صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : كتاب الاعتبار
المؤلف : أسامة بن منقذ
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إلى الحصن نقبوهم وهم في القتال وابن ملاعب وصل، فأخذ خيل من كان ترجل من أصحابنا ووقع القتال بينهم بعدما كان للإفرنج واشتد بينهم القتال .فقاتل فارس الكردي قتالاً عظيماً وجرح عدة جراح، ومازال يقاتل ويجرح حتى اثخن بالجراح وانفصل القتال، فاجتاز أبى وعمي رحمهما الله وهو محمول بين الرجال فوقفا عليه وهنآه بالسلامة فقالوالله ما قتلت أريد السلامة لكن لكم علي جميل وفضل كثير، وما رأيتكم في شدة مثل هذا اليوم فقلتأقاتل بين أيديكم وأجازيكم عن جميلكم وأقتل قدامك. وقضى سبحانه وتعالى أن عوفي من تلك الجراح ومضى إلى جبله وفيها فخر الملك بن عمار وفي الاذقية الإفرنج، فخرجت خيل من جبلة تريد الغارة على الاذقية، وخرجت خيل من الاذقية تريد الغارة على جبلة، فنزل الفريقان في الطريق وبينهما رابية.فطلع فارس من الإفرنج من جانبهم يكشف الرابية وطلع فارس كردي من الجانب الأخر يكشف لأصحابه.فألتقى الفارسان على متن الرابية وكل واحد منهما على صاحبه فاختلفا طعنتين فوقعا ميتين وبقيت الحصون تتواصل على الرابية والفارسان قتيلان.وكان لفارس هذا عندنا ولد علان من الجند له خيل الملاح والعدة الحسنة، ولكن ما كان كأبيه.فنزل علينا دنكري صاحب إنطاكية يوماً وقاتلنا قبل ضرب الخيام، وهذا علان بن فارس على حصان مليح باغز من لأحسن الخيل وهو واقف على رفعة من الأرض، فحمل عليه فارس من الإفرنج وهو كالغافل فطعن حصانه في رقبته ونفذ القنطارية، فشب الحصان ورمى علان وعاد الإفرنجي والحصان معارضه والقنطارية في رقبته كأنه تجنبه، يتمختر بغنيمة حسنة .
الخيول الصبورة والضعيفة

(1/34)


وعلى ذكر الخيل ففيها الصبور كالرجال وفيها الخوار، فمن ذلك انه كان في جندنا رجل كردي يقال له كامل المشطوب في الشجاعة والدين والخير رحمه الله ولحصانه أدهم أصم مثل الجمل، فألتقى هو وفارس من الإفرنج فطعن الإفرنجي حصانه في موضع القلادة فمالت رقبته من شدت الطعن وخرجت القنطارية من أصل رقبة الحصان فضربت فخذ كامل المشطوب وخرجت من الجانب الأخر، وما تزعزع الحصان من تلك الطعنة ولا فارسه.وكنت أرى ذلك الجرح الذي في فخذه بعدما اندمل وختم وهو كأكبر ما يكون من الجراح، وسلم الحصان وعاد حضر عليه القتال.فالتقى هو وفارس من الإفرنج فطعن الحصان في جبهته خسفها ولم يتزعزع، وسلم من تلك الطعنة الثانية فكانت بع ان ختمت إذا اطبق الإنسان كفه وأدخلها في جبهة الحصان في موضع الجرح وسعها.وكان من طريف ما جرى في ذلك الحصان أن أخي عز الدولة أبا الحسن علياً رحمه الله اشتراه من كامل المشطوب، وكان ثقيل العدو فأخرجه في ضمان قرية كانت بيننا وبين فارس من إفرنج كفر طاب، فبقي عنده سنة ثم عاد مات فأرسل إلينا يطلب ثمنه قلنااشتريته وركبته ومات عندك، كيف تطلب ثمنه ؟قالانتم سقيتموه شيئاً يموت منه بعد سنة.فعجبنا من جهله وسخافة عقله.وجرح تحتي حصان عل حمص شقت الطعنة قلبه وأصابه عدة سهام، فأخرجني من المعركة ومنخراه يدميان بالدم كالغزلتين، وما أنكرت منه شيئاً وبعد وصولي إلا أصحابي مات .وجرح تحتي حصان في بلدة شيزر في حرب محمود بن قراجا ثلاثة جراح وأنا أقاتل عليه ولا أعلم، وله أنه قد جرح، لاني ما انكرت منه شيئاً.وأما خورها وضعفها على الجراح فإن عسكر دمشق نزل على حماة وهي لصلاح الدين محمد بن أيوب الغسياني ودمشق لشهاب الدين محمود بن بوري بن طغدكين وأنا بها، زحفوا إلينا في جمع كثير، ووالي حماة شهاب الدين أحمد بن صلاح الدين وهو على تل مجاهد، فجاءه الحاجب غازي التلي فقالقد انتشرت الرجالة والخوذ تتلامع بين الخيام، والساعة يحملون على الناس يهلكونهم فقالامضي ردهم فقالوالله ما يردهم إلا أنت أو فلان يعنيني فقال ليتخرج تردهم فقلتزردية كانت على الغلام لي لبستها وخرجت ردت الناس بالدبوس وتحتي حصاناً أشقر من أجود الخيل واتلعها، فلما رددت الناس زحفوا إلينا، وما برى من سور حماة فارس غيريمنهم من دخل المدينة وايقنوا انهم مأخوذون، ومنهم من هو مترجل في ركابي، فإذا حملوا علينا أخرت الحصان بعنانه وأنا مستقبلهم، وإذا عادوا مشيت خلفهم سترة لضيق المجال وازدحام الناس، فضربت حصاني نشابة في ساقه خمشته فوقع بي وقام ووقع وأنا أضربه حتى قال لي الرجال الذين في ركابي ادخل إلى البشورة إركب غيره فقلتوالله ما أنزل نه فرأيت من ضعف ذلك الحصان ما لم أره من غيره.
ومن حسن صبر الخيل طراد بن وهيب النمري حضر القتال بين بتي نمير، وقد قتلوا علي بن شمس الدولة سالم بن مالك والي الرقة وملوكها والحرب بينهم وبين أخيه شهاب الدين مالك بن شمس الدولة وتحت طراد بن وهيب حصان له من أجود الخيل له قيمة كبيرة فطعن في خاصرته فخرجت مصارينه، فشدها طراد السموط لا يدوسها فيقطعها، وقاتل حتى انقضى القتال، فدخل به إلى الرقة فمات .
استعدد دائم للقتال
قلت اذكرني ذكر الخيل بأمر جرى لي مع صلاح الدين محمد بن أيوب الغسياني رحمه الله نزل إلى دمشق في سنة ثلاثين وخمس مائة بأرض داريا.وقد راسله صاحب بعلبك جمال الدين محمد ابن بوري بن طغدكين رحمه الله في الوصول إليه، وخرج من بعلبك متوجه إلى خدمت أتابك، فبلغه ان عسكر دمشق خرج يريد أخذه.فأمر صلاح الدين ان نركب للقائه ودفع الدمشقيين عنه.فجاءني رسوله يقولاركب وخيمتي إلى جانب خيمته، وهو قد ركب ووقف عند خيمته، فركبت في الوقت فقال كنت قد علمت بركوبي.قلتلا والله.قالالساعة نفذت إليك فركبت في الوقت.قلت يا مولاي حصاني شعيرة، ويلجمه الركابي ويقعد وهو في يده على باب الخيمة وأنا ألبس عدتي وأتقلد سيفي وأنام.فلا جاءني رسولك ما كان لي ما يعوقني فوقف إلى أن اجتمع عنده جماعة من العسكر وقالألبسوا سلاحكم وقد لبس أكثر الحاضرين وأنا إلى جانبه ثم قالكم أقول ألبسوا سلاحكم، قلت يا مولاي لاتكون تعنني.قالنعم قلت والله ما أقدر ألبس، نحن في أول الليل، وكزاغندي فيه زرديتان مطبقة وإذا رأيت العدو لبسته.فسكت.

(1/35)


وسرنا فأصبحان عند الضمير.فقال لي ما ننزل نأكل شيئاً؟فقد جعت من السهر.قلت الأمر لك.فنزلنا فما استقر على الأرض حتى قالأين كزاغندك؟فأمرت الغلام فأحضره أسرجته من عيبته واسرجت السيكن فتقته عند صدره أظهرت جانب الزرديتين، وكان فيه زردية إفرنجية إلى ذيله وفوقها أخرى إلى وسطه على كل زردية البطائن واللبد واللاسين ووبر الأرنب.فالتفت إلى غلام له كلمه بالتركي ولا ادري ما يقول فاحضر بين يديه حصاناً كميتاً كان أطاعاه إياه أتابك في تلد الأيام كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل.فقال هذا الحصان يصلح لهذا الكزاغند، سلمه إلى الغلام فلان فسلمه إلى غلامي .
حضور الذهن
قلت كان عمي عزالدين رحمه الله يتفقد مني حضور فكري في القتال ويمنحني بالمسألة، فنحن يوماًفي بعض الحرب التي كانت بيننا وبين صاحب حماة وقد حشد وجمع ووقف على ضيعة من ضياع شيزر يحرق وينهب.فجرد عمي من العسكر نحواً من ستين سبعين فارساً وقال لي خذهم وسر إليهم فمضينا نتراكض والتقينا بوادر خيلهم فكسرناهم وطعنا فيهم وقلعناهم من موضعهم الذي كانوا عليه.ونفذت فارساً من أصحابي إلى عمي وأبي رحمهما الله وهما واقفان ومعهما باقي العسكر وراجل كثير أقول لهماسيرا بالرجالة فقد كسرتهم.فسارا إلى فلما قربا حملنا عليهم كسرناهم، ورموا خيلهم في الشاروف وعبروه سباحة وهو زائد، ومضوا وعدنا بالنصر.فقال لي عميأي شيء نفذت تقول لي؟قلتمع رجب العبد.قالصدقت، ما أراك كنت إلا حاضر القلب، ما ادهشك القتال. ومرة أخرى اقتتلنا نحن وعسكر حماة، وكان محمود بن قراجا قد استعانا على قتلنا بعسكر أخيه خير خان بن قراجا صاحب حمص، وكان قد ظهر لهم في ذلك الزمان حمل الرماح المؤلفة بوصل الرمح إلى بعض رمح آخر بحيث يصير طوله عشرين ذراعاً أو ثمانية عشر ذراعاً.فوقف مقابلي موكب منهم وأنا في سربة نحو من خمس عشر فارساً فحمل علينا منهم علوان العراقي وهو من فرسانهم وشجعانهم.فلما دنا منا ما تزعزعنا رجع ورد رمحه إلى خلفه، فرأيته كالحبل مطروحاً على الأرض لا يقدر يرفعه، فأطلقت حصاني عليه فطعنته وقد وصل إلى أصحابه، وعدت وراياتهم على رأسي، فلقيهم أصحابي وفيهم أخي بهاء الدولة منقذ رحمه الله فردهم وقد انقطع نصف يرقي في كزاغندة علوان ونحن بالقرب من عمي وهو يراني.فلما انفصل القتال قال لي عميأين طعنت علوان العراقي قلتأردت ظهره، فمال الهواء بالبيرق فوقع الرمح في جانبه.قالصدقت.ما كنت إلا حاضر القلب ذلك الوقت.
مكافحة الأسود وسائر الضواري
حياة أسامة البينية
وما ريأت الوالد رحمه الله نهاني عن قتال ولا راكبو خطر مما كان يرى في وأري من اشفاقه وايثاره لي، ولقد رأيته يوماً وكان عندنا بشيزر رهائن عن بغدوين ملك الإفرنج على قطيعه قطعها لحسام الدين تمرتاش بن إيغازي رحمه الله فرسان إفرنج وأرمن.فلما وفوا ما عليهم وأردوا الرجوع إلى بلادهم نفذ خيرخان صاحب حمص خيلاً كمنوا لهم في ظاهر شيزر.فلما توجه الرهائن خرجوا عليهم أخذوهم ووقع الصائح، فركب عمي وأبي رحمهما الله ووقفا وكل من يصل إليهما قد سيراه من خلفهم.واستخلصوا رهائنكم.فتبعتهم وأدركتهم بعد ركض اكثر من النهار واستخلصت من كان معهم وأخذتهم بعض خيل حمص.وعجبت من قولهارموا نفوسكم عليهم.ومرة كنت معه رحمه الله وهو واقف في قاعة داره وإذا حية عظيمة قد أخرجت رأسها على إفريز رواق القناطر التي في الدار فوقف يبصرها، فحملت سلماً كان في جانب الدار أسندته تحت الحية وصعدت إليها، وهو يراني فلا ينهاني، وأخرجت سكيناً صغيرة من وسطي وطرحتها على رقبة الحية وهي نائمة وبين وجهي وبينها دون ذراع وجعلت أخرز رأسها - وخرجت التفت على يدي - إلى ان قطعت رأسها وألقيتها إلى الدار وهي ميتة.بل رأيته رحمه الله وقد خرجنا يوماً لقتال أسد ظهر على الجسر.فلما وصلناه حمل علينا من أجمة كان فيها، فحمل على الخيل ثم وقف وأنا وأخي بهاء الدولة منقذ رحمه الله بين الأسد وبين موكب فيه أبي وعمي رحمهما الله ومعهما جماعة من الجند، والأسد قد ربض على حرف النهر يتضرب بصدره على الأرض ويهدر فحملت عليه، فصاح علي أبي رحمه الله لا تستقبله يا مجنون فيأخذك!فطعنته، فلا والله ما تحرك من مكانه، فمات موضعه.فما رأيته ينهاني عن قتال منذ ذلك اليوم.
جرح سطحي

(1/36)


خلق الله عز وجل خلقه اطواراً مختلفين الخلق والطبائعالأبيض والأسود والجميل والقبيح، والطويل والقصير، والقوي والضعيف، والشجاع والجبان، بمقتضى حكمته وعموم قدرته.رأيت بعض أولاد الأمراء التركمان الذين كانوا في خدمت ملك الأمراء أتابك زنكي رحمه الله أصابته نشابة ما دخلت في جلده مقدار شعيرة فاسترخا وانحلت أعضائه وانقطع كلامه وغاب ذهنه وهو رجل مثل الأسد، أجسم ما يكون من الرجال، فاحضروا له الطبيب والجرائحي.فقال الطبيبما به بأس.بل متى جرح ثانية مات، فهدأ وركب وتصرف كما كان، ثم أصابته نشابة أخرى بعد مدة أحقر من الأولة وأقل نكاية، فمات.
طحان يموت من لسعة زنبور
ورأيت ما يقرب ذلك أيضاً كان عندنا بشيزر أخوان يقال لها بنو ماجوج لواحد اسمه أبو المجد ولآخر محاسن وهمت ضمان رحاة الجسر بثمان مائة دينار.وعند الرحا مذبح فيه جزاروا البلد ويجتنع الزنابير على أثار الدم.فاجتاز محاسن بن مجادو يوماً إلى الرحا فلسعه زنبور فانفلج وانقطع كلامه وأشرف على الموت، وبقي كذلك مدة، ثم أفاق وانقطع عن الرجا مدة فعاتبه أخوه أبو المجد وقال لهيا أخي معنا هذه الرحى بثمان مائة دينار ولا تشرف عليها ولاتبصرها؟وغداً ينكسر علينا ضمانها ونموت في الحبس.فقال له محاسنأنت مقصودك ان يلسعني زنبور آخر فيقتلني.واصبح جاء إلى الرحا فلسعه زنبور فمات.فأيسر الأشياء يقتل إذا فرغ الأجل، والفأل موكل بالمنطق.
حوادث الأسود
فمن ذلك انه ظهر عندنا بأرض شيزر سبع، فركبنا إليه فوجدنا غلاماً للأمير سابق بن وثاب بن محمود بن صالح في ذلك المكان يرعى فرسه اسمه شماس فقال له عميأين الأسد؟قالفي تلك الغلفاء.قالسر قدماي إليها.قالأنت مقصودك ان يخرج الأسد يأخذني.ومشى قدامه.فخرج الأسد كأنه مرسل إلى شماس فأخذه فقتله دون الناس وقتل الأسد.وشاهدت من الأسد مالم أكن لأظنه، ولا اعتقد ان الأسد كالناس فيها الشجاع وفيها الجبان.وذلك ان جوبان الخيل جاءنا يوماً كان يركض وقالفي أجمة تل التلول ثلاثة سباع.فركبنا فخرجنا إليها، وإذا لبوءة خلفها أسدان، فدرنا في تلك الأجمة، فخرجت علينا اللبوءة خلفها أسدان، فدرنا في تلك الأجمة، فخرجت علينا اللبوءة فحملت على الناس ووقفت فحمل عليها أخي بهاء الدولة أبو المغيث منقذ رحمه الله طعنها قتلها وتكسر رمحه فيها .ورجعنا إلى الأجمة فخرج علينا أحد السبعين فطرد الخيل، ووقفت أنا وأخي بهاء الدولة في طريقه عند عودته من طرد الخيل.فإن الأسد إذا خرج من موضع لابد له من الرجوع إليه شبهة، وجعلنا إعجاز خيلنا إليه، ورددنا رماحنا نحوه ونحن نعتقد انه يقصدنا فننشب الرماح فيه فنقتله، فما راعنا إلى وهو عابر علينا كالريح إلى رجل من أصحابنا يقال له سعد الله الشيباني فضرب فرسه فرماها فطعنته وسطت القنطارية فيه فمات مكانه. ورجعنا إلى الأسد الآخر ومعنا نحو من عشرين راجلاً من الأرمن الأجياد رماة.فخرج السبع الأخر وهو أعظمها خلقة يمشي وعارضه الأرمن بالنشاب، وأنا معارض الأرمن انتظره يحمل عليهم يأخذ واحداً منهم فطعنه وهو يمشي.وكلما وقعت به نشابة قد هدر ولوح بذنبه فأقول الساعة يحمل ثم يعود يمشي.فما زال كذلك حتى وقع ميتاً، فرأيت من ذلك الأسد شيئاً ما ظننته.ثم شاهدت من الأسد أعجب من ذلك .كان بمدينة دمشق جرو أسد قد رباه سباع معه حتى كبر وصار يطلب الخيل وتأذى الناس به فقيل للأمير معين الدين رحمه الله وأنا عندههذا السبع قد آذا الناس والخيل تنفر منه وهو في الطريق.وكان على مصطبة بالقرب من دار معين الدين رحمه الله في النهار والليل.فقالقولوا للسباع يجيء به.فقال للخوان سلاراخرج من ذبائح المطبخ خاروفاً إلى قاعة الدار حتى نبصر كيف يكسره السبع.فاخرج خاروفاً إلى قاعة الدار، ودخل السباع ومعه السبع.فساعة رآه الخروف، وقد أرسله السباع من السله التي في رقبته حمل عليه فنطحه فانهزم السبع وأخذ يدور حول البركة والخاروف خلفه يطرده وينطحه، ونحن قد غلبنا الضحك عليه.فقال الأمير معين الدين رحمه الله ذا السبع منحوس!أخرجوه اذبحوه واسلخوه وهاتوا جلده.فذبحوه وسلخوه وأعتق ذلك الخروف من الذبح.

