صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبو الفرج الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أخبار أبي شراعة ونسبه
هو - فيما كتب به إلينا ابنه أبو الفياض سوار بن أبي شراعة من أخباره ونسبه - أحمد بن محمد بن شراعة بن ثعلبة بن محمد بن عمير بن أبي نعيم بن خالد بن عبدة بن مالك بن مرة بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل: شاعر بصري من شعراء الدولة العباسية جيد الشعر جزله، ليس برقيق الطبع، ولا سهل اللفظ، وهو كالبدوي الشعر في مذهبه، وكان فصيحاً يتعاطى الرسائل والخطب مع شعره، وكانت به لوثة وهوج.
وأمه من بني تميم من بني العنبر، وابنه أبو الفياض سوار بن أبي شراعة أحد الشعراء الرواة، وقدم علينا بمدينة السلام بعد سنة ثلاثمائة، فكتب عنه أصحابنا قطعاً من الأخبار واللغة، وفاتني فلم ألقه، وكتب إلي وإلى أبي - رحمه الله - بإجازة أخباره على يدي بعض إخواننا، فكانت أخبار أبيه من ذلك.
فمنها ما حكاه عنه أنه كان جواداً لا يليق شيئاً، ولا يسأل ما يقدر عليه إلا سمع به، وأنه وقف عليه سائل يوماً فرمى إليه بنعله وانصرف حافياً، فعثر فدميت إصبعه فقال في ذلك:
ألا لا أبالي في العلا ما أصابني ... وإن نقبت نعلاي أو حفيت رجلي
فلم تر عيني قط أحسن منظراً ... من النكب يدمى في المواساة والبذل
ولست أبالي من تأوب منزلي ... إذا بقيت عندي السراويل أو نعلي
قال: وبلغه أخاه يقول: إن أخي مجنون، قد أفقرنا ونفسه، فقال:
أأنبز مجنوناً إذا وجدت بالذي ... ملكت وإن دفعت عنه فعاقل
فداموا على الزور الذي قرفوا به ... ودمت على الإعطاء ما جاء سائل
أبيت وتأبى لي رجال أشحة ... على المجد تنميهم تميم ووائل
قال: وقال أيضاً في ذلك:
أئن كنت في الفتيان آلوت سيداً ... كثير شحوب اللون مختلف العصب
فما لك من مولاك إلا حفاظه ... وما المرء إلا باللسان وبالقلب
هما الأصغران الذائذان عن الفتى ... مكارهه والصاحبان على الخطب
فإلا أطق سعي الكرام فأنني ... أفك عن العاني وأصبر في الحرب
أخبرني عمي قال: أخبرني ميمون بن هارون قال: حدثني إبراهيم بن المدبر قال: كان عندي أبو شراعة بالبصرة، وأنا أتولاها، وكان عندي عمير المغني المدني، وكان عمير بن مرة غطفانياً، وكان يغني صوتاً يجيده، واختار عليه هو:
أتحسب ذات الخال راجية ربا ... وقد صدعت قلباً يجن بها حبا
فاقترحه أبو شراعة بن عمير، فقال: أعطني دراهم، حتى أقبل اقتراحك، فقال له أبو شراعة: أخذ المغني من الشاعر يدل على ضعف الشاعر، ولكني أعرضك لأبي إسحاق، فغناه إياه ثلاث مرات وقد شرب عليه ثلاثة أرطال، وقال:
عدوت إلى المري عدوة فاتك ... معن خليع للعواذل والعذر
فقال لشيء ما أرى قلت: حاجة ... مغلغلة بين المخنق والنحر
فلما لواني يستثيب زجرته ... وقلت: اغترف إنا كلانا على بحر
أليس أبو إسحاق فيه غنى لنا ... فيجدي على قيس وأجدي على بكر
فغنى بذات الخال حتى استخفني ... وكاد أديم الأرض من تحتنا يجري
حدثني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: كان أبو شراعة صديقاً لابن المدبر أيام تقلده البصرة، وكان لا يفارقه في سائر أحواله، ولا يمنعه حاجة يسأله إياها، ولا يشفع لأحد إلا شفعه، فلما عزل إبراهيم بن المدبر شيعه الناس، وشيعه أبو شراعة، فجعل يرد الناس، حتى لم يبق غيره، فقال له: يا أبا شراعة غاية كل مودع الفراق، فانصرف راشداً مكلوءاً من غير قلى والله ولا ملل، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فعانقه أبو شراعة، وبكى؛ فأطال، ثم أنشأ يقول:
يا أبا إسحاق سر في دعة ... وامض مصحوباً فما منك خلف
ليت شعري أي أرض أجدبت ... فأغيثت بك من جهد العجف!
نزل الرحم من الله بهم ... وحرمناك لذنب قد سلف
إنما أنت ربيع باكر ... حيثما صرفه الله انصرف
قال أبو الفياض سوار بن أبي شراعة:

(6/59)


دخل أبي على إبراهيم بن المدبر وعنده منجم، فماراه إبراهيم بن المدبر في رؤية الهلال لشهر رمضان؛ فحكم المنجم بأنه يرى، وحلف إبراهيم بعتق غلمانه أنه لا يرى، فرئي في تلك الليلة. فأعتق غلمانه، فلما أصبح دخل الناس يهنئونه بالشهر، فأنشده أبو شراعة يقول:
أيها المكثر التجني على الما ... ل ما خلا من السؤال
أفتنا في الذين أعتقت بالأم ... س مواليك أم موالي الهلال؟
لم يكن وكدك الهلال ولكن ... تنألى لصالح الأعمال
إنما لذاتك في المال شتى ... صونك العرض وابتذال المال
ما نبالي إذا بقيت سليماً ... من تولت به صروف الليالي
قال أبو الفياض: وكان أبو شراعة صديق السدري، فدعا يوماً إخوانه، وأغفل أبا شراعة. فمر به الرياشي. فقال: يا أبا شراعة، ألست عند السدري معنا؟ فقال: لم يدعنا. ومر به جماعة من إخوانه، فسألوه عن مثل ذلك، ومر به عيسى بن أبي حرب الصفار - وكان ممن دعي - فجلس وحلف ألا يبرح حتى يأتيه السدري، فيعتذر إليه، ويدعوه، فقال أبو شراعة:
أير حمار في حرام شعري ... وخصيناه في حرام قدري
إن أنا أشفعهما بوفر ... لو كنت ذا وفر دعاني السدري
أو كان من هم هشام أمري ... أو راح إبراهيم يطري ذكري
وابن الرياشي الضعيف الأسر ... يخاف إن أردف ألا يجري
وأنت يا عيسى سقاك المسرى ... نعم صديق عسرة ويسر
قال أبو الفياض: سقطت دارنا بالبصرة، فعوتب أبي على بنائها، وقيل له، استعن بإخوانك إن عجزت عنه فقال:
تلوم ابنة البكري حين أءوبها ... هزيلاً وبعض الآئبين سمين
وقالت: لحاك الله تستحسن العرا ... عن الدار إن النائبات فنون
وحولك إخوان كرام لهم غنى ... فقلت لإخواني: الكرام عيون
ذريني أمت قبل احتلال محلة ... لها في وجوه السائلين غضون
سأفدي بمالي ماء وجهي إنني ... بما فيه من ماء الحياء ضنين
قال سوار بن أبي شراعة: كان إخوان أبي يجتمعون عند الحسين بن أيوب بن جعفر بن سليمان في ليالي شهر رمضان، فيهم الرياشي والجماز، فقال أبي في ذلك:
لو كنت من شيعة الجماز أقعدني ... مقاعداً قربهن الريف والشرف
لكنني كنت للعباس متبعاً ... وليس في مركب العباس مرتدف
قد بقيت من ليالي الشهر واحدة ... فعاودوا مالح البقال وانصرفوا
قال: تزوج نديم لأبي شراعة يقال له بيان امرأة، فاتفق عرسه في ليلة طلق فيها أبو شراعة امرأته، فعوتب في ذلك، وقيل: بات بيان عروساً، وبت عزباً، فقال في ذلك:
رأت عرس بيان فهبت تلومني ... رويدك لوماً فالمطلق أحوط
رويدك حتى يرجع البر أهله ... ويرحم رب العرس من حيث يغبط
إذا قال للطحان عند حسابه ... أعد نظراً إني أظنك تغلط
فما راعه إلا دعاء وليدة ... هلم إلى السواق إن كنت تنشط
هنالك يدعو أمه فيسبها ... ويلتبس الأجر العقوق فيحبط
فيا ذا العلا إني لفضلك شاكر ... أبيت وحيداً كلما شئت أضرط
قال: ثم بلغه عن بيان هذا أنه عجز عن امرأته، ولم يصل إليها، ولقي منها شراً، فقال في ذلك:
رمى الدهر في صحبي وفرق جلاسي ... وباعدهم عني بظعن وإعراس
فكلهم يبغي غلافاً لأيره ... وأقعدني عن ذاك فقري وإفلاسي
فشكراً لربي خان بيان أيره ... وأسعى بأيري في الظلام على الناس
يمسحه بالكف حتى يقيمه ... وهل ينفع الكفان من ثقل الرأس
وقال أبو فياض سوار: نظر إلي أبي يوماً وقد سألت عمي حاجة فردني، فبكى، ثم قال:
حبي لإغناء سوار يجشمني ... خوض الدجى واعتساف المهمة البيد
كي لا تهون على الأعمام حاجته ... ولا يعلل عنها بالمواعيد
ولا يوليهم إن جاء يسألها ... أكتاف معرضة في العيس مردودة

(6/60)


إذا بكى قال منهم ذو الحفاظ له ... لقد بليت بخلق غير محمود
قال: وتمارى أبو شراعة ورجل من أهل بغداد في النبيذ، فجعل البغدادي يذم نبيذ التمر والدبس ، فقال أبو شراعة:
إذا انتخبت حبه ودبه ... ثم أجدت ضربه ومرسه
ثم أطلت في الإناء حبسه ... شربت منه البابلي نفسه
قال: وأعوز أبا شراعة يومئذ النبيذ، فطلب من نديمين كانا له، فاعتل أحدهما بحلاوة نبيذه، والآخر بحموضته، فاشترى من نباذ يقال له: أبو مظلومة دستيجة بدرهمين، وكتب إليهما:
سيغني عن حلاوة دبس يحيى ... ويغني عن حموض أبي أمية
أبو مظلومة الشيخ المولي ... إذا اتزنت يداه درهميه
أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: كان أبو شراعة قبيح الوجه جداً، فنظر يوماً في المرآة، فأطال، ثم قال: الحمد لله لا يحمد على الشر غيره.
قال سوار بن أبي شراعة: حلف أبي ألا يشرب نبيذاً بطلاق امرأة كانت عنده، فهجر حولين، ثم حنث فشرب، وطلق امرأته وأنشأ يقول:
فمن كان لم يسمع عجيباً فإنني ... عجيب الحديث يا أميم وصادقه
وقد كان لي أنسان يا أم مالك ... وكل إذا فتشتني أنا عاشقه
عزيزة والكأس التي من يحلها ... تخادعه عن عقله فتصادقه
تحاربتا عندي فعطلت دنها ... وأكوابها والدهر جم بوائقه
ومرمتها حولين ثم أزلني ... حديث الندامى والنشيد أوافقه
فلما شربت الكأس بانت بأختها ... فبان الغزال المستحب خلائقه
فما أطيب الكأس التي اعتضت منكم ... ولكنها ليست بريم أعانقه
قال أبو فياض: قال أبي: قصدت الحسن بن رجاء بالأهواز، فصادفت ببابه دعبل الخزاعي وجماعة من الشعراء، وقد اعتل عليهم بدين لزمه ومصادرة فكتب إليه:
المال والعقل شيء يستعان به ... على المقام بأبواب السلاطين
وأنت تعلم أني منهما عطل ... إذا تأملتني يا بن الدهاقين
هل تعلم اليوم بالأهواز من رجل ... سواك يصلح للدنيا وللدين
قال: فوعدنا وعدا قربه، ثم تدافع، فكتب إليه:
آذنت جبتي بأمر قبيح ... من فراق للطيلسان الفسيح
فكأنني بمن يزيد على الجبة في ظل دار سهل بن نوح
أنت روح الأهواز يا بن رجاء ... أي شيء يعيش إلا بروح
فأذن لي وللجماعة، وقضى حوائجنا.
قال أبو فياض وحدثني أبي قال: حججت، فأتيت دار سعيد بن سلم، فنحرت فيها ناقة، وقلت:
وردت دار سعيد وهي خالية ... وكان أبيض مطعاماً ذرى الإبل
فارتحت فيها أصيلاً عند ذكرته ... وصحبتي بمنى لاهون في شغل
فابتعت من إبل الجمال دهشرة ... موسومة لم تكن بالحقة العطل
نحرتها عن سعيد ثم قلت لهم: ... زوروا الحطيم فإنني غير مرتحل
قال: وبلغت الأبيات وفعلي ولده، فأحسنوا المكافأة، وأجزلوا الصلة؛ قال: فقال له صديق له: وأنت أيضاً قد استجدت لهم النحيرة! فضحك، ثم قال: أغرك وصفي لها؟ أشهد الله أني ما بلغت دار سعيد إلا بين عمودين.
وقال أبو فياض: كان أبو أمامة محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن سلم - وأمه سعدى بنت عمرو بن سعيد بن سلم - صديقاً لأبي شراعة، وكانت أمه سعدى تعوله، فكان أبو شراعة لا يزال يعبث به، وبلغه أن أبا أمامة يقول: إنما معاش أبي شراعة من السلطان ورفده، ولولا ذلك لكان فقيرا؛ فقال فيه:
عيرتني نائل السلطان أطلبه ... يا ضل رأيك بين الخرق والنزق
لولا امتنان من السلطان تجهله ... أصبحت بالسود في مقعوعس خلق
- السود: موضع تنزله باهلة بالبادية - :
رث الردا بين أهدام مرقعة ... يبيت فيها بليل الجائع الفرق
لا شيء أثبت بالإنسان معرفة ... من التي حزمت جنبيه بالخرق
فأين دارك منها وهي مؤمنة ... بالله معروفة الإسلام والشفق!
وأين رزقك إلا من يدي مرة ... ما بت من مالها إلا على سرق!

(6/61)


تبيت والهر ممدوداً عيونكما ... إلى تطعمها مخضرة الحدق
ما بين رزقكما إن قاس ذو فطن ... فرق سوى أنه يأتيك في طبق
شاركه في صيده للفأر تأكله ... كما تشاركه في الوجه والخلق
قال أبو الفياض: وزارة أبو أمامة يوماً فوجد عنده طفشيلاً فأكله كله، فقال أبو شراعة يمازحه:
عين جودي لبرمة الطفشيل ... واستهلي فالصبر غير جميل
فجعتني بها يد لم تدع للذ ... ر في صحن قدرها من مقيل
كان والله لحمها من فصيل ... راتع يرتعي كريم البقول
فخلطنا بلحمه عدس الشا ... م إلى حمص لنا مبلول
فأتتنا كأنها روضة بالحز ... ن تدعو الجيران للتطفيل
ثم أكفأت فوقها جفنة الحي ... وعلقت صحفتي في زبيل
فمنى الله لي بفظ غليظ ... ما أراه يقر بالتنزيل
فانتحى دائباً يدبل منها ... قلت: إن الثريد للتدبيل
فتغنى صوتاً ليوضح عندي ... حي أم العلاء قبل الرحيل
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني سوار بن أبي شراعة قال: كتب أبي إلى سعيد بن مسلم بن قتيبة يستهديه نبيذاً، فكتب إليه سعيد: إذا سألتني - جعلني الله فداءك - حاجة فاشطط، واحتكم فيها حكم الصبي عن أهله، فإن ذلك يسرني، وأسارع إلى إجابتك فيه. وأمر له بما التمس من النبيذ، فمزجه صاحب شرابه، وبعث به إليه. فكتب إليه أبو شراعة: أستنسئ الله أجلك، وأستعيذه من الآفات لك، وأستعينه على شكر ما وهب من النعمة فيك، إنه لذلك ولي، وبه ملي. أتلقى غلامك المليح قده، السعيد بملكك جده بكتاب قرأته غير مستكره اللفظ، ولا مزور عن القصد، ينطق بحكمتك، ويبين عن فضلك، فوالله ما أوضح لي خفياً، ولا رادني بك علماً، وإذا أنت تسأل فيه أن تهب، وتحب أن تحمد، ولا غرو أن تفعل ذلك، ومن كتب أخذته، لا عن كلالة ورثته، موسى أبوك، وسعيد جدك، وعمرو عمك، ولك دار الصلة، ودار الضيافة، وصاحب البغلة الشهباء وحصين بن الحمام وعروة بن الورد، ففي أي غلوات المجد يطمع قرينك أن يستولى على المدى، والأمد دونك. وكتابك إلي أن أتحكم عليك تحكم الصبي على أهله، فلشد ما جررت إلي معروفك، ودللت على الأنس بك، وحاشى للمحكوم له والمحكوم عليه في ذات الحسب العتيق، والمنظر الأنيق الذي يسر القلب، ويلائم الروح، ويطرد الهم:
تدب خلال شؤون الفتى ... دبيب دبى النملة المنتعش
إذا فتحت فقمت ريحها ... وإن سيل خمارها قال: خش
- خش: كلمة فارسية تفسيرها: طيب - .
فإن كنت رعيت لها عهداً، وحفظت لها عندك يداً، فانظر رب الحانوت فامطله دينه، واقطع السبب بينك وبينه، فقد أساء صحبتها، وأفسد بالماء حسها، وسلط عليها عدوها، واعلم بأن أباك المتمثل بقوله:
يرى درجات المجد لا يستطيعها ... فيقعد وسط القوم لا يتكلم
وقد بسطت قدرتك لسانك، وأكثرت لك الحمد، فدونك نهزة البديهة منه:
وبادر بمعروف إذا كنت قادراً ... زوال افتقار أو غنى عنك يعقب
وقد بعثت إليه بقرابة مع الرسول، وأنشأت في أثرها أقول:
إليك ابن موسى الجود أعملت ناقتي ... مجللة يضفو عليها جلالها
كتوم الوحي لا تشتكي ألم السرى ... سواء عليها موتها واعتلالها
إذا شربت أبصرت ما جوف بطنها ... وإن ظمئت لم يبد منها هزالها
وإن حملت حملاً تكلفت حملها ... وإن حط عنها لم أقل كيف حالها؟
بعثنا بها تسمو العيون وراءها ... إليك وما يخشى عليها كلالها
وغنى مغنياً بصوت فشافني ... متى راجع من أم عمرو خيالها
أحب لكم قيس بن عيلان كلها ... ويعجبني فرسانها ورجالها
ومالي لا أهوى بقاء قبيلة ... أبوك لها بدر وأنت هلالها
قال: فبعث إليه برسوله الذي حمل إليه النبيذ، واستملحه في شعره، وبصاحب شرابه، وكل ما كان في خزانته من الشراب وبثلاثمائة دينار.
أخبرني الأخفش عن المبرد وسوار بن أبي شراعة جميعاً:

(6/62)


أن أبا الفياض سوار بن أبي شراعة كان يهوى قينة بالبصرة يقال لها: مليحة، فدعيت ذات يوم إلى مجلس لم يكن حاضره، وحضر أبو علي البصير ذلك المجلس، فجشمها بعض من حضر، فلم تلتفت إليه، وعرف أبو علي ذلك فكتب إلى أبي الفياض:
لك عندي بشارة فاستمعها ... وأجبني عنها أبا الفياض
كنت في مجلس مليحة فيه ... وهي سقم الصحاح برء المراض
وقديماً عهدتني لست في حقك والذب عنك ذا إغماض
فتغفلتها تغفل خصم ... وتأملتها تأمل قاض
ورمتها العيون من كل أفق ... وتشاكوا بالوحي والإيماض
من كهول وسادة سمحاء ... باللها باخلين بالأعواض
وصفات القيان أولها الغد ... رعليه في وصلهن التراضي
فتشوفت ذاك منها وأعدد ... ت نكيري وسورتي وامتعاضي
فحمت جانب المزاح وعمتهم جميعاً بالصد والإعراض
وكفاني وفاؤها لك حتى ... آذن الليل جمعهم بار فضاض
فأجابه أبو الفياض:
ليت شعري ماذا دعاك إلى أن ... هجت شوقي وزدت في إمراضي؟
ذكرتني بشراك داء قديماً ... من سقام علي لا شك قاضي
إن تكن أحسنت مليحة في وصلي وعاصت رياضة الرواض
وأقامت على الوفاء ولم تر ... ع لوحي منهم ولا إيماض
فعلى صحة الوفاء تعاقد ... نا وصون النفوس والأعراض
وعلينا من العفاف ثياب ... هن أبهى من حاليات الرياض
ليس حظي منها سوى النظر الخت ... ل وإني به لجذلان راض
لحظات يقعن في ساحة القل ... ب وقوع السهام في الأغراض
وابتسام كالبرق أو هو أخفى ... بين ستري تحرز وانقباض
لا أخاف انتقاضها آخر الده ... ر بغدر ولا تخاف انتقاضي
فأبن لي ألست تحمد ذا ال ... ود وقاك الردى أبو الفياض؟
قال أبو الفياض: اتصل بأبي شراعة أن أبا ناظرة السدوسي يغتابه، وكان مع آل أبي سفيان بن ثور فقال يهجوهم:
لعن الإله بني سدوس كلهم ... ورمى بمنجوف ورية قاف
قد سبني غضروطهم فسببتهم ... ذنب الدنيء يناط بالأشراف
قال أبو الفياض: وكان بين بعض بني عمنا وبين أبي شراعة وحشة، ثم صالحوه، ودعوه إلى طعامهم، فأبى، وقال: أمثلي يخرج من صوم إلى طعم، ومن شتيمة إلى وليمة: ومالي ولكم مثل إلا قول المتلمس:
فإن تقبلوا بالود نقبل بمثله ... وإلا فإنا نحن آبى وأشمس
وقال فيهم:
بني سوار إن رثت ثيابي ... وكل عن العشيرة فضل مالي
فمطرح ومتروك كلامي ... وتجفوني الأقارب والموالي
ألم أك من سراة بني نعيم ... أحل البيت ذا العمد الطوال
وحولي كل أصيد تغلبي ... أبي الضيم مشترك النوال
إذا حضر الغداء فغير مغن ... ويغني حين تشتجر العوالي
وأبقوني فلست بمستكين ... لصاحب ثروة أخرى الليالي
ولا بممسح المثرين كيما ... أمسح من طعامهم سبالي
أنا ابن العنبرية أزرتني ... إزار المكرمات إزار خالي
فإن يكن الغنى مجداً فإني ... سأدعو الله بالرزق الحلال
إذا أبصرتك العين من بعد غاية ... وأوقعت شكا فيك أثبتك القلب
ولو أن ركباً يمموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل بك الركب
الشعر لعبد الله بن محمد بن البواب، والغناء لأحمد بن صدقة الطنبوري، رمل مطلق في مجرى البنصر رواية الهشامي.
أخبار ابن البواب
هو عبد الله بن محمد بن عتاب بن إسحاق، من أهالي بخارى وجه بجده وجماعته معه رهينة إلى الحجاج بن يوسف، فنزلوا عنده بواسط، فأقطعهم سكة بها، فاختطوا ونزلوها طول أيام بني أمية، ثم انقطعوا من الدولة العباسية إلى الربيع، فخدموه.

(6/63)


وكان عبد الله بن محمد هذا يخلف الفضل بن الربيع على حجبة الخلفاء، وكان أبوه محمد بن عتاب يخلف الربيع في أيام أبي جعفر، وكان معه فرآه أبو جعفر مع أبيه، فسأل عنه فأخبره، فكساه قباء خز، وكساه تحته قباء كتان مرقوع القب، وقال له: هذا يخفى تحت ذاك.
ذكر لي ذلك أحمد بن القاسم بن يوسف عن محمد بن عبد الله بن محمد البواب عن أبيه.
وكان عبد الله صالح الشعر قليله، وراوية لأخبار الخلفاء عالماً بأمورهم، روى عنه أبو زيد عمر بن شبة ونظراؤه، وقد مضت في هذا الكتاب وتأتي أخبار من روايته.
قال أحمد بن القاسم اليوسفي: حدثني محمد بن عبد الله البواب قال: حدثني أبي قال: حجبت موسى وهارون خليفة للفضل بن الربيع.
وخدم محمداً الأمين فأغناه وأعطاه ومدحه، ونال من المأمون وعرض به، فأخبرني إسماعيل بن يوسف قال: حدثني عبد الله بن أحمد الباهلي قال: حدثني الحسين بن الضحاك قال: لما أتي المأمون بشعر ابن البواب الذي يقول فيه:
أيبخل فرد الحسن فرد صفاته ... علي وقد أفردته بهوى فرد!
رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد
ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مميزة بين الضلالة والرشد
- لعلويه في هذه الأبيات رمل بالوسطى - .
قال: فقال المأمون: أليس هو القائل:
أعيني جوداً وابكيا لي محمداً ... ولا تدخرا دمعاً عليه وأسعدا
فلا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريداً مشرداً!
هيهات، وواحدة بواحدة! ولم يصله بشيء.
هكذا روى عن الحسين بن الضحاك. وقد روى أن هذين الشعرين جميعاً للحسين، وأن قول المأمون هذا بعينه فيه.
وقال أحمد بن القاسم حدثني جزء بن قطن. وأخبرني بهذا الخبر الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق، قالا جميعاً: وقع بين إسحاق وبين ابن البواب شر فقال ابن البواب شعراً ذميماً رديئاً، ونسبه إلى إسحاق وأشاعه ليعيره به وهو:
إنما أنت يا عنان سراج ... زيته الظرف والفتيلة عقل
قاده للشقاء مني فؤادي ... رجل حب لكم وللحب رجل
هضم اليوم حبكم كل حب ... في فؤادي فصار حبك فجل
أنت ريحانة وراح ولكن ... كل أنثى سواك خل وبقل
وقال حماد في خبره وبلغ ذلك أبي فقال له:
الشعر قد أعيا عليك فخله ... وحذ العصا واقعد على الأبواب
فجاء ابن البواب إلى إبراهيم جدي فشكا أبي إليه فقال له: مالك وله يا بني؟ فقال له أبي: تعرض لي فأجبته، وإن كف لم أرجع إلى مساءته. فتتاركا.
قال أحمد بن القاسم: أخبرني محمد بن الحسن بن الفضل قال: أخبرني: إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحيم قال: كان بالكرخ نخاس يكنى له أبا عمير، وكان له جوار قيان لهن ظرف وأدب، وكان عبد الله بن محمد البواب يألف جارية منهن يقال لها: عبادة، ويكثر غشيان منزل أبي عمير من أجلها، فضاق ضيقة شديدة، فانقطع عن ذلك، وكره أن يقصر عما كان يستعمله من برهم فتعلم بضيقته، ثم نازعته نفسه إلى لقائها وزيارتها، وصعب عليه الصبر عنها، فأتاه فأصاب في منزله جماعة ممن كان يألف جواريه، فرحب به أبو عمير والجارية والقوم جميعاً، واستبطئوا زيارته، وعاتبوه على تأخره عنهم، فجعل يجمجم في عذره، ولا يصرح، فأقام عندهم، فلما أخذ فيه النبيذ أنشأ يقول:
لو تشكى أبو عمير قليلاً ... لأتيناه من طريق العياده
فقضينا من العيادة حقاً ... ونظرنا في مقلتي عباده
فقال له أبو عمير: مالي ولك يا أخي؟ انظر في مقلتي عبادة متى شئت غير ممنوع، ودعني أنا في عافية، ولا تتمن لي المرض لتعودني.
وقال أحمد بن القاسم: كان عبد الله بن إسماعيل بن علي بن ريطة يألف ابن البواب ويعاشره، فشرب عنده يوماً حتى سكر ونام، فلما أفاق في السحر أراد الانصراف، فحلف عليه واحتبسه، وكان عبد الله يهوى جارية له من جواري عمرو بن بانة، فبعث إلى عمرو بن بانة فدعاه وسأله إحضار الجارية، فأحضرها، وانتبه عبد الله بن إسماعيل من نومه، وهو يتململ خماراً. فلما رآها نشط، وجلس فشرب، وتمموا يومهم، فقال عبد الله بن محمد بن البواب في ذلك:

(6/64)


وكريم المجد محض أبوه ... فهو الصفو اللباب النضار
هاشمي لقروم إذا ما ... أظلمت أوجه قوم أناروا
رمت القهوة بالنوم وهناً ... عينه فالجفن فيه انكسار
فهو من طرف يفديك طوراً ... ويعاطيك اللواتي أداروا
ساعة ثم انثنى حين دبت ... ومشت فيه السلاف العقار
وأبت عيني اغتماضاً فلما ... حان من أخرى النجوم انحدار
قلت: عبد الله حاذرت أمراً ... ليس يغني خائفيه الحذار
فاستوى كالهندوائي لما ... أن رأى أن ليس يغني الفرار
قلت: خذها مثل مصباح ليل ... طيرت في حافتيه الشرار
أقبلت قطراً نطافاً ولما ... يتعب العاصر منها اعتصار
هي كالياقوت حمراء شيبت ... وعلا الحمرة منها اصفرار
كالدنانير جرى في ذراها ... فضة فالحسن منها قصار
تنطق الخرس وبالصمت ترمي ... معشراً نطقاً إذا ما أحاروا
قال أحمد: وحدثني يعقوب بن العباس الهاشمي أبو إسماعيل النقيب قال: لما طال سخط المأمون على ابن البواب قال قصيدة يمدحه بها، ودس من غناه في بعضها، لما وجد منه نشاطاً. فسأل من قائلها؟ فأخبر به فرضي عنه، ورده إلى رسمه من الخدمة، وأنشدني أبو إسماعيل القصيدة، وهي قوله:
هل للمحب معين ... إذ شط عنه القرين!
فليس يبكي لشجو ال ... حزين إلا الحزين
يا ظاعناً غاب عنا ... غداة بان القطين
أبكى العيون وكانت ... به تقر العيون
يا أيها المأمون ال ... مبارك الميمون
لقد صفت بك دنيا ... للمسلمين ودين
عليك نور جلال ... ونور ملك مبين
القول منك فعال ... والظن منك يقين
ما من يديك شمال ... كلتا يديك يمين
كأنما أنت في الجو ... د والتقى هارون
من نال من كل فضل ... ما ناله المأمون!
تالف الناس منه ... فضل وجود ولين
كالبدر يبدو عليه ... سكينة وسكون
فالرزق من راحتيه ... مقسم مضمون
وكل خصلة فضل ... كانت، فمنه تكون
والأبيات التي فيها الغناء المذكور آنفاً أربعة أبيات، أنشدنيها الأخفش وهي قوله:
أفق أيها القلب المعذب كم تصبو ... فلا النأي عن سلماك يسلي ولا القرب
أقول غداة استخبرت مم علتي ... من الحب كرب ليس يشبهه كرب
إذا أبصرتك العين من بعد غاية ... فأدخلت شكاً فيك أثبتك القلب
ولو أن ركباً يمملوك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل بك الركب
فقال الأخفش مثل هذا البيت الأخير قول الشاعر:
واستودعت نشرها الديار فما ... تزداد طيباً إلا على القدم
أخبرني الحسن بن يحيى عن حماد بن إسحاق: قال: رأيت محمد بن عبد الله البواب وقد جاء إلى أبي مسلماً فاحتبسه، ورأيته وهو شيخ كبير، وكان ضخماً طويلاً عظيم الساقين كأنهما دنان، وكان يشد في ساقيه خرزاً أسود لئلا تصيبهما العين.
وقال محمد بن القاسم: أملق عبد الله بن محمد البواب حين جفاه الخليفة، وعلت سنه عن الخدمة، فرحل إلى أبي دلف القاسم بن عيسى، ومدحه بقصيدة، فوهب له ثلاثين ألف درهم، وعاد بها إلى بغداد، فما نفدت حتى مات وهي قوله:
طرقتك صائدة القلوب رباب ... ونأت فليس لها إليك مآب
وتصرمت منها العهود وغلقت ... من دون نيل طلابها الأبواب
فلأصدفن عن الهوى وطلابه ... فالحب فيه بلية وعذاب
وأخص بالمدح المهذب سيداً ... نفحاته للمجتدين رغاب
وإلى أبي دلف رحلت مطيتي ... قد شفها الإرقال والإتعاب
تعلو بنا قلل الجبال ودونها ... مما هوت أهوية وشعاب
فإذا حللت لدى الأمير بأرضه ... نلت المنى وتقضت الآراب

(6/65)


ملك تأثل عن أبيه وجده ... مجداً يقصر دونه الطلاب
وإذا وزنت قديم ذي حسب به ... خضعت لفضل قديمه الأحساب
قوم علوا أملاك كل قبيلة ... فالناس كلهم لهم أذناب
ضربت عليه المكرمات قبابها ... فعلاً العمود وطالت الأطناب
عقم النساء بمثله وتعطلت ... من أن تضمن مثله الأصلاب
صغير هواك عذبني ... فكيف به إذا احتنكا
وأنت جمعت من قلبي ... هوى قد كان مشتركاً
وحبس هواك يقتلني ... وقتلي لا يحل لكا
أما ترثي لمكتئب ... إذا ضحك الخلي بكى
الشعر لمحمد بن عبد الملك الزيات والغناء لأبي حشيشة رمل بالوسطى عن الهشامي.
أخبار محمد بن عبد الملك الزيات ونسبه
هو محمد بن عبد الملك الزيات بن أبان بن أبي حمزة الزيات، وأصله من جبل ويكنى أبا جعفر، وكان أبوه تاجراً من تجار الكرخ المياسير، فكان يحثه على التجارة وملازمتها، فيأبى إلا الكتابة وطلبها، وقصد المعالي، حتى بلغ منها أن وزر ثلاث دفعات، وهو أول من تولى ذلك وتم له.
أخبرني الأخفش علي بن سليمان قال: حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال: كان جدي موسرأ من تجار الكرخ، وكان يريد من أبي أن يتعلق بالتجارة، ويتشاغل بها، فيمتنع من ذلك ويلزم الأدب وطلبه، ويخالط الكتاب، ويلازم الدواوين، فقال له ذات يوم: والله ما أرى ما أنت ملازمه ينفعك؛ وليضرنك؛ لأنك تدع عاجل المنفعة، وما أنت فيه مكفي، ولك ولأبيك فيه مال وجاه، وتطلب الآجل الذي لا تدري كيف تكون فيه، فقال: والله لتعلمن أينا ينتفع بما هو فيه؛ أ أنا أم أنت؟ ثم شخص إلى الحسن بن سهل بفم الصلح ، فامتدحه بقصيدته التي أولها:
كأنها حين تناءى خطوها ... أخنس موشي الشوى يرعى القلل
فأعطاه عشرة آلاف درهم، فعاد بها إلى أبيه، فقال له أبوه: لا ألومك بعدها. على ما أنت فيه.
أخبرني جحظة والصولي، قالا: حدثنا ميمون بن هارون: قال: لما مدح محمد بن عبد الملك الحسن بن سهل، ووصله بعشرة آلاف درهم مثل بين يديه وقال له:
لم امتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسني التحجيل والغررا
وليس ذلك إلا أنني رجل ... لا أطلب الورد حتى أعرف الصدرا
وكان محمد بن عبد الملك شاعراً مجيداً، لا يقاس به أحد من الكتاب، وإن كان إبراهيم بن العباس مثله في ذلك، فإن إبراهيم مقل وصاحب قصار ومقطعات، وكان محمد شاعراً يطيل فيجيد، ويأتي بالقصار فيجيد، وكان بليغاً حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب.
فحدثني عمي رحمه الله قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: جلس أبي يوماً للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلاً جالساً، فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم تدنيني إليك؛ فإني مظلوم. فأدناه، فقال: إني مظلوم، وقد أعوزني الإنصاف، قال: ومن ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك؛ فأذكر حاجتي؟ قال: ومن يحجبك عني وقد ترى مجلسي مبذولاً؟ قال: يحجبني عنك هيبتي لك وطول لسانك؛ وفصاحتك، واطراد حجتك، قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصباً بغير ثمن، فإذا وجب عليها خراج أديته باسمي لئلا يثبت لم اسم بملكها، فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلتها، وأنا أؤدي خراجها، وهذا مما لم يسمع في الظلم مثله، فقال محمد: هذا قول تحتاج عليه إلى بينة وشهود وأشياء، فقال له الرجل: أيؤمنني الوزير من غضبه، حتى أجيب؟ قال: قد أمنتك، قال: البينة هم الشهود، وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: بينة وشهود وأشياء، أيش هذه الأشياء إلا العي والحصر والتغطرس ؟ فضحك، وقال: صدقت، والبلاء موكل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعاً، ثم وقع له برد ضيعته وبأن يطلق له كر حنطة وكر شعير ومائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، وصيره من أصحابه، واصطنعه.
أخبرني الصولي: قال: حدثني أحمد بن محمد الطالقاني قال: حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال:

(6/66)


لما وثب إبراهيم بن المهدي على الخلافة، اقترض من مياسير التجار مالاً، فأخذ من جدي عبد الملك عشرة آلاف درهم ، وقال له: أنا أردها إذا جاءني مال، ولم يتم أمره فاستخفى، ثم ظهر ورضي عنه المأمون، فطالبه الناس بأموالهم، فقال: إنما أخذتها للمسلمين، وأردت قضاءها من فيئهم، والأمر الآن إلى غيري، فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب فيها المأمون، ومضى بها إلى إبراهيم بن المهدي، فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلن هذه القصيدة إلى المأمون، فخاف أن يقرأها المأمون، فيتدبر ما قاله، فيوقع به، فقال له: خذ مني بعض المال، ونجم علي بضعه، ففعل أبي ذلك بعد أن حلفه إبراهيم بأوكد الإيمان ألا يظهر القصيدة في حياة المأمون، فوفى أبي له بذلك، ووفى إبراهيم بأداء المال كله.
والقصيدة قوله:
ألم تر أن الشيء للشيء علة ... تكون له كالنار تقدح بالزند
كذلك جربت الأمور وإنما ... يدلك ما قد كان قبل على البعد
وظني بإبراهيم أن مكانه ... سيبعث يوماً مثل أيامه النكد
رأيت حسيناً حين صار محمد ... بغير أمان في يديه ولا عقد
فلو كان أمضى السيف فيه بضربة ... فصيره بالقاع منعفر الخد
إذا لم تكن للجند فيه بقية ... فقد كان ما خبرت من خبر الجند
هم قتلوه بعد أن قتلوا له ... ثلاثين ألفاً من كهول ومن مرد
وما نصروه عن يد سلفت له ... ولا قتلوه يوم ذلك عن حقد
ولكنه الغدر الصراح وخفة ال ... حلوم وبعد الرأي عن سنن القصد
فذلك يوم كان للناس عبرة ... سيبقى بقاء الوحي في الحجر الصلد
وما يوم إبراهيم إن طال عمره ... بأبعد في المكروه من يومه عندي
تذكر أمير المؤمنين مقامه ... وأيمانه في الهزل منه وفي الجد
أما والذي أمسيت عبداً خليفة ... له شر أيمان الخليفة والعبد
إذا هز أعواد المنابر باسته ... تغنى بليلى أو بمية أو هند
فوالله ما من توبة نزعت به ... إليك ولا ميل إليك ولا ود
ولكن إخلاص الضمير مقرب ... إلى الله زلفى ى تخيب ولا تكدي
أتاك بها طوعاً إليك بأنفه ... على رغمه واستأثر الله بالحمد
فلا تتركن للناس موضع شبهة ... فإنك مجزي بحسب الذي تسدي
فقد غلطوا للناس في نصب مثله ... ومن ليس للمنصور بابن ولا المهدي
فكيف بمن قد بايع الناس والتقت ... ببيعته الركبان غوراً إلى نجد
ومن سك تسليم الخلافة سمعه ... ينادى به بين السماطين من بعد
وأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد
وتزعم هذي النابتية أنه ... إمام لها فيما تسر وما تبدي
يقولون سني وأية سنة ... تقوم بجون اللون صعل القفا جعد
وقد جعل رخص الطعام بعهده ... زعيماً له باليمن والكوكب السعد
إذا ما رأوا يوماً غلاء رأيتهم ... يحنون تحناناً إلى ذلك العهد
وإقباله في العيد يوجف حوله ... وجيف الجياد واصطفاق القنا الجرد
ورجالة يمشون بالبيض قبله ... وقد تبعوه بالقضيب وبالبرد
فإن قلت قد رام الخلافة غيره ... فلم يؤت فيما كان حاول من جد
فلم أجزه إذ خيب الله سعيه ... على خطإ إذ كان منه ولا عمد
ولم أرض بعد العفو حتى رفعته ... وللعم أولى بالتعهد والرفد
فليس سواء خارجي رمى به ... إليك سفاه الرأي والرأي قد يردى
تعاوت له من كل أوب عصابة ... متى يوردوا لا يصدروه عن الورد

(6/67)


ومن هو في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد
فمولاك مولاه وجندك جنده ... وهل يجمع القين الحسامين في غمد؟
وقد رابني من أهل بيتك أنني ... رأيت لهم وجداً به أيما وجد
يقولون لا تبعد من ابن ملمة ... صبور عليها النفس ذي مرة جلد
فدانا وهانت نفسه دون ملكنا ... عليه لذي الحال التي قل من يفدي
على حين أعطى الناس صفق أكفهم ... علي بن موسى بالولاية والعهد
فما كان فينا من أبى الضيم غيره ... كريم كفى ما في القبول وفي الرد
وجرد إبراهيم للموت نفسه ... وأبدى سلاحاً فوق ذي ميعة نهد
وأبلى ومن يبلغ من الأمر جهده ... فليس بمذموم وإن كان لم يجد
فهذي أمور قد يخاف ذوو النهى ... مغبتها والله يهديك للرشد
أخبرني الصولي، قال: حدثني عبد الله بن الحسين القطربلي، عن جعفر بن محمد بن خلف قال: قال لي المعلى بن أيوب: كيف كان محل يحيى بن خاقان عند محمد بن عبد الملك ومقداره؟ فقلت له: سمعت محمداً يذكره، فقال: هو مهزول الألفاظ، عليل المعاني سخيف العقل، ضعيف العقدة ، واهي العزم مأفون الرأي.
قال عبد الله: ولما تولى محمد بن عبد الملك الوزارة، اشترط ألا يلبس القباء، وأن يلبس الدراعة ويتقلد عليها سيفاً بحمائل، فأجيب ذلك.
أخبرني الصولي: قال: حدثني أبو ذكوان، قال: حدثني طماس، قال ميمون بن هارون: كان محمد بن عبد الملك يقول: الرحمة خور في الطبيعة، وضعف في المنة، ما رحمت شيئاً قط. فكانوا يطعنون عليه في دينه بهذا القول، فلما وضع في الثقل والحديد قال: ارحموني، فقالوا له: وهل رحمت شيئاً قط فترحم! هذه شهادتك على نفسك وحكمك عليها.
أخبرني الصولي: قال: حدثني أبو ذكوان، قال: حدثني طماس، قال: جاء أبو دنقش الحاجب إلى محمد بن عبد الملك برسالة من المعتصم ليحضر، فدخل ليلبس ثيابه، ورأى ابن دنقش الحاجب غلماناً لهم روقة فقال: وهو يظن أنه لا يسمع:
وعلى اللواط فلا تلومن كاتباً ... إن اللواط سجية الكتاب
فقال محمد له:
وكما اللواط سجية الكتاب ... فكذا الحلاق سجية الحجاب
فاستحيا ابن دنقش، واعتذر إليه، فقال له: إنما يقع العذر لو لم يقع الاقتصاص فأما وقد كافأتك فلا.
أخبرني الصولي، قال: حدثني محمد بن موسى، قال: أنشدني الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك أبياتاً، يرثي بها سكرانة أم ابنه عمر، وجعل الحسن يتعجب من جودتها، ويقول:
يقول لي الخلان لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر
على حين لم أحدث فأجهل قدرها ... ولم أبلغ السن التي معها الصبر
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثني عبد الرحمن بن سعيد الأزرقي، قال: استبطأ عبد الله بن طاهر محمد بن عبد الملك في بعض أموره، واتهمه بعدوله عن شيء أراده إلى سواه، فكتب إليه محمد بن عبد الملك يعتذر من ذلك، وكتب في آخر كتابه يقول:
أتزعم أنني أهوى خليلاً ... سواك على التداني والبعاد
جحدت إذاً موالاتي علياً ... وقلت بأنني مولى زياد
قرأت في بعض الكتب: كان عبد الله بن الحسن الأصبهاني يخلف عمرو بن مسعدة على ديوان الرسائل، فكتب إلى خالد بن يزيد بن مزيد: إن المعتصم أمير المؤمنين ينفخ منك في غير فحم، ويخاطب أمراً غير ذي فهم، فقال محمد بن عبد الملك: هذا كلام ساقط سخيف؛ جعل أمير المؤمنين ينفخ بالزق كأنه حداد، وأبطل الكتاب ثم كتب محمد بن عبد الملك إلى عبد الله بن طاهر: وأنت تجري أمرك على الأربح فالأربح، والأرجح فالأرجح، تسعى بنقصان، ولا تميل برجحان، فقال عبد الله الأصبهاني: الحمد لله، قد أظهر من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته من التجارة بذكره ربح السلع، ورجحان الميزان، ونقصان الكيل، والخسران من رأس المال. فضحك المعتصم، وقال: أسرع ما انتصف الأصبهاني من محمد، وحقدها عليه ابن الزيات، حتى نكبه.
أخبرني الأخفش عن المبرد قال:

(6/68)


نظر رجل كان يعادى يونس النحوي إليه وهو يهادى بين اثنين من الكبر، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أبلغت ما أرى؟ فعلم يونس أنه قال له ذلك شامتاً، فقال: هذا الذي كنت أرجو فلا بلغته، فأخذه محمد بن عبد الملك الزيات: فجعله في شعر فقال:
وعائب عابني بشيب ... لم يعد لما ألم وقته
فقلت إذ عابني بشيبي: ... يا عائب الشيب لا بلغته
وذكر أبو مروان الخزاعي أن أبا دهمان المغني سرق من محمد بن عبد الملك منديلاً دبقياً فجعله تحت عمامته، وبلغ محمداً، فقال له:
ونديم سارق خاتلني ... وهو عندي غير مذموم الخلق
ضاعف الكور على هامته ... وطوى منديلنا طي الخرق
يا أبا دهمان لو جاملتنا ... لكفيناك مئونات السرق
أخبرنا أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني، قال: كنت عند أبي الحسين بن أبي البغل لما انصرف عن بغداد بعد إشخاصه إليها للوزارة وبطلان ما نذره من ذلك ورجوعه، فجعل يحدثنا بخبره، ثم قال: لله در محمد بن عبد الملك الزيات حيث يقول:
ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي
مالي إذا غبت لم أذكر بصالحة ... وإن مرضت فطال السقم لم أعد
أخبرني الصولي، قال: حدثني عون بن محمد الكندي، قال: حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع، قال: وصفني محمد بن عبد الملك للمعتصم، وقال: ما له نظير في ملاحة الشعر والغناء والعلم بأمور الملوك، فلقيته فشكرته، وقلت: جعلت فداءك! أتصف شعري وأنت أشعر الناس؟ ألست القائل:
ألم تعجب لمكتئب حزين ... خدين صبابة وحليف صبر
يقول إذا سألت به : بخيروكيف يكون مهجور بخير؟
قال: وأين هذا، من قولك؟
يقول لي كيف أصب ... حت كيف يصبح مثلي
ماء ولا كصداء ، ومرعى ولا كالسعدان .
أخبرني الصولي، قال: حدثني عون بن محمد: قال: لقي الكنجي محمد بن عبد الملك فسلم عليه فلم يجبه، فقال الكنجي:
هذا وأنت ابن زيات تصغرنا ... فكيف لو كنت يا هذا ابن عطار؟
فبلغ ذلك محمداً، فقال: كيف ينتصف من ساقط أحمق، وضعه رفعه، وعقابه ثوابه.
أخبرني الصولي، قال: أخبرني عبد الله بن محمد الأزدي، قال: حدثني يعقوب بن التمار، قال: قال محمد بن عبد الملك لبعض أصحابه: ما أخرك عنا؟ قال: موت أخي، قال: بأي علة؟ قال: عضت أصبعه فأرة، فضربته الحمرة ، فقال محمد: ما يرد القيامة شهيد أخس سبباً، ولا أنذل قاتلاً، ولا أضيع ميتة، ولا أظرف قتلة من أخيك.
أخبرني عمي عن أبي العيناء، قال: كان محمد بن عبد الملك يعادي أحمد بن أبي داود، ويهجوه، فكان أحمد يجمع الشعراء، ويحرضهم على هجائه ويصلهم، ثم قال فيه أحمد بيتين، كانا أجود ما هجي به، وهما:
أحسن من خمسين بيتاً سدى ... جمعك إياهن في بيت
ما أحوج الناس إلى مطرة ... تذهب عنهم وضر الزيت
وكان ابن أبي داود يقول: ليس أحد من العرب وهو يقدر على قول الشعر، طبعاً ركب فيهم، قل قوله أو كثر.
أخبرنا الصولي، قال: حدثنا محمد بن موسى عن الحسن بن وهب، قال: أنشد أبو تمام محمد بن عبد الملك قصيدته التي يقول فيها:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
فأثابه عليها ووقع عليه:
رأيتك سهل البيع سمحاً وإنما ... يغالى إذا ما ضن بالشيء بائعه
فأما الذي هانت بضائع بيعه ... فيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب ورده ... ويفسد منه أن تباح شرائعه
فأجابه أبو تمام وقال:
أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعراً ... أسامح في بيعي له من أبايعه
فقد كنت قبلي شاعراً تاجراً به ... تساهل من عادت عليك منافعه
فصرت وزيراً والوزارة مكرع ... يغص به بعد اللذاذة كارعه
وكم من وزير قد رأينا مسلطاً ... فعاد وقد سدت عليه مطالعه
ولله قوس لا تطيش سهامها ... ولله سيف لا تفل مقاطعه
حدثني الصولي، قال: حدثني أبي، قال: حج محمد بن عبد الملك في آخر أيام المأمون، فلما قدم إليه كتب راشد الكاتب قوله:

(6/69)


لا تنس عهدي ولا مودتيه ... واشتق إلى طلعتي ورؤيتيه
إن غبت عنا فلم تغب كثرة ال ... ذكر فلا تغفلن هديتيه
التمر والنقل والمساويك والقس ... ب وخير النعال حسن شيه
فإن تجاوزت ما أقول إلى العص ... ب فذاك المأمول منك ليه
فأجابه محمد بن عبد الملك:
إنك مني بحيث يطرد الناظر من تحت ماء دمعتيه
ولا ومن زادني تودده ... على صحابي بفضل غيبتيه
ما أحسن الترك والخلاف لما ... تريد مني وما تقول ليه
يا بأبي أنت ما نسيتك في ... يوم دعائي ولا هديتيه
ناجيت بالذكر والدعاء لك الله لدى البيت رافعاً يديه
حتى إذا ما ظننت بالملك الق ... ادر أن قد أجاب دعوتيه
قمت إلى موضع النعال وقد ... أقمت عشرين صاحباً معيه
وقلت لي صاحب أريد له ... نعلاً ولو من جلود راحتيه
فانقطع القول عند واحدة ... قال الذي اختار يا بشارتيه
فقلت عندي لك البشارة والشكر وقلا في جنب حاجتيه
ثم تخيرت بعد ذاك من العص ... ب اليماني بفضل خبرتيه
موشية لم أزل ببائعها ... أرغب حتى زها علي بيه
يرفع في سومه وأرغبه ... حتى التقى زهده ورغبتيه
وقد أتاك الذي أمرت به ... فاعذر بكثر الإنعام قلتيه.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، قال: كان لمحمد بن عبد الملك برذون أشهب لم ير مثله فراهة وحسناً، فسعى به محمد بن خالد حيلويه إلى المعتصم، ووصف له فراهته ، فبعث المعتصم إليه فأخذه منه، فقال محمد بن عبد الملك يرثيه:
كيف العزاء وقد مضى لسبيله ... عنا فودعنا الأحم الأشهب!
دب الوشاة فأبعدوك وربما ... بعد الفتى وهو الأحب الأقرب
لله يوم نأيت عني ظاعناً ... وسلبت قربك أي علق أسلب
نفس مفرقة أقام فريقها ... ومضى لطيته فريق يجنب
فالآن إذ كملت أداتك كلها ... ودعا العيون إليك لون معجب
وأختير من سر الحدائد خيرها ... لك خالصاً ومن الحلي الأغرب
وغدوت طنان اللجام كأنما ... في كل عضو منك صنج يضرب
وكأن سرجك إذ علاك غمامة ... وكأنما تحت الغمامة كوكب
ورأى علي بك الصديق جلالة ... وغدا العدو وصدره يتلهب
أنساك لا زالت إذاً منسية ... نفسي ولا زالت يميني تنكب
أضمرت منك اليأس حين رأيتني ... وقوى حبالي من قواك تقضب
ورجعت حين رجعت منك بحسرة ... لله ما فعل الأصم الأشيب
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان - رضوان الله عليه - قال: حدثني محمد بن ناصح رحمة الله عليه، قال: لحقت غلات أهل البت آفة أيام محمد بن عبد الملك من جراد وعطش، فتظلم إليه جماعة منهم، فوجه ببعض أصحابه ناظراً في أمرهم، وكان في بصره ضعف، فكتب إليه محمد بن علي البتي:
أتيت أمراً يا أبا جعفر ... لم يأته بر ولا فاجر
أغثت أهل البت إذ أهلكوا ... بناظر ليس له ناظر
فبلغه، فضحك ورد الناظر ووقع لهم بما سألوا بغير نظر.
أخبرني الصولي رضي الله عنه قال: حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال علي بن جبلة يهجو محمد بن عبد الملك الزيات، وكان قد قصد أبا دلف القاسم بن عيسى في بعض أمره:
يا بائع الزيت عرج غير مرموق ... لتشغلن عن الأرطال والسوق
من رام شتمك لم ينزع إلى كذب ... في منتماك وأبداه بتحقيق
أبوك عبد وللأم التي فلقت ... عن أم رأسك هن غير محلوق
إن أنت عددت أصلاً لا تسب به ... يوماً فأمك مني ذات تطليق
ولن تطيق بحول أن تزيل شجاً ... أثبته منك في مستنزل الريق
الله أنشاك من نوك ومن كذب ... لا تعطفن إلى لؤم لمخلوق

(6/70)


ماذا يقول امرؤ غشاك مدحته ... إلا ابن زانية أو فرخ زنديق؟
فأجابه محمد:
اشمخ بأنفك يا ذا السيئ الأدب ... ما شئت واضرب قذال الأرض بالذنب
وارفع بصوتك تدعو من بذي عدن ... ومن بقالي قلا بالويل والحرب
ما أنت إلا امرؤ أعطى بلاغته ... فضل العذار ولم يربع على أدب
فاجمح لعلك يوماً أن تعض على ... لجم دلاصية تثنيك من كثب
إني اعتذرت فما أحسنت تسمع من ... عذري ومن قبل ما أحسنت في الطلب
صبراً أبا دلف في كل قافية ... كالقدر وقفاً على الجارات بالعقب
يا رب إن كان ما أنشأت من عرب ... شروى أبي دلف فاسخط على العرب
إن التعصب أبدى منك داهية ... كانت تحجب دون الوهم بالحجب
فأجابه علي بن جبلة:
نبهت عن سنة عينيك فاصطبر ... واسحب بذيلك هل تقفو على أثر؟
إن ير حض الله عني عار مطلبي ... إليك رفداً ألا فانجد به وغر
إني ودعواك أن تأتي بمكرمة ... كمنبض القوس عن سهم بلا وتر
فاردد جفونك حسرى عن أبي دلف ... ولا ملامة أن تعشى عن القمر
لا يسخطن امرؤ إن ذل من حسب ... فالله أنزله في محكم السور
لم آت سوءاً ولم أسخط على أحد ... إلا على طلبي في مجتدى عسر
أقصر أبا جعفر عن سطوة جمحت ... إن لم تقصر بها مالت إلى القصر
فأجابه محمد بن عبد الملك:
يا أيها العائبي ولم ير لي ... عيباً أما تنتهي فتزدجر!
هل لك وتر لدي تطلبه ... فأنت صلد ما فيك معتصر
فالحمد والمجد والثناء لنا ... وللحسود التراب والحجر
وهي طويلة يقول فيها:
تعيش فينا ولا تلائمنا ... كما تعيش الحمير والبقر
تغلي علينا الأشعار منك وما ... عندك نفع يرجى ولا ضرر
أخبرني عمي - رحمه الله - قال: حدثني عمر بن نصر الكاتب، قال: حدثني عمي علي بن الحسن بن عبد الأعلى، قال محمد: اجتاز بديع غلام عمير المأموني بمحمد بن عبد الملك الزيات، وكان أحسن خلق الله وجهاً، وكان محمد يحبه ويجن به جنوناً فقال:
راح علينا راكباً طرفه ... أغيد مثل الرشأ الآنس
قد لبس القرطق واستمسكت ... كفاه من ذي برق يابس
وقلد السيف على غنجه ... كأنه في وقعة الداحس
أقول لما أن بدا مقبلاً ... يا ليتني فارس ذا الفارس
أخبرني الأخفش، قال: حدثني محمد بن يزيد قال: دامت الأمطار بسرى من رأى، فتأخر الحسن بن وهب عن محمد بن عبد الملك الزيات، وهو يومئذ وزير، والحسن يكتب له، فاستبطأه محمد بن عبد الملك، فكتب إليه الحسن يقول:
أوجب العذر في تراخي اللقاء ... ما توالى من هذه الأنوار
لست أدري ماذا أقول وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء
غير أني أدعو على تلك بالثك ... ل وأدعو لهذه بالبقاء
فلام الإله أهديه غضا ... لك مني يا سيد الوزراء
أخبرني الصولي، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: اعتل الحسن بن وهب، فتأخر عن محمد بن عبد الملك أياماً كثيرة، فلم يأته رسول، ولا تعرف خبره، فكتب إليه الحسن قوله:
أيهذا الوزير أيدك الل ... ه وأبقاك لي بقاء طويلا
أجميلاً تراه يا أكرم النا ... س لكيما أراه أيضاً جميلا
إنني قد أقمت عشراً عليلاً ... ما ترى مرسلاً إلي رسولا
إن يكن موجب التعمد في الص ... حة منا علي منك طويلا
فهو أولى يا سيد الناس برا ... وافتقاداً لمن يكون عليلا
فلماذا تركتني عرضة الظن ... من الحاسدين جيلاً فجيلا؟
ألذنب فما علمت سوى الشك ... ر قريناً لنيتي ودخيلا؟
أم ملال، فما علمتك للصا ... حب مثلي على الزمان ملولا؟

