صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبو الفرج الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد الطائي قال حدثنا خالد بن سعيد قال: استعمل ابن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، فأتوه بمكيال لهم، فقال لهم: إن مكيالكم هذا لقباعٌ، فغلب عليه. وقال أبو الأسود الدؤلي - وقد عتب عليه - يهجوه ويخاطب ابن الزبير:
أمير المؤمنين جزيت خيراً ... أرحنا من قباع بني المغيرة
بلوناه ولمناه فأعيا ... علينا ما يمر لنا مريرة
على أن الفتى نكحٌ أكولٌ ... وولاجٌ مذاهبه كثيرة
شعر عمر في تشوقه إلى مكة
بعد أن خرج منها إلى اليمن
قالوا: وكان الحارث ينهى أخاه عن قول الشعر فيأبى أن يقبل منه، فأعطاه ألف دينار على ألا يقول شعراً، فأخذ المال وخرج إلى أخواله بلحجٍ وأبين مخافة أن يهجيه مقامه بمكة على قول الشعر، فطرب يوماً فقال:
صوت
هيهات من أمة الوهاب منزلنا ... إذا حللنا بسيف البحر من عدن
واحتل أهلك أجياداً وليس لنا ... إلا التذكر أو حظ من الحزن
لو أنها أبصرت بالجزع عبرته ... من أن يغرد قمريٌ على فنن
إذاً رأت غير ما ظنت بصاحبها ... وأيقنت أن لحجاً ليس من وطني
ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها ... وموقفي وكلانا ثم ذو شجن
وقولها للثريا وهي باكيةٌ ... والدمع منها على الخدين ذو سنن
بالله قولي له في غير معتبةٍ ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن
قال: فسارت القصيدة حتى سمعها أخوه الحارث، فقال: هذا والله شعر عمر، قد فتك وغدر. قال: وقال ابن جريج: ما ظننت أن الله عز وجل ينفع أحداً بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشداً ينشد قوله:
بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن
فحركني ذلك على الرجوع إلى مكة، فخرجت مع الحاج وحججت.
غنى في أبيات عمر هذه ابن سريج، ولحنه رملٌ بالبنصر في مجراها عن إسحاق. وفيها للغريض ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو.
طلب الوليد من يخبره عن الطائف
فدل على عمر
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان قال حدثني إسحاق عن السعدي قال: قدم الوليد بن عبد الملك مكة، فأراد أن يأتي الطائف فقال: هل " لي " في رجلٍ علمٌ بأموال الطائف فيخبرني عنها؟ فقالوا: عمر بن أبي ربيعة. قال: لا حاجة لي به. ثم عاد فسأل فذكروه له فرده. ثم عاد فسأل فذكروه " له ثم رده. ثم عاد فسأل فذكروه له " ، فقال: هاتوه. فركب معه يحدثه، ثم حرك عمر رداءه ليصلحه على كتفه، فرأى على منكبه أثراً. فقال: ما هذا الأثر؟ فقال: كنت عند جارية إذ جاءتني جاريةٌ برسالة من عند جارية أخرى، فجعلت تسارني، فغارت التي كنت أحدثها فعضت منكبي، فما وجدت ألم عضها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني، حتى بلغت ما ترى، والوليد يضحك. فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به؟ فقال: مازلنا في حديث الزنا حتى رجعنا.
المفاضلة بينه وبين ابن قيس الرقيات
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن عبد الله البكري وغيره عن عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نوفل بن مساحق، فإنه لمعتمد على يدي، إذ مررنا بسعيد بن المسيب في مجلسه وحوله جلساؤه، فسلمنا عليه فرد علينا، ثم قال لنوفل: يا أبا سعيد، من أشعر: صاحبنا أم صاحبكم؟ يريد: عبد الله بن قيس، أو عمر بن أبي ربيعة. فقال نوفلٌ: حين يقولان ماذا يا أبا محمد؟ قال: حين يقول صاحبنا:
خليلي ما بال المطايا كأنما ... نراها على الأدبار بالقوم تنكص
وقد قطعت أعناقهن صبابةً ... فأنفسنا مما يلاقين شخص
وقد أتعب الحادي سراهن وانتحى ... بهن فما يألو عجولٌ مقلص

(1/32)


يزدن بنا قرباً فيزداد شوقنا ... إذا زاد طول العهد والبعد ينقض
ويقول صاحبك ما شئت. فقال له نوفلٌ: صاحبكم أشعر في الغزل، وصاحبنا أكثر أفانين شعرٍ. فقال سعيد: صدقت. فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر، جعل سعيدٌ يستغفر الله ويعقد بيده حتى وفى مائةً. فقال البكري في حديثه عن عبد الجبار: قال مسلم: فلما انصرفنا قلت لنوفل: أتراه استغفر الله من إنشاد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كلا! هو كثير الإنشاد والاستنشاد فيه، ولكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه.
المفاضلة بينه وبين جميل
ابن معمر العذري
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة حدثنا عوانة بن الحكم وأبو يعقوب الثقعفي: أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة: أي بيتٍ قالته العرب أغزل؟ فقال بعضهم: قول جميل:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود
وقال آخر: قول عمر بن أبي ربيعة:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... ذو بغيةٍ يبتغي ما ليس موجودا
فقال الوليد: حسبك والله بهذا! أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد عن شيخ من أهله عن أبي الحارث مولى هشام بن الوليد بن المغيرة - قال: وهو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة:
يا أبا الحارث قلبي طائرٌفأتمر أمر رشيدٍِ مؤتمن
قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة، وجميل بن عبد الله بن معمر العذري، وقد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميلٌ قصيدته التي يقول فيها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلاً يا جميل وإنني ... لأقسم مالي عن بثينة من مهل
حتى أتى على آخرها، ثم قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الروي شيئاً؟ قال نعم.
قال: فأنشدنيه، فأنشده قوله:
جرى ناصحٌ بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحصاب إلى قتلي
فطارت بحد من فؤادي وقارنت ... قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي
فلما تواقفنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
فقلن لها هذا عشاءٌ وأهلها ... قريب ألما تسأمي مركب البغل
فقالت فما شئتن قلن لها انزلي ... فللأرض خير من وقوفٍ على رحل
نجوم دراري تكنفن صورةً ... من البدر وافت غير هوجٍ ولا عجل
فسلمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدوٌ مقامي أو يرى كاشحٌ فعلي
فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتكلم غير ذي رقبةٍ أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقبٍ ... ولكن سري ليس يحمله مثلي
فلما اقتصرنا دونهن حديثنا ... وهن طبيبات بحاجة ذي الشكل
عرفن الذي تهوى فقلن ائذني لنا ... نطف ساعةً في برد ليلٍ وفي سهل
فقالت: فلا تلبثن قلن تحدثي ... أتيناك، وانسبن انسياب مها الرمل
وقمن وقد أفهمن ذا اللب أنما ... أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي
فقال جميلٌ: هيهات يا أبا الخطاب! لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي، والله ما يخاطب النساء مخاطبتك أحدٌ. وقام مشمراً.
قال أبو عبد الله الزبير قال عمي مصعب: كان عمر يعارض جميلاً، فإذا قال هذا قصيدة قال هذا مثلها.
فيقال: إنه في الرائية والعينية أشعر من جميل، وإن جميلاً اشعر منه في اللامية، وكلاهما قد قال بيتاً نادراً ظريفاً، قال جميل:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي
وقال عمر:
فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتكلم غير ذي رقبةٍ أهلي
كلمة الفرزدق وقد سمع شعر عمر
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن المدائني قال: سمع الفرزدق عمر بن أبي ربيعة ينشد قوله:
جرى ناصحٌ بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحصاب إلى قتلي
ولما بلغ قوله:
فقمن وقد أفهمن ذا اللب أنما ... أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي

(1/33)


صاح الفرزدق: هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته، وبكت على الديار.
نسبة ما في هذه الأشعار من الغناء الغناء في قصيدتي جميل وعمر اللاميتين منها في قصيدة جميلٍ التي أنشدها عمر، واستنشده ما له في وزنها:
صوت
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي
أبيت مع الهلاك ضيفاً لأهلها ... وأهلي قريبٌ موسعون ذوو فضل
أفق أيها القلب اللجوج عن الجهل ... ودع عنك " جملاً " لا سبيل إلى جمل
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
الغناء للغريض ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو في الأول والثاني من الأبيات.
وذكر الهشامي الأبيات كلها ووصف أن الثقيل الثاني الذي يغنى به فيها لمعبد. وذكر يحيى المكي: أن لابن محرز في الثالث وما بعده من الأبيات ثاني ثقيل بالخنصر والبنصر. وفي هذه الأبيات التي أولها الثالث هزج بالبنصر يمانٍ عن عمرو. وفي الرابع والخامس لابن طنبورة خفيف رملٍ عن الهشامي. وفيها لإسحاق ثقيلٌ أول عن الهشامي أيضاً. وذكر حماد عن أبيه: أن لنافعٍ الخير مولى عبد الله بن جعفر في هذه الأبيات لحناً، ولم يجنسه. وذكر حبشٌ أن الثقيل الأول لابن طنبورة. ومنها في شعر جميل أيضاً:
صوت
لقد فرح الواشون إن صرمت حبلي ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
الغناء لابن مسحج ثقيلٌ أول بالوسطى عن الهشامي.
ومنها في شعر عمر بن أبي ربيعة المذكور في أول الخبر:
صوت
فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبةٍ أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقبٍ ... ولكن سري ليس يحمله مثلي
جرى ناصحٌ بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحصاب إلى قتلي
غنى في هذه الأبيات ابن سريج، ولحنه رملٌ مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو. وذكر يونس: أن فيه لحناً لمالكٍ لم يجنسه، وذكر الهشامي: أن لحن مالك خفيف ثقيلٍ. وذكر حبشٌ: أن لمعبد فيه لحناً من الثقيل الأول بالبنصر، ولابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. " وليس حبشٌ ممن يعتمد في هذا على روا يته " .
إستحسان الناس شعر عمر وتفضيله
على شعراء عصره
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: أدركت مشيخةً من قريش لا ينزون بعمر بن أبي ربيعة شاعراً من أهل دهره في النسيب، ويستحسنون منه ما كانوا يستقبحونه من غيره من مدح نفسه، والتحلي بمودته، والابتيار في شعره والابتيار: أن يفعل الإنسان الشيء فيذكره ويفخر به. والابتهار: أن يقول ما لم يفعل.
نقد ابن أبي عتيق أبيات عمر الرائية
أخبرني محمد بن خلف قال: أخبرني عبد الله بن عمر وغيره عن إبراهيم بن المنذر الحزامي عن عبد العزيز بن عمران قال: قال ابن أبي عتيق لعمر وقد أنشده قوله:
صوت
بينما ينعتنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى أتعرفن الفتى ... قالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر
- الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رملٍ بالبنصر - فقال له ابن أبي عتيق: - وقد أنشدها - أنت لم تنسب بها، وإنما نسبت بنفسك، كان ينبغي أن تقول: قلت لها فقالت لي، فوضعت خدي فوطئت عليه.
عود إلى سيرته وخلقه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: لم يذهب على أحدٍ من الرواة أن عمر كان عفيفاً يصف ولا يقف، ويحوم ولا يرد.
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن منصور عن ابن الأعرابي، وحدثني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن رجاله، قالوا: كان ابن أبي ربيعة قد حج في سنة من السنين. فلما انصرف من الحج ألفى الوليد بن عبد الملك وقد فرش له في ظهر الكعبة وجلس، فجاءه عمر فسلم عليه وجلس إليه. فقال له: أنشدني شيئاً من شعرك. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير وقد تركت الشعر، ولي غلامان هما عندي بمنزلة الولد، وهما يرويان كل ما قلت وهما لك. قال: ائتني بهما ففعل، فأنشداه قوله:

(1/34)


أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكر
فطرب الوليد واهتز لذلك، فلم يزالا ينشدانه حتى قام، فأجزل صلته ورد الغلامين إليه.
مميزات شعره
حدثني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري الكاتب الملقب " كيلجة " قال حدثني أبو هفان قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مصعب بن عبد الله الزبيري، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه مصعب أنه قال: راق عمر بن أبي ربيعة الناس وفاق نظراءه وبرعهم بسهولة الشعر وشدة الأسر، وحسن الوصف، ودقة المعنى وصواب المصدر، والقصد للحاجة، واستنطاق الربع، وإنطاق القلب، وحسن العزاء، ومخاطبة النساء، وعفة المقال، وقلة الانتقال، وإثبات الحجة، وترجيح الشك في موضع اليقين، وطلاوة الاعتذار، وفتح الغزل، ونهج العلل، وعطف المساءة على العذال، وأحسن التفجع، وبخل المنازل، واختصر الخبر، وصدق الصفاء، إن قدح أورى، وإن اعتذر أبرا، وإن تشكى أشجى، وأقدم عن خبرة ولم يعتذر بغرة، وأسر النوم، وغم الطير، وأغد السير، وحير ماء الشباب، وسهل وقول، وقاس الهوى فأربى، وعصى وأخلى، وحالف بسمعه وطرفه، وأبرم نعت الرسل وحذر، وأعلن الحب وأسر، وبطن به وأظهر، وألح وأسف، وأنكح النوم، وجنى الحديث، وضرب ظهره لبطنه، وأذل صعبه، وقنع بالرجاء من الوفاء، وأعلى قاتله، واستبكى عاذله، ونفض النوم، وأغلق رهن مني وأهدر قتلاه، وكان بعد هذا كله فصيحاً.
فمن سهولة شعره وشدة أسره قوله
صوت
فلما تواقفنا وسلمت أشرقت ... وجوهٌ زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما رأينني ... وقلن امرؤٌ باغٍ أكل وأوضعا
الغناء لابن عباد رملٌ عن الهشامي، وفيه لابن جامع لحنٌ غير مجنس عن إبراهيم.
ومن حسن وصفه قوله
لها من الريم عيناه وسنته ... ونخوة السابق المختال إذ صهلا
ومن دقة معناه وصواب مصدره قوله
صوت
عوجا نحي الطلل المحولا ... والربع من أسماء والمنزلا
بسابغ البوباة لم يعده ... تقادم العهد بأن يؤهلا
الغناء لابن سريج ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. قال إسحاق بن إبراهيم: يعني أنه لم يؤهل فيعدوه تقادم العهد. وقال الزبير: قال بعض المدنيين: يحييه بأن يؤهل، أي يدعو له بذلك.
ومن قصده للحاجة قوله
صوت
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شاميةٌ إذا ما استقلت ... وسهيلٌ إذا استقل يماني
ويروى: " هي غورية " . الغناء للغريض خفيف ثقيلٍ بالبنصر عن عمرو وابن المكي.
ومن استنطاقه الربع قوله
صوت
سائلا الربع بالبلي وقولا ... هجت شوقاً لي الغداة طويلا
أين حي حلوك إذ أنت محفو ... فٌ بهم آهلٌ أراك جميلا
قال ساروا فأمعنوا واستقلوا ... وبرغمي لو قد وجدت سبيلا
وبكرهي لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا جواراً ... وأحبوا دماثةً وسهولا
فيه رملان: أحدهما لابن سريج بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر لإسحاق مطلقٌ في مجرى البنصر، وفيه لأبي العبيس بن حمدون ثقيلٍ. وقد شرحت نسبته مع خبره في موضع آخر. قال إسحاق: أنشد جرير هذه الأبيات فقال: إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه.
ومن أنطاقه القلب قوله
قال لي فيها عتيقٌ مقالاً ... فجرت مما يقول الدموع
قال لي ودع سليمى ودعها ... فأجاب القلب: لا أستطيع
الغناء للهذلي ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي. قال: وفيه ليحيى المكي ثقيلٌ أول نسب إلى معبد وهو من منحوله.
ومن حسن عزائه قوله
صوت
أألحق إن دار الرباب تباعدت ... أو أنبت حبلٌ أن قلبك طائر
أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا ال ... هوى واستمرت بالرجال المرائر
زع النفس واستبق الحياء فإنما ... تباعد أو تدني الرباب المقادر
أمت حبها واجعل قديم وصالها ... وعشرتها كمثل من لا تعاشر
وهبها كشيءٍ لم يكن أو كنازحٍ ... به الدار أو من غيبته المقابر