(1/37)


ومن عجيب أمور السباع ان أسداً ظهر عندنا في أرض شيزر، فخرجنا إليه ومعنا رجالة من أهل شيزر فيهم غلاماً للمعبد الذي كان يطيعه أهل الجبل ويكاد يعبد.ومع ذلك الغلام كلب له.فخرج الأسد على الخيل فجلت قدماه جافلة ودخل في الرجالة، فأخذ ذلك الغلام وبرك عليه، فوثب الكلب على ظهر الأسد فنفر عن الرجل وعاد إلى الأجمة.وخرج الرجل بين يدي والدي رحمه الله يضحك وقاليا مولاي ما جرحني ولا أذاني وقتلوا الأسد ودخل الرجل فمات تلك الليلة من غير جرح أصابه إلا انقطع قلبه.فكنت أعجب من إقدام ذلك الكلب على الأسد وكل حيوان ينفر من الأسد ويتجنبه.ولقد رأيت رأس الأسد يحمل إلى بعض دورنا فترى السنانير تهرب من تلك الدار وترمي نفوسها من السطوحات، وما رأت الأسد قط، وكنا نسلخ الأسد ونرميه من الحصن إلى سفح الباشورة فلا يقربه الكلاب ولاشيء من الطير.وإذا رأت القيقان اللحم نزلت إليه ثم دنت منه صاحت وطارت.وما أشبه هيبت الأسد على الحيوان بهيبة العقاب قط فيصبح وينهزم، هيبة ألقها الله تعالى في قلوب الحيوان لهذين الحيوانين.وعلى ذكر السباع كان عندنا أخوان من أصحابنا يقال لهما بنو الرعام رجال يترادون من شيزر إلى الاذقية والاذقية لعمي عز الدولة أبى المرهف نصر، وفيها أخوه عز الدين أبو العساكر سلطان رحمهما الله.بالكتب بينهما قالاخرجنا مت الاذقية فأشرفنا من عقبة المنة وهي عقبه عالية تشرف على ما تحتها من الوطا، فرأينا السبع وهو رابط على النهر تحت العقبة، فوقفنا مكاننا ما نجسر على النزول من خوف الأسد، فرأينا رجلاً قد أقبل فصحنا إليه ولوحنا بثيابنا إليه نحذره من الأسد فما سمعنا، وأوتر قوسه وطرح فيه نشابة ومشى، فرآه الأسد فوثب إليه فضربهما أخطاء قلبه فقتله، ومشى إليه فتمم قتله، وأخذ نشابته وجاء إلى ذلك النهر ونزع زربوله وقلع ثيابه ونزل اغتسل في الماء، ثم طلع لبس ثيابه ونحن نراه، وجعل ينفض شعره لينشفه من الماء، ثم لبس فردة زربوله واتكى على جنبه وطول في الاتكاء، فقلنا والله ما قصر، ولكن على من يتيه؟ونزلنا إليه وهو على حاله فوجدناه ميتاً ما ندري ما أصابه، فنزعنا فردة الزربول من رجله وإذا فيه عقرب صغير قد لسعته في إبهامه فمات لوقته، فعجبنا من ذلك الجبار الذي قتل الأسد وقتلته عقرب مثل الإصبع، فسبحان الله القادر النافذ المشيئة في الخلق.
قلتقاتلت السباع في عدة مواقف لا احصيها، وقتلت عدة منها ما شاركني في قتلها أحد سوى ما شاركني فيه غيري.فمن ذلك أن الأسد مثل سواه من البهائم يخاف ابن أدم ويهرب منه وفيه غفلة وبله ما لم يجرح فحينئذ هو الأسد، وذلك الوقت يخاف منه وإذا خرج من غاب أو جمة وحمل على الخيل فلا بدله من الرجوع إلى الأجمة التي خرج منها، ولو أن النيران في طريقه.وكنت أنا قد عرفت هذا بالتجربة، فمتى حمل على الخيل وقفت في طريق رجوعه قبل أن يجرح، فإذا رجع تركته إلى أن يتجاوزني وطعنته قتلته.
حوادث النمور
أما النمور فقتالها أصعب من قتال الأسد لخفتها وبعد ثباتها، وهي تدخل في الغارات والمحاجر كما تدخل الضباع، والأسد ما تكون إلى في الغابات والآجام وقد كان ظهر عندنا نمر في قرية يقال لها معرزوف من أعمال شيزر.فركب إليه عمي عز الدين رحمه الله وأرسل إلي فارساً وأنا راكب في شغل لي يقولألحقني إلى معرزوف، فلحقته وجئنا إلى الموضع الذي زعموا أن النمر فيه، فما رأينه وكان هنا جب، فنزلت عن حصاني ومعي قنطارية وجلست على فم الجب، وهو قصير نحو القامة وفي جانبه خرق كل حجر، فحركت القنطارية في ذلك في ذلك الخرق الذي في الجب فخرج النمر برأسه من ذلك الخرق ليأخذ القنطارية فلما علمنا انه في ذلك الموضع نزل معي بعض أصحابنا، وصار بعضنا يحرك ذلك الموضع بالرمح حتى قتلناه، وكان خلقة عظيمة، إلا أنه كان أكل من دواب القرية حتى عجز عن نفسه، وهو دون سائر الحيوان يقفز إلى فوق أربعين ذراعاً.

(1/38)


وقد كان في كنيسة حناك طاقة في ارتفاع أربعين ذراعاً، فكان يأتيها نمر في الهاجرة يثب إليها ينام فيها إلى أخر النهار ويثب منها ينزل ويمضي ومقطع حناك ذلك الوقت فارس إفرنجي يقال له سير أدم من شياطين الإفرنج فأخبروه خبر النمري فقال إذا رأيتموه أعلموني.فجاء النمر كعادته وثب على تلك الطاقة.فجاء بعض الفلاحين أخبر السير أدم، فلبس درعه وركب حصانه، وأخذ ترسه ورمحه وجاء إلى الكنيسة وهي خراب، وإنما هي حائط قائم فيه تلك الطاقة.فلما رآه النمر وثب من الطاقة عليه وهو فوق حصانه، فكسر ظهره وقتله ومضى.فكان فلاحو حناك يسمونه النمر المجاهد.
ومن خواص النمر انه إذا جرح إنسان وبالت عليه فأر مات.ولا تردت الفأرة عن جريح النمر، حتى انه يعمل له سرير يجلس في الماء ويربط حوله السنانير خوفاً عليه من الفأر.والنمر لا يكاد يألف بالناس ولا يستأنس بهم.وقد كنت مرة مجتازاً بمدينة حيفا من الساحل وهي للإفرنج.فقال لي إفرنجي منهمتشتري مني فهداً جيداً؟قلت نعم.فجاءني بنمر قد رباه حتى صار قد الكلب.قلت لا ما يصلح لي، هذا نمر ما هو فهد، فعجبت من أنسه وتصرفه مع الإفرنجي.والفرق بين النمر والفهد ان وجه النمر طويل مثل وجه الكلب وعيناه زرق والفهد وجهه مدور وعيناه سود.وقد كان بعض الحلبيين أخذ نمراً وجاء به في عدل إلى صاحب القدموس وهو لبعض بني محرز وهو يشرب، ففتح العدل فخرج النمر على من في المجلس.فأما الأمير فكان عند طاقة في البرج قد دخل منها وغلق عليه الباب.وجال النمر في البيت قتل بعضهم وجرح بعضهم إلى أن قتلوه.وسمعت وما رأيت في السباع الببر وما كنت أصدق ذلك.فحدثني الشيخ الإمام حجة الدين أبو هاشم محمد بن محمد بن ظافر رحمه الله قالسافرت من المغرب ومعي غلام شيخ كان لوالدي سافر وجرب الأمور، ففرغ الماء الذي كان معنا وعطشنا وليس معنا ثالث، إنما نحن أنا وهو على نجيبين، فصدنا ماء في طريقنا فوجدنا عليه ببر وهو نائم فاعتزلنا عنه.ونزل صاحبي عن جمله وأعطاني زمامه وأخذ سيفه وترسه وقربه معنا وقال لياحتفظ برأس النجيب ومشي إلى الماء.فلما رآه الببر قام ووثب مستقبله حتى تجاوزه، ثم صاح فثارت إليه مجريات له عدواً لحقوه.وما عارضنا ولا آذانا، فشربنا واسقينا ثم مضينا.هكذا حدثني رحمه الله وكان من خيار المسلمين في دينه وعلمه.
اختبارات حربية
ضرب شيزر بالمنجنيق
ومن عجيب الآجال لما نزل الروم إلى شيزر سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة نصبوا عليها مجانيق هائلة جاءت معهم من بلادهم ترمي الثقل، وتبلغ حجرها ما لا تبلغه النشابة، وترمي الحجر عشرين وخمسة وعشرين رطلاً ولقد رموا مرة دار صاحب لي يقال له يوسف بن أبي الغريب رحمه الله بقلب فوق فهدمت علوها وسفلها بحجر واحد.وكان على برج في دار الأمير قنطارية فيها راية منصوبة، وطريق الناس في الحصن من تحتها، فضرب القنطارية حجر المنجنيق كسرها من نصفها، وانقلب كسرها الذي فيه السنان تنكس ووقع في الطريق، ورجل من أصحابنا عابر، فوقع السنان من تلك العلو وكان فيه نصف القنطارية في تروقته خرج إلى الأرض وقتله.وحدثني خطلخ مملوك لوالدي رحمه الله قالكنا في حصار الروم جلوساً في دهليز الحصن بعددنا وسيفنا فجاءنا شيخ يعدوا وقاليا مسلمون الحريم، دخل الروم معنا، فأخذنا سيوفنا وخرجنا وجدناهم قد طلعوا من ثغرة في السور ثغرتها المجانيق فضربناهم بالسيوف حتى أخرجناهم، وخرجنا خلفهم حتى أوصلناهم إلى أصحابهم وعدنا فتفرقنا، وبقيت أنا وذلك الشيخ الذي إستفزعنا فوقف وأدار وجهه إلى الحائط يريق الماء فأعرضت عنه فسمعت وجبة فالتفت وإذا الشيخ قد ضربت رأسه حجر المنجنيق كسرته وألصقته بالحائط ومخه قد سال على الحائط فحملته وصلينا عليه ودفناه في مكانه رحمه الله.وضربت حجر المنجنيق رجلاً من أصحابنا رجله فحملوه بين يدي عمي وهو جالس في دهليز الحصن، فقالهاتوا المجبر وكان بشيزر رجل صانع يقال له يحيى صانع في التجبير، فحضر وجلس يجبر رجله وهو في سترة خارج باب الحصن، فضربت الرجل المكسور حجر في رأسه طيرته، فدخل المجبر إلى الدهليز فقال عميما أسرع ما جبرته!قاليا مولاي جاءته حجر ثانية اغنته عن التجبير.
قصد الفرنج دمشق

(1/39)


ومن نفاذ المشيئة في الآجال والأعمار ان الإفرنج خذلهم الله، اجمع رأيهم على ان يقصدوا دمشق ويأخذوها، فاجتمع منهم خلق كثير وسار إليهم صاحب الرها وتل باشر وصاحب إنطاكية، فنزل صاحب إنطاكية على شيزر في طريقه إلى دمشق، وقد تبايعوا بينهم دور دمشق وحماماتها وقياسيرها واشتراها البرجاسية ووزنوا لهم أثمانها، وما عندهم شك في فتحها وملكها.وكفر طاب إذ ذاك لصاحب إنطاكية، فجرد من عسكره مائة فارس انتخبهم وأمره بالمقام بكفر طاب مقابلنا ومقابل حماة فلما سار إلى دمشق اجتمع من بالشام من المسلمين لقصد كفرطاب وانفذوا رجلاً من أصحابنا يقال له قنيب بن مالك فجس لهم كفرطاب في الليل فوصلوها دارها وعاد وقالابشروا بالغنيمة والسلامة.فسار المسلمون عليهم فالتقوا على مثكير، فنصر الله سبحانه الإسلام وقتلوا الإفرنج جميعهم.وكان قنيب الذي جس لهم كفرطاب قد رأى في خندقها دواب كثيرة.فلما ظفروا في الإفرنج وقتلوهم طمع في أخذ تلك الدواب التي في الخندق ورجا ان يأخذ الغنيمة وحده، فمضى يركض إلى الخندق فرمى عليه رجل من الإفرنج حجراً فقتله.وكانت له عندنا والدة عجوز كبيرة تندب في مأتمنا ثم تندب ولدها.فكانت إذا ندبت على ابنها قنيب تتدفق ثدياها بالبن حتى تغرق ثيابها، وإذا فرغت من الندب عليه وسكنت لوعتها عادات ثديها كالجلدتين ما فيهما قطرة لبن، من أشرب القلوب الحنة على الأولاد.ولما قيل لصاحب إنطاكية وهو على دمشققد قتل المسلمون أصحابك قالما هو صحيح، قد تركت بكفرطاب مائة فارس تلتقي المسلمين كلهم.وقضى الله سبحانه ان المسلمين بدمشق نصروا على الإفرنج وقتلوا منهم مقتله عظيمة وأخذوا جميع دوابهم فرحلوا عن دمشق أسوأ رحيل وأذله - والحمد لله رب العالمين.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟كردي يتأبط رأس أخيه
ومن عجائب ما جرى في تلك الواقعة بالإفرنج انه كان في عسكر حماة أخوان كرديان اسم الواحد بدر وأسم الأخر عناز.وكان هذا عناز ضعيف النظر.فلما كسر الإفرنج قطعوا رأسهم وشدوهم في سموط خيلهم، وقطع عناز رأساً في سموطه، فرآه قوم من عسكر حماة فقالوا لهيا عناز أي شيء هذا الرأس معك؟قال سبحان الله لما يجري بيني وبينه حتى قتلته.قالوا له يا رجل هذا رأس أخيك بدر؟ فنظر وتأمله، فإذا هو رأس أخيه فأستحيى من الناس وخرج من حماة، فما ندري اين قصد ولا عدنا نسمع له خبراً وكان أخوه قتل في تلك المعركة قتله الإفرنج، خذلهم الله تعالى.
؟؟ضربة سيف تشق رأس إسماعيلي
اذكرني ضربة حجر المنجنيق رأس ذلك الشيخ رحمه الله ضرب السيف الماضية.فمن ذلك ان رجلاً من أصحابنا يقال له همام الحاج التقى هو ورجل من الإسماعيلية، لما عملوا على حصن شيزر بالرواق في دار عمي رحمه الله، في يد الإسماعيلي سكين والحاج في يده سيف، فهجم عليه الباطني بالسكين فضربه همام بالسيف فقطع قحف مخه على الأرض فأنبسط عليها وتطاير، فوضع همام السيف من يده وتقيأ ما في بطنه لما لحقه من نظر ذلك المخ من الغثيان، ولقيني في ذلك اليوم واحد منهم في يده سيخ وفي يدي سيف لي، فهجم علي بالسيخ فضربته في وسط ساعده والسيخ بيده قبضته ونصله لاسق بساعده فقطع قدر أربع أصابع من نصل السيخ وقطع الساعد من نصفه فأبانه، وبقي أثر فم السيخ في حد السيف، فرآه صانع عندنا فقالأنا أخرج هذا الثلم منه.قلتدعه كما هو فهو أحسن ما فيه، وهو إلى الآن إذا رآه إنسان علم انه أثر سكين. ولهذا السيف خبر أنا ذاكره.
تقطع وأخرى نعلاً ومرفقاً
كان للوالد ركابي يقال له جامع فأغار الفرنج علينا، فلبس الوالد كزاغنده وخرج من داره ليركب، فما وجد حصانه فوقف ساعة ينتظره، فوصل جامع الكابي بالحصان وقد أبطأ، فضربه الوالد بهذا السيف وهو في غمده متقلد به، فقطع الجهاز والنعل الفضة وبشتا كان على الركابي وصوفية وعظم مرفقه فرميت يده، فكان رحمه الله يقوم به بأولاده بعد تلك الضربة، وكان السيف يسمى الجامعي بأسم الركابي.
؟ضربتان تقتل رجلين

(1/40)


ومن ضربتا السيف المذكورة ان أربعة اخوة من أنساب الأمير افتخار الدولة أبي الفتوح بن عمرون صاحب حصن أبو قبيس صعدوا إليه إلى الحصن وهو نائم وأوثقوه بالجراح، وما معه بالحصن غير ابنه، ثم خرجوا وهم يظنون أنهم قتلوه يريدون ابنه، وكان هذا افتخار أعطاه الله من القوة أمراً عظيماً، فقام من فراشه عرياناً وسيفه معلق في بيته معه فأخذه وخرج إليهم فلقيه واحد منهم وهو مقدمهم وشجاعهم، فضربه افتخار الدولة في السيف وقفز من مقابله خوفاً من أن يصله بسكين كانت في يده، ثم التفت إليه فوجده ملقى فقد قتله بتلك الضربه، وصار إلى الأخر ضربه قتله، وانهزم الاثنين الباقيان فرميا أنفسهما من الحصن فمات أحدهما ونجا الأخر.
واتانا الخبر إلى شيزر فأنفذنا من هنأه بالسلامة، وطلعنا بعد ثلاثة أيا إلى حصن أبو قبيس لعيادته، فإن أخته كانت عند عمي عز الدين وله منها أولاد.فحدثنا حديثه وكيف كان أمره.ُم قال متن كتفي يحكني وما أصل إليه.ودعا غلاماً له ليبصر ذلك الموضع أي شيء قرصه فيه.فنظر فإذا هو جرح وفيه رأس دشن قد انكسر بظهره، وما معه به علم ولا أحس به، فلما قاح أحكه.وكان من قوة هذا الرجل انه كان يمسك رسغ رجل البغل ويضرب البغل فلا يقدر يخلص رجله من يده، ويأخذ مسمار البيطاري بين أصابعه وينفذ في دق خشب البلوط، وكان أكله مثل قوته بل أعظم.
بطولة النساء
قد ذكرت شيئاً من أفعل الرجال وسأذكر شيئاً من أفعال النساء بعد بساط اقدامه .
بالدون يعقب روجر في إنطاكية
وذلك أن إنطاكية كانت لشيطان من الإفرنج يقال له روجار، فمضى يحج إلى بيت المقدس، وصاحب البيت المقدس بغدوين البرونس وهو رجل شيخ، وروجار شاب فقال لبغدوينإجعل بيني وبينك شرطاً إن مت قبلك كانت إنطاكية لك وإن مت قبلي كان بيت المقدس لي.فتاعقدا وتواثقا على ذلك.وقدر الله تعالى أن نجم الدين إيلغازي بن أرتق رحمه الله، لقي روجار بدانيث يوم الخميس الخامس من جمادى الأولى سنة ثلاثة عشر وخمسمائة فقتله وقتل جميع عسكره، ولم يدخل إنطاكية منهم دون العشرين رجلاً وسار بغدوين إلى إنطاكية فتسلمها.وضرب مع نجم الدين مصافاً بعد أربعين يوماً.وكان إلغازي إذا شرب النبيذ يخمر عشرين يوماً، فشرب بعد كسر الفرنج وقتلهم دخل في الخمار فما أفاق حتى وصل الملك بغدوين البرنس إلى إنطاكية بعسكره.
طغدكين يقطع رأس روبرت
فكان المصاف الثاني بينهما على السواءكسر بعض الفرنج بعض المسلمين وكسر بعض المسلمين بعض الفرنج، وقتل من هؤلاء وهؤلاء جماعة.واسر المسلمين روبرت صاحب صهيون وبلاطنس وتلك الناحية، وكان صديقاً لأتابك طغدكين صاحب دمشق ذلك الوقت، وكان مع نجم الدين إيلغازي لما أجتمع بالإفرنج في افاميا عندما وصل عساكر الشرق مع برسق بن برسق فقال هذا روبرت الأبرص لأتابك طغدكينما أدري بأي شيء أضيفك، ولكن قد أبحتك بلادي، أنفذ خيلك تغير عليها وتأخذ كلما وجدوه، بلى لا يسبوا ولا يقتلوا، الدواب والمال والغة لهم يأخذون ذلك مباحاً لهم.فلما أسر روبرت وأتابك طغدكين حاضر المصاف في معونة إيلغازي، قطع روبرت على نفسه عشرة آلاف دينار، فقال إيلغازيأمضوا به إلى أتابك لعله يفزعه فيزيدنا بالقطيعة.فمضوا به وأتابك في خيمته يشرب.فلما رآه مقابلاً قام شمر أذبال قبائه في البند وأخذ سيفه وخرج إليه وضرب رقبته، فنفذ إليه إيلغازي يعتب عليه وقالنحن محتاجون لدينار واحد للتركمان، وهذا كان قد قطع على نفسه عشرة آلاف دينار نفذته إليك تفزعه لعله يزيدنا في القطيعة قتلته!قالأنا ما أحسن افزع إلا كذا.
بالدون يسامح عم أسامة بقطيعة
ثم ملك بغدوين البرونس إنطاكية، وكان لأبي وعمي رحمهما الله، جميل كبير حيث كان أسره نور الدولة بلك رحمه الله، وصار بعد قتل بلك إلى حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي فحمله إلينا إلى شيزر ليتوسط أبي وعمي رحمهما الله بيعه فاحسنا إليه.فلما ملك كانت لصاحب إنطاكية علينا قطيعة سامحنا بها صار أمرنا في إنطاكية نافذاً
ويتنازل عن إنطاكية لأبن ميمون

(1/41)


فهو فيما فيه وعنده رسول من أصحابنا إذ وصل مركب إلى السويدية فيه صبي عليه أخلاق، فحضر عنده وعرفه ابن ميمون فسلم إنطاكية إليه وخرج إليها وضرب خيمة في ظهرها، فحلف لنا رسولنا الذي كان عنده انه يعني الملك بغدوين أشترى عليق خيله تلك الليلة من السوق، واهراء إنطاكية ملآى من الغلة، ورجع بغدوين إلى القدس.
ابن ميمون يهاجم شيزر
وخرج من ذلك الشيطان ابن ميمون بلية عظيمة فنزل علينا يوماً من الأيام بعسكره فضرب خيامه، ونحن قد ركبنا مقابلهم، فما خرج منهم أحد ونزلوا في خيامهم، ونحن ركاب على شرف نبصرهم، وبيننا وبينهم العاصي فنزل من بيننا إبن عمي ليث الدولة يحيى بن مالك بن حميد رحمه الله يسير إلى العاصي ظنناه يسقي فرسه، فخاض الماء وعبر وسار نحو موكب الإفرنج واقف بالقرب من خيامهم.فلما دنى منهم نزل إليه فارس واحد، فحمل كل واحد منهما على صاحبه، وراغ كل واحد منهما عن طعنه الأخر فتسرعت أنا وأمثالي من الشباب في ذلك الوقت إليهم، ونزل ذلك الموكب وركب ابن ميمون وعسكره وجائوا كالسيل وصاحبنا قد طعنت فرسه، فالتقت أوائل خيلنا وأوائل خيلهم، وفي أجنادنا رجل كردي يقال له ميكائيل وقد جاء في أوائل خيلهم منهزماً وخلفه فارس إفرنجي قد لزه.وللكردي بين يديه ضجيج وصياح عال فلقيته، فمال عن ذلك الكردي وزل عن طريقي وقصد خيل لنا في جماعة على الماء واقفين مما يلينا، وأنا خلفه أجهد أن يلحقه حصاني فأطعنه فلا يلحقه، ولا الإفرنجي يلتفت إلي إلا يريد تلك الخيل المجتمعة إلى أن وصل إلى خيلنا وأنا تابعه، فطعن أصحابي حصانه طعنة أوثقته وأصحابه في أثره في جمع ما لنا بهم قوة.فرجع الفارس وحصانه في أخر رمقه فردهم جميعهم وعاد وهم معه.وكان الفارس ابن ميمون صاحب إنطاكية وهو صبي قد امتلأ قلبه من الرعب، ولو ترك أصحابه هزمونا إلى أن يدخلونا المدينة.
قصة بريكة
كل ذلك وأمة عجوز يقال لها بريكة مملوكة لرجل كردي من أصحابنا يقال له علي بن محبوب واقفه بين الخيل على شط النهر وفي يدها شربة تسقي بها وتسقي الناس، وأكثر أصحابنا الذين كانوا على الشرف لما رأوا الإفرنج مقبلين في ذلك الجمع إندفعوا نحو المدينة وتلك الشيطانه واقفة لا يروعها ذلك الأمر العظيم.وأنا ذاكر شيئاً من أمر هذه بريكة، وإن لم يكن موضعه، لكن الحديث شجون.كان مولاها علي يثدين ولا يشرب الخمر.فقال لوالدي يوماًوالله يا أمير لا أستحل ما آكل من الديوان وما آكل من كسب بريكة، وهو الجاهل يظن ان ذلك السحت الحرام أحل من الديوان الذي هو مستأجر به.وكانت هذه الأمه لها ولد أسمه نصر رجل كبير وكيلاً في ضيعة للوالد رحمه الله وهو رجل يقال له بقية بن الأصيفر.حدثني قالدخلت في الليل البلد أريد الدخول إلى داري في شغل لي.فلما دنوت من البلد بين المقابر في ضوء القمر شخصاً ما هو آدمي ولا هو وحش فوقفت عليه وتهيبته.ثم قلت في نفسيما أنا بقية!ما هذا الخوف من واحد؟فوضعت سيفي ودروقتي والحربة التي معي ومشيت قليلاً قليلاً وأنا أسمع لذلك الشخص زجلاً وصوتاً فلما قربت منه وثبت عليه وفي يدي دشني فقبضته، وإذا بها بريكة مكشوفة الرأسي وقد نفشت شعرها وهي راكبة قصبة تصهل بين المقابر وتجول.قلتويحكي أي شيء تعملين في هذا الوقت ها هنا؟قالتأسحر قلتقبحك الله وقبح سحرك وصنعتك من بين الصنائع!
امرأة تقاتل في شيزر

(1/42)


اذكرني قوة نفس هذه الكلبة بأمور جرت للنساء في الواقعة التي كانت بيننا وبين الأسماعليية، وإن لم تكن سواء.لقي في ذلك اليوم مقدم القوم علوان ابن حرار ابن عمي سنان الدولة شبيب ابن حامد بن حميد رحمه الله في الحصن وهو تربى فيه.ولدت أنا وهو في يوم واحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمانية وثمانين وأربع مائة إلا انه ما باشر الحرب ذلك اليوم وأنا كنت قطبها.فأراد علوان اصطناعها.فقال لهارجع إلى بيتك احمل منه ما تقدر عليه ورح لا تقتل، فالحصن قد ملكناه.فرجع إلى الدار وقالمن كان له شيئاً يعطيني إياه يقول ذلك لعمته ونساء عمه، فكل منهم أعطاه شيئاً، فهو في ذلك إذاً إنسان وقد دخل الدار عليه زردية وخوذة ومعه سيف وترس.فلما رآه ايقن بالموت، فوضع الخوذة وإذا هي ابن عمه ليث الدولة يحيى رحمه الله.فقالتأي شيئاً تريد تعمل ؟قالآخذ ما قدرت عليه، وانزل من الحصن بحبل وأعيش بالدنيا.قالتبئس ما تفعل، تخلي بنات عمك وأهلك للحلاجين وتروح؟أي عيش يكون عيشك إذا افتضحت في أهلك انهزمت عنهم؟أخرج قاتل عن أهلك حتى تقتل بينهم، فعل الله بك وفعل.ونعته رحمها الله من الهرب، وكان من الفرسان المعدودين بعد ذلك .
والدة أسامة في القتال
وفي ذلك اليوم فرقت والدتي رحمها الله سيوفي وكزاغنداتي، وجاءت إلى أخت لي كبيرة في السن وقالتألبسي خلفك وإزارك.فلبست وأخذتها إلى روشن في داري يشرف على الوادي من الشرق أجلستها عليه وجلست إلى باب الروشن، ونصرنا الله سبحانه عليهم.وجأت إلى داري أطلب شيئاً من سلاحي ما وجدت إلى جهازات السيوف وعيب الكزاغندات.قلتيا أمي أين سلاحي؟قالتيا بني أعطيت السلاح لمن يقاتل عن، وما ظننتك سالماً قلتوأختي أي شيء تعمل هاهنا؟قالتيا بني أجلستها على الروشن وجلست براً منها.إذا رأيت الباطنية وصلوا إلينا دفعتها رميتها إلى الوادي فأراها قد ماتت ولا أراها مع الفلاحين والحلاجين مأسورة.فشكرتها على ذلك وشكرتها الأخت وجزتها خيراً، فهذه النخوة أشد من نخوات الرجال.
عجوز تضرب بالسيف
وتلثمت في ذلك اليوم عجوز من جواري جدي الأمير أبي الحسن علي رحمه الله يقال لها فنون فأخذت سيفاً وخرجت إلى القتال وما زالت كذلك حتى صعدنا وتكاثرنا عليهم.
وما ينكر للنساء الكرام الأنفة والنخوة والإصابة في الرأي .
جدة أسامة تنصحه
ولقد خرجت يوماً من الأيام مع الوالد رحمه الله إلى الصيد، وكان مشغوفاً بالصيد عنده من البزاة والشواهين والصقور والفهود والكلاب الزغارية ما لا يكاد يجتمع عند غيره، ويركب في أربعين فارساً من أولاده ومماليكه كل منهم خبير بالصيد عارف بالقنص، وله بشيزر مصيدانيوماً يركب إلى غربي البلد إلى أزوار وأنهار فيتصيد الدراج والطير الماء والأرنب والغزلان ويقتل الخنازير، ويماً يركب إلى الجبل قبلي البلد يتصيد الحجل والأرانب.فنحن في الجبل يوماً وقد حانت صلاة العصر فنزل ونزلنا نصلي فرادى، وإذا غلام قد جاء يركض قالهذا الأسد!فسلمت قبل الوالد رحمه الله لكيلا يمنعني من قتال الأسد وركبت ومعي رمحي فحملت عليه فأستقبلني وهدر، فحاص بي الحصان ووقع الرمح من يدي لثقله وطردني شوطاً جيداً، ثم رجع إلى سفح الجبل ووقف عليه وهو من أعظم السباع كأنه قنطرة جائع وكلما دنون منه نزل من الجبل، طرد الخيل وعاد إلى مكانه، وما ينزل نزلة إلا يؤثر في أصحابنا.

(1/43)


ولقد رأيته راكباً مع رجل من غلامان عمي يقال له بستكين غرزة على وركي حصانه وخرق بمخالبه ثيابه ورانته وعاد إلى الجبل، فما كان لي فيه حيلة إلا أن صعدت فوقه في سفح الجبل.ثم حدرت حصاني عليه فطعنته فنفذت الرمح فيه وتركته في جانبه، فتقلب إلى أسفل الجبل والرمح فيه، فمات الأسد وانكسر الرمح، والوالد رحمه الله واقف يرانا معه أولاد أخيه عز الدين يبصرون ما يجري وهم صبيان.وحملنا الأسد ودخلنا البلد العشاء، وإذا جدتي لأبي رحمها الله جاءتني في الليل وفي يدها شمعة - وهي عجوز كبيرة قاربت من العمر مائة سنة.فما شككت أنها قد جاءت تهنئني بالسلامة وتعرفني مسرتها بما فعلت.فلقيتها وقبلت يدها فقالتلي بغيظ وغضبيا بني أيش يحملك على هذه المصائب التي تخاطر فيها بنفسك وحصانك وتكسر سلاحك ويزداد قلب عمك منك وحشة ونفوراً.؟قلتيا ستي أنما أخاطر بنفسي في هذا ومثله لأتقرب إلى قلب عمي.قالتلا والله ما يقربك هذا منه وانه يزيدك منه بعداً ويزيده منك وحشاً ونفوراً.فعلمت أنها نصحتني في قولها وصدقتني، ولعمري إنهن أمهات رجال.
ولقد كانت هذه العجوز رحمها الله من صالحي المسلمين من الدين والدقة والصوم والصلاة على أجمل طريقة، ولقد حضرتها ليلة النصف من شعبان وهي تصلي عند والدي، وكان رحمه الله من أحسن من يتلو كتاب الله تعالى، ووالدته تصلي بصلاته، فأشفق عليها فقاليا أمي لو جلست صليت من قعودة.قالتيا بني بقي لي من العمر ما أعيش إلى ليلة مثل هذه الليلة ؟لا ولله ما أجلس، وكان الوالد قد بلغ السبعين سنة وهي قد شارفت المائة سنة رحمها الله.
مسلمة تقتل زوجها
وشاهدت من نخوات النساء عجباً.وهو أن رجلاً من أصحاب خلف بن ملاعب يقال له علي عبد بن أبي الريداء كان قدر رزقه الله تعالى من النظر ما رزق زرقاء اليمامة، فكان ينهض مع ابن ملاعب يبصر القوافل على المسيرة يوم كامل.ولقد حدثني رجل من رفاقه يقال له سالم العجازي انتقل إلى خدمة والدي بعد ما قتل خلف بن ملاعب قالنهضنا يوماً وأرسلنا علياً عبد ابن أبى الريداء بكرة يديب لنا، فجاءنا وقالابشروا بالغنيمة!هذه قافلة كثيرة مقبلة.فنظرنا ما رأينا شيئاً، فقلناما نرى قافلة ولا غيرها.قالوالله، إني لأرى قافلة وقدامها فرسان معينان ينفضان معارفهما.فأقمن في الكمين إلى العصر فوصلتنا القافلة والفرسان المعينان قدامها فخرجنا أخذنا القافلة.وحدثني سالم العجازي فقالنهضنا يوماً وصعد علي عبد ابن أبي الريداء يديب لنا، فنام وما درى إلا وقد أخذه تركي من سربة أتراك ناهضة وقالواأي شيء أنت؟قال أنا رجل صعلوك قد أركيت جملي لرجل من التجار في القافلة، أعطني يدك أنك تعطيني جملي حتى أدلك على القافلة.فأعطاه مقدمة يده، فمشى بين أيديهم إلى أن أوصلهم إلينا إلى الكمين، فخرجنا عليهم أخذناهم، وتعلق هو في الذي كان بين يديه أخذ فرسه وعدته، وغنمنا منهم غنيماً حسنة.فلما قتل ابن ملاعب انتقل علي ابن أبي الريداء إلى خدمت توفيل الإفرنجي صاحب كفرطاب، فكان ينهض بالإفرنج إلى المسلمين يغنمهم ويبالغ في أذى المسلمين وأخذ مالهم وسفك دمهم حتى قطع سبل المسافرين، وله امرأة معه في كفر طاب تحت يدي الإفرنج تنكر عليه فعله وتنهاه فلا ينتهي.فنفذت أحضرت نسيب لها من بعض الضياع وأظنه أخاها، وأخفته في البيت إلى الليل.واجتمعت هي وهو على زوجها علي ابن أبى الريداء قتلاه واحتملاه يجمع مالها.وأصبحت عنا في شيزر وقالتغضبت للمسلمين مما كان يفعل بهم هذا الكافر.فأرحت الناس من هذا الشيطان، ورعينا لها ما فعلت وكانت عندنا في الكرامة والاحترام.
إفرنجية تجرح مسلماً
وكان في أمراء مصر رجل يقال له ندى الصليحي في وجهه ضربتان الواحة من حاجبه الأيمن إلى حد شعر رأسه والأخرى من حاجبه الأيسر إلى حد شعر رأسه.فسألته عنهما فقالكنت انهض وأنا شاب من عسقلان وأنا راجل، فنهضت يوماً في طريق بيت المقدس أريد حجاج الإفرنج، فصادفنا قوماً منهم فلقيت رجلاً معه قنطارية وخلفه امرأته معها كوز خشب فيه ماء.فطعنني الرجل هذه الطعنة الواحدة وضربته قتلته، فمشت إلي امرأته وضربتني بالكوز الخشب في وجهي، جرحتني هذا الجرح الأخر فوسما وجهي .
شيزرية تأسر ثلاثة إفرنج

(1/44)


ومن إقدام النساء ان جماعة من الإفرنج الحجاج حجوا وعادوا إلى رفنية، وكانت ذلك الوقت لهم، وخرجوا منها يريدون أفامية، فتاهوا في الليل وجائوا شيزر وهي إذ ذك بغير سور، ودخلوا المدينة وهم في نحو سبع مائة ثمان مائة من رجال ونساء وصبيان.وكان عسكر شيزر قد خرجوا مع عمي عز الدين أبي العساكر سلطان وفخر الدين أبى كامل شافع رحمهما الله ليلقيا عروسين قد تزوجاهما من بني الصوفي الحلبيين أختين.ووالدي رحمه الله في الحصن.فخرج رجل من المدينة في شغل له في الليل فرأى إفرنجياً، وعاد أخذ سيفه وخرج قتله، ووقع الصياح في البلد، وخرج الناس فقتلوهم وغنموا ما كان معهم من النساء والصبيان والفضة والبهائم.وفي شيزر امرأة من نساء أصحابنا يقال لها نصرة بنت بوز رماط خرجت مع الناس أخذت إفرنجي أدخلته بيتها، وخرجت أخذت آخر أدخلته بيتها، وعادت خرجت أخذت أخر.فاجتمع عندها ثلاثة من الإفرنج، فأخذت ما كان معهم وما صلح لها من سلبهم وخرجت، دعت قوماً من جيرانها قتلوهم.ووصل عمي والعسكر في الليل، وقد كان انهزم من الإفرنج ناس وتبعهم رجال من شيزر فقتلوهم في ظاهر البلد.فصارت الخيل تعثر في الليل في القتلى، ولا يدرون بماذا تعثر، حتى ترجل بعضهم وابصر القتلى في الظلام، فهالهم واعتقدوا ان البلد قد كبس .
إفرنجية تؤثر أن تكون زوجة اسكاف
كانت غنيمة ساقها الله عز وجل إلى الناس، فصار إلى دار والدي رحمه الله عدة من جواري سيبهم لعنهم الله، جنس ملعون لا يألفون لغير جنسهم فرأى منهم جارية مليحة شابة فقال لقهرمانة دارهادخلي هذه الحمام وأصلحي كسوتها واعملي شغلها للسفر.ففعلت وسلمها إلى بعض خدامه وسيرها إلى الأمير شهاب الدين مالك بن سالم بن مالك صاحب قلعة جعبر وكان صديقه، وكتب إليه يقولغنمنا من الإفرنجي غنيمة قد نفذت لك سهماً منها.فوافقته وأعجبته فتخذها لنفسه، فولدت له ولداً سماه بدران الولد والرعية وأمه الآمرة الناهية.فواعدت قوماً وتدلت من القلعة بحبل ومضى بها أولئك إلى سروج، وهي إذ ذاك للإفرنج فتزوجت بإفرنجي اسكاف وابنها صاحب قلة جعبر.
إفرنجي يتنصر بعد إسلامه
وكان في أولئك الذين صاروا إلى دار والدي امرأة عجوز ومعها بنت لها امرأة شابة حسنة الخلقة وابن مشتد، فأسلم الابن وحسن إسلامه فيما يرى من صلاته وصومه، وتعلم الترخيم من مرخم كان يرخم دار والدي.فلما طال مقامه زوجه الوالد امرأة من قوماً صالحين وقام له بكل ما احتاجه لعرسه وبيته فرزق منها ولدين وكبا وصار لكل واحد منهما خمس ست سنين، والغلام راؤول أبوهما مسرور بهما، فأخذهما وأمهما، وما في بيته واصبح في افامية عند الإفرنج وتنصر هو وأولاده بعد الإسلام والصلاة والدين.فالله تعالى يطهر الدنيا منهم .
طبائع الإفرنج وأخلاقهم
سبحان الخالق البارئ إذا خبر الأنسان أمور الإفرنج سبح الله تعالى وقدسه ورأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال ولا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحمل.وسأذكر شيئاً من أمورهم وعجائب عقولهم. كان في العسكر الملك فلك بن فلك فارس محتشم إفرنجي قد وصل من بلادهم يحج ويعود، فأنس بي وصار ملازمني ويدعوني أخي وبيننا المودة والمعاشرة فلما عزم على التوجه في البحر إلى بلاده قال لييا أخي أني سائر إلى بلادي، وأريدك تنفذ معي أبنك وكان ابني معي وهو ابن أربعة عشر سنه إلى بلادي يبصر الفرسان ويتعلم العقل والفروسية.وإذا رجع كان مثل الرجل عاقل.فطرق سمعي كلام ما يخرج من رأس عاقل.فإن أسر ما بلغ به الأسر اكثر من رواحه إلى بلاد الإفرنج.فقلتوحياتك هذا الذي كان في نفسي.لكن منعني من ذلك ان جدته تحبه وما تركته يخرج معي حتى استحلفتني أن أرده إليها قالأمك تعيش؟قلتنعم.قاللا تخالفها.

(1/45)


ومن عجيب طبهم ان صاحب المنيطرة كتب إلى عمي يطلب منه إنقاذ طبيب يداوي مرضى من أصحابه، فأرسل إليه طبيباً نصرانياً يقال له ثابت، فما غاب عشرة أيام حتى عاد فقلنا لهما أسرع ما داويت المرضى!قال أحضروا عندي فارساً قد طلعت في رجله دملة وامرأة قد لحقها نشاف، فعملت للفارس لبخة ففتحت الدملة فصلحت، فحميت المرأة ورطبت مزاجها فجاءهم طبيب إفرنجي فقال لهمهذا ما يعرف شيئاً يداويهم.وقال للفارس ايما لك ان تعيش برجل واحدة أو تموت برجلين.قالأعيش برجل واحدة.قال أحضروا لي فارساً قوياً وفأساً قاطعاً.حضر الفارس والفأس وأنا حاضر، فحط ساقه على قرمة خشب وقالللفارس أضرب رجله بالفأس ضرباً واحداً واقطعها .فضربه وأنا أراه ضربة واحداً ما انقطعت، فضربه ضربة ثانية فسال مخ الساق، ومات من ساعته.وأبصر المرأة فقالهذه المرأة في رأسها شيطان قد عشقها، احلقوا شعرها، فحلقوه وعادت تأكل من مأكلهم الثوم والخردل فزاد بها النشاف، فقال الشيطان قد دخل في رأسها .فأخذ الموس وشق الرأس صليب وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكه بالملح، فماتت من وقتها.فقلت لهمبقي لكم إلي حاجة؟قالوا لا.فجئت وتعلمت من طبهم ما لم أكن أعرفه.وقد شاهدت من طبهم خلاف ذلك.كان للملك خازن من فرسانهم يقال له برناد لعنه الله، من ألعن الإفرنج وارجسهم فرحمه حصانه من ساقه فعملت عليه رجله وفتحت في أربعة عشر موضعاً والجراح كلما ختمت موضع فتح موضع وأنا أدعو بهلاكه.فجاء طبيب إفرنجي فأزال عنه تلك المراهم وجعل يغسلها بالخل الحاذق فختمت تلك الجراح وبرأ وقام مثل الشيطان.ومن عجيب طبهم انه كان عندنا بشيزر صانع يقال له أبو الفتوح له ولد قد طلع في رقبة خنازير، وكلما ختم موضع فتح موضع، فدخل إنطاكية في شغل له ومعه ابنه، فرآه راجل إفرنجي فسأله عنه فقالهو ولدي .قالتحلف لي بدينك إن وصفت لك دواء يبرئه لا تأخذ من أحد تداويه به أجرة حتى أصف لك دواء يبرئه؟فحلف.فقالتأخذ له أشنان غير مطحون تحرقه وتربيه بالزيت والخل الحاذق وتداويه به حتى يأكل الموضع، ثم خذ الرصاص المحرق وربه بالسمن، ثم داوه به فهو يبرئه.فداواه بذلك فبرأ، وختمت تلك الجراح، وعاد ما كان عليه من الصحة.وقد داويت بهذا الدواء من طلع فيه هذا الداء فنفعه وأزال ما كان يشكوه.فكل من هو قريب العهد بالبلاد الإفرنج اجفى أخلاقاً من الذين قد تبلدوا وعاشروا المسلمين.
فمن جفاء أخلاقهم قبحهم الله، أنني إذا زرت بيت المقدس دخلت إلى المسجد الأقصى، وفي جانبه مسجد صغير جعلوه الإفرنج كنيسة.فكنت إذا دخلت المسجد الأقصى وفيه الداوية وهم أصدقائي، يخلون لي ذلك المسجد الصغير اصلي فيه فدخلت يوماً كبرت ووقفت في الصلاة، فهجم علي واحداً من الإفرنج مسكني ورد وجهي إلى الشرق وقالكذا صلي فتبادر إليه قوم من الداوية أخذوه أخرجوه عني، وعدت أنا إلى الصلاة، فأغفلهم وعاد هجم علي ذلك بعينه ورد وجهي إلى الشرق وقالكذا صل!فعاد الداوية دخلوا إليه وأخرجوه واعتذروا إلي وقالواهذا غريب وصل من بلاد الإفرنج هذه الأيام، وما رأى من يصلي لغير الشرق.فقلت حسبي من الصلاة!فخرجت وكنت أعجب من ذلك الشيطان وتغير وجهه ورعدته وما لحقه من نظر الصلاة إلى القبلة.ورأيت واحداً منهم جاء إلى الأمير معين الدين رحمه الله وهو في الصخرة فقالتريد تبصر الله صغيراً؟قالنعم.فمشى بين أيدينا حتى أرانا صورت مريم والمسيح عليه الصلاة والسلام صغير في حجرها فقالهذا الله صغير - تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً.
ليس للإفرنج غيرة جنسية

(1/46)


وليس عندهم شيء من النخوة والغيرة، يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته يلقاه رجل أخر يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها، والزوج واقف ناحية ينتظر فراغها من الحديث، فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدث ومضى.ومما شاهدت من ذلك أنى كنت إذا إلى نابلس أنزل في دار رجل يقال له معز داره عمارة المسلمين لها طاقات تفتح إلى الطريق، يقابلها من الجانب الطريق الأخر دار لرجل إفرنجي يبيع الخمر للتجار قد فتح بيته من هذا الخمر، من أراد منها شيئاً فهي من موضع كذا وكذا، واجرته عن ندائه النبيذ الذي في تلك القنينة فجاء يوماً ووجد رجل مع امرأته في الفراش فقال لهأي شيء أدخلك عند امرأتي؟قالوجدت فراشاً مفروشاً نمت فيه قالوالمرأة نائمة معك؟قال الفراش لها كنت أقدر أن أمنعها من فراشها؟قال وحق ديني إن عدت فعلتها تخاصمت أنا وأنت.فكان هذا نكيره ومبلغ غيرته.
ومن ذلك انه كان عندنا رجل حمامي يقال له سالم من أهل المعرة في حمام لوالدي رحمه الله قالفتحت حماماً في المعرة أتعيش فيا، فدخل إليها فارس منهم وهم ينكرون على من يشد في وسطه الئزر في الحمام، فمد يده وجذب مئزري من وسطي رماه، فرآني وأنا قريب عهد بحلق عانتي، فقالسالم فتقربت منه، فمد يده على عانتي وقالسالم جيد!وحق ديني أعمل لي كذا واستلقى على ظهره وله مثل لحيته في ذلك الموضع، فحلقته فمر يده عليه فستوطأه فقالسالم بحق دينك اعمل للدام والدام بلسانهم الست يعني امرأته.وقال لغلام لهقل للداما تجيء.فمضى الغلام أحضرها وأدخلها، فاستلقت على ظهرها وقالاعمل كما عملت لي، فحلقت ذلك الشعر وزوجها قاعد ينظرني فشكرني ووهبني حق خدمتي.فانظروا إلى هذا الاختلاف العظيمما فيهم الغيرة والنخوة وفيهم الشجاعته العظيمة، وما تكون الشجاعة إلا من النخوة والأنفة من سوء الأحدوثة.ومما يقارب هذا أنني دخلت الحمام بمدينة صور فجلست في خلوة فيها.فقال لي بعض غلماني في الحما معنا امرأة.فلما خرجت جلست على المسطاب وإذا التي كانت بالحمام قد خرجت وهي مقابلي قد لبست ثيابها وهي واقفه مع أبيها ولم أتحقق أنها امرأة.فقلتبالله أبصر هذه امرأة هي.وأنا أقصد أن يسأل عنها.فمضى وأنا أراه رفع ذيلها وطلع فيها فألتفت إلي أبوها وقال هذه ابنتي ماتت أمها وما لها من يغسل رأسها، فأدخلتها معي الحمام غسلت رأسها.قلتجيد عملت، هذا لك فيه ثواب.
عجائب طبهم أيضاً
ومن عجيب طبهم ما حدثنا به كليما دبور صاحب طبرية وأنا معه، فحدثنا في الطريق فقالكان عندنا في بلادنا فارس كبير القدر فمرض واشرف على الموت، فجئنا إلى قس من قسوسنا قلناتجيء معنا حتى تبصر الفارس فلاناً؟قال نعم.فمشا معنا ونحن نتحقق انه إذا حط يده عليه عوفي فلما رآه قالأعطوني شمعاً.فاحضرنا له قليل شمع، فلينه وعمله مثل عقد الإصبع، وعمل كل واحدة في جانب أنفه، فمات الفارس فقلنا لهقد مات قالنعم كان يتعذب سددت أنفه حتى يموت ويستريح.
دع ذا وعد القول في هرم .
سباق ومحاكمات

(1/47)


نرجع من حديث مجاريه حضرت في طبرية في عيد من أعيادهم، وقد خرج الفرسان يلعبون بالرماح، وقد خرج معهم عجوزان فانيتان أوقفوهما في رأس الميدان، وتركوا في رأسه الأخر خنزيراً سمطوه وطرحوه على صخرة، وسابقوا بين العجوزين ومع كل واحد منهم سرية من الخيالة يشدون منها، والعجائز يقمن ويقعن على كل خطوة وهم يضحكون حتى سبقت واحده منهن لأخذت ذلك الخنزير في سبقها.وشاهدت يوماً في نابلس وقد حضروا أثنين للمبارزة، وكان سبب ذلك أن كان حرامية من المسلمين كبسوا ضيعة من ضياع نابلس فأتهموا بها رجلا من الفلاحين وقالواهو دل الحرامية على الضيعة فهرب.فنفذ الملك فقبض أولاده فعاد إليه وقالانصفني أنا أبارز الذي قال عني أنى دللت الحرامية على القرية.فقال الملك لصاحب القرية المقطعاحضر من يبارزه فمضى إلى قريته وفيها رجل حداد فأخذه وقال لهتبارز إشفاقا من المقطع على الفلاحيه لا يقتل فيهم واحد لا يقتل منهم واحد فتخرب فلاحته.فشاهدت هذا الحداد وهو شاب قوي إلى انه قد انقطع، يمشي ويجلس ويطلب ما يشربه، وذلك الأخر الذي يطلب البراز شيخ إلا انه قوي النفس يزجر وهو غير محتفل بالمبارزة، فجاء البسكند وهو شحنة البلد، لأعطي كل واحد منها العصا والترس، وجعل الناس حولهم حلقة.والتقيا وكان الشيخ يلز ذلك الحداد وهو يتأخر حتى يلجثه إلى حلقة، ثم يعود إلى الوسط.وقد تضارا حتى بقيا كعامود الدم.فطال الأمر بينهما والبسكند يستعجلهما وهو يقول بالعجلة، ونفع الحاد إدمانه بضرب المطرقة.وأعي ذلك الرجل فضربه الحداد فوقع ووقعت عصاه تحت ظهره، فبرك عليه الحداد يداخل إصبعه في عينه ولا يتمكن من كثرة الدم من عينه، ثم قام عنه وضرب رأسه بالعصا حتى قتله.وطرحوا في رقبته حبلاً وجروه شنقوه.وجاء صاحب الحداد أعطاه غفارته وأركبه خلفه وأخذه وانصرف. وهذا من جملة فقههم وحكمهم لعنهم الله .ومضيت مرة مع الأمير معين الدين رحمه الله إلى القدس، فنزلنا نابلس.فخرج إلى عنده رجل أعمى وهو شاب عليه ملبوس جيد مسلم، وحمل له فاكهة وسأله في أن يأذن له في الوصول إلى خدمته إلى دمشق ففعل، وسألت عنه فخبرت ان أمه كانت مزوجه لرجل إفرنجي فقتلته، وكان ابنه يحتال على حجاجهم ويتعاون هو وأمه على قتلهم، فاتهموه بذلك وعملوا له حكم الإفرنججلسوا بتية عظيمة وملئوها ماء عرضوا عليها دف خشب وكتفوا ذلك التهم وربطوا في أكتافه حبلاً ورموه في البتية - فإن كان برياً غاص في الماء، فحرص ذلك لما رموه في الماء ان يغوص فلما قدر.فوجب عليه حكمهم لعنهم الله فكحلوه.ثم ان رجل وصل إلى دمشق فاجرى له الأمير معين الدين رحمه الله ما يحتاجه.وقال لبعض غلمانهتمضي به إلى البرهان الدين البلخي رحمه الله تقول لهتأمر من يقرئ القرآن وشيئاً من الفقه.فقال له ذلك الأعمىالنصر والغلب!ما كان هذا ظني !قالما ظننت بي !قالتعطيني الحصان والبغلة والسلاح وتجعلني فارساً قالما اعتقدت ان أعمى يصير من الفرسان.
ولحم الخنزير
ومن الإفرنج قوم قد تبلدوا وعاشروا المسلمين فهم أصلح من القريب العهد ببلادهم، ولكنهم شاذ لا يقاس عليه .فمن ذلك أنني نفذت صاحباً إلى إنطاكية في شغل، وكان بها الرئيس نادرس بن الصفي وبيني وبينه صداقة، وهو نافذ الحكم في إنطاكية.فقال أصحابي يوماًقد دعاني صديق لي من الإفرنج، تجيء معي تراى زيهم قالفمضيت معه فجئنا إلى دار فارس من الفرسان العتق الذين خرجوا في أول خروج الإفرنج، وقد اعتقى من الديوان والخدمة، وله بإنطاكية ملك يعيش منه، فأحضر مائدة حسنة وطعاماً في غاية النظافة والجودة، ورآني متوقفاً عن الأكل فقالكل طيب النفس، فأنا ما أكل من طعام الأفرنج ولي طباخات مصريات لا أكل إلى من طبخهن، ولا أدخل داري لحم خنزير.فأكلت وأنا محترز وانصرفنا.فأنا بعد مجتازاً في السوق وامرأة إفرنجية تعلقت بي وهي تبربر بلسانهم وما أدري ما تقول.فاجتمع علي خلق من الأفرنج فأيقنت من الهلاك.وإذا ذلك الفارس قد أقبل فرآني، فجاء فقال لتلك المرأة مالك ولهاذ المسلم؟قالتهذا قتل أخي عرس، وكان هذا عرس فارساً بأفامية قتله بعض جند حماة.فصاح عليهم وقالهذا رجل برجاسي أي تاجر لا يقاتل ولا يحضر قتال وصاح على أولئك المجتمعين، فتفرقوا وأخذ يدي ومضى، فكان تأثير تلك المواكلة خلاصي من القتل.
اختبارات وملاحظات

(1/48)


الخوف من الفأرة والحية
ومن عجائب القلوب أن الأنسان يخوض المغامرات ويركب الأخطار ولا يرتاع قلبه من ذلك، ويخاف ممن لا يخاف منه الصبيان والنسوان.ولقد رأيت عمي عز الدولة أبا العساكر سلطان رحمه الله وهو من أشجع أهله له مواقع المشهورة والطعنات المذكورة، وهو إذا رأى الفأرة تغيرت صورة وجهه ولحقه كالزمع من نظرها وقام من الموضع الذي يراها فيه.وكان في غلمانه رجلاً شجاع معروف بالشجاعة والأقدام اسمه صندوق يفزع من الحية حتى يخرج عقله.فقال له والدي رحمه الله وهو واقف بين يدي عمي يا صندوق أنت رجل جيد معروف بالشجاعة ما تستحي تفزع من الحية؟قال يا مولاي أي شيء في هذا من العجب؟في حمص رجل شجاع بطل من الأبطال يفزع من الفأر ويموت - يعني مولاه.فقال عمي رحمه اللهقبحك الله يا كذا وكذا.ورأيت مملوكاً لولدي يرحمه الله يقال له لؤلؤ، وكان رجلاً جيداً ومقداما.وقد خرجت ليلة من شيزر ومعي بغال كثيرة وبهائم أريد احمل عليها من الجبل خشباً قد قطعته هناك لناعورة لي، فسرنا من ظاهر شيزر ونحن نظن أن الصبح قد دنا، فوصلنا إلى قرية يقال لها دبيس، وما تنصف الليل.فقلت أنزلوا ما ندخل الجبل في الليل.فلما نزلنا واستقرنا سمعنا صهيل حصان فقلناالإفرنج!فركبنا في الظلام وأنا أحدث نفسي ان أطعن رجل واد منهم وآخذ حصانهم ويأخذون دوابنا والرجل الذي مع الدواب، فقلت للؤلؤ وثلاثة من الغلمانتقدمونا اكشفوا هذا الصهيل.فتقدمونا يركضون فلقوا أولئك وهم في جمع وسواد كثير، فسبق إليهم لؤلؤ وقالتكلموا وإلى قتلتكم كلكم وهو رام جيد، فعرفوا صوته وقالوا حاجب لؤلؤ؟قالنعم.وإذ هم عسكر حماة مع الأمير سيف الدين سوار رحمه الله قد أغار على بلاد الإفرنج وعاد وكان هذه أقدامه على ذلك الجمع، وإذا رأى في بيته حية خرج منهزماً وقال لامرأتهدونك والحية!فتقوم إليها تقتلها.
جرح وضبعة

(1/49)


والمحارب ولو انه الأسد اتلفه واعجز اليسير من العوائق كما أصابني على حمص.خرجت وقتل حصاني وضربت خمسين سيفاً - كل ذلك لنفاذ المشيئة، ثم لتواني الركابي في تركيب عنان اللجام، فإنه عقده في الباشات ولم يشقه.فلما جذبته أريد الخروج من بينهم انحل العنان من عقدته في البشات، فنالني ما نالني.وقد كان صاح صائح يوماً بشيزر من قبله فلبسنا وفزعنا.فكان الصائح كذاباً.فرحل أبي وعمي رحمهما الله ووقفت بعدهما، فوقع الصائح من الشمال من جانب الإفرنج، فركضت حصاني إلى الصائح، فرأيت الناس في المخاض يركب بعضهم بعضاً وقالواالإفرنج!فعبرت المخاض وقلت للناسلا بأس عليكم أنا دونكم!ثم طلعت أركض إلى رابية القرافطة، وإذا الخيل مقبلة في جمع كثير، وقدم تقدم منهم فارس لابس ذردية وخوذة وقد دنا مني فقصدته استفرص بعضه من أصحابي واستقبلني، فحين حركت حصاني إليه انقطع ركابي وما بقي لي مندوحة عن لقائه فقمت إليه بلا ركاب، فلما تدنينا ولم يبقى إلا الطعن سلم علي وخدمني وإذا هو السلار زين الدين إسماعيل بن عمر بن بختيار، وكان نهض مع عسكر حماة إلى بلد كفرطاب، فخرج عليهم الإفرنج فعادوا إلى شيزر منهزمين، وتقدمهم الأمير سوار رحمه الله.فسبيل الرجل المحارب يتفقد عدة حصانه، فإن ايسر الأشياء وأقلها يؤذي ويهلك، كل ذلك مقرون بما يجري به الأقدار والأقضية.وقد شهدت قتال الأسد في مواقف لا يحصيها، وقتلت عدة منها لم يشركني أحد في قتلها، فما نالني من شيء منها أذى.وخرجت يوما مع والدي يرحمه الله إلى الصيد في جبل قريب من البلد نصيد منه الحجل بالبزاة، ولم يكن الوالد رحمه الله ونحن معه والبازيارية على الجبل وبعض الغلمان والبازيارية أسفل من الجبل للتخليص من الزاة والوقوف على النبج، فقامت لنا ضبعة فدخلت مغارة، وفي تلك المغارة محجر دخلت فيه فصحت بغلام لي ركابي اسمه يوسف خلع ثيابه وأخذ سيكنه ودخل في ذلك المحجر، وأنا في يدي قنطارية مستقبل الموضع إذا خرجت طعنتها، فصاح الغلام إليكم قد خرجت!فطعنتها أخطأتها لأن الضبعة رقيقة الحجم.وصاح الغلامعندي ضبعة أخرى!فخرجت في إثرها، فقمت وقفت في باب المغارة وهي ديقة الباب متعليه مقدار قامتين أنظر ما يعمل أصحابنا الذين في الوطا بالضباع التي نزلت إليهم، فخرجت ضبعة ثالثة، وأنا مشغول بالنظر إلى الأوائل، فندستني رمتني من باب المغارة إلى قراره التي تحته فكادت تكسرني فتأذيت بضبعه وما تأذيت بالسباع، فسبحان مقدر الأقدار ومسبب الأسباب.
الخادم والفصاد ونشر الساق وغيره

(1/50)


