صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بلوغ الأمل في فن الزجل
المؤلف : ابن حجة الحموي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
الفن الأول والثاني
الزجل والمواليا
الحمد لله الذي علا زجل الملائكة في عالم الملكوت بحمده، ونظمنا في سلك العبودية فوقف كل منا متأدباً عند حده، أحمده حمداً يقوم وزنه بالقسط ولا يخسر الميزان، وأشكره شكراً تقوم لنا بركته بمعرفة قواعد الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نترقى بها إلى أعلى الرتب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المنعوت بحسن الأدب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة نترجح بها يوم الحسرة والندامة، وتعمنا بركتها بين يدي الحكم العدل يوم القيامة، وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد فإن الأدب جنس يصدق على أنواع عجيبة وفنون غربية، شهرتها تغني عن أن يجلى في هذا الأفق الزاهر بدرها، أو ينفث في عقد الأقلام سحرها، ولكن نعمل هنا بقول القائل:
إذا كان مدح فالنسيب المقدم
ونسيب الشعر هو المقدم بفصاحته، والموشح ببلاغته.
ولما كان لا ينظم إلا باللفظ الصحيح المعرب، لم يصل إليه إلا من تعاطى الآلة في العلوم وتأدب ولعمري هذا مضمار لم يحز قصبات السبق فيه غير الفحول، ولم يدرك شأوه إلا كل ضامر مهزول، ولكن في الناس من في طبعه ذوق الأدب والنكت الأدبية، ولم يعد نفسه من فرسان العربية، منهم الشيخ برهان الدين المعمار رحمه الله تعالى، فإنه نشأ بالديار المصرية ونكت فاستحلوا على زايد النيل زايده، ونقل عن الشيخ جمال الدين بن نباتة أنه قال: قطعنا المعمار بمقاطيعه.
وناهيك بهذه الصلة التي هي على مثله عايدة، واغتفر له أهل عصره اللحن وعدوه له من مطرب التلحين، فإنه أتى في نظمه بنكت تحرك العيدان وتغني عن القوانين، ولهذا عدل قبلة المغرب وهو الامام أبو بكر بن قزمان تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه، واخترع فناً سماه الزجل لم يسبق إليه، وجعل إعرابه لحنه، فامتدت إليه الأيدي، وعقدت الخناصر عليه.
ولما نظم بلفظ العوام تمكن منه أديب الطبع، وكان قد حبس عنانه عن العربيات ورأى بيوته واسعة الفنا، فأسكن مخدرات نكته بتلك الأبيات، غير أن مصنفه ومن تابعه من أهل عصره من علماء هذا الفن امروا فيه باجتناب أشياء منها الألفاظ المشرقية، فإن المصنف أو غيره من المغاربة قال:
لله در الزجل ويا ما لقي ... ما يوافق عمرو لسان مشرقي
وكما أن اللفظ المشرقي لا يجوز في الزجل، فاللفظ المغربي لا يجوز في المواليا لكون أنها من مخترعات المشارقة مثاله: إذا قلت في الزجل طلعتك، ووجنتك، وقامتك بسكون التاء لم تجز هذه الألفاظ عند الزجالة بل يعدونها خطأ في الوزن، فأن سكون هذه التاء لا تجوز عندهم، وعكس ذلك لا يجوز عند الموالة لأن تحريك هذه التاء لا يجوز عندهم البتة، وأقل من في الزجالة والموالة لا يجهل هذين العيبين، وكذلك تاء المتكلم مثل قلت وهمت لا يجوز في الزجل وهي ركن من أركان المواليا لأن المشارقة يتلفظون بها على صيغتها كقول الشيخ صفي الدين الحلي في بعض أزجاله:
مااجتمعنا تا أقول كنا ... وازعق فينا غراب البين
أو أقول عين ضد صابتنا ... بعد ما كنت قرير العين
فقوله كنت عيب فاحش عند الزجالة، ولا يجوز استعماله عندهم.
وهو أكبر عيوب الزجل بل محو رسمه وإخراجه عن قاعدة المصنف الإعراب، لأنه قال في خطبة ديوانه:
وقد جردته من الاعراب ... كما تجرد السيف من القراب
وموجب ذلك أن ابن غزلة الشاعر المغربي وهو من أكبر أشياخهم كان ينظم الموشح والزجل فيلحن في الموشح ويعرب في الزجل قصداً واستهتاراً ويقول: القصد من الجميع عذوبة اللفظ وسهولة السبك، وكان ابن سناء الملك يعيب عليه ذلك، ولهذا لم يثبت شيئاً من موشحاته في دار الطراز لكون أنها مزنمة، لأن التزنيم هو ما أعرب من ألفاظ الفنون الأربع، الزجل والمواليا، والكان وكان،والقوما.
وسيأتي الكلام على بقية الفنون بعد الزجل إن شاء الله تعالى.

(1/1)


واشتقاق المزنم، وهو المستلحق في قوم ليس منهم، وأما قوله تعالى: " عتل بعد ذلك زنيم " أي لئيم، وكأنهم ألحقوا الزجل بالموشح من طريق إعراب بعضه وألحقوا بالموشح الزجل لما أظهروا اللحن في بعض ألفاظه، فمن الموشحات المزنمة التي نظمها ابن غزلة المغربي المشار إليه الموشحة التي قتل بسببها لأنه شبب فيها بذكر أخت عبد المؤمن الأموي، ولم يكتم غرامه وهيمانه بها، بل صرح بالاجتماع بها، والواقعة مشهورة، وكانت هي أيضاً جميلة الخلق فصيحة اللسان تنظم الأزجال الرائعة الفايقة ومطلع الموشح قوله:
من يصيد صيدا فليكن كما صيدي ... صيدي الغزالة من مراتع الأسد
كيف لا أصول ... واقتنصت وحشيه
ظبية تجول ... في ردا وسوسيّه
صاغها الجليل ... فهي شبه حوريه
تنثني رويدا إذ تميس في البردي ... تعجن الغلاله والردى مع النهدي
رب ذات ليله ... زرتها وقد نامت
والرقيب في غفله ... والنجوم قد مالت
رمت منها قبله ... عند ضمها قالت
قرقر واهدا لا تكون متعدي ... تكسر النباله وتفرط العقدي
فهذا البيت أكثر ألفاظه زجلية ملحونة، وجل قصده في ذلك عذوبة الألفاظ ورشاقتها.
وقيل: إنه لما أخرجه الملك للقتل نظر إلى الناس وارتجل بيتاً في الوزن والقافية يستنجد به عشيرته لأخذ ثأره. وهو:
خدها الأسيل ... بدت منه أنوار
طرفها الكحيل ... سل منه بتار
ها أنا القتيل ... فهل يؤخذ الثار
قد أسرت عبدا ولم أك بالعبدي ... مت لا محالة فاطلبوا دمي بعدي
ومن نظمها فيه الزجل المشهور الذي مطلعه:
مشى السهر حيرانحتى رأى إنسانعيني وقف
ومن الأزجال التي زنم فيها ابن قزمان، وأعرب في بعض ألفاظها وهو الناهي عن ذلك قوله في بيت من زجل مطلعه:
شرب الخمر المحتسب وزنا ... قاضي المسلمين أت هو السبب
سيدي ليش جعلت ذا محتسب
ومحكم في أمر أهل الأدب
وهو زاني زنيم كثير الزنا
الإمام لم يكفه فتح الياء وتحريكها من الاسم المنقوص الذي هو القاضي حتى فتح أيضاً نون المسلمين. وفتح نون الجمع من أكبر علائم الإعراب، وبدون فتحها يخطئ الوزن ولفظه. وهو أيضاً مقبول في الزجل.
وله فتح الياء في غير المنقوص أيضاً وهو من علائم الإعراب، وذلك في مثل ياء المتكلم، والياء في لفظه هي وغيرها كقوله في زجل مطلعه هذا:
قلي يا عيد فيما يسرني جيت ... أو تجدد علي ما قد نسيت
فيقول في خرجة بيت منه:
إذا انقطع زماني الأطول ... وعليه الثنا يكون ما بقيت
فقد فتح ياء المتكلم في زماني الأطول ولولا ذلك لفسد الوزن.
وقال في تحريك هي:
الجنة لو عطيتهي الراحوعشق الملاح
فإذا أسكن في لفظة هي فسد الوزن.
وأزجال ابن قزمان، ومدغليس، وابن عمير، والشاطبي، وابن حسون أئمة هذا الفن كلها مشحونة من ذلك، ولولا خشية الإطالة لأوردت لهم كثيراً من العيوب، وكيف يجوز لهم ذلك وقد قال ابن قزمان، وهو الإمام المخترع في خطبة ديوانه لما قال:
وجردت فني من الإعراب ... كما يجرد السيف من القراب
فمن دخل علي من هذا الباب ... فقد أخطأ وما أصاب
قال بعض زجالة المغرب: المصنف رحمه الله تعالى قال ذلك نهياً عن تقصد الإعراب وتتبعه والاستكثار منه لئلا يغلب على معظم أزجالهم التزنيم، بدليل قوله، سيما أن قصد ولو نهى عنه مطلقاً، أو عن اليسير منه ثم استعمله هو وقومه يصدق عليه قول القائل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
وإنما أراد بذلك الغالب، والعلماء يطلقون على الغالب حكم الكل مجازاً.

(1/2)


وقد جاء مثل ذلك في القرآن العظيم والحديث الصحيح؛ فأما ما جاء في القرآن الكريم فقوله تعالى: " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس " يريد: غالب القرآن لأنه لم ينزل فيه بأجمعه.
وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي جاءته تشاوره: أي الرجلين تتزوج؟ فأشار عليها بأحدهما وقال لها عن الآخر: إن فلاناً لا يضع عصاه عن عاتقه، لا إنه في حال الصلاة والنوم كذلك، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم انه كثير الأسفار، فغالب وقته تكون عصاه على عاتقه.
ومنهم من قال: استعملها ضرورة وهو يعلم أنها عيوب.
ومنهم من قال: إن ذلك لم يكن مشروطاً عنده، وإنما عوام المتأخرين إبتدعوا ذلك، وأقاموا لهم قواعد هذه من جملتها، كابتداعهم شد الغلام وتسميته الراجح وراجح الرجاح والقيم.
وذكر الإنسان اسمه في آخر زجله، ويسمونه الاستشهاد، ويثني فيه على نفسه الثناء البالغ، ولعب المناصف بالرهان على يد الحاكم أسوة بأرباب الملاعيب، الذين هم أراذل الناس، والجلوس في الحلق في يوم معين، ويسمونه الطابق يقام لهم محفل من الجماري والحرافيش، وهذا لم يسمع بشيء منه للأئمة المتقدمين، ولا وجد لهم في كتاب.
ومنهم من قال: إن فصحاء المتأخرين حرموا ذلك، وحملوا على الإمام المخترع في قوله.
وجردت فني من الإعراب.......
على الإطلاق.
وهذا الذي أجمع عليه علماء فن الزجل، وهو أصح الأقوال، وأقرب الأحوال؛ وإلا فما الفرق بين الزجل والموشح، هذا معرب وهذا ملحون، ولحن الزجل إعرابه. وابن سناء الملك رحمه الله تعالى أظهر لنا الفرق بين الزجل والموشح بقرينة لطيفة، وهو أنه جعل في آخر غالب موشحاته خرجة مزجلة تارة تدخل عليها بأغصان من موشحه، وتكون الخرجة من نظم أئمة الزجالة، وتارة تكون الخرجة المزجلة من نظمه، وغالب أئمة الوشاحة فعلوا ذلك، ليظهر الفرق، وهو مثل الصبح ظاهر.
وعند الجميع أن التزنيم في الموشح أقبح منه في الزجل، لأن من أعرب في الملحون فقد رد الشيء إلى أصله، ومن لحن في المعرب فقد زل عن الطريقين وخالف المذهبين، وقد وقفت للإمام أبي بكر بن قزمان مع علمه أن التزنيم في الموشح أقبح من التزنيم في الزجل، على موشحة لم يسلم له بيت منها من التزنيم، وقد أثبتها هنا بكمالها، وهي هذه الموشحة:
معشر العذال بي من الأقمار ... أغصنٌ ميادة مسن في أكفالي
قد جنا من لاما ... كل عانٍ صب
ببدور ذا ما ... طلعت من قضب
من قدود هاما ... في هواها قلبي
رية الخلخال قد براها الباري ... لعذابي غادة هيجت بلبالي
عجباً للوامق ... روحه موصولا
مستهامٌ زاهق ... حيث نال السولا
وجمال رائق ... زاد فيه القيلا
نهيت والقالي لا يقيم أعذاري ... شغفي قد زاده وهي لا ترعاني
غايتي في الحسن ... غايةٌ لا تدرك
لم يكن في عدن ... مثلها قط يدرك
وكلت بجفنٍ ... لحظات تفتك
فتكة الأبطال كهزبر ضاري ... سحرها قد صاده وهو ذو أشبالي
أين منها البدر ... أين منها الشمس
زان فاها الدر ... والشفاه اللعس
ولماها الخمر ... ليس فيها لبس
لم تزل عن بالي لا وعن أفكاري ... وهي لي منقادة دون ما إدلالي
فهذه الأبيات لم يخل منها بيت من التزنيم والألفاظ الزجلية، ولعمري إن عذر الإمام لا يقبل في مثل هذا، لا سيما لفظة ذا في البيت الأول التي أراد بها ذاما وقد تقدم قول ابن سناء الملك وغيره من أن أئمة الوشاحة أتوا في آخر كل موشح معرب بخرجة مزجلة لظهور الفرق والتحلي برشاقة الزجل، وعذوبة ألفاظه، فمن ذلك قوله في موشحة، مطلعها:

(1/3)


البدر يحكيك لولا تثنيك ... وأنت جنة الصديق لولا تجنيك
لم يلق نعما ونعيم ... من لم يلاقك
حملتني كل عظيم ... يوم فراقك
وإن لي دنيا قديم ... على عناقك
بالضم اجنيك للصدر ادنيك ... لأن لي قلب رقيق عساه يعديك
رأيت ربعاً من بعيد ... قد كنت تأويه
ثوى به الحسن الجديد ... إذ أنت ثاويه
وزهرة الدر النضيد ... لا بل دراريه
فخرت تشكيك فهل معانيك ... خلعتها روضاً أنيق على معانيك
أهواك معسول القبل ... تحلو وتحلي
يملأ عينيك الكحل ... من غير كحلي
وأنت روضة الأمل ... فكيف قل لي
أترك تجنيك وعاذلي فيك ... في فمه مسك سحيق لما يسميك
يعذلني ومادرى ... لحسن حالي
وأنني منك أرى ... كنه الجمالي
بكل شيء نشتري ... ولست غالي
بالروح يشريك من ليس يدريك ... فكيف من ذاق الرحيق والشهد من فيك
والبيت الذي فيه الخرجة المزجلة:
لما أتى وقد أبا ... يعطي وصاله
جردته من القبا ... مع الغلاله
فقال خلي ذا الصبا ... فقلت لا له
على آش نخليك وليش نداريك ... ما في الهوى قاطع طريق لا بد يغريك
فقلت: سبحان المانح، لقد حيرني أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك، إن حكمت لتوشيحه بالتقديم لما فيه من الرشاقة والسهولة والانسجام وعذوبة الألفاظ أتى في تزجيله بشهود لا ترد.
ومن الغايات التي لا تدرك في الباب موشحة إبراهيم بن سهل الإشبيلي وهي هذه:
يا لحظات للفتن ... في كسرها أوفى نصيب
ترمي وكلي مقتلو ... وكلها سهم مصيب
اللوم للاحي مباح ... أما قبوله فلا
علقتها شمس صباح ... بما ارتعاه في الفلا
كالظبي ثغره أقاح ... ريقو طلا عيني طلا
يا ظبي خذ قلبي وطن ... فذاك في الأنس غريب
وارتع فدمعي سلسلو ... ومهجتي مرعى خصيب
من اللما والحور ... فيها الحياة والأجل
سقى رياض الخفر ... من خدها ورد الخجل
غرسته بالنظر ... وأجتنيه بالقبل
من نزعة الظبي الأغن ... وهزة الغصن الرطيب
يجري لدمعي جدولو ... فينثني منها قضيب
أأنت حورا أرسلك ... رضوان صدقا بالخبر
قطعت القلوب لك ... وقيل ما هذا بشر
ما كنه إلا ملك ... لكن بصورة القمر
حتى ترك في المحن ... أمر الهوى أمر عجيب
كأن عشقي مندل ... زاد بنار الهجر طيب
أهدت إلى نار العتاب ... برد اللمى وقد وقد
فلو لثمته لذاب ... من نفسي ذاك البرد
ثم لوت جيد كعاب ... ما خلته إلا الغيد
بطرفها الساجي وسن ... أسهر أجفان الكئيب
والردف فيه ثقل ... خف له عقل اللبيب
والبيت الذي فيه الخرجة المزجلة قوله:
أعربت عن وجدي البديع ... فراح وجدي معربا

(1/4)


شمل الهوى عندي جميع ... وأدمعي أيدي سبا
فاستمعي صباً خليع ... غنى لعين الرقبا
هذا الرقيب مثواه بطن ... أش لو كان الإنسان مريب
يا منيتي قم نعملو ... ذاك الذي قال الرقيب
ومن موشحاتي التي نسجتها على هذا المنوال قولي
جاءت تغازل بالأجفان والمقل ... فاهتز عطف غرامي وانجلى غزلي
فيالها لحظات للخطا نصبت ... تصيب باللمح قلب الفارس البطل
فقلت يا منيتي وزينتي ... تريد الصبر يوم بيني
كحل بعينيك قالت وهي في خجل ... ليس التكحل في العينين كالكحل
ماست بقامتها يوماً بذي سلم ... والشعر كالعلم المنشور للأمم
فقلت يا قلب أعلام الهوى نصبت ... ها أنت تخطر بين البان والعلم
وأسود الخال مذ تبدا ... في جيدها همت فيه وجدا
قالت وطلعتها كالشمس في الحمل ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
سألتها برد ما عندي من الكمدي ... وقلت نار الجوى قد أضعفت جلدي
قالت بريقي أطفيها إذا التهبت ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي
وغرقتني بدمع طرفي ... وقالت اسمع كفيت خلفي
ألم تخف بللا ناديت يا أملي ... أنا الغريق فما خوفي من البلل
بالله يا برق إن أومضت في الثغر ... وحارس اللحظ في شك من الخبر
قف بالثنيات واذكرني إذا عذبت ... تلك النهيلات للوراد في السحر
وارسل عليل النسيم خلفي ... فإنه قوة لضعفي
عسى تصحح جسماً بالفراق بلي ... فربما صحت الأجسام بالعلل
رقم السوالف يروينا بمسنده ... عن أبرقين الحما أيام معهده
وثغرها قد روى عن طيب مولده ... ورقمتين الحما قد طاب مشهده
والخال أضحى عن المبرد ... يروي حديث العذيب مسند
عن الصفا عن مذاق الشهد والعسل ... عن ذوق سيدنا قاضي القضاة علي
إنسان مقلتها لما رأى كلفي ... بسيفه قد أقام الحد في تلفي
فمت بالسيف قهراً والحشا نهبت ... لكنني عند موتي قد قوي شغفي
ناديته والدموع طوفان ... وقلت هذا فعال إنسان
إلى م تعجل في قتلي بلا زلل ... فقال لي خلق الإنسان من عجل
هذا الموشح لكون أنه مبني على التضمين، ضمنت في الخرجة المزحلة التي من نظم الحاج علي بن مقاتل الحموي، والتضمين يسمونه عند الزجالة دخولاً وهو قولي:
وغادة أشرق الوادي بطلعتها ... قد رققت غزلي من غزل مقلتها
شكوتها سهراً قالت وقد سلبت ... عقلي بلطف معانيها وحشمتها
إن كنت سهران من هيامي ... فإنني يا أخا الغرام
اعشق غزال مقلو قد أسهرت مقلي ... وغزل أجفانو رقق حاشية غزلي
قلت: لم أطلق عنان القلم في تدقيق الفرق بين الموشح والزجل، إلا ليتأكد عند الطالب أن التزنيم الذي هو عبارة عن اللحن في الموشح والإعراب في الزجل من الذنوب التي تغتفر للبارع الماهر فإنه غير عاجز عن اجتنابه، ولهذا ما اغتفر للحاج علي بن مقاتل قوله في معارضته رسيله القيم شهاب الدين أحمد الأمشاطي:
خدك وعارضك والثغر يا حسن ... ما وخضره ومنظر حسن
ومطلع الأمشاطي الذي عارضه ابن مقاتل سالم من ذلك وهو:
أسباني في هواك ... وافتني يا حسن
جمالك الجميل ... وخلقك الحسن
وكيف يغتفر للحاج علي بن مقاتل هذا القدر الزائد، وقد عابوا على الإمام أبي بكر بن قزمان استعمال بعض الألفاظ الصحيحة الفصيحة العربية، حيث قال في زجله الذي مطلعه:
ليس هو عندي قوام ... ولا هو فلاح

(1/5)


إلا شرب الشرابوعشق الملاح وقال في البيت الذي استعمل فيه الألفاظ الفصيحة مشيراً إلى الفقيه بقوله:
تعرف اسما هنا يقل يقل لك لا، قلو خذ تملا
منها إذنك ملا هي هي القهوة والمدام والطلا
والحميا والخندريس والراح
فهذه ست لفظات في أسماء الخمر لم يغتفر لابن قزمان استعمالها في الزجل مع أنه لم يدخل عليها حركة إعراب، وإنما قالوا: هذه لغة العرب العرباء وقد تقدم أن تحريك لفظة هي أقبح العيوب.وعابوا عليه في بعض أزجاله الشحنا، وقالوا: هذه لفظة فصيحة لم ينطق بها غير الفصحاء ومعناها: العداوة. وعابوا عليه أيضاً قوله في مطلع زجل، وهو:
نظر بأهداب عينو وعبس ... فرج لعمري كربة وأنس
وقالوا: لفظة لعمري مختصة بالعرب وهي قسم لهم معناها: وحياتك، إن كانت للمخاطب، وللمتكلم: وحياتي، وقد فسر المفسرون قوله تعالى للنبي عليه السلام " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " أي: وحياتك.
وعابوا عليه أيضاً في بعض أزجاله استعمال لفظة الزرد.
وعابوا عليه استعمال لفظه مرحبا في بعض مطالع أزجاله، وقالوا لفظة مرحباً و أهلاً وسهلاً بإجماع سائر النحاة ألفاظ عربية، وهي منصوبة أبداً بتقدير فعل محذوف تقديره أتيت أهلاً ولقيت سهلاً وصادفت مرحباً وما أشبه ذلك، وأول من قالها سيف بن ذي يزن ملك العرب، قالها لعبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم حين بشره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم في عام ولادته، وأسلم على يده لما وفد عليه ثم تداولها العرب بعده.
وذكر الشيخ صفي الدين الحلي في كتابه المسمى بالعاطل الحالي والمرخص الغالي أن الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي عابها على الحاج علي ابن مقاتل إمام هذا الفن - أعني فن الزجل - حيث قال في بعض مطالعه:
جا الرسول مرحباً أهلاً ... بمجيه وألف سهلاً
وعاب عليه في موضع آخر لفظة ألما وأغيد فقال في آخر زجله:
دوني من ليس فعلو يحمد ... في الزجل ما يصلح أفسد
ونظم ألما واغيد ... ونصب أهلاً وسهلاً
وهذه اللفظات الأربع قد استعملها ابن قزمان وأثبتها في ديوانه ووقفت عليها.
ومما سامحوا في استعماله من هذه الألفاظ الفصيحة اللغوية لفظة الغ.
فإنهم عابوها على أحد أئمة هذا الفن. وهو محمد بن حسون لما أوردها في بعض مطالعه وهو:
ارفع قطيعك وطيب وتملاّ ... والغ عمن ولى
وقالوا هذا لفظة عربية خالصة.
ومن الممنوعات عند علماء هذا الفن إعراب الألفاظ بالحروف أو بالحركات، أما من الإعراب بالحروف، فكقول بن قزمان:
أنا حدو على الشراب وانفيه ... ولا تقبل من جا يسألك فيه
هذا ريح الشراب يفوح من فيه ... الله قد أوقعوا بجرمو لنا
فقد أعرب في هذا البيت لفظة فيه بالياء، وهذا حكمها لأنها من الأمثلة الستة التي رفعها بالواو ونصبها بالألف وجرها بالياء، وهذا أفحش من الإعراب بالحركات.
وللأستاذ أبي عبد الله محمد بن حسون في بعض مطالعه:
مع الذي قطع قلبي هواه ... فم صغير يفتن لمن يراه
لو كان معو خاتماً يحاكي فاه ... من صغر ولم يقدر يختمو
فقد أعرب فاه بالألف في حالة النصب وهذا حكمها.
وأما الإعراب بالحركات فكثير، وأزجالهم مشحونة منه، وقد جمع ابن حسون بين الإعراب بالحروف والحركات في لغطة فاه ولغطه فم في مطلعه.
ومن العيوب القبيحة عندهم فتح كاف الخطاب، واستعمال أدوات النحو المختصة كالسين وسوف اللتين هما في ظروف الزمان، وكاف التشبيه، وإذ، وثم، وهمزة القطع إذا كان ما قبلها محركاً بحركة إعراب كقولهم:
إن كنت اخطيت في عشقك بيني ... استغفر الله مما جرى مني
وكقول صفي الدين الحلي في بعض أزجاله:
ريت حبيبي في الرياض يمرح ... بين أقرانو وأترابو
فلو لم يحرك النون أخطأ الوزن.
وأما السين فكقول ابن قزمان:
صبي نعشق من السوق ... إن خطر بيك ستدريه
وأما سوف فكقول ابن الحسين بن عمير في بعض مطالعه:
جهدي نصبر على حبيب قلبي ... حن ظلمي وجار
سوف يرى ما يلاقي من ظلمي ... عند نبت العذار

(1/6)


وأما منذ فكقول ابن قزمان في بعض مطالعه:
حق هو ليس يمزح ... منذ فقدت الحبيب ليس نفرح
ومثله قول الأستاذ أبي عبد الله بن حسون في بعض مطالع أزجاله:
لي تقدير شهر ... منذ عشقت الفلانية
لم نطيق سهر ... ولا لقيت ليلة مهنية
وأما: مذ، واذ، وثم، وكاف التشبيه، فاشهر من قفا نبك في القوم.
ومن الممنوعات عندهم استعمال الحركات الثقيلة التي عابها ابن قزمان على ابن نمارة، كالمدّ الفاحش والهمز الذي تقدم ذكره، وقد استعمل هو وأهل عصره ما هو أفحش من ذلك وأثقل، وهو القائل في بيت من بعض أزجاله:
كل ثناء جميل فيه مجموع ... وكل شاعر بمدحو مولوع
عاليش ينكرون الجميل المصنوع ... وآش يفيد الإنكار
إما مكافأة وإما إقرار
فهذه المدة في لفظ ثناء أفحش من غيرها لاقترانها بالهمز والتنوين، وإثبات السكون في ينكرون أفحش.
ومن الممنوعات عندهم التشديد في غير التصغير، فإنهم مجمعون على لفظه كقولهم: فميم، وخديد، وغدير، وأما في غير التصغير فممنوع، والتشديد الذي استثقلوه في غير المصغر فكقول علي بن نمارة في مطلع زجله الذي سارت به الركبان:
كن كما شيت مهاود أو تياه ... أو بعيد أو قريب
من يحبك ويقدر أن يعصيك ... ليس يسمى حبيب
فقد شدد الميم من لفظة يسمى وكان يمكنه تخفيفها مع حسن السبك والتصرف، ويقول: ذاك ما يسمى حبيب، فيفر من عقادة التشديد إلى حلاوة الرشاقة والسهولة، فالقوم نهوا عن ذلك واستعملوه وكانوا كما قال السمؤل:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
وأما التشديد الذي لا يحمل من ثقله فكقول ابن قزمان في بعض مطالعه المسلسلة:
كيف يرى قلبي سرور ... وحبيب قلبي منصور هجرني
سكري المراشف
غصني المعاطف
لولا ما هو مخالف
حين يرى ظلي ينفور ... أنا مت بالله فانظور في كفني
ومن الممنوعات المستثقلة: التنوين، وقد نهوا عنه واستعملوه، فمن ذلك قول ابن قزمان في خرجة بيت من بعض أزجاله:
ليس لذي البنيه ... في الدنيا نظير
الملاح رعيه ... وهي كالأمير
آش قمر هيّ ... أبهى وأملح بكثير
في جمال وطلعه ... وقدٍ وخدّ
فقد نون لفظة قدّ وجاءت في غاية الثقل، وكاف التشبيه في لفظة الأمير أثقل منها.
ومن الممنوعات عندهم إثبات نون الجمع، وقد عابوه على البغاددة في أزجالهم، وجعلوه من أكبر عيوبهم مع علمهم أن لغتهم تقتضي ذلك ولكن أثبتها ابن قزمان في عدة مواضع، منها قوله في خرجة بيت مطلعه:
يامن عليه للسفر علامه ... الحمد لله على السلامة
ويقول في خرجة بيت معتذراً من تأنيث المدام:
جايز هو لا تغمزون لما ... قلت مكان المدام مدامه
فقد أثبت النون في تغمزون وفتحها مع أن اللفظة مجزومة بلا الناهية.
ومن الممنوعات عندهم تضمين آية من كتاب الله عز وجل، فقد نقلوا عن ابن قزمان أنه قال: القرآن الكريم لا يكون إلا معرباً والزجل لا ينبغي أن يدخله الإعراب، فمن ضمن آية من كتاب الله تعالى فقد زنم، وقد وجد له زجل في تهنئة بمولود مطلعه:
محسن اخلاقو تجد ... من يهنا بولد
وقال في بعض أبياته:
اخبئوه خلف الستور
وأكثروا من النذور
وأطلقوا حولو البخور
واكتبوا بالزنجفور
من حوالين المهد ... قل هو الله أحد
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عمير في مطلع زجل:
سافر حبيبي ونا بعدو مقيم ... أعوذ بالله السميع العليم
ومن الممنوعات عندهم وعندنا استعمال الظاء مع الضاد في قافية واحدة، وقد وجدنا لابن قزمان، وهو إمام الزجل، في بيت من أزجاله:
كذا غرض ذا العشق فيما مضى
إن صدّ محبوبك فأت في لظى
وإن نظر مرة بعين الرضا
فقد نظر ألف بعين الغضب
فلفظة لظى من ذوات الظاء لا يجوز استعمالها مع الضاد عند جميع أهل الأدب.

(1/7)


ومن الممنوعات عندهم، وعند جميع أهل الأدب أيضاً استعمال الذال المعجمة مع الدال المهملة، وقد وجدنا له ولغيره في مواضع كثيرة، فمن ذلك قول ابن قزمان في زجل كتبه إلى ممدوحه يطلب منه حنطة بسبب رمضان مطلعه وهو:
إش نحتج إن نقل لك ... قد تدري ما نريد
قوم اعطيني نصيبي ... من قمحك الجديد
ويقول في خرجة بيت منه وهو:
والعيد قرب والافطار ... لابد من سميذ
ولفظة سميذ بالذال المعجمة، بإجماع أهل الأدب.
وقد وجدنا للاستاذ مدغليس من ذلك في بيت من أزجاله وهو:
قوم ترى النسيم يولول ... والطيور عليه تغرد
والسما تنثر جواهر ... فوق بساط من الزمرذ
وفي وسط المرج الأخضر ... وادي كالسيف المجرد
فلفظة الزمرد من ذوات الذال المعجمة، قلت: ذكرت بأشكال الفرق بين الذال والدال والضاد والظاء على مثل هذه الأئمة رتبة الحاج علي بن مقاتل الحموي تغمده الله برحمته ورضوانه وإجماع الناس على تقديمه لإمامه هذا الفن فإنه نظم زجلين جانس بين الذال والدال والضاد والظاء فيهما قصرت فحول الأدب عن إدراكهما، وتا الله لم ينسج الحريري في الفرق بين الضاد والظاء على منوالهما، فمطلع أحد الزجلين قوله:
إن مع معشقي جفون والحاظ ... لو رآهم عابد لهام ولخاض
ومع انو من سحر عينيه إذا ... حفظوا باب أنساه صلاتو أدا
والبيت الذي نظمه بعد المطلع قوله:
حضرني لما دا يغيب عني ... في غيابو يا ماذا تحفظ فصول
حتى أنو يصير قريب مني ... ولو أني نكون في ميدان نجول
أيش تضيق الدنيا على ذهني ... ولا نعرف أيش كان نريد لو نقول
واش ما قد حفظت من الفاظ ... ويضيق بي رحب المكان الفاض
ولا نطلب يومي شراب وغذا ... وابقى سكران طول ليلتي وغدا
يا نسيم السحر على حبي.... ... أقري مني طيب السلام كلو
لله ووصيه بالعاشق المسبى ... قلبي ذاك الذي إلف طلو
وإن تيسر لك أن ترى قلبي ... وسال عن جسمي الضعيف قلو
انتحل من بعدك إلى أن قاظ ... واغتسل مما بعينو فاض
وعلى خدو الدار حين قد حذا ... وفي بابو حادي المنية حدا
حن ذكرني في عتبووحد النهار ... غطتو حتى وقف على ماجرى
وبقي هو يحمار ونا نصفار ... ونوادر مني ومنو ترى
فلا تعجب من خدّو كيف يحمار ... فوقو ورد الخجل وتحتو جرى
ما الحيا في الخدود إذا ما اغتاظ ... ونشف ما لوني إلى أن غاض
فلا تعجب مني ومنه فذا ... سر فيه ممن أنا لو فدا
هذا الزجل الذي أينع زهره في حدائق الأدب حفظته ورياحين الشبيبة غضة، ولكني شذ عني بيته الرابع لعدم التفاتي إلى المذاكرة بهذا الفن، ولما بهر المصنف رحمه الله تعالى به عقول أيمة هذا الفن، وقالوا: إنه ما نسج على منواله ولا ينسج، شفعه بزجل ثان حير فيه الإفهام، وقالت علماء هذا الفن: ما نشك أن علياً إمام.
والزجل الثاني لم يتأخر في صبابة الحاصل منه غير مطلع وبيت وهو:
ما الفراق في الهوى ... إلا خصمو ألد
على تركو إذ هو قوى حظي ... نلق وصلو من كل لذة ألذ
نسأل الله منو يزيد حظي
قد هويت ريم طرفو الجوارح يصيد ... على قلبي ما أخوفني من كيدو
حر مملوك إلا أنو سيد كل سيد ... مثل يوسف إستاذ في قيدو
والعجب فيه أن الملوك الصيد ... قد قنصهم بحسنو في صيدو
ومعو سبحان الله خال وخد ... كم بقيت يوم من تقبلوا لفضي
حتى خذت العبير بتاعو وخد ... رقة الحاشية بتاع لفظي
سبحان المانح؛ هذه طريق لم يسلكها أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين غير الحاج علي بن مقاتل رحمه الله تعالى.

(1/8)


ونظم رسيلة الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي رحمه الله تعالى زجلاً أفرق فيه بين الذال والدال، والظاء والضاد، كاد أن يسيل رقة، ولكن لم يجانسه، لأن الدرب إلى المجانسة غير سالك ومطلع الزجل:
بعضي باللهيب متلظي ... وغارق في دمعي بعضي
وأنا بالصبر متغذي ... كاتم سري حافظ عهدي
طرفي قد غرق في دمعي ... واحترق بنارو قلبي
مع معشوق يطابق نفعي ... بالضرر ويقصد حربي
نطلب وصلو يطلب قطعي ... نقرب لو فيبعد قربي
نحفظو ما يختار حفظي ... نحبو يزيد في بغضي
نعتذر ونا المتأذي ... يشتكي وهو المتعدي
وهذا الزجل البديع لم يحضرني منه أيضاً لكثرة الإعراض عن هذا الفن غير هذا المطلع والبيت.
ومن الممنوعات عند أهل هذا الفن أيضاً وهو قبيح جداً إظهار حركة المنادى المضاف، وذكرت هنا قصة اتفقت للشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى مع زجالة دمشق المحروسة؛ وما ذاك إلا أنه نظم زجلاً مطلعه:
يا صباح الخير والخيره ... صبحتني طلعة المحبوب
حن رأيت وجهو السعيد مقبل ... قلت هذا غاية المطلوب
فقوله يا صباح الخير إعراب المنادى المضاف على شرطه.
وأما زجالة دمشق المحروسة فإنهم ترقبوا مرور الشيخ عز الدين عليهم ليلاً بسبب هذا المطلع فأسمعوه غاية ما يكره، وشاعت القصة بالبلاد الشامية، وكان الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى يعنت عليهم في غالب الأوقات.
والذي أقوله: إن المتأخرين من الشعراء لم يتخلص منهم أحد من تبعات عيوب الزجل غير الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى، فإن الشيخ عز الدين أيضاً قال في بعض مطالع أزجاله:
ضياء النور في ليل الشعر قمري جلا
فلو لم يعرب لفظة النور بالإضافة اخطأ الوزن.
وأما الشيخ صفي الدين الحلي فقد تقدم ما أوردنا عليه من العيوب، وتقدمه ابن النبيه في زجله المشهور بأشياء دلت على أنه لم يكن له بمعرفة هذا الفن إلمام، والزجل مطلعه:
الزمان سعيد مواتي ... والحبيب حلو رشيق
والربيع بساطو أخضر ... والشراب أصفر مروق
وقال في البيت:
والنسيم سحر تنفس ... من عبير أو مسك أذفر
والغصون بحال نداما ... من سلاف الغيم تسكر
والغدير بمد معصم ... ينجلي في نقش أخضر
والهزار يعمل طرايق ... في الغنا مزموم ومطلق
فقوله في الغصن الأول من البيت، أو مسك أذفر لا يستقيم معه الوزن إلا بعيبين فاحشين لم يغتفرا له من أحد من الزجالة.
أما أن ينون الكاف لتصير الهمزة في لفظة أذفر همزة وصل ويستقيم الوزن بالتنوين، وهو من العيوب الفاحشة عندهم، وإما أن يحرك الكاف في لفظة مسك، وتكون الهمزة همزة قطع فقد تقدم أن همزة القطع بعد المتحرك عندهم خطأ في الوزن، واستشهدت بنقدهم على الشيخ صفي الدين الحلي حيث قال في بعض أزجاله وهو:
ريت حبيبي في الرياض يمرح ... بين أقرانوا وأترابو
فلو لم يحرك النون في لفظة بين أخطأ الوزن، وهذا العيب يسمونه عند الزجالة الطفر والجمز، وهو العيب الذي احتجوا به على الحاج علي بن مقاتل في بديهته مع رسيلة الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي، فإن الحاج علي قال في بعض الأبيات:
جل الإله منشيه ... من بعض آياتو
خدو المضرج فيه ... نارو وجناتو
والورد فيه يبديه ... في غير أوقاتوا
فقوله: من بعض آياتو وفي غير أوقاتو، مما نحن فيه وقول ابن نبيه في الغصن الثاني:
من سلاف الغيم تسكر.
فالغيم مجرورة بالإضافة وهي على الوضع في الإعراب، والكلام على نقش أخضر في الغصن الثالث كالكلام على مسك أذفر في الأول، وقال ابن نبيه في البيت الثاني من زجله المذكور ولم يسلم له العيوب المنهي عنها غصن ولا خرجة.
وقال في البيت الثاني:
هات يا ساقي الحميا ... إن نجم الليل غرب
من يكون البدر ساقيه ... كيف لا يشرب ويطرب
أنت والأوتار والكاس ... للهموم دوا مجرب

(1/9)


لا تخاف الصبح يهجم ... دع يجي ويركب أبلق
قلت: أما حركات الإعراب المنهي عنها في نظم الزجل فظاهرة في أغصان البيت؛ وأما قوله في الخرجة: لا تخاف الصبح، فلا يجوز عند الشعراء ولا عند الزجالة، فالعيب عند الشعراء أن لا الناهية تجزم الفعل المضارع والشيخ كمال الدين بن نبيه لم يجزم، والعيب عند الزجالة فتح الفاء من لفظة تخاف فإنها من الذنوب التي لم تغفر عندهم، وأما الصبح فقد نصبها غفر الله له على المفعولية.
وقال في البيت الثالث:
ذا المليح في الجنة سيدو ... ونا مسكين في جهنم
آه على قبلة في خديدو ... واخره في ذا الفميم
لو ترى حمرة خدودو ... وعذاره ذا المنمنم
كان ترى ثوب أطلس أحمر ... معدني بخصر معلق
فلفظة عذاره في الغصن الثالث منصوبة على المفعولية، وهي عيب ولو لم ينصبها أخطأ الوزن.
وقال في البيت الرابع وتخلص منه إلى المديح وهو:
يا نديم أسمع نصيحا ... لا تنم ما دمت تمكن
الصباح ومثلو في الكاس ... ما ترى مبهج ومحسن
والشقيق حمرا في صفرا ... كنوا رايات شاه أرمن
ملك بحال جمالو ... ما خلق وليس يخلق
الكلام على شاه أرمن هنا في الغصن الثالث، كالكلام على مسك أذفر ونقش أخضر في البيت الأول، وإعراب لفظة ملك في الخرجة فظاهر لم يفتقر إلى الكلام عليه، ولكن تحريكه ليس من العيوب الفاحشة.
قوله:
ورشيقة المعاطف ... رأتو بين الصناجق
والغبار بحال غمايم ... والسيوف بحال بوارق
وسنا جبينو يرمي ... بشعاع على الخلايق
زعقت حرام زوجي ... والنبي غدا نطلق
هذا البيت يكاد يكون سالماً لولا لفظة رشيقة فإنها مجرورة بواو رب، وقد تقدم قولي: إن الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى خلص هذا الزجل من جميع هذه العيوب المذكورة، ولكنه لم ينظم غير زجل واحد عارض به ابن نبيه في هذا الزجل، والذي يظهر لي أن الشيخ جمال الدين ما عارضه إلا وقد ظهرت له هذه العيوب.
ومطلع الشيخ جمال الدين بن نباتة هو:
لي حبيب ماعو عوينات ... ذاب نقول في عشقا إلحق
وقت نبصرها نواعس ... نبكي طول الليل ونقلق
يا قلق جفني بكاتب ... حسنو ندرا وي ندرا
وقعت عينه لعيني ... بدموع في الحب تجرا
فالنظر توقيعو ثابت ... بقلوب عشاقو يقرا
وحواشي خدو ريحان ... هذا هو الموت المحقق
والبيت الثاني:
ما ترى مملح ومحلا ... هذي الأوصاف الشهيا
جلست خط العذير ... في الخدود كف المشيا
ويرى قلبي معلق ... بيه ولا يحفل هو بيا
يا دلال خطو المجلس ... ونكال قلبي المعلق
لي يطيب فيه التغزل ... والمدايح في المؤيد
الملك في الجود وفي الباس ... والعلوم والرأي الأرشد
لا تقول لي البرق يلمع ... والغمام في الجدب يرفد
فسنا جبينوا نور ... وندا يمينو أغدق
لا غمام إلا ابن أيوب ... لا ربيع إلا زمانوا
السماحة في يمينو ... والفصاحة في لسانو
ونقول في الحرب لعداه ... آش تقولوا في سنانو
آش تقول سود الجوانح ... في لقا عدوها الأزرق
علمتيني لك يا سلطان ... المكارم نظم الأقوال
في القصايد والمقاطيع ... والموشحات والازجال
خذ ترى هذا الزجيل ... في المديح مطرب والأغزال
لاستماع اشيا تطنطن ... وشي في القمصان يبقبق

(1/10)


قلت: الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى خلص جميع هذا الزجل من العيوب التي تقدم ذكرها وأوردها على أئمة الزجل من المغاربة وغيرهم، ولكن رتبته في النظم سافلة بالنسبة إلى علو مقام مناظيمه في الشعر والموشح، والذي يظهر إليّ أنه نظمه نظم خائف لعلمي أنه ما نظم غيره والله أعلم.
وقد عن لي أن أثبت هنا زجلاً من أزجالي الخالية من العيوب ليتضح للطالب سلوك هذه الطرق الغريبة، فمن ذلك ما نظمته، وأزهار الشبيبة يانعة، ومواردها عذبة، وهو هذا الزجل:
حين رققت نظم الغزل ... تأنس غزالي الشرود
وقال صف عيوني الوقاح ... وقول سود بها قلت سود
من أبصر حبيبي حسن ... لا يكون في عذلو يزيد
فيوم عيد رسم بالبعاد ... وامتثلت لو ما يريد
ولو كان قريب الديار ... ما كنت أمشي لو من بعيد
فيا دمعي اجري وقف ... سايل ما جرا في العهود
وقل للحبيب الطبيب ... يا طبيب لا تخلف وعود
حن نيران هواه أشعلت ... ومنشي البشر من تراب
ما خلا في جسمي رمق ... وراح جا التعب والعذاب
وجاه دمعي سايل نهر ... رآني عذولي مصاب
قال تريد أقودو إليك ... بانشراح في غيظ الحسود
قلت أي بالنبي يا عذول ... اطف ما بقلبي وقود
ذا القاسي بلين قامتو ... رق لي ونحوي عطف
وحلف ذا الغصين بالوفا ... ومحلا ليالي الحلف
وقال لي نظام سالفو ... حلى الجعدي هداك سلف
وماس تحت تزريد عذار ... يفوق حسن وشي البرود
تذكرت بأن النقا ... وخضر عيش أيام زرود
تغزلت فيه اطربوا ... ومال من رقيق الغزل
وقال خلي وصف الخدود ... فأني كثير الخجل
استطردت في وصفها ... سارت مثل سير المثل
حددني بسيف ناظرو ... حين أقام عليه الحدود
وقال كيف رأيت حالتك ... قلت نا قتيل الخدود
قادني وقطر دموع ... عيني لما جد الرحيل
وهيج لعقلي وقال ... وقم يا ضالع الهجر سيل
قلت قوم يا قلبي الحزين ... قاطع قلي حملي ثقيل
ومبرك ما كنا جميع ... قبل أن كان لخيري جحود
وقال حين حسابي جمل ... يا جمالي آش ذا القعود
من بارق عذيب الثغر ... حين عذبت طعم المياه
طعم الراح بقي في انحراف ... ولطف المزاج عنو تاه
وجوري الخدود لو يكون ... نصيبي كفاني نداه
تعود يا حبيبي وطبيب ... لا تعدم محبك وجود
فمن وجنتيك والثغر ... قصدو يا حبيبي ورود
قد طال الشرح بايراد هذه الأزجال هنا، وإن الرجوع إلى بقية ما يحرر من عيوب الزجل التي يمنع من استعمالها، فمن ذلك حركة الجار والمجرور، كقول قيم مصر خلف بن الغباري في بعض مطالعه:
الحمد لله الحميد المجيد ... قادر ومعلا قدر من مجدو
مقصود وموجود في العدم والوجود ... في السر والجهر أقصدو توجدو
فقوله: الحمد لله مبتدأ وخبر، والخبر هو الجار والمجرور في " لله " و " الحميد " صفة للجار والمجرور، وهي تابعة الموصوف في الجر، فالربع الأول من المطلع ليس بزجل بل بشعر صحيح معرب وهو من البحر السريع. وأما قوله في الربع الثاني قادر ومعلا قدر من مجدو فهو منوال الزجل الذي لم ينسج على غيره، وقوله: ومعلا شرع الزجل في الوزن والرسم فإنه لو قال وما أعلا أتى بهمزة القطع التي هي من أكبر عيوب فن الزجل.

(1/11)


ومن الممنوعات عندهم الانتقال من كللي إلى قمري وهو الخبن عند العروضيين كالانتقال من فاعلن إلى فعلين فإن كان في الحشو جاز، وإن كان في القافية التي هي العروض والضرب عدة الزجالة خطأ في الوزن كقول الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي رسيل الحاج علي بن مقاتل في بعض مطالعه:
يا قلبي الهوى طيعو وطيع ما أمر ... وعصي من رجع لك في المحبة يلوم
ون كان من تحبو بعد وصلو هجر ... كن صابر فلا ذاك دام ولا ذا يدوم
وقال في بعض خرجات هذا الزجل:
لو كانت الناس تسجد أو تصوم لبشر ... لك كنت نسجد على الدوام ونصوم
فأتى بقمري موضع كللي في محل العروض والضرب وهذا عندهم خطأ في الوزن اللهم إلا أن يكون في الحشو لأن علماء الزجل منعوا من استعمال الزجافات العروضية وعدوها خطأ في الوزن وهي جائزة في الشعر، وزادوا على بحور الشعر التي هي ستة عشر بحراً من الأوزان ما لا ينحصر، وقال الشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى في تقريظ له على بعض أزجالي: فإن الزجل أوزانه ما انحصرت عدداً وسبله متشعبة، فهي تتلو طرائق قددا، قول الشاعر:
وله محاسن كلهن بدائع ... وله جموع فرقت وطرائق
فكأنه الثوب المجندر طرقه ... لا تستقيم وفيه معنى رائق
وفن الزجل لم تزل أوزانه إلى عصرنا هذا متجددة. ولكنها غير جائزة في الشعر لخروجها عن البحور المعهودة، ومخالفة كل شطر من البيت الآخر في القصر والطول والقافية، وبناء البيت الواحد على عدة أوزان وقوافٍ، وتقصير الأقفال إلى غاية من القصر، ولهم ملكة في تحرير الوزن وقوة في أن يستخرجوا منه وزناً ثانياً ولم يتغير اللفظ. ورأيتهم يستعينون على ذلك بالدمج، ويكون اللزوم في بعض الكلمة التي دمجها، وربما أنشدك أحدهم وزناً اخترعه وسألك عن لزومه فقلت: هذا بيت بقافية أو بقافيتين، فإذا قطعه لك وجدته مطلعاً أو بيتاً بسبع قواف يكون المطلع بقافيتين، والبيت أغصانه وخرجته بخمس قواف كقولهم:
كم نقا سي شقا وزماني رماني وما عاد لقاسي بقا
فإذا قطعه لك على ما ذكرته لك أيها المتأدب، كان مطلعاً وبيتاً بسبع قواف، وتقطيع المطلع:
كم نقا سي شقا
والبيت: وزما ني رما ني وما عاد لقا سي بقا.
ولهم أغرب من ذلك وأقصر على هذا النمط وهو:
البحر أصبح فرجا ... والجاموس جا يسبح
وهذا أيضاً في الصورة مطلع واحد بقافيتين وتقطيعه:
البحر أصبح فرجا ... والجاموس جا يسبح
فهذا بعد التقطيع انتظم منه مطلع وبيت لست قواف.
ولهم أغرب من ذلك وأقصر على هذا النمط، والمراد هنا بالقصر قصر الوزن وهو:
زمزم حرر درهم
هذا أيضاً مطلع واحد، فإذا قطعته انتظم منه بيت ومطلع بست قواف، وتقطيعه هذا:
زم زم حر رر در هم
فهذه من أشكال النكت القصار في فنهم.
قلت: قد تقرر وعلم أن الفنون سبعة لا اختلاف في عددها بين أهل البلاد، وهي: الشعر، والموشح، والدوبيت، والزجل، والمواليا، والكان وكان، والقوما، فهذه الفنون الأربع التي جاءت بعد المقدم من الشعر، والموشح، والدوبيت الإعراب فيها غير جائز وهو التزنيم بعينه، وقد تقدم وتقرر وعلم، ولكن الزجل أعلاها رتبة وأشرفها محلاً لكثرة أوزانه وعذوبة ألفاظه ورشاقتها، ومدائن المسلمين المختصة بهم دون النصارى بالأندلس أربعة: وهي إشبيليا، وقرطبة، وبلنسيا، ومالقة. والذين خرجوا منها من الزجالة سبعة وهم: مخلف بن راشد، الحييط البرذعي، ابن قزمان ، مدغليس، ابن المليكة، الحمال وهو متأخر.
وأول ما نظموا الأزجال جعلوها قصائد وأبياتاً محررة في أبحر عروض العرب بقافية واحدة كالقريض لا يغايره بغير اللحن واللفظ العامي، وسموها القصائد الزجلية، فمن ذلك للشيخ أبي عبد الله مدغليس قصيدة في بحر الرمل عدتها ثلاثون بيتاً مطلعها:
الهوى حملني ما لا يحتمل ... ترد الحق ليس لمن يهوى عقل
ليس نقع في مثلها ما دمت حيّ ... إن حماني من ذا تأخير الأجل
منها وهو لطيف:
اشتغل قلبي بذا العشق زمان ... فسقط لي نقطة العين واشتعل

(1/12)


وهذه القصائد لما كثرت واختلفت عدلوا عن الوزن الواحد العربي إلى تفريغ الأوزان المتنوعة، وتضعيف لزومات القوافي، وترتيب الأغصان بعد المطالع، والخرجات بعد الأغصان إلى أن صار فناً لهم بمفردهم.
واختلفوا فيمن اخترع الزجل، فقيل: إن مخترعه ابن غزلة المقدم ذكره، استخرجه من الموشح لأن الموشح مطالع وأغصان وخرجات، وكذلك الزجل والفرق بينهما الإعراب في الموشح واللحن في الزجل وقيل: بل مخلف بن راشد، وكان هو إمام الزجل قبل ابن قزمان.
وكان ينظم الزجل بالقوي من الكلام، فلما ظهر أبو بكر بن قزمان ونظم السهل الرقيق مال الناس إليه وصار هو الإمام بعده، وكتب إليه ينكت عليه في استعمال يابس الكلام القوي:
زجلك يا ابن راشد قوي متين
وإن كان هو بالقوة فالحملين
يريد: إن كان النظم بالقوة فالحمالون أولى به من أهل الأدب.
وقيل: بل مخترعه مدغليس وهذا السم مركب من كلمتين أصله مضغ الليس والليس جمع ليسة وهي ليقة الدواة، وذلك لأنه كان صغيراً بالمكتب يمضغ ليقته، والمصريون يبدلون الضاد دالاً فانطلق عليه هذا الاسم وعرف به وكنيته في ديوانه أبو عبد الله بن الحاج، عُرف بمدغليس والصحيح أنه ليس بمخترعه، لأنه عارض ابن قزمان، وهذا دليل على أنه معاصره أو متأخر عنه.
فمن السهل الرقيق لابن قزمان قوله في مطلع زجل:
ثلاث أشيا في البساتين ... لم تجد في كل موضع
النسيم والخضرة والطير ... شمّ واتنزه واسمع
وقوله:
لولا الشراب واش كان ... بقي ترجع فقي
ومن رقيق مدغليس قوله في مطلع زجل:
ليس نتوب عن ذا المشربيه ... لو نهيت في السبت والحدّ
قد أعرت آذاني للوم ... ودفعت الجلد للحد
ومن لطائف ابن غزلة قوله في مطلع:
بعد ذبحك جريت يا فرخي ... واش يفيد الجري
كنت تجري من قبل ما تذبح ... وعنيقك بري
ومن لطائف ابن قزمان قوله في مطلع وبيت:
قالوا عني بأني عاشق فيك ... أش تقول يصدقوا
ياحبيبي لقيت كثير في ... الناس بالحكم ينطق
هذا شي والنبي ... يا نور عيني ما تحدثت بيه
ولَ والله خطر على بالي ... لا ولا خضت فيه
إنما في الطريق أنا ... نمشي كل من نلتقيه
يدنو ميني وسرعه ... ليسألني عندما نلتقو
ويقول لي فلان بحق الله ... من صحيح تعشقو
ويعجبني قول مدغليس:
أنا راضي عن الشراب والطعام ... ثلثين يوم لي في الصلاة والصيام
وقال ابن قزمان في مطلع:
يامن عليه للسفر علامه ... الحمد لله على السلامة
ويعجبني قول ابن قزمان في خرجة:
انهل شويّ يا صاح لا تقروب ... ان الحبيب قد عزم أن يهروب
قلت: غاية المغاربة في نظم الزجل أن يتطاولوا إلى التعلق بأذيال السهولة والرقة، فإن العقادة غالبة على أزجالهم وتراكيبها، كقول ابن قزمان في ترك الخمر في بيت:
يتركوا قوم ونا لا ... إنما مذهبي الطلا
يا من على منّو بين ملا ... كان يكون أرجلي العقاب
ويكون فمي الدلو
ولكن لما دخل الزجل الديار المصرية ونظمه المصريون حلّوا موارده بعذوبة ألفاظهم ورشاقتها، وزادوا محاسنه بالزوائد المصرية، وحلوه في الأذواق لما صارت حلاوته قاهرية، ثم تفكه بعد ذلك من أهل الشام بثمرات المعاني الشهية، وحلوه بشعار التورية والنكت الأدبية، كقول الحاج علي بن مقاتل في بيت:
دي الذي وصالو عمري نرتجي ... ما ندري في عشقو لمن نلتجي
وعد يوم الاثنين لعندي يجي ... راح اثنين في اثنين وما ريت أحد
وقال في بيت زجل آخر:
قلت هبني يا ذا الألما ... قبله في الجيد المسمى
قال بروحك قلت مهما ... سمتني في الجيد ما يغلا
وقال رسيله الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي معارضاً في الوزن والقافية وأجاد في قوله:
قلي والرقيب في غفله ... لا يكون بحياتي بالله

(1/13)


لك حلت في جيدي قبله ... قلت لو من فمك أحلا
ومن المرقص قوله في بيت بردفة زائدة:
غصن بان أوعدني وخلف ... قلت ليه قصه تعطف
دار وقال حين عني انحرف ... وقال من رأى من قبلك إنسان
صار عليه معطوف غصين البان بالورق
ويعجبني في هذا الباب قول محمد بن قيس قيم حلب:
تفور الما في البواطي بالعقار ... بالله اش تقولوا ما أنا مطالبي
وكلما أملك من مال أنفقوا ... حتى تصفي الكاس على شواربي
ومثله في الحسن قوله في بيت وهو:
نرمي الأقداح من يديه
لجل من ساق هجرو ليه
وحرم بعدو عليه
ما العنب وما الزبيب ... وعلى الراووق صليب
وقال الأستاذ شمس الدين محمد الأعرج قيم الديار المصرية في مطلع من أزجاله:
يا طلعة الهلال ... لا تكشف اللثام
تفطر القلوب ... في شهر ذا الصيام
ومما يعزى إليه من المطالع البديعة قوله:
وجه المشرقية ... بالأنوار مبرقع
قمر هي والأقمار ... من الشرق تطلع
وله من الأبيات العامرة قوله:
كشف الساق ندرة ملاح ذا الزمان
قامت قيامة قلبي وزادو هوان
فلا تعجب من قصتي يا فلان ... القيامة تقوم بكشف الساق
ويعجبني في باب الاستعارة والتشبيه قول أحمد القماح راجح رجاح مصر في بيت ومطلع:
كف الظلام أرخى على وجه الليل ... شعرية سودا وكحلو دون مرود
وبدى المصباح من بين جفونو يغسل ... بما الضيا كحل الظلام الأسود
البيت
وفي الأراضي قوم ترى شي نذهب ... وشي تصيبو قد زها واتفضض
النرجس أحداقو الشهل نعسانه ... إلا أنها من ذا الندا ليس تغمض
والأقحوان ثغرو ضحك وتبسّم ... وأصفر ويحكي لنا في الأبيض
مازعفران فوقه نصافي مطبوع ... ولا فصوص كارب في بلاد توجد
ولا بحال شمسات لجين مبرودات ... قد أسمرو فيها مسامير عسجد
وأبلغ منه في التشبيه وأبدع قول الحاج علي بن مقاتل في بيت زجل الخياط حيث قال:
قال فشبّة خدي وقم عرّض ... بالعارض أحسن صفات
قلت حلة وردية من أطلسٍ ... فيها جمع الشتات
وعليها دار الطراز تنبت ... رقم محلاه نبات
قال ما هو إلاّ ثوب شرب والخمر ... دم من تقتلو
فيه خيالات خيوطها تلعب ... ورق لاعب
من جفون يغزلوا
ويعجبني في الرشاقة والجزالة وتسيير الأمثال قول علي النجار قيم الشام في مطلع زجل:
جا سهدي سرق منامي ... راح باعوا بيع المسامح
وآش قلتو أنه خسر فيه ... كيف ما باع اللص رابح
وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ شمس الدين محمد بن الطراح قيم الشام على هذه الطريقة بيتاً من بعض أزجاله قوله:
شدة ما تدوم ... يا بني لا تسوم
إن العسر شوم ... والسماح رباح
يا أخا الأدب ما يتمكن الشاعر في بيت شعره من إرسال هذه الأمثال ولا يتوصل في باب إعرابه إلى فتح هذه الأقفال، فإن هذا البيت فيه ثلاثة أمثال سيارة ولفظة يا بني لا تسوم يصلح أن تكون مثلاً رابعاً.
وأنشدني لنفسه أيضاً على طريقة التورية مطلعاً بديعاً وهو:
غصني النضير في الحسن مالوا نظير ... وحياة هيف قدو ما نعشق سواه
وإن ميلوا عني نسيم الدلال ... وما عطف خلوه يميل مع هواه
ويعجبني في هذا الباب مطلع القيم أحمد بن العطار قيم الشام في الصراع وراجح الرجاح في الزجل وهو هذا:
على قامة قدّك في ليل شعرك ... أشرقت طلعتك وهي تامه
فعجبنا كيف ما يزول الظلام ... وادي شمس الضحى على قامه
وأنشدني من لفظه لنفسه الكريم مولانا قاضي القضاة عماد الدين إسماعيل بن القضامي تغمده الله برحمته ورضوانه بيتاً من زجل جعله لمصونات التواري حذراً وهو هذا

(1/14)


لولا أنت يا حاجبو تحجبني ... ماذا ورد سايل دموعي محروم
ولولا أنت يا قواموا عادل ... قتلتني من زمان فيه مظلوم
ولولا أنت يا عذارو نمام ... بثيت إليك سر حالي المكتوم
ولولا أنك ياردفو مثقل ... بحمل شوقي إليه ثقلتك
ولولا أنك يا جفنو مكسور ... لكنت دين الوصال كفلتك
انظر أيها المتأمل إلى هذه الجزالة والرقة والسهولة مع إطلاق أعنة التورية واجتناب العيوب المنهي عنها في نظم الزجل.
ومن ذلك قولي في بعض أزجالي في بيت هو:
شكيت لساقو حالتي ... وقلت لو كم ذا الجفا
أظهر لي وجهين وانثنى ... وخلف لي عرقوب في الوفا
ناديت وقد أمسيت فقير ... إليه نريد منو الصفا
ما هو فقيري في الطريق ... يا جاعل السادات خدم
تمشي بوجهين بيننا ... والناس تقول صاحب قدم
ومنه قولي:
لاحظني بالالحاظ وقال ... آش قلت ناديت يا قمر
هذي مسالك ضيقة ... تقتلني في لمح البصر
قال لي ورسام عارضي ... حين بان على ورد الخفر
قال إن مرسومو شريف ... في طي منشور وحكم
آش قلت في هذا العذار ... فقلت هو كما رسم
ومنه قولي تابعاً ذكر العذار:
قال لي عدو لك قد راه ... لام قلت يا زين الوجود
لام كي تكوي مهجتي ... في نصبها بين الورود
وهي بلامين دايرة ... بيني وفي لوح الخدود
قلم عذارك قد جرى ... حين أحكمو باري النسم
قلي صحيح يا عاشقي ... جرى القلم بما حكم
ومنه قولي:
رنا لي بسهام المقل ... ناديت بآمال خايبه
يا دمعتي لا تسبلي ... هذي مصيبة صايبه
قلي وقد أمسيت مصاب ... ولي غداير شايبه
بحياتي أقسم يا قتيل ... إن الذي أحيا الرمم
قسم لي ذا الحسن البديع ... فقلت وحياتك قسم
وقلت في بيت من غير هذا الوزن وهو:
عارضو لما عشق خدو ... غرت من وجدي بقيت حاير
جيت إلى طرفو وناديت لو ... إحرسو وكون عليه ناظر
بعد حين نظرت في خدو ... النقي العارض وهو داير
وعليه قد دب بالسرقة ... جيت لطرفو قلت يا كسلان
هكذا هي عادة الحراس ... قلي اعذرني أنا نعسان
ومنه قولي:
قلت لو قد ذبت في عشقك ... وضنيت قلي الخبر عندي
قلت لو دمعي قد اتلون ... ويجري اليوم على خدي
دار إلى إنسان مقلتي قلو ... أنت ما عندك نظر بعدي
ما ترى ما قد جرى منك ... على خدو قلو يافتان
دخل الماتحتي من بعدك ... راقب الله ما أنا إنسان
ومنه قوله:
بدر شعبان منيتي لما ... في بروج السعد لاح نجمو
شلت ليه قصة بفيض دمعي ... أطلقوا وأجراه على رسمو
قلت لو دام الله إطلاقك ... فالحزين قلبي لشوم قسمو
إيش قد أذنب حتى فطرتو ... راد يوري قولي بالبهتان
قال يصوم عن الوصال ناديت ... ليس نصوم يا بدر في شعبان
وقلت في غيره من زجل مطلعه هو:
ناديت لمن شرقني حين غربني ... بدمعي قبلني وارحم ترحم
وقول نعم وانعم على مشتاقك ... قال: ميل إلى خدي لأنو أنعم
قلي نهار صف وجنتي والعارض ... وارعى النظر ناديت يا غصني الناضر
شعة الورود حين ضاع شذاها الموجود ... رأيت طراز الآس عليه صار داير
قلي وخالي والجبين ناديت ... لو بلال يراعي الصبح بأمر القادر
قال هات صفات شعري وسرح باحسان ... في التورية واظهر لي معنى يفهم
فقلت لو الله قد أسبغ ظلك ... إلا أنت جيت ظالم وشعرك أظلم
ومنه قولي

(1/15)


دعى إلى الروض ماس بأهيف قدو ... فغنت الأطيار فرح بالخاطر
راد الغصن يحكي هيف خطراتو ... قام ناظرو في اللين ودا شي ظاهر
واعوجاج قدو يقول القايل ... إني على غير العدالة ساير
حكم نسيم الروض بقطع أكمامو ... والزهر من فوقو عليه ابتسم
فقلت يا مقصوف وعادل قدو ... كم لي أقيمك ونت ما تتقوم
ومنه قولي
يوم زارني طايع بقرب العاصي ... وماه قد أصبح مثل عيشي رايق
أسقاني من بارد لماه مشروبي ... أنساني أيام العذيب في بارق
وفي حرم حسنو تمتع طرفي ... عند السقاية في مقام الفايق
قال يا بن حجة فوز بهذي الوقفة ... فما بقي قعده لمن هو مغرم
وبعد ذا زمزم وغاب في الحضرة ... يا محلا في وسط المقام ما زمزم
وسألني بعض مشايخ حماة المحروسة كل منهم من أدرك الحاج علي بن مقاتل رحمه الله تعالى، وأنا إذ ذاك في عنفوان الشبيبة ومبادىء النظم أن أعارض لهم زجلاً من أزجاله، وها زجل قافيته لامية، ذكروا أن الحاج علي المذكور كان يتغالى به في المجالس كثيراً، فعارضته وأثبت الزجلين هنا ليتفكه المتأمل في جنى الجنتين ويتنزه في حدائق الروضتين، فزجل الحاج علي بن مقاتل رحمه الله هو:
يا مليح الشباب يا حلو الشمايل ... إن عينيك تعمل في قلبي عمايل
فيها فترة تخطر لمن بها يجهل
إنها سهلة والمنون منها أسهل
ورباب الفضل والتشابيه يا شهل
قالوا عينيك نرجس وصدغيك خمايل ... صبتها أسياف معقربات الحمايل
من ذا يحمل حور العوينات بتاعك
وأنت سلطان على المعاشيق وماعك
رمح قامة بلينها اشتد باعك
وحواجب قسي على جفن نابل ... سهمها أنفذ في القلب من سحر بابل
قلي إنسان هذا الذي تثني عنو
وتقول في مديحك أنو وأنو
ما رأيت في الملاح مليح أحلامنو
قلت لو لا فتش وقايس وقابل ... وعلى هينتك هذا العام وقابل
راح عذولي كما وصيتو وجاني
وقال الله محبوبك ابن الفلاني
قلت: هو هو ومن بعشقو بلاني
قلي ذاك الذي ألف قدو مايل ... عند صحبي المعشوق فليس لو مماثل
موطا خلقو مليح وما أعلا قدرو
وما أترف صدرو المبرز في خدرو
قلي قلي واش وصلك إلى صدرو
قلت نهديه ممزقات الغلايل ... هي المدلة وكل شيء لر دلايل
وزجل المعارضة قولي وهو:
حبي واصل ناديت لو حين راد يفاصل ... لا تقاطع بالحرمة يا حبي واصل
يا عذارو عليش تسيل عند ذكرو
ويا ردفو بسك تزيد على خصرو
ويا طرفوكم ذا الكسل وأنت يا شعرو
كم تجي عرض لاصطباري تحاول ... لله أقصر لا كم في عشقي تطاول
عند قسمة محاسنو عز مجدو
قام عذارو وجرى على صحن خدو
وعلى الخصر أسبل الردف بعدو
والصباح قال أنا على وجهو قابل ... والشعر قال أنا على أقدامو سابل
وحن أصبح غنى في حسنو وظرفو
أبصرو نهر دمعي صار يجري خلفو
علم أنو سايل رمقني بطرفو
وأراد ينهرو ناديت بالوسايل ... لا تخوض يا حبيبي في نهر سايل
في مديح ثغرو لي عقود جوهرية
وفي ريقو ألفاظي جت سكرية
وحن أسبغ لي ظل شعرو عليه
صار مقيلي وكيف لمدحو نقايل ... وقد أظهر فخري على كل قايل
في الأصايل عاتبت بدري رثى لي
وحلف لي أنو ما يقطع وصالي
والتفت نحوي قلت لو يا غزالي
طيبة أصلك دلت عليها الخصايل ... وأنت غرة بدر تشرق لنا في الأصايل
وحن أخصب بالحسن روضة خدودو
ورياض وصلي أمحلوا من صدودو
قلت خاف الإله يا ناقض عهودو
تدرو آش قلي لما أراد أن يماحل ... آش تقول في روض الوصال قلت ماحل

(1/16)


ولقد سهوت عن ذكر الشيخ إبراهيم المعمار ولو ذكرته قدمته في الترتيب، فإن المعمار رحمه الله ما شيد بيوت أزجاله بغير التورية والنكت الأدبية، وقد تقدم أنه ما كان يعد نفسه من فرسان العربية ولكن نبات الأدب الحلو كان مغروساً في طباعه، فمن ذلك قوله في مطلع زجل هو:
نيلنا أوفى وزاد بحمد الله ... ذي الزيادة حديثها قد شاع
فرحوا الناس وعبس الخزان ... بقا وجهو ذراع وقمحو باع
وقال في بيت من بليق:
ما بلي أحد بما ... قد بليت من العذاب
من نكد ومن غبن ... قلبي ذاب وراسي شاب
واعجبوا من شيخ حمل ... على كتفو أربع شباب
وما حين يثاقلوا ... آش أصف لك وآش أقول
ياما قاست السنا ... من هوى الأربع فصول
ومنه قوله:
عمري جندي الحلقة ... في بواكير لا تسال
كم قطعت من جبال ... وروابي وتلال
تقطع البر الطويل ... إلا إن كان بالجمال
ومراكيبي فلا ... ونجايبي فحول
ولي أهون ذي الجحوش ... من سنة تل العجول
واخبرك آش تم لي ... أمس مع وجه المليح
حين لزمتو قال لأبوه ... دا يريد مني القبيح
قام شحتني كان على ... راسي طول جديد صحيح
وقع الطول ما التفت ... استحيت من ناس عدول
رحت راسي منكشف ... واستتر عرضي بطول
وعشق قلبي صبي ... قبطي شغلو الديونا
اشتغل بو خاطري ... وبقيت في عنونا
منيت لو ناظر على ... قتلتي عامل ونا
ضاع حسابي في هواه ... حن ترك لي فيه نزول
ونصرف من حاصلي ... ولا ريت منو وصول
وحصل عندي مليح ... كان في تحصيلو فرص
هكذا صيد الغزال ... لا تقول صيد القنص
دا مليح زايد كثير ... حن رآه رقص
وانذهل لما رآه ... وحصل عندو حصول
صار يقول ذا ابن من ... قلت قوم بلا فضول
ومغنينا ذا البديع ... كنت نهواه بالسماع
حن دخل لا منزلي ... قلت ذي قوة طباع
حيتوتركس ضربو ساز ... ولو نغمه في الإقاع
بالقضيب وقعت لو ... قال أراك تدري الأصول
وخصاك صفق مليح ... إلا هو عايز دخول
ومن مطالعه اللطيفة قوله:
منعونا ما العنب يسين ... رب سلم لا يمنعونا التين
ومنها:
في ذي المناحيس الأوباش ... أقوام عرر ساسه أطراف
يتحدثوا فينا بالسين ... وسبهم بالزين والكاف
ومن بلاليقه المشهورة قوله:
مثقال حشيش من ذي الخضرا ... يساوي عندي ألفيين خمرا
منه:
مالذ عيشي حين نسكر ... بذي البزيرة ونحكر
ومن يلمني في الأخضر ... قصدو يتور بي الصفرا
ومنه:
نذكر نهار في باب اللوق ... وأنا من السطلة مخنوق
ريت مغربي فتنة مخلوق ... ناديت لو مور قليّ أرّا
دورت بو ديك الدورا ... جئنا مكان يسمى الجورا
عبرت وحدي الفاخورا ... عديت عليه ألفين جرا
دار قلي ما عندك حنا ... أش دي المصيبة قوم عنا
دخيلك أولد الحرا ... ناديت لو أصبر لي سنا
عاد قلي ضاقت أنفاسي ... أهلكتني كم دا قاسي
واش بالله قلبك دا القاسي ... مالو شبيه إلا الصخرا
ايش دي المصيبة والدهيا ... مثلك ماريت في ذا الدنيا
يا ابن المقطوع أنت ما تعيا ... إيش من حديد هدي الزبرا

(1/17)


قلت: ومن أراد لم شمل التورية واستجلاء بديعها وغريبها فلينظر في زجلي الذي مدحت به النبي عليه السلام ووريت في بسور القرآن العظيم فإنه جاء في هذا الباب نسيج وحده وهو:
يا محمد آيات هداك فاتحه ... باب هدى الناس رب الفلق هاداك
ولا خلاص مجدك تقول تبت ... يد من عاندك ومن عاداك
لما أضحيت بالنصر في رفعه ... رجع الكافرون بلا اهتدا
وإلهك أجرى لك الكوثر ... ورأيت ما عطيت يا نور الهدى
وكم أظهرت في قريش آية ... يا محمد ألم تر للعدى
همزة في تعب وعصر القلوب ... وإلهك نادى لمن غازاك
يا أعادي محمد ألهاكم ... جهلكم ونت نعم ما جازاك
كم أمم سايره على القارعه ... فوق نياق عاديات إليك للأبد
وكم أرميت في المشركين زلزله ... لم يكن هذا القدر حازو أحد
والذي قال لك إقرأ لو ناديت ... بأمرو المتين أجاب نداك يا حمد
وشرح لك وقال ألم نشرح ... في كتابو وأظهر ضحى نور سناك
وعرج بيك والليل إذا يغشى ... إلى سابع سما وأعطاك مناك
شمس سعدك حين أشرقت في البلد ... وظهر فجر الحق غاب النفاق
هذي أنوار على العيون غاشية ... يا محمد سبح على الإطلاق
ونت عمرك طارق بروج العلا ... وأعاديك بالغبن في الانشقاق
وحين أمسوا مطففين الكيل ... بانفطار القلوب قضوا بشراك
وإذا الشمس كورت يبقوا ... في عبس من ضلالة الإشراك
لا تسل يوم النازعات عما ... تلتقي أعداك يا مصطفى لأجلك
ونت آيات الختمة ليك مرسلات ... هل أتى في يوم القيامة أحد مثلك
والله يا مدثر ومزمل ... أسمع الجن في الكتاب فضلك
ونت بك نوح نجا وموسى سأل ... أن يكون لك وزير وقد رجاك
حقت الحاقة أنك المصطفى ... لو تناجي في البحر نون ناجاك
فتبارك من أرسلك لينا ... جيت بتحليل أمور وتحريم أمور
والزواج حللتو لنا والطلاق ... ونهار التغابن المذكور
ياما يلقى المنافقون ومتك ... وقفة الجمعة صفها مشكور
لنها صابرة وبالصبر ممتحنه ... وفي يوم الحشر تبغي نداك
ونت كم لك مجادلة والحديد ... ما يقع يوم الواقعة أعداك
والإله الرحمن رفع مجدك ... بانشقاق القمر يا نجم الكمال
ورتفع طود عزك وأعين عداك ... للدموع ذاريات من الاشتعال
قاف تراها في حزبها يا من بنى ... حجرات الإسلام بفتح القتال
فوق الأحقاف جت جاثية والدخان ... قد محى زخرفها واظهر حماك
وأتت أمرها يكون شورى ... فصلت بالعذاب وغافر حماك
كانت أعداك زمر وطير سعدك ... صاد جوارح صافاتهم بالعذاب
والله أسماك يس بقيت فاطر ... للأعادي يا من سبا الأحزاب
وبسجدة شكرك عطيت حكمه ... ما عطيها لقمان وقولي صواب
وبسعدك كسرت جيش الروم ... وعليك سدى العنكبوت وخفاك
عن عيون العدى وجا فيك قصص ... عدد النمل جل من اصطفاك
شعراء الوقت حواليك فرقان ... في مديحك حارو بصحب النور
أفلح المؤمنون بحج البيت ... لما زاروك والأنبياء بالظهور
بشروا بك يا طه ومن سعدك ... ابن مريم بشر وادي النذور
عسى أنو يراك يكهف الأمم سود ... فسبحان من قد أراد ارتقاك

(1/18)


وعلى النحل حجر مسكنها ... ضاق من الاشتياق إلى ملتقاك
بحمد الله منجى إبراهيم مرسل ... قاصف الرعد والسحاب الثقال
نجا يوسف وهود ويونس ... وهو قابل التوبة زايد الأنفال
ولو أعراف تنشق بانعامو ... مائدة رزقو للنساء والرجال
واصطفى من قديم لآل عمران ... بين آدم ومن ضلالك هداك
وفي عيد الأضحى نراك تذبح ... بقرة تجعلها بسبعة فداك
قلت: وهنا فوائد ينبغي أن نختم هذا الكتاب بها، منها أن الزجل في اللغة هو الصوت، يقال: سحاب زجل، إذا كان فيه الرعد، ويقال لصوت الأحجار والحديد والجماد أيضاً: صوت وزجل، وقد وريت بذلك في براعة استهلال الخطبة بقولي: الحمد لله الذي علا زجل الملائكة في عالم الملكوت بحمده. وإنما سمي هذا الفن زجلاً لأنه لا يلتذ به وتفهم مقاطع أوزانه حتى يغنى به ويصوت، وقد قسمه مخترعوه إلى أربعة أقسام يفرق بينها بمضمونها المفهوم لا بالأوزان واللزوم، فلقبوا ما تضمن الخمري والزهري زجلاً، وما تضمن الهزل والخلاعة بليقاً. وما تضمن الهجاء والثلب قرقياً. وما تضمن المواعظ والحكمة مكفراً، وهو مشتق من تكفير الذنوب، وأطلقوا على كل ما أعرب بعض ألفاظه من هذه الأربعة لقب المزنم.
وشرط أبيات الزجل أن تكون أربعة، والدخول على المطلع مقام بيت آخر، وهذا شرطهم في البدية، فإن زاد على ذلك كان مقبولاً وإن نظم أقل من أربعة أبيات كان ناقصاً.
وأما الدخول على المطالع فهو التضمين بعينه، ولكن تسمية الزجالة دخولاً، ويأتون فيه العجايب والغرايب، وقد تقدم قول الشيخ عز الدين الموصلي في الزجل:
وله محاسن كلهن بدائع ... وله جموع فرقت وطرائق
فكأنه الثوب المجندر طرقه ... لا تستقيم وفيه معنى رائق
فالزجل بهذا الاعتبار فن معتبر بخلاف بقية الفنون تطفل أعيان الشعراء على نظمه، فمنهم من ابتسمت له ثغور كاساته عن شنب الحبيب، ومنهم من لم تسمح له بالتقبيل وفاته الشنب، وناهيك ببديهة الحاج علي بن مقاتل مع رسيلة الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي رحمه الله تعالى، فإن أهل دمشق وحماة المحروستين بذلا بسبب ذلك جعلا، واضطراب الإقليمان، واتصلت القضية بمولانا السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون سقى الله ثراه وأدخل فيها الشيخ جمال الدين بن نباتة مع أثير الدين بن حيان وابن سيد الناس، وكتبوا تقاريظ تقضي أن زجل الحاج علي بن مقاتل هو الغالب.
وأما أهل دمشق فإنهم كتبوا بخلاف ذلك، لكون ابن الأمشاطي من عندهم، وكانت تقاريظ المشايخ بين أوراقي، وإنما في محنة اللنك ذهبت مع الكتب، ومطلع الأمشاطي:
لك خديح. مذ حاز ملح. روضو اصطبح. فيه واغتبق
خال لون سبج. يسبي المهج. زهرو خرج. وظهر فرج
من هام. به ليس يلام
ومطلع ابن مقاتل:
طرفي لمح. بدري اتضح. لي فيه ملح. ماعو حدق
إذا اختلج. فيها الدعج. يسبي المهج. ولو نسج
رقام. عذارو لام
قلت: هنا نكتة لطيفة أدبية خطر لي أن أتحف المتأمل بها، وما ذلك إلا أن القطاعين بين الرجلين بدمشق المحروسة قالوا للأمشاطي: لابد أن تأتي باسمك في أول مطلعك بحيث نعلم زجلك من زجل ابن مقاتل، والمطلع مع قصر ألفاظه مشتمل من القوافي على عشرة مرصعة في كل قرينة، ولفظة أحمد يضيق عنها في المطلع قصر الألفاظ فألجاته الضرورة إلى الدمج وقال: لك خديج. قد حاز ملح والله أعلم.
والفرق بين المطلعين في الحسن ظاهر، وإلى الآن لم يجسر أديب أن يعارض الزجلين لكثرة القوافي وضيقة المسالك، ولكن نظم الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي بعد البدية زجلاً وجهزه إلى المغرب عاد مختلفاً ونظم الحاج علي بن مقاتل زجلاً خضع له أهل المشرق والمغرب موجهاً في خياط، وقد عن لي أن أختم هذا الكتاب بالزجلين ربما يحسن به الختام فزجل الأمشاطي:
أعشق لك من الأكياس ... معشوق وأنفق الأكياس
ون أوعد. وانعم. أنهب. وإن صال. إن هان. وأرفع قدرو
فوق العين وفوق الراس
سبحان من لي قد أبلا ... يمن للجسد أبلى
قلبي يسلا فيه إلا ... عن عشقو ما يتسلا

(1/19)


مملح يالله ما أحلا ... ما ظهر لي في أعلا
غصن قامتو المياس ... خد فيه رياض أجناس
مورد. مرقم. مذهب. فيه خال. جنان. يمنع زهرو
يجني والعيون حراس
زاد معشوقي في هجري ... وخلا الدموع تجري
ومن طول جفاه صدري ... قد ضاق واتسع ضري
وضاع من وقوف أمري ... في الياس والرجا عمري
ووتر للنكد أقواس ... صار قلبي لها برجاس
ما انكد. ماأعظم. مصعب. أحوال. حيران. ضيع عمرو
ما بين الرجا والياس
شامتو من العنبر ... وعنقو من المرمر
وريقو من السكر ... ولفظو من الجوهر
وخدو شقيق أحمر ... أنبت آس عذار أخضر
وثغرو الزكي الأنفاس ... ليس إليه ثغر ينقاس
منضد. منظم. مغرب. اشغال. رحمان. رصع درو
وأنبت في الشقيق الآس
قلي بدري دي الكامل ... حن رأى الرقيب غافل
عن عشقي بقيت مايل ... خوف من ضدي والعاذل
ناديت والجسد ناحل ... وفيض الدموع سايل
قول آش ما شتهيت لا باس ... أن تدري خلاف الناس
ونشهد. ونعلم. من حب. لو مال. ما كان. وسع صدرو
لهذا الهم والوسواس
قطعت النهار سكران ... بالكاسات بالعيدان
من خمر رقيق ملوان ... على روض زهر ألوان
مع ندمان وأي ندمان ... ومعشوق مليح فتان
وساقي ظريف لباس ... حن جا سلطان الأغلاس
مؤيد. على أدهم. يسحب. أذيال. نيران. شعشع خمرو
أضاء الكاس بحال مقياس
الأمشاطي من فضلو ... ومن اعتدال عقلو
شهد كل عاقل لو ... لما أن سمع زجلو
وقال ما رأى مثلو ... من بعدو ولا قبلو
في بحر الأدب غطاس ... وفي أعلا الرتب دواس
من أحمد. ماجا نظم. ولا رتب. زجال. بلسان. ينشد شعرو
ون راح يسكر الجلاس
وزجل الحاج علي بن مقاتل الذي سارت به الركبان بقافية واحدة، لأنه استخدم معاني التورية، ورسيلة استخدم الألفاظ لترصيع كثرة القوافي التي عجز عن ترصيعها أهل عصره. ومطلع الزجل:
نهوى خياط سبحان تبارك من ... بالجمال جملو
بالمفصل وآية الكرسي ... نرقي شكلوا الحلو
دي لخليع الجديد نهار قلي ... لفظ عقلي قمر
صف جبيني وشعري في تفصيل ... نظمك المبتكر
قلت خيط الصباح يفتح ذيل ... الدجى في السحر
قلي قصرت بل هو ستر الله ... حن عليه أسبلو
حايك الزرقا فاتق الخضرا ... بالهلال كللو
قال فطيل في خدي وعرض ... بالعارض أحسن صفات
قلت حلة وردية من اطلس ... فيها جمعات شتات
وعليها دار الطراز نبت ... رقم محلاه نبات
قال ما هو إلا ثوب شرب والحمرة ... دم من تقتلو
فيه خيالات خيوط ورق لاعب ... من جفون يغزلو
قلت كف العتاب في الصنعة ... فما في ذا القياس
أطواقي عايزة تمنطقها ... بذراعين تباس
واكسني ثوب وقار ولبسني ... بالفتوة لباس
ون جا تخليصي عرض بين إيديك ... بالوصول طولو
ون قصر باعي عن صفة مدحك ... بالوفا ذيلو
جاز في بستان مشهر القمصان ... من بكير صابحو
مثل كف المنثور في كمو ... حن وقف صافحو
وقميص الشقيق من أكمامو ... يا لخجل فاتحو

(1/20)


وقضيب الخلاف وقف عراه ... فرو حين فصلو
وأوثق ازرار الورد في جيبو ... وعليه فضلو
خاط لي ثوب من سقام قصير نسجو ... طال بحكم القدر
حتى إن البدن لضعفي ضاع ... في عيون الإبر
راح عذولي بشكلي لو اشتكل ... ومقص الخبر
وجا مذبوح القلب متمزق ... ونسي آش قلت لو
ولا فرج لو كرب عن قلبو ... ولا عن مرسلو
دي الحسيني نبيقة العشاق ... كم قد أخلى جيوب
وبزوره من العيوب كم لو ... تجرحه في القلوب
قلت فضه نملا لك الجيب زور ... ولي فرج كروب
خلا سري المكتوم مشهر فيه ... والذي نسألو
جيبو مقلوب وراب على غير ... الاستوى فصلو
جا الفقيه في حبيبي يعذلني ... ويرقع كلام
قلت دعني فقيه في تمزيقي ... بس تلفق كلام
قلي حبك لو ظلم سلارى ... قترى والسلام
سلب إسلامي لما حدرني ... عند باب منزلو
وقطع عاتقي وضربني ... واش معو نعملو
قلت هذا سلطان على كرسيه ... إن هو جار أو عدل
لو طعن في قبايل العشاق ... بالقنا والأسل
ولو انو يستعرض أتباعو ... بالسروج والحلل
والملك لو الترتيب في أجنادو ... واش ما قال يقبلوا
ولو رام الركوب على الأكتاف ... يحتجوا يحملو
قال فشبه مقصي والغزلي ... فيه وفي الكستبان
قلت فيهم تركيب على تضريب ... على تخريم بنان
من عذارك والقد والمبسم ... وهو بنت العيان
وهي لام لك والعذول يدري ... آخرو وأولوا
واكتبوا في تغازل الألغاز ... وانقطعوا واشكلوا
بعد طيب الوصال قطع وصلي ... ووصل النقطاع
حتى خلا بيني وبين الموت ... إما باع أو ذراع
ويرى ظاهري صحيح لكن ... باطني في النزاع
ون هو طول شقة بعادي ... والانقطاع أوصلو
جهزوا القطن والكفن والما ... وغسلوا وفصلوا
ذا الكلام ينخلع ويتفرد ... ويفصل مليح
ويفرج ويندرج أصلو ... ويفتح صحيح
ويبطن من حبكة التحريم ... ويزرر ولو
انو يطوى وينتشر موزون ... آخرو وأولو
ذا الزجل قاسيون على الأعدا ... جد ما فيه سخف
وعلى أرباب المعرفة من ريش ... النعامات أخف
للصغير والكبير نقول عني ... واحذر احذر تخف
لا تزيدو على علي وإن كان ... تشتهوا تعملوا
هذا الأبلق والشقرا والميدان ... اركبوا وادخلوا

(1/21)


هذا آخر ما ألفته من فن الزجل، وأوردته على أئمته من المغاربة وأهل مصر والشام من العيوب التي نهوا عنها واستعملوها، وما أوردته من المحاسن البديعة للفريقين، وقد سميته بلوغ الأمل في فن الزجل، ولعمري إن التسمية هنا تطابق المسمى، فإن الطالب لم يبلغ أمله من غير هذا الكتاب، ولو طلب هذه المحاسن والفوائد من غيره توارث عنه بالحجاب أقولها لو بلغت ما عسى، والطبل لا تضرب تحت الكسا، والمسؤول من الله الذي نرجو مراحمه أن يمن بحسن الخاتمة، والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قلت: تقدم وتقرر أن الفنون سبعة لا خلاف في عددها بين أهل هذه البلاد، فالشعر قد شعر الناس بإعرابه وإعراب ما أضيف إليه من فن الموشح والدوبيت، وقد تقدم أيضاً قولي في الفرق بين الموشح والزجل، وهذه الفنون الأربعة وهي الزجل، والمواليا، وكان وكان، والقوما ما للعربيات في مدائن لحنها مجال، ولما قالت سهولتها بتحريم الإعراب قال الناس: هذا هو السحر الحلال، تجذب للمتأدب طبعها بسهولة مجونها إلى الخلاعة، وإن لم يلق المبلغ على تدبير مصطلحها جابر كان أجنبياً من الصناعة. والزجل أعلاها رتبة. وتقدم قولي: إن أوزانه ما انحصرت عدداً وسبله متشعبة فهي تتلو الطرائق قدداً.
وقد عن أن أنظم شمل الزجل بإتباعه من الفنون الثلاثة وهي: المواليا وكان وكان، والقوما. وصار في الخاطر إلى ذلك انبعاث، وهذه الفنون تختلف بحسب اختلاف المخترعين واختلاف البلاد وتفاوت الاصطلاح، فمنها وزن واحد وأربع قواف وهي المواليا، وسموه البرزخ لأنه يحتمل الإعراب واللحن، وإنما اللحن أحسن وأليق، وإنما كان يحتمل الإعراب في أوائل استخراجه لأن أهل واسط اخترعوه من البحر البسيط وجعلوا كل بيتين منه أربعة أقفال بقافية واحدة وتغزلوا به ومدحوا وهجوا والجميع معرب، إلى أن وصل إلى البغاددة فزادوه باللحن سهولة وعذوبة، وما قصد بقولهم: إنه يحتمل الإعراب واللحن، أن يكون بعض ألفاظ البيت معربة وبعضها ملحونة، فإن هذا عندهم من أقبح العيوب التي لا تجوز عندهم البتة، وهو التزنيم في الزجل، فإنما المقصود أن يكون المعرب منه نوعاً بمفرده ويكون منه ملحوناً باصطلاح المتأخرين لا يدخله الإعراب، كقول القائل:
أعبر على الباب قالت من لغيري دون ... أيا سمير السرى خلف المعنى كون
هيا تربع تدحرج دا ندفف جون ... نما إذا كان لنا حاجة بذلي بون
الفن الثالث
الكان وكان
وله وزن واحد وقافية واحدة، ولكن الشطر الأول من البيت أطول من الشطر الثاني، ولا تكون قافيته إلا مردوفة قبل حرف الروي بأحد حروف العلة، ومخترعوه البغداديون، ثم تداوله الناس في البلاد. وسمي بذلك لأنه أول ما اخترعوه لم ينظموا فيه غير الحكايات والخرافات والمنصوبات فكان قائله يحكي ما كان وكان، إلى أن كثر واتسع طريق النظم فيه، فنظموا فيه المواعظ والرقايق والزهديات والمواعظ فيه أكثر منها ابن الجوزي نور الله ضريحه وحلت بهذا الألباب ولكن البغاددة لم يقصدوا غير تسيير الأمثال وكثرة المماجنة والخلاعة، فمن ذلك قول القائل منه:
لنا بغمز الحواجب ... كلام تفسيرو منو
وأم الأخرس تعرف ... بلغوة الخرسان
لا شي بلاشي تأخذ ... إن لم تقدم تقدمه
فازرع إذا ردت تحصد ... غدا يجي نيسان
إن كنت تعشق وتفزع ... من لا يجي ليلة غدا
ما في شروط المحبة ... عاشق يكون فزعان
لقمة من القدر تكفي ... لمن يشم الرايحة
ونصف لقمة تتخم ... لمن يكو شبعان
قبل كفوف أضدادك ... حتى يلوح لك قطعها
فإن ظفرت فقطع ... عروقها بأمان
كم يصبر التاج حتى ... يعلو على راس الملك
من حر ضرب المطارق ... والكور والسندان
وما ملك مصر يوسف ... حتى سجن وسقي غصص
من أخوتو وزليخا ... والقيد والسجان
لا تفرحي يا جديدة ... ما حب حدّ ما حبني

(1/22)


من فرد كلمة رماني ... كن الوفا ما كان
كل الذخاير تنفع ... حتى الذنوب السالفة
إذا ذكرها العاصي ... يستغفر الرحمان
والشخص يرمي كلمة ... من كان قريب يحرد لها
فكل من قال طاسة ... تخاصمو القرعان
ما نفرض إلا تحرد ... أحرد من أربع مية سنة
وأنت آش لك معنى ... إن لم تكن حردان
ومن لطايف البغاددة أيضاً في هذا الفن قول بعضهم وهو:
أنا عرفتو حظي ... إلى من أحسنتوا يسيء
لو كنت أعشق ظلي ... ما كنت قط أراه
فلو مشيتو مع ابني ... قالوا صبي قد ولفه
ولو حملتو مصحف ... قالوا كتاب الباه
أنا عليك إذا فزع ... وإلا على آش قلبي أنا
لا تلتقي في شبابك ... بعض الذي تلقاه
من حال ما أبصرك تنفر ... وتعفص أنفك بالحرد
كأنك بن الخليفة ... أو بن شاه هنشاه
قلت: ويعجبني قول القائل:
وحش وحق المصحف ... تكون سلطان الهوى
وما يكن لك قدرة ... تصبر على الهجران
ويعجبني أيضاً قول القائل:
الحار عندك بارد ... والنهر عندك منقطع
والعين صا ما فيها ... واش يعمل القوام
الفن الرابع
القوما
وله وزنان: الأول منهما، بيته مركب من أربعة أقفال، منها ثلاثة متساوية في الوزن والقافية والآخر هو الثالث أطول منها وهو مهمل بغير قافية.
والوزن الثاني منها بيته مركب من ثلاثة أقفال مختلفة الوزن متفقة القافية يكون القفل الأول منها أقصر من الثاني والثاني أقصر من الثالث.
ومخترعوه البغداديون أيضاً في دولة الخلفاء من بني العباس برسم السحور في شهر رمضان المعظم.
واشتقاق اسمه من قول المغنين للسحر كل بيت منه بعد غناء الرمل والجزل: قوما للسحور ينبهون به رب المنزل ويذكرون فيه مدحه والدعاء له وتقاضيه بالأنغام، فأطلقوا عليه هذا الاسم وصار علماً له. ثم لما شاع وكثر فيه التصنيف نظموا فيه الغزل والزهد وسائر الأعوان كما قبله من الفنون.
وقيل: إن أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر. والصحيح أنه مخترع من قبله، وكان الناصر يطرب له، وكان لابن نقطة ولد صغير ماهر في نظم القوما والغناء به، وأراد أن يعرف الخليفة بموت والده ليجريه على مفروضه، فتعذر ذلك عليه، فصبر إلى دخول شهر رمضان ثم أخذ أتباع والده من المسحرين ووقف في أول ليلة من الشهر تحت الطيارة وغنى النوبة بصوت رقيق فأصغى الخليفة إليه فأطربه، فلما وصل إلى القوما:
يا سيد السادات ... لك بالكرم عادات
أنا بني ابن نقطة ... وبيي تعيش إنت مات
فأعجب الخليفة منه هذا الاختصار وأحضره وخلع عليه وفرض له ضعفي ما كان لأبيه.
وهذا البيت من الوزن الاول الذي بيته بأربعة أقفال وثلاث قواف.
ولا ينبغي أن تنظم القوما إلا باللفظ العامي السهل الرقيق أسوة بالكان والكان بل أرق منه ألا ترى إلى رقة هذا البيت كيف أطرب الخليفة وكان معجماً كلفظ القريض لما حرّكه.
هذا الفن وما قبله من كان وكان لأهل العراق فيهما اليد الطويلة دون غيرهم من أهل البلاد؛ وربما تكلف بعض أهل البلاد لبعض الكان والكان دون القوما لاشتهاره ولكن فاته في نظمه الظرف العراقي وعذوبة الألفاظ. وكل بيت من القوما قائم بنفسه ك: المواليا و الدوبيت وكذلك إذا نظم الناظم منه قطعة كالقصيدة على رويّ واحد جاز له تكرار قافية كل بيت منها في آخره، فمن لطائف أهل العراق قولهم من ضروبات القوما وهو:
إن ردت تخطي بحور ... إجعل كفوفك بحور
وإلا فلا تتعشق ... قدودنا والنحور
ومثله في الظرف ثانياً قولهم:
يمي يريد عصفور ... ولا يكون نفور
يعبر لباب الحلبة ... يجي لباب الصور
ومثله في الظرف ثالثاً قولهم:
إنهض وصفي الخمور ... على الغنا والزمور
حتى نطاوع أمرك ... بما وتجري أمور

(1/23)


نحنا نحب الزهور ... على شواطي النهور
ما ننحصر بالوثايق ... ولا بخط المهور
ومثله في الظرف رابعاً قولهم:
بحتم وبحنا ... وافتضحتم وافتضحنا
لا نتم ربحتم ... ولا إحنا ربحنا
ومثله في الظرف خامساً قولهم:
حادي سراهم ... هل ترى عيني تراهم
هذي منازلهم ... ومأواهم وما هم
ومثله في الظرف سادساً قولهم:
كنا مالك. دون أخوالك. والك. سلتنا الله يجعلو
أول سؤالك. أقصر مقالك
قد سمج. قيلك وقالك. إن بدالك. في الهوى الله أقالك
ومثله في الظرف سابعاً قولهم:
كنتم حكيه شرحها ينقل إليه. أنتم هتكتم عرضكم. فأنا اش عليه
ذيك الحكية. قصرت عنكم خطيه. وقد غسلتو. من محبتكم يديه
هاذي النوية. من رطب ذيك الجويه. وقط حيه. ما تلد إلا حويه
نقل إليه. ما جنى في الزويه. وما بقي مكركم. يعبر عليه
ومثله في الظرف ثامناً قولهم:
أي قلب دعهم ... اش ترى أوقعك معهم
أنكفّ عنهم ... قبل ما تظهر بدعهم
لولا طمعهم ... بان قلبي ما يدعهم
ما خالفوني ... واظهروا فيه بدعمهم
ومثله في الظرف تاسعاً قولهم:
والحب الأغيد ... خبره كيف ثغرو المنضّد
يروي صحاح الجوهري عن المبرد
وهذا غير مابينوه من أوزان القوما أيضاً وتكلموا عليه. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
انتهى ما أوردته هنا من مصطلح الفنون الأربعة وهي الزجل، والمواليا، والكان وكان، والقوما، وما قد تقرر حذف الإعراب منها، وأنها لا تنظم إلا باللفظ الرقيق العامي لتخف على الأسماع.
قلت: والرسم الذي وضعته في كتابهم هو المصطلح عند المخترعين، فإذا نظر المتأمل إلى الرسم يعلم أن المصطلح عليه، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

(1/24)