صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : خريدة القصر وجريدة العصر
المؤلف : العماد الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ذكر أنه كان مقيماً بمصر وتولى شرطتها.
وله:
عضّ تفاحة وناولنيها ... آهِ منها وآهِ من مهديها
فإن اشتقتُ منه طيب ثنايا ... ه أقبّلْ مواضع العضّ فيها
وله:
إنّي متى يجفو الحبي ... ب وصلت جفوته ببيْن
ومنعتُ عيني أن ترا ... ه ولو رأته فقأتُ عيني
وجعلتُه بفعاله ... في العين مثل قذاة عين
ووضته دون الحضي ... ض لو انّهُ في الفرقدين
وقطعتُه لو كان يش ... به أحمد ابن أبي الحسين
أبو علي بن محمد بن القاف الكاتب
له:
ولما رأيتُالناس لا خير عندهم ... صددت وبيت الله عن صحبة الناس
وصرتُ جليسَ الفكر ما دمت فيهمُ ... وأعملتُ حسنَ الصبر فيه مع الياس
وله:
سأكرم نفسي جاهداً وأصونها ... وإن قرّحت من ناظريّ جفونُها
ولست بزوّار لمن لا يزورني ... ولا طارحاً نفسي على من يهينُها
وله:
إذا ما أراد المرء إكرام نفسه ... رعاها ووقّاها القبيح وزيّنا
وإن هو لم يبخل بها وأهانها ... ولم يرْعَها كانت على الناس أهونا
وله في إفشاء السر:
حدثتُ خِلّي بهمّ ... رجوت منه انفراجي
وكان سرّي لديه ... كالنّار والليلُ داج
وله:
أيها الخائف المكا ... رِهَ وطّن لها الحشا
رُبّ أمرٍ كرهتَه ... نلتَ فيه الذي تشا
أخوه
أبو العباس بن محمد بن القاف
يا تائِهاً بجماله رِفقا ... أنت الذي عذّبتني عشقا
وزعمتَ أنك لا تكلمني ... عشراً فمَنْ لك أنني أبقى
وله:
وسقانا الراحَ ساقٍ ... ما له في الحسن نِدُّ
فهي في الكأس أقاح ... وهي في خدّيه ورد
وله:
أموالكم في النجم أودعتم ... ولا تحبّون الجفا والأذى
وتكرهون الهجوَ مني لكم ... هيهاتَ ما تسمح نفسي بذا
القائد أبو الفتوح
ابن القائد بدير المكلاتي، سند الدولة، حاجب السلطان
له:
ليس في الدنيا سرورٌ ... إنما الدنيا همومُ
وإذا كان سرورٌ ... فقليلٌ لا يدوم
تركها أفضلُ منها ... ذا بهذا لا يقومُ
أبو الحسن علي بن عبد الجبار
ابن الوداني
من أهل القرآن، وسبق ذكر والده وعمه له:
يا قانطاً من حالِه ... إن القنوط من البليّهْ
لا تيأسنّ من الغِنى ... لله ألطاف خفيّهْ
أبو علي بن حسين بن خالد الكاتب
له:
وشادن قُدّ قميص الهوى ... في حبّه ما عنه لي مذهبُ
كأنما الصّدغ على خدّه ... ياقوتة تلبسها عقربُ
وله:
لا تحاول من يَزيدٍ ... فضلَه واستغن عنه
ربما عضّك كلبٌ ... إن طلبت العظْم منه
أبو بكر محمد بن سهل الكاتب المعروف ب
الرزيق
له:
ضرائبُ الناس وأخلاقُهم ... شتى ضروب عندما تخبر
منها الزلال العذب إن ذقته ... يوماً ومنها الآجن الأكدر
فالخير فيهم ثمَدٌ آجن ... والشرُّ فيهم حصرم يزْحَر
أبو الفضل مشرف بن راشد
له:
سرتْ ورداء الليل أسحمُ حالك ... ولا سائرٌ إلا النجوم الشوابك
عشية أعشى الدمعُ إنسانَ مقلتي ... ونمّت بأسراري الدموع السوافك
وطاف الكرى بالطرف وهو محجّبٌ ... كما طاف بالبيت المحجّب ناسك
سرت موهِناً ثم استقلّت فودّعت ... يجاذبها حِقفٌ من الرمل عاتك
به غصنُ بانٍ أثمر البدرَ طالعاً ... عليه قناع من دُجى الليل حالك
غريبة حسن يحسن الهجر عندها ... وأعجِبْ بها محبوبةً وهي فاتك
وأحور مكحول المدامع عاقني ... عن الصبر فاستولت عليه مهالك

(2/409)


رعى الله أكنافَ الجزيرة إن رعى ... سوائمها عضْبُ الغِرارين باتك
يشيد أعاديه الحصونَ منيفةً ... وهل منع الإفشينَ ما شاد بابك
وإني لآتي الحقَّ فيما أقوله ... وما أنا فيما يعلم الله فاتك
شهدتُ لقد حاز العلا بيمينه ... غداة تصدّاه الرّدى وهو ضاحك
ليوث وغًى أذكت خلال ضلوعها ... لهياً أنارته لهنّ الحسائك
ومنه يصف القتلى، وطابق أربعة بأربعة في بيت واحد:
فأقصاهمُ رضوانُ عن روح جنة ... وأدناهمُ من نفحة النار مالك
وأنا أقول إن كان قد طابق ولكن في البيت اضطراب بيّن من قبل المقابلة، فأمعن النظر فيه.
وله من أخرى:
للتّلاقي يهونُ ما قد ألاقي ... من سُهاد وعَبرة واشتياقِ
لو تخلّصت للقاء لأطفأ ... تُ غليلي بدمعيَ المهراقِ
فدموع الفراق كالنار حَرّا ... وكذا ضدّها دموعُ التلاقي
كنتُ في غبطةٍ وطيب حياة ... لو وقاني من سطوة البيْن واق
كم قطعت الدجى بوصل حبيب ... وسّع العيشَ منه ضيقُ العناق
آهِ من صبوتي التي لم تدعني ... نازعاً من صبابةِ العشّاق
وله من أخرى:
أيه الغصن لِنْ بعطفك غضّا ... وليكن منك للقطيعة رفْضُ
وأجزِ ودّي بمثله ودع السخ ... ط وعُد للرضا فللختم فضُّ
يا شقيق الفؤاد حكمُك جورٌ ... لك مني حبٌ ولي منك بغضُ
نمْ هنيئاً فما دنا من جفوني ... مذ تناءيت عن جفوني غمضُ
غير أني إذا تأخر حظي ... منك والدمع واكف مُرفضُّ
كان لي مدح صاحب الخمس إبرا ... هيم حظا له على الفخر حضُّ
وله:
ما للحبيب وما لي ... تفديه نفسي ومالي
أريدُ عنه سلواً ... فإن بدا لي بدا لي
وله:
بثناياكَ العِذابِ ... لا تُطِلْ فيك عذابي
كنْ رحيماً بي رفيقاً ... واجعلِ الوصلَ ثوابي
لا يغرّنّك صبري ... واحتمالي منك ما بي
فالأسى بين ضلوعي ... والضّني بين ثيابي
وله في ذم مغنٍ:
غنّى فكدّ وعنّى ... مني فؤاداً مُعنّى
فقلت ماذا غناء ... تنحّ بالله عنّا
وله:
ما روضةٌ بالحَزْنِ ممطورةٌ ... لم تنتهبها أعينُ الناسِ
بكى عليه الغيث فاستضحكت ... عن نرجس غضٍّ وعن آسِ
أحسنَ من وجه أبي طاهر ... وإن رمى قلبي بوسواسِ
وله في صفة الليل الطويل:
وليلٍ كأن الحشرَ أول ساعة ... به بتّه والصبرُ ليس بنافعي
غنائي به لحنُ الثقيل من الأسى ... وشربي وإن أظمأ كؤوس مدامعي
فيا لك من ليلٍ أضاقَ مذاهبي ... وإن بتّ في ثوبٍ من الحزن واسعِ
سليمان بن محمد الطرابلسي
ذكر أنه سافر الى افريقية، وانتقل الى الأندلس، وتوطّنها، واتخذها لمخالطة ملوكها سكَناً، ومن شعره قوله من قصيدة:
نبّهتهُ لما تغنّى الحمام ... ومزّق الفجرُ قميصَ الظلامْ
وقلت قم يا بدرَ تمّ أدر ... في فلك اللهو شموسَ المدام
فقام نشوان وشمل الكرى ... له يرتمي مقلتيه التئام
ومجّ في الدنّ خلوقية ... عتّقها في الدنّ طول المقام
لاحت تحاكي ذهباً خالصاً ... دار من الدرّ عليها نظام
بِنتُ عناقيد إذا خامرت ... شيخاً أعارته مجون الغلام
يا هل لعيشي معه أوبة ... تعيد في وجه حياتي ابتسام
وله من قصيدة:
أجِرْ جفوني من دمعٍ ومن سهر ... وأضلعي من جوى فيهن مستعر
جرى عليّ بما شاء الهوى قدرٌ ... يا قومُ ما حيلة الإنسان في القدر
ما كنت أحسب دمعي سافكاً لدمي ... حتى أبحتُ لعيني لذّة النظر

(2/410)


رميتُ نبلاً أصابتني فلست أرى ... يوماً أعاود ذاك النزعَ في وتري
وله:
سبحانَ من صاغ الأنامَ بقدرة ... منه وأفرد بالملاحة جعفرا
حمل المحاسنَ كلّها مجموعة ... في وجهه كالصيد في جوف الفَرا
أبو الفتح محمد بن الحسين
ابن القرقوري الكاتب
أثنى على نظمه ونثره كثيراً، وذكر أنه كان قدْرُه كبيراً.
له:
حسب العواذل ما قد مرّ من عذلي ... شغلن بي وأنا عنهنّ في شُغُلي
يسُمْنَني النّسك لا يسأمن معتبتي ... ولا وحقّ الصبا ما النّسك من عملي
هيهاتَ خامرني خمر العيون كما ... تخامر الخمر عقل الشارب الثّمِل
إن العيون نفثن السّحر في عُقدي ... سحراً يوهّن كيدَ الفاتك البطل
وله:
بلا مِريةٍ إنّ العذولَ لمسرفُ ... غداةَ اغتدى في مجهَلِ اللوم يعسفُ
أطال صحيحاً من ملامة مدنف ... وشتّان في أمر صحيح ومدنف
فيا طيبها من كفّه إذ يديرها ... ويدني ثناياه إليّ فأرشف
رضاب أبِن لي ما بردت ببرده ... غليليَ أم ماء زلال وقَرقفُ
ووجهك أم صبح وفرعك أم دجى ... ولحظك أم عضب الغرارين مرهف
فيا زهرة الدنيا التي ليس تُجْتَنى ... من الصون إلا بالعيون وتقطف
تقاسمك الضدان شطرٌ مثقّل ... تحمّل أعباء وشطرٌ مخفّف
أقلبي الذي راع العذولَ اضطرابُ ... فأقصر عني أو جناح يرفرف
ضَلالٌ رجاء العاذلين إنابتي ... وإن قيّدوني جاهلين وعنّفوا
وفي المخلص:
وماذا عليهم أن أجود بتالدي ... وأفني طريفي قبل يومي وأتلف
لهم ما اقتنوا فليحرصوا في ادّخاره ... ولي كنز شِعر لا يبيد ويوسف
أبو عبد الله محمد بن الحسن
ابن القرني الكاتب
ذكر أنه منجّم، حاسب، كاتب.
له في وصف الغرق:
ينضج جسمي على الفراش لما ... بالقلب من لوعة ومن حُرق
لعارض يستهلّ واكفه ... عليّ واش بالوابل الغدِق
مثل غريق نجا بمهجته ... وكابد الموجَ خشيةَ الغرق
أبو القاسم هاشم بن يونس الكاتب
ذكر أنه صاحب ترسل ومقامات، وملَح وروايات وله من قصيدة:
ألمّت بنا والليل سود ذوائبه ... تطالعنا راياتُه ومواكبُه
وبين سواد الليل أبيض ماجد ... تخرّ لديه ساجدات كواكبه
على حينَ نام الليل وانتبه الهوى ... وأونس مغناه وأوحش راكبه
ولما بدا طيف البخيلة سامحت ... بوصل ولا وصلٌ لمن هو طالبه
عجبت لدانٍ وصله وهو نازحٌ ... كأني على بعد الدّيار أقاربه
بعيدٌ قريبٌ في الفؤاد محلّه ... فدر تنائيه ونفس تصاقِبه
وبتنا ونار الحب تضرم بيننا ... ودمع الهوى يهمي على الخد ساكبه
أقبّله طوراً وطوراً أضمّه ... وأعرضتُ عن دهري فلست أعاتبه
وفارقني عند الصباح برغمه ... وكل عطاء النوم فالصبحُ سالبه
وله من أخرى:
وأغيد مجدول القوام مهفهف ... دعاني فلم ألبث ولم أتخلّفِ
فلما استمرّ الحب بيني وبينه ... وفيت له بالعهد فيه ولم يفِ
ومنها:
أكلُّ خليل هكذا غير مسعف ... وكل حبيب في الهوى غير منصف
نعم كل مسدول الغدائر غادر ... وكل لطيف الكشح ليس بملطف
ومنها:
ويوم كأن الشمس فيه عليلةٌ ... لها من وراء السّجْفِ نظرةُ مُدنَفِ
جمعتُ الهوى فيه لأبيض ماجد ... أعلّ ببكر من ثناياه قرقَفِ
وصَحْبٍ سمتْ بي همة فصحبتهم ... فمن متلفٍ مالاً وآخرَ مخلف
ومنها:
ويوم تنادوا من يجير من الرّدى ... وما لخيول القوم من متصرف

(2/411)


وقفتَ أبا نصر تكفكف عنهمُ ... وتطعن بالخطيِّ أشرفَ موقف
ومنها:
لقاء أعادٍ وامتطاء مطيّهم ... وتقليب هنديّ وهزّ مثقّف
أحب إليه من مُدام وقينة ... وأحور معشوق الشمائل أهيف
وله:
رُبّ ليلٍ سوادُه ... كسواد الذوائبِ
صارمي فيه حاجبي ... والرّديني كاتبي
سرت فيه كأنّني ... بعض زُهْر الكواكب
راكباً عزمة الهوى ... أي طِرْف وراكب
ونهار بياضه ... كبياض التّرائب
وهجير يحَرّ قل ... بي لهجر الحبائب
واشتياقي إليك كا ... ن دليلي وصاحبي
وله مما يكتب على سكين:
مطبوعة من شَفار ... ومن شَبا الأشفارِ
أعارها فعلُ عيني ... ك فاتكٌ لا يباري
القاضي أبو الفضل الحسن بن ابراهيم بن الشامي
الكناني
له من قصيدة، مرثية:
فلا البؤسُ مدفوعٌ بما أنت جازع ... ولا الخيرُ مجلوبٌ بعلم ولا فهم
وأن الحريص العمر يلقيه حرصه ... الى حفرة جوفاء واهية الرضم
تعلّم بأن الموت أزينُ للفتى ... وأهونُ من عيش يشين ومن وصم
أبو الفضل أحمد بن علي الفهري
صاحب الشرطة
له:
خليليّ مالي قد حُرِمتُ التدانيا ... وأصبحتُ عن وصل الأحبة نائيا
وما كان لي صبرٌ على البين ساعةً ... فها أنا في بينٍ سنينَ ثمانيا
رعى الله أحباباً وقرّب دارَهم ... وبلّغ مشتاقاً وأطلقَ عانيا
عبد الجبار بن عبد الرحمان
ابن سرعين الكاتب
له في حاسد:
وحاسدٍ لا يزال منّي ... فؤادُه الدهرَ في اشتعال
كاتبُ يمناه مثل حالي ... ومثله كاتبُ الشّمال
ذاك في راحةٍ وهذا ... في تعبٍ منه واشتغال
وله:
يا بدر تمّ على غصن من الآس ... ألا يرقُّ لقلبي قلبُك القاسي
ما لامني الناس إلا زدتُ فيك هوى ... قلبي بحبكَ مشغول عن الناس
الأمير أبو محمد
عمار بن المنصور الكلبي
ذكر أنه من أفاضل العلماء، وسادات الأماء، وذو يد في الفقه والحديث.
وله:
تقول: وقد رأيتُ رجالَ نجد ... وما أبصرتَ مثلَك من يَمانِ
ألِفْتَ وقائع الغمرات حتى ... كأنك من رداها في أمانِ
الى كم ذا الهجوم على المنايا ... وكم هذا التعرّض للطعانِ
فقلت لها: سمعت بكل شيء ... ولم أسمع بكلبيٍّ جبان
ويقول في ابن عمه شكاية:
ظننتُك سيفاً أنتضيكَ على العدى ... وما خلتُ أني أنتضيك على نفسي
وجئتك أبغي رفعةً وكرامةً ... فأمسيتُ مقهوراً بقربك في حبس
الأمير ثقة الدولة
جعفر ابن تأييد الدولة الكلبي
كان أحد ملوك صقلية.
كتب إليه بعض الكتاب:
أنت مولى النّدى ومولايَ لكن ... رُبّ مولىً يجور في الأحكام
قد وعدت الإنعام فامْنُنْ بإنجا ... زك ما قد وعدت من إنعام
فكتب إليه:
حاش لله أن أقصّرَ فيما ... يبتغيه الوليّ من إنعامي
أنا موفٍ بما وعدت ولكن ... شغلتني حوادثُ الأيام
أبو الحسن علي بن عبد الله
ابن الشامي
له من قصيدة:
يا سيدي لي أوامر كرمت ... فارْعَ لها لا عدمتُك الذِّمما
فكم أناس حقوقها جحدوا ... ظلماً وما عادل كمن ظلما
فحسّنوا جحدها بلؤمهمُ ... وإنما هجّنوا به الكُرَما
وله في الوداع:
ودّعني وانصرفا ... يحملُ وجداً متلفا
ملتفتاً وكلّما ... ثقل رجلاً وقفا
وله:
إذا نحن أعيانا اللقاء فودنا ... بمحْضِ التصافي كل حين له ورد
ولا صنعَ للأيام في نقض مُبرَمٍ ... يعودُ جديداً كلّما قدم العهد
القائد أبو محمد
الحسن بن عمر بن منكود
له يصف النيلوفر:

(2/412)