وشاهدت من ضعف نفوس بعض الرجال وخورهم ما لا كنت أظن بالنساء.فمن ذلك أنني كنت على باب دار والدي رحمه الله وأنا صبي وعمري دون العشر سنين، فلطم غلام لوالدي اسمه محمد العجمي صبياً من خدام الدار فانهزم منه وجاء تعلق بثوبي، فلحقه وهو ماسك بثوبي فلطمه، فضربته بقضيب كان في يدي فدفعني، فجذبت من وسطي سكيناً ضربته بها فوقعت في بزه الأيسر فوقع.وجاءنا غلام كبير لوالدي يقال له القائد أسد فوقف عليه ونظر الجرح وإذا تنفس طلع منه الدم مثل فواقع الماء، فاصفر وارتعد ووقع مغشياً عليه، فحمل إلى داره وكان يسكن معنا في الحصن على تلك الحال، فما أفاق من غشيته إلى آخر النهار، وقد مات المجروح وقبر.ومما يقارب ذلككان يزورنا رجل من أهل حلب فيه فضل وأدب يلعب بالشطرنج طبقة ويلعب بها غائباً يقال له أبو المرجى سالم بن قانت رحمه الله، فكان يقيم عندنا سنة ولأكثر ولأقل، فربما مرض فيصف له الطبيب الفصاد، فإذا حضر الفصاد تغير لونه وأرتعد، فإذا فصده غشي عليه فلا يزال في غشيه حتى يشد فصاده ثم يفيق.ومما يضاد ذلك انه كان في أصحابنا من بني كنانة رجل أسود يقال له عي ابن فرج طلعت في رجله حبة فتخبثت وتناثرت أصابعه وانتنت رجله فقال له الجراحيما لرجلك إلا القطع وإلا تلفت.فحصل عنده منشاراً وجعل ينشر ساقه حتى يغلبه فيض الدم ويغشى عليه، فإذا هو أفاق عاد نشرها حتى قطعها من نصف ساقه وداوها فبرأت. وكان رحمه الله من أجلد الرجال وأقواهم، فكان يركب في سرجه بركاب واحد، وفي الجانب الأخر سير تكون فيه ركبته، ويحضر القتال ويطاعن الإفرنج وهو في تلك الحال، وكنت أراه رحمه الله لا يستطيع رجل يشابكه ولايقابضه، وكان خفيف الروح مع قوته وشجاعته.فأصبح يوماً من الأيام وهو وبنو كنانة يسكنون حصننا حصن الجسر، أرسل إلى رجال من وجوه بني كنانة فقالاليوم يوم مطير وعندي فضلة نبيذ ومأكول تتفضلون علي بالحضور لنشرب.فاجتمعوا عنده فجلس في باب البيت وقالهل فيكم من يخرج من الباب إن لم أشأ؟يشير إلى قوته.قالوالا والله.قالهذا يوم مطير، وما أصبح في داري دقيق ولا خبز ولا نبيذ، وما فيكم إلا من في داره ما يحتاجه ليومه، أنفذوا إلى دوركم أحضروا طعامكم ونبيذكم، والبيت من عندي، ونجتمع اليوم نشرب ونتحدث.قالوا كلهمنعم ما رأيت يا أبا الحسن!وأنفذوا واحضروا ما في دورهم من طعام وشراب وقضوا نهارهم عنده، وكان رجلاً محترماً، فتعالى من خلق الخلق أطواراً أين جلد هذا وقوة نفسه من خور أولئك وضعف نفوسهم؟ وقريب من هذا ان رجلاً من بني كنانة حدثني بحصن الجسر ان رجلاً في الحصن استسقى فشق بطنه وبرئ وعاد صحيحاً كما كان.فقلت أريد أبصره واستخبره.وكان الذي حدثني رجل من بني كنانة يقال له أحمد بن معبد بن أحمد فاحضر ذلك الرجل عندي فإستخبرته عن حاله وكيف فعل في نفسه فقالأنا رجل صعلوك وحيد استسقى جوفي وكبرت حتى عجزت عن التصرف وتبرمت بالحياة فأخذت موسي فضربت به فوق سرتي في عرض جوفي، شققته فخرج منه قدر طباختين ماء يعني قدرين.وما زال الماء ينزل منه حتى ضمر جوفي، فخيطته وداويت الجرح فبرأ، فزال ما كان بي.وأراني موضع الشق في جوفه أطول من شبر ولا شبهة ان هذا الرجل كان له في الأرض رزق يستوفيه.وإلا فقد رأيت من استسقى وفصد الطبيب جوفه فخرج منه الماء كما خرج من الذي بزل نفسه إلا أنه مات من ذلك الفصد، لكن الأجل حصن حصين.
فرسان الإفرنج يهاجمون شيزر ويفشلون

(1/51)


النصر في الحرب من الله تبارك وتعالى لا بترتيب وتدبير ولا بكثرة نفير ولا نصير، وقد كنت إذا بعثني عمي رحمه الله لقتال أتراك أو إفرنج أقوله لهيا مولاي أمرني بما أتدبر به إذا لقيت العدو.فيقوليا بني الحرب تدبر نفسها وصدق.وكان امرني ان آخذ امرأته وأولاده خاتون بنت تاج الدولة تتش والعسكر وامضي أوصلهم إلى حصن مصياث وهو إذ ذاك له، وكان يشفق عليهم من حر شيزر، فركبت وركب أبي وعمي رحمهما الله معنا إلى بعض الطريق، وعاد وليس معهما إلى المماليك الصغار لجر الجنائب وحمل السلاح والعسكر كله معي.فلما قربا من المدينة سمعا طبل الجسر يضرب.فقالاشيء قد جرى في الجسر فدفعا خيلهما تناقلا ونحباً إلى الجسر.وكان بيننا وبين الإفرنج لعنهم الله هدنة.فنفذوا من كشف لهم مخاضة يعبرون منها إلى مدينة الجسر وهي في الجزيرة لا يعبر إليها إلا من الجسر معقود بالحجر والكلس لا يصل الإفرنج إليه، فدلهم ذلك الجاسوس على مخاضه، فركبوا جميعهم من افامية فأصبحوا إلى ذلك الموضع الذي دلهم عليه، عبروا الماء وملكوا المدينة ونهبوا وسلبوا وقتلوا ونفذوا بعض السبي والنهب إلى افامية وملكوا الدور، وعلم كل واحد منهم صليبه على دار وركز عليه رايته.فلما اشرف ابي وعمي رحمهما الله على الحصن كبر أهل الحصن وصاحوا.فألقى الله سبحانه وتعالى على الإفرنج الرعب والخذلان فذهلوا على الموضع الذي عبروا منه ورموا خيلهم وهم بدروعهم عليها في غير مخاض، فغرق منهم جماعة كثيرة كان الفارس يغوص في الماء فيسقط عن سرجه ويرسب في الماء ويطلع الحصان.ومضى من سلم منهم منهزمين لا يلوي بعضهم عل بعض وهم في جمع كثير، وأبي وعمي معهما عشرة مماليك صبيان.فأقام عمي في الجسر ورجع أبي إلى شيزر، وواصلت أنا أولاد عمي إلى مصياث وعدت من يومي وصلت العشاء فأخبرت بما جرى، فحضرت عندى والدي رحمه الله وشاورته في ان امضي إلى عمي إلى حصن الجسر.قالتصل في الليل وهم نيام.ولكن سر عليهم من بكرة.فأصبحت سرت وحضرت عنده وركبنا وقفنا على ذلك الموضع الذي غرق فيه الإفرنج ونزل إليه جماعة من السباح فأخرجوا جماعة من فرسانهم موتى.فقلت لعمييا مولاي ما نقطع رؤوسهم وننفذها إلى شيزر؟قالافعل فقطعنا منهم نحو من العشرين رأساً فكان الدم يسيل منهم كأنهم قد قتلوا تلك الساعة ولهم يوم وليلة.وأظن الماء حفظ فيهم دمهم.
وغنم الناس منهم سلاحاً كثيراً من الزرديات والسيوف والقنطاريات والخوذ والكلسات والزرد.ورأيت رجلاً من الفلاحين الجسر حضر عند عمي ويده في ثيابه.فقال له عمي يمزح معهأي شيء أعزلت لي من الغنيمة؟قالأعزلت لك حصاناً بعدته وزرديته وترساً وسيفاً.ومضى أحضر الجميع، فأخذ عمي العدة وأعطاه الحصان وقالأي شيء بيدك؟قاليا مولاي تقابضت أنا والإفرنجي ولا معي عدة ولا سيف فرميته ولكمت وجهه وعليه اللثام الزرد حتى أسكرته وأخذت سفه وقتلته به، وتهرأ الجلد على عقد أصابعي وورمت يدي فما تنفعني.وأظهر لنا يده وهي كما قال قد انكشفت عظام أصابعه.

(1/52)


وكان في جند الجسر رجل كردي يقال له أبو الجيش وله بنت اسمها رفول قد سباها الإفرنج، وهو قد توسوس عليها يقول لكل من لقيه يوماً سبيت رفول!فخرجنا من الغد نسير على النهر فرأينا في جانب الماء سواداً فقلنا لبعض الغلمان اسبح ابصر ما هذا السواد.فمضى إليه فإذا ذلك السواد رفول عليها ثوب أزرق وقد رمت نفسها من على فرس الإفرنجي الذي أخذها فغرقت، وعلق ثوبها في شجرة الصفصاف، فسكنت لوعة أبيها أبي الجيش فكانت الصيحة التي وقعت في الإفرنج وهزيمتهم وهلاكهم من لطف الله عز وجل لا بقوة ولا بعسكر.فتبارك الله القادر على ما يشاء.وقد يكون الترهيب في بعض الأوقات نافع في الحرب .من ذلك ان أتابك وصل الشام وأنا معه في سنة تسع وعشرين وخمس مائة وصار قاصداً دمشق.فلما نزلنا القطيفة قال لي صلاح الدين رحمه اللهاركب وتقدمنا إلى فستقة.أقم على الطريق لا يهرب أحد من العسكر إلى دمشق.فتقدمت ساعة وإذا صلاح الدين قد أتى في قلة من الصحابة.فرأينا بعذراء دخاناً فأرسل خيلاً تبصر ما هو دخان.فإذا هم قوم من عسكر دمشق يحرقون التبن الذي في عذراء فانهزموا، فتتبعهم صلاح الدين ونحن معه لعل في ثلاثين أربعين فارساً فوصلنا القصير وإذا عسكر دمشق جميعه في القصير قاطع الجسر ونحن عند الخان فوقفنا مستترين بالخان، ويخرج منا خمسة ستته فوارس حتى يبصرهم عسكر دمشق ويعودون إلى خلف الخان نوهمهم ان لنا كميناً ونفذ صلاح الدين فارساً إلى أتابك يعرفه ما نحن فيه.فرأينا نحوًا من عشرة فوارس مقبلين إلينا مسرعين والعسكر خلفهم متتابع.فوصلنا فإذا هو أتابك قد تقدم والعسكر في إثره.فأنكر على صلاح الدين فعله وقالتسرعت إلى باب دمشق بثلاثين فارساً لتكسر يا موسى ولامه وهم يتكلمون بالتركي ولا أدري ما يقولون.فلما وصلنا أوائل العسكر قلت لصلاح الدينعن آمرك اخذ هؤلاء الذين قد وصلوا وأعبر إلى خيل دمشق الواقفة مقابلهم اقلعهم .قاللا كذا وكذا ممن ينصح في خدمة هذا!ما تسمع أي شيء قد عمل بي؟ولولا لطف الله تعالى ثم ذلك الترهيب والتخييل كانوا قلعونا.وجرى لي مثل ذلك وقد سرت مع عمي رحمه الله من شيزر يريد كفرطاب ومعنا خلق من الفلاحين والصعاليك لنهب ما على كفرطاب من غلة وقطن.فانتشر الناس بالنهب وخيل كفرطاب قد ركبت ووقفت عند البلد، ونحن بينهم وبين الناس المنتشرين في الزرع والقطن، وإذا فارس من أصحابنا يركض من الطلائع قالجاءت خيل افامية!فقال عمي تقف أنت مقابل خيل كفر طاب، واسير أنا بالعسكر ألقي خيل افامية.فوقفت في عشر فوارس من شجر الزيتون متوارين، ويخرج منا ثلاثة أربعة يخيلون للفرنج ويعودون إلى شجر الزيتون، والإفرنج يعتقدونا اننا في جماعة فيهم يجتمعون ويصيحون ويدفعون خيلهم إلى ان يقربوا منا ونحن لا نتزعزع فيرجعوا، فما زلنا كذلك حتى عاد عمي وانهزموا الإفرنج الذين جاءوا من افامية.فقال له بعض غلمانهيا مولاي ترى ما فعل يعنيني ؟تخلف عنك وما سار معك للقاء خيل افامية.فقال له عميلولا وقوفه في عشرة فوارس مقابل خيل كفرطاب وراجلها كانوا اخذوا هذا العالم كله.فكان الترهيب والتخيل للإفرنج في ذلك الوقت انفع من قتالهم لأننا كنا قلة وهم في جمع كثير.
الخام المسروق وقلة الخبرة

(1/53)


وجرى لي مثل ذالك بدمشق، كنت يوماً مع الأمير معين الدين رحمه الله فأتاه فارس فقال قد أخذ الحرامية قافلة في العقبة حاملة خام فقال لينركب إليهم.فقلت الأمر لك، أمر الشاوشية تستركب العسكر معك.قالأي شيء حاجتنا إلى المعسكر؟قلتوما يضرنا من ركوبهم ؟قال ما نحتاجهم.وكان رحمه الله من أشجع الفرسان، واكن قوة النفس في بعض المواضع تفريط ومضرة.فركبنا في نحو من عشرين فارساً، فلما أن ضحونا نفذ فارسين كذا وفارسين كذا وفارسين كذا وفارساً كذا يكشفون الطرقات.وسرنا نحن في قلة فحانت صلاة العصر. فقلت ا لغلام لييا سونج أشرف مغرباً إلى ما نصلي.فما سلمنا إلا والغلام يركض.قالهذه الرجالة وعلى رؤوسهم شقاق الخام في الوادي!فقال معين الدين رحمه اللهاركبوا.قلتأمهل علينا نلبس كزاغنداتنا فإذا رأيناهم رميناهم برؤوس الخيل وطعناهم فما يدرون كثير نحن أو قليل .قالإذا وصلنا إليهم لبسنا.وركب وسرنا إليهم فلحقناهم في وادي حلبون وهو واد ضيق لعل ما بين الجبلين خمسه أذرع، والجبال من جانبيه وعره رفيعة وطريقه ضيقه إنما يمشي فيها فارس، وهم قي سبعين رجلا بالقسي والنشاب .فلما وصلناهم كان غلماننا خلفنا بسلاحنا لا يصلون إلينا وأولئك قوم منهم في الوادي ومنهم قوم في سفح الجبل، فظننت ان الذين في الوادي من أصحابنا فلاحي الضياع قد فزعوا خلفهم والذين في الجبل هم الحراميه، فجذبت سيفي وحملت على الذين في السفح .فلما طلع الحصان في ذلك الوعر إلا بآخر روحه .فلما صرت إليهم وحصاني قد وقف ما بقي يندفع استوفى واحد منهم نشبته في فوقه ليضربني، فصحت عليه وتهددت فمسك يده عني، وعدت انزلت الحصان وما اصدق اخلص منهم.
وطلع الأمير معين الدين إلى أعلى الجبل يظن أن هناك من الفلاحين من يستفزهم، وصاح إلي من أعلى الجبللا تفارقهم حتى أعود وتراي عنا.فرجعت إلى الذين في الوادي وقد علمت انهم من الحرامية فحملت عليهم وحدي لضيق المكان فانهزما وراموا ما كان معهم من الخام.وخلصت منهم بهيمتين كانت عليهما خام ايضاَ، وطلعوا إلى المغارة في سفح الجبل ونحن نراهم وما لنا إليهم سبيل.وعاد الأمير معين الدين رحمه الله آخر النهار وما وجد من يستفزه، ولو كان معنا العسكر كنا ضربنا رقابهم واستخلصنا كل ما معهم.
وقد جرى لي مرة أخرى مثل هذا والسبب فيه نفاذ المشيئة ثم قلة المخبرة بالحرب، وذلك اننا سرنا مع الأمير قطب الدين خسرو بن تليل من حماة نريد دمشق إلى خدمة الأمير العادل نور الدين رحمه الله فوصلنا إلى حمص.فلما عزم على الرحيل على طريق بعلبك قلت لهأنا أتقدم ابصر الكنيسة بعلبك إلى حين تصل.قال افعل.فركبت ومضية، فأنا في الكنيسة جاءني فارس من عنده يقولقد خرجت رجالة حرامية على قافلة أخذها، فاركب ولقني إلى الجبل فركبت ولقيته، فصعدنا في الجبل فلقينا الحرامية في وادي تحتنا، والجبل الذي نحن عليه محيط بذلك الوادي.فقال له بعض أصحابهتنزل إليهم.قلتلا تفعل، ندور على الجبل ونصير فوق رؤوسهم نحول بينهم وبين طريقهم إلى المغرب ونأخذهم.وكانوا من بلاد الأفرنج، فقال آخرإلى ما ندور على الجبل نكون قد وصلنا إليهم وأخذناهم فنزلنا.فلما رأنا الحرامية صعدوا في الجبل.فقال لياصعد إليهم.فحرصت على الطلوع، فما قدرت.وكان على الجبل من خيالة ستة سبعة فترجلوا إليهم وجاءوا يقدون خيلهم معهم وأولئك في جماعة.فحملوا على أصحابنا فقتلوا منهم فارسين وأخذوا حصانيهما وحصاناً آخر وسلم صاحبه، ونزلوا من جانب الجبل الأخر بالغنية.وعدنا نحن وقد قتل من فارسان وأخذ منا ثلاثة حصن وقافلة.فهذا تغرير لقلة المخبرة بالحرب.
الحصار

(1/54)


فأما التغرير في الأقدام فما هو للزهد في الحياة، وإنما سببه ان الرجل إذا عرف بالأقدام ووسم بأسم الشجاعة وحضر القتال طالبته همته بفعل ما يذكر به ويعجز عنه سواه، وخافت نفسه الموت وركوب الخطر كادت تغلبه وتصده عما يريد يفعله حتى يضطرها ويحملها على مكروهها، فيعتريه الزمع وتغير اللون لذلك.فإذا دخل في الحرب بطل روعه وسكن جأشه.ولقد حضرت حصار الحصن الصور مع ملك الأمراء أتابك زنكي رحمه الله وتقدم شيء من ذكره، وكان للأمير فخر الدين أرسلان بن داود بن سقمان بن ارتق رحمه الله، وكان محشوناً بالرجال الجرخية.وذلك بعد كسرته على آمد، فأول ما ضربت الخيام نفذ رجلاً من أصحابه صاح تحت الحصنيا جماعة الجرخية، يقول لكم أتابكونعمة السلطان لئن قتل من أصحابي رجلاً واحد بنشابكم لأقطعن أيديكم!ونصب على الحصان المناجيق فهدمت جانباً منه وبلغ الهدم منه بحيث نطلع الرجال، فجاء رجل من جنادرية أتابك من أهل حلب يقال له ابن العريق طلع في تلك الثغرة وضاربهم بسيفه فجرحوه عدة جراح ورموه من البرج إلى الخندق، وتكاثر الناس عليهم في تلك الثغرة فملكوا الحصن، وطلع نواب أتابك إليه فأخذوا مفاتيحه نفذها إلى حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق وأعطاه الحصن.واتفق ان نشابة جرخ ضربت رجلاً من الخرسانية في ركبته قطعت الفلكة التي على المفصل الركبة فمات.فأول ما ملك أتابك الحصن استدعى الجرخية وهم تسعة نفر، فجاءوا وقسيهم موترة على أكتافهم، فأمر بجز إبهاماتهم من زنودهم فاسترخت أيديهم وتلفت.
وأما ابن العريق فداوى جراحه وبرء بعد ان شارف على الموت، وكان رجلاً شجاعاً يحمل نفسه على الأخطار.ورأيت مثل ذلك وقد نزل أتابك على الحصن البارعة وحوله صفا صخر لا تنضرب عليه الخيام، فنزل أتابك في الوطا ووكل به الأمراء بالنوبة.فركب إليه أتابك يوماً والنوبة للأمير أبي بكر الدبيسي وما معه أهبة القتال، فوقف أتابك وقال لأبي بكر تقدم قاتلهم.فزحف بأصحابه يقال له مزيد، لم يكن قبل ذلك من المشهورين بالقتال والشجاعة، فقاتل قتالاً عظيماً وضرب فيهم بسيفه وفرق جمعهم وجرح عدة جراح، فرأيته قد حملوه إلى العسكر وهو في آخر رمقه ثم عوفي، وقدمه أبو بكر الدبيسي وخلع عليه وجعله من جملة جنادريته.
الغسياني يقطع من يشاء نصفين ويسبي المعاهدين

