صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ جمهرة خطب العرب - أحمد زكي صفوت ]
الكتاب : جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
المؤلف : أحمد زكي صفوت
الناشر : المكتبة العلمية - بيروت
عدد الأجزاء : 3

عليهم يريد أن لا يدع أحدا من إخوان الفتن ودواعى البدع وفرسان الضلال إلا توطأه بحر القتل وألبسه قناع القهر وقلده طوق الذل ولا أحدا من الذين عملوا في قص جناح الفتنة وإخماد نار البدعة ونصرة ولاة الحق إلا أجرى عليهم ديم فضله وجداول نهله فإذا خرج مزمعا به مجمعا عليه لم يسر إلا قليلا حتى يأتيه أن قد عملت حيله وكدحت كتبه ونفذت مكايده فهدأت نافرة القلوب ووقعت طائرة الأهواء واجتمع عليه المختلفون بالرضا فيميل نظرا لهم وبرا بهم وتعطفا عليهم إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم ومنع حجاجهم بيت الله الحرام وسلب تجارهم رزق الله الحلال وأما الاخر فإنه يوجه إليهم ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون وبذل ما يسألون فإذا سمحت الفرق بقراباتها له وجنح أهل النواحى بأعناقهم نحوه فأصغت إليه الأفئدة واجتمعت له الكلمة وقدمت عليه الوفود قصد لأول ناحية بخعت بطاعتها وألقت بأزمتها فألبسها جناح نعمته وأنزلها ظل كرامته وخصها بعظيم حبائه ثم عم الجماعة بالمعدلة وتعطف عليهم بالرحمة فلا تبقى فيهم ناحية دانية ولا فرقة قاصية إلا دخلت عليها بركته ووصلت إليها منفعته فأغنى فقيرها وجبر كسيرها ورفع وضيعها وزاد رفيعها ما خلا ناحيتين ناحية يغلب عليها الشقاء وتستميلهم الأهواء فتستخف بدعوته وتبطئ عن إجابته وتتثاقل عن حقه فتكون أخر من يبعث وأبطأ من يوجه فيصطلى عليها موجدة ويبتغى لها علة لا يلبث يجد بحق يلزمهم وأمر يجب عليهم فتستلحمهم الجيوش وتأكلهم السيوف ويستحر بهم القتل ويحيط بهم الأمر ويفنيهم التتبع حتى يخرب البلاد ويوتم الأولاد وناحية لا يبسط لهم أمانا ولا يقبل لهم عهدا ولا يجعل لهم ذمة لأنهم أول من فتح باب الفرقة

(3/73)


وتدرع جلباب الفتنة وربض في شق العصا ولكنه يقتل أعلامهم ويأسر قوادهم ويطلب هرابهم في لجج البحار وقلل الجبال وحميل الأودية وبطون الأرض تقتيلا وتغليلا وتنكيلا حتى يدع الدنيا خرابا والنساء أيامي وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا ولا نصحح منه غير ما قلنا تفسيرا وأما موسى ولي عهدي فهذا أوان توجهه إلى خراسان وحلوله بجرجان وما قضى الله له من الشخوص إليها والمقام فيها خير للمسلمين مغبة وله بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا فيتصاغر عظيم فضله ويتذاءب مشرق نوره ويتقلل كثير ما هو كائن منه فمن يصحبه من الوزراء ويختار له من الناس
66 - مقال محمد بن الليث
قال محمد بن الليث
أيها المهدي إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علما قد تئنت نحوه أعناقها ومدت سمته أبصارها وقد كان لقرب داره منك ومحل جواره لك عطل الحال غفل الأمر واسع العذر فأما إذا انفرد بنفسه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره فإن من شأن العامة أن تتفقد مخارج رأيه وتستنصت لمواقع اثاره وتسأل عن حوادث أحواله في بره ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبيره وسياسته ووزرائه وأصحابه ثم يكون ما سبق إليهم أغلب الأشياء عليهم وأملك الأمور بهم وألزمها لقلوبهم وأشدها استمالة لرأيهم وعطفا لأهوائهم فلا يفتأ المهدى وفقه الله ناظرا له فيما يقوى عمد مملكته ويسدد أركان ولايته

(3/74)


ويستجمع رضا أمته بأمر هو أزين لحاله وأظهر لجماله وأفضل مغبة لأمره وأجل موقعا في قلوب رعيته وأحمد حالا في نفوس أهل ملته ولا أدفع مع ذلك باستجماع الأهواء له وأبلغ في استعطاف القلوب عليه من مرحمة تظهر من فعله ومعدله تنتشر عن أثره ومحبة للخير وأهله وأن يختار المهدى وفقه الله من خيار أهل كل بلدة وفقهاء أهل كل مصر أقواما تسكن العامة إليهم إذا ذكروا وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه
قال المهدي صدقت ونصحت ثم بعث في ابنه موسى فقال
67 - مقال المهدي
أي بني إنك قد أصبحت لسمت وجوه العامة نصبا ولمثنى أعطاف الرعية غاية فحسنتك شاملة وإساءتك نائية وأمرك ظاهر فعليك بتقوى الله وطاعته فاحتمل سخط الناس فيهما ولا تطلب رضاهم بخلافهما فإن الله عز و جل كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان فترة من رسله وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة حقه يجدد حبل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم ويتخذ لأولياء دينه أنصارا وعلى إقامة عدله أعوانا يسدون الخلل ويقيمون الميل ويدفعون عن الأرض الفساد وإن أهل خراسان أصبحوا أيدى دولتنا وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم ونستصرف نزول العظائم بمناصحتهم وندافع ريب الزمان بعزائمهم ونراحم ركن الدهر ببصائرهم وهم عماد الأرض إذا أرجف كنفها وخوف الأعداء إذا برزت صفحتها وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها قد مضت لهم وقائع صادقات ومواطن صالحات أخمدت نيران

(3/75)


الفتن وقسمت دواعى البدع وأذلت رقاب الجبارين ولم ينفكوا كذلك ماجروا مع ريح دولتنا وأقاموا في ظل دعوتنا واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذلتهم ورفع بها ضعتهم وجعلهم بها أربابا في أقطار الأرض وملوكا على رقاب العالمين بعد لباس الذل وقناع الخوف وإطباق البلاء ومخالفة الأسى وجهد البأس والضر فظاهر عليهم لباس كرامتك وأنزلهم في حدائق نعمتك ثم اعرف لهم حق طاعتهم ووسيلة دالتهم وماتة سابقتهم وحرمة مناصحتهم بالإحسان إليهم والتوسعة عليهم والإثابة لمحسنهم والإقالة لمسيئهم
أي بني ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها واستجلب مودتها بالإنصاف لها وتحسن بذلك لربك وتوثق به في عين رعيتك واجعل عمال العذر وولاة الحجج مقدمة بين يدى عملك ونصفة منك لرعيتك وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر أن يختاروا لأنفسهم رجلا توليه أمرهم وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم فإن أحسن حمدت وإن أساء عذرت هؤلاء عمال العذر وولاة الحجج فلا يسقطن عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع من انعقاد ألسنة المرجفين وكبت قلوب الحاسدين وإطفاء نيران الحروب وسلامة عواقب الأمور ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلا وبعرا حبلك متعلقا رجلان أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب وأعلام بيوتات الشرف له أدب فاضل وحلم راجح ودين صحيح والاخر له دين غير مغموز وموضع غير مدخول بصير بتقليب الكلام وتصريف الرأى وأنحاء العرب ووضع الكتب عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب يضع ادابا نافعة وآثارا باقية من محاسنك وتحسين أمرك وتحلية ذكرك فتستشيره في حربك وتدخله في أمرك فرجل أصبته كذلك فهو يأوي إلي محلتي ويرعى في خضرة جناني ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان وخيار الأمصار أقواما يكونون جيرانك وسمارك وأهل

(3/76)


مشاورتك فيما تورد وأصحاب مناظرتك فيما تصدر فسر على بركة الله أصحبك الله من عونه وتوفيقه دليلا يهدى إلى الصواب قلبك وهاديا ينطق بالخير لسانك
وكتب في شهر ربيع الاخر سنة سبعين ومائة ببغداد
68 - ابن عتبة يعزى المهدى ويهنئه
لما توفى المنصور دخل ابن عتبة مع الخطباء على المهدى فسلم فقال
اجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله وبارك الله لأمير المؤمنين فيما خلفه له أمير المؤمنين بعده فما مصيبة أعظم من فقد أمير المؤمنين ولا عقبى أفضل من وراثه مقام أمير المؤمنين فاقبل يا أمير المؤمنين من الله أفضل العطية واحتسب عند الله أفضل الرزية
69 - يعقوب بن داود يستعطف المهدى
لما سخط المهدى على وزيره يعقوب بن داود أحضره فقال يا يعقوب قال لبيك يا أمير المؤمنين تلبية مكروب لموجدتك شرق بغصتك قال

(3/77)


ألم أرفع قدرك وأنت خامل وأسير ذكرك وأنت هامل وألبسك من نعم الله تعالى ونعمى ما لم أجد عندك طاقة لحمله ولا قياما بشكره فكيف رأيت الله تعالى أظهر عليك ورد كيدك إليك
قال يا أمير المؤمنين إن كنت قلت هذا بتيقن وعلم فإني معترف وإن كان بسعاية الباغين ونمائم المعاندين فأنت أعلم بأكثرها وأنا عائذ بكرمك وعميم شرفك
فقال لولا الحنث في دمك لألبستك قميصا لاتشد عليه أزرارا ثم أمر به إلى السجن فتولى وهو يقول الوفاء يا أمير المؤمنين كرم والمودة رحم وما على العفو ندم وأنت بالعفو جدير وبالمحاسن خليق فأقام في السجن إلى أن أخرجه الرشيد
70 - رجل من أهل خراسان يخطب بحضرة المهدي
وقدم على المهدى رجل من أهل خراسان فقال أطال الله بقاء أمير المؤمنين إنا قوم نأينا عن العرب وشغلتنا الحروب عن الخطب وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا وما فيه مصلحتنا فيكتفي منا باليسير عن الكثير ويقتصر على ما في الضمير دون التفسير فقال المهدي أنت أخطب من سمعته

(3/78)


71 - مقام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي
دخل صالح بن عبد الجليل على المهدى فسأله أن يأذن له في الكلام فقال تكلم فقال
إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول إليك قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله بإظهار ما فى أعناقنا من فريضة الأمر والنهى عن انقطاع عذر الكتمان ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحق على ما سواه فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص ليتم مؤدينا على موعود الأداء عنهم وقابلنا على موعود القبول أو يزيدنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية ويحلينا حلية الكذابين فقد كان أصحاب رسول الله يقولون من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم وأدبر عنه ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله وقصر بها فاقبل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبول سمعة ورياء فإنه لا يعدمك منا إعلام لما تجهل أو مواطأة على ما تعلم أو تذكير لك من غفلة فقد وطن الله عز و جل نبيه عليه الصلاة و السلام على نزولها تعزية عما فات وتحصينا من التمادى ودلالة على المخرج فقال ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) فأطلع الله على قلبك بما ينور الله به القلوب من إيثار الحق ومنابذة الأهواء فإنك إن لم تفعل ذلك ير أثرك وأثر الله عليك فيه ولا حول ولاقوة إلا بالله

(3/79)


72 - عظة شبيب بن شيبة للمهدى
وقال شبيب بن شيبة للمهدى يا أمير المؤمنين إن الله إذ قسم الأقسام في الدنيا جعل لك أسناها وأعلاها فلا ترض لنفسك من الاخرة إلا مثل مارضى لك به من الدنيا فأوصيك بتقوى الله فعليكم نزلت ومنكم أخذت وإليكم ترد
73 - خطبته في تعزية المهدى بابنته
لما ماتت البانوقة بنت المهدى جزع عليها جزعا لم يسمع بمثله فجلس للناس يعزونه وأمر ألا يحجب عنه أحد فأكثر الناس في التعازى واجتهدوا في البلاغة وفي الناس من ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزيه أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شيبة فإنه قال
أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجرا وأعقبك صبرا ولا أجهد الله بلاءك بنقمة ولا نزع منك نعمة ثواب الله خير لك منها ورحمة الله خير لها منك وأحق ماصبر عليه مالا سبيل إلى رده
74 - خطبة اخرى له في مدح الخليفة
قيل لبعض الخلفاء إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعد له فلو أمرته أن يصعد المنبر فجأة لرجوت أن يفتضح فأمر رسولا فأخذ بيده إلى المسجد فلم يفارقه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي حق الصلاة عليه ثم قال

(3/80)


ألا إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة الأسد الخادر والبحر الزاخر والقمر الباهر والربيع الناضر فأما الأسد الخادر فأشبه منه صولته ومضاءه وأما البحر الزاخر فأشبه منه جوده وعطاءه وأما القمر الباهر فأشبه منه نوره وضياءه وأما الربيع الناضر فأشبه منه حسنه وبهاءه ثم نزل وأنشأ يقول
( وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمى الذمار وترمينى به الحدق )
( فما زلقت وما ألقيت كاذبة ... إذا الرجال على أمثاله زلقوا )
75 - كلمات لشبيب بن شيبة
وقال شبيب اطلب الأدب فإنه دليل على المروءة وزيادة في العقل وصاحب في الغربة وصلة في المجلس
وقال للمهدى يوما أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك وأرى الله بنيك فيك ما أراك في أبيك
وخرج من دار الخلافة يوما فقال له قائل كيف رأيت الناس قال رأيت الداحل راجيا والخارج راضيا
76 - خطبة يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب يوم ولى الرشيد الخلافة
روى الطبرى قال لما كانت الليلة التي توفى فيها موسى الهادى أخرج هرثمة ابن أعين هرون الرشيد ليلا فأقعده للخلافة فدعا هرون يحيى بن خالد بن برمك

(3/81)