كؤوسٌ من يواقيت ... تفتّحُ عن دنانير
وفي جنباتها زهرٌ ... كألسنة العصافير
أبو حفص عمر بن الحسن
ابن الفوني الكاتب
ذكر أنه لغوي، شعر، كاتب، منجم، مهند.
وله في مرثية أولها:
للموت ما يولد لا للحياه ... وإنما المرءُ رهينُ الوفاه
كأنما ينشره عمره ... حتى إذا الموت أتاه طواه
من ترْم أيدي الدهر لا تُخطِه ... والدهرُ لا يخطئ من قد رماه
وله:
نفس الفتى عارية عنده ... ما بخله بالرّدّ إلا سفاه
وله:
بأبي من غدا صَمي ... مَ فؤادي محلُّهْ
والذي عقْدُ حبّه ... ليس خلْق يحُلّهْ
أيها العاذل الذي ... طال في الحب عذْلُهْ
أتراني مللْتُه ... لست ممن يملّه
لا ولا اعتضت غيره ... بل له الودّ كلّه
وله:
يا لدمعٍ أعلن الس ... رّ وقد كان مصونا
باح بالوجد فأبدى ... للورى داءً دفينا
مااذي يصلح عيني ... قبّح الله العيونا
جلبت حتفي ونمّت ... فاحْتفَتْ منّي الظنونا
وغدا ما كان شكّاً ... عند أقوامٍ يقينا
أبو بكر محمد بن علي بن عبد الجبار
الكموني
له:
ما إن رأيتُ كراقص ... مستظرف في كل فنِ
يحكي الغناءً برقصه ... كمراقص يحكي المغني
رجلاه مزمار وعو ... د في نهاية كلّ حسن
فهو السرورُ لكل عي ... ن والنعيمُ لكل أذن
وله:
يا بأبي ريّان طاوي الحشا ... يقطعه الدلّ إذا ما مشى
يحسبه الناس إذا ما خطا ... منتشياً لكنّه ما انتشى
رزيق بن عبد الله الشاعر
ذكر أنه كان محارفاً، ولم يزل حرمانه بضعف حظّه متضاعفاً، برّه بعض الرؤساء بدنانير وظن أنه يعينه، فلما عاد الى بيته وجد لصاً قد سرق جميع ما فيه.
فقال:
محاني اللهُ من ديوان سعدِهْ ... وأيأسَ راحتي من نيل رِفدِهْ
إذا ما السعدُ أسعفني بشيء ... يقوم النّحس محتسباً لردّه
أبو محمد عبد الله بن مخلوف الفأفأ
له:
يا من أقلّ فؤادي ... ولحظ عينيَ علّه
صِلْني تصلني حياتي ... وامْنُنْ عليّ بقُبله
وله:
يا من يجود بدائِه ... لا تبخلنْ بدوائِهِ
واعطف على قلب غدا ... مثواك في سودائه
وانضح بماء الوصل نا ... رَ الهجر في أحشائِه
أمرَضْتَه بجفونك ال ... مرضى فجُدْ بشفائه
أبو حفص عمر بن حسن
ابن السطبرق
ذكر أنه من أهل الدين، والورع، والعفاف.
وله في الزهد:
سيلقى العبدُ ما كسبت يداه ... ويقرأ في الصّحيفة ما جناه
ويسأل عن ذنوب سالفات ... فيبقى حائراً فيما دهاه
فيا ذا الجهل ما لك والتمادي ... ونارُ الله تحرق من عصاه
فعوّلْ في الأمور على كريم ... توحد في الجلالة في علاه
وأمِّلْ عفوه وافزع إليه ... وليس يخيب مخلوق رجاه
أبو حفص عمر بن خلف بن مكي
ذكر أنه انتقل الى تونس، وولي قضاءها، وهو فقيه، محدث، خطيب، لغوي، وفضله بالألسنة في جميع الأمكنة مأثور مروي، وله خطب لا تقصر عن خطب ابن نباتة، تعجب رواته.
ومن شعره قوله:
يا حريصاً قطع الأيامَ في ... بؤس عيش، وعناء، وتعبْ
ليس يعدوك من الرزق الذي ... قسم الله فأجمِلْ في الطلبْ
وقوله:
نعماكمُ طردتنا عن زيارتكم ... وقنّعتْنا حياءً آخرَ الأبد
إنّ الزيادة في الإحسان طاردة ... للحرِّ عن موضع الإحسان فاقْتصِد
وقوله:
لا تبادرْ بالرأي من قبل أن تس ... أل عنه وإن رأيتَ عوارا
أحمقُ الناس من أشار على النا ... س برأي من قبل أن يُستشارا
وقوله:

(2/413)


لا تصحبنّ إذا صحبت أخا ... جهلٍ ولو أنّ الحياة معَهْ
إن الجهول يضرّ صاحبَه ... من حيث يحسب أنه نفعَهْ
وقوله:
صديقي الذي في كل يوم وليلة ... يكلفني من أمره ما لَهُ بال
ولا يؤثر التخفيف عني فإنما ... علامة صدق الودّ عندي إدلال
وقوله من قطعة:
عادِ الجهولَ فإنه ... ممن يعينُك في هلاكِهْ
واحذر معاداة اللبي ... ب فليس يخلص من شباكِهْ
وقوله:
اجعلْ صديقك نفسك ... وجوفَ بيتك حِلْسَك
واقنع بخبزٍ وملح ... واجعل كتابَك أنسك
واقطع رجاءك إلا ... ممن يصرِّفُ نفسك
تعشْ سليماً كريماً ... حتى توافيَ رمسك
وقوله:
وإذا الفتى بعد طو ... ل خصاصة بلغ الأملْ
فكأنّ بؤسي لم تكن ... وكأنّ نُعمى لم تزُلْ
وقوله في مدح الانفراد:
من كان منفرداً في ذا الزمان فقد ... نجا من الذل والأحزان والقلقِ
تزويجنا كركوب البحر ثم إذا ... صرنا الى ولدٍ صرنا الى الغرق
وقوله في الشيب:
أيروم من نزلَ المشيب برأسه ... ما قد تعوّد قبلُه من فعلِه
من لم يميّز نقصَه في جسمه ... في الأربعين فإنّه في عقله
وقوله:
عجَباً للموت يُنسى ... وهو ما لا بدّ منه
قُل لمن يغفل عنه ... وهو لا يغفل عنه
كيف تنساه وقد جا ... ءتك رُسْل من لدنه
سوف تلقى الويلَ إن جئ ... تَ بعذرٍ لم تبِنه
وترى جسمَك في النا ... ر غداً إن لم تصنه
والذي ينجو من النا ... ر أخو التقوى فكُنْه
أبو الحسن بن عبد الله الطرابلسي
له في بدوّ الشيب:
وزائرة للشيب حلّت بعارضي ... فعاجلتُها بالنّتْفِ خوفاً من الحتف
فقالت: على ضعفي استطلْتَ ووحدتي ... رويدَك للجيش الذي جاء من خلفي
وله:
أتدري ما يقول لك العذولُ ... وتدري ما يريدُ بما يقولُ
يريد بك السلوّ وهل جميل ... سلوّك عن بُثينة يا جميلُ
وله من قطعة:
يا ربّة الهودج المزرور كيف لنا ... بالقرب منك وهل في وصلكم طمَعُ
إن تبذليه فإن الماءَ من حجرٍ ... أو تبخلي فمنال الشمس يمتنعُ
أبو القاسم عبد الرحمان بن عبد الغني
المقرئ الواعظ
له مرثية:
سيف المنية آفةُ العمْرِ ... كلّ العباد بحدّه يفْري
حكم المهيمن بالفناء لنا ... فمَنِ الذي يبقى على الدّهْر
وله:
أيا من نال في الدنيا مُناه ... تأهّبْ للفراق وللرحيل
ولا تفرحْ بشيء قد تناهى ... فما بعد الطلوع سوى النزول
أبو بكر عتيق بن عبد الله بن رحمون
الخولاني المقرئ
لا تخش في بلدة ضياعا ... حيث حياة فثمّ رِزقُ
قد ضمن الله للبرايا ... رزقهم فالعناء حُمقُ
أبو سعيد
عثمان بن عتيق الصفار الكاتب
له من قصيدة في الأمير المعتصم أبي يحيى محمد بن معن بن صمادح:
فاضَ عقيق الدمع فوق البهر ... وانحدر الطّلُّ على الجلّنار
واجتمع الغصنان لكنّ ذا ... ذاوٍ وهذا يانع ذو اخضرار
وكاد ذا ينقدُّ من لينه ... وكاد هذا يعتريه انكسار
واضطرمت في القلب نارُ الجوى ... فهذه الأدمعُ عنه شَرار
أبو حفص عمر بن عبد الله الكاتب
له:
أرقٌ أراقَ مصونَ دمعيَ كاربُه ... وهوًى هوى بجمل صبريَ غالبُه
ومنه:
نازعته بعد الجماح عنانه ... والليل أليَلُ ترجحنّ غياهبه
فقضيتُ بالتمويه منه لبانةً ... وجعلت إعتابي بحيث أعاتبه
وتشكُلُ الحالين أشكل أمره ... لما استوى صدقُ العناقِ وكاذبه
وله:

(2/414)


ألا إن قلبي بالغرام موكّل ... ومذ غبتَ عن عيني فقدتُ هُجوعي
منحتُ سوادَ القلب صفوَ ودادكم ... وقسّمتُه بين الحشا وضلوعي
فإن كنتِ لا تأسي لبعدي فإنني ... لبعدك وجْداً ما تجفّ دموعي
الأمير أبو محمد
جعفر بن الطيب الكلبي
أثنى عليه مصنف الدرة الخطيرة، بالفضائل الكثيرة، وذكر أن بينهما مكاتبات وشدا منها طرَفاً وطُرفاً، وأورد من شعره قوله:
ما الصبر بعد فراقكم من شاني ... رحَلَ العزاء برحلة الأظعان
ما كنت أحسب للمنية ثانياً ... فإذا الفراق هو الحِمام الثاني
بُعْداً لذاك اليوم بُعداً إنه ... أجرى دموع العين بالهملان
من ساترٍ دمعاً بفضل ردائه ... أو ممسكٍ قلباً من الخفقان
وألفت فيك الحزنَ حتى أنني ... لأسَرّ فيك بكثرة الأشجان
ومنها في المديح:
ملكٌ إذا لاذ العُفاة ببابه ... أخذوا من الأيام عقدَ أمان
يعطي الجزيل ولا يمنّ كأنّما ... فرضٌ عليه نوافلُ الإحسان
وله من قصيدة:
أراها للرحيل مُثوّرات ... جِمالاً بالجَمال محمّلاتِ
تتيهُ على الركائب في سُراها ... بأقمارٍ عليها طالعاتِ
ولو نظرت لمن تسري إليه ... لصدّت عن وجوه الغانياتِ
وجازت والفلاةُ لها ركابٌ ... كما كانت ركاباً للفلاة
ولم تعلق بشيء غير شعر ... منابتُه بأفواه الرّواة
تمرّ على المياه ولم تردها ... كأن الريّ في زجر الحُداة
أقول لها وقد علقت ذميلاً ... بأجفان لزجْري سامعات
سأتركُ عنكِ في مرعى خصيب ... وماء بارد عذب فرات
بأرضِ مدافع مأوى الأماني ... وقتّال السنين المجدبات
فيحمل عنك همّي فوق طِرْفٍ ... سَبوقٍ من خيول سابقات
أغرّ تخاله ريحاً أعيرت ... قوائم باللجين محجّلات
كساه الليل أثواباً ولكن ... تراها بالصباح مرقّعات
وحسبك ما يفرّق من نوال ... بأيدٍ للمكارم جامعات
فقد أطمعتَ في جدواك حتى ... سباع الطير من بعض العفاة
وله من أخرى:
ضحوكٌ مرةً جَهْداً وباكٍ ... وشاكرُ حالِه حيناً وشاك
ومغتبط بعيشٍ غير باق ... يروم سلامةً تحت الهلاك
ألا يا حارِ قد حارت عقول ... وعلّت بالعليل عن الحراك
وقد نصبت لك الدنيا شِباكاً ... فإيّاك الدنوّ من الشّباك
وإن شيّدت لي يا حارِ بيتاً ... فحاوِل أن يكون على السّماك
وأبْعِدْ إن قدرت على مكان ... فإني والحوادث في عراك
وله في الغزل:
لقد بليتُ بشيءلستُ أعرفه ... مولىً يجور على ضعفي وأنصفه
ما زال يطمعني لفظ له خَنِثٌ ... يمنّ بالوعد سراً ثم يخلِفُه
يا رب زدني غَراماً في محبته ... ودع فؤادي بالأشواق يتلفه
وله:
فارقتكم لا عن قِلىً وتركتُكم ... رغماً على حكم الزمان الجائر
وفقدتكم من ناظري فوجدتكم ... لما أردت لقاءكم في خاطري
وله في ذم الاجتداء من البخلاء:
وحقّك لو نلتَ النّوال معجَّلاً ... لغير سؤال كان غيرَ جميل
فكيف وما في الأرض وجه مؤمّلٍ ... ولا يُرتجى للجود غير بخيل
وله:
ألا سكنٌ إذا ما ضقتُ يوماً ... سكنْتُ إليه في شكوى همومي
أوسّع صدره وأحلّ منه ... محلّ الجود من قلب الكريم
أبو الفتح أحمد بن علي الشامي
ذكر أنه زين الأدباء، وغرة الدهماء.
له:
في السمهريّ مشابه ... ممن أحبُّ وأعشق
اللون والقدّ الرشي ... ق وطرفه إذ يرمق
قلبي لسهم لحاظه ... غرض ففيه يرشق

(2/415)


قال مصنف الدرة الخطيرة: سألته أن ينفذ إليّ بشيء من شعره في حين تأليف الكتاب، فكتب إليّ:
أبا قاسم والفضل فيك سجية ... وأنت بكل المعلوات خليق
ومن مجْده فوق السّماك محلِّقٌ ... ومنصبه في المكرمات عريق
يكلفني إظهار ما قد نظمته ... لياليَ غصني ناضر ووريق
وإذ لمّتي تحكي خوافيَ ناعب ... وعندي لوصل الغانيات طريق
فكن ساتراً عورات خِلّك إنه ... شقيقك والخِلُّ الصديق شقيق
وله في المجون:
احتَل لأيرِك في درع مُضعّفة ... فبين فخذيه أرماح من الشّعر
الفقيه أبو القاسم عبد الرحمان بن أبي بكر
السرقوسي
له:
أما منكمُ من مسعد ومعاون ... على حرّ وجد في السويداء كامِن
أبانَ الكرى عن مقلتيّ التهابُه ... وما هو يوماً عن فؤادي ببائن
ومنها:
وبيداء قفر ذات آل كأنما ... هو البحر إلا أنه غيرُ آسن
ترى ظعنَهم فيه غداة تحمّلوا ... طوافي فوق الآل مثل السفائن
وله:
أسارقه اللحظَ الخفيّ مخافةً ... عليه من الواشين والرّقباء
وأجهد أن أشكو إليه صبابتي ... فيمنعني من ذاك فرط حيائي
وإني وإن أضحى ضنيناً بودّه ... لأمنحه ودّي وحسن صفائي
سأكتم ما ألقاه من حُرَق الأسى ... عليه ولو أني أموت بدائي
وله:
لا تبغِ من أهل الزمان تناصفاً ... والغدرُ من شيم الزّمان وأهله
وإذا أردت دوام ودّ مصاحب ... فاغضض جفونك جاهداً عن فعله
أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد
اللخمي الكاتب القاضي
له من قصيدة:
يا عذبةَ الريق عودي بعض مرضاكِ ... وعلّليه برشْفٍ من ثناياكِ
قد حاربته الليالي فيكِ جاهدة ... فصار من حيث ما يرجوك يخشاكِ
وله:
أيه المهدي لعيني السّهرا ... كان وجدي بك مقدوراً جرى
لم أكن أعلم ما عُلِّمْته ... من هواك اليوم إلا خبرا
ربّ لا حول ولا قوة لي ... صرتُ بعد العين أقفو الأثرا
عاذلي مهلاً فما العذر على ... عاشق مثلي حديث يفترى
أنت لا تأسى فدعني والأسى ... أشتفي منه وأقضي الوطرا
إنّ أوفى الناس حباً كلِف ... ظلّ فيه بالأسى مشتهرا
فعصى العاذلَ فيما قد نهى ... وأطاع الشوق فيما أمرا
وله يصف ضيق يده عن مساعدة صديقه فيما يقوم بأوده:
ولي مال من يغنى به فيكفّه ... ويعجز عن برِّ الصديق الملاطف
فلا البخل أرضاه ولا الجود أنتهي ... إليه لقد أوقِفْتُ شر المواقف
وما حيلة الحرّ المساعف إن سعى ... ولم يعط حظاً من زمان مساعف
وله في الشيب من قصيدة:
أساء صنيعاً شيبه بشبابه ... وأوقف خطّاب الخطوب ببابه
تجنّبه الأحبابُ من غير زلّة ... سوى ما تبدّى من فضول خضابه
وما أن وشى واشٍ به فأجبتُه ... ولكن شيب العارضين وشى به
ومن كانت الخمسون منه قريبة ... تباعد عن نيل المنى باقترابه
بنفسي شباب بان غير مُذمّمٍ ... ووكّل قلبي بالأسى وعذابه
فيا ليت إذ ولّى تولّى بحرمة ... وأبْرأني من موبقات احتقابه
ولكنه أبقاني الدهرَ بعدَه ... لعفْوِ إلاهي أو لمسّ عقابه
عدمت الأماني فاجتزيت بدونها ... ومن عدم الماء اجتزى بترابه
وله في الزهد:
يا ربّ صفحاً وغفراناً ومعذرة ... لمذنب كثرت منه المعاذير
يُبكيه إجرامه طوراً ويُضحكه ... رجاؤه فهو محزون ومسرور
عبد الوهاب بن عبد الله بن مبارك
له:
نفسي الفداء لظبي ... قد جاز في التيه حدّهْ
حكى القضيَ انعطافاً ... كما حكى الليث نجدَهْ
بالدمع طرّز خدي ... مذ طرّز الشَّعر خدّهْ

(2/416)


كأنه بدرُ تمّ ... في الأفق قابل سعده
يا ليته بات عندي ... أو ليتني بتُّ عنده
يا عاذلي فيه دعه ... يُطِلْ كما شاء صدّه
فإنما هو مولىً ... أضحى يؤدب عبد
وله:
إذا المء لم يُعرف بجدّ ولا أب ... ولم يشتهر في الناس إلا بأمّه
فلا تسألنْ عن حاله فهو ساقط ... وإن لم يشع في الناس أسباب ذمّه
أبو عبد الله محمد ابن العطار الكاتب
له:
لولا عيونُ جآذر وظباء ... ما راضت الأشواقُ صعبَ إبائي
واقتاد قلبي بعد طول تمنّع ... نحو الصبابة قائدُ البرحاء
وصبوتُ صبوةَ عاشق ذي غرة ... لعبت بمهجته يد الأهواء
باب في ذكر محاسن جماعة من المغرب الأدنى
والقيروان وأفريقية من أهل هذا العصر
ابن فرحان القابسي
هو سلاّم بن أبي بكر بن فرحان، من قابس مدينة من أعمال القيروان وكان جليساً ووزيراً لأميره مدافع بن رشيد بن رافع بن مكي بن كامل بن جامع الهلالي من بني فادع من بني علي ثم من هلال، وقتِل ابن فرحان يوم خروج الأمير المذكور من قابس واستيلاء المصامدة عليها بعسكر عبد المؤمن بن علي وذلك في سلخ شعبان سنة أربع وخمسين وخمسمائة، قال الشريف إدريس الإدريسي أنشدني أبو عمران شكر بن عامر بن محمد بن عسكر بن كامل بن جامع الهلالي الفلاعي لابن فرحان في تهنئة الأمير مدافع المذكور بشهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة من قصيدة أولها:
برَبْعِ رامةَ رام الركبُ إلماما ... فغاض صبري وفاض الدمع تَسْجاما
وقل للرّبع منا أن نلمّ به ... وأن نُحيّي به رسماً وأعلاما
سقياً لعصر الصِّبا لو كان متصلاً ... ما كان أطيبَ ذاك العيشَ لو داما
وكم كتمتُ الهوى جهدي فنمّ به ... دمعي وما زال دمع العين نمّاما
فاخلعْ عِذاركَ في راح وفي رشأ ... طاوي الوشاح ولا تحفَلْ بمن لاما
لله ريمٌ رمى قلبي فأقصده ... وأضرم النارَ في الأحشاء إضراما
بخصره هيَف أهدى النّحولَ الى ... جسمي وأهدى لسقمِ اللحظ أسقاما
ومنها:
ذرني أكفّ عن التّطواف راحلتي ... ملّت جياديَ إسراجاً وإلْجاما
ما زلتُ أفري أديمَ الأرض منفرداً ... أطوي المفاوزَ غيطاناً وأعلاما
حتى حططتُ رِحالي في ذُرى ملك ... غمر المواهب للقصّاد بسّاما
ومنها:
في متن أدهمَ ما ينفكّ يُقحمه ... على أعاديه يومَ الروع إقحاما
ما أبصرت مقلتي من قبل صافنِه ... طِرْفاً غدا حاملاً في الحرب ضرغاما
في عُصبة كأسود الغاب قد جعلت ... سمرَ الرماح وبيضَ الهند آجاما
هنِّئ مُدافعَ إن الله خوله ... عزاً ينال به كلّ الذي راما
إذا رآه العدا في يوم ملحمة ... يغشي عيونهم نوراً وإظلاما
وقبّلوا التُربَ تعظيماً لطلعته ... كما رأتْ فارسٌ كسرى وبَهْراما
يا أيها الملك المرهوبُ جانبه ... شملتَ هذا الورى فضلاً وإنعاما
سُسْتَ الرّعايا وصنتَ الملك فامتنعا ... بصارمٍ ذكرٍ تفرى به الهاما
ومنها:
قُم فافتحِ الأرضَ فالأملاك كلّهم ... سواك أضحوا عن العلياء نوّاما
ومنها:
خذ هاكها يا أبا الحملات نظم فتى ... ما زال في مدحكم للدرّ نظّاما
يشدو بأفنان أغصانِ الثناء على ... علاك فيها طيورُ المدح تَرناما
في بلدة مثل الخلد قد جمعت ... براً وبحراً وحيتاناً وآراما
كما جمعتَ خلالاً كلها حسن ... تُقىً وحلماً ومعروفاً وإقداما
لا زلت تُفني زماناً بعده زمنٌ ... مؤثل المجد وهّاباً وغنّاما
أبو الفضل ابن الفقيه
عبد الله بن نزار الهواري القابسي
وهو حي الى الآن، يخدم ولد عبد المؤمن كاتباً.

(2/417)


وهوّارة قبيلة من قبائل البربر، قال: أنشدني للمذكور في مدح الأمير محمد بن رشيد الهلالي أخي مدافع من قصيدة أولها:
لم يبقَ لي بعد الرحيل عزاءُ ... بان الخليطُ وشتِّتتْ أهواءُ
فاصرف عنان اللّوم عن قلِقِ الحشا ... مغرَى فإن ملامه إغراء
ومنها:
فعلتْ به أحبابه يوم النّوى ... والبينُ ما لا تفعل الأعداءُ
ساروا ولمّا يسمحوا بوداعه ... فكأن خالص ودّه شحناء
أتراهمُ خالوا الوداع محرّماً ... أم أجمعوا أن لا يكونَ لقاء
رقّت مياه الحسن فوق خدودهم ... وقسَتْ قلوبهمُ فبان جفاء
ومنها:
يا ويحَ من عبث الهوى بفؤاده ... وتحكّمت وقضت عليه ظباء
من كلّ ما في القلب من لحظاتها ... نفثات سحر ما لهنّ دواء
للبدر سُنّةُ وجهها وقوامها ... للغصن مخطفة الحشا هيفاء
إن امتداحي ما يلِمّ من الورى ... إلا لمن دانت له العلياء
مثل المليك ابن الرشيد فإنه ... بهر الملوك وحلّ حيث يشاء
وتشابهت آراؤه وسيوفه ... كلٌ بما يهوى له ضمناء
لبس الجلالةَ حلة أعلامها ... حلُمٌ يزيّن ثوبها وحياء
فهو القريب تطوّلاً وتجمّلاً ... وهو البعيد محلّهُ الجوزاء
وله المهبة في النفوس، وإن غدا ... متواضعاً والعزة القعساء
يا من شكا جورَ الزمان وظلمه ... وأصابه من مسّه الضراء
لُذ بالمليك محمدٍ فبجوده ... يحيا السماح وتكشف الغمّاء
سَلْهُ تفد واقصدْ تجدْ واشرع ترِدْ ... عذبَ النّمير وما به أقذاء
هذا العيان يُريك من أوصافه ... فوقَ الذي أهدتْ لك الأنباء
لو نظّم الأملاك سلكاً لاغتدى ... لسناه وهو الدرة الغرّاء
يحيى ابن التيفاشي القفصي
من قفصة، مدينة بالقيروان، انتقل الى قابس، وسكن بها، ومدح بني هلال، وقتله الإفرنج بصقلية بعد سنة خمسين وخمسمائة عند فتكهم بالمسلمين، قال وأنشدني لهذا الشاعر من قصيدة في الأمير مدافع أولها:
رأى البرق فازدادت جوانحه جمرا ... وبات يراعي النّجم يرتقبُ الفجرا
وما البرق مما هاجه غير أنه ... تذكّرَ من يهوى فما ملك الصبرا
خليليّ عوجا نندب الرّبرب الذي ... غدا بعدهم من بعد سكانه قفرا
دياراً بها قدْماً ملأن جوانحي ... عيون المها جمراً كما ملئت سحرا
كأن لم أجُلْ فيها بمعترك الصبا ... ولم أرتشف ثغراً ولم أنتشق زهرا
ولم أدعِ النايات فيها مجيبة ... أغانيَ أغصان تميسُ بها خضرا
ويا بأبي ذات الوشاح إذا بدت ... كشمس الضحى وجهاً وجنحِ الدجى شَعْرا
تميسُ لنا غصناً وترنو غزالة ... وتعبق كافوراً وتبدو لنا بدرا
ويأبى لها النهدان والردف أن ترى ... تمس له الأثواب بطناً ولا ظهرا
أتتني وقلب البرق يرعد غيرة ... عليها وعينُ النّجم تنظرها شزرا
وقد هجعت عين الوشاة وأسبلت ... علينا الدياجي من ملابسها سترا
فبتنا الى وجه الصباح كأنّنا ... قضيبان لا صدّاً نخافُ ولا هجرا
الى أن رأيتُ الفجر عند طلوعه ... قد التاح في إثر الدجنّة وافترّا
كأن محياه المدافع قد بدا ... بغُرّتِه في النقع يسطو بها قهرا
رضيع الندى ثدياً حليف العلا وفا ... شقيق الحيا بذلاً لخير الورى طرا
هو الغيث في بذل النّوال إذا طما ... هو الليث في يوم النّزال إذا كرّا
يريك الردى سخطاً ووجه المنى رضا ... وصوب الحيا بذلاً وحكم القضا أمرا
ومنها:

(2/418)


ولولاك ما أوحشت أهليَ والحمى ... ولا أصبحت يوماً يدي منهمُ صِفرا
فلي مهجة تهفو بقابس لوعةً ... وقلبٌ إذا فارقتُها يألف الضّرّا
محمد التيفاشي
عم الشاعر المقدم ذكره يحيى
هو الذي وفد على عبد المؤمن بن علي ملك المغرب ومدحه بالقصيدة المشهورة التي أولها:
ما هزّ عطفيه بين البيض والأسُلِ ... مثلُ الخليفة عبد المؤمن بن علي
قال عبد المؤمن لا ينشد بعده شيئاً وأمر له بألف دينار
السكدلي من أهل قفصة
قال وأنشدني للسكدلي في مدافع بن رشيد يهنيه بعيد النحر من قصيدة موسومة بالممدوح أولها:
خليليّ عوجا بي لتلك المرابع ... لنفسحَ بالسفحين درّ مدامعي
ولا تبخلا بالدمع علّ الذي بنا ... يبرّده سحّ الدموع الهوامع
منازل ساداتي ومغنى أحبتي ... وموضع أطرابي وخير مواضعي
به قد جنيت العيشَ غضاً وملبسي ... شبابي ومن أهواه غير ممانعي
ومنها:
ألا قاتل الله اللوى من محلة ... وقاتلَ دهراً باللوى غير راجع
يكاد فؤادي من تذكّره الحِمى ... وأهل الحمى ينقَدُّ بين الأضالع
ومنها في التخلص:
لقد ملكت روحي كما ملك العلا ... وحازَ الندى جودُ المليك المدافع
ومنها في المديح:
فما أنت إلا جوهرٌ قام ذاته ... بنور هدى من جوهر العدل ساطع
وراجيك موفور وشانيك هالك ... وأيامُك الدنيا بغير مضارع
التراب السوسي
من أهل سوسة، وهي مدينة بالقرب من المهدية، وتوفي بسوسة، قال: وأنشدني للتراب في مدح صاحب سوسة، الأمير جبارة بن كامل بن سرحان بن أبي العينين الفادعي العلوي الهلالي، من قصيدة:
سلّمْ على ذي سلَمِ ... مغنى الهوى المستغنم
وقفْ عليه سائلاً ... عن قاصرات الخِيَم
واستمطِر العينَ به ... صوبَ دموع ودم
فهذه أطلالُه ... مندرسات الأرسم
وهذه عِراصُه ... مستوحشات المَعلَم
كئيبة في حالة ال ... مُنفرِد المتيّم
لم يبق منهنّ الصبا ... ومغدقات الدّيم
سوى ثلاثٍ صائما ... تٍ قائماتٍ جُثّم
وأشعثٍ معفّر ... في بونها المهدّم
أضحت خلاء بلقعاً ... بَوالياً كالرّمم
ومنها:
وطالما عهدتُها ... خضرَ الرُبى والأكم
مأهولةً في زينة ... من نعَمٍ وأنعم
وللقيان حولها ... بمفصحات النّغم
لغالغ ما خُلِقت ... إلا لقتل المغرم
والغانيات كالدُمى ... يسحبن كل مُعلَمِ
من أبيض مفضّض ... وأخضر مُنَمنَم
من كل خَودٍ كُحِّلت ... مقتلها بالسقم
جبينها من قمر ... وفرعها من ظلم
تُريك في بنانها ... وكفِّها والمِعصم
رقماً من الوشي حكى ... رقمَ إهاب الأرقم
يفترّ عن مفلّج ... عذبِ الثنايا شبِم
حلو اللّمى وإنما ... لحظي جناه لا فمي
سقياً لأيامي بها ... وعيشِنا المنصرم
أيام غصني أخضر ... ولمّتي كالحمم
وقامتي قويمةٌ ... شبابُه لم يهرَم
وللهوى في خلَدي ... سرائر لم تُعلَم
والدهر لم يخطُ الى ... مساءتي عن قدم
ولا نهاني صاحبي ... ولا نهاني لوّمي
ثم انقضت عن سرعة ... أيامُ ذاك الموسم
كأنّني كنتُ أرى ... عيشي به في الحلم
يا رسم أحباب نأوا ... عن عاشق متيّم
إذا أباح شوقُهم ... عن شوقه المكتّم
تناثرتْ دموعُه ... عن سلكه المنظّم
أنعِمْ صباحاً واسلَمِ ... سُقيت نوءَ المرزم

(2/419)


إن لم أمت من أسفٍ ... وحسرةٍ عليهمِ
كذبتُ في دعوى الهوى ... لست لهم بمغرم
ومنها:
كأنني بالوصل من ... نعمان لم أنعّم
ولم أبت ريّان من ... رشف عقار المبسم
في فُرُش وثيرة ... لم تفترش لمحرم
ومنها:
حتى تولى الليلُ في ... خميسه المنهزمِ
وأقبل الصباح في ... جحفله العرَمرَمِ
كأنه لما بدا ... يشرق تحت الظلم
وجه الأمير ابن الأمي ... ر الأكرم ابن الأكرم
جُبارة ابنِ كامل ... كهفِ الندى والكرم
العارض الذي إذا ... أخلف صوبَ الدّيم
سرت سحابُ جوده ... من غيثه المنسجم
وأمطرت من الحيا ... نهراً لكلّ معدم
الفارس الذي إذا ... أسرج كلّ شيظم
وسلّ كلّ مرهف ... وسلّ كلّ لهذم
واضطرمت نار الوغى ... وفرّ حامي الحرم
وافى على طاوي الحشا ... عبْلِ الشوا مسوّم
من الهلال مسرَج ... من الثريا ملجَم
تراه إن صاحب بهم ... تحت وطيس قد حَمي
تراكبوا من خوفه ... بعضاً على بعضِهمِ
وله من قصيدة على وزن قصيدة مهيار الديلمي: بكر العارض تحدوه النعامى:
بات بالأبرق برق يتسامى ... فجفا الجفنُ لمرآه المناما
طلعتْ رايتُه خافقةً ... خفقانَ القلب أمسى مُستهاما
يسحب السحبَ به في أفقها ... معصفاتٌ من جنوبٍ ونعامى
تحت ليل كسواد البيْنِ في ... عين منْ ذاب من البين سِقاما
فأعارتْه كراهاً مقلتي ... واستعادت منه للدمع انسجاما
ثم بتنا نتبارى لوعةً ... وبكاء ونرى النوم حراما
فإذا شبّ ضرامٌ في الدجى ... قدح الشوقُ على قلبي ضِراما
وإذا حيّا بغيث دمنة ... جدت بالدمع فأنسيت الرِّهاما
فتشابهنا بكاءً واضطراماً ... وتخالفنا اهتماماً واهتماما
أيها البارقُ قد هجتَ الى ... ساكن الأبرق شوقاً وغراما
وأذعتَ السرّ بالدمع الذي ... لم أُطقْ إذ فاض للحبِّ اكتتاما
ومنها:
بذمام الحبّ يا برقُ عسى ... لك علمٌ حيّهم أين أقاما
وعسى في السحب من ماء ثووا ... حوله من جرعة تبري سقاما
أنسوا عاماً فلمّا ملكوا ... رِقّ قلبي أوحشوا عاماً وعاما
واستمالوني بوصلٍ في الهوى ... فكما ملت رأوا وصلي حراما
بعثوا العرف فأذكى لوعتي ... وسنى البرق فأبكاني سجاما
فكأنّ البرق سيفٌ ضارب ... وكأن الديم دمعي حين داما
ومنها:
وإذا هبّتْ صباً قلت لها ... بلّغي يا ريحُ من نهوى السّلاما
عُجْ شوامي السحب تحدوه الصبا ... مثلَ ما تحدو يد الحادي السّواما
فاسقِ أوطاناً بعلياء الحمى ... وابلَ الودق وجيراناً كِراما
دِمَناً جرّرْتُ أذيال الصبا ... والتّصابي في مغانيها غلاما
ومنها:
وعليها قام لي عذرُ الهوى ... في عَذارى كاليواقيت اليتامى
كبدور التمّ حسناً وبها ... وغصونِ البان ليناً وقواما
يتدللن فيورثْن الضّنا ... ويواصلن فيشفين السّقاما
ومنها:
خلّ أوصاف التصابي والصبا ... والمغاني والغواني والنّدامى
وانقلِ الهزلَ الى الجدّ ولا ... تلْهُ عن أوصاف من ساد الأناما
من إذا أبصرتَه أكبرته ... وإذا خاطبت خاطبت هُماما
وإذا استصرختَه في حادث ... فعلى الحادث جرّدتَ حساما
مقبل القلب على سُبْلِ الهدى ... معرض عن كل ما جرّ الأناما

(2/420)


ليس يدري ما المزاميرُ ولا ... يسمع الصّنْجَ ولا ذاق المداما
لا ولا تحمِله الأطماعُ أن ... ينقضَ العهدَ إذا أعطى الذِّماما
بيتُه كعبة بِشْر نصبت ... يفصم العزّ عن الناس انفصاما
ركنها يُمْنى يديه فاجعلوا ... بدل الركن بيُمناه استلاما
لذوي الحاج زحامٌ حولها ... زحمَةَ الحجّاج قد زاروا المقاما
كل وِردٍ هكذا مستعذب ... يُكثر الناس حواليهِ الزِّحاما
الشيخ أبو الحسين ابن الصبان المهدوي
قال: ورد الشم، واشتم بارق الفضل وشام، ولقي دولة نور الدين، وتوفي بدمشق سنة ستين، فمما أنشد لنفسه في مدح جبارة ابن أبي العينين صاحب سوسة قوله:
أرى دمعَ عينيك فاض انهمالا ... أظنّ الأحبةَ راموا زِيالا
أعدّوا الجِمال ليوم الرّحيل ... فزدتُ اشتياقاً وزادت جَمالا
وبين السّجوف هلاليةٌ ... تحل النقاب فتبدي الهلالا
وتبدي أناملَ مثل اللجين ... كُسينَ من الوشي سحراً حلالا
بعيدة مهوى مجال الشنوف ... وفي جيد أحْوى بدا القرط خالا
من البدويّات تهوى البروق ... إذا هبّتِ الريح عنها شمالا
وتنتجع الغيثَ حيث استهل ... فتطلب سهلاً سقى أم تلالا
تشدّ سُحَيراً لغاراتها ... فتلزم سرجاً وتلقى جلالا
منازلَنا بحواشي الكثيب ... سُقيتِ الغوادي غزاراً بلالا
فكيف عهدت الصبا ناسياً ... نناجي غزالته والغزالا
ويا رُبّ بيداء عند الهجير ... قطعتُ سباسبها والرِّمالا
بعَيرانةٍ أجُدٍ عرْمسٍ ... تُجدّ فتجذب آلاً فآلا
إذا ونيَت قمت في غرزها ... أقول لها سوف ننسى الكلالا
سألقي زمامَك في منزل ... تشدّ الرجال إليه الرّحالا
بحيث جبارة مُستمْطر ... يجود على معتَفيه نَوالا
فتىً للعشيرة عزّ لها ... غدا لجميع البرايا ثمالا
إذا ما العشيرة في حادث ... شكت مرضاً طب منها اعتلالا
وقال في صبي نصراني خمّار بمدينة صقلية:
ومزنّر عقَد الصليبَ بنحره ... وأدار حول وشاحه إنجيلا
خمدت بجنح الليل جمرة ناره ... فأقام خمرة دنّه قَنديلا
متطلع لذوي السُرى من كأسه ... نجمٌ يكون الى الصباح دليلا
أبو عمران ساكن بن عامر الهلالي
أصله من عرب بني هلال بإفريقية، قد مضى ذكر نسبه وهو معنى الفضل الى مطلع أدبه، ورد الى دمشق، ولما أنشدني الشريف إدريس شعره، ذكر أنه مقيم بها في سنة إحدى وسبعين وهو الذي أفادنا بمن أوردناهم من الشعراء وذكرناهم من الفضلاء.
ومن شعره:
إذا مرّ من أهوى أغضّ له طرْفي ... وأخفي الذي بي من سقام ومن ضعفِ
وأكتم عنْ سرّي هواه صيانةً ... ولو كان في كتمانه أبداً حتفي
مخافةَ أن يشكو فؤادي تحرّقي ... الى مقلتي يوماً فتبدي الذي أخفي
وأنشده زيد الحتسب بدمشق هذا البيت:
هُدِّدْتُ بالسلطان فيك وإنّما ... أخشى صدودَك لا من السلطان
والده أبو ساكن
عامر بن محمد بن عسكر الهلالي
ذكر أنه كان بدوياً، وأميراً سرياً، أنشد له ولده من قصيدة كتب بها الى قومه:
يا جار طرْفي غير هاجعْ ... والدمعُ من عينيّ هامعْ
ولقد أرقتُ مسامراً ... نجماً بدا في الشرقِ طالع
متذكّراً بصروف ده ... رٍ أصبحت فينا قواطع
إني من الشمِّ الألى ... أهل العلا أبناءِ جامع
أهلِ المراتبِ والكتا ... ئبِ والمواهبِ والصنائع
يتسابقون الى المعا ... لي كلّهم فيها مُسارِع
ولقد ملكنا قابساً ... بالمشرفيات القواطع

(2/421)


