صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : شرح الرضي على الكافية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

واعلم أن من العرب من يقول: لهنك لرجل صدق، قال: 846 - أبائنة حبي، نعم وتماضر * لهنا لمقضي علينا التهاجر 1 وقال: 847 - لهني لأشقى الناس إن كنت غارما * لدومة بكرا ضيعته الأراقم 2
وقد تحذف اللام وهو قليل، كقوله: 848 - ألا ياسنا برق على قلل الحمى * لهنك من برق علي كريم 3 وفيه 4 ثلاثة مذاهب: أحدها لسيبويه 5، وهو أن الهاء بدل من همزة (ان)، كاياك وهياك، فلما غيرت صورة (إن) بقلب همزتها هاء، جاز مجامعة اللام إياها بعد الامتناع، والثاني قول الفراء، وهو أن أصله: والله إنك، كما روي عن أبي أدهم الكلابي: له ربي لا أقول ذلك، بقصر اللام ثم حذف حرف الجر، كما يقال: الله لأفعلن، وحذف لام التعريف، أيضا، كما يقال: لاه أبوك، ثم حذف ألف (فعال) 6، كما يحذف من الممدود إذا قصر، كما يقال: الحصاد، والحصد، قال:
__________
(1) حبى بضم الحاء والألف المقصورة من أسماء النساء، وكذلك: تماضر، والتهاجر: أن يهجر كل واحد صاحبه، وقد أورد البغدادي هذا الشاهد مرويا عن أبي علي الفارسي، وقد أورد له نظائر وشرحها، ثم قال: لم أر هذا البيت مرويا عن غير الفارسي ولا أعرف قائله، (2) البيت بهذه الصورة وهذا العجز، مروي أيضا عن الفارسي، ولم يذكر البغدادي شيئا عنه أكثر من ذلك ثم شرح وجه الشاهد فيه وبين المراد بالأراقم وأنها ستة أحياء من العرب، ثم ذكر صدر هذا البيت مختوما
بشطرين آخرين: أحدهما في شعر خداش بن زهير، والثاني في شعر: تليد الضبي، وأورد شيئا من شعر كل منهما، (3) لم ينسبه البغدادي ولا أحد ممن ذكره غير أنه مروي عن ثعلب والمبرد، ورواه ابن جني وجاء في سند روايته اسم محمد بن يزيد بن سلمة، فنسبه بعضهم إلى محمد بن سلمة وأخذ بذلك العيني في الشواهد الكبرى وهو من أبيات جميلة المعنى منسوبة لأحد أسرى بني تميم.
(4) أي في الجمع بين إن واللام، (5) في سيبويه ج 1 ص 474 وبهامشها تلخيص للأقوال الثلاثة منقول عن السيرافي، (6) أي الألف في: إله، لأنه على وزن فعال (*)،

(4/362)


849 - ألا لا بارك الله في سهيل * إذا ما الله بارك في الرجال 1 ثم حدفت همزة (إنك)، ويما قال: تكلفات كثيرة، والثالث ما حكى المفضل بن سلمة عن بعضهم أن أصله لله إنك، واللام للقسم، فعمل به ما عمل في مذهب الفراء، وقول الفراء أقرب من هذا، لأنه يقال: لهنك لقائم،.
بلا تعجب 2، وأما قولهم: ان زيدا ليضربن، بنون التأكيد، و: ان زيدا لقام بدون (قد)، فاللام فيهما جواب قسم مقدر، أي: والله ليضربن، و: والله لقام، وإنما
جاز حذف (قد) في الماضي مع لام جواب القسم، دون لام (ان)، وإن كان كلاهما في الأصل لام الابتداء، لأن القسم يحتمل الحذف أكثر، لأن هناك جملتين في حكم جملة واحدة، ألا ترى إلى تخفيفات: أيمن، ووجوب حذف الخبر في: لعمرك، و: أيمن الله، وجواز حذف الجار في: ألله لأفعلن، ولا تجئ لام الابتداء، لأن القسم يحتمل الحذف أكثر، لأن هناك جملتين في حكم جملة واحدة، ألا ترى إلى تخفيفات: أيمن، ووجوب حذف الخبر في: لعمرك، و: أيمن الله، وجواز حذف الجار في: ألله لأفعلن، ولا تجئ لام الابتداء، من جملة الحروف الستة، إلا بعد (ان) المكسورة، وألحق الكوفيون بها (لكن) مستدلين بقوله: 850 - ولكتني من حبها لعميد 3 قالوا: إن ذلك لأنها لا تغير معنى الابتداء، كإن، ولذا جاز العطف على محل اسمها بالرفع،
__________
(1) نقله البغدادي مع بيت آخر يشبهه: عن ابن عصفور، ونقل عنه أن قطرب هو الذي أنشدهما، قطرب هو محمد بن المستنير، ونقل البغدادي عن المبرد عن أبي عبيدة أن أبا
حاتم السجستاني نسب البيت الآخر إلى قطرب وقال انه هو الذي صنعه، (2) لأنه تقدم أن لفظ الجلالة إذا استعمل في القسم باللام، فإنما يكون ذلك في الأمور العظام التي يتعجب منها، ونحو: لهنك قائم، لا تعجب فيه لأنه أمر عادي، (3) لم يذكر أحد ممن استشهد بهذا الشطر، تكملة له وأجمعوا على أنه غير معروف القائل وقد ورد في شرح ابن الناظم وله صدر هو قوله: يلومونني في حب ليلى عواذلي (*)،

(4/363)


وأما البصريون فقالوا: كان حق اللام ألا تجامع (إن) المكسورة، أيضا، لأنها تسقط بسببها عن مرتبة الصدر، لكن، جازت مجامعتها لها، لشدة تناسبهما بكونهما بمعنى واحد، فاغتفر لذلك سقوطها عن مرتبتها، بخلاف (لكن)، فإنها لا تناسبها معنى، فلم يغتفر معها، سقوطها عن مرتبتها، وما أنشدوه، فإما أن يكون شاذا كما في قوله: أم الحليس لعجوز شهر به 1 - 840 وإما أن يكون في الأصل: لكن انني، فخفف بحذف الهمزة ونون (لكن)، كما خففت في: (لكنا هو الله ربي) 2، اتفاقا منهم، بحذف الهمزة، وأصله: لكن أنا، واعلم أن (إن) المكسورة ترادف (نعم)، كما يجئ في حروف
التصديق، فلا تعمل، وترادف المفتوحة (لعل)، فتعمل، والمفتوحة لكونها مع جزأيها: اسما مفردا، تقع اسما لهذه الأحرف الستة، لكن يجب فصلها عنها بالخبر، كراهة اجتماعهما، نحو: إن عندي أنك قائم، وليت في قلبك أنك تعطيني، وكذا في البواقي، و (أن) مع ما في حيزها: بدل اشتمال من (إحدى) في قوله تعالى: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) 3، ومن (كم)، في قوله: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون) 4، وأما قوله تعالى: (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) 5 فقوله مخرجون، خبر لأنكم الأولى، وانكم الثانية معادة لتأكيد الأولى، لما تراخى ما بينها
__________
(1) الشاهد المتقدم في ص 359، (2) الآية 38 سورة الكهف، (3) الآية 7 سورة الأنفال، (4) الآية 31 سورة يس، (5) الآية 35 سورة المؤمنون (*)،

(4/364)


وبين الخبر، كما كرر (فلا تحسبهم) لما تراخى ما بين مفعولي (لا تحسبن) في قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) 1، ومثله قوله تعالى: (وهم بالآخرة هم كافرون) 2، وهذا قول الجرمي 3، وهو الحق، وقال المبرد: أنكم مخرجون: مبتدأ، خبره: إذا متم، والجملة الاسمية: خبر أنكم الأولى، أي أنكم وقت موتكم إخراجكم، ويجوز وقوع (ان) المكسورة خبرا للأحرف الستة، كقوله: 851 - إن الخليفة، إن الله سربله * لباس ملك به تزجى الخواتيم 4 وقوله: 852 - لقد علم الحي اليمانون أنني * إذا قلت أما بعد: إني خطيبها 5 بكسر (إن)، وروي: أني بالفتح، على أن يكون (أني) تكريرا لأنني الأولى، كما قلنا في الآية الكريمة، (تخفيف إن) (مفتوحة ومكسورة وأثره) قوله: (وتخفف المكسورة..إلى آخره)، إذا خففت المكسورة، بطل اختصاصها بالأسماء فيغلب الألغاء، قال تعالى في الاعمال: (وإن كلا لما ليوفينهم
)، بتخفيف
__________
(1) الآية 188 سورة آل عمران، (2) من الآية 37 في سورة يوسف، الآية 7 في سورة فصلت، (3) أبو اسحاق الجرمي ممن تكرر كرهم في هذا الشرح، (4) من قصيدة لجرير في مدح عمر بن عبد العزيز، قال البغدادي: والذي رأيته في ديوانه في نسخة صحيحة قديمة: يكفي الخليفة أن الله..الخ وعليه فلا شاهد فيه على ما قال الشارح، ثم أورد بعض أبيات من تلك القصيدة، (5) منسوب إلى سحبان بن وائل خطيب العرب في الجاهلية، وروى صدره (*):

(4/365)


(إن) 1، ولا يجوز عند الكوفيين اعمال المخففة، والآية رد عليهم، قال المصنف: ويلزمها اللام مع التخفيف، سواء أعملت أو أهملت، أما مع الأهمال فللفرق بين المخففة والنافية، وأما مع الاعمال فللطرد، وهو خلاف مذهب سيبويه، وسائر النجاة، فإنهم قالوا: المعملة لا يلزمها اللام، لحصول الفرق بالعمل، وقال ابن مالك، وهو حسن: يلزمها اللام إن خيف التباسها بالنافية، فعلى قوله، تلزم اللام إن كان الاسم مبنيا أو معربا مقصورا،
وأما إن دخلت على الأفعال: لزمت 2 اللام، وقولهم: أما إن جزاك الله خيرا، لم تدخل فيه اللام، لأن الدعاء لا تدخله (إن) النافية 3، فإذا دخلت المخففة على الفعل، لزم عند البصرية، كونه من نواسخ الابتداء، حتى لا تخرج (ان) بالتخفيف عن أصلها بالكلية، والكوفيون يعممون جواز دخولها على الأفعال كلها، قياسا، كقوله: 853 - تالله ربك إن قتلت لمسلما * وجببت عليك عقوبة المتعمد 4 وقولهم: إن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهبه، وهو عند البصريين شاذ، واختلف في هذه اللام الفارقة، فمذهب أبي علي وأتباعه أنها غير لام الابتداء التي
__________
= وقد علمت قيس بن عيلان أنني...وتأنيث الفعل في علمت باعتبار أن (قيس) قبيلة ووصفها بابن باعتبار أن أصل قيس اسم لأبي هذه القبيلة، (1) مع تخفيف الميم من (لما)، (2) كثر هذا الاستعمال في كلام الرضي، وهو عدم قرن جواب أما بالفاء، وكان يكفي أن يقول: وإن دخلت...لزمت اللام، (3) فلا يحتاج إذن، إلى اللام الفارقة لأنه لا يلتبس، (4) روي: شلت يمينك: وهي الرواية المشهورة عند كل من استشهدوا به، وهو من شعر عاتكة بنت زيد
العدوية، ترثي زوجها الزبير بن العوام الذي قتله ابن جرموز وتدعو عليه بالشلل في يده، ومعناه: ما قتلت إلا رجلا مسلما، وفي ألفاظ البيت روايات كثيرة، وقد وضح الشارح المقصود من ذكره (*)،

(4/366)


تجامع المشددة، بل هي لام أخرى للفرق، إذ لو كانت للابتداء لوجب التعليق في: إن علمت لزيدا قائما، ولما دخلت فيما لا تدخله لام الابتداء في نحو: إن قتلت لمسلما، وإن يزينك لنفسك، وذهب جماعة إلى أنها لام الابتداء، والجواب عن قولهم: إن علمت لزيدا قائما، أن التعليق واجب، لو دخلت على أول مفعولي أفعال القلوب، إلا أنها لا تدخل بعد الأفعال الناسخة للابتداء إلا على الجزء الأخير وهو الخبر، وتدخل مع المثقلة، إما على المبتدأ المؤخر، أو الخبر، أو القائم مقامه، وفي الأمثلة الواردة في التنزيل: لم تدخل إلا على ما كان خبرا في الأصل، نحو: (وإن كانت لكبيرة) 1، و: (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) 2، و: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) 3 و: (وإن نظنك لمن الكاذبين) 4،
ولما نصب الأول لخلوه عن مانع ومعلق، فلا بد من نصب الثاني، وإن دخله لام الابتداء، قال تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك) 5، و: (وإن كادوا ليفتنونك) 6، وأما قوله: إن قتلت لمسلما، و: ان يزينك لنفسك فشاذ، وفرق الكسائي بين (إن) مع اللام في الأسماء، وبينها معها في الأفعال، فجعلها في الأسماء: المخففة، وأما في الأفعال فقال: إن، نافية، واللام بمعنى (إلا)، لأن المخففة بالاسم أولى، نظرا إلى أصلها، والنافية بالفعل أولى، لأن معنى النفي راجع إلى الفعل، وغيره من الكوفيين قالوا: إنها نافية مطلقا، دخلت في الفعل، أو في الاسم، واللام بمعنى (إلا)،
__________
(1) الآية 143 سورة البقرة، (2) الآية 2 سورة يوسف،.
(3) الآية 102 سورة الأعراف، (4) الآية 186 سورة الشعراء، (5) من الآية 51 سورة القلم، (6) الآية 73 سورة الأسراء (*)،

(4/367)


وقال البصريون: لو كانت اللام بمعنى (إلا)، لجاز: جاءني القوم لزيدا
أي: إلا زيدا، ولا يلزم ما قالوا 1، إذ ربما اختص بعض الأشياء ببعض المواقع، كاختصاص (لما) بالاستثناء بعد النفي، ومنع أبو علي في المكسورة المخففة المهملة، من تقدير ضمير الشأن بعدها وجوز ذلك بعضهم قياسا على المفتوحة، وقد مر ذلك في باب الضمائر 2، قوله: (وتخفف المفتوحة فتعمل في ضمير شأن مقدر)، قد مر ذلك في ضمير الشأن، مع الخلاف في ذلك 3، وحكى بعض أهل اللغة اعمالها في المضمر في السعة نحو قولهم: أظن أنك قائم، وأحسب أنه ذاهب، وهذه رواية شاذة غير معروفة، وأما في الضرورة فجاء في المضمر فقط، قال: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني * طلاقك لم أبخل وأنت صديق 4 - 396 وقال: 854 - بأنك ربيع وغيث مريع * وأنك هناك تكون الثمالا 5 قوله: (ويلزمها مع الفعل...إلى آخرة)، قد مضى شرحه في نواصب المضارع 6،
__________
(1) دفاع من الرضي عن مذهب الكوفيين، (2) في آخر الجزء الثاني، (3) في بحث ضمير الشأن في الجزء الثاني،
(4) تقدم ذكره في باب الضمائر، في بحث ضمير الشأن، في آخر الجزء الثاني، وهو بيت مجهول القائل مع كثرة ذكره في كتب النحو، وقوله وأنت صديق وإن كان صديق فعيلا بمعنى فاعل، قد ترك تأنيثه حملا على فعيل بمعنى مفعول، ومبر ره أن يكون مثل ضده وهو عدو، فعول بمعنى فاعل، (5) من شعر جنوب بنت العجلان الهذلية في رثاء أخيها عمرو بن العجلان الملقب بذي الكلب، وقبله: لقد علم اليف والمرملون * إذا اغبر أفق وهبت شمالا وخلت عن أولادها المرضعات * ولم تر عين لمزن بلالا.
(6) في أول هذا الجزء (*)،

(4/368)


وإذا دخلت على الجملة الاسمية، فقد تكون الجملة مجردة، كقوله: في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى وينتعل 1 - 624 وقد تكون مصدرة بلا، نحو: علمت أن لا شئ لك، أو بأداة الشرط، نحو: علمت أن من يضربك أضربه، أو: برب، نحو: علمت أن رب خصم لي، على مذهب الكوفيين، أو: بكم، نحو: علمت أن كم غلام لي، (بقية الأحرف) (معانيها واستعمالاتها) (قال ابن الحاجب:)
(كأنك، للتشبيه، وتخفف، فتلغى على الأصح، ولكن،) (للاستدراك يتوسط بين كلامين متغايرين معنى، وتخفف) (فتلغى، ويجوز معها الواو، وليت للتمني، وأجاز الفراء:) (ليت زيدا قائما ولعل، للترجي، وشذ الجر بها)، (قال الرضي:) في (كأن) قولان، قال بعضهم: انها غير مركبة، لعدم الدليل عليه، ومذهب الخليل 2: أن أصل كأن زيدا أسد: إن زيدا كالأسد، قدمت أداة التشبيه لتؤذن من أول الأمر بقصد التشبيه، فوجب فتح (ان) المكسورة، رعاية للفظ الكاف، لأنها لا تدخل إلا على لفظ المفردات، ففتحت لفظا، وهي في المعنى باقية على حالها، لم تصر
__________
(1) تقدم ذكره في هذا الجزء ص 32، (2) قال سيبويه ج 1 ص 474: وسألت الخليل عن كأن، فزعم أنها أن لحقتها الكاف..الخ (*)،

(4/369)


بالفتح حرفا مصدريا، فصار الكاف مع (ان) كلمة واحدة، فلا عمل للكاف، كما كان لها حين كانت في محل خبر (إن)، لصيرورنها كجزء الحرف، كما ذكرنا في كاف (كذا) و (كأين) 1، ولا تقتضي ما تتعلق به، كما كانت تقتضيه حين كانت
في محل الخبر، لأنها خرجت بالجزئية عن كونها جارة، فإذا خففت (كأن) فالأصح إلغاؤها، وقد جاء: 855 - كأن وريديه رشاء خلب 2 وقال: 856 - وصدر مشرق اللون * كأن ثدياه حقان 3 وإذا لم تعملها لفظا، ففيها ضمير شأن مقدر عندهم، كما في (أن) المخففة، ويجوز أن يقال: ان ذلك غير مقدر بعدها لعدم الداعي إليه، كما كان في (أن) المخففة، لكن لما لزم الفعلية التي تليها، ما لزم (أن) المخففة من حروف العوض 4، قوي إضمار الشأن بعدها، إجراء لها مجرى (أن)، ولزوم حرف العوض بعدها في الفعلية، يقوي كونها مركبة من الكاف وأن، ويجئ بعد المهملة، اسمية، كقوله:
__________
(1) انظر باب الكنايات في الجزء الثالث، من هذا الشرح، (2) روي قبله: ومعتد فظ غليظ القلب، وبعد الشاهد: تركته مجدلا كالكنب، وهو في سيبويه ج 1 ص 480، ونسبه بعضهم لرؤية بن العجاج، والرشاء الحبل الذي يستقى به، والخلب أراد به البئر، (3) روى: ووجه، كما روي: ونحر، وأنسب الروايات: وصدر كما هو هنا، وهو أحد أبيات سيبويه
التي لم يعرف قائلوها، وكثر تشبيه الشعراء للثدي بالحق، لأنه كان ينحت أحيانا من العاج، (4) الحروف التي تقدم ذكرها في الكلام على أن المفتوحة إذا خففت وعملت في ضمير الشأن (*)،

