صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

صوت
( لُبابُ هلْ عندكِ من نائلِ ... لعاشقٍ ذي حاجةٍ سائلِ )
( عَلّلته منك بما لم يَنَلْ ... يا ربَّما عَلَّلتِ بالباطلِ )
الغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لابن الهربذ خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه لمتيم رمل آخر من جامعها وفيه لحن ليونس غير مجنس وأول هذه القصيدة
( لُبابُ يا أختَ بَنِي مالكٍ ... لا تشتري العاجلَ بالآجلِ )
( لُبابُ داوِيني ولا تَقُتلي ... قد فُضِّل الشافي على القاتل )
( إن تسألي بي فاسألي خابراً ... والعِلْم قد يكفي لدى السائل )
( يُنْبيكِ من كان بنا عالماً ... عنَّا وما العالِمُ كالجاهلِ )
( أَنَّا إذا حارت دواعِي الهوى ... وأنصتَ السامع للقائل )
( واعتلج القومُ بألبابهم ... في المنطق الفاصل والنائل )
( لا نجعلُ الباطلَ حقَّاً ولا ... نَلُظُّ دون الحق بالباطل )
( نخاف أن تَسفَهَ أحلامُنا ... فنُخْملَ الدهرَ مع الخامل )
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني أحمد بن الهيثم الفراسي قال حدثني العمري عن العتبي قال
كان معاوية يتمثل كثيرا إذا اجتمع الناس في مجلسه بهذا الشعر

(22/128)


( إنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل )
( لا نجعل الباطلَ حقّاً ولا ... نَلُظُّ دون الحق بالباطل )
( نخاف أن تسفَهَ أحلامُنا ... فَنُخْملَ الدهرَ مع الخامل )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز قال
أخبرني خالي يوسف بن الماجشون قال
كان عبد الملك بن مروان إذا جلس للقضاء بين الناس أقام وصيفا على رأسه ينشده
( إنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السّامعُ للقائل )
( واصْطرعَ القومُ بألبابهم ... نقضي بحُكْمٍ عادل فاصل )
( لا نجعلُ الباطل حقّاً ولا ... نُلِظُّ دون الحق بالباطل )
( نخاف أن تسفَه أحلامُنا ... فَنُخْملَ الدّهرَ مع الخامل )
ثم يجتهد عبد الملك في الحق بين الخصمين
إخوانه ينقطعون عنه في افتقاره ويعودون عند اغتنائه
أخبرني وكيع والحسن بن علي قالا حدثنا أبو قلابة قال حدثنا الأصمعي عن أبي الزناد عن أبيه عن رجال من الأنصار
أن سعية بن عربض أخا السموأل بن عاديا كان ينادم قوما من الأوس والخزرج ويأتونه فيقيمون عنده ويزورونه في أوقات قد ألف زيارتهم فيها فأغار عليه بعض ملوك اليمن فانتسف من ماله حتى افتقر ولم

(22/129)


يبق له مال فانقطع عنه إخوانه وجفوه فلما أخصب وعادت حاله وتراجعت راجعوه فقال في ذلك
( أرى الخُلاَّن لما قلّ مالي ... وأجحفَتِ النوائبُ وَدّعوني )
( فلما أن غَنِيتُ وعاد مالي ... أراهم لا أبالك راجعوني )
( وكان القوم خُلاّنا لمالي ... وإخواناً لما خُوَّلْتُ دوني )
( فلما مَرّ مالي باعدوني ... ولما عاد مالي عاودوني )
ومن أشعار اليهود ويغنى به
صوت
( هل تعرِف الدارَ خفَّ ساكنُها ... بالحِجْر فالمُسْتَوىَ إلى ثمد )
( دار لبهنانةٍ خَدَلَجَّةٍ ... تضحك عن مثل جامد البرَد )
( نِعمَ ضجيجُ الفتى إذا برد الليلُ ... وغارت كواكبُ الأسدِ )
( يا من لقلبٍ متيَّم سَدِمٍ ... عانٍ رهينٍ أُحِيط بالعُقَد )
( أزجرهُ وهْو غيرُ مُزدجرٍ ... عنها وطرفي مقارِنُ السُّهُد )

(22/130)


( تمشي الهوينا إذا مشت فُضُلاً ... مشى النزيف المبهور في صَعَد )
( تظل من زَوْرِ بَيْتِ جارتها ... واضعة كفها على الكبِد )
الشعر لأبي الزناد اليهودي العديمي والغناء لابن مسجح ثقيل أول بالوسطى في الثلاثة الأبيات الأول عن الهشامي ويحيى المكي وفيها لمعبد خفيف ثقيل أول عن الهشامي وقال أظنه من منحول يحيى بن المكي وقد نسب قوم هذا اللحن المنسوب إلى معبد إلى ابن مسجح ولابن محرز في يا من لقلب وما بعده خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وذكر عمرو أن فيها لحنا لمعبد لم يذكر طريقته وذكر ذلك في - كتاب عملة الواثق - قديما غير مجنس وهذا الشعر يقوله أبو الزناد في أهل تيماء يرثيهم وذكر ذلك عمر بن شبة
ومن الغناء في أشعار اليهود من قريظة والنضير
صوت
( دورٌ عفَتْ بِقُرَى الخابور غيَّرَهَا ... بعدَ الأنيسِ سَوَافِي الرِّيح والمطرُ )

(22/131)


( إن تُمسِ دارك ممَّنْ كان ساكنَها ... وحشاً فَذَلِكَ صَرفُ الدهر والغِيرُ )
( وقد تحلُ بها بِيض ترائبُها ... كأنها بين كُثْبَانِ النَّقَا البقرُ )
الشعر للربيع بن أبي الحقيق روى ذلك السكري عن الطوسي وعن محمد بن حبيب والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وهو صوت مشهور ابتداؤه نشيد

(22/132)


أخبار الربيع بن أبي الحقيق
كان الربيع من شعراء اليهود من بني قريظة وهم وبنو النضير جميعا من ولد هارون بن عمران يقال لهما الكاهنان وكان الربيع أحد الرؤساء في يوم حرب بعاث وكان حليفا للخزرج هو وقومه فكانت رياسة بني قريظة للربيع ورياسة الخزرج لعمرو بن النعمان البياضي وكان رئيس بني النضير يومئذ سلام بن مشكم
لقاؤه بالنابغة الذبياني
أخبرني عمي ومحمد بن حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن الحسن الأنصاري قال حدثني الحسن بن موسى مولى بني مازن بن النجار عن أبي عبيدة قال
أقبل النابغة الذبياني يريد سوق بني قينقاع فلحقه الربيع بن أبي الحقيق نازلا من أطمة فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة وكانت

(22/133)


سوقا عظيمة فحاصت بالنابغة ناقته فأنشأ يقول
( كادت تُهَال من الأصوات راحلتي ... )
ثم قال للربيع بن أبي الحقيق أجز يا ربيع فقال
( والنَّفْرُ منها إذا ما أوجَسَتْ خُلُق ... )
فقال النابغة ما رأيت كاليوم شعرا ثم قال
( لولاَ أُنَهْنِهُها بالسّوط لاجْتَذَبتْ ... )
أجز يا ربيع فقال
( منِّي الزمامَ وإنِّي راكبٌ لَبِق ... )
فقال النابغة
( قد ملَّتِ الحبْسَ في الآطام واسْتعَفتْ ... )
أجز يا ربيع فقال
( إلى مناهِلَها لو أَنَّهاَ طُلُق ... )
فقال النابغة أنت يا ربيع أشعر الناس
أبان بن عثمان يتمثل دائما بشعره
حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري ومحمد بن العباس اليزيدي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني الحزامي قال حدثني سعيد بن

(22/134)


محمد الزبيري قال حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه قال
قل ما جلست إلى أبان بن عثمان إلا سمعته يتمثل بأبيات ابن أبي الحقيق
( سئِمْتُ وأَمْسَيْتُ رهنَ الفِراشِ منْ جُرْمِ قومي ومن مَغْرمِ )
( ومن سَفَهِ الرّأيِ بعد النُّهى ... وغَيْبِ الرشادِ ولم يُفْهَم )
( فلوْ أَنَّ قومِي أطاعوا الحليمَ ... لم يتعَدَّوْا ولم نُظْلَم )
( لكنَّ قومي أطاعوا الغواة ... حتى تعكّص أهل الدم )
( فأودى السّفيهُ برأي الحليم ... وانْتَشَرَ الأمرُ لم يُبْرَم )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا معاذ عن أبي عبيدة قال قال الربيع بن أبي الحقيق يعاتب قوما من الأنصار في شيء بينهم وبينه
( رأيتُ بني العنقاء زَالوُا ومُلْكُهُمْ ... وآبُوا بأَنْفٍ في العشيرة مُرْغَم )
( فإن يُقْتَلوُا نَندمْ لذاك وإن بقُوا ... فلا بدَّ يوماً من عُقُوقٍ ومأتَم )
( وإنّا فُويقَ الرأس شؤبوبُ مُزْنَةٍ ... لها بَرَدٌ ما يغشَ مِ الأرضِ يَحْطِم )
صوت
( ولنا بئرٌ رَوَاءٌ جَمَّةٌ ... مَن يردْها بإناء يغتَرفْ )

(22/135)


( تُدْلَجُ الجونُ على أكنافها ... بدِلاءٍ ذاتِ أمراسٍ صُدُف )
( كلّ حاجاتيَ قَد قَضّيتها ... غيرُ حاجاتِيَ من بطن الجُرُف )
الشعر لكعب بن الأشرف اليهودي والغناء لمالك ثقيل أول عن يحيى المكي قال وفيه لابن عائشة خفيف ثقيل ولمعبد ثاني ثقيل قال يحيى في كتابه وقد خلط الرواة في ألحانهم ونسبوا لحن كل واحد منهم إلى صاحبه وذكر الهشامي أن فيه لابن جامع خفيف رمل بالبنصر وفيه لجعدب لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس

(22/136)


أخبار كعب ونسبه ومقتله
كعب بن الأشرف مختلف في نسبه فزعم ابن حبيب أنه من طيىء وأمه من بني النضير وأن أباه توفي وهو صغير فحملته أمه إلى أخواله فنشأ فيهم وساد وكبر أمره وقيل بل هو من بني النضير
وكان شاعرا فارسا وله مناقضات مع حسان بن ثابت وغيره في الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج تذكر في مواضعها إن شاء الله تعالى وهو شاعر من شعراء اليهود فحل فصيح وكان عدوا للنبي يهجوه ويهجو أصحابه ويخذل منه العرب فبعث النبي نفرا من أصحابه فقتلوه في داره
ذكر خبره في ذلك
كان كعب بن الأشرف يهجو النبي ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان النبي قدم المدينة وهي أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة النبي ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان ومنهم اليهود وهم أهل الحلقة والحصون وهم حلفاء الحيين الأوس

(22/137)


والخزرج فأراد النبي إذ قدم استصلاحهم كلهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشرك ويكون مسلما وأخوه مشرك وكان المشركون واليهود حين قدم النبي يؤذونه وأصحابه أشد الأذى فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم وأنزل في شأنهم ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) الآية وأنزل فيهم ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ) إلى قوله ( واصفحوا ) فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي وأصحابه أمر النبي سعد بن معاذ أن يبعث إليه رهطا فيقتلوه فبعث إليه محمد بن مسلمة وأبا عبس بن جبير والحارث بن أخي سعد في خمسة رهط فأتوه عشية وهو في مجلس قومه بالعوالي فلما رآهم كعب أنكر شأنهم وكان يذعر منهم فقال لهم ما جاء بكم فقالوا جئنا لنبيعك أدراعا نستنفق أثمانها فقال والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم مذ نزل بكم هذا الرجل ثم واعدهم أن يأتوه عشاء حين تهدأ أعين الناس فجاؤوا فناداه رجل منهم فقام ليخرج فقالت امرأته ما طرقوك ساعتهم هذه بشيء مما تحب فقال بلى إنهم قد حدثوني حديثهم وخرج إليهم فاعتنقه أبو عبس وضربه محمد بن مسلمة بالسيف في خاصرته وانحنوا عليه حتى قتلوه فرعبت اليهود ومن كان معهم من المشركين وغدوا على النبي فقالوا قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا فقتل فذكر لهم ما كان يؤذى به في أشعاره ودعاهم إلى أن يكتب بينهم وبين

(22/138)


المسلمين كتابا فكتبت الصحيفة بذلك في دار الحارث وكانت بعد النبي عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه
صوت
( هل بالديار التي بالقاع من أحدٍ ... باقٍ فيَسمَعَ صَوْت المُدْلج الساري )
( تلك المنازُل من صَفراء ليس بها ... نارٌ تضيء ولا أصوات سُمَّار )
ويروى ليس بها حي يجيب
الشعر لبيهس الجرمي والغناء لأحمد بن المكي ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وقال عمرو بن بانة فيه ثاني ثقيل بالبنصر يقال إنه لابن محرز وقال الهشامي فيه لحباب بن إبراهيم خفيف ثقيل وهو مأخوذ من لحن ابن صاحب الوضوء
( ارفع ضعيفكَ لا يَحُرْ بك ضعفُهُ ... )

(22/139)


أخبار بيهس ونسبه
بيهس بن صهيب بن عامر بن عبد الله بن نائل بن مالك بن عبيد بن علقمة بن سعيد بن كثير بن غالب بن عدي بن بيهس بن طرود بن قدامة بن جرم بن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة
ويكنى أبا المقدام شاعر فارس شجاع من شعراء الدولة الأموية وكان يبدو بنواحي الشام مع قبائل جرم وكلب وعذرة ويحضر إذا حضروا فيكون بأجناد الشام وكان مع المهلب بن أبي صفرة في حروبه للأزارقة وكانت له مواقف مشهورة وبلاء حسن وبعض أخباره في ذلك يذكر بعقب أخباره في هذا الشعر
اختلاف الرواة في أمر صفراء خليلته
وقد اختلف الرواة في أمر صفراء التي ذكرها في شعره هذا فذكر

(22/140)


القحذمي أنها كانت زوجته وولدت له ابنا ثم طلقها فتزوجت رجلا من بني أسد وماتت عنده فرثاها
وذكر أبو عمرو الشيباني أنها كانت بنت عمه دنية وأنه كان يهواها فلم يزوجها وخطبها الأسدي وكان موسرا فزوجها
قال أبو عمرو وكان بيهس بن صهيب الجرمي يهوى امرأة من قومه يقال لها صفراء بنت عبد الله بن عامر بن عبد الله بن نائل وهي بنت عمه دنية وكان يتحدث إليها ويجلس في بيتها ويكتم وجده بها ولا يظهره لأحد ولا يخطبها لأبيها لأنه كان صعلوكا لا مال له فكان ينتظر أن يثري وكان من أحسن الشباب وجها وشارة وحديثا وشعرا فكان نساء الحي يتعرضن له ويجلسن إليه ويتحدثن معه فمرت به صفراء فرأته جالسا مع فتاة منهن فهجرته زمانا لا تجيبه إذا دعاها ولا تخرج إليه إذا زارها وعرض له سفر فخرج إليه ثم عاد وقد زوجها أبوها رجلا من بني أسد فأخرجها وانتقل عن دارهم بها فقال بيهس بن صهيب
( سقَى دمنةً صفراءُ كانت تَحُّلها ... بنَوءِ الثُّريّا طلُّها وذِهَابُها )
( وصابَ عليها كلُّ أسحمَ هاطلٍ ... ولا زال مخضراًّ مَرِيعاً جنابُها )
( أَحَبُّ ثَرَى أرضٍ إليَّ وإن نأت ... مَحلُّكِ منها نَبْتُها وترابُها )
( على أَنهَا غضبى عليّ وحَبّذا ... رِضاها إذا ما أُرضِيَتْ وعتابها )
( وقد هاج لي حينا فراقُك غُدوَةً ... وسعيُك في فيفاءَ تعْوي ذئابُها )

(22/141)


( نظرتُ وقد زال الحمُولُ ووازنوا ... برِكوةَ والوادي وخفَّتْ رِكابُها )
( فقلتُ لأصحابي أبِالقرب منهمُ ... جرى الطيرُ أم نادى ببينٍ غرابُها )
رثاؤه صفراء
قال أبو عمرو ثم ماتت صفراء قبل أن يدخل بها زوجها فقال بيهس يرثيها
( هل بالديار التي بالقاعِ من أحدٍ ... باقٍ فيسمعَ صوتَ المُدلِجِ الساري )
( تلك المنازل من صفراءَ ليس بها ... نارٌ تضيء ولا أصواتُ سُمّار )
( عَفَّتْ معارفَها هُوجٌ مُغبَّرَةٌ ... تَسفي عليها ترابَ الأبْطَحِ الهاري )
( حتى تنكَّرتُ منها كلَّ مَعْرِفَةٍ ... إلا الرَّمادَ نخيلاً بين أحجار )
( طال الوقوفُ بها والعُين تسبِقُني ... فوقَ الرّداء بَوادي دَمْعِهَا الجاري )
( إن أُصْبحِ اليومَ لا أهلٌ ذوو لَطَفٍ ... أَلْهو لديهم ولا صفراءُ في الدار )
( أرعَى بعينِي نجومَ الليل مرتقباً ... يا طُولَ ذلك من هَمٍّ وإسهارِ )
( فقد يكونُ لِيَ الأهلُ الكِرامُ وقد ... ألْهُو بصفراءَ ذاتِ المنظر الواري )
( من المَواجدِ أَعْرَاقاً إذا نُسِبَتْ ... لا تَحْرِم المالَ عن ضَيفٍ وعن جارِ )
( لم تَلقَ بؤساً ولم يَضْرر بها عَوَزٌ ... ولم تُزخِّفْ مع الصّالي إلى النار )

(22/142)


( كذلك الدّهرُ إنّ الدّهر ذو غِيَرٍ ... على الأنام وذو نقضٍ وإِمْرار )
( قد كاد يعتادني من ذكرِها جَزَعٌ ... لولا الحياءُ ولولا رهبةُ العَارِ )
( سقى الإلهُ قبوراً في بني أسدٍ ... حول الربيعة غَيْثاً صوبَ مدرار )
( مَنِ الذي بعدكم أرضَى به بدلاً ... أو مَنْ أُحَدِّثُ حاجاتي وأَسْراري )
ينشد على قبرها
قال أبو عمرو واجتاز بيهس في بلاد بني أسد فمر بقبر صفراء وهو في موضع يقال له الأحض ومعه ركب من قومه وكانوا قد انتجعوا بلاد بني أسد فأوسعوا لهم وكان بينهم صهر وحلف فنزل بيهس على القبر فقال له أصحابه ألا ترحل فقال أما والله حتى أظل نهاري كله عنده وأقضي وطرا فنزلوا معه عند قبرها فأنشأ يقول وهو يبكي
( ألِمَّا على قَبرٍ لصفراءَ فاقرآ ... السّلام وقولاَ حَيِّنَا أيُّها القبرُ )
( وما كان شيئاً غير أن لست صابراً ... دعاءكَ قبراً دونه حِجَجٌ عَشْرُ )
( برابيةٍ فيها كِرامٌ أحبة ... على أنَّها إلا مضاجعَهم قَفرُ )
( عشيَّةَ قال الرَكب من غَرَضٍ بنا ... تروّحْ أبا المقدام قد جنَح العصرُ )
( فقلتُ لهمُ يومٌ قليلٌ وليلةٌ ... لصفراءَ قد طال التجنُّبُ والهَجرُ )

(22/143)


( وبِتُّ وبات الناسُ حَوليَ هُجّداً ... كأنَّ عليَّ اللّيلَ من طوله شهر )
( إذا قلتُ هذا حين أهجَع ساعة ... تطاول بي ليلٌ كواكبُه زُهر )
( أقولُ إذا ما الجنبُ مَلَّ مكانَه ... أشوكٌ يُجافِي الجَنْب أم تحته جمْرُ )
( فلو أنّ صَخْراً من عَمايةَ راسيا ... يقاسي الذي ألقى لقد مَلَّه الصخرُ )
قال وأما القحذمي فإنه ذكر فيما أخبرني به هاشم بن محمد الخزاعي عن عيسى بن إسماعيل تينة عنه أنه كان تزوجها ثم طلقها بعد أن ولدت منه ابنا فتزوجها رجل من بني أسد فماتت عنده وذكر من شعره ومراثيه لها قريبا مما تقدم ذكره وذكر أن بيهس بن صهيب كان من فرسان العرب وكان مع المهلب بن أبي صفرة في حروبه للأزارقة وكان يبدو بنواحي الشام مع قبائل جرم وكلب ويحضر إذا حضروا فيكون من أجناد الشام
قال أبو عمرو ولما هدأت الفتنة بعد مرج راهط وسكن الناس مر غلام من قيس بطوائف من جرم وعذرة وكلب وكانوا متجاورين على ماء لهم فيقال إن بعض أحداثهم نخس بيهس به ناقته فألقته فاندقت عنقه فمات فاستعدى قومه عليهم عبد الملك فبعث إلى تلك البطون من جاءه بوجوههم وذوي الأخطار منهم فحبسهم وهرب بيهس بن صهيب الجرمي وكان قد اتهم أنه هو الذي نخس به فنزل على محمد بن مروان

(22/144)


فعاذ به واستجاره فأجاره إلا من حد توجبه عليه شهادة فرضي بذلك وقال وهو متوار عند محمد
( لقد كانتْ حوادثُ معْضلاتٌ ... وأيامٌ أغصَّت بالشّراب )
( وما ذنبُ المعاشرِ في غلامٍ ... تقطّر بين أحواض الجِباب )
( على قَوْدَاء أفرطها جِلالٌ ... وغضّ فَهي باقيةُ الهباب )
( ترامت باليدين فأرهقته ... كما زلّ النَّطيح من القباب )
( فإني والعِقابَ وما أرجِّي ... لكالسَّاعي إلى وَضَحِ السّراب )
( فلمّا أن دنا فرجٌ بربِّي ... يكشِّف عن مُخفّقَةٍ يبابِ )
( من البُلدان ليس بها غَريبٌ ... تَخُبّ بأرضها زُلُّ الذّئاب )
( فظِنّي بالخليفة أنّ فيه ... أماناً للبريءِ وللمصاب )
( وأنّ محمداً سيعود يوماً ... ويرجعُ عن مُراجَعةِ العِتاب )
( فيجبر صِبْيَتي ويَحوط جاري ... ويُؤْمِن بعدها أبداً صِحَابي )
( هو الفرع الذي بُنِيَتْ عليه ... بُيُوتُ الأطيبين ذوي الحِجاب )
قال فلم يزل محمد بن مروان قائما وقاعدا في أمرهم مع أخيه حتى أمن بيهس بن صهيب وعشيرته واحتمل دية المقتول لقيس وأرضاهم

(22/145)


صوت
( نزل المشيبُ فما له تحويلُ ... ومضى الشّبابُ فما إليه سبيلُ )
( ولقد أُراني والشّبابُ يقودُني ... ورداؤه حسنٌ عليّ جميلُ )
الشعر للكميت بن معروف الأسدي والغناء لمعبد خفيف ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق

(22/146)


أخبار الكميت بن معروف ونسبه
هو الكميت بن معروف بن الكميت بن ثعلبة بن رباب بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طري بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر
شاعر من شعراء الإسلام بدوي أمه سعدة بنت فريد بن خيثمة بن نوفل بن نضلة
هو سليل أسرة من الشعراء
والكميت أحد المعرقين في الشعر أبوه معروف شاعر وأمه سعدة شاعرة وأخوه خيثمة أعشى بني أسد شاعر وابنه معروف الكميت شاعر
فأما أبوه فهو القائل لعبد الله بن المساور بن هند
( إنّ مُناخي أمسِ يا بنَ مُساورٍ ... إليك لَمِنْ شُرْب النُّقَاخ المُّصَرَّدِ )
( تباعدتَ فوق الحق من آل فقعسٍ ... ولم ترجُ فيهم رِدَّةَ اليومِ أو غدِ )
( وقلتَ غِنًى لا فقَر في العَيْش بعدَه ... وكلُّ فَتًى للنائبات بمرْصَدِ )

(22/147)


( كأنك لم تعلم محلَّ بُيوتِكم ... مع الحيّ بين الغور والمُتَنَجَّد )
( فلولا رجال من جَذيمة قَصْرةً ... عَدَدْت بلائي ثم قلت له عدُدِ )
وأمه سعدة القائلة له وقد تزوج بنت أبي مهوش على مراغمة لها وكراهة لذلك فغضبت سعدة وقالت فيه
( عليك بأنقاض العراق فقد عَلَتْ ... عليك بتَخدين النّساء الكرائم )
( لعمري لقد راش ابن سُعدَة نَفسَه ... بريش الذُّنَابَى لا بريش القَوادمِ )
( بنىَ لك معروفٌ بناءً هدمتَهُ ... ولِلشَّرف العاديِّ بانٍ وهادمُ )
وهي القائلة ترثي ابنها الكميت
( لأمِّ البلادِ الويلُ ماذا تضمَّنَت ... بأَكْناف طورى من عَفافٍ ونائل )
( ومن وَقَعَاتٍ بالرجال كأنها ... إذا عنَّت الأحداثُ وقْعُ المناصل )
( يُعزِّي المُعزّى عن كُمَيْتٍ فتنتهي ... مقالتُه والصَّدر جمُّ البَلابلِ )
أخوه يرثيه
وأعشى بني أسد أخو الكميت واسمه خيثمة الذي يقول يرثي الكميت وغيره من أهل بيته

(22/148)


( هوِّن عليك فإنّ الدهَر منجدبٌ ... كلُّ امرئٍ عن أخيه سوف ينْشَعِب )
( فلا يغُرَّنْكَ من دهرٍ تقلُّبُه ... إنّ اللّياليَ بالفتيان تنقلِبُ )
( نام الخليُّ وبتُّ الليلَ مُرتفِقا ... كما تزاور يخشى دفّه النَّكبُ )
( إذا رجعتُ إلى نفسي أُحدِّثُها ... عمّن تضمَّن من أصحابيَ القُلُب )
( من إخوةٍ وبني عمٍّ رُزِئتْهُمُ ... والدَّهرُ فيه على مستعتِبٍ عَتَب )
( عاودتُ وجداً على وجدٍ أكابِدُه ... حتى تكاد بناتُ الصَّدْر تلتهب )
( هل بعدَ صخرٍ وهل بعد الكميتِ أخٌ ... أم هل يعودُ لنا دهرٌ فنصطحبُ )
( لقد علمتُ ولو مُلَّيت بعدَهُم ... أني سأنهل بالشِّرب الذي شربوا )
وابنه يتغزل
ومعروف بن الكميت القائل
( قد كنت أحسبني جَلْداً فهيَّجني ... بالشيب منزِلةٌ من أمّ عمَّارِ )
( كانت منازلَ لا ورهاءَ جافيةٍ ... على الحدوج ولا عُطلاً بمقفار )
( وما تَجاوُرُنا إذ نخن نسكنها ... ولا تَفَرُّقُنا إلا بمقدار )

(22/149)


صوت
( أرقتُ لبرق دُونَه شَذَوانِ ... يمانٍ وأهوى البرَق كلَّ يماني )
( فليت القِلاصَ الأدْمَ قد وخدَت بنا ... بوادٍ يمانٍ ذي رُباً ومَجانِي )
الشعر ليعلى الأحول الأزدي وجدت ذلك بخط أبي العباس محمد بن يزيد المبرد في شعر الأزد وقال عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه هي ليعلى الأحول كما روى غيره قال ويقال إنها لعمرو بن أبي عمارة الأزدي من بني خنيس ويقال
إنها لجواس بن حيان من أزد عمان
وأول هذه القصيدة في رواية أبي عمرو أبيات فيها غناء أيضا وهي
صوت
( أويْحكما يا واشِيَيْ أمّ مَعْمَرٍ ... بمَن وإلى مَن جئْتما تَشيانِ )
( بمن لو أراه عانياَ لفدَيْتُهُ ... ومَن لو رآني عانياً لفَداني )
لعريب في هذين البيتين ثقيل أول ولعمرو بن بانة فيهما هزج بالوسطى من كتابه وجامع صنعته وقال ابن المكي لمحمد بن الحسن بن مصعب فيه هزج بالأصابع كلها

(22/150)


أخبار يعلى ونسبه
يعلى الأحول بن مسلم بن أبي قيس أحد بني يشكر بن عمرو بن رالان ورالان هو يشكر ويشكر لقب لقب به بن عمران بن عمرو بن عدي بن حارثة بن لوذان بن كهف الظلام هكذا وجدته بخط المبرد بن ثعلبة بن عمرو بن عامر
كان خليعا يجمع الصعاليك
شاعر إسلامي لص من شعراء الدولة الأموية وقال هذه القصيدة وهو محبوس بمكة عند نافع بن علقمة الكناني في خلافة عبد الملك بن مروان
قال أبو عمرو وكان يعلى الأحول الأزدي لصا فاتكا خاربا وكان خليعا يجمع صعاليك الأزد وخلعاءهم فيغير بهم على أحياء العرب ويقطع الطريق على السابلة فشكي إلى نافع بن علقمة بن الحارث بن محرث الكناني ثم الفقيمي وهو خال مروان بن الحكم وكان والي مكة فأخذ به عشيرته الأزديين فلم ينفعه ذلك واجتمع إليه شيوخ الحي فعرفوه

(22/151)


أنه خلع قد تبرؤوا منه ومن جرائره إلى العرب وأنه لو أخذ به سائر الأزد ما وضع يده في أيديهم فلم يقبل ذلك منهم وألزمهم إحضاره وضم إليهم شرطا يطلبونه إذا طرق الحي حتى يجيئوه به
فلما اشتد عليهم في أمره طلبوه حتى وجدوه فأتوا به فقيده وأودعه الحبس فقال في محبسه
شعره في سجنه
( أرِقتُ لبرقٍ دونه شَذَوانِ ... يَمانٍ وأهوى البرقَ كلَّ يمان )
( فبِتُّ لدى البيت الحرام أشِيمُهُ ... ومِطْوايَ من شوقٍ له أرِقان )
المطو الصاحب
( إذا قلتُ شِيماه يقولان والهوى ... يصادف منّا بعض ما تريان )
( جرى منه أطرافُ الشرى فمشيَّعٌ ... فأبيانُ فالحيَّان من دَمران )
( فمرّانُ فالأقْباصُ أقْباصُ أملَجٍ ... فماوانِ من واديهما شَطِنَان )
( هنالك لو طَوَّفْتما لوجدتما ... صديقاً من إخوانٍ بها وغوان )
( وعزْفُ الحمامِ الوُرْقِ في ظلِّ أيكةٍ ... وبالحي ذي الرَّوْدَين عزفُ قيان )
( ألا ليت حاجاتي اللواتي حَبَسْنَنِي ... لدى نافعٍ قُضِّينَ منذ زمان )

(22/152)


( وما بِيَ بُغضٌ للبلاد ولا قِلًى ... ولكنَّ شوقاً في سواه دعاني )
( فليتَ القِلاصَ الأُدم قد وخَدت بنا ... بوادٍ يمانٍ ذي رُباً ومجاني )
( بوادِ يمانٍ يُنبِت السّدرَ صدرُه ... وأسفله بالمرخ والشَّبَهان )
( يدافعنا من جانبيه كليهما ... عزيفان من طرفائه هَدِبان )
( وليت لنا بالجوز واللوز غيلة ... جناها لنا من بطن حلية جاني )
الغيلة شجر الأراك إذا كانت رطبة ويروى في موضع من بطن حلية من حب جيحة
( وليتَ لنا بالدِّيك مُكَّاءَ روضةٍ ... على فنَنٍ من بطن حليةَ داني )
( وليت لنا من ماء حزنة شربةً ... مبردةً باتت على طهمان )
ويروى من ماء حمياء
صوت
( إن السلامَ وحُسنَ كلِّ تحيّةٍ ... تغدو على ابن مجزِّزٍ وتروحُ )
( هلا فَدى ابنَ مجزِّز متفحشٌّ ... شَنِجُ اليدين على العطاء شَحِيح )

(22/153)


الشعر لجواس العذري والغناء لسائب بن خاثر خفيف ثقيل بالوسطى عن يحيى المكي والهشامي من رواية حماد عن أبيه في أخبار سائب خاثر وأغانيه

(22/154)


نسب جواس وخبره في هذا الشعر
هو جواس بن قطبة العذري أحد بني الأحب رهط بثينة وجواس وأخوه عبد الله الذي كان يهاجي جميلا ابنا عمها دنية وهما ابنا قطبة بن ثعلبة بن الهون بن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة بن حرام بن عتبة بن عبيد بن كثير بن عجرة
احتكم هو وجميل إلى يهود تيماء
وكان جواس شريفا في قومه شاعرا فذكر أبو عمرو الشيباني
أن جميل بن عبد الله بن معمر لما هاجى جواسا تنافرا إلى يهود تيماء فقالوا لجميل يا جميل قل في نفسك ما شئت فأنت والله الشاعر الجميل الوجه الشريف وقل أنت يا جواس في نفسك وفي أبيك ما شئت ولا تذكرن أنت يا جميل أباك في فخر فإنه كان يسوق معنا الغنم بتيماء عليه شملة لا تواري استه ونفروا عليه جواسا قال ونشب الشر

(22/155)


بين جميل وجواس وكانت تحته أم الجسير أخت بثينة التي يذكرها جميل في شعره إذ يقول
( يا خَلِيلَّي إن أُمَّ جُسَيْرٍ ... حين يدنو الضَّجيع من عَلَلِهْ )
( روضةٌ ذاتُ حَنْوَةٍ وخُزَامَى ... جادَ فيها الربيعُ من سَبَلِهِ )
فغضب لجميل نفر من قومه يقال لهم بنو سفيان فجاؤوا إلى جواس ليلا وهو في بيته فضربوه وعروا امرأته أم الجسير في تلك الليلة فقال جميل
( ما عَرَّ حوَّاسَ استُها إذ يسبُّهم ... بصَقْرَيْ بني سُفيانَ قَيْسٍ وعاصمِ )
( هما جرّدا أُمَّ الجُسَيْر وأوقعا ... أمرَّ وأدهى من وَقِيعةِ سالِم )
يعني سالم بن دارة
فقال جواس
( ما ضُرِبَ الجَوَّاسُ إلا فُجَاءةً ... على غفلةٍ من عَيْنِه وهْو نائمُ )
( فإلا تُعجِّلْني المنيَّةُ يصْطبح ... بكأسك حِصْناكم حُصَيْن وعاصِمُ )
( ويُعطِي بنو سفيان ما شئتُ عَنْوةً ... كما كنت تُعطِيِنْي وأنفُك راغِمُ )
هو وجميل يحدوان ركاب مروان
وقال أبو عمرو الشيباني
حج مروان بن الحكم فسار بين يديه جميل بن عبد الله بن معمر

(22/156)


وجواس بن قطبة وجواس بن القعطل الكلبي فقال لجميل انزل فسق بنا فنزل جميل فقال
( يا بُثْن حَيّي وَدّعينا أو صِلي ... وهوِنّي الأمر فزُورِي واعْجَلِي )
( ثُمَّت أيَّاً ما أردتِ فافْعَلي ... إني لآتي ما أتيت مُؤْتلي )
فقال له مروان عد عن هذا فقال
( أنا جميلٌ والحِجازُ وطني ... فيه سهَوَى نَفْسِي وفيه شَجَني )
( هذا إذا كان السّياق دَدَني ... )
فقال لجواس بن قطبة انزل أنت يا جواس فسق بنا فنزل فقال وقد كان بلغه عن مروان أنه توعده إن هاجى جميلا
( لستُ بعبدٍ للمطايا أسوقها ... ولكنني أرمي بهنّ الفَيافِيا )
( أتانيَ عَن مرْوانَ بالغيب أنه ... مُبِيحٌ دمِي أو قاطِعٌ من لسانيا )
( وفي الأرض مَنجاة وفُسحَةُ مذهبٍ ... إذا نحن رققنا لهن المثانيا )
فقال له مروان أما إن ذلك لا ينفعك إذا وجب عليك حق فاركب لا ركبت

(22/157)


ثم قال لجواس بن القعطل ويقال بل القصة كلها مع جواس بن قطبة انزل فارجز بنا فنزل فقال هذه الأبيات
( يقول أميري هل تسوقُ ركابَنا ... فقلتُ اتّخذ حادٍ لهن سوائِيا )
( تكرمتُ عن سَوْقِ المَطيِّ ولم يكن ... سِياقُ المطايا هِمَّتي ورَجائِيا )
( جعلتَ أبي رِهْناً وعِرضِي سادراً ... إلى أهل بيتٍ لم يكونوا كِفائيا )
( إلى شرِّ بيت من قُضاعَة منصِباً ... وفي شرِّ قوم منهمُ قد بَدا ليا )
فقال له اركب لا ركبت
خبر ابن مجزز
والأبيات التي فيها الغناء يرثي بها جواس بن قطبة العذري علقمة بن مجزز قال أبو عمرو الشيباني وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث علقمة بن مجزز الكناني ثم المدلجي في جيش إلى الحبشة وكانوا لا يشربون قطرة من ماء إلا بإذن الملك وإلا قوتلوا عليه فنزل الجيش على ماء قد ألقت لهم فيه الحبشة سما فوردوه مغترين فشربوا منه فماتوا عن آخرهم وكانوا قد أكلوا هناك تمرا فنبت ذلك النوى الذي ألقوه نخلا في بلاد الحبشة وكان يقال له نخل ابن مجزز فأراد عمر أن يجهز إليهم جيشا عظيما فشهد عنده أن رسول الله قال اتركوا الحبشة ما تركوكم وقال وددت لو أن بيني وبينهم بحرا من نار فقال جواس العذري يرثي علقمة بن مجزز

(22/158)


( إنّ السّلامَ وحُسْنَ كلِّ تحيةٍ ... تغدو على ابن مجزِّز وتَروحُ )
( فإذا تجرّد حافِراك وأصبحت ... في الفجر نائحةٌ عليك تنوحُ )
( وتخيّروا لك من جيادِ ثيابهم ... كفناً عليك من البَياض يلوح )
( فهناك لا تُغنِي مودّةُ ناصحٍ ... حذراً عليك إذا يُسَدُّ صريحُ )
( هلا فَدى ابنَ مجزز متفحّشٌ ... شَنِجُ اليدين على العطاء شحيحُ )
( متمرِّعٌ ورِعٌ وليس بماجدٍ ... متملّح وحديثُه مقبوحُ )
وفيمن هلك مع ابن مجزز يقول جواس
( ألَهْفِي لِفتيانٍ كأنّ وجوهَهم ... دنانيرُ وافت مهْلِكَ ابنِ مُجزِّز )
صوت
( أَحَبّتَنا بأَبِي أَنْتُمُ ... وسَقْياً لكم حيثما كُنتُمُ )
( أطلتمْ عَذابي بميعادكم ... وقلتُم نزورُ فما زرتُمُ )
( فأمسك قلبِي على لوعتي ... ونَمَّتْ دموعي بما أَكتُمُ )
( ففيمَ أسأتم وأخلفتُم ... وقِدْماً وفَيْتُمْ وأحسنْتُمُ )
الشعر لإبراهيم بن المدبر والغناء لعريب خفيف ثقيل

(22/159)


أخبار إبراهيم بن المدبر
أبو إسحاق إبراهيم بن المدبر شاعر كاتب متقدم من وجوه كتاب أهل العراق ومتقدميهم وذوي الجاه والمتصرفين في كبار الأعمال ومذكور الولايات وكان المتوكل يقدمه ويؤثره ويفضله وكانت بينه وبين عريب حال مشهورة كان يهواها وتهواه ولهما في ذلك أخبار كثيرة قد ذكرت بعضها في أخبار عريب وأذكر باقيها ها هنا
ينشد المتوكل في مرضه
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال
مرض المتوكل مرضة خيف عليه منها ثم عوفي وأذن للناس في الوصول إليه فدخلوا على طبقاتهم كافة ودخلت معهم فلما رآني استدناني حتى قمت وراء الفتح ونظر إلي مستنطقا فأنشدته
( يومٌ أتانا بالسرورِ ... فالحمد لله الكبيرِ )
( أخلصتُ فيه شُكرَه ... وَوَفْيتُ فيه بالنُّذورِ )
( لما اعتَللتَ تَصدَّعتْ ... شُعَبُ القلوب من الصدورِ )

(22/160)


( من بيِن ملتهب الفؤاد ... وبين مكتئبِ الضميرِ )
( يا عُدَّتِي للدِّينِ والدُّنيا ... وللخَطْب الخطيرِ )
( كانت جُفونِي ثَرَّةَ الآماق ... بالدَّمِع الغَزيرِ )
( لو لم أمت جزعاً لعمرُك ... َ إنني عينُ الصبور )
( يومي هنالك كالسّنينَ ... وساعتي مِثلُ الشُّهورِ )
( يا جعفرُ المتوكلُ العالي ... عَلَى البدر المُنِيرِ )
( اليوم عاد الدين غَضْضَ ... العود ذا وَرَقٍ نَضِيرِ )
( واليومَ أصبحت الخِلافة ... وهي أرسى من ثَبِير )
( قد حالَفَتْكَ وعاقَدَتْك ... عَلَى مطاوَلَةِ الدُّهُورِ )
( يا رحمةً للعالمينَ ... ويا ضياء المستَنيرِ )
( يا حجةَ اللهِ الَّتي ... ظَهَرَتْ له بهُدىً ونُورِ )
( لله أنتَ فما نشَاهِد ... ُ منكَ من كَرم وخيرِ )
( حتى نقول ومَنْ بِقُربِك ... َ من ولِيٍّ أو نَصير )
( البدرُ ينطِق بيننا ... أَمْ جعفرٌ فوقَ السريرِ )
( فإِذا تواتَرتِ العَظَائم ... ُ كُنتَ منقطعَ النَّظيرَ )
( وإذا تعذَّرت العَطَايَا ... كنت فيَّاضَ البُحورِ )
( تُمضي الصوابَ بلا وزير ... ٍ أو ظهيرٍ أو مُشير )
فقال المتوكل للفتح أن إبراهيم لينطق عن نية خالصة وود

(22/161)


محض وما قضينا حقه فتقدم بأن يحمل إليه الساعة خمسون ألف درهم وتقدم إلى عبيد الله بن يحيى بأن يوليه عملا سرياً ينتفع به
المتوكل يودعه السجن فينشد وهو محبوس
حدثني عمي قال حدثني محمد بن داود بن الجراح قال
كان أحمد بن المدبر ولي لعبيد الله بن يحيى بن خاقان عملا فلم يحمد أثره فيه وعمل على أن ينكبه وبلغ أحمد ذلك فهرب وكان عبيد الله منحرفاً عن إبراهيم شديد النفاسة عليه برأي المتوكل فيه فأغراه به وعرفه خبر أخيه وادعى عليه مالا جليلا وذكر أنه عند إبراهيم أخيه وأوغر صدره عليه حتى أذن له في حبسه فقال وهو محبوس
( تسليْ ليس طولُ الحبس عاراً ... وفيه لنا من الله اختيارُ )
( فلولا الحبس ما بُلِي اصطبارٌ ... ولولا الليلُ ما عُرِفَ النهارُ )
( وما الأيام إلا معقبات ... ولا السلطان إلا مستعار )
( وعن قدرٍ حُبِسْتُ فَلاَ نَقِيضٌ ... وفيما قَدَّرَ اللهُ الخَيارُ )
( سيُفْرَجُ ما ترين إلى قليلٍ ... مقدره وإن طال الإسَارُ )
ولإبراهيم في حبسه أشعار كثيرة حسان مختارة منها قوله في قصيدة أولها
( أَدموعُها أم لؤلؤٌ متناثرُ ... يندى به وَردٌ جنِيٌّ ناضرُ )
يقول فيها

(22/162)


( لا تؤيسَنَّكَ من كريم نَبوةٌ ... فالسيفُ ينبو وهو عضبٌ باترُ )
( هذا الزمانُ تسومُني أيامُه ... خَسْفاً وهأنذا عليه صابرُ )
( إن طال ليلي في الإسارِ فَطالما ... أفنيتُ دهراً ليلةُ متقاصرُ )
( والحبسُ يحجبُني وفي أكنَافِه ... منِّي عَلَى الضرّاء ليثٌ خادرُ )
( عجباً له كيف التقت أبوابُه ... والجودُ فيه والغَمامُ الباكرُ )
( هلا تقطَّع أو تصدَّع أو وَهى ... فَعذَرْتُه لكنّه بي فاخرُ )
ومنها قوله في قصيدة أولها
( ألا طرقت سلمى لدى وقعة الساري ... فريدا وحيدا موثقا نازح الدار )
( هو الحبس ما فيه علي غضاضة ... وهل كان في حبس الخليفة من عار )
يقول فيها
( ألستِ ترينَ الخمر يظهرُ حسنُها ... وبهجتُها بالحبس في الطين والقارِ )
( وما أنا إلا كَالجوادِ يصُونه ... مقوِّمه للسَّبْق في طَيِّ مضمارِ )
( أو الدُّرةِ الزهراء في قعر لُجَّةٍ ... فلا تُجتَلَى إلا بهوَلٍ وأخطارِ )
( وهل هو إلا منزِلٌ مثلُ منزلي ... وبيتٌ ودارٌ مثلُ بيتيَ أو دارِي )
( فلا تنكري طولَ المدَى وأذى العِدى ... فانَّ نهاياتِ الأمورِ لإقْصارِ )

(22/163)


( لعلّ وراءَ الغَيبِ أمراً يسرُّنا ... يقدِّرُه في علمِه الخالِقُ الباري )
( وإني لأرجو أن أصُولَ بجعفرٍ ... فأهضمَ أعدائي وأُدْرِكَ بالثَّارِ )
مدح من خلصه من السجن
فأخبرني عمي عن محمد بن داود
أن حبسه طال فلم يكن لأحد في خلاصه منه حيلة مع عضل عبيد الله وقصده إياه حتى تخلصه محمد بن عبد الله بن طاهر وجود المسألة في أمره ولم يلتفت إلى عبيد الله وبذل أن يحتمل في ماله كل ما يطالب به فأعفاه المتوكل من ذلك ووهبه له وكان إبراهيم استغاث به ومدحه فقال
( دعوتُك من كَرْب فلبّيت دعوتي ... ولم تعترضْني إذ دعوتُ المعاذرُ )
( إليك وقد حُلّئتُ أوردْتُ هِمَّتي ... وقد أعجزتني عن همومي المَصادرُ )
( نمى بك عبدُ الله في العزِّ والعُلا ... وحاز لك المجدَ المؤثَّلَ طاهرُ )
( فأنتم بَنو الدنيا وأملاكُ جوِّها ... وساسَتُها والأعظَمون الأكابرُ )
( مآثرُ كانتْ للحُسَين ومُصعَبٍ ... وطلحةَ لا تحوي مَداها المفاخرُ )
( إذا بذلوا قيلَ الغيوثُ البواكرُ ... وإن غَضِبوا قيل الليوثُ الهواصرُ )
( تطيعكُمُ يَوْمَ اللقاء البواترُ ... وتزهو بكمْ يوم المقامِ المنابرُ )

(22/164)


( وما لكُمُ غيرَ الأسرَّة مجلسٌ ... ولا لكُمُ غيرَ السيوفِ مخاصرُ )
( ولي حاجة إن شئتَ أحرزتَ مجدها ... وسرَّكَ منها أولٌ ثم آخرُ )
( كلام أميرٍ المؤمنين وعطفُه ... فماليَ بعد الله غيرَكَ ناصرُ )
( وإن ساعدَ المقدورُ فالنُّجح واقع ... وإلا فإني مخلص الودِّ شَاكِرُ )
حدثني جعفر بن قدامة قال
كتبت عريب من سر من رأى إلى إبراهيم بن المدبر كتابا تتشوقه فيه وتخبره باستيحاشها له واهتمامها بأمره وأنها قد سألت الخليفة في أمره فوعدها بما تحب فأجابها عن كتابها وكتب في آخر الكتاب
( لعمرك ما صوتٌ بديعٌ لمعبَدٍ ... بأحسنَ عندي من كتاب عَريب )
( تأمّلتُ في أثنائه خَطَّ كاتبٍ ... ورقَّةَ مشتاقٍ ولفظَ خَطيب )
( وراجَعني من وصلها ما استرقَّني ... وزهَّدني في وصل كلَّ حَبيب )
( فصرتُ لها عبداً مُقرًّا بِمَلكِهَا ... ومستمسِكاً من ودها بنصيب )
أحب جارية أحبت سواه
أخبرني جعفر بن قدامة قال
كان علي بن يحيى المنجم وإبراهيم بن المدبر مجتمعين في منزل بعض الوجوه بسر من رأى على حال أنس وكانت تغنيهم جارية يقال لها نبت جارية البكرية المغنية من جواري القيان فأقبل عليها إبراهيم بن المدبر بنظره ومزحه وتجميشه وهي مقبلة على فتى كان أمرد من أولاد الموالي

(22/165)


يقال له مظفر كانت تهواه وكان أحسن الناس وجها ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن افترقوا فكتب إليه علي بن يحيى يقول
( لقد فتنَتْ نبت فتى الظَّرف والنَّدى ... بمقلةِ رِيمٍ فاترِ الطَّرفِ أحورِ )
( وشدوٍ يروقُ السامعين ويملأ ال ... قلوب سروراً مُونِقٍ متخيَّرِ )
( فأصبحَ في فخِّ الهوى متقنِّصا ... عزيزٌ على إخوانه ابنُ المدبِّرِ )
( ولم تدرِ ما يَلْقَى بها ولو أنَّها ... دَرَتْ روَّحتْ من حَرِّهِ المُتَسعِّرِ )
( وذاكَ بها صبٌّ ونَبتٌ خليَّة ... ومشغولةٌ عنه بوجه مُظَفَّرِ )
( ولو أنصفتْ نبتٌ لما عدلتْ به ... سواهُ وحازت حُسْنَ مرأَى ومَخْبَرِ )
فكتب إليه إبراهيم بن المدبر
( طَربْتُ إلى قطْرَبِّلٍ وبَلَشْكرِ ... وراجعتُ غَيًّا ليس عني بمُقصِرِ )
( وذكَّرني شعرٌ أتانِيَ مونِقٌ ... حبائبَ قَلبي في أَوائلِ أعصُري )
( فنَهنَهتُ نفسي عن تذكُّرِ ما مضى ... وقلتُ أفيقي لاتَ حينَ تذكُّرِ )
( أبا حَسَنٍ ما كنتَ تعْرَفُ بالخَنَا ... ولا بِعُلوٍّ في المكانِ المؤَخَّر )
( وما زِلْتَ محمود الشمائل مرتضى الخلائقِ معروفا بعُرْفٍ ومنكَرِ )

(22/166)


( أترمي بنَبْتٍ من جفاها تَخَيُّراً ... وباعدها عنه برأْيٍ موقَّرِ )
( ودافعَها عن سرِّها وهي تَشْتَكي ... إليه تباريحَ الهوى المتسعِّرِ )
( ولو كان تبَّاعاً دواعيَ نفسِه ... إذاً لقضَى أوطارَه ابنُ المدبّرِ )
( على أنه لو حصحَصَ الحقُّ باعَها ... ولو كان مشغوفاً بها بمُظَفَّرِ )
( بلؤلؤةٍ زهراءَ يشرقُ ضوءُها ... وغُرَّةٍ وجهٍ كالصباج المشهَّرِ )
( إلى اللهِ أشكو أنَّ هذا وهذِه ... غزالاَ كثيبٍ ذي أَقاحٍ مُنوِّر )
( وأنتَ فقد طالبتَها فوجدتَها ... لها خُلُقٌ لا يرعَوِي ذو توعُّرِ )
( وحاولتَ منهَا سلوة عن مُظَفَّرٍ ... فما لان منها العِطْفُ عند التَّخَيُّرِ )
( نصحتُك عن وُدٍّ ولم أكُ جاهداً ... فإن شئتَ فاقبل قولَ ذي النصح أو ذَرِ )
فكتب إليه علي بن يحيى المنجم
( لعمري لقد أحسنتَ يا بنَ المدبّر ... وما زلت في الإحسان عين المشهَّر )
( ظَرُفْتَ ومن يجمعْ من العلم مثلَ ما ... جمعت أبا إسحاق يَظْرُفْ ويُشْهَرِ )
ولإبراهيم في نبت هذه أشعار كثيرة منها قوله
( نَبْتٌ إذا سكتَت كان السكوتُ لها ... زينا وإن نطقت فالدرُّ يَنْتَشِرُ )

(22/167)


( وإنما أقصدتْ قلبي بمُقْلتِها ... ما كان سهمٌ ولا قوسٌ ولا وَتَرُ )
وقوله
( يا نبتُ يا نبتُ قد هام الفؤادُ بكم ... وأنت واللهِ أحلى الخلقِ إنسانا )
( أَلاَ صِليني فإنِّي قد شُغِفْتُ بِكُمْ ... إن شئتِ سراًّ وإن أَحببتِ إعلانا )
خبر خاتم عريب
أخبرني جعفر بن قدامة قال
كان في إصبع إبراهيم بن المدبر خاتمان وهبتهما له عريب وكانا مشهورين لها فاجتمع مع أبي العبيس بن حمدون في اليوم التاسع والعشرين من شعبان على شرب فلما سكرا اتفقا على أن يصير إبراهيم إلى أبي العبيس ويقيم عنده من غد إن لم ير الهلال وأخذ الخاتمين منه رهنا
ورئي الهلال في تلك الليلة وأصبح الناس صياما فكتب إبراهيم إلى أبي العبيس يطالبه بالخاتمين فدافعه وعبث به فكتب إليه من غد
( كيف أصبحتَ يا جعلتُ فِدَاكا ... إنني أشتكي إليك جَفاكا )
( قد تَمادى بك الجفاءُ وما كنتَ ... حقيقا ولا حَرِيًّا بذاكا )
( كُن شبيهاً بمن مضى جعل اللهُ ... لكَ العُمرَ دَائماً وَرَعَاكا )
( إنَّ شهرَ الصيامِ شهرُ فكاكٍ ... أنتَ فيه ونحنُ نرجو الفَكاكا )
( فارددِ الخاتَمينِ ردًّا جَميِلا ... قد تنعَّمتَ فيهما ما كفاكا )
( يا أبا عبدِ اللهِ دعوةَ داعٍ ... يرتجي نُجحَ أمره إذْ دعَاكا )
يعني أبا عبدالله بن حمدون والد أبي العبيس المخاطب بهذا الشعر

(22/168)


( خاتمايَ اللذانِ عند أبي العبآس قد شارفَا لديه الهلاكا )
( وهو حُرٌّ وقد حكاك كما أنْنَك ... في المكرُماتِ تحكِي أباكا )
فبعث بالخاتمين إليه
أرسل يستريز أبا العبيس
وأخبرني جعفر قال
زارت عريب إبراهيم بن المدبر وهو في داره على الشاطئ في المطيرة واقترحت عليه حضور أبي العبيس فكتب إليه إبراهيم
( قل لابنِ حمدونَ ذاك الأريبِ ... وذاك الظريفِ وذاك الحسيبِ )
( كتابي إليكَ بشكوى عَريبِ ... لوجدٍ شديدٍ وشوقٍ عجيبِ )
( وَشوْقِي إليكَ كشوق الغريبِ ... إلى أرضِهِ بعد طولِ المغيبِ )
( ويوْمِيَ إن أنتَ تَمّمتَه ... بقُربكَ ذُو كُلِّ حُسْنٍ وطِيبِ )
( حَبَاني الزمانُ كما أَشتَهِي ... بقرب الحبيب وبُعْدِ الرقيبِ )
( فما زلتُ أشربُ من كفِّه ... وأسقيه سقيَ اللطيف الأديبِ )
( ويشكو إليَّ وأشكو إليه ... بقولٍ عفيفٍ وقولٍ مريبِ )
( إلى أن بداليَ وجهُ الصباح ... كوجهك ذاك العجيبِ الغريبِ )
( فلا تُخْلِنا يا نظامَ السرور ... منك فأنت شفاءُ الكَئيبِ )
( وغنَّ لنا هَزَجاً مُمْسِكاً ... تَخِفّ له حركاتُ اللبيبِ )

(22/169)


( فإنكَ قد حُزتَ حسنَ الغناءِ ... وقد فُزتَ منه بأوفَى نصيب )
( وكن بأبي أنتَ رَجْعَ الجوابِ ... فِداؤك أنفُسُنا من مُجِيبِ )
أخبرني جعفر قال
غنى أبو العبيس بن حمدون يوما عند إبراهيم
صوت
( إني سألتكَ بالذي ... أدنى إِليكَ من الوريدِ )
( إلاَّ وصلتَ حبالَنا ... وكَفَيْتَنَا شرَّ الوعيدِ )
فزاد فيه إبراهيم قوله
( الهجرُ لا مستحسَنٌ ... بعد المواثقِ والعهودِ )
( وأراكِ مغراةٍ به ... أَفما غرِضت من الصدودِ )
( إني أجدِّدُ لَذَّتي ... ما لاح لي يومٌ جديدُ )
( شُربي معتّقة الكُروم ... ونُزهَتي وَرْدُ الخُدُودِ )
فغنى هذه الأبيات أبو العبيس متصلة باللحن الأول في البيتين وصار الجميع صوتا واحدا إلى الآن والأبيات الأخيرة لإبراهيم بن المدبر والأولان ليسا له
نسبة هذا الصوت
الغناء في البيتين الأولين خفيف ثقيل مزموم لأبي العبيس وفيهما لحنان خفيف ثقيل آخر مطلق وفيهما لعريب ثاني ثقيل بالوسطى

(22/170)


قال جعفر وغنته يوما كراعة بسر من رأى ونحن حضور عنده
( يا معشَر الناسِ أما مُسلمٌ ... يشفعُ عند المذنِبِ العاتبِ )
( ذاك الذي يهرُب من وصلِنا ... تعلَّقوا بالله بالهاربِ )
فزاد فيهما قوله
( ملَّكتُه حَبْلي ولكنَّه ... ألقاهُ من زُهدٍ عَلَى غاربي )
( وقال إني في الهوى كاذبٌ ... فانتقمَ اللهُ من الكاذب )
يسترحم أبا عبد الله بن حمدون في نكبته
حدثني عمي قال حدثني محمد بن داود قال
كتب إبراهيم بن المدبر إلى أبي عبد الله بن حمدون في أيام نكبته يسأله اذكار المتوكل والفتح بأمره
( كم تُرَى يبقَى على ذَا بدني ... قد بَلِي من طول هَمٍّ وضَنِي )
( أنا في أسرِ وأسبابِ رَدًى ... وحديدٍ فادح يكْلِمُني )
( بابن حمدونَ فتى الجودِ الذي ... أنا منه في جَنى وردٍ جَنِي )
( ما الذي ترقُبُه أم ما ترى ... في أَخٍ مضطَهدٍ مرتَهَنِ )
( وأبو عمرانَ موسى حنقٌ ... حاقدٌ يطلُبني بالإحَنِ )
( وعبيدُ اللهِ أيضاً مثلُه ... ونجاحٌ بي مُجِدُّ مَا يَني )

(22/171)


( ليس يشفيه سوى سفكِ دمي ... أَو يراني مُدرَجاً في كَفَنيِ )
( والأميرُ الفتحُ إِن أَذكرتَه ... حُرْمَتي قام بأَمري وعُنِي )
( فألُ صدقٍ حين أدعو باسمِه ... وسرور حين يَعْرُو حَزَنيِ )
( قل له يا حُسْنَ ما أَوليتَني ... ما لِمَا أَوليتَني من ثَمنِ )
( زاد إحسانَكَ عندي عِظَماً ... أَنَّه بَادٍ لمن يعرفُنيِ )
( لستُ أدري كيفَ أجزيكَ به ... غير أني مُثقَلٌ بالمِنَن )
( ما رأى القومُ كذَنبي عندَهمْ ... عُظْمُ ذَنبي أَنَّني لم أخُنِ )
( ذاكَ فِعلي وتُراثي عن أبي ... واقتدائي بأخي في السُّنَنِ )
( سنَّةٌ صالحة معروفَة ... هي منَّا في قَديم الزمَنِ )
( ظَفِر الأعداءُ بي عن حيلةٍ ... ولعل الله أَن يُظفِرنِي )
( ليتَ أني وهُمُ في مجلسٍ ... يَظْهَرُ الحقُّ به للفطِن )
( فترى لي ولهُمْ ملحمَةً ... يَهلِكُ الخائنُ فيها والدَّنِي )
( والذي أسأَلُ أن يُنصِفَني ... حاكِمٌ يَقضي بما يلزمُنِي )
( قُل لحمدونَ خليلي وابنِه ... ولعيسى حرَّكوه يا بَنِي )
يعني يا بني الزانية فلم يزالوا في أمره حتى خلصوه
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال
كان إبراهيم بن المدبر يحب جارية للمغنية المعروفة بالبكرية بسر من رأى فقال فيها

(22/172)


( غادرتِ قلبي في إسار لديْك ... فويلتا منكِ وويلي عليكِ )
( قد يعلمُ اللهُ عَلَى عرشِه ... أَني أعاني الموتَ شوقاً إليك )
( مُنِّي بفكّ الأسر أو فاقتُلي ... أيهما أحببتِ من حُسْنَييَك )
( قد كنتُ لا أُعدي على ظالم ... فصرتُ لا أُعدِي على مُقلتيك )
( الخمرُ من فيكِ لمن ذاقَهُ ... والوردُ للناظِر منْ وجنتيْك )
( يا حسرتَا إن متُّ طوعَ الهوى ... ولم أنلْ ما أَرتجيه لديك )
وأنشدها أبو عبد الله بن حمدون هذه الأبيات وغنت بها وجعل يكرر قوله
( الخمرُ من فيكِ لمن ذاقه ... )
ويقول هذا والله قول خبير مجرب فاستحيت من ذلك وسبت إبراهيم فبلغه ذلك فكتب إلى أبي عبد الله يقول
( ألم يَشُقْكَ التماعُ البرقِ في السحَرِ ... بَلى وهَيَّج من وَجْدٍ ومن ذكَرِ )
( ما زال دمعي غزيرَ القَطْر مُسجماً ... سَحّاً بأربعةٍ تَجري من الدُّررِ )
( وقلتُ للغيثِ لما جادَ وَابِلُه ... وما شجاني من الأحزان والسَّهَر )
( يا عارضا ماطراً أمطِرْ على كبدي ... فإنّها كَبِدٌ حَرَّى من الفِكَرِ )
( لشدَّ ما نالَ منِّي الدهرُ واعتلقَتْ ... يدُ الزمان وأوهتْ من قُوى مِرَري )
( يا واحدِي من عبادِ اللهِ كلِّهم ... ويا غناي ويا كَهْفي ويا وَزَرِي )

(22/173)


( أحينَ أنشدتَ شِعري في مُعَذِّبَتي ... أما رثَيْتَ لها من شدة الحَصَرِ )
( وما شفعتَ بها شِعري وقلت به ... في ريقها البارد السلسال ذي الْخَصَرِ )
( لبئس مستنصَحاً في مثل ذلك يا ... نفسي فِداؤكَ من مستنصح غَدِرِ )
( واليوم يومٌ كريم ليس يُكرَمُه ... الاّ كريمٌ من الفتيان ذُو خَطَرِ )
( نشدتُكَ اللهَ فاصْبَحْه بصُحبته ... مُباكراً فألذُّ الشُّرب في البُكَرِ )
( وأجمَع نداماكَ فيه واقترْح رَمَلاً ... صوتاً تغنِّيه ذاتُ الدَّل والخَفَرِ )
( يرتاح للدَّجْن قَلبي وهو مقتسَمٌ ... بين الهموم ارتياحَ الأرضِ للمطَرِ )
( يا غادراً يا أحبّ الناسِ كلّهمُ ... إليَّ واللهِ من أُنْثَى ومن ذَكَرِ )
( ويا رجائي ويا سُؤْلي ويا أملي ... ويا حياتي ويا سَمعي ويا بَصرِي )
( ويا مُنايَ ويا نوري ويا فَرَحِي ... ويا سروري ويا شَمسِي ويا قمرِي )
( لا تقبلي قولَ حسَّادي عليّ ولا ... والله ما صدقوا في القول والخَبَرِ )
( أدالني اللهُ من دهرٍ يُضَعضعُني ... فقد حُجِبتُ عن التسليم والنظَر )
( إن يحجُبُوا عنك في تقديرهم بصَري ... فكيف لم يحجُبُوا ذِكري ولا فِكَري )
( يا قوم قَلبِي ضعيفٌ من تذكُّرها ... وقلبُها فارغٌ أقسى من الحجَرِ )
( الله يعلم أنّي هائم دَنِفٌ ... بغادَةٍ ليتَها حَظِّي من البَشَرِ )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني عبد الله بن محمد المروزي قال حدثني الفضل بن العباس بن المأمون قال

(22/174)


زارتني عريب يوما ومعها عدة من جواريها فوافتنا ونحن على شرابنا فتحدثت معنا ساعة وسألتها أن تقيم عندنا فأبت وقالت قد وعدت جماعة من أهل الأدب والظرف أن أصير إليهم وهم في جزيرة المربد منهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى بن منارة فحلفت عليها فأقامت ودعت بدواة وقرطاس وكتبت إليهم سطرا واحدا ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أردت ولولا ولعلي
ووجهت الرقعة إليهم فلما وصلت قرأوها وعيوا بجوابها فأخذها إبراهيم بن المدبر فكتب تحت أردت ليت وتحت لولا ماذا وتحت لعلي أرجو ووجه بالرقعة إليها فلما قرأتها طربت ونعرت وقالت أنا أترك هؤلاء وأقعد عنكم تركني الله إذا من يديه وقامت فمضت وقالت لكم فيمن أتخلفه عندكم من جواري كفاية
عريب تهيم به حبا
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني عبد الله بن المعتز قال
قرأت في مكاتبات لعريب فصلا من جواب أجابت به إبراهيم بن المدبر مكاتبة بديعة بعيادة قد استبطأت عيادتك قدمت قبلك وعذرتك فما ذكرت عذرا ضعيفا لا ينبغي أن يفرح به فأستديم الله نعمة عندك
قال وكتبت إليه أيضا
أستوهب الله حياتك قرأت رقعتك المسكينة التي كلفتها مسألتك عن أحوالنا ونحن نرجو من الله أحسن عوائده عندنا وندعوه ببقائك ونسأله

(22/175)


الإجابة فلا تعود نفسك جعلني الله فداءها هذا الجفاء والثقة مني بالاحتمال وسرعة الرجوع
وكتبت إليه وقد بلغها صومه يوم عاشوراء
قبل الله صومك وتلقاه بتبليغك ما التمست كيف ترى نفسك نفسي فداؤك ولم كدرت جسمك في آب أخرجه الله عنك في عافية فإنه فظ غليظ وأنت محرور وإطعام عشرة مساكين أعظم لأجرك ولو علمت لصمت لصومك مساعدة لك وكان الثواب في حسناتك دوني لأن نيتي في الصوم كاذبة
أخبرني جعفر بن قدامة قال
اتصلت لعريب أشغال دائمة في أيام تركوا رسى وخدمتها فيما هنالك
فلم يرها إبراهيم بن المدبر مدة فكتب إليها
صوت
( إلى الله أشكو وحشتي وتفجُّعي ... وبعدَ المدىَ بيني وبينَ عَريبِ )
( مضى دونها شَهْران لم أحلَ فيهما ... بعيشٍ ولا من قُربها بنصيبِ )
( فكنت غريباً بين أهلي وجيرتي ... ولست إذا أبصرتها بغريبِ )
( وإنّ حبيباً لم يرَ النَّاسُ مثلَه ... حقيق بأن يُفدْى بكلّ حبيب )
لعريب في هذه الأبيات خفيف ثقيل من رواية ابن المعتز وهو من مشهور غنائها

(22/176)


مكاتبات عريب إليه
وقال ابن المعتز في ذكره مكاتبات عريب إلى إبراهيم بن المدبر وقد كتب إليها يشكو علته
كيف أصبحت أنعم الله صباحك ومبيتك وأرجو أن يكون صالحا وإنما أردت إزعاج قلبي فقط
وكتبت إليه تدعو له في شهر رمضان
أفديك بسمعي وبصري وأهل الله هذا الشهر عليك باليمن والمغفرة وأعانك على المفترض فيه والمتنفل وبلغك مثله أعواما وفرج عنك وعني فيه
قال وكتبت إليه
فداؤك السمع والبصر والأم والأب ومن عرفني وعرفته كيف ترى نفسك وقيتها الأذى وأعمى الله شانئك ومقه الله عند هذه الدعوة وأرجو أن تكون قد أجيبت إن شاء الله وكيف ترى الصوم عرفك الله بركته وأعانك على طاعته وأرجو أن تكون سالما من كل مكروه بحول الله وقوته وواشوقي إليك وواحشتي لك ردك الله إلى أحسن ما عودك ولا أشمت بي فيك عدوا ولا حاسدا وقد وافاني كتابك لا عدمته إلا بالغنى عنه بك وذكرت حامله فوجهت رسولي إليه ليدخله فأسأله عن خبرك فوجدته منصرفا ولو رأيته لفرشت خدي له وكان لذلك أهلا

(22/177)


وكتبت إليه وقد عتبت عليه في شيء بلغها عنه
وهب الله لنا بقاءك ممتعا بالنعم ما زلت أمس في ذكرك فمرة بمدحك ومرة بشكرك ومرة بأكلك وذكرك بما فيك لونا لونا اجحد ذنبك الآن وهات حجج الكتاب ونفاقهم فأما خبرنا أمس فإما شربنا من فضلة نبيذك على تذكارك رطلا رطلا وقد رفعنا حسباننا إليك فأرفع حسبانك إلينا وخبرنا من زارك أمس وألهاك وأي شيء كانت القصة على جهتها ولا تخطرف فتحوجنا إلى كشفك والبحث عنك وعن حالك وقل الحق فمن صدق نجا وما أحوجك إلى تأديب فإنك لا تحسن أن تؤدبه والحق أقول إنه يعتريك كزاز شديد يجوز حد البرد
وكفاك بهذا من قولي عقوبة وإن عدت سمعت أكثر من هذا والسلام
حدثني عمي قال حدثني محمد بن داود قال
كان عيسى بن إبراهيم النصراني المكنى أبا الخير كاتب سعيد بن صالح يسعى على إبراهيم بن المدبر في أيام نكبته فلما زالت ومات سعيد نكب عيسى بن إبراهيم وحبس ونهبت داره فقال فيه إبراهيم بن المدبر
( قل لأبي الشرِّ إنْ مررتَ به ... مقالةً عُرِيِّتْ من اللَّبَس )
( ألبَسكَ اللهُ من قوارعه ... آخذةً بالخُنَاق والنَّفَس )
( لا زلتَ يا بن البظراء مرتهنَا ... في شرِّ حال وضيقِ محتَبَس )
( أقول لما رأيتُ منزله ... منتَهباً خالياً من الأنَسِ )

(22/178)


( يا منزلاً قد عَفَا من الطَّفس ... وساحةً أُخليتْ من الدَّنس )
( من لاقترافِ الفحشاء بعد أبي الشررْ ... ْ ومن للقبيح والنجِسِ )
ولي الثغور الجزرية بعد نكبته
أخبرني جعفر بن قدامة قال
ولي إبراهيم بن المدبر بعقب نكبته وزوالها عنه الثغور الجزرية فكان أكثر مقامه بمنبج فخرج في بعض أيام ولايته إلى نواحي دلوك ورعبان وخلف بمنبج جارية كان يتحظاها مغنية يقال لها غادر فحدثني بعض كتابه انه كان معه بدلوك وهو على جبل من جبالها فيه دير يعرف بدير سليمان من احسن بلاد الله وانزهها فنزل عليه ودعا بطعام خفيف فأكل وشرب ثم دعا بداوة وقرطاس فكتب
( أبا ساقَيينا وسْطَ دَيْر سليمانِ ... أديرا الكُؤوس فانهلاني وعُلاَّني )
( وخُصَّا بصافيها أبا جعفر أخي ... وذا ثقتي بين الأنام وخُلصاني )
( وميلاَ بها نحو ابنِ سَلاَّمٍ الذي ... أودُّ وعُودَا بعد ذاك لنعمانِ )
( وعُمَّا بها الندمان والصحبَ إنني ... تَنَكَّرْت عيشي بعد صحبي وإخواني )

(22/179)


( ولا تتركا نفسي تمُتْ بسقامها ... لذِكْرَى حبيب قد شجاني وعنَّاني )
( ترحّلتُ عنه عن صدود وهِجرة ... وأقبل نحوي وهو باك فأبكاني )
( وفارقته واللهُ يجمع شملَنا ... بلَوعة محزون وغُلَّة حَرَّان )
( وليلة عين المَرْج زار خيالُه ... فهيَّج لي شوقا وجدَّد أشجاني )
( فأشرفت أعلى الدَّيْر أنظر طامحاً ... بألمح آماقٍ وأنظَرِ إنسان )
( لعّلي أرى أبياتَ منَبج رؤية ... تُسَكّنُ من وجدي وتكشفُ أحزاني )
( فقصَّر طرفي واستهلَّ بعَبرة ... وفدَّيتُ من لو كان يدري لفدُّاني )
( ومثَّلَه شوقي إليه مقابلي ... وناجاهُ قلبي بالضمير وناجاني )
قرأت على ظهر دفتر فيه شعر إبراهيم بن المدبر أهداه مجموعا إلى أخيه احمد فلما وصل إليه قرأه وكتب عليه بخطه
( أبا إسحاق إن تكن الليالي ... عطفنَ عليكَ بالخطب الجسيم )
( فلم أرَ صرْف هذا الدهرِ يجري ... بمكروه على غير الكريم )
اخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني ميمون بن هارون قال
اجتمعت مع عريب في مجلس انس بسر من رأى عند أبي عيسى بن المتوكل وإبراهيم بن المدبر يومئذ ببغداد فمر لنا احسن يوم وذكرته عريب فتشوقته و أحسنت الثناء عليه والذكر له فكتبت إليه بذلك من غد وشرحته له فأجابني عن كتابي وكتب في آخره

(22/180)


( أتعلَمُ يا ميمونُ ماذا تُهيجُه ... بذكركُ أحبابي وحِفظهُم العَهْدا )
( ووصفِ عريِب في كريم وفائها ... وإجمالها ذكري وإخلاصِها الوُدَّا )
( عليها سلامي إن تكن دارُها نأتْ ... فقد قرَّب الله الذي بيننا جدَّا )
( سقى الله داراً بعدنَا جمعتْكُمُ ... وَ سكَّن ربُّ العرش ساكنَها الخُلدا )
( وخصَّ أبا عيسى الأميرَ بنعمة ... وأسعد فيما أرتجيه له الجَدَّا )
( فما ثَمَّ من مجدٍ وَ طَوْلٍ و سُودَد ... ورأي أصيل بصدَع الحجَرَ الصَّلْدا )
خبر صلحه مع عريب وشعره فيها
حدثني جحظة قال حدثني عبد الله بن حمدون قال
اجتمعت أنا وإبراهيم بن المدبر وابن منارة والقاسم وابن زرزور في بستان بالمطيرة وفي يوم غيم يهريق رذاذه ويقطر احسن قطر ونحن في أطيب عيش واحسن يوم فلم نشعر إلا بعريب قد أقبلت من بعيد فوثب إبراهيم بن المدبر من بيننا فخرج حافيا حتى تلقاها واخذ بركابها حتى نزلت وقبل الأرض بين يديها وكانت قد هجرته مدة لشيء أنكرته عليه فجاءت وجلست و أقبلت عليه متبسمة وقالت إنما جئت إلى من هاهنا لا إليك فاعتذر وشيعنا قوله وشفعنا له فرضيت و أقامت عندنا يومئذ وباتت واصطبحنا من غد واقامت عندنا فقال إبراهيم
صوت
( بأبي من حقَّقَ الظن به ... فأتانا زائراً مُبتدِيا )

(22/181)


( كان كالغيثِ تراخى مُدّةً ... وأتى بعد قُنوط مُرويا )
( طاب يومانِ لنا في قُربه ... بعد شهرين لهجرٍ مضَيا )
( فأقرّ اللهُ عَيني وشفَى ... سَقَماً كَان لجسمي مُبليا )
لعريب في هذا الشعر لحنان رمل وهزج بالوسطى
أنشدني الصولي رحمه الله لإبراهيم بن المدبر في عريب
( زعموا أني أُحبُّ عَريبا ... صدقوا واللهِ حُبَاً عجيباً )
( حلَّ من قلبي هواها مَحلاُّ ... لم تَدَعْ فيه لخَلْق نصيبا )
( ليقلْ من قَدْ رَأى الناس قدْما ... هل رأى مثلَ عَريب يا عَرِيبا )
( هي شمسُ والنساء نُجومُ ... فإذا لاحت أفلْن غُيوبا )
وأنشدني الصولي أيضا له فيها
( إلا يا عريبُ وُقيتِ الرُّدى ... وجنَّبك الله صَرْف الزمنْ )
( فإنك أصبحتِ زينَ النساء ... وواحدة الناس في كل فَنّ )
( فقرُبكِ يُدني لذيذَ الحياةِ ... وبعدُكَ ينفي لذيذَ الوَسَنْ )
( فنعم الجليسُ ونعم الأنيسُ ... ونعم السَّميرُ ونعم السَّكن )
و أنشدني أيضا له
( أن عريبا خُلقتْ وحدَها ... في كلِّ ما يحسُنُ من أمرها )
( ونعمة لِلَّهِ في خَلقِه ... يقصِّر العاَلم عن شكرها )
( أشهدُ في جاريتَيها على ... أنهما مُحْسِنَتَا دَهرِها )

(22/182)


( فبدعةُ تُبدعُ في شَدْوها ... وتُحْفَةُ تتحف في زمْرِها )
( يا ربَّ أمتعْها بما خوَّلَت ... وامدُد لنا يا ربَّ في عمرها )
شيعه أهل البصرة بحزن
اخبرنا أبو الفياض سوار بن أبي شراعة القيسي البصري قال
كان إبراهيم بن المدبر يتولى البصرة وكان محسنا إلى أهل البلد احسانا يعمهم ويشتمل على جماعتهم نفعه ويخصنا من ذلك بأوفر حظ واجزل نصيب فلما صرف عن البصيرة شيعة أهلها وتفجعوا لفراقه وساءهم صرفه فجعل يرد الناس من تشييعهم على قدر مراتبهم في الأنس به حتى لم يبق معه إلا أبي فقال له يا أبا شراعة أن المشيع مودع لا محالة وقد بلغت أقصى الغايات فبحقي عليك إلا انصرفت ثم قال يا غلام احمل إلى أبي شراعة ما امرتك له به فأحظر ثيابا وطيبا ومالا فودعه أبي ثم قال
( يا أبا إسحاق سرّ في دَعَة ... وامض مصحوباُ فما منك خلفْ )
( ليت شعري أيُّ ارض أجدبتْ ... فأُغيث بك من جهد العَجَف )
( نزل الرُّحْمُ من الله بِهِم ... وحُرِمَناكَ لذنب قد سلفْ )
( إنما أنت ربيعُ باكر ... حيثُمَا صرَّفه الله انصرفْ )
اخبرني علي بن العباس بن طلحة الكاتب قال
قرأت جوابا بخط إبراهيم بن المدبر في أضعاف رقعة كتبتْها إليه عريب فوجدته قد كتب تحت فصل من الكتاب تسأله فيه عن خبره

(22/183)


( وساءلتموه بعدكم كيف حالُه ... وذلك أمر بيّنُ ليس يُشكُل )
( فلا تسألوا عن قلبه فَهْو عندكم ... ولكن عن الجسم المخلف فاسألوا )
أخبرني علي بن العباس قال حدثني أبي قال
رسالة إلى عريب يشكو بعدها
كنت عند إبراهيم بن المدبر فزارته بدعة وتحفة وأخرجتا إليه رقعة من عريب فقرأناها فإذا فيها
بنفسي أنت وسمعي وبصري وقل ذاك لك أصبح يومنا هذا طيبا طيب الله عيشك قد احتجبت سماؤه ورق هواؤه وتكامل صفاؤه فكأنه أنت في رقة شمائلك وطيب محضرك ومخبرك لافقدت ذلك أبدا منك ولم يصادف حسنه وطيبه مني نشاطا ولا طربا لأمور صدتني عن ذلك اكره تنغيص ما أشتهيه لك من السرور بنشرها وقد بعثت إليك ببدعة وتحفة ليؤنساك وتسربهما سرك الله وسرني بك
فكتب إليها يقول
( كيف السرورُ وأنتِ نازحةُ ... عنّي وكيف يسوغُ لي الطربُ )
( أن غبتِ غاب العيشُ وانقطعتْ ... أسبابه وألحَّت الكُرَبُ )
وأنفذ الجواب إليها فلم يلبث أن جاءت فبادر إليها وتلقاها حافيا حتى جاء بها على حمار مصري كان تحتها إلى صدر مجلسه يطأ الحمار على بساطه وما عليه حتى اخذ بركابها وأنزلها في صدر مجلسه وجلس بين يديها ثم قال
( ألا رب يوم قصّر اللهُ طولَه ... بقرب عريبٍ حبّذا هو من قُربِ )
( بها تحسُن الدنيا وينعمَ عيشُها ... وتجتمع السَّراء للعين والقَلبْ )

(22/184)


حدثني علي بن سليمان قال أنشدني أبي قال
أنشدني إبراهيم بن المدبر وقد كتب إلى بدعة وتحفة يستدعيهما فتأخرتا فكتب إليهما
( قل يا رسول لهذه ... ولهذه بأبي هُمًَا )
( قد كان وصلكما لنَا ... حَسَناً ففيم قَطْعتُما )
( أعريب سيّدةُ النساءِ ... بهجرنا أمرتْكُمَا )
( كلاّ وبيت الله بل ... هذا جفاءُ منكما )
عريب تغني صوتا من شعره
و أنشدني علي بن العباس لإبراهيم بن المدبر وفيه لعريب هزج وقال
( إلا يا بأبي أنتمْ ... نأت دارُ بنا عنكمْ )
( فإن كنتُم تبدلتُمْ ... فما مِنْ بَدَلً منكمْ )
( وإن كنتُم عَلَى العَهِد ... فأحسنْتُهم وأجملتمْ )
( ويا ليتَ المنى حَقَّت ... فنبديها ولا تَكتُمْ )
( فكنتُم حيثما كنا ... وكنَّا حيثما كنتم )
وحدثني علي قال حدثني أبي قال
دخلت ليلة على إبراهيم بن المدبر في أيام نكبته ببغداد في ليلة غيم فلاح برق من قطب الشمال ونحن نتحدث فقطع الحديث وأمسك ساعة مفكرا ثم اقبل علي فقال

(22/185)


( بارقُ شرَّد الكرى ... لاح من نحوِ ما ترَى )
( هاج للقلب شجوهَ ... فاعْترَى منه ما اعترى )
( أيها الشادنُ الذي ... صاد قلبي وما درَى )
( كن عليماٍ بشِقْوتي ... فيك من بينِ ذا الوَرَى )
و حدثني عن أبيه قال
كنت عند إبراهيم بن المدبر فزارته بدعة وتحفة وأقامتا عنده فأنشدنا يومئذ
( أيها الزائران حيا كما الله ... ومن أنتما له بالسَّلامِ )
( ما رأينا في الدهر بدراً وشمساً ... طَرَقا ثم رجّعا بالكلامِ )
( كيف خلَّفتما عريباً سقاها الله ... ربُّ العبَاد صوبَ الغَمامِ )
( هي كالشمس والحسانُ نجوم ... ليس ضوءُ النهار مثلَ الظلامِ )
( جمعتْ كلّ ما تفرّق في الناس ... وصارت فريدةً في الأنامِ )
و أنشدني عن أبيه لإبراهيم بن المدبر وهو محبوس
( و أني لأستنشي الشّمال إذا جرتْ ... حنيناً إلى أُلاَّف قلبي وأحبابي )
( وأهُدي مع الريح الجنوب اليهمُ ... سلامي وَشكوَى طول حُزني وأوصابي )
( فياليت شعري هل عريب عليمةُ ... بذلك أو نام الأحبة عما بي )
حدثني عمي عن محمد بن داود قال

(22/186)


كان إبراهيم بن المدبر صديق أبي الصقر إسماعيل بن بلبل فلم يرض فعله لما نكب ولا نيابته عنه فقال فيه
( لا تطِل عذلي عناء ... إن في العذل بلاءَ )
( لست أبكي بطن مرِّ ... فكديَّا فكَداء )
( إنما أبكي خليلا ... خانَ في الود الصفاءَ )
( يا أبا الصقر سقاك الله ... تَهتانا رواءَ )
( و أدام الله نُعماَك ... ومَلاَّك البقاءَ )
( لِمْ تجاهَلتَ وِدادِي ... وتناسيتَ الإخاءَ )
( كنت بَرَّاً فعلى رأسي ... تعلَّمت الجفاءَ )
( لا تميلَّن مع الريح ... إذا هبَّتْ رُخاء )
( ربَّما هَبِّتْ عقيما ... تترك الدنيا هَبَاءَ )
اخبرني علي بن العباس قال حدثني أبي قال
كنت عند إبراهيم بن المدبر وزارته عريب فقال لها رأيت البارحة في النوم أبا العبيس وقد غنى في هذا الشعر وأنت تراسلينه فيه
( يا خليليِّ أرِقْنا حَزَنَا ... لسَنا بَرقٍ تبدَّى مَوْهنا )
وكأني أجزته بهذا البيت وسألتكما أن تضيفاه إلى الأول
( وجلا عن وجهِ دعدٍ مَوْهِنا ... عجباٍ منه سَناٍ أبدى سَناَ )

(22/187)


فقالت ما أملح والله الابتداء و الإجازة فاجعل ذلك في اليقظة واكتب إلى أبي العبيس وسله عني وعنك الحضور فكتب إليه إبراهيم
( يا أبا العباسِ يا أفتى الورى ... زارنا طيفُك في سُكْر الكرىَ )
( وتغنَّى ليَ صوتاً حسناً ... في سنَا برقٍ على الأفق سرَى )
( وعريبُ عندنا حاصلةُ ... زينُ مَنْ يمشي على وجه الثَّرى )
( نحن أضيافُكَ في منزلنَا ... نتمناكَ فكن أنت القِرَى )
قال فسار إليهما أبو العبيس وحدثه إبراهيم برؤياه فحفظا الشعر وغنيا فيه بقيمة يومهما
صوت
( ألا حيِّ قبل البين من أنت عَاشقُهْ ... ومن أنت مشتاقُ إليه وشائقُهْ )
( ومن لا تواتي داره غيرَ فَينَةٍ ... ومن أنت تبكي كلَّ يوم تُفارقُه )
الشعر لقيس بن جروة الطائي الأجئي قاله في غارة أغارها عمرو بن هند على ابل لطيئ فحرض زرارة بن عدس عمرو بن هند على طيئ وقال له انهم يتوعدونك فغزاهم واتصلت الأحوال إلى أن أوقع عمرو ببني تميم في يوم أوارة وخبر ذلك يذكر ها هنا لتعلق بعض أخباره ببعض
والغناء لإبراهيم الموصلي ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي ومن مجموع غناء إبراهيم

(22/188)


ذكر الخبر في هذه الغارات والحروب
يوم أوارة
نسخت ذلك من كتاب عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات بخطه وذكر أن احمد بن الهيثم بن فراس اخبره به عن العمري عن هشام بن الكلبي عن أبيه وغيره من أشياخ طيئ قال وحدثني محمد بن أبي السري عن هشام بن الكلبي قالوا
كان من حديث يوم أوارة أن عمرو بن المنذر بن ماء السماء وهو عمرو بن هند يعرف باسم أمه هند بنت الحارث الملك المنصور بن حجر آكل المرار الكندي وهو الذي يقال له مضرط الحجارة انه كان عاقد هذا الحي من طيئ على ألا ينازعوا ولا يفاخروا ولا يغزوا وان عمرو بن هند غزا اليمامة فرجع منفضا فمر بطيئ فقال له زرارة بن عدس بن زيد بن

(22/189)


عبد الله بن دارم الحنظلي أبيت اللعن أصب من هذا الحي شيئا قال له ويلك أن لهم عقدا قال وان كان فلم يزل به حتى أصاب نسوة وأذوادا فقال في ذلك الطائي وهو قيس بن جروة أحد الأجئيين قال
( إلا حيِّ قبل البين من أنت عاشقُهْ ... ومن أنت مشتاقُ إليه وشائقهْ )
( ومن لا تُواتي دارَه غيرَ فَينةٍ ... ومن أنت تبكي كلِّ يوم تُفارقُهْ )
( وتعدو بصحراء الثويّةِ نَاقتي ... كعدو النَّحوص قَدْ أمخَّت نواهِقُهْ )
( إلى الملك الخيْر ابن هند تزوره ... وليس من الفوْت الذي هو سابقه )
( وإنَّ نساءً هُنَّ ما قال قائل ... غنيمةُ سَوء بينهنّ مَهارقه )
( ولو نيل في عهدٍ لنا لحمُ أرنب ... رَدَدْنا وهذا العهد أنت مُعالقه )
( فهبك ابنَ هند لم تعُقك أمانةُ ... وما المرء إلا عَقدة وَمَواثِقُه )
( وكنا أناساً خافضين بنعمةٍ ... يسيل بنا تلْع المَلا و أبارقه )
( فأقسمتُ لا أحتلُّ إلاّ بصهوةٍ ... حرامُ عليَّ رَملُه وشقائِقه )

(22/190)


( وأقسم جهداً بالمنازِل من مِنًى ... وما خبّ في بطحائِهنّ دَرادِقُه )
( لئن لم تغَّير بعضَ ما قد فعلتُم ... لأنتحينّ العظم ذو أنا عارقهْ )
فسمي عارقا بهذا البيت فبلغ هذا الشعر عمرو بن هند فقال زرارة بن عدس ابيت اللعن انه يتوعدك فقال عمرو بن هند لترملة بن شعاث الطائي وهو ابن عم عارق أيهجوني ابن عمك ويتوعدني قال والله ما هجاك ولكنه قد قال
( والله لو كان ابنُ جفنةَ جاركمْ ... لَكَسَا الوجوه غضاضة وهوانا )
( وسلاسلاً يبرقن في أعناقكم ... واذاً لقطع تكلم الأقرانا )
( ولكان عادتُه على جيرانه ... ذهباً ورَيطاً رادِعا وجِفانا )
قالوا الرداع المصبوغ بالزعفران وانما أراد ترمله أن يذهب سخيمته فقال والله لأقتلنه فبلغ ذلك عارقا فأنشأ يقول
( من مبلغ عَمرو بنَ هندٍ رسالةً ... إذا استحقبتها العِيس تنضى على البعد )
( أيوعدُني والرمل بيني وبينه ... تبين رويداً ما أمامهُ من هند )
( ومن أجأٍ دوني رِعانُ كأنَّها ... قنابل خيل من كميت ومن وَرْدِ )

(22/191)


( غدرتَ بأمر أنت كنتَ اجتذبْتنا ... عليه وشُّر الشيمة الغدرُ بالعهد )
( فقد يترُك الغدرَ الفتى وطعامه ... إذا هو أمسَى حَلبةُ من دم الفصد )
فبلغ عمرو بن هند شعره هذا فغزا طيئا فأسر أسرى من طيئ من بني عدي بن اخزم وهم رهط حاتم بن عبد الله فيهم رجل من الأجئيين يقال له قيس بن جحدر وهو جد الطرماح بن حكيم وهو ابن خالة حاتم فوفد حاتم فيهم إلى عمرو بن هند وكذلك كان يصنع فسأله إياهم فوهبهم له إلا قيس بن جحدر لأنه كان من الاجئيين من رهط عارق فقال حاتم
( فككت عديَّا كلَّها من إسارها ... فأنعِمْ وشفِّعني بقيس بنِ جَحْدَر )
( أبوه أبي و الأمهاتُ امهاتنا ... فأنعم فدتْكَ اليوم نفسي ومعْشري )
فأطلقه
خبر مالك بن المنذر عند زرارة بن عدس
قال وبلغنا أن المنذر بن ماء السماء وضع ابنا له صغيرا ويقال بل كان أخا له صغيرا يقال له مالك عند زرارة وانه خرج ذات يوم يتصيد فأخفق ولم يصب شيئا فرجع فمر بإبل لرجل من بني عبد الله بن دارم يقال له سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم وكان عند سويد ابنة زرارة بن عدس فولدت له سبعة غلمة فأمر مالك بن المنذر بناقة سمينة منها فنحرها ثم اشتوى وسويد نائم فلما انتبه شد على مالك بعصا فضربه بها فأمه
ومات الغلام وخرج سويد هاربا حتى لحق بمكة وعلم انه لا يأمن

(22/192)


فحالف بني نوفل بن عبد مناة واختط بمكة فمن ولده أبو اهاب بن عزيز بن قيس بن سويد وكانت طيئ تطلب عثرات زرارة وبني أبيه حتى بلغهم ما صنعوا بأخي الملك فأنشأ عمرو بن ثعلبة بن ملقط الطائي يقول
( من مبلغُ عمراً بأنَّ المرء ... لم يُخلقْ صُبارهْ )
( وحوادث الأيام لا ... تبقى لها إلا الحجارةْ )
( أن ابن عِجزةِ أمه ... بالسَّفح أسفَلَ من أوارهْ )
قال هشام أول ولد المرأة يقال له زكمة والآخر عجزة
( تسِفي الرياحُ خلاله سَحْياً وقَد سَلبُوا إزاراه ... )
( فاقتل زُرارةَ لا أرى ... في القوم أفضلَ من زُراره )
هرب زرارة بعد مصرع مالك
فلما بلغ هذا الشعر عمرو بن هند بكى حتى فاضت عيناه وبلغ الخبر زرارة فهرب وركب عمرو بن هند في طلبه فلم يقدر عليه فأخذ امرأته وهي حُبلى فقال أذكر في بطنك أم أنثى قالت لا علم لي بذلك قال ما فعل زرارة الغادر الفاجر فقالت أن كان ما علمت لطيب العرق سمين المرق ويأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد لا ينام ليلة يخاف ولا يشبع ليلة يضاف فبقر بطنها
فقال قوم زرارة لزرارة ولله ما قتلت أخاه فأت الملك فاصدقه الخبر فأتاه زرارة فأخبره الخبر فقال جئني بسويد فقال قد لحق بمكة قال فعلي ببنيه السبعة فأتي ببنيه وبأمهم بنت زرارة وهم غلمة بعضهم فوق

(22/193)


بعض فأمر بقتلهم فتناولوا أحدهم فضربوا عنقه وتعلق بزرارة الآخرون فتناولوهم فقال زرارة يا بعضي دع بعضا فذهبت مثلا وقتلوا
وآلى عمرو بن هند بألية ليحرقن من بني حنظلة مائة رجل فخرج يريدهم وبعث على مقدمته الطائي عمرو بن ثعلبة بن عتاب بن ملقط فوجدوا القوم قد نذروا فأخذوا منهم ثمانية وتسعين رجلا بأسفل أوارة من ناحية البحرين فحبسهم ولحقه عمرو بن هند حتى انتهى إلى أوارة فضربت فيه قبته فأمر لهم بأخدود فحفر لهم ثم اضرمه نارا فلما احتدمت وتلظت قذف بهم فيها فاحترقوا
خبر أن الشقي وافد البراجم
و أقبل راكب من البراجم وهو بطن من بني حنظلة عند المساء ولا يدري بشيء مما كان يوضع له بعيره فأناخ فقال له عمرو بن هند ما جاء بك قال حب الطعام قد اقويت ثلاثا لم اذق طعاما فلما سطع الدخان ظننته دخان طعام فقال له عمرو بن هند ممن أنت قال من البراجم قال عمرو أن الشقي واقد البراجم فذهب مثلا ورمى به في النار فهجت العرب تميما بذلك فقال ابن الصعق العامري
( ألا أبلغْ لديكَ بني تميم ... بآية ما يُحبُّون الطعاما )
و أقام عمرو بن هند لا يرى أحدا فقيل له ابيت اللعن لو تحللت

(22/194)


بامراة منهم فقد احرقت تسعة وتسعين رجلا فدعا بامراة من بني حنظلة فقال لها من أنت قالت أنا الحمراء بنت ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم فقال أني لأظنك اعجمية فقالت ما أنا بأعجمية ولا ولدتني العجم
( إنَّي لبنت ضَمرة بن جابر ... سادَ معداً كابراً عن كابر )
( إني لأخت ضَمرة بن ضَمره ... إذا البلاد لُفَّعَت بجمرهْ )
قال عمرو أما والله لولا مخافة أن تلدي مثلك لصرفتك عن النار قالت أما والذي أساله أن يضع وسادك ويخفض عمادك ويسلبك ملكك ما قتلت إلا نساء أعاليها ثدي وأسفلها دمي قال اقذفوها في النار فالتفتت فقالت ألا فتى يكون مكان عجوز فلما أبطؤوا عليها قالت صار الفتيان حمما فذهبت مثلا فأحرقت وكان زوجها يقال له هوذة بن جرول بن نهشل بن دارم
شعر للقيط يعير فيه بني مالك
فقال لقيط بن زرارة يعير بني مالك بن حنظلة بأخذ من أخذ منهم الملك وقتله اياهم ونزولهم معه
( لمن دمنةُ أقفرتْ بالجنابِ ... إلى السفح بين المَلاَ فالهضاب )
( بكيتَ لعرفان آياتها ... وهاج لك الشوقَ نعبُ الغرابِ )
( فأبلغ لديك بني مالك ... مغلغلةً وسراةَ الرَّباب )

(22/195)


( فإن امرأً أنتمُ حولَه ... تحِفُّون قَّبتَه بالقِبابِ )
( يُهينُ سراتكمُ عامداً ... ويقتلكم مثلَ قتلِ الكلابِ )
( فلو كنتمُ إبلاً أملحَت ... لقد نَزَعَتْ للمياه العذابِ )
( ولكنَّكمْ غَنمُ تُصطفَى ... ويُترك سائرُها للذئابِ )
( لعمر أبيكَ أبي لخير ما ... أردتَ بقتلهمُ من صوابِ )
( ولا نعمةً إن خيرَ الملوك ... أفضلهم نعمةً في الرقابِ )
وفيها يقول الطرماح بن حكيم ويذكر هذا
( واسأل زُرارة و المأمور ما فعلت ... قَتْلَى أُوارةَ من رعلان واللَّدد )
( ودارِماً قد قذفنا منهمُ مائة ... في جاحِم النار إذ يُلقونَ بالخُدَد )
( ينزون بالمشتوِي منها ويوقدُها ... عمرُو ولولا شحوم القوم لم تَقِدِ )
قال فحدثني الكلبي عن المفضل الضبي قال
لما حضر زرارة الموت جمع بنيه وأهل بيته ثم قال انه لم يبق لي عند أحد من العرب وتر إلا قد أدركته غير تحضيض الطائي بن ملقط الملك علينا حتى صنع ما صنع فأيكم يضمن لي طلب ذلك من طيئ قال عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد أنا لك بذلك يا عم ومات زرارة فغزا عمرو بن عمرو جديلة ففاتوهم وأصاب ناسا من بني طريف بن مالك وطريف بن عمرو بن ثمامة وقال في ذلك شعرا

(22/196)


لقيط بن زرارة يخطب بنت ذي الجدين
وكان زرارة بن عدس بن زيد رجلا شريفا فنظرت ذات يوم إلى ابنه لقيط ورأى منه خيلاء ونشاطا وجعل يضرب غلمانه وهو يومئذ شاب
فقال له زرارة لقد أصبحت تصنع صنيعا كأنما جئتني بمائة من هجان المنذر بن ماء السماء أو نكحت بنت ذي الجدين بن قيس بن خالد قال لقيط لله علي إلا يمس رأسي غسل ولا آكل لحما ولا اشرب خمرا حتى أجمعهما جميعا أو أموت فخرج لقيط ومعه ابن خال له يقال له القراد بن إهاب وكلاهما كان شاعرا شريفا فسارا حتى أتيا بني شيبان فسلما على ناديهم ثم قال لقيط أفيكم قيس بن خالد ذو الجدين وكان سيد ربيعة يومئذ قالوا نعم قال فأيكم هو قال قيس أنا قيس فما حاجتك قال جئتك خاطبا ابنتك وكانت على قيس يمين ألا يخطب إليه أحد ابنته علانية ألا أصابه بشر وسمع به فقال له قيس ومن أنت قال أنا لقيط بن زرارة بن عدس بن زيد قال قيس عجبا منك ياذا القصة هلا كان هذا بيني وبينك قال ولم يا عم فو الله انك لرغبة وما بي من نضاة أي ما بي عار ولئن ناجيتك لا أخدعك ولئن عالنتك لا أفضحك فأعجب قيسا كلامه وقال كفء كريم إني زوجتك ومهرتك مائة ناقة ليس فيها مظائر ولا ناب ولا كزوم ولا تبيت عندنا عزبا

(22/197)


ولا محروما ثم أرسل إلى أم الجارية أني قد زوجت لقيط بن زرارة ابنتي القدور فاصنعيها واضربي لها ذلك البلق فإن لقيط بن زرارة لا يبيت فينا عزبا وجلس لقيط يتحدث معهم فذكروا الغزو فقال لقيط أما الغزو فأردها للقاح وأهزلها للجمال وأما المقام فأسمنها للجمال وأحبها للنساء فأعجب ذلك قيسا و أمر لقيطا فذهب إلى البلق فجلس فيه وبعثت إليه أم الجارية بمجمرة وبخور وقالت للجارية اذهبي بها إليه فو الله لئن ردها ما فيه خير ولئن وضعها تحته ما فيه خير فلما جاءته الجارية بالمجمرة بخر شعره ولحيته ثم ردها عليها فلما رجعت الجارية إليها خبرتها بما صنع فقالت انه لخليق للخير فلما امسى لقيط أهديت الجارية إليه فمازحها بكلام اشمأزت منه فنام وطرح عليه طرف خميصة وباتت إلى جنبه فلما استثقل انسلت فرجعت إلى أمها فانتبه لقيط فلم يرها فخرج حتى أتى ابن خاله قراداً وهو في اسفل الوادي فقال ارحل بعيرك واياك أن يسمع رغاؤها
فتوجها إلى المنذر بن ماء السماء واصبح قيس ففقد لقيطاً فسكت ولم يدر ما الذي ذهب به ومضى لقيط حتى أتى المنذر فاخبره ما كان من قول أبيه وقوله فأعطاه مائة من هجائنه فبعث بها مع قراد إلى أبيه زرارة ثم مضى إلى كسرى فكساه وأعطاه جواهر ثم انصرف لقيط من عند كسرى فأتى أباه فاخبرة خبرة
وأقام يسيراً ثم خرج هو وقراد حتى جاءا محلة بني شيبان فوجداهم قد انتجعوا فخرجا في طلبهم حتى وقعا في الرمل فقال لقيط

(22/198)


( انظر قراد وهاتا نضرة جزعا ... عرض الشقائق هل بينت أظعانا )
( فيهن اترجة نضح العبير بها ... تكسي ترائبها شذرا ومرجانا )
وصية اب لابنته وهي ترحل للزواج فخرجا حتى اتيا قيس بن خالد فجهزها ابوها فلما ارادت الرحيل قال لها يا بنية كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً وليكن اكثر طيبك الماء فانك إنما يذهب بك إلى الأعداء واراك أن ولدت فستلدين لنا غيظاً طويلاً واعلمي أن زوجك فارس مضر وانه يوشك أن يقتل أو يموت فلا تخمشي عليه وجهاً ولا تحلقي شعراً قالت له أما والله لقد ربيتني صغيرة واقصيتني كبيرة وزودتني عند الفراق شر زاد وارتحل بها لقيط فجعلت لا تمر بحي من العرب إلا قالت يالقيط اهؤلاء قومك فيقول لا حتى طلعت على محلة بني عبد الله بن دارم فرأت القباب والخيل العراب قالت يالقيط أهؤلاء قومك قال نعم فأقام اياماً يطعم وينحر ثم بنى بها فأقامت عنده حتى قتل يوم جبلة فبعث إليها أبوها أخا لها فحملت فلما ركبت بعيرها أقبلت حتى وقفت على نادي بني عبد الله بن دارم فقالت يا بني دارم اوصيكم بالغرائب خيراً فوالله ما رأيت مثل لقيط لم تخمش عليه امرأة وجهاً ولم تحلق عليه شعراً فلولا أني غربية لخمشت وحلقت فحبب الله بين نساءكم وعادى بين رعائكم فاثنوا عليها خيراً

(22/199)


ثم مضت حتى قدمت على ابيها فزوجها من قومه فجعل زوجها يسمعها تذكر لقيطا وتحزن عليه فقال لها أي شيء رأيت من لقيط احسن في عينك قالت خرج يوم دجن وقد تطيب وشرب فطرد البقر فصرع منها ثم أتاني وبه نضح دماء فضمني ضمة وشمني شمة فليتني مت ثمة فلم أرى منظراً كان احسن من لقيط فمكث عنه حتى إذا كان يوم دجن شرب وتطيب ثم ركب فطرد البقر ثم أتاها وبه نضح دم والطيب وريح الشراب فضمها إليه وقبلها ثم قال لها كيف ترين اانا أم لقيط فقالت ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان فذهبت مثلا وصداء ركية ليس في الأرض ركية أطيب منها وقد ذكرها التميمي في شعره
( أني وتهيامي بزينب كالذي ... يخالس من احواض صداء مشربا )
( يرى دون برد الماء هولا وذادة ... إذا اشتد صاحوا قبل أن يتحببا )
يقول قبل أن يروى يقال تحببت من الشراب أي رويت وبضعت منه ايضاً أي رويت منه والتحبب الري
صوت
( وكاتبه في الخد بالمسك جعفرا ... بنفسي مخط المسك من حيث أثرا )
( لئن كتبت في الخد سطراً بكفها ... لقد أودعت قلبي من الحب اسطرا )
( فيا من لمملوك لملك يمينه ... مطيع لها فيما اسر واظهرا )

(22/200)


( ويا من هواها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا ) الشعر لمحبوبة شاعرة المتوكل والغناء لعريب خفيف رمل مطلق

(22/201)


أخبار محبوبة
كانت محبوبة مولدة من مولدات البصرة شاعرة شريفة مطبوعة لا تكاد فضل الشاعرة اليمامية أن تتقدمها وكانت محبوبة اجمل من فضل واعف وملكها المتوكل وهي بكر اهداها له عبد الله بن طاهر وبقيت بعده فما طمع فيها أحد وكانت أيضا تغني غناء ليس بالفاخر البارع
فاقت علي بن الجهم في سرعة البديهة
أخبرني بذلك جحظة عن احمد بن حمدون واخبرني جعفر بن قدامة قال
حدثني علي بن يحيى المنجم كان علي بن الجهم يقرب من أنس المتوكل جدا ولا يكتمه شيئا من سره مع حرمه و أحاديث خلواته فقال له

(22/202)


يوما أني دخلت على قبيحة فوجدتها قد كتبت اسمي على خدها بغالية فلا و الله ما رأيت شيئا احسن من سواد تلك الغالية على بياض ذلك الخد فقل في هذا شيئا قال وكانت محبوبة حاضرة للكلام من وراء الستر وكان عبد الله بن طاهر أهداها في جملة أربعمائة وصيفة الى المتوكل قال فدعا علي بن الجهم بدواة فإلى أن أتوه بها وابتدأ يفكر قالت محبوبة على البديهة من غير فكر ولا روية
( وكاتبةٍ بالمسك في الخدِّ جعفَرا ... بنفسي فخطُّ المسكِ من حيث أثَّرَا )
( لئن كتبتْ في الخد سطراً بكَفِّها ... لقد أودعتْ قلبي من الحبِّ أسطرَا )
( فيا مَنْ لمملوك لِملكِ يمينه ... مطيعٍ له فيما أسرَّ وأظهرَا )
( ويا من مناها في السريرةِ جعفرُ ... سقى الله من سُقيا ثَناياك جعفرَا )
قال وبقي علي بن الجهم واجما لا ينطق بحرف وأمر المتوكل بالأبيات فبعث بها إلى عريب أمر أن تغني فيها قال علي بن يحيى قال علي بن الجهم بعد ذلك تحيرت والله وتقلبت خواطري فو الله ما قدرت على حرف واحد أقوله
شعرها في تفاحة
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني ابن خرداذبه قال حدثني علي بن الجهم قال كنت يوما عند المتوكل وهو يشرب ونحن بين يديه

(22/203)


فدفع إلى محبوبة تفاحة مغلفة فقلبتها وانصرفت عن حضرته إلى الموضع الذي كانت تجلس فيه إذا شرب ثم خرجت جارية لها ومعها رقعة فدفعتها إلى المتوكل فقرأها وضحك ضحكا شديدا ثم رمى بها إلينا فقرأناها وإذا فيها
( يا طيب تُفاحة خلوتُ بها ... تُشعل نارَ الهوى على كَبِدي )
( أبكي ليها وأشتكي دَنَفِي ... وما ألاقي من شدَّة الكَمَدِ )
( لو أن تفاحةً بكت لبكت ... من رحمتي هذه التي بيدي )
( أن كنتِ لا ترحمين ما لقيتْ ... نفسي من الجهد فارحمي جسدي )
قال فو الله ما بقي أحد إلا استظرفها واستملحها وأمر المتوكل فغني في هذا الشعر صوت شرب عليه بقية يومه
حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم
أن جواري المتوكل تفرقن بعد قتله فصار إلى وصيف عدة منهن وأخذ محبوبة فيمن أخذ فاصطبح يوما وأمر بإحضار جواري المتوكل فأحضرن عليهن الثياب الملونة والمذهبة والحلي وقد تزين وتعطرن إلا محبوبة فإنها جاءت مرهاء متسلبة عليها ثياب بياض غير فاخرة حزنا على المتوكل فغنى الجواري جميعا وشربن وطرب وصيف وشرب ثم قال لها يا محبوبة غني فأخذت العود وغنت وهي تبكي وتقول
( ايُّ عيش يطيبُ لي ... لا أرى فيه جعفرَا )
( ملكا قد رأَته عَيْنِي ... قتيلاً معفَّرَا )

(22/204)


( كلُّ من كان ذا هُيامٍ ... وحزن فقد برَا )
( غير محبوبةَ التي ... لو ترى الموتَ يُشترَى )
( لا شترته بمِلكها ... كُلُّ هذا لتُقبرَا )
( إن مَوْتَ الكئيبِ أصْلَح ... ُ من أن يعمِّرَا )
فاشتد ذلك على وصيف وهم بقتلها وكان بغا حاضرا فاستوهبها منه فوهبها له فأعتقها وأمر بإخراجها وان تكون بحيث تختار من البلاد فخرجت من سر من رأى إلى بغداد وأخملت ذكرها طول عمرها
خصام وصلح مع المتوكل
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني ملاوي الهيثمي قال قال لي علي بن الجهم
كانت محبوبة أهديت إلى المتوكل أهداها إليه عبد الله بن طاهر في جملة أربعمائة جارية وكانت بارعة الحسن والظرف والادب مغنية محسنة فحظيت عند المتوكل حتى انه كان يجلسها خلف ستارة وراء ظهره إذا جلس للشرب فيدخل رأسه إليها ويحدثها ويراها في كل ساعة
فغاضبها يوما وهجرها ومنع جواريه جميعا من كلامها ثم نازعته نفسه إليها و أراد ذلك ثم منعته العزة وامتنعت من ابتدائه إدلالا عليه بمحلها منه قال علي بن الجهم فبكرت إليه يوما فقال لي أني رأيت البارحة محبوبة في نومي كأني قد صالحتها فقلت أقر الله عينك يا أمير المؤمنين و أنامك على خير وأيقظك على سرور وأرجوا أن يكون هذا الصلح في اليقظة فبينا هو يحدثني واجيبه إذا بوصيفة قد جاءته فأسرت إليه شيئا فقال لي أتدري ما أسرت هذه إلي قلت لا قال حدثتني أنها

(22/205)


اجتازت بمحبوبة الساعة وهي في حجرتها تغني أفلا تعجب من هذا إني مغاضبها وهي متهاونة بذلك لا تبدؤني بصلح ثم لا ترضى حتى تغني في حجرتها قم بنا يا علي حتى نسمع ما تغني ثم قام وتبعته حتى انتهى إلى حجرتها فإذا هي تغني وتقول
( أدُور في القصر لا أرى أحداً ... اشكو إليه ولا يكلِّمُني )
( حتى كأني ركبتُ معصيةً ... ليستْ لها توبةُ تُخلِّصني )
( فهل لنا شافعُ إلى مَلِكٍ ... قد زارني في الكَرى فصالحني )
( حتى إذا ما الصباحُ لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني )
فطرب المتوكل وأحست بمكانه فأمرت خدمها فخرجوا إليه وتنحينا وخرجت إليه فحدثته إنها رأته في منامها وقد صالحها فانتبهت وقالت هذه الأبيات وغنت فيها فحدثها هو أيضا برؤياه واصطلحا وبعث إلى كل واحد منا بجائزة وخلعة
ولما قتل تسلى عنه جميع جواريه غيرها فإنها لم تزل حزينة متسلبه هاجرة لكل لذة حتى ماتت ولها فيه مراث كثيرة
صوت
( يا ذا الَّذي بعذابي ظلَّ مفتخرا ... هل أنت إلا مليكُ جارَ إذ قَدَرا )
( لولا الهوى لتجازينا على قَدَرٍ ... وإن أُفِقْ منه يوما ما فسوف تَرَى )
الشعر يقال انه للواثق انه للواثق قال في خادم له غضب عليه ويقال أن أبا حفص الشطرنجي قاله له
والغناء لعبيدة الطنبورية رمل مطلق وفيه لحن للواثق آخر قد ذكر في

(22/206)


أخبار عبيدة الطنبورية
كانت عبيدة من المحسنات المتقدمات في الصنعة و الآداب يشهد لها بذلك إسحاق وحسبها بشهادته وكان أبو حشيشة يعظمها ويعترف لها بالرياسة والأستاذية وكانت من احسن الناس وجها وأطيبهم صوتا ذكرها جحظة في كتاب الطنبوريين والطنبوريات وقرأت عليه خبرها فيه فقال كانت من المحسنات وكانت لا تخلو من عشق ولم يعرف في الدنيا امرأة اعظم منها في الطنبور وكانت لها صنعة عجيبة فمنها في الرمل
( كن لي شفيعاً إليكا ... إن خفَّ ذاك عليكا )
( وأعفني من سؤالي ... سواك ما في يديكا )
( يا مَنْ أُعِزُّ و أهوَى ... مالي أهونُ عليكا )
غنت في حضرة إسحاق الموصلي دون أن تعرفه
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق قال قال لي علي بن الهيثم اليزيدي

(22/207)


كان أبو محمد يعني أبي رحمه الله إسحاق بن إبراهيم الموصلي يألفني ويدعوني ويعاشرني فجاء يوما إلى أبي الحسن إسحاق بن إبراهيم فلم يصادفه فرجع ومر بي وأنا مشرف من جناح لي فوقف وسلم علي وأخبرني بقصته وقال هل تنشط اليوم للميسر إلي فقلت له ما على الأرض شيء احب إلي من ذلك ولكني أخبرك بقصتي ولا أكتمك
فقال هاتها فقلت عندي اليوم محمد بن عمرو بن مسعدة وهارون بن احمد بن هشام وقد دعونا عبيدة الطنبورية وهي حاضرة والساعة يجيء الرجلان فامض في حفظ الله فإني أجلس معهم حتى تنتظم أمورهم و أروح إليك فقال لي فهلا عرضت علي المقام عندك فقلت له لو علمت أن ذلك مما تنشط له و الله لرغبت إليك فيه فإن تفضلت بذلك كان اعظم لمئتك فقال أفعل فإني قد كنت أشتهي أن أسمع عبيدة ولكن لي عليك شريطة قلت هاتها قال إنها أن عرفتني وسألتموني أن اغني بحضرتها لم يخف عليها أمري وانقطعت فلم تصنع شيئا فدعوها على جبلتها فقلت إفعل ما أمرت به فنزل ورد دابته وعرفت صاحبي ما جرى فكتماها آمره وأكلنا ما حضر وقدم النبيذ فغنت لحنا لها تقول
( قريبُ غيرُ مقتربِ ... ومؤتلِفُ كمجتنِبِ )
( له وُدَّي ولي منه ... داوعي الهم والكُرَب )
( أواصلُه على سَببٍ ... ويهجُرني بلا سبب )
( وَيظلمُني على ثقةٍ ... بإنّ إليهِ مُنْقَلَبي )
فطرب إسحاق وشرب نصفا ثم غنت وشرب نصفا ولم يزل

(22/208)


كذلك حتى والى بين عشرة أنصاف وشربناها معه وقام ليصلي فقال لها هارون بن احمد بن هشام ويحك يا عبيدة ما تبالين والله متى مت قالت ولم قال أتدرين من المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب قالت لا و الله قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي فلا تعرفيه انك قد عرفته فلما جاء إسحاق ابتدأت تغني فلحقتها هيبة له واختلاط فنقصت نقصانا بينا فقال لنا أعرفتموها من أنا فقلنا له نعم عرفها إياك هارون بن احمد فقال إسحاق نقوم إذا فننصرف فإنه لا خير في عشرتكم الليلة ولا فائدة لي ولا لكم فقام فانصرف
حدثني بهذا الخبر جحظة عن جماعة منهم العباس بن أبي العبيس فذكر مثله وقال فيه أن الصوت الذي غنته
( يا ذا الذي بِعذَابي ظلَّ مفتخراً ... )
قدمها مسدود على نفسه
حدثني جحظة قال حدثني محمد بن سعيد الحاجب قال حدثني ملاحظ غلام أبي العباس بن الرشيد وكان في خدمة سعيد الحاجب قال
اجتمع الطنبوريون عند أبي العباس بن الرشيد يوما وفيهم المسدود وعبيدة فقالوا للمسدود غن فقال لا و الله لا تقدمت عبيدة وهي الأستاذة فما غنى حتى غنت
و حدثني جحظة قال حدثني شرائح الخزاعي صاحب ساباط شرائح بسويقة نصر وساباط شرائح مشهور قال

(22/209)


كانت عبيدة تعشقني فتزوجت فمرت بي يوماً فسألتها الدخول الي فقالت يا كشخان كيف أدخل إليك وقد أقعدت في بيتك صاحب مصلحة ولم تدخل
وحدثني جحظة قال
وهب لي جعفر بن المأمون طنبورها فإذا عليه مكتوب بأبنوس
( كل شيء سوى الخيانة ... في الحُبَّ يُحْتَمَلْ )
أخبار عن فسقها وفجورها
وحدثني جحظة وجعفر بن قدامة وخبر جعفر أتم إلا أني قرأته على جحظة فعرفه وذكر لي انه سمعه قالا جميعا حدثنا احمد بن الطيب السرخسي قال
كان علي بن أحمد بن بسطام المروزي وهو ابن بنت شبيب بن واج وشبيب أحد النفر الذي سترهم المنصور خلف قبته يوم قتل أبا مسلم وقال لهم إذا صفقت فاخرجوا فاضربوه بسيوفكم ففعل وفعلوا فكان علي بن احمد هذا يتعشق عبيدة الطنبورية وهو شاب وانفق عليها مالا جليلا فكتبت إليه أسأله عن خبرها ومن هي ومن أين خرجت فكتب الي كانت عبيدة بنت رجل يقال له صباح مولى أبي السمراء الغساني نديم عبد الله بن

(22/210)


طاهر وأبو السمراء أحد العدة الذين وصلهم عبد الله بن طاهر في يوم واحد لكل رجل منهم مائة ألف دينار وكان الزبيدي الطنبوري أخو نظم العمياء يختلف إلى أبي السمراء وكان صباح صاحب أبي السمراء فكان الزبيدي إذا سار إلى أبي السمراء فلم يصادفه أقام عند صباح والد عبيدة وبآت وشرب وغنى و انس وكان لعبيدة صوت حسن وطبع جيد فسمعت غناء الزبيدي فوقع في قلبها واشتهته وسمع الزبيدي صوتها وعرف طبعها فعلمها وواظب عليها ومات أبوها ورقت حالها وقد حذقت الغناء على الطنبور فخرجت تغني وتقنع باليسير وكانت مليحة مقبولة خفيفة الروح فلم يزل أمرها يزيد حتى تقدمت وكبر حظها واشتهاها الناس وحلت تكتها وسمحت ورغب فيها الفتيان فكان أول من تعشقها علي بن الفرج الرخجي أخو عمر وكان حسن الوجه كثير المال فكنت أراها عنده وكنا نتعاشر على الفروسية ثم ولدت من علي بن الفرج بنتا فحجبها لأجل ذلك فكانت تحتال في الأوقات بعلة الحمام وغيره فتلم بمن كانت توده ويودها فكنت ممن تلم به وأنا حينئذ شاب ورثت عن أبي مالا عظيما وضياعا جليلة ثم ماتت بنتها من علي بن الفرج وصادف ذلك نكبتهم واختلال حال علي بن الفرج فطلقها فخرجت فكانت تخرج بدينارين للنهار ودينارين لليل واعترت بأبي السمراء ونزلت في بعض دوره
وتزوجت أمها بوكيل له فتعشقت غلاما من آل حمزة بن مالك يقال له شرائح وهو صاحب ساباط شرائح ببغداد وكان يغني بالمعزفة غناء

(22/211)


مليحا وكان حسن الوجه لا عيب في جماله إلا انه كان متغير النكهة وكانت شديدة الغلمة لا تحرم أحدا ولا تكرهه من حد الكهول إلى الطفل حتى تعلقت شابا يعرف بأبي كرب بن أبي الخطاب مشرط الوجه أفطس قبيحا شديد الأدمة فقيل لها أي شيْ رأيت في أبي كرب فقالت قد تمتعت بكل جنس من الرجال إلا السودان فان نفسي تبشعهم وهذا بين الأسود والابيض وبيته فارغ لما أريد وهو صفعاني إذا أردت ووكيلي إذا أردت قال وكان لها غلام يضرب عليها يقال له علي ويلقب ظئر عبيدة فكانت إذا خلت في البيت وشبقت اعتمدت عليه وقالت هو بمنزلة بغل الطحان يصلح للحمل والطحن والركوب
وكان عمروبن بانة إذا حصل عنده إخوان له يدعوها لهم تغنيهم مع جواريه وإنما عرفها من داري لانه بعث يدعوني فدخل غلامه قرآها عندي فوصفها له فكتب إلي يسألني أن أجيئه بها معي ففعلت وكان عنده محمد بن عمرو بن مسعدة والحارث بن جمعة والحسن بن سليمان البرقي وهارون بن احمد بن هشام فعدلوا كلهم إلى استماع غنائها والاقتراح له والإقبال عليه ومال إليها جواريه وما خرجت إلا وقد عقدت بين الجماعة مودة وكان جواري عمرو بن بانة يشتقن إليها فيسألنه أن يدعوها فيقول لهن ابعثن إلى علي حتى يبعث بها إليكن فإنه يميل إليها وهو

(22/212)


صديقي و أخشى أن يظن أني قد أفسدتها عليه ولم يكن به هذا إنما كان به الديناران اللذان يريد أن يحدرها بهما وكان عمرو من أبخل الناس وكان صوت إسحاق بن إبراهيم عليها
( يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ... )
وكان صوت علويه ومخارق عليها
( قريب غير مقترب ... )
وهذان الصوتان جميعا من صنعتها
إسحاق يرثيها
وكان إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يشتهي أن يسمعها ويمنع نفسه ذلك لتيهه ولبدمكته وتوقيه أن يبلغ المعتصم عنه شيء يعيبه وماتت عبيدة من نزف أصابها فأفرط حتى أتلفها
وفي عبيدة يقول بعض الشعراء ومن الناس من ينسبه إلى إسحاق
( أمست عُبيدةُ في الاحسان واحدةً ... فاللهُ جارُ لها من كلَّ محذور )
( من احسَنِ الناس وجها حين تُبصرُها ... وأحذقِ الناس أن غنّت بطنبور )
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال سمعت إسحاق يقول الطنبور إذا تجاوز عبيدة هذيان

(22/213)


صوت
( سَقِمتُ حتى ملَّني العائُد ... وذبتُ حتى شَمِتَ الحاسدُ )
( وكنتُ خِلواً من رسيسِ الهوى ... حتى رماني طرفُك الصائدُ )
الشعر فيما أخبرني به جحظة لخالد الكاتب ووجدته في شعر محمد بن أمية له والغناء لأحمد بن صدقة الطنبوري رمل مطلق
وقد مضت أخبار خالد الكاتب و محمد بن أمية ونذكر ها هنا أخبار احمد بن صدقة

(22/214)


أخبار أحمد بن صدقة
هو احمد بن صدقة بن أبي صدقة وكان أبوه حجازيا مغنيا قدم على الرشيد وغنى له وقد ذكرت أخباره في صدر هذا الكتاب
وكان احمد بن صدقة طنبوريا محسنا مقدما حاذقا حسن الغناء محكم الصنعة وله غناء كثير من الأرمال و الأهزاج وما جرى مجراها من غناء الطنبوريين وكان ينزل الشام فوصف للمتوكل فأمر بإحضاره فقدم عليه وغناه فاستحسن غناءه وأجزل صلته واشتهاه الناس وكثر من يدعوه فكسب بذلك اكثر مما كسبه مع المتوكل أضعافا
أخبرني بذلك جحظة و قال
كانت له صنعة ظريفة كثيرة ذكر منها الصوت المتقدم ذكره ووصفه وقرظه وذكر بعده هذا الصوت
( وشادنٍ ينطِق بالظَّرفِ ... حُسنُ حبيبي منتهى الوصفِ )
( هام فؤادي وجرت عَبْرتي ... لا بَعُدَ الإلْفُ من الإلفِ )
قال وهو رمل مطلق ولو حلفت أنهما ليسا عند أحد من مغني زماننا إلا عند واحد ما حنثت يعني نفسه

(22/215)


خبره مع خالد بن يزيد
حدثني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني احمد بن صدقة قال
اجتزت بخالد بن يزيد الكاتب فقلت له أنشدني بيتين من شعرك حتى اغني فيهما قال و أي حظ لي في ذلك تأخذ أنت الجائزة و أحصل أنا الإثم فحلفت له أني أن أفدت بشعرك فائدة جعلت لك فيها حظا أو أذكرت به الخليفة وسألته فيك أما الحظ من جهتك فأنت أنزل من ذلك ولكن عسى أن تفلح في مسألة الخليفة ثم أنشدني
( تقولُ سلا فمن المدْنَفُ ... ومَنْ عينُه أبداً تَذْرِفُ )
( ومَنْ قلبُه قَلِق خافقُ ... عليك وأحشاؤُه ترجُف )
فلما جلس المأمون للشرب دعاني وقد كان غضب على حظية له فحضرت مع المغنين فلما طابت نفسه وجهت إليه بتفاحة من عنبر عليها مكتوب بالذهب يا سيدي سلوت وعلم الله أني ما عرفت شيئا من الخبر
و انتهى الدور الي فغنيت البيتين فاحمر وجه المأمون وانقلبت عيناه وقال لي يا بن الفاعلة ألك علي وعلى حرمي صاحب خبر فوثبت و قلت يا سيدي ما السبب فقال لي من أين عرفت قصتي مع جاريتي فغنيت في معنى ما بيننا فحلفت له أني لا أعرف شيئا من ذلك و حدثته حديثي مع خالد فلما انتهيت إلى قوله أنت انزل من ذلك ضحك وقال صدق وإن هذا الاتفاق ظريف ثم أمر لي بخمسة آلاف درهم ولخالد بمثلها

(22/216)


دخل على المأمون يوم السعانين
أخبرني محمد قال حدثنا حماد قال حدثني أحمد بن صدقة قال
دخلت على المأمون في يوم السعانين وبين يديه عشرون وصيفة جلبا روميات مزنرات قد تزين بالديباج الرومي وعلقن في أعناقهن صلبان الذهب وفي أيديهن الخوص و الزيتون فقال لي المأمون ويلك يا أحمد قد قلت في هؤلاء أبياتا فغنني فيها
ثم أنشدني قوله
( ظباءُ كالدنانير ... مِلاحُ في المقاصيرِ )
( جَلاهُنَّ السعانينُ ... علينا في الزنانيرِ )
( و قد زَرَّفن أصدَاغاً ... كأذنابِ الزرازيرِ )
( وأقبلنَ بأوساطٍ ... كَأوساط الزنابير )
فحفظتها وغنيته فيها فلم يزل يشرب و ترقص الوصائف بين يديه أنواع الرقص من الدستبند إلى الإيلا حتى سكر فأمر لي بألفِ

(22/217)


دينار و أمر بأن ينثر على الجواري ثلاثة آلاف دينار فقبضت الألف ونثرت الثلاثة الألاف عليهن فانتهبتها معهن
حدثني جحظة قال حدثني جعفر بن المأمون قال
اجتمعنا عند الفضل بن العباس بن المأمون ومعنا المسدود بن صدقة وكان أحمد قد حلق في ذلك اليوم رأسه فاستعجلوا بسلافة كانت لهم فأخذ المسدود سكرجة خردل فصبها على راس أحمد بن صدقة و قال كلوا هذه حتى تجيء تلك فحلف أحمد بالطلاق إلا يقيم فانصرف ولما كان من غد جمعهما الفضل بن العباس فتقدم المسدود ودخل أحمد وطنبور المسدود موضوع فجسه ثم قال من كان يسبح في هذا الماء فلما انتفعنا بالمسدود سائر يومه على أن الفضل قد خلع عليهما وحملهما
ولم يزل أحمد مقيما حتى بلغه موت بنية له بالشأم فشخص نحو منزله وخرج عليه الأعراب فأخذوا ما معه وقتلوه
قال جحظة
وقال بعض الشعراء يهجو احمد بن صدقة وكانت له صديقة فقطعته فعيره بذلك و نسبها إلى إنها هربت منه لانه أبخر
( هربتْ صديقة أحمدٍ ... هربتْ من الرِّيقِ الرّدِي )
( هربت فإن عادت إلى ... طُنبورِه فاقطعْ يدي )

(22/218)


صوت
( ألم تعلَموا أني تُخاف عَرامتي ... و أن قَناتي لا تلينُ على القَسْر )
( و إني و إياكم كمن نبَّه القَطا ... ولو لم تُنبَّه باتت الطيرُ لا تسْري )
( أناةً و حلماً و انتظاراً بكم غداً ... فما أنا بالواني ولا الضَّرَع الغُمر )
( أظُنُّ صروفَ الدهر والجهل منكمُ ... ستحملكم منِّي على مَركَب وَعْر )
الشعر للحارث بن وعلة الجرمي و الغناء لابن جامع ثقيل بالبنصر عن عمرو وفيه لسياط لحن ذكره إبراهيم ولم يجنسه و قيل أن الشعر لوعلة نفسه

(22/219)


أخبار الحارث بن وعلة
اسمه و نسبه
الحارث بن وعلة بن عبد الله بن الحارث بن بلع بن سبيلة بن الهون بن أعجب بن قدامة بن حرم بن زبان وهو علاف و إليه تنسب الرحال العلافية وهو أول من اتخذها بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وقد ذكرت متقدما الاختلاف في قضاعة ومن نسبه معديا ومن نسبه حميريا
و الرحال العلافية مشهورة عند الناس قد ذكرتها الشعراء في أشعارها قال ذو الرمة
( وليلٍ كجلباب العَروس ادرعتُه ... بأربعة و الشَّخصُ في العين واحدُ )
( أحَمُّ عِلافيِّ وأبيضُ صارمُ ... وأعيسُ مَهْريُّ وأروعُ ماجدُ )

(22/220)


وكان وَعلة الجرمي وابنه الحارث من فرسان قضاعة و أنجادها و أعلامها وشعرائها وشهد وعلة الكلاب الثاني فأفلت بعد أن أدركه قيس بن عاصم المنقري و طلبه فقاته ركضا و عدوا و خبره يذكر بعد هذا في موضعه أن شاء الله تعالى
فأخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال
كتب عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث إلى الحجاج متبدئا أما بعد فإن مثلي و مثلك كما قال القائل
( سائلْ مُجاورَ جَرمْ هل جنيتُ لها ... حَرْبا تفرقّ بين الجِيرة الخُلُطِ )
( أم هل دلفتُ بجرُّار له لَجبُ ... يَغشَى الأماعيزَ بين السَّهل و الفُرُط )
والشعر لوعلة الجرمي هذا مثلي و مثلك فسأحملك على أصبعه وأريحك من مركبه
فكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك فكتب إليه جوابه أما بعد فإني قد أجبت عدو الرحمن بلا حول ولا قوة إلا بالله و لعمر الله لقد صدق و خلع سلطان الله بيمينه و طاعته بشماله و خرج من الدين عريانا كما ولدته أمه
ثم لم يصبر عبد الملك على أن يدع جوابه بشعر فقال وعلى أن مثلي و مثله ما قال الآخر

(22/221)


( أناة وحِملاً وانتظاراً بكُم غدا ... فما أنا بالوانِي ولا الضرَعِ الغَمْر )
( أظُنّ صروفَ الدهر و الجهلَ منهمُ ... ستحمِلُهم منّي على مَركَب وعْرِ )
فليت شعري أسما عدو الرحمن لدعائم دين الله يهدمها أم رام الخلافة أن ينالها وأوشك أن يوهن الله شوكته فاستعن بالله واعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
قال مؤلف هذا الكتاب الشعر الذي تمثل به عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث لوعلة الجرمي والشعر الذي تمثل به عبد الملك لابنه الحارث بن وعلة
أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثني طلحة بن عبد الله الطلحي عن احمد بن إبراهيم عن أبي عبيدة قال
قتلت نهد أخا وعلة الجرمي فاستعان بقومه فلم يعينوه فاستعان بحلفاء من بني نمير و كانوا له حلفاء و إخوانا فأعوناه حتى أدرك بثأره فقال في ذلك
( سائل مُجاورَ جَرم هل جنيتُ لها ... حربا تُزيِّل بين الجيرة الْخُلطُ )
( أم هل علوتُ بجرَّار له لُجبُ ... يغشى المخارمَ بين السهل والفُرُط )
( حتى تركتُ نساءَ الحي ضاحيةً ... في ساحة الدار يستوقدْن بالغُبُط )
فراره من قيس بن عاصم
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال

(22/222)


خرج رجل من بني تميم انه قيس بن عاصم قال الرياشي و حقق أبو عبيدة انه قيس يوم الكلاب يلتمس أن يصيب رجلا من ملوك اليمن له فداء فبينا هو في ذلك إذ أدرك وعلة الجرمي وعليه مقطعات له فقال له على يمينك قال على يساري أقصد لي قال هيهات منك اليمن قال العراق مني أبعد قال انك لن ترى أهلك العام قال ولا أهلك تراهم و جعل وعلة يركض فرسه فإذا ظن إنها قد أعيت وثب عنها فعدا معها وصاح بها فتجري وهو يجاريها فإذا أعيا وثب فركبها حتى نجا فسأل عنه قيس فعرف انه وعلة الجرمي فانصرف و تركه فقال وعلة في ذلك
( فِدىً لكما رحْليَّ أمّي و خالتي ... غداة الكُلاب إذ تُحَزُّ الدَّوابرُ )
( نجوتُ نجاء لم ير الناسُ مثلَه ... كأنّي عقابُ عند تَيْمن كاسِرُ )
( ولما رأيت الخيلَ تدعو مُقاعِساُ ... تنازعني من ثغرةِ النحر جائِز )
( فإن استطع لا تلتبسْ بي مُقاعِسُ ... ولا يرني ميدنهم و المحاضر )
( ولا تك لي جرَّارة مضريِّةُ ... إذا ما غدت قوت العيال تُبادر )
أما قوله تحز الداوبر فان أهل اليمن لما انهزموا قال قيس بن عاصم لقومه لا تشتغلوا بأسرهم فيفوتكم أكثرهم ولكن اتبعوا المنهزمين فجزوا أعصابهم من أعقابهم ودعوهم في مواضعهم فإذا لم يبق أحد رجعتم إليهم فأخذتموهم ففعلوا ذلك أهل اليمن يومئذ ثمانية آلاف عليهم

(22/223)


أربعة املاك يقال لهم اليزيدون وهم يزيد بن عبد المدان ويزيد بن هوبر و يزيد بن المأمور و يزيد بن مخزم هؤلاء الأربعة اليزيدون و الخامس عبد يغوث بن وقاص فقتل اليزيدون أربعتهم في الوقعة و أسر عبد يغوث بن وقاص فقتلته الرباب برجل منها وقد ذكر خبر مقتله متقدما في صوت يغني فيه وهو
( إلا لا تلوماني كفى اللومَ مَابيا ... )
وأما قوله
( ولما رأيتُ الخيلَ تدعو مُقاعِساً ... )
فإن بني تميم لما التقت مع بني الحارث بن كعب في هذا اليوم تداعت تميم في المعمعة يا آل كعب فتنادى أهل اليمن يا آل كعب فتنادوا يا آل الحارث فتنادى أهل اليمن يا آل الحارث فتنادوا يا آل مقاعس وتميزوا بها من أهل اليمن
صوت
( و الله لا نظرتْ عيني إليكَ ولو ... سالتَ مَساربها شوقاً إليكَ دَمَا )
( أن كنت خنتُ ولم أضمر خيانتكمْ ... فالله يأخذ ممن خانَ أو ظَلمَا )
( سماجة لمُحبِّ خان صاحَبه ... ما خان قطُّ محبُّ يعرف الكرَمَا )
الشعر لعلي بن عبد الله الجعفري و الغناء للقاسم بن زرزور و لحنه ثقيل أول مطلق ابتداؤه نشيد و كان إبراهيم بن أبي العبيس يذكر انه لأبيه

(22/224)


أخبار علي بن عبد الله بن جعفر و نسبه
هو علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليهم السلام و أمه ولادة بنت الحجل بن عنبسة بن سعيد بن العاصي بن أمية
شاعر ظريف حجازي كان عمر بن الفرج الرخجي حمله من الحجاز إلى سر من رأى مع من حمل من الطالبيين فحبسه المتوكل معهم
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود الزرقي قال حدثنا عمر بن عثمان الزهري المعروف بابن أبي قباحة قال
رفع عمر بن الفرج علي بن عبد الله بن جعفر الجعفري إلى المتوكل أيام حج المنتصر فحبسه المتوكل لأنه كان شيخ القوم وكبيرهم وكان أغلظ لعمر بن الفرج
كان متديثا في شعره
قال علي بن عبد الله مكثت في الحبس مدة فدخل علي رجل من الكتاب يوما فقال أريد هذا الجعفري الذي تديث في شعره فقلت له إلي فأنا هو فعدل إلي وقال جعلت فذاك أحب أن تنشدني بيتيك اللذين

(22/225)


تديثت فيهما فأنشدته
( ولما بدَا لي أنهما لا تودني ... و أن هواها ليس عني بمُنجَلِ )
( تمنيّتُ أن تهوى سواي لعلَّها ... تذوقُ حراراتِ الهوى فترقَّ لي )
قال فكتبهما ثم قال لي اسمع جعلت فداك بيتين قلتهما في الغيرة فقلت هاتهما فأنشدني
( ربما سرُّني صدودُك عنيِّ ... في طلابيكِ وامتناعكِ منِّي )
( حذراً أن أكونَ مِفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التَّمَنِّي )
انفته و كبرياؤه
حدثني اليزيدي قال حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود قال أخبرني العباس بن عيسى العقيلي أن علي بن عبد الله الجعفري أنشده
( والله والله ربِّي ... وتلكَ أقصى يَميني )
( لو شئتُ إلا أصلِّي ... لما وضعت جَبيني )
حدثنا اليزيدي قال حدثنا محمد بن الحسن بن مسعود قال أخبرني العباس بن عيسى قال حدثني علي بن عبد الله الجعفري قال
مرت بي امرأة في الطواف و أنا جالس أنشد صديقا لي هذا البيت
( أهوىَ هَوى الدين واللذاتُ تُعجبني ... فكيفَ لي بهوى اللذات والدين )
فالتفتت المرأة إلي و قالت دع أيهما شئت وخذ الآخر
حدثنا اليزيدي قال حدثنا محمد بن الحسن الزرقي قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال أنشدني علي بن عبد الله بن جعفر الجعفري لنفسه
( و الله لا نظرتْ عيني إليكَ ولو ... سالت مساربُها شوقا إليكَ دما )

(22/226)


( إلا مفاجأة عند اللقاء ولا ... نازعتكِ الدهرَِ إلا ناسياً كَلما )
( أن كنت خُنت ولم أضمرْ خيانتكمْ ... فا لله يأخذ ممن خان أو ظلما )
( سماجَةُ لمحبِّ خان صاحبَه ... ما خان قطُّ محبُّ يَعرف الكَرَما )
قال عبد الله بن شبيب علي بن عبد الله لنفسه
صوت
( وقف الهوى بي حيثُ أنت فليس لي ... متأخَّر عنه ولا مُتقدَّمُ )
( أجد الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حُبّاُ لذكركِ فلْيلٌمني اللُّوَّمُ )
( وَ أهَنِتِني فأهنت نفِسيَ جاهداً ... ما من يهون عليك ممن يُكرمُ )
( أشبهتِ أعدائي فَصِرتُ أحِبُّهم ... إذ صار حظي منكِ حظيَ منهمُ )
صوت
( أتعرفُ رسمَ الدار من أمِّ معبدِ ... نعم فرماكَ الشوقُ قبل التجلُّد )
( فيالكَ مِنْ شوقٍ ويا لكَ عبَرة ... سوابقُها مِثل الجُمانِ المبدَّد )
الشعر لعتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة والغناء لجميلة خفيف ثقيل بالبنصر عن ابن المكي
وذكر الهشامي أن فيه لمعبد لحنا من الثقيل الأول وانه يظنه مكن منحول يحيى إليه

(22/227)


أخبار عتيبة ونسبه
عتيبة بن مرداس أحد بني كعب بن عمرو بن تميم لم يقع إلي من نسبه غير هذا وهو شاعر مقل غير معدود في الفحول مخضرم ممن أدرك الجاهلية والإسلام هجاء خبيث اللسان بذي
سبب تلقيبه بابن فسوة
وابن فسوة لقب لزمه في نفسه و لم يكن أبوه يلقب بفسوة إنما لقب هو بهذا وقد اختلف في سبب تلقيبه بذلك فذكر إسحاق الموصلي عن أبي عمرو الشيباني نسخت ذلك من كتاب إسحاق بخطه
أن عتيبة بن مرداس كان فاحشا كثير الشر قد أدرك الجاهلية فأقبل ابن عم له من الحج وكان من أهل بيت منهم يقال لهم بنو فسوة فقال لهم عتيبة كيف كنت يا بن فسوة فوثب مغضبا فركب راحلته و قال بئس لعمر الله ما حييت به ابن عمك قدم عليك من سفر و نزل دارك فقام إليه عتيبة مستحييا وقال له لا تغضب يا بن عم فإنما مازحتك فأبى أن ينزل فقال له انزل و أنا اشتري منك هذا الاسم فاتسمى به وظن أن ذلك لا يضره قال لا أفعل أو تشتريه مني بمحضر من العشيرة قال نعم فجمعهم وأعطاه بردا وجملا وكبشين وقال لهم عتيبة اشهدوا أني قد قبلت هذا النبز و أخذت الثمن و أني ابن فسوة فزالت عن ابن عمه يومئذ

(22/228)


وغلبت عليه وهجي بذلك فقال فيه بعض الشعراء
( أوَدى ابنُ فسوة إلا نَعْتَه الإِبلا ... )
و عمر عمرا طويلا و إنما قال
( أودى ابنُ فسوة إلا نَعْتَه الأبلا ... )
لأنه كان أوصف الناس لها وأغراهم بوصفها ليس له كبير شعر إلا وهو مضمن وصفها
سبب آخر للقبة
و أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال
إنما سمي عتيبة بن مرداس ابن فسوة لأنه كان له جار من عبد القيس فكان يتحدث إلى ابنته وكان لها حظ من جمال و كانت تعجبه ويهيم بها فكان أحداث بني تميم إذا ذكروا العبدي قالوا قال ابن فسوة و فعل ابن فسوة فأكثروا عليه من ذلك حتى مل فعمل على التحول عنهم و بلغ ذلك عتيبة فأتاه فطلب إليه أن يقيم و أن يحتمل اسمه و يشتريه منه ببعير فلم يفعل قال العبدي فتحولت عنهم وشاع في الناس انه قد ابتاع مني و غلب عليه فأنشأ عتيبة يقول من كلمة له
( وَحوَّلَ مولانا علينا اسمَ أُمه ... إلا رُبَّ مولىَّ ناقص غير زُائدِ )
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني عن أبي بكر الهذلي وابن دأب وابن حعدبة قالوا
أتى عتيبة بن مرداس وهو ابن فسوة عبد الله بن العباس عليهما السلام وهو عامل لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه على البصرة

(22/229)