تسعين عاماً لم يكن ... خلقٌ لنا فيها منازع
كم من عزيزٍ كان يأ ... تي نحوَنا بالرغم خاضع
كم قاصدٍ أو طالب ... لنوالنا يأتيه طامع
وجنابُنا للمعتفي ... ن بزهرة المعروف يانع
وإذا شهدنا مجمعاً ... يوما إلينا بالأصابع
في كل يوم عَروبةٍ ... تدعو لنا زُمرُ الجوامع
عبثت بنا أيدي الزما ... ن وأحدثتْ فينا البدائعْ
الأمير عبد الرحمان بن زيري
الصنهاجي
كتب الى الأمير ساكن بدمشق وقد وعده بكتاب:
سرى البرقُ من عَليا معالِم قابس ... وفي القلب من لمع البروق كوامِنُ
يذكّرني عهدي به ومنازلي ... بساحتها والحادثاتُ سواكنُ
ونحن على تلك المواطن والرُبى ... نُزولٌ ووشكُ البين بالوصل بائن
أخادع عن سُكانها الدهرَ وحدَه ... كأني لما يأتي به الدهرُ ضامن
فمنْ لي بتبليغ السّلام إليهمُ ... فكيف وقد شاقتك تلك المواطن
ولما سرى البرقُ الذي ذكر الصّبا ... تأوهتُ شوقاً والدّموع هواتن
وناديت من عليا هلالِ بن عام ... فتًى صادقَ الدعوى إذا مانَ مائن
نمتْه رياحٌ من صليبةِ فادع ... لآل عليّ وهو للمجد صائن
وحلّت بنو دهمان منه بعشْوةٍ ... وعزّ به بين الأفاضل ظاعن
فما هو إلا في ذرى آل عسكرٍ ... لعامرهم نجلٌ وذلك ساكن
الملك أبو يحيى
تميم بن المعز بن باديس
صاحب المهدية
نسبه: تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن بُلكّين بن زيري بن مَناد بن منقوش بن زناك بن زيد الأصغر بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكي بن سليمان بن الحارث بن عدي الأصغر وهو المثنى بن المسور بن يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث الأصغر بن سعد وهو عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة وهو حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمر بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وايل بن الغوث بن حيدان بن قطر بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميع بن عمرو بن حمير وهو العرنجج بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر وهو هود عليه السلام بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام بن لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس عليه السلام بن برد بن مهلايل بن قينان بن الوشن بن شيث بن آدم عليه السلام.
مولده: بالمنصورة يوم الإثنين ثالث عشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ووفاته ليلة السبت خامس عشر رجب سنة إحدى وخمسمائة وولد له من الأولاد الذكور مائة وعشرة بنين وأقام في ملك المهدية وما يليها من البلاد معظم عمره عظيم القدر، كريم النجر، طيب الذكر، مهذب الأمر، مذهب العصر، لقيت بدمشق ولد ولده وهو الأمير عبد العزيز بن شداد بن تميم وهو بها مقيم، وأعارني في سنة إحدى وسبعين ديوان جده فطالعته فاطّلعت على كل ما دل على جدّه وجودته وجِدّه، وأثبتّ من شعره ما تترنح له أعطاف السامعين اهتزازاً، فمن ذلك قوله:
ما اختلف الصبحُ والمساءُ ... وأنفِذَ الحكمُ والقضاءُ
إلا وللّه فيه سرّ ... يحكم في الخلق ما يشاء
وقوله في بعض السقاة:
وساقٍ قد تكنّفه الحياء ... فوجنتُه وقهوته سواء
يمجّ المسكَ من ثغر نقيّ ... كأن رُضابَه خمرٌ وماء
وقد ولِع الخُمارُ بمقلتيه ... وظل التيه يفعل ما يشاء
ويبخل بالسّلام وما يليه ... فليس لمُدنفٍ منه شفاء
وقوله:
وجهٌ هو البدر المنير وقامةٌ ... كالغصن ماسَ نَضارةً وشبابا
يسقيك من حلبِ العصير مدامة ... ومن المؤشّر مسكةً ورضابا
غنّت وكاسات المدام مدارة ... عذُبَ الوصالُ لنا بهنّ وطابا
كأسٌ من الذهب السبيك تضمّه ... قصب اللجين تعمّمَت عُنّابا
وقوله:
سُعادٌ قد ألمّت بي ... ستمحو البعدَ بالقرب

(2/422)


كبدرٍ تحته غصنٌ ... على حقْفٍ من الكثب
فحلّت في حمى قلبي ... على التأهيل والرّحب
وقوله:
وجاهلة بالحبّ لم تدرِ طعمَه ... وقد تركتني أعلمَ الناس بالحبِّ
أقامت على قلبي رقيباً وحارساً ... فليس لدانٍ من سواها الى قلبي
أدرتُ الهوى حتى إذا صار كالرّحا ... جعلتُ له قلبي بمنزلة القُطب
وقوله يصف منافقاً مماذقاً:
رأيتُك قاعداً عن كل خيرٍ ... وأنت الشهمُ في قالوا وقلتُ
وطَرّاراً له لطف وحذق ... وألفاظ ينمّقُها وسمْت
وثقت إليه من حسبٍ وبيتٍ ... ولولا ذاك منه ما وثقتُ
وقد يعِدُ الوعود وليس يوفى ... وليس بقائلٍ يوماً فعلتُ
كخز الماء فوق الماء طافٍ ... يروق وما له أصلٌ ونبت
كذلك زهرة الدّفلى تراها ... تشوق العينَ حسناً وهي سُحْتُ
وقوله:
ألا يا نداماي الكرام وسادتي ... سألتكمُ إلا أجبتم مقالتي
أليس معاطاةُ الكؤوس وحثُّها ... وحسنُ المثاني كارتجاع الفواخت
أحب إليكم من زمان مصرّدٍ ... تحكَّم في الفتيان حكمَ الشوامت
وقوله:
بنفسيَ تفاحَ الخدود المضرّج ... وأنفسنا أشهى إليه وأحوج
بنفسي وجه جيشه نبلُ لحظه ... يجيّشه ذاك الجبين المتوّج
وأسقيه من كأسي وأشرب فضلَه ... فنقليَ من فيه ومن فيه أمزج
هو الخمرُ إلا أنه خمر مرشف ... يمج به الثغر النقيُّ المفلّج
وقوله من قطعة:
ما العيشُ إلا مع التّهجير والدلَج ... أو المدام وصوت الطائر الهزِج
والشرب بين الغواني والقيان معاً ... فإن أوجهها تغني عن السُرّج
والقصر والبحر والبستان في نسق ... ونحن في مشرف من منظر بهج
والكأس دائرة في كفّ غانية ... بيضاء في دعج صفراء في نعج
أقول والكأس تزهى في أناملها ... رفقاً على هذه الأرواح والمهج
اللهَ في مدنَفٍ أودى بمهجته ... طرفٌ تقلّب بين السحر والغنَج
كم حجة لي ولكن ليس يقبلُها ... لو كان ينتفع المشتاقُ بالحجج
وقوله:
بنبلِ الجفون وسحْر العيون ... وميلِ الغصون كمثل الرّماحِ
ولمعِ الثغور وبيض النّحور ... وضيق الخصور وجوْلِ الوِشاح
ووردِ الخدود وميْسِ القدود ... وضمّ النهود ولثم الأقاح
وساقٍ مليحٍ كظبي ربيب ... وعود فصيح يهيج ارتياحي
وكأس المدام غداةَ الغمام ... بكفِّ الغلام فراحٌ براح
كأن الرحيقَ بكف العشيق ... نظام العقيق بجيد الرّداح
على المستهام حليف الغرام ... فما في السلام له من جناح
وقوله:
بلحظك يُقتَل البطل المشيح ... وبعض جيوشك الوجه المليح
وأنت البدر يكمل كلَّ شهرٍ ... وغصن البان فالظبي السّنيح
دنوّكمُ يبرِّد من غليلي ... وودكمُ هو الودّ الصحيح
وقوله في جارية نصرانية:
أليسَ الله يعلمُ أن قلبي ... يحبّك أيُّها الوجهُ المليح
وأهوى لفظك العذبَ المفدّى ... إذا درس الذي قال المسيح
أظاهرُ غيرَكم بالود عمداً ... وودكمُ هو الود الصحيح
وفيكم أشتهي عيدَ النصارى ... وأصواتاً لها لحنٌ فصيح
وقوله من قطعة:
رمتني سهامٌ من لحاظ غريرةٍ ... معقربة الصدغين قائمة النهدِ
مخنّثة الأعطاف مهضومة الحشا ... غلامية التقطيع ممشوقة القدِّ
وقوله من أخرى:
لئن خنتمُ أو ملتمُ لملالة ... فإني سأرعاكم على القرب والبعد
وما أنسَ لا أنس العناقَ عشيةً ... وبردي ذكيّ النّشر من ذلك البرد
وقوله من أخرى:
أيا من حلّ في عيني وقلبي ... وجال من السّويْدا في السّواد

(2/423)


ليهنك أن حللْتَ حمى فؤادي ... وسلّطت السهاد على رقادي
وأنك قد خلعتَ على جفوني ... من الأشواق أثوابَ الحِداد
وله:
أتسقيني وتسكرني بلحظ ... فلي سُكْرانِ من هذا وهذا
فإن كان المراد بذاك قتلي ... على حُبّيك صبراً كان ماذا
وقد فنيتْ دموعي من جفوني ... فأمسى وبْلُ أجفاني رَذاذا
وله:
يا قمراً أبصرتُه طالعاً ... ما بين أطواق وأزرارِ
يرنو بعينَيْ شادن أحور ... قد عقد الخِصر بزنّار
يطوفُ بالكأس كبدر الدُجى ... وكأسه كالكوكب الساري
قد كتبَ الحسنُ على خدّه ... هذا طرازُ الخالِق الباري
وله من أخرى:
فنادِ بمسمَعيْك لكي يغنّوا ... وحث العود من بمٍّ وزير
ولا تشربْ بلا طرب فإني ... رأيتُ الخيل تشرب بالصفير
وله من أخرى:
قمْ يا نديمي هاتِها ... حمراءَ ترمي بالشّررْ
وأمرْ سقاتك تسقنا ... فالديك ينذر بالسّحر
واشربْ على قمر الورى ... إن غاب في الغرب القمر
ما العيش إلا بالمدا ... م وبالقيان وبالوتر
تسقيكها ممشوقةٌ ... أو أهيفٌ زين الطُّرَر
وكأنما هيَ رقّةً ... دينُ المعرّي في الخبر
وله:
يا غزالاً إذا نظرْ ... وقضينا إذا خطرْ
أنت علّمت مقلتي ... رعية النجم والسهرْ
طاف بالكأس أغيدُ ... وجهه كاسمِه قمر
كيف لي بالسلوِّ عن ... ه وما عنه مصطبَر
وله من أخرى:
أغرّك قول الناس يا غاية المنى ... ويا مخجلَ الشمس المنيرة والقمر
وما خلقت عيناك إلا لآتي ... وما آفة الإنسان إلا من النظر
وله:
بأبي وجه مليح ... فيه ماءُ الحسن حارا
وله طيفٌ إذا ما ... لجّ في الهجران زارا
وله من أخرى:
أخَوْدٌ ألمّت بنا آنفاً ... أم الشمسُ والقمرُ الباهر
أرتك الهلالَ وغصن النقا ... يميّله روضه الزاهر
بعثتُ إليها بلحظ الهوى ... وطرفي لموعدها ساهر
منعّمة من بنات الملو ... ك فالحسن في وجهها حائر
وله يصف الرّاووق:
تأمل من الراووق والخمر يقطرُ ... كعيني محبٍ للتفرّق ينظرُ
براه الهوى فالدمع يغلب جفنَه ... فيخفيه أحياناً ولا بدّ يظهر
وله:
فما شفق قد ضمّ بدر غمامةٍ ... ولا كأس بلّور دِهاق من الخمر
بأحسنَ منها حين مرّت عشية ... تميس بتيه في غلائلها الخضر
وله من أخرى:
سأصبرُ مغلوباً على بعد دارنا ... وما كلّ مشتاقٍ على البعد صابر
فيا عزّ قد عزّ الذي أنت واصل ... كما ذل يا عزّ الذي أنت هاجر
فللْغصن ما شدّت عليه مناطق ... وللحقف ما ليثَتْ عليه المعاجر
تميس كغصن البانِ يهتزّ ناعماً ... وتثقلها أردافُها والغدائر
وله:
ألا حبّذا راحٌ براحٍ تديرها ... ظباءُ قصورٍ بين تلك المقاصر
معتّقة لم تلفح النار وجهها ... بعيدة عهد من قِطافٍ وعاصر
على حلو أخبار إذا ما تكرّرت ... ثنينا على تذكارها بالخناصر
وله وقد أوقد الراهب ناراً في منارة:
يا راهبَ الدير الذي ... عمرَ المنارُ بناره
هل أبصرتْ عيناك لي ... ظبياً نأى عن داره
لبس الصّليبَ مقلداً ... إذ ماس في زنّاره
كالسيف في آثاره ... والغصن في إثماره
عيناه أوشك قتلة ... من غربِه وغِرارِه
وله:
كأن الكأس لؤلؤة وفيها ... عقار عتِّقت في دون تِبر
وله:
هلالٌ ألمّ بنا موهِناً ... تحيّر في حسنه ناظري
وأوما إليّ بتقبيله ... فردّ عليه نعم خاطري

(2/424)


يريك الرّدينيّ من قدّه ... ويرنو عن المُرهفِ الباتر
فكم شعلة في صميم الفؤاد ... تضرّمُ من لحظه الفاتر
وله:
يا قُبلة قد نِلتها من مؤنسِ ... فتضوّعت أنفاسُها في المجلس
وضممته فضممت غصناً مائلاً ... ورشفت من ريمٍ ثنايا ألْعَس
وتأرّجَتْ أثوابه فكأنها ... ريح القَبول على جفون النرجس
وتضرجت وجناتُه فتورّدت ... وتحكمت ألحاظه في الأنفس
وله من أخرى:
وخمرٍ قد شربت على وجوه ... إذا وصفت تجلُّ عن القياس
خدود مثل ورد في ثغور ... كدُرّ في شعور مثل آس
وله:
يا رُبّ راح جلونا كأسَها سحَراً ... عذراء صافية في حلّة الورس
في راحة رخصة الأطراف ناعمة ... من كف جارية تُدمى من اللمس
بيض ترائبُها سود ذوائبها ... كأن طرَّتها غيم على شمس
وله في جارية بوجهها أثر جرح:
ومجروحة في الوجه أحسن من مشى ... وترنو بعيني ظبية تكلأ الرشا
وما جرحها في الوجه مما يشينها ... وما ضُرِب الدينار إلا لينقشا
مهفهفة تصبي الحليمَ بدلِّها ... فلو حدّثَتْ صخراً من الصمّ لانتشى
تريك النقا والغصن إمّا تعرضت ... مثقّلةَ الأرداف مهضومة الحشا
مسيحية فيها من الحسن مسحة ... فشا حسنها مثل الذي بي قد فشا
وله:
فكّرت في نار الجحيم وهولها ... يا ويلاه ولات حين مناص
فدعوت ربي أن خير وسائلي ... يومَ المعاد شهادةُ الإخلاص
وله:
ومجلس فيه ريحانٌ وفاكهةٌ ... نظلُّ نلهو به طوراً ونغتبط
كأن سوسنه المبيَضّ حين بدا ... رأس لراهبة بادٍ به الشّمَط
وله:
لله من وجهه لنا قمر ... على قضيب مهفهف طلعا
ضممتُه مرة فقبلني ... فخلتُ زهر الرياض قد سطعا
وله:
سلِ المطر العام الذي عمّ أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي
إذا كنت مطبوعاً على الصدّ والجفا ... فمن أين لي صبرٌ فأجعله طبعي
وله:
تلوّتْ عليّ بوعد كما ... تلوّي على الخدّ أصداغَها
أيا دُميةَ الدّير في بيعة ... تنوّق فيها الذي صاغها
بقلبي أمورٌ طواها الهوى ... أريد الى فيكِ إبلاغَها
الى شفة قد بهاها الهوى ... فسبّحْتُ ما شئت صبّاغها
وله من أخرى:
فيا مَنْ وجهُها سبب التّصابي ... ويا من وصلُها للقلب رافَهْ
إليك صبوتُ يا من حلّ مني ... فأكلؤهُ بإشفاق المخافه
فيا من ريقها شهْد جنيّ ... بماء الورد نكهتُه مُضافه
وله:
بليت بظبية تهوى لجاجي ... هي الشمس المنيرة في السّجوف
مبرقعة بخزّ من سواد ... كمثل البدر في وقت الكسوف
بلا قلبي وطرفي كان يحْيا ... فقلبي المبتلي والطرف عوفي
وله:
رويدكَ يا مُنى نفسي ... فما في الحب من أنفَهْ
بحق الجمر إذ تُرمى ... بحق الحجّ في عرفَهْ
بحق مِنًى ومن فيه ... وركبٍ حلّ مزدلِفَه
ألمّي بي ولو يوماً ... لتُحيي مهجتي الكِلفَهْ
وله:
يا رب غانية حُمر غلائلها ... كأنها قمرٌ في حُمرة الشفق
كأنّ غرّتَها من تحت طُرّتها ... بدرُ التّمام بدا في ظلمة الغسق
قد زرْفنَتْ فوق خديها سوالفها ... كأنما كتبت لاميْنِ في يَققِ
باتت تعللني راحاً وترشفني ... فبتّ أشرب راحَ الكرْم والحدق
وله:
أهلاً وسهلاً بقَيصَريّ ... يرشُقُني قدّه الرشيقُ
تفعل ألحاظه بلُبّي ... أضعافَ ما تفعل الرحيق
يا حاملاً خدّه وكأساً ... فذاك وردٌ وذا شقيق

(2/425)


يا مشبهَ البدر في كمالٍ ... يا حبّذا وجهك الطليق
وله:
يا مليكاً على القلو ... ب بجيش من الحدقِ
بأبي صدغك البهي ... م على خدك اليققِ
وله:
ألمّت بوجه كبدر الدجى ... تقنّع بالمِعجَر الأزرق
كبدر السماء بدا طالعاً ... تحفّ به زُرقةُ المشرِق
وله:
أضحكَ مَن في هواكِ باكِ ... حبُّكِ عن حبّ مَن سواك
إذ لا وصال سوى نسيم ... من نشْر مرْط ومن سِواك
وله:
أبدَيْنَ أقمارَ الوجوه طوالعاً ... من فوق أغصان القدودِ المُيّلِ
وبسَمْنَ عن دُرّ الثّغور فخِلْته ... برَداً تحدّر من سحابٍ هُطَّل
وله من أخرى:
رُبّ يوم نحن في ظل القَنا ... رُبّ يوم نحن مع بيض الدّمى
إن تكن حرب صليْنا نارَها ... أو تكن سِلماً بذلنا النِّعَما
وله:
منع التنسّكَ والوقار وبجْمَه ... مُقلٌ تقلّبها بنات الرّوم
مُقل لها فعل المُدام وتارة ... فعل الحسام بمهجة المهزوم
بيض كأنّ شعورها ووجوهها ... ليل يبلّجهُ ضياء نجوم
حدّثنَني وخلال ذاك تبسُّم ... كالدرّ منثور على منظوم
لله ليلتُنا ونحن نُديرها ... كأساً معتّقة من الخُرطوم
والطبل يخفق والمزامر حوله ... تتخالف العيدان في المزْموم
فلئن صبوتُ فقد صبا أهل النهى ... ولئن هفوتُ فلست بالمعصوم
وله:
بسقام جفونك من سقم ... وشحوب خدودي من ألم
وولوع الحب بذي شجنٍ ... وبقرعْ السن على ندم
أرضيت الشوق يعذّبني ... يا مَن قد نام ولم أنم
ولقد أصبحت لنا شغُلاً ... كعكوف الشِّرْك على الصّنم
فلئن أسفرتَ فعن قمر ... ولئن سلّمْت فبالعنَم
أفلا أشفى بوعود من ... ك شفاء المحْل من الدّيَم
أهوىً وجوىً ونوىً وأسىً ... ووقوفُ الحال على العدم
وهمُ أشجوك وقد سلِموا ... وهمُ أردَوْك بذي سلَم
وهمُ قصدوك بنبلِهِمُ ... وأقاموا الحرب على قدَم
وهم دلّوك بدلِّهمُ ... وهمُ راموك فلم ترُم
ولقد أزمعتُ سلوّكُمُ ... وعرضْتُ الغدرَ على شيمي
فكرهت الغدرَ لخسّته ... وأبتْهُ نفوس ذوي الهِممِ
وله:
يا شبيهَ الغزال عيناً وجيدا ... وشبيهَ القضيب قداً وقامهْ
أنت بدر الجمال فوق قضيب ... خدّك الورد والرّضاب مُدامَهْ
وله:
ألا حبّذا الوجهُ الذي جمع الحُسْنا ... كأن سناه الشّمسُ لكنّه أسنى
ويا من هواه في ضميري مخلّد ... وأدنى إذا فكّرْت من ثوبي الأدنى
طلبت سلوّاً من هواكَ فلم أجد ... وألزَمْتُ نفسي الصبرَ عنك فما أغنى
هواكَ الى قلبي ألذّ من المُنى ... وأعذب من ماء السّحائب بل أهنا
وله:
بنفسي القناني بأيدي الغواني ... وشدوِ القِيان وصوت المثاني
وقد ستر الشمسَ ثوبُ الغمام ... وقد ودجَ العِلجُ نحرَ الدّنان
فخُذْها عقاراً ترى لونها ... كحُمرةِ خدّ بقَرْص البنان
وبادرْ زماناً قليل الوفاء ... فكلّ مع الدهر والعيشُ فان
وله:
أيها البدرُ إلينا ... لا تبِعْ بالنّقدِ دَيْنا
دعْ نقبّلْ كفّك المخْ ... ضوبَ شئنا أم أبينا
واسقِنا سِحراً بلحظٍ ... وأدِرْ كأسا علينا
اسقِنيها مُرّةَ الطّعْ ... مِ تُريكَ الشَّيْنَ زيْنا
أنت أبهى كل من يم ... شي على الأرض الهوينا
وله:
أيا من وجهُه حُلوُ ... ويا من قلبُه خِلوُ
ويا من لحظُه سكر ... ويا من لفظُه صحوُ

