصطفى جواد: 39.
(2) حاشية الصبّان على شرح الاَُشموني 1|75.
(3) شرح المقدّمة المحسبة، ابن بابشاذ، تحقيق خالد عبد الكريم 1|190.
(4) الاِيضاح في شرح المفصّل، ابن الحاجب، تحقيق موسى بنّاي العليلي 1|528 ـ 529.

(1/153)


اللفظ»(1).
ويرد عليه أنّه من دون إبراز قيد (ما كان له واحد من لفظه) يكون غير مانع من دخول الضمير أنتما، واثنين، واثنتين؛ لدلالتها على: أنتَ وأنتَ، وواحد وواحد، وواحدة وواحدة.
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بأنّه «ما لحقت آخره زيادتان: ألف أو ياء مفتوح ما قبلها، ونون مكسورة؛ لتكون الاَُولى علماً لضمّ واحدٍ إلى واحد، والاَُخرى عوضاً عمّا منع من الحركة والتنوين الثابتين في الواحد»(2).
وينبغي أن يجعل قوله: «لتكون الاَُولى...» إلى آخره، بياناً للتعريف لا جزءاً منه.
وهذا التعريف شامل لمثلِ القمرين، للشمسِ والقمر، ممّا يراه معظم النحاة ملحقاً بالمثنّى، وليس مثنّىً حقيقة.
وعرّفه ابن الاَنباري (ت 577 هـ) بأنّه «صيغة مبنيّة للدلالة على الاثنين»(3).
وهو مماثل لتعريف الرمّاني المتقدّم، إلاّ أنّه حذف منه قوله: «من الواحد» وكان الاََوْلى إثباته؛ لاِخراج ما دلّ على اثنين وليس له واحد من لفظه.
وعرّفه ابن معطي (ت 628 هـ) بأنّه «ما ألحقْته ألفاً رفعاً، وياءً مفتوحاً ما قبلها نصباً وجرّاً، ونوناً في الاَحوالِ الثلاثة، بدلاً من التنوين»(4).

____________
(1) شرح ملحة الاِعراب، الحريري: 15.
(2) المفصّل في علم العربيّة، الزمخشري: 183.
(3) أسرار العربية، أبو البركات ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار: 47.
(4) الفصول الخمسون ، ابن معطي، تحقيق محمود محمّد الطناحي: 160.

(1/154)


وهو مشابه لتعريف الزمخشري المتقدّم.
ويلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ قوله: «بدلاً من التنوين» بيان زائد على التعريف.
ثانياً: أنّه لم يقيّد النون بأنّها مكسورة، وكان ينبغي أن يفعل ذلك.
ثالثاً: أنّه لم يشر إلى كون الاَلف أو الياء علماً لضمّ واحد إلى واحد، ممّا يجعل عبارته بياناً للمشخّص الاِعرابي للمثنّى، لا تعريفاً بحقيقة المثنّى.
وعرّفه ابن يعيش (ت 643 هـ) بقوله: «التثنية ضمّ اسم إلى اسم مثله»(1).
وهو مماثل لتعريف الزجّاجي المتقدّم، ويفضله في أنّه استعمل كلمة (اسم) بدل (شيء).
وعرّفه الشلوبيني (ت 645 هـ) بتعريفين:
أوّلهما(2)هى: مماثل لتعريف ابن معطي المتقدّم.
والثاني: «ضمّ واحد إلى مثله، بشرط اتّفاق اللفظين في الاَكثر»(3).
وقوله: «في الاَكثر» إضافة جديدة إلى التعريف يقصد بها أنّ التثنية قد تكون في اللفظين المتغايرين أحياناً؛ لتغليب أحدهما على الآخر، كالقمرين في الشمس والقمر.
وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بقوله: «التثنية ضمّ اسم نكرة إلى مثله، بشرط اتّفاق اللفظين والمعنيَيْن، أو المعنى الموجِب للتسمية»(4).

____________
(1) شرح المفصّل، ابن يعيش 4|137.
(2) التوطئة، الشلوبيني: 127.
(3) التوطئة: 118.
(4) المقرّب، ابن عصفور 2|40.

(1/155)