(4/370)


857 - عبأت له رمحا طويلا وألة * كأن قبس يعلى بها حين تشرع 1 وفعلية، كقوله تعالى: (كأن لم تغن بالأمس) 2، وقوله رضي الله عنه في نهج البلاغة: (كأن قد وردت الاظعان) 3، وقوله: أفد الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد 513 4 أي: وكأن قد زالت بها، وإن جاء بعدها مفرد كقوله: 859 - ويوما توافينا بوجه مقسم * كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم 6 برفع ظبية، يجوز أن يكون (ظبية تعطو) جملة اسمية، وأن يكون (تعطو) صفة ظبية، واسم كأن محذوف، أي: كأنها ظبية، ويروى: كأن ظبية بالنصب على إعمال (كأن)، ويروى بجرها، على أن (أن) زائدة، أي: كظبية،
__________
(1) من أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة، ونسبت لشاعر اسمه مجمع بن هلال كما في شرح المرزوقي على الحماسة، وقوله: ألة بفتح الهمزة وتشديد اللام من الأليل وهو اللبريق واللمعان، يريد بها السنان وقال في اللسان هي الحربة العظيمة النصل،
(2) الآية 24 سورة يونس، (3) أسلوب يراد به قرب وقوع الشئ، وهو كثير في الكلام العربي الفصيح، ومثله هذا قوله رضي الله عنه: كأن قد حل بكم الموت، (4) تقدم الاستشهاد به في باب المعرفة والنكرة من الجزء الثالث، (5) في الخزانة نسبه إلى رجل من بني سعد بن زيد مناة، مع بيت قبله وهو: وخيفاء ألقي الليث فيها ذراعة * فسرت وساءت كل ماش ومصرم وأورد صاحب الأنصاف البيتين معا، وفي اللسان نسبتهما إلى ذي الرمة، (6) قيل، إن قائلة باعث بن صريم اليشكري، وليس زيد بن أرقم، وهو من شواهد سيبويه ج 1 ص 181 وقد نسبه لباعث ووافقه الأعلم، وفي اللسان منسوب لشاعر آخر اسمه كعب بن أرقم اليشكري قاله في امرأته، قال ابن منظور وهو الصحيح (*)،

(4/371)


قوله: (ولكن)، هي عند البصريين مفردة، وقال الكوفيون: هي مركبة من (لا) و (إن) المكسورة، المصدرة بالكاف الزائدة، وأصله: لا كإن، فنقلت كسرة الهمزة إلى الكاف، وحذفت الهمزة، ف (لا) تفيد أن ما بعدها ليس كما قبلها بل هو مخالف له نفيا وإثباتا، و (إن) تحقق مضمون ما بعدها،
ولا يخفى أثر التكلف فيما قالوا، وهو نوع من علم الغيب، وفيه نقل الحركة إلى المتحرك، وهو كما قالوا ان (كم) مركبة من الكاف و (ما)، والأصل عدم التركيب، قوله: (بين كلامين متغايرين معنى)، أي: في النفي والأثبات، والمقصود: التغاير المعنوي لا اللفظي، فإن اللفظي قد يكون نحو: جاءني زيد، لكن عمرا لم يجئ، وقد لا يكون 1، كقوله تعالى: (ولو أراكهم كثيرا) 2 إلى قوله: (ولكن الله سلم)، أي: ولكن الله لم يركهم كثيرا، وتقول: زيد حاضر، لكن عمرا مسافر، ولا يلزم التضاد بينهما تضادا حقيقيا بل يكفي تنافيهما بوجه ما، قال تعالى: (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) 3، فإن عدم الشكر غير مناسب للأفضال، بل اللائق به أن يشكر المفضل، ومثله كثير، فإذا خففت ألغيت، والأخفش ويونس، أجازا إعمالها مخففة، ولا أعرف به شاهدا، ويجوز دخول الواو عليها مشددة ومخففة، ويجوز كون الواو عاطفة للجملة على الجملة، وجعلها اعتراضية أظهر من حيث المعنى،
وجاء في الشعر حذف نون المخففة للساكنين، قال:
__________
(1) نبهنا كثيرا إلى ضعف هذا الأسلوب، (2) من الآية 43 في سورة الأنفال، (3) الآية 243 سورة البقرة (*)،

(4/372)


860 - فلست بآتيه ولا مستطيعه * ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل 1 قوله: (وليت للتمني..إلى آخره)، قد مضى شرحه في أول هذا الباب 2، قوله: (ولعل للترجي، وشذ الجر بها)، فيها إحدى عشرة لغة، أشهرها: لعل، جاء: لعن بعين غير معجمة، و: لغن، بغين معجمة، وآخرهما نون، وجاء: رعن، ورغن، بجعل الراء مقام اللام، ولأن، وأن، ولعاء بالمد، قال: 861 - لعاء الله فضلكم علينا * بشئ أن أمكم شريم 3 وقد يقال: لعلت، كربت، وعقيل: يجرون بلعل، مفتوحة اللام الأخيرة ومكسورتها، وكذا، بعل، مكسورة اللام ومفتوحتها، قال: 862 - فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة * لعل أبي المغوار منك قريب 4 وهي مشكلة، لأن جرها، عمل مختص بالحروف، ورفعها، لمشابهة الأفعال، وكون
حرف عاملا عمل الحروف والأفعال في حالة واحدة مما لم يثبت، وأيضا، الجار لابد له من متعلق، ولا متعلق لها هنا، لا ظاهرا ولا مقدرا، فهي مثل (لو لا)، الداخلة على المضمر المجرور، عند سيبويه: جارة لا متعلق لها،
__________
(1) من أبيات في وصف الذئب، قالها قيس بن عمرو بن مالك وشهرته النجاشي يصف لقاءة للذئب وأنه دعاه مشاركته في طعامه ومصادقته، فقال له الذئب إني لا أستطيع أن أخرج من طبعي...الخ والبيت في سيبويه ج 1 ص 9، (2) ص 332 في هذا الجزء، (3) المشهور الذي أورده كل من استشهد به من شراح الألفية وغيرهم: لعل، باللام المشددة كما هو المشهور في استعمالها وقوله شريم يقال امرأة شريم أي مفاضة اختلط قبلها بدبرها، وهو من العيوب، والبيت مجهول القائل، (4) من قصيدة لكعب بن سعد الغنوي، وأبو المغوار اسم رجل يرثيه كعب بهذه القصيدة، ويروى لعل أبا المغوار على اللغة الفصحي، وقبل هذا البيت قوله: وداع دعا يا من يجيب نداءه * فلم يستجبه عند ذاك مجيب...(*)

(4/373)


وفي البيت الذي أنشدناه، إن روي بفتح اللام الأخيرة، يحتمل أن يقال
: اسم لعل، وهو ضمير الشأن، مقدر، وأبي المغوار مجرور بلام مقدرة، حذفت لتوالي اللامات، أي: لعله لأبي المغوار منك: جواب قريب، ويجوز أن يقال: ثاني لامي لعل محذوف، واللام المفتوحة جارة للمظهر، كما نقل عن الأخفش أنه سمع من العرب فتح لام الجر، الداخلة على المظهر، ونقل أيضا، ذلك عن يونس وأبي عبيدة 1 والأحمر 1، وإن روي بكسر اللام، فضمير الشأن، أيضا مقدر، مع حذف ثاني لامي لعل، لاجتماع الأمثال، ثم أدغمت الأولى، في لام الجر، ويجوز في هذه الرواية أن يقال: الأصل: لعا، أي انتعش، دعاء له، فأدغم تنوينه في لام الجر، وهذه الوجوه 2 متعذرة فيما أنشده أبو عبيدة: 863 - لعل الله يمكنني عليها * جهارا من زهير أو أسيد 3 بجر (الله)، واللام الأولى في (لعل) زائدة عند البصرية، أصلية عند الكوفية، لأن الأصل عدم التصرف في الحروف بالزيادة، إذ مبناها على الخفة، والبصرية نظروا إلى كثرة التصرف فيها والتلقب بها، وجواز زيادة التاء فيها، فإن سمي بها لم تنصرف عند البصريين، للتركيب والعلمية، وكذا عند
الكوفيين، لشبه العجمة والعلمية، لأنها ليست من أوزان كلامهم،
__________
(1) يونس بن حبيب، وأبو عبيدة: معمر بن المثنى، وخلف الأحمر، تقدم ذكرهم جميعا، (2) أي المذكورة في لعل، إذا جرت، (3) من أبيات قالها خالد بن جعفر من بني عامر، وهو شاعر جاهلي فارس، وزهير وأخوه أسيد بفتح الهمزة وكسر السين، ابني جذيمة بن رواحة العبسي كانت بينهما وبين بني عامر خصومة وقتل خالد زهيرا في قصة ذكرها البغدادي (*)،

(4/374)


(أحوال الاسم والخبر) (بعد هذه الأحرف) واعلم أن حال الاسم والخبر بعد دخول هذه الأحرف عليهما كحالهما قبل دخولها، لكنه يجب تأخير الخبر ههنا، إلا أن يكون ظرفا أو جارا أو مجرورا، فيجوز توسطه بين هذه الحروف وأسمائها، نحو: ان في الدار زيدا، وإن كان الاسم مع ذلك نكرة، وجب تأخيره، نحو: (إن لدينا أنكالا) 1 كما في المبتدأ والخبر، وكل ذلك قد ذكرناه في باب المرفوعات، في خبر (ان) 2، ولا يجوز حذف أسمائها التي
ليست بضمير الشأن إلا في الشعر، على قلة وضعف، كقوله: 864 - فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي * ولكن زنجي غليظ المشافر 3 فيمن روى برفع (زنجي) أي: ولكنك زنجي، ومن روى بنصبه، فالخبر محذوف، أي: ولكن زنجيا هكذا، لا يعرف قرابتي، وأما ضمير الشأن فيجوز حذفه في الشعر كثيرا، كقوله: إن من لام في بني بنت حسان * ألمه، وأعصه في الخطوب 4 - 395 وقوله:
__________
(1) الآية 12 سورة المزمل، (2) في الجزء الأول، (3) هو من شعر الفرزدق، وصوابه: غلاظا مشافره، لأنه من قصيدة موصولة بالهاء كما قال محقق الانصاف، والاستشهاد لا يتغير، والمشافر جمع مشفر بفتح الميم وكسرها وهو من البعير بمنزلة الشفة في الأنسان، وقصد الشاعر الشفاه وسماها مشافر تشبيها له بالأبل، (4) من شعر الأعشى ميمون بن قيس وتقدم ذكره في الجزء الثاني، في بحث ضمير الشأن (*)،

(4/375)


إن من يدخل الكنيسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء 1 - 77 وذلك لأن أداة الشرط، لا تعمل فيها العوامل اللفظية المتقدمة، وأما في غير الشعر ففيه خلاف، والأصح جوازه قليلا، لكن بشرط ألا يلي الأحرف
فعل صريح، لكراهة دخول الأحرف المختصة بالاسم على الفعل الصريح، فلا تقول: ان قام زيد بمعنى إنه قام زيد، وحكى الخليل 2 عن بعض العرب: إن بك زيد مأخوذ، أي: إنه، وتقول: إن في الدار يجلس أخواك، قال: 865 - كأن على عرنينه وجبينه * أقام شعاع الشمس أو طلع البدر 3 وإنما جاز حذف ضمير الشأن من غير ضعف، لبقاء تفسيرة، وهو الجملة فهو كالزائد، وجاء في الخبر: (ان من أشد الناس عذابا يوم القيامة: المصورون)، وعند الكسائي: (من) فيه زائدة، وعند ابن كيسان 4 الحروف في مثله، غير عاملة لف ظا، كالمكفوفة، وإذا علم الخبر جاز حذفه مطلقا، سواء كان الاسم معرفة أو نكرة، والكوفيون يشترطون تنكير الاسم، لكثرة ما جاء كذلك، نحو قوله: 866 - إن محلا وإن مرتحلا * وإن في السفر إذ مضوا مهلا 5 أي: ان لنا محلا في الدنيا، ومرتحلا في الآخرة، وإن في رحيل السفر إذ مضوا إلى الآخرة مهلا، أي سبقا، أي: لا يرجع الراحلون إلى الآخرة،
__________
(1) تقدم ذكره في باب المبتدأ والخبر في الجزء الأول وفي ضمير الشأن في آخر الجزء الثاني، (2) نقله عنه سيبويه في الجزء الأول ص 181،
(3) قال البغدادي لم أقف على قائل هذا البيت ولم أره إلا في كتاب الضرائر، ثم ذكر ما يشبهه في معناه وأورد بيتا يتفق معه في صدره منسوبا إلى خارجة بن فليح الملكي ثم قال: لم أدر السابق منهما، (4) تكرر ذكره في هذا الجزء وفي الأجزاء السابقة، (5) من شعر الأعشى ميمون بن قيس واستشهد به كثير من النجاة، وهو في سيبويه ج 1 ص 284، وقد شرحه الرضي، وبين وجه الاستشهاد به (*)،

(4/376)


وتقول: إن مالا وإن ولدا، وإن غيرها ابلا أو شاء، أي: إن لنا ذلك، والفراء يشترط في جواز حذف أخبارها: تكرير (ان)، كما قيل، ان أعرابيا قيل له: إن الزبابة الفأرة 1، فقال: ان الزبابة، ان الفأرة، أي: هما مختلفان، والرد على المذهبين: ما روي أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ان الأنصار نصرونا ووصلونا، قد فضلونا، وآوونا، وفعلوا بنا، فقال عليه الصلاة والسلام: ألستم تعرفون ذلك، قالوا: بلى يا رسول الله، فقال عليه السلام: ان ذلك، أي: ان ذلك كذلك، وما روي من قول عمر بن عبد العزيز، لمن مت إليه 2 بقرابة: ان ذلك، أي مصدق، ثم ذكر المات حاجته، فقال عمر: لعل ذلك، أي: لعل مطلوبك حاصل
، وقال تعالى: (ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) 3، أي: هلكوا، وقيل: الخبر: يصدون، والواو زائدة، وقال الشاعر: 867 - خلا أن حيا من قريش تفضلوا * على الناس أو أن الأكارم نهشلا 4 قال ابن يعيش 5: لم يأت خبر (ان) المحذوف، الا ظرفا أو جارا ومجرورا، قال: والجيد أن يقدر في: ان ذلك، ولعل ذلك: الظرف، أيضا، أي ان لك ذلك، ولعل لك ذلك 6، وأقول: لا ملجئ إلى جعل جميع الأخبار المحذوفة ظروفا، فلم نرتكبه ؟ بل نقدر
__________
(1) الزبابة بالزاي: فأرة صماء يقال فيها أسرق من زبابة، فهي نوع من الفئران، (2) يقال مت إليه بقرابة، أي اتصل به على وجه من أوجه القرابة،.
(3) الآية 24 سورة الحج، (4) ينسب إلى الأخطل التغلبي، وممن نسبه إلى الأخطل: ابن الشجري في أمالية، وقال ان البيت آخر القصيدة، قال البغدادي: وللأخطل قصيدة على هذا الوزن والروي، ولم أجده فيها، والأكارم جمع أكرم، ونهشل بن دارم أبو قبيلة من العرب، (5) في شرحه على المفصل، ج 1 ص 103،
(6) أي في الجمل التي تقدمت في تقدمت في قصة عمر بن عبد العزيز مع من مت إليه بقرابة (*)،

(4/377)


ما يستقيم به معنى الكلام، ظرفا كان، أو، لا، وقد يسد مسد الخبر: واو المصاحبة، نحو: ان كل رجل وضيعته، والحال نحو: ان ضربي زيدا قائما، وأما قولك: ليت شعري، فالشعر بمعنى الفطنة، مصدر من شعرت اشعر كنصرت أنصر، أي فطنت له، قال سيبويه 1: أصله: ليت شعرتي حذفوا الهاء في الأضافة كما في قولهم: أبو عذرها 1، فلعلة لم يثبت عنده مصدرا إلا بالهاء، كالنشدة، والا فلا موجب لجعل المصدر من باب الهيئة كالجلسة والركبة، والتزم حذف الخبر في: ليت شعري، مردفا باستفهام، نحو: ليت شعري: أتأتيني أم لا، وهذا الاستفهام مفعول (شعري)، كما ذكرنا في أفعال القلوب في نحو: علمت أزيد عندك أم عمرو، أي ليت علمي بما يسأل عنه بهذا الاستفهام حاصل، وقال المصنف: هذا الاستفهام قائم مقام الخبر، كالجار والمجرور، في: ليتك في الدار، وفيه نظر، لأن (شعري) مصدر، معناه متعلق بمضمون الجملة الاستفهامية فهي
من حيث المعنى مفعول (شعري)، ومفعول المصدر لا يكون ذلك المصدر حتى يخبر به عنه، لأن علمك بالشئ: غير ذلك الشئ، وقال ابن يعيش 3: الاستفهام ساد مسد الخبر، كسد جواب (لو لا) مسد خبر المبتدأ، وفيه، أيضا، لأن محل خبر (شعري) الذي هو مصدر، بعد جميع ذيوله، من فاعله ومفعوله، فمحله بعد الاستفهام، فكيف يكون الاستفهام في مقام الخبر، ومقامه بعده، بل هو خبر وجب حذفه بلا ساد مسده، لكثرة الاستعمال،
__________
(1) ذكره سيبويه في باب المصادر التي تجئ على وزن فعلة...ج 2 ص 229، (2) العذرة: البكارة في المرأة، وبها سميت عذراء وأبو عذرتها وعذرها كأنه أخذ بكارتها، ويقال لمن فعل أمرا انفرد به، ولم يفعله غيره، (3) انظر شرحه على المفصل ج 1 ص 104، 105 (*)،

(4/378)


وقد يحذف الاستفهام مع العلم، نحو قوله: 868 - ليت شعري مسافر بن أبي عمرو، وليت يقولها المحزون 1 أي: ليت شعري أنجتمع أم لا، ومسافر، منادي، وقد يخبر ههنا، بشرط الأفادة، عن نكرة بنكرة، لأنا ذكرنا في باب
المبتدأ، أن التخصيص غير مشروط في المبتدأ، مع حصول الفائدة، وإنما لم يخبر عن المبتدأ المنكر بخبر مؤخر، لئلا يلتبس المبتدأ بالخبر، وذلك لتوافق اعرابيهما، وأما ههنا فالأعرابان مختلفان، قال: فإن شفاء عبرة مهراقة 2...- 724 على ما أنشد سيبويه، ويجوز، أيضا، الأخبار عن النكرة بالمعرفة، نحو: ان كريما أبوك، قال تعالى: (فإن حسبك الله) 3، كما قلنا في باب كان، في:..أظبي كان أمك أم حمار 4 - 512 ويجوز أن يكون (كفافا) في قوله: 869 - فليت كفافا كان خيرك كله * وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي 5
__________
(1) أورده سيبويه في ج 2 ص 32، وليت، الثانية منونة مرفوعة لأنه قصد لفظها وفي شرح الشواهد للأعلم أن مسافر بن أبي عمرو، رجل من قريش كان صديقا لأبي طالب فرثاه، وبعد البيت: بورك الميت القريب كما بو * رك نضج الرمان والزيتون وهي في خزانة الأدب، (2) تقدم في ص 206 من هذا الجزء، (3) من الآية 62 سورة الأنفال،
(4) تقدم في الجزء الثالث وفي هذا الجزء، (5) من قصيدة ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي، في عتاب عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاص، وهو ابن عمه، وهي قصيدة جيدة، أولها قوله (*):

