صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبو الفرج الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قد كان يا ربع فيك لي سكن ... فصرت إذ بان بعده سكني
شبهت ما أبلت الرياح من آ ... ثار حبيبي الثأى بلا بدن
يا ريح لا تطمسي الرموس ولا ... تمحي رسوم الديار والدمن
حاشاك يا ريح أن تكون على ... العاشق عوناً لحادث الزمن
كثر الناس فيه، وغناه عمرو الغزال، فقال أبو موسى الأعمى:
يا رب خذني وخذ عليا وخذ ... يا ريح ما تصنعين بالدمن
عجل إلى النار بالثلاثة والرا ... بع عمرو الغزال في قرن
ثم ندم، وقال: هؤلاء أهل بيت، وهم إخوتي، ولا أحب أن أنشب بيني وبينهم عداوة وشراً، فأتى أمية فقال: إني قد أذنبت فيما بيني وبينكم ذنباً، وقد جئتك مستجيراً بك من فتيانك، فدعا بعلي بن أمية، فقال: يا هذا، عمك أبو موسى قد أتاك معتذراً من الشعر الذي قاله، قال: وما هو؟ فأنشده، فقال: قد ضجرنا نحن والله منه كما ضجرت أنت وأكثر، وأنت آمن من أن يكون منا جواب، وأتى محمد بن أمية، فقال له مثل ذلك، ومضى أبو موسى، فأخذ علي بن أمية رقعة فكتب فيها:
كم شاعر عند نفسه فطن ... ليس لدينا بالشاعر الفطن
قد أخرجت نفسه بغصتها ... يا ريح ما تصنعين بالدمن
ودفع الرقعة إلى غلام له، وقال: ادفعها إلى غلام أبي موسى، وقل له: يقول لك مولاك: اذكرني بهذا إذا انصرفت إلى المنزل، فلما انصرف إلى المنزل أتاه غلامه بالرقعة، فقال: ما هذه؟ فقال: التي بعثت بها إلي، فقال: والله ما بعثت إليك رقعة، وأظن الفاسق قد فعلها، ثم دعا ابنه، فقرأها عليه، فلما سمع ما فيها قال: يا غلام، لا تنزع عن البغلة. فرجع إلى علي بن أمية، فقال: نشدتك الله أن تزيد على ما كان، فقال له: أنت آمن.
لحن عمرو الغزال في أبيات علي بن أمية رمل بالوسطى.
وقال يوسف بن إبراهيم: حدثني إبراهيم بن المهدي: قال: حدثني محمد بن أيوب المكي: أنه كان في خدمة عبيد الله بن جعفر بن المنصور، وكان مستخفاً لعمرو الغزال، محباً له، وكان عمرو يستحق ذلك بكل شيء، إلا ما يدعيه ويتحقق به من صناعة الغناء؛ وكان ظريفاً أديباً نظيف الوجه واللباس، معه كل ما يحتاج إليه من آلة الفتوة، وكان صالح الغناء ما وقف بحيث يستحق، ولم يدع ما يستحقه، وأنه كان عند نفسه نظير ابن جامع وإبراهيم وطبقتهما، لا يرى لهم عليه فضلاً ولا يشك في أن صنعتهم مثل صنعته، وكان عبد الله قليل الفهم بالصناعة، فكان يظن أنه قد ظفر منه بكنز من الكنوز، فكان أحظى الناس عنده من استحسن غناء عمرو الغزال وصنعته، ولم يكن في ندمائه من يفهم هذا، ثم استزار عبيد الله بن جعفر أخاه عيسى، وكان أفهم منه، فقلت له: استعن برأي أخيك في عمرو الغزال؛ إنه أفهم منك، وكانت أم جعفر كثيراً ما تسأل الرشيد تحويل أخيها عبيد الله وتديمه والتنويه به، فكان عيسى أخوه يعرف الرشيد أن ضعيف عاجز لا يستحق ذلك، فلما زاره عيسى أسمعه غناء عمرو، فسمع منه سخنة عين ، فأظهر من السرور والطرب أمراً عظيماً، ليزيد بذلك عبيد الله بصيرة فيه، ويجعله عيسى سبباً قوياً يشهد عند الرشيد بضعف عقله، وعلمت ما أراد، وعرفت أن عمراً الغزال أول داخل على الرشيد، فلما كان وقت العصر من اليوم الثاني، لم نشعر إلا برسول الرشيد قد جاء يطلب عمراً الغزال، فوجه إليه وأقبل يلومني ويقول: ما أظنك إلا قد فرقت بيني وبين عمرو، وكنت غنياً عن الجمع بينه وبين عيسى، واتفق أن غنى عمرو الرشيد في هذا الشعر صنعته:
يا ريح ما تصنعين بالدمن؟ ... كم لك من محو منظر حسن

(6/93)


وكان صوتاً خفيفاً مليحاً فأطربه، ووصله بألف دينار، وصار في عداد مغني الرشيد، إلا أنه كان يلازم عبيد الله إذا لم يكن له نوبة، فأقبلت أتعجب من ذلك، واتصلت خدمته إياه ثلاث سنين، ثم انصرفا يوماً من الشماسية مع عبيد الله بن جعفر، فلقيه الخضر بن جبريل، وكان في الناس في العسكر، فعاتبه عبيد الله على تركه وانقطاعه عنه، فقال: والله ما أفعل ذلك جهلاً بحقك، ولا إخلالاً بواجبك، ولكنا في طريقين متباينين لا يمكن معهما الاجتماع، قال: وما هما ويحك؟ قال: أنت على نهاية السرف في محبة عمرو الغزال، وأنا على نهاية السرف في بغضه ، وأنت تتوهم أنه لا يطيب لك عيش إلا به، وأنا أتوهم أني إن عاشرته ساعة مت، وتقطعت نفسي غيظاً وكمداً، وما يستقيم مع هذا بيننا عشرة أبداً، فقال له عبيد الله: إذا كان هذا هكذا فأنا أعفيك منه إذا زرتني، فصر إلي آمناً، ففعل، ولم يجلس عبيد الله حتى قال لحاجبه لا تدخل اليوم أحداً، ولا تستأذن علي لجلوسه ودخلنا، فلما وضعت المائدة لم يأكل ثلاث لقم، حتى دخل الحاجب فوقف بين يديه، وأقبل عمرو الغزال خلفه، فرآن من أقصى الصحن، فقال له عبيد الله: ثكلتك أمك! ألم أقل لك لا تدخل علي أحداً من خلق الله؟ فقال له الحاجب: امرأته طالق ثلاثاً إن كان عنده أن عمراً عندك في هذا المجرى، ولو جاء جبريل وميكائيل وكل من خلق الله لم يدخلوا عليك إلا بإذن سوى عمرو؛ فإنك أمرتني أن آذن له خاصة وأن يدخل متى شاء، وعلى كل حال. قال: ولم يفرغ الحاجب من كلامه حتى دخل عمرو، فجلس على المائدة وتغير وجه الخضر، وبانت الكراهة فيه، فما أكل أكلاً فيه خير، وتبين عبيد الله ذلك، ورفعت المائدة وقدم النبيذ، فجعل الخضر يشرب شرباً كثيراً لم أكن أعهده يشرب مثله، فظننت أنه يريد بذلك أن يستتر من عمرو الغزال، وعمرو يتغنى، فلا يقتصر وكلما تغنى قال له عبيد الله: لمن هذا الصوت يا حبيبي؟ فيقول: لي وعندنا يومئذ جوار مطربات محسنات، وهو يقطع عناءهن بغنائه، وتبينت في وجه الخضر العربدة إلى أن قال عمرو بعقب صوت: هذا لي، فوثب الخضر وكشف استه وخزي في وسط المجلس على بساط خز لم أر لأحد مثله، ثم قال: إن كان هذا الغناء لك، فهذا الخراء لي، فغضب عبيد الله، وقال له: يا خضر أكنت تستطيع أن تفعل أكثر من هذا؟ قال أي والله أيها الأمير، ثم وضع رجليه على سلحه، ثم أخرجهما فمشى على البساط مقبلاً مدبراً، حتى خرج وقد لوثه، وهو يقول: هذا كله لي، وتفرقنا عن المجلس على أقبح حال وأسوئها، وشاع الخبر، حتى بلغ الرشيد، فضحك حتى غلب عليه، ودعا الخضر، وجعله في ندمائه منذ يومئذ، وقال: هذا أطيب خلق الله، وانكشف عنده عوار عمرو الغزال واسترحنا منه، وأمر أن يحجب عنه، سقط يومئذ، وقد كان الجواري والغلمان أخذوه ولهجوا به، وكان الرشيد يكيد به إبراهيم الموصلي وابن جامع قبل ذلك فسقط غناؤه أيضاً منذ يومئذ، فما ذكر منه حرف بعد ذلك اليوم إلا صنعته في:
يا ريح ما تصنعين بالدمن
ولولا إعجاب الرشيد به لسقط أيضاً.
حدثني الحسن بن علي عن محمد بن القاسم عن أبي هفان: قال: كنا في مجلس، وعندنا قينة تغنينا، وصاحب البيت يهواها، فجعل تكايده، وتومئ إلى غيره بالمزح والتجميش ، وتغيطه بجهدها، وهو يكاد يموت قلفاً وهما وتنغص عليه يومه، ولجت فيأمرها، ثم سقط المضراب عن يدها، فأكبت على الأرض لتأخذه، فضرطت ضرطة سمعها جميع من حضر، وخجلت، فلم تدر ما تقول فأقبلت على عشيقها فقالت: أيش تشتهي أن أغني لك؟ فقال: غني :
يا ريح ما تصنعين بالدمن
فخجلت وضحك القوم وصاحب الدار، حتى أفرطوا، فبكت وقامت من المجلس، وقالت: أنتم والله قوم سفل، ولعنة الله على من يعاشركم، وغضبت وخرجت، وكان - علم الله - سبب القطيعة بينهما وسلو ذلك الرجل عنها: أخبرني ابن عمار وعمي والحسن بن علي، قالوا: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثنا الحسين بن الضحاك: قال:
خبريني من الرسول إليك؟ ... واجعليه من لا ينم عليك
وأشيري إلي من هو بالل ... حظ ليخفى على الذين لديك
فقالت: نعم، وغنته لوقتها وزادت فيه هذا البيت، فقالت:
وأفلي المزاح في المجلس اليو ... م فإن المزاح بين يديك

(6/94)


ففطن لما أرادت وسر بذلك، ثم أقبلت على خادم واقف فقالت له: يا مسرور، اسقني، فسقاها، وفطن بن أمية أنها أرادت أن تعلمه أن مسروراً هو الرسول، فخاطبه، فوجده كما يريد، وما زال ذلك الخادم يتردد في الرسائل بينهما.
أخبار عمر الميداني
هو رجل من أهل بغداد كان ينزل الميدان فعرف به، وكان لا يفارق محمداً وعلياً ابني أمية وأبا حشيشة، ينادمهم ويغني في أشعارهم، وكان منزله قريباً منهم، وهو أحد المحسنين المتقدمين في الصنعة والأداء.
حدثني جحظة: قال: وسمعت ابن دقاق في منزل أبي العبيس بن حمدون يقول: سمعت أبا حشيشة والمسدود، ومن قبلهما من الطنبوريين، فما سمعت منهم أصح غناء ولا أكثر تصرفاً من عمر الميداني.
حدثني جحظة: قال: حدثني علي بن أمية: قال: دخلت يوماً على عمر الميداني، وكان له بقال على باب داره ينادمه ولا يفارقه، ويقارضه إذا أعسر، ويتصرف في حوائجه، فإذا حصلت له دراهم دفعها إليه يقبض منها ما رأى، لا يسأله عن شيء، فوجدت عنده يومئذ هذا البقال، فقال لنا عمر: معي أربعة دراهم تعطوني منها لعلف حماري درهماً، والثلاثة لكم، فكلوا بها ما أحببتم. وعندي نبيذ، وأنا أغنيكم، والبقال يحذرنا من الأبقال اليابسة ما في حانوته. فوجهنا بالبقال. فاشترى لنا بدرهم لحماً. وبدرهم خبزاً. وبدرهم فاكهة وريحاناً. وجاءنا من حانوته السكباج ونقل. فبينا نحن نتوقع الفراغ من القدر إذا بفرانق يدق الباب. فأدخله عمر: فقال له: أجب الأمير إسحاق بن إبراهيم. فحلف علينا عمر بالطلاق ألا نبرح، ومضى هو؛ وأكلنا السكباج وشربنا وانصرف عشاء. وبكر إلي رسوله في السحر أن صر إلي، فصرت إليه، فقلت: أعطني خبرك من النعل إلى النعل . قال: دخلت فوضعت بين يدي مائدة كأنها جزعة يمانية قد فرشت في عراصها الحبر فأكلت وسقبت رطلين، ودفع إلي طنبور. فدخلت إلى إسحاق، فوجدته في الصدر جالساً، وخلفه ستارة. وعن يمينه مخارق وعن يساره علويه. فقال لي: أنت عمر الميداني؟ فقلت: نعم. فقال: أ أكلت؟ فقلت: نعم قال: ها هنا أو في منزلك؟ فقلت: بل ها هنا، قال: أحسنت، فغن بصوتك الذي صنعته في:
يا شبيه الهلال كلل في الأفق أنجما
وهو رمل مطلق، فغنيته فضرب الستارة. وقال: قولوه أنتم، فقالوه، فقال: لمخارق وعلوية: كيف تسمعان؟ فقالا: هذا الله ذا. وذا ذاك، فرددته مراراً. وشرب عليه. وقال لي: أنا اليوم على خلوة ولك علي دعوات، فانصرف اليوم بسلام. فخرجت ودفع إلي الغلام خمسة آلاف درهم. فهي هذه، والله لا استأثرت عليكم كمها بدرهم. فلم نزل عنده نقصف حتى نفدت.
أمين الخالق الباري ... وراعى كل مخلوق
أدر راحك في المعشو ... ق من راحة معشوق
الشعر لأبي أيوب سليمان بن وهب. والغناء للقاسم بن زرزور ثقيل أول بالبنصر من جامع غنائه المأخوذ عن أبيه أبي القاسم عبيد الله بن القاسم.
أخبار سليمان بن وهب وجمل من أحاديث
تصلح لهذا الكتاب
ينكر الانتساب إلى الحارث:
قد تقدم نسبه في أخبار الحسن بن وهب أخيه وانتماؤه في بني الحارث بن كعب. وأن أصلهم من قرية يقال لها: سار قرمقاً من طسوج خسروسابور من سواد واسط، وكان سليمان بن وهب ينكر الانتساب إلى الحارث بن كعب على أخيه الحسن وعلى ابنه أبي الفضل أحمد بن سليمان بن وهب لشدة تعلقهما به، أخبرني بذلك محمد بن يحيى وغيره من شيوخنا ومن مشيخة الكتاب.
أخبرني الصولي: قال: حدثني الحسن بن يحيى وعون بن محمد الكندي، أن جعفر بن محمد كان وزير المهتدي في لأول أمره، فبلغه عنه تشيع فكرهه، وقال: هذا رافضي لا حاجة لي به، واستوزر جعفر بن محمد بن عمار، فلم يزل على وزارته حتى مضت سنة من خلافة المهتدي، ثم قدم موسى من بغا من الجبل، وكاتبه سليمان بن وهب وابنه عبيد الله، فاستوزر المهتدي سليمان بن وهب ولقب بالوزير حقاً؛ لأن من كان قبله كان غير مستحق للوزارة، ولا مستقل بها.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني الحسن بن يحيى بن الجماز: قال: لما استوزر سليمان بن وهب جلس للناس، فدخل عليه شاعر يقال له: هارون بن محمد البالسي، فذكر مظلمة له ببلده، ثم أنشده:
زيد في قدرك العلي علو ... يا بن وهب من كاتب ووزير

(6/95)


أسفر الشرق منك والغرب عن ضو ... ء من العدل فاق ضوء البدور
أنشر الناس غيثكم بعدما كا ... نوا رفاتاً من قبل يوم النشور
شرد الجور عدلكم فسرحنا ... بينكم بين روضة وسرور
أنت عين الإمام والقرم مو ... سى بك تفتر عابسات الأمور
فوقع في ظلماته بما أراد ووصله بمائتي دينار.
أخبرني محمد بن يحيى: قال: حدثنا أحمد بن الخصيب: قال: لعهدي بيزيد بن محمد المهلبي عند سليمان بن وهب بعد ما استوزره المهتدي، وقد أجلسه إلى جانبه، وهو ينشده قوله:
وهبتم لنا يا آل وهب مودة ... فأبقت لنا جاهاً ومجداً يؤثل
فمن كان للآثام والذل أرضه ... فأرضكم للأجر والعز منزل
رأى الناس فوق المجد مقدار مجدكم ... فقد سألوكم فوق ما كان يسأل
يقصر عن مسعاكم كل آخر ... وما فاتكم ممن تقدم أول
بلغت الذي قد كنت أملته لكم ... وإن كنت لم أبلغ بكم ما أؤمل
فقطع عليه سليمان الإنشاد، وقال له: يا أبا خالد، فأنت والله عندي كما قال عمارة بن عقيل لابنه:
أقهفه مسروراً إذا أبت سالماً ... وأبكي من الإشفاق حين تغيب
فقال له يزيد: فيسمع مني الوزير آخر الشعر لا أوله، وتمم فقال:
وما لي حق واجب غير أنني ... بجودكم في حاجتي أتوسل
وأنكم أفضلتم وبررتم ... وقد يستتم النعمة المتفضل
وأوليتم فعلاً جميلاً مقدماً ... فعودوا فإن العود بالحر أجمل
وكم محلف قد نال ما رام منكم ... ويمنعنا من مثل ذاك التجمل
وعودتمونا قبل أن نسأل الغنى ... ولا بذل للمعروف والوجه يبذل
فقال له سليمان: لا تبرح والله إلا بقضاء حوائجك كائنة ما كانت، ولو لم أستفد من كتبة أمير المؤمنين إلا شكرك لرأيت جنابي بذلك ممرعاً، وعرسي مثمراً، ثم وقع له في رقاع كثيرة كانت بين يديه.
أخبرني محمد: قال: حدثنا الحزنبل: قال: لما ولى المهتدي سليمان بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوي حرفته، فقال: أنا - أعز الله الوزير - خادمك، المؤمل دولتك، السعيد بأيامك، المطوي القلب على ودك، المنشور اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك، وقد قال الشاعر:
وفيت كل أديب ودني ثمناً ... إلا المؤمل دولاتي وأيامي
فإنني ضامن ألا أكافئه ... إلا بتسويغه فضلي وإنعامي
إني لكما قال القيسي: ما زلت أمتطي النهار إليك، وأستدل بفضلك عليك، حتى إذا جنني الليل، فقبض البصر، ومحا الأثر، أقام بدني؛ وسافر أملي، والاجتهاد عذر ، وإذا بلغتك فهو مرادي فقط، فقال له سليمان: لا عليك: فإني عارف بوسيلتك، محتاج إلى كفايتك، ولست أؤخر عن أمري النظر في أمرك وتوليتك ما يحسن أثره عليك.
وذكر يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه قال: ما رأيت أظرف من سليمان بن وهب، ولا أحسن أدباً: خرجنا نتلقاه عند قدومه من الجبل مع موسى بن بغا، فقال لي: هات الآن يا أبا حسن، حدثني بعجائبكم بعدي، وما أظنك تحدثني بأعجب من خبر ضرطة أبي وهب بحضرة القاضي، وما سير من خبرها، وما قيل فيها، حتى قيل:
ومن العجائب أنها بشهادة ال ... قاضي فليس يزيلها الإنكار
وجعل يضحك.
قال علي بن الحسين الأصبهاني:

(6/96)


حضرت أبا عبد الله الباقطاني، وهو يتقلد ديوان المشرق، وقد تقلد ابن أبي السلاسل ماسبذان ومهرجان قذف ، وجاءه يأخذ كتبه، فجعل يوصيه كما يوصي أصحاب الدواوين العمال، فقال ابن أبي السلاسل: كأنك استكثرت لي هذا العمل أنت أيضاً! قد كنت تكتب لأبي العباس بن ثوابة، ثم صرت صاحب ديوان، فقال له الباقطاني: يا جاهل يا مجنون، لولا أنه قبيح علي مكافأة مثلك لراجعت الوزير - أيده الله - في أمرك، حتى أزيل يدك، ومن لي أن أجد مثل ابن ثوابة في هذا الوقت، فأكتب له، ولا أريد الرياسة! ثم أقبل علينا يحدثنا، فقال: دخلت مع أبي العباس بن ثوابة إلى المهتدي، وكان سليمان بن وهب وزيره، وكان يدخل إليه الوزير وأصحاب الدواوين العمال والكتاب، فيعملون بحضرته، فيوقع إليهم في الأعمال، فأمر سليمان أن يكتب عنه عشرة كتب مختلفة إلى جماعة من العمال، فأخ سليمان بيد أبي العباس بن ثوابة، ثم قال له: أنت اليوم أحد ذهناً مني فهلم نتعاون، فدخلا بيتاً، ودخلت معهما، وأخذ سليمان خمسة أنصاف وأبو العباس خمسة أنصاف أخر، فكتبا الكتب التي أمر بها سليمان ما احتاج أحدهما إلى نسخه، وقد أكمل كل واحد منهما ما كتب به صاحبه، فاستحسنه وقرظه، ثم وضع سليمان الكتب بين يدي المهدي، فقال له وقد قرأها: أحسنت يا سليمان، ونعم الرجل أنت لولا المعجل والمؤجل، وكان سليمان إذا ولي عاملاً أخذ منه مالاً معجلاً، وأجل له إلى أن يتسلم عمله، فقال له: يا أمير المؤمنين، هذا قول لا يخلو من أن يكون حقاً أو باطلاً، فإن كان باطلاً فليس مثلك من يقوله، وإن كان حقاً - وقد علمت أن الأصول محفوظة - فما يضر من يساهمني من عمالي على بعض ما يصل إليهم من بر؛ من غير تحيف للرعية ولا نقص للأموال؟ فقال: إذا كان هكذا فلا بأس، ثم قال له: اكتب إلى فلان العامل يقبض ضيعة فلان المصروف المعتقل في يده، بباقي ما عليه من المصادرة، فقال له أبو العباس بن ثوابة: كلنا يا أمير المؤمنين خدمك وأولياؤك، وكلنا حاطب في حبلك، وساع فيما أرضاك وأيد ملكك، أفنمضي ما تأمر به على ما خيلت أم نقول بالحق؟ قال: بل قل الحق يا أحمد فقال: يا أمير المؤمنين، الملك يقين، والمصادرة. شك، أفترى أن أزيل اليقين بالشك؟ قال: لا، قال: فقد شهدت للرجل بالملك، وصادرته عن شك فيما بينك وبينه، وهل خانك أم لا، فتجعل المصادرة صلحاً! فإذا قبضت ضيعته بهذا فقد أزلت اليقين بالشك، فقال له: صدقت، ولكن كيف الوصول إلى المال؟ فقال له: أنت لا بد لك من عمال على أعمالك، وكلهم يرتزق، ويرتفق، فيحوز رفقه ورزقه إلى منزله، فاجعله أحد عمالك؛ ليصرف هذين الوجهين إلى ما عليه ويسعفه معاملوه، فيتخلص بنفسه وضيعته ويعود إليك مالك، فأمر سليمان بن وهب بأن يفعل ذلك، فلما خرجا من حضرة المهتدي قال له سليمان: عهدي بهذا الرجل عدوك، وكل واحد منكما يسعى على صاحبه، فكيف زال ذلك، حتى نبت عنه في هذا الوقت نيابة أحييته بها، وتخلصت نفسه ونعمته؟ فقال: إنما كنت أعاديه، وأسعى عليه وهو يقدر على الانتصاف مني، فأما وهو فقير إلي فلا. فهذا مما يحظره الدين والصناعة والمروءة. فقال له سليمان: جزاك الله خيراً، أما والله، لأشكرن هذه النية لك. ولأعتقدنك من أجلها أخاً وصديقاً. ولأجعلن هذا الرجل لك عبداً ما بقي. ثم قال الباقطاني: أفمن كان هذا وزنه وفعله يعاب من كان يكتب له؟ أخبرني محمد بن يحيى الباقطاني: قال: حدثنا الحسين بن يحيى الباقطاني قال: كنت آلف سليمان بن وهب كثيراً، وأخدمه وأحادثه، وكان يخصني ويأنس بي. فأنشدني لنفسه يذكر نكبته في أيام الواثق:
نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ الأريب
قد ذقت حلواً وذقت مراً ... كذاك عيش الفتى ضروب
ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولي فيهما نصيب
فيه رمل محدث لا أعرف صانعه.
وذكر يحيى بن علي بن يحيى أن جفوة نالت أباه من سليمان بن وهب فكتب إليه:
جفاني أبو أيوب نفسي فداؤه ... فعاتبته كيما يريع ويعتبا
فوالله لولا الضين مني بوده ... لكن سهيل من عتابيه أقربا
فكتب إليه سليمان:
ذكرت جفائي وهو من غير شيمتي ... وإني لدان من بعيد تقربا
فكيف بخل لي أضن بوده ... وأصفيه وداً ظاهراً ومغيبا

(6/97)


علي بن يحيى لا عدمت إخاءه ... فما زال في كل الخصال مهذبا
ولكن أشغالاً غدت وتواترت ... فلما رأيت الشغل عاق وأتعبا
وكنت إلى عذر الأخلاء إنهم ... كرام وإن كان التواصل أوجبا
فإن يطلب مني عتابك أوبة ... ببر تجدني بالأمانة معتبا
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي عن عمه: قال: كان سليمان بن وهب - وهو حدث - يتعشق إبراهيم بن سوار بن شداد بن ميمون، وكان من أحسن الناس وجهاً وأملحهم أدباً وطرفاً، وكان إبراهيم هذا يتعشق جارية مغنية يقال لها رخاص، فاجتمعوا يوماً فسكر إبراهيم ونام، فرأت رخاص سليمان يقبله، فلما انتبه لامته، وقالت: كيف أصفو لك وقد رأيت سليمان يقبلك؟ فهجره إبراهيم، فكتب إليه سليمان:
قل للذي ليس لي من ... جوى هواه خلاص
أئن لثمتك سراً ... وأبصرتني رخاص
وقال لي ذاك قوم ... على اغتيابي حراص
هجرتني وأتتني ... شتيمة وانتقاص
وسر ذاك أناساً ... لهم علينا اختراص
فهاك فاقتص مني ... إن الجروح قصاص
وأهدي سليمان إلى رخاص هدايا كثيرة، فكانوا بعد ذلك يتناوبون يوماً عند سليمان، ويوماً عند إبراهيم ويوماً عند رخاص.
أخبرني الصولي عن احمد بن الخصيب: قال: حضرت سليمان بن وهب، وقد جاءته رقعة من بعض من وعده أن يصرفه من أصحابه، وفيها:
هبني رضيت منك بالقليل ... أكان في التأويل والتزيل!
أو خبر جاء عن الرسول ... أو حجة في فطر العقول
مستحسن من رجل جليل ... عال له حظ من الجميل
ينقص ما أشاع بالتطويل ... والقول دون الفعل بالتحصيل
ليس كذا وصف الفتى النبيل
قال: فكتب له بولاية ناحية، وأنفذ إليه مائتي دينار وكتب في رقعة:
ليس إلى الباطل من سبيل ... إلا لمن يعدل عن تعديل
وقد وفينا لك بالتحصيل ... فاطو الذي كان عن الخليل
فضلاً عن الخليط والتنزيل ... وعد من القول إلى الجميل
وعف في الكثير والقليل ... تحظ من الرتبة بالجزيل
أخبرني محمد بن يحيى عن عبد الله بن الحسين بن سعد عن بعض أهله أنه كتب إلى سليمان بن وهب، وهو يتولى شيئاً من أعمال الضياع:
أطال الله إسعاد ... ك في الآجل والعاجل
أما ترعى لمن أم ... ل فضلاً حرمة الآمل
وعندي عاجل من رش ... وة يتبعها آجل
وأنت العلم الشاه ... د أني كاتب عامل
فول الكافل الباذ ... ل دون العاجز الباخل
فما أفشي لك السر ... فعال الأخرق الجاهل
قال: فضحك وأجلسه وكتب في رقعته:
أبن لي ما الذي تخط ... ب شرحاً أيها الباذل؟
وما تعطي إذا ولي ... ت تعجيلاً وما الآجل؟
أفي الإسلاف تنقيص ... أم الوزن له كامل؟
وفي موقوف تضمين ... أم الوعد به حاصل؟
أبن لي ذاك واردد رق ... عتي يا كاتباً عامل؟
فلما قرأها الرجل قطع ما بينه وبينه، ورد الرقعة عليه، وولاه سليمان ما التمس.
أخبرني محمد بن يحيى عن موسى البربري قال: أهدى سليمان بن وهب إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر سلال رطب من ضيعته، وكتب إليه يقول:
أذن الأمير بفضله ... وبجوده وبنيله
لوليه في بره ... بجناه سكر نخله
فبعثت منه بسلة ... تحكي حلاوة عدله
أخبرني محمد الباقطاني: قال: كتب سليمان بن وهب بقلم صلب، فاعتمد عليه اعتماداً شديداً، فصر القلم في يده، فقال:
إذا ما حددنا وانتضينا قواطعاً ... أصم الذكي السمع منها صريرها
تظل المنايا والعطايا شوارعاً ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها
تساقط في القرطاس منها بدائع ... كمثل اللآلي نظمها ونثيرها
تقود أبيات البيان بفطنة ... تكشف عن وجه البلاغة نورها

(6/98)


إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها ... تجلت بنا عما تسر ستورها
يرثي أخاه الحسن: قال: وأنشدني له يرثي أخاه الحسن:
مضى مذ مضي عز المعالي وأصبحت ... لآلي الحجا والقول ليس لها نظم
وأضحى نجي الفكر بعد فراقه ... إذا هم بالإفصاح منطقه كظم
وذكر ابن المسيب أن جماعة تذاكروا لما قبض الموفق على سليمان بن وهب وابنه عبد الله: أنه إنما استكتبهما ليقف منهما على ذخائر موسى بن بغا وودائعه، فلما استقصى ذلك نكبهما لكثرة مالهما، فقال ابن الرومي وكان حاضراً:
ألم تر أن المال يتلف ربه ... إذا جم آتيه وسد طريقه
ومن جاور الماء الغزير مجمه ... وسد مفيض الماء فهو غريقه
ومات سليمان بن وهب في محبسه وهو مطالب، فرثاه جماعة من الشعراء، فممن جود في مرثيته البحتري حيث يقول:
هذا سليمان بن وهب بعد ما ... طالت مساعيه النجوم سموكا
وتنصف الدنيا يدبر أمرها ... سبعين حولاً قد تممن دكيكا
أغرت به الأقدار بغت ملمة ... ما كان رس حديثها مأفوكا
أبلغ عبيد الله بارع مذحج ... شرفاً ومعطى فضلها تمليكا
ومتى وجدت الناس إلا تاركاً ... لحميمه في الترب أو متروكا
بلغ الإرادة إذ فداك بنفسه ... وتود لو تفديه لا يفديكا
إن الرزية في الفقيد فإن هفا ... جزع بلبك فالرزية فيكا
لو ينجلي لك ذخرها من نكبة ... جلل لأضحكك الذي يبكيكا
لقد برز الفضل بن يحيى ولم يزل ... يسامي من الغايات ما كان أرفعا
يراه أمير المؤمنين لملكه ... كفيلاً لما أعطى من العهد مقنعا
قضى بالتي شدت لهارون ملكه ... وأحيت ليحيى نفسه فتمتعا
فأمست بنو العباس بعد اختلافها ... وآل علي مثل زندي يد معا
لئن كان من أسدى القريض أجاده ... لقد صاغ إبراهيم فيه فأوقعا
الشعر لأبان بن عبد الحميد اللاحقي بقوله في الفضل بن يحيى لما قدم يحيى بن عبد الله بن الحسين على أمان الرشيد وعهده. والغناء لإبراهيم الموصلي ثاني ثقيل بالبنصر عن أحمد بن المكي، وكان الرشيد أمره أن يغني في هذا الشعر، وإياه عني أبان بقوله:
لقد صاغ إبراهيم فيه فأوقعا
أخبار أبان بن عبد الحميد ونسبه
أبان بن عبد الحميد بن لاحق عن عفير مولى بني رقاش، قال أبو عبيدة: بنو رقاش ثلاثة نفر ينسبون إلى أمهم، واسمها رقاش، وهم: مالك، وزيد مناة، وعامر، بنو شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
أخبرني عمي: قال: حدثنا الحسين بن عليل العنزي؛ قال: حدثني أحمد بن مهران مولى البرامكة: قال: شكا مروان بن أبي حفصة إلى بعض إخوانه تغير الرشيد عليه وإمساك يده عنه، فقال له: ويحك! أتشكو الرشيد بعد ما أعطاك؟ قال: أو تعجب من ذلك؟ هذا أبان الللاحقي، قد أخذ من البرامكة بقصيدة قالها واحدة مثل ما أخذته من الرشيد في دهري كله، سوى ما أخذه منهم ومن أشباههم بعدها، وكان أبان نقل للبرامكة كتاب كليلة ودمنة، فجعله شعراً، ليسهل حفظه عليهم، وهو معروف، أوله:
هذا كتاب أدب ومحنه ... وهو الذي يدعى كليلة ودمنة
فيه احتيالات وفيه رشد ... وهو كتاب وضعته الهند
فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار، ولم يعطه جعفر شيئاً، وقال: ألا يكفيك أن أحفظه فأكون روايتك؟ وعمل أيضاً القصيدة التي ذكر فيها مبدأ الخلق وأمر الدنيا وشيئاً من المنطق، وسماها ذات الحلل، ومن الناس من ينسبها إلى أبي العتاهية، والصحيح أنها لأبان.
أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد: قال: حدثنا أبو هفان: قال: حدثني الحماز، قال: كان يحيى بن خالد البرمكي قد جعل امتحان الشعراء وترتيبهم في الجوائز إلى أبان بن عبد الحميد، فلم يرض أبو نواس المرتبة التي جعله فيها أبان، فقال يهجوه بذلك:
جالست يوماً أبانا ... لا در در أبان

(6/99)


حتى إذا ما صلاة الأ ... ولى دنت لأوان
فقام ثم بها ذو ... فصاحة وبيان
فكلما قال قلنا ... إلى انقضاء الأذان
فقال: كيف شهدتم ... بذا بغير عيان
لا أشهد الدهر حتى ... تعاين العينان
فقلت: سبحان ربي ... فقال: سبحان ماني
فقال أبان يجيبه:
إن يكن هذا النواسي ... بلا ذنب هجانا
فلقد نكناه حيناً ... وصفعناه زمانا
هانئ الجربي أبوه ... زاده الله هوانا
سائل العباس واسمع ... فيه من أمك شانا
عجنوا من جلنار ... ليكيدوك عجانا
جلنار أم أبي نواس، وتزوجها العباس بعد أبيه.
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي: قال: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد: قال: كان أبان اللاحقي صديقاً للعذل بن غيلان، وكانا مع صداقتهما يتعابثان بالهجاء، فيهجوه المعذل بالكفر وينسبه إلى الشؤم، ويهجوه أبان، وينسبه إلى الفساء الذي تهجى به عبد القيس، وبالقصر - وكان المعذل قصيراً - فسعى في الصلاح بينهما أبو عيينة المهلبي، فقال له أخوه عبد الله - وهو أسن منه - : يا أخي إن في هذين شراً كثيراً ولا بد من أن يخرجاه، فدعهما؛ ليكون شرهما بينهما، وإلا فرقاه على الناس، فقال أبان يهجو المعذل:
أحاجيكم ما قوس لحم سهامها ... من الريح لم توصل بقد ولا عقب
وليست بشريان وليست بشوحط ... وليست بنبع لا وليست من الغرب
ألا تلك قوس الدحدحي معذل ... بها صار عبدياً وتم له النسب
تصك خياشيم الأنوف تعمداً ... وإن كان راميها يريد بها العقب
فإن تفتخر يوماً تميم بحاجب ... وبالقوس مضموناً لكسرى بها العرب
فحي ابن عمرو فاخرون بقوسه ... وأسهمه حتى يغلب من غلب
قال أبو قلابة: فقال المعذل في جواب ذلك:
رأيت أباناً يوم فطر مصلياً ... فقسم فكري واستفزني الطرب
وكيف يصلي مظلم القلب، دينه ... على دين ماني إن ذاك من العجب
أخبرني محمد بن يحيى: قال: حدثنا عون بن محمد الكندي: قال: كان لأبي النضير حوار يغنين، ويخرجن إلى جلة أهل البصرة، وكان أبان بن عبد الحميد يهجوه بذلك، فمن ذلك قوله:
غضب الأحمق إذ مازحته ... كيف لو كنا ذكرنا الممرغة
أو ذكرنا أنه لاعبها ... لعبة الجد بمزح الدغدغة
سود الله بخمس وجهه ... دغن أمثال طين الردغه
خنفساوان وبنتاً جعل ... والتي تفتر عنها وزغه
يكسر الشعر وإن عاتبته ... في مجال قال: هذا في اللغة
وأنشدني عمي: قال: أنشدني الكراني: قال: أنشدني أبو إسماعيل اللاحقي لجده أبان في هجاء أبي النضير، وأخبرني الصولي أنه وجدها بخط الكراني :
إذا قامت بواكيك ... وقد هتكن أستارك
أيثنين على قبر ... ك أم يلعن أحجارك؟
وما تترك في الدنيا ... إذا زرت غداً نارك؟
ترى في سقر المثوى ... وإبليس غداً حارك
لمن تترك زقيك ... ودنيك وأوتارك
وخمساً من بنات اللي ... ل قد ألبسن أطمارك
تعالى الله ما أقبح ... إذ وليت أدبارك
وقال فيه أيضاً:
قيان أبي النضير مثلجات ... غناء مثل شعر أبي النضير
فلا همدان حين نصيف نبغي ... ولا الماهين أيام الحرور
ولا نبغي بقرميسين روحاً ... ولا نبلي البغال من المسير
فإن رمت الغناء لديه فاصبر ... إذا ما جئته للرمهرير
أخبرني محمد بن يحيى: قال: حدثنا أبو خليفة وأبو ذكوان والحسن بن علي النهدي: قالوا: كان المعذل بن غيلان المهري يجالس عيسى بن جعفر بن المنصور، وهو يلي حينئذ إمارة البصرة من قبل الرشيد، فوهب للمعذل بن غيلان له بيضة عنبر وزنها أربعة أرطال، فقال: أبان بن عبد الحميد:

(6/100)


أصلحك الله وقد أصلحا ... إني لا آلوك أن أنصحا
علام تعطي منوي عنبر ... وأحسب الخازن قد أرجحا
من ليس من قرد ولا كلبة ... أبهى ولا أحلى ولا أملحا
رسول يأجوج أتى عنهم ... يخبر أن الروم قد أقبحا
ما بين رجليه إلى رأسه ... شبر فلا شب ولا أفلحا
أخبرني الصولي: قال: حدثنا أبو العيناء: قال: حدثني الحرمازي: قال: خرج أبان بن عبد الحميد من البصرة طالباً للاتصال بالبرامكة، وكان الفضل بن يحيى غائباً، فقصده، فأقام ببابه مدة مديدة لا يصل إليه فتوسل إلى من وصل له شعراً إليه، وقيل: إنه توسل إلى بعض بني هاشم ممن شخص مع الفضل، وقال له:
يا غزير الندى ويا جوهر الجو ... هر من آل هاشم بالبطاح
إن ظني وليس يخلف ظني ... بك في حاجتي سبيل النجاح
إن من دونها لمصمت باب ... أنت من دون قفله مفتاحي
تاقت النفس يا خليل السماح ... نحو بحر الندى مجاري الرياح
ثم فكرت كيف لي واستخرت الل ... ه عند الإمساء والإصباح
وامتدحت الأمير أصلحه الله ... بشعر مشهر الأوضاح
فقال: هات مديحك، فأعطاه شعراً في الفضل في هذا الوزن وقافيته:
أنا من بغية الأمير وكنز ... من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب خطيب أديب ... ناصح زائد على النصاح
شاعر مفلق أخف من الريش ... ة مما يكون تحت الجناح
وهي طويلة جداً يقول فيها:
إن دعاني الأمير عاين مني ... شمرياً كالبلبل الصياح
قال: فدعا به، ووصله، ثم خص بالفضل، وقدم معه، فقرب من قلب يحيى بن خالد وصار صاحب الجماعة وزمام أمرهم.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي: قال: حدثني علي بن محمد النوفلي: أن أبان بن عبد الحميد عاتب البرامكة على تركهم إيصاله إلى الرشيد وإيصال مديحه إليه، فقالوا له: وما تريد من ذلك؟ فقال: أريد أن أحظى منه بمثل ما يحظى به مروان بن أبي حفصة، فقالوا له: إن لمروان مذهباً في هجاء آل أبي طالب وذمهم، به يحظى وعليه يعطى، فاسلكه حتى نفعل، قال: لا أستحل ذلك، قالوا: فما تصنع؟ لا يجيء طلب الدنيا إلا بما لا يحل، فقال أبان:
نشدت بحق الله من كان مسلماً ... أعم بما قد قلته العجم والعرب
أعم رسول الله أقرب زلفة ... لديه أم ابن العم في رتبة النسب
وأيهما أولى به وبعهده ... ومن ذا له حق التراث يما وجب!
فإن كان عباس أحق بتلكم ... وكان علي بعد ذاك على سبب
فأبناء عباس هم يرثونه ... كما العم لابن العم في الإرث قد حجب
وهي طويلة، قد تركت ذكرها لما فيه، فقال الفضل: ما يرد على أمير المؤمنين اليوم أعجب من أبياتك، فركب فأنشدها الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم، ثم اتصلت بعد ذلك خدمته الرشيد، وخص به.
أخبرنا أبو العباس بن عمار عن أبي العيناء عن أبي العباس بن رستم: قال: دخلت مع أبان بن عبد الحميد على عنان جارية الناطفي، وهي في خيش، فقال لها أبان:
العيش في الصيف خيش
فقالت مسرعة:
إذ لا قتال وجيش
فأنشدتها أنا لجرير قوله:
طللت أواري صاحبي صبابتي ... وهل علقتني من أهواك علوق
فقالت مسرعة:
إذا عقل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق
أخبرني الصولي: قال: حدثنا محمد بن سعيد، قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل عن عبد الله ابن محمد بن عثمان بن لاحق: قال: أولم محمد بن خالد، فدعا أبان بن عبد الحميد والعتبي، وعبيد الله بن عمرو، وسهل بن عبد الحميد، والحكم بن قنبر، فاحتبس عنهم الغداء، فجاء محمد بن خالد فوقف على الباب فقال: ألكم أعزكم الله حاجة؟ يمازحهم بذلك، فقال أبان:
حاجتنا فاعجل علينا بها ... من الحشاوي كل طردين
فقال ابن قنبر بعد ذلك:
ومن خبيص قد حكت عاشقاً ... صفرته زين بتلوين
فقال عبيد بن عمرو:
وأتبعوا ذاك بأبية ... فإنكم آبين آبين

(6/101)


فقال سهل:
دعنا من الشعر وأوصافه ... واعجل علينا بالأخاوين
فأحضر الغداء، وخلع عليهم ووصلهم.
أخبرني الصولي: قال: حدثنا محمد بن زياد: قال: حدثني أبان بن سعيد الحميدي بن أبان بن عبد الحميد: قال: اشترى جار لجدي أبان غلاماً تركياً بألف دينار، وكان أبان يهواه ويخفي ذلك عن مولاه، فقال فيه:
ليتني والجاهل المغرور من غر بليت
نلت ممن لا أسمي ... وهو جاري بيت بيت
قبلة تنعش ميتاً ... إنني حي كميت
نتساقى الريق بعد الش ... رب من راح كميت
لا أسميه ولكن ... هو في كيت كيت
وكان اسمه يتك.
وقال أبو الفياض سوار بن أبي شراعة: كان في جوار أبان بن عبد الحميد رجل من ثقيف يقال له محمد بن خالد، وكان عدواً لأبان، فتزوج بعمارة بنت عبد الوهاب الثقفي ، وهي أخت عبد المجيد الذي كان ابن مناذر يهواه، ورثاه، وهي مولاة جنان التي يشيب بها أبو نواس، ويقول فيها:
خرجت تشهد الزفاف جنان ... فاستمالت بحسنها النظاره
قال أهل العروس لما رأوها ... ما دهانا بها سوى عمارة
قال: وكانت موسرة، فقال أبان بن عبد الحميد يهجوه ويحذرها منه:
لما رأيت البز والشارة ... والفرش قد ضاقت به الحارة
واللوز والسكر يرمى به ... من فوق ذي الدار وذي الداره
وأحضروا الملهين لم يتركوا ... طبلاً ولا صاحب زماره
قلت: لماذا؟ قيل أعجوبة ... محمد زوج عماره
لا عمر الله بها بيته ... ولا رأته مدركاً ثاره
ماذا رأت فيه وماذا رجت ... وهي من النسوان مختاره
أسود كالسفود ينسى لدى التن ... ور بل محراك قياره
يجري على أولاده خمسة ... أرغفة كالريش طياره
وأهله في الأرض من خوفه ... إن أفرطوا في الأكل سياره
ويحك فري واعصي ذاك بي ... فهذه أختك فراره
إذا غفا بالليل فاستيقظي ... ثم اطفري إنك طفاره
فصعدت نائلة سلماً ... تخاف أن تصعده الفاره
سرور غرتها فلا أفلحت ... فإنها اللغناء غرارة
لو نلت ما أبعدت من ريقها ... إن لها نفثة سحارة
قال: فلما بلغت قصيدته عمارة هربت فحرم الثقفي من جهتها مالاً عظيماً، قال: والثلاثة التي أولها:
فصعدت نائلة سلماً
زادها في القصيدة بعد أن هربت.
أخبرني الأخفش عن المبرد عن أبي وائلة، قال: كان أبان اللاحقي يولع بابن مناذر، ويقول له: إنما أنت شاعر في المراثي، فإذا مت فلا ترثني، فكثر ذلك من أبان عليه، حتى أغضبه، فقال فيه ابن مناذر:
غنج أبان ولين منطقه ... يخبر الناس أنه حلقي
داء به تعرفون كلكم ... يا آل عبد الحميد في الأفق
حتى إذا ما المساء جلله ... كان أطباؤه على الطرق
ففرجوا عنه بعض كربته ... بمسبطر مطوق العنق
قال: وهجاه بمثل هذه القصيدة، ولم يجبه أبان خوفاً منه، وسعي بينهما، فأمسك عنه.
أخبرني الصولي، عن محمد بن سعيد، عن عيسى بن إسماعيل قال: جلس أبان بن عبد الحميد ليلة في قوم، فثلب أبا عبيدة فقال: يقدح في الأنساب ولا نسب له. فبلغ ذلك أبا عبيدة فقال في مجلسه: لقد أغفل السلطان كل شيء حتى أغفل أخذ الجزية من أبان اللاحقي، وهو وأهله يهود، وهذه منازلهم فيها أسفار التوراة، وليس فيها مصحف، وأوضح الدلالة على يهوديتهم أن أكثرهم يدعي حفظ التوراة، ولا يحفظ من القرآن ما يصلي به، فبلغ ذلك أباناً فقال:
لا تنمن عن صديق حديثاً ... واستعذ من تسرر النمام
واخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة: قال:

(6/102)


كنا في مجلس أبي زيد الأنصاري، فذكروا أبان بن عبد الحميد، فقالوا: كان كافراً، فغضب أبو زيد، وقال: كان جاري، فما فقدت قرآنه في ليلة قط.
أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي عن دماذ: قال: كان لأبان جار، وكان يعاديه، فاعتل علة طويلة وأرجف أبان بموته، ثم صح من علته، وخرج،، فجلس على بابه، فكانت علته من السل، وكان يكنى أبا الأطول، فقال له أبان:
أبا الأطول طولت ... وما ينجيك تطويل
بك السل ولا وال ... ه ما يبرأ مسلول
فلا يغررك من طب ... ك أقوال أباطيل
أرى فيك علامات ... وللأسباب تأويل
هزالاً قد برى جس ... مك والمسلول مهزول
وذباناً حواليك ... فموقوذ ومقتول
وحمى منك في الظهر ... فأنت الدهر مملول
وأعلاماً سوى ذاك ... تواريها السراويل
ولو بالفيل مما ... بك عشر ما نجا الفيل
فما هذا على فيك ... قلاع أم دماميل
ومازال مناجيك ... يولي وهو مبلول
لئن كان من الجوف ... لقد سال بك النيل
وذا داء يزجيك ... فلا قال ولا قيل
فلما أنشده هذا الشعر أرعد، واضطرب، ودخل منزله، فما خرج منه بعد ذلك، حتى مات.
ما تزال الديار في برقة الن ... جد لسعدى بقرقري تبكيني
قد تحيلت كي أرى وجه سعدى ... فإذا كل حيلة تعييني
قلت لما وقفت في سدة البا ... ب لسعدى مقالة المسكين
افعلي بي يا ربة الخدر خيراً ... ومن الماء شربة فاسقيني
قالت: الماء في الركي كثير ... قلت: ماء الركي لا يرويني
طرحت دوني الستور وقالت: ... كل يوم بعلة تأتيني
الشعر لتويت اليمامي، والغناء لأبي زكار الأعمى، رمل بالوسطى، ابتداؤه نشيد من رواية الهشامي.
أخبار تويت ونسبه
تويت لقب، واسمه عبد الملك بن عبد العزيز السلولي من أهل اليمامة، لم يقع لي غير هذا وجدته بخط أبي العباس بن ثوابة، عن عبد الله بن شبيب من أخبار رواها عنه.
وتويت أحد الشعراء اليماميين من طبقة يحيى بن طالب وبني أبي حفصة وذويهم، ولم يقد إلى خليفة، ولا وجدت له مديحاً في الأكابر والرؤساء فأخمل ذلك ذكره، وكان شاعراً فصيحاً نشأ باليمامة وتوفي بها.
قال عبد الله بن شبيب: كان تويت يهوى امرأة من أهل اليمامة يقال لها: سعدى بنت أزهر، وكان يقول فيها الشعر، فبلغها شعره من وراء وراء، ولم تره، فمر بها يوماً، وهي مع أتراب لها، فقلن: هذا صاحبك، وكان دميماً، فقامت إليه وقمن معها، فضربته، وخرقن ثيابه، فاستعدى عليهن فلم يعده الوالي، فأنشأ يقول:
إن الغواني جرحن في جسدي ... من بعد ما قد فرغن من كبدي
وقد شققن الرداء ثمت لم ... يعد عليهن صاحب البلد
لم يعدني الأحول المشوم وقد ... أبصر ما قد صنعن في جسدي
قال: فلما جرى هذا بينه وبينها عقد له في قلبها رقة، وكانت تتعرض له إذا مر بها، واجتاز يوماً بفنائها فلم تتوار عنه، وأرته أنها لم تره، فلما وقف ملياً سترت وجهها بخمارها، فقال تويت:
ألا أيها الثار الذي ليس نائماً ... على ترة إن مت من حبها غدا
خذوا بدمي سعدى فسعدى منيتها ... غداة النقا صادت فؤاداً مقصدا
بآية ما ردت غداة لقيتها ... على طرف عينيها الرداء الموردا
قال ابن شبيب: ولقيها راحلة نحو مكة حاجة، فأخذ بخطام بعيرها وقال:
قل للتي بكرت تريد رحيلاً ... للحج إذ وجدت إليه سبيلا
ما تصنعين بحجة أو عمرة ... لا تقبلان وقد قتلت قتيلا
أحيي قتيلك ثم حجي وانسكي ... فيكون حجك طاهراً مقبولا
فقالت له: أرسل الخطام، خيبك الله وقبحك، فأرسله، وسارت.
قال عبد الله بن شبيب: ثم تزوجها أبو الجنوب يحيى بن أبي حفصة، فحجبها، وانقطع ما كان بينها وبين تويت، فطفق يهجو يحيى فقال:

(6/103)


عناء سيق للقلب الطروب ... فقد حجبت معذبة القلوب
أقول وقد عرفت لها محلاً ... ففاضت عبرة العين السكوب
ألا يا دار سعدى كلمينا ... وما في دار سعدى من مجيب
ولما ضمها وحوى عليها ... تركت له بعاقبة نصيبي
وقلت: زحام مثلك مثل يحيى ... لعمرك ليس بالرأي المصيب
فما لك مثل لمته تدرى ... ومالك مثل بخل أبي الجنوب
إذا فقد الرغيف بكى عليه ... وأتبع ذاك تشقيق الجيوب
يعذب أهله في القرص حتى ... يظلوا منه في يوم عصيب
وقال أيضاً:
ألا في سبيل الله نفس تقسمت ... شعاعاً وقلب للحسان صديق
أفاقت قلوب كن عذبن بالهوى ... زماناً وقلبي ما أراه يفيق
سرقت فؤادي ثم لا ترجعينه ... وبعض الغواني للقلوب سروق
عروف الهوى بالوعد حتى إذا جرت ... ببينك غربان لهن نعيق
وردت جمال الحي وانشقت العصا ... وآذن بالبين المشت صدوق
ندمت على ألا تكوني جزيتني ... زعمت وكل الغانيات مذوق
لعلك أن ننأى جميعاً بغلة ... تذوقين من حر الهوى وأذوق
عصيت بك الناهين حتى لو أنني ... أموت لما أرعى علي شفيق
ومن مختار قول تويت في سعدى هذه مما أخذته من رواية عبد الله بن شبيب من قصيدة أولها:
سنرضي في سعيدى عاذلينا ... بعاقبة وإن كرمت علينا
يقول فيها:
لقيت سعيد تمشي في جوار ... بجرعاء النقا فلقيت حينا
سلبن القلب ثم مضين عني ... وقد ناديتهن فما لوينا
فقلت وقد بقيت بغير قلب ... بقلبي يا سعيدى أين أينا!
فما تجزين يا سعدى محباً ... بهيم بكم ولا تقضين دينا
فقالوا إذ شكوت المطل منها ... لعمرك من سمعت له قضينا
ومن هذا الذي إن جاء يشكو ... إلينا الحب من سقم شفينا
فهن فواعل بي غير شك ... كما قبلي فعلن بصاحبينا
بعروة والذي بسهام هند ... أصيب، فما أقدن ولا ودينا
ومن مختار قوله فيها:
سل الأطلال إن نفع السؤال ... وإن لم يربع الركب العجال
عن الخود التي قتلتك ظلماً ... وليس بها إذا بطشت قتال
أصابك مقلتان لها وجيد ... وأشنب بارد عذب زلال
أعارك ما تبلت به فؤادي ... من العينين والجيد الغزال
أيا ثارات من قتلته سعدىدمي لا تطلبوه لها حلال
أرق لها وأشفق بعد قتلي ... على سعدى وإن قل النوال
وما جادت لنا يوماً ببذل ... يمين من سعاد ولا شمال
ومن قوله فيها أيضاً:
يا بنت أزهر إن ثأري طالب ... بدمي غداً الثأر أجهد طالب
فإذا سمعت براكب متعصب ... ينعى قتيلك فافزعي للراكب
فلأنت من بين الأنام رميتني ... عن قوس متلفة بسهم صائب
لا تأمني شم الأنوف وترتهم ... وتركت صاحبهم كأمس الذاهب
من كان أصبح غالباً لهوى التي ... يهوى فإن هواك أصبح غالبي
قلت وأسبلت الدموع لتربها ... لما اغتررت وأومأت بالحاجب
قولي له: بالله يطلق رحله ... حتى يزود أو يروح بصاحب
وقال فيها أيضاً:
أرق العين من الشوق السهر ... وصبا القلب إلى أم عمر
واعترتني فكرة من حبها ... ويح هذا القلب من طول الفكر
قدر سيق فمن يملكه ... أين من يملك أسباب القدر!
كل شيء نالني من حبها إن نجت نفسي من الموت هدر
وقال أيضاً:
يا للرجال لقلبك المتطرف ... والعين إن تر برق نجد تذرف
ولحاجة يوم العبير تعرضت ... كبرت فرد رسولها لم يسعف
يا بنت أزهر ما أراك مثيبتي ... خيراً على ودي لكم وتلطفي

(6/104)


إني وإن خبرت أن حياتنا ... في طرف عينك هكذا لم تطرف
ليظل قلبي من مخافة بينكم ... مثل الجناح معلقاً في نفنف
وليظل في هجر الأحبة طالباً ... لرضاك مما جار إن لم تسعف
كأخي الفلاة يغره من مائها ... قطع السراب جرى بقاع صفصف
أهراق نطفته فلما جاءها ... وجد المنية عندها لم تخلف
أمنت بإذن الله من كل حادث ... بقربك من خير الورى يا بن حارث
أمام حوى إرث النبي محمد ... فأكرم به من ابن عم ووارث
الشعر والغناء لمحمد بن الحارث بن بسخنر، خفيف رمل بالبنصر مطلق من جامع أغانيه وعن الهشامي.
أخبار محمد بن الحرث
مولى المنصور، وأصله من الري من أولاد المرازبة، وكان الحارث بن بسخنر أبوه رفيع القدر عند السلطان، ومن وجوه قواده، وولاه الهادي - ويقال الرشيد - الحرب والخراج بكور الأهواز كلها.
فأخبرني حبيب المهلبي: قال: حدثني النوفلي عن محمد بن الحارث بن بسخنر: قال: كنت بالدير، وكان رجل من أهلها يعرض علي الحوائج ويخدمني فيكرمني، ويذكر قديمنا، ويترحم على أبي، فقال لي رجل من أهل تلك الناحية: أتعرف سبب شكر هذا لأبيك؟ قلت: لا، قال: فإن أباه حدثني - وكان يعرف بابن بانة - بأن أباك الحارث بن بسخنر اجتز بهم يريد الأهواز فتلقاه بدجلة العوراء، وأهدى له صقوراً وبواشق صائدة، فقال له: الحق بي بالأهواز، فقال له يوماً: إني نظرت في أمور الأعمال بالأهواز، فلم أجد شيئاً منها يرتفق منه بما قدرت أن أبرك به، وقد ساومني التجار بالأهواز بالأرز، وقد جعلته لك بالسعر الذي بذلوه ، وسيأتونني، فأعلمهم بذلك، فقلت: نعم، فجاءوا، وخلصوه منه بأربعين ألف دينار، فصرت إلى الحارث فأعلمته، فقال لي: أرضيت بذلك؟ فقلت: نعم، قال: فانصرف.
ولما قفل الحارث من الأهواز مر بالمدائن، فلقيه الحسين بن محرز المدائني المغني فغناه:
قد علم الله علا عرشه ... أني إلى الحارث مشتاق
فقال له: دعني من شوقك إلي، وسلني حاجة فإني مبادر، فقال له: علي دين مائة ألف درهم، فقال: هي علي، وأمر له بها، وأصعد.
وكان محمد بن الحارث من أصحاب إبراهيم بن المهدي والمتعصبين له على إسحاق، وعن إبراهيم بن المهدي أخذ الغناء، ومن بحره استقى، وعلى منهاجه جرى.
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق، عن محمد بن هارون الهاشمي، عن هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: قال: كان المأمون قد ألزم أبي رجلاً ينقل إليه كل ما يسمعه من لفظ جداً هزلاً شعراً وغناء، ثم لم يثق به، فألزمه مكانه محمد بن الحارث بن بسخنر، فقال له: أيها الأمير، قل ما شئت واصنع ما أحببت، فوالله لا بلغت عنك أبداً إلا ما تحب، وطالت صحبته له، حتى أمنه وأنس به، وكان محمد يغني بالمعزفة فنقله أبي إلى العود، وواظب عليه حتى حذقه، ثم قال له محمد بن الحارث يوماً: أنا عبدك وخريجك وصنيعتك، فاخصصني بأن أروي عنك صنعتك، ففعل، وألقى عليه غناءه أجمع، فأخذه عنه، فما ذهب عليه شيء منه ولا شد.
وقال العتابي: حدثني محمد بن أحمد بن المكي: قال: حدثني أبي: قال: كان محمد بن الحارث قليل الصنعة، وسمعته يغني الواثق في صنعته في شعر له مدحه به وهو:
أمنت بإذن الله من كل حادث ... بقربك من خير الورى يا بن حارث
فأمر له بألفي دينار.
وذكر علي بن محمد الهشامي، عن حمدون بن إسماعيل، قال: كان محمد بن الحارث قد صنع هزجاً في هذا الشعر:
أصبحت عبداً مسترقاً ... أبكي الألى سكنوا دمشقا
أعطيتهم قلبي فمن ... يبقى بلا قلب فأبقى
وطرحه على المسدود ، فغناه، فاستحسنه محمد بن الحارث منه لطيب مسموع المسدود، ثم قال: يا مسدود، أتحب أن أهبه لك؟ قال: نعم، قال: قد فعلت، فكان يغنيه، ويدعيه، وهو لمحمد بن الحارث.
وقال العتابي: حدثني شروين المغني المدادي . أن صنعة محمد بن الحارث بلغت عشرة أصوات، وأنه أخذها كلها عنه، وأن منها في طريقه الرمل، قال: وهو أحسن ما صنعه.
أيا من دعاني فلبيته ... ببذل الهوى وهو لا يبذل
يدل علي بحبي له ... فمن ذاك يفعل ما يفعل

(6/105)


لحن محمد بن الحارث في هذا الصوت رمل مطلق، وفيه ليزيد حوراء ثقيل أول وفيه لسليم لحن وجدته في جميع أغانيه غير مجنس.
أخبرني الحسن بن علي: قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد: قال: حدثني أبو توبة صالح بن محمد، عن عمرو بن بانة: قال: كنت عند محمد بن الحارث بن بسخنر في منزله، ونحن مصطبحون في يوم غيم، فبينا نحن كذلك إذ جاءتنا رقعة عبد الله بن العباس الربيعي، وقد اجتاز بنا مصعداً إلى سر من رأى، وهو في سفينة، ففضها محمد، وقرأها، وإذا فيها:
محمد قد جادت علينا بودقها ... سحائب مزن برقها يتهلل
ونحن من القاطول في سبه مربع ... له مسرح سهل المحلة مبقل
فمر فائزاً تفديك نفسي يغنني ... أعن ظعن الحي الألى كنت تسأل؟
ولا تسقني إلا حلالاً فإنني ... أعاف من الأشياء ما لا يحلل
فقام محمد بن الحارث مستعجلاً حافياً، حتى نزل إليه فتلقاه، وحلف عليه حتى خرج معه، وسار به إلى منزله، فاصطحبا يومئذ، وغناه فائز غلامه هذا الصوت، وكان صوته عليه، وغناه محمد بن الحارث وجواريه وكل من حضر يومئذ، وغنانا عبد الله بن العباس الربيعي أيضاً أصواتاً وصنع يومئذ هذا الهزج، فقال:
يا طيب يومي بالمطيرة معملاً ... للكأس عند محمد بن الحارث
في فتية لا يسمعون لعاذل ... قولاً ولا لمسف أو رائث
حدثني وسواسه : قال: حدثني حماد بن إسحاق: قال: كان أبي يستحسن غناء جواري الحارث بن بسخنر، ويعتمد على تعليمهن لجواريه، وكان إذا اضطرب على واحدة منهن أو على غيرهن صوت، أو وقع فيه اختلاف، اعتمد على الرجوع فيه إليهن. ولقد غنى مخارق يوماً بين يديه صوتاً، فتزايد فيه الزوائد التي كان يستعملها، حتى اضطرب. فضحك أبي، وقال: يا أبا المهنأ، قد ساء بعدي أدبك في غنائك فالزم عجائز الحارث بن بسخنر يقومن أودك.
بنان يد تشير إلى بنان ... تجاوبتا وما يتكلمان
جرى الإيماء بينهما رسولاً ... فأحكم وحيه المتناجيان
فلو أبصرته لغضضت طرفاً ... عن المتناجيين بلا لسان
الشعر لماني الموسوس، والغناء لعمر الميداني هرج، وفيه لعريب لحن من الهزج أيضاً.
أخبار ماني الموسوس
هو رجل من أهل مصر، يكنى أبا الحسن واسمه محمد بن القاسم ، شاعر لين الشعر رقيقه، لم يقل شيئاً إلا في الغزل، وماني لقب غلب عليه، وكان قدم مدينة السلام، ولقيه جماعة من شيوخنا، منهم أبو العباس محمد بن عمار وأبو الحسن الأسدي وغيرهما، فحدثني أبو العباس بن عمار، قال: كان ماني يألفني، وكان مليح الإنشاد حلوه، رقيق الشعر غزله، فكان ينشدني الشيء، ثم يخالط، فيقطعه، واكن يوماً جالساً إلى جنبي، فأنشدني للعريان البصري:
ما أنصفتك العيون لم تكف ... وقد رأيت الحبيب لم يقف
فابك دياراً حل الحبيب بها ... فباع منها الجفاء باللطف
ثم استعارت مسامعاً كسد الل ... وم عليها من عاشق كلف
كأنها إذ تقنعت ببلى ... شمطاء ما تستقل من خرف
يا عين إما أريتني سكناً ... غضبان يزوي بوجه منصرف
فمثليه للقلب مبتسماً ... في شخص راض علي منعطف
إن تصفيه للقلب منقبضاً ... فأنت أشقى منه به فصفي
يقال بالصبر قتل ذي كلف ... كيف وصبري يموت من كلفي
إذا دعا الشوق عبرة لهوى ... فأي جفن يقول لا تكفي
ومستراد للهو تنفسح الم ... قلة في حافتيه مؤتلف
قصرت أيامه على نفر ... لا منن بالندى ولا أسف
بحيث إن شئت أن ترى قمراً ... يسعى عليهم بالكأس ذا نطف
قال: فسألته أن يمليها علي، ثم قال: اكتب، فعارضه أبو الحسن المصري: يعني " ماني " نفسه فقال:
أقفر مغني الديار بالنجف ... وحلت عما عهدت من لطف
طويت عنها الرضا مذممة ... لما انطوى غض عيشها الأنف
حللت عن سكرة الصبابة من ... خوف إلهي بمعزل قذف

(6/106)


سئمت ورد الصبا فقد يئست ... مني بنات الخدور والخزف
سلوت عن نهد نسبن إلى ... حسن قوام واللحظ في وطف
يمددن حبل الصبا لمن ألفت ... رجلاه قد المحول والدنف
ومدنف عاد في النحول من ال ... وجد إلى مثل رقة الألف
يشارك الطير في النحيب ولا ... يشركنه في النحول والقضف
ومسمعات نهكن أعظمه ... فهو من الضيم غير منتصف
مفتخرات بالجور عجباً كما ... يفخر أهل السفاه بالجنف
وقهوة من نتاج قطربل ... تخطف عقل الفتى بلا عنف
ترجع شرخ الشباب للخرف الف ... اني وتدني الفتى من الشغف
قال: فبينا هو ينشد إذ نظر إلى إمام المسجد الذي كنا إزائه قد صعد المئذنة ليؤذن فأمسك عن الإنشاد، ونظر إليه - وكان شيخاً ضعيف الجسم والصوت - فأذن أذاناً ضعيفاً بصوت مرتعش، فصعد إليه ماني مسرعاً، حتى صار معه في رأس الصومعة، ثم أخذ بلحيته، فصفعه في صلعته ظننت أنه قد قلع رأسه، وجاء لها صوت منكر شديد، ثم قال له: إذا صعدت المنارة لتؤذن، فعطعط ، ولا تمطمط ، ثم نزل ومضى يعدو على وجهه. ولقيت عنتاً عن عتب الشيخ وشكواه إياي إلى أبي ومشايخ الجيران، يقول لهم: هذا ابن عمار يجيء بالمجانين، فيكتب هذيانهم، ويسلطهم على المشايخ فيصفعونهم في الصوامع إذا أذنوا، حتى صرت إلى منزله، فاعتذرت وحلفت أني إنما أكتب شيئاً من شعره، وما عرفت ما عمله ولا أحيط به علماً.
ونسخت من كتاب لابن البراء: حدثني أبي قال: عزم محمد بن عبد الله بن طاهر على الصبوح، وعنده الحسن بن محمد بن طالوت، فقال: له محمد: كنا نحتاج أن يكون معنا ثالث نأنس به ونلذ في مجاورته فمن ترى أن يكون! فقال ابن طالوت : لقد خطر ببالي رجل ليس علينا في منادمته ثقل، قد خلا من إبرام المجالسين، وبرئ من ثقل المؤانسين، خفيف الوطأة إذا أدنيته، سريع الوثبة إذا أمرته، قال: من هو؟ قال: ماني الموسوس، قال: ما أسأت الاختيار، ثم تقدم إلى صاحب الشرطة يطلبه وإحضاره، فما كان بأسرع من أن قبض عليه صاحب الشرطة بربع الكوخ فوافى به باب محمد بن عبد الله، فأدخل، ونظف وأخذ من شعره، وألبس ثياباً نظافاً، وأدخل على محمد بن عبد الله، فلما مثل بين يديه سلم، فرد عليه، وقال له: أما حان لك أن تزورنا مع شوقنا إليك؟ فقال له ماني: أعز الله الأمير: الشوق شديد، والود عتيد، والحجاب صعب، والبواب فظ، ولو تسهل لنا الإذن لسهلت علينا الزيارة، فقال له محمد: لقد لطفت في الاستئذان، وأمره بالجلوس. فجلس، وقد كان أطعم قبل أن يدخل، فأتى محمد بن عبد الله بجارية لإحدى بنات المهدي، يقال لها: منوسة، وكان يحب السماع منها، وكانت تكثر أن تكون عنده، فكان أول ما غنته:
ولست بناس إذا غدوا فتحملوا ... دموعي على الخدين من شدة الوجد
وقولي وقد زالت بعيني حمولهم ... بواكر تحدى لا يكن آخر العهد
فقال ماني: أيأذن لي الأمير؟ قال: في ماذا؟ قال: في استحسان ما أسمع، قال: نعم، قال: أحسنت والله، فإن رأيت أن تزيدي مع هذا الشعر هذين البيتين:
وقمت أداري الدمع والقلب حائر ... بمقلة موقوف على الضر والجهد
ولم يعدني هذا الأمير بعدله ... على ظالم قد لج في الهجر والصد
فقال له محمد: ومن أي شيء استعديت يا ماني؟ فاستحيا، وقال: لا من ظلم أيها الأمير، ولكن الطرب حرك شوقاً كان كامناً، فظهر. ثم غنت:
حجبوها عن الرياح لأني ... قلت: يا ريح بلغيها السلاما
لو رضوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرياح الكلاما
قال: فطرب محمد، ودعا برطل فشربه فقال ماني: ما كان علة قائل هذين البيتين لو أضاف إليهما هذين:
فتنفست ثم قلت لطيفي: ... ويك إن زرت طيفها إلماما
حيها بالسلام سراً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما
فقال محمد: أحسنت يا ماني، ثم غنت:
يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما
ما مررنا بصر زينب إلا ... فضح الدمع سرك المكتوما

(6/107)


قال ماني: لولا رهبة الأمير لأضفت هذين البيتين بيتين لا يردان على سمع سامع ذي لب فيصدران إلا عن استحسان لهما، فقال محمد: الرغبة في حسن ما تأتى به حائلة عن كل رهبة، فهات ما عندك، فقال:
ظبية كالهلال لو تلحظ الص ... خر بطرف لغادرته هشيما
وإذا ما تبسمت خلت ما ي ... بدو من الثغر لؤلؤاً منظوما
فقال محمد: إن أحسن الشعر ما دام الإنسان يشرب ما كان مكسواً لحناً حسناً تغني به منوسة وأشباهها، فإن كسيت شعرك من الألحان مثل ما غنت قبله طاب، فقال: ذلك إليها.
فقال له ابن طالوت: يا أبا الحسين ، كيف هي عندك في حسنها وجمالها وغنائها وأدبها؟ قال: هي غاية ينتهي إليها الوصف، ثم يقف، قال: قل في ذلك شعراً، فقال:
وكيف صبر النفس عن غادة ... تظلمها إن قلت طاووسه
وجرت إن شبهتها بانة ... في جنة الفردوس مغروسه
وغير عدل إن عدلنا بها ... لؤلؤة في البحر منفوسه
جلت عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوس
فقال له ابن طالوت: وجب شكرك يا ماني، فساعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، ونلت سرورك، وفارقت محذورك، والله يديم لنا ولك بقاء من ببقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا.
فقال ماني:
مدمن التخفيف موصول ... ومطيل اللبث مملول
فأنا أستودعكم الله، ثم قام فانصرف، فأمر له محمد بن عبد الله بصلة، ثم كان كثيراً ما يبعث بطلبه إذا شرب، فيبره، ويصله، ويقيم عنده.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني المبرد، قال: حدثني بعض الكتاب ممن كان ماني يلزمه ، ويكثر عنده، قال: لقيني يوماً ماني بعد انقطاع طويل عني، فقال: ما قطعني عنك إلا أني هائم، قلت: بمن؟ قال بمن إن شئت أن تراه الساعة رأيته فعذرتني، قلت: فأنا معك، فمضى، حتى وافى باب الطاق، فأراني غلاماً جميل الوجه بين يدي بزاز في حانوته، فلما رآه الغلام عدا، فدخل الحانوت، ووقف ماني طويلاً ينتظره، فلم يخرج، فأنشأ يقول:
ذنبي إليه خضوعي حين أبصره ... وطول شوقي إليه حين أذكره
وما جرحت بطرف العين مهجته ... إلا ومن كبدي يقتص محجره
نفسي على بخله تفديه من قمر ... وإن رماني بذنب ليس يغفره
وعاذل باصطبار القلب يأمرني ... فقلت: من أين لي قلب أصبره
ومضى يعدو ويصيح: الموت مخبوء في للكتب .
وشادن قلبي به معمود ... شيمته الهجران والصدود
لا أسأم الحرص ولا يجود ... والصبر عن رؤيته مفقود
زناره في خصره معقود ... كأنه من كبدي مقدود
عروضه من الرجز، والشعر لبكر بن خارجة، والغناء لقاسم بن زرزور، خفيف رمل بالوسطى.
أخبار بكر بن خارجة
كان بكر بن خارجة، رجلاً من أهل الكوفة، مولى لبني أسد، وكان وراقاً ضيق العيش، مقتصراً على التكسب من الوراقة، وصرف أكثر ما يكسبه إلى النبيذ، وكان معاقراً للشرب في منازل الخمارين وحاناتهم، وكان طيب الشعر مليحاً مطبوعاً طبعاً ماجناً .
فذكر أبو العنبس الصيمري أن محمد بن الحجاج حدثه قال: رأيت بكر بن خارجة يبكر في كل يوم بقنينتين من شراب إلى خراب من خرابات الحيرة، فلا يزال يشربه فيه على صوت هدهد كان يأوي إلى ذلك الخراب، إلى أن يسكر، ثم ينصرف، قال: وكان يتعشق ذلك الهدهد.
وحدثني عمي عن ابن مهرويه عن علي بن عبد الله بن سعد، قال: كان بكر بن خارجة يتعشق غلاماً نصرانياً، يقال له: عيسى بن البراء العبادي الصيرفي، وله فيه قصيدة مزدوجة يذكر فيها النصارى وشرائعهم وأعيادهم، ويسمي دياراتهم، ويفضلهم.
قال: وحدثني من شهد دعبلا وقد أنشدني قوله في عيسى بن البراء النصراني العبادي:
زناره في خصره معقود ... كأنه من كبدي مقدود
فقال دعبل: ما يعلم الله أني حسدت أحداً قط كما حسدت بكراً على هذين البيتين.
وحدثني عمي عن الكراني، قال: حرم بعض الأمراء بالكوفة بيع الخمر على خماري الحيرة، وركب فكسر نبيذهم، فجاء بكر يشرب عندهم على عادته، فرأى الخمر مصبوبة في الرحاب والطرق، فبكى طويلاً، وقال:
يا لقومي لما جنى السلطان ... لا يكونن لما أهان الهوان

(6/108)


قهوة في التراب من حلب الكر ... م عقاراً كأنها الزعفران
قهوة في مكان سوء بقد صا ... دف سعد السعود ذاك المكان
من كميت يبدي المزاج لها لؤ ... لؤ نظم والفصل منها جمان
فإذا ما اصطبحتها صغرت في ال ... قدر تختالها هي الجرذان
كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص ... بر عن بعض نفسه الإنسان!
قال: فأنشدتها الجاحظ، فقال: إن من حق الفتوة أن أكتب هذه الأبيات قائماً وما أقدر على ذك إلا أن تعمدني، وقد كان تقوس، فعمدته، فقام، فكتبها قائماً.
وقال محمد بن داود بن الجراح في كتاب الشعراء: قال لي محمد بن الحجاج: كانت الخمر قد أفسدت عقل بكر بن خارجة في آخر عمره، وكان يمدح ويهجو بدرهم وبدرهمين ونحو هذا فاطرح، وما رأيت قط احفظ منه لكل شيء حسن، ولا أروى منه للشعر.
قال: وأنشدني بعض أصحابنا له في حال فساد عقله:
هب لي فديتك درهماً ... أو درهمين إلى الثلاثه
إني أحب بني الطفي ... ل ولا أحب بني علاثه
قال ابن الجراح حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني بعض أصحابنا الكوفيين قال: حضرنا دعوة ليحيى بن أبي وسف القاضي وبتنا عنده، فنمت فما أنبهني إلا صياح بكر يستغيث من العطش، فقلت له: مالك؟ فاشرب فالدار مليئة ماء، قال: أخاف، قلت: من أي شيء؟ قال: في الدار كلب كبير، فأخاف أن يظنني غزالاً فيثب علي ويقطعني ويأكلني، فقلت: له ويحك يا بكر! فالحمير أشبه منك بالغزال، قم فاشرب إن كنت عطشان وأنت آمن، وكان عقله قد فسد من كثرة الشراب.
قال: وأنشدني له، وقد رأى صديقاً له قرأ رقعة من صديق له آخر ثم حرقها:
لم يقو عندي على تحريق قرطاسي ... إلا امرؤ قلبه من صخرة قاسي
إن القراطيس من قلبي بمنزلة ... تحويه كالسمع والعينين في الرأس
ومما يغنى فيه من شعر بكر بن خارجة:
قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أحزاني وأوجاعي
لقل ما أبقى على ما أرى ... يوشك أن ينعاني الناعي
كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدي بين أضلاعي؟
أسلمني الحب وأشياعي ... لما سعى بي عندها الساعي
لما دعاني حبها دعوة ... قلت له: لبيك من داع
الغناء لإبراهيم بن المهدي ثقيل أول، وفيه لعبد الله بن العباس هزج، جميعاً عن الهشامي، وقيل: إن فيه لحناً لابن جامع.
وقد ذكر الصولي في أخبار العباس بن الأحنف وشعره أن هذه الأبيات للعباس بن الأحنف، وذكر محمد بن داود بن الجراح عن أبي هفان أنها لبكر بن خارجة:
ويلي على ساكن شط الصراه ... من وجنتيه شمت برق الحياه
ما ينقضي من عجب فكرتي ... في خصلة فرط فيها الولاه
ترك المحبين بلا حاكم ... لم يقعدوا للعاشقين القضاه
الشعر لإسماعيل القراطيسي والغناء لعباس بن مقام خفيف رمل بالوسطى.
أخبار إسماعيل القراطيسي
هو إسماعيل بن معمر الكوفي، مولى الأشاعثة، وكان مألفاً للشعراء، فكان أبو نواس وأبو العتاهية ومسلم وطبقتهم يقصدون منزله. ويجتمعون عنده، ويقصفون، ويدعو لهم القيان وغيرهن من الغلمان، ويساعدهم.
وإياه يعني أبو الهتاهية بقوله:
لقد أمسى القراطيسي ... رئيساً في الكشاخين
وفي هذه الأبيات التي فيها الغناء يقول القراطيسي:
وقد أتاني خبر ساءني ... مقالها في السر واسوأتاه
أمثل هذا يبتغي وصلنا ... أما يرى ذا وجهه في المراه!
أخبرني ابن عمار عن ابن مهرويه، عن علي بن عمران، قال: قال القراطيسي: قلت للعباس بن الأحنف : هل قلت في معنى قولي:
وقد أتاني خبر ساءني ... مقالها في السر: واسوأتاه؟
قال: نعم، وأنشدني:
جارية أعجبها حسنها ... فمثلها في الناس لم يخلق
خبرتها أني محب لها ... فأقبلت تضحك من منطقي
والتفتت نحو فتاة لها ... كالرشأ الوسنان في قرطق
قالت لها: قولي لهذا الفتى: ... انظر إلى وجهك ثم اعشق

(6/109)


أخبرني الحسن بن مهرويه، قال: حدثني أحمد بن بشر المرثدي، قال: مدح إسماعيل القراطيسي الفضل بن الربيع ، فحرمه فقال:
ألا قل للذي لم يهد ... ه الله إلى نفع
لئن أخطأت في مدحي ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد عن أبي هفان عن الجماز، قال: اجتمع يوماً أبو نواس وحسين الخليع وأبو العتاهية في الحمام وهم مخمورون، فقالوا: أين نجتمع؟ فقال القراطيسي:
ألا قوموا بأجمعكم ... إلى بيت القراطيسي
لقد هيا لنا النزل ... غلام فاره طوسي
وقد هيا الزجاجات ... لنا من أرض بلقيس
وألواناً من الطير ... وألواناً من العيس
وقينات من الحور ... كأمثال الطواويس
فنيكوهن في ذاكم ... وفي طاعة إبليس
أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيت ... بكيت عند الرضا خوفاً من الغضب
فالويل إن رضيت والعول إن غضبت ... إن لم يتم الرضا فالقلب في تعب
الشعر لأبي العبر الهاشمي، أنشدنيه الأخفش وغيره من أصحابنا، وذكره له محمد بن داود بن الجراح، والغناء لعلية بنت المهدي ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي.
أخبار أبي العبر ونسبه
هو أبو العباس محمد بن أحمد، ويلقب حمدوناً الحامض بن عبد الله بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وكان صالح الشعر مطبوعاً يقول الشعر المستوي في أول عمره منذ أيام الأمين وهو غلام، إلى أن ولي المتوكل الخلافة، فترك الجد، وعاد إلى الحمق والشهرة به، وقد نيف على الخمسين، ورأى أن شعره مع توسطه لا ينفق مع مشاهدته أبا تمام الطائي والبحتري وأبا السمط بن أبي حفصة ونظراءهم.
حدثني عم أبي عبد العزيز أحمد، قال: سمعت حمدون الحامض يذكر أنه ابنه أبا العبر ولد بعد خمس سنوات خلت من خلافة الرشيد، قال: وعمر إلى خلافة المتوكل، وكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان في عصره بالجد، ونفق نفاقاً عظيماً، وكسب في أيام المتوكل مالاً جليلاً، وله فيه أشعار حميدة، يمدحه بها، ويصف قصره وبرج الحمام والبركة كثيرة المحال، مفرطة السقوط، لا معنى لذكرها، سيما وقد شهرت في الناس.
فحدثني محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثني الزبير بن بكار، قال: قال لي عمي: ويحك! ألا يأنف الخليفة لابن عمه هذا الجاهل مما قد شهر به نفسه وفضح عشيرته! والله إنه لعر بني آدم جميعاً، فضلاً عن أهله والأدنين ! أفلا يردعه ويمنعه من سوء اختياره! فقلت: إنه ليس بجاهل كما تعتقد ، وإنما يتجاهل، وإن له لأدباً صالحاً وشعراً طيباً، ثم أنشدته:
لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم!
وإذا ما الدهر ضعضعني ... لم تجدني كافر النعم
قنعت نفسي بما رزقت ... وتناهت في العلا هممي
ليس لي مال سوى كرمي ... وبه أمني من العدم
فقال لي: ويحك! فلم لا يلزم هذا وشبهه؟ فقلت له: والله يا عم لو رأيت ما يصل إليه بهذه الحماقات لعذرته، فإن ما استملحت له لم ينفق به، فقال عمي - وقد غضب - أنا لا أعذره في هذا لو حاز به الدنيا بأسرها، لا عذرني الله إن عذرته إذن! وحدثني مدرك بن محمد الشيباني، قال: حدثني أبو العنبس الصيمري، قال: قلت لأبي العبر ونحن في دار المتوكل: ويحك! أيش يحملك على هذا السخف الذي قد ملأت به الأرض خطباً وشعراً وأنت أديب ظريف مليح الشعر؟ فقال لي: يا كشخان، أتريد أن أكسد أنا وتنفق أنت؟ أنت أيضاً شاعر فهم متكلم فلم تركت العلم، وصنعت في الرقاعة نيفاً وثلاثين كتاباً، أحب أن تخبرني لو نفق العقل أكنت تقدم علي البحتري، وقد قال في الخليفة بالأمس:
عن أي ثغر تبتسم ... وبأي طرف تحتكم
فلما خرجت أنت عليه وقلت:
في أي سلح ترتطم ... وبأي كف تلتطم
أدخلت رأسك في الرحم ... وعلمت أنك تنهزم

(6/110)


فأعطيت الجائزة وحرم، وقربت وأبعد، في حر أمك وحر أم كل عاقل معك! فتركته، وانصرفت.
قال مدرك: ثم قال لي أبو العنبس: قد بلغني أنك تقول الشعر، فإن قدرت أن تقوله جيداً، جيداً؟ وإلا فليكن بارداً، بارداً، مثل شعر أبي العبر وإياك والفاتر فإنه صفع كله.
حدثني جعفر بن قدام، قال: حدثني أبو العيناء، قال: أنشدت أبا العبر:
ما الحب إلا قبلة ... أو غمز كف وعضد
أو كتب فيها رقى ... أنفذ من نفث العقد
من لم يكن ذا حبه ... فإنما يبغي الولد
ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد
فقال لي: كذب المأبون: وأكل من خراي رطلين وربعاً بالميزان، فقد أخطأ وأساء، ألا قال كما قلت:
باض الحب في قلبي ... فواويلي إذا فرخ
وما ينفعني حبي ... إذا لم أكنس البربخ
وإن لم يطرح الأصل ... ع خرجيه على المطبخ
ثم قال: كيف ترى؟ قلت: عجباً من العجب، قال: ظننت أنك تقول: لا، فأبل يدي وأرفعها. ثم سكت، فبادرت، وانصرفت خوفاً من شره.
حدثني عبد العزيز بن أحمد عم أبي، قال: كان أبو العبر يجلس بسر من رأى في مجلس يجتمع عليه فيه المجان يكتبون عنه، فكان يجلس على سلم وبين يديه بلاعة فيها ماء وحمأة، وقد سد مجراها، وبين يديه قصبة طويلة، وعلى رأسه خف، وفي رجليه قلنسيتان، ومستمليه في جوف بئر، وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة، ويقل السماع، ويصبح مستمليه من جوف البئر من يكتب ، عذبك الله، ثم يملي عليهم، فإن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من ماء البلاعة إن كان وضيعاً، وإن كان ذا مروءة رشش عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس في الكنيف إلى أن ينفض المجلس، ولا يخرج منه حتى يغرم درهمين. قال: وكانت كنيته أبا العباس، فصيرها أبا العبر، ثم كان يزيد فيها في كل سنة حرفاً، حتى مات، وهي أبو العبر طرد طيل طليري بك بك بك.
حدثني جحظة، قال: رأيت أبا العبر بسر من رأى، وكان أبوه شيخاً صالحاً، وكان لا يكلمه، فقال له بعض إخوانه: لم هجرت ابنك؟ قال: فضحني - كما تعلمون - بما يفعله بنفسه، ثم لا يرضى بذلك، حتى يهجنني ويؤذيني، ويضحك الناس مني، فقالوا له: وأي شيء من ذاك؟ وبماذا هجنك؟ قال: اجتاز علي منذ أيام ومعه سلم، فقلت له: ولأي شيء هذا معك؟ فقال: لا أقول لك، فأخجلني، وأضحك بي كل من كان عندي، فلما أن كان بعد أيام اجتز بي ومعه سمكة، فقلت له: إيش تعمل بهذه؟ فقال: أنيكها، فحلفت لا أكلمه أبداً.
أخبرني عم أبي عبد العزيز، قال: سمعت رجلاً سأل أبا العبر عن هذه المحالات التي لا يتكلم بها: أي شيء أصلها؟ قال: أبكر، فأجلس على الجسر، ومعي دواة ودرج ، فأكتب كل شيء أسمعه من كلام الذاهب الجائي والملاحين والمكارين، حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضاً وطولاً وألصقه مخالفاً، فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه.
أخبرني عمي ، قال: رأيت أبا العبر واقفاً على بعض آجام سر من رأى، وبيده اليسرى قوس جلاهق ، وعلى يده اليمنى باشق، وعلى رأسه قطعة رثة في حبل مشدود بأنشوطة، وهو عريان، في أبره شعر مفتول مشدود فيه شص قد ألقاه في الماء للسمك، وعلى شفته دوشاب ملطخ، فقلت له: خرب بيتك، أيش هذا العمل؟ فقال: أصطاد يا كشخان يا أحمق بجميع جوارحي، إذا مر بي طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريباً مني أرسلت إليه الباشق، والرثة التي على رأسي يجيء الحدأ ليأخذها فيقع في الوهق والدوشاب أصطاد به الذباب، وأجعله في الشص، فيطلبه السمك، ويقع فيه، والشص في أيري، فإذا مرت به السمكة أحسست بها، فأخرجتها.
قال: وكان المتوكل يرمي في المنجنيق إلى الماء، وعليه قميص حرير، فإذا علا في الهواء صاح: الطريق الطريق، ثم يقع في الماء، فتخرجه السباح، قال: وكان المتوكل يجلسه على الزلاجة، فينحدر فيها، حتى يقع في البركة، ثم يطرح الشبكة، فيخرجه كما يخرج السمك، ففي ذلك يقول في بعض حماقاته:
ويأمر بي الملك ... فيطرحني في البرك
ويصطادني بالشبك ... كأني من السمك
ويضحك كك كك ككك ... كك كك كك كك ككك
وحدثني جعفر بن قدامة، قال:

(6/111)


قدم أبو العبر بغداد في أيام المستعين، وجلس للناس، فبعث إسحاق بن إبراهيم، فأخذه، وحبسه، فصاح في الحبس، لي نصيحة، فأخرج، ودعا به إسحاق، فقال: هات نصيحتك، قال: على أن تؤمنني؟ قال: نعم، قال: الكشكية - أصلحك الله - لا تطيب إلا بالكشك، فضحك إسحاق وقال: هو - فيما أرى - مجنون، فقال: لا، هو امتخط حوت ، قال: أيش أهو امتخط حوت؟ ففهم ما قاله، وتبسم ثم قال: أظن أن فيك مأثوم، قال: لا، ولكنك في ماء بصل ، فقال: أخرجوه عني إلى لعنة الله، ولا يقيم ببغداد، فأرده إلى الحبس، فعاد إلى سر من رأى.
وله أشعار ملاح في الجد، منها ما أنشدنيه الأحفش له يخاطب غلاماً أمرد:
أيها الأمرد المولع بالهجر أفق ما كذا سبيل الرشاد
فكأني بحسن وجهك قد ألبس في عارضيك ثوب حداد
وكأني بعاشقيك وقد بدلت فيهم من خلطة ببعاد
حين تنبو العيون عنك كما ينقبض السمع عن حديث معاد
فاغتنم قبل أن تصير إلى كا ... ن وتضحي في جملة الأضداد
وأنشدني محمد بن داود بن الجراح له، وفيه رمل طنبوري محدث أظنه لجحظة.
داء دفين وهوى بادي ... أظلم فجازيك بمرصاد
يا واحد الأمة في حسنه ... أشمت بي صدك حسادي
قد كدت مما نال مني الهوى ... أخفى على أعين عوادي
عبدك يحيي موته قبلة ... تجعلها خاتمة الزاد
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني أحمد بن علي الأنباري: قال: كنا يوماً في مجلس يزيد بن محمد المهلبي بسر من رأى، فجرى ذكر أبي العبر، فجعلوا يذكرون حماقاته وسقوطه، فقلت ليزيد: كيف كان عندك، فقد رأيته؟ فقال: ما كان إلا أديباً فاضلاً، ولكنه رأى الحماقة أنفق وأنفع له، فتحامق.
فقلت له: أنشدك أبياتاً له أنشدنيها، فانظر لو أراد دعبل - فإنه لأهجى أهل زماننا - أن يقول في معناها ما قدر على أن يزيد على ما قال، قال: أنشدنيها، فأنشدته قوله:
رأيت من العجائب قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمي نصفين فذا ... كما اقتسما قضاء الجانبين
هما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين
وتحسب منهما من هز رأساً ... لينظر في مواريث ودين
كأنك قد جعلت عليه دنا ... فتحت بزاله من فرد عين
فجعل يضحك من قوله، ويعجب منه، ثم كتب الأبيات.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن مهرويه: قال: حدثني ابن أبي أحمد، قال: قال لي أبو العبر: إذا حدثك إنسان بحديث لا تشتهي أن تسمعه فاشتغل عنه بنتف إبطك، حتى يكون هو في عمل وأنت في عمل.
وقال محمد بن داود: حدثني أبو عبد الله الدوادي، قال: كان أبو العبر شديد البغض لعلي بن أبي طالب - صلوات الله عليه - وله في العلويين هجاء قبيح، وكان سبب ميتته أنه خرج إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة من أهلها في آجامهم، فسمعه بعض الكوفيين يقول في علي - صلوات الله عليه - قولاً قبيحاً استحل به دمه، فقتله في بعض الآجام، وعرقه فيها.
لقد طال عهدي بالإمام محمد ... وما كنت أخشى أن يطول به عهدي
فأصبحت ذا بعد وداري قريبة ... فواعجباً من قرب داري ومن بعدي!
فيا ليت أن العيد لي عاد مرة ... فإني رأيت العيد وجهك لي يبدي
أيتك في برد النبي محمد ... كبدر الدحى بين العمامة والبرد
الشعر لمروان بن أبي حفصة الأصغر، والغناء لبنان خفيف رمل بالبنصر.
أخبار مروان بن أبي حفصة الأصغر
هو مروان بن أبي الجنوب بن مروان الأكبر بن أبي حفصة. قد تقدم خبره ونسبه، ويكنى مروان الأصغر أبا السمط، وكان يتشبه بجده في شعره، ويمدح المتوكل، ويتقرب إليه بهجاء آل أبي طالب، فتمكن منه وقرب إليه ، وكسب معه مالاً كثيراً، فلما أفضت الخلافة إلى المنتصر تجنب مذهب أبيه في كل أمر، فطرده وحلف ألا يدخل إليه أبداً لما كان يسمعه منه في أمير المؤمنين علي رضي الله منه.
فأخبرني محمد بن عمران الصيرفي عمي قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني محمد بن عبد الله بن آدم العبدي قال:

(6/112)


دخل مروان بن أبي الجنوب على المتوكل فأنشده قوله:
أبوكم علي كان أفضل منكم ... أباه ذوو الشورى وكانوا ذوي عدل
وساء رسول الله إذ ساء بنته ... بخطبته بنت اللعين أبي جهل
أراد على بنت النبي تزوجاً ... ببنت عدو الله، يا لك من فعل!
فذم رسول الله صهر أبيكم ... على منبر الإسلام بالمنطق الفصل
وحكم فيها حاكمين أبوكم ... هما خلعاه خلع ذي النعل للنعل
وقد باعها من بعده الحسن ابنه ... فقد أبطلا دعواكما الرثة الحبل
وخليتموها وهي في غير أهلها ... طالبتموها حيث صارت إلى الأهل
فوهب له المتوكل مائة ألف درهم.
وقال محمد بن داود بن الجراح : حدثني محمد بن القاسم قال: حدثني أبو هاشم الجبائي، قال: دخل أبو السمط على المتوكل فأنشده قوله:
الصهر ليس بوارث ... والبنت لا ترث الإمامة
لو كان حقكم لهم ... قامت على الناس القيامة
أصبحت بين محبكم ... والمبغضين لكم علامة
فحشا المتوكل فمه بجوهر لا يدرى ما قيمته.
وحدثني أحمد بن جعفر جحظة قال: أنشد أبو السمط المتوكل قوله:
إني نزلت بساحة المتوكل ... ونزلت في أقصى ديار الموصل
فقال الفتح بن خاقان: فإذا كانا متباعدين هكذا فمن كان الرسول؟ فقال أبو العنبس الصيمري: كانت له طيور هدى تحمل إليها كتبه، فضحك المتوكل حتى ضرب برجله الأرض وأجزل صلة الصيمري ولم يعط أبا السمط شيئاً، فماتا متهاجرين .
أخبرني عمي والحسن بن علي قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا حماد بن أحمد البني قال: أخبرني أبو السمط مروان بن أبي الجنوب قال: لما صرت إلى المتوكل على الله ومدحته ومدحت ولاة العهود الثلاثة، وأنشدته ذلك في قولي:
سقى الله نجداً والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على النأي والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونها ... لعلي أرى نجداً وهيهات من نجد!
بلاد بها قوم هواهم زيارتي ... ولا شيء أشهى من زيارتهم عندي
فلما استتممتها أمر لي بمائة ألف درهم وخمسين ثوباً من خاص ثيابه.
أخبرني علي بن أبي العباس بن أبي طلحة قال: حدثني إبراهيم بن محمد أبو إسحاق قال: حدثني خالد بن يزيد الكاتب قال: دعاني المتوكل ليلة وقد غنى بين يديه عمر الطنبوري في قولي:
يا مقلتي قتلتماني ... فبقيت رحمة من يراني
من ذا ألوم وأنتما ... بيد الهوى أسلمتماني
قال: ولم يغنه البيت الثالث، وهو:
لعبت بنا أيدي الخطو ... ب وغالنا ريب الزمان
كراهة أن يتطير منه، فجعل ينظر إلي وأنا واقف، ثم قال: ويلك يا خالد، تهرب منا ونحن نطلبك، وأنت في غيابات صبواتك وغزلك، يا غلام اسقه ثلاثة أقداح في القدم المبرم - وهو الذي لا قرار له، فإذا أخذه الإنسان لم يقدر أن يضعه من يده - فقلت:
سيدي لا تسقني ... أكثر من رطل نبيذ
إن شربي للذي ... يؤلمني غير لذيذ
فقال: يا غلام، إن لم يشرب فاصفعه، فقلت:
سيدي حوصلتي ضي ... يقة عن شرب رطل
فمتى زدت عليه ... خفت أن يذهب عقلي
فقال الفتح: هو كما قال يا سيدي لا يطيق الشرب.
وحضر ابن أبي حفصة، فقال لنا المتوكل: قولاً على البديهة، فقلت له: هو يا سيدي شيخ الشعراء ومادحك، وآباؤه مداح آبائك، فأنشأ يقول:
يا ليت لي ألف عين ... عيناي لا تكفيان
فقلت له: سخنت عينك، أنا لي عين واحدة أدعو الله عليها بالعمى من ستين سنة، أقول:
يا عين أنت بليتني ... فأراحني الرحمن منك
وأنت تتمنى ألف عين. ثم قال لي المتوكل: اهجه، فقلت: إن الرجل لم يعرض لي، فأقبل هو علي وقال: قل ما شئت، وما عسى أن تقول؟ فقلت:
زاد البرد يومين ... فقال الناس: ما القصه!
فقلنا: أنشدونا شع ... ر مروان بن أبي حفصه
فتى من شهوة النيك ... بحلقوم استه غصه

(6/113)


ولو يرمي ببطيخ ... لوافى دبره رصه
قال: فضحك المتوكل حتى صفق برجليه الأرض، وأفحم مروان، ثم أمر لي بجائزة فأخذتها وانصرفت.
قال ابن أبي طاهر: حدثني مروان بن أبي الجنوب قال: لما استخلف المتوكل بعثت إلى ابن أبي داود بقصيدة مدحته فيها وذكرت فيها ابن الزيات ببيتين وهما:
وقيل لي: الزيات لاقي حمامه ... فقلت: أتاني الله بالفتح والنصر
لقد حفر الزيات بالبغي حفرة ... فألقاه فيها الله بالكفر والغدر
قال: فذكرني ابن أبي داود المتوكل، فأمر بإحضاري، فقيل له: نفاه الواثق إلى اليمامة، وذلك لميله إليك. فقال: يحمل، فقال له ابن أبي داود: عليه ستة آلاف دينار دين، فقال: يكتب بها إلى عامل اليمامة، فكتب لي بها وبالحملان والمعونة، فقدمت عليه وأنشدته قولي:
رحل الشباب وليته لم يرحل ... والشيب حل وليته لم يحلل
فلما بلغت إلى هذا البيت:
كانت خلافة جعفر كنبوة ... جاءت بلا طلب ولا بتمحل
وهب الإله لك الخلافة مثل ما ... وهب النبوة للنبي المرسل
فأمر لي بخمسين ألف درهم: وفي أول هذه القصيدة لعريب ثاني ثقيل بالوسطى.
والصوت المذكور في أول هذه الأخبار من قصيدة قاله أبو السمط في المنتصر لما ولي الخلافة.
أخبرني بخبره فيها جماعة من أصحابنا، منهم محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد، والحسن بن علي قالا: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثني القاسم بن محمد الكاتب قال: حدثني المرزبان بن الفروران حاجب المنتصر قال: إن مروان بن أبي حفصة الأصغر المكنى أبا السمط استأذن على المنتصر لما ولي الخلافة، فقال: والله لا أذنت للكافر ابن الزانية، أليس هو القائل:
وحكم فيها حاكمين أبوكم ... هما خلعاه خلع ذي النعل للنعل
قولوا له: والله لا وصلت إلي أبداً، فلما بلغه هذا القول عمل هذا الشعر:
لقد طال عهدي بالإمام محمد ... وما كنت أخشى أن يطول به عهدي
وذكر الأبيات كلها.
قال: وسأل بنان بن عمرو، فصنع فيه لحناً وغنى به المنتصر، فلما سمعه سأل عن قائلها، فأخبرته، فقال: أما الوصول إلي فلا سبيل إليه، ولكن أعطوه عشرة آلاف درهم يتحمل بها إلى اليمامة.
أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال: حدثني جعفر بن هارون بن زياد قال: حدثني أحمد بن الفضل الكاتب قال: لما قال علي بن الجهم هذه القصيدة في المتوكل:
اغتنم جدة الزمان الجديد ... واجعل المهرجان أيمن عيد
أنشدها وأبو السمط بن أبي حفصة حاضر، فغمزه المتوكل على علي بن الجهم وأمره أن يعنته. فقال له: يا علي، أخبرني عن قولك:
واجعل المهرجان أيمن عيد
المهرجان عيد أم يوم لهو، إنما العيد ما تعبد الله به الناس مثل الفطر والأضحى والجمعة وأيام التشريق. فأما المهرجان والنيروز فإنما هما أعياد المجوس ، ولا يجوز أن يقال لخليفة الله في عباده وخليفة رسول الله في أمته: اجعل المهرجان عيداً.
فلم يلتفت إليه وأنشد حتى بلغ قوله :
نحن أشياعكم من آل خراسا ... ن أولو قوة وبأس شديد
نحن أبناء هذه الخرق السو ... د وأهل التشيع المحمود
فقال له مروان: لو كنتم من أهل التشيع المحمود ما قتل قحطبة جدك وصلبه في عداوة بني العباس. فقال له المتوكل: ويلك، أقتل قحطبة جدك؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين. فأقبل على محمد بن عبد الله بن طاهر، فقال له: بحياتي الأمر كما قال مروان؟ فقال له محمد: وإن كان كما قال، فأي ذنب لعلي بن الجهم؟ قد قتل الله أعداءكم وأبقى أولياءكم. فضحك المتوكل وقال: شهدت والله بها عليه، فقال مروان في ذلك:
غضب ابن الجهم من قولي له ... إن في الحق لقوم مغضبة
يا بن جهم كيف تهوى معشراً ... صلبوا جدك فوق الخشبة؟
يا إمام العدل نصحي لكم ... نصح حق غير نصح الكذبة
إن جدي من رفعتم ذكره ... بكرامات لشكري موجبة
وابن جهم من قتلتم جده ... وتولى ذاك منه قحطبه
فخراسان رأت شيعتكم ... أنه أهل لضرب الرقبة

(6/114)


أتراه بعدها ينصحكم ... لا ورب الكعبة المحتجبة
أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال: حدثني جعفر بن هارون قال: حدثني أحمد بن حمدون إسماعيل قال: بلغ المتوكل أن علي بن الجهم خطب امرأة من قريش فلم يزوجوه، فسأل عن السبب في ذلك وعن قصته، وعن نسب سامة بن لؤي، فحدث بها، ثم انتهى حديثهم بأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يدخلاهم في قريش، وأن عثمان رضي الله عنه أدخلهم فيه، وأن علياً رضي الله عنه أخرجهم منه، فارتدوا مع الحارث، وأن قتل من ارتد منهم، سبي بقيتهم، وباعهم من مصقلة بن هبيرة. فضحك المتوكل، وبعث إلى علي بن الجهم فأخبره بما قال القوم فأنكر ذلك وقال: هذه الدعوى من الرافضة، وشتم القوم. وكان منهم أبو السمط فقال له:
إن جهماً حين تنسبه ... ليس من عجم ولا عرب
لج في شتمي بلا سبب ... سارق للشعر والنسب
من أناس يدعون أبا ... ماله في الأرض من عقب
فغضب علي بن الجهم ولم يجبه؛ لأنه كان يحتقره ويستركه ، وأومأ إليه المتوكل أن يزيده فقال:
أأنتم من قريش يا بن جهم ... وقد باعوكم في من يزيد
أترجو أن تكاثرنا جهاراً ... بنسبتكم مقد بيع الجدود؟
قال: وما زال مروان يهجو علي بن الجهم فما أجابه عن شيء من شعره أنفة منه.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثني الجماز أبو عبد الله قال: دخل مروان الأصغر على أحمد بن أبي داود وقد أصابه الفالج وتماثل قليلاً، فأنشده:
لسان أحمد سيف مسه طبع ... من علة فجلاه عن جاليها
ما ضر أحمد باقي علة درست ... والله يذهب عنه رسم باقيها
قد كان موسى على علات منطقه ... رسائل الله إذ جاءت يؤديها
موسى بن عمران لم ينقص نبوته ... ضعف اللسان وقدماً كان يمضيها
فوصله أحمد رحمه الله تعالى واعتذر إليه.
أخبرني عمي قال: حدثني متوج قال: قال أبو السمط: دخلت على عبد الله بن طاهر فقال: إني تذكرت في ليلتي هذه ذا اليمينين، فبت أرقاً حزيناً باكياً، فارثه في مقامك هذا بأبيات تجعل لي طريقاً إلى شفاء علتي ولك حكمك، ففكرت هنيهة ثم قلت:
إن المكارم إذ تولى طاهر ... قطع الزمان يمينها وشمالها
لو كافحته يد المنون مجاهراً ... لاقت لوقع سيوفه آجالها
أرسى عماد خليفة في هاشم ... ورمى عماد خلافة فأزالها
بكت الأعنة والأسنة طاهراً ... ولطالما روى النجيع نهالها
ليت المنون تجانبت عن طاهر ... ولوت بذروة من تشاء حبالها
ما كنت لو سلمت يميناً طاهر ... أدري ولا أسل الحوادث مالها
فقال: أحسنت والله فاحتكم، فقلت له: خمسون ألف درهم أقضي منها ديناً ، وأصلح حالي، وأبتاع ضيعة تلاصق ضيعتي. فأمر لي بها وقال: ربحنا وخسرت، ولو لم تحتكم لزدتك، ولك عندنا عد وعد بعد عد.
لا تلمني أن أجزعا ... سيدي قد تمنعا
وابلائي إن كان ما ... بيننا قد تقطعا
إن موسى بفضله ... جمع الفضل أجمعا
الشعر ليوسف بن الصيقل والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالبنصر.
أخبار يوسف بن الحجاج ونسبه
هو يوسف بن الحجاج الصيقل، يقال: إنه من ثقيف، ويقال: إنه مولى لهم، وذكر محمد بن داود بن الجراح أنه كان يلقب لقوة وأنه كان يصحب أبا نواس، يأخذ عنه، ويروي له، وأبوه الحجاج بن يوسف محدث ثقة، وروى عنه جماعة من شيوخنا، منهم ابن منيع، والحسن بن الطيب الشجاع، وابن عفير الأنصاري، وكان يوسف بن الصيقل كاتباً، ومولده ومنشؤه بالكوفة.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي، عن ابن شبة، قال: قال أحمد بن صالح الهشامي: قال لنا يوسف بن الصيقل يوماً، ورأى الشعراء بأيديهم الرقاع يطوفون بها، فقال: صنع الله لكم، ثم أقبل على إبراهيم الموصلي، فقال له: كنا نهزل، فنأخذ الرغائب، وهؤلاء المساكين الآن يجدون، فلا يعطون شيئاً، ثم قال لإبراهيم: أتذكر ونحن بجرجان مع موسى الهادي، وقد شرب على مستشرف عال جداً وأنت تغنيه هذا الصوت:
واستدارت رحالهم ... بالرديني شرعا

(6/115)


فقال: هذا لحن مليح، ولكني أريد له شعراً غير هذا، فإن هذا الشعر بارد، والتفت إلي فقال: اصنع في هذا الوزن شعراً، فقلت:
لا تلمني أن أجزعا ... سيدي قد تمنعا
فغنيته فيه بذلك اللحن، ومرت به إبل ينقل عليها، فقال أوقروها لهما مالاً، فأوقرت مالاً وحمل إلينا، فاقتسمناه، فقال إبراهيم: نعم، وأصاب كل واحد منا ستين ألف درهم.
فارس يضرب الكتي ... بة حتى تصدعا
في الوغى حين لا يرى ... صاحب القوس منزعا
واستدارت رحالهم ... بالرديني شرعا
ثم ثارت عجاجة ... تحتها الموت منقعا
في هذه الأبيات رمل ينسب إلى ابن سريج وإلى سياط، وفيه لابن جامع خفيف رمل بالبنصر.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، عن محمد بن عبد الله العبدي، فذكر مثل هذه القصة إلا أنه حكى أنها كانت بالرقة، لا بجرجان، وأن الرشيد كان صاحبها لا موسى.
أخبرني الحسن بن علي العنزي، عن محمد بن يونس الربيعي، قال: حدثني أبو سعيد الجنديسابوري، قال: لما ورد الرشيد الرقة خرج يوسف بن الصيقل، وكمن له في نهر جاف على طريقه، وكان لهارون خدم صغار يسميهم النمل يتقدمونه، بأيديهم قسي البندق، يرمون بها من يعارضه في طريقه، فلم يتحرك يوسف، حتى وافته قبة هارون على ناقة، فوثب إليه يوسف، وأقبل الخدم الصغار يرمونه، فصاح بهم الرشيد: كفوا عنه، فكفوا، وصاح به يوسف يقول:
أغيثاً تحمل النا ... قة أم تحمل هرونا
أم الشمس أم البدر ... أم الدنيا أم الدينا
ألا كل الذي عدد ... ت قد أصبح مقرونا
على مفرق هارون ... فداه الآدميونا
فمد الرشيد يده إليه، وقال له: مرحباً بك يوسف، كيف كنت بعدي؟ ادن مني، فدنا، وأمر له بفرس، فركبه، وسار إلى جانب قبته ينشده، ويحدثه، والرشيد يضحك، وكان طيب الحديث، ثم أمر له بمال، وأمر بأن يغنى في الأبيات: الغناء في هذه الأبيات لابن جامع خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي: وقال محمد بن داود: كان يوسف فاسقاً مجاهراً باللواط، وله فيه أشعار، فمنها قوله:
لا تبخلن على الندي ... م بردف ذي كشح هضيم
تعلو وينظر حسرة ... نظر الحمار إلى القضيم
وإذا فرغت فلا تقم ... حتى تصوت بالنديم
فإذا أجاب فقل هل ... م إلى شهادة ذي الغريم
واتبع للذتك الهوى ... ودع الملامة للمليم
قال: وهذا الشعر يقوله لصديق له رآه قد علا غلاماً له، فخاطبه به.
ومن مشهور قوله في هذا المعنى:
لا تنيكن ما حييت ... غلاماً مكابره
لا تمرن باسته ... دون دفع المؤامره
إن هذا اللواط دين ... تراه الأساوره
وهم فيه منصفو ... ن بحسن المعاشره
ومن قوله في هذا المعنى أيضاً هذه الأبيات:
ضع كذا صدرك لي يا سيدي ... واتخذ عندي إلى الحشريدا
إنما ردفك سرج مذهب ... كشف البزيون عنه فبدا
فأعرنيه ولا تبخل به ... ليس يبليه ركوبي أبدا
بل يصفيه ويجلوه ولا ... أثر تراه فيه أبدا
فادن يا حب وطب نفساً به ... إن ذاك الدين تقضاه غدا
أخبرني إسماعيل بن يونس، قال: حدثني عمر بن شبة عن أحمد بن صالح الهاشمي، قال: هجا يوسف بن الصيقل القيان، فقال:
احذر فديتك ما حيي ... ت حبائل المتشاكلات
فلهن يفلسن الفتى ... وكفى بهن مفلسات
ويل امرىء غر تجي ... ه رقاعهن مختمات
ورقاعهن إليهم ... برقي القحاب مسطرات
وعلى القيادة رسله ... ن إذا بعثن مدربات
يهدمن أكياس الغني ... من المؤنة والهبات
حفر العلوج سواقياً ... للماء في الأرض الموات
فيصير من إفلاسه ... ومن الندامة في سبات
قال: وشاعت هذه الأبيات وتهاداها الناس، وصارت عبثاً بالقيان لكل أحد، فكانت المغنية إذا عثرت قالت: تعس يوسف!

(6/116)


أخبرني الحسن بن علي، قال: أخبرني عيسى بن الحسن الآدمي: قال: حدثني أحمد بن أبي فنن، قال: أحضر الرشيد عشرة آلاف دينار من ضرب السنة ففرقها، حتى بقيت منها ثلاثة آلاف دينار، فقال: ائتوني شاعراً أهبها له، فوجدوا منصوراً النمري ببابه، فأنشده، وكان قبيح الإنشاد، فقال له الرشيد: أعانك الله على نفسك، انصرف، فقال: يا أمير المؤمنين، قد دخلت إليك دخلتين، لم تعطني فيهما شيئاً، وهذه الثالثة، و والله لئن حرمتني لا رفعت رأسي بين الشعراء أبداً. فضحك الرشيد، وقال: خذها، فأخذها، ونظر الرشيد إلى الموالي ينظر بعضهم بعضاً، فقال: كأني قد عرفت ما أردتم: أن تكون هذه الدنانير ليوسف بن الصيقل، وكان يوسف منقطعاً إلى الموالي ينادمهم، ويمدحهم، فكانوا يتعصبون له، فقالوا: إي والله يا أمير المؤمنين، فقال: هاتوا ثلاثة آلاف دينار، فأحضرت، فأقبل على يوسف. فقال: هات، أنشدنا، فأنشده يوسف:
تصدت له يوم الرصافة زينب
فقال له: كأنك امتدحتنا فيها، فقال: أجل، والله يا أمير المؤمنين فقال: أنت ممن يوثق بنيته، ولا تتهم موالاته، هات من ملحك، ودع المديح، فأنشده أقوله:
العفو يا غضبان ... ما هكذا الخلان
هبني ابتليت بذنب ... أما له غفران؟
وإن تعاظم ذنب ... ففوقه الهجران
كم قد تقربت جهدي ... لو ينفع القربان
يا رب أنت على ما ... قد حل بي المستعان
ويلي ألست تراني ... أهذي بها يا فلان؟
فقال الرشيد: ومن فلان هذا ويلك؟ فقال له الفضل بن الربيع. هو أبان مولاك يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: ولم لم تنشدني كما قلت يا نبطي؟ فقال: لأني غضبان عليه، قال: وما أغضبك؟ قال: مدت دجلة، فهدمت داري وداره، فبنى داره، وعلاها، حتى سترت الهواء عني، قال: لا جرم، ليعطينك الماص بظر أمه عشرة آلاف درهم، حتى تبنى بناء يعلو على بنائه، فتستر الهواء عنه، ثم قال له: خذ في شعرك، فأنشده نحواً من هذا الشعر، فقال للفضل بن الربيع: يا عباسي، ليس هذا بشعر ما هو إلا لعب، أعطوه ثلاثة آلاف درهم مكان الثلاثة الآلاف دينار، فانصرف الموالي إلى صالح الخازن، فقالوا له: أعطه ثلاثة آلاف دينار كما أمر له أولاً، فقال: أستأمره، ثم أفعل، فقالوا له: أعطه إياها بضماننا، فإن أمضيت له وإلا كانت في أموالنا، فدفعها إليه بضمانهم، فأمضيت له، فكان يوسف يقول بعد ذلك: كنا نلعب، فنأخذ مثل هذه الأموال، وأنتم تقتلون أنفسكم، فلا تأخذون شيئاً!
هبت قبيل تبلج الفجر ... هند تقول ودمعها يجري
أني اعتراك وكنت في عهدي لا ... سرب الدموع وكنت ذا صبر
الشعر لرجل من الشراة يقال له: عمرو بن الحسن مولى بني تميم، يقوله في عبد الله بن يحيى الذي تسميه الخوارج طالب الحق، ومن قتل من أصحابه معه يرثيهم. والغناء لعبد الله بن أبي العلاء ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن الهشامي.
خبر عبد الله بن يحيى وخروجه ومقتله
أخبرني بذلك الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن محمد بن أبي محمد الخزامي، وخلاد بن يزيد، وعبد الله بن مصعب، وعمرو بن هشام، وعبد الله بن محمد الثقفي، ويعقوب بن داود الثقفي، وحريم بن أبي يحيى: أن عبد الله بن يحيى الكندي أحد بني عمرو بن معاوية كان من حضرموت، وكان مجتهداً عابداً، وكان يقول قبل أن يخرج: لقيني رجل، فأطال النظر إلي، وقال: ممن أنت؟ فقلت: من كندة، فقال: من أيهم؟ فقلت: من بني شيطان، قال: والله لتملكن، ولتبلغن خيلك وادي القرى ، وذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك.

(6/117)


فذهبت أتخوف ما قال، وأتسخير الله، فرأيت اليمن جوراً ظاهراً، وعسفاً شديداً، وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: ما يحل لنا المقام على ما نرى، ولا يسعنا الصبر عليه، وكتب إلى عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة الذي يقال له: كودين مولى بني تميم، وكان ينزل في الأزد، وإلى غيره من الإباضية بالبصرة يشاورهم في الخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك؟ ولله خيرة من عباده يبعثهم إذا شاء لنصرة دينه، ويخص بالشهادة منهم من يشاء. وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي أحد بني سلمة، وبلج بن عقبة السقوري في رجال من الإباضية، فقدموا عليه حضرموت، فحثوه على الخروج، وأتوه بكتب أصحابه: إذا خرجتم فلا تغلوا، ولا تغدروا، واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم، فقد علمتم أن الذي أخرجهم على السلطان العيث لأعمالهم. فدعا أصحابه، فبايعوه، فقصدوا دار الإمارة، وعلى حضرموت إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، فأخذوه، فحبسوه يوماً، ثم أطلقوه، فأتى صنعاء، وأقام عبد الله بن يحيى بحضرموت، وكثر جمعه، وسموه " طالب الحق " .
فكتب إلى من كان من أصحابه بصنعاء: إني قادم عليكم، ثم استخلف على حضرموت عبد الله بن سعيد الحضرمي، وتوجه إلى صنعاء سنة تسع وعشرين ومائة في ألفين، وبلغ القاسم بن عمر أخا يوسف بن عمر - وهو عامل مروان بن محمد على صنعاء - مسير عبد الله بن يحيى، فاستخلف على صنعاء الضحاك بن زمل، وخرج يريد الإباضية في سلاح ظاهر وعدة وجمع كثير، فعسكر على مسيرة يوم من أبين وخلف فيها الأثقال، وتقدمت لتقاتله، فلقيه عبد الله بن يحيى بلحج - قرية من أبين - قريباً من الليل، فقال الناس للقاسم: أيها الأمير، لا تقاتل الخوارج ليلاً، فأبى، وقاتلهم، فقتلوا من أصحابه بشراً كثيراً، وانهزموا ليلاً، فمر بعسكره، فأمرهم بالرحيل، ومضى إلى صنعاء، فأقام يوماً، ثم خرج فعسكر قريباً من صنعاء، وخندق وخلف بصنعاء الضحاك بن زمل، فأقبل عبد الله بن يحيى، فنزل جوفين على ميلين من عسكر القاسم، فوجه القاسم يزيد بن الفيض في ثلاثة آلاف من أهل الشام وأهل اليمن، فكانت بينهم مناوشة ثم تحاجزوا، فرجع يزيد إلى القاسم، فاستأذنه في بياتهم، فأبى أن يأذن له، فقال يزيد: والله لئن لم تبيتهم ليغمنك، فأبى أن يأذن له، وأقاموا يومين لا يلتقون، فلما كان في الليلة الثالثة أقبل عبد الله بن يحيى، فوافاه مع طلوع الفجر، فقاتلهم الناس على الخندق، فغلبتهم الخوارج عليه، ودخلوا عسكرهم، والقاسم يصلي، فركب، وقاتلهم الصلت بن يوسف، فقتل في المعركة، وقام يأمر الناس يزيد بن الفيض، فقاتلهم، حتى ارتفع النهار، ثم انهزم أهل صنعاء فأراد أبرهة بن الصباح اتباعهم، فمنعه عبد الله بن يحيى، واتبع يزيد بن الفيض القاسم بن عمر، فأخبره الخبر فقال القاسم:
ألا ليت شعري هل أذودن بالقنا ... وبالهندوانيات قبل مماتي
وهل أصبحن الحارثين كليهما ... بطعن وضرب يقطع اللهوات
قال: ودخل عبد الله بن يحيى صنعاء، فأخذ الضحاك بن زمل وإبراهيم بن جبلة بن مخرمة فحبسهما، وجمع الخزائن والأموال، فأحرزها، ثم أرسل الضحاك وإبراهيم، فأرسلهما، وقال لهما: حبستكما خوفاً عليكما من العامة، وليس عليكما مكروه، فأقيما إن شئتما أو اشخصا، فخرجا.

(6/118)


فلما استولى عبد الله بن يحيى على بلاد اليمن خطب الناس، فحمد الله جل وعز وأثنى عليه وصلى على نبيه (، ووعظ، وذكر، وحذر، ثم قال: إنا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه وإجابة من دعا إليهما: الإسلام ديننا، ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا، ورضينا بالحلال حلالاً لا نبغي به بديلاً، ولا نشتري به ثمناً قليلاً، وحرمنا الحرام، ونبذناه وراء ظهورنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المشتكى، وعليه المعول. من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومنش رب الخمر فهو كافر، ومن شك في أنه كافر فهو كافر، ندعوكم إلى فرائض بينات، وآيات محكمات، وآثار مقتدى بها، ونشهد أن الله صادق فيما وعد؛ عدل فيما حكم وندعو إلى توحيد الرب، واليقين بالوعيد والوعد، وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، والعداوة لأعداء الله، أيها الناس إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون على الألم في جنب الله تعالى، يقتلون على الحق في سالف الدهور شهداء، فما نسيهم ربهم، " وما كان ربك نسيا " . أوصيكم بتقوى الله، وحسن القيام على ما وكلكم الله بالقيام به، فأبلوا لله بلاء حسناً في أمره وزجره ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
قالوا: وأقام عبد الله بن يحيى بصنعاء أشهراً، يحسن السيرة فيهم ويلين جانبه لهم ويكف عن الناس، فكثر جمعه، وأتته الشراة من كل جانب، فلما كان وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة، وأبرهة بن الصباح إلى مكة في تسعمائة، وقيل: بل في ألف ومائة، وأمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس، ويوجه بلجا إلى الشأم، وأقبل المختار إلى مكة، فقدمها يوم التروية، وعليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وأمه بنت عبد الله بن خالد بن أسيد، فكره قتالهم.
وحدثنا من هذا الموضع بخبر أبي حمزة محمد بن جرير الطبري، قال: حدثنا العباس بن عيسى العقيلي ، قال: حدثنا هارون بن موسى العواري، قال: حدثنا موسى بن كثير مولى الساعديين، قال: كان أول أمر أبي حمزة، وهو المختار بن عوف الأزدي ثم السلمي من أهل البصرة أنه كان يوافي في كل سنة يدعو إلى خلاف مروان بن محمد وآل مروان، فلم يزل يختلف كل سنة حتى واف عبد الله بن يحيى في آخر سنة، وذلك سنة ثمان وعشرين ومائة، فقال له: يا رجل، إني أسمع كلاماً حسناً، وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معي، فإني رجل مطاع في قومي، فخرج به، حتى ورد حضر موت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، قال: وقد كان مر أبو حمزة بمعدن بني سليم، وكثير بن عبد الله عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فأمر به فجلد أربعين سوطاً، فلما ظهر أبو حمزة بمكة تغيب كثير حتى كان من أمره ما كان، ثم رجع إلى موضعه، قال: فلما كان في العام المقبل تمام سنة تسع وعشرين لم يعلم الناس بعرفة إلا وقد طلعت أعلام عمائم سود خرمية في رؤوس الرماح، وهم سبعمائة، هكذا قال: هذا.
وذكر المدائني أنهم كانوا تسعمائة أو ألفاً ومائة، ففزع الناس منهم حين رأوهم، وقالوا لهم: ما لكم؟ وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبري منهم.
فراسلهم عبد الواحد بن سليمان، وهو يومئذ على المدينة ومكة والموسم، ودعاهم إلى الهدنة، فقالوا: نحن بحجنا أضن وعليه أشح، فصالحهم على أنهم جميعاً آمنون بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النفر الأخير، وأصبحوا من غد، فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع عبد الواحد بالناس، فلما كانوا بمنى قالوا لعبد الواحد: إنك قد أخطأت فيهم، ولو حملت عليهم الحج ما كانوا إلا أكلة رأس ، فنزل أبو حمزة بقرن الثعالب من منى، ونزل عبد الواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بن حسن بن حسن بن علي، عليهم السلام، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عمرو بن حفص العمري، وربيعة بن عبد الرحمن ، في رجال من أمثالهم، فلما دنوا من قرن الثعالب لقيتهم مسالح أبي حمزة، فأخذوهم، فدخل بهم على أبي حمزة، فوجدوه جالساً، وعليه إزار قطواني ، قد ربطه الحورة في قفاه، فلما دنوا تقدم إليه عبد الله بن حسن ومحمد بن عبد الله بن عمرو، فنسبهما، فلما انتسبا له عبس في وجهيهما وبسر، وأظهر الكراهة لهما.

(6/119)


ثم تقدم إليه بعدهما البكري والعمري فنسبهما، فلما انتسبا له هش إليهما، وتبسم في وجوههما، وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما، فقال له عبد الله بن حسن بن حسن: والله ما جئناك لتفاضل بين آبائنا، ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة، وهذا ربيعة يخبركما، فلما ذكر ربيعة نقض العهد، قال بلج وإبراهيم - وكانا قائدين له - : الساعة الساعة، فأقبل عليهما أبو حمزة، وقال: معاذ الله أن نقض العهد أو نخيس به، والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه، ولكن تنقضي هذه الهدنة بيننا وبينكم. فلما أبى عليهم خرجوا، فأبلغوا عبد الواحد.
فلما كان النفر الأول نفر عبد الواحد، وخلى مكة لأبي حمزة، فدخلها بغير قتال.
قال هارون: وأنشدني يعقوب بن طلحة الليثي أبياتاً هجي بها عبد الواحد لشاعر لم تحفل به:
زار الحجيج عصابة قد خالفوا ... دين الإله ففر عبد الواحد
ترك الإمارة والحلائل هارباً ... ومضى يخبط كالبعير الشارد
لو كان والده تخير أمه ... لصفت خلائقه بعرق الولد
ترك القتال وما به من علة ... ألا الوهون وعرفة من خالد
ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، فدعا بالديوان، وضرب على الناس، وزادهم في العطاء عشرة عشرة.
قال هارون: أخبرني بذلك أبو ضمرة أنس بن عياض أنه كان فيمن اكتتب، قال: ثم محوت اسمي.
قال هارون: وحدثني غير واحد من أصحابنا أن عبد الواحد استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس، فخرجوا، فلما كانوا بالحرة لقيتهم جزر منحورة، فمضوا فلما كانوا بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة، فانكسر الرمح، وتشاءم الناس بالخروج، ثم ساروا، حتى نزلوا قديداً ، فنزلوها ليلاً؛ وكانت قرية قديد من ناحية القصر والمنبر اليوم، وكانت الحياض هناك، فنزل قوم مغترون ليسوا بأصحاب حرب، فلم يرعهم إلا القوم قد خرجوا عليهم من الفصل، فزعم بعض الناس أن خزاعة دلت أبا حمزة على عورتهم؛ وأدخلوهم عليهم، فقتلوهم، وكانت المقتلة على قريش، وهم كانوا أكثر الناس، وفيهم كانت الشوكة، فأصيب منهم هدد كثير.
قال العباس: قال هارون: فأخبرني بعض أصحابنا: أن رجلاً من قريش نظر إلى رجل من أهل اليمن يقول: الحمد لله الذي أقر عيني بمقتل قريش، فقال له ابنه: الحمد لله الذي أذلهم بأيدينا، فما كانت قريش تظن أن من نزل على عمان من الأزد عربي، قال: وكان هذان الرجلان مع أهل المدينة، فقال القرشي لابنه: يا بني، هلم نبدأ بهذين الرجلين، قال: نعم يا أبت، فحملا عليهما، فقتلاهما، ثم قال لابنه: أي بني تقدم، فقاتلا. حتى قتلا.
وقال المدائني: القرشي عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، والمتكلم بالكلام مع ابنه رجل من الأنصار. قال: ثم ورد فلال الجيش المدينة، وبكى الناس قتلاهم، فكانت المرأة تقيم على حميمها النواح، فلا تزال المرأة يأتيها الخبر بمقتل حميمها، فتنصرف، حتى ما يبقى عندها امرأة، فأنشدني أبو حمزة هذه الأبيات في قتلى قديد الذين أصيبوا من قومه لبعض أصحابه :
يا لهف نفسي ولهف غير نافعة ... على فوارس بالبطحاء أنجاد
عمرو وعمرو وعبد الله بينهما ... وابناهما خامس والحارث السادي
قال المدائني في خبره: كتب عبد الواحد بن سليمان إلى مروان يعتذر من إخراجه عن مكة، فكتب مروان إلى عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز - وهو عامله على المدينة - يأمره بتوجيه الجيش إلى مكة، فوجه ثمانية آلاف رجل من قريش والأنصار والتجار، أغمار لا علم لهم بالحرب، فخرجوا في الصبغات والثياب الناعمة واللهو، لا يظنون أن للخوارج شوكة ولا يشكون أنهم في أيديهم.
وقال رجل من قريش: لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء، ولكنهم داهنوا في أمر الله تعالى، والله إن ظفرنا لنسيرن إلى أهل الطائف، فلنسبينهم، ثم قال: من يشتري مني سبي أله الطائف؟ فلما انهزم الناس رجع ذلك الرجل القائل: من يشتري مني سبي أهل الطائف في أول المنهزمين، فدخل منزله، وأراد أن يقول لجاريته: أغلقي الباب، فقال لها: غاق باق دهشاً، ولم تفهم الجارية قوله، حتى أومأ إليها بيده، فأغلقت الباب، فلقبه أهل المدينة بعد ذلك " غاق باق " .