(2/426)


ويا من قدّهُ غُصن ... نماه الدلّ والزهْوُ
لقدأصبحتَ ذا جورٍ ... على من جسمُه نِضوُ
وقد طالتْ مواعيدي ... أهذا منكَ بي لهوو
فإنْ كنتُ أخا ذنب ... أما عندكَ لي عفوُ
وله قد غُنّيَ بين يديه بقول ابن أخي عتّاب الجوهري:
إذا لم أطِقْ صبراً رجعتُ الى الشكوى ... وناديتُ جنح الليل يا عالم النجوى
فعمل ارتجالاً:
أيا قلبُ كم حذّرْتُك البثّ والبلوى ... أليس قصارى العاشقين الى الشكوى
فإن قلتَ إن الطّرْف أصلُ بليّتي ... فأنت الذي تصبو وأنت الذي تهوى
لعَمري لقد بالغْتُما في نكايتي ... وحمّلتُماني في الهوى فوق ما أهوى
بُليتُ بقاسي القلب في غاية المُنى ... فصيّرني في الحبّ في الغاية القصوى
ولا يقبل الأيْمانَ إن جئتُ حالفاً ... ولا يرحمُ الشّكوى ولا يسمعُ النجوى
وله:
إن نظرتْ مُقلتي لمُقلتِها ... تعلمُ ممّا أريدُ فحْواه
كأنّها في الفؤاد ناظرة ... تكشِفُ أسرارهُ ونجواه
وله:
وكأسٍ مثل عينِ الدّيكِ صِرْف ... وماء المُزنِ بالشّهْدِ الجَنيّ
يطوف بها مليح ذو دلالٍ ... مريض الطرف ذو خُلُقٍ رضيّ
أقام عقاربَ الأصداغ تيهاً ... ليمنَع بهجةَ الوجه الوضيّ
شربت على لواحظِه مُداماً ... كماء المُزن والمِسك الذّكيّ
وله من أخرى:
وإذا حرّك المثاني عنيدٌ ... وسمعنا زَمراً ولحْنا شجيّا
وسعى بالكؤوس بدر منير ... وسقانا الرّحيقَ صرْفاً وحيّا
ما أبالي إذا شربتُ ثلاثاً ... أيّ قاضٍ بالجَورِ يقضي عليّا
حميد بن سعيد بن يحيى الخزرجي
من ندماء تميم بن المعز بن باديس بالمهدية، وشعرائه المجيدين في البديهة والروية، وهو الذي جمع شعر الملك تميم، ونظم في عقد سلكه كل در يتيم، ومما أورده لنفسه فيه أبيات عملها على وزن شعر لتميم قال: حضرنا ليلة بين يديه فأملى علي، يعني تميماً:
يا باعثَ السُكرِ من كأس ومن مُقلِ ... يسبي الحليمَ بتكسير وتخنيث
وحاملَ البدر فوق الغُصن منتصباً ... وخالِطَ الدرّ تذكيراً بتأنيث
عاهدْتني عهْد من للعهْد ينكثُه ... فصرتَ تأخذ في طرْق المناكيث
حدثتني بأحاديث منمّقةٍ ... فما حصلتُ على غير الأحاديث
فالوعد ينشُرُني والخلفُ يقتلني ... فصرتُ ما بين مقتول ومبعوث
قال حميد وسأل الحاضرين إجازته فأنشدته:
يا من حُرمتُ وِصالاً منه يُنعشُني ... وصرتُ أقنعُ منه بالأحاديث
تشبّث السُقْمُ بي لما هجرتُ فما ... بغير طولِ الأسى والهجرِ تشبيثي
اللهَ في هجرِ مقتولٍ أضرّ به ... وجْد عليكَ وميتٍ غيرِ مبعوث
قال ثم أنشده الحصيبي:
يا ساقيَ الكأس ليس الكأس تُسكرُني ... السُكرُ من مُقلةٍ أغرتْ بتخنيثي
وهذا الحصيبي من شعراء العصر ويستغنى بذكره هاهنا عن ذكره في موضع آخر.
ثم أنشده الكفيف:
بثثْتُ حبَّك إذ ضاقَ الفؤادُ به ... فمنْ يلوم لسرٍ فيكَ مبثوثِ
نفثْتَ في القلب سحراً لا طيبَ له ... فيا لسحرٍ من الألحاظ منفوثِ
وقد حلفتُ يميناً لا يُكلّمني ... والشوقُ يقضي على رَغْمي بتحنيث
فقال له تميم: أنا انتقدت على الحصيبي، فانتقد أنت على الكفيف، فقلت: كلامه كله مختل، لأنه ذكر ضيق صدره بمحبوبه، ومن كان صحيح المحبة فما يضيق فؤاده، ثم قال: فمن يلوم لسر فيك مبثوث، والبهائم لو نطقت، تلومه، وإنما الصواب: فلا تلمني لسر فيك منثوث، والمبثوث لا وجه له، فإن المبثوث بمعنى المفرّق وكيف يبث حبه بمعنى يفرقه، وإنما أراد أن يقول نثثت حبك بالنون أي ذكرته بعد ما كان مكتوماً.
قال حميد الخزرجي: وعملت بيتين ابتداء لأبيات وهما:
وغانيةٍ محيّاها ... به يُغْنى عن السُرْجِ

(2/427)


لو اطّلعَتْ على الحُجّا ... ج ألهتْهُمْ عن الحجّ
وبعدهما من شعر تميم:
لها وجْه لها شعَر ... كمثل الروم والزّنْج
لها جفْنان قد شُحِنا ... بنَبل السّحْر والغنْج
لها ثغر، لها ريق ... كمثل الخمر والبنجِ
لها نهدان قد نجُما ... كنابَي فيل شِطرَنْجِ
وحكى حميد أنه دخل الى أبي عبد الله ابن النعناع وفي يده رقعة من الملك تميم إليه يتأملها ويكثر النظر فيها وقد ألهته عنّا معانيها، فقلت:
عجبت لرقعةٍ ألهتْك عنّا ... وعما كنت فيه من الحديث
أظنك قد شُغِفْتَ بها لسِرّ ... قديم قد حوتْهُ أو حديث
وحكى أبو الصلت في الحديقة: أخبرني محمد بن حبيب المهدوي قال: حضرنا ليلة في جملة النّدامى مجلس السلطان أبي يحيى تميم ابن المعز فالتفت حميد بن سعيد الشاعر الى غلامين من مماليكه متناجيين قد ضمّا خداً لخدّ فقال حميد:
انظر الى اللِّمّتَين قد حكتا
فقلت:
جنحَيْ ظلام على صباحَيْنِ
فقال:
واعجَب لغصنين كلّما انعطفا
فقلت:
ماسا من اللّين في وشاحَيْن
فقال:
ظَبْيان يحْمي حِماهما أسدٌ
فقلت:
لولاهُ كانا لنا مُباحينِ
فقال:
فلو تدانيت منهما لدنت
فقلت:
منّي في الحين أسهم الحَيْنِ
محمد بن حبيب المهدوي القلانسي
ذكره أبو الصلت في الحديقة وأورد قوله:
بدورُ وجوهٍ في ليالي ذوائبٍ ... لعِبْنَ بلبّي بين تلك الملاعب
تبرقَعْن من خوف العيون وإنما ... طلعن شموساً تحت غُرّ السحائب
وفوّقن من تحت البراقع أسهُماً ... من اللّحظ ترمي عن قِسيّ الحواجب
باب في ذكر محاسن جماعة من أهل المغرب
الأقصى من العصر
أوردهم عثمان بن بشرون المهدوي الكاتب في المختار في النظم والنثر وذكر أنهم من المُقلين
محمد بن عبد الله المهدي المعروف ب
ابن تومرت
هو الذي خرج بالمغرب، ودعا الى التوحيد، وتولّى بعده عبد المؤمن. ذكر ابن بشرون: أنشدني محمد بن محمد النثري لابن تومرت أبياتاً قالها قبل قيامه بالمغرب، وهي:
إنّي وفي النفس أشياء مخبّاة ... لألبَسنّ لها دِرْعاً وجِلبابا
كيما أطهر دينَ الله من دنَسٍ ... وأوجب الفضل للسادات إيجابا
تا الله لو ظفرَتْ كفّي بمطلبها ... ما كنتُ عن ضرب أعناق الورى آبى
اليمان بن فاطمة المرابط
أورد له:
سل مُستَهاماً بكم قد شفّه السّقم ... لا يرقدُ الليل من فِكر ومن قلق
قد أنفدَ الدمعَ فيما قد يكابدُه ... فالدمع في نزَفٍ والقلبُ في حرَق
يا ويْحَ من قد بُلي من حبّه بنَوى ... إن قال صِلْ مال للإعراض والنّزَقِ
وقال موعدُ وصْلي الحشرُ فاغن بما ... ترى إذا أو نهاكَ الحبلَ فاختنِقِ
كم مرة قلت علّ الدهرَ يسعدني ... بالوصل منكَ فيحيى عندهُ رمقي
قال اصطبرْ واحتسبْ ما صرتَ لاقيه ... مثل احتسابِ الشجي المشفي على الغرق
ثم انثنى مرِحاً والتيهُ يعطِفه ... ووردة الخدّ تحكي حمرةَ الشّفقِ
وقال: دعني واصنعْ ما تشاء ولا ... تلمُمْ بربعي واحذر أن تُسي خلقي
فحين أبصرَ ذُلّي في هواه رثى ... لحالتي واعترته سَورة الفَرَق
ومنها:
ومال نحوي يفدّيني بأسرته ... وسار بي لذُراه سير منطلق
وقال: خذها عَقاراً في زُجاجتها ... تلألأتْ كتلالي الشمس في الأفق
ونِل وصالي وقبّلْ عند ذاك فمي ... وعضّ خدّي ولا تعبأ بمطّرق
فلم يزلْ دأبنا هذا ومقصدُنا ... أيامَ شهرٍ جرتْ طلْقاً على نسقِ
يا حبذا زمن قضيتُ أطيبَه ... ما بين عود وناي خائر الطرق
في روضة أنُفٍ تزهو بأحمرها ... نعم وأصفرها والأبيض اليقق

(2/428)


إذا بكى القطرُ وانهلّت مدامعه ... تبسّمت ورنت إليه بالحدق
عبد الله بن حماد المراكشي
أورد من شعره قوله ينتجز وعداً ويقتضي رفداً:
يا من إليه في الحواديث يُسنَدُ ... وعليه ألوية المحامد تُعقَد
إني أتيتُ بشطر بيت سائر ... اليوم يومكم فأين الموعد
وقوله في المعنى:
بتّ ليلي أنافرُ النوم حتى ... لاح لي الصبح لا أغمّضُ عينا
وكأني لمّا وعدت، ضرير ... أجذَم قد أتاك يطلبُ ديْنا
عبد المؤمن بن يحيى السجلماسي
له في ذم قاض:
أيا عُرّة في جميع القضاة ... وأجورَ قاضٍ قضى واحتكَم
أمثلك يصلُح في قُطرنا ... يلي الحُكمَ في الشرع بين الأمم
ودارك مقسمة للزناة ... يناك بها لك كل الحُرم
فقُل لولاة الأمور اللئام ... أبعد الفقيه علي الحكَم
تولّي القضا مثل هذا البغيض ... ونجمُ قيادته قد نجَم
نصحت لكم فاقبَلوا نصح مَنْ ... يرى قتل قاضيكم في الحرَم
عبد الخالة بن عبد الصمد النولي
أورد له من قطعة:
يا لَقَومي ما لصبّ ... مُستهامٍ من نصير
شفّه حُبّ غزال ... غنج اللّحظ غرير
أهيفِ الخصر مليح ال ... قَدّ كالغُصن النضير
بمحيّا ذي جمال ... مثل بدر مستنير
ليته جاد بوصل ... بعد بُعْدٍ ونفور
وغدا وهو عنيقي ... وضجيعي في السرير
إيتني الوصل هنيئاً ... في خلوّ من غيور
وشرابي ريق ثغر ... طيّب الطعم خصير
الأفرم
هذا لقبه، وهو محمد بن علي المسيلي.
أورد من شعره في الرزق وطلبه، وأنه يجري من الله بقدره:
يقولون إنّ الرزق بالحرص يجلبُ ... وليس بمقدور يُنال ويُكسب
فصوّب وصعّدْ في البلاد مطالباً ... لرزق تنلْ منه الذي تتطلّب
وإياك والتّضجيع فيه وإنّما ... أخو الرّزق من يشقى عليه ويتعب
فما الرزق يأتي بالتوكل إنّه ... بعيد لذا التّضجيع لا يتقرّب
فقلت: بعيد أن تُنال معيشة ... بحرص عليها فالحريص معذّب
ألا إنما الأرزاق تجري بقدر ما ... يقدّرُ والمقدور عنّا مغيَّبُ
وما أن ينال المرءُ منها سوى الذي ... به الله يقضي والقضاء مغلَّب
فأرزاق هذا الخلقِ بينهمُ جرتْ ... فذا نائل عفواً وذاك مخيَّب
ولكن علينا الاجتهاد وأن نُرى ... لربّ الورى في الرّزق ندعو ونرغب
فرَبّ الورى يعطي ويمنع كيف ما ... أراد وما في ذاك منه تعقُّب
رضيتُ به ربّاً ومولى وسيّداً ... وحسبي من رب يرجَّى ويرْهب
محمد المكناسي المعروف بينطلق
له في الفراق:
إن يوم الفراق يوم عسير ... يتوقّى وقوعَه المهجور
كم أديلت للشوق فيه دموع ... واستحرّتْ للبَيْن فيه صدور
واغتدى العاقل الصّبور جَزوعاً ... للنّوى والنوى عليه أمير
أي عقل يبقى وأي اصطبار ... لمُحبّ فؤاده مستطير
إذ أحبّاؤه أشاعوا ارتحالاً ... بينهم غدوةً وقالوا المسير
ومطاياهم تُشدّ ولم يب ... ق سوى أن يقال للركب سيروا
لو تراني يوم ارتحال المطايا ... وبنان الحبيب نحوي يشير
لرأيتَ امرأ أجِنّ من الشو ... ق فأضحى كأنّه مسحور
ليس يسطيعُ أن يودّعَ حِيّاً ... دونه كاشح له وغيور
لم يزل يتبَع الحبيبَ بطرْف ... دمعُه للفراق دمعٌ غزير
وينادي والشوق يضرِم في الأح ... شاء ناراً لها لديه سعير

(2/429)


يا إلاهي قرّب مزار حبيبي ... ولأنْت القدير نِعْمَ النّضير
حماد بن الرفا الفاسي الشاعر
له في الاستعطاف، والتنصل من الذنب، والاستعفاء من العتب:
دع العتْبَ وارجع لي حنانيك للعتبى ... وواصل إليّ الكَتْبَ واغتفر الذّنبا
وكن كالذي ما زال في الناس مُحسناً ... وإن هم أتوا ذنبا وهاجوا به كرْبا
وللعفو عن ذنب المُسيء عبادة ... تطيب بها ذكراً وتُرضي بها الرّبّا
ونحرز في أثنائها خيرَ مكسبٍ ... يكون جمالاً في الحياة وفي العُقبى
فإن اعترافي أنني لك مُذنب ... يجدّد لي عهداً ويثمرُ لي قربا
لعلّ الليالي تستجِدّ لقاءنا ... فأشكو بِعاداً زادني فيكمُ حُبّا
لقد طال هذا البعد حتى أذاقَني ... عذاباً ولقّاني به خطبُه خطْبا
إذا الريح هبّتْ من سماوة أرضكم ... ذهِلتُ فلم أملِك فؤاداً ولا لُبّا
وأستخبرُ الركبانَ عنكم لعلّني ... بذاك أقضي من سلام لكم نحبا
فلا مبلغ عنكم إليّ رسالة ... ولا قائل خيراً ولا دافع كتْبا
فأرجع مكلوم الفؤاد تشب به ... نار الصبابات لي شبّا
لعل الذي أفضى بنا لتفرّقٍ ... يسنّي لنا لقيا ويُسنِي لنا قربا
يحيى بن عمارة
له من قطعة:
قد كنت من قبلِ أن أهوى وأعشق لا ... أرثي لأهل الهوى في كل ما صنعوا
فاليوم أعذرُهم فيه وأرحمُهم ... إذ نحن فيه سواء كلنا شرَع
فدع عتابكَ في ريم علِقْتَ به ... فقلما عاشق بالعَتْب ينتفع
قد حصحص الحقُّ إني عاشق كلِفٌ ... والعاشقون لسلطان الهوى تبَع
علي بن عبد الله المقدسي
أورد قوله في الطيف:
طاف طيفُ الحبيب ليلاً وزارا ... ما رثى لي لما ألمّ ازْوِرارا
عجباً منه إذ أتى ما تأنّى ... بل ثنى طيفَه المُلِمّ وسارا
هاج لي ساكناً وأقلق منّي ... أضرم الشوق في الجوائح نارا
ولقد نمتُ قبل زورة سارٍ ... عن أمور هيّجْن لي تذْكارا
أذكرُ الحيّ والصّبا وسُليْمى ... وأموراً أظهرتُ منها استتارا
إذ عيون الخطوب عنّا نيام ... وثغور القبول تُبدي افتِرارا
أمطر الله بالغُوَير ربوعاً ... وسقاهُنّ وابلاً مدرارا
كم قطعنا بها ليالي وصلٍ ... ووصلنا بها السرور نهارا
ولنَشْرِ الصباح عرْف ذكيّ ... عِنبَريّ النّسيم لمّا استثارا
في رياض مدبّجات بنَورٍ ... مدرِجات كِمامها أزهارا
وكؤوس المُدام تجلى علينا ... حملت في لجَينهنّ نُضارا
من رحيق في الدنّ يذكر كسرى ... قِدَماً في الزمان والنّوْبَهارا
أنجُم في الكؤوس تُبدي طلوعاً ... لعيون وفي اللّهى أنوارا
والتي تيّم الفؤاد هواها ... شمس حُسنٍ بها العقول حيارى
يُخجل الناظرين منها محيّا ... كمحيّا الصّباح حين أنارا
هي أنْسي ولذّتي ونديمي ... ودوائي إذا شكوتُ أوارا
شمّرتْ للوقوف منها بُروداً ... وأماطت عن وجنتَيْها خِمارا
ورمتني بأسهُمٍ من لِحاظٍ ... ماحطَتْ من فؤادي الأعشارا
ومتى شئت وصلها كان منها ... كون منع ولا رقيبٌ يُدارى
فلقد حال من زمانيَ حال ... ترك العقل والفؤاد مُطارا
وسعى بيننا من البيْن ساع ... شتّ شملاً مستجمعاً حين ثارا
قدرٌ سابق وحكم نَفوذ ... وخطوب رددْن منها المُعارا
أودعَتْنا الخطوب في كل أرض ... ودعتنا لحكمهنّ اضطرارا

(2/430)


ليت شعري وقد تنكّر دهري ... هل أرى لي عليه منه انتصارا
لا جزى الله زائر الطيف خيراً ... إنه هاج لي أموراً كبارا
سوف أبكي أيام قرب سُليمي ... ما حييتُ وأندُبُ الأقدارا
جماعة أوردهم ابن بشرون في مختاره
من أهل المغرب الأوسط الذي كان لبني حماد واستولى عليهم عبد المؤمن
الفقيه أبو حفص عمر بن فلفول
قال: هو كاتب السلطان بتلك البلاد يحيى بن العزيز الحمادي وخالصته وصاحب سرّه، وله اليد الطولى في الإنشاء الدال إعجازه فيه على البلاغة المؤدية لسحره في نثره.قال: أنشدني له الأمير عبد الله بن العزيز الحمادي عند الاجتماع به في جزيرة صقلية:
وقالوا: نأى عنك الحبيب فما الذي ... تراه إذا بان الحبيبُ المواصل
فإن أنت أحببتَ التصبّر بعده ... ولم تستطع صبراً فما أنت فاعل
فإنّ الهوى مهما تمكّن في الحشا ... وحلّ شغاف القلب ليس يُزايلُ
فكم رام أهلُ الحب قبلكَ سلوة ... وزادهم عنها هوىً متواصل
فقلت: ألا للصّبر مفزع عاشق ... وللصبر أحرى بي وإن غال غائل
سأصبرُ حتى يفتح الله في الهوى ... بوصلِ حبيبٍ طال فيها الطوائل
أبو عبد الله محمد الكاتب المعروف ب
ابن دفرير
ذكر أنه أحد كتّاب الدولة الحمادية، المتصرّفين في الكتابة السلطانية، وأورد له رسالة كتبها عن سلطانها يحيى بن العزيز الحمادي، وقد فرّ من مدينة بجاية أمام عسكر عبد المؤمن يستنجد بعض أمراء العرب بتلك الولاية: كتابنا ونحن نحمد الله على ما شاء وسرّ، رضىً بالقسم وتسليماً للقدر، وتعويلاً على جزائه الذي يجزي به من شكر، ونصلي على النبي محمد خير البشر، وعلى آله وصحبه ما لاح نجم بحر، وبعد: فإنه لما أراد الله أن يقع ما وقع، لقبح آثار من خان في دولتنا وضبع، استفز أهل موالاتنا الشنآن، وأغرى من اصطنعناه وأنعمنا عليه الكفران، فأتوا من حيث لا يحذرون، ورموا من حيث لا ينصرون، فكنّا في الاستعانة بهم والتعويل عليهم كمن يستشفي من داء بداء، ويفرّ من صلّ خبيث الى حيّة صماء، حتى بغت مكرهم، وأعجل عن التلاقي أمرهم، ويرد وبال أمرهم إليهم، فعند ذلك اعتزلنا محلة الفتنة، وملنا الى مظنة الأمنة، وبعثنا في أحياء هلال نستنجد منهم أهل النجدة، ونستنفر من كنّا نراه للمهم عدّة، وأنتم في هذا الأمر أول من يليهم الخاطر، وتُثنَى عليه الخناصر.
أبو القاسم عبد الرحمان الكاتب المعروف ب
ابن العالمي
من كتاب الدولة الحمادية، له من رسالة: ولما كنت في مضمار سلفك جارياً، ولنا موالياً، وفي قضاء طاعتنا متباهياً، رأينا أن نثبت مبانيك، ونؤكد أواخيك، ونوجب لك ولخلفك، ما أوجبه سلفنا لسلفك، تمييزاً لهم عن الأكفاء، ومجازاة لهم على محض الصفاء والولاء، فاستدم هذه النعمة العظيم خطرها بالشكر فأنت به جدير، ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور شكور.
علي بن الزيتوني الشاعر
ذكر أنه شاعر المغرب الأوسط وأديبه، وألمعيّه وأريبه، وهو صاحب توشيح وتوشيع، وتقصيد وتقطيع، وقد سار شعره غناء، وأورد من شعره قوله في ذم المركاز:
لا آكل المِرْكازَ دهري ولو ... تقطّفه كفّي بروض الجنان
لأنه أشبه فيما يُرى ... أصابع المصلوب بعد الثمان
وقوله من قصيدة في مدح بعض القضاة وهي:
نهاه عن محارمه نُهاه ... وقرّبه لخالقه تُقاه
وقال الله ليس سواي ربّ ... ولا لشَريعتي أحدٌ سواه
هو البَرّ العطوفُ على البرايا ... وبالأيتام يرحمُ من أتاه
وشدّ به عُرى الإسلام حتى ... رأينا النُجْح وانعقدت عُراه
أمينٌ عدلُه غمر البرايا ... فما يُخشى على أحد قضاه
مسيحٌ خطوه في كل علم ... ومن ذا يقتفي أبداً خطاه
أبي شأنه طلب المعالي ... ومن يحصي ثناه أو نداه
لقد ظفرت يد علِقَتْ نداه ... ومن ناواه قد تبّتْ يداه
ابراهيم بن الهازي

(2/431)


ذكر أنه صاحب توشيح مليح، وربما قصر إذا قصّد، وأحسن إذا قطّع، ومن شعره:
ألا فدعوا عذلي فما أسمع العَذْلا ... كفاكم فإنّ العذل قد زادني خبْلا
وهي قصيدة واهية ومقطعها:
فواصلْ وقاطِع لستُ أبغي تحوّلاً ... فإن شئتمُ جوْراً وإن شئتمُ عدلا
علي بن الطبيب
ذكر أنّه أديب وطبيب، وأورد من شعره قوله:
يا حملة الحُسنِ هبْ لي منك إحسانا ... إني أحبّك إسراراً وإعلانا
ومنها:
إني لعبدَك لا أبغي بكم بدلاً ... ولا أحبّ سواك الدهرَ إنسانا
يوسف بن المبارك
ذكر أنه من موالي بني حماد، وله في مدائحهم من الشعر ما انسحب عليه ذيل حماد، ومن ذلك قوله:
هناكُمُ النّصر ونيل النّجاح ... في يومكم هذا بسُمْر الرّماح
فأنتم الصِّيدُ الكرامُ الألى ... شادوا العلا بالنّائل المُستَماح
ما منكم إلا همام حوى ... مناقباً جُلّى ومجداً صُراح
لا ترهبون الدهر أعداءكم ... وتمنعون العِرْض من أن يُباح
وتبذلون الرّفْدَ يوم النّدى ... وتسْعرون الحرب يوم الكفاح
وترفعون الجار فوق السُهى ... وتُكرِمون الضيف مهما استماح
لا زلتم تجنون زهر العلا ... في معرض العِزّ بحد الصّفاح
ابن أبي المليح
ذكر أنه طبيب ماهر، وكاتب شاعر، واشتهاره بالطب، وله مقطّعات جالبة للحب، سالبة للب، وله من قصيدة عيدية في الأمير عبد الله بن العزيز الحمادي يصف جنائبه، وقضاءه حق العيد وواجبه:
وجالتْ به جرد المذاكي كأنها ... عذارى ولكن نطقهنّ تحمحم
بصفراء كالتّبرِ العتيقِ صقيلة ... ودهماء يتلوها كُميْت وأدهم
وأشقر لو يجري وللبرق جهده ... لكان له يوم الرّهان التقدم
وقام لواء النّصر يتبع راية ... بها العزّ معقود عليها متمَّم
فلما قضى حق الصلاة معظماً ... ثنى والهدى في وجهه يتوسّم
فلا زال يقضي نفْلهُ وفروضه ... وبرْدُ علاه بالمدائح مُعلَم
علي بن مكوك الطيبي
أورد له هذه الأبيات:
ألا ليت شعري هل من الدهر عودة ... ليقرب ناءٍ ليس يُدرَى له أينُ
تكدّر صفو العيش مذ جدّ بينُنا ... وأي التِذاذ لا يكدّره البين
لعلّ الذي يبلي ويشفي من الأسى ... يُعيد الذي ولّى فكل به هيْنُ
غدوتُ من الأيام في حال عسرة ... تطالبني ديْناً وليس لها ديْن
حماد بن علي الملقب بالبين
له:
لمن أتشكّى ما أرابَ من الدهر ... وقد ضاق بي عن حملِ أيسرِه صدري
وقلّ الذي يجدي التشكّي وأي من ... أرجّيه في يومي لقاصمة الظهر
أراني قد أصبحت في قطر باجةٍ ... غريباً وحيداً في هوان وفي قهر
فقيراً لمن قد كنت أغنى بنيله ... وأنعم في أيامه مدّةَ العمر
أرنِّقُ عيشاً كدّر الدهر صفوه ... وصيّره بعد انجِبار الى الكسر
وعهدي به روضاً أريضاً وجنّة ... مذلّلة الأكناف رائقة الزهر
وإن رمتُ أن أغدو لأهلي عاجلاً ... بلا مهلٍ في أوّل الركب والسفْر
ثنائيَ عنه عامل الثّغر وانثنى ... يقابلني بالعُنف منه وبالزّجر
وقال: اقتنع واقنَعْ برزق تناله ... بلطف لعلّ اليُسرَ يذهب بالعُسر
وأطرق إطراق البُغاث لدى الصقر ... كأنْ لم أكن إذ ذاك منه على ذكر
محمد بن البين
أورده الرشيد بن الزبير في كتاب الجِنان من الأندلسيين، ولم أعرفه إلا منه، وأورد له:
جعلوا رُضابَك كي يُحرّمَ راحا ... ورأوا به قتلَ النفوسِ مباحا
نشروا عليك من الذّوائب حِندِساً ... فملأته من وجنتيك صباحا
ومتى أحسّوا منك طيفاً طارقاً ... ملؤوا أعنّتهم إليّ رياحا

(2/432)


ضربوا عليك من القَتام سُرادِقاً ... ركَزوا شعاع الشمس فيه رماحا
وجلَوْا ظلام الليل بالصبح الذي ... قسموه بين جيادهم أوضاحا
وأتوا بغدران المياه جوامداً ... قد فصّلوها ملبساً وسلاحا
هذا معنى حسن، قد جوّده الأعشى النحوي من شعراء المغرب، ولا أدري أيهما أسبق إليه:
ملك إذا ادّرع الدلاص حسبته ... لبس الغديرَ وهزّ منه منصلا
ولمحمد بن البين:
بُرودٌ قد خلِقنَ عليّ حتّى ... حكينَ الصّبرَ في يوم الوَداع
فجدّدْها ليشهد كلّ راءٍ ... بأني من هباتِك باتّساع
وحمِّلْ عاتِقي ثقْلَ المعالي ... فإنّي بالتحمّل ذو اضطلاع
باب في ذكر عدة من شعراء المغرب
من أهل العصر
الأديب الحكيم أبو الصلت أمية
ابن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي كان أوحد زمانه، وأفضل أقرانه، متبحراً في العلوم، وأفضلُ فضائله إنشاء المنثور والمنظوم، وكان قدوة في علم الأوائل، ذا منطق في المنطق بذّ سحبان وائل، سمعت أبا الفتح نصر بن عبد الرحمان بن إسماعيل الفزاري في ذي الحجة سنة سنتين ببغداد وروى لي كثياً من شعره: أن أمية من أهل المغرب، وسكن ثغر الإسكندرية، وله الباع الأطول في الأصول والتصانيف الحسنة على أسلوب كتاب اليتيمة للثعالبي، ثم وقع ديوان هذا أبي الصلت بيدي في دمشق فأخذته وانتخبت منه ما أوردته ونبهت على ما هو من روايتي في مواضعه، وكل شره منقح ملقح، ممدح مستملح، صحيح السبك، محكم الحوك، نظيم السلك، قويم الفلك، وذلك على ترتيب الحروف، وقد قرأت في ديوانه شعره بتاريخ سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، ولا شك أنه عاش بعد ذلك.
الهمزة فمن ذلك قوله في غلام اسمه واصل وهو مغنٍ مليح:
يا هاجراً سمّوه عمداً واصلا ... وبضدّها تتبيّن الأشياء
ألغيتَني حتى كأنّك واصل ... وكأنني من طول هجرك راء
وله ملغزاً بالظل من قطعة:
أُحاجيك ما لاهٍ بذي اللبِّ هادئ ... على أنه لا يعرفُ اللهْوَ والهُزْءا
بعيد على لمس الأكفّ منالُه ... وإنْ هو لم يبعد عِياناً ولا مرْأى
يُراسِل خِلاً إن عدا عدوَ مسرعٍ ... حكاه وإن يبطئ لأمرٍ حكى البطئا
ترى الرّحْلَ محمولاً عليه كأنّما ... مراسله من دونه يحمل العِبئا
ولم يخشَ يوماً من تعسف قفْرةٍ ... أساودها تسعى وآسادها تدْأى
يغيب إذا جنح الظّلام أظلّه ... لِزاماً ويبدو كلّما أنِسَ الضّوءا
ولكن يحيى ضده في ثباته ... فلا برعتنا الحادثات به رزءا
مليك إذا استسقى العفاة يمينه:توهّمتها من فيض نائلها نوءا
شوى مجده قلب الحسود لما به ... وأعياه أن يلقى لعلّته بُرءا
وقوله:
كم أرجّي الأراذلَ اللؤماءَ ... وإخال السّراب في القفْر ماءَ
ويْحَ نفسي ألا جعلت لربّي ... دون هذا الأنام هذا الرجاءَ
وقوله:
لا غرْوَ أنْ سبقتْ لهاكَ مدائحي ... وتدفّقتْ جدواك ملءَ إنائها
يُكسى القضيب ولم يحن إثماره ... وتطوّق الوَرْقاء قبل غِنائها
الباء وقوله من قصيدة في الأفضل سنة أربع عشرة وخمسمائة:
نسختْ غرائب مدحكَ التّشبيبا ... وكفى به غزَلاً لنا ونسيبا
لله شاهِنْشاه عزمَتُك التي ... تركت لك الغرضَ البعيدَ قريبا
لا تستقرّ ظباك في أغمادها ... حتى تروّيها دَماً مصبوبا
والخيللا تنفكّ تعتسِف الدّجى ... خبباً الى الغارات أو تقريبا
تصبو الى ما عُوّدتْ من شنها ... فتواصل الإسآدَ والتّزويبا
وترى نَمير الماء صفْواً كلّما ... وردَتْه طرْقاً بالدّماء مَشوبا
ومنها في صفة الخيل:
من كل منتصب القَذال تخالُه ... رشأ بإحدى الجهلتين رَبيبا
حكم الوجيهُ له وأعوَج أنّه ... سيجيء فرْداً في الجياد نجيبا

(2/433)


من أدهمَ للحِلي فوق لِباتِه ... شُهب تُضيء ظلامَه الغربيبا
متألق إفرَنْده في حلكةٍ ... وكأنّما ثبجٌ عله أذيبا
أو أشهب ضبغ النّجيع أديمه ... لوناً أعار لحسنه تذْهيبا
ما خِلْت ريحاً قبله امتُطيَت ولا ... أبصرتُ برقاً قبله مركوبا
تُردي بكل فتىً إذا شهد الوغى ... نثر الرّماح على الدّروع كعوبا
قد لوّحته يدُ الهواجر فاغتدى ... مثل القناة قصافةً وشحوبا
يتسابقون الى الكفاح بأنفسٍ ... ترك الإباء ضرامها مشْبوبا
تخِذوا القنا أشطانهم واستنبطوا ... في كل قلب بالطِّعان قليبا
أحييتَ عدل السّابقين الى الهدى ... وسلكتَ فيه ذلك الأسلوبا
وبثثتَ في كلّ البلاد مهابة ... طفِق الغزال بها يؤاخي الذّيبا
وهمَتْ يداك بها سحائبَ رحمة ... ينهلّ كل بنانة شؤبوبا
ومنها:
ونصرتَ دينَ الله حين رأيته ... متخفّياً بيد الرّدى منكوبا
فالخيل تسرع والفوارس ترتمي ... مُرْداً الى أجر الجِلاد وشيبا
ومنه في الدرع:
متسَرْبِلي غُدَر المياه ملابِساً ... مُستنْبِطي زُيُر الحديد قلوبا
ونصبتَ من هام العِدى لك مِنبراً ... أوفى حسامك في ذراه خطيبا
لما أعدّوا البيض هيفاً جُرّدا ... والطّاس يفهقّ مرّة والكوبا
أعددتَ للغمرات خير عَتادها ... رمحاً أصمّ وسابحاً يعْبوبا
ومنها في الدرع:
ومُفاضة كالنهر درّج متنَه ... ولعُ الرّياح به صباً وجنوبا
ومنها في السيف:
ومهنّدٍ عضْب الغرار كأنّما ... درجَتْ صغار النّمل فيه دبيبا
ذكر الكميّ مضاءَه في وهمه ... فرأيتَه بنجيعه مخضوبا
تعطي الذي أعطتكه سمْر القنا ... أبداً فتغدو السّالبَ المسلوبا
وكّلْتَ فكرَك بالأمور مراعياً ... وأقمتَ منه على القلوب رقيبا
ومنها:
وأنا الغريب مكانُه وبيانُه ... فاجعل صَنيعَك في الغريب غريبا
وقوله من قصيدة في يحيى بن تميم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة في صفة الحرب:
تألّق منك للخُرْصان شُهْب ... على لِمم الدّجى منها مشيبُ
نجوم في العجاج لها طلوعٌ ... وفي ثغْر الكُماة له غُروب
ومنها:
وقد غشّاك من سود المنايا ... سحائب ودقهنّ له صبيب
فلا برق سوى بيض خفاف ... تُقَطُّ بها الجماجم والتّريبُ
تغادر كل سابغة دلاص ... كما شقّت من الطرب الجيوب
وقوله من قصيدة في مدحه:
بكم فضَلَ المشرقَ المغربُ ... وفي مدحكم قصّر المُطنِب
وما اعترف المجدُ إلا لكم ... فليس الى غيركم يُنسب
توارثتموه أباً عن أبٍ ... كما اطّردت في القنا الأكعب
ومنها:
إذا بلدٌ ضاق عن آملٍ ... فعندكمُ البلد الأرحب
بحيث ينادي النّدى بالعُفاة ... هلمّوا فقد طفحَ المشرب
ومنها:
دنا كرَماً ونأى هيبة ... فتاهَ به الدّست والموكب
وسالت ندًى وردًى كفّه ... فهذا يرجّى وذا يرهَبُ
وقوله من قصيدة في مدح حسن بن علي بن يحيى بن تميم:
عذيريَ من شيْب أمات شبابي ... وداعٍ لغير اللّهو غير مُجاب
فقدتُ الصّبا إلا حُشاشةَ نازع ... تداركتها إذ آذنَتْ بذهاب
بصفراءَ من ماء الكروم سقيتُها ... بكفّ فتاةٍ كالغلام كعاب
تُنير فيستغشي الزجاجة نورها ... كما ذرّ قرن الشمس دون سراب
فهل من جُناح ويكما أو تِباعةٍ ... على رجل أحيا صبًى بتصاب
ومنها:
ولم يطْف نار الهمّ مثل رجاجة ... تُشَجّ حُميّاها بماء رضاب

(2/434)