(4/379)


اسم ليت، والجملة خبره، على أن يروى (خيرك) بالنصب، فيكون اسم كان، أيضا نكرة، لكونه ضميرا راجعا إلى (كفافا)، وإن روي برفعه، فاسم (ليت)، ضمير شأن محذوف، وقوله (خيرك وشرك) اسم كان، كفافا، خبره، ولم يثن لكونه مصدرا في الأصل، و (عني) متعلق بكفافا، أي، مكفوفين عني، والماء، على هذا الوجه، منصوب، أي: ما ارتوى من الماء مرتو، وقيل: شرك مرتو، بتقدير: مرتويا: اسم وخبر، معطوف على اسم كان وخبره، أعني خيرك كفافا، أي: كان خيرك كفافا وشرك مرتويا عني، أي كافا، فحذف النصب 1 ضرورة كما في قوله: 870 - فلو أن واش باليمامة داره * وداري بأعلى حضر موت، اهتدى ليا 2 ويكون الماء، على هذا الوجه، مرفوعا، فاعل (ارتوى)، أي: ما دام الماء ريان،
__________
= تكاشرني كرها كأنك ناصح * وعينك تبدي أن صدرك لي دوى وشرح الرضي بيت الشاهد بما فيه الكفاية، والقصيدة بتمامها في الأمالي ج 1 ص 68، (1) أي حركته والحرف المتحرك بها في حالة التنوين، فعومل معاملة المرفوع والمجرور، (2) واش: اسم أن، وحقه أن يكون: واشيا، والبيت من قصيدة لمجنون بني عامر: قيس بن الملوح، قال البغدادي: هي من أشهر قصائدة، ومنها قبل هذا البيت: خليلي لا والله، لا أملك الذي * قضى الله في ليلي ولا ما قضي لياى قضاها لغيري وابتلاني بحبها * فهلا بشئ غير ليلى ابتلانيا (*)

(4/380)


(حروف العطف) (الواو، الفاء، ثم، حتى) (معانيها وأحكامها) (قال ابن الحاجب:) (الحروف العاطفة: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وأو،) (وإما، وأم، ولا، وبل، ولكن، فالأربعة الأولى للجمع) (فالواو للجمع مطلقا، لا ترتيب فيها، والفاء للترتيب، وثم) (مثلها بمهلة، وحتى مثلها، ومعطوفها جزء من متبوعه) (لتفيد قوة أو ضعفا)، (قال الرضي:)
اعلم أن بعضهم عد (أي) المفسرة منها، وعند الأكثرين: أن ما بعدها عطف بيان لما قبلها، كما قال بعضهم: ان (بل) التي بعدها مفرد، نحو: جاءني زيد بل عمرو، أو: ما جاءني زيد بل عمرو، ليست منها، لأن ما بعدها بدل غلط مما قبلها، وبدل الغلط بدونها غير فصيح، وأما معها ففصيح مطرد في كلامهم، لأنها موضوعة لتدارك مثل هذا الغلط، قوله: (للجمع)، مراد النجاة بالجمع ههنا: ألا تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، كما كانت (أو) و (إما)، وليس المراد: اجتماع المعطوف والمعطوف عليه في الفعل،

(4/381)


في زمان أو في مكان، فقولك جاءني زيد وعمرو، أو: فعمرو، أو: ثم عمرو، أي حصل الفعل من كليهما، بخلاف: جاءني زيد أو عمرو، أي حصل الفعل من أحدهما دون الآخر، قوله: (فالواو للجمع مطلقا)، معنى المطلق، أنه يحتمل أن يكون حصل من كليهما في زمان واحد، وأن يكون حصل من زيد أولا، وأن يكون حصل من
عمرو أولا، فهذه ثلاثة احتمالات عقلية، لا دليل في الواو على شئ منها، هذا مذهب جميع البصريين والكوفيين، ونقل بعضهم عن الفراء والكسائي وثعلب، والربعي، وابن درستويه 1، وبه قال بعض الفقهاء: انها للترتيب، دليل الجمهور: استعمالها فيما يستحيل فيه الترتيب، وفيما: الثاني فيه قبل الأول، كقوله: 871 - أغلى السباء بكل أدكن عاتق * أوجونة قدحت وفض ختامها 2 وقوله تعالى: (واسجدي واركعي) 3، وقوله تعالى: (نموت ونحيا) 4، والأصل في الاستعمال: الحقيقة، ولو كانت للترتيب، لتناقض قوله تعالى: (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) 5، وقوله تعالى في موضع آخر: (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) 6، إذ القصة واحدة، ثم اعلم أن الواو، مرة تجمع وتشرك الاسمين فصاعدا، في فعل واحد، نحو: قام زيد وعمرو، أي حصل منهما القيام، ومرة تجمع الفعلين فصاعدا في اسم واحد نحو:
__________
(1) تقدم ذكر هؤلاء جميعا في أجزاء هذا الشرح، (2) من معلقة لبيد بن ربيعة العامري، وقوله أغلى السباء، أي اشترى
الخمر بالثمن الغالي، والمراد بالأدكن الزق الذي يوضع فيه الخمر، والجونة: الخابية المطلية بالقار والباء في بأد كن بمعنى في، أي اشترى الخمر الموضع في الزق الأدكن أو الجونة..الخ، (3) من الآية 43 في سورة آل عمران، (4) من الآية 24 سورة الجائية، (5) الآية 58 سورة البقرة، (6) الآية 161 سورة الأعراف (*)،

(4/382)


زيد قام وقعد، أي حصل كلا الفعلين من زيد، ومرة تجمع مضموني الجملتين فصاعدا في الحصول، نحو: قام زيد، وقعد عمرو، ونحو: زيد قائم وعمرو قاعد، فإن قلت: لو لم تجئ بالواو في عطف الجملة، لعلم، أيضا، حصول مضموني الجملتين، فما فائدتها ؟ قلنا: بلى، ولكن كان يحتمل احتمالا مرجوحا: أن يكون الكلام الأول غلطا، ويحتمل حصول أحد الأمرين، فبالواو صار نصا في حصول الأمرين معا، ففائدة الواو في مثله، كفائدة (لا) في مثل قولك: ما جاءني زيد ولا عمرو، كما يجئ، فكأنه زائد يفيد النص، وإن لم يعده النجاة في الزوائد، واعلم أنك إذا نفيت نحو: جاءني زيد وعمرو، مثلا، وقلت: ما جاءني زيد
وعمرو، بلا قيد، فهو في الظاهر نفي للاحتمالات الثلاثة، أي: لم يجيئا، لا في وقت واحد، ولا مع الترتيب والأكثر على ألا يعطف على المنفي بالواو، الا وبعد الواو (لا)، نحو: ما جاءني زيد ولا عمرو، وذلك لأن الواو، وإن كان في الظاهر للجمع المشتمل على الاجتماع في وقت، وعلى الترتيب، إلا أنه، لما كان يستعمل كثيرا للاجتماع في وقت، كما في المفعول معه، وواو الصرف 1، ومع العطف أيضا، نحو: كل رجل وضيعته، وكيف أنت وقصعة من ثريد، خيف أن يكون مراد المتكلم: ما جاءني زيد مع عمرو، فيكون قد نفى الاجتماع في وقت، لا ترتب مجئ أحدهما على مجئ الآخر، فجئ بلا، في الأغلب دفعا لهذا التوهم، وبيان أن المراد نفي الاحتمالات الثلاثة، وقد تزاد فيما لا يحتمل الترتيب طردا، كقوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا
__________
(1) المراد بها الواو التي ينصب بعدها المضارع في جواب الأمور المعروفة، لأنها تصرف ما بعدها عن ظاهر العطف الذي هو أصلها، وانظر تفصيل ذلك في نواصب المضارع أول هذا الجزء (*).

(4/383)


السيئة) 1، وقوله: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) 2، وإن أردت نفي بعض الاحتمالات دون بعض، فلا بد من القيد، نحو: مإ، جاءني زيد وعمرو معا، أو ما جاءني زيد أولا وعمرو ثانيا، أو: ما جاءني زيد ثانيا وعمرو أولا، فينتفي بعد أن تيد بأحد الاحتمالات الاحتمالان الآخران، وأما لو كررت العامل فقلت: ما جاءني زيد، وما جاءني عمرو، فهو، عند سيبويه: نفي للمجيئين، المنقطع أحدهما عن الآخر، كأن المخاطب توهم أنه حصل مجئ كل واحد منهما، لكن منقطعا عن مجئ الآخر، فرفعت بهذا الكلام وهمه، وعند المازني 3: هو أيضا، نفي للاحتمالات الثلاثة، كما كان من دون تكرير العامل، وهذا القول أقرب، وتكون فائدة تكرير الفعل المنفي، كفائدة زيادة (لا) بعد الواو، وأكثر، قوله: (والفاء للترتيب)، اعلم أن الفاء تفيد الترتيب، سواء كانت حرف عطف أو، لا، فإن عطفت مفردا على مفرد، ففائدتها: أن ملابسة المعطوف لمعنى الفعل المنسوب إليه وإلى المعطوف عليه: بعد ملابسة المعطوف عليه بلا مهلة، فمعني قام زيد فعمرو: أي
حصل قيام عمرو عقيب قيام زيد بلا فصل، ومعنى ضربت زيدا فعمرا، أي وقع الضرب على عمرو عقيب وقوعه على زيد، وإذا دخلت على الصفات المتتالية والموصوف واحد، فالترتيب ليس في ملابستها لمدلول عاملها، كما كان في نحو: جاءني زيد فعمرو، بل في مصادر تلك الصفات، كقولك: جاءني زيد، الآكل فالنائم، أي: الذي يأكل فينام، كقوله:
__________
(1) الآية 34 سورة فصلت، (2) الآية 22 سورة فاطر، (3) أبو عثمان المازني ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح (*)،

(4/384)


يا لهف زيابة للحارث الصا * ئح فالقائم فالآيب 1 - 340 أي: الذي يصبح فيغنم فيووب،.
وإن لم يكن الموصوف واحدا، فالترتيب في تعلق مدلول العامل بموصوفاتها كما في الجوامد نحو قولهم في صلاة الجماعة: يقدم الأقرأ، فالأفقه، فالأقدم هجرة، فالأسن 2، فالأصح، وإن عطفت الفاء جملة على جملة، أفادت كون مضمون الجملة التي بعدها عقيب مضمون الجملة التي قبلها بلا فصل، نحو: قام زيد فقعد عمرو،
وقد تفيد الفاء العاطفة للجمل: كون المذكور بعدها، كلاما مرتبا على ما قبلها في الذكر، لا أن مضمونها عقب مضمون ما قبلها في الزمان، كقوله تعالى: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) 3، وقوله: (وأورثنا الأرض، نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين) 4، فإن ذكر ذم الشئ أو مدحه يصح بعد جري ذكره، ومن هذا الباب عطف تفصيل المجمل، على المجمل، كقوله تعالى: (ونادى نوح ربه، فقال رب إن ابني من أهلي) 5، الآية، وتقول: أجبته فقلت لبيك، وذلك أن موضع ذكر التفصيل، بعد الاجمال، ومنه قوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا) 6، لأن تبييت البأس تفصيل للأهلاك، المجمل، وقد تجئ الفاء العاطفة للمفرد، بمعنى (إلى)، على ما حكى الزجاجي 7، تقول
__________
(1) تقدم ذكره وانظر فهرس الشواهد، (2) أي الأكبر سنا، (3) الآية 72 من سورة الزمر، (4) الآية 74 سوره الزمر، (5) الآية 45 سورة هود،
(6) الآية 4 سورة الأعراف، (7) الزجاجي: عبد الرحمن بن اسماعيل، منسوب إلى الزجاج لأنه تلميذه (*)،

(4/385)


العرب: مطرنا ما زبالة فالثعلبية 1، بحذف (بين) مع كونه مرادا، ويقيم 2 المضاف إليه مقام المضاف ويعربه بإعرابه، وهذا كما تقول: هي أحسن الناس ما بين قرن إلى قدم، وما بين قرن فقدم، وما قرنا فقدما، ولا يجوز حذف (ما) لكونه موصولا فلا تقول: مطرنا زبالة فالثعلبية، ولا: هي أحسن الناس قرنا فقدما، وحكي اجازته عن هشام 3، ومثل قوله: 872 - قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل 4 فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمأل الفاء فيه بمعنى (إلى)، أي: منازل بين الدخول إلى حومل، إلى توضح إلى المقراة، فإن قلت: كيف هذا وأنت لا تقول: خرجت إلى زيد إلى عمرو، إذ الفعل لا يتعلق به حرفا جر بمعنى واحد، كما مر، بلا عطف، قلت: يستعمل في تحديد الأماكن، نحو قولك: اشتريت ما بين
الموضع الفلاني، إلى دار زيد، إلى دار عمرو، إلى دار خالد، بحذف الواو تخفيفا، لدلالة الكلام عليه، قال النابغة الجعدي: 873 - أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي * إلى جانب الصمان فالمتثلم 5 أقامت به البردين ثم تذكرت * منازلها بين الدخول فجرثم ومسكنها بين العروب إلى اللوى * إلى شعب ترعى بهن فغيهم
__________
(1) مكانان بالعراق، (2) أي المتكلم بهذا الأسلوب الذي حكاه الزجاجي، (3) هشام بن معاوية الضرير، تقدم ذكره، (4) مطلع معلقة امرئ القيس، وتكرر الاستشهاد بأبياتها في هذا الشرح، والدخول وحومل، وتوضح، والمقراة، كلها أسماء أمكنة، (5) الأبيات الثلاثة مطلع قصيدة للنابغة الجعدي، وفي ألفاظها اختلاف في الرواية كما أن في ترتيبها هكذا خلاف أيضا، وكل ما فيها أسماء لأمكنة، والبردين تثنيه برد، والمراد: البرد في أول النهار والبرد في آخره (*)،

(4/386)


فإذا اكثر ذلك مع حرف الجر، أعني (إلى) فحذفه مع فاء العطف التي هي بمعناه: أولى، بل هو واجب لامتناع اجتماع حرفي عطف، ويجوز أن يكون المعنى: قفا نبك بين منازل الدخول فمنازل حومل،
فمنازل توضح فمنازل المقراة، وكذا في غير هذا الموضع، وأما قوله: 874 - يا درامية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد 1 فالفاء فيه لأفادة الترتيب في الذكر، لأنه يذكر في تعريف الأمكنة: الأخص بعد الأعم، فكأن العلياء موضع وسيع، تشتمل على مواضع منها السند، فهو كقولك: داري ببغداد فالكرخ، فإذا نفيت، مثلا، قولك: جاءني زيد فعمرو، فقلت: ما جاءني زيد فعمرو، فأنت ناف لتعقيب مجئ عمرو لمجئ زيد، فيمكن أن يحصل المجيئان في حالة، وأن يحصل مجئ عمرو قبل مجئ زيد، هذا الذي ذكرنا كله، حكم فاء العطف، والتي لغير العطف، أيضا، لا تخلو من معنى الترتيب، وهي التي تسمى فاء السبية، وتختص بالجمل، وتدخل على ما هو جزاء، مع تقدم كلمة الشرط نحو: إن لقيته فأكرمه، ومن جاءك فأعطه، وبدونها، نحو: زيد فاضل فأكرمه، وتعريفه 2 بأن يصلح تقدير (إذا) الشرطية قبل الفاء، وجعل مضمون الكلام السابق شرطها، فالمعنى في مثالنا:
إذا كان كذا، فأكرمه، وهو كثير في القرآن المجيد، وغيره، قال تعالى: (أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما، فليرتقوا في الأسباب) 3، وقال تعالى: (قال أنا
__________
(1) مطلع قصيدة النابغة الذبياني التي تعد إحدى المعلقات في رأي بعض العلماء، (2) أي الضابط الذي يمكن معرفته به، (3) الآية 10 سورة ص (*)،

(4/387)


خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاخرج منها) 1، أي: إذا كان عندك هذا الكبر فاخرج، وقال: (رب فأنظرني)، أي إذا كنت لعنتني فأنظرني، وقال: (فإنك من المنظرين)، أي إذا اخترت الدنيا على الآخرة فإنك من المنظرين، (قال فبعزتك)، أي إذا أعطيتني هذا المراد فبعزتك (لأغوينهم) وكثيرا ما تكون فاء السببية بمعنى لام السببية، وذلك إذا كان ما بعدها مسببا لما قبله، كقوله تعالى: (اخرج منها فإنك رجيم) 2، وتقول: أكرم زيدا فإنه فاضل، فهذه تدخل على ما هو الشرط في المعنى، كما أن الأولى دخلت على ما هو الجزاء في المعنى، وذلك أنك تقول: زيد فاضل فأكرمه، وتعكس فتقول: أكرمه فإنه فاضل،
ثم اعلم أنه لا تنافي بين السببية والعاطفة، فقد تكون سببية وهي مع ذلك عاطفة جملة على جملة، نحو: يقوم زيد فيغضب عمرو، لكن لا يلازمها العطف نحو إن لقيته فأكرمه، ثم إنه قد يؤتى في الكلام بفاء موقعها موقع السببية، وليست بها، بل هي زائدة، وفائدة زيادتها: التنبية على لزوم ما بعدها لما قبلها لزوم الجزاء للشرط، كما تقدم في الظروف المبنية 3، وقد تجئ زائدة في غير هذا الموضع المذكور، نحو: زيد فوجد، عند الأخفش، وقوله: لا تجزعي ان مفغسا أهلكته * فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي 4 - 46 ثم اعلم ءن إفادة الفاء للترتيب، لا ينافيها كون الثاني المترتب يحصل بتمامه في زمان طويل، إذا كان أول أجزائه متعقبا لما تقدم، كقوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء
__________
(1) هذا وكل ما سيذكره الشارح من الآيات: 76 إلى 82 في سورة ص: (2) الآية 34 سورة الحجر، (3) في الجزء الثالث، (4) تقدم الاستشهاد به في الجزء الأول باب المبتدأ والخبر: وتكرر
في مواضع أخرى، وهو في سيبويه ج 1 ص 67، وهو للنمر بن تولب (*)،

(4/388)


فتصبح الأرض مخضرة) 1، فإن اخضرا الأرض، يبتدئ بعد نزول المطر، لكن يتم في مدة ومهلة، فجئ بالفاء، نظرا إلى أنه لا فصل بين نزول المطر وابتداء الاخضرار، ولو قال: ثم تصبح، نظرا إلى تمام الاخضرار، جاز، وكذا قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة) 2، نظرا إلى تمام صيرورتها علقة، ثم قال: (فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما)، نظرا إلى ابتداء كل طور، ثم قال: (ثم أنشأناه خلقا آخر)، إما نظرا إلى تمام الطور الأخير، وإما استبعادا لمرتبة هذا الطور الذي فيه كمال الانسانية، من الأطوار المتقدمة، قوله: (وثم مثلها بمهلة)، أي مثل الفاء في الترتيب، إلا أنها تختص بالمهلة والتراخي، ومن ثم قال سيبويه في: مررت بزيد ثم عمرو: ان المرور: مروران 3، ولا تكون إلا عاطفة، ولا تكون للسببية، إذ لا يتراخى المسبب عن السبب التام، ولا تعطف المفصل على المجمل كالفاء، وقد تجئ في الجمل خاصة،
لاستبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها، وعدم مناسبته له كما ذكرنا في قوله تعالى: (ثم أنشأناه خلقا آخر)، وكقوله تعالى: (خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) 4، فالاشراك بخالق السموات والأرض مستبعد، غير مناسب وهذا المعنى: فرع التراخي ومجازه، وكذا في قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة) ثم قال: (ثم كان من الذين آمنوا) 5، فإن الأيمان بعيد المنزلة من فك الرقبة، والأطعام، بل لا نسبة بينه وبينهما، وكذا قوله (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) 6، فإن بين توبة العبد، وهي انقطاع العبد إليه بالكلية وبين طلب المغفرة بونا بعيدا،
__________
(1) الآية 63 سورة الحج، (2) الآيتان 13، 14 سورة المؤمنون، (3) يعني أن المرور حصل مرتين، (4) أول آية في سورة الأنعام، (5) من الآية 11 إلى 17 سورة البلد، (6) الآية 3 سورة هود (*)،

(4/389)


وقد تجئ (ثم) لمجرد الترتيب في الذكر، والتدرج في درج الارتقاء وذكر ما هو
الأولى ثم الأولى من دون اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج ولا أن الثاني بعد الأول في الزمان، بل ربما يكون قبله، كما في قوله: 875 - إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده 1 فالمقصود ترتيب درجات معالي الممدوح، فابتدأ بسيادته، ثم بسيادة أبية، ثم بسيادة جده، لأن سيادة نفسه أخص ثم سيادة الأب ثم سيادة الجد، وإن كانت سيادة الأب مقدمة في الزمان على سيادة نفسه، فثم، ههنا، كالفاء في قوله تعالى (فبئس مثوى المتكبرين) 2 كما ذكرنا، وقد تكون ثم، والفاء، أيضا، لمجرد التدرج في الارتقاء، وإن لم يكن الثاني مترتبا في الذكر على الأول، وذلك أن تكرر الأول بلفظه، نحو: بالله، فبالله أو: والله ثم والله، وقوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين) 3، وقوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) 4، وأما قوله تعالى: (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) 5، فأقام العلة مقام المعلول 6، وقوله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدي) 7، أي بقي على ذلك الهدى من التوبة والأيمان والعمل الصالح، كما قيل في: (
اهدنا الصراط
__________
(1) من أبيات لأبي نواس: الحسن بن هاني في مدح العباس بن عبيد الله بن جعفر والرواية: قل لمن سار..الخ وبعده: وأبو جده فساد إلى أن يتلاقى نزاره ومعده، وليس القصد به الاستشهاد وإنما هو تمثيل لأمر معنوي، (2) الآية 72 المتقدمة من سورة الزمر، (3) الآيتان 17، 18 سورة الانطار، (4) الآيتان 3، 4 سورة التكاثر، (5) الآية 46 سورة يونس، (6) لأن التقدير: ثم نعذبهم لأن الله شهيد...(7) الآية 82 سورة طه (*)،

(4/390)


المستقيم) 1، أي أبقنا عليه، فاستعمل (ثم)، نظرا إلى تمام البقاء، واستبعادا لمرتبة البقاء عليها من مرتبة ابتدائها، لأن البقاء عليها أفضل، فيكون كما قلنا في قوله: (ثم أنشأناه خلقا آخر) 2، من الوجهين، (همزة الاستفهام) (مع هذه الأحرف) وقد تدخل همزة الاستفهام المفيدة للأنكار على واو العطف، كقوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات، وما يكفر بها إلا الفاسقون، أو كلما عاهدوا
عهدا نبذه فريق منهم) 3، الآية، فقوله: أو كلما، عطف على (لقد أنزلنا)، والهمزة لأنكار الفعل 4، وقد يكون الاستفهام للتوبيخ، أو التقرير، إذا دخلت همزته على جملة منفية، كقوله تعالى: (قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى، أو لم يكفروا...) 5، عطف (لم يكفروا) على: (قالوا لو لا أوتي)، وكذا تدخل على فاء العطف، للأنكار، كقوله تعالى: (ومنهم من يستمعون إليك) أفأنت تسمع الصم) 6، فقوله (أنت تسمع الصم)، عطف على: (ومنهم من يستمعون)، أي بعضهم يستمع إليك غير سامع في الحقيقة، أفأنت تسمع هؤلاء الصم،
__________
(1) الآية 6 سورة فاتحة الكتاب، (2) في آية (المؤمنون) السابقة، (3) الآيتان 99، 100 سورة البقرة، (4) الذي هو النبذ في قوله نبذه فريق منهم، (5) الآية 48 سورة القصص، (6) الآية 42 سورة يونس (*)،

(4/391)


وكذا قوله: (ومنهم من ينظر إليك، أفأنت تهدي العمى) 1، أي ينظر
إليك، غير مبصر في الحقيقة، وتكون الهمزة للتوبيخ أو التقرير إذا دخلت على النفي، وقد تدخل على فاء السببية كقوله تعالى: (من إله غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تسمعون) 2، أي إذإ، كان كذا فلم لا تسمعون، وكذا قوله تعالى: (من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) 3 فالفاء للسببية والهمزة للتوبيخ، أو التقرير، وكذا تدخل همزة الأنكار على (ثم)، المفيدة للاستبعاد، كقوله تعالى: (ماذا يستعجل منه المجرمون، أثم إذا ما وقع آمنتم به) 4، فثم، ههنا، مثلها في قوله تعالى: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) 5، لأن الأيمان بالشئ مستبعد من استعجاله، استهزاء، وهذه الحروف، ليست بعاطفة على معطوف عليه مقدر، كما يدعيه جار الله في الكشاف، ولو كانت كما قال، لجاز وقوعها في أول الكلام، قبل تقدم ما يكون معطوفا عليه، ولم تجئ إلا مبنية على كلام متقدم، (زيادة هذه الأحرف) وهذه الحروف الثلاثة، تجئ عند الأخفش زائدة، والبصريون يؤولون
فيما يقبل التأويل، صيانة للحروف من الزيادة،
__________
(1) الآية 43 سورة يونس، (2) الآية 71 سورة القصص، (3) الآية 72 سورة القصص، (4) الآيتان 50، 51 سورة يونس، (5) أول سورة الأنعام وتقدمت قريبا (*)،

(4/392)


أما الواو، فمثل قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه) 1، قال البصريون: جواب (لما) محذوف، أي..وتله للجبين وناديناه، كان هناك ما لا يوصف من ألطافه تعالى، وكذا قوله: 876 - فلما أجزنا ساحة الحي وانتحي * بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل 2 وأما قوله: 877 - ولما رأي الرحمن أن ليس فيهم * رشيد، ولا ناه أخاه عن الغدر 3 وصب عليهم تغلب ابنة وائل * فكانوا عليهم مثل راغية البكر فالمعنى: غضب عليهم، وصب بحذف المعطوف عليه، وكذا قوله: 878 - فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن * إلا كلمة حالم بخيال 4 أي: فإذا إلمامك وذلك الألمام، وأما الفاء ففي قوله:
أراني إذا ما بت، بت على هوى * فثم إذا أصبحت، أصبحت غاديا 5 - 640 قيل: الفاء زائدة، وقيل: بل الزائد (ثم) لحرمة التصدر، وأجاز الأخفش: زيد فوجد، وزيد فقائم، قياسا على زيادة الفاء مستدلا بقول الشاعر:
__________
(1) الآيتان 103، 104 سورة الصافات، (2) من معلقة امرئ القيس، التي تكرر الاستشهاد بأبيات منها، والخبت باطن الأرض الملساء، والحقاف جمع حقف وهو الرمل المنعطف، العقنقل: المجتمع الكثير، (3) البيتان من قصيدة للأخطل التغلبي، ويروى: أمال عليهم تغلب فيخرج بذلك عن موضوع الاستشهاد، وتغلب قبيلة الأخطل وقال: ابنة بهذا الاعتبار ثم قال فكانوا باعتبار الحي، (4) من أبيات لتميم بن مغيل، وأورد البغدادي نظائر لهذا الشاهد، من كلام أبي كبير الهذلي، وربيعة بن مقروم الضبي، واللمة بفتح اللام المشدة بمعنى الألمام وهو ملابسة الشئ على وجه سريع، (5) تقدم في هذا الجزء ص 49 وهو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى (*)،

(4/393)


وقائلة خولان فانكح فتاتهم * واكرومة الحيين خلو كما هيا 1 - 76 والفاء في قوله:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر * فان قومي لم تأكلهم الضبع 2 - 240 زائدة عند البصريين دون الكوفيين، كما مر في بابه، وأما (ثم) فقال الأخفش: هي زائدة في قوله تعالى: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم) 3، ولا منع من ارتكاب حذف المعطوف عليه، أي: ألهمهم الأنابة، ثم تاب عليهم، وكل ما جاء من مثله، فإن أمكن الاعتذار عنه، فهو أولى، وإلا، فليحكم 5 بزيادة الحرف، وأنشد أبو زيد 4 لزيادة (أم) قول الراجز: 879 - يا دهر، أم ما كان مشيي رقصا * بل قد تكون مشيتي توقصا 5 قوله: (وحتى مثلها)، يعني: مثل (ثم) في الترتيب والمهلة، وقال الجزولي 6: المهلة في (حتى)، أقل منها في (ثم) فهي متوسطة بين الفاء، التي لا مهلة فيها، وبين (ثم)، المفيدة للمهلة، والذي أري: أن (حتى) لا مهلة فيها، بل (حتى) العاطفة، تفيد أن المعطوف هو
__________
(1) تقدم في الجزء الأول، باب المبتدأ والخبر، (2) من شعر العباس بن مرداس، وتقدم في الجزء الثاني، في باب خبر كان وأخواتها،
(3) من الآية 118 سورة التوبة، (4) المراد أبو زيد الأنصاري صاحب التوادر، (5) الرقص بفتح الراء والقاف المشي الخفيف قال ابن دريد هو شبيه بالنقزان، أي القفز، والتوقص الخطو المتقارب، ولم ينسب هذا الرجز بأكثر من روايته عن أبي زيد، (6) تقدم ذكره كثيرا (*)،

(4/394)


الجزء الفائق، إما في القوة أو في الضعف على سائر أجزاء المعطوف عليه، وقد يكون تعلق الفعل في المعطوف عليه والمعطوف، بما 1 بعد (حتى) أسبق من تعلقه بالأجزاء الأخر، كقولك: توفي الله كل أب لي، حتى آدم، وقد يكون تعلقه به في أثناء تعلقه بالأجزاء الأخر، نحو: مات الناس حتى الأنبياء، فالمقصود: أن الترتيب الخارجي، لا يعتبر فيها، أيضا، كما لا يعتبر فيها المهلة، بل المعتبر فيها ترتيب أجزاء ما قبلها، ذهنا، من الأضعف إلى الأقوى، كما في مات الناس حتى الأنبياء، أو من الأقوى إلى الأضعف، كما في: قدم الحجاج حتى المشاة، (أو، إما، أم) (أم المتصلة، والمنقطعة) (قال ابن الحاجب:)
(وأو، وإما، وأم، لأحد الأمرين مبهما، وأم المتصلة) (لازمة لهمزة الاستفهام، يليها أحد المستويين والآخر الهمزة،) (بعد ثبوت أحدهما، لطلب التعيين، ومن ثم، لم يجز:) (أرأيت زيدا، أم عمرا، ومن ثم كان جوابها بالتعيين) (دون: نعم، أو: لا، والمنقطعة، كبل والهمزة، مثل:) (إنها لأبل أم شاء، و: إما، قبل المعطوف عليه لازمة مع) (إما، جائزة مع أو)، (قال الرضي:) اعلم أن الأحرف الثلاثة لأحد الأمرين، أو أحد الأمور، و (أو)، و (إما)
__________
(1) متعلق بقوله وقد يكون تعلق الفعل (*)،

(4/395)


العاطفتان في المعنى سواء، الا في شئ واحد، وهو أن (أو)، تجئ بمعنى (إلى) أو (إلا) 1، وتجئ، أيضا، للأضراب بمعنى (بل) فلا يكون، إذن، بعدها الا الجمل، فلا تكون حرف عطف، بل حرف استئناف وإذا كانت حرف عطف، فقد تعطف المفرد على المفرد، نحو: جاءني زيد أو عمرو، وقد تعطف الجملة على الجملة، نحو: ما أبالي: أقمت أو قعدت، وتقول في الاستئناف: أنا أخرج اليوم، ثم يبدو لك الأقامة فتقول: أو
أقيم، أي: بل أقيم على كل حال، وهي في هذه الصورة محتملة للعطف فتكون على ذلك التقدير مترددا بين الخروج والأقامة، وأما قوله: 881 - بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أو أنت في العين أملح 2 فلا يحتمل العطف إذ لا يصح قيام الجملة بعدها مقام قوله: قرن الشمس، كما هو حق المعطوف، وكذا في قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) 3، أي: بل يزيدون، وإنما جاز الاضراب ببل في كلامه تعالى، لأنه أخبر عنهم بأنهم مائة ألف، بناء على ما يحرز 4 الناس من غير تعمق، مع كونه تعالى عالما بعددهم وأنهم يزيدون، ثم أخذ، تعالى، في التحقيق، فأضرب عما يغلط فيه غيره بناء منهم على ظاهر الحزر، أي أرسلناه إلى جماعة يحزرهم الناس مائة ألف وهم كانوا زائدين على ذلك، وكذا قوله تعالى: (كلمح البصر) 5، بناء على ما يقول الناس في التحديد ثم أضرب
__________
(1) أي يصح أن يقع في موقعها أحدهما، وانظر ص 75 من هذا الجزء في نواصب المضارع،
(2) قوله: وصورتها بالجر، عطفا على قوله قرن الشمس أي هي مثل قرن الشمس أو مثل صورتها ثم أضرب ملتفتا إلى قوله أو أنت...ونسب ابن جني البيت إلى ذي الرمة وقال البغدادي: لم أجده في ديوانه، (3) الآية 147 سورة الصافات، (4) أي يقدرون تقديرا مبنيا على التخمين والحدس، (5) من الآية 77 في سورة النحل (*)،

(4/396)


عما يغلطون فيه، في هذه القضية ان قالوا ذلك، وحق وقال: (أو هو أقرب)، أي بل هو أقرب، وقالوا: ان ل: أو، إذا كان في الخبر ثلاثة معان: الشك، والأبهام، والتفصيل، وإذا كان في الأمر، فله معنيان: التخيير والأباحة، فالشك: إذا أخبرت عن أحد الشيئين ولا تعرفه بعينه، والابهام إذا عرفته وتقصد أن تبهم الأمر على المخاطب، فإذا قلت: جاءني زيد أو عمرو، ولم تعرف الجائي منهما، فأو، للشك، وإذا عرفته وقصدت الأبهام على السامع، فهو للأبهام، كقول لبيد: 882 - تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا الا من ربيعة أو مضر 1 والظاهر 2: أنه كان يعرف أنه من أيهما، وقال الله تعالى: (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا) 3،
والتفصيل: إذا لم تشك، ولم تقصد الأبهام على السامع، كقولك: هذا إما أن يكون جوهرا أو عرضا، إذا قصدت الاستدلال على أنه جوهر لا عرض أو على أنه عرض لا جوهر، أو على أنه لا هذا ولا ذاك: وأما في الأمر، فإن حصل للمأمور بالجمع بين الأمرين فضيلة وشرف، في الغالب، فهي للأباحة، نحو: تعلم الفقه أو النحو، وجالس الحسن أو ابن سيرين، وإلا فهي للتخيير، نحو: اضرب زيدا أو عمرا، والفرق بينهما أن الأباحة يجوز فيها الجمع بين الفعلين والاقتصار على أحدهما، وفي التخيير يتحتم أحدهما، ولا يجوز الجمع،
__________
(1) قوله: تمنى: أصله تتمنى بتاءين، وليس فعلا ماضيا، ومن أبيات لبيد هذه قوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (2) يريد أن يقول انه من الواضح أن لبيدا يعرف أنه من أي القبيلتين، (3) الآية 24 سورة يونس (*)،

(4/397)


هذا ما قيل، وينبغي أن تعرف أن جواز الجمع بين الأمرين في نحو: تعلم الفقه أو النحو، لم يفهم من (اما) و (أو)، بل ليستا إلا لأحد الشيئين في كل
موضع، وإنما استيدت الأباحة مما قبل العاطفة وما بعدها معا، لأن تعلم العلم خير، وزيادة الخير خير، فدلالة (أو) و (إما) في الأباحة والتخيير، والشك والأبهام والتفصيل على معنى أحد الشيئين أو الأشياء على السواء، وهذه المعاني تعرض في الكلام، لا من قبل (أو)، و (إما) بل من قبل أشياء أخر، فالشك من قبل جهل المتكلم وعدم قصده إلى التفصيل أو الأبهام، والتفصيل من حيث قصده إلى ذلك، والأباحة، من حيث كون الجمع يحصل به فضيلة، والتخيير من حيث لا يحصل به ذلك، وأما في سائر أقسام الطلب، فالاستفهام نحو: أزيد عندك أو عمرو، لا يعرض فيه شئ من المعاني المذكورة، وأما التمني نحو: ليت لي فرسا أو حمارا، فالظاهر فيه جواز الجمع، إذ في الغالب من العادات أن من يتمنى أحدهما لا ينكر حصولهما معا، وأما التحضيض، نحو: هلا تتعلم الفقه أو النحو، وهلا تضرب زيدا أو عمرا، والعرض نحو: ألا تتعلم الفقه أو النحو وألا تضرب زيدا أو عمرا، فكالأمر، في الأباحة والتخيير
بحسب القرينة، ولما كثر استعمال (أو) في الأباحة التي معناها جواز الجمع، جاز استعمالها بمعنى الواو، قال: وكان سيان أن يسرحوا غنما * أو يسرحوه بها واغبرت السوح 1 - فإن (سيان) بمعنى: مستويان، وهو بين الشيئين، وقال: 883 - سيان كسر رغيفه * أو كسر عظم من عظامه 2 وقد تجئ (أو) بمعنى (إلى) أو (إلا) كما تقدم في نواصب المضارع، وإذا نفيت الخبر، نحو: رأيت زيدا أو عمرا، فإن أردت نفي رؤيتهما معا، قلت: ما رأيت واحدا
__________
(1) تقدم ذكره في الجزء الثاني آخر باب العطف، (2) هو من شعر محمد بن يحيى اليزيدي وهو من المحدثين يهجو شخصا بالبخل، اسمه أبو المقاتل، وقبله: استبق ود أبي المقاتل * حين تدنو من طعامه (*)،

(4/398)


منهما أو: ما رأيت أحدهما، أو: ما رأيت زيدا ولا عمرا، وإن أردت نفي رؤية أحدهما لا رؤيتهما، فإن تعين عندك ذلك الواحد، وقصدت تعيينه للمخاطب، سميته، نحو: ما رأيت زيدا، أو: ما رأيت عمرا، وإن لم يتعين عندك، أو تعين وقصدت الأبهام قلت: ما رأيت زيدا أو عمرا، فيكون المعنى: ما رأيت أحدهما ورأيت
الآخر، وكذا إن نفيت الأمر وهو النهي، كما إذا قلت مثلا في: اضرب زيدا أو عمرا: لا تضرب زيدا أو عمرا، فالقياس يقتضي أن يكون المعنى: لا تضرب أحدهما واضرب الآخر، كما كان في الأمر معناه: اضرب أحدهما ولا تضرب الآخر، فإن قلت: فلا يبقى، إذن، فرق بين الأمر والنهي، ولا بين الخبر المثبت والمنفي في: رأيت زيدا أو عمرا، وما رأيت زيدا أو عمرا، قلت: لا يبقى فرق في أصل الوضع، إلا إذا كان المعدود 1 أكثر من اثنين فإنك إذا قلت: اضرب زيدا أو عمرا أو خالدا، فالمعنى أضرب أحدهم ولا تضرب الباقيين، وإذا قلت: لا تضرب زيدا أو عمرا أو خالدا، فالمعنى: لا تضرب أحدهم واضرب الباقيين، وكذا في الخبر، نحو: رأيت زيدا أو عمرا أو خالدا، وما رأيت زيدا أو عمرا أو خالدا، وهذا القياس هو مقتضى أصل الوضع، ثم بعد ذلك، جرت عادتهم أنه إذا استعمل لفظ (أحد)، أو ما يؤدي معناه، في الأثبات، فمعناه: الواحد فقط، وإذا استعمل في غير الموجب فمعناه، العموم في الأغلب، ويجوز أن يراد
الواحد فقط، أيضا، تفسير ذلك: أنك إذا قلت في الموجب مصرحا بالواحد: رأيت واحدا من زيد وعمرو، مثلا، وكذلك فيما يؤدي معنى الواحد، نحو: رأيت رجلا منهما، أو: رأيت زيدا أو عمرا، فإن كل واحد من الألفاظ الثلاثة أفاد أنك رأيت واحدا منهما فقط، وإذا قلت في غير الموجب: ما رأيت واحدا منهما، أو: ما رأيت رجلا منهما، أو: ما رأيت زيدا أو عمرا، فإن كل واحد من الألفاظ الثلاثة، وإن احتمل أن تريد به الواحد
__________
(1) أي المذكور في الكلام والمقصود منه (*)،

(4/399)


فقط فيكون المعنى: ما لقيت واحدا منهما ولقيت الآخر، لكن الأظهر والأغلب في الاستعمال، أن يكون المراد: ما لقيت واحدا منهما فكيف بما فوق الواحد، أي أن المراد نفي رؤيتهما كليهما، وإنما كان كذلك لأن الأصل عدم الرؤية، فإذا قلت: لقيت واحدا منهما أو ما يؤدي معناه نحو: لقيت زيدا أو عمرا فقد أخرجت واحدا منهما مما كان أصله، أي عدم الرؤية، فيبقى الآخر على أصله، أي غير مرئي، وأما إذا قلت: ما لقيت واحدا منهما، أو ما يؤدي معناه، وهو: ما لقيت
زيدا أو عمرا، والأصل عدم الرؤية، ولم يصرح فيه إلا بعدم رؤية واحد منهما، فبقاء الآخر على أصله من عدم الرؤية أولى، فيكون نفيا لمطلق الرؤية، فإن قلت: فإذا كان الأصل عدم الرؤية، كان عليك ألا تأتي بمفعول لرأيت، لا واحدا ولا أكثر، حين تخشى توهم المخاطب أن هذا الأصللم يبق على حاله، بل كان يكفيك أن تقول: ما لقيت من جنس الرجال، فما دعاك إلى تقييد نفي الرؤية بواحد ؟ قلت قصد المبالغة، وبيان ذلك أن الأصل، أي عدم الرؤية، بقي على حاله، ولم ينتف بتعلقها بأقل ما يكون أي الواحد، فما زاد، وإذا تقرر هذا ظهر لك علة قولهم: ان النكرة في غير الواجب تفيد العموم في الأغلب، وذلك أن النكرة تفيد الوحدة، والوحدة في غير الموجب تفيد العموم في الأغلب، كما مضى، فإن قصدت التنصيص على العموم قلت: ما لقيت من رجل، ومن واحد، وإذا قلت: ما لقيت رجلين، أو رجالا، فالمعنى: ما لقيت مثنى واحدا من هذا الجنس،
وما لقيت جماعة واحدة منه، فمع عدم (من) يحتملان الاستغراق وغيره، ومع (من) يصير الأول نصا في استغراقه لجميع مثنيات هذا الجنس، والثاني نصا في استغراقه لجميع جماعاته، فظهر أن معنى: ما رأيت زيدا أو عمرا: ما رأيت زيدا ولا عمرا، في الأظهر، وكذا معنى، لا تضرب زيدا أو عمرا، ويحتمل احتمالا مرجوحا: لا تضرب أحدهما

(4/400)


واضرب الآخر، ويندفع هذا الاحتمال بمثل القرينة التي في قوله تعالى: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) 1، إذ لا يجوز أن يريد: لا تطع واحدا منهما وأطع الآخر، لقرينة الأثم والكفر، فلفظة (أو) في جميع الأمثلة، موجبة كانت، أو، لا، مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، ثم معنى الوحدة في غير الموجب يفيد العموم، فلم تخرج (أو) مع القطع بالجمع في الانتهاء 2 في نحو: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا)، عن معنى الوحدة التي هي موضوعة له، والله أعلم،
وأما (إما) فهي بمعنى (أو) في جميع الأحكام المذكورة، إلا أن المعطوف عليه بإما، لابد أن يكون مصدرا بإما أخرى، نحو: جاءني إما زيد وإما عمرو، فمبنى الكلام مع (إما)، على أحد الشيئين، أو الأشياء، وأما مع (أو) فإن تقدم (إما) على المعطوف عليه، نحو: جاءني إما زيد أو عمرو، فالكلام مبني على ذلك، وإن لم يتقدم، جاز أن يعرض للمتكلم معنى أحد الشيئين بعد ذكر المعطوف عليه، نقول مثلا: قام زيد، قاطعا بقيامه، ثم يعرض الشك، أو قصد الأبهام فتقول: أو عمرو، ويجوز أن يكون شاكا أو مبهما من أول الأمر، وإن لم يأت بحرف دال عليه، كما تقول مثلا: جاءني القوم، وأنت عازم من أول الأمر على الاستثناء بقولك: إلا زيدا، فإما الثانية، في كل كلام، لا بد لها من تقدم (إما) أخرى داخلة على المعطوف عليه، بخلاف (أو)، فإنه يجوز فيه تقدم (إما) عليه، وعدم تقدمها، نحو: جاءني إما زيد أو عمرو، و: جاءني زيد أو عمرو، وقد جاءت (إما) غير مسبوقة بإما أخرى، لكنها تقدر، حملا على الكثير الشائع من استعمالها، أنشد الفراء:
__________
(1) الآية 24 سورة الدهر، (2) الانتهاء، أي ما يستفاد من صيغة النهي وهو الامتثال (*)،

(4/401)


884 - تلم بدار قد تقادم عهدها * وإما بأموات ألم خيالها 1 أي: إما بدار، وإما بأموات، وقد تخلف الثانية (إلا)، قال: 885 - فإما أن تكون أخي بصدق * فأعرف منك غثي من سميني 2 وإلا فاطرحني واتخذني * عدوا أثقيك وتتقيني وتلزم الثانية الواو، وربما ترد بلا واو، نحو خذ إما هذا، إما ذاك، قال: 886 - يا ليتما أمنا شالت نعامتها * إما إلى جنة، إما إلى نار 3 ويروى: إيما إلى جنة...وهي لغة في إما، وقالوا: إن (إما) لا تستعمل في النهي، وحكى قطرب 4 فتح همزة (إما) العاطفة، وهي عند سيبويه 5: مركبة من: إن وما، بدليل حذف (ما) للضرورة قال: 887 - سقته الرواعد من صيف * وإن من خريف فلن يعد ما 6 فارتكب الشاعر حذف (إما) الأولى، وحذف (ما) من الثانية، وقال:
__________
(1) البيت للفرزدق من قصيدة مدح بها سليمان بن عبد الملك، وصواب الرواية تهاض بدار، وقبله: وكيف بنفس كلما قلت أشرفت * على البرء من دهماء، هيض اندمالها (2) من قصيدة المثقب العبدي التي أولها:
أفاطم قبل بينك متعيني * ومنعك ما سألت كأن تبيني (3) شالت نعامتها، كناية عن موتها، يتمني موت أمه، لأنها كانت نهته عن التزوج بامرأة معينة فعصاها وتزوجها فقالت أمه فيه شعرا تذمه وتذم تلك المرأة فقال أبياتا في ذم أمه، قال البغدادي هو شاعر اسمه سعد بن قرط ويلقب بالنحيف، (4) هو محمد بن المستنير، تلميذ سيبويه، وتكرر ذكره، (5) سيبويه ج 1 ص 135، (6) الرواعد: السحب المملوءة بالماء، والمراد بالصيف والخريف الوقتان المعروفان من العام، والبيت من قصيدة للنمر بن تولب فيها كثير من المواعظ، ومنها قوله: فإن المنية من يخشها * فسوف تصادفه أينما ومنها: فلو أن من حتفه ناجيا * لألفيته الصدع الأعصما وهو يريد بالصدع الأعصم، نوعا من الوعول الجبلية، وهو مرجع الضمير في البيت الشاهد (*)،

(4/402)


888 - لقد كذبتك نفسك فاكذبنها * فإن جزعا وإن إجمال صبر 1 قال: التقدير: إما تجزع جزعا...، ولا منع من تغير معنى الكلمة وحالها بالتركيب، كما مضى من كون: (مما) بمعنى (ربما)، وقال غيره: هو مفرد غير مركب، إذ الافراد أصل في الحروف، وتأول البيتين بإن
الشرطية، وشرطها: (كان)، المحذوفة، أي: فإن كان جزعا، ومنع أبو علي، وعبد القاهر 2 من كونها عاطفة، لأن الأولى داخلة على ما ليس بمعطوف على شئ، والثانية مقترنة بواو العطف، فلا تصلحان للعطف، وشبهة من جعلها حرف عطف: كونها بمعنى (أو) العاطفة، ولا يلزم ذلك، فإن معنى (أن) المصدرية هو معنى (ما) المصدرية، والأولى تنصب المضارع، بخلاف الثانية، وقال الأندلسي 3: إما الأولى مع الثانية حرف عطف، قدمت تنبيها على أن الأمر مبني على الشك، والواو جامعة بينهما، عاطفة لأما الثانية على الأولى، حتى تصيرا كحرف واحد، ثم تعطفان معا: ما بعد الثانية على ما بعد الأولى، وهذا عذر بارد من وجوه: لأن تقدم بعض العاطف على المعطوف عليه وعطف بعض العاطف على بعضه، وعطف الحرف على الحرف، غير موجودة 4 في كلامهم،
__________
(1) هكذا أورده الشارح: فاكذبنها، بخطاب المفرد المذكر مؤكدا بالنون الخفيفة، وهو كذلك في سيبويه، وشرحه الأعلم على ذلك، قال البغدادي ان الصواب أن يكون بخطاب المفردة المؤنثة: لقد كذبتك نفسك فاكذبيها...قال وهو من قصيدة لدريد بن الصمة في رثاء معاوية بن
عمرو، أخي الخنساء، والخطاب في البيت لها، فهو يقول لها لقد كذبتك نفسك فيها أملت من حياة أخيك فلا تصدقيها بعد ذلك فيما تحدثك به، فإما أن تجزعي وإما أن تصبري صبرا جميلا، (2) و (3) تكرر ذكر هؤلاء جميعا، (4) أي هذه الأمور التي ذكرها (*)،

(4/403)


فالحق: أن الواو هي العاطفة، و (إما) مفيدة لأحد السبئين، غير عاطفة، والواو في نحو قوله: إما إلى جنة إما إلى نار: مقدرة، قوله: (وأم المتصلة، لازمة لهمزة الاستفهام..إلى آخره)، اعلم أن (أم) على ضربين: متصلة ومنفصلة، فالمتصلة تختص بثلاثة أشياء: أحدها تقدم الهمزة، إما للاستفهام نحو: أزيد عندك أم عمرو، أو للتسوية، نحو: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) 1 وقد يجئ شرح همزة التسوية، وهذه الهمزة قد تكون مقدرة قبل (أم) المتصلة في الشعر، قال: 889 - لعمري ما أدري، وإن كنت درايا * بسبع رمين الجمر أم بثمان وقال: 890 - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر 3 وقال:
891 - كذبتك عينك، أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا 4 وليس بكثير، وربما تجئ (هل) قبل المتصلة على الشذوذ، نحو: هل زيد عندك أم عمرو، وإنما لزمت الهمزة في الأغلب، دون (هل)، لأن (أم) المتصلة لازمة لمعنى الاستفهام وضعا، وهي، مع أداة الاستفهام التي قبلها، بمعنى: أي الشيئين، فشاركت همزة الاستفهام
__________
(1) الآية 6 سورة المنافقون، (2) من شعر عمر بن أبي ربيعة، ويروى فوالله ما أدري..وقبله: بدالي منها معصم حين جمرت * وكف خضيب زينت بنان جمرت أي رمت الجمار، في الحج، (3) حيث بالثاء المثلثة في آخره، لا بالباء الموحدة وسهم، ومنقر من أسماء القبائل، والبيت من شعر الأسود ابن يعفر، كما قال سيبويه وقد أورد البيت في ج 1 ص 485 ونسبه المبرد إلى اللعين المنقري، (4) مطلع قصيدة للأخطل التغلبي في هجاء جرير، ورد عليه جرير بمثلها وزنا وقافية (*)،

(4/404)


التي هي أيضا عريقة في باب الاستفهام، وعادلتها حتى كانتا معا بمعنى (أي)، وأما
(هل)، فإنها دخيلة في معنى الاستفهام، لأن أصلها (قد)، نحو قوله تعالى: (هل أثر على الأنسان حين من الدهر) 1،.
لمنقطعة، فقد لا 2 يتقدمها الاستفهام، وقد يتقدمها الاستفهام بالهمزة أو بهل، ولا نفع بعد غيرهما من أسماء الاستفهام، إذا كان الاستفهام بأم عن اسم داخل في عموم اسم الاستفهام المتقدم، وفي الحكم المنسوب إليه، لأن أسماء الاستفهام إذا استفهم بها، عمت في الجميع فتغني عن كل استفهام بعدها، فلا تقول: من عندك أم عندك عمرو، لأن معنى قولك: أم عندك عمرو، مستفاد من قولك: من عندك ؟، وإذا لم يكن داخلا في عموم الاستفهام المتقدم، نحو: من عندك أم عندك حمار، وأين زيد أم عندك عمرو، أو في الحكم المنسوب إليه نحو: من عندك أم ضربت عمرا، ومن تضرب أم من تشتم: جاز وقوعها بعدها، وثانيها 3: أنه يجب أن يستفهم بها عن شيئين أو أشياء، ثابت أحدهما، أو أحدها عند المتكلم، لطلب التعيين، لأنها مع الهمزة بمعنى (أي) ويستفهم بأي، عن التعيين، فيكون المعطوف مع المعطوف عليه بتقدير استفهام واحد، لأن المجموع بمعنى (أي)،
فجوابه بالتعيين، وأما في المنقطعة، فلا يثبت أحد الأمرين عند المتكلم، بل، ما قبل (أم) وما بعدها على كلامين، لأنه اضراب عن الكلام الأول، وشروع في استفهام مستأنف، فهي، إذن، بمعنى (بل) التي تدل على أن الأول وقع غلطا في نحو قولهم: انها لأبل، أم شاء، أو بمعنى (بل) التي تكون للانتقال من كلام إلى كلام آخر، لا لتدارك الغلط، كما
__________
(1) أول سورة الدهر، (2) تكررت الأشارة إلى ضعفه، (3) أي ثاني الأمور التي اختصت بها أم (*)،

(4/405)


في قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) 1، وقوله: (أم اتخذ مما يخلق بنات) 2، وفيها مع معنى (بل) معنى الهمزة الاستفهامية في نحو: انها لأبل، أم شاء، والهمزة الانكارية في نحو: (أم يقولون افتراه)، وقد تجئ بمعنى (بل) وحدها، كقوله تعالى: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) 3، إذ لا معنى للاستفهام ههنا، وكذا إذا جاءت بعدها أداة الاستفهام كقوله تعالى: (أم هل تستوي الظلمات والنور) 4 وقوله تعالى: (أم من هذا الذي هو جند لكم) 5، وقوله:
892 - أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به * رئمان أنف، إذا ما ضن باللبن 6 فهي في مثله بمعنى (بل) وحدها، والمقصود أن الكلام معها على كلامين، دون المتصلة، ولهذا سميت منقطعة، وسميت الأولى متصلة، لكونهما مع الهمزة التي قبلها، كأي،.
وجواب المنقطعة: لا، أو: نعم، لأنه استفهام مستالنف، وثالثها 7: أنه يليها المفرد والجملة، بخلاف المنقطعة، فإنه لا يليها إلا الجملة ظاهرة
__________
(1) الآية 3 سورة السجدة، ويوجد مثلها في مواضع أخرى، (2) الآية 16 سورة الزخرف، (3) الآية 52 سورة الزخرف، (4) الآية 16 سورة الرعد، (5) الآية 20 سورة الملك، (6) هذا آخر تسعة أبيات في المفضليات، من شعر أفنون التغلبي واسمه أبو عمرو، وهو شاعر جاهلي، وقبل هذا البيت: أني جزوا عامرا سوآى بفعلهم * أم كيف يجزونني السوآى من الحسن يقول: أعجب من قومي، كيف يعاملونني بالسوء في مقابلة ما أصنع معهم من الجميل، ثم ضرب لهم مثلا في البيت الشاهد بالناقة العلوق وهي التي ترأم وتعطف بأنفهما من
غير أن تدر اللبن، وفي الخزانة كلام كثير عن معنى البيتين وأوجه الأعراب التي يمكن التخريج عليها، وفيها حكاية عن مناظرة جرت بين الكسائي والأمعي في إعراب قوله رثمان أنف، حيث جوز الكسائي فيه الرفع والنصب والجر، (7) أي الأمور التي اختصت بها أم (*)،

(4/406)


الجزأين، نحو: أزيد عندك أم عندك عمرو، أو مقدرا أحدهما نحو: انها لأبلأم شاء، أي: أم هي شاء، قال جار الله 1: لا يجوز حذف أحد جزأي الجملة بعد المنقطعة في الاستفهام لئلا تلتبس بالمتصلة، ويجوز في الخبر، إذ لا يلتبس، ثم اعلم أنه إذا ولى المتصلة مفرد، فالأولى أن يلي الهمزة قبلها مثل ما وليها، سواء 2، لتكون (أم) مع الهمزة بتأويل (أي)، والمفردان بعدهما بتأويل المضاف إليه (أي)، فنحو: أزيد عندك أم عمرو، بمعنى: أيهما عندك، و: أفي السوق زيد أم في الدار، بمعنى: في أي الموضعين هو ؟ وتجوز المخالفة بين ما ولياهما، نحو: أعندك زيد أم عمرو، و: أزيد عندك أم
في الدار، و: ألقيت زيد أم عمرا، جوازا حسنا كما قال سيبويه 3، لكن المعادلة أحسن، وإن ولي (أم) والهمزة، جملتان مشتركتان في أحد الجزأين، فإن كانتا فعليتين مشتركتين في الفاعل، نحو: أقمت أم قعدت، و: أنام زيد أم انتبه، فهي متصلة، ويجوز مع عدم التناسب بين معنى الفعلين أن تكون منقطعة، نحو: أقام زيد أم تكلم، وإن كانتا فعليتين متساويتي النظم، مشتركتين في الفعل، نحو: أقام زيد أم قام عمرو، أو اسميتين كذلك مشتركتين في جزء، نحو: أزيد قائم أم هو قاعد، و: أزيد أخي أم عمرو هو، فالأولى أن (أم) في الصور الثلاث منقطعة، لأنك كنت قادرا على الاكتفاء بمفرد منها لو قصدت الاتصال، والمفرد أدل على كونها متصلة، وعلى كون ما قبلها وما بعدها في تقدير كلام واحد، فلو أردت الاتصال قلت في الأولى، أزيد قام أم عمرو، وفي الأخيرتين أقائم زيد أم قاعد، و: أزيد أخي أم عمرو، فعدولك إلى الجملتين مع
__________
(1) انظر ابن يعيش ج 8 ص 98، (2) يعني هما سواء،
(3) مباحث أم مع الهمزة، في سيبويه ج 1 ص 482 وما بعدها (*).

(4/407)


القدرة على المفردين، دليل الانفصال، وأما في الفعليتين المشتركتين في الفاعل، فلا تقدر على الاكتفاء بمفردين منهما، لأن كل فعل لا بد له من فاعل، وأما إن جئت بعدهما بجملتين غير مشتركتين في جزء، نحو: أزيد قائم، أم عمرو قاعد، و: أقائم زيد أم قاعد عمرو، و: أقام زيد أم قعد عمرو، وكذا: أضرب زيد عمرا أم قتله خالد، لأن المشترك فيه فضلة لا جزء جملة، فالمتأخرون على أنها منفصلة، لاغير، والمصنف والأندلسي، جوزا الأمرين، فإن كانت متصلة فالمعنى: أي هذين الأمرين كان، وليس ما ذهبا إليه ببعيد، بلى، إن وقع الاختلاف بين الجملتين: إما بكون إحداهما اسمية والأخرى فعلية، نحو: أقام زيد أم عمرو قاعد، أو بتقديم خبر إحدى الاسميتين وتأخير خبر الأخرى نحو: أقائم زيد، أم عمرو قاعد، و: أبكر قائم، أم قائم عمرو،
فالظاهر فيها الانفصال، أما قوله تعالى: (سواء عليكم أدعو تموهم أم أنتم صامتون) 1، فجاز اختلاف الجملتين مع أنها متصلة لأمنهم من الالتباس بالمنقطعة، لأن التسوية لا معنى فيها للمنفصلة، فعلى هذا، إن كان بعد (أم) مفرد لفظا، وتقديرا، فهي متصلة قولا واحدا، وقبلها الهمزة في الأغلب لفظا أو تقديرا، وإن كان بعدها جملة فإن لم يكن قبلها الهمزة لا ظاهرة ولا مقدرة فهي منقطعة قولا واحدا، إلا في الشاذ القليل، نحو: هل زيد قائم أم عمرو، وإن كان قبلها الهمزة ميزت المتصلة عن المنفصلة بما ذكرت لك الآن، وقال سيبويه 2: (أم) في قولك: أزيد عندك أم لا: منقطعة، كان عند السائل أن زيدا عنده فاستفهم ثم أدركه مثل ذلك، الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا، وإنما
__________
(1) الآية 193 سورة الأعراف، (2) سيبويه ج 1 ص 484 (*)،

(4/408)


عدها منقطعة، لأنه لو سكت على قوله: أزيد عندك لعلم المخاطب أنه يريد: أهو عندك أم ليس عندك، فلا بد أن يكون لقوله: أم لا فائدة مجددة، وهي تغير ظن كونه عنده
إلى ظن أنه ليس عنده، وهذا معنى الانقطاع والأضراب، (شرح معنى التسوية) (في الهمزة وأم) وأما همزة التسوية وأم التسوية، فهما اللتان تليان قولهم سواء وقولهم لا أبالي، ومتصرفاته، نحو، قولك: سواء علي أقمت أم قعدت، ولا أبالي أقام زيد أم قعد، فعند النجاة: قولهم أقمت أم قعدت، جملتان في تقدير مفردين معطوف أحدهما على الآخر بواو العطف، أي سواء علي قيامك وقعودك، فقيامك مبتدأ، وقعودك عطف عليه، وسواء خبر مقدم، وقد أجاز أبو علي 1، أيضا، أن يكون (سواء) مبتدأ، و: أقمت أم قعدت خبره، لكونهما في الظاهر فعلين، قال أبو علي: إنما جعل الفعلان مع الحرفين في تأويل اسمين، بينهما واو العطف، لأن ما بعد همزة الاستفهام، وما بعد عديلتها مستويان في علم المستفهم، لأنك إنما تقول: أقمت أم قعدت، إذا استوى عندك قيام المخاطب وقعوده، فتطلب بهذا السؤال: التعيين، فلما كان الكلام استفهاما عن المستويين، أقيمت همزة الاستفهام وعديلتها مع ما بعدهما مقام المستويين، وهما: قيامك وقعودك، وهذا
كما أيم لفظ النداء مقام الاختصاص في: أنا أفعل كذا أيها الرجل، لجامع الاختصاص، فكل منادى مختص، ولا ينعكس، وكل استفهام بأم المتصلة تسوية، ولا ينعكس، والذي يظهر لي أن (سواء) في مثله، خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر ان سواء
__________
(1) أي ا لفارسي وتقدم (*)،

(4/409)


علي، ثم بين الأمرين بقوله: أقمت أم قعدت، وهذا كما في قوله تعالى: (فاصبروا أو لا تصبروا، سواء عليكم) أي: الأمران سواء، وسواء، لا يثني ولا يجمع، وكأنه في الأصل مصدر، وحكى أبو حاتم تثنيته وجمعه، ورده أبو علي، وقولك: أقمت أم قعدت بمعنى: إن قمت وإن قعدت، والجملة الاسمية المتقدمة، أي: الأمران سواء، دالة على جواب الشرط، أي: إن قمت، وإن قعدت فالأمران سواء علي، ولا شك في تضمن الفعل بعد سواء، وما أبالي، معنى الشرط، ولذلك استهجن الأخفش، على ما حكى أبو علي عنه في الحجة 1: أن يقع بعدها الابتدائية، نحو:
سواء علي، أو: ما أبالي: أدرهم مالك أم دينار، ألا ترى إلى إفادة الماضي في مثله معنى المستقبل، وما ذلك إلا لتضمنه معنى الشرط، وأما قوله تعالى: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) 2 فلتقدم الفعلية، وإلا لم يجز، ومن وقوع الاسمية موقع الفعلية قوله تعالى: (هل لكم فيما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء) 3، أي: فلتستووا، لتقدم الاستفهام الدال عليه، ومن ذلك قوله: لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري 4 - 644 وكذلك استقبح الأخفش وقوع المضارع بعدهما، نحو: سواء علي أتقوم أم تقعد، وما أبالي أتقوم أم تقعد، لكون إفادة الماضي معنى الاستقبال أدل على إرادة معنى الشرط فيه،
__________
(1) كتاب لأبي علي الفارسي في توجيه القراءات، وتقدم ذكره، (2) آية الأعراف المتقدمة قبل قليل، (3) الآية 28 سورة الروم، (4) تقدم ذكره ص 55 في هذا الجزء (*)،

(4/410)


قال أبو علي: ومما يدل على ما قال الأخفش: أن ما جاء في التنزيل من هذا النحو، جاء على مثال الماضي، قال الله تعالى: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) 1، و: (سواء عليهم أأنذرهم) 2، و: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم يستغفر لهم) 3، وقال: 893 - سواء عليك اليوم، أنصاعت النوى * بخرقاء، أم أنحى لك السيف ذابح 4 وقال: 894 - ما أبالي أنب بالحزن تيس * أم جفاني بظهر غيب لئيم 5 وأما قوله: فإنك لا تبالي بعد حول أظبي * كان أمك أم حمار 6 - 512 فقد مر في باب كان، أن تقديره: أكان ظبي كان أمك، نحو: (وإن أحد من المشركين استجارك) 7، وإنما أفادت الهمزة فائدة (ان) الشرطية، لأن (إن) تستعمل في الأمر المفروض وقوعه، المجهول في الأغلب، فلا يقال: إن غربت الشمس، وكذا حرف الاستفهام، يستعمل فيما لم يتيقن حصوله، فجاز قيامها مقامها، فجردت عن معنى الاستفهام،
__________
(1) الآية 21 سورة ابراهيم، (2) الآية 2 سورة البقرة، (3) الآية 6 سورة المنافقون، وتقدمت، (4) من قصيدة لذي الرمة، وخرقاء لقب كان يطلقه على مية التي بذكرها في مفتتح قصائدة، ويروى بصيداء وهو اسم امرأة أيضا وانصاع بمعنى رجع مسرعا، وهو في البيت بهمزة استفهام لأجلها همزة الوصل، وقوله: أنحى لك، أي قصدك الذابح واتجه إليك بالسيف، (5) من قصيدة لحسان بن ثابت يفتخر فيها على عبد الله بن الزبعري ومنها قوله: رب حلم أضاعه عدم المال * وجهل غطى عليه النعيم والنبيب مصدر نب التيس أي صوت عند هياجه، والحزن ما غلظ من الأرض، والمعنى: يستوى عند نيب التيس في الأرض الخشنة وهجاء اللثيم لي، (6) تكرر ذكره وانظر فهرس الشواهد، (7) الآية 6 سورة التوبة (*)،

(4/411)


وكذا (أم)، جردت عن معنى الاستفهام وجعلت بمعنى (أو)، لأنها مثلها في إفادة أحد الشيئين أو الأشياء، فمعنى سواء علي أقمت أم قعدت: إن قمت أو قعدت، ويرشدك إلى أن (سواء) ساد مسد جواب الشرط، لاخبر مقدم: أن معنى سواء
أقمت أم قعدت، ولا أبالي أقمت أم قعدت، في الحقيقة، واحد، و: لا أبالي، ليس خبرا لمبتدأ، بل المعنى: إن قمت، أو قعدت فلا أبالي بهما، وقول ابن سينا 1: 895 - سيان عندي إن بروا وإن فجروا * فليس يجري على أمثالهم قلم 2 يقوي ذلك، وإن لم يكن الاستشهاد بمثله مرضيا، وأما مجئ الهمزة وأم، أو الهمزة وأو، بعد باب: دريت وعلمت، نحو: ما أدري أزيد عندك أم عمرو، ولا أعلم أزيد عندك أو عمرو، فليس من هذا الباب، إذ لا معنى للشرط فيه، كما في الذي نحن فيه، وإن قصدت معنى التسوية في الشرط في غير لفظي سواء وما أبالي، فالغالب التصريح بأو في موضع أم، بلا همزة استفهام قبلها، نحو: لأضربنه قام أو قعد، والمعنى ذلك المعنى، والتقدير ذاك التقدير، إذ المقصود: إن قام أو قعد فلأضربنه، أي قيامه وقعوده مستويان عندي، لا يمنعني أحدهما من ضربه، ويجب تكرير الشرط سواء كان مع (أو) أو مع (أم)، لأن المراد: التسوية في الشرط بين شيئين أو أكثر، فلا يجوز: ما أبالي قام، ولا: لأضربنه قام،
__________
(1) و (2) الرئيس ابن سينا: أبو علي: الحسين
بن عبد الله بن سينا أحد حكماء العرب ومن أشهر فلاسفتهم وقد صرح الرضي بأن الاستشهاد بشعره ليس مرضيا، قال البغدادي: كأن الشارح المحقق لم يحضره قول الفرزدق في قصيدته المشهورة التي مدح بها زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، وهو قوله: لا ينقص العسر بطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا ولو استحضره لما عدل عنه إلى هذا البيت، ثم ذكر ابن سينا، وقال شيئا من تاريخه وأورد عددا من أبيات قصيدته التي منها هذا البيت وهي قصيدة يتحدث فيها ابن سينا عن نفسه ويذكر عدم إنصاف الزمان له، ومساواته بمن لا يصل إلى درجته، وفيها مبالغة في الافتخار بنفسه وعلمه وفضله، رحمه الله (*)،

(4/412)


وإنما غلب في سواء وما أبالي: الهمزة وأم المتصلة، مع أنه لا معنى للاستفهام ههنا، بل المراد الشرط، لأن بين لفظي: سواء، ولا أبالي، وبين معنى الهمزة وأم المتصلة جامعا ومناسبة، وهو التسوية، فهي التي جوزت الأتيان بهما بعد اللفظين، بتجريد الهمزة وأم عن معنى الاستفهام وجعلهما بمعنى: إن، وأو، كما تقدم، ويجوز، مع هذا، بعد سواء، ولا أبالي: أن تأتي بأو، مجردا عن الهمزة نحو: سواء
علي قمت أو قعدت، ولا أبالي قمت أو قعدت، بتقدير حرف الشرط، قال: 896 - ولست أبالي بعد آل مطرف * حتوف المنايا أكثرت أو أقلت 1 وقال أبو علي: لا يجوز (أو) بعد سواء، فلا تقول: سواء علي قمت أو قعدت قال: لأنه يكون المعنى: سواء علي أحدهما، ويرد عليه أن معنى (أم)، أيضا، أحد الشيئين أو الأشياء، فيكون معنى سواء علي أقمت أم قعدت: سواء علي أيهما فعلت، أي الذي فعلت من الأمرين، لتجرد (أي) عن معنى الاستفهام وهذا أيضا ظاهر الفساد، وإنما لزمه ذلك في أو، في أم، لأنه جعل (سواء) خبرا مقدما، ما بعده مبتدأ، والوجه كما ذكرنا أن يكون (سواء) خبر مبتدأ محذوف ساد مسد جواب الشرط، وجوز الخليل 2 في غير سواء، ولا أبالي: أن يجري مجراهما فيذكر بعده (أم) والهمزة، نحو: لأضربنه: أقام أم قعد، مستدلا بصحة قولك: لأضربنه: أي ذلك كان، وهو بمعنى أقام أم قعد، وليس ما قال ببعيد، لأن معنى التسوية مع غيرها، أيضا ظاهر، أي قيامه وقعوده مستويان عندي، لا يمنعني أحدهما من ضربه، كما تقدم
ذكره، قال:
__________
(1) قال البغدادي بعد أن شرحه، انه من شواهد سيبويه التي لم يعرف لها قائل، والبيت في سيبويه ج 1 ص 490 من غير نسبة، وكذلك في شرح الشواهد للأعلم، (2) نقله عنه سيبويه في ج 1 ص 490 (*)،

(4/413)


897 - إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده * أطال فأملى أم تناهى فأقصرا 1 روي: أو تناهى، فالهمزة في (أطال) ليست استفهامية، بل: أطال، ماض من الأطالة، وروي: أم تناهى، فالهمزة استفهامية، وطال: ماض من الطول، ولا تجئ بالهمزة قبل (أو)، فلا تقل: لا أبالي أقمت أو قعدت، ولا: لأضربنه أقام أو قعد، لأنك إنما جئت بالهمزة مع أم) وإن لم يكن فيها معني، الاستفهام، لما فيها من معنى التسوية ههنا، وليس في الهمزة مع (أو) معنى التسوية، وقولك: لأقتلنه كائنا من كان، ولأفعلنه كائنا ما كان، (كائنا) فيهما، حال من المفعول، و (من) و (ما) في محل النصب على أنهما خبران لكائنا، وهما موصوفان، والضمير الراجع إليهما من الصفة محذوف أي: كانه، وفي (كائنا) و (كان) ضمير راجع إلى ذي الحال، أي: كائنا أي شئ كانه،
قال المصنف: كل موضع قدرت فيه الجملتان، أي المعطوفة إحداهما على الأخرى: بالحال، فأو، نحو: لأضربنه قام أو قعد، إذ المعنى: قائما كان أو قاعدا، وإن قدر الكلام بالتسوية من غير استفهام، فأم، نحو: ما أبالي أقمت أم قعدت، هذا كلامه، ولقائل أن يطالبه باختصاص معنى الحالية بأو، وقد ذكرنا أن كل موضع يجوز فيه (أو) يجوز فيه (أم) وبالعكس، واعلم أن الفرق بين (أو) و (أم) المتصلة، في الاستفهام: أن معني قولك: أزيدا رأيت أو عمرا: أأحدهما رأيت، وجوابه: لا، أو نعم، ومعنى قولك: أزيدا رأيت أم عمرا: أيهما رأيت، وجوابه بالتعيين، كأن تقول: زيدا، أو تقول: عمرا، فالسؤال
__________
(1) أحد أبيات أربعة لزياد بن زيد العذري، شاعر إسلامي، قتله هدبة بن الخشرم وقتل به، بسبب مهاجاة جرت بينهما، ومن أبيات زياد هذه قوله: ويخبرني عن غائب المرء هدبه * كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا والهدى: السيرة، وقد بين الرضي معنى البيت المستشهد به (*)،

(4/414)


بأو، لا يمكن أن يكون بعد السؤال بأم، لأنك في (أم) عالم بوجود أحدهما عنده، فكيف
تسأل عما تعلم، وتقول: أزيد أفضل أم عمرو، أي: أيهما أفضل من الآخر، ففيه ذكر المفصول معنى، ولو قلت: أزيد أفضل أو عمرو، لم يجز، الا إذا كان المفضول معلوما للمخاطب، إذ المعنى: أأحدهما أفضل، وذلك إنما يكون إذا قال لك، مثلا، شخص: عندي رجل أفضل من بكر، ثم حضر زيد وعمرو، فتقول: أزيد، أو عمرو أفضل، أي: أأحدهما أفضل من بكر، وحيث أشكل عليك الأمر في (أو) و (أم) المتصلة، فقدر (أو)، ب (أحدهما) و (أم) ب (أيهما)، تقول: الحسن أو الحسين أفضل، أم بن الحنفية 1، والمراد: أأحدهما أفضل من ابن الحنفية أم ابن الحنفية أفضل من أحدهما، والمعنى: أيهما أفضل من أحدهما وابن الحنفية، والجواب: أحدهما، قوله: (ومن ثم لم يجز: أرأيت زيدا أم عمرا)، أي لأنه لم يلهما المستويان إذ أحدهما فعل والآخر اسم، وقد تقدم أن سيبويه قال: إن مثل هذا جائز حسن إلا أن نحو: أزيدا رأيت أم عمرا، أحسن وأولى، قوله: (ومن ثم كان جوابها: التعيين)، أي لكونها لطلب التعيين،
__________
(1) هو أخو الحسن والحسين، وأمه من بني حنيفة، تزوجها سيدنا علي رضي الله عنه بعد موت السيدة فاطمة الزهراء، رضي الله عنهم جميعا (*)،

(4/415)


(معنى: لاوبل ولكن) (وشرط العطف بها) (قال ابن الحاجب:) (ولا، وبل، ولكن، لأحدهما معينا، ولكن لازمة للنفي)، (قال الرضي:) اعلم أن (لا) لنفي الحكم عن مفرد، بعد إيجابه للمتبوع، فلا تجئ إلا بعد خبر موجب، أو أمر، ولا تجئ بعد الاستفهام والتمني والعرض والتحضيض ونحو ذلك، ولا بعد النهي، تقول: ضربت زيدا لا عمرا، واضرب زيدا لا عمرا، ولا تعطف بها الاسمية، ولا الماضي على الماضي فلا يقال: قام زيد لا قعد، لأنه جملة، ولفظة (لا) موضوعة لعطف المفردات، وقد تعطف مضارعا على مضارع، وهو قليل، نحو: أقوم، لا أقعد، والمجوز: مضارعته للاسم، فكأنك قلت: أنا قائم لا قاعد، ولا يجوز تكريرها، كسائر حروف العطف، لا تقول: قام زيد لا عمرو، لا بكر، كما تقول: قام زيد وعمرو وبكر، ولو قصدت ذلك: أدخلت الواو في
المكرر، فقلت: ولا بكر ولا خالد، فتخرج (لا) عن العطف، وتتمحض لتأكيد النفي، لدخول العاطف عليها، وهذه الزائدة لا تدخلعلى العلم، تقول أنت غير قائم ولا قاعد، وغير القائم ولا القاعد، ولا تقول: أنت غير زيد ولا عمرو، بل تقول: غير زيد وعمرو، وقد مر هذا في قسم الأسماء 1، ومنع الزجاج من مجئ (لا) العاطفة بعد الفعل الماضي، ورد عليه بقول امرئ القيس:
__________
(1) عند الكلام على (غير) في باب الاستثناء، في الجزء الثاني (*)،

(4/416)


898 - كأن دثارا حلقت بلبونه * عقاب تنوفى، لا عقاب القواعل 1 تنوفى، ثنية، والقواعل: صغار الجبال، وقال بعضهم (ليس) أيضا تكون عاطفة، كلا، قال: وإذا أقرضت قرضا فاجزه * إنما يجزي الفتى ليس الجمل 2 - 727 والظاهر: أنها على أصلها، والخبر محذوف، أي: ليس الجمل جازيا، وأما (بل)، فإما أن يليها مفرد، أو جملة، وفي الأول هي لتدارك الغلط، ولا يخلو أن تكون بعد نفي أو نهي، أو بعد إيجاب أو أمر، فإن جاءت بعد إيجاب أو أمر، نحو: قام زيد، بل عمرو، فهي لجعل
المتبوع في حكم المسكوت عنه، منسوبا حكه إلى التابع، فيكون الأخبار عن قيام زيد، غلطا، يجوز أن يكون قد قام وأن لم يقم، أفدت ببل أن تلفظك بالاسم المعطوف عليه، كان غلطا، عن عمد، أو عن سبق لسان، ونقل صاحب المغني 3 عن الكوفيين: أنهم لا يجوزون العطف ببل، بعد الأيجاب، والظاهر أنه وهم من الناقل، فإنهم يجوزون عطف المفرد بلكن بعد الموجب حملا على (بل)، كما نقل عنهم ابن الأنباري والأندلسي 4، فكيف يمنعون هذا، وإذا عطفت ببل مفردا بعد النفي أو النهي، فالظاهر أنها للأضراب أيضا، ومعنى الأضراب: جعل الحكم الأول، موجبا كان أو غير موجب: كالمسكوت عنه بالنسبة
__________
(1) من قصيدة لامرئ القيس، ودثار: راع للأبل، يقول كأن هذا الراعي الذي سلبت منه ابله، كأن أبله حلقت بها العقاب التي تأوي إلى أعالي الجبال، مثل تنوفي ولم تأخذها العقاب التي تأوي إلى القواعل وهي الجبال المنخفضة، التي يمكن الوصول إليها، (2) تقدم في باب الأفعال الناقصة، ص 209 في هذا الجزء، وهو من شعر لبيد بن ربيعة، (3) منصور بن فلاح اليمني صاحب كتاب المغني في النحو، وهو من
معاصري الرضي، وتكرر ذكره، (4) تقدم ذكر ابن الأنباري، والأندلسي (*)،

(4/417)


إلى المعطوف عليه، ففي قولك: ما جاءني زيد، بل عمرو، أفادت (بل) أن الحكم على زيد بعدم المجئ كالمسكوت عنه، يحتمل أن يصح هذا الحكم فيكون زيد غير جاء، ويحتمل ألا يصح فيكون قد جاءك، كما كان الحكم على زيد بالمجئ في: جاءني زيد بل عمرو، احتمل أن يكون صحيحا وألا يكون، وهذا الذي ذكرنا: ظاهر كلام الأندلسي، وقال ابن مالك: بل، بعد النفي والنهي، كلكن، بعدهما، وهذا الأطلاق منه يعطي أن عدم مجئ زيد في قولك: ما جاءني زيد بل عمرو، متحقق بعد مجئ (بل)، أيضا، كما كان كذلك في: ما جاءني زيد لكن عمرو، بالاتفاق، وبه قال المصنف، لأنه قال في: ما جاءني زيد بل عمرو، يحتمل إثبات المجئ لعمرو، مع تحقق نفيه عن زيد، والظاهر ما ذكرناه أولا، وهذا كله حكم (بل) بالنظر إلى ما قبلها، وأما حكم ما بعد (بل)، الآتية بعد النفي أو النهي، فعند الجمهور أنه مثبت، فعمرو، جاءك في قولك: ما
جاءني زيد بل عمرو، فكأنك قلت: بل جاءني عمرو، ف (بل)، أبطلت النفي والاسم المنسوب إليه المجئ، قالوا: والدليل على أن الثاني مثبت، حكمهم بامتناع النصب في: ما زيد قائما بل قاعد، ووجوب الرفع كما مر في بابه، وعند المبرد: أن الغلط في الاسم المعطوف عليه فقط، فيبقى الفعل المنفي مسندا إلى الثاني، فكأنك قلت: بل ما جاءني عمرو، كما كان في الأثبات: الفعل الموجب مسندا إلى الثاني، وإذا ضممت (لا) إلى (بل) بعد الأيجاب أو الأمر، نحو: قام زيد، لابل عمرو، و: اضرب زيدا، لابل عمرا، فمعنى (لا) يرجع إلى ذلك الأيجاب أو الأمر المتقدم، لا إلى ما بعد (بل)، ففي قولك: لا بل عمر، نفيت بلا: القيام عن زيد، وأثبته لعمرو ببل، ولو لم تجئ بلا، لكان قيام زيد كما ذكرنا، في حكم المسكوت عنه، يحتمل أن يثبت وألا يثبت، وكذا في الأمر، نحو: اضرب زيدا، لابل عمرا، أي: لا تضرب زيدا، بل اضرب عمرا، ولو لا (لا) المذكورة، لاحتمل أن يكون أمرا بضرب زيد،
وألا يكون مع الأمر بضرب عمرو، وكذا (لا) الداخلة على (بل) بعد النهي والنفي:

(4/418)


راجعة إلى معنى ذلك النفي أو النهي، مؤكدة لمعناهما، وما بعد (بل) باق على الخلاف المذكور، بين المبرد والجمهور، ولا تجئ (بل) المفردة 1، العاطفة للمفرد، بعد الاستفهام، لأنها لتدارك الغلط الحاصل من الجزم بحصول مضمون الكلام أو طلب تحصيله ولا جزم في الاستفهام، لا بحصول شئ، ولا بتحصيله، حتى يقع الغلط فيتدارك، وكذا قيل: إنها لا تجئ بعد التحضيض والتمني والترجي والعرض، والأولى أنه يجوز استعمالها بعد ما يستفاد منه معنى الأمر والنهي، كالتحضيض والعرض، وأما (بل) التي تليها الجمل، ففائدتها الانتقال من جملة إلى أخرى، أهم من الأولى، وقد تجئ للغلط 2، والأولى تجئ بعد الاستفهام أيضا كقوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين) 3، إلى قوله: (بل أنتم قوم عادون) والتي لتدارك الغلط نحو: ضربت زيدا، بل أكرمته، وخرج زيد، بل دخل خالد، وقد تشترك الجملتان في جزء، وقد لا 4 تشتركان،
وأما لكن فشرطها مغايرة ما قبلها لما بعدها، نفيا وإثباتا، من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ، كما مر في المثقلة، فإذا عطفت بها المفرد، ولا يكون في ذلك المفرد معنى النفي، لأن حروف النفي إنما تدخل الجمل، وجب أن يكون (لكن) بعد النفي، لتغاير ما بعدها لما قبلها، نحو: ما جاءني زيد لكن عمرو، وقد مر معنى الاستدراك في المشددة، فعدم مجئ زيد، باق على حاله، لم يكن الحكم به منك غلطا، وإنما جئت بلكن، دفعا لتوهم المخاطب أن عمرا، أيضا، لم يجئ كزيد، فهي في عطف المفرد نقيضة (لا) لأنها للأثبات للثاني بعد النفي عن الأول، و (لا) للنفي عن الثاني بعد الاثبات للأول،
__________
(1) أي التي ليس معها (لا)، (2) أي تتدارك الغلط في الكلام الذي قبلها، (3) الآيتان 165، 166 سورة الشعراء، (4) الفصل بين قد والفعل بلا، أسلوب لا تقره القواعد (*)،

(4/419)


وأجاز الكوفيون مجئ (لكن) العاطفة للمفرد بعد الموجب أيضا، نحو: جاءني زيد لكن عمرو، حملا على (بل)، وليس لهم به شاهد، وكون وضع
(لكن) لمغايرة ما بعدها لما قبلها يدفع ذلك، إلا أن: لا يسلموا هذا الوضع، وإذا وليها جملة، وجب، أيضا: المغايرة المذكورة، كما ذكرنا في المشددة، وتقع بعد جميع أنواع الكلام، إلا بعد الاستفهام والترجي والتمني والعرض والتحضيض، على ما قيل، وذهب يونس إلى أنها في جميع مواقعها مخففة من الثقيلة وليست بحرف عطف، وليها مفرد أو جملة، وذلك لجواز دخول الواو عليها، ففي المفرد يقدر العامل بعدها، ويشكل ذلك عليه، إذا وليها مجرور بلا جار، نحو: ما مررت بزيد لكن عمرو، فالأولى، كما قال الجزولي، إنها في المفرد عاطفة إن تجردت عن الواو، وأما مع الواو فالعاطفة هي الواو، و (لكن) لمجرد الاستدراك، واختار فيما بعدها الجمل أن تكون مخففة لا عاطفة، صحبتها الواو أو، لا، لموافقتها الثقيلة في مجئ الجملة بعدها، وهي مع الواو ليست عاطفة اتفاقا، وأما المجردة عنها فإن وليها المفرد فعاطفة، خلافا ليونس، وإن وليها جملة فقيل عاطفة، وهو ظاهر مذهب الزمخشري 1، فلا
يحسن الوقف على ما قبلها، وقيل مخففة، كما هو مذهب الجزولي، فيحسن الوقف على ما قبلها، لكونها حرف ابتداء،
__________
(1) انظر عبارته في المفصل وشرح ابن يعيش عليه، ج 8 ص 104 (*)،

(4/420)


(حروف التنبيه) (ألا - أما - ها) (قال ابن الحاجب:) (حروفا لتنبيه: ألا وأما، وها)، (قال الرضي:) اعلم أن (ألا) و (أما)، حرفا استفتاح يبتدأ بهما الكلام، وفائدتهما المعنوية: توكيد مضمون الجملة، وكأنهما مركبتان من همزة الأنكار وحرف النفي، والأنكار نفي، ونفي النفي إثبات، ركب الحرفان لأفادة الأثبات والتحقيق، فصارا بمعنى (إن)، الا أنهما غير عاملين، يدخلان على الجملة، خبرية كانت أو طلبية، سواء كانت الطلبية أمرا أو نهيا، أو استفهاما، أو تمنيا، أو غير ذلك، وتختصان بالجملة بخلاف (ها)، وفائدتهما اللفظية كون الكلام
بعدهما مبتدأ به، وقد نسب التنبيه إليهما، كما هو مذهب المصنف في هذا الكتاب، وتدخل (ألا) كثيرا على النداء، و (أما) كثيرا على القسم، وقد تبدل همزة (أما) هاء، وعينا، نحو: هما، وعما، وقد تحذف ألفها في الأحوال الثلاث، نحو: أم، وهم، وعم، وقد تجئ (ألا) عند الخليل حرف تحضيض 1، أيضا كما ذكرنا عنه في قوله: ألا رجلا جزاه الله خيرا 2...- 158
__________
(1) في سيبويه ج 1 ص 359، أنها بمنزلة هلا، وليس على التمني، الخ وفيها الشاهد الآتي، (2) تقدم الاستشهاد به أكثر من مرة، وانظر فهرس الشواهد في آخر الكتاب (*)،

(4/421)


وقد جاءت (أما) بمعنى (حقا) فتفتح (أن) بعدها كما مر في باب (ان)، وأما (أما) و (ألا) للعرض، فهما حرفان يختصان بالفعل ولا شك في كونهما، إذن، مركبين من همزة الأنكار وحرف النفي، وليستا كحرفي الاستفتاح، لأنهما بعد التركيب تدخلان على الجملتين: الاسمية والفعلية بلا خلاف، واللتان للعرض تختصان
بالفعلية على الصحيح، كما قال الأندلسي، وأجاز المصنف دخولهما على الاسمية أيضا، كما مر في باب (لا) التبرئة، وأما (ها) فتدخل، من جميع المفردات، على أسماء الأشارة كثيرا، لما ذكرنا في بابها، ويفصل كثيرا، بين أسماء الأشارة وبينها، إما بالقسم نحو: ها الله ذا، وقوله: تعلمن، ها، لعمر الله، ذا قسما * فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك 1 - 400 وإما بالضمير المرفوع المنفصل، نحو: (ها أنتم أولاء) 2 وبغيرهما قليلا، نحو قوله: ها إن تا عذرة إن لم تكن نفعت * فإن صاحبها قد تاه في البلد 3 - 401 وقوله: ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا * فقلت لهم هذا لها، ها وذاليا 4 - 402 أي: وهذا ليا، ومذهب الخليل 5 أن (ها) المقدمة في جميع ذلك، كانت متصلة باسم الأشارة، أي كان القياس: الله هذا، ولعمرك هذا قسما، وانتم هؤلاء، وإن هاتا عذرة، والدليل على أنه فصل حرف التنبية عن اسم الأشارة ما حكى أبو الخطاب 6 عمن يوثق به: هذا
__________
(1) تقدم ذكره في باب اسم الأشارة آخر الجزء الثاني،
(2) الآية 119 سورة آل عمران، (3) تقدم ذكره في الموضع المذكور قبله، (4) وهذا أيضا، والأبيات الثلاثة متوالية هناك كما هي هنا، (5) انظر سيبويه: ج 1 ص 379، (6) الأخفش الأكبر، شيخ سيبويه، وتقدم له ذكر (*)،

(4/422)


أنا أفعل، وأنا هذا أفعل، في موضع: ها أناذا أفعل، وحدث يونس 1: هذا أنت تقول كذا، واعلم أنه ليس المراد بقولك: ها أنذا أفعل: أن تعرف المخاطب نفسك وأن تعلمه أنك لست غيرك، لأن هذا محال، بل المعنى فيه وفي: ها أنت ذا تقول وها هوذا يفعل: استغراب وقوع مضمون الفعل المذكور بعد اسم الأشارة من المتكلم أو المخاطب أو الغائب، كأن معنى: ها أنت ذا تقول، وها أنت ذا يضربك زيد: أنت هذا الذي أري لا من كنا نتوقع منه ألا يقع منه أو عليه مثل هذا الغريب، ثم بينت بقولك: تقول، وقولك: يضربك زيد: الذي استغربته ولم تتوقعه، قال الله تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم) 2: فالجملة بعد اسم الأشارة لازمة، لبيان الحالة المستغربة، ولا محل لها، إذ هي مستأنفة،
وقال البصريون هي في محل النصب على الحال، أي: ها أنت ذا قائلا، قالوا: والحال ههنا لازمة، لأن الفائدة معقودة بها، والعامل فيها حرف التنبيه، أو اسم الأشارة، ولا أري للحال فيه معنى، إذ ليس المراد: أنت المشار إليه في حال قولك، وجوز بعضهم أن تكون (ها) المقدمة في نحو: ها أنت ذا تفعل: غير منوي دخولها على (ذا)، استدلالا بقوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء...) 3 ولو كانت هي التي كانت مع اسم الأشارة، لم تعد بعد (أنتم)، ويجوز أن يعتذر للخليل بأن تلك الأعادة للبعد بينهما، كما أعيد: (فلا تحسبنهم) لبعد قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون) 4، وأيضا قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء)، دليل على أن المقصود في (ها أنتم أولاء) هو الذي كان مع اسم الأشارة، ولو كان في
__________
(1) نقله عنه سيبويه في الموضع السابق، ج 1 ص 379، (2) الآية المتقدمة من سورة آل عمران، (3) الآية 66 سورة آل عمران، ومثلها الآية 109 في سورة النساء، (4) الآية 188 من سورة آل عمران (*)،

(4/423)


صدر الجملة من الأصل، لجاز من غير اسم الأشارة نحو: ها أنت زيد، وما حكى الزمخشري من قولهم: ها إن زيدا منطلق، وها، افعل كذا 1، مما لم أعثر له على شاهد، فالأولى أن نقول: ان هاء التنبيه مختص باسم الأشارة، وقد يفصل عنه كما مر، ولم يثب دخولها في غيره، من الجمل والمفردات، وقد عد ابن مالك (يا) من حروف التنبيه، قال 2: وأكثر ما يليها، منادى أو أمر، نحو: ألا يا اسجدوا) 3 أو تمن نحو: (يا ليتني كنت معهم) 4 أو تقليل نحو: ما وي يا ربتما غارة 5...744 وقد يليها فعل المدح والذم والتعجب، ومن جعلها حرف نداء فقط، قدر في جميع هذه المواضع منادى، بخلاف من جعلها حرف تنبيه، ولجميع حروف التنبيه صدر الكلام، كما للاستفهام، كما تقدم، إلا (ها) الداخلة على اسم الأشارة غير مفصولة، فإنها تكون، إما في الأول، أو الوسط، بحسب ما يقع اسم الأشارة،
__________
(1) انظر عبارته في شرح ابن يعيش ج 8 ص 113.
(2) قاله ابن مالك في التسهيل، حروف النداء، (3) الآية 25 سورة النمل، (4) الآية 73 سورة النساء، (5) تقدم في هذا الجزء ص 241 (*)،

(4/424)


(حروف النداء) (قال ابن الحاجب:) (حروف النداء، يا: أعمها، وأيا، وهيا، للبعيد، وأي) (والهمزة للقريب)، (قال الرضي:) وقد تنوب (وا) مناب (يا) في النداء، والمشهور استعمالها في الندبة، وقد جاء (آ) بهمزة بعدها ألف، و: (آي) بهمزة بعدها ألف، بعدها ياء ساكنة، فيا: أعمها، أي ينادى بها القريب والبعيد، وقال الزمخشري 1: هي للبعيد، قال: وأما يا ألله، ويا رب، مع كونه تعالى أقرب إلى كل شخص من حبل وريده، فلاستصغار الداعي لنفسه واستبعاده لها عن مرتبة المدعو تعالى، وما ذكره المصنف: أولى، لاستعمالها في القريب والبعيد على السواء، ودعوى المجاز في أحدهما، أو التأويل خلاف الأصل، وأيا، وهيا وآ، وآي، ووا، في البعيد، وأي، والهمزة، في القريب،
__________
(1) شرح ابن يعيش على المفصل: ج 8 ص 118 (*)،

(4/425)


(حروف الأيجاب) (ألفاظها، الفرق بينها في) (الاستعمال) (قال ابن الحاجب:) (حروف الأيجاب: نعم، وبلى، وإي، وأجل، وجير) (وإن، فنعم مقررة لما سبقها، وبلى، مختصة بإيجاب) (النفي، وإي، إثبات بعد الاستفهام، ويلزمها القسم وأجل،) (وجير، وإن، تصديق للخبر)، (قال الرضي:) قوله: (مقررة لما سبقها)، أي مثبتة لما سبقها من كلام خبري سواء كان موجبا نحو: نعم في جواب من قال قام زيد، أي: نعم قام، أو منفيا، نحو نعم، في جواب من قال: ما قام زيد، أي: نعم ما قام، وكذا تقرر ما بعد حرف الاستفهام مثبتا كأن، نحو نعم في جواب من قال أقام زيد، أي نعم قام، أو منفيا نحو نعم في جواب من قال ألم يقم زيد، أي: نعم، لم يقم، فنعم، بعد الاستفهام ليست للتصديق، لأن التصديق إنما يكون للخبر، فالأولى
أن يقال: هي بعد الاستفهام، لأثبات ما بعد أداة الاستفهام نفيا كان أو إثباتا، ومن ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو قالوا في جواب: (ألست بربكم) 1: نعم، لكان كفرا، فيصح بهذا الاعتبار، أن يقال لها حرف إيجاب، أي إثبات ما بعد حرف الاستفهام لكن الأظهر في الاستعمال أن يقال: الأيجاب في الكلام المثبت، لا المنفي، والمستفهم عنه،
__________
(1) الآية 172 سورة الأعراف (*)،

(4/426)


وجوز بعضهم إيقاع نعم موقع بلى، إذا جاءت بعد همزة داخلة على نفي لفائدة التقرير، أي الحمل على الأقرار والطلب له، فيجوز أن يقال في جواب: (ألست بربكم) 1 و: (ألم نشرح لك صدرك) 2: نعم، 3 لأن الهمزة للأنكار دخلت على النفي فأفادت الأيجاب، ولهذا عطف على: ألم نشرح قوله: (ووضعنا عنك وزرك) 4، فكأنه قال: شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، فتكون (نعم) في الحقيقة، تصديقا للخبر المثبت المؤول به الاستفهام مع النفي، لا تقريرا لما بعد همزة الاستفهام، فلا يكون جوابا للاستفهام لأن
جواب الاستفهام يكون بما بعد أداته، بل هو كما لو قيل قام زيد بالأخبار، فتقول: نعم، مصدقا للخبر المثبت، فالذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما، مبني على كون (نعم) تقريرا لما بعد الهمزة، والذي جوزه هذا القائل، مبني على كونه تقريرا لمدلول الهمزة مع حرف النفي، فلا يتناقض القولان، والدليل على جواز استعمال ما قال هذا القائل، قول الشاعر: 899 - أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك لنا تداني 5 نعم، وأرى الهلال كما تراه * ويعلوها النهار كما علاني أي: أن الليل يجمع أم عمرو وإيانا، نعم 6، وقد اشتهر في العرف ما قال هذا لقائل، فلو قيل لك: أليس لي عليك دينار، فقلت: نعم، لزمت بالدينار بناء على العرف الطارئ على الوضع،
__________
(1) الآية السابقة ألست بربكم، (2) أول سورة الشرح، (3) مرتبط بقوله: فيجوز أن يقال...فلفظ نعم نائب فاعل، (4) الآية الثانية من سورة الشرح، (5) من قصيدة لجحدد بن مالك الحنفي، قالها وهو في سجن الحجاج الثقفي، وبعد البيتين المستشهد بهما: فما بين التفرق غير سبع * بقين من المحرم أو ثمان
ومنها قوله: فان أهلك فرب فتى سيبكي * علي مهذب رخص البنان (6) ذكر كلمة نعم بعد شرحه لمعنى البيتين: فائدته التوكيد (*)،

(4/427)


وفي (نعم) أربع لغات: المشهورة، فتح النون والعين، والثانية: كسر العين، وهي كنانية، والثالثة كسر النون والعين، والرابعة: نحم، بفتح النون وقلب العين المفتوحة حاء، كما قلبت الحاء عينا في (حتى)، وتقع (نعم) في جواب الأمر، نحو: نعم لمن قال: زرني، أي: أزورك، وتقول نعم لمن قال: لا تضربني، أي: لا أضربك، ولو قلت نعم، في جواب التحضيض نحو: هلا تزورني، كان المعنى: الأيجاب، أي نعم، أزورك، وكذا في جواب العرض نحو: ألا تزورنا، قوله: (وبلى مختصة بإيجاب النفي)، يعني أن (بلى) تنقض النفي المتقدم، سواء كان ذلك النفي مجردا، نحو: بلى في جواب من قال: ما قام زيد، أي: بلى، قد قام، أو كان مقرونا باستفهام، فهي إذن، لنقض النفي الذي بعد ذلك الاستفهام كقوله تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى) 1 أي بلى أنت ربنا، وزعم بعضهم أن (بلى) تستعمل بعد الأيجاب مستدلا بقوله:
900 - وقد بعدت بالوصل بيني وبينها * بلى، إن من زار القبور ليبعدا 2 أي: ليبعدن، بالنون الخفيفة، واستعمال (بلى) في البيبت لتصديق الأيجاب: شاذ، وزعم الفراء أن أصلها (بل) زيدت عليها الألف للوقف، فلذا كانت للرجوع عن النفي، كما كانت (بل) للرجوع عن الجحد في: ما قام زيد، بل عمرو، والأولى كونها حرفا برأسها،
__________
(1) آية الأعراف المتقدمة، (2) قوله: ليبعدا بلام التأكيد، وآخره نون خفيفة مبدلة ألفا، قال البغدادي انه لم ير هذا البيت (يعني بصورته هذه) إلا في شرح الرضي، هذا ثم قال: وجاء عجزه في شعر الطهوي وهو: فلا تبعدن يا خير عمرو بن جندب * بلى، إن من زار القبور ليبعدا ولم يذكر من المراد بالطهوي (*)،

(4/428)


ولا يجاب بنعم وبلى، ولا بغيرهما من حروف الأيجاب: استفهام ألا إذا كان بالحرف، وهو الهمزة وهل، وأما الأسماء الاستفهامية، فان جواب (من): ما هو الخص منه، فلو قلت في جواب، من جاءك: شخص أو إنسان، لم يجز، لأن الأول أعم، والثاني مساو، فلم تعرف السائل ما لم يعرفه، بل تقول إما: رجل، أو: زيد،
وكذا (من) الداخلة على الاسم، كما يقال: من الرجل، فتقول: زيد، أو: واحد من بني تميم، وأما جواب (ما)، فإن كان سؤالا عن الماهية، فنحو: إنسان، أو فرس، أو بقر، أو غير ذلك من الأنواع، وإن كان سؤالا عن صفة الماهية، نحو: ما زيد، فنحو: عالم، أو ظريف، أو فارس، كما تقدم في الموصولات 1، وجواب (أي) المضاف إلى المعارف: معرفة نحو: زيد أو عمرو، أو: أنا، أو: ذاك، في جواب من قال: أي الرجال فعل ذلك، أو نكرة مختصة بالوصف، نحو: رجل رأيته في موضع كذا، وجواب (أي) المضاف إلى النكرة: ما يصلح وصفا لتلك النكرة نحو: عالم، أو كتاب، في جواب: أي رجل، أو نكرة مخصصة بالنعت، وجواب (كيف)، لا يكون إلا نكرة، وجواب (كم) تعيين العدد، معرفة كان أو نكرة، ومنع ابن السراج كونه معرفة، وجواب (متى) و (أيان): تعيين الزمان دون المبهم منه، وجواب (أين) و (أتى): المكان الخاص، وجواب الهمزة مع (أم) الاسم وجواب الهمزة وحدها، أو مع (أو)
وجواب (هل): نعم أو: بلى أو: لا، قوله: (وإي، إثبات بعد الاستفهام ويلزمها القسم)،
__________
(1) في أول الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

(4/429)


لاشك في غلبة استعمالها مسبوقة بالاستفهام، وذكر بعضهم أنها تجئ لتصديق الخبر، أيضا، وذكر ابن مالك 1 أن (إي) بمعنى (نعم) فإن أراد أنه يقع مواقع نعم، فينبغي أن يقع بعد الخبر، موجبا كان أو منفيا فيكون لتقرير الكلام السابق كنعم، سواء 2، يقال: لا تضربني فتقول: إي والله لا أضربك، وكذا يقال: ما ضرب زيد فتقول: إي والله ما ضرب، وهذا مخالف للشرطين اللذين ذكرهما المصنف، أعني لزوم سبق الاستفهام وكونها للأثبات، وإن أراد أنه للتصديق مثل (نعم)، وإن لم يقع مواقعها، فكذا جميع حروف التصديق ولا يستعمل بعد (إي)، ولعمري، تقول: إي والله، وإي الله بحذف حرف القسم ونصب (الله) وإي ها الله ذا، وإي وأي لعمري، وإذا جاء بعدها لفظة (الله)، فإن كان مع (ها) نحو: إي، ها الله ذا، فقد مرت الوجوه الجائزة فيه في باب القسم 3، ويجب جر (الله) إذن،
لنيابة حرف التنبية عن الجار، وإن تجردت عن (ها)، فالله، منصوب بفعل القسم المقدر، وفي ياء (إي) ثلاثة أوجه، حذفها للساكنين، وفتحها، تبيينا لحرف الأيجاب، وإبقاؤها ساكنة، والجمع بين ساكنين مبالغة في المحافظة على حرف الأيجاب بصون آخره عن التحريك والحذف وإن كان يلزم ساكنان على غير حده، لأنهما في كلمتين، إجراء لهما مجرى كلمة واحدة، كالضالين، وتمود الثوب، كما في: ها الله، وهذا، أيضا من خصائص لفظ (الله)،
__________
(1) في هذا المكان جاءت بالهامش إلى أن في بعض النسخ: وذكر المالكي، بدلا من ابن مالك، وهذا القول في التسهيل لابن مالك، وهو يؤيد ما ذهبنا إليه من أن المراد من المالكي وابن مالك شخص واحد، (2) تقديره هما سواء، (3) ص 304 في هذا الجزء (*)،

(4/430)


قوله: (وأجل وجير وإن تصديق للخبر)، سواء كان الخبر موجبا أو منفيا، ولا تجئ بعد ما فيه معنى الطلب، كالاستفهام والأمر وغيرهما،
وحكى الجوهري 1 عن الأخفش، أن (نعم) أحسن من (أجل)، في الاستفهام، وأجل، أحسن من نعم في الخبر، فجوز على ما ترى، مجيئها في الاستفهام، أيضا، وأما (جير) فقد مضى شرحها في القسم في حروف الجر، 2 وأما (إن) فقال سيبويه 3: هي في قول ابن قيس الرقيات: 901 - ويقلن شيب قد علاك، * وقد كبرت فقلت إنه 4 والهاء للسكت، وقيل ان (ان) فيه للتحقيق، والهاء اسمها والخبر محذوف، أي: انه كذلك، وقول ابن الزبير 5، لفضالة بن شريك حين قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك: إن وراكبها، نص في كونها للتصديق، لكنه يدل على أنها تجئ لتقرير مضمون الدعاء، وهو خلاف ما قال المصنف من أن ثلاثتها، لتصديق الخبر،
__________
(1) اسماعيل بن حماد الجوهري صاحب معجم الصحاح، وتقدم ذكره في هذا الشرح، (2) ص 318 في هذا الجزء، (3) ج 1 ص 475 وج 2 ص 279، (4) من شعر لابن قيس الرقيات أوله: بكر العواذل في الصبوح، * يلمنني وألومهنه (5) المراد به: عبد الله بن الزبير بن العوام، وفد عليه فضالة بن شريك
فقال له إن ناقتي أصابها كذا وكذا فاحملني، فأخذ عبد الله بن الزبير يصف له علاجا لناقته، فقال فضالة: إنما جئتك مستحملا، لا مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: ان وراكبها: وقيل إن القائل ليس فضالة وإنما هو عبد الله بن الزبير (بفتح الزاي) بن فضالة بن شريك، وهو قريب عبد الله بن الزبير بن العوام، والله أعلم (*)،

(4/431)


(حروف الزيادة) (ومواضع زيادة كل منها) (قال ابن الحاجب:) (حروف الزيادة: إن، وأن، وما، ولا، ومن، والباء) (واللام، فإن مع ما النافية، وقلت مع المصدرية، ولما،) (وأن، مع لما، وبين لو، والقسم وقلت مع الكاف،) (وما مع إذا ومتى، وأي وأين وإن شرطا وبعض حروف) (الجر، وقلت مع المضاف، ولا، مع الواو بعد النفي وبعد) (أن المصدرية، وقلت قبل القسم، وشذت مع المضاف،) (ومن، والباء، واللام، تقدم ذكرها)، (قال الرضي:) قيل، فائدة الحرف الزائد في كلام العرب: إما معنوية، وإما لفظية، فالمعنوية، تأكيد المعنى، كما تقدم في (من) الاستغراقية 1، والباء في خبر ما،
وليس 2، فإن قيل: فيجب ألا تكون زائدة إذا أفادت فائدة معنوية، قيل: إنما سميت زائدة، لأنه لا يتغير بها أصل المعنى، بل لا يزيد بسببها إلا تأكيد المعنى الثابت وتقويته، فكأنها لم تفد شيئا، لما لم تغاير فائدتها العارضة: الفائدة الحاصلة قبلها،
__________
(1) الفائدة فيها: النص على الاستغراق والشمول وهو بدونها محتمل احتمالا راجحا، (2) الفائدة في زيادة الباء في الخبر المنفى التأكيد (*)،

(4/432)


ويلزمهم أن يعدوا، على هذا، (إن)، ولام الابتداء، وألفاظ التأكيد، أسماء كانت، أو، لا: زوائد 1، ولم يقولوا به، وبعض الزوائد يعمل، كالباء، ومن، الزائدتين، وبعضها لا يعمل، نحو 2: (فيما رحمة) 3، وأما الفائدة اللفظية، فهي تزيين اللفظ، وكون زيادتها أفصح، أو كون الكلمة أو الكلام، بسببها، تهيأ لاستقامة وزن الشعر أو لحسن السجع، أو غير ذلك من الفوائد اللفظية،
ولا يجوز خلوها من الفوائد اللفظية والمعنوية معا، وإلا، لعدت عبثا، ولا يجوز ذلك في كلام الفصحاء، ولا سيما في كلام الباري تعالى وأنبيائة، وأئمته، عليهم السلام، وقد تجتمع الفائدتان في حرف، وقد تنفرد إحداهما عن الأخرى، وإنما سميت هذه الحروف زوائد، لأنها قد تقع زائدة لا لأنها لا تقع إلا زائدة، بل وقوعها غير زائدة أكثر، وسميت، أيضا: حروف الصلة لأنها يتوصل بها إلى زيادة الفصاحة، أو إلى إقامة وزن أو سجع أو غير ذلك، أما 4 (إن) فتزاد مع (ما) النافية كثيرا لتأكيد النفي، وتدخل على الاسم والفعل، نحو: وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا 5 - 261 ونحو قوله:
__________
(1) متصل بقوله: ويلزم أن يعدوا...(2) التمثيل راجع إلى ما، (3) من الآية 159 في سورة آل عمران، (4) بدا في تفصيل الكلام على الحروف الزائدة، بعد أن تحدث عنها إجمالا، (5) تقدم ذكره في الجزء الثاني، في باب خبر ما المشبهة بليس (*)،

(4/433)


902 - ما إن جزعت ولا هلعت * ولا يرد بكاي زندا 1 وقلت زيادتها مع (ما) المصدرية نحو: انتظرني ما إن جلس القاضي، ومع (ما) الاسمية نحو قوله تعالى: (ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه) 2، وكذا بعد (ألا) الاستفتاحية، نحو: ألا إن قام زيد، وكذا مع (لما) بل زيادة (أن) المفتوحة بعدها، هي المشهورة، تقول: لما أن جلست جلست، فتحا وكسرا، والفتح أشهر، وأما (أن)، فتكثر زيادتها بعد لما، نحو: (فلما أن جاء البشير) 3، وبين (لو) والقسم، وقد مر في القسم 4 أن مذهب سيبويه كونها موطئة للقسم قبل (لو) كما أن اللام موطئة قبل (إن) وسائر كلمات الشرط، كقوله تعالى: (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين، لما آتيتكم من كتاب وحكمة..) 5 الآية، ويجئ الكلام فيه، وقد تزاد في الأنكار، نحو: أنا أنيه 6، وقلت بعد كاف التشبيه نحو: ويوما توافينا بوجه مقسم * كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم 7 - 858 بالجر، وليست في قوله تعالى: (وأن عسى أن يكون) 8، و: (وأن لو استقاموا) 9، و: (وأن أقم وجهك) 10: زائدة، كما توهم بعضهم بل: الأوليان مخففتان، والثالثة
مفسرة، كما تقدم في نواصب الفعل،
__________
(1) من أبيات لعمرو بن معد يكرب، أوردها أبو تمام في الحماسة، وقبله: كم من أخ لي صالح * بوأته بيدي لحدا...(2) الآية 26 سورة الأحقاف، (3) الآية 96 سورة يوسف، (4) ص 313 من هذا الجزء، (5) الآية 81 من سورة آل عمران، (6) يأتي بحثه في آخر هذا الجزء، (7) تقدم ذكره في هذا الجزء ص 371 (8) الآية 185 سورة الاعراف، (9) الآية 16 سورة الجن، (10) الآية 105 سورة يونس (*)،

(4/434)