(6/120)


قال: وكان عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز يعرض الجيش بذي الحليفة، فمر به أمية بن عنبسة بن سعيد بن العاص، فرحب به، وضحك إليه، ومر به عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، فلم يكلمه، ولم يلتفت إليه، فقال له عمران بن عبد الله بن مطيع - وكان ابن خالته، أماهما ابنتا عبد الله بن خالد بن أسيد - : سبحان الله! مر بك شيخ من شيوخ قريش، فلم تنظر إليه، ولم تكلمه، ومر بك غلام من بني أمية، فضحكت إليه ولاطفته! أما والله لو قد التقى الجمعان لعلمت أيهما أصبر؟ قال: فكان أمية بن عنبسة أول من انهزم، ونكب فرسه ومضى، وقال لغلامه: يا مجيب، أما والله لئن أحرزت نفسي هذه الأكلب من الشراة إني لعاجز. وقاتل يومئذ عمارة بن حمزة بن مصعب، حتى قتل، وتمثل:
وإني إذا ضن الأمير بإذنه ... على الأذن من نفسي إذا شئت قادر
والشعر للأغر بن حماد اليشكري.
قال: ولما بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه استخلف على مكة إبراهيم بن الصباح، وشخص إليهم، وعلى مقدمته بلج بن عقبة، فلما كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتها - وأهل المدينة نزول بقديد - قال لأصحابه: إنكم لاقو قومكم غداً، وأميرهم - فيما بلغني - ابن عثمان أول من خالف سيرة الخلفاء، وبدل سنة رسول الله - ( - وقد وضح الصبح لذي عينين، فأكثروا ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، ووطنوا أنفسكم على الصبر. وصبحهم غداة الخميس لتسع أو لسبع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة، فقال عبد العزيز لغلامه: أبغنا علفاً قال: هو غال، قال: ويحك! البواكي علينا غداً أغلى.
وأرسل إليهم أبو حمزة بلج بن عقبة، ليدعوهم، فأتاهم في ثلاثين راكباً، فذكرهم الله؛ وسألهم أن يكفوا عنهم؛ وقال لهم: خلوا لنا سبيلنا؛ لنسير إلى من ظلمكم؛ وجار في الحكم عليكم؛ ولا تجعلوا حدنا بكم؛ فإنا لا نريد قتالكم؛ فشتمهم أهل المدينة، وقالوا: يا أعداد الله، أنحن نخلكم وندعكم تفسدون في الأرض! فقالت الخوارج: يا أعداد الله، نحن نفسد في الأرض! إنما خرجنا لنكف أهل الفساد، ونقاتل من قاتلنا واستأثر بالفيء فانظروا لأنفسكم، واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة، فإنه لا طاعة لمن عصى الله، وادخلوا في السلم، وعاونوا أهل الحق، فقال له عبد العزيز: ما تقول في عثمان؟ قال: قد برئ المسلمون منه قبلي، وأنا متبع آثارهم، ومقتد بهم، قال: فارجع إلى أصحابك، فليس بيننا وبينهم إلا السيف.
فرجع إلى أبي حمزة، فأخبره، فقال: كفوا عنهم، ولا تقاتلوهم. حتى يبدءوكم القتال، فواقفوهم، ولم يقاتلوهم. فرمى رجل من أهل المدينة في عسكر أبي حمزة بسهم، فجرح رجلاً، فقال أبو حمزة: شأنكم الآن بهم، فقد حل قتالهم: فحملوا عليهم، وثبت بعضهم لبعض، وراوية قريش مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع.

(6/121)


ثم انكشف أهل المدينة، فلم يتبعوهم، وكان على مجنبتهم ضمير بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة، فكر وكر الناس معه، فقاتلوا قليلاً، ثم انهزموا، فلم يبعدوا. حتى كروا ثالثة، وقاتلهم أبو حمزة، فهزمهم هزيمة لم تبق منهم باقية، فقال له علي بن الحصين: أتبع القوم، أو دعني أتبعهم، فأقبل المدبر، وأذفف على الجريح، فإن هؤلاء أشر علينا من أهل الشام، فلو قد جاءوك غداً لرأيت من هؤلاء ما تكره، فقال: لا أفعل، ولا أخالف سيرة أسلافنا. وأخذ جماعة منهم أسراء، فأراد إطلاقهم، فمنعه علي بن الحصين، وقال له: إن لأهل كل زمان سيرة، وهؤلاء لم يؤسروا وهم هراب، وإنما أسروا وهم يقاتلون، ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم، وكذلك الآن قتلهم حلال، فدعا بهم، فكان إذا رأى رجلاً من قريش قتله، وإذا رأى رجلاً من الأنصار أطلقه، فأتي بمحمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، فنسبه. فقال: أنا رجل من الأنصار، فسأل الأنصار عنه، فشهدوا له، فأطلقه، فلما ولي قال: والله إني لأعلم أنه قرشي وما حذاوه هذا حذاوة أنصاري، ولكن قد أطلقته. قال: وبلغت قتلى قديد ألفين ومائتين وثلاثين رجلاً، منهم من قريش أربعمائة وخمسون رجلاً، ومن الأنصار ثمانون، ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة، قال: وكان في قتلى قريش من بني أسد بن عبد العزى أربعون رجلاً، وقتل يومئذ أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وخرج يومئذ مقنعاً، فما كلم أحداً، وقاتل حتى قتل، وقتل يومئذ سمي مولى أبي بكر الذي يروي عنه مالك بن أنس، ودخل بلج المدينة بغير حرب، فدخلوا في طاعته، وكف عنهم، ورجع أبو حمزة إلى مكة، وكان على شرطته أبو بكر بن عبد الله بن عمرو من آل سراقة من بني عدي، فكان أهل المدينة يقولون: لعن الله السراقي ولعن بلجاً العراقي.
وقالت نائحة أهل المدينة تبكيهم:
ما للزمان وماليه ... أفنت قديد رجاليه
فلأبكين سريرة ... ولأبكين علانيه
ولأبكين إذا خلو ... ت مع الكلاب العاويه
ولأثنين على قدي ... د بسوء ما أبلانيه
في هذه الأبيات هزج قديم يشبه أن يكون لطويس أو بعض طبقته.
وقال عمرو بن الحسن الكوفي مولى بني تميم يذكر وقعة قديد وأمر مكة دخولهم إياها، وأنشدنيها الأخفش عن السكري والأحول وثعلب لعمر وهذا، وكان يستجيدها ويفضلها:
ما بال همك ليس عنك بعازب ... يمري سوابق دمعك المتساكب
وتبيت تكتلئ النجوم بمقلة ... عبري تسر بكل نجم دائب
حذر المنية أن تجيء بداهةً ... لم أقض من تبع الشراة مآربي
فأقود فيهم للعدا شنج النسا ... عبل الشوى أسوان ضمر الحالب
متحدراً كالسيد أخلص لونه ... ماء الحسيك مع الحلال اللاتب
أرمي به من جمع قومي معشراً ... بوراً إلى جبرية ومعايب
في فتية صبر ألأفهم به ... لف القداح يد المفيض الضارب
فندور نحن وهم وفيما بيننا ... كأس المنون تقول: هل من شارب؟
فنظل نسقيهم ونشرب من قناً ... سمر ومرهفة النصول قواضب
بيننا كذلك نحن جالت طعنة ... نجلاء بين رها وبين ترائب
جوفاء منهرة ترى تامورها ... ظبتا سنان كالشهاب الثاقب
أهوي لها شق الشمال كأنني ... خفض لقى تحت العجاج العاصب
يا رب أوحيها ولا تتعلقن ... نفسي المنون لدى أكف قرائب
كم من أولى مقة صحبتهم شروا ... فخذلتهم ولبئس فعل الصاحب
متأوهين كأن في أجوافهم ... ناراً تسعرها أكف حواطب
تلقاهم فتراهم من راكع ... أو ساجد متضرع أو ناحب
يتلو قوارع تمتري عبراته ... فيجودها مري المري الحالب
سير الجائفة الامور أطبة ... للصدع ذي النبأ الجليل مدائب
ومبرئين من المعايب أحرزوا ... خصل المكارم أتقياء أطايب
عروا صوارم للجلاد وباشروا ... حد الظباة بآنف وحواجب

(6/122)


ناطوا أمورهم بأمر أخ لهم ... فرمى بهم قحم الطريق اللاحب
متربلي حلق الحديد كأنهم ... أشد على لحق البطون سلاهب
قيدت من أعلى حضر موت فلم تزل ... تنفي عداها جانباً عن جانب
تحمي أعنته وتحوي نهبها ... لله أكرم فتية وأسائب
حتى وردن حياض مكة قطنا ... يحكين واردة اليمام القارب
ما إن أتين على أحي حبرية ... إلا تركنهم كأمر الذاهب
في كل معترك لها من هامهم ... فلق وأيد علقت بمناكب
سائل بيوم قديد عن وقعاتها ... تخبرك عن وقعاتها بعجائب
وقال هارون بن موسى في رواية محمد بن جرير الطبري عن العباس بن عيسى عنه: ثم دخل أبو حمزة المدينة سنة ثلاثين ومائة، ومضى عبد الواحد بن سليمان إلى الشأم، فرقي المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه. وقال: يا أهل المدينة، سألناكم عن ولاتكم هؤلاء، فأسأتم - لعمر الله - فيهم القول، وسألناكم: هل يقتلون بالظن؟ فقلتم: نعم، وسألناكم: هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم: نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم، فنناشدهم الله أن يتنحوا عنا وعنكم، ليختار المسلمون لأنفسهم؛ فقلتم: لا تفعلون، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نلقاهم، فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه، وإن نظفر نعمل في أحكامكم، وتحملكم على سنة نبيكم، ونقسم فيئكم بينكم، فإن أبيتم ، وقاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم، فأبعدكم الله، وأسحقكم يا أهل المدينة، مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب بوضعها عنكم، فزاد الغني غنى، وزاد الفقير فقراً، فقلتم: جراكم لله خيراً، فلا جراه الله خيراً، ولا جزاكم.

(6/123)


قال هارون: وأخبرني يحيى بن زكريا: أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة: رقي المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: أتعلمون يا أهل المدينة، أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا شراً ولا بطراً ولا عبثاً ولا لهواً، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا ثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن حكم القرآن، فأجبنا داعي الله " ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض " فأقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد، عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافاً واحداً، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله، وأيدنا بنصره، وأصبحنا - والله - بنعمته إخواناً، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن ودعونا إلى طاعة الشيطان، وحكم مروان، وآل مروان، شتان - لعمر الله - ما بين الغي والرشد، ثم أقبلوا يهرعون، ويزفون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون. وأنتم يا أهل المدينة، إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين، يا أهل المدينة: إن أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم إلا مشركاً عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً، يا أهل المدينة، من زعم أن الله تعالى كلف نفساً فوق طاقتها، أو سألها عما لم يؤتها فهو لله عدو، ولنا حرب. يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله تعالى في كتابه على القوي للضعيف فجاء التاسع، وليس له منها ولا سهم واحد، فأخذ جميعها نفسه مكابراً محارباً لربه، ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله؟ يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: هم شباب أحداث، وأعراب جفاة، ويحكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله (، إلا شباباً أحداثاً! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا نفساً تموت غداً بأنفس لا تموت أبداً، قد خلطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفاً من النار؛ وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقاً إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد أنضيت؛ وإلى الرماح قد أشرعت وإلى السهام قد فوقت؛ وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت استخفوا وعيد الكتيبة عند وعيد الله، ولم يستخفوا وعيد الله عند وعيد الكتيبة؛ فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعاً ساجداً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
قال هارون: وحدثني جدي أبو علقمة، قال: سمعت أبا حمزة على منبر النبي ( يقول: " من زنى فهو كافر " ، ومن سرق فهو كافر، ومن شك أنه كافر فهو كافر:
برح الخفاء فأبن ما بك يذهب
قال هارون: قال جدي: كان أبو حمزة قد أحسن السيرة في أهل المدينة، حتى استمال الناس، وسمع بعضهم كلامه في قوله: من زنى فهو كافر، قال هارون: قال جدي:

(6/124)


وسمعت أبا حمزة يخطب بالمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل المدينة؛ ما لي رأيت رسم الدين فيكم عافياً ، وآثاره دارسة! لا تقبلون عليه عظة، ولا تفقهون من أهله حجة، قد بليت فيكم جدته، وانطمست عنكم سنته، ترون معروفه منكراً، والمنكر من غير معروفاً، إذا انكشفت لكم العبر، وأوضحت لكم النذر، عميت عنها أبصاركم، وصمت عنها أسماعكم، ساهين في غمرة، لاهين في غفلة، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض إن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم، مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفوراً، تحملون منها في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، أو لم تلن لكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله! يا أهل المدينة، ما تغني عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم إن الله قد جعل لكل شيء غالباً يقاد له، ويطيع أمره، وجعل القلوب غالبة على الأبدان، فإذا مالت القلوب ميلاً كانت الأبدان لها تبعاً، وإن القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها، ولا يصححها إلا المعرفة بالله، وقوة النية، ونفاذ البصيرة، ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم لاستعملت بطاعة الله أبدانكم. يا أهل المدينة، داركم دار الهجرة، ومثوى رسول الله (، لما نبت به داره، وضاق به قراره، وآذاه الأعداء، وتجهمت له، فنقله إلى قوم - لعمري لم يكونوا أمثالكم - متوازرين مع الحق على الباطل، ومختارين للآجل على العاجل، يصبرون للضراء رجاء ثوابها، فنصروا الله، وجاهدوا في سبيله، وآووا رسول الله (، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وآثروا الله على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، قال الله تعالى لهم ولأمثالهم ولمن اهتدى بهداهم: " من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " وأنتم أبناؤهم، ومن بقي من خلفهم، تتركون أن تقتدوا بهم، أو تأخذوا بسنتهم، عمي القلوب، صم الآذان، اتبعتم الهوى، فأرداكم عن الهدى وأسهاكم، فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجروا، ولا تعظكم فتعتبروا، ولا توقظكم فتستيقظوا، لبئس الخلف أنتم؟ من قوم مضوا قبلكم، ما سرتم بسيرتهم، ولا حفظتم وصيتهم، ولا احتذيتم مثالهم، لو شقت عنم قبورهم، فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم. قال: ثم لعن أقواماً.
قال هارون: وحدثني داود بن عبد الله بن أبي الكرام، وأخرج إلي خط بن فضالة النحوي بهذا الخبر:

(6/125)


أنا أبا حمزة بلغه أن أهل المدينة يعيبون أصحابه لحداثة أسنانهم، وخفة أحلامهم، فبلغه ذلك عنهم؛ فصعد المنبر؛ وعليه كساء غليظ؛ وهو متنكب قوساً عربية فحمد الله، وأثنى عليه وصلى على نبيه ( وآله، ثم قال: يا أهل المدينة، قد بلغتني مقالتكم في أصحابي، ولولا معرفتي بضعف رأيكم وقلة عقولكم لأحسنت أدبكم، ويحكم؟ إن رسول الله ( أنزل عليه الكتاب، وبين له فيه السنن، وشرع له فيه الشرائع، وبين له فيه ما يأتي وما يذر، فلم يكن يتقدم إلا بأمر الله، ولا يحجم إلا عن أمر الله، حتى قبضه الله إليه - ( - وقد أدى الذي عليه، لم يدعكم من أمركم في شبهة، ثم قام من بعده أبو بكر؛ فأخذ بسنته، وقاتل أهل الردة؛ وشمر في أمر الله؛ حتى قبضه الله إليه والأمة عنه راضون، رحمة الله عليه ومغفرته؛ ثم ولي بعده عمر؛ فأخذ بسنة صاحبيه، وجند الأجناد؛ ومصر الأمصار؛ وجبي الفيء؛ فقسمه بين أهله؛ فقسمه بين أهله؛ وشمر عن ساقه، وحسر عن ذراعه، وضرب في الخمر ثمانين، وقام في شهر رمضان، وغزا العدو في بلادهم؛ وفتح المدائن والحصون؛ حتى قبضه الله إليه والأمة عنه راضون، رحمة الله عليه ورضوانه ومغفرته، ثم ولي من بعده عثمان بن عفان فعمل في ست سنين بسنة صاحبيه؛ ثم أحدث أحداثاً أبطل آخر منها أولاً، واضطرب حبل الدين بعدها، فطلبها كل امرىء لنفسه، وأسر كل رجل منهم سريرة أبداها الله عنه؛ حتى مضوا على ذلك، ثم ولي علي بن أبي طالب، فلم يبلغ من الحق قصداً؛ ولم يرفع له مناراً ومضى؛ ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله ( وابن لعينه، وحلف من الأعراب، وبقية من الأحزاب، مؤلف طليق، فسفك الدم الحرام، واتخذ عباد الله حولاً، ومال الله دولاً، وبغى دينه عوجاً ودغلاً ، وأحل الفرج الحرام، وعمل بما يشتهيه؛ حتى مضى لسبيله، فعل الله به وفعل، ثم ولى بعده ابنه يزيد: يزيد الخمور، ويزيد الصقور، ويزيد الفهود، ويزيد الصيود، ويزيد القرود، فخالف القرآن، واتبع الكهان، ونادم القرد، وعمل بما يشتهيه حتى مضى على ذلك لعنه الله، وفعل به وفعل، ثم ولي مروان بن الحكم طريد لعين رسول الله - ( وآله - وابن لعينه؛ فاسق في بطنه وفرجه، فالعنوه والعنوا آباءه. ثم تداولها بنو مروان بعده؛ أهل بيت اللعنة، طرداء رسول الله - ( وآله - وقوم من الطلقاء ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا التابعين لهم بإحسان، فأكلوا مال الله أكلاً، ولعبوا بدين الله لعباً، واتخذوا عباد الله عبيداً، يورث ذلك الأكبر منهم الأصغر. فيا لها أمة، ما أضيعها وأضعفها؟ والحمد لله رب العالمين، ثم مضوا على ذلك من أعمالهم واستخفافهم بكتاب الله تعالى؛ قد نبذوه وراء ظهورهم، لعنهم الله؛ فالعنوهم كما يستحقون؛ وقد ولي منهم عمر بن عبد العزيز؛ بلغ؛ ولم يكد؛ وعجز عن الذي أظهره، حتى مضى لسبيله - ولم يذكر بخير ولا شر - ثم ولي يزيد بن عبد الملك، غلام ضعيف سفيه غير مأمون على شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشده، ولم يؤانس رشده، وقد قال الله عز وجل: " فإن آنستم منهم رشاً فادفعوا إليهم أموالهم " فأمر أمة محمد في أحكامها وفروجها ودمائهم أعظم من ذلك كله، وإن كان ذلك عند الله عظيماً، مأبون في بطنه وفرجه، يشرب الحرام، ويأكل الحرام، ويلبس الحرام، ويلبس بردتين قد حيكتا له، وقومتا على أهلهما بألف دينار وأكثر وأقل، قد أخذت من غير حلها وصرفت في غير وجهها، بعد أن ضربت فيها الأبشار ، وحلقت فيها الأشعار، واستحل ما لم يحل الله لعبد صالح، ولا لنبي مرسل، ثم يجلس حبابة عن يمينه، وسلامة عن شماله تعنيانه بمزامير الشيطان، ويشرب الخمر الصراح المحرمة نصاً بعينها، حتى إذا أخذت مأخذها فيه، وخالطت روحه ولحمه ودمه، وغلبت سورتها على عقله مزق حلتيه ، ثم التفت إليهما فقال: أتأذنان لي أن أطير؟ نعم، فطر إلى النار، إلى لعنة الله وناره حيث لا يردك الله.

(6/126)