(6/71)


قد أتى الله بالشفاء فما أع ... رف مما أنكرت إلا قليلا
وأكلت الدراج وهو غذاء ... أفلت علتي عليه أفولا
بعد ما كنت قد حملت من العل ... ة عبثاً على الطباع ثقيلا
ولعلي قدمت قبلتك آتي ... ك غداً إن وجدت فيه سبيلا
فأجابه محمد بن عبد الملك:
دفع الله عنك نائبة الده ... ر وحاشاك أن تكون عليلا
أشهد الله ما علمت وما ذا ... ك من العذر جائزاً مقبولا
ولعمري أن لو علمت فلا زمت ... ك حولاً لكان عندي قليلا
إنني أرتجي وإن لم يكن ما ... كان مما نقمت إلا جليلا
أن أكون الذي إذا أضمر الإخ ... لاص لم يلتمس عليه كفيلا
ثم لا يبذل المودة حتى ... يجعل الجهد دونها مبذولا
فإذا قال كان ما قال إذ كا ... ن بعيداً من طبعه أن يقولا
فاجعلن لي إلى التعلق بالعذ ... ر سبيلاً إن لم أجد لي سبيلا
فقديماً ما جاد بالصفح والعف ... و وما سامح الخليل الخليلا
قال: وكتب محمد بن عبد الملك إلى الحسن بن وهب وقد تأخر عنه:
قالوا جفاك فلا عهد ولا خبر ... ماذا تراه دهاه قلت: أيلول
شهر تجذ حبال الوصل فيه فما ... عقد من الوصل إلا وهو محلول
قال: وكان محمد قد ندبه لأن يخرج في أمر مهم فأجابه الحسن فقال:
إني بحول امرئ أعليت رتبته ... فحظه منك تعظيم وتبجيل
وأنت عدته في نيل همته ... وأنت في كل ما يهواه مأمول
ما غالني عنك أيلول بلذته ... وطيبه ولنعم الشهر أيلول
الليل لا قصر فيه ولا طول ... والجو صاف وظهر الكأس مرحول
والعدو مستنطق عن كل معجبة ... يضحي بها كل قلب وهو متبول
لكن توقع وشك البين عن بلد ... تحله فوكاء العين محلول
مالي إذا شمرت بي عنك مبتكراً ... دهم البغال أو الهوج المراسيل
إلا رعاياتك اللاتي يعود بها ... حد الحوادث عني وهو مفلول
قال: وكان الحسن بن وهب يساير محمداً على مسناة ، فعدل عن المسناة لئلا يضيق لمحمد الطريق، فظن محمد أنه أشفق على نفسه من المسناة، فعدل عنها، ولم يساعده على طريقه، وظن بنفسه أن يصيبها ما يصيبه، فقال له محمد:
قد رأيناك إذ تركت المسنا ... ة وحاذيتني يسار الطريق
ولعمري ما ذاك منك وقد جد ... بك الجد من فعال الشفيق
فقال له الحسن:
إن يكن خوفي الحتوف أراني ... أن تراني مشبهاً بالعقوق
فلقد جارت الظنون على المش ... فق والظن مولع بالشفيق
غرر السيد الأجل وقد سا ... ر على الحرف من يمين الطريق
فأخذت الشمال بقيا على السي ... د إذ هالني سلوك المضيق
إن عندي مودة لك حازت ... ما حوى عاشق من المعشوق
طود عز خصصت منه ببر ... صار قدري به مع العيوق
وبنفسي وإخوتي وأبي الب ... ر وعمي وأسرتي وصديقي
من إذا ما روعت أمن روعي ... وإذا ما شرقت سوغ ريقي
أخبرني علي بن سليمان الأخفش الصولي، قال: حدثنا المبرد، قال: استسقى الحسن بن وهب من محمد بن عبد الملك نبيذاً ببلد الروم، وهو مع المعتصم فسقاه وكتب إليه:
لم تلق مثلي صاحباً ... أبدى يداً وأعلم جودا
يسقي النديم بقفرة ... لم يسقي فيها الماء عودا
صفراء صافية كأن ... بكأسها دراً نضيدا
وأجود حين أجود لا ... حصراً بذاك ولا بليدا
وإذا استقل بشكرها ... أوجبت بالشكر المزيدا
خذها إليك كأنما ... كسيت زجاجتها عقودا
واجعل عليك بأن تقو ... م بشكرها أبداً عهودا

(6/72)


أخبرني الصولي، قال: حدثني أحمد بن محمد الأنصاري، قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: دعا محمد بن عبد الملك قبل وزارته الحسن ن وهب في آخر أيام المأمون، فجاءه ودخلا حماماً له، وأقاما على لهوهما، ثم طلب الحسن بن وهب لعمل احتيج فيه إليه، فمضى، وبطل يومهم ، فكتب الحسن إليه:
سقياً لنضر الوجه بسامه ... مهذب الأخلاق قمقامه
تكسبه شكراً على أنها ... مطبقة السن للوامه
زرناه في يوم علا قدره ... من سائر الأيام في عامه
أسعده الله وأحظى به ... وجاده الغيث بإرهامه
فكان مسروراً بنا باذلاً ... لرحله الرحب وهمامه
نخدمه وهو لنا خادم ... بفضله من دون خدامه
ثم سقانا قهوة لم يدع ... أطيب منها بقرى شامه
صهباء دلت على دنها ... وحدثت عن ضعف إسلامه
فأجابه محمد بن عبد الملك رحمه الله تعالى:
وزائر لذ لنا يومه ... لو ساعد الدهر بإتمامه
ماذا لقينا من دواوينه ... وخطه فيها بأقلامه؟
أسر ما كنا فمن مازح ... أو شارب قد عب في جامه
فارقنا فالنفس مطروفة ... بواكف الدمع وسجامه
وعاد بالمدح لنا منعماً ... به إلى سالف إنعامه
ليت وأني لي بها منية لو كنت فيه بعض قوامه
يشكر ما نال على أنه ... لا يشكر الحر لحمامه
أمسحه فيه وأدنو له ... من خلفه طوراً وقدامه
جعلت نفسي جنة للصبا ... وبعت إسلامي بإسلامه
فصار ما يشرب حلاله ... وصرت مأخوذاً بآثامه
أخبرني الحسن بن القاسم الكاتب، قال: سمعت القاسم بن ثابت يحدث عن أبيه، قال: قال أحمد الأحول: لما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات تلطفت في الوصول إليه، فرأيته في حديد ثقيل، فقلت له: أعزز علي ما أرى، فقال:
سل ديار الحي ما غيرها ... ومحاها ومحا منظرها؟
وهي اللاتي إذا ما انقلبت ... صيرت معروفها منكرها
إنما الدنيا كظل زائل ... نحمد الله كذا قدرها
في هذه الأبيات رمل طنبوري لا أدري لمن هو؟ ومما يغنى فيه شعر محمد بن عبد الملك الزيات:
ظالمني ما علمته ... معتد لا عدمته
مطمعي بالوصال مم ... تنع حين رمته
مرصد بالخلاف وال ... منع من حيث سمته
هاجر إن وصلته ... صابر إن صرمته
كم وكم قد طويت ما ... بي وكم قد كتمته
رب هم طويت في ... ك وغيظ كظمته
وحياة سئمتها ... والهوى ما سئمته
رمت شيئاً هويته ... ليس لي ما حرمته
قال إذ صرح البكا ... ء بما قد سترته
لو بكى طول دهره ... بدم ما رحمته
الغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل بالبنصر.
إذا أحببت لم أسل ... وإن واصلت لم أقطع
وإن عاتبني الناس ... تصاممت فلم أسمع
وقد جربت ما ضر ... وقد جربت ما ينفع
فما مثل الهوى أنه ... ك للجسم ولا أضرع
ولا كالهجر في القرب ... إلى الموت ولا أسرع
وإن أوجعني العذل ... فنيران الهوى أوجع
وهذا عدم العقل ... فما أستطيع أن أصنع
ولا والله ما عندي ... لما قد حل بي مدفع
ولا في لهجران ... ك لولا ظلمكم موضع
الغناء لعريب لحنان: خفيف ثقيل بالبنصر، وهزج بالوسطى.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، قال: حدثني الحسن بن رجاء، قال: قدم محمد بن عبد الملك على الحسن بن سهل إلى فم الصلح، وامتدحه بقصيدته التي أولها:
كأنها حين تناءى خطؤه ... أخنس موشي الشوي يرعى القلل
وقال فيها:
إلى الأمير الحسن استنجدتها ... أي مراد ومناخ ومحل

(6/73)


سيف أمير المؤمنين المنتضى ... وحصن ذي الرياستين المقتبل
آباؤك الغر الألى جدهم ... كسرى أنو شروان والناس همل
من كل ذي تاج إذا قال مضى ... كل الذي قال وإن هم فعل
فأين لا أين وأنى مثلكم ... أنتم الأملاك والناس خول
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
قال: ومرض الواثق، فدخل إليه الحسن بن سهل عائداً، ومحمد بن عبد الملك يومئذ وزيره، والحسن بن سهل متعطل، فجعل الحسن بن سهل يتكلم في العلة وعلاجها وما يصلح للواثق من الدواء والعلاج والغذاء أحسن كلام، قال: فحسده محمد بن عبد الملك، وقال له: من أين لك هذا العلم يا أبا محمد؟ قال: إني كنت أستصحب من أهل كل صنعة رؤساء أهلها، وأتعلم منهم، ثم لا أرضى إلا ببلوغ الغاية، فقال له محمد - وكان حسوداً: ومتى كان ذلك؟ قال: في زمان قلت في:
فأين لا أين وأنى مثلكم ... أنتم الأملاك والناس خول
فخجل محمد بن عبد الملك، وأطرق، وعدل عن الجواب.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني حماد بن إسحاق قال: حدثني ميمون بن هارون بن خلف قال: كنت أسير بالقرب من محمد بن عبد الملك الزيات، وهو يريد يومئذ منزله، حتى مر بدار إبراهيم بن رباح، فرأى فيها قبة مشيدة، فقال:
أما القباب فقد أراها شيدت ... وعسى أمور بعد ذاك تكون
عبد عرت منه خلائق جهله ... إذ راح وهو من الثراء سمين
فما كان إلا أيام حتى أوقع به.
أخبرني عمي قال: حدثني الحسن بن علي بن عبد الأعلى عن أبيه قال: كان الواثق قد أصلح بين محمد بن عبد الملك الزيات وبين أحمد بن أبي داود، فكف محمد عن ذكره، وجعل بن أبي داود يخلو بالواثق، ويغريه به، حتى قبض عليه، وكان فيما بلغه عنه أنه قد عزم على الفتك به والتدبير عليه. فقبض الواثق عليه، ثم أطلقه بعد مدة، ثم وزر للمتوكل، وكان محمد بن عبد الملك أشار بابن الواثق، وأشار ابن أبي داود بالمتوكل، وقام وقعد في أمره حتى ولى، وعممه بيده، وألبسه البردة، وقبل بين عينيه، وكان المتوكل قبل ذلك يدخل على محمد بن عبد الملك في حياة الواثق يشكو إليه جفاءه له فيتجهمه محمد، ويغلظ له الرد، إلى أن قال يوماً بحضرته: ألا تعجبون إلى هذا العاصي، يعادي أمير المؤمنين، ثم يسألني أن أصلح له قلبه! اذهب، ويلك فأصلح نفسك له، حتى يصلح لك قلبه. فكان موقع ذلك يحسن عند الواثق، فدخل إليه يوماُ، وقد كان قال للواثق: إن جعفراً يدخل إلي وله شعر قفاً وطرة مثل النساء، فقد فضحك فأمره بأن يحلقهما، وبضرب بشعرهما وجهه، فلما دخل إليه المتوكل فعل ذلك به، وتجهمه بالقبيح، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلاً أن يستتر أسبابه فتفوته بغيته فيه، فاستوزره وخلع عليه، وجعل ابن أبي داود يغريه به ويجد عنده لذلك موقعاً واستماعاً، حتى قبض عليه وقتله، فلم يجد له من أملاكه كلها من عين وورق وأثاث وضيعة إلا ما كانت قيمته مائة ألف دينار، ولم يجد منه عوضاً، وكان أمره مما يعتد على أحمد بن أبي داود، ويقول: أطمعتني في باطل، وحملتني على أمر لم أجد منه عوضاً.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: زعم محمد بن عيسى الفساطيطي، أن محمد بن عبد الملك اجتاز بدندن الكاتب، وعليه خلع الوزارة للمتوكل لما وزر له، فقال دندن:
راح الشقي بخلعة النكر ... مثل الهدي لليلة النحر
لا تم شهر بعد خلعته ... حتى تراه طافي الجمر
ويرى يطاين من إساءته ... يهوي له بقواصم الظهر
فكان الأمر كما قال.
قال علي بن الحسين بن عبد الأعلى: فلما قبض عليه المتوكل استعمل له تنور جديد، وجعل فيه مسامير لا يقدر معها أن يتحرك إلا دخلت في جسده، ثم أحماه له وجعله فيه، فكان يصيح: ارحموني! فيقال له: اسكت، أنت كنت تقول: ما رحمت أحداً قط، والرحمة ضعف في الطبيعة، وخور في المنة، فاصبر على حكمك! وخرج عليه عبادة، فقال: أردت أن تشويني، فشووك.
أخبرني طاهر بن عبد الله بن طاهر الهاشمي: قال: قال العباس بن طومار:

(6/74)


أمر المتوكل عبادة أن يدخل إلى محمد بن عبد الملك الزيات - وقد أحمى تنور حديد، وجعله فيه - فيكايده، فدخل إليه فوقف بإزائه، ثم قال: اسمع يا محمد، كان في جيراننا حفار يحفر القبور، فمرضت مخنثة من جيراني، وكانت صاحبة لي، فبادر فحفر لها قبراً من الطمع في الدراهم، فبرأت هي ومرض هو بعد أيام، فدخلت إليه صاحبتي وهو بالنزع، فقالت: وي يا فلان؟ حفرت لي قبراً وأنا في عافية، أو ما علمت أنه من حفر بئر سوء وقع فيها، وحياتك يا محمد، لقد دفناه في ذلك القبر، والعقبى لك. قال: فوالله ما برح من إزاء محمد، عبد الملك يؤذيه، ويكايده إلى أن مات.
قال الصولي: وقال الحسن بن وهب يرثي محمد بن عبد الملك، وكان في حياته ينتفي منها، ويجحدها، ثم شاعت بعد ذلك، ووجدت بخطه:
يكاد القلب من جزع يطير ... إذا ما قيل قد قتل الوزير
أمير المؤمنين هدمت ركناً ... عليه رحاكم كانت تدور
سيبلى الملك من جزع عليه ... ويخرب حين تضطرب الأمور
فمهلاً يا بني العباس مهلاً ... فقد كويت بفعلكم الصدور
إلى كم تنكبون الناس ظلماً ... لكم في كل ملحمة عقير
جزيتم ناصراً لكم المنايا ... وليس كذلكم يجزى النصير
فكنتم سائقاً أرسا إليكم ... وذلك من فعالكم شهير
وكأن صلاحه لو شئتموه ... قريباً لا يحاوله البصير
كأن الله صيركم ملوكاً ... لئلا تعدلوا ولأن تجوروا
أخبار أبي حشيشة
أبو حشيشة لقب غلب عليه، وهو محمد بن أمية بن أبي أمية، يكنى أبا جعفر، وكان أهله جميعاً متصلين بإبراهيم المهدي، وكان هو من بينهم معنياً بالطنبور، يغني أحسن غناء وخدم جماعة من الخلفاء أولهم المأمون، ومن بعده إلى المعتمد.
وله يقول أبو صالح بن يزداد وكتب بها في استتاره :
جعلت فداك يا بن أبي أميه ... أرى الأيام قد حكمت عليه
وملني الصديق وخان عهدي ... فما أقرا لكم كتباً إليه
فإن كان الضمير كما بدا لي ... فهذا والإله هو البليه
كان أكثر انقطاعه إلى أبي أحمد بن الرشيد أيام حياته، وكان أبوه وجده وأخواله كتاباً.
وقرأت على أحمد بن جعفر جحظة ما ذكره عن أبي حشيشة في كتابه الذي ألفه في أخبار مراتب الطنبوريين والطنبوريات وكان من ذلك أنه قال: شاهدت أبا حشيشة مدة، وكان يتغنى في أشعار خالد الكاتب وبني أمية، وكانت معه فقر من الأحاديث يضعها مواضعها، وكانت له صنعة تقدم فيها كل طنبوري، لا أحاشي من قولي ذلك، فمنها:
كأن هموم الناس في الأرض كلها ... علي وقلبي بينهم قلب واحد
ولي شاهدا عدل سهاد وعبرة ... وكم مدع للحب من غير شاهد
وهو خفيف رمل مطلق. قال جحظة: ورأيته في القدمة التي قدمها مع ابن المدبر بين يدي المعتمد، وقد غناه
حرمت بذل نوالك ... واسوأتا من فعالك!
لما مللت وصالي ... آيستني من وصالك
فوهب له مائتي دينار.
واللحن رمل مطلق.
أخبرني جحظة فيما قرأته عليه، قال: حدثني ابن نوبخت: يعني علي بن العباس قال: رأيته وقد حضرت عريب عند ابن المدبر، وهو يغني، فقالت له عريب: أحسنت يا أبا جعفر، ولو عاش الشيخان ما قلت لهما هذا - تعني علويه ومخارقاً.
حدثني أبو حشيشة، قال: هجم علي خادم أسود، فقال لي: البس ثيابك، فعلمت أن هذا لا يكون إلا عن أمر خليفة أو أمير، فلم أراجعه، حتى لبست ثيابي، فمضيت معه فعبر بي الجسر، وأدخلني إلى دار لا أعرفها، ثم اجتاز بي في رواق فيه حجر تفوح منهن رائحة الطعام والشراب، فأدخلت منهن إلى حجرة مفروشة، وجاءني بمائدة كأنها جزعة يمانية قد نشرت في عراصها الحبرة ، فأكلت وسقاني رطلين وجاءني بصندوق ففتحته فإذا فيه طنابير، فقال لي: اختر، فاخترت واحداً، وأخذ بيدي، فأدخلني إلى دار فيها سماعة وفيها رجلان على أحدهما قباء غليظ، وعلى الآخر ثياب ملحم وخز، فقال لي صاحب الخز: اجلس، فجلست، فقال: أكلت وشربت؟ فقلت: نعم. قال: عندنا؟ قلت: نعم، قال: تغني ما نقول لك؟ فقلت: قل، فقال: تغني بصنعتك:

(6/75)


يا كثير الإقبال والانصراف ... وملولاً ولو أشأ قلت خاف
وهو رمل مطلق، فغنيته إياه، وجعل يطلب مني صوتاً بعد صوت من صنعتي، فأغنيه، ويستعيده، ويشرب هو والرجل، وأسقى بالأنصاف المختوته إلى أن صلوا العشاء الآخرة، وهم لا يشربون إلا على الصوت الأول لا يريده غيره، ثم أومأ إلي الخادم: قم، فقمت، فقال لي صاحب القباء منهما، أتعرفني؟ قلت: لا والله، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الطاهري، وهذا محمد بن راشد الخناق، والله لئن بلغني أنك تقول: إنك رأيتني لأضربنك مائتي سوط، انصرف. فخرجت ودفع إلى الخادم ثلاثمائة دينار، فجهدت أن يقبل منها شيئاً على سبيل ابر، فما فعل.
حدثني جحظة قال: حدثني أبو حشيشة، قال: وجه إلي إسحاق بن إبراهيم الطاهري، فصرت إليه وهو في داره التي على طرف الخندق، فدعا بجونة ، فأكل وأكلت من ناحية، ودعا بستارة وقال: تغن بصنعتك:
عاد الهوى بالكأس بردا ... فأطع إمارة من تبدى
وهو خفيف رمل مطلق.
فغنيته مراراً، ثم ضرب الستارة، وقال: فولوه، فقالته جارية فأحسنت غاية الإحسان، فضحك ثم قال: كيف تراه؟ فقلت: قد والله بغضوه إلي، فازداد في الضحك، وأنا أرمق جبة خز خضراء كانت عليه، فقال: كم ترمق هذه الجبة؟ يا غلام، كانت عشرة أثواب خز فقطعت منها هذه الجبة، فهات التسعة فجيء بها، فدفعها إلي فكتب أبيع رذالها بستين ديناراً.
حدثني جحظة قال: حدثني أبو حشيشة أن بني الجنيد الإسكافيين كانوا أول من اصطنعه، وأنهم كانوا يسمونه الظريف، وأن أول منزل ابتاعه من أموالهم إلى أن شاع خبره، وتفاقم أمره، قال: وكانوا آكل الناس، رأيت رجلاً منهم، وقد أكل هو وابن عم له اثنين وعشرين رأساً كباراً، وشربا، فسكرا وناما، ثم انتبها في وقت الظهر، فدعوا بالطعام، فعادا إلى الأكل، ما أنكر منهما شيئاً.
ونسخت من كتاب ألفه أبو حشيشة، وجمع فيه أخباره مع من عاشره، وخدم من الخلفاء، وهو كتاب مشهور، قال: أول من سمعني من الخلفاء المأمون، وهو بدمشق، وصفني له مخارق، فأمر بأشخاصي إليه، وأمر لي بخمسين ألف درهم أتجهز بها، فلما وصلت إلي أدناني، وأعجب بي، وقال للمعتصم: هذا ابن من خدمك وخدم آبائك وأجدادك يا أبا إسحاق، جد هذا أمية كاتب جدك المهدي على كتابة السر وبيت المال والخاتم، وحج المهدي أربع حجج كان جد هذا زميله فيها. واشتهى المأمون من غنائي:
كان ينهى فنهى حين انتهى ... وانجلت عنه غيابات الصبا
خلع اللهو وأضحى مسبلاً ... للنهى فضل قميص وردا
كيف يرجو البيض من أوله ... في عيون البيض شيب وجلا
كان كحلاً لمآقيها فقد ... صار بالشيب لعينيها قذى
الشعر لدعبل، والغناء لمحمد بن حسين بن محرز رمل بالوسطى.
قال أبو حشيشة: وكان مخارق قد نهاني أن أغني ما فيه ذكر الشيب من هذا الشعر، وأن أقتصر على البيتين الأولين؛ لأن المأمون كان يشتد عليه ذكر الشيب، ويكرهه جداً من المغنين، وأمر ألا يغنيه أحد بشعر قيل في الشيب أو فيه ذكر له، فمررت في الشعر كله، فقال: يا مخارق، ألا تحسن أدب هذا الفتى! فنقفني مخارق نقفة صلبة، فما عدت بعدها لذكر شيء فيه الشيب.
وذكر أبو حشيشة في كتابه هذا مما كان يشتهيه عليه المأمون وغيره من الخلفاء أصواتاً كثيرة، ولا فائدة في ذكرها هاهنا، لأنها طويلة، فذكرت مما كان يختاره عليه كل خليفة صوتاً. قال أبو حشيشة: كان المعتصم يشتهي علي:
أسرفت في سوء الصنيع ... وفتكت بي فتك الخليع
وولعت بي متمرداً ... والعذر في طرف الولوع
صيرت حبك شافعاً ... فأتيت من قبل الشفيع
الشعر لأصرم بن حميد، والغناء لأبي حشيشة.
قال: وكان الواثق يختار من غنائي:
يا تاركي متلدد الع ... واد جذلان العداة
انظر إلي بعين را ... ض نظرة قبل الممات
خليتني بين الوعي ... د وبين ألسنة الوشاة
ماذا يرجي بالحيا ... ة منغص روح الحياة؟
الشعر لمحمد بن سعيد الأسدي، والغناء لأبي حشيشة خفيف الرمل.
قال: وكان المتوكل يحبني، وكانت أغانيه التي يشتهيها علي كثيرة منها:

(6/76)


أطعت الهوى وخلعت العذارا ... وباكرت بعد القراح العقارا
ونازعك الكأس من هاشم ... كريم يحب عليها الوقارا
فتى فرق الحمد أمواله ... يجر القميص ويرخي الإزارا
رأى الله جعفر خير الأنام ... فملكه ووقاه الحذارا
الشعر والغناء لأبي حشيشة.
قال: كان الفتح بن خاقان يشتهي علي:
قالوا عشقت فقلت أحسن من مشى ... والعشق ليس على الكريم بعار
يا من شكوت إليه طول صبابتي ... فأجابني بتجهم الإنكار
قال: وكان المستعين يشتهي علي:
وما أنس لا أنس منها الخشوع ... وفيض الدموع وغمز اليد
وخدي مضافاً إلى خدها ... قياماً إلى الصبح لم ترقد
الشعر لمحمد بن أبي أمية والغناء لأبي حشيشة.
قال: وأخبرني محمد بن علي بن عصمة - وكان إليه الزهد في دنيا كلها - قال: حضرت المعتز وقد ورد عليه جواب كتابه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وكان كتب إليه يطلبني منه، فكتب إليه محمد: إني عليل، لا فضل في للخدمة، قال أبو عصمة: فقال لي المعتز: يا أبا محمد، صديقك أبو حشيشة يؤثر علينا آل طاهر، فقلت له: يا سيدي، أنا أعلم الناس بخبره، هو والله عليل: ما فيه موضع لخدمة أمير المؤمنين، قال: ثم ذكرني المعتمد. وحرضه علي ابن حمدون، فكتب إليه أيوب سليمان بن عبد الله بن طاهر - وهو يومئذ أمير بغداد - في إشخاصي، فشخصني إليه من ساعتي، فأكرمني، وأدنى في مجلسي، وأمر لي بجائزة، واشتهى علي:
قلبي يحبك يا منى ... قلبي ويبغض من يحبك
لأكون فرداً في هوا ... ك فليت شعري كيف قلبك؟
الشعر لأحمد بن يوسف الكاتب، والصنعة لأبي حشيشة رمل.
قال أبو حشيشة: سمع إبراهيم بن المهدي أصواتاً من غناء محمد بن الحارث بن بسخنر وعمرو بن بانة، فاستحسنها وأخذها جواريه، وقال: الطنبور كله باطل، فإن كان فيه شيء حق فهذا. وأشتهي أن يسمعني. فهبته هيبة شديدة، وقلت: إن رضيني لم يزد ذلك في قدري، وإن لم يرضني بقيت وصمة آخر الدهر، وكان يطلبني من محمد بن الحارث بن بسخنر خاصة، ومن إسحاق بن عمرو بن بزيع، فكنت أفر منهما، حتى صرت بسر من رأى، وأنا في تلك الأيام منقطع إلى أبي أحمد بن الرشيد، ونحن في مضارب لم نكن سكناً المنازل بعد، فوافى إلى أبي أحمد بن الرشيد رسول إبراهيم بن المهدي فأبلغه السلام، وقال: يقول لك عمك: قد أعيتني الحيل في هذا الخبيث، وأنا أحب أن أسمعه، وهو يهرب مني، فأحب أن تبعث به إلي، ويكون زيرب معه تؤنسه. فقال لي: أبو أحمد: لا بد أن تمضي إلى عمي، فجهدت كل الجهد أن يعفيني، فأبى، فلما رأيت أنه لا بد لي منه لبست ثيابي، ومضيت إليه، وهو نازل في دسكرة، فرحب بي وقرب، وبسطني كل البسط ومعي زيرب، ودعا بالنبيذ، وأمر خدماً له كباراً، فجلسوا معي وشربوا وسقوني، وعرض لي بكل حيلة أن أغني، فهبته هيبة شديدة، وحصرت. وشرب، ودعا بثلاث جوار، فخرجت وجلسن، وقال لهن: قلن:
كيف احتيالي وأنت لا تصل ... عيل اصطباري وقلت الحيل
إن كان جسمي هواك ينحله ... فإن قلبي عليك يتكل
الشعر لخالد الكاتب، والغناء لأبي حشيشة الرمل. وكان يسميه الرهباني، عمله على لحن من ألحان النصارى سمعه من رهبان في الليل يرددونه، فغناه عليه.
فقالته إحداهن، فذهب عقلي، وسمعت شيئاً لم أسمع مثله قط، فقال: يا خليلي، أهذا لك؟ فقلت: نعم - أصلح الله الأمير - وأخذتني رعدة، ثم قال لهن: إيه، قلن:
رب مالي وللهوى ... ما لهذا الهوى دوا
حاز طرفي الذي هوى ال ... حسن قلبي وما حوى
الشعر لخالد، والغناء لأبي حشيشة رمل.
فغنته فسمعت ما هو أعجب من الأول، فقال: يا خليلي، هذا لك؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: هكذا أخذناهما من محمد بن الحارث، ثم شرب رطلاً آخر، فقلت: يا نفس ، دعاك الرجل يسمعك، أو يسمعك، وقويت عزمي، وتغنيته بشعر خالد الكاتب، وهو هذا:
لئن لج قلبك في ذكره ... ولج حبيبك في هجره
لقد أورث العين طول البكا ... وعز الفؤاد على صبره

(6/77)


فإن أذهب القلب وجد به ... فجسمك لا شك في إثره
وأي محب تجافى الهوى ... بطول التفكر لم يبره
فجعل يردد البيت الأول والبيت الأخير، وقال لي: لا تخرجن يا خليلي من هذا إلى غيره، فلم أزل أردده عليه، حتى شرب ثلاثاً، واسترحت ساعة، وشربتا وطابت نفسي، ثم استعادني فغنيته، فأعجب بي خلاف الأول، فنظر إلي وضحك، ولم يقل شيئاً، وشرب رطلاً رابعاً وجاءت المغرب، فقال لي: يا خليلي، ما أشك في أنك قد أوحشت ابني منك، فامض في حفظ الله تعالى. فخرجت أطير فرحاً بانصرافي سالماً، فلما وافيت أبا أحمد، وبصر بي من بعيد قال: حنطة، أو شعير؟ فقلت، بل سمسم وشهد، انج على رغم أنف من رغم، فقال: ويحك، أتراني لا أعرف فصلك! ولكن أحببت أن أستعين برأيه على رأيي فيك، وقصصت عليه القصة، فسره ذلك، ولم يرض حتى دس إليه محمد بن راشد الخناق، فسأله عني، فقال: ما ظننت أن يكون في صناعته مثله.
قال أبو حشيشة: وسمع إسحاق بن إبراهيم الموصلي غنائي فاستحسنه، فسئل عني، فقال: غناء الطنبور كله ضعيف، وما سمعت فيه قط أقوى ولا أصح من هذا.
حدثني جحظة، قال: كان سبب موت أبي حشيشة بسر من رأى، أن قلماً غلام الفضل بن كاووس صار إليه في يوم بارد، فدعاه إلى الصبوح، فقال له: أنا لا آكل إلا طعاماً حاراً، وليس عندك إلا فضيلة من مجلية، قال: تساعدني، وتأكل معي، فأكل منها، فجمدت دم قلبه، فمات، فحمله إبراهيم بن المدبر إلى بناته، وما كسبه بسر من رأى معه، فاقتسمنه بينهن.
سقياً لقاطول لا أرى بلداً ... أوطنه الموطنون يشبهها
أمناً وخفضاً ولا كبهجتها ... أرغد أرض عيشاً وأرفهها
البيت الأول من البيتين لعنان جارية الناطفي، والثاني يقال: إنه لعمرو الوراق ، ويقال إنه لأبي نواس، ويقال بل هو لها.
والغناء لعريب خفيف رمل. وكان الشعر: " سقياً لبغداد " فعيرته عريب وجعلت مكانه " سقياً لقاطول " .
أخبار عنان
كانت عنان مولدة من مولدات اليمامة، وبها نشأت وتأدبت، واشتراها الناطفي، ورباها، وكانت صفراء جميلة الوجه، شكلة مليحة الأدب والشعر سريعة البديهة. وكان فحول الشعراء يساجلونها، ويقارضونها، فتنتصف منهم.
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني صهر المبرد النحوي وعلي بن صالح بن الهيثم قال: حدثنا أبو هفان عن الجماز قال: دخل أبو نواس يوماً على عنان جارية الناطفي، فتحدثا ساعة، ثم قال لها: قد قلت شعراً، فقلت: هات، فقال:
إن لي أيراً خبيثاً ... لونه يحكي الكميتا
لو رأى في الجو صدعاً ... لنزا حتى يموتا
أو رآه فوق سقف ... لتحول عنكبوتا
أو رآه جوف بحر ... خلته في البحر حوتا
قال: فما لبثت أن قالت:
زجوا هذا بألف ... وأظن الألف قوتا
إنني أخشى عليه ... إن تمادى أن يموتا
بادروا ما حل بالمس ... كين خوفاً أن يفوتا
قبل أن ينتكس الد ... اء فلا يأتي ويوتي
قال: ودخل إليها مرة، فقال:
ماذا ترين لصب ... يريد منك قطيره
فأجابته:
إياي تعني بهذا ... عليك فاجلد عميره
فقال لها:
أريد هذا وأخشى ... على يدي منك غيره
قال: فخجلت وقالت: تعست، وتعس من يغار عليك.
أخبرنا أحمد بن العزيز الجوهري: قال: حدثنا عمر بن شبة: قال: حدثني أبو أحمد بن معاوية: قال: سمعت أبا حنش يقول: قال لي الناطفي: لو جئت إلى عنان فطارحتها ، فعزمت على الغدو، فبت ليلتين أحوك بيتين، ثم غدوت عليها فقلت:
أحب الملاح البيض قلبي وربما ... أحب الملاح الصفر من ولد الحبش
بكيت على صفراء منهن مرة ... بكاء أصاب العين مني بالعمش
فقالت:
بكيت عليها أن قلبي يحبها ... وأن فؤادي كالجناحين ذو رعش
تغنيتنا بالشعر لما أتيتنا ... فدونك خذه محكماً يا أبا حنش
أخبرني أحمد، قال: حدثني عمر بن شبة: قال: حدثني أحمد بن معاوية: قال:

(6/78)


سمعت مروان بن أبي حفصة يقول: لقيني الناطفي؛ فدعاني إلى عنان، فانطلقت معه، فدخل إليها قبلي، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس، مروان بن أبي حفصة، فوجدها عليلة ،فقالت له :إني عن مروان لفي شغل، فأهوى إليها بسوط فضربها به، وقال لي: ادخل، وهي تبكي، فرأيت الدموع تنحدر من عينيها فقلت:
بكت عنان فجرى دمعها ... كالدر إذ يسبق من خيطه
فقالت وهي تبكي:
فليت من يضربها ظالماً ... تيبس يمناه على سوطه
فقلت: أعتق مروان ما يملك إن كان في الجن والأنس أشعر منها.
أخبرني الجوهري، قال: حدثنا أبو زيد عن أحمد بن معاوية: قال: قال لي رجل: تصفحت كتباً، فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجد، فقال لي صديق: عليك بعنان جارية الناطفي، فجئتها فأنشدتها:
وما زال يشكو الحب حتى رأيته ... تنفس في أحشائه وتكلما
فما لبثت أن قالت:
ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما
- في هذين البيتين لحن من الرمل، أظنه لجحظة أو لبعض طبقته - قرأت في بعض الكتب: دخل بعض الشعراء على عنان جارية الناطفي، فقال لها مولاها عاييه ، فقالت:
سقياً لبغداد لا أرى بلداً ... يسكنه الساكنون يشبهها
فقال:
كأنها فضة مموهة ... أخلص تمويهها مموهها
فقالت:
أمن وخفض ولا كبهجتها ... أرغد أرض عيشاً وأرفهها
فانقطع .
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني بن أبي سعيد قال: حدثني مسعود بن عيسى، قال: أخبرني موسى بن عبد الله التميمي، قال: دخل أبو نواس على الناطفي، وعنان جالسة تبكي، وخدها على رزة من مصراع الباب، وقد كان الناطفي ضربها، فأومأ إلى أبي نواس أن يحركها بشيء، فقال أبو نواس:
عنان لو جدت لي فإني من ... عمري في آمن الرسول بما
فردت عليه عنان:
فإن تمادى ولا تماديت في ... قطعك حبلي أكن كمن ختما
فرد عليها أبو نواس فقال:
علقت من لو أتى على أنف ... س الماضين والغابرين ما ندما
فردت عليه:
لو نظرت عينها إلى حجر ... ولد فيه فتورها سقما
أخبرني ابن عمار ، قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه: قال: حدثني محمد بن أبي مروان الكاتب: قال: أخذ أبو نواس من عنان جارية الناطفي خاتماً فصه أحمر، فأخذه أحمد بن خالد حيلويه من أبي نواس، فطلبته منه عنان، فبعث إليها مكانه خاتماً فصه أخضر، فاتهمته في ذلك، فكتب أبو نواس إلى أحمد بن خالد، فقال:
فدتك نفسي يا أبا جعفر ... جارية كالقمر الأزهر
تعلقتني وتعلقتها ... طفلين في المهد إلى المكبر
كنت وكانت نتهادى الهوى ... بخاتمينا غير مستنكر
حنت إلى الخاتم مني وقد ... سلبتني إياه منذ أشهر
فأرسلت فيه فغالطتها ... بخاتم في قده أخضر
قالت: لقد كان لنا خاتم ... أحمر أهداه إلينا سري
لكنه علق غيري فقد ... أهدى إليه الخاتم لا أمتري
كفرت بالله وآياته ... إن أنا لم أهجره فليصبر
أو فأت بالمخرج من تهمتي ... إياه في خاتمنا الأحمر
فاردده تردد وصلها إنها ... قرة عيني يا أبا جعفر
فإنني متهم عندها ... وأنت قد تعلم أني بري
قال: فرد إليه الخاتم، وبعث إليه معه بألفي درهم.
أخبرني ابن عمار وعلي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، عن المازني عن الأصمعي - وقال ابن عمار في خبره عن بعض أصحابه - أظنه المازني - عن الأصمعي، قال: ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد قط إلا مرة واحدة، فإني دخلت إليه أنا وأبو حفص الشطرنجي، فرأيت التخثر في وجهه، فقال لنا: استبقا إلى بيت بل إلى أبيات، فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم، قال: فأشفقت ،ومنعتني هيبته، قال: فقال أبو حفص:
كلما دارت الزجاجة زادت ... ه اشتياقاً وحرقة فبكاك
فقال: أحسنت فلك عشرة آلاف درهم.
قال: فزالت الهيبة عني، فقلت:
لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك

(6/79)


فقال: لله درك! لك عشرون ألف درهم، قال: فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه إلي، فقال: أنا والله أشعر منكما، ثم قال:
فتمنيت أن يغشيني الل ... ه نعاساً لعل عيني تراك
أخبرني ابن عمار الأخفش قالا: حدثنا محمد بن يزيد عن المازني :قال: قال الأصمعي: بعثت إلي أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان، قد صرفته عنها فلك حكمك. قال: فكنت أريغ لأن أجد للقول فيها موضعاً ،فلا أجده، ولا أقدم عليه هيبة له، إذ دخلت يوماً فرأيت في وجهه أثر الغضب، فانخزلت، فقال: مالك يا أصمعي؟ قلت: رأيت في وجه أمير المؤمنين أثر غضب، فلعن الله من أغضبه! فقال: هذا الناطفي والله، لو لا أني لم أجر في حكم قط متعمداً لجعلت على كل جبل منه قطعة، وما لي في جاريته أرب غير الشعر، فذكرت رسالة أم جعفر، فقلت له: أجل والله ما فيها غير الشعر، أفيسر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ فضحك حتى استلقى، واتصل قولي بأم جعفر فأجزلت لي الجائزة.
أخبرني عمي والحسن بن علي، قالا: حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال: حدثني محمد بن هارون، عن يعقوب بن إبراهيم: أن الرشيد طلب من الناطفي جاريته، فأبى أن يبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فقال: أعطيك مائة ألف دينار على أن تأخذ بالدينار سبعة دراهم ،فامتنع عليه، وأمر أن تحمل إليه، فذكروا أنها دخلت مجلسه، فجلست في هيئتها تنتظره فدخل عليها، فقال لها: ويلك! إن هذا قد اعتاص علي في أمرك، قالت: وما يمنعك أن توفيه وترضيه؟ فقال: ليس يقنع ما أعطيه، وأمرها بالانصراف. فبلغني أن الناطفي تصدق بثلاثين ألف درهم حين رجعت إليه، فلم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها، فلما مات بعث مسروراً الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ، فأقامها على سرير وعليها رداء رشيدي قد جللها، فنودي عليها: من يزيد؟ بعد أن شاور الفقهاء فيها، وقال: هذه كبد رطبة، وعلى الرجل دين، فأشاروا ببيعها، قال: فبلغني أنها كانت تقول - وهي في المصطبة - : أهان الله من أهانني، وأذل من أذلني، فلكزها مسرور بيده، وبلغ بها مسرور مائتي ألف درهم، فجاء رجل، فقال: علي زيادة خمسة وعشرين ألف درهم، فلكزه مسرور، وقال: أتزيد يا أمير المؤمنين! ثم بلغ بها مائتين وخمسين ألفاً، وأخذها له قال: ولم يكن فيها شيء يعاب، وطلبوا لها عيباً لئلا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها شيئاً، وأولدها ابنين - قال: أظنهما ماتا صغيرين - ثم خرج بها إلى خراسان، فمات هناك وماتت عنان بعده.
أبو نواس لشبب بها: قال: وأنشدنا لأبي نواس في قصيدة يمدح بها يزيد بم مزيد ويذكر عنان في تشبيبها:
عنان يا من تشبه العينا ... أنت على الحب تلومينا
حسنك حسن لا أرى مثله ... قد ترك الناس مجانينا
اخبرني عمي: قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي: قال: حدثني أحمد بن القاسم العجلي: قال: حدثني أبو القاسم النخعي قال: كان العباس بن الأحنف يهوى عنان جارية الناطفي، فجاءني يوماً، فقال: امض بنا إلى عنان جارية الناطفي، فصرنا إليها، فرأيتها كالمهاجرة له ،فجلسنا قليلاً، ثم ابتدأ العباس فقال:
قال عباس وقد أج ... هد من وجد شديد
ليس لي صبر على الهج ... ر ولا لذع الصدود
لا ولا يصبر للهج ... ر فؤاد من حديد
فقالت عنان:
من تراه كان أعنى ... منك عن هذا الصدور
بعد وصل لك مني ... فيه إرغام الحسود
فاتخذ للهجر إن شئ ... ت فؤاداً من حديد
ما رأيناك على ما ... كنت تجني بجليد
لو تجودين لصب ... راح ذا وجد شديد
وأخي جهل بما قد ... كان يجني بالصدود
ليس من أحدث هجراً ... لصديق بسديد
ليس منه الموت إن لم ... تصليه ببعيد
قال: فقلت للعباس: ويحك! ما هذا الأمر؟ قال: أنا جنيت على نفسي بتنايهي عليها، فلم أبرح حتى ترضيتها له.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا الحارث بن يحيى بن حمد بن أبي مية: قال: حدثني يحيى بن محمد: أن الرشيد كان يساوم بعنان جارية النطاف، فبلغ ذلك أم جعفر، فشق عليها، فدست إلى أبي نواس أن يحتال في أمرها فقال يهجوها:

(6/80)


إن عنان للنطاف جارية ... أصبح حرها للنيك ميدانا
فما يشتريها إلا ابن زانية ... أو قلطبان يكون من كانا
فبلغ ذلك الرشيد، فكان يقول: لعن الله أبا نواس، وقبحه، فلقد أفسد علي لذتي في عنان بما قال فيها، ومنعني من شرائها.
ما لي وللخمر وقد أرعشت ... مني يميني هات باليسرى
حتى تراني مائلاً مسنداً ... لا أستطيع الكأس بالأخرى
الشعر للحسن بن وهب، والغناء لعبد الله بن العباس الربعي، خفيف ثقيل بالوسطى ، وفيه أيضاً له خفيف رمل بالبنصر.
أخبار الحسن بن وهب
هو الحسن بن وهب بن سعيد، كاتب شاعر مترسل فصيح أديب، وأخوه سليمان بن وهب فحل من الكتاب ويكنى أبا علي، وهو عريق في الكتابة، ولأولاده نجابة مشهورة تستغني عن وصف ذلك، وكانوا يقولون إنهم من بني الحارث بن كعب، وأصلهم نصارى، وفي بني الحارث نصارى كثير.
وفي الحسن بن وهب يقول البحتري:
يا أخا الحارث بن كعب بن عمرو ... أشهوراً تصوم أم أياما؟
وكان البحتري مداحاً لهم، وله في الحسن ،وقد اجتاز بمنزله بعد وفاته:
أناة أيها الفلك المدار ... أنهب ما تطرق أم جبار
نزلنا منزل الحسن بن وهب ... وقد درست مغانيه القفار
يقول فيها يصف صبوحاً كانوا قد اصطحبوه:
أقمنا، أكلنا أكل استلاب ... هناك وشربنا شرب يدار
تنازعنا المدامة وهي صرف ... وأعجلنا الطبائخ وهي نار
ولم يك ذاك سخفاً غير أني ... رأيت الشرب سخفهم الوقار
أخبرني الصولي، وذكر ذلك عن جماعة من الكتاب: أن الحسن بن وهب كان أشد تمسكاً بالنسب إلى بني الحارث بن كعب من أخيه سليمان، وكان سليمان ينكر ذلك، ويعاتب عليه أخاه الحسن وابنه أحمد بن سليمان. وأصلهم من قرية من سواد واسط في جسر سابور يقال لها " سارقيقا " أخبرني عمي: قال: حدثني عمر بن نصر الكاتب، وكان من مشايخ الكتاب بسر من رأى، قال: كنا نتهادى ونحن في الديوان أشعار الحسن بن وهب، ونتباهى بحفظها، قال: وأنشدني له، وكتب بها إلى أخيه سليمان بن وهب من مدينة السلام وهو محبوس في أيام الواثق:
خطب أبا أيوب جل محله ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها؟
إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يحسن حلها
فاصبر لعلها الصبر يفتق ما ترى ... وعسى بها أن ينجلي ولعلها
قال: وكتب إليه أيضاً وهو في الحبس بسر من رأى:
خليلي من عبد المدان تروحا ... ونصا صدور العيس حسرى وطلحا
فإن سليمان بن وهب ببلدة ... أصاب صميم القلب مني فأقرحا
أسائل عنه الحارسين لحبسه ... إذا ما أتوني: كيف أمسى وأصبحا!
فلا يهنئ الأعداء أسر ابن حرة ... يراه العدا أندى يميناً وأسمحا
وأنهض للأمر الجليل بعزمة ... وأقرع للباب الأصم وأفتحا
أخبرني محمد بن يحيى الصولي: قال: حدثني محمد بن موسى بن حماد: قال: وجه الحسن بن وهب إلى أبي تمام وهو بالموصل خلعاً فيها خز ووشي، فامتدحه بقصيدة أولها:
أبو علي وسمي منتجعه ... فاحلل بأعلى واديه أو جزعه
ثم وصف الخلعة فقال:
وقد أتاني الرسول بالملبس الفخ ... م لصيف امرئ ومرتبعه
لو أنها جللت أويساً لقد ... أسرعت الكبرياء في روعه
رائق خز أجيد سابره ... سكب تدين الصبا لمدرعه
وسر وشي كأن شعري أحيا ... ناً نسيت العيون من بدعه
تركتني ساهر الجفون على ... أزلم دهر بحسنها جذعه
- يعني الدهر، والدهر يقال له: الأزلم الجذع، والأزلم: الطويل، والجذع: الجديد: يقول: هو قديم سالف، ويومه جديد، قال لقيط الإيادي:
يا قوم بيضتكم لا تفضحن بهاإني أخاف عليها الأزلم الجذعا
أخبرني الصولي: قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد: قال: لما حبس محمد بن عبد الملك الزيات سليمان بن وهب، وطالبه بالأموال وقت نكبته قال الحسن بن وهب:

(6/81)


خليلي من عبد المدان تروحا ... ونصا صدور العيس حسري وطلحا
فإن سليمان بن وهب بمنزل ... أصاب صميم القلب مني فأقرحا
أسائل عنه الحارسين لحبسه ... إذا ما أتوني كيف أمسى وأصبحا
فلا يهنئ الأعداء حبس ابن حرة ... يراه العدا أندى يميناً وأسمحا
وقولاً لهم صبراً قليلاً وأصبحوا ... فما أقرب الليل البهيم من الضحا
قال: وقيل له وسليمان محبوس: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله قليل النشاط، كال القريحة، صدئ الذهن، ميت الخاطر من سوء فعل الزمان، وتوارد الأحزان، وتغير الإخوان، قال: وآلى ألا يذوق طعاماً طيباً، ولا يشرب ماء بارداً، ما دام أخوه محبوساً؟، فوفى بذلك.
أخبرني الصولي: قال: أخبرني أبو الأسود: قال: كان للحسن بن وهب جار هاشمي، يلقب بالطير، فحج سنة من السنين، ورجع آخر الناس، فقال فيه الحسن:
أينقص أم يزيد من الرقاعه ... أخو حمق له الدنيا مشاعه
يحج على الجمال ولو تجلى ... لمكة جاءها في بعض ساعه
أخبرني الصولي: قال: حدثنا الطالقاني: قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن وهب. قال :رآني عمي الحسن، وأنا أبكي لفراق بعض ألافي فقال:
ابك فما أنفع ما في البكا ... لأنه للوجد تسهيل
وهو إذا أنت تأملته ... حزن على الخدين محلول
أخبرني الصولي: قال: حدثنا علي بن الصباح : قال: بلغ الحسن بن رجاء أن الحسن بن وهب عابه بحب الغلمان، وكان الحسن بن وهب أشد حباً لهم منه، فقال: مثلي ومثله كما قال حسان بن ثابت:
وإني لأغني الناس عن فضل صاحب ... يرى الناس ضلالاً وليس بمهتد
أخبرنا محمد: قال: حدثنا الحزنبل: قال: كتب رجل إلى الحسن بن وهب يستميحه، فوقع في رقعته:
الجود طبعي ولكن ليس لي مال ... فكيف يحتال من بالرهن يحتال
أخبرني الحسن بن علي: قال: حدثني محمد بن موسى بن حماد: قال: كنت اكتب في حداثتي بين يدي الحسن بن وهب - وكان شديد الشغف ببنات جارية محمد بن حماد كاتب راشد، فكنا يوماً عنده، وهي تغني، وبين أيدينا كانوا فحم، فتأذت به، فأمرت أن يباعد، فقال الحسن :
بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعلمت ما معناك في إبعادها
هي ضرة لك بالمتاع ضيائها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك في القلوب صنيعها ... في شوكها وسيالها وقتادها
شركتك في كل الجهات بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها
أخبرني الصولي: قال: حدثني الحسين بن يحيى: قال: كنا عند الحسن بن وهب، فقال: لو ساعدنا الدهر لجاءتنا بنات، فما تكلم بشيء حتى دخلت، فقال: إني وإياك لكما قال علي بن أمية:
وفاجأتني والقلب نحوك شاخص ... وذكرك ما بين اللسان إلى القلب
فيا فرحة جاءت على إثر ترحة ... ويا غفلتا عنها وقد نزلت قربي
قرأت في بعض الكتب: دخلت يوماً بنات على الحسن بن وهب، وهو مخمور، فسلمت عليه، وقبلت يده، فأراد تقبيل يدها، فمنعته فرعش، فقال:
أقول وقد حاولت تقبيل كفها ... وبي رعدة أهتز منها وأسكن
فديتك إني أشجع الناس كلهم ... لدى الحرب إلا أنني عنك أجبن
أخبرني الصولي: قال: حدثني محمد بن موسى، قال: جاءت بنات تسأل الحسن بن وهب من علة نالته، فحين رآها دعا برطل، فشربه على وجهها، وقال: قد عوفيت، فأقيمي اليوم عندي، فأبت وقالت: عند مولاي دعوة، فأمر بإحضار مائتي دينار، فأحضرت فقال: هذه مائة لمولاك، فابعثي بها إليه ومائة لك؛ فقالت: أما هو فأبعث بمائة إليه ؛ وأما أنا فوالله لا أخذت المائة الأخرى، ولأتصدقن بمثلها لعافيتك ولكن أكتب إليه رقعة تقوم بعذري؛ فأخذ الدواة؛ وكتب إلى مولاها :
ضرة الشمس والقمر ... متعيني من النظر
متعيني بجلسة ... منك يا أحسن البشر
أشتريها إن بعت ... نيها بسمعي وبالبصر
أذهب السقم سقم طر ... فك ذي الغنج والحور
فأديمي السرور لا ... تمزجي الصفو بالكدر

(6/82)


ليس يبقي علي حبك هذا ولا يذر
وأنا منه فأنعمي ... بمقام على خطر
وتغني فداك كل ... مغن لكي أسر
ربع سلمى بذي بقر ... عرضة الريح والمطر
حدثني أبو إسحاق بن الضحاك عن أحمد بن سليمان - والحكايتان متفقتان متقاربتان - أخبرني الصولي: قال: حدثني الحسين بن يحيى: قال: حدثني أحمد بن سليمان بن وهب قال: قال لي أبي: قد عزمت على معاتبة عمك في حبه لبنات، فقد شهر بها وافتضح، فكن معي، وأعني عليه، وكان هواي مع عمي، فمضيت معه فقال له أبي، وقد أطال عتابه: يا أخي، جعلت فداك! الهوى ألذ وأمتع، والرأي أصوب وأنفع، فقال عمي متمثلاً:
إذا أمرتك العاذلات بهجرها ... أبت كبد عما يقلن صديع
وكيف أطيع العاذلات وحبها ... يؤرقني والعاذلات هجوع
فالتفت إلي أبي ينظر ما عندي، فتمثلت:
وإني ليلحاني على فرط حبها ... رجال أطاعتهم قلوب صحائح
فنهض أبي مغضباً ضمني عمي إليه، وقبلني، وانصرفت إلى بنات، فحدثتها بما جرى وعمي يسمع، فأخذت العود، فغنت:
يلومك في مودتها أناس ... لو أنهم برأيك لم يلوموا
فيه ثقيل أول.
قال أحمد بن سليمان، وعذلته عجوز لنا، يقال لها: منى، فقال لها: قومي، فانظري إليها، واسمعي غنائها، ثم لوميني، فقامت معه، فرأتها، وسمعت غنائها فقالت له: لست أعاود لومك فيما بعد هذا، فأنشأ يقول:
ويوم سها عنه الزمان فأصبحت ... نواظره قد حار عنها بصيرها
خلوت بمن أهوى به فتكاملت ... سعود أدار النحس عنا مديرها
أما تعذريني يا منى في صبابتي ... بمن وجهها كالشمس يلمع نورها؟
قال أحمد بن سليمان: كان لعمي كاتب يعرف بإبراهيم: نصراني يأنس به، فسأل بنات مسألتها عمي أن يجعل رزقه ألف درهم في الشهر، فلما شرب أقداحاً، وطرب وثبت قائمةً وقالت: يا سيدي لي حاجة، فوثب عمي، فقام لقيامها، فقالت: تجعل رزق إبراهيم ألف درهم في الشهر، فقال: سمعاً وطاعة، فجلست فأنشأ يقول:
قامت فقمت ولم أكن لو لم تقم ... لأجل خلقاً غيرها فأقوما
شفعت لإبراهيم في أرزاقه ... فوددت أني كنت إبراهيما
فأجبتها إني مطيع أمرها ... وأراه فرضاً واجباً محتوما
ما كان أطيب يومنا وأسره ... لو لم يكن بفراقها مختوما
قال: ثم إن عمي صار إلى أبي، فأخبره الخبر، فأمر أن يجعل لإبراهيم من ماله ألف درهم أخرى لشفاعتها.
أخبرني الصولي: قال: حدثني إسماعيل بن الخصيب: قال: اعتل الحسن بن وهب، فلم تعلم بنات بذلك، وتأخرت عن عيادته، فكتب إليها:
عليل أنت أعللته ... فلو أنك علته
بوعد أن تزوريه ... إذا ما ممكن نلته
قريباً لنفيت الدا ... ء عنه حين واعدته
وما ضرك لو جاء ... رسول منك أرسلته
فيحكي لك ما قال ... كما يحكي الذي قلته
أما والله لو أن ال ... ذي يحمل حملته
لما احتاج إلى التعل ... يم فيما قد تجاهلته
أخبرني الصولي: قال أحمد بن إسماعيل: قال: حدثني أحمد بن عبيد الله بن جميل: قال: أهدى الحسن بن وهب إلى بنات في علة اعتلتها هدايا حسنة وأهدى معها قفص شفانين ، وكتب إليها:
شفاء أنين بالشفانين أملت ... لكم نفس من أهدى الشفانين عامدا
كلوها يكل الداء عنكم فإنني ... أزوركم للشوق لا زرت عائدا
أخبرني عمي: قال: حدثني ميمون بن هارون: قال: كتب الحسن بن وهب إلى بنات يوم جمعة يستدعيها، فكتبت إليه أن عند مولاها أصدقاء له، وقد منعها من المسير إليه، فكتب إليها ثانية يقول:
يومنا يوم جمعة بأبي أن ... ت وعند الوضيع لا كان قوم
سفل مثله يسومونه الخس ... ف ويرضاه وهو للوعد سوم
فامنعيهم منك البشاشة حتى ... يتغشاهم من البرد نوم
وليكن منك طول يومك لل ... ه صلاة إلى المساء وصوم
وارفعي عنهم الغناء وإن نا ... لك عذل من الوضيع ولوم

(6/83)


واذكري مغرماً بحبك أمسى ... همه أن يديله منك يوم
أخبرني عمي قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: كان الحسن بن وهب يشرب عند محمد بن عبد الله بن طاهر، فعرضت سحابة، فبرقت ورعدت، وقطرت، فقال الحسن:
هطلتنا السماء هطلاً دراكاً ... عارض المرزمان فيها السماكا
قلت للبرق إذ تألف فيها ... يا زناد السماء من أوراكا؟
أحبيباً نأيته فبكاكا ... فهو العارض الذي استبكاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العب ... اس في جوده فلست كذاكا؟
أخبرني عمي، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: طلب محمد بن عبد الملك الزيات الحسن بن وهب، وكان قد اصطبح مع بنات فكتب إليه: يا سيدي، أنا في مجلس بهي، وطعام هني، وشراب شهي، وغناء رضي، أفأتحول عنه إلى كد الشقي، ووثبت بنات لتقوم، فردها وكتب:
ما بان عنك الذي بن ... ت عنه لا عاش بعدك
إن لم يكن عنده الص ... بر والسلو فعندك
وما وجدته إلا ... عبد الرجاء وعبدك
فاستلبها الرسول، ومضى بها إلى محمد، فوقع فيها:
أبا علي أراك الإل ... ه في الأمر رشدك
إن لم تكن عندي اليو ... م بالشوق كنت عندك
فاهدم محلك عندي ... واجهد لذلك جهدك
فلست أزداد إلا ... رعاية لك ودك
وانعم بمن قلت فيها ... عبد الرجاء وعبدك
أزيل نحسك فيها ... وأطلع الله سعدك
ورد الرقعة إلى الحسن، فلما قرأها خجل، وحلف ألا يشرب النبيذ شهراً، ولا يفارق مجلس الوزير.
أخبرني عمي عن إبراهيم بن المدبر، قال: ولدت بنات من مولاها ولداً وسمته بإبراهيم، فأبغضها الحسن بن وهب، وكتب إليها:
نتج المهرة الهجان هجيناً ... ثم سمى الهجين إبراهيما
بخليل الرحمن سميت عبداً ... أم قريع الفتيان ذاك الكريما
وبعث البيتين إليها، وكان آخر عهده بها.
أخبرني الصولي قال: حدثنا محمد بن موسى قال: كان الحسن بن وهب يعشق غلاماً رومياً لأبي تمام، وكان أبو تمام يعشق غلاماً خزرياً للحسن، فرأى أبو تمام يوماً الحسن يعبث بغلامه، فقال له: والله لإن أعتقت إلى الروم لنركضن إلى الخزر، فقال له الحسن: لو شئت لحكمتنا واحتكمت، فقال له أبو تمام: ما أشبهك إلا بداود، ولا أشبه نفسي إلا بخصيمه، فقال له: لو كان هذا منظوماً حفظه، فأما المنثور فهو عارض لا حقيقة له، فقال أبو تمام:
أبا علي لصرف الدهر والغير ... وللحوادث والأيام والعبر
أعندك الشمس لم يحظ المغيب بها ... وأنت مضطرب الأحشاء للقمر
أذكرتني أمر داود وكنت فتى ... مصرف القلب في الأهواء والذكر
إن لم تترك السير الحثيث إلى ... جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر
إن الغزال له مني محل هوى ... يحل مني محل السمع والبصر
ورب أمنع منه جانباً وحمى ... أمسى ولكنه مني على خطر
جردت منه جنود العزم فانكشفت ... منه غيابتها عن تكة هدر
سبحان من سبحته كل جارحة ... ما فيك من طمحان الأير والنظر
أنت المقيم فما تعدو رواحله ... وأيره أباً منه على سفر
قال الصولي: فحدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: قلت لأبي تمام: غلامك أطوع للحسن بن وهب من غلام وهب لك، قال: أجل والله؛ لأن غلامي يجد عنده ما لا يجده غلامه عندي، وأنا أعطي غلامه قيلاً وقالاً، وهو يعطي غلامي ثياباً ومالاً.
أخبرني الصولي: قال: حدثني أبو الحسن الأنصاري، قال: حدثني أبي: وحدثني الفضل الكاتب المعروف بفنجاخ:

(6/84)


أن الحسن بن وهب كان يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات، وهو وزير الواثق، وكان ابن الزيات قد وقف على ما بين الحسن بن وهب وبين أبي تمام في غلاميهما: فتقدم إلى بعض ولده - وكانوا يجلسون عند الحسن بن وهب - بأن يعلموه بخبرهما ،وما يكون بينهما. قال: وعزم غلام أبي تمام على الحجامة، فكتب إلى الحسن يعلمه بذلك، ويسأله التوجيه إليه بنبيذ مطبوخ، فوجه إليه بمائة دن ومائة دينار، وبخلعة حسنة وبخور كثير، وكتب إليه:
ليت شعري يا أملح الناس عندي ... هل تداويت بالحجامة بعدي
دفع الله عنك لي كل سوء ... باكر رائح وإن خنت عهدي
قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي ... فبدا منه غير ما كنت أبدي
وخلعت العذار فليعلم النا ... س بأني إياك أصفي بودي
وليقولوا بما أحبوا إذا كن ... ت وصولاً ولم ترعني بصد
من عذيري من مقلتيك ومن إش ... راق وجه من دون حمرة خد
قال: ووضع الرقعة تحت مصلاه، وبلغ محمد بن عبد الملك خبر الرقعة، فوجه إلى الحسن، فشغله بشيء من أمره، وأمر من أخذ الرقعة من تحت مصلاه، وجاء بها، فقرأها، وكتب على ظهرها:
ليت شعري عن ليت شعرك هذا ... أبهزل تقوله أم بجد
فلئن كنت في المقال محقاً ... يا بن وهب لقد تغيرت بعدي
وتشبهت بي وكنت أرى أني ... أنا العاشق المتيم وحدي
أترك القصد في الأمور ولولا ... غمرات الهوى لأبصرت رشدي
وأحب الأخ المشارك في الحب ... وإن لم يكن به مثل وجدي
كنديمي أبي علي وحاشا ... لنديمي مثل شقوة وجدي
إن مولاي عبد غيري ولولا ... شؤم جدي لكان مولاي عبدي
سيدي سيدي ومولاي من أو ... رثني ذلة وأضرع خدي
في هذين البيتين الأخيرين لحن من الرمل، أظنه لجحظة أو غيره من طبقته.
قال: ثم وضع الرقعة في مكانها، فلما قرأها الحسن قال: إنا لله! افتضحنا عند الوزير، وحدث أبا تمام بما كان، ووجهه إليه بالرقعة، فلقيا محمد بن عبد الملك، وقالا له: إنما جعلنا هذين سبباً للمكاتبة بالأشعار لا للريبة، فتضاحك وقال: ومن يظن بكما غير هذا! فكان قوله أشد عليهما من الخبرة.
قرأت في بعض الكتب: كان الحسن بن وهب يعاشر أبا تمام عشرة متصلة، فندب الحسن بن وهب للنظر في أمر بعض النواحي، فتشاغل عن عشرة أبي تمام، فكتب إليه أبو تمام:
قالوا جفاك فلا عهد ولا حبر ... ماذا تراه دهاه؟ قلت: أيلول
شهر كأن حبال الهجر منه فلا ... عقد من الوصل إلا وهو محلول
فأجابه الحسن:
ما عاقني عنك أيلول بلذته ... وطيبه ولنعم الشهر أيلول
لكن توقع وشك البين عن بلد ... تحتله ووكاء العين محلول
وقرأت فيه: كان بين الحسن بن وهب وبين الهيثم الغنوي وأحمد بن أبي داود تباعد ،فقال يهجوهما:
سألت أبي وكان أبي خبيراً ... بسكان الجزيرة والسواد
فقلت لهم: أهيثم من غني؟ ... فقال كأحمد بن أبي داود
فإن يك هيثم من جذم قيس ... فأحمد غير شك من إياد
أخبرني عمي: قال: حدثني عمر بن نصر الكاتب، قال: كتب الحسن بن وهب إلى محمد بن معروف الواسطي يسأله أن يصير إليه فكتب إليه محمد:
وقيتك كل مكروه بنفسي ... وبالأدنين من أهلي وجنسي
أتأذن في التأخر عنك يومي ... على أن ليس غيرك لي بأنس
فأجابه الحسن بن وهب، فقال:
أقم لا زلت تصبح في سرور ... وفي نعم مواصلة وتمسي
فما لي راحة في حبس من لا ... أراه يكون محبوساً بحبسي
وكان الحسن يومئذ معتقلاً في مطالبة يطالب بها.
وجدت في بعض الكتب بغير إسناد.

(6/85)


كان الحسن بن وهب يحب بنات، جارية محمد بن حماد الكاتب، وكان له معها أخبار كثيرة، وكان لا يصبر عنها، فقدم الحسن بن إبراهيم بن رباح من البصرة، واتصل به خبرها، ووصفها له الحسن بن وهب، وصار به إليها، فأتم ليلته معها، ومرت بينهما أعاجيب، ثم خالفه الحسن بن إبراهيم بن رباح، وخاتله في أمرها، فكتب إليه الحسن بن وهب:
لا جميل ولا حسن ... خنت عهدي ولم أخن
كملت إذ فعلت هذا أعاجيب الزمن
فإلى الله أشتكي ... ما بقلبي من الحزن
رب شكوى من الصدي ... ق إلى غير ذي شجن
بأبي أنت يا حسن ... يا أخا الطول والمنن
أي رأي أراك ختل ... ى في الشاهين الأغن
يتخطى إليه دو ... ني في حالك الدجن
فترى منه سنة ... تتعالى عن السنن
مع كشفي لك الحدي ... ث الذي عنك لم يصن
واعتمادي زعمت من ... ك على أحصن الجنن
وعلى خير صاحب ... وعلى خير ما سكن
خجلي من إساءة ... فضحت حسن كل ظني
ثم ممن جرت إلى ... من وفيمن وعند من؟
إن تكن تلك هفوة ... فهي كالشيء لم يكن
أو تكن بعت خلتي ... بمواف من الثمن
درة البحر من عدن ... ذخر سيف بن ذي يزن
لم يكن قط مثلها ... في معد ولا عدن
فتغافل عن جوابه، وأقام على مواصلتها وسمعها وحظر عليها، فلم يكن الحسن بن وهب يلقاها، فغلظ ذلك عليه، وكتب إليها هذه الأبيات:
أنكرت معرفتي جعلت لك الفدا ... إنكار سيدة تلاعب سيداً
أنا ذو منعت جفونه أن ترقدا ... وتركته ليل التمام مسهدا
وبريت لحم عظامه فتجردا ... وأزرت مضجعه النساء العودا
أنا ذا فإن لم تعرفيني بعد ذا ... فأنا ابن وهب ذو السماحة والدي
أشكو إلى الله الفؤاد المقصدا ... وجوى ثوى تحت الحشا متلددا
وغريرة ما كنت من إشفاقها ... يوماً وإن بعد التلاقي مسعدا
يا ظبية في روضة مولية ... جاد الربيع ترابها فتلبدا
هل تجزين الود مني مثله ... أو تصدقين من الموعد موعدا؟
وإني وإن جعل القريض يجول بي ... حتى يغور بما أقول وينجدا
لعلى يقين أن قلبك موجع ... عندي المثال أنا الحمى ولك الفدا
وكما علمت إذا لبست المجسدا ... وثنيت خلف الأذن حاشية الردا
وحبوت جيدك من حليك عسجدا ... ونظمت ياقوتاً به وزبرجدا
وشكوت وجدك في الغناء شكاية ... ينسي حنيناً والغريض ومعبدا
سيما إذا غنيتني بتعمد ... بأبي وأمي ذاك منك تعمدا
أثوي فأقصر ليلة ليزودا ... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
فوقعت الأبيات في يد ابن رباح فقرأها، وعلم أنه قد بلغ منه. فكتب إليه:
فدى لك آبائي وحق بأن تفدى ... فدى لك قصداً من ملامك لي قصدا
ولا تلحني في عثرة إن عثرتها ... فلا والذي أمسيت أدعى له عبدا
وعهدك يا نفسي يقيك من الردى ... فأعظم به عندي وأكرم به عهدا
يمين امرئ بر صدوق مبرإ ... من الإثم ما حاولت هزلاً ولا جدا
سوى ما به أزداد عندك زلفة ... ويكسبني منك المودة والحمدا
أرى الغي إن أومأت للغي طاعة ... لأمرك فضلاً عن سوى الغي لي رشداً
وأسعى لما تسعى وأتبع ما ترى ... وفي كل ما يرضيك أستغرق الجهدا
إذا أنا لم أمنحك صفو مودتي ... فمن ذا الذي أصفي له غيرك الودا؟
ومن ذا الذي أرعى وأشكر والذي ... يؤمل خيراً بعد مني أو رفدا
وأنت ثمالي والمعول والذي ... أشد به أزري فيعصمني شدا

(6/86)


وآثر خلق الله عندي ومن له ... أياد وود لست أحصيهما عدا
فلا تحسبن مائلاً عن خليقتي ... لك الدهر حتى أسكن القبر واللحدا
معاذ إلهي أن أرى لك خاذلاً ... ولكن عذري واضح أن بي وجدا
بأحسن من أبصرت شخصاً وصورة ... وأملح خلق الله كلهم قدا
بمالكة أمري وإن كنت مالكا ... لها ففؤادي ليس من حبها يهدا
إذا سألتهن أن أقيم عشية ... لأونسها لا أستطيع لها ردا
تراشفني صفو المودة تارة ... وأجني إذا ما شئت من خدها وردا
قنعت بها لما وثقت بحبها ... فلا زينباً أبغي سواها ولا هندا
ولو بذلت لي جنة الخلد منزلاً ... وقلت: اجتبها لاجتنبت لها الخلدا
فلما قرأها الحسن بن وهب علم أنه قد ندم فكتب إليه:
حسن يشكو إلى حسن ... فقد طعم النوم والوسن
وهوى أمست مطالبه ... قرنت باليأس في قرن
وحبيب في محلته ... معه في الدار لم يبن
فإذا ما رام زورته ... فهو كالغادين في الظعن
عجباً للشمس لم ترها ... مقلتي حولاً ولم ترني
أتراها بعدنا صرمت ... حبنا هذا من اليمين
فقديماً كان مطلعها ... بيدي سيف بن ذي يزن
فكتب إليه ابن رباح:
حسن يفدي بمهجته ... حسناً من حادث الزمن
ويقيه ما تضمنه ... من دخيل الهم والحزن
هاك عيني فابك واقية ... عينك العبري على الشجن
وفؤادي فامله حزناً ... من صروف الهم والفتن
إن لم تكن شمس الضحا حجبت ... عن سليل المجد من يمن
فهي حيرى عن مطالعها ... في سوى قوم ابن ذي يزن
ثم اعتذر إليه، ورجع إلى معاشرته، وكان لا يحضر دار محمد بن حماد، ولا يسمع غناء بنات جاريته إلا مع الحسن بن وهب لا يستأثر بها عليه.
وقال محمد بن داود الجراح: حدثني بعض أصحابنا: أن الحسن بن وهب، أتى أبا إسحاق إبراهيم بن العباس مستعدياً على أبي محمد الحسن بن مخلد في أمر بنات جارية محمد بن حماد، وكان الحسن بن وهب يتعشقها، فأفسدها عليه الحسن بن مخلد ،ولم يذكر محمد بن داود من خبرهما غير هذا، وإنما ذكرت هذه القصة على قلة الفائدة فيها ليتضح خبره مع بنات إذ كان ما مضى ذكره من خبرهما لم يقع إلي بروايته.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني عبد الرحمن بن أحمد، قال: وجدت بخط محمد بن يزيد: كتب أبو تمام إلى الحسن بن وهب يستسقيه نبيذاً:
جعلت فداك عبد الله عندي ... بعقب الهجر منه والبعاد
له لمة من الكتاب بيض ... قضوا حق الزيارة والوداد
وأحسب يومهم إن لم تجدهم ... مصادف دعوة منهم جماد
فكم يوم من الصهباء سار ... وآخر منك بالمعروف غاد
فهذا يستهل على غليلي ... وهذا يستهل على تلادي
فيسقي ذا مذانب كل عرق ... وينزع ذا قرارة كل واد
دعوتهم عليك وكنت ممن ... نعينه على العقد الجياد
قال: فوجه إليه بمائة دينار ومائة دن نبيذاً.
قال محمد بن داود بن الجراح: زار الحسن بن وهب وأبو تمام أبا نهشل بن حميد، فبدأ أبو تمام، فقال:
أغصك الله أبا نهشل
ثم قال للحسن أجز: فقال:
بخد ريم شادن أكحل
ثم قال: أجزيا أبا نهشل، فقال:
نطمع في الوصل فإن رمته ... صار مع العيوق في منزل
أخبرني جعفر بن محمد بن قدام بن زياد الكاتب: قال: كتب الحسن بن وهب إلى أبي تمام، وقد قدم من سفر: جعلت فداءك ووقاءك وأسعدني الله بما أوفى علي من مقدمك، وبلغ الوطر مل الوطر بانضمام اليد عليك، وإحاطة الملك بك، وأهلاً وسهلاً، فقرب الله داراً قربتك، وأحيا ركاباً أدتك، وسقى بلاداً يلتقي ليلها ونهارها عليك، وجعلك الله في أحصن معاقله، وأيقظ محارسه وأبعدهما على الحوادث مراماً برحمته.

(6/87)


أخبرني الحسن بن علي: قال: حدثنا محمد بن موسى: قال: قال رجل للحسن بن وهب: إن أبا تمام سرق من رجل يقال له مكنف من ولد زهير بن أبي سلمى، وهو رجل من أهل الجزيرة قصيدته التي يقول فيها:
كأن بني القعقاع يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
فقال الحسن: هذا دعبل حكاه، وأشاعه في الناس، وقد كذب، وشعر مكنف عندي، ثم أخرجه، وأخرج هذه القصيدة بعينها، فقرأها الرجل فلم يجد فيها شيئاً مما قاله أبو تمام في قصيدته: ثم دخل دعبل على الحسن بن وهب، فقال له: يا أبا علي، بلغني أنك قلت في أبا تمام كيت وكيت، فهبه سرق هذه القصيدة كلها، وقبلنا قولك فيه، أسرق شعره كله؟ أتحسن أنت أن تقول كما قال:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد
وأنجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد؟
فانخزل دعبل واستحيا، فقال له الحسن: الندم توبة، وهذا الرجل قد توفي، ولعلك كنت تعاديه في الدنيا حسداً على حظه منها، وقد مات الآن فحسبك من ذكره ،فقال له: أصدقك يا أبا علي، ما كان بيني وبينه شيء قط إلا أني سألته أن ينزل لي عن شيء استحسنته من شعره، فبخل علي به، وأما الآن فأمسك عن ذكره، فجعل الحسن يضحك من قوله واعترافه بما اعترف به.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء: قال: حدثنا إسحاق بن محمد النخعي: قال : كتب إبراهيم بن محمد بن أبي محمد اليزيدي إلى محمد بن حماد الكاتب يهجوه، ويعيره بعشق الحسن بن إبراهيم بن رباح والحسن بن وهب جاريته وتغايرهما عليها:
لي خليطان محكمان يجيدا ... ن لما يعملانه حاذقان
واحد يعمل القسي فيأت ... يك بها في استقامة الميزان
وفتى يعمل السكاكين في القر ... ن مقر بحذقه الثقلان
وهما يطلبان قرناً على رأس ... ك فانظر في بعض ما يسألان
قلت: هل يؤلم الفتى قطع ما ف ... يه تريدان أيها الفتيان؟
فأجابا بلطف قول وفهم ... قم فإنا إذاً لنوكي مدان
فاقطع الآن ما برأسك منها ... إن فيما ترى لمض بيان
ذاك خير من أن يسمى اسم سوء ... فيقال انظروا إلى القرنان
قد كان عتبك مرة مكتوماً ... فاليوم أصبح ظاهراً معلوماً
نال الأعادي سؤلهم لا هنئوا ... لما رأونا ظاعناً ومقيما
والله لو أبصرتني لأديت لي ... والدمع يجري كالجمان سجوما
هبني أسأت فعادة لك أن ترى ... متجاوزاً متطاولاً مظلوما
الشعر لأحمد بن يوسف الكاتب، لعبيد بن الحسن الناطفي اللطفي، ثاني ثقيل بالوسط، وفيه خفيف رمل يقال: إنه لرذاذ، وفيه أول مجهول.
أخبار أحمد بن يوسف
هو أحمد بن يوسف بن صبيح الكاتب، وأصله من الكوفة، وكان مذهبه الرسائل والإنشاء، وله رسائل معروفة، وكان يتولى ديوان الرسائل للمأمون، ويكنى أبا جعفر، وكان موسى بن عبد الملك غلامه وخريجه، فذكر محمد بن داود بن الجراح أن أحمد بن سعيد حدثه عن موسى بن عبد الملك: قال: وهب لي أحمد بن يوسف ألفي ألف درهم تفاريق عن ظهر يد.
وأخوه القاسم بن يوسف أبو محمد شاعر مليح الشعر، وكان ينتمي إلى بني عجل، ولم يكن أخوه أحمد يدعي ذلك.
وكان القاسم قد جعل وكده في مدح البهائم ومراثيها فاستغرق أكثر شعره في ذلك، منها قوله يرثي شاة:
عين بكي لعنزنا السوداء ... كالعروس الأدماء يوم الجلاء
وقوله في الشاهمرك :
أقفرت منك أبا سعد عراص وديار
وقوله في السنور:
ألا قل لمجة أو ماردة ... تبكي على الهرة الصائدة
وقوله في القمري :
هل لامرئ من أمان ... من طارق الحدثان؟
أخبرني محمد بن خلف وكيع: قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد: قال: حدثني رجل من ولد عبد الملك بن صالح أن الهشامي قال:

(6/88)


كان أحمد بن يوسف قد تبنى جارية للمأمون اسمها مؤنسة، فأراد المأمون أن يسافر ويحملها ،فكتب إليه أحمد بن يوسف بهذا الشعر على لسانها، وأمر بعض المغنين، فغناه به، فلما سمعه وقرأ الكتاب أمر بإخراجها إليه، وهو:
قد كان عتبك مرة مكتوما
وقال محمد بن داود: حدثني أحمد بن أبي خيثمة الأطروش قال: عتب أحمد بن يوسف على جارية له، فقال:
وعامل بالفجور يأمر بالبر كهاد يخوض في الظلم
أو كطبيب قد شفه سقم ... وهو يداوي من ذلك السقم
يا واعظ الناس غير متعظ ... نفسك طهر أولاً فلا تلم
ووجدت في بعض الكتب بلا إسناد: عتب المأمون على مؤنسة، فخرج إلى الشماسية متنزهاً، وخلفها عند أحمد بن يوسف الكاتب فرجت أن يذكرها إذا صار في متنزهه ، فيرسل في حملها، فلم يفعل، وتمادى في عتبه، فسألت أحمد بن يوسف لأن يقول على لسانها شعراً ترفعه فقال:
يا سيداً فقده أغرى بي الحزنا ... لا ذقت بعدك لا نوماً ولا وسنا
لا زلت بعدك مطويا على حرق ... أشنا المقام وأشنا الأهل والوطنا
ولا التذذت بكأس في منادمة ... مذ قيل لي: إن عبد الله قد ظعنا
ولا أرى حسناً تبدو محاسنه ... إلا تذكرت شوقاً وجهك الحسنا
وبعثت به إلى إسحاق الموصلي، فغناه به، وقيل: بل بعثت به إلى سندس، فغنته به؛ فاستحسن ذلك، وقال: لمن هذا الشعر؟ فقال أحمد بن يوسف: لمؤنسة يا سيدي تترضاك، وتشكو البعد منك ،فركب من ساعته، حتى ترضاها، ورضي عنها.
ووجدت في هذا الكتاب قال: كنا مع أحمد بن يوسف الكاتب في مجلس؛ وعندنا قينة، فتحلاها أحمد بن يوسف، فكتب إلى صاحب المنزل:
أنا رهن للمنايا ... بين إبرام ونقض
من هوى ظبي غرير ... مونق المنظر غض
ليتها جادت بتق ... بيل لخديها وعض
إن عجزتم عن شراها ... لي بفرض أو بقرض
فتمنوا لي جميعاً ... أنها قبر لبعضي
أخبرني عمي: قال: حدثنا الحسن بن عليل: قال: ذكر مسعود بن أبي بشر أن أحمد بن يوسف دخل يوماً على الفضل بن سهل أو أخيه في يوم دجن، فأطال مخاطبته، وكان أحمد بن يوسف آنساً به، ففتح دواته وكتب إليه:
أرى غيماً تؤلفه جنوب ... وأحسبه سيأتينا بهطل
فوجه الرأي أن تدعو برطل ... فتشربه وتدعو لي برطل
ودفعها إليه فقرأهما، وضحك، وقال: إن كان هذا عين الرأي قبلناه، ولم نرده، ثم دعا بالطعام والشراب، فأتموا يومهم.
الغناء في هذين البيتين للقاسم بن زرزور ثاني ثقيل بالوسطى.
ومما يغني فيه من شعره.
صد عني محمد بن سعيد ... أحسن العالمين ثاني جيد
ليس من جفوة يصد ولكن ... يتجنى لحسنه في الصدود
الغناء فيه لزرزور خفيف رمل، ذكر ذلك إبراهيم بن القاسم بن زرزور عن أبيه، ومحمد بن سعيد هذا كان من أولاد الكتاب بسر من رأى، وكان أحمد يتعشقه.
ومن شعره الذي يغني فيه:
كم ليلة فيك لا صباح لها ... أحببتها قابضاً على كبدي
قد غصت العين بالدموع وقد ... وضعت خدي على بنان يدي
كأن قلبي إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدي أسد
الغناء لشارية من رواية طباع، وفيه خفيفي رمل، ذكر حبش أنه لأحمد النصيبي، وهو خطأ يشبه أن يكون لأحمد بن صدقة أو بعض طبقته.
الراح والندمان أحسن منظراً ... في كل ملتف الحدائق رائق
فإذا جمعت صفاءه وصفاءها ... فارجم بكل ملمة من حالق
الشعر للعطوي، والغناء لبنان ثقيل أول بالوسطى، وفيه لذكاء وجه الرزة خفيف ثقيل.
أخبار العطوي
هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي عطية مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ويكنى أبا عبد الرحمن بصري المولد والمنشأ.
وكان شاعراً كاتباً من شعراء الدولة العباسية، واتصل بأحمد بن أبي داود، وتقرب إليه بمذهبه وتقدمه فيه بقوة جداله عليه، فلما توفي أحمد نقصت حاله، وله فيه مدائح يسيرة، ومرات كثيرة.
منها ما أنشدنيه الأخفش عن كوثرة أخي العطوي:

(6/89)


حنطته يا نصر بالكافور ... وزففته للمنزل المهجور
هلا ببعض خصاله حنطته ... فيضوع أفق منازل وقبور؟
تالله لو من نشر أخلاق له ... يعزى إلى التقديس والتطهير
حنطت من سكن الثرى وعلا الربا ... لتزودوه عدة لنشور
فاذهب كما ذهب الوفاء فإنه ... ذهبت به ريحاً صباً ودبور
واذهب كما ذهب الشباب فإنه ... قد كان خير مصاحب وعشير
والله ما أبنته لأزيده ... شرفاً ولكن نفثة المصدور
وأنشدني الأخفش للعطوي أيضاً يرثي أحمد بن أبي داود قال:
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس نسيم المسك رياً حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
وذكر محمد بن داود في كتاب الشعراء ،فقال: كان له فن من الشعر لم يسبق إليه، ذهب فيه إلى مذهب أصحاب الكلام، ففاق جميع نظرائه، وخف شعره على كل لسان، وروي، واستعمله الكتاب، واحتذوا معانيه، وجعلوه إماماً.
قال ابن داود :وحدثني المبرد: قال: كان العطوي - وهو عندنا بالبصرة - لا ينطق بالشعر، ثم ورد علينا شعره لما صار إلى سر من رأى، وكنا نتهاداه، وكان مقتراً عليه رزقه، دفراً وسخاً، منهوماً بالنبيذ، وله فيه في وصف الصبوح وذكر الندامى والمجالس أحسن قول، وليس له قول يسقط، فمن ذلك قوله:
فيئي إلى أهدى السبل ... قولاً وعلماً وعمل
قاتلها الله لقد ... سامتكما إحدى العضل
تقول هلا رحله ... تنقلنا خير نقل
أخشى على حائلة ... الآمال جوال الأجل
أخبرني علي بن سليمان الأخفش: قال: حدثني محمد بن يزيد: قال: سمع العطوي رجلاً يحدث أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب: إن فلاناً قد جمع مالاً، فقال عمر بن الخطاب: فهل جمع له أياماً؟ فأخذ العطوي هذا المعنى فقال:
أرفه بعيش فتىً يغدو على ثقة ... إن الذي قسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون لا يدنسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه
جمعت مالاً ففكر هل جمعت له ... يا جامع المال أياماً تفرقه؟
المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا حين تنفقه
ومن قوله في الندمان والنبيذ مما يغني فيه ما أنشدنيه الأخفش وغيره من شيوخنا:
فكم قالوا تمن فقلت كأس ... يطوف بها قضيب في كثيب
وندمان تساقطني حديثاً ... كلحظ الحب أو غض الرقيب
الغناء في هذين البيتين لذكاء وجه الززة خفيف رمل.
أخبرني عمي: قال: حدثني كوثرة أخو العطوي قال: كان أخي أبو عبد الرحمن يشرب مع أصدقاء له من الكتاب، ومعهم قينة يقال لها: مصباح، من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم غناء، فما زالوا في قصف وعزف إلى أن انقطع نبيذهم، فبقوا حيارى، وكانوا قريباً من منزل أبي العباس أحمد بن الحسين بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي، وكان صديقاً لأبي عبد الرحمن فكتب إليه:
يا بن من طاب في المواليد مذ آ ... دم جراً إلى الحسين أبيه
أنا بالقرب منك عند كريم ... قد ألحت عليه شهب سنيه
عنده قينة إذا ما تغنت ... عاد منا الفقيه غير فقيه
تزدهيني وأين مثلي في الف ... هم تغنيه ثم لا تزدهيه؟
مجلس كالرياض حسناً ولكن ... ليس قطب السرور واللهو فيه
فأقمه بما به يمتري دن ع ... جوز خمارة ممتريه
وبأشياخك الكرام إلى السؤ ... دد موسى بن جعفر وأبيه
إن تحشمتني وإن كان إلا ... مثل ما يأنس الفتى بأخيه
قال: فلما وصلت الرقعة إلى أبي العباس أرسل إليهم براوية شراب، فلم يزالوا يشربون مجتمعين، حتى نفدت في أخفض عيش.
حدثني أبو يعقوب إسحاق بن الضحاك بن الخصيب الكاتب: قال:

(6/90)


جاءني يوماً أبو عبد الرحمن العطوي بعد وفاة عمي أحمد بن الخصيب بسنتين، وكان صديقه وصنيعته ،فجلس عندي يحادثني حديثه، ويبكي ساعة طويلة، ثم تغيمت السماء وهطلت، فسألته أن يقيم عندي، فحلف ألا يفعل إلا بعد أن أحضره من وقتي ما راج من الطعام، وأتكلف له شيئاً، ففعلت وجئته بما حضر، فقال لي: ما فعلت عقد؟ قلت: باقية، وهي في يومنا هذا مقيمة عندي، والساعة تسمع غناءها، فقال لي: عجل إذن فإن النهار قصير، ثم أنشأ يقول:
أدر الكأس قد تعالى النهار ... ما يميت الهموم إلا العقار
صاح هذا الشتاء فاغد عليها ... إن أيامه لذاذ قصار
أي شيء ألذ من يوم دجن ... فيه كأس على الندامى تدار
وقيان كأنهن ظباء ... فإذا قلن قالت الأوتار
حدثني عمي: قال: حدثني كوثرة: قال: كان لأبي عبد الحمن صديق من الأدباء، وكان يتعشق جارية من جواري القيان يقال لها: عثعث، وكان لا يقدر عليها إلا على لقاء عسير، واجتماع يسير، فأرسل إليها يوماً، فأحضرها وأصلح جميع ما يحتاج إليه، واتفق أن كان ذلك في يوم رذاذ به من الطيب والحسن ما الله به عليم، فكتب إليه صديقه يعرفه الخبر، ويسأله المصير إليه ووصف له القصة بشعر، فقال:
يوم مطير وعيش نضير ... وكأس تدور وقدر تفور
وعثعث تأتي إذا جئتنا ... فتسمع منها غناء يصور
وعندي وعندك ما تشتهيه شعر يمر وعلم يدور
وإذا كان هذا كما قد وصفت ... فإن التفرق خطب كبير
فقم نصطبح قبل فوت الزمان ... فإن زمان التلهي قصير
قال: فسار إليه صاحبه فمر لهما أحسن يوم وأطيبه.
وهذا الشعر أخذه العطوي من كلام إسحاق، أخبرني به وسواسة بن الموصلي عن حماد عن أبيه: قال: كان يألفني بعض الأعراب وكان طيباً، فجاءني يوماً، فقلت له: لم أرك أمس، فقال: دعاني صديق لي، فقلت: صف لي ما كنتم فيه، فقال لي: كنا في مجلس نظامه سرور بين قدور تفور، وكأس تدور، وغناء يصور، وحديث لا يحور وندامى كأنهن البدور.
قال إسحاق: وقلت لأعرابي: كان يألفني: أين كنت بالأمس؟ قال: كنت عند بعض ملوك سر من رأى، فأدخلني إلى قبة كإيوان كسرى، وأطعمني في قصار تترى، وغنتني جارية سكرى، تلعب بالمضراب كأنه مدري، فيا ليتني لقيتها مرة أخرى.
قال إسحاق: وقلت لبعض الأعراب: طلبتك أمس فلم أجدك فأين كنت؟ قال: كنت عند صديق لي، فأطعمني بنات التنانير، وأطعمني أمهات الأبازيز وحلواء الطناجير ، وسقاني زعاف القوارير، وأسمعني غناء الشادن الغرير، على العيدان والطنابير، قد ملكت بأوقار الدراهم والدنانير.
قرأت في بعض الكتب بغير إسناد: أن العطوي كان يوماً جالساً في منزله، وطرقه صديق له ممن كان يغني بسر من رأى، فقال له: قد أهديت إليك جواري اليوم ونبيذاً يكفيك، وحسبك بالكفاية. وأقام عنده، فدخل عليه غلام أمرد أحسن من القمر، فاحتبسوه وكتب العطوي إلى صديق له من أهل الأدب:
يومنا طيب به حسن الق ... صف وحث الأرطال والكاسات
ما ترى البرق كيف يلمع فيه ... ورشاشاً يبل في الساعات
ولدينا ظبي غرير ظريف ... قد غنينا به عن القينات
إن تخلفت بعد ما تصل الرق ... عة عنا فأنت في الأموات
فأجابه الرجل فقال:
أنا في إثر رقعتي فاعلمن ذا ... ك على أنني من البيات
فأفهم الشرط بيننا لا تقل لي ... قد تثاقلت فانصرف بحياتي
لا لسوء لكن لأمتع نفسي ... بحديث الظبي الغرير المواتي
أيا بيت ليلى إن ليلى مريضة ... برادان لا خال لديها ولا ابن عم
ويا بيت ليلى لو سهدتك أعولت ... عليك رجال من فصيح ومن عجم
ويا بيت ليلى لا يبست ولا تزل ... بلادك سقياها من الواكف الديم
الشعر لمرة بن عبد الله النهدي، والغناء لأحمد النصيبي ثقيل أول بالوسطى، يقال إنه لحنين.
أخبار مرة ونسبه

(6/91)


هو مرة بن عبد الله بن هليل بن يسار: أحد بني هلال بن عاصم بن نصر بن مازن بن خزيمة بن نهد، وليلى هذه من رهطه، يقال لها بنت زهير بن يزيد بن خالد بن عمرو بن سلمة.
نسخت خبرها من كتاب ابن أبي السري قال: حدثني ابن الكلبي عن أبيه قال: كانت امرأة من بني نهد، يقال لها: ليلى بنت زهير بن يزيد، وكان لها ابن عم يقال له مرة بن عبد الله بن هليل يهواها، واشتد شغفه بها فخطبها، وأبوا أن يزوجوه، وكان لا يخطبها غيره إلا هجاه، فخطبها رجل من بني نهشل، يقال له: إران، فقال مرة يهجوه:
وما كنت أخشى أن تصير بمرة ... من الدهر ليلى زوجة لإران
لمن ليس ذا لب ولا ذا حفيظة ... لعرس ولا ذا منطق وبيان
لقد بليت ليلى بشر بلية ... وقد أنزلت ليلى بدار هوان
قال: فتزوجها المنجاب بن عبد الله بن مسروق بن سلمة ين سعد، من بني زوي بن مالك بن نهد، فخرج إلى البعث براذان، وهي إذ ذاك مسلحة لأهل الكوفة، فخرج بها معه، فماتت براذان ودفنت هناك، فقدم رجلان من بجيلة من مكتبهما براذان من بني نهد، وكانت بجيلة جيران بني نهد بالكوفة، فمرا على مجلسهم، فسألوهما عمن براذان من بني نهد، فأخبراهما بسلامتهم، ونعيا إليهم ليلى ومرة في القوم فأنشأ يقول:
أيا ناعيي ليلى أما كان واحد ... من الناس ينعاها إلي سواكما
ويا ناعيي ليلى ألم نك جيرة ... عليكم لها حق فألا نهاكما
ويا ناعيي ليلى لقد هجتما لنا ... تجاوب نوح في الديار كلاكما
ويا ناعيي ليلى لجلت مصيبة ... بنا فقد ليلى لا أمرت قواكما
ولا عشتما إلا حليفي بلية ... ولا مت حتى يشترى كفناكما
فأشمت والأيام فيها بوائق ... بموتكما إني أحب رداكما
وقال فيها أيضاً:
كأنك لم تفجع بشيء تعده ... ولم تصطبر للنائبات من الدهر
ولم تر بؤساً بعد طول غضارة ... ولم ترمك الأيام من حيث لا تدري
سقي جانبي راذان والساحة التي ... بها دفنوا ليلى ملث من القطر
ولا زال خصب حيث حلت عظامها ... براذان يسقى الغيث من هطل غمر
وإن لم تكلمنا عظام وهامة ... هناك وأصداء بقين مع الصخر
وقال فيها:
أيا قبر ليلى لا يبست ولا تزل ... بلادك تسقيها من الواكف الديم
ويا قبر ليلى غيبت عنك أمها ... وخالتها والناصحون ذوو الذمم
ويا قبر ليلى كم جمال تكنه ... وكم ضم فيك من عفاف ومن كرم
وساق باقي الأبيات التي فيها الغناء .
وحكى الهيثم بن عدي عن شيخ من بني نهد : أن مرة كان تزوجها، وكان مكتبه براذان، وأخرجها معه، ثم ضرب عليه البعث إلى خراسان، فخلفها عند شيخ من أهل منزله هناك، وأفرد لها الشيخ داراً كانت فيها، ومضى لبعثه، ثم قدم بعد حول، فلقي فتى من أهل راذان قبل وصوله إلى دارها، فسأله عنها، فقال: أترى القبر الذي بفناء الدار؟ قال: نعم، قال: هو والله قبرها، فجاء، فأكب عليه يبكي، ويندبها، وترك مكتبه، ولزم قبرها يغدو ويرح إليه، حتى لحق بها .
بأبي أنت يا بن من ... لا أسمي لبعض ما
يا شبيبة الهلال مث ... لك في الأفق أنجما
راقب الله في أس ... يرك إن كنت مسلما
الشعر لعلي بن أمية والغناء لعمر الميداني رمل طلق.
أخبار علي بن أمية
علي بن أمية بن أبي أمية، وكان أبوه يكتب للمهدي على ديوان بيت المال وديواني الرسائل والخاتم، وكان منقطعاً إلى إبراهيم بن المهدي، وإلى الفضل بن الربيع، وقد تقدم خبر أخيه محمد في مواضع من هذا الكتاب.
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار: قال: حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات: قال: حدثني محمد بن علي بن أمية: قال: لما قدم علي بن أمية، وقال:
يا ريح ما تصنعين بالدمن؟ ... كم لك من محو منظر حسن
محوت آثارنا وأحدثت آ ... ثاراً بربع الحبيب لم تكن
إن تك يا ربع قد بليت من ... الريح فإني بال من الحزن

(6/92)