وكان محبوسا وقد كان عزم موسى على قتله وقتل هرون الرشيد في تلك الليلة فحضر يحيى وتقلد الوزارة ووجه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره وأمره بإنشاء الكتب فلما كان غداة تلك الليلة وحضر القواد قام يوسف ابن القاسم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ثم قال
إن الله بمنة ولطفه من عليكم معاشر أهل بيت نبيه بيت الخلافة ومعدن الرسالة وإياكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة من نعمه التي لا تحصى بالعدد ولا تنقضى مدى الأبد وأياديه التامة أن جمع ألفتكم وأعلى أمركم وشد عضدكم وأوهن عدوكم وأظهر كلمة الحق وكنتم أولى بها وأهلها فأعزكم الله وكان الله قويا عزيزا فكنتم أنصار دين الله المرتضى والذابين بسيفه المنتضى عن أهل بيت نبيه اوبكم استنقذهم من أيدى الظلمة أئمة الجور والناقضين عهد الله والسافكين الدم الحرام والآكلين الفىء والمستأثرين به فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة واحذروا أن تغيروا فيغير بكم وإن الله جل وعز استأثر بخليفته موسى الهادى الإمام فقبضه إليه وولى بعده رشيدا مرضيا أمير المؤمنين بكم رءوفا رحيما من محسنكم قبولا وعلى مسيئكم بالعفو عطوفا وهو أمتعه الله بالنعمة وحفظ له ما استرعاه إياه من أمر الأمة وتولاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته يعدكم من نفسه الرأفة بكم والرحمة لكم وقسم أعطياتكم فيكم عند استحقاقكم ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما في بيوت المال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرا غير مقاض لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم وحاملا باقى ذلك للدفع عن حريمكم وما لعله أن يحدث في النواحى والأقطار من

(3/82)


العصاة المارقين إلى بيوت الأموال حتى تعود الأموال إلى جمامها وكثرتها والحال التي كانت عليها فاحمدوا الله وجددوا شكرا يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم بما جدد لكم من رأى أمير المؤمنين وتفضل به عليكم أيده الله بطاعته وارغبوا إلى الله له في البقاء ولكم به في إدامة النعماء لعلكم ترحمون وأعطوا صفقة أيمانكم وقوموا إلى بيعتكم حاطكم الله وحاط عليكم وأصلح بكم وعلى أيديكم وتولاكم ولاية عباده الصالحين
77 - خطبة هرون الرشيد توفى سنة 193ه
الحمد لله نحمده على نعمه ونستعينه على طاعته ونستنصره على أعدائه ونؤمن به حقا ونتوكل عليه مفوضين إليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه على فترة من الرسل ودروس من العلم وإدبار من الدنيا وإقبال من الاخرة بشيرا بالنعيم المقيم ونذيرا بين يدى عذاب أليم فبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله فأدى عن الله وعده ووعيده حتى أتاه اليقين فعلى النبى من الله صلاة ورحمة وسلام
أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن في التقوى تكفير السيئات وتضعيف الحسنات وفوزا بالجنة ونجاة من النار وأحذركم يوما تشخص فيه الأبصار وتعلن فيه الأسرار يوم البعث ويوم التغابن ويوم التلاق ويوم التناد يوم لا يستعتب من سيئة ولا يزداد من حسنة يوم الازفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين

(3/83)


وما تخفى الصدور واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون
عباد الله إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى حصنوا إيمانكم بالأمانة ودينكم بالورع وصلاتكم بالزكاة فقد جاء في الخبر أن النبي قال لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ولا صلاة لمن لا زكاة له إنكم سفر مجتازون وأنتم عن قريب تنقلون من دار فناء إلى دار بقاء فسارعوا إلى المغفرة بالتوبة وإلى الرحمة بالتقوى وإلى الهدى بالأمانة فإن الله تعالى ذكره أوجب رحمته للمتقين ومغفرته للتائبين وهداه للمنيبين قال الله عز و جل وقوله الحق ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة وقال ( وإني لغفار لمن تاب وامن وعمل صالحا ثم اهتدى ) وإياكم والأمانى فقد غرت وأردت وأوبقت كثيرا حتى أكذبتهم مناياهم فتناوشوا التوبة من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون فأخبركم ربكم عن المثلاث فيهم وصرف الآيات وضرب الأمثال فرغب بالوعد وقدم إليكم الوعيد وقد رأيتم وقائعهم بالقرون الخوالى جيلا فجيلا وعهدتم الاباء والأبناء والأحبة والعشائر باحتطاف الموت إياهم من بيوتكم ومن بين أطهركم لا تدفعون عنهم ولا تحولون دونهم فزالت عنهم الدنيا وانقطعت بهم الأسباب فأسلمتهم إلى أعمالهم عند المواقف والحساب والعقاب ( ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى ) إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله يقول الله عز و جل ( وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم ( قل هو الله أحد

(3/84)


الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) آمركم بما أمركم الله به وأنهاكم عما نهاكم عنه وأستغفر الله لى ولكم
78 - وصية الرشيد لمؤدب ولده الأمين
ووصى الرشيد مؤدب ولده الأمين فقال
يأحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا فى أوقاته وخذه بتعظيم مشايخ بنى هاشم إذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلى الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة
79 - خطبة لجعفر بن يحيى البرمكى قتل سنة 187ه
وهاجت العصبية بالشأم بين أهلها في عهد الرشيد سنة 180ه وتفاقم أمرها فاغتم لذلك الرشيد وعقد لجعفر بن يحيى على الشأم وقال له إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا فقال له جعفر بل أقيك بنفسى فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح فأتاهم فأصلح بينهم وقتل زواقيلهم والمتلصصة منهم ولم يدع بها رمحا ولا فرسا فعادوا إلى الأمن والطمأنينة وأطفأ تلك النائرة

(3/85)


فلما قدم على الرشيد دخل عليه فقبل يديه ورجليه ثم مثل بين يديه فقال
الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أنس وحشتي وأجاب دعوتي ورحم تضرعي وأنسأ في أجلي حتى أراني وجه سيدي وأكرمني بقربه وامتن على بتقبيل يده وردني إلى خدمته فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجى والمقادير التي أزعجتنى فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتنى وخطايا أحاطت بى ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين جعلني الله فذاك لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك وأسفا على فراقك وأن يعجل بى عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك والحمد لله الذى عصمنى في حال الغيبة وأمتعنى بالعافية وعرفنى الإجابة ومسكني بالطاعة وحال بيني وبين استعمال المعصية فلم أشخص إلا عن رأيك ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك ولم يختر منى أجل دونك والله يا أمير المؤمنين فلا أعظم من اليمين بالله لقد عاينت ما لو تعرض لى الدنيا كلها لاخترت عليها قربك ولما رأيتها عوضا من المقام معك ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام
إن الله يا أمير المؤمنين لم يزل يبليك في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك ويريك في رعيتك غاية أمنيتك فيصلح لك جماعتهم ويجمع ألفتهم ويلم شعثهم حفظا لك فيهم ورحمة لهم وإنما هذا للتمسك بطاعتك والاعتصام بحبل مرضاتك والله المحمود على ذلك وهو مستحقه وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لأمرك نادمون على ما فرط من معصيتهم لك متمسكون بحبلك نازلون على حكمك طالبون لعفوك واثقون بحلمك مؤملون فضلك امنون بادرتك حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم وحالهم في ألفتهم كحالهم

(3/86)


كانت في امتناعهم وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمده لهم سابق لمعذرتهم وصلة أمير المؤمنين لهم وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم وايم الله يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت عنهم وقد أحمد الله شرارهم وأطفأ نارهم ونفى مراقهم وأصلح دهماءهم وأولانى الجميل فيهم ورزقني الانتصار منهم فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة وتخوفهم منك ورجائهم لك والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك وما عاملتهم إلا بأمرك ولا سرت فيهم إلا على حد ما مثلته لي ورسمته ووقفتني عليه ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك وتوحد الله بالصنع لك وتخوفهم من سطوتك وما كان الذي كان مني وإن كنت قد بذلت جهدى وبلغت مجهودى قاضيا بعض حقك على بل ما ازدادت نعمتك على عظما إلا ازددت عن شكرك عجزا وضعفا وما خلق الله أحدا من رعيتك أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقك مني وما ذلك إلا أن أكون باذلا مهجتىفي طاعتك وكل ما يقرب إلى موافقتك ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيرى فكيف بشكرى وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبي أم كيف بشكري وإنما أقوي على شكرك بإكرامك إياي وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أو ليتنى لم يأت على ذلك عدي وكيف بشكري وأنت كهفى دون كل كهف لي وكيف بشكري وأنت لا ترضي لي ما أرضاه لى وكيف بشكري وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لي أم كيف بشكري وأنت تنسيني ما تقدم من إحسانك إلى بما تجدده لي أم كيف بشكري وأنت

(3/87)


تقدمنى بطولك على جميع أكفائى أم كيف بشكري وأنت ولي أم كيف بشكرى وأنت المكرم لى وأنا أسأل الله الذى رزقنى ذلك منك من غير استحقاق له إذ كان الشكر مقصرا عن بلوغ تأدية بعضه بل دون شقص من عشر عشيرة أن يتولى مكافأتك عني بما هو أوسع له وأقدر عليه وأن يقضي عني حقك وجليل منتك فإن ذلك بيده وهو القادر عليه
80 - استعطاف أم جعفر بن يحيى للرشيد روى صاحب العقد قال
كانت أم جعفر بن يحيى وهي فاطمة بنت محمد بن الحسين بن قحطبة أرضعت الرشيد مع جعفر لأنه كان ربى في حجرها وغذى برسلها لأن أمه ماتت عن مهده فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها والتبرك برأيها وكان الى وهو في كفالتها أن لا يحجبها ولا استشفعته لأحد إلا شفعها والت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها ولا شفعت لأحد مقترف ذنبا فكم أسير فكت ومبهم عنده فتحت ومستغلق منه فرجت واحتجب الرشيد بعد قدومه فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة ومتت بوسائلها إليه فلم يأذن لها ولا أمر بشيء فيها فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها محتفية في مشيها حتى صارت بباب قصر الرشيد فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب

(3/88)


فقال ظئر أمير المؤمنين بالباب في حالة تقلب شمانة الحاسد إلى شفقة أم الواحد فقال الرشيد ويحك يا عبد الملك أو ساعية قال نعم يا أمير المؤمنين حافية قال أدخلها يا عبد الملك فرب كبد غذتها وكربة فرجتها وعورة سترتها فدخلت فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس وأكب على تقبيل رأسها ومواضع ثدييها ثم أجلسها معه فقالت يا أمير المؤمنين أيعدو علينا الزمان ويجفونا خوفا لك الأعوان ويحردك بنا البهتان وقد ربيتك في حجرى وأخذت برضاعك الأمان من عدوي ودهري فقال لها وما ذلك يا أم الرشيد قالت ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك ولا أصفه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته وإشفاقه عليه وتعرضه للحتف في شأن موسى أخيه قال لها يا أم الرشيد أمر سبق وقضاء حم وغضب من الله نفذ قالت يا أمير المؤمنين يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب قال صدقت فهذا مما لم يمحه الله فقالت الغيب محجوب عن النبيين فكيف عنك يا أمير المؤمنين فأطرق الرشيد مليا ثم قال

(3/89)


( وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع ) فقالت بغير روية ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين وقد قال الأول
( وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... دخرا يكون كصالح الأعمال )
هذا بعد قول الله عز و جل ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) فأطرق هرون مليا ثم قال يا أم الرشيد أقول
( إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل ) فقالت يا أمير المؤمنين وأقول
( ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني يمينك ... فانظر أي كف تبدل )
قال هرون رضيت قالت فهبه لي يا أمير المؤمنين فقد قال رسول الله من ترك شيئا لله لم يوجده الله لفقده فأكب هرون مليا ثم رفع رأسه يقول لله الأمر من قبل ومن بعد قالت يا أمير المؤمنين ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) واذكر يا أمير المؤمنين أليتك ما استشفعت إلا شفعتني قال واذكري يا أم الرشيد أليتك أن لا شفعت لمقترف ذنبا فلما رأته صرح بمنعها ولاذ عن مطلبها أخرجت حقا من زمردة خضراء فوضعته بين يديه فقال الرشيد ما هذا ففتحت عنه قفلا من ذهب فأخرجت منه خفضته وذوائبه وثناياه قد غمست جميع ذلك في المسك فقالت يا أمير المؤمنين أستشفع إليك وأستعين بالله عليك

(3/90)


وبما صار معي من كريم جسدك وطيب جوارحك ليحيى عبدك فأخذ هرون ذلك فلثمه ثم استعبر وبكى بكاء شديدا وبكى أهل المجلس ومر البشير إلى يحيى وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له ورجوع عنه فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق وقال لها لحسن ما حفظت الوديعة قالت وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين فسكت وأقفل الحق ودفعه إليها وقال ( إن الله يأمركم أن تودوا الأمانات إلى أهلها ) قالت والله يقول ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) ويقول ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) ثم قال وما ذلك يا أم الرشيد قالت أو ما أقسمت لي به ألا تحجبني ولا تمتهنني قال أحب يا أم الرشيد أن نشتريه محكمة فيه قالت أنصفت يا أمير المؤمنين وقد فعلت غير مستقيلة لك ولا راجعة عنك قال بكم قالت برضاك عمن لم يسخطك قال يا أم الرشيد أما لي عليك من الحق مثل الذي لهم قالت بلي يا أمير المؤمنين أنت أعز على وهم أحب إلى قال فتحكمي في تمنية بغيرهم قالت بلي قد وهبتكه وجعلتك في حل منه وقامت عنه وبقى مبهوتا ما يحير لفظه
81 - خطبة يزيد بن مزيد الشيباني
لما رضي الرشيد عن يزيد بن مزيد أذن له بالدخول عليه فلما مثل بين يديه قال يا أمير المؤمنين الحمد لله الذى سهل لي سبيل الكرامة بلقائك ورد علي

(3/91)


النعمة بوجه الرضا منك وكشف عنى ضبابة الكرب بإفضالك وجزاك الله يا أمير المؤمنين في حال سخطك جزاء المحسنين المراقبين وفي حال رضاك جزاء المنعمين الممتنين المتطولين فقد جعلك الله وله الحمد تثبت تحرجا عند الغضب وتمتن تطولا بالنعم وتستبقى المعروف عند الصنائع تفضلا بالعفو
82 - خطبة عبد الملك بن صالح توفى سنة 196ه
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ( أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها ) يأهل الشأم إن الله وصف إخوانكم في الدين وأشباهكم في الأجسام فحذرهم نبيه محمدا فقال ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ) فقاتلكم الله أني تصرفون جثث ماثلة وقلوب طائرة تشبون الفتن وتولون الدبر إلا عن حرم الله فإنه دريئتكم وحرم رسوله فإنه مغزاكم أما وحرمة النبوة والخلافة لتنفرن خفافا وثقالا أو لأوسعنكم إرغاما ونكالا )