ولثْم خدود كالشّقائق غضّة ... وضمّ قدود كالغصون رِطاب
فقم يا نديمي سقّني ثم سقّني ... فبي ظمأ أصبحت منه لِما بي
أما والذي لو شاء لم يخلق الهوى ... لهوني ولا عذْبَ اللّمى لعذابي
لقد طال ذمّي الدّهْرَ حتى أقرّني ... من ابن عليٍّ في أعزّ خِصاب
وجدت ذراه الرحبَ أكرمَ منزل ... فقيّدْت أفراسي به وركابي
وكم ردّدَتْ نحوي الملوكُ خطابها ... فما حليتْ منّي بردّ جواب
وقوله من قصيدة في مدحه:
لم يدعُني الشوقُ إلا اقتادني طرباً ... ولم يدعْ ليَ في غير الصّبا أرَبا
وذو العلاقة من لجّ الغرامُ به ... وكلّما ليمَ أو سيمَ النزوع أبى
كانت لنا وقفة بالشِّعْب واحدة ... عنها تفرّع هذا الحب وانشعبا
ولائم ليَ لم أحفل ملامته ... ولا سمحتُ له منّي بما طلبا
قال: اسلُ فالحب قد عنّاك قلت أجل ... حتى أراجعَ من لبّي الذي عزَبا
طرفي الذي جلب البلوى الى بدَني ... فلُمْه دوني في الخطب الذي جلبا
هو الهوى وهواني فيه محتمَل ... وربّ مُرّ عذاب في الهوى عذُبا
أما ترى ابنَ عليٍ حين تيّمَه ... حبّ العُلا كيف لا يشكو له وصبا
أغرّ ما برحت تثني عزائمُه ... سيفَ الهدى بنجيع الشّرك مُختضبا
قد أصبح المُلك منه في يدي ملِكٍ ... مُرّ الحفيظة يُرضي الله إن غضبا
لو أنّ أيسر جزء من محاسنِه ... بالغيث ما كفّ أو بالبدر ما غرَبا
ومنها في وصف قصر له بناه:
إذا سقى الله أرضاً صوبَ غادية ... فليسقِ قصرَك صوبَ الرّاح ما شربا
قصر تقاصرَت الدنيا بأجمعها ... عنه وضاق من الأقطار ما رحُبا
ومنها يصف شجر النّارنج:
وحبّذا قُضُب النّارنج مُثمرة ... بين الزّبرجَدِ من أوراقها ذهَبا
وفي صفة النهر:
وحبّذا الوُرق فوق القُضب ساجعة ... والماء في خلَل الأشجار منسربا
سلّتْ سواقيه منه صارماً عجباً ... لا يأتلي الجدْبُ منه مُمعِناً هربا
حُسام ماءٍ إذا كفّ الصّبا انبعثت ... لصقلِه تركتْ في متنه شُطُبا
صفا ورقّ فكاد الجو يشبهه ... لو أن جواً جرى في الروض وانسكبا
ومنها في صفة الخمر:
...... ترتمي شرراً ... فوق البنان وهذا يرتقي حبَبا
شمطاء ما برحَتْ في الدنّ قائمة ... تفني الليالي والأيام والحِقَبا
حتى لقد جهلتْ للبُعْد عاصرَها ... وأنسيت لتراخي عهدها العنبا
وقوله فيه:
بسُمر الرّماح وبيض القُضبْ ... تُنال العُلا وتُحاز الرُتبْ
وما بلغ المجدَ إلا فتًى ... يمتّ إليه بأقوى سببْ
فكن كلِفاً بالقَنا والظُبى ... إذا كلِفوا باللّمى والشّنبْ
إليّ تناهى الهوى مثلما ... الى ابن عليّ تناهى الحسَب
كأن هواي قدودَ المِلاح ... هواه قدود الرّماح السُلُبْ
أهيم ببيض الدُمى مثلما ... تهيم يداه ببيض القُضُبْ
ويُسهرني صدّ ذات اللّمى ... ويُسهِره نيلُ أعلى الرُتبْ
ولا أقبل العذْرَ فيمن أحب ... ولا يقبل العذْلَ فيما يهَبْ
ويخفق قلبي جوًى كالبُروق ... وتهمي يداه ندًى كالسُحُبْ
وقد فعل السُقمُ بي والنُحو ... لُ فعلَ عوارفِ بالنّشبْ
فلا حسُّ في بدني للحياة ... ولا حسّ في ظله للنّوَبْ
وعهد جفوني بطيب الكرى ... كعهد مُغالبِه بالغَلَبْ
ووجدي ومفخرُه باقيا ... ن في كلّ حين بقاءَ الحقَبْ
فأبقى لي الوجدَ جيدٌ وخال ... وأبقى له المجدُ جدّاً وأبْ

(2/435)


وقرأت في مجموع السيد أبي الرضا الراوندي بخطه: أنشدني الزّكي بن طارق، أنشدني سليمان بن الفياض لأبي الصلت:
إذا كان جسمي من تُراب فكلّها ... بلادي وكل العالمين أقاربي
ولا بدّ لي أن أسألَ العيشَ حاجة ... تشُقّ على شُمّ الذّرى والغوارب
وقوله:
وربّ قريب الدار أبعده القِلى ... وربّ بعيد الدار وهو قريب
وما ائتلفَتْ أجسام قومٍ تناكرتْ ... على القُرْب أرواحٌ لهم وقلوب
وقوله يصف بِركة الحبش:
علّلْ فؤادَك باللذات والطرب ... وباكرِ الراح بالطّاسات والنُخَب
أما ترى البِركةَ الغنّاء قد لبِست ... فرْشاً من النّور حاكته يد السُحُب
وأصبحتْ من جديد النّبْت في حللٍ ... قد أبرز القطْر فيها كلّ محتجِب
من سوْسنٍ شرقٍ بالطّلّ محْجره ... وأقحوانٍ شهيّ الظَّلم والشّنَب
وانظر الى الورد يحكي خدّ محتشم ... من نرجس ظل يحكي لحظَ مرتقب
والنيل من ذهب يطفو على ورقٍ ... والراح من ورِقٍ يطفو على ذهب
وربّ يوم نقعْنا فيه غُلّتنا ... بجاحم من حشا الإبريق ملتهب
شمس من الراح حيّانا بها قمر ... موفٍ على غُصنٍ يهتز في كثب
أرخى ذوائبه واهتزّ منعطفاً ... كصَعْدة الرمح في مسودّة العذب
وقوله في العذار:
دب العِذار بخدّه ثم انثنى ... عن لثْم مبسمه البَرود الأشنَب
لا غَروَ أن خشي الرّدى في لثمِه ... فالرّيق سُمّ قاتل للعقرب
يقال: من خواص ريق الإنسان أنه يقتل العقرب، وهو مجرَّب.
وقوله وهو من رائق شعره:
صَبا إذ تنسّم ريّا الصِّبا ... ولجّ فأنّب من أنّبا
وكان على العذْل سهل المرا ... م سمحَ المَقادة فاستصعبا
ولم يُدْعَ للغَيّ إلا أطاع ... ولم يُدْعَ للرشد إلا أبى
فكيف السلوّ لصب يرى ... عذاب الصّبابة مستعذبا
خليليّ لي والهوى والرقيب ... حديث يحلّ عقود الحُبى
وبي والركائب والظّاعنين ... ظباء لواحظهنّ الظُّبى
وخلفَ الستور وطيّ الخدور ... ودون العَجاج وتحت الكُبا
شموس مطالعهنّ الجيوب ... وقُضْب مغارسهنّ الرّبى
حشدن لقتليَ جيشَ الغرام ... وفرّقنَ صبري أيدي سَبا
وقوله:
لا تدْعُنا ولتَدْعُ من شئتَه ... إليكَ من عُجْمٍ ومن عرب
فنحن أكّالون للسُحْت في ... دارك سمّاعون للكذب
ومن قوله وقد جفا بعض إخوانه في سكره:
يا ليت أنّ حبابَ الرمل ساورني ... بما استدار بأعلاها من الحبب
فما يفي بالذي أخفيتُ من ندم ... ما نلتُ بالكأس من لهوٍ ومن طرب
اصرف كؤوسكَ عنّي يا مصرّفها ... فليس لي بعدها في اللهو من أرب
في ابن الغمامة لي مُغنٍ يؤمنني ... من أن تحكّم في عقلي ابنة العنب
ومنها:
تُرى رضيتَ فعاد الودّ أم بقيت ... بقيةٌ تتقاضى عودةَ الغضب
التاء وقوله في ذم عبيده:
قُيِّض لي في العبيد بخْت ... أتعسه الله في البُخوت
لم أحْظَ منهم بغير فدْمٍ ... أرعنَ أم مبرمٍ مقيت
يكْلم عند الكلام إن لم ... يفلح سكيتاً لدى السكوت
ورُبّ عِلْقٍ ملكت منهم ... كالظبي في مُقلة ولِيت
أتى على الصبر كل شيء ... أعطي من حسنه وأوتي
تعجّ أحقاؤه عليه ... فويق خلخاله الصموت
سهْل على طالبيه سمْح ... يجذبه خيط عنكبوت
لا يأتَلي من مَقيل سوء ... عند ذوي الفِسْق أو مبيت
يوسع أعْفاجَه طِعاناً ... من بطلٍ غير مستميت
في كل يوم يجر عرضي ... في سكل الدور والبيوت

(2/436)


أنعَت بالفسق فيه إفكاً ... والفسق من أقبح النعوت
ورُبّ يوم حُميت غيظاً ... من أسود اللون كالحَميت
أرفَع صوتي به اشتِكاء ... والرفع في الصوت رفع صيت
أقول: يا ربّ هل أراه ... تحت الدّبابيس واللتوت
كم شمل كرْبٍ به جميع ... وشمل أنْسٍ به شتيت
ويحَك يا نفس أيّ جهد ... من لؤم أخلاقهم لقيت
وقوله في مدح حسن بن علي:
أيُحيي الدهر منّي ما أماتا ... ويرجِع من شبابي ما أفاتا
وما بلغَ الفتى الخمسينَ إلا ... ذوي غُصْن الصّبا منه فماتا
يقول الركب هاتا دارَ هِندٍ ... فهل يُجدي مقالُ الركب هاتا
ومنها:
بكيتُ على الفُرات غداةَ شطّوا ... فظنّ الناس من دمعي الفُراتا
وبي من ساكن الأحداج أحوى ... كريم العصر صدّاً والتفاتا
أعادَ دلالُه وجْدي جميعاً ... وأوسع صدّه صبري شتاتا
وولّى بالعزاء غداةَ ولّى ... وكيف يردّ ما ولّى وفاتا
فسائلْ عن جفونيَ كيف باتت ... وعن قلبي المعذّب كيف باتا
أما لو عادني لأعاد روحي ... وأحيا أعظُمي الرِّمَم الرّفاتا
كما أحْيى ندى الحسن البرايا ... وكان الغيثَ إذ كانوا النّباتا
مليك ما لجأت إليه إلا ... قمرت من الحوادث ما أماتا
يهزّ الرّفد عِطفيه ارتياحا ... ويحكي الطّودَ في الهيجا ثباتا
وصلت بحبله الممدود حبلي ... فما أخشى له الدهر انبتاتا
وهابتْني الليالي في ذراه ... فلست بخائف منها افتياتا
ولما حدّث الرُكبانُ عنه ... بما أولاه من فضل وآتى
مرقت إليه من خلل الدّياجي ... مروقَ السهم إذ جدّ انفلاتا
الى أن حطّ رحلي في ذراه ... بحيث انقاد لي زمني وواتى
فلا عدمَتْ به الدنيا جمالاً ... ولا فقدتْ له العلياء ذاتا
الثّاء
خلِّ لها في الزّمام تنبعث ... وارمِ بها البيد غير مكترث
من كل موّارة المِلاط لها ... وخْدٌ متى تستثِرْه لم ترث
فالحيّ كالميْتِ ما أقام على ... حالة بؤس والبيت كالجدَث
أقسمت بالله بارئِ النّسَم ال ... باعث بالحقّ غير منبعِث
والراقصات العِجال تبتدر الرُكْ ... نَ بغُرّ فوَيْقها شُعُث
إليةً لا أاف من كذِب ... يقدح في صدقها ولا حنَثِ
إنّ ابن يحيى كهل البصيرة والر ... رأي وإن لم يجُزْ مدى الحدث
الواعد الوعدَ غيرَ منتقض ... والعاهد العهدَ غيرَ منتكث
والأسد الورد والمكر والمو ... ت غرثان والكماة جُثي
... يُستمنح يجُدْ ومتى ... يُدْعَ به في ملمّةٍ يغِثِ
فأي أرض لم يسْقِ مُجدبَها ... بصوبِ معروفِه ولم يغِثِ
... بدلُها الخنث ال ... فاتر ذات الدّلال والخنث
ويلاه مما ينوب كل فتى ... لم يكتسب مجدَه ولم يرث
ما الطيّب النّجر كالخبيث ولا ... يُعَدّ صفو النُضار كالخبث
من نفرٍ لم تُدَرْ عمائمهُم ... يوماً على ريبَةٍ ولم تُلَثِ
فالشّعر وقْف على محاسنهم ... وليس جِدّ المقال كالعبث
وقوله في الغزل:
جدّ بقلبي وعبثْ ... ثم مضى وما اكترثْ
وا حزَني من شادن ... في عُقَد الصبر نفث
يقتُل من شاء بعي ... نيه ومن شاء بعث
فأي ودّ لم يخُنْ ... وأي عهد ما نكث
الجيم

(2/437)


وقوله من قصيدة في مدح حسن بن علي بن يحيى بن تميم وقد كثر الإرجاف بخروج أسطول صاحب صقلية الى إفريقية وقصد به المهدية في سنة سبع عشرة وخمسمائة:
للَفظك يُهجَر الروضُ البهيج ... ودون ثيابك المسكُ الأريجُ
وأنت الشمسُ مطلعُها ذراها ... وليس سوى الدّسوت لها بروج
وإن قُدِحَت زِناد الحرب يوماً ... وكان لنار معركةٍ أجيجُ
تركتَ برأيك الأبطالَ فيها ... ومن تحتِ العجاجِ لها عجيج
نماك بنو المعزّ فطُلتَ فرعاً ... كذا الخطّي ينميه الوشيج
وأمّ جنابَكَ العافون طُراً ... كما يتيمّم الركنَ الحجيج
وأعداهم سماحكَ فاستُميحوا ... ولولا البحر لم يفضِ الخليج
ولما أن توعّدكَ النّصارى ... كما يتوعّد الأسد المهيج
أتتك غُزاتها بالقُرب تتْرى ... ليُنقَضَ ما تُعالجه العُلوج
وحولكَ من حُماتِكَ كل ذمر ... له في كلّ مشتَجَرٍ ولوج
ومقرَبَةٍ تفرّج كل كرب ... إذا ملّتْ من الركض الفروج
إذا كُسيَت دمَ الأبطال عادت ... ودون لبوسِها الذّهب النسيج
وقد ريعتْ قلوب الشِّرك حتى ... كأنّ لها بأندلسٍ ضجيج
فبلّغهم رسولكَ كي يقرّوا ... فإن الأمر بينهم مريج
وإنّا الداخلون الى بلِرم ... إذا ما لم يكن منهم خروج
لأنّا القومَ ترضيناالمذاكي ... إذا صهلتْ وتؤنسنا الرّهوج
بقيتَ لنا وللإسلم ركناً ... تجانيه الخطوب ولا يَعيج
ولا غُمِدَتْ لنُصرتك المواضي ... ولا حُطّتْ عن الخيل السّروج
شأى الدرّ القريض بكم وتاهت ... على أدراجه هذي الدّروج
وقوله في يحيى بن تميم بن المعز بن باديس:
ذكرَ المعاهدَ والرسومَ فعرّجا ... وشجاه من طللِ البخيلةِ ما شجا
هيفاءُ أخجلتِ القضيبَ معاطفاً ... والريمَ سالفة وطَرْفاً أدْعَجا
وسقى النعيمُ بذَوبِه وجناتِها ... فوشى به حلل الرّياض ودبّجا
الآس أخضر والشّقائق غضّة ... والأقحوان كما علمْتَ مفلَّجا
لا تسألنّي عن صنيع جفونِها ... يوم الوداع وسلْ بذلك مَنْ نجا
لو كنت أملِك خدّها للثَمتُه ... حى أعيدَ به الشقيقَ بنفسَجا
أو كنت أهجع لاحتضنت خيالها ... ومنعت ضوء الصبح أن يتبلّجا
فبثثت في الظلماء كُحْلَ جفونها ... وعقدت هاتيك الذوائبَ بالدّجى
عرضت فعطلت القضيب على الكثي ... ب تأوّداً وتموّجاً وترجْرجا
وكأنما استلبتْ غلالةُ خدّها ... من سيف يحيى حدّه المتضرّجا
ملِك عنَتْ منه الملوك مهابة ... لأغَرّ في ظلم الحوادث أبلجا
أحلى على كبد الوليّ من المُنى ... وأمرّ في حنكَ العدوّ من الشّجا
من سرّ يعربَ ما استقلّ بمهدِه ... حتى استقلّ له المجرةَ معرَجا
يا من إذا نطق العَلاء بمجده ... خرس العدوّ مهابة وتلجلُجا
ومنها في صفة الفرس:
عجباً لطرفك إذ سما بك متنُه ... كيف استقلّ بما عليه من الحِجى
سبق البروقَ وجاء يلتهم المدى ... فثنى الرياح وراءه تشكو الوجى
وعدا فألحق بالهجائن لاحِقاً ... وأراك أعوج في الحقيقة أعوجا
كالسّيل مجّتْه المذانبُ فانْكفا ... والبحر هزته الصّبا فتموّجا
ومشى العِرَضْنة بالكواكب ملجماً ... مما عليه وبالأهلّة مُسرَجا
ما دون كفِّك مرتَجى لمؤمّلٍ ... لم يُلْفِ بابَك دون سيْبكَ مُرتَجا
بكَ يُستجار من الزّمان وريْبِه ... وإليك من نوَبِ الليالي يُلتَجا
فمتى نقِسْ بك ذا ندى كنت الحيا ... صدقتْ مخيلته وكان الزّبرِجا

(2/438)


وإذا عِداك بغَوْا وسعتَهم ندى ... وتكرّماً وتعفُّفاً وتحرُّجا
بشمائل تُبدى ولكن طيّها ... لفحات بأس تستطير تأجُّجا
والبأس ليس ببالغٍ في نفعه ... حتى يُقارن بالسّماح ويُمزَجا
لم نأل تدْأب في المكارم والعُلا ... متوقِّلاً هضباتِها متدرّجا
حتى أقرّك ذو العلا بقرارها ... وشفا بدولتك الصدورَ وأثلجا
فأقمْت من عُمَدِ السّياسة ما وهى ... وجلوْتَ من ظُللِ الضّلالة ما دجى
فاسلم لدفع ملمّةٍ تُخْشى ودُمْ ... أبدَ الزّمان لنيلِ حظّ يُرتجى
وأنشدي نصر الفزاري، قال: أنشدني أبو الحسن بن شهاب، قال: أنشدني أمية لنفسه:
سترتْ وجهَها بخزّ وجاءتْ ... بمُدام منقَّبٍ في زجاج
فتأملتُ في النِّقابَيْن منها ... قمَراً طالعاً وضوءَ سِراج
الحاء وقوله من قصيدة:
صَبّ براه السّقم برْيَ القِداح ... يودّ لو ذاق الرّدى فاسْتراح
غرامُه الدهرَ غريم له ... وما لبَرْح الشوق عنه بَراح
لم يرِم الوجدُ حشاه ولا ... خلتْ له جارحة من جِراح
له إذا آنسَ برق الحِمى ... جوانحُ تخفِق خفق الجناح
وإن شدَتْ ورقاء في أيكةٍ ... عاودَه ذكر حبيٍ فناح
أصبحتُ في حلبةِ أهل الهوى ... أركُض في طِرْف شديد الجِماح
وفي سبيل الحبّ لي مُهجة ... كان لها صبر جميل فطاح
أغرى بها السُقم هوى شادنٍ ... لم يخْشَ في سفْكِ دمي من جُناح
يعذّب القلبَ بهجرانِه ... وليس للقلب سواه انشراح
تلاقتِ الأضداد في خمسةٍ ... على اتفاقٍ بينهم واصطلاح
إن لان عِطفاه قسا قلبُه ... أو ثبتَ الخلخال جال الوِشاح
يا ابنَ الملوك الصّيد من حمير ... ووارثِ المجدِ القديمِ الصّراح
ليهْنكَ الجدّ الذي نلتَه ... بالجِدّ من أمرك لا بالمِزاح
مزجتَ بالبأس النّدى والتُقى ... ملحٌ أجاجٌ وزُلالٌ قَراح
كم منهلٍ مطْرَدٍ بالرّدى ... في موقف مشتَجِرٍ بالرّماح
أوردته كل سليم الشّظى ... منعّلة أربَعُه بالرّياح
كأنما سُربِل جُنح الدجى ... وبُرقِعت غرّتُه بالصباح
ينصِت للنّبْأة من حشْرةٍ ... كأنها قادمة من جناح
وقوله:
أصحوتَ اليوم أم لستَ صاحي ... يوم نادوا أصلاً بالرّواح
يوم تُصميكَ لِحاظ الغواني ... بسهام نافذات الجِراح
جدّ بي ما كان منّي مِزاحاً ... ربّ جِدّ حادثٍ عن مِزاح
فالحَ إن شئتَ أو دعْ فإنّي ... قد تمرّسْت بخطْبِ اللواحي
ولئن غالَ شبابي مشيب ... كفّ من شأويَ بعد المَراح
ولكم ردّ بغيظ عذولي ... فتولّى مؤيِساً من صلاح
ببدور من سُقاة أداروا ... أنجُمَ الراح بأفلاك راح
كلما ولّى أوان اغتباق ... شفَعوه بأوانِ اصطباح
ورخيم الدلّ عذبِ الثّنايا ... شرِقِ الخلخالِ صادي الوِشاح
باتَ يسقيني الى أن تردّى ... منكب الليل رداءَ الصباح
كلما مال فقبّلت فاه ... مجّ خمراً في فمي من أقاح
كنفَتْني لك يا ابن عليّ ... نظَرات منكَ راشتْ جناحي
نزل الدهر بها عند حُلمي ... وأجاب الحظّ حسب اقتراحي
وأيادٍ شفعتْها أيادٍ ... سبقتْ شكري لكم وامتداحي
تلك راضت جامحاتِ الأماني ... فتأتّت لي بعد الجِماح
ومنه يصف خلعة ممدوحه عليه:
وحوى رِقّي بُرد سناء ... فوقَى عِطفي بكفّ السّماح
رحت من هذا وهذا كأنّي ... قد تغشّيت دجى في صباح
ومنها:

(2/439)


حكتِ الأعلام منه مُذالاً ... تتهاداه بنان الرياح
كلما أرسلْتُه فوق متْني ... نازعَتْنيه صدور الرماح
أفصحَتْ في شُكره وهي خُرْس ... عجباً منها لخُرسٍ فِصاح
منَح من مَلِكٍ ليس يفْنى ... بحرُ جدواه على الامتياح
يملأ المِغفَرَ والتاج منه ... قمر الدّسْتِ وليث الكفاح
من ملوكٍ ملكوا الناس قِدْماً ... واسترقوا كل حي لِقاح
كلّما اقتيدَ لهم واستُقيلوا ... غمَدوا في الصّفح بيض الصفاح
دام في عمرٍ مديدٍ وعيشٍ ... خضِلِ الأكناف زاهي النّواحي
وقوله:
قل لذي الوجه المليحِ ... ولذي الفعلِ القبيحِ
وشبهِ القمر الطا ... لعِ والغصنِ المروح
نمْ خليّاً ودعِ التّس ... هيدَ للصبّ القريح
يا عليلَ الجفنِ علّلْ ... بجَنى ريقِكَ روحي
جد بوصلٍ منكَ أو مو ... تٍ من الصدّ مُريح
الخاء وقوله في جواب أبي عبد الله بن بشير الشاعر التنوخي عن قطعة كتبها إليه في الوزن والروي:
غير مجدٍ ملام غيرِ مُصيخ ... ومُمِضّ الكلام كالتوبيخِ
أنتَ في اللوم لي كمن لقي النا ... ر بريح وقال يا نار بوخي
أنا مالي وللهَياج وقرْع ال ... بطلِ الستميت في اليافوخ
بين أسْدٍ جروا الأساوِدَ واستغ ... شوا الى الطعن ما نضَتْ من سلوخ
قم خليلي فأنت أنبَل من عو ... شِرَ في مذهب المجون وأوخي
قم نُدِرْها سُلافة حُبِستْ من ... قبلِ شيثٍ في الدّنّ أو أخنوخ
فهي معلومة المناسبِ في أك ... رم عِرقٍ مجهولة في التاريخ
بنت كرْمٍ تحبو الشّباب شباباً ... وتُريك الشّيوخَ غيرَ شيوخ
فاسقنيه صفراءَ كالشمس أو حم ... راءَ صهباءَ فهي كالمريخ
في ذرى من يستجبِن الليثَ إن هي ... جَ ويستبْخِل الحيا إن سوخي
قلت لما سرتْ الى المُدلجِ السّا ... ري عطاياه والمقيمِ المُنيخ
أين ثمْدٌ من غامرٍ ونضوبٌ ... من جموم وراشحٌ من نضوخ
دام كهفَ العاني الطريد وغيث الر ... رائِد المقتفي وغوثَ الصّريخ
في ارتقاءٍ في عزّة وتمادٍ ... وثبوت في ملكه ورسوخ
الدال وقوله من تهنئة بمولود اسمه يحيى:
وأفضلُ الأيام يوم غدا ... لمثْلِ يحْيى المُرتضى مولدا
أعز مأمول الجَدا حاز عن ... أغرّ نائي العيب داني الجدا
يلوح في المهد على وجهه ... تجهُّم البأس وبِشرُ النّدى
فخِلتُ منه الليثَ والغيثَ ذا ... يرهَب غضبانَ وذا يُجتدى
وكوكب الحسن الذي لا يني ... يضيء وجه السُرى الأرْبَدا
والشمس والبدر إذا استجمعا ... لم يلْبَثا أن يلِدا فرْقَدا
فابقَ له حتى ترى نجلَه ... وإن عرا خطب فنحن الفدا
وقوله في الشّمعة:
وناحلةٍ صفراءَ لم تدْرِ ما الهوى ... فتبكي لهجرٍ أو لطولِ بِعاد
حكتني نُحولاً واصفراراً وحُرقة ... وفيضَ دموع واتصالَ سهاد
وقوله في استزارة صديق:
بمعاليكَ وجدّكْ ... جُدْ بلُقياك لعبدك
حضر الكلّ ولكن ... لم يطِبْ شيء لفقْدِك
وقوله:
وورد عبق أهدَيْ ... تَه غضاً الى عبدك
فلم أدرِ ومن أنقذ ... ني بالوصل من صدّك
أذاكَ الورد من خد ... دكَ أم خدّك من ورْدك
وقوله:
لا تتركَن يوماً صفا ... لك فيه طيب العيشِ للغَدْ
وانعم بها ورديةً ... من كفِّ ذي خدّ مورّد

(2/440)


ذاب النُضار بوجنتي ... ه وقام دونهما الزّبرْجَدْ
قال الحكيم وقد رآ ... ها في زجاجتها توقّدْ
ما بال هذي النّار لا ... ترقى كعادتها وتصعَدْ
أم ما أرى الذّهب المذا ... ب أبى الجمودَ فليس يجمُدْ
وقوله فيمن يجتهد في العلم ولا يفهمه:
وراغبٍ في العلوم مجتهدٍ ... لكنه في القَبول جلمود
فهو كذي عنّة به شبق ... ومشتهي الأكل وهو ممعود
وقوله في غلام لابس قباء أحمر:
أفدي الذي زار في قِباءٍ ... قايس في الاحمرار خدّه
صينَ به جسمُه فحاكى ... سوسنَة علِّقَتْ بورْدَه
وقوله في تمني قرب الدار:
لئن أعرَضْتِ أو عادت عوادي ... أدالت من دنوّك بالبعاد
فما بعُدَتْ عن اللُقيا جسوم ... تدانت بالمحبّة والوداد
ولكن قرب دارِك كان أنْدى ... على كبِدي وأحلى في فؤادي
وقوله في مجمرة:
ومحرورةِ الأحشاء لم تدرِ ما الهوى ... ولم تدر ما يلقى المحبّ من الوجد
إذا ما بدا برق المُدام رأيتَها ... تُثير غَماماً في النّدى من النّد
ولم أرَ ناراً كلّما شبّ جمرها ... رأيت النّدامى منه في جنّة الخلد
وقوله من قطعة:
لا تظنّوا الدمعَ يطفئ ما ... ضُمّنَتْ من حرّها الكبِد
إن نيران الهوى أبداً ... بمياه الدمع تتّقد
قصَر البلوى على جسدي ... قيصَريّ عيده الأحد
مُنتضٍ من لحظه ظُبَة ... ما لمَن أوْدى بها قوَد
وقوله:
لم أدْرِ والله وقد أقبلَتْ ... تُخجِل غُصْنَ ......
واستضحكت من لمّتي إذ رأتْ ... ............
أعِقْدها ألِّفَ من ثغرِها ... أم ثغرها .........
وقوله من قصيدة:
معاهد الحيّ كنت أعهدها ... بسْلاً على الحائمين مورِدها
والبيض بيض الظُبى مجرّدة ... يحْمي حِمى هندها مهنّدُها
وكم وكم ليلةٍ غنيت بها ... تُسعِدني غيدها وأسعِدُها
إذ لمّتي كالغُدافِ حالكَة ... يروق بيضَ الحسان أسودُها
وإذ لياليَ كلّها غُرَر ... لا ينقَضي لهوها ولا دَدُها
وربّ بيضاءَ من عقائِلها ... تبيت شمس النّهار تحسُدها
تَشيم من جفنها إذا نظرتْ ... صوارماً في القلوب تغمُدها
طرقتُها موهِناً على خطرٍ ... والنفس تُدني المُنى وتُبعِدها
فبتّ ألهو بضم ناعمةٍ ... ينْدى بريّا العبيرِ موقِدها
طاوٍ حشاها فعْمٌ مخلخَلها ... عذب لماها بضّ مجرّدها
ترشفني من فُوَيهها برَداً ... يشبّ نارَ الهوى ويوقِدها
وقوله في مغنّ قبيح الوجه حسن الصنعة:
لنا مُسمِع ما في الزّمان له نِدّ ... ولكنّه في قُبحِ صورته قِرْد
لطَرْفي وسمعي منه حالانِ هذه ... وأخرى إذا قايستَ بينهما ضدّ
يعذّب طرفي حين يلْحَظ وجهَه ... وينعُم سمعي دونه عندما يشدو
إساءَة مرآه لإحسان فعله ... كِفاء فلا حُسْن يدوم ولا سعْد
وقوله في كلب صيد:
خيرُ مُعدّ متّخَذْ ... ليومِ عيشٍ مستلَذّ
منفرد بالحسن قد ... سوبق بالجُرد فبَذْ
سبْق النّصول للقُذَذْ ... فما انبرى إلا مُغِذْ
ولا رأى حتى أخذْ
الراء وقوله من قصيدة:
أجِدُّكَ لا يسليك بينٌ ولا هجْر ... وأنّ مواعيدَ الهوى دونَها الحشْر
ومنها:
ومهما طرقْتَ الحيّ لاقاكَ دونَه ... غراب وأعراب لقاؤهما مُرّ
فهزتْ دوَينَ البيضِ بيض وأشرِعتْ ... الى الطّعن دون السُمرِ خِطيّة سُمرُ
فلا قُربَ إلا أن يخيّله الكرى ... ولا وصلَ إلا أن يسهّله الفكرُ

(2/441)


وبرْق دوَيْنَ الأبرقيْن كأنّما ... تُهَزّ له في الجوّ ألوية حُمرُ
أرِقْت له حتى طوى الليل ثوبَه ... وزلّت توالي الشُهْب يطردها الفجرُ
لعزمٍ قصرْتُ العيش فيه على السُرى ... وقلت لها سيري فموعدكِ القصْر
فما برحتْ ترمي بعزمي وهمّتي ... إليه الفِجاج الغُبْر واللُجج الخُضرُ
وأسري ولا يدري سُرى الليل موضعي ... كأنّ الدُجى صدري وشخصي به سرُّ
الى أن حططْتُ الرّحْلَ منه بعرْصةٍ ... أقام الغِنى في ظلّها ونأى الفقرُ
وعرّستُ حيث العيشُ أزهر مونقٌ ... وشرب الندى غمر وفينانُه نُضْر
ومنها:
تأتّى لي الإحسانُ لما مدحتُه ... وساعدني في شكره النظمُ والنثرُ
وأوفت قوافي الشّعر تتْرى كأنّها ... عوارفُه عندي ونائلُه الغمْرُ
وقوله من قصيدة:
هي العزائم من أنصارها القدر ... وهْيَ الكتائب من أشياعها الظّفَرُ
جرّدتَ للدّين والأسياف مغمدَة ... سيفاً تُفكّ بالأحداث والغيَرُ
وقمتَ إذ قعد الأملاك كلّهم ... تذبّ عنه وتحميه وتنتصرُ
بالبيض تُسقِط فوق البيض أنجُمها ... والسُمْر تحت ظِلال النّقْع تشتجِر
بيض إذا خطبَتْ بالنّصر ألسُنُها ... فمن منابرها الأكباد والقصَر
وذُبَّل من رِماح الخطّ مُشرعة ... في طولهنّ لأعمار الورى قِصَر
تغشى بها غمرات الموت أسْد شرى ... من الكماة إذا ما استُنجدوا ابتدروا
مستلئمين إذا شاموا سيوفهم ... شبّهتها خُلُجاً مُدّتْ بها غُدرُ
قوم تطول ببيض الهند أذرعُهم ... فما يَضير ظُباها أنّها بُتُرُ
إذا انتضوْها وذيل النّقْع فوقَهم ... فالشمس طالعة والليل معتكرُ
ترتاح أنفسهم نحو الوغى طرباً ... كأنّما الدّم راحٌ والظُبى زهُر
وإن هم نكصوا يوماً فلا عجب ... قد يكهم السّيف وهو الصارم الذّكر
العَود أحمد والأيام ضامنة ... عقبى النجاح ووعد الله منتظَر
وربما ساءت الأقدار ثم جرتْ ... بما يسرّك ساعات لها أخَر
ومنها:
لله بأسُك والألباب طائشة ... والخيل ترْدَى ونار الحرب تستعِر
وللعجاج على صُمّ القنا ظللٌ ... هي الدُخان وأطراف القنا شرَر
إذ يرجع السيف يبدي حدّه علقاً ... كصفحة البكر أدمى خدّها الخَفر
أما يهولك ما لاقيتَ من عدد ... سيّان عندك قلّ القوم أو كثروا
هي السّماحة إلا أنها سرَف ... وهي الشجاعة إلا أنها غَرر
ومنها في الحث على الفتك بجماعة:
فاضربْ بسيفكَ من ناواك منتقماً ... إنّ السيوف لأهل البغي تُدّخر
ما كل حين ترى الأملاكَ صافحة ... عن الجرائر تعفو حين تقتدر
ومن ذوي البغي من لا يُستهان به ... وفي الذّنوب ذنوب ليس تغتفَر
إنّ الرماحَ غصون يُستظلّ بها ... وما لهنّ سوى هام العِدا ثمَر
وليس يُصبح شمل المُلك منتظماً ... إلا بحيث ترى الهاماتِ تنتشِر
أضحى شهِنْشاه غيثاً للنّدى غدِقاً ... كل البلاد الى سُقياه تفتقِر
الطّاعن الألْفَ إلا أنها نسق ... والواهب الألفَ إلا أنها بِدر
ملك تبوّأ فوق النّجم مقعدَه ... فكيف يطمع في غاياته البشَر
يرجى نداه ويُخشى حدّ سطوته ... كالدهر يوجَد فيه النّفع والضّر
وما سمعتُ ولا حُدِّثت عن أحد ... من قبله يَهب الدنيا ويعتذر
جاءتكَ من كلمي الحالي محبّرة ... تُطوى لبهجتها الأبْراد والحبَر

(2/442)


هي اللآلئ إلا أن لجّتَها ... طيّ الضّمير ومن غُوّاصها الفكَر
تبقى وتذهب أشعار ملفّقة ... أولى بقائلها من قولها الحصَر
ولم أطِلها لأني جِدّ معترِف ... بأنّ كل مطيلٍ فيك مختصر
وقوله من قصيدة:
مظلومة باللحظِ ظلاّمة ... تفعل بالأشفار فِعْل الشِّفار
للدّمع في ما احمرّ من خدّها ... ترقْرق الطّلّ على الجُلّنار
قيل لي - وأنا قد انتهيت الى كتب هذا البيت - : عرفنا معنى كونها ظلامة باللحظ، فما عنى مظلومة باللحظ؟ قلت: قد وقعت لي عدة معان، منها: يجوز أن يكون المراد أنها يؤثر فيها لحظ من ينظر إليها لرقّة بشرتها فهي مظلومة بلحظ الناس، ظلاّمة بلحظها، وذكر اللحظ وهو يعمّ الجميع. ومنه يجوز أن يكون المراد أنّ لحظه مريض سقيم دون سائر جوارحها، فهي مظلومة به، ومنها أنها بلحظها تظلم الناس بقتلها وتظلم نفسها بتقلد الدماء وتأثيمها، فهي مظلومة بلحظها ظلاّمة.
ومنها في المدح:
موقّر الشّيمة إن جاذبتْ ... يوماً يد الخفّة عطف الوقار
وقوله من قصيدة:
وقائلٍ: لو سلوتَ قلت له ... مالي على ما يسومني قُدرَهْ
قليلُ عقلٍ وصادني قمر ... مبلبل الصّدغ حالك الطُرّهْ
لم يصحُ منذ انتشت لواحظُه ... وكيف يصحو وريقه الخَمرَهْ
ومنها:
كم صاحب غرّني بظاهره ... وخان عند السِّفار والخِبرهْ
يزورني مُثرياً ويطرقني ... ولا أراه في الضّيق والعُسرَهْ
نفضت منه يدي وقلت له ... لا أشتهي الخِلّ سيئَ العِشره
حسبي انحرافي عن الورى خلَفاً ... وحسب عيني بفقدهم قُرّهْ
وقوله يصف فرساً أحمر ذا غرّة:
كأنّ الصباحَ الطلق قبّل وجهه ... وسالَ على باقيهِ صافية الخمرِ
ولما رآه الورد يحكيه صِبغة ... تعاظم واستعلى على سائر الزّهْرِ
كأنّك منه إذ جذبتَ عِنانه ... على منكب الجوزاء أو مفرق النّسْر
كأنك إذ أرسلتَه فوق موجةٍ ... تدفِّعُها أيدي الرّياح الى العبْرِ
تدفّقتما بحرينِ جوداً وجودة ... ومن أعجب الأشياء بحرٌ على بحر
وقوله يصف الهرمين:
بعيشكَ هل أبصرت أعجبَ منظراً ... على طول ما أبصرتَ من هرمي مصر
أنافا بأعنان السّماء وأشرفا ... على الجوّ إشراف السِّماك أو النّسر
وقد وافيا نشْزاً من الأرض عالياً ... كأنّهما ثديان قاما على صدْرِ
وقوله:
تقريب ذي الأمر لأهلِ النُهى ... أفضل ما ساس به أمرَهْ
هذا به أولى وما ضرّه ... تقريب أهل اللهو في النّدره
عُطارِد في جُلّ أوقاته ... أدنى الى الشّمس من الزّهْرَه
وقوله:
تفكّر في نقصان مالِك دائماً ... وتغفَل عن نقصان جسمك والعُمر
ويُثنيك خوف الفقر عن كل بُغيةٍ ... وخوفُك حال الفقر شيء من الفقر
ألم ترَ أنّ الفقرَ حكّم صرْفَه ... وأن ليس من شيء يدوم على الدّهر
فكم ترْحةٍ فيه أديلت بفرحةٍ ... وكم حالِ عُسرٍ فيه آلت الى اليسر
وقوله في أبخر كثير الكلام:
وذي حديثٍ لا ينقضي أبدَ الد ... هر على ما فيه من بخَر
يصدِمُني منه إذ يكلّمني ... تنفس المستراح في السّحر
لم أدرِ لمّا دنا أحدّثني ... أم بال في جوف منخري وخَري
وقوله يصف الاصطرلاب:
أفضل ما استحبَ النّبيل فلا ... تعدِلْ به في المُقام والسّفَر
جِرْم إذا ما التمستَ قيمته ... جلّ عن التّبرِ وهو من صُفرِ
مختصَر وهو إذ تفتّشه ... عن مُلَح العلم غير مختصر
ذو مُقلةٍ تستَبين ما رمَقَتْ ... عن صائب اللحظِ صادق النّظر
تحملُه وهو حامل فلكاً ... لو لم يُدَرْ بالبنان لم يدرِ

(2/443)