(1/55)


كان أتابك يقول لي ثلاثة غلمان أحدهم يخاف الله تعالى ولا يخافني يعني زين الدين علي كوجك رحمه الله، والأخر يخافني وما يخاف الله تعالى يعني نصير الله صنقر رحمه الله والآخر ما يخاف الله ولا يخافني يعني صلاح الدين محمد بن أيوب الغسياني رحمه الله.وشهدت منه تجاوز الله عنه، ما يحقق قول أتابك، وذلك أنا زحفنا يوماً على حمص وقد أصاب الأرض مطراً عظيم حتى ما بقيت الخيل تتصرف من ثقل الأرض بالوحل والرجالة يتناوشون وصلاح الدين واقف وأنا معه، ونحن نرى الرجالة بين أيدينا، فعدا واحد من الرجالة إلى رجالة حمص أختلط بهم، وصلاح الدين يراه فقال لواحد من أصحابههات ذاك الرجل الذي كان إلى جانبه.فمضى أحضره، فقال لهمن هذا الذي كان انهزم من جانبك دخل إلى حمص؟قالوالله يا مولاي ما اعرفه.قال وسطوه قلتيا مولاي تعتقله وتكشف عن ذلك الرجل فأن كان يعرفه أو مته بنسب ضربت رقبته، وإلا ترى فيه رأيك.فكأنه جنح إلى قولي، فقال غلام له من خلفه يهرب واحد يؤخذ الذي كان في جانبه تضرب رقبته أو يوسط.فأحنقه كلامه وقالوسطوه، فرفسوه كالجاري العادة ووسطوه وما له ذنب إلا اللجاج وقلة مراقبة الله تعالى.وحضرته مرة أخرى بعدما وصلنا من مصاف بغداد، وأتابك يجتهد يظهر تجلداً وقوة وقد أمر صلاح الدين بالمسير إلى الأمير قفجاق يكبسه، فسرنا من الموصل ستة أيام ونحن في غاية الضعف، فوصلنا موضعه وجدناه قد تعلق في جبال كوهستان، فنزلنا على حصن يقال له ماسر ونزلنا عليه طلوع الشمس، وامرأة طلعت من الحصن وقالتمعكم خام؟قلناأي وقت هذا للبيع والشراء؟قالتنريد الخام نكفنكم به.فإلى خمسة أيام تمتون كلكم.تريد ان ذلك الموضع وخم.فنزل ورتب الزحف من بكرة وأمر النقابين الدخول تحت البرج من تلك البراج، والحصن كله معمور بالطين، والرجال الذين فيه من الفلاحين، فزحفنا إليه وطلعنا إلى التلة، ونقب الخرسانية برجاً فوقع وعليه إثنان، أما الواحد فمات أما الآخر فأخذوه أصحابنا وجاءوا به إلى صلاح الدين.قال وسطوه.قلت يا مولاي هذا شهر رمضان، وهذا رجلاً مسلم لانتقلد إثمه قالوسطوه حتى يسلموا الحصن قلتيا مولاي الحصن تمتلكه.قال وسطوه، ولج فيه فوسطوه، وأخذنا الحصن في ساعة تلك، فجاء إلى الباب يريد النزول من الحصن، فكان معه جماعة وغلبة.فوكل به قوماً من أصحابه ومضى نزل في خيمته لحظة بقدر ما تفرق العسكر الذي كان معه، ثم ركب وقال لياركب فركبنا وطلعنا إلى الحصن، فجلس وأحضر ناطور الحصن يعرفه بما فيه، وأحضر بين يديه نساء وصبيان نصارى ويهود.فحضرت عجوز كردية فقالت لذلك الناطوررأيت ابني فلاناً؟قالقتل ضربته نشابة.قالتفابني فلان ؟قال وسطه الأمير فصاحت وكشفت رأسها وشعرها كالقطنة المندوفة، فقال لها الناطوراسكتي لأجل الأمير.قالتوأي شيء بقي للأمير يعمل بي، كان لي ولدان قتلهما فدفعوها.
ومضى الناطور فاحضر شيخاً كبيراً مليح الشيبة يمشي على عصاتين سلم على صلاح الدين قالأي شيء هذا الشيخ؟قالإمام الحصن.قالتقدم يا شيخ تقدم تقدم حتى جلس بين يديه قبض لحيته فمد يده قبض لحيته وأخرج سكينة مشدودة في بند قبائه وقطع لحيته من حكمته، فبقيت في يده مثل البرجم فقال له ذلك الشيخ يا مولاي بأي شيء أستوجب ان تفعل بي هذا الفعل؟قالبعصيانك على السلطان.قالوالله ما علمت بوصولكم حتى جاء الناطور الساعة اعلمني واستدعاني.ثم رحلنا نزلنا على حصن آخر للأمير قفجاق يقال له الكرخيني أخذناه فوجدوا فيه خزانة ملأى بالثياب خام مخيطة صدقة لفقراء مكة، وسبى من كان في الحصن من النصارى واليهود المعهادين، ونهب ما فيها نهب الروم، فالله سبحانه يتجاوز عنه.
اقف من هذا الفصل عند هذا الحد متمثلاً بقولي
دع ذكر من قتل الهوى فحديثهم ... فينا يشيب ذكره المولودا .
وأعود إلى ذكر شيء مما جرى لنا والإسماعيلية في حصن شيزر .
الإسماعيلية تهاجم شيزر

(1/56)


اجتاز في ذلك اليوم ابن عم لي يقال له أبو عبد الله هاشم رحمه الله فرأى رجلاً من الباطنية في برج من دار عمي معه سيفه وترسه والباب مفتوح وبراً منه خلق كثير من أصحابنا وما يجسر أحد أن يدخل إليه، فقال ابن عمي لواحد من أولئك الوقوفادخل إليه، فدخل إليه، فما مهله الباطني ان ضربه فجرحه، فخرج وهو مجروح.فقال لأخر ادخل إليه، فدخل إليه فضربه الباطني فجرحه وخرج كما خرج صاحبه.فقال ابن عمييا رئيس جواد ادخل إليه.فقال له الباطنييا مؤخر أنت ليش ما تدخل؟تداخل لي الناس وأنت واقف، ادخل حتى تبصر.فدخل إليه الرئيس جواد فقتله.وهذا الجواد حكم في الثقاف رجل شجاع ثقف.وما مر عليه إلا أعوام قليلة حتى رأيته بدمشق سنة أربع وثلاثين وخمس مائة وهو علاف يبيع الشعير والتبن، وقد كبر حتى صار كالشن البالي يعجز عن دفع الفأر عن علفه، فما بال الرجال، فكنت أتعجب من أول أمره، عندما صار عليه آخر أمره، وما أحال من حاله طول عمره.
تأملات أسامة بشأن طول العمر
ولم أدر ان داء الكبر عام يعدي كل من اغفله الحمام.فلما توقلت ذروة التسعين وأبلاني مر الأيام والسنين، صرت كجواد علاف لا لجواد المتلاف.ولصقت من الضعف بالأرض، ودخل من الكبر بعضي ببعض، حتى انكرت نفسي وتحسرت على أمسي، وقلت في وصف حالي
لما بلغت من الحياة إلى المدى ... قد كنت أهواه تمنيت الردا
لم يبقى طول العمر مني منة ... ألقى بها صرف الزمان إذا اعتدا
ضعفت قواي وخانني الثقتان ... من بصري وسمعي حين شارفت المدى
فإذا نهضت حسبت أني حامل ... جبلاً وأمشي إن مشيت مقيدا
وأدب في كفي العصا وعهدتها ... في الحرب تحمل أسمراً ومهندا
وأبيت في لين المهاد مسهداً ... بلغ الكمال وتم عاد كما بدا
وأنا القائل بمصر أذم من العيش الراحة والدعة وما كان أعجل تقضيه وأسرعه
أنظر إلى صرف دهري كيف عودني ... بعد المشيب سوى عاداتي الأول
وفي تغاير صرف الدهر معتبر ... وأي حال على الأيام لم تحل
قد كنت مسعر حرب كلما خمدت ... أذكيتها باقتداح البيض في القلل
همي منازلة الأقران أحسبهم ... فراشي فهم مني على وجل
أمضي على الهول من ليل وأهجم من ... سيل وأقدم في الهيجاء من أجل
فصرت كالغداة المكسال مضجعها ... على الحشايا وراء السجف والكلل
قد كدت أعفن من طول الثواء كما ... يصدئ الهند طول اللبث في الخلل
أروح بعد دروع الحرب في حلل ... من الدبيقي فبؤساً لي وللحلل
وما الرفاهة من رامي ولا أربي ... ولا التنعيم من شأني ولا شغلي
ولست أرضى بلوغ المجد في رفه ... ولا العلى دون حطم البيض والأسل

(1/57)


وكنت أظن ان الزمان لايبلي جديده ولا يهي شديده، واني إذا عدت إلى الشام وجدت به أيامي كعهدي ما غيرها الزمان بعدي.فلما عدت كذبتني وعود المطامع، وكان ذلك الظن كالسراب اللامع.اللهم غفرًا هذه جملة اعتراضية عرضت، ونفثة هم اقضت ثم انقضت.أعود إلى المهم وأدع تعسف الليل المدلهم، لوصفت القلوب من كدر الذنوب، فوضت إلى عالم الغيوم، علمت ان ركوب أخطار الحروب، لا ينقص مدة الأجل المكتوب.فأنني رأيت يوم تقاتلنا نحن والإسماعيلية في حصن شيزر معتبراً يوضح للشجاع العاقل والجبان الجاهل، ان العمر موقت مقدر، لا يتقدم أجله ولا يتأخر.وذلك اننا بعد فراغنا ذلك اليوم من القتال، صاح إنسان من جانب الحصنالرجال!وعندي جماعة من أصحابي معهم سلاحهم، فبادرنا إلى الذي صاح فقلناما بالك؟فقالحس الرجال هاهنا.فجئنا إلى إسطبل خال مظلم فدخلنا فوجدنا رجلين معهما سلاحهما فقتلناهما.ووجدنا رجل من أصحابنا مقتولاً وهو على شيء فرفعناه، ووجدنا تحته رجلاً من الباطنية قد تسجى ورفع المقتول على صدره، فحملنا صاحبنا وقتلنا الذي كان تحته ووضعنا صاحبنا في الجامع بالقرب من ذلك المكان وفيه جراح عظيمة، ولا نشك انه ميت لا يتحرك ولا يتنفس.وأنا والله كنت أحرك رأسه على بلاط الجامع برجلي ولا نشك انه ميت.وكان المسكين يجتاز الأصطبل فسمع حساً فأدخل رأسه ليحقق السماع، فجذبه واحد منهم فضربوه بالسكاكين حتى ظنوا انه قد مات.فقضى الله سبحانه ان خيطت الجراح التي في رقبته وفي جسمه وعوفي وعاد من صحته كما كان عليه.فتبارك الله مقدر الأقدار وموقت الآجال والأعمار.وشاهدت ما يقارب ذلك وهو ان الإفرنج لعنهم الله أغاروا علينا ثلث الليل الآخر.فركبنا نتبعهم فمنعنا عمي عز الدين رحمه الله من اتباعهم وقالهذه مكيدة والإغارة تكون بالليل.وخرج من البلد رجالة خلفهم ما علمنا بهم.فوقع الإفرنج ببعضهم عند رجوعهم، قتلوا وسلم بعضهم.واصبحت أنا واقفاً في بندر قنين قرية عند المدينة فرأيت ثلاثة شخوص مقبلة أما إثنان كالناس، أما الأوسط فما وجهه كوجه الناس.فلما دنوا منا فأما الوسطاني منه قد ضربه إفرنجي بسيف في وسط انفه قطع وجهه إلى أذنيه، وقد استرخى نصف وجهه وصار على صدره.وبين النصفين من وجهه فتح قريب من شبر وهو يمشي بين رجلين، فدخل البلد فخاط الجراحي وجهه وداواه، فالتحم ذلك الجرح وعوفي وعاد إلى ما كان عليه إلى ان مات على فراشه، كان يبيع الدواب ويسمى ابن غازي المشطوب، وإنما سمي بالمشطوب بتلك الضربة.فلا يظن ظان ان الموت يقدمه ركوب المخاطر، ولا يأخره شدة حرر، ففي بقائي أوضح معتبر، فكم لقيت من الأهوال وتقحمت المخاوف والأخطار ولاقيت الفرسان وقتلت الأسود وضربت بالسيوف وطعنت بالرماح وجرحت بالسهام والجروح وأنا من الأجل في حصن حصين - إلى ان بلغت تمام التسعين، فرأيت الصحة والبقاء، كما قال صلى الله عليه وسلمكفى بالصحة داء.فأعقبت النجاة من تلك الأهوال، ما هو أصعب من القتل والقتال.وكان الهلاك في كنه الجيش اسهل من تكاليف العيش، استرجعت مني الأيام بطول الحياة سائر محبوب اللذات، وشاب كدر النكد صفو العيش الرغد فأنا كما قلت
مع الثمانين عاث الدهر في جلدي ... وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
فاعجب لضعف جد مضطرب ... كخط مرتعش الكفين مرتعد
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلماً ... من بعد حطم القنا في لبة الأسد
وإن مشيت وفي كفي العصا ثقلت ... رجلي كأني أخوض الوحل في الجلد
فقل لمن يتمنى طول مدته ... هذي عواقب طول العمر والمدد
ضعفت القوة ووهنت، وتقضت بلهينة العيش وانتهت، ونكسني التعمير بين الأنام، والى الخمول يؤول تسعر الظلام، حتى أصبحت كما قلت
تناستني الآجال حتى كأنني ... دريئة سفر بالفلاة حسير
ولما تدع مني الثمانون منة ... كأني إذا رمت القيام كسير
أؤدي صلاتي قاعداً وسجودها ... علي إذا رمت السجود عسير
وقد أنذرتني هذه الحال أنني ... دنوت رحلة مني وحان مسير
مديح صلاح الدين

(1/58)


أعجزني وهن السنين عن خدمة السلاطين، فهجرت مغشى أبوابهم وقطعت اسبابي من اسبابهم واستقلت من خدمتهم ورددت عليهم ما حولوني من نعمهم، لعلمي ان ضعف الهرم لا يقوى على تكاليف الخدم، وان سوق الشيخ الكبير لا ينفق على الأمير.ولزمت داري وجعلت الخمول شعاري ورضيت نفسي بالانفراد في الغربة ومفارقة الأوطان والتربة، إلى ان تسكن نفارتها عن مرارتها وصبرت صبر الأسير على قده، والظمآن ذي الغلة عن ورده.مكاتبة مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، جامع كلام الإيمان قامع عبدة الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، محي دولة أمير المؤمنين أبو المظفر يوسف بن أيوب، جمل الله الأسلم والمسلمين بطول بقائه، وأيدهم بماضي سيوفه وأرائه، واضفى عليهم وارف ظله كما أصفى لهم من الأكدار موارد فضله برحمة نقبت عني في البلاد ودوني الحزن والسهل، بمضيعة من الأرض لامال لدي ولا أهل.فأستنقذني من أنياب النوائب براية الجميل وحملني إلى بابه العالي بإنعامه الغامر الجزيل، وجبر ما هاضه الزمان مني، ونفق على كرمه ما كسد عليه من سواه من علو سني، فغمرني بغرائب الرغائب، وانهينني من إنعامه اهنى المواهب حتى رعى لي بفائض الكرم، ما اسلفت سواه من الخدم، فهو يعتد لي بذلك ويرعاه رعاية من كأنه شاهد وراه، فعطاياه تطرقني وأنا راقد وتسري إلي وأنا محتسب قاعد، فأنا من إنعامه كل يوم في مزيد، وإكرام كتكرمة الأهل وأنا أقل العبيد.امنني جميل رأيه حادث الحادثات، وأخلف لي إنعامه ما سلبه الزمان بالنكبات المجحفات، وأفاض علي من نوافل فضله بعد تأدية فرضه وسنته، ما يعجز الأعناق عن حمل ايسر منته.ولم يبقى لي جوده املاً ارجوا نيله، اقضي زماني بالدعاء به نهاره وليله، والرحمة التي تدارك بها العباد، أحيى ببركتها البلاد، والسلطان الذي أحيى سنة الخلفاء الراشدين، واقام عمود الدولة والدين، والبحر الذي لا ينضب لكثرة الواردين مأوه، والجواد الذي لا ينقطع مع تتابع الوافدين عطاؤه.فلا زالت الأمة من سيوفه في حمى منيع، ومن إنعامه في ربيع مريع.ومن عدله في أنوار تكشف عنهم ظلم المظالم، وتكف بسطة يد المعتدي الغانم، ومن دولته القاهرة في ظل وارف، وفي سعود متتابع آنف في أثر سالف، ما تعاقب الليل والنهار، ودار الفلك الدوار
دعوت وقد أمن الحافظان ... وذو العرش ممن دعاه قريب
وقد قال سبحانه للعباد ... سلوني فإني سميع مجيب
والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين، وحسبنا الله ونعه الوكيل..
الباب الثاني
أخبار ونوادر
وما بكم من نعمة فمن الله. قال أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمينهذه طرف أخبار حضرت بعضها وحدثني بعضها من اثق به جعلتها إلحاقاً في الكتاب، إذا ليست مما قصدت ذكره فيما تقدم، وابدأت منها بأخبار الصالحين رضي الله عنهم أجمعين .
أخبار الصالحين
بصيرة البصري
حدثني الأمام الخطيب سراج الدين أبو طاهر إبراهيم بن الحسين بن إبراهيم خطيب مدينة إسعرد بها في ذي القعدة سنة اثنتين وستين وخمس مائة.قال حدثني أبو الفرج البغدادي قالشهدت مجلس الشيخ الإمام أبي عيد الله محمد البصري ببغداد حضرته امرأة فقالتيا سيدي انك كنت ممن شهد في صداقي، وقد فقت كتاب المهر، وأسألك أن تتفضل علي تقيم الشهادة بمجلس الحكم.فقالما أفعل حتى تأتيني بحلاوة.فوقفت المرأة وهي تظن انه يمزح بقوله.فقالما أفعل حتى تأتيني بحلاوة.فمضت ثم عادت فأخرجت من جيبها من تحت الإزار قرطاساً فيه حلاوة يابسة.فتعجب أصحابه من طلبه الحلاوة مع زهد ه وتعففه، فأخذ القرطاس وفتحه ورمى بالحلاوة قطعة قطعة حتى فرغ القرطاس، ونظره فإذا هو كتاب صداق المرأة الذي فقدته.فقالخذي صداقك فهذا هو فاستعظم من حضره ذلك.فقالكلوا الحلال وقد فعلتم ذلك وأكثر منه.
سمع ابن قبيس

(1/59)


حدثني الشيخ أبو القاسم الخضر بن مسلم بن قاسم الحموي بها يوم الاثنين سلخ ذي الحجة سنة سبعين وخمس مائة فالقدم علينا رجل شريف من أهل الكوفة فحدثنا قالحدثني أبي قالكنت أدخل على قاضي القضاة الشامي الحموي فيكرمني ويجلني فقال لي يوماً أنا أحب أهل الكوفة لشخص واحد منهم، كنت بحماة وأنا شاب وقد توفي بها عبد الله بن ميمون الحموي رحمه الله.فقالوا لهاوص.فقالإذا أنا مت وفرغتم من جهازي اخرجوني إلى الصحراء ويطلع إنسان إلى الرابية التي تشرف على المقابر ويناديني يا عبد الله بن القبيس مات عبد الله بن ميمون فاحضره وصلي عليه.فلما مات فعلوا ما أمرهم به.فأقبل رجلاً عليه ثوب خام ومئزر صوف من الجانب الذي ناد منه المنادي وجاء حتى صلى عليه، والناس بهتوا لا يكلمونه.فلما فرغ من الصلاة انصرف راجعاً من حيث جاء، فتلاوموا إذ لم يتمسكوا به ويسألونه، فسعوا في إثره ففا تهم ولم يكلمهم كلمة واحدة.
شهوة شيخ ماءت تتحقق
وقد حضرت ما يقارب ذلك في حصن كيفا.وكان في مسجد الخضر رجل يعرف بمحمد السماع له زاوية إلى جانب المسجد يخرج وقت الصلاة يصلي جماعة ويعود إلى زاويته وهو رجل من الأولياء فحضرته وهو بالقرب من منزلي الوفاة فقالكنت اشتهي على الله تعالى ان يحضرني شيخي محمد البستي.فما جمع له جهاز غسله وكفنه إلا وشيخيه محمد البستي عنده فتولى غسله وخرج خلفه تقدمنا صلى عليه.ثم نزل في زاويته فأقام بها مديدة وهو يزورني وأنا أزوره، وكان رحمه الله عالماً زاهداً ما رأيت ولا سمعت مثله، كان يصوم الدهر ولا يشرب الماء ولا يأكل خبزاً ولا شيئاً من الحبوب، إما يفطر على رمانتين أو عنقود عنب أو تفاحتين ويأكل في الشهر مرة أو مرتين لقيمات من لحم مقلي.فقلت له يوماً يا شيخ أبا عبد الله كيف وقع لك ان لا تأكل خبزاً ولا تشرب ماء وأنت صائم أبداً؟قالصمت فطويت فوجدتني أقوى على ذلك، فطويت ثلثاً وقلتاجعل ما آكله كالميت التي تحل للمضطر بعد ثلث.فوجدتني أقوى على ذلك فتركت الأكل والشرب الماء فألفت النفس ذلك وسكنت إليه فاستمررت على ما أنا عليه.وكان بعض أكابر حصن كيفا قد عمل للشيخ زاوية في بستان جعله له فحضر عندي في شهر رمضان وقالقد جئت مودعاً.قلتوالزاوية التي قد أعدت والبستان؟قاليا أخي ما لي حاجة فيهما ولا أقيم. وودعني ومضى رحمه الله، وذلك سنة سبعين وخمس مائة.
وهو المعرة يشعر بموت آخر في مكة
وحدثني الشيخ أبو القاسم خضر بن مسلم بن قسيم الحموي بحماة في التاريخ المتقدم ان رجلاً كان يعمل في بستان لمحمد بن مسعر رحمه الله أتى أهله وهم جلوس على أبواب دورهم بالمعرة فقالسمعت الساعة عجباً!قالواوما هو؟قالمر بي رجل معه ركوة طلب مني فيها فأعطيته فجدد وضوءه، أعطيته خيارتين فأبا أن يأخذها.فقلتان هذا البستان نصفه لي بحق عملي، ولمحمد بن مسعر نصفه بالملك.فقال أحج العام؟قلتنعم قالالبارحة بعد انصرافنا من الوقفة مات وصلينا عليه.فخرجوا في أثره ليستفهموا منه فرأوه على بعد لا يمكنهم لحاقه، فعادوا وورخوا الحديث فكان الأمر كما قال.
علي يداوي قيم مسجده

(1/60)


حدثني الأجل شهاب الدين أبو الفتح المظفر بن مسعود بن بختكين ابن سبكتكين مولى معز الدولة ابن بويه بالموصل في ثامن عشر شهر رمضان سنة خمس وستين وخمس مائة قالزار المقتفي بأمر الله أمير المؤمين رحمه الله مسجد صندوديا بظاهر الأنبار على الفرات الغربي ومعه الوزير وأنا حاضر، فدخل المسجد وهو يعرف بمسجد أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه، وعليه ثوب دمياطي وهو متقلد سيفاً حليته حديد لايدري انه أمير المؤمنين إلا من يعرفه.فجعل في قيم المسجد يدعوا للوزير، فقال الوزيرويحك أدع لأمير المؤمنين.فقال له المقتفي رحمه اللهسله عما ينفع، قل له ما كان المرض الذي في وجهه؟وكان في وجهه سلعة قد غطت أكثر وجهه فإذا أراد الأكل سدها بمنديل حتى يصل الطعام إلى فمه.فقال القيمكنت كما تعلم وأنا أتردد إلى هذا المسجد من الأنبار، فلقيني إنسان فقاللو كنت تتردد إلى فلان يعني مقدم الأنبار، كما تتردد إلى هذا المسجد لأستدعي لك طبيباً يزيل هذا المرض من وجهك، فخامر قلبي من قوله شيء قد داق به صدري، فنمت تلك الليلة فرأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو في المسجد يقول ما هذه الحضرة؟يعني حضرة في الأرض.فشكوت إليه ما بي، فاعرض عني، ثم راجعته وشكوت إليه ما قاله لي ذلك الرجل فقالأنت ممن يريد العجلة، ثم استيقظت والسلعة مطروحاً إلى جانبي وقد زال ما كان بي.فقال المقتفي رحمه اللهصدق.ثم قال ليتحدث معه وابصر ما يلتمسه واكتب به توقيعاً واحضره لأعلم عليه.فتحدث معه فقالأنا صاحب عائلة وبنات، وأريد في كل شهر ثلاثة دنانير فكنت عنه مطالعة وعنونها الخادمقيم مسجد علي، فوقع عليها بما طلب وقال ليأمض ثبتها في الديوان.فمضيت ولم أقرأ منها سوىيوقع له بذلك.وكان الرسم ان يكتب لصاحب المطالعة توقيع ويؤخذ منه ما فيه خط أمير المؤمنين.فلما فتحها الكاتب لينقلها وجد تحت قيم مسجد عليبخط المقتفي أمير المؤمنين.صلوات الله عليه.ولو كان طلب أكثر من ذلك لوقع له به.
النبي يرسل فقيراً إلى الملك شاه
وحدثني القاضي الأمام مجد الدين أبو سليمان داود بن محمد بن الحسن بن خالد الخالدي رحمه الله بظاهر حصن كيفا يوم الخميس ثاني وعشرين ربيع الأول سنة ست وستين وخمس مائة عن من حدثه ان شيخاً استأذن على خواجا بزرك رحمه الله.فلما دخل عليه رأه شيخاً مهيباً بهياً فقالمن أين الشيخ؟قالمن غربة.قالألك حجة؟قالأنا رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى الملك شاه.قاليا شيخ أي شيء هذا الحديث؟قالان اوصلتني إليه بلغت الرسالة.وإلا فأنا لا أزول حتى اجتمع به وابلغه ما معي .فدخل الخواجا بزرك على السلطان فاعلمه بما قال الشيخ فقال أحضروه فلما حضر قدم للسلطان مسواكاً ومشطاً وقال لهأنا رجل لي بنات، وأنا فقير لا اقدر على جهازهن وتزويجهن، وكل ليلة ادعو الله تعالى ان يرزقني ما اجهزهن به فنمت ليلة الجمعة من شهر كذا ودعوت الله سبحانه وتعالى بمعونتي عليهن.فرئيت الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم فقال ليأنت تدعوا الله عز وجل ان يرزقك بما تجهز به بناتك؟قلت نعم يا رسول الله.فقالامضي إلى فلان وسماه بعز ملك شاه - يعني السلطان وقل لهقال لك رسول الله عليه وسلم جهز بناتي .فقلتيا رسول الله ان طلب مني علامة ما أقول له؟قالقل له بعلامة انك كل ليلة عند النوم تقرأ سورة تبارك.فلما سمع ذلك السلطان فقالهذه علامة صحيحة، وما اطلع عليها غير الله تبارك وتعالى.فإن مؤدبي أمرني ان اقرأها كل ليلة عند النوم وأنا افعل ذلك.ثم أمر له بكل ما اطلبه لتجهيز بناته وأجزل عطيته وصرفه.
وآخر إلى الوزير علي بن عيسى

(1/61)


ويشبه هذا الحديث ما سمعته عن ابي عبد الله محمد بن فاتك المقرئ قالوكنت أقرأ يوماً على ابي بكر بن مجاهد رحمه الله المقرئ ببغداد إذا ورد عليه القاضي ابي بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري الفرضي المعروف بقاضي المارستان انه قاللما حججت بينا أطوف بالبيت إذ وجدت عقداً من اللؤلؤ فشددته في طرف إحرامي.فبعد ساعة سمعت إنساناً ينشده في الحرم وقد جعل لمن يرد عليه عشرين ديناراً، فسألته علاما ما ضاع له فاخبرني فسلمته إليه.فقال ليتجيء معي إلى منزلي لأدفع إليك ما جعلته لك.فقلت ما لي حاجت إلى ذلك، وما دفعته إليك ما جعلته لك.فقلت مالي حاجة إلى ذلك وما دفعته إلي بسب الجعالة، وأنا من الله بخير كثير.فقاللما تدفعه إلى الله عز وجل؟فقلتنعم.فقالاستقبل بنا الكعبة وأمن على دعائي.فاستقبلنا الكعبة فقالالهم اغفر له وارزقني مكافأته، ثم ودعني ومضى.ثم اتفق انني سافرت من مكة إلى ديار مصر فركبت في البحر متوجهاً إلى المغرب.فأخذت الروم المركب وأسرت فيمن أسر فوقعت في نصيب بعض القوم، فلم أزل أخدمه إلى أن دنت وفاته فأوصى بإطلاقي.فخرجت من بلد الروم فصرت إلى بعض بلاد المغرب فجلست أكتب على دكان خباز، وكان ذلك الخباز يعامل بعض تناة تلك المدينة.فلما كان في رأس الشهر جاء غلام ذلك الثاني إلى الخباز فقالسيدي يدعوك لتحاسبه فاستصحبني معه فمضينا إليه فحاسبه على رقاعه.فلما رأى معرفتي في الحساب وخطي طلبني من الخباز فغير ثيابي وسلم الي جباية ملكه وكانت له نعمة ضخمة، أخلى لي بيتاً في جانب داره.فلما مضت مديدة قال لييا أبا بكر ما رأيك في التزويج؟قلتيا سيدي أنا لا اطيق نفقة نفسي فكيف اطيق النفقة على زوجة قالأنا أقوم عنك بالمهر والمسكن والكسوة وجميع ما يلزمك.فقلتالأمر لك فقاليا والدي إن هذه الزوجة فيها عيوب شتى - ولم يترك شيئاً من العيب في خلقة من رأسها إلى قدمها إلا ذكره لي وأنا أقولرضيت.وباطني في ذلك كظاهري.فقال ليالزوجة ابنتي.واحضر جماعة وعقد العقد.فلما كان بعد أيام قال لي تهيأ لدخول بيتك، ثم أمر لي بكسوة فاخرة ودخلت إلى دار فيها تجميل والآلات، ثم أجلست في المرتبه وأخرجت العروس تحت النمط فقمت لتلقيها.فلما كشفت النمط رأيت صورة ما رأيت في الدنيا أجمل منها، فهربت من الدار خارجاً، فلقيني الشيخ وسألني عن سبب هروبي..فقلتان الزوجة ما هي التي ذكرت لي فيها من العيوب ما ذكرت.فتبسم وقاليا ولدي هي زوجتك، وليس لي ولد سواها وإنما ذكرت لك ما ذكرت لئلا تستقل ما تراه فعدت وجلبت علي.فلما كان من الغد جعلت أتأمل ما عليها من حلي وجواهر الفاخر، فرأيت من جمله ما عليها العقد الذي وجدته بمكة فعجبت من ذلك واستغرقني الفكر فيه .فلما خرجت من البناء استدعاني وسألني عن حالي وقال جدع الحلال أنف الغيرة، فشكرته على ما فعله معي، ثم استولى علي الفكر في العقد ووصله إليه .فقال لي فيم تفكر .فقلت في العقد الفلاني فاني حججت في السنة الفلانيه فوجدته في الحرم أو عقدا يشبهه .فصاح وقال أنت الذي رددت علي العقد قلت أنا ذاك .فقال ابشر فان الله قد غفر لي ولك، فاني دعوت الله سبحانه في تلك الساعة ان يغفر لي ولك وان يرزقني مكافأتك، وقد سلمت إليك مالي وولدي وما أظن اجلي إلا وقد قرب ثم أوصى الي ومات بعد مديدة قريبه رحمه الله.
الشفاء بطرق غريبة
وحدثني الأمير سيف الدولة زنكي بن قراجا رحمه الله قال دعانا شاهنشاه بحلب وهو زوج أخته .فلما اجتمعنا عنده نفذنا إلى صاحب لنا كنا نعاشره وننادمه خفيف الروح طيب العشرة فاستدعيناه فحضر، فعرضنا عليه الشراب فقال أنا محتم امرني الطبيب بالحميه أياماً حتى تشق هذه السعلة وكان في مؤخر رقبته سلعة كبيره، فقلنا وافقنا اليوم وتكون الحميه من غد.

(1/62)


ففعل وشرب معنا إلى أخر النهار، فطلبنا شاهنشاه شيئا نأكله .فقال ما عندي شيء .فلاججناه حتى أجابنا إلى ان يحضر لنا بيضا نقليه على المنقل فاحضر البيض أحضرنا صحنا وكسرنا البيض وافرغنا ما فيه في الصحن ووضعنا المقلى على المنقل ليحمى، فأشرت إلى ذلك الرجل الذي في رقبته السلعة ان يشرب البيض، فرفع الصحن على فمه ليشرب بعضه فانساب جميع ما في الصحن في حلقه فشربه، وقلنا لصاحب الدار عوضنا عن البيض .فقال والله ما افعل فشربنا ثم افترقنا .فأنا في السحر في فراشي والباب يقرع، فخرجت جاريه تنظر من بالباب فإذا هو صديقنا ذلك .فقلت أحضريه .فجاءني وأنا في فراشي فقال يا مولاي تلك السلعة التي كانت في رقبتي ذهبت وما بقي لها اثر .فنظرت موضعها فإذا هو كغيره من جوانب رقبته .فقلت أي شيء اذهبها قال الله سبحانه ما عرفت انني استعملت سيئا ما كنت استعمله غير شربي لذالك البيض النيء .فسبحان القادر المبلي المعافي .وكان عندنا في شيزر اخوان اسم الأكبر مظفر والآخر مالك بن عياض من أهل كفر طاب وهما تاجران يسافران إلى بغداد، وغيرها من البلاد، ومظفر أدركه قيلة عظيمة فهو منها في تعب، فسار في قافلة على المساوه إلى بغداد، فنزلت القافلة في حي من أحياء العرب فضيفوهم بطيور طبخوها لهم فتعشوا وناموا، فانتبه ابنه رفيقه الذي في جانبه وقال له أنا نائم أو مستيقظ قال مستيقظ لو كنت نائم ما تحدثت . قال تلك القيلة قد ذهبت وما بقي لها اثر .فنظر فإذا هو قد عاد كغيره إلى الصحه.فلما أصبحوا سألوا العرب الذين أضافوهم أي شيء أطعموهم.قالوانزلتم بنا ودوابنا عازبة، فخرجنا أخذنا فراخ غربان طبخناها لكم.فلما وصلوا بغداد دخلوا المارستان وحكوا للمتولي المارستان حكايته، فنفذ حصل فراخ غربان أطعمها لمن به هذا المرض، فلم تنفعه ولا أثرت فيه.فقال تلك الفراخ التي أكلها كان زقها أبوها أفاعي لذلك كان نفعها.ومما يشاكل ذلك ان رجلا أتى يوحنا بن بطلان الطبيب المشهور بالمعرفة والعلم والتقدم بالصنعة الطب وهو دكانه بحلب، فشكى إليه مرضه فرآه قد استحكم به الاستسقاء وكبر بطنه ودقت وتغيرت سحنته.فقال لهيا ولدي ما لي والله فيك حيلة، ولا بقي الطب ينجح فيك فانصرف.ثم بعد مدة اجتاز به وهو في دكانه وقد زال ما به من مرض وضمر جوفه وحسنت حاله، فدعاه ابن بطلان فقالما أنت الذي حضرت عندي من مدة وبك الاستسقاء وقد كبر بطنك ودقت رقبتك وقلت لك مالي فيك حيلة؟قال بلى قالبماذا داويت حتى زال ما بك؟قالوالله ما تداويت بشيء، أنا رجل صعلوك ما لي شيء ولا لي من يدور بي سوى والدتي، عجوز ضعيفة كان لها في دنين خل، فكانت كل يوم تطعمني منه بخبز.فقال له بطلانبقي من الخل شيء؟قال نعم قالامشي معي ارني الدن الذي فيه الخل.فمشى بين يديه إلى البيت أوقفه على دان الخل.فأفزع ابن بطلان ما كان فيه من الخل فوجد في أسفله افعيين قد تهرأتا.فقال لهيا بني ما كان يقدر يداويك بخل فيه افعيان حتى تبرأ إلا الله عز وجل.وكان ابن بطلان إصابات عجيبة في الطب.فمن ذلك ان رجلاً أتاه وهو في دكانه بحلب، والرجل قد انقطع كلامه فلا يكاد بفهم منه إذا تكلم.فقال لهما صنعتك؟قالأنا مغربل.فقالاحضر لي نصف رطل خل حاذق.فأحضره.فقالاشربه.فشربه لحظة فذرعه القيء، فتقيأ طيناً كثيراً في ذلك الخل، فانفتح حلقه واستوى كلامه.فقال ابن بطلان لابنه وتلامذتهلا تداووا بهذا الدواء أحد فتقتلوه.هذا كان قد علق بالمريء من غبار الغربلة تراب ما كان يخرجه إلى الخل.وكان ابن بطلان ملازماً لخدمة جدي الأكبر ابي المتوج مقلد بن نصر بن منقذ.فظهر في جدي الأكبر ابي المتوج مقلد بن نصر بن منقذ.فظهر في جدي ابي الحسن علي بن المقلد بن نصر بن منقذ رحمه الله وضح وهو صبي صغير، فاقلق ذلك اباه وأشفق عليه من البرص، فاحضر ابن بطلان وقال لهابصر ما قد ظهر في جسم علي.فنظره وقال أريد خمس مائة دينار حتى أداويه وأذهب هذا عنه.فقال له جديلو كنت داويت علياً ما كنت رضيت لك بخمس مائة دينار.فلما رأى الغضب من جدي قاليا مولاي أنا خادمك وعبدك وفي فضلك، ما قلت ما قلته إلا على سبيل المزاح، وهذا الذي بعلي بهق الشباب، وإذا أدرك ذهب عنه، فلا تحمل منه هماً ولا يقول لك سوايأنا أداويه ويتسوق عليك، فهذا يزول عند بلوغه.فكان كما قال.وكان في حلب امرأة من وجوه نساء حلب لها برة

(1/63)


لحقها برد في رأسها فكانت تعمل عليه القطن العتيق والقلنسوة والمخملة والمناديل حتى تصير على رأسها عمامة كبيرة وهي تستغيث من البرد، فأحضرت ابن بطلان وشكت إليه مرضها فقالحصلي في غد خمسين مثقالاً من كافور رياحي عارية أو مكرى من بعض الطيبين، فهو يعود إليه بأسره.فحصلت له الكافور، ثم اصبح القى كل ما على رأسها وحشا شعرها بذلك الكافور ورد على رأسها ما كان عليه من الدثار وهب تستغيث من البرد، فنامت لحظة وانتبهت تشكو الحر والكرب في رأسها حتى بقي على رأسها قناع واحد، ثم نفض شعرها من ذلك الكافور وذهب عنها البرد وصارت تتقنع بقناع واحد.حقها برد في رأسها فكانت تعمل عليه القطن العتيق والقلنسوة والمخملة والمناديل حتى تصير على رأسها عمامة كبيرة وهي تستغيث من البرد، فأحضرت ابن بطلان وشكت إليه مرضها فقالحصلي في غد خمسين مثقالاً من كافور رياحي عارية أو مكرى من بعض الطيبين، فهو يعود إليه بأسره.فحصلت له الكافور، ثم اصبح القى كل ما على رأسها وحشا شعرها بذلك الكافور ورد على رأسها ما كان عليه من الدثار وهب تستغيث من البرد، فنامت لحظة وانتبهت تشكو الحر والكرب في رأسها حتى بقي على رأسها قناع واحد، ثم نفض شعرها من ذلك الكافور وذهب عنها البرد وصارت تتقنع بقناع واحد.
وقد جرى لي بشيزر ما يقارب ذلك، لحقني برد شديد وقشعريرة من غير حمى وعلي الثياب الكثيرة والفرو، ومتى تحركت في جلوسي ارتعدت وقام شعر بدني وتجمعت.فأحضر الشيخ ابي الوفاء تميماً الطبيب فشكوت إليه ما أجد.فقالأحضر لي بطيخة هندي.فأحضرت فكسرها فقاليكل منها استطعت.قلت يا حكيم أنا في الموت من البرد والرمان بارد، كيف آكل هذه مع بردها؟قالكل كما أقول لك.فأكلت، فما انتهى أكلي منها حتى عرقت وزال ما كنت أجده من البرد.فقال ليالذي كان بك من غلبة الصفراء ما كان من برد حقيقي.
وقد تقدم ذكر شيء من غريب الأحلام، وقد أردت في كتاب المترجم بكتاب النوم والأحلام من ذكر النوم والأحلام وما قيل فيها وفي أوقات الرؤيا وفي أقوال العلماء فيها، واستشهدت على أقوالهم بما ورد فيها من أشعار العرب ووسعت الشرح واشبعت فيه المعنى، فما حاجة إلى ذكر شيء منه ها هنا لكنني ذكرت هذا الخبر واستظرفته فأوردته، كان لجدي سديد الملك ابي الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ رحمه الله جارية يقال لها لؤلؤة ربت والدي مجد الدين أبا سلامة مرشد بن علي رحمه الله.فلما كبر وانتقل عن الدار والده انتقلت معه فرزقني، فربتني تلك العجوز إى ان كبرت وتزوجت وانتقلت من دار والدي رحمه الله فانتقلت معي، ورزقت الأولاد فربتهم وكانت رحمها الله من النساء الصالحات صوامة قوامة، وكان يلحقها القولنج وقتاً بعد وقت، فلحقها يوماً من الأيام واشتد بها حتى غاب ذهنها وآيسوها، فبقيت ذلك يومين وليلتين، ثم أفاقت وقالتلاإله إلا الله!ما أعجب ما كنت فيه!لقيت أمواتنا جميعهم وحدثوني بالعجب وقالوا لي في جملة ما قالواإن إن هذا القولنج ما يعود يلحقك.فعاشت بعد ذلك بمدة الطويلة ولم يلحقها قولنج.وعاشت حتى قاربت المائة سنة، وكانت محافظة لصلواتها رحمها الله فدخلت إليها في بيت أفردته لها من داري وبين يديها طست وهي تغسل منديلاً لصلوات.فقلتما هذا يا أمي؟قالتيا بني قد مسكوا هذا المنديل وأيديهم زفرة من الجبن وكلما غسلته فاحت مته رائحة الجبن.قلتأريني الصابون التي تغسلين بها.فأخرجتها من المنديل فإذا هي قطعة جبن، وهي تظن أنها صابون، وكلما عركت ذلك المنديل بالجبن فاحت روائحه.قلتيا أمي هذه جبنة!ما هي صابونة.فنظرتها وقالتصدقت يا بني ما ظننتها إلا صابوناً، فتبارك الله أصدق القائلين " ومن نعمره ننكسه في الخلق. " الإطالة تجلب الملالة والحوادث والطوارئ اكثر من ان تحصر والرغبة إلى الله عز وجل في الستر والعافية فيما بقي من الحياة، والرحمة والرضوان عند موافاة الوفاة، فانه سبحانه اكرم مسؤول واقرب مأمول.
الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وسلامه .
الباب الثالث
أخبار الصيد
توكلت على الله تعالى
والله مني جانب لا أضيعه ... واللهو مني والبطالة جانب

(1/64)


قد ذكرت من أحوال الحرب وما شاهدته من الوقعات والمصافات والأخطار حضرني ذكره ولم ينسنيه الزمان ومره، فإن العمر طال ولزمت الانفراد والاعتزال، والنسيان من ارث ما تقدم من أبينا آدم صلى الله عليه وسلم.وأنا ذاكر فصلاً فيما حضرته وشاهدته من الصيد والقنص والجوارح.فمن ذلك ما حضرته مع ملك الأمراء أتابك زنكي بن آق سنقر رحمه الله، ومن ذلك ما حضرته بدمشق مع شهاب الدين محمود بن تاج الملوك رحمه الله، ومن ذلك ما حضرته بمصر، ومن ذلك ما حضرته مع الملك العادل نور الدين ابي المظفر محمود بن أتابك زنكي رحمه الله، ومن ذلك ما حضرته بديار بكر مع الأمير فخر الدين قرا ارسلان بن داود بن ارتق رحمه الله.
الصيد بسورية والجزيرة ومصر
الصيد في سورية
فأما ما كان في شيزر فكان مع الوالد رحمه الله، وكان مشغوفاً بالصيد لهجاً به ويجمع الجوارح، وما يستكثر ما يغرمه عليه لفرجته، فإنه كان نزهته فليس له شغل سوى الحرب وجهاد الأفرنج ونسخ كتاب الله عز وجل عند فراغه من أشغال أصحابه، وهو رحمه الله صائم الدهر مواظب على تلاوة القرآن.فكان الصيد كما جاء في الخبرروح القلوب تعي الذكر.فما رأيت قط مثل صيده وتربيته.وقد شاهدت صيد ملك الأمراء أتابك زنكي رحمه الله، وكان له جوارح كثيرة، فرأيته ونحن نسير على الأنهار فيتقدم البازدارية بالبزاة ترميها على الطيور الماء وتدق الطبول كجاري العادة فتتصيد منها ما تصيد وتخطئ ما تخطئ وورائهم الشواهين الكوهية على أيدي البازدارية.فإذا اصطادت البزاة وأخطأت أرسلوا الشواهين الكوهية على الطيور وقد أبعدت دشب خبز فتلحق وتصيد، وترسل على الحجل في طلوعها في سفح الجبل فتصيد، فإنها من سرعة الطيران على صفة عجيبة.وشاهدت يوماً ونحن في المغرقة بظاهر الموصل نسير في باذنجان وبين يدي أتابك بازيار على يد باشق، فطار ذكر دراج فارسله عليه فأخذه ونزل.فلما صار في الأرض فرط الدراج من كفه وطار.فلما ارتفع انتقل الباز من الأرض أخذه ونزل وقد ثبته.ورأيته وهو في صيد الوحش دفعات، إذا اجتمعت الحلقة واجتمع فيها الوحش شيء رموه، وكان من أيرمى الناس، فكان إذا دنا منه الغزال رماه، فنزاه كأنه قد عثر فيقع ويذبح، وكان أول غزال يضربه في كل صيد أحضره ينفذه لي مع غلام من غلمانه وأنا معه.وشاهدته وقد اجتمعت الحلقة ونحن في أرض نصيبين على الهرماس وقد ضربوا الخيام، فوصل الوحش إلى الخيام، فخرج الغلمان بالعصي والعمد، فضربوا منها شيئاً كثيراً، واجتمعوا في حلقة ذيب فوثب في وسطها على غزال أخذه وبرك عليه فقتل وهو عليه.وشاهدته يوماً ونحن بسنجار وقد جاءه فارس من أصحابه فقالها هنا ضبعة نائمة!فسار ونحن معه إلى واد هناك، والضبعة نائمة على صخرة في سفح الوادي، فترجل أتابك ومشى حتى وقف مقابلها وضربها بنشابة رماها إلى أسفل الوادي، ونزلوا جاءوا بها إلى بين يديه وهي ميتة.ورأيته أيضاً بظاهر سنجار وقد جلوا أرنباً.فأمر فاستدارت الخيل حولها وأمر غلاماً خلفه يحمل الوشق كما يحمل الفهد، فتقدم أرسله على الأرنب فدخلت بين قوائم الخيل وما تمكن منها .وما كنت رأيت الوشق قبل ذلك يصيد.ورأيت الصيد بدمشق أيام شهاب الدين محمود بن تاج الملوك للطير والغزلان وحمر الوحش واليحامير، فرأيته يوماً وقد دخلنا إلى شعراء بانياس وفي الأرض عشب عظيم، فتصدينا كثير من اليحامير، وضربت الخيام حلقة ونزلنا، فقام من وسط الحلقة يحمور كان نائماً في العشب فأخذ في وسط الخيام.ورأيت ونحن عائدون رجلاً قد رأى سنجاباً في شجرة فأعلم به شهاب الدين فجاء وقف تحته ورماه مرتين او ثلاثاً فما أصابه، فتركه وسار شبه المغتاظ الذي لم يصبه.فرأيت رجلاً من الأتراك جاء رماه فوسط النشابة فيه، فاستخرت يداه وبقي متعلقاً برجليه والنشابة فيه حتى هزوا الشجرة فوقع، ولو كانت تلك النشابة في ابن آدم كان مات لوقته، فسبحان خالق الخلق.
الصيد في مصر

(1/65)


ورأيت الصيد في مصر، كان للحافظ لدين الله عبد المجيد ابي ميمون رحمه الله جوارح كثيرة من البزاة والصقور والشواهين البحرية، فكان لهم زمام يخرج بهم في الجمعة يومين وأكثرهم رجالة على أيديهم الجوارح، فكنت أركب يوم خروجهم إلى الصيد لأتفرج بنظر صيدهم، فمضى الزمام إلى الحافظ وقال لهان الضيف فلاناً يخرج معنا - كأنه يستطلع أمره في ذلك.فقالاخرج معه يتفرج على الجوارح.فخرجنا يوماً ومع بعض البازيارية باز مقرنص بيت احمر العينين فرأينا كراكي.فقال له الزمامتقدم ارمي عليها الباز الأحمر العينين.فتقدم رماه وطارت الكراكي فلحق منها واحداً على بعد منا فحطه.فقلت لغلام لي على حصان جيدأدفع الحصان إليه وانزل أغرز منقار الكراكي في الأرض وأكتفه واترك رجليه تحت رجليك إلى ان نصلك.فمضى وعمل ما قلت له، ووصل البازيار ذبح الكركي واشبع الباز.فلما دخل الزما حدث الحافظ بما جرى وما قلته للغلام وقاليا مولانا حديثه حديث صياد.قالوأي شيء شغل هذا إلى القتال والصيد؟وكان معهم صقور يرسلونها على البلاشيب وهي طائرة، فإذا رأى البلشوب الصقر دار وارتفع، والصقر يدور في جانب آخر حتى يرتفع على البلشوب، ثم ينقلب عليه يأخذه. وفي تلك البلاد طيور يسمونها البج مثل النحام يصيدونها أيضاً، وطيور الماء في مقطعات النيل سهلة الصيد، والغزال عندهم قليل.بل في تلك البلاد بقرب بني إسرائيل وهي بقر صفر قرونها مثل قرون البقر وهي أصغر من البقر تعدو عدواً عظيماً، وتخرج لهم من النيل دابة يسمونها فرس البحر مثل البقرة الصغيرة عيناها صغيرتان وهي جرداء مثل الجاموس ولها أنياب طوال في فكها الأسفل وفي فكها الأعلى خروق لأنيابها تخرج رؤوسها من تحت عينيها وصياحها مثل صياح الخنزير، ولا تبرح في بركة لها ماء وتأكل الخبز والحشيش والشعير.
الصيد في عكا
وكنت قد مضيت مع الأمير معين الدين رحمه الله إلى عكا إلى عند ملك الإفرنج فلك بن فلك فرأينا رجل من الجنوية وقد وصل من بلاد الإفرنج ومعه باز كبير مقرنص يصيد الكركي ومعه كلبة صغيرة إذا أرسل الباز على الكركي عدت تحته، فإذا أخذ الكركي وحطه عضته فلا يقدر على الخلاص منها.وقال لنا ذلك الجنويإن الباز عندنا إذا كان ذنبه ثلاث عشر ريشة اصطاد الكركي.فعددنا ذنب ذلك الباز فكان كذلك .فطلب الأمير معين الدين رحمه الله فأخذه من ذلك الجنوي هو والكلبة وأعطاه للأمير معين الدين فجاء معنا، فرأيته في الطريق يثب على الغزلان كما يثب إلى اللحم، ووصلنا به إلى دمشق، فما طال عمره بها ولا صاد شيئاً ومات.
في حصن كيفا
وشاهدت الصيد في حصن كيفا مع الأمير فخر الدين قرا أرسلان بن داود رحمه الله.وهناك الحجل والزرخ كثير والدراج، فأما طير الماء فهو في الشط وهو واسع ما يتمكن الباز منها، وأكثر صيدهم الاراوي ومعزى الجبل يعملونا لها شباكاً ويمدونها في الأودية ويطردون الأراوي فتقع في تلك الشباك وهي كثيرة عندهم وقريبة المتصيد وكذلك الأرانب.
مع نور الدين
وشهدت الصيد مع الملك العادل نور الدين رحمه الله فحضرته ونحن بأرض حماة وقد جلوا له أرانباً فضربها بنشابة كشماء، وقامت وسبقت إلى محجر دخلته فركضنا خلفها، ووقف عليها نور الدين وناولني الشريف السيد بهاء الدين رحمه الله رجلها قد قطعته النشابة من فوق العرقوب وشقت جوفها قرنة النصلة فوقع منها بيت الولد وسبقت بعد هذا وانجحرت، فأمر نور الدين بعض الوشاقية.نزل وقلع خفافه ودخل خلفها وما وصل إليها، وقلت للذي معه بيت الأولاد وفيه خرنقانشقه واطمرهم بالتراب ففعل، فتحركوا وعاشوا. وحضرته يوماًوقد أرسل كلبة على ثعلب ونحن على قرى حصار بأرض حلب فركض خلفه وأنا معه، فلحقت الكلبة وأخذت ذنب الثعلب فرجع إليه برأسه فعض خيشومها، فصارت الكلبة تعوي ونور الدين يضحك، ثم خلاها وانجحر، فما قدرنا عليه.وجاءه يوماُ ونحن ركاب تحت قلعة حلب من شمالي البلد باز فقال لنجم الدين أبي طالب بن علي كرد رحمه اللهقل لفلان يعنيني يأخذ هذا الباز يلعب به.فقال ليفقلت ما أحسن له.فقال نور الدينانتم بالصيد ما كنتم تزالون، ما تحسن تصلح للباز؟قلتما كنا نصلحها نحن كان لنا بازيارية وغلمان يصلحونها ويتصيدون بها قدامنا، وما أخذت الباز.
والد أسامة صياداً

(1/66)


شاهدت من الصيد مع هؤلاء الأكبر شيئاً كثيراً ما اتسع لي الوقت لذكره مفصلاً وكانوا قادرين على ما يحاولونه من صيد وآلته وغيره، وما رأيت مثل صيد والدي رحمه الله، فما أدري كنت أراه بعين المحبة كما قال القائلوكل ما يفعل المحبوب محبوب.ما أدري أكان نظري فيه على تحقيق، وأنا أذكر من شيئاً من ذلك ليحكم فيه من يقف عليه.وذلك ان والدي رحمه الله كان قد فرغ زمانه لتلاوة القرآن والصيام والصيد في نهاره، وفي الليل ينسخ كتاب الله تعالى، كان قد نسخ ستاً وأربعين ختمة بخطة رحمه الله منها ختمتان بالذهب جميع القرآن، ويركب إلى الصيد يوماً ويستريح دوماً وهو صائم الدهر.ولنا بشيزر متصيدانمتصيد للحجل والأرانب في الجبل قبلي البلد ومتصيد لطير الماء والدراج والأرانب والغزلان على النهر في الأزوار من غربي البلد.وكان يتكلف في تسير قوم من أصحابه إلى البلاد لشرى البازة، حتى أنه انفذ إلى القسطنطينية احضر له منها بازة، وحملوا الغلمان معهم من الحمام ما ظنوا انه يكفي البزاة التي معهم فتغير عليهم البحر وتعوقوا حتى فرغ ما معهم من طعم البزاة، فاضطروا إلى أن صاروا يطعموا البزاة لحم السمك، فأثر ذلك في أجنحتها صار ريشها ينكسر ويتقصف.فلما وصلوا بها إلى شيزر كان فيها بزاة نادرة.وفي خدمت الوالد بازيار طويل اليد في إصلاح البزاة وعلاجها يقال له غنائم، فوصل أجنحتها واصطاد بها وقرنص بعضها عنده.
مصايد البزاة

(1/67)


وكان أكثر ما يستدعي البزاة ويشتريها من وادي ابن الأحمر بالغلاء فأحضر قوماً من أهل الجبل القريب من شيزر من أهل بشيلا ويسمالخ وحلة عار وتحدث معهم في أن يعملوا في مواضعهم مصايد للبازة ووهبهم وكساهم، فمضوا وعملوا بيوت الصيد، فاصطادوا بزاة كثيرة فراخاً ومقرنصة وزرارق، فحملوها إلى الوالد وقالوايا مولانا نحن قد بطلنا معايشنا وزراعتنا في خدمتك، ونشتهي أن تأخذ منا كل ما نصيده وتقرر لنا ثمناً نعرفه لاتجاذب فيه.فقرر ثمن الباز الفرخ خمسة عشر ديناراً، وثمن زرق الفرخ نصفها وثمن الباز المقرنص عشرة دناني وثمن الزرق المقرنص نصفها، وانفتح للجبليين أخذ الدنانير بغير كلفة ولا تعب.وإنما يعمل له بيتاً بحجارة وعلى قدر خلقته، ويغطيه بعيدان ويسترها بقش وحشيش ويجعل نافذة، ويأخذ طير حمام يجمع رجليه على قضيب ويشدها إليه ويخرجه من تلك النافذة، يحرك العود فيتحرك الطير ويفتح اجنحته، فيراه الباز ينقلب عليه يأخذه، فإذا أحس به الصياد جذب القضيب إلى النافذة ومد يده قبض ورجلي الباز وهو قابض لطير الحمام، وأنزله إليه وخيط عينيه.ويصبح من الغد يصلنا به، يأخذ ثمنه ويعود إلى بيته بعد يومين.فكثر الصيادون وكثرت البزاة حتى صارت عندنا مثل الدجاج.فيها ما يتصيد به وفيها ما يموت على الكنادر من كثرتها.وكان في خدمة الوالد بازيار وصقارون وكلابزية، وعلم قوماً من مماليكه إصلاح البزاة فمهروا فيها.وكان يخرج إلى الصيد ونحن أولاده معه في أربعة رجال ومعنا غلماننا وجنائبنا وسلاحنا.فأنا ما كنا نأمن من الفرنج لقربهم منا، ويخرج معنا بزاة كثيرة وما حولها ومعه صقاران وفهدان وكلابزيان، مع أحدهما كلاب سلوقية ومع الأخر كلاب زغارية، فيوم خروجه إلى الجبل لصيد الحجل وهو بعيد من الجبل يقول لنا إذا خرج إلى طريق الجبلتفرقوا، كل من عليه قراءة يقرأها.ونحن أولاده حفاظ القرآن.فنفترق نقرأ حتى يصير إلى مكان الصيد يأمر من يستدعينا فبسألنا كم قرأ كل واحد منا فإذا أخبرناه يقولأنا قرأت مائة آية أو نحوها، وكان رحمه الله يقرأ القرآن كما أنزل.فإذا صرنا في المتصيد أمر الغلمان فيفرق بعضهم مع البازيارية، فكيف طارت الحجل كان في ذلك الجانب باز يرسل عليه ومعه من مماليكه وأصحابه أربعون فارساً أخبر الناس بالصيد، فلا يكاد يطير طير أو يثور أرنب ولا غزال لإ صدناه، وننتهي في الجبل نصيد إلى العصر ثم نعود إلى البلد بعد عتمة.فإذا ركبنا إلى طير الماء والدراج كان ذلك يوم فرجتنا نقع في الصيد من باب المدينة ثم نصل إلى الأزوار فيقف الفهود والصقور براً من الزور وندخل إليه بالبزاة، فإن طارت دراجة أخذها الباز، ولإن قفزت أرنب أرسلنا عليها بعض البزاة، فإن أخذها وإلا خرجت عند الفهود أرسلوا عليها، وإن قفز غزال خرج إلى الفهود أرسلوا عليه، فإن أخذ وإلا أرسلوا عليه الصقور فما يكاد يفلت منا صيد إلا بفسحة الأجل.وفي الأزوار خنازير كثيرة تخرج فنركض عليها ونقتلها فيكون فرحنا بقتلها أكثر من فرحة الصيد.وكن له ترتيب في الصيد كأنه ترتيب الحرب والأمر المهم لا يشتغل أحد بحديث مع صاحبه ولا لهم إلا التبختر في الأرض لنظر الأرنب أو الطير في أوكارها.
الأرمن يرسلون بزاة

(1/68)