(3/92)


83 - عبد الملك بن صالح يعزي الرشيد ويهنئه
ودخل عبد الملك بن صالح دار الرشيد فقال له الحاجب إن أمير المؤمنين قد أصيب الليلة بابن له وولد له اخر فلما دخل عليه قال سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك ولا سياءك فيما سرك وجعل هذه بهذه مثوبة على الصبر وجزاء على الشكر
84 - غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح
ونصب له ابنه عبد الرحمن وكاتبه قمامة فسعيا به إلى الرشيد وقالا له إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع وذكروا أنه أدخل على الرشيد حين سخط عليه فقال له الرشيد أكفرا بالنعمة وجحودا لجليل المنة والتكرمة فقال يا أمير المؤمنين لقد بؤت إذن بالندم وتعرضت لاستحلال النقم وما ذاك إلا بغى حاسد نافسنى فيك مودة القرابة وتقديم الولاية إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله في أمته وأمينه على عترته لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة ولها عليك العدل في حكمها والتثبت في حادثها والغفران لذنوبها فقال له الرشيد أتضع لي من لسانك وترفع لى من جنانك هذا ماكاتبك قمامة يخبر بغلك وفساد نيتك فاسمع كلامه فقال عبد الملك أعطاك ما ليس في عقده ولعله لا يقدر أن يعضهنى ولا يبهتنى بما لم يعرفه منى وأحضر قمامة فقال له الرشيد تكلم غير هائب ولا خائف قال أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك

(3/93)


فقال عبد الملك أهو كذاك يا قمامة قال قمامة نعم لقد أردت ختل أمير المؤمنين فقال عبد الملك وكيف لا يكذب علي من خلفي وهو يبهتني في وجهي فقال له الرشيد وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرنى بعتوك وفساد نيتك ولو أردت أن أحتج عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك فبم تدفعهما عنك فقال عبد الملك هو مأمور أو عاق مجبور فإن كان مأمورا فمعذور وإن كان عاقا ففاجر كفور أخبر الله عز و جل بعدواته وحذر منه بقوله ( إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) فنهض الرشيد وهو يقول أما أمرك فقد وضح ولكني لا أعجل حتى أعلم الذى يرضى الله فيك فإنه الحكم بينى وبينك فقال عبد الملك رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فإنى أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه وأمر الله على رضاه
فلما كان بعد ذلك جلس مجلسا اخر فسلم لما دخل فلم يرد عليه فقال عبد الملك ليس هذا يوما أحتج فيه ولا أجاذب منازعا وخصما قال ولم قال لأن أوله جرى على غير السنة فأنا أخاف اخره قال وما ذاك قال لم ترد على السلام أنصف نصفة العوام قال السلام عليكم اقتداء بالسنة وإيثارا للعدل واستعمالا للتحية ثم التفت نحو سليمان بن أبى جعفر فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك
( أريد حياته ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد )
ثم قال أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع وعارضها قد لمع

(3/94)


وكأنى بالوعيد قد أورى نارا تسطع فأقلع عن براجم بلا معاصم ورءوس بلا غاصم فمهلا مهلا فبى والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها فنذار لكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل فقال عبد الملك اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك وفي رعيته التي استرعاك ولا تجعل الكفر مكان الشكر ولا العقاب موضع الثواب فقد تخلت النصيحة ومحضت لك الطاعة وشددت أواخى ملكك بأثقل من ركنى يلملم وتركت عدوك مشتغلا فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن بللته بظن أفصح الكتاب لى بعضهه أو ببغى باغ ينهس اللحم ويالغ الدم فقد والله سهلت لك الوعور وذللت الأمور وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور فكم من ليل تمام فيك كابدته ومقام ضيق لك قمته كنت فيه كما قال أخو بني جعفر بن كلاب
( ومقام ضيق فرجته ... ببنانى ولساني وجدل )
( لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامي وزحل )
فقال له الرشيد أما والله لولا الإبقاء على بنى هاشم لضربت عنقك

(3/95)


ولم يزل عبد الملك محبوسا حتى توفى الرشيد فأطلقه محمد الأمين وعقد له على الشام
85 - قوله بعد خروجه من السجن
ولما خرج من السجن وذكر الرشيد وفعله به قال
والله إن الملك لشيء مانويته ولا تمنيته ولا نصبت له ولا أردته ولو أردته لكان إلي أسرع من الماء إلى الحدور ومن النار إلى يبس العرفج وإني لمأخوذ بما لم أجن ومسئول عما لا أعرف ولكنه حين رآني للملك قمينا وللخلافة خطيرا ورأى لي يدا تنالها إذا مدت وتبلغها إذا بسطت ونفسا تكمل لخصالها وتستحقها بفعالها وإن كنت لم أختر تلك الخصال ولم أصطنع تلك الفعال ولم أترشح لها في السر ولا أشرت إليها في الجهر وراها تحن إلى حنين الوالدة الوالهة وتميل إلى ميل الهلوك وخاف أن ترغب إلى خير مرغب وتنزع إلى أخصب منزع عاقبني عقاب من سهر في طلبها وجهد في التماسها فإن كان إنما حبسنى على أني أصلح لها وتصلح لى وأليق بها وتليق بي فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه ولا تطاولت له فأحط نفسي عنه وإن زعم أنه لاصرف لعقابه ولا نجاة من عذابه إلا بأن أخرج له من جد العلم والحلم والحزم فكما لا يستطيع المضياع أن يكون مصلحا كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا

(3/96)


وسواء عليه أعاقبني على علمي وحلمي أم عاقبنى على نسبي وسني وسواء عليه عاقبني على جمالي أم عاقبني على محبة الناس لى ولو أردتها لأعجلته عن التفكير وشغلته عن التدبير ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير
86 - وصية عبد الملك بن صالح لابنه
أوصى عبد الملك بن صالح ابنا له فقال
أى بنى احلم فإن من حلم ساد ومن تفهم ازداد والق أهل الخير فإن لقاءهم عمارة للقلوب ولا تجمح بك مطية اللجاج وفيك من أعتبك والصاحب المناسب لك والصبر على المكروه يعصم القلب المزاح يورث الضغائن وحسن التدبير مع الكفاف خير من الكثير مع الإسراف والاقتصاد يثمر القليل والإسراف يبير الكثير ونعم الحظ القناعة وشر ماصحب المرء الحسد وما كل عورة تصاب وربما أبصر العمي رشده وأخطأ البصير قصده واليأس خير من الطلب إلى الناس والعفة مع الحرفة خير من الغنى مع الفجور ارفق في الطلب وأجمل في المكسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب ليس كل طالب بمنجح ولا كل ملح بمحتاج والمغبون من غبن نصيبه من الله عاتب من رجوت عتباه وفاكه من أمنت بلواه لاتكن مضحاكا من غير عجب ولا مشاء إلى غير أرب ومن نأى عن الحق أضاق مذهبه ومن اقتصر على حاله كان أنعم لباله لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه إنما سعى في مضرته ونفعك وعود نفسك السماح وتخير لها من كل خلق أحسنه فإن الخير عادة والشر لجاجة والصدود اية المقت والتعلل اية البخل ومن الفقه كتمان السر ولقاح المعرفة

(3/97)


دراسة العلم وطول التجارب زيادة في العقل والقناعة راحة الأبدان والشرف التقوى والبلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه بالعقل تستخرج الحكمة وبالحلم يستخرج غور العقل ومن شمر في الأمور ركب البحور شر القول ما نقض بعضه بعضا ومن سعى بالنميمة حذره البعيد ومقته القريب من أطال النظر بإرادة تامة أدرك الغاية ومن توانى في نفسه ضاع من أسرف في الأمور انتشرت عليه ومن اقتصد اجتمعت له واللجاجة تورث الضياع للأمور غب الأدب أحمد من ابتدائه مبادرة الفهم تورث النسيان سوء الاستماع يعقب العي لا تحدث من لا يقبل بوجهه عليك ولا تنصت لمن لا ينمى بحديثه إليك البلادة للرجل هجنة قل مالك إلا استأثر وقل عاجز إلا تأخر الإحجام عن الأمور يورث العجز والإقدام عليها يورث اجتلاب الحظ سوء الطعمة يفسد العرض ويخلق الوجه ويمحق الدين الهيبة قرين الحرمان والجسارة قرين الظفر وفيك من أنصفك وأخوك من عاتبك وشريكك من وفى لك وصفيك من اثرك أعدى الأعداء العقوق اتباع الشهوة يورث الندامة وفوت الفرصة يورث الحسرة جميع أركان الأدب التأنى للرفق أكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لا تجد بما تبذل من دينك ونفسك عوضا لا تساعد النساء فيمللنك واستبق من نفسك بقية فإنهن أن يرين أنك ذو اقتدار خير من أن يطلعن منك على انكسار لا تملك المرأة الشفاعة لغيرها فتميل من شفعت لها عليك معها أى بنى إنى قد احترت لك الوصية ومحضتك النصيحة وأديت الحق إلى الله في تأديبك فلا تغفلن الأخذ بأحسنها والعمل بها والله موفقك

(3/98)


87 - وصية أخرى له
عن يزيد بن عقال قال
وصى عبد الملك بن صالح ابنه وهو أمير سرية ونحن ببلاد الروم فقال له
أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب الكيس الذى إن وجد ربحا تجر وإلا احتفظ برأس المال ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة وكن من اجتيالك على عدوك أشد خوفا من احتيال عدوك عليك
88 - كلمات حكيمة لابن السماك
وقال محمد بن صبح المعروف بابن السماك
خير الإخوان أقلهم مصانعة في النصيحة وخير الأعمال أحلاها عاقبة وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار وأشرف السلطان مالم يخالطه البطر وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا وخير الإخوان من لم يخاصم وخير الأخلاق أعونها على الورع وإنما يختبر ذل الرجال عند الفاقة والحاجة
89 - ابن السماك والرشيد
وذكر محمد بن هرون عن أبيه قال حضرت الرشيد وقال له الفضل بن الربيع يا أمير المؤمنين قد أحضرت ابن السماك كما أمرتنى قال أدخله فدخل فقال له

(3/99)


عظنى قال يا أمير المؤمنين اتق الله وحده لا شريك له واعلم أنك واقف غدا بين يدى الله ربك ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما جنة أو نار فبكى هرون حتى اخضلت لحيته فأقبل الفضل على ابن السماك فقال سبحان الله وهل يتخالج أحدا شك في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله لقيامه بحق الله وعدله في عباده وفضله فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله ولم يلتفت إليه وأقبل على أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين إن هذا يعنى الفضل بن الربيع ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم فاتق الله وانظر لنفسك فبكى هرون حتى أشفقنا عليه وأفحم الفضل بن الربيع فلم ينطق بحرف حتى خرجنا
قال ودخل ابن السماك على الرشيد يوما فبينا هو عنده إذ استسقى ماء فأتى بقلة من ماء فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها قال له ابن السماك على رسلك يا أمير المؤمنين بقرابتك من رسول الله لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله فلما شربها قال له أسألك بقرابتك من رسول الله لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها قال بجميع ملكى قال ابن السماك إن ملكا قيمته شربة ماء لجدير ألا ينافس فيه فبكى هرون فأشار الفضل بن الربيع إلى ابن السماك بالانصراف فانصرف

(3/100)


الفتنة بين الأمين والمأمون وفد الأمين إلى المأمون
لما عزم محمد الأمين على خلع أخيه عبد الله المأمون من ولاية العهد كتب إليه كتابا يستقدمه ويحبب أن يكون بقربه وكان المأمون على خراسان ودفع الكتاب إلى العباس بن موسى وإلى عيسى بن جعفر وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى صالح صاحب المصلى وأمرهم أن يتوجهوا به إلى المأمون وألا يدعوا وجها من اللين والرفق إلا بلغوه وسهلوا الأمر عليه وذلك سنة 194ه فتوجهوا بكتابه فلما وصلوا إلى المأمون أذن لهم فدفعوا إليه الكتاب ثم تكلم العباس بن موسى
90 - خطبة العباس بن موسى
حمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الأمير إن أخاك قد تحمل من الخلافة ثقلا عظيما ومن النظر في أمور الناس عبئا جليلا وقد صدقت نيته في الخير فأعوزه الوزراء والأعوان والكفاة علىالعدل وقليل ما يأنس بأهل بيته وأنت أخوه

(3/101)


وشقيقه وقد فزع إليك في أموره وأملك للموازرة والمكانفة ولسنا نستبطئك في بره اتهاما لنصرك له ولا نحضك على طاعة تخوفا لخلافك عليه وفي قدومك عليه أنس عظيم وصلاح لدولته وسلطانه فأجب أيها الأمير دعوة أخيك وآثر طاعته وأعنه على ما استعانك عليه في أمره فإن في ذلك قضاء الحق وصلة الرحم وصلاح الدولة وعز الخلافة عزم الله للأمير على الرشد في أموره وجعل له الخيرة والصلاح في عواقب رأيه
91 - خطبة عيسى بن جعفر
وتكلم عيسى بن جعفر بن أبي جعفر فقال
إن الإكثار على الأمير الله الله في القول خرق والاقتصار في تعريفه ما يجب من حق أمير المؤمنين تقصير وقد غاب الأمير أكرمه الله عن أمير المؤمنين ولم يستغن عن قربه من شهد غيره من أهل بيته ولا يجد عنده غنى ولا يجد منه خلفا ولا عوضا والأمير أولى من بر أخاه وأطاع إمامه فليعمل الأمير فيما كتب به إليه أمير المؤمنين بما هو أرضى وأقرب من موافقة أمير المؤمنين ومحبته فإن القدوم عليه فضل وحظ عظيم والإبطاء عنه وكف في الدين وضرر ومكروه على المسلمين
92 - خطبة محمد بن عيسى بن نهيك
وتكلم محمد بن عيسى بن نهيك فقال
أيها الأمير إنا لا نزيدك بالإكثار والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحق أمير المؤمنين ولا نشحذ نيتك بالأساطير والخطب فيما يلزمك من النظر والعناية

(3/102)


بأمور المسلمين وقد أعوز أمير المؤمنين الكفاة والنصحاء بحضرته وتناولك فزعا إليك في المعونة والتقوية له على أمره فإن تجب أمير المؤمنين فما دعاك إليه فنعمة عظيمة يتلافى بها رعيتك وأهل بيتك وإن تقعد يغن الله أمير المؤمنين عنك ولن يضعه ذلك مما هو عليه من البر بك والاعتماد على طاعتك ونصيحتك
93 - خطبة صالح صاحب المصلى
وتكلم صالح صاحب المصلى فقال
أيها الأمير إن الخلافة ثقيلة والأعوان قليل ومن يكيد هذه الدولة وينطوى على غشها والمعاندة لأوليائها من أهل الخلاف والمعصية كثير وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقه وصلاح الأمور وفسادها راجع عليك وعليه إذ أنت ولى عهده والمشارك في سلطانه وولايته وقد تناولك أمير المؤمنين بكتابه ووثق بمعاونتك على ما استعانك عليه من أموره وفي إجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاح عظيم في الخلافة وأنس وسكون لأهل الملة والذمة وفق الله الأمير في أموره وقضى له بالذى هو أحب إليه وانفع له
94 - خطبة المأمون
فحمد الله المأمون وأثنى عليه ثم قال
قد عرفتمونى من حق أمير المؤمنين أكرمه الله مالا أنكره ودعوتمونى من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدم والمسارعة إلى ماسره ووافقه حريص وفي الروية تبيان الرأى وفي إعمال الرأى نصح الاعتزام والأمر الذى دعانى إليه أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تتبطا ومدافعة ولا أتقدم عليه

(3/103)


اعتسافا وعجلة وأنا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوه شديد شوكته وإن أهملت أمره لم امن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية وإن أقمت عليه لم امن فوت ما أحب من معونة أمير المؤمنين وموازرته وإيثار طاعته فانصرفوا حتى أنظر في أمري ويصح الرأى فيما أعتزم عليه من مسيرى إن شاء الله
ثم بعث معهم بكتاب إلىالأمين يسأله أن يعفيه من الشخوص إليه وأن يقره على عمله إذ يرى أن ذلك أعظم غناء على المسلمين
95 - وصية السيدة زبيدة لعلي بن عيسى بن ماهان
ونمى الشر بين الأخوين واستطار شرره وبعث الأمين جيشا كثيفا بقيادة علي بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون وأعد المأمون للقائه جيشا بقيادة طاهر بن الحسين فلما أراد على الشخوص إلى خراسان ركب إلى باب السيدة زبيدة والدة الأمين فودعها فقالت له
يا علي إن أمير المؤمنين وإن كان ولدى إليه تناهت شفقتى وعليه تكامل حذرى فإنى على عبد الله منعطفه مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه وغاراه على ما في يده والكريم يؤكل لحمه ويميته غيره فاعرف لعبد الله حق والده وأخوته ولا تجبهه بالكلام فإنك لست نظيره ولا تقتسره اقتسار العبيد ولا ترهنه بقيد ولا غل ولا تمنع منه جارية ولا خادما ولا تعنف عليه في السير ولا تساوره في المسير ولا تركب قبله

(3/104)


ولا تستقل على دابتك حتى تأخذ بركابه وإن شتمك فاحتمل منه وإن سفه عليك فلا تراده
ثم دفعت إليه قيدا من فضة وقالت إن صار في يدك فقيده بهذا القيد فقال لها سأقبل أمرك وأعمل في ذلك بطاعتك
96 - وصية الأمين لابن ماهان
وخرج علي بن عيسى بن ماهان من بغداد في 7 من شعبان سنة 195ه وخرج معه الأمين يشيعه وأقبل يوصيه فقال
امنع جندك من العبث بالرعية والغارة على أهل القرى وقطع الشجر وانتهاك النساء وول الرى يحيى بن علي واضمم إليه جندا كثيفا ومره ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجىء من خراجها وول كل كورة ترحل عنها رجلا من أصحابك ومن خرج إليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه وأحسن جائزته ولا تعاقب أخا بأخيه وضع عن أهل خراسان ربع الخراج ولا تأمن أحدا رماك بسهم أو طعن في أصحابك برمح ولا تأذن لعبد الله في المقام أكثر من ثلاثة أيام من اليوم الذى تظهر فيه عليه فإذا أشخصته فليكن مع أوثق أصحابك عندك فإن غره الشيطان فناصبك فاحرص على أن تأسره أسرا وإن هرب منك إلى بعض كور خراسان فتول إليه المسير بنفسك أفهمت كل ما أوصيك به قال نعم أصاح الله أمير المؤمنين قال سر على بركة الله وعونه

(3/105)


97 - استهانة ابن ماهان بأمر طاهر بن الحسين
وخرج ابن ماهان فلما جاز حلوان لقيته القوافل من خراسان فكان يسألها عن الأخبار فيقال له إن طاهرا مقيم بالرى يعرض أصحابه ويرم الته فيضحك ثم يقول
وما طاهر فوالله ما هو إلا شوكة من أغصاني أو شرارة من ناري وما مثل طاهر يتولى على الجيوش ويلقى الحروب ثم التفت إلى أصحابه فقال والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف إلا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان فإن السخال لا تقوى على نطاح الكباش والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرض لظبات السيوف وأسنة الرماح
وسار حتى صار في أول بلاد الرى وأتاه صاحب مقدمته وقال لو كنت أبقى الله الأمير أذ كيت العيون وبعثت الطلائع وارتدت موضعا تعسكر فيه وتتخذ خندقا لأصحابك يأمنون به كان ذلك أبلغ في الرأى وآنس للجند
قال لا ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد والتحفظ إن حال طاهر تئول إلى أحد أمرين إما أن يتحصن بالرى فيبهته أهلها فيكفونا مئونته أويخليها ويدبر راجعا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه
وأتاه يحيى بن على فقال اجمع متفرق العسكر واحذر على جندك البيات ولا تسرح الخيل إلا ومعها كثف من القوم فإن العساكر لا تساس بالتواني

(3/106)


والحروب لا تدبر بالاغترار والثقة أن تحترز ولا تقل المحارب لى طاهر فالشرارة الخفية ربما صارت ضراما والثلمة من السيل ربما اغتر بها وتهون فصارت بحرا عظيما وقد قربت عساكرنا من طاهر فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا
قال اسكت فإن طاهرا ليس في هذا الموضع الذى ترى وإنما يتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها وتستعد إذا كان المناوى لها أكفاءها ونظراءها
98 - حزم طاهر وقوة عزمه
وعسكر طاهر على خمسة فراسخ من الري وأتاه محمد بن العلاء فقال أيها الأمير إن جندك قد هابوا هذا الجيش وامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا منه فلو أقمت بمكانك ودافعت القتال إلى أن يشامهم أصحابك ويأنسوا بهم ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم فقال
لا إني لا أوتي من قلة تجربة وحزم إن أصحابى قليل والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم فإن دافعت القتال وأخرت المناجزة لم امن أن يطلعوا على قلتنا وعورتنا وأن يستميلوا من معى برغبة أو رهبة فينفر عنى أكثر أصحابي ويخذلنى أهل الحفاظ والصبر ولكن ألف الرجال بالرجال وألحم الخيل بالخيل وأعتمد على الطاعة والوفاء وأصبر صبر محتسب للخير حريص على الفوز بفضل الشهادة فإن

(3/107)


يرزق الله الظفر والفلج فذلك الذي نريد ونرجو وإن تكن الأخرى فلست أول من قاتل فقتل وما عند الله أجزل وأفضل
99 - طاهر يشد عزيمة جنده
وكتب طاهر بن الحسين كتائبه وكردس كراديسه وسوى صفوفه وجعل يمر بقائد قائد وجماعة جماعة فيقول
يا أولياء الله وأهل الوفاء والشكر إنكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أهل النكث والغدر إن هؤلاء ضيعوا ما حفظتم وصغروا ما عظمتم ونكثوا الأيمان التي رعيتم وإنما يطلبون الباطل ويقاتلون على الغدر والجهل أصحاب سلب ونهب فلو قد غضضتم الأبصار وأثبتم الأقدام قد أنجز الله وعده وفتح عليكم أبواب عزه ونصره فجالدوا طواغيت الفتنة ويعاسيب النار عن دينكم ودافعوا بحقكم باطلهم فإنما هى ساعة واحدة حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين
ونشب القتال بين الفريقين ودارت الدائرة على جيش ابن ماهان وقتل
ووجه الأمين بعد ذلك لحرب طاهر جيشا بقيادة عبد الرحمن بن جبلة فهزم وقتل أيضا

(3/108)


100 - وصف الفضل بن الربيع غفلة الأمين وندب أسد بن يزيد بن مزيد لقتال طاهر
وبعث الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن بن جبلة إلى أسد بن يزيد بن مزيد قال فأتيته فلما دخلت عليه وجدته قاعدا في صحن داره وفي يده رقعة قد قرأها واحمرت عيناه واشتد غضبه وهو يقول
ينام نوم الظربان وينتبه انتباه الذئب همته بطنه ولذته فرجه لايفكر في زوال نعمته ولا يروى في إمضاء رأي ولا مكيدة قد ألهاه كأسه وشغله قدحه فهو يجرى في لهوه والأيام تسرع في هلاكه قد شمر عبد الله له عن ساقه وفوق له أصيب أسهمه يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد قد عبى له المنايا على متون الخيل وناط له البلاء في أسنة الرماح وشفار السيوف
ثم استرجع وتمثل بأبيات للبعيث ثم التفت إلى فقال
يا أبا الحارث إنا وإياك لنجرى إلى غاية إن قصرنا عنها ذممنا وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا وإنما نحن شعب من أصل إن قوى قوينا وإن ضعف ضعفنا إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة الو كفاء يشاور النساء ويعتمد على الرؤيا وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه فهم يعدونه الظفر ويمنونه عقب الأيام

(3/109)


والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل وقد خشيت والله أن تهلك بهلاكه ونعطب بعطبه
وأنت فارس العرب وابن فارسها وقد فزع إليك في لقاء هذا الرجل طاهر وأطمعه فيما قبلك أمران أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك والثاني يمن نقيبتك وشدة بأسك وقد أمرنى بإزاحة علتك وبسط يدك فيما أحببت غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة فأنجز حوائجك وعجل المبادرة إلى عدوك فإني أرجو أن يوليك الله شرف الفتح ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة
فأجاب بالسمع والطاعة غير أنه طلب مطالب لم ترق في عين الأمين فغضب عليه وأمر بسجنه
101 - وصية الأمين لأحمد بن مزيد
ثم ندب عمة أحمد بن مزيد فلما أراد الشخوص دخل على الأمين فقال أوصنى أكرم الله أمير المؤمنين فقال
أوصيك بخصال عدة إياك والبغى فإنه عقال النصر ولا تقدم رجلا إلا باستخارة ولا تشهر سيفا إلا بعد إعذار ومهما قدرت عليه باللين فلا تتعده إلى الخرق والشره وأحسن صحابة من معك من الجند وطالعني بأخبارك في كل يوم ولاتخاطر بنفسك في طلب الزلفة عندى ولا تستقها فيما تخوف رجوعه علي وكن لعبد الله أخا مصافيا وقرينا برا وأحسن مجامعته وصحبته ومعاشرته ولا تخذله إن استنصرك ولا تبطىء عنه إذا استصرخك ولتكن أيديكما واحدة وكلمتكما متفقة

(3/110)


وتوجه أحمد بن مزيد في عشرين ألفا من الأعراب وعبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا من الأبناء حتى نزلا خانقين قريبا من حلوان ولم يزل طاهر يحتال في وقوع الاختلاف والشغب بينهم حتى اختلفوا وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضا فأخلوا خانقين ورجعوا عنها دون أن يلقوا طاهرا
102 - مقال عبد الملك بن صالح للأمين
وكان عبد الملك بن صالح يشكر للأمين تخلية سبيله ويوجب بذلك على نفسه طاعته ونصيحته فلما قوى طاهر واستعلى أمره وهزم من هزم من قواد الأمين وجيوشه دخل عبد الملك على الأمين فقال
يا أمير المؤمنين إنى أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك وقد بذلت سماحتك فإن تممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتهم وأغضبتهم وليس تملك الجنود بالإمساك ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسرف ومع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم ونهكتهم وأضعفتهم الحرب والوقائع وامتلأت قلوبهم هبية لعدوهم ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم وأهل الشأم قوم قد ضرستهم الحروب وأدبتهم الشدائد وجلهم منقاد إلى مسارع إلى طاعتى فإن وجهنى أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا يعظم نكايتهم في عدوه ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته
فقال الأمين فإني موليك أمرهم ومقويك بما سألت من مال وعدة فعجل

(3/111)


الشخوص إلى ما هنالك فاعمل عملا يظهر أثره ويحمد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله فولاه الشام والجزيرة
103 - الشغب في جيش عبد الملك بن صالح
وسار عبد الملك بن صالح فلما قدم الرقة كتب إلى رؤساء أجناد الشأم ووجوه الجزيرة فلم يبق أحد ممن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه إلا وعده وبسط له في أمله وأمنيته فقدموا عليه رئيسا بعد رئيس وجماعة بعد جماعة فكان لا يدخل عليه أحد إلا أجازه وخلع عليه وحمله فأتاه أهل الشأم الزواقيل والأعراب من كل فج واجتمعوا عنده حتى كثروا بيد أنه شبت نار الفتنة بين جند أهل خراسان وبين الزواقيل وأفضى الأمر إلى تلاحمهم واقتتالهم ثم قام رجل من أهل حمص فقال
يأهل حمص الهرب أهون من العطب والموت أهون من الذل إنكم بعدتم عن بلادكم وخرجتم من أقاليمكم ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة ألا وفي الشر وقعتم وإلى حومة الموت أنختم إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم النفير النفير قبل أن ينقطع السبيل وينزل الأمر الجليل ويفوت المطلب ويعسر المذهب ويبعد العمل ويقترب الأجل
وقام رجل من كلب فقال
يا معشر كلب إنها الراية السوداء والله ماولت ولاعدلت ولا ذل

(3/112)


نصرها ولا ضعف وليها وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في رقابكم واثار أسنتهم في صدوركم اعتزلوا الشر قبل أن يعظم وتخطوه قبل أن يضطرم شأمكم داركم داركم الموت الفلسطينى خير من العيش الجزرى ألا وإنى راجع فمن أراد الانصراف فلينصرف معى
ثم سار وسار معه عامة أهل الشأم وأقبلت الزواقيل حتى أضرموا ما كان جمع من الأعلاف بالنار وكان ذلك في سنة 196ه
104 - خطبة الحسين بن على بن عيسى بن ماهان يدعو إلى خلع الأمين
ومات عبد الملك بن صالح بالرقة وكان معه الحسين بن على بن عيسى بن ماهان فأقفل الجند من الجزيرة إلىبغداد فتلقاه أهلها بالتكرمة والتعظيم وضربوا له القباب واستقبله القواد والرؤساء والأشراف ثم اجتمع إليه الناس فقام فيهم فقال
يا معشر الأبناء إن خلافة الله لا تجاوز بالبطر ونعمة لا تستصحب بالتجبر والتكبر وإن محمدا يريد أن يوتغ أديانكم وينكث بيعتكم ويفرق جمعكم وينقل عزكم إلى غيركم وهو صاحب الزواقيل بالأمس وبالله إن طالت به مدة وراجعه من أمره قوة ليرجعن وبال ذلك عليكم وليعرفن ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خذل ولا يمنعه مانع إلا قتل وما عند الله لأحد هوادة ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنث بأيمانه
وخلع الحسين بن على محمدا الأمين وحبسه وأخذ البيعة لعبد الله المأمون

(3/113)


105 - خطبة محمد بن أبي خالد في فض الناس عن اتباع الحسين بن على بن عيسى
فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن علي الأرزاق وماج الناس بعضهم في بعض وقام محمد بن أبي خالد فقال
أيها الناس والله ما أدري بأي سبب يتأمر الحسين بن علي علينا ويتولى هذا الأمر دوننا ما هو بأكبرنا سنا ولا أكرمنا حسبا ولا أعظمنا منزلة وإن فينا من لا يرضى بالدنية ولا يقاد بالمخادعة وإني أولكم نقض عهده وأظهر التغيير عليه والإنكار لفعله فمن كان رأيه رأيي فليعتزل معى
106 - إطلاق الأمين من سجنه ورده إلى مجلس الخلافة
وقام أسد الحربى فقال يا معشر الحربية هذا يوم له ما بعده إنكم قد نمتم وطال نومكم وتأخرتم فقدم عليكم غيركم وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره فاذهبوا بذكر فكه وإطلاقه
فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فرس فصاح بالناس اسكتوا فسكتوا فقال
أيها الناس هل تعتدون على محمد بقطع منه لأرزاقكم قالوا لا قال فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم قالوا ما علمنا قال فهل عزل أحدا من قوادكم قالوا معاذ الله أن يكون فعل ذلك قال فما بالكم خذلتموه وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره أما والله ما قتل قوم خليفتهم قط إلا سلط الله عليهم السيف القاتل والحتف الجارف انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به

(3/114)


فنهضوا معه وقاتلوا الحسين بن على وأصحابه قتالا شديدا وأكثروا في أصحابه الجراح وأسروا الحسين ودخل أسد الحربي على محمد فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة وأتى الأمين بالحسين بن على فلامه على خلافه وقال له ألم أقدم أباك على الناس وأوله أعنة الخيل وأملأ يده من الأموال وأشرف أقداركم في أهل خراسان وأرفع منازلكم على غيركم من القواد قال بلى قال فما الذي استحققت به منك أن تخلع طاعتي وتؤلب الناس علي وتندبهم إلى قتالي قال الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله قال فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك وولاك الطلب بثأرك ومن قتل من أهل بيتك ثم دعا له بخلعة فجعلها عليه وحمله على مراكب وأمره بالمسير إلى حلوان وخرج الحسين فهرب في نفر من خدمه ومواليه فنادى محمد في الناس فركبوا في طلبه فأدركوه وقتلوه
107 - خطبة داود بن عيسى يدعو إلى خلع الأمين
وقام داود بن عيسى وإلى مكة والمدينة وكان خطيبا فصيحا جهير الصوت يدعو إلى خلع الأمين ومبايعة المأمون فقال

(3/115)


الحمد لله مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالدين وختم به النبيين وجعله رحمة للعالمين صلى الله عليه في الأولين والاخرين
أما بعد يأهل مكة فأنتم الأصل والفرع والعشيرة والأسرة والشركاء في النعمة إلى بلدكم يفد وفد الله وإلى قبلتكم يأتم المسلمون وقد علمتم ما اخذ عليكم الرشيد هرون رحمه الله عليه وصلاته حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصرن المظلوم منهما على الظالم والمبغى عليه على الباغى والمغدور به على الغادر ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هرون قد بدأ بالظلم والبغى والغدر وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام وقد حل لنا ولكم خلعه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغى عليه المغدور به ألا وإنى أشهدكم أنى قد خلعت محمد بن هرون من الخلافة كما خلعت قلنسوتى هذه من رأسى وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى بها إلى بعض الخدم تحته وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها ثم قال قد بايعت لعبد الله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر رجل فرجل فبايعه لعبد الله المأمون بالخلافة وخلع محمدا

(3/116)


108 - خطبة الأمين وقد تولى الأمر عنه
ولما رأى الأمين الأمر قد تولى عنه وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر أمر بإحضار كل من كان معه في المدينة من القواد والجند فأشرف عليهم وقال
الحمد لله الذي يرفع ويضع ويعطي ويمنع ويقبض ويبسط وإليه المصير أحمده على نوائب الزمان وخذلان الأعوان وتشتت الرجال وذهاب الأموال وحلول النوائب وتوفد المصائب حمدا يدخر لى به أجزل الجزاء ويرفدنى أحسن العزاء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه وشهدت له ملائكته وأن محمدا عبده الأمين ورسوله إلى المسلمين آمين رب العالمين
أما بعد يا معشر الأبناء وأهل السبق إلى الهدى فقد علمتم غفلتى كانت أيام الفضل بن الربيع وزير على ومشير فمادت به الأيام بما لزمنى به من الندامة في الخاصة والعامة إلى أن نبهتمونى فانتبهت واستعنتمونى في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم فبذلت لكم ماحواه ملكى ونالته مقدرتى مما جمعته وورثته عن آبائى فقودت من لم يجز واستكفيت من لم يكف واجتهدت علم الله في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه واجتهدتم علم الله في مساءتى في كل يوم ماقدرتم عليه من ذلك توجيهي إليكم على بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم فكان منكم ما يطول ذكره فغفرت الذنب وأحسنت واحتملت وعزيت نفسى عند معرفتى بشذوذ الظفر وحرصى على مقامكم مسلحة بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم ومن على يدي أبيه كان فخركم وبه تمت طاعتكم

(3/117)


عبد الله بن حميد بن قحطبة فصرتم من التألب عليه إلى مالا طاقة له به ولا صبر عليه يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفا إلى عامين وعلى سيدكم متوثبين مع سعيد الفرد سامعين له مطيعين ثم وثبتم مع الحسين على فخلعتموني وشتمتموني وانتهبتموني وحبستموني وقيدتموني وأشياء منعتموني من ذكرها حقد قلوبكم وتلكى طاعتكم أكبر وأكثر فالحمد لله حمد من أسلم لأمره ورضى بقدره والسلام
وكانت عاقبة أمره أن قتل سنة 198ه وحمل رأسه إلى المأمون بخراسان
109 - استعطاف الفضل بن الربيع للمأمون
وقال المأمون للفضل بن الربيع لما ظفر به يا فضل أكان من حقى عليك وحق آبائى ونعمهم عند أبيك وعندك أن تثلبني وتسبني وتحرض على دمي أتحب أن أفعل بك ما فعلته بى
فقال يا أمير المؤمنين إن عذرى يحقدك إذا كان واضحا جميلا فكيف إذا حفته العيوب وقبحته الذنوب فلا يضيق عني من عفوك ما وسع غيري منك فأنت كما قال الشاعر فيك
( صفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما )
( وليس ببالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما )

(3/118)


110 - خطبة طاهر بن الحسين ببغداد بعد مقتل الأمين
ودخل طاهر بن الحسين بغداد يوم الجمعة بعد قتل الأمين فصلى بالناس وخطبهم خطبة بليغة وقد حضره من بنى هاشم والقواد وغيرهم جماعة كثيرة قال
الحمد لله مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدى كيد الخائنين إن ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا بل اختار الله للخلافة إذ جعلها عمادا لدينه وقواما لعباده وضبط الأطراف وسد الثغور وإعداد العدة وجمع الفىء وإنقاذ الحكم ونشر العدل وإحياء السنة بعد إذبال البطالات والتلذذ بمريق الشهوات والمخلد إلى الدنيا مستحسن لداعى غرورها محتلب درة نعمها ألف لزهرة روضتها كلف برونق بهجتها وقد رأيتم من وفاء موعود الله عز و جل لمن بغى عليه وما أحل به من بأسه ونقمته لما نكب عن عهده وارتكب معصيته وخالف أمره وغيره ناهية وعظته مؤدبة فتمسكوا بدقائق عصم الطاعة واسلكوا مناحى سبيل الجماعة واحذروا مصارع أهل الخلاف والمعصية الذين قدحوا زناد الفتنة وصدعوا شعب الألفة فأعقبهم الله خسار الدنيا والاخرة

(3/119)


خطب المأمون توفى سنة 218ه
111 - خطبته وقد ورد عليه نعى الرشيد
خطب الناس بمرو حين ورد عيه نعى الرشيد فقال
إن ثمرة الصبر الأجر وثمرة الجزع الوزر والتسليم لأمر الله عز و جل فائدة جليلة وتجارة مربحة فالموت حوض مورود وكأس مشروب وقد أتى على خليفتكم ما أتى على نبيكم فإنا لله وإنا إليه راجعون فما كان إلا عبدا دعي فأجاب وأمر فأطاع وقد سد أمير المؤمنين ثلمه وقام مقامه وفي أعناقكم من العهد ما قد عرفتم فأحسنوا العزاء على إمامكم الماضى واغتبطوا بالنعماء والوفاء في خليفتكم الباقي بأهل الدنيا الموت نازل والأجل طالب وأمس واعظ واليوم مغتنم وغد منتظر
112 - خطبته وقد سلم الناس عليه بالخلافه
ولما بلغه بخراسان قتل أخيه وأقبل الناس للتسليم عليه بالخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال
أيها الناس إنى جعلت لله على نفسي إن استرعاني أموركم أن أطيعه فيكم ولا أسفك دما عمدا لا تحله حدوده وتسفكه فرائضه ولا اخذ لأحد مالا ولا أثاثا ولا نحلة تحرم على ولا أحكم بهواى في غضبى ولا رضاي إلا ما كان

(3/120)


في الله وله جعلت كله لله عهدا مؤكدا وميثاقا مشددا إنى أفي رغبة في زيادته إياى في نعمتى ورهبة من مسألته أياى عن حقه وخلقه فإن غيرت أو بدلت كنت للغير مستأهلا وللنكال معرضا وأعوذ بالله من سخطه وأرغب إليه في المعونة على طاعته وأن يحول بيني وبين معصيته
113 - خطبته يوم الجمعه
الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه ومستوجبه علىخلقه أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أوصيكم عباد الله بتقوى الله وحده والعمل لما عنده والتنجز لوعده والخوف لوعيده فإنه لا يسلم إلا من اتقاه ورجاه وعمل له وأرضاه فاتقوا الله عباد الله وبادروا اجالكم بأعمالكم وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم وترحلوا فقد جد بكم واستعدوا للموت فقد أظلكم وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الواحدة لجديرة بقصر المدة وإن غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحرى بسرعة الأوبة وإن قادما يحل بالفوز أو بالشقوة لمستحق لأفضل العدة فاتقى عبد ربه ونصح نفسه وقدم توبته وغلب شهوته فإن أجله مستور عنه وأمله خادع له والشيطان موكل به يزين له المعصية ليركبها ويمنيه التوبة ليسوفها حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها فيالها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة أو تؤديه أيامه إلى شقوة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة

(3/121)


ولا تقصر به عن طاعته غفلة ولا تحل به بعد الموت فزعة إنه سميع الدعاء وبيده الخير وإنه فعال لمايريد
114 - خطبته يوم الأضحى
قال بعد التكبير والتحميد إن يومكم هذا يوم أبان الله فضله وأوجب تشريفه وعظم حرمته ووفق له من خلقه صفوته وابتلى فيه خليله وفدى فيه من الذبح نبيه وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر ومتقدم الأيام المعدودات من النفر يوم حرام من أيام عظام في شهر حرام يوم الحج الأكبر يوم دعا الله إلى مشهده ونزل القرآن بتعظيمه قال الله جل وعز ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ) فتقربوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم وعظموا شعائر الله واجعلوها من طيب أموالكم وبصحة التقوى من قلوبكم فإنه يقول ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) ثم التكبير والتحميد والصلاة على النبي والوصية

(3/122)


بالتقوى ثم قال بعد ذكر الجنة والنار عظم قدر الدارين وارتفع جزاء العملين وطالت مدة الفريقين الله الله فوالله إنه الجد لا اللعب وإنه الحق لا الكذب وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والقصاص والصراط ثم العقاب والثواب فمن نجا يومئذ فقد فاز ومن هوى يومئذ فقد خاب الخير كله في الجنة والشر كله في النار
115 - خطبته يوم الفطر
قال بعد التكبير والتحميد إن يومكم هذا يوم عيد وسنة وابتهال ورغبة يوم ختم الله به صيام شهر رمضان وافتتح به حج بيته الحرام فجعله خاتمة الشهر وأول أيام شهور الحج وجعله معقبا لمفروض صومكم ومتنفل قيامكم أحل فيه الطعام لكم وحرم فيه الصيام عليكم فاطلبوا إلى الله حوائجكم واستغفروه لتفريطكم فإنه يقال لا كبير مع استغفار ولا صغير مع إصرار ثم التكبير والتحميد وذكر النبي والوصية بالتقوى ثم قال فاتقوا الله عباد الله وبادروا الأمر الذى اعتدل فيه يقينكم ولم يحتضر الشك فيه أحدا منكم وهو الموت المكتوب عليكم فإنه لا تستقال بعده عثرة ولا تحظر قبله توبة واعلموا أنه لا شيء قبله إلا دونه ولا شيء بعده إلا فوقه ولا يعين على جزعه وعلزه وكربه ولايعين على القبر وظلمته وضيقه ووحشته وهول مطلعه ومسألة ملائكته إلا العمل الصالح الذى أمر الله به فمن زلت عند الموت قدمه فقد ظهرت ندامته وفاتته استقالته ودعا من الرجعة إلى مالا يجاب إليه وبذل من الفدية مالا يقبل منه فالله الله عباد الله وكونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها

(3/123)


فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا المهل المبسوط لكم واحذروا ما حذركم الله واتقوا اليوم الذى يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به وما يمل في صحيفته الحافظة لما عليه وله فقد حكى الله لكم ما قال المفرطون عندها إذ طال إعراضهم عنها قال ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وقال ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها فإن كل ما بها ينهى عنها وكل ما فيها يدعو إلى غيرها وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذم كتاب الله لها ونهى الله عنها فإنه يقول ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) وقال ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو الأيه ) فانتفعوا بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها واعلموا أن قومامن عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها وجانبوا خدائعها وآثروا طاعة الله فيها فأدركوا الجنة بما تركوا منها
116 - خطبة ابن طباطبا العلوى
وخطب محمد بن إبراهيم بن إسمعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب حين انتهب قائد جيوشه أبو السرايا السرى ابن منصور قصر العباس بن موسى بن عيسى فقال

(3/124)


أما بعد فإنه لايزال يبلغنى أن القائل منكم يقول إن بنى العباس فيء لنا ونخوض في دمائهم ونرتع في أموالهم ويقبل قولنا فيهم وتصدق دعوانا عليهم حكم بلا علم وعزم بلا روية عجبا لمن يطلق بذلك لسانه ويحدث به نفسه أبكتاب الله تعالى حكم أم لسنة نبيه اتبع أفى ميلي معه طمع أم بسط يدى له بالجود أمل هيهات فازذو الحق بما نوى وأخطأ ذو الباطل بما تمني حق كل ذى حق في يده وكل مدع على حجته ويل لمن اغتصب حقا وادعى باطلا أفلح من رضى بحكم الله وخاف من أرغم الحق أنفه العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون حق لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر ومن سلك سبيل العدل أن يصبرعلىمرارة الحق كل نفس تسمو إلى همتها ونعم الصاحب القناعة
أيها الناس إن أكرم العبادة الورع وأفضل الزاد التقوى واعملوا في دنياكم وتزودوا لاخرتكم اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وإياكم والعصبية وحمية الجاهلية فإنهما يمحقان الدين ويورثان النفاق ولا تعاونوا على الإثم والعدوان يصلح لكم دينكم وتحسن المقالة فيكم الحق أبلج والسبيل منهج والباطل لجلج والناس مختلفون ولكل في الحق سعة من حاربنا حاربناه

(3/125)


ومن سالمنا سالمناه والناس جميعا آمنون إلا رجلا نصب لنا نفسه وأعان علينا بماله ولو شئت أن أقول ورجل قال فينا يتناول من أعراضنا لقلت وكفى حسب كل امرئ ما يصنعه وسيكفى الظالمون
117 - استعطاف إبراهيم بن المهدي المأمون
لما ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدى أمر بإدخاله عليه فجىء بإبراهيم يحجل في قيوده فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال له المأمون لا سلم الله عليك ولا حفظك ولا رعاك ولا كلأك يا إبراهيم فقال له إبراهيم على رسلك يا أمير المؤمنين ولى الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن مد له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف وقد أصبح ذنبى فوق كل ذنب كما أن عفوك فوق كل عفو فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك ثم قال
( ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه )
( فخذ بحقك أو لا ... فاصفح بفضلك عنه )
( إن لم أكن في فعالى ... من الكرام فكنه )
فأطرق المأمون مليا ثم رفع رأسه فقال أني شاورت أبا إسحق والعباس

(3/126)


في قتلك فأشارا على به قال فما قلت لهما يا أمير المؤمنين قال قلت لهما بدأنا له بإحسان ونحن نستأمره فيه فإن غير فالله يغير ما به قال أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك وما جرت عليه عادة السياسة فقد فعلا ولكن أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله ثم استعبر باكيا فقال له المأمون ما يبكيك قال جذلا إذ كان ذنبى إلى من هذه صفته في الأنعام ثم قال يا أمير المؤمنين إنه وإن كان جرمى يبلغ سفك دمى فحلم أمير المؤمنين وتفضله يبلغاننى عفوه ولى بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب وحرمة الأب بعد الأب قال المأمون القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وعفو الله بينهما وهو أكبر ما يحاول يا إبراهيم لقد حببت إلى العفو حتى خفت أن لا أوجر عليه أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة لتقربوا إلينا بالجنايات لا تثريب عليك يغفر الله لك ولو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن زلتك لبلغك ما أملت حسن توصلك ولطيف تنصلك ثم أمر برد ماله وضياعه فقال
( رددت مالي ولم تبخل على به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمى )
( فأبت منك وما كافأتها بيد ... هما الحياتان من وفر ومن عدم )
( وقام علمك بى فاحتج عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متهم )
( فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي )
( ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... إليك لو لم تهبها كنت لم تلم )

(3/127)


118 - إبراهيم بن المهدى وبختيشوع الطبيب
تنازع إبراهيم بن المهدى هو وبختيشوع الطبيب بين يدى أحمد بن داود القاضى في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد فرزى عليه ابن المهدى وأغلظ له بين يدى أحمد بن داود فأحفظه ذلك فقال يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا ولا أشرت بيد وليكن قصدك أمما وطريقك نهجا وريحك ساكنة وكلامك معتدلا ووف مجالس الحكومة حقوقها من التوقير والتعظيم والاستكانة والتوجه إلى الواجب فإن ذلك أشبه بك وأشكل لمذهبك في محتدك وعظيم خطرك ولا تعجل فرب عجلة تهب ريثا والله يعصمك من الزلل وخطل القول والعمل ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل إن ربك حكيم عليم
قال إبراهيم أصلحك الله أمرت بسداد وحضضت على رشاد ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتى عندك ويسقطنى من عينك ويخرجنى من مقدار الواجب إلى الاعتذار فهأنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه باخع بجرمه فإن الغضب لا يزال يستفزنى بمواده فيردنى مثلك بحلمه وتلك عادة الله عندنا منك وحسبنا الله ونعم الوكيل وقد وهبت حقى من هذا العقار لبختيشوع فليت ذلك اليوم يعول بأرش الجناية ولم يتلف مال أفاد موعظة وبالله التوفيق

(3/128)


119 - استعطاف إسحاق بن العباس المأمون
وقال المأمون لإسحاق بن العباس لا تحسبنى أغفلت إجلابك مع ابن المهدى وتأييدك لرأيه وإيقادك لناره قال يا أمير المؤمنين ولرحمى أمس من أرحامهم وقد قال لهم كما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارث لهذه المنة وممتثل لخلال العفو والفضل
قال هيهات تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام وجرمك جرم في إسلامك وفي دار خلافتك قال يا أمير المؤمنين فوالله للمسلم أحق بإقالة العثرة وغفران الزلة من الكافر هذا كتاب الله بيني وبينك يقول الله تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) فهى للناس يا أمير المؤمنين سنة دخل فيها المسلم والكافر والشريف والمشروف قال صدقت اجلس وريت بك زنادي ولا برحت أرى من أهلك أمثالك
120 - أحد وجوه بغداد يمدح المامون حين دخلها
لما دخل المأمون بغداد تلقاه وجوه أهلها فقال له رجل منهم يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك وزاد في نعمتك وشكرك عن رعيتك تقدمت من قبلك وأتعبت من بعدك وآيست أن يعاين مثلك أما فيما مضى فلا نعرفه

(3/129)


وأما فيما بقى فلا نرجوه فنحن جميعا ندعو لك ونثنى عليك خصب لنا جنابك وعذب ثوابك وحسنت نظرتك وكرمت مقدرتك جبرت الفقير وفككت الأسير فإنك يا أمير المؤمنين كما قال الأول
( ما زلت في البذل والنوال وإطلاق ... لعان بجرمه غلق )
( حتى تمنى البراء أنهم ... عندك أسرى في القيد والحلق )
121 - أحد أهل الكوفة يمدح المأمون
وقدم وفد من الكوفة إلى بغداد فوقفوا للمأمون فأعرض عنهم فقال شيخ منهم يا أمير المؤمنين يدك أحق يد بتقبيل لعلوها في المكارم وبعدها من الماثم وأنت يوسفى العفو في قلة التثريب من أرادك بسوء جعله الله حصيد سيفك وطريد خوفك وذليل دولتك فقال يا عمرو نعم الخطيب خطيبهم اقض حوائجهم
122 - محمد بن عبد الملك بن صالح بين يدي المأمون
ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبض ضياعهم فقال
يا أمير المؤمنين محمد بن عبد الملك بين يديك ربيب دولتك وسليل نعمتك وغصن من أغصان دوحتك أتأذن في الكلام قال نعم قال أستمنح الله حياطة ديننا ودنيانا ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا وفي أثرك من آثارنا ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا هذا مقام العائذ بفضلك الهارب إلى كنفك وظلك الفقير إلى رحمتك وعدلك ثم تكلم في حاجته فقضاها

(3/130)


123 - الحسن بن سهل يمدح المأمون
وقال الحسن بن سهل يوما للمأمون
الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما آتاك وسنى ما أعطاك إذ قسم لك الخلافة ووهب لك معها الحجة ومكنك بالسلطان وحلاه لك بالعدل وأيدك بالظفر وشفعه لك بالعفو وأوجب لك السعادة وقرنها بالسيادة فمن فسح له في مثل عطية الله لك أم من ألبسه الله تعالى من زينة المواهب ما ألبسك أم من ترادفت نعمة الله تعالى عليه ترادفها عليك أم هل حاولها أحد وارتبطها بمثل محاولتك أم أى حاجة بقيت لرعيتك لم يجدوها عندك أم أى قيم للإسلام انتهى إلى عنايتك ودرجتك تعالى الله تعالى ما أعظم ما خص القرن الذى أنت ناصره وسبحان الله أى نعمة طبقت الأرض بك إن أدى شكرها إلى بارئها والمنعم على العباد بها إن الله تعالى خلق السماء في فلكها ضياء يستنير بها جميع الخلائق فكل جوهر زها حسنه ونوره فهل لبسته زينته إلا بما اتصل به من نورك وكذلك كل ولى من أوليائك سعد بأفعاله في دولتك وحسنت صنائعه عند رعيتك فإنما نالها بما أيدته من رأيك وتدبيرك وأسعدته من حسنك وتقويمك
124 - يحيى بن أكثم يمدح المأمون
وقال المأمون ليحيى بن أكثم صف لي حالي عند الناس فقال
يا أمير المؤمنين قد انقادت لك الأمور بأزمتها وملكتك الأمة فضول

(3/131)


أعنتها بالرغبة إليك والمحبة لك والرفق منك والعياذ بك بعدلك فيهم ومنك عليهم حتى لقد أنيستهم سلفك وآيستهم من خلفك فالحمد لله الذي جمعنا بك بعد التقاطع ورفعنا في دولتك بعد التواضع
فقال يا يحيى أتحبيرا أم ارتجالا قال قلت وهل يمتنع فيك وصف أو يتعذر على مادحك قول أو يفحم فيك شاعر أو يتلجلج فيك خطيب
125 - أحد بني هاشم والمأمون
أذنب رجل من بني هاشم ذنبا فعنفه المأمون فقال
يا أمير المؤمنين من كانت له مثل دالتي ولبس ثوب حرمتي ومت بمثل قرابتي غفر له فوق زلتى فأعجب المأمون كلامه وصفح عنه
126 - رجل يتظلم إلى المأمون
وتظلم رجل إلى المأمون من عامل له فقال
يا أمير المؤمنين ما ترك لى فضة إلا فضها ولا ذهبا إلا ذهب به ولا غلة إلا غلها ولا ضيعة إلا أضاعها ولا علقا إلا علقه ولا عرضا إلا عرض له ولا ماشية إلا امتشها ولا جليلا إلا أجلاه ولا دقيقا إلا دقه فعجب من فصاحته وقضى حاجته

(3/132)


127 - عمرو بن سعيد والمأمون
وقال عمرو بن سعيد بن سلم كانت على نوبة أنوبها في حرس المأمون فكنت في نوبتي ليلة فخرج متفقدا من حضر فعرفته ولم يعرفنى فقال من أنت قلت عمرو عمرك الله ابن سعيد أسعدك الله ابن سلم سلمك الله فقال أنت تكلؤن منذ الليلة قلت الله يكلؤك قبلي وهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين فقال المأمون
( إن أخاك الصدق من يسعى معك ... ومن يضر نفسه لينفعك )
( ومن إذا صرف الزمان صدعك ... بدد شمل نفسه ليجمعك )
128 - الحسن بن رجاء والمأمون
دخل المأمون بعض الدواوين فرأى غلاما جميلا على أذنه قلم فقال من أنت يا غلام فقال
أنا يا أمير المؤمنين الناشىء في دولتك المتقلب في نعمتك المؤمل لخدمتك خادمك وابن خادمك الحسن بن رجاء فقال أحسنت يا غلام وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول وأمر برفع مرتبته
129 - سعيد بن مسلم والمأمون
وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة للمأمون
لولم أشكر الله تعالى إلا على حسن ما أبلانى من أمير المؤمنين من قصده إلى بحديثه وإشارته إلى بطرفه لقد كان في ذلك أعظم الرفعة وأرفع ما توجبه الحرمه

(3/133)


فقال يفعل أمير المؤمنين ذلك لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت وحسن الفهم إذا حدثت مالم يجده عند أحد ممن مضى ولا يظن أنه يجد عنه أحد ممن بقى فإنك لتستقصي حديثي وتقف عند مقاطع كلامى وتخبر بما كنت أغفلته منه
130 - أبو زهمان يعظ سعيد بن مسلم
وقال سعيد بن مسلم كنت واليا بأرمينية فغبر أبو زهمان العلاني على بابي أياما فلما وصل إلى مثل بين يدى قائما بين السماطين وقال
والله إنى لأعرف أقواما لو علموا أن سف التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لازما فيهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشى أما والله إنى لبعيد الوثبة بطىء العطفة إنه والله ما يثنينى عليك إلا مثل ما يصرفنى عنك ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلى من أن أكون مكثرا مبعدا والله ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالا إلا نحن أكثر منه وهذا الأمر الذى صار إليك في يديك كان في يد غيرك فأمسوا والله حديثا إن خيرا فخير وإن شرا فشر فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الجانب فإن حب عباد الله موصول بحب الله وبغضهم موصول ببغض الله لأنهم شهداء الله على خلقه ورقباؤه على من اعوج عن سبيله
131 - وصية طاهر بن الحسين
لابنه عبد الله لما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما سنة 206ه
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له

(3/134)


وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك وما أنت صائر إليه وموقوف عليه ومسئول عنه والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله وينجيك يوم القيامة من عذابه وأليم عقابه فإن الله قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده وألزمك العدل عليهم والقيام بحقه وحدوده فيهم والذب عنهم والدفع عن حريمهم وبيضتهم والحقن لدمائهم والأمن لسبيلهم وإدخال الراحة عليهم في معايشهم ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك وموقفك عليه ومسائلك عنه ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت ففرغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك ولا يذهلك عنه ذاهل ولا يشغلك عنه شاغل فإنه رأس أمرك وملاك شأنك وأول مايوفقك الله به لرشدك وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه فعالك المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها في إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله فيها وترتل في قراءتك وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصدق فيها لربك نيتك واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك وادأب عليها فإنها كما قال الله تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول الله والمثابرة على خلائقه واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه ولزوم ما أنزل الله في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الاثار عن النبي ثم قم فيه بما يحق لله عليك

(3/135)


ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد وآثر الفقه وأهله والدين وحملته وكتاب الله والعاملين به فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين الله والطلب له والحث عليه والمعرفة بما يتقرب به إلى الله فإنه الدليل على الخير كله والقائد له والآمر به والناهى عن المعاصى والموبقات كلها وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله عز و جل وإجلالا له ودركا للدرجات العلا في المعاد مع مافى ظهوره للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنسة بك والثقة بعدلك وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها فليس شيء أبين نفعا ولا أحضر أمنا ولا أجمع فضلا من القصد والقصد داعية إلى الرشد والرشد دليل على التوفيق والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد فآثره في دنياك كلها ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد فلا غاية للاستكثار من البر والسعى له إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب وإنك لن تحوط نفسك ومن يليك ولا تستصلح أمورك بأفضل منه فأته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك وتصلح خاصتك وعامتك وأحسن الظن بالله عز و جل تستقم لك رعيتك والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن إيقاع التهم بالبرآء والظنون السيئة بهم مأثم واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم يعينك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مفخرا فإنه إنما يكتفي بالقليل من وهنك فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك واعلم أنك

(3/136)


تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكفى به ما أحببت كفايته من أمورك وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها ويصلحها بل لتكن المباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مثوناتهم اثر عندك مما سوى ذلك فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة وأخلص نيتك في جميع هذا وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع ومجزى بما أحسن ومأخذو بما أساء فإن الله جعل الدين حرزا وعزا ورفع من اتبعه وعززه فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا تهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فإن في تفريطك في ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب الشبه والبدعات يسلم لك دينك وتقم لك مروءتك وإذا عاهدت عهدا فف به وإذا وعدت الخير فأنجزه واقبل الحسنة وادفع بها وأغمض عن عيب كل ذى عيب من رعيتك واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وأبغض أهله وأقص أهل النميمة فإن أول فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب لأن الكذب رأس المآثم والزور والنميمة خاتمتها لأن النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقيم لمطيعها أمر وأحب أهل الصدق والصلاح وأعز الأشراف بالحق وواصل الضعفاء وصل الرحم وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة واجتنب سوء الأهواء والجور واصرف عنهما رأيك وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك وأنعم بالعدل في سياستهم وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهى بك إلى سبيل الهدى واملك نفسك عند الغضب وآثر

(3/137)


الوقار والحلم وإياك والحدة والطيش والغروز فيما أنت بسبيله وإياك أن تقول إنى مسلط أفعل ما أشاء فإن ذلك سريع بك إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له وأخلص لله النية فيه واليقين به واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء وينزعه ممن يشاء ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم الله وإحسانه واستطالوا بما آتاهم الله من فضله ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى والمعدلة واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم والتفقد لأمورهم والحفظ لدهمائهم والإغاثة لملهوفهم واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تثمر وإذا كانت في إصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المئونة عنهم نمت وربت وصلحت به العامة وتزينت به الولاة وطاب به الزمان واعتقد فيه العز والمنعة فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف رعيتك من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعايشهم فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك واستوجبت المزيد من الله وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أساس لطاعتهم وأطيب نفسا لكل ما أردت فاجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب ولتعظم حسبتك فيه فإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الاخرة فتتهاون بما يحق عليك فإن التهاون يوجب التفريط والتفريط يورث البوار وليكن عملك لله وفيه تبارك وتعالى وارج الثواب فإن الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا وأظهر لديك فضله فاعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله خيرا وإحسانا فإن الله يثيب بقدر شكر الشاكرين

(3/138)


وسيرة المحسنين وقضى الحق فيما حمل من النعم وألبس من العافية والكرامة ولا تحقرن ذنبا ولا تمالئن حاسدا ولا ترحمن فاجرا ولا تصلن كفورا ولا تداهنن عدوا ولا تصدقن نماما ولا تأمنن غدارا ولا توالين فاسقا ولاتتبعن غاويا ولا تحمدن مرائيا ولاتحقرن إنسانا ولا تردن سائلا فقيرا ولا تجيبن باطلا ولا تلاحظن مضحكا ولا تخلفن وعدا ولا تزهون فخرا ولا تظهرن غضبا ولا تأتين بذخا ولا تمشين مرحا ولا تركبن سفها ولا تفرطن في طلب الاخرة ولا ترفع للنمام عينا ولا تغمضن عن الظالم رهبة منه أو مخافة ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا وأكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأى والحكمة ولا تدخلن في مشورتك أهل الدقة والبخل ولا تسمعن لهم قولا فإن ضررهم أكثر من منفعتهم وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشح واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عنهم ويدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم فاجتنب الشح واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه وأن العاصى بمنزلة خزى وهو قول الله عز و جل ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) فسهل طريق الجود بالحق واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد فأعدده لنفسك خلقا وارض به عملا ومذهبا وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم وأدرر عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معايشهم ليذهب بذلك الله فاقتهم ويقوم لك أمرهم ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا وحسب ذى سلطان

(3/139)


من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل مكروه أحد البابين باستشعار تكملة الباب الآخر ولزوم العمل به تلق إن شاء الله نجاحا وصلاحا وفلاحا واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذى ليس به شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذى يعتدل عليه الأحوال في الأرض وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية وتأمن السبل وينتصف المظلوم ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدى حق الطاعة ويرزق الله العافية والسلامة ويقوم الدين وتجري السنن والشرائع وعلى مجاريها يتنجز الحق والعدل في القضاء واشتد فى أمر الله وتورع عن النطف وامض لإقامة الحدود وأقلل العجلة وابعد من الضجر والقلق واقنع بالقسم ولتسكن ريحك ويقر جدك وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك واسدد في منطقك وأنصف الخصم وقف عند الشبهة وأبلغ في الحجة ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة ولا لوم لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر وتدبر وتفكر واعتبر وتواضع لربك وارأف بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك ولا تسرعن إلى سفك دم فإن الدماء من الله بمكان عظيم انتهاكا له بغير حقها وانظر هذا الخراج الذى قد استقامت عليه الرعية وجعله الله للاسلام عزا ورفعة ولأهله سعة ومنعة ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا ولأهل الكفر من معاديهم ذلا وصغارا فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه ولا عن غنى لغناه ولا عن كاتب لك ولا أحد من خاصتك ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ولا تكلفن أمرا فيه شطط واحمل الناس كلهم على مر الحق فإن ذلك أجمع لألفتهم

(3/140)


وألزم لرضا العامة واعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وإنما سمى أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيمهم تأخذ منها ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم فاستعمل عليهم في كور عملك ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف ووسع عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند إليك ولا يشغلنك عنه شاغل ولا يصرفنك عنه صارف فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك واحترزت النصحة من رعيتك وأعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك فكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضى العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئا تحمد مغبة أمرك إن شاء الله واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأمره كله وإن أردت أن تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه وإلا فتوقف عنه وراجع أهل البصر والعلم ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى فقواه ذلك وأعجبه وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون الله بالقوة وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك وأكثر مباشرته بنفسك فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذى أخرت واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه فإذا أخرت عمله

(3/141)


اجتمع عليك أمر يومين فشغلك ذلك حتى تعرض عنه فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك وأحكمت أمور سلطانك وانظر أحرار الناس وذوي الشرف منهم ثم استيقن صفاء طويتهم وتهذيب مودتهم لك ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك فاستخلصهم وأحسن إليهم وتعاهد أهل البيوتات ممن دخلت عليهم الحاجة فاحتمل مئونتهم وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فاسأل عنه أحفى مسألة ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم واجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة وأجر للأضراء من بيت المال وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقواما يرفقون بهم وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم مالم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم وربما برم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذى يستقبل مايقربه إلى الله ويلتمس رحمته به وأكثر الإذن للناس عليك وأبرز لهم وجهك وسكن لهم أحراسك واخفض لهم جناحك وأظهر لهم بشرك ولن لهم في المسألة والمنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس والتمس الصنيعة والأجر غير مكدر ولا منان

(3/142)


فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله واعرف ما تجمع عمالك من الأموال وما ينفقون منها ولا تجمع حراما ولا تنفق إسرافا وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها وإيثار مكارم الأمور ومعاليها وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم يمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر وإعلامك ما فيه من النقص فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمالك وأمر كورك ورعيتك ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر إليه والتدبير له فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه واستخر الله فيه وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبيت فيه والمسألة عنه ولا تمنن علىرعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهم كتابي إليك وأكثر النظر فيه والعمل به واستعن بالله على جميع أمورك واستخره فإن الله مع الصلاح وأهله وليكن أعظم سيرتك وأفضل رعيتك ما كان لله رضا ولدينه نظاما ولأهله عزا وتمكينا وللذمة والملة عدلا وصلاحا وأنا أسأل الله أن يصلح عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا وأوفرهم حظا وأسناهم ذكرا وأمرا وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك ويرزقك من

(3/143)


رعيتك العافية ويحجز الشيطان عنك ووساوسه حتى يستعلى أمرك بالعز والقوة والتوفيق إنه قريب مجيب وكروا أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه وتدارسوه وشاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه فقال ما بقى أبو الطيب يعنى طاهرا شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأى والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به وتقدم وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحى الأعمال
132 - خطبة عبد الله بن طاهر
خطب عبد الله بن طاهر الناس وقد تيسر لقتال الخوارج فقال
إنكم فئة الله المجاهدون عن حقه الذابون عن دينه الذائدون عن محارمة الداعون إلى ما أمر به من الاعتصام بحبله والطاعة لولاة أمره الذين جعلهم رعاة الدين ونظام المسلمين فاستنجزوا موعود الله ونصره بمجاهدة عدوه وأهل معصيته الذين أشرو وتمردوا وشقوا العصا وفارقوا الجماعة ومرقوا من الدين وسعوا في الأرض فسادا فإنه يقول تبارك وتعالى ( إن تنصروا الله ينصركم

(3/144)


حذف

(3/0)


ويثبت أقدامكم ) فليكن الصبر معقلكم الذي إليه تلجئون وعدتكم التي بها تستظهرون فإنه الوزر المنيع الذى دلكم الله عليه والجنة الحصينة التي أمركم الله بلباسها غضوا أبصاركم واخفتوا أصواتكم في مصافكم وامضوا قدما على بصائركم فارغين إلى ذكر الله والاستعانة به كما أمركم الله فإنه يقول ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) أيدكم الله بعز الصبر ووليكم بالحياطة والنصر
133 - العباس بن المأمون والمعتصم المتوفى سنة 227ه
قال العباس بن المأمون لما أفضت الخلافة إلى المعتصم دخلت فقال هذا مجلس كنت أكره الناس لجلوسى فيه فقلت يا أمير المؤمنين أنت تعفو عما تيقنته فكيف تعاقب على ما توهمته فقال لو أردت عقابك لتركت عتابك
134 - استعطاف تميم بن جميل للمعتصم
كان تميم بن جميل السدوسى قد خرج بشاطىء الفرات واجتمع إليه كثير من الأعراب فعظم أمره وبعد ذكره فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه فبدد جمعه فظفر به فحمله موثقا إلى المعتصم قال أحمد بن أبى داود ما رأينا رجلا عاين الموت فما هاله ولا أذهله عما كان يجب عليه أن يفعله إلا تميم بن جميل فإنه أوفى به الرسول باب أميرالمؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة ودخل عليه فلما مثل بين يديه دعا بالنطع والسيف فأحضرا فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئا وجعل المعتصم يصعد النظر فيه ويصونه وكان جسما

(3/145)


وسيما ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره فقال يا تميم إن كان لك عذر فأت به أو حجة فأدل بها فقال أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإنى أقول
الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين جبر بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين وأوضح بك سبل الحق وأخمد بك شهاب الباطل يا أمير المؤمنين إن الذنوب تخرس الألسنة الفصيحة وتعي الأفئدة الصحيحة ولقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وكبر الذنب وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إلي أولاهما بامتنانك وأشبههما بخلافتك ثم أنشأ يقول
( أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظنى من حيثما أتلفت )
( وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي أمرئ مما قضى الله يفلت )
( ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت )
( يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل على السيف فيه وأسكت )
( وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء موقت ) ( ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت )
( كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا )
( فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا )
( فكم قائل لا يبعد الله روحه ... وآخر جذلان يسر ويشمت )

(3/146)


حذف 146 وسيما ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره فقال يا تميم إن كان لك عذر فأت به أو حجة فأدل بها فقال أما إذ قد أذن لى أمير المؤمنين فإنى أقول
الحمد لله الذى أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين جبر بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين وأوضح بك سبل الحق وأخمد بك شهاب الباطل يا أمير المؤمنين إن الذنوب تخرس الألسنة الفصيحة وتعيى الأفئدة الصحيحة ولقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وكبر الذنب وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك وأرجو أن يكون أقربهما منى وأسرعهما إلى أولاهما بامتنانك وأشبههما بخلافتك ثم أنشأ يقول
( أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظنى من حيثما أتلفت )
( وأكبر ظنى أنك اليوم قاتلى ... وأى امرىء مما قضى الله يفلت )
( ومن ذا الذى يدلى بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت )
( يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل على السيف فيه وأسكت )
( وما جزعى من أن أموت وإننى ... لأعلم أن الموت شيء موقت )
( ولكن خلفى صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت )
( كأنى أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا )
( فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا )
( فكم قائل لا يبعد الله روحه ... واخر خذلان يسر ويشمت )

(3/146)


فتبسم المعتصم وقال كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل أذهب فقد غفرت لك الصبوة ووهبتك للصبية ثم أمر بفك قيوده وخلع عليه وعقد له بشاطئ الفرات
135 - بين يدى سليمان بن وهب وزير المهتدى بالله
ولما ولى المهتدى بالله بن الواثق بن المعتصم سليمان بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوى حرمته فقال أعز الله الوزير أنا خادمك المؤمل لدولتك السعيد بأيامك المنطوي القلب على ودك المنشور اللسان بمحك المرتهن بشكر نعمتك
136 - أحمد بن أبى داود والواثق المتوفى سنة 233ه
دخل أحمد بن أبى داود علىالواثق فقال ما زال اليوم قوم في ثلبك ونقصك فقال يا أمير المؤمنين لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم والله ولى جزائه وعقاب أمير المؤمنين من ورائه

(3/147)


وما ذل يا أمير المؤمنين من أنت ناصره وما صاق من كنت جارا له فما قلت لهم يا أمير المؤمنين قال قلت يا أبا عبد الله
( وسعى إلى بعيب عزة معشر ... جعل الإله حدودهن نعالها )
137 - ابن أبى داود والواثق أيضا
وقال الواثق يوما لابن أبى داود تضجرا بكثرة حوائجه قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للأمذين بك والمتوسلين إليك فقال
يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصلة بك وذخائرها موصولة لك ومالى من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلود المدح فقال والله لا منعناك ما يزيد في عشقك ويقوي في همتك فينا ولنا وأمر فأخرج له خمسة وثلاثين ألف درهم
138 - ابن أبى داود وابن الزيات
وكان بين القاضي أحمد بن أبي داود وبين الوزير محمد بن عبد الملك الزيات منافسة وشحناء حتى منع الوزير شخصا كان يصحب القاضي ويختص بقضاء حوائجه من الترداد إليه فبلغ ذلك القاضى فجاء إلى الوزير فقال له
والله ما أجيئك متكثرا بك من قلة ولا متعززا بك من ذلة ولكن أمير المؤمنين رتبك مرتبة أوجبت لقاءك فإن لقيناك فله وإن تأخرنا عنك فلك

(3/148)


139 - الجاحظ وابن أبى داود
وكان الجاحظ مختصا بمحمد بن عبد الملك الزيات منحرفا عن أحمد بن أبى داود فلما نكب ابن الزيات حمل الجاحظ مقيدا من البصرة وفي عنقه سلسلة وعليه قميص سمل فلما دخل على القاضى أحمد قال له والله ما أعلمك إلا متناسيا للنعمة كفورا للصنيعة معدنا للمساويء وما فتنتنى باستصلاحى لك ولكن الأيام لا تصلح منك لفساد طويتك ورداءة دخيلتك وسوء اختيارك وغالب طباعك
فقال الجاحظ خفض عليك أيدك الله فوالله لأن يكون لك الأمر على خير من أن يكون لى عليك ولأن أسىء وتحسن أحسن في الأحدوثة عليك من أن أحسن وتسىء ولأن تعفو عنى في حال قدرتك أجمل بك من الانتقام مني
فقال أحمد والله ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام فحل عنه الغل والقيد وأحسن إليه وصدره في المجلس

(3/149)


140 - أبو العيناء وابن أبى داود
وقال أبو العيناء لابن أبى داود إن قوما من أهل البصرة قدموا إلى سر من رأى يدا على فقال يد الله فوق أيديهم فقلت إن لهم مكرا فقال ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فقلت إنهم كثير قال ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) تم الجزء الثالث ويليه ذيل الجمهره

(3/150)


الباب الأول في خطب الأندلسيين والمغاربة
1 - خطبة عبد الرحمن الداخل المتوفى سنة 171ه يوم حربه مع يوسف الفهري صاحب الأندلس
لما اشتد الكرب بين يدي عبد الرحمن الداخل يوم حربه مع يوسف الفهري صاحب الأندلس ورأى شدة مقاساة أصحابه قال
هذا اليوم هو أس ما يبني عليه إما ذل الدهر وإما عز الدهر فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون تربحوا بها بقية أعماركم فيما تشتهون
ولما أنحى أصحابه على أصحاب الفهري بالقتل يوم هزيمتهم على قرطبة قال

(3/162)


لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم واستبقوهم لأشد عداوة منهم يشير إلى استبقائهم ليستعان بهم على أعداء الدين
2 - عبد الرحمن الداخل ورجل من جند قنسرين
ولما أذعن يوسف صاحب الأندلس لعبد الرحمن واستقر ملكه استحضر الوفود إلىقرطبة فانثالوا عليه ووالى القعود لهم في قصره عدة أيام في مجالس يكلم فيها رؤساءهم ووجوههم بكلام سرهم وطيب نفوسهم
وفي بعض مجالسهم هذه مثل بين يديه رجل من جند قنسرين يستجديه فقال له
يابن الخلائف الراشدين والسادة الأكرمين إليك فررت وبك عذت من زمن ظلوم ودهر غشوم قلل المال وكثر العيال وشعث الحال فصير إلى نداك المال وأنت ولى الحمد والمجد والمرجو للرفد فقال له عبد الرحمن مسرعا
قد سمعنا مقالتك وقضينا حاجتك وأمرنا بعونك على دهرك على كرهنا لسوء مقامك فلا تعودن ولا سواك لمثله من إراقة ماء وجهك بتصريح المسألة والإلحاف في الطلبة وإذا ألم بك خطب أو حزبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك كيما نستر عليك خلتك ونكف شمات العدو عنك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا عز وجهه بإخلاص الدعاء وبصدق النية

(3/163)


وأمر له بجائزة حسنة وخرج الناس يتعجبون من حسن منطقه وبراعة أدبه وكف فيما بعد ذوو الحاجات عن مقابلته بها شفاها في مجلسه
3 - عبد الرحمن الداخل ورجل من جنده يهنئه بفتح سرقسطة
ولما فتح عبد الرحمن الداخل سرقسطة وحصل في يده ثائرها الحسين الأنصارى وانتهى نصره فيها إلى غاية أمله أقبل خواصه يهنئونه فجرى بينهم أحد من لا يؤبه به من الجند فهنأه بصوت عال فقال له عبد الرحمن
والله لولا أن هذا اليوم يوم أسبغ على فيه النعمة من هو فوقي فأوجب على ذلك أن أنعم فيه على من هو دوني لأصليتك ما تعرضت له من سوء النكال من تكون حتى تقبل مهنئا رافعا صوتك غير متلجلج ولا متهيب لمكان الإمارة ولا عارف بقيمتها حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك وإن جهلك ليحملك على العود لمثلها فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة
فقال ولعل فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتصال جهلى وذنوبي فتشفع لي متى أتيت بمثل هذه الزلة لا أعدمنيه الله تعالى
فتهلل وجه الأمير وقال ليس هذا باعتذار جاهل ثم قال نهونا على أنفسكم إذا لم تجدوا من ينبهنا عليها ورفع مرتبته وزاد في عطائه
4 - تاديب عبد الرحمن الاوسط لابنه المنذر
كان المنذر ابن الأمير عبد الرحمن الأوسط سيء الخلق في أول أمره كثير الإصغاء إلى أقوال الوشاة مفرط القلق مما يقال في جانبه معاقبا على ذلك من يقدر على معاقبته

(3/164)


مكثر التشكى ممن لا يقدر عليه لوالده الأمير عبد الرحمن فطال ذلك على الأمير فأمر ثقة من ثقاته أن يبنى بجبل منقطع عن العمران بناء يسكن فيه ابنه وألا يدع أحدا من أصحابه يزوره فلما استقر المنذر في ذلك المكان وبقي وحده ونظر إلى ما سلبه من الملك ضجر وقال للثقة عسى أن يصلني غلماني وأصحابى آنس بهم فقال له إن الأمير أمر ألا يصلك أحد وأن تبقى وحدك لتستريح مما يرفع لك أصحابك من الوشاية فعلم أن الأمير قصد بذلك محنته وتأديبه فكتب إليه يشكو استيحاشه بمكانه فلما وقف الأمير على رقعته وعلم أن الأدب بلغ به حقه استدعاه فقال له
وصلت رقعتك تشكو ما أصابك من توحش الانفراد في ذلك الموضع وترغب أن تأنس بخولك وعبيدك وأصحابك وإن كان لك ذنب يترتب عليه أن تطول سكناك في ذلك المكان وما فعلت ذلك عقابا لك وإنما رأيناك تكثر الضجر والتشكى من القال والقيل فأردنا راحتك بأن نحجب عنك سماع كلام من يرفع لك وينم حتى تستريح منهم
فقال له سماع ما كنت أضجر منه أخف على من التوحد والتوحش والتخلي مما أنا فيه من الرفاهية والأمر والنهي
فقال له فإذ قد عرفت وتأدبت فارجع إلى ما اعتدته وعول على أن تسمع كأنك لم تسمع وترى كأنك لم تر وقد قال النبي لو تكاشفتم ما تدافنتم واعلم أنك أقرب الناس إلى وأحبهم في وبعد هذا فما يخلو صدرك في وقت من الأوقات عن إنكار على وسخط لما أفعله في جانبك أو جانب غيرك

(3/165)


مما لو أطلعنى الله تعالى عليه لساءنى لكن الحمد لله الذى حفظ ما بين القلوب بستر بعضها عن بعض فيما يجول فيها وإنك لذو همة ومطمح ومن يكن هكذا يصبر ويغض ويحمل ويبدل بالعقاب الثواب ويصبر الأعداء من قبيل الأصحاب ويصير من الشخص على ما يسوء فقد يرى منه بعد ذلك ما يسر ولقد يخف على اليوم من قاسيت من فعله وقوله ما لو قطعتم عضوا عضوا لما ارتكبوه مني ما شفيت منهم غيظى ولكن رأيت الإغضاء والاحتمال لاسيما عند الاقتدار أولى ونظرت إلى جميع من حولي ممن يحسن ويسئ فوجدت القلوب متقاربة بعضها من بعض ونظرت إلى المسيء يعود محسنا والمحسن يعود مسيئا وصرت أندم على من سبق له مني عقاب ولا أندم على من سبق له مني ثواب فالزم يا بني معالي الأمور وإن جماعها في التغاضي ومن لا يتغاض لا يسلم له صاحب ولا يقرب منه جانب ولا ينال ما تترقى إليه همته ولا يظفر بأمله ولا يجد معينا حين يحتاج إليه
فقبل المنذر يده وانصرف ولم يزل يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلق بالخلق الجميل وبلغ ما أوصاه به أبوه ورفع قدره
5 - عبد الرحمن الأوسط وابنه المنذر أيضا
وقال له أبوه يوما إن فيك لتيها مفرطا فقال له حق لفرع أنت أصله أن يعلو فقال له يا بنى إن العيون تمج التياه والقلوب تنفر عنه فقال يا أبي لي من العز والنسب وعلو المكان والسلطان ما يجل عن ذلك وإني لم أر العيون إلا مقبلة علي ولا الأسماع إلا مصغية إلى وإن لهذا السلطان رونقا يريقه التبذل وعلوا يخفضه الانبساط ولا يصونه ويشرفه إلا التيه والانقباض وإن هؤلاء الأنذال

(3/166)


لهم ميزان يسبرون به الرجل منا فإن رأوه راجحا عرفوا له قدر رجاحته وإن رأوه ناقصا عاملوه بنقصه وصيروا تواضعه صغرا وتخفضه خسة فقال له أبوه لله أنت فابق وما رأيت
6 - يعقوب بن عبد الرحمن الأوسط وأحد خدامه
ومدح بعض الشعراء يعقوب بن عبد الرحمن الأوةسطك فأمر له بمال جزيل فلما كان مثل ذلك الوقت جاءه بمدح آخر فقال أحد خدام يعقوب هذا اللئيم له دين عندنا يقتضيه فقال الأمير
يا هذا إن كان الله تعالى خلقك مجبولا على كره رب الصنائع فاجر على ما جبلت عليه في نفسك ولا تكن كالأجرب يعدى غيره وإن هذا رجل قصدنا قبل فكان منا ما أشر به وحمله على العودة وقد ظن فينا خيرا فلا تخيب ظنه والحديث أبدا يحفظ القديم وقد جاءنا على جهة التهنئة بالعمر ونحن نسأل الله تعالى أن يطيل عمرنا حتى يكثر ترداده ويديم نعمنا حتى نجد ما ننعم به عليه ويحفظ علينا مروءتنا حتى يعيننا علىالتجمل معه ولا يبلينا بجليس مثلك يقبض أيدينا عن إسداء الأيادى
وأمر للشاعر بما كان أمر له به قبل وأوصاه بالعود عند حلول ذلك الأوان ما دام العمر

(3/167)


7 - وفاء الوزير ابن غانم لصديقه الوزير هاشم بن عبد العزيز واعتذاره عنه لدى الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط
كان الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم صديقا للوزير هاشم بن عبد العزيز ثابتا على مودته فلما قضى الله على هاشم بالأسر أجرى السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي ذكره في جماعة من خدامه والوليد حاضر فنسبه إلى الطيش والعجلة والاستبداد برأيه فلم يكن فيهم من اعتذر عنه غير الوليد فقال
أصلح الله تعالى الأمير إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور ولا الخروج عن المقدور بل قد استعمل جهده واستفرغ نصحه وقضى حق الإقدام ولم يكن ملاك النصر بيده فخذله من وثق به ونكل عنه من كان معه فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه حتى ملك مقبلا غير مدبر مبليا غير فشل فجوزى خيرا عن نفسه وسلطانه فإنه لا طريق للملام عليه وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم وأيضا فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضا للأمير واجتنابا لسخطه فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا جالب التقصير فذلك معدود في سوء الحظ
فأعجب الأمير كلامه وشكر له وفاءه وأقصر عن تفنيد هاشم وسعى في تخليصه

(3/168)