(1/35)


وكالناس علقت الرباب فلا تكن ... أحاديث من يبدو ومن هو حاضر
الغناء في بعض هذه الأبيات وأوله " زع النفس " لابن سريج ثقيلٌ أول بالبنصر عن عمرو. وفيه لعمر الوادي رملٌ بالبنصر عن ابن المكي. وفيه ل " قدارٍ " لحنٌ من كتاب إبراهيم غير مجنس. وهذه الأبيات يرويها بعض أهل الحجاز لكثير، ويرويها الكوفيون للكميت بن معروف الأسدي، وذكر بعضها الزبير بن بكار عن أبي عبيدة لكثيرٍ في أخباره.
ومن حسن غزله في مخاطبة النساء - قال مصعبٌ الزبيري: وقد أجمع أهل بلدنا ممن له علمٌ بالشعر أن هذه الأبيات أغزل ما سمعوا - قوله:
صوت
تقول غداة التقينا الرباب ... ايا ذا أفلت أفول السماك
وكفت سوابق من عبرةٍ ... كما ارفض نظمٌ ضعيف السلاك
فقلت لها من يطع في الصدي ... ق أعداءه يجتنبه كذاك
أغرك أني عصيت الملا ... م فيك وأن هوانا هواك
وألا أرى لذةً في الحياة ... تقر بها العين حتى أراك
فكان من الذنب لي عندكم ... مكارمتي واتباعي رضاك
فليت الذي لام في حبكم ... وفي أن تزاري بقرنٍ وقاك
هموم الحياة وأسقامها ... وإن كان حتفٌ جهيزٌ فداك
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وذكر إبراهيم أن فيه لحناً لحكم. وقيل: إن فيه لحناً آخر لابن جامع.
ومن عفة مقاله قوله
صوت
طال ليلي واعتادني اليوم سقم ... وأصابت مقاتل القلب نعم
حرة الوجه والشمائل والجو ... هر تكليمها لمن نال غنم
وحديث بمثله تنزل العص ... م رخيم يشوب ذلك حلم
هكذا وصف ما بدا لي منها ... ليس لي بالذي تغيب علم
إن تجودي أو تبخلي فبحمدٍ ... لست يا نعم فيهما من يذم
الغناء لابن سريج رملٌ عن الهشامي.
ومن قلة انتقاله قوله
صوت
أيها القائل غير الصواب ... أمسك النصح وأقلل عتابي
واجتنبني واعلمن أن ستعصى ... ولخيرٌ لك طول اجتنابي
إن تقل نصحاً فعن ظهر غشٍ ... دائم الغمر بعيد الذهاب
ليس بي عيٌّ بما قلت إني ... عالمٌ أفقه رجع الجواب
إنما قرة عيني هواها ... فدع اللوم وكلني لما بي
لا تلمني في الرباب وأمست ... عدلت للنفس برد الشراب
هي والله الذي هو ربي ... صادقاً أحلف غير الكذاب
أكرم الأحياء طراً علينا ... عند قربٍ منهم واجتناب
خاطبتني ساعةً وهي تبكي ... ثم عزت خلتي في الخطاب
وكفى بي مدرها لخصومٍ ... لسواها عند حد تبابي
الغناء لكردمٍ ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق في الأول والخامس ثم الثاني والثالث. وفيه لمعبد خفيف ثقيلٌ بالبنصر عن يحيى المكي.
ومن إثباته الحجة قوله
خليلي بعض اللوم لا ترحلا به ... رفيقكما حتى تقولا على علم
خليلي من يكلف بآخر كالذي ... كلفت به يدمل فؤاداً على سقم
خليلي ما كانت تصاب مقاتلي ... ولا غرتي حتى وقعت على نعم
خليلي حتى لف حبلي بخادعٍ ... موقىً إذا يرمى صيودٍ إذا يرمي
خليلي لو يرقى خليلٌ من الهوى ... رقيت بما يدني النوار منه العصم
خليلي إن باعدت لانت وإن ألن ... تباعد فلم أنبل بحربٍ ولا سلم
ومن ترجيحه الشك في موضع اليقين قوله
صوت
نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظرٌ لولا التحرج عارم
فقلت: أشمس أم مصابيح بيعةٍ ... بدت لك خلف السجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إما لنوفلٌ ... أبوها وإما عبد شمسٍ وهاشم
ومد عليها السجف يوم لقيتها ... على عجلٍ تباعها والخوادم

(1/36)


فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا ... عشية راحت وجهها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضحى ... عصاها ووجهٌ لم تلحه السمائم
نضارٌ ترى فيه أساريع مائه ... صبيحٌ تغاديه الأكف النواعم
إذا ما دعت أترابها فاكتنفنها ... تمايلن أو مالت بهن المآكم
طلبن الصبا حتى إذا ما أصبنه ... نزعن وهن المسلمات الظوالم
الغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وابن المكي. وفيها لابن سريج رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق أيضاً. وفيها للغريض " خفيف " ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي.
ومن طلاوة اعتذاره قوله
صوت
عاود القلب بعض ما قد شجاه ... من حبيبٍ أمسى هوانا هواه
يا لقومي فكيف أصبر عمن ... لا ترى النفس طيب عيشٍ سواه
أرسلت إذ رأت بعادي ألا ... يقبلن بي محرشاً إن أتاه
دون أن يسمع المقالة منا ... وليطعني فإن عندي رضاه
لا تطع بي فدتك نفسي عدواً ... لحديثٍ على هواه افتراه
لا تطع بي من لو رآني وإيا ... ك أسيري ضرورةٍ ما عناه
ما ضراري نفسي بهجري من لي ... س مسيئاً ولا بعيداً ثراه
واجتنابي بيت الحبيب وما الخل ... د بأشهى إلي من أن أراه
الغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. وقال عمرو، فيه خفيف ثقيلٍ بالوسطى للهذلي. وفيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، وابتداؤه نشيدٌ أوله: " ما ضراري نفسي " . وقال الهشامي: وفيه لعلية بنت المهدي وسعيد بن جابر لحنان من الثقيل الثاني.
ومن نهجه العلل قوله
وآية ذلك أن تسمعي ... إذا جئتكم ناشداً ينشد
فرحنا سراعاً وراح الهوى ... دليلاً إليها بنا يقصد
فلما دنونا لجرس النبا ... ح والصوت، والحي لم يرقدوا
بعثنا لها باغياً ناشداً ... وفي الحي بغية من ينشد
وقد نسبت هذه الأبيات إلى من غنى فيها مع:
تشط غداً دار جيراننا
ومن فتحه الغزل قوله
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
ومن عطفه المساءة على العذال قوله
صوت
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي ... إن بي يا عتيق ما قد كفاني
لا تلمني وأنت زينتها لي ... أنت مثل الشيطان للإنسان
الغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيلٌ أول مطلقٌ من مجموع أغانيه. وفيه رملٌ طنبري محدث، وفيه هزجٌ لأبي عيسى بن المتوكل.
ومن حسن تفجعه قوله
صوت
هجرت الحبيب اليوم من غير ما اجترم ... وقطعت من ذي ودك الحبل فانصرم
أطعت الوشاة الكاشحين ومن يطع ... مقالة واشٍ يقرع السن من ندم
أتاني رسولٌ كنت أحسب أنه ... شفيقٌ علينا ناصحٌ كالذي زعم
فلما تباثثنا الحديث وصرحت ... سرائره عن بعض ما كان قد كتم
تبين لي أن المحرش كاذبٌ ... فعندي لك العتبى على رغم من رغم
فملآن لمت النفس بعد الذي مضى ... وبعد الذي آلت وآليت من قسم
ظلمت ولم تعتب وكان رسولها ... إليك سريعاً بالرضا لك إذ ظلم
الغناء لابن سريج رملٌ مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق. وقال يونس: فيه لابن سريج لحنان، وذكر الهشامي أن لحنه الآخر ثقيل أول، وأن لعلوية فيه رملاً آخر.
ومن تبخيله المنازل قوله
صوت
عرفت مصيف الحي والمتربعا ... ببطن حلياتٍ دوارس بلقعا
إلى السرح من وادي المغمس بدلت ... معالمها وبلاً ونكباء زعزعا
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما ... نكأن فؤاداً كان قدماً مفجعا
الغناء للغريض ثاني ثقيلٍ بالوسطى.
ومن اختصاره الخبر قوله
صوت

(1/37)


أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكر ... غداة غدٍ أم رائحٌ فمهجر
بحاجة نفسٍ لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذراً والمقالة تعذر
أشارت بمدراها وقالت لتربها ... أهذا المغيري الذي كان يذكر
لئن كان إياه لقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسان قد يتغير
الغناء لابن سريج رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر، وله في بيتين آخرين من هذه القصيدة، وهما:
وليلة ذي دوران جشمتني السرى ... وقد يجشم الهول المحب المعزرا
فقلت أباديهم فإما أفوتهم ... وإما ينال السيف ثأراً فيثأرا
رملٌ آخر بالوسطى عن عمرو. قال الزبير حدثني إسحاق الموصلي قال: قلت لأعرابي ما معنى قول ابن أبي ربيعة:
بحاجة نفسٍ لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذراً والمقالة تعذر
فقال: قام كما جلس.
ومن صدقه الصفاء قوله
كل وصلٍ أمسى لديك لأنثى ... غيرها وصلها إليها أداء
كل أنثى وإن دنت لوصالٍ ... أو نأت فهي للرباب الفداء
وقوله:
صوت
أحب لحبك من لم يكن ... صفياً لنفسي ولا صاحباً
وأبذل ما لي لمرضاتكم ... وأعتب من جاءكم عاتبا
وأرغب في ود من لم أكن ... إلى وده قبلكم راغبا
ولو سلك الناس في جانبٍ ... من الأرض واعتزلت جانبا
ليممت طيتها إنني ... أرى قربها العجب العاجبا
الغناء لابن القفاص رملٌ عن الهشامي ويحيى المكي، وفيه للربعي لحنٌ من كتاب إبراهيم غير مجنس.
ومما قدح فيه فأورى قوله
صوت
طال ليلي وتعناني الطرب ... واعتراني طول همٍّ ووصب
أرسلت أسماء في معتبةٍ ... عتبتها وهي أحلى من عتب
أن أتى منها رسولٌ موهناً ... وجد الحي نياماً فانقلب
ضرب الباب فلم يشعر به ... أحدٌ يفتح باباً إذ ضرب
قال: أيقاظٌ ولكن حاجةٌ ... عرضت تكتم منا فاحتجب
ولعمداً ردني، فاجتهدت ... بيمينٍ حلفةً عند الغضب
يشهد الرحمن لا يجمعنا ... سقف بيتٍ رجباً بعد رجب
قلت حلاً فاقبلي معذرتي ... ما كذا يجري محبٌّ من أحب
إن كفي لك رهن بالرضا ... فاقبلي يا هند، قالت قد وجب
الغناء لمالك خفيف ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لدحمان ثقيل أول بالبنصر عن عمرو. وفيه لمعبدٍ لحنٌ من كتاب يونس لم يجنسه، وذكر الهشامي أنه خفيف ثقيلٍ. وفيه لابن سريج رملٌ عن الهشامي.
قال من حكينا عنه في صدر أخبار عمر روايته التي رواها علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله والحرمي عن الزبير عن عمه: كان عمر بن أبي ربيعة يهوى امرأةً يقال لها " أسماء " ، فكان الرسول يختلف بينهما زماناً وهو لا يقدر عليها. ثم وعدته أن تزوره، فتأهب لذلك وانتظرها، فأبطأت عنه حتى غلبته عينه فنام، وكانت عنده جاريةٌ له تخدمه، فلم تلبث أن جاءت ومعها جاريةٌ لها، فوقفت حجرةً وأمرت الجارية أن تضرب الباب، فضربته فلم يستيقظ. فقالت لها: تطلعي فانظري ما الخبر؟ فقالت لها: هو مضطجعٌ وإلى جنبه امرأةٌ، فحلفت لا تزوره حولاً، فقال في ذلك:
طال ليلي وتعناني الطرب
قال أبو هفان في حديثه: وبعث إليها امرأةً كانت تختلف بينه وبين معارفه، وكانت جزلةً من النساء، فصدقتها عن قصته وحلفت لها أنه لم يكن عنده إلا جاريته، فرضيت. وإياها يعني عمر بقوله:
فأتتها طبةٌ عالمةٌ ... تخلط الجد مراراً باللعب
تغلظ القول إذا لانت لها ... وتراخي عند سورات الغضب
لم تزل تصرفها عن رأيها ... وتأناها برفقٍ وأدب
قال إسحاق في خبره: وحدثني ابن كناسة قال أخبرني حماد الراوية قال: استنشدني الوليد بن يزيد، فأنشدته نحواً من ألف قصيدةٍ، فما استعادني إلا قصيدة عمر بن أبي ربيعة:
طال ليلي وتعناني الطرب
فلما أنشدته قوله:

(1/38)


فأتتها طبةٌ عالمةٌ ... تخلط الجد مراراً باللعب
إلى قوله:
إن كفي لك رهنٌ بالرضا ... فاقبلي يا هند قالت قد وجب
فقال الوليد: ويحك يا حماد! اطلب لي مثل هذه أرسلها إلى سلمى. يعني امرأته سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وكان طلقها ليتزوج أختها ثم تتبعتها نفسه.
قال إسحاق وحدثني جماعةٌ منهم الحرمي والزبيري وغيرهما: أن عمر أنشد ابن أبي عتيق هذه القصيدة، فقال له ابن أبي عتيقٍ: الناس يطلبون خليفةً " مذ قتل عثمان " في صفة قوادتك هذه يدبر أمورهم فما يجدونه!.
رجعٌ إلى خبر عمر الطويل قالوا: ومن شعره الذي اعتذر فيه فأبرأ قوله
فالتقينا فرحبت حين سلم ... ت وكفت دمعاً من العين مارا
ثم قالت عند العتاب رأينا ... منك عنا تجلداً وازورارا
قلت كلالاه ابن عمك بل خف ... نا أموراً كنا بها أغمارا
فجعلنا الصدود لما خشينا ... قالة الناس للهوى أستارا
ليس كالعهد إذ عهدت ولكن ... أوقد الناس بالنميمة نارا
فلذاك الإعراض عنك وما آ ... ثر قلبي عليك أخرى اختيارا
ما أبالي إذا النوى قربتكم ... فدنوتم من حل أو من سارا
فالليالي إذا نأيت طوالٌ ... وأراها إذا قربت قصارا
ومن تشكيه الذي أشجى فيه قوله:
صوت
لعمرك ما جاورت غمدان طائعاً ... وقصر شعوبٍ أن أكون به صبا
ولكن حمى أضرعتني ثلاثةً ... مجرمةً ثم استمرت بنا غبا
وحتى لو أن الخلد تعرض إن مشت ... إلى الباب رجلي ما نقلت لها إربا
فإنك لو أبصرت يوم سويقةٍ ... مناخي وحبسي العيس داميةً جدبا
ومصرع إخوانٍ كأن أنينهم ... أنين المكاكي صادفت بلداً خصبا
إذاً لاقشعر الرأس منك صبابةً ... ولاستفرغت عيناك من سكبةٍ غربا
غنى في الأول والثاني من هذه الأبيات معبدٌ ولحنه خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى عن عمرو. وفيهما لمالك ثقيل أول عن الهشامي، ونسبه يونس إلى مالك ولم يجنسه.
ومن إقدامه عن خبرة ولم يعتذر بغرة قوله
صرمت وواصلت حتى عرف ... ت أين المصادر والمورد
وجربت من ذاك حتى عرف ... ت ما أتوقى وما أعمد
ومن أسره النوم قوله
نام صحبي وبات نومي أسيراً ... أرقب النجم موهناً أن يغورا
ومن غمه الطير قوله
فرحنا وقلنا للغلام اقض حاجةً ... لنا ثم أدركنا ولا تتغبر
سراعاً نغم الطير إن سنحت لنا ... وإن تلقنا الركبان لا نتخبر
تتغبر، من قولهم: غبر فلان أي لبث.
ومن إغذاذه السير قوله
قلت سيرا ولا تقيما ببصرى ... وحفيرٍ فما أحب حفيرا
وإذا ما مررتما بمعانٍ ... فأقلا به الثواء وسيرا
إنما قصرنا إذا حسر السي ... ر بعيراً أن نستجد بعيرا
ومن تحييره ماء الشباب قوله
صوت
أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمسٍ كواعبٍ أتراب
ثم قالوا تحبها قلت بهراً ... عدد القطر والحصى والتراب
وهي مكنونةٌ تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب
الغناء لمحمد بن عائشة خفيف ثقيلٍ بالبنصر. وفيه لمالك خفيف ثقيل آخر عن الهشامي، وقيل: بل هو هذا.
ومن تقويله وتسهيله قوله
قالت على رقبةٍ يوماً لجارتها ... ما تأمرين فإن القلب قد تبلا
وهل لي اليوم من أختٍ مواخيةٍ ... منكن أشكو إليها بعض ما فعلا
فراجعتها حصانٌ غير فاحشةٍ ... برجع قولٍ ولبٍّ لم يكن خطلا
لا تذكري حبه حتى أراجعه ... إني سأكفيكه إن لم أمت عجلا
فاقني حياءك في سترٍ وفي كرمٍ ... فلست أول أنثى علقت رجلا
وأما ما قاس فيه الهوى فقوله
وقربن أسباب الهوى لمتيم ... يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا
ومن عصيانه وإخلائه قوله

(1/39)


وأنص المطي يتبعن بالرك ... ب سراعاً نواعم الأظعان
فنصيد الغرير من بقر الوح ... ش ونلهو بلذة الفتيان
في زمانٍ لو كنت فيه ضجيعي ... غير شكٍّ عرفت لي عصياني
وتقلبت في الفراش ولا تد ... رين إلا الظنون أين مكاني
ومن محالفته بسمعه وطرفه قوله
سمعي وطرفي حليفاها على جسدي ... فكيف أصبر عن سمعي وعن بصري
لو طاوعاني على ألا أكلمها ... إذاً لقضيت من أوطارها وطري
ومن إبرامه نعت الرسل قوله
فبعثت كاتمة الحدي ... ث رفيقةً بجوابها
وحشيةً إنسيةً ... خراجةً من بابها
فرقت فسلهت المعا ... رض من سبيل نقابها
ومن تحذيره قوله
صوت
لقد أرسلت جاريتي ... وقلت لها خذي حذرك
وقولي في ملاطفةٍ ... لزينب نولي عمرك
فإن داويت ذا سقمٍ ... فأخزى الله من كفرك
فهزت رأسها عجباً ... وقالت من بذا أمرك
أهذا سحرك النسوا ... ن، قد خبرنني خبرك
وقلن إذا قضى وطراً ... وأدرك حاجةً هجرك
غنى ابن سريج في هذه الأبيات، ولحنه خفيف ثقيلٍ. ولابن المكي فيها هزجٌ بالوسطى. وفيها رملٌ ذكر ذكاء وجه الرزة عن أحمد بن أبي العلاء عن مخارق أنه لابن جامع، وذكر قمري أنه له وأن ذكاء أبطل في هذه الحكاية. قال الزبير: حدثني عمي قال حدثني أبي قال: قال شيخ من قريش: لا ترووا نساءكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطاً، وأنشد:
لقد أرسلت جاريتي ... وقلت لها خذي حذرك
ومن إعلانه الحب وإسراره قوله
شكوت إليها الحب أعلن بعضه ... وأخفيت منه في الفؤاد غليلا
ومما بطن به وأظهر قوله
حبكم يا آل ليلى قاتلي ... ظهر الحب بجسمي وبطن
ليس حب فوق ما أحببتكم ... غير أن أقتل نفسي أو أجن
ومما ألح فيه وأسف قوله
ليت حظي كطرفة العين منها ... وكثيرٌ منها القليل المهنا
أو حديثٌ على خلاءٍ يسلي ... ما يجن الفؤاد منها ومنا
كبرت رب نعمةً منك يوماً ... أن أراها قبل الممات ومنا
ومن إنكاحه النوم قوله
صوت
حتى إذا ما الليل جن ظلامه ... ونظرت غفلة كاشحٍ أن يعقلا
واستنكح النوم الذين نخافهم ... وسقى الكرى بوابهم فاستثقلا
خرجت تاطر في الثياب كأنها ... أيمٌ يسيب على كثيبٍ أهيلا
الغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه ألحانٌ لغيره وقد نسبت في غير هذا الموضع مع قوله:
ودع لبابة قبل أن تترحلا
ومن جنيه الحديث قوله
وجوارٍ مساعفاتٍ على الله ... و ومسرات باطن الأضغان
صيدٍ للرجال يرشقن بالمطر ... ف حسانٍ كخذل الغزلان
قد دعاني وقد دعاهن لله ... و شجونٌ مهمة الأشجان
فاجتنينا من الحديث ثماراً ... ما جنى مثلها لعمرك جاني
ومن ضربه الحديث ظهره لبطنه قوله
في خلاء من الأنيس وأمنٍ ... فبثثنا غليلنا واشتفينا
وضربنا الحديث ظهراً لبطنٍ ... وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
فمكثنا بذاك عشر ليالٍ ... في قضاءٍ لديننا واقتضينا
ومن إذلاله صعب الحديث قوله
فلما أفضنا في الهوى نستبينه ... وعاد لنا صعب الحديث ذلولا
شكوت إليها الحب أظهر بعضه ... وأخفيت منه في الفؤاد غليلا
ومن قناعته بالرجاء من الوفاء قوله
فعدي نائلاً وإن لم تنيلي ... إنه ينفع المحب الرجاء
قال الزبير: هذا أحسن من قول كثير:
ولست براضٍ من خليلٍ بنائلٍ ... قليلٍ ولا أرضى له بقليل
ومن إعلائه قاتله قوله
فبعثت جاريتي وقلت لها اذهبي ... فاشكي إليها ما علمت وسلمي

(1/40)


قولي يقول تحرجي في عاشقٍ ... كلفٍ بكم حتى الممات متيم
ويقول إنك قد علمت بأنكم ... أصبحتم يا بشر أوجه ذي دم
فكي رهينته فإن لم تفعلي ... فاعلي على قتل ابن عمك واسلمي
فتضاحكت عجباً وقالت حقه ... ألا يعلمنا بما لم نعلم
علمي به والله يغفر ذنبه فيما بدا لي، ذو هوى متقسم
طرفٌ ينازعه إلى الأدنى الهوى ... ويبث خلةً ذي الوصال الأقدم
ومن تنفيضه النوم قوله
فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبت بالعشاء وأنور
وغاب قميرٌ كنت أرجو غيوبه ... وروح رعيان ونوم سمر
ونفضت عني أقبلت مشية ال ... حباب وركني خشية القوم أزور
ومن إغلاقه رهن منىً وإهداره قتلاه قوله
فكم من قتيلٍ ما يباء به دمٌ ... ومن غلق رهناً إذا لفه منى
ومن مالىءٍ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
وكان بعد هذا كله فصيحاً شاعراً مقولاً.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي، وأخبرنا به علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله: أن عمر بن أبي ربيعة نظر إلى رجل يكلم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه وأنكره. فقال له: إنها ابنة عمي. قال: ذاك أشنع لأمرك. فقال: إني خطبتها إلى عمي، فأبى علي إلا بصداقٍ أربعمائة دينار، وأنا غير مطيق ذلك، وشكا إليه من حبها وكلفه بها أمراً عظيماً، وتحمل به على عمه. فسار معه إليه فكلمه. فقال له: هو مملق، وليس عندي ما أصلح به أمره. فقال له عمر: وكم الذي تريده منه؟ قال: أربعمائة دينار. فقال له: هي علي فزوجه، ففعل ذلك.
وقد كان عمر حين أسن حلف ألا يقول بيت شعر ألا أعتق رقبةً. فانصرف عمر إلى منزله يحدث نفسه، فجعلت جاريةٌ له تكلمه فلا يرد عليها جواباً. فقالت له: إن لك لأمراً، وأراك تريد أن تقول شعراً، فقال:
صوت
تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم قد أحدثت شوقاً ... وهاج لك الهوى داءً دفينا
وكنت زعمت أنك ذو عزاءٍ ... إذا ما شئت فارقت القرينا
بربك هل أتاك لها رسول ... فشاقك أم لقيت لها خدينا
فقلت شكا إلي أخٌ محبٌّ ... كبعض زماننا إذ تعلمينا
فقص علي ما يلقى بهندٍ ... فذكر بعض ما كنا نسينا
وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوقٌ حين يلقى العاشقينا
وكم من خلةٍ أعرضت عنها ... لغير قلىً وكنت بها ضنينا
أردت بعادها فصددت عنها ... ولو جن الفؤاد بها جنونا
ثم دعا تسعةً من رقيقه فأعتقهم لكل بيتٍ واحدٌ. الغناء لابن سريج رملٌ بالبنصر عن عمرو والهشامي. وفيه ثقيلٌ أول يقال: إنه للغريض. وذكر عبد الله بن موسى أن فيه لدحمان خفيف رملٍ.
عمر بن أبي ربيعة وعروة بن الزبير
أخبرني الحرمي قال حدثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال: ذكر ابن الكلبي أن عمر بن أبي ربيعة كان يساير عروة بن الزبير ويحادثه، فقال له: وأين زين المواكب؟ يعني ابنه محمد بن عروة، وكان يسمى بذلك لجماله.
فقال له عروة: هو أمامك، فركض يطلبه. فقال له عروة: يا أبا الخطاب، أولسنا أكفاءً كراماً لمحادثتك ومسايرتك؟ فقال: بلى بأبي أنت وأمي! ولكني مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان. ثم التفت إليه وقال:
إني امرؤ مولعٌ بالحسن أتبعه ... لا حظ لي فيه إلا لذة النظر
ثم مضى حتى لحقه فسار معه، وجعل عروة يضحك من كلامه تعجباً منه.
عمر بن أبي ربيعة ومالك بن أسماء
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب ابن عبد الله قال: رأى عمر بن أبي ربيعة رجلاً يطوف بالبيت وقد بهر الناس بجماله وتمامه، فسأل عنه فقيل له: هذا مالك بن أسماء بن خارجة. فجاءه فسلم عليه وقال له: يابن أخي مازلت أتشوقك منذ بلغني قولك:
إن لي عند كل نفحة بستا ... نٍ من الورد أو من الياسمينا

(1/41)


نظرةً والتفاتةً أتمنى ... أن تكوني حللت فيما يلينا
ويروى:
... أترجى ... أن تكوني حللت...
عمر وأبو الأسود الدؤلي وقد عرض لامرأته
في الطواف
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا العباس بن هشام عن أبيه قال أخبرني مولىً لزيادٍ قال: حج أبو الأسود الدؤلي ومعه امرأته وكانت جميلةً. فبينا هي تطوف بالبيت إذ عرض لها عمر بن أبي ربيعة، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فأتاه أبو الأسود فعاتبه. فقال له عمر: ما فعلت شيئاً. فلما عادت إلى المسجد عاد فكلمها، فأخبرت أبا الأسود، فأتاه في المسجد وهو مع قومٍ جالسٌ فقال له:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا ... وعن شتم أقوامٍ خلائق أربع
حياءٌ وإسلامٌ وبقيا وأنني ... كريمٌ ومثلي قد يضر وينفع
فشتان ما بيني وبينك إنني ... على كل حالٍ أستقيم وتظلع
فقال له عمر: لست أعود يا عم لكلامها بعد هذا اليوم. ثم عاود فكلمها، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فجاء إليه فقال له:
أنت الفتى وابن الفتى وأخو الفتى ... وسيدنا لولا خلائق أربع
نكولٌ عن الجلى وقربٌ من الخنا ... وبخلٌ عن الجدوى وأنك تبع
ثم خرجت وخرج معها أبو الأسود مشتملاً على سيف. فلما رآهما عمر أعرض عنها، فتمثل أبو الأسود:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي صولة المستأسد الحامي
رأي الفرزدق في شعر ابن أبي ربيعة
أخبرني ابن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم الفراسي قال حدثنا العمري قال أخبرنا الهيثم بن عدي قال: قدم الفرزدق المدينة وبها رجلان يقال لأحدهما صريمٌ، وللآخر ابن أسماء، وصفا له فقصدهما، وكان عندهما قيانٌ، فسلم عليهما وقال لهما: من أنتما؟ فقال أحدهما: أنا فرعون، وقال الآخر: أنا هامان. قال: فأين منزلكما في النار حتى أقصدكما؟ فقالا: نحن جيران الفرزدق الشاعر! فضحك ونزل، فسلم عليهما وسلما عليه وتعاشروا مدة. ثم سألهما أن يجمعا بينه وبين عمر بن أبي ربيعة ففعلا، واجتمعا وتحادثا وتناشدا إلى أن أنشد عمر قصيدته التي يقول فيها:
فلما التقينا واطمأنت بنا النوى ... وغيب عنا من نخاف ونشفق
حتى انتهى إلى قوله:
فقمن لكي يخليننا فترقرقت ... مدامع عينيها وظلت تدفق
وقالت أما ترحمنني! لا تدعنني ... لدى غزلٍ جم الصبابة يخرق
فقلن اسكتي عنا فسلت مطاعةًوخلك منا فاعلمي بك أرفق
فصاح الفرزدق: أنت والله يا أبا الخطاب أغزل الناس! لا يحسن والله الشعراء أن يقولوا مثل هذا النسيب ولا أن يرقوا مثل هذه الرقية! وودعه وانصرف.
عمرو وعبد الرحمن بن الحارث
ابن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه: أنه حج مع أبيه الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، فأتى عمر بن أبي ربيعة وقد أسن وشاخ، فسلم عليه وساءله ثم قال له: أي شيء أحدثت بعدي يا أبا الخطاب؟ فأنشده:
يقولون: إني لست أصدقك الهوى ... وإني لا أرعاك حين أغيب
فما بال طرفي عف عما تساقطت ... له أعينٌ من معشرٍ وقلوب
عشية لا يستنكف القوم أن يروا ... سفاه امرىءٍ ممن يقال لبيب
ولا قتنةً من ناسكٍ أومضت له ... بعين الصبا كسلى القيام لعوب
تروح يرجو أن تحط ذنوبه ... فآب وقد زيدت عليه ذنوب
وما النسك أسلاني ولكن للهوى ... على العين مني والفؤاد رقيب
عمرو والنسوة اللاتي واعدهن بالعقيق
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال: واعد عمر بن أبي ربيعة نسوةٌ من قريش إلى العقيق ليتحدثن معه، فخرج إليهن ومعه الغريض، فتحدثوا ملياً ومطروا، فقال عمر والغريض وجاريتان للنسوة فأظلوا عليهن بمطرفة وبردين له حتى استترن من المطر إلى أن سكن، ثم انصرفن. فقال له الغريض: قل في هذا شعراً حتى أغني فيه، فقال عمر:
صوت

(1/42)


ألم تسأل المنزل المقفرا ... بياناً فيكتم أو يخبرا
ذكرت به بعض ما قد شجاك ... وحق لذي الشجو أن يذكرا
مقام المحبين قد ظاهرا ... كساءً وبردين أن يمطرا
وممشى الثلاث به موهناً ... خرجن إلى زائرٍ زورا
إلى مجلسٍ من وراء القبا ... ب سهل الربا طيبٍ أعفرا
غفلن عن الليل حتى بدت ... تباشير من واضحٍ أسفرا
فقمن يعفين آثارنا ... بأكسية الخز أن تقفرا
مهاتان شيعتا جؤذراً ... أسيلاً مقلده أحورا
وقمن وقلن لو أن النها ... ر مد له الليل فاستأخرا
قضينا به بعض أشجاننا ... وكان الحديث به أجدرا
ذكر ابن المكي أن الغناء في الخمسة الأبيات الأولى لابن سريج ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر، وذكر الهشامي أن هذا اللحن للغريض، وأن لحن ابن سريج رملٌ بالوسطى. وقال حبشٌ: فيها لمعبد خفيف ثقيلٍ بالوسطى.
عمر وابن أبي عتيق
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو العباس المديني قال أخبرنا ابن عائشة قال: حضر ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة وهو ينشد قوله:
ومن كان محزوناً بإهراق عبرةٍ ... وهي غربها فليأتنا نبكه غدا
نعنه على الإثكال إن كان ثاكلاً ... وإن كان محروباً وإن كان مقصدا
قال: فلما أصبح ابن أبي عتيق أخذ معه خالداً الخريت وقال له: قم بنا إلى عمر. فمضيا إليه، فقال له ابن أبي عتيق: قد جئناك لموعدك. قال: وأي موعدٍ بيننا؟ قال: قولك: " فليأتنا نبكه غداً. قد جئناك، والله لا نبرح أو تبكي إن كنت صادقاً في قولك، أو ننصرف على أنك غير صادق. ثم مضى وتركه. قال ابن عائشة: خالدٌ الخريت هو خالد بن عبد الله القسري.
عود إلى خلق عمر
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: لقيت عمر بن أبي ربيعة فقلت له: يا أبا الخطاب، أكل ما قلته في شعرك فعلته؟ قال: نعم، وأستغفر الله.
قدوم عمر الكوفة ونزوله على ابن هلال
أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن عبد الله بن مصعب قال: قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة، فنزل على عبد الله بن هلالٍ الذي كان يقال له صاحب إبليس، وكان له قينتان حاذقتان، وكان عمر يأتيهما فيسمع منهما، فقال في ذلك:
يأهل بابل ما نفست عليكم ... من عيشكم إلا ثلاث خلال
ماء الفرات وطيب ليلٍ باردٍ ... وغناء مسمعتين لابن هلال
وصف الشعراء للبرق وما قاله عمر
في ذلك
أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله: أن عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد وأبا ربيعة المصطلقي ورجلاً من بني مخزوم وابن أخت الحارث بن خالد، خرجوا يشيعون بعض خلفاء بني أمية. فلما انصرفوا نزلوا " بسرفٍ " فلاح لهم برقٌ؛ فقال الحارث: كلنا شاعر، فهلموا نصف البرق. فقال أبو ربيعة:
أرقت لبرقٍ آخر الليل لامعٍ ... جرى سناه ذو الربا فينابع
فقال الحارث:
أرقت له ليل التمام ودونه ... مهامه موماةٍ وأرضٌ بلاقع
فقال المخزومي:
يضيء عضاه الشوك حتى كأنه ... مصابيح أو فجرٌ من الصبح ساطع
فقال عمر:
أيا رب لا آلو المودة جاهداً ... لأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع
ثم قال: مالي وللبرق والشوك!
بقية خبر عمر ونسوة العقيق
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان عمر بن أبي ربيعة وخالدٌ القسري معه - وهو خالد الخريت - ذات يوم يمشيان، فإذا هما بهند وأسماء اللتين كان يشبب بهما عمر بن أبي ربيعة تتماشيان، فقصداهما وجلسا معهما ملياً، فأخذتهم السماء ومطروا. ثم ذكر مثل خبرٍ تقدم، ورويته آنفاً عن هاشم بن محمد الخزاعي، وذكر الأبيات الماضية، ولم يذكر فيها خبر الغريض. وحكى أنه قال في ذلك:
صوت
أفي رسم دارٍ دمعك المترقرق ... سفاهاً! وما استنطاق ما ليس ينطق!
بحيث التقى " جمعٌ " ومفضى " محسرٍ " ... مغاني قد كادت على العهد تخلق

(1/43)


ذكرت به ما قد مضى من زماننا ... وذكرك رسم الدار مما يشوق
مقاماً لنا عند العشاء ومجلساً ... به لم يكدره علينا معوق
وممشى فتاةٍ بالكساء تكننا ... به تحت عينٍ برقها يتألق
يبل أعالي الثوب قطرٌ وتحته ... شعاعٌ بدا يعشي العيون ويشرق
فأحسن شيءٍ بدء أول ليلنا ... وآخره حزنٌ إذا نتفرق
ذكر يحيى بن المكي أن الغناء في ستة أبيات متواليةٍ من هذا الشعر لمعبدٍ خفيف ثقيلٍ بالسبابة والوسطى، وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى.
عمر وليلى بنت الحارث البكرية
وما قاله فيها من الشعر
" أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني مصعب قال: لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عمرو البكرية وهي تسير على بغلة لها، وقد كان نسب بها، فقال: جعلني الله فداك! عرجي ها هنا أسمعك بعض ما قلته فيك. قالت: أو قد فعلت؟ قال نعم! فوقفت وقالت: هات. فأنشدها.
صوت
ألا يا ليل إن شفاء نفسي ... نوالك إن بخلت فنولينا
وقد حضر الرحيل وحان منا ... فراقك فانظري ما تأمرينا
فقالت: آمرك بتقوى الله وإيثار طاعته وترك ما أنت عليه. ثم صاحت ببغلتها ومضت.
وفي هذين البيتين لابن سريج خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن يحيى المكي، وذكر الهشامي أنه من منحوله إلى ابن سريج. وفيهما رملٌ طنبوريٌ لأحمد بن صدقة.
أخبرني بذلك جحظة عنه. وأخبرني بهذا الخبر عبد الله بن محمد الرازي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن ابن الأعرابي: أن ليلى هذه كانت جالسةً في المسجد الحرام، فرأت عمر بن أبي ربيعة، فوجهت إليه مولىً لها فجاءها به. فقالت له: يابن أبي ربيعة، حتى متى لا تزال سادراً في حرم الله تشبب بالنساء وتشيد بذكرهن! أما تخاف الله! قال: دعيني من ذاك واسمعي ما قلت. قالت: وما قلت؟ فأنشدها الأبيات المذكورة.
فقالت له القول الذي تقدم أنها أجابته به. قال: وقال لها: اسمعي أيضاً ما قلت فيك، ثم أنشدها قوله:
أمن الرسم وأطلال الدمن ... عاد لي وجدي وعاودت الحزن
إن حبي آل ليلى قاتلي ... ظهر الحب بجسمي وبطن
يا أبا الحارث قلبي طائرٌ ... فأتمر أمر رشيدٍ مؤتمن
التمس للقلب وصلاً عندها ... إن خير الوصل ما ليس يمن
علق القلب، وقد كان صحا، ... من بني بكرٍ غزالاً قد شدن
أحور المقلة كالبدر، إذا ... قلد الدر فقلبي ممتحن
ليس حبٌ فوق ما أحببتكم ... غير أن أقتل نفسي أو أجن
خلقت للقلب مني فتنةً ... هكذا يخلق معروض الفتن
قال: وفيها يقول:
إن ليلى وقد بلغت المشيبا ... لم تدع للنساء عندي نصيبا
هاجرٌ بيتها لأنفي عنها ... قول ذي العيب إن أراد عيوبا
نسبة ما في هذين الشعرين من الغناء الغناء في الأبيات الأولى النونية لابن سريج ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. وفيها لابن عائشة ثقيلٌ أول، يقال: إنه أول ثقيلٍ غناه، كان يغني الخفيف، فعيب بذلك فصنع هذا اللحن. وفيه لعبد الله بن يونس الأبلي رملٌ عن الهشامي.
والغناء في:
إن ليلى وقد بلغت المشيبا
لابن سريج رملٌ بالوسطى عن عمرو. وفيه لكردمٍ ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو أيضاً. وذكر إبراهيم أن فيه لحناً لعطردٍ، ولم يجنسه.
حديثه مع النوار وشعره فيها
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن منصور الأزدي قال حدثني أبي عن الهيثم بن عدي قال: بينما عمر بن أبي ربيعة منصرفٌ من المزدلفة يريد منىً إذ بصر بامرأة في رحالةٍ ففتن، وسمع عجوزاً معها تناديها: يا نوار استتري لا يفضحك ابن أبي ربيعة. فاتبعها عمر وقد شغلت قلبه حتى نزلت بمنىً في مضرب قد ضرب لها، فنزل إلى جنب المضرب، ولم يزل يتلطف حتى جلس معها وحادثها، وإذا أحسن الناس وجهاً وأحلاه منطقاً، فزاد ذلك في إعجاب عمر بها. ثم أراد معاودتها فتعذر ذلك عليه، وكان آخر عهده، فقال فيها:
صوت

(1/44)


علق النوار فؤاده جهلا ... وصبا فلم تترك له عقلا
وتعرضت لي في المسير فما ... أمسى الفؤاد يرى لها مثلا
ما نعجة من وحش ذي بقرٍ ... تغذو بسقط صريمةٍ طفلا
بألذ منها إذ تقول لنا ... وأردت كشف قناعها: مهلا
دعنا فإنك لا مكارمةً ... تجزي ولست بواصلٍ حبلا
وعليك من تبل الفؤاد وإن ... أمسى لقلبك ذكره شغلا
فأجبتها إن المحب مكلفٌ ... فدعي العتاب وأحدثي بذلا
الغناء لابن محرز خفيف ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ثاني ثقيلٍ بالبنصر ينسب إلى ابن عائشة.
حديثه مع أم الحكم وشعره فيها
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني أبو عبد الله السدوسي عن عيسى بن إسماعيل العتكي عن هشام بن الكلبي عن أبيه قال: حجت امرأةٌ من بني أمية يقال لها أم الحكم، فقدمت قبل أوان الحج معتمرةً. فبينا هي تطوف على بغلةٍ لها إذ مرت على عمر بن أبي ربيعة في نفرٍ من بني مخزوم وهم جلوسٌ يتحدثون وقد فرعهم طولاً وجهرهم جمالاً وبهرهم شارةً وعارضةً وبياناً، فمالت إليهم ونزلت عندهم، فتحدثت معهم طويلاً ثم انصرفت. ولم يزل عمر يتردد إليها إلى أن انقضت أيام الحج، فرحلت إلى الشأم، وفيها يقول عمر:
تأوب ليلى بنصبٍ وهم ... وعاودت ذكرى لأم الحكم
فبت أراقب ليل التما ... م، من نام من عاشقٍ لم أنم
فإما ترينني على ما عزا ... ضعيف القيام شديد السقم
كثير القلب فوق الفرا ... ش ما إن تقل قيامي قدم
بالمديحة طيب نشرها ... هضيم الحشا عذبة المبتسم
في أول الأبيات الثلاثة غناء. وقبلها وهو أول الصوت:
صوت
وفيتان صدقٍ صباح الوجو ... ه لا يجدون لشيءٍ ألم
من آل المغيرة لا يشهدو ... ن عند المجازر لحسم الوضم
الغناء في هذه الأبيات لمالك خفيف ثقيل الثاني بالبنصر وهو الذي يقال له الماخوري، عن عمرو. وفيه ثاني ثقيلٍ ينسب إلى ابن سريج والعريض ودحمان. وفيه لابن المكي خفيف رملٍ.
حديثه مع سكينة وشعره فيها
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن أبي عبد الله الزبيري قال: اجتمع نسوةٌ من أهل المدينة من أهل الشرف، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه، فتشوقن إليه وتمنينه، فقالت سكينة بنت الحسين: أنا لكن به. فأرسلت إليه رسولاً وواعدته الصورين، وسمت له الليلة والوقت، وواعدت صواحباتها، فوافاهن عمر على راحلته، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن. فقال لهن: والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده، ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئاً. ثم انصرف إلى مكة وقال:
صوت
قالت سكينة والدموع ذوارفٌ ... منها على الخدين والجلباب
ليت المغيري الذي لم أجزه ... فيما أطال تصيدي وطلابي
كانت ترد لنا المنى أيامنا ... إذ لا نلام على هوى وتصابي
خبرت ما قالت فبت كأنما ... ترمي الحشا بنوافذ النشاب
أسكين ما ماء الفرات وطيبه ... مني على ظمأ وفقد شراب
بألذ منك وإن نأيت وقلما ... ترعى النساء أمانة الغياب
الغناء للهذلي رملٌ بالوسطى عن الهشامي. وفيه للغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن حبشٍ. قال وقال فيها:
صوت
أحب لحبك من لم يكن ... صفياً لنفسي ولا صاحبا
وأبذل نفسي لمرضاتكم ... وأعتب من جاءكم عاتبا
وأرغب في ود من لم أكن ... إلى وده قبلكم راغبا
ولو سلك الناس في جانبٍ ... من الأرض واعتزلت جانبا
ليممت طيتها، إنني ... أرى قربها العجب العاجبا
فما نعجة من ظباء الأرا ... ك تقرو دميث الربا عاشبا
بأحسن منها غداة الغميم ... وقد أبدت الخد والحاجبا
غداة تقول على رقبةٍ ... لخادمها: يا احبسي الراكبا

(1/45)


فقالت لها: فيم هذا الكلام ... وأبدت لها عابساً قاطبا
فقالت كريمٌ أتى زائراً ... يمر بكم هكذا جانبا
شريفٌ أتى ربعنا زائراً ... فأكره رجعته خائبا "
غنى في الأول والثاني والرابع والخامس من هذه الأبيات ابن القفاص المكي، ولحنه رملٌ من رواية الهشامي.
بغوم ابن أبي ربيعة
وحدثني وكيع وابن المرزبان وعمي قالوا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا محمد بن معنٍ الغفاري قال حدثني سفيان بن عيينة قال: بينا أنا ومسعر بن كدامٍ مع إسماعيل بن أمية بفناء الكعبة إذا بعجوزٍ قد صلعت علينا عوراء متكئةً على عصاً يصفق أحد لحييها على الآخر، فوقفت على إسماعيل فسلمت عليه، فرد عليها السلام، وساءلها فأحفى المسألة، ثم انصرفت. فقال إسماعيل: لا إله إلا الله! ماذا تفعل الدنيا بأهلها! ثم أقبل علينا فقال: أتعرفان هذه؟ قلنا: لا والله، ومن هي؟ قال: هذه " بغوم " ابن أبي ربيعة التي يقول فيها:
حبذا أنت يا بغوم وأسما ... ء وعيصٌ يكننا وخلاء
انظرا كيف صارت، وما كان بمكة امرأةٌ أجمل منها. قال: فقال له مسعر: لا ورب هذه البنية، ما أرى أنه كان عند هذه خيرٌ قط. وفي هذه الأبيات يقول عمر:
صوت
صرمت حبلك البغوم وصدت ... عنك في غير ريبةٍ أسماء
والغواني إذا رأينك كهلاً ... كان فيهن عن هواك التواء
حبذا أنت يا بغوم وأسما ... ء وعيصٌ يكننا وخلاء
ولقد قلت ليلة الجزل لما ... أخضلت ريطتي علي السماء
ليت شعري وهل يردن ليتٌ هل لهذا عند الرباب جزاء
كل وصلٍ أمسى لدي لأنثى ... غيرها وصلها إليها أداء
كل خلقٍ وإن دنا لوصالٍ ... أو نأى فهو للرباب الفداء
فعدي نائلاً وإن لم تنيلي ... إنما ينفع المحب الرجاء
لمعبدٍ في: " ولقد قلت ليلة الجزل... " والذي بعده خفيف ثقيلٍ مطلقٍ في مجرى الوسطى عن يونس وإسحاق ودنانير، " وهو من مشهور غنائه " .
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب عن ذهيبة مولاة محمد بن مصعب بن الزبير قالت: كنت عند أمة الواحد أو أمة المجيد بنت عمر بن أبي ربيعة في الجنبذ الذي في بيت سكينة بنت خالد بن مصعب أنا وأبوها عمر وجاريتان له تغنيان، يقال لأحداهما البغوم، والأخرى أسماء. وكانت أمة المجيد بنت عمر تحت محمد بن مصعب بن الزبير.
قالت: فقال عمر بن أبي ربيعة وهو معهم في الجنبذ هذه الأبيات. فلما انتهى إلى قوله:
ولقد قلت ليلة الجزل لما ... أخضلت ريطتي علي السماء
خرجت البغوم ثم رجعت إليه فقالت: ما رأيت أكذب منك يا عمر! تزعم أنك بالجزل وأنت في جنبذ محمد بن مصعب، وتزعم أن السماء أخضلت ريطتك وليس في السماء قزعة! قال: هكذا يستقيم هذا الشأن.
وأخبرني علي بن صالح عم أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي ومحمد بن سلام أن عمر أنشد ابن أبي عتيق قوله:
حبذا أنت يا بغوم وأسما ... ء وعيصٌ يكننا وخلاء
فقال له: ما أبقيت شيئاً يتمنى يا أبا الخطاب إلا مرجلاً يسخن لكم فيه الماء للغسل.
عمر و بنت مروان بن الحكم
أخبرني ابن المرزبان قال حدثني إسماعيل بن جعفر عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: حجت أم محمدٍ بنت مروان بن الحكم، فلما قضت نسكها أتت عمر بن أبي ربيعة وقد أخفت نفسها في نسوة، فحدثها ملياً. فلما انصرفت أتبعها عمر رسولاً عرف موضعها وسأل عنها حتى أثبتها، فعادت إليه بعد ذلك فأخبرها بمعرفته إياها.
فقالت: نشدتك الله أن تشهرني بشعرك! وبعثت إليه بألف دينار، فقبلها وابتاع بها حللاً وطيباً فأهداه إليها، فردته. فقال لها: والله لئن لم تقبليه لأنهبنه، فيكون مشهوراً، فقبلته ورحلت. فقال فيها:
صوت
أيها الراكب المجد ابتكارا ... قد قضى من تهامة الأوطارا
من يكن قلبه صحيحاً سليماً ... ففؤادي بالخيف أمسى معارا
ليت ذا الدهر كان حتماً علينا ... كل يومين حجةً واعتمارا

(1/46)


الغناء لابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه أيضاً له خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكي. وفيه لذكاء وجه الرزة المعتمدي ثقيلٌ أول من جيد الغناء وفاخر الصنعة ليس لأحد من طبقته وأهل صنعته مثله. وأنشد ابن أبي عتيق قول عمر هذا، فقال: الله أرحم بعباده أن يجعل عليهم ما سألته ليتم لك فسقك.
عمر وحميدة جارية ابن تفاحة
أخبرني ابن المرزبان قال أخبرني أحمد بن يحيى القرشي عن أبي الحسن الأزدي عن جماعةٍ من الرواة: أن عمر كان يهوى حميدة جارية ابن تفاحة، وفيها يقول:
صوت
حمل القلب من حميدة ثقلا ... إن في ذاك للفؤاد لشغلا
إن فعلت الذي سألت فقولي ... حمد خيراً وأتبعي القول فعلا
وصليني فأشهد الله أني ... لست أصفي سواك ما عشت وصلا
الغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن يحيى المكي والهشامي. وفيها يقول:
صوت
يا قلب هل لك عن حميدة زاجر ... أم أنت مدكر الحياء فصابر
فالقلب من ذكرى حميدة موجعٌ ... والدمع منحدرٌ وعظمي فاتر
قد كنت أحسب أنني قبل الذي ... فعلت على ما عند حمدة قادر
حتى بدا لي من حميدة خلتي ... بينٌ وكنت من الفراق أحاذر
" الغناء لمعبدٍ خفيف ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق " .
عمر و بعض جواري بني أمية
في موسم الحج
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو مسلمٍ المستملي عن ابن أخي زرقان عن أبيه قال: أدركت مولىً لعمر بن أبي ربيعة شيخاً كبيراً، فقلت له: حدثني عن عمر بحديثٍ غريب، فقال: نعم! كنت معه ذات يوم، فاجتاز به نسوةٌ من جواري بني أمية قد حججن، فتعرض لهن وحادثهن وناشدهن مدة أيام حجهن، ثم قالت له إحداهن: يا أبا الخطاب، إنا خارجاتٌ في غدٍ فابعث مولاك هذا إلى منزلنا ندفع إليه تذكرةً تكون عندك تذكرنا بها. فسر بذلك ووجه بي إليهن في السحر، فوجدتهن يركبن، فقلن لعجوزٍ معهن: يا فلانة، ادفعي إلى مولى أبي الخطاب التذكرة التي أتحفناه بها. فأخرجت إلي صندوقاً لطيفاً مقفلاً مختوماً، فقلن: ادفعه إليه وارتحلن.
فجئته به وأنا أظن أنه قد أودع طيباً أو جوهراً. ففتحه عمر فإذا هو مملوءٌ من المضارب " وهي الكيرنجات " ، وإذا على كل واحد منها اسم رجل من مجان مكة، وفيها اثنان كبيران عظيمان، على أحدهما الحارث بن خالد وهو يومئذٍ أمير مكة. وعلى الآخر عمر بن أبي ربيعة. فضحك وقال: تماجن علي ونفذ لهن. ثم أصلح مأدبةً. ودعا كل واحد ممن له اسمٌ في تلك المضارب. فلما أكلوا واطمأنوا للجلوس قال: هات يا غلام تلك الوديعة، فجئته بالصندوق، ففتحه ودفع إلى الحارث الكيرنج الذي عليه اسمه. فلما أخذه وكشف عنه غطاءه فزع وقال: ما هذا أخزاك الله! فقال له: رويداً، اصبر حتى ترى. ثم أخرج واحداً واحداً فدفعه إلى من عليه اسمه حتى فرقها فيهم ثم أخرج الذي باسمه وقال: هذا لي. فقالوا له: ويحك! ما هذا؟ فحدثهم بالخبر فعجبوا منه، وما زالوا يتمازحون بذلك دهراً طويلاً ويضحكون منه.
قصته مع بنات أبصرنه من وراء المضرب
قال وحدثني هذا المولى قال: كنت مع عمر وقد أسن وضعف، فخرج يوماً يمشي متوكئاً على يدي حتى مر بعجوزٍ جالسةٍ، فقال لي: هذه فلانة وكانت إلفاً لي، وعدل إليها فسلم عليها وجلس عندها وجعل يحادثها، ثم قال: هذه التي أقول فيها:
صوت
أبصرتها ليلةً ونسوتها ... يمشين بين المقام والحجر
بيضاً حساناً نواعماً قطفاً ... يمشين هوناً كمشية البقر
قالت لتربٍ لها تلاطفها ... لنفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري
بل يا خليلي عادني ذكري ... بل اعترتني الهموم بالسهر
- الغناء لابن سريج في السادس والأول والثاني خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. وفيها لسنانٍ الكاتب رملٌ بالوسطى عنه وعن يونس. وفيها للأبجر خفيف رملٍ بالوسطى عنه. وفي:
قالت لتربٍ لها تلاطفها

(1/47)


لعبد الله بن العباس خفيف رملٍ بالبنصر عن الهشامي، وفيه للدلال خفيف ثقيلٍ عنه أيضاً. ولأبي سعيد مولى فائدٍ في الأول والثاني ثقيلٌ أول عن الهشامي أيضاً، ومن الناس من ينسب لحنه إلى سنان الكاتب وينسب لحن سنان إليه - قال: وجلس معها يحادثها، فأطلعت رأسها إلى البيت وقالت: يا بناتي، هذا أبو الخطاب عمر بن أبي ربيعة عندي، فإن كنتن تشتهين أن ترينه فتعالين. فجئن إلى مضربٍ قد حجزن به دون بابها فجعلن يثقبنه ويضعن أعينهن عليه يبصرن. فاستسقاها عمر، فقالت له: أي الشراب أحب إليك؟ قال: الماء. فأتي بإناء فيه ماء، فشرب منه، ثم ملأ فمه فمجه عليهن في وجوههن من وراء الحاجز، فصاح الجواري وتهاربن وجعلن يضحكن. فقالت له العجوز: ويلك! لا تدع مجونك وسفهك مع هذه السن! فقال: لا تلوميني، فما ملكت نفسي لما سمعت من حركاتهن أن فعلت ما رأيت.
حديثه مع المرأة التي رآها في الطواف
وارتحل معها إلى العراق
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن منصور بن أبي العلاء الهمداني قال حدثني علي بن طريف الأسدي قال: سمعت أبي يقول: بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى امرأةً من أهل العراق فأعجبه جمالها، فمشى معها حتى عرف موضعها، ثم أتاها فحادثها وناشدها وناشدته وخطبها. فقالت: إن هذا لا يصلح ها هنا، ولكن إن جئتني إلى بلدي وخطبتني إلى أهلي تزوجتك. فلما ارتحلوا جاء إلى صديق له من بني سهمٍ وقال له: إن لي إليك حاجةً أريد أن تساعدني عليها، فقال له نعم. فأخذ بيده ولم يذكر له ما هي، ثم أتى منزله فركب نجيباً له وأركبه نجيباً " آخر " ، وأخذ معه ما يصلحه، وسارا لا يشك السهمي في أنه يريد سفر يوم أو يومين، فما زال يحفد حتى لحق بالرفقة، ثم سار بسيرهم يحادقث المرأة طول طريقه ويسايرها وينزل عندها إذا نزلت حتى ورد العراق. فأقام أياماً، ثم راسلها يتنجزها وعدها، فأعلمته أنها كانت متزوجةً ابن عم لها وولدت منه أولادها ثم مات وأوصى بهم وبماله إليها ما لم تتزوج، وأنها تخاف فرقة أولادها وزوال النعمة، وبعثت إليه بخمسة آلاف درهم واعتذرت، فردها عليها ورحل إلى مكة، وقال في ذلك قصيدته التي أولها:
صوت
نام صحبي ولم أنم ... من خيال بنا ألم
طاف بالركب موهناً ... بين خاخٍ إلى إضم
ثم نبهت صاحباً ... طيب الخيم والشيم
أريحيا مساعداً ... غير نكسٍ ولا برم
قلت يا عمرو شفني ... لاعج الحب والألم
ايت هنداً فقل لها ... ليلة الخيف ذي السلم
الغناء لمالك خفيف رملٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. وفيه لعبد الله بن العباس الربيعي خفيف رملٍ من رواية عمرو بن بانة، وذكر حبشٌ أن لحن عبد الله بن العباس رملٌ آخر عن الهشامي.
عود إلى شهادة جرير في شعر عمر
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا الحسين بن إسماعيل عن ابن عائشة عن أبيه قال: كان جريرٌ إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: شعرٌ تهاميٌّ إذا أنجد وجد البرد، حتى أنشد قوله:
رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر
... الأبيات. فقال: مازال هذا يهذي حتى قال الشعر.
حنين عمر إلى ذكر الغزل
بعد أن كبرت سنه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن محمد بن أبان قال أخبرني العتبي عن أبي زيد الزبيري عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي قال: أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين وهو في مجلس قومه من بني مخزوم، فانتظرت حتى تفرق القوم، ثم دنوت منه ومعي صاحبٌ لي ظريفٌ وكان قد قال لي: تعال حتى نهيجه على ذكر الغزل، فننظر هل بقي في نفسه منه شيءٌ. فقال له صاحبي: يا أبا الخطاب، أكرمك الله! لقد أحسن العذري وأجاد فيما قال. فنظر عمر إليه ثم قال له: وماذا قال؟ قال: حيث يقول:
لو جد بالسيف رأسي في مودتها ... لمر يهوي سريعاً نحوها راسي

(1/48)


قال: فارتاح عمر إلى قوله وقال: هاه! لقد أجاد وأحسن! فقلت: ولله در جنادة العذري! فقال عمر حيث يقول ماذا ويحك؟ فقلت: حيث يقول:
سرت لعينك سلمى بعد مغفاها ... فبت مستنبهاً من بعد مسراها
وقلت أهلاً وسهلاً من هداك لنا ... إن كنت تمثالها أو كنت إياها
من حبها أتمنى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناعٍ فينعاها
كيما أقول فراق لا لقاء له ... وتضمر النفس يأساً ثم تسلاها
ولو تموت لراعتني وقلت ألا ... يا بؤس للموت ليت الموت أبقاها
قال: فصحك عمر ثم قال: وأبيك لقد أحسن وأجاد وما أبقى! ولقد هيجتما علي ساكناً، وذكرتماني ما كان عني غائباً، ولأحدثنكما حديثاً حلواً:
قصته مع هند بنت الحارث المرية
بينا أنا منذ أعوام جالسٌ، إذ أتاني خالدٌ الخريت، فقال لي: يا أبا الخطاب، مرت بي أربع نسوةٍ قبيل العشاء يردن موضع كذا وكذا لم أر مثلهن في بدوٍ ولا حضر، فيهن هند بنت الحارث المرية، فهل لك أن تأتيهن متنكراً فتسمع من حديثهن وتتمتع بالنظر إليهن ولا يعلمن من أنت؟ فقلت له: ويحك! وكيف لي أن أخفي نفسي؟ قال: تلبس لبسة أعرابي ثم تجلس على قعودٍ " ثم ائتهن فسلم عليهن " ، فلا يشعرن إلا بك قد هجمت عليهن. ففعلت ما قال، وجلست على قعودٍ، ثم أتيتهن فسلمت عليهن ثم وقفت بقربهن. فسألنني أن أنشدهن وأحدثهن، فأنشدتهن لكثير وجميل والأحوص ونصيبٍ وغيرهم. فقلن لي: ويحك يا أعرابي! ما أملحك وأظرفك! لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا! فإذا أمسيت انصرفت في حفظ الله. قال: فأنخت بعيري ثم تحدثت معهن وأنشدتهن، فسررن بي وجذلن بقربي وأعجبهن حديثي. قال: ثم أنهن تغامزن وجعل بعضهن يقول لبعضٍ: كأنا نعرف هذا الأعرابي! ما أشبهه بعمر بن أبي ربيعة! فقالت إحداهن: فهو والله عمر! فمدت هندٌ يدها فانتزعت عمامتي فألقتها عن رأسي ثم قالت لي: هيه يا عمر! أتراك خدعتنا منذ اليوم! بل نحن والله خدعناك واحتلنا عليك بخالدٍ، فأرسلناه إليك لتأتينا في أسوأ هيئةٍ ونحن كما ترى. قال عمر: ثم أخذنا في الحديث، فقالت هند: ويحك يا عمر! اسمع مني، لو رأيتني منذ أيام وأصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في جيبي، فنظرت إلى حري فإذا هو ملء الكف ومنية المتمني، فناديت يا عمراه يا عمراه! قال عمر: فصحت يا لبيكاه يا لبيكاه! ثلاثاً ومددت في الثالثة صوتي، فضحكت. وحادثتهن ساعةً، ثم ودعتهن وانصرفت.
فذلك قولي:
صوت
عرفت مصيف الحي والمتربعا ... ببطن حلياتٍ دوارس بلقعا
إلى السفح من وادي المغمس بدلت ... معالمه وبلاً ونكباء زعزعا
لهندٍ وأترابٍ لهندٍ إذ الهوى ... جميعٌ وإذ لم نخش أن يتصدعا
وإذ نحن مثل الماء كان مزاجه ... كما صفق الساقي الرحيق المشعشعا
وإذا لا نطيع الكاشحين ولا نرى ... لواشٍ لدينا يطلب الصرم موضعا
الغناء للغريض ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي ومن نسخة عمرو الثانية. وفيه لابن جامع وابن عبادٍ لحنان من كتاب إبراهيم. وفيها يقول - وفيه غناء - :
صوت
فلما تواقفنا وسلمت أشرقت ... وجوهٌ زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما رأينني ... وقلن امرؤ باغٍ أكل وأوضعا
وقربن أسباب الهوى لمتيمٍ ... يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا
الغناء لابن عبادٍ رملٌ عن الهشامي. وفيه لابن جامع لحنٌ من كتاب إبراهيم غير مجنس. " هذه الأبيات مقرونةٌ بالأولى، والصنعة في جميعها مختلفةٌ، يغني المغنون بعض هذه وبعض تلك ويخلطونها، والصنعة لمن قدمت ذكره " . وهي قصيدة طويلة، ذكرت منها ما فيه صنعةٌ.
ومما قاله في هند هذه وغني فيه قوله:
صوت
ألم تسأل الأطلال والمنزل الخلق ... ببرقة ذي ضالٍ فيخبر إن نطق؟
ذكرت به هنداً فظلت كأنني ... أخو نشوةٍ لاقى الحوانيت فاغتبق
الغناء لعطردٍ ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمعبدٍ ثقيلٌ أول بالوسطى عن الهشامي. وذكر حبشٌ أن فيه للغريض ثاني ثقيلٍ بالوسطى. ومنها:
صوت

(1/49)


أسبح القلب مهيضا ... راجع الحب الغريضا
وأجد الشوق وهناً ... أن رأى برقاً وميضا
ثم بات الركب نوا ... ماً ولم أطعم غموضا
ذاك من هندٍ قديماً ... تركها القلب مهيضا
وتبدت ثم أبدت ... واضح اللون نحيضا
وعذاب الطعم غراً ... كأقاحي الرمل بيضا
الغناء لابن محرزٍ خفيف ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر. وفيه لحكمٍ هزجٌ بالوسطى عن عمرو، وقيل: إنه يمانٍ. ومن الناس من ينسب لحن ابن محرزٍ إلى ابن مسجحٍ. ومنها:
صوت
أربت إلى هندٍ وتربين مرةً ... لها إذ تواقفنا بفرع المقطع
" لتعريج يومٍ أو لتعريس ليلةٍ ... علينا بجمع الشمل قبل التصدع
فقلن لها لولا ارتقاب صحابةٍ ... لنا خلفنا عجنا ولم نتورع "
وقالت فتاةٌ كنت أحسب أنها ... مغفلةٌ في مئزرٍ لم تدرع
لهن وما شاورنها ليس ما أرىبحسن جزاءٍ للحبيب المودع
فقلن لها لا شب قرنك فافتحي ... لنا باب ما يخفى من الأمر نسمع
وهي أبياتٌ. الغناء للغريض ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر ابن المكي أنه لابن سريج. ومنها:
صوت
لما ألمت بأصحابي وقد هجعوا ... حسبت وسط رحال القوم عطارا
فقلت من ذا المحيى وانتبهت له ... ومن محدثنا هذا الذي زارا؟
ألا انزلوا نعمت دارٌ بقربكم ... أهلاً وسهلاً بكم من زائرٍ زارا
فبدل الربع ممن كان يسكنه ... عفر الظباء به يمشين أسطارا
الغناء لابن سريج رملٌ بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ليونس خفيف ثقيلٍ. وفيه لأبي فارة هزجٌ بالبنصر. وأول هذه القصيدة التي فيها ذكر هند قوله:
يا صاحبي قفا نستخبر الدارا ... أقوت وهاجت لنا بالنعف تذكارا
وقد أرى مرةً سرباً بها حسناً ... مثل الجآذر لم يمسسن أبكارا
فيهن هند وهندٌ لا شبيه لها ... فيمن أقام من الأحياء أو سارا
تقول ليت أبا الخطاب وافقنا ... كي نلهو اليوم أو ننشد أشعارا
فلم يرعهن إلا العيس طالعةً ... بالقوم يحملن ركباناً وأكوارا
وفارسٌ يحمل البازي فقلن لها ... ها هم أولاء وما أكثرن إكثارا
لما وقفنا وعننا ركائبنا ... بدلن بالعرف بعد الرجع إنكارا
ومنها:
صوت
ألم تربع على الطلل ... ومغنى الحي كالخلل
لهندٍ إن هنداً حب ... ها قد كان من شغلي
" فلما أن عرفت الدا ... ر عجت لرسمها جملي
وقلت لصحبتي عوجوا ... فعاجوا هزة الإبل "
وقالوا قف ولا تعجل ... وإن كنا على عجل
قليلٌ في هواك اليو ... م ما نلقى من العمل
الغناء لابن سريج ثاني ثقيلٍ مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه " له " أيضاً رملٌ عن الهشامي وحبشٍ. ومنها:
صوت
هاج ذا القلب منزل ... بالبليين محول
غيرت آيه الصبا ... وجنوبٌ وشمال
إن هنداً قد أرسلت ... وأخو الشوق مرسل
أرسلت تستحثني ... وتفدي وتعذل
أينا بات ليله ... بين غصنين يوبل
تحت عينٍ، يكننا ... برد عصبٍ مهلهل
في هذه الأبيات خفيف ثقيلٍ مطلقٍ في مجرى البنصر، ذكر إسحاق أنه لمالك، وذكر عمرو أنه لابن محرز.
وذكر يونس أن فيها لحناً لابن محرز ولحناً لمالك. وقال عمرو في نسخته الثانية: إنه لابن زرزر الطائفي خفيف ثقيلٍ بالوسطى، وروت مثل ذالك دنانير عن فليح. وفيها لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيها لعبد الله بن موسى الهادي ثاني ثقيلٍ من مجموعة ورواية الهشامي وفيه لحكمٍ هزجٌ بالخنصر والبنصر عن ابن المكي. وفيه للحجبي رملٌ عن الهشامي وفيه ثقيلٌ أول نسبه ابن المكي إلى ابن محرز، وذكر الهشامي أنه منحول. وفيه خفيف رمل ذكر الهشامي أنه لحن ابن محرز. ومنها:

(1/50)


صوت
يا صاح هل تدري وقد جمدت ... عيني بما ألقى من الوجد
لما رأيت ديارها درست ... وتبدلت أعلامها بعدي
وذكرت مجلسها ومجلسنا ... ذات العشاء بمهبط النجد
ورسالةً منها تعاتبني ... فرددت معتبةً على هند
الغناء ليحيى المكي رمل بالوسطى. وفيه لغيره ألحان أخر. ومنها:
صوت
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرةً واحدةً ... إنما العاجز من لا يستبد
ولقد قالت لجاراتٍ لها ... ذات يومٍ وتعرت تبترد
- ويروى:
زعموها سألت جاراتها ...
أكما ينعتني تبصرنني ... عمركن الله أم لا يقتصد
فتضاحكن وقد قلن لها ... حسنٌ في كل عينٍ من تود
حسداً حملنه من أجلها ... وقديماً كان في الناس الحسد
الغناء لابن سريج رملٌ بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لحنٌ لمالكٍ من كتاب يونس غير مجنس. وفيه لابن سريج خفيف رملٍ بالبنصر عن عمرو، وذكره إسحاق في خفيف الثقيل بالخنصر في مجرى البنصر ولم ينسبه إلى أحد. وفيه ثاني ثقيلٍ يقال إنه لحنٌ لمالكٍ، ويقال إنه لمتيم. ومنها:
صوت
هاج القريض الذكر ... لما غدوا فانشمروا
على بغالٍ شحجٍ ... قد ضمهن السفر
فيهن هندٌ ليتني ... ما عمرت أعمر
حتى إذا ما جاءها ... حتفٌ أتاني القدر
لابن سريج فيه لحنان: رملٌ مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق، وخفيف رملٍ عن الهشامي. ومنها:
صوت
يا من لقلبٍ دنفٍ مغرم ... هام إلى هندٍ ولم يظلم
هام إلى ريمٍ هضيم الحشى ... عذب الثنايا طيب المبسم
لم أحسب الشمس بليلٍ بدت ... قبلي لذي لحمٍ ولا ذي دم
قالت ألا إنك ذو ملةٍ ... يصرفك الأدنى عن الأقدم
قلت لها بل أنت معتلةٌ ... في الوصل يا هند لكي تصرمي
الغناء لابن سريج رملٌ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لبديح لحنٌ قديمٌ. وقيل: إن فيه رملاً آخر لعمارة مولاة عبد الله بن جعفر. ومنها:
صوت
تصابى وما بعض التصابي بطائل ... وعاود من هندٍ جوىً غير زائل
عشية قالت صدعت غربة النوى ... فما من تلاقٍ قد أرى دون قابل
وما أنس مِ الأشياء لا أنس مجلساً ... لنا مرةً منها بقرن المنازل
بنخلة بين النخلتين يكننا ... من العين عند العين برد المراجل
الغناء للغريض ثقيلٌ أول بالبنصر عن عمرو. وفيه للعماني خفيف ثقيلٍ عن دنانير والهشامي. ومنها:
صوت
لج قلبي في التصابي ... وازدهى عني شبابي
ودعاني لهوى هن ... دٍ فؤادٌ غير نابي
قلت لما فاضت العي ... نان دمعاً ذا انسكاب
إن جفتني اليوم هندٌ ... بعد ودٍّ واقتراب
فسبيل الناس طراً ... لفناءٍ وذهاب
الغناء لأهل مكة رملٌ بالوسطى.
قصته مع فاطمة بنت عبد الملك
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو علي الأسدي - وهو بشر ابن موسى بن صالح - قال حدثني أبي موسى بن صالح عن أبي بكر القرشي قال:

(1/51)


كان عمر بن أبي ربيعة جالساً بمنىً في فناء مضربه وغلمانه حوله، إذ أقبلت امرأةٌ برزةٌ عليها أثر النعمة فسلمت، فرد عليها عمر السلام، فقالت له: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ فقال لها: أنا هو، فما حاجتك؟ قالت له: حياك الله وقربك! هل لك في محادثة أحسن الناس وجهاً، وأتمهم خلقاً، وأكملهم أدباً، وأشرفهم حسباً؟ قال: ما أحب إلي ذلك! قالت: على شرطٍ. قال: قولي. قالت: تمكنني من عينيك حتى أشدهما وأقودك، حتى إذا توسطت الموضع الذي أريد حللت الشد، ثم أفعل ذلك بك عند إخراجك حتى أنتهي بك إلى مضربك. قال: شأنك، ففعلت ذلك به. قال عمر: فلما انتهت بي إلى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي، فإذا أنا بامرأة على كرسي لم أر مثلها قط جمالاً وكمالاً، فسلمت وجلست. فقالت: أأنت عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: أنا عمر. قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك جعلني الله فداءك؟ قالت: ألست القائل:
صوت
قالت وعيش أخي ونعمة والدي ... لأنبهن الحي إن لم تخرج
فخرجت خوف يمينها فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج
فتناولت رأسي لتعرف مسه ... بمخضب الأطراف غير مشنج
فلثمت فاها آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
- الغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالبنصر عن يونس وعمرو - .
ثم قالت: قم فاخرج عني، ثم قامت من مجلسها. وجاءت المرأة فشدت عيني، ثم أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي، وانصرفت وتركتني. فحللت عيني وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله به أعلم. وبت ليلتي، فلما أصبحت إذا أنا بها، فقالت: هل لك في العود؟ فقلت: شأنك، ففعلت بي مثل فعلها بالأمس، حتى انتهت بي إلى الموضع. فلما دخلت إذا بتلك الفتاة على كرسي. فقالت: إيه يا فضاح الحرائر! قلت: بماذا جعلني الله فداءك؟ قالت: بقولك:
صوت
وناهدة الثديين قلت لها اتكي ... على الرمل من جبانةٍ لم توسد
فقالت على اسم الله أمرك طاعةٌ ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
فلما دنا الإصباح قالت فضحتني ... فقم غير مطرودٍ وإن شئت فازدد
- الغناء لأهل مكة ثقيلٌ أول عن الهشامي - ثم قالت قم فاخرج عني، فقمت فخرجت ثم رددت. فقالت لي: لولا وشك الرحيل، وخوف الفوت، ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك، هات الآن كلمني وحدثني وأنشدني.
فكلمت آدب الناس وأعلمهم بكل شيء. ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا لي البيت، فأخذت أنظر، فإذا أنا بتور فيه خلوقٌ، فأدخلت يدي فيه ثم خبأتها في ردني. وجاءت تلك العجوز فشدت عيني ونهضت بي تقودني، حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب، ثم صرت إلى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيكم يقفني على باب مضربٍ عليه خلوقٌ كأنه أثر كفٍّ فهو حرٌ وله خمسمائة درهم.
فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم. فنهضت معه، فإذا أنا بالكف طرية، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان. فأخذت في أهبة الرحيل، فلما نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقبابٍ ومضربٍ وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك الله والرحم أن تصحبني، ويحك! ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك. فسارت العجوز فأدت إليه ما قالت لها فاطمة. فقال: لست بمنصرفٍ أو توجه إلي بقميصها الذي يلي جلدها، فأخبرتها ففعلت وجهت إليه بقميصٍ من ثيابها، فزاده ذلك شغفاً. ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم، حتى إذا صاروا على أميالٍ من دمشق انصرف وقال في ذلك:
ضاق الغداة بحاجتي صدري ... ويئست بعد تقارب الأمر
وذكرت فاطمة التي علقتها ... عرضاً فيا لحوادث الدهر
وفي هذه القصيدة مما يغنى فيه قوله:
صوت
ممكورةٌ ردع العبير بها ... جم العظام لطيفةٌ الخصر
وكأن فاها عند رقدتها ... تجري عليه سلافة الخمر
الغناء لإبراهيم بن المهدي ثاني ثقيلٍ من جامعه. وفيه لمتيم رملٌ من جامعها أيضاً. وتمام الأبيات وليست فيه صنعةٌ:
" فسبت فؤادي إذ عرضت لها ... يوم الرحيل بساحة القصر

(1/52)


بمزينٍ ودع العبير به ... حسن الترائب وضح النحر "
وبجيد آدم شادنٍ خرقٍ ... يرعى الرياض ببلدةٍ قفر
لما رأيت مطيها حزقاً ... خفق الفؤاد وكنت ذا صبر
وتبادرت عيناي بعدهم ... وانهل دمعهما على الصدر
ولقد عصيت ذوي القرابة فيكم ... طراً وأهل الود والصهر
حتى لقد قالوا وما كذبوا ... أجننت أم بك داخل السحر
خوفه من التصريح باسمها أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إسحاق عن محمد بن أبان قال حدثني الوليد بن هشام القحذمي عن أبي معاذٍ القرشي قال: لما قدمت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان مكة جعل عمر بن أبي ربيعة يدورحولها ويقول فيها الشعر ولا يذكر باسمها فرقاً من عبد الملك بن مروان ومن الحجاج، لأنه كان كتب إليه يتوعده إن ذكرها أو عرض باسمها. فلما قضت حجها وارتحلت أنشأ يقول:
صوت
كدت يوم الرحيل أقضي حياتي ... ليتني مت قبل يوم الرحيل
لا أطيق الكلام من شدة الخو ... ف ودمعي يسيل كل مسيل
ذرفت عينها وفاضت دموعي ... وكلانا يلقى بلبٍّ أصيل
لو خلت خلتي أصبت نوالاً ... أو حديثاً يشفي من التنويل
ولظل الخلخال فوق الحشايا ... مثل أثناء حيةٍ مقتول
فلقد قالت الحبيبة لولا ... كثرة الناس جدت بالتقبيل
غنى فيه ابن محرز ولحنه ثقيلٌ أول من أصواتٍ قليلة الأشباه عن إسحاق وفيه لعبادل خفيف ثقيلٍ بالبنصر عن عمرو، ويقال إنه للهذلي. وفيه لعبيد الله بن أبي غسان ثاني ثقيلٍ عن الهشامي.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أبو علي الحسن بن الصباح عن محمد بن حبيب أنه أخبره: أن عمر بن أبي ربيعة قال في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان:
صوت
يا خليلي شفني الذكر ... وحمول الحي إذ صدروا
ضربوا حمر القباب لها ... وأديرت حولها الحجر
سلكا شعب النقاب بها ... زمراً تحتثها زمر
وطرقت الحي مكتتماً ... ومعي عضبٌ به أثر
وأخٌ لم أخش نبوته ... بنواحي أمرهم خبر
فإذا ريمٌ على فرشٍ ... في حجال الخز مختدر
حوله الأحراس ترقبه ... نومٌ من طول ما سهروا
شبه القتلى وما قتلوا ... ذاك إلا أنهم سمروا
فدعت بالويل، ثم دعت ... حرةً من شأنها الخفر
ثم قالت للتي معها ... ويح نفسي قد أتى عمر
ماله قد جاء يطرقنا ... ويرى الأعداء قد حضروا
لشقائي كان علقنا ... ولحيني ساقه القدر
قلت عرضي دون عرضكم ... ولمن ناواكم الحجر
هذا البيت الأخير مما فيه غناء مع:
وطرقت الحي مكتتما
للغريض وفي:
يا خليلي شفني الذكر
وفي:
قلت عرضي دون عرضكم
وفي:
ثم قالت للتي معها
وفي:
ماله قد جاء يطرقنا
" ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو " وفي:
ضربوا حمر القباب لها
وما بعده أربعةٍ متواليةٍ رملٍ بالوسطى للهذلي وفي: " وطرقت " وبعده: " فإذا ريم " وبعده: " حوله الأحراس " والبيتين اللذين بعده لابن سريج خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. وفيها بعينها ثقيلٌ أول يقال إنه للأبجر، وينسب إلى غيره عن الهشامي.
عمر وعائشة بنت طلحة
وما قاله فيها من الشعر
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن رجل من قريش قال: بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت، إذ رأى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وكانت من أجمل أهل دهرها، وهي تريد الركن تستلمه، فبهت لما رآها ورأته، وعلمت أنها قد وقعت في نفسه، فبعثت إليه بجارية لها وقالت: قولي له اتق الله ولا تقل هجراً، فإن هذا مقامٌ لابد فيه مما رأيت. فقال للجارية: أقرئيها السلام وقولي لها: ابن عمك لا يقول إلا خيراً. وقال فيها:
صوت

(1/53)


لعائشة ابنة التيمي عندي ... حمىً في القلب ما يرعى حماها
يذكرني ابنة التيمي ظبيٌ ... يرود بروضةٍ سهلٍ رباها
فقلت له وكاد يراع قلبي فلم أر قط كاليوم اشتباها
سوى حمشٍ بساقك مستبينٍ ... وأن شواك لم يشبه شواها
وأنك عاطلٌ عارٍ وليست ... بعاريةٍ ولا عطلٍ يداها
وأنك غير أفرغ وهي تدلي ... على المتنين أسحم قد كساها
ولو قعدت ولم تكلف بودٍّ ... سوى ما قد كلفت به كفاها
أظل إذا أكلمها كأني ... أكلم حيةً غلبت رقاها
تبيت إلي بعد النوم تسري ... وقد أمسيت لا أخشى سراها
الغناء في البيتين الأولين من هذه الأبيات لأبي فارة ثقيلٌ أول. وفيهما لعبد الله بن العباس الربيعي خفيف ثقيلٍ جميعاً عن الهشامي. وذكر إسحاق أن هذا الصوت مما ينسب إلى معبد، وهو يشبه غناءه إلا أنه لم يروه عن ثبتٍ ولم يذكر طريقته. قال: وقال فيها أشعاراً كثيرة، فبلغ ذلك فتيان بني تيمٍ، أبلغهم إياه فتىً منهم وقال لهم: يا بني تيمٍ بن مرة، هالله ليقذفن بنو مخزومٍ بناتنا بالعظائم وتغفلون! فمشى ولد أبي بكر وولد طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبي ربيعة فأعلموه بذلك وأخبروه بما بلغهم. فقال لهم: والله لا أذكرها في شعرٍ أبداً. ثم قال بعد ذلك فيها - وكنى عن اسمها - قصيدته التي أولها:
صوت
يا أم طلحة إن البين قد أفدا ... قل الثواء لئن كان الرحيل غدا
أمسى العراقي لا يدري إذا برزت ... من ذا تطوف بالأركان أو سجدا
- الغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالبنصر عن عمرو ويونس - قال ولم يزل عمر ينسب بعائشة أيام الحج ويطوف حولها ويتعرض لها وهي تكره أن يرى وجهها، حتى وافقها وهي ترمي الجمار سافرةً، فنظر إليها فقالت: أما والله لقد كنت لهذا منك كارهةً يا فاسق! فقال:
صوت
إني وأول ما كلفت بذكرها ... عجبٌ وهل في الحب من متعجب
نعت النساء فقلت لست بمبصرٍ ... شبهاً لها أبداً ولا بمقرب
فمكثن حيناً ثم قلن توجهت ... للحج، موعدها لقاء الأخشب
أقبلت أنظر ما زعمن وقلن لي ... والقلب بين مصدقٍ ومكذب
فلقيتها تمشي تهادى موهناً ... ترمي الجمار عشيةً في موكب
غراء يعشي الناظرين بياضها ... حوراء في غلواء عيشٍ معجب
إن التي من أرضها وسمائها ... جلبت لحينك ليتها لم تجلب
الغناء لمعبد في الأول والثاني والرابع والسابع ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وفيها للغريض خفيف ثقيلٍ عن الهشامي، يبدأ فيه بالثالث.
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق قال أخبرني مصعب الزبيري: أن عمر بن أبي ربيعة لقي عائشة بنت طلحة بمكة وهي تسير على بغلة لها، فقال لها: قفي حتى أسمعك ما قلت فيك. قالت: أو قد قلت يا فاسق؟ قال: نعم! فوقفت فأنشدها:
صوت
يا ربة البغلة الشهباء هل لك في ... أن تنشري ميتاً لا ترهقي حرجا
ويروى: هل لكم في عاشقٍ دنفٍ
قالت بدائك مت أو عش تعالجه ... فما نرى لك فيما عندنا فرجا
قد كنت حملتنا غيظاً نعالجه ... فإن تقدنا فقد عنيتنا حججا
حتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا ... أكلت لحمك من غيظٍ وما نضجا
الغناء لابن سريح ثقيل أول مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج ثلاثة ألحانٍ ذكرها إسحاق ولم يجنس منها إلا واحداً، وذكر الهشامي أن أحدها خفيف رملٍ بالوسطى، " وذكر عمرو أن الثالث هزجٌ بالوسطى " . ولإسحاق فيها هزج من مجموع صنعته فقالت: لا ورب هذه البنية! ما عنيتنا طرفة عينٍ قط. ثم قالت لبغلتها: عدس، وسارت. وتمام هذه الأبيات:
فقلت لا والذي حج الحجيج له ... ما مح حبك من قلبي ولا نهجا
ولا أرى القلب من شيءٍ يسر به ... مذ بان منزلكم منا ولا ثلجا
ضنت بنائلها عنه فقد تركت ... في غير ذنبٍ أبا الخطاب مختلجا
قال: فلم تزل عائشة تداريه وترفق به خوفاً من أن يتعرض لها حتى قضت حجها وانصرفت إلى المدينة. فقال في ذلك:

(1/54)


إن من تهوى مع الفجر ظعن ... للهوى والقلب متباع الوطن
بانت الشمس وكانت كلما ... ذكرت للقلب عاودت الددن
صوت
يا أبا الحارث قلبي طائرٌ ... فأتمر أمر رشيدٍ مؤتمن
نظرت عيني إليها نظرةً ... تركت قلبي لديها مرتهن
ليس حبٌّ فوق ما أحببتها ... غير أن أقتل نفسي أو أجن
فيها ثاني ثقيلٍ بالوسطى نسبه عمرو بن بانة إلى ابن سريج، ونسبه ابن المكي إلى الغريض. وفيها رمل لأهل مكة.
ومما يغني فيه من أشعاره في عائشة بنت طلحة قوله في قصيدته التي أولها:
صوت
من لقلبٍ أمسى رهيناً معنى ... مستكيناً قد شفه ما أجنا
إثر شخصٍ نفسي فدت ذاك شخصاً ... نازح الدار بالمدينة عنا
ليت حظي كطرفة العين منها ... وكثيرٌ منها القليل المهنا
الغناء لإبراهيم خفيف ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.
عمر وكلثم بنت سعد المخزومية
أخبرني الحسن بن علي الخفاف ومحمد بن خلف قالا حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي عن هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد المخزومي قال: كان عمر بن أبي ربيعة يهوى كلثم بنت سعدٍ المخزومية، فأرسل إليها رسولاً فضربتها وحلقتها وأحلفتها ألا تعاود، ثم أعادها ثانيةً ففعلت بها مثل ذلك، فتحاماها رسله. فابتاع أمةً سوداء لطيفةً رقيقةً وأتى بها منزله، فأحسن إليها وكساها وآنسها وعرفها خبره وقال لها: إن أوصلت لي رقعةً إلى كلثم فقرأتها فأنت حرةٌ ولك معيشتك ما بقيت. فقالت اكتب لي مكاتبةً واكتب حاجتك في آخرها، ففعل ذلك. فأخذتها ومضت بها إلى باب كلثم فاستأذنت، فخرجت إليها أمةٌ لها فسألتها عن أمرها؛ فقالت: مكاتبةٌ لبعض أهل مولاتك جئت أستعينها في مكاتبتي، وحادثتها وناشدتها حتى ملأت قلبها؛ فدخلت إلى كلثم وقالت: إن بالباب مكاتبةً لم أر قط أجمل منها ولا أكمل ولا آدب. فقالت: ائذني لها، فدخلت. فقالت: من كاتبك. قالت: عمر بن أبي ربيعة الفاسق! فاقرئي مكاتبتي. فمدت يدها لتأخذها. فقالت لها: لي عليك عهد الله أن تقرئيها؛ فإن كان منك إلي شيءٌ مما أحبه وإلا لم يلحقني منك مكروهٌ؛ فعاهدتها وفطنت. وأعطتها الكتاب، فإذا أوله:
من عاشقٍ صبٍّ يسر الهوى ... قد شفه الوجد إلى كلثم
رأتك عيني فدعاني الهوى ... إليك للحين ولم أعلم
قتلتنا، يا حبذا أنتم، ... في غير ما جرمٍ ولا مأثم
والله قد أنزل في وحيه ... مبيناً في آيه المحكم
من يقتل النفس كذا ظالماً ... ولم يقدها نفسه يظلم
وأنت ثأري فتلافى دمي ... ثم اجعليه نعمةً تنعمي
وحكمي عدلاً يكن بيننا ... أو أنت فيما بيننا فاحكمي
وجالسيني مجلساً واحداً ... من غير ما عارٍ ولا محرم
وخبريني ما الذي عندكم ... بالله في قتل امرىءٍ مسلم
قال: فلما قرأت الشعر قالت لها: إنه خداعٌ ملقٌ، وليس لما شكاه أصلٌ. قالت: يا مولاتي! فما عليك من امتحانه؟ قالت: قد أذنت له، وما زال حتى ظفر ببغيته؛ فقولي له: إذا كان المساء فليجلس في موضع كذا وكذا حتى يأتيه رسولي. فانصرفت الجارية فأخبرته؛ فتأهب لها. فلما جاءه رسولها مضى معه حتى دخل إليها وقد تهيأت أجمل هيئة، وزينت نفسها ومجلسها وجلست له من وراء ستر، فسلم وجلس. فتركته حتى سكن، ثم قالت له: أخبرني عنك يا فاسق! ألست القائل:
هلا استحيت فترحمي صبا ... صديان لم تدعي له قلبا
جشم الزيارة في مودتكم ... وأراد ألا ترهقي ذنبا
ورجا مصالحةً فكان لكم ... سلماً وكنت ترينه حربا
يا أيها المعطي مودته ... من لا يراك مسامياً خطبا
لا تجعلن أحداً عليك إذا ... أحببته وهويته ربا
وصل الحبيب إذا شغفت به ... واطو الزيارة دونه غبا
فلذاك أحسن من مواظبةٍ ... ليست تزيدك عنده قربا
لا بل يملك عند دعوته ... فيقول هاه وطالما لبى

(1/55)


فقال لها: جعلت فداك! إن القلب إذا هوي نطق اللسان بما يهوى. فمكث عندها شهراً لا يدري أهله أين هو. ثم استأذنها في الخروج. فقالت له: بعد أن فضحتني! لا والله لا تخرج إلا بعد أن تتزوجني. ففعل وتزوجها؛ فولدت منه ابنين أحدهما جوانٌ؛ وماتت عنده.
عمر ولبابة بنت عبد الله بن العباس
امرأة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان
أخبرني حبيب بن نصرٍ المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الجبار بن سعيد قال حدثني إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبد الله عن أبيه عن جده.
أن عمر رأى لبابة بنت عبد الله بن العباس امرأة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان تطوف بالبيت، فرأى أحسن خلق الله، فكاد عقله يذهب، فسأل عنها فأخبر بنسبها؛ فنسب بها وقال فيها:
صوت
ودع لبابة قبل أن تترحلا ... واسأل فإن قلاله أن تسألا
البث بعمرك ساعةً وتأنها ... فلعل ما بخلت به أن يبذلا
قال ائتمر ما شئت غير مخالفٍ ... فيما هويت فإننا لن نعجلا
لسنا نبالي حين تقضي حاجةً ... ما بات أو ظل المطي معقلا
حتى إذا ما الليل جن ظلامه ... ورقبت غفلة كاشحٍ أن يمحلا
خرجت تأطر في الثياب كأنها ... أيم يسيب على كثيبٍ أهيلا
رحبت حين رأيتها فتبسمت ... لتحيتي لما رأتني مقبلا
وجلا القناع سحابةً مشهورةً ... غراء تعشي الطرف أن يتأملا
فلبثت أرقيها بما لو عاقلٌ ... يرقى به ما اسطاع ألا ينزلا
غنى في هذه الأبيات معبدٌ خفيف ثقيلٍ مطلقٍ في مجرى الوسطى عن إسحاق، ابتداؤه نشيدٌ. وفيها لابن سريج ثقيلٌ أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق أيضاً. وفيها لابن سريج في الأول والرابع من الأبيات رملٌ عن ابن المكي، ولأبي دلف القاسم بن عيسى في هذين البيتين خفيف ثقيلٍ بالسبابة والبنصر، وابتداؤه نشيدٌ من رواية ابن المكي. وفيه لمحمد بن الحسن بن مصعب هزجٌ.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: لما حج الغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل إليه معبدٌ فغناه:
ودع لبابة قبل أن تترحلا
فلم يزل يردده عليه، ثم أخرجه معه لما رحل عن المدينة، فغناه في المنزل به حتى أراد الرحيل، فحمله على بغلةٍ له وذهب غلامٌ له يتبعه؛ فقال: إلى أين؟ فقال: أمضي معه حتى أجيء بالبغلة. فقال: هيهات! ارجع يا بني، ذهبت والله لبابة ببغلة مولاك. وقد روي هذا الخبر لغير الغمر بن يزيد.
عمر والثريا
بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر
وهذه الأبيات التي فيها الغناء المختار هو:
تشكى الكميت الجري لما جهدته
يقولها عمر بن أبي ربيعة في الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف، وهم الذين يقال لهم العبلات؛ سموا بذلك لجدةٍ لهم يقال لها عبلة بنت عبيد بن خالد بن خازل بن قيس بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهي من بطنٍ من تميم يقال لهم البراجم، غير براجم بني أسد.
نسب الثريا بنت علي
ابن عبد الله بن الحارث
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: كانت عبلة بنت عبيد بن خالد بن خازل بن قيس بن حنظلة، عند رجل من بني جشم بن معاوية، فبعثها بأنحاء سمنٍ تبيعها له بعكاظ، فباعت السمن وراحلتين كان عليهما، وشربت بثمنها الخمر. فلما نفذ ثمنها رهنت ابن أخيه وهربت، فطلقها. وقالت في شربها الخمر:
شربت براحلتي محجنٍ ... فيا ويلتي، محجنٌ قاتلي
وبابن أخيه على لذةٍ ... ولم أحتفل عذل العاذل
قال: فتزوجها عبد شمس بن عبد مناف؛ فولدت له أمية الأصغر وعبد أمية ونوفلاً، وهم العبلات.
وقد ذكر الزبير بن بكار عن عمه: أن الثريا بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وأنها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبي جرابٍ العبلي الذي قتله داود بن عليٍّ؛ وهو الذي يقول فيه ابن زيادٍ المكي:
ثلاث حوائجٍ ولهن جئنا ... فقم فيهن يابن أبي جراب
فإنك ماجدٌ في بيت مجدٍ ... بقية معشرٍ تحت التراب
قال: وله يقول ابن زيادٍ المكي أيضاً:

(1/56)


إذا مت لم توصل بعرفٍ قرابةٌ ... ولم يبق في الدنيا رجاءٌ لسائل
قال الزبير: وهذا أشبه من أن تكون بنت عبد الله بن الحارث، وعبد الله إنما أدرك سلطان معاوية وهو شيخ كبير، وورث بقعدده في النسب دار عبد شمس بن عبد مناف، وحج معاوية في خلافته، فجعل ينظر إلى الدار، فخرج إليه عبد الله بن الحارث بمحجنٍ ليضربه به وقال: لا أشبع الله بطنك! أما تكفيك الخلافة حتى تطلب هذه الدار! فخرج معاوية يضحك.
قال مؤلف هذا الكتاب: وهذا غلطٌ من الزبير عندي، والثريا أن تكون بنت عبد الله بن الحارث أشبه من أن تكون أخت الذي قتله داود بن علي؛ لأنها ربت الغريض المغني وعلمته النوح بالمراثي على من قتله يزيد بن معاوية من أهلها يوم الحرة. وإذا كانت قد ربت الغريض حتى كبر وتعلم النوح على قتلى الحرة " وهو رجل " - وهي وقعةٌ كانت بعقب موت معاوية - فقد كانت في حياة معاوية امرأةً كبيرةً، وبين ذلك وبين من قتله داود بن علي من بني أمية نحو ثمانين سنةً، وقد شبب بها عمر بن أبي ربيعة في حياة معاوية، وأنشد عبد الله بن عباس شعره فيها، فكيف تكون أخت الذي قتله داود بن علي وقد أدركت عبد الله بن عباس وهي امرأةٌ كبيرةٌ! وقد اعترف الزبير أيضاً في خبره بأن عبد الله بن الحارث أدرك خلافة معاوية وهو شيخ كبير؛ فقول من قال: إنها بنته، أصوب من قول من قرنها بمن قتله داود بن علي. وهذا القول الذي قلته قول ابن الكلبي وأبي اليقظان، أخبرني به الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائني عن أبي اليقظان، قال وحدثني به جماعةٌ من أهل العلم بنسب قريش.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مسلمة بن إبراهيم بن هشام المخزومي عن أيوب بن مسلمة، أنه أخبره أن عمر بن أبي ربيعة كان مسهباً بالثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت عرضة ذلك جمالاً وتماماً، وكانت تصيف بالطائف، وكان عمر يغدو عليها كل غداة إذا كانت بالطائف على فرسه، فيسأل الركبان الذين يحملون الفاكهة من الطائف عن الأخبار قبلهم. فلقي يوماً بعضهم فسأله عن أخبارهم؛ فقال: ما استطرفنا خبراً؛ إلا أنني سمعت عند رحيلنا صوتاً وصياحاً عالياً على امرأة من قريش اسمها اسم نجمٍ في السماء وقد سقط عني اسمه. فقال عمر: الثريا؟ قال نعم. وقد كان بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلةٌ، فوجه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ملء فروجه وسلك طريق كداء - وهي أخشن الطرق وأقربها - حتى انتهى إلى الثريا وقد توقعته وهي تتشوف له وتشرف، فوجدها سليمةً عميمةً ومعها أختاها رضيا وأم عثمان، فأخبرها الخبر؛ فضحكت وقالت: أنا والله أمرتهم لأختبر ما لي عندك. فقال عمر في ذلك هذا الشعر:
تشكى الكميت الجري لما جهدته ... وبين لو يسطيع أن يتكلما
فقلت له إن ألق للعين قرةً ... فهان علي أن تكل وتسأما
لذلك أدني دون خيلي رباطه ... وأوصي به ألا يهان ويكرما
عدمت إذاً وفري وفارقت مهجتي ... لئن لم أقل قرناً إن الله سلما
قال مسلمة بن إبراهيم: قلت لأيوب بن مسلمة: أكانت الثريا كما يصف عمر بن أبي ربيعة؟ فقال: وفوق الصفة، كانت والله كما قال عبد الله بن قيس:
حبذا الحج والثريا ومن بال ... خيف من أجلها وملقى الرحال
يا سليمان إن تلاق الثريا ... تلق عيش الخلود قبل الهلال
درةٌ عقائل البحر بكرٌ ... لم تشنها مثاقب اللأل
تعقد المئزر السخام من الخ ... ز على حقو بادنٍ مكسال
عمر ورملة بنت عبد الله الخزاعية
قال إسحاق في خبره عمن أسند إليه أخبار عمر بن أبي ربيعة، وذكر مثله الزبير بن بكار فيما حدثنا عنه الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني مؤمن بن عمر بن أفلح مولى فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قال حدثني بلالٌ مولى ابن أبي عتيق:

(1/57)


أن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قدم للحج، فأتاه ابن أبي عتيق فسلم عليه وأنا معه. فلما قضى سلامه ومساءلته عن حجه وسفره، قال له: كيف تركت أبا الخطاب عمر بن أبي ربيعة؟ قال: تركته في بلهنيةٍ من العيش. قال: وأنى ذلك؟ قال: حجت رملة بنت عبد الله بن خلفٍ الخزاعية فقال فيها:
صوت
أصبح القلب في الحبال رهينا ... مقصداً يوم فارق الظاعنينا
قلت من أنتم فصدت وقالت ... أمبدٌ سؤالك العالمينا
نحن من ساكني العراق وكنا ... قبله قاطنين مكة حينا
قد صدقناك إذ سألت فمن أن ... ت عسى أن يجر شأنٌ شؤونا
ونرى أننا عرفناك بالنع ... ت بظنٍّ وما قتلنا يقينا
بسواد الثنيتين ونعتٍ ... قد نراه لناظرٍ مستبينا
- غنى معبدٌ في البيتين الأولين خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق. وغنى في الثاني وما بعده ابن سريج خفيف ثقيلٍ أول بالسبابة في مجرى البنصر عنه أيضاً. وذكر حبشٌ أن فيه للغريض أيضاً لحناً من الثقيل الأول بالبنصر - قال: فبلغ ذلك الثريا، بلغتها إياه أم نوفلٍ، وكانت غضبى عليه، وقد كان انتشر خبره عن الثريا حتى بلغها من جهة أم نوفلٍ وأنشدتها قوله:
أصبح القلب في الحبال رهينا ... مقصداً يوم فارق الظاعنينا
فقالت: إنه لوقاحٌ صنعٌ بلسانه، ولئن سلمت له لأردن من شأوه، ولأثنين من عنانه، ولأعرفنه نفسه. فلما بلغت إلى قوله:
قلت من أنتم فصدت وقالت ... أمبدٌ سؤالك العالمينا
فقالت: إنه لسألٌ ملحٌ، " قبحاً له! " ولقد أجابته إن وفت. فلما بلغت إلى قوله:
نحن من ساكني العراق وكنا ... قبله قاطنين مكة حينا
قالت: غمزته الجهمة. فلما بلغت إلى قوله:
قد صدقناك إذ سألت فمن أن ... ت عسى أن يجر شأنٌ شؤونا
قالت: رمته الورهاء بآخر ما عندها في مقامٍ واحد. وهجرت عمر.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب: أن رملة بنت عبد الله بن خلف حجت، فتعرض لها عمر بن أبي ربيعة فقال فيها:
أصبح القلب في الحبال رهينا ... مقصداً يوم فارق الظاعنينا
وقال في هذه القصيدة:
فرأت حرصي الفتاة فقالت ... خبريه، من أجل من تكتمينا؟
نحن من ساكني العراق وكنا ... قبله قاطنين مكة حينا
قد صدقناك إذ سالت فمن أن ... ت عسى أن يجر شأن شؤونا
قال الزبير: ورملة هذه أم طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمرٍ التيمي، وهي أخت طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلفٍ الخزاعي.
قال: فبلغت هذه الأبيات كثيراً، فغضب لذلك وقال: وأنا والله لا أتمارى أن سيجر شأنٌ شؤونا. ثم ذكر نسوةً من قريش فساقهن في شعره من الحج حتى بلغ بهن إلى مللٍ، ثم أشفق فجاز، ولم يزد على ذلك، وهو قوله في قصيدته التي أولها:
ما عناك الغداة من أطلال ... دارسات المقام مذ أحوال
صوت
قم تأمل فأنت أبصر مني ... هل ترى بالغميم من أجمال
قاضياتٍ لبانةً من مناخٍ ... وطوافٍ وموقفٍ بالجبال
قلن عسفان ثم رحن سراعاً ... هابطاتٍ عشيةً من غزال
واردات الكديد مجترعاتٍ ... جزن وادي الحجون بالأثقال
قصدلفتٍ وهن متسقاتٌ ... كالعدولي لاحقات التوالي
طالعات الغميس من عبودٍ ... سالكات الخوي من أملال
فسقى الله منتوى أم عمرٍو ... حيث أمت بها صدور الرحال
حبذا هن من لبانة قلبي ... وجديد الشباب من سربالي
رب يومٍ أتيتهن جميعاً ... عند بيضاء رخصةٍ مكسال
غير أني امرؤٌ تعممت حلماً ... يكره الجهل والصبا أمثالي
غنى ابن سريج في الثلاثة الأبيات الأول خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو ويونس. وذكر الهشامي أن فيها للحجبي رملاً بالبنصر.
شعر عمر حين هجرته الثريا
قالوا: فلما هجرت الثريا عمر قال في ذلك:
من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب

(1/58)


فبلغ ابن أبي عتيق قوله، فمضى حتى أصلح بينهما. وهذه الأبيات تذكر مع ما فيها من الغناء ومع خبر إصلاح ابن أبي عتيقٍ بينهما بعد انقضاء خبر رملة التي ذكرها عمر في شعره.
قال مصعب بن عبد الله في خبره: وكانت رملة جهمة الوجه، عظيمة الأنف، حسنة الجسم، وتزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر، وتزوج عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وجمع بينهما، فقال يوماً لعائشة: فعلت في محاربة الخوارج مع أبي فديكٍ كذا، وصنعت كذا، يذكر لها شجاعته وإقدامه. فقالت له عائشة: أنا أعلم أنك أشجع الناس، وأعرف لك يوماً هو أعظم من هذا اليوم الذي ذكرته. قال: وما هو؟ قالت: يوم اجتليت رملة وأقدمت على وجهها وأنفها.
قال مصعب وحدثني يعقوب بن إسحاق قال: لما بلغ الثريا قول عمر بن أبي ربيعة " في رملة " :
وجلا بردها وقد حسرته ... نور بدرٍ يضيء للناظرينا
قالت: أفٍّ له ما أكذبه! أو ترتفع حسناء بصفته لها بعد رملة! وذكر ابن أبي حسان عن الرياشي عن العباس بن بكارٍ عن ابن دأبٍ: أن هذا الشعر قاله عمر في امرأة من بني جمح كان أبوها من أهل مكة، فولدت له جاريةٌ لم يولد مثلها بالحجاز حسناً. فقال أبوها: كأني بها وقد كبرت، فشبب بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوه باسمها كما فعل بنساء قريش، والله لا أقمت بمكة. فباع ضيعةً له بالطائف ومكة ورحل بابنته إلى البصرة، فأقام بها وابتاع هناك ضيعةً، ونشأت ابنته من أجمل نساء زمانها. ومات أبوها فلم تر أحداً من بني جمح حضر جنازته، ولا وجدت لها مسعداً ولا عليها داخلاً. فقالت لدايةٍ لها سوداء: من نحن؟ ومن أي البلاد نحن؟ فخبرتها. فقالت: لا جرم والله لا أقمت في هذا البلد الذي أنا فيه غريبةٌ! فباعت الضيعة والدار، وخرجت في أيام الحج. وكان عمر يقدم فيعتمر في ذي القعدة ويحل، ويلبس تلك الحلل والوشي، ويركب النجائب المخضوبة بالحناء عليها القطوع والديباج، ويسبل لمته، ويلقى العراقيات فيما بينه وبين ذات عرقٍ محرماتٍ، ويتلقى المدنيات إلى مرٍّ، ويتلقى الشأميات إلى الكديد. فخرج يوماً للعراقيات فإذا قبةٌ مكشوفةٌ فيها جاريةٌ كأنها القمر، تعادلها جارية سوداء كالسبجة.
فقال للسوداء: من أنت؟ ومن أين أنت يا خالة؟ فقالت: لقد أطال الله تعبك، إن كنت تسأل هذا العالم من هم ومن أين هم. قال: فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن. قالت: نحن من أهل العراق، فأما الأصل والمنشأ فمكة، وقد رجعنا إلى الأصل ورحلنا إلى بلدنا، فضحك. فلما نظرت إلى سواد ثنيتيه قالت: قد عرفناك. قال: ومن أنا؟ قالت: عمر بن أبي ربيعة. قال: وبم عرفتني؟ قالت: بسواد ثنيتيك وبهيئتك التي ليست إلا لقريش، فأنشأ يقول:
قلت من أنتم فصدت وقالت ... أمبد سؤالك العالمينا
وذكر الأبيات: فلما يزل عمر بها حتى تزوجها وولدت له.
خبر صلحهما ووساطة ابن أبي عتيق قال: فلما صرمت الثريا عمر قال فيها:
صوت
من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب
سلبتني مجاجة المسك عقلي ... فسلوها ماذا أحل اغتصابي
وهي مكنونةٌ تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب
أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمسٍ كواعبٍ أتراب
ثم قالوا تحبها قلت بهراً ... عدد القطر والحصى والتراب
الغناء لابن عائشة خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر عن عمرو، وذكر حبشٌ أنه لمالك.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مؤمن بن عمر بن أفلح مولى فاطمة بنت الوليد قال أخبرني بلالٌ مولى ابن أبي عتيق قال: أنشد ابن أبي عتيق قول عمر:
من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب
فقال ابن أبي عتيق: إياي أراد وبي نوه! لا جرم والله لا أذوق أكلاً حتى أشخص فأصلح بينهما، ونهض ونهضت معه، فجاء إلى قوم من بني الديل بن بكر لم تكن تفارقهم نجائب لهم فرهٌ يكرونها، فاكترى منهم راحلتين وأغلى لهم. فقلت له: استوضعهم أو دعني أماكسهم، فقد اشتطوا عليك. فقال: ويحك! أما علمت أن المكاس ليس من أخلاق الكرام! ثم ركب إحداهما وركبت الأخرى، فسار سيراً شديداً، فقلت: أبق على نفسك، فإن ما تريد ليس يفوتك. فقال: ويحك!
أبادر حبل الود أن يتقضبا

(1/59)


وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا! فقدمنا ليلاً غير محرمين، فدق على عمر بابه، فخرج إليه وسلم عليه ولم ينزل عن راحلته، فقال له: اركب أصلح بينك وبين الثريا، فأنا رسولك الذي سألت عنه. فركب معنا وقدمنا الطائف، وقد كان عمر أرضى أم نوفلٍ فكانت تطلب له الحيل لإصلاحها فلا يمكنها. فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جشمني السفر من المدينة إليك، فجئتك به معترفاً لك بذنبٍ لم يجنه، معتذراً إليك من إساءته إليك، فدعيني من التعداد والترداد، فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله، وكررنا إلى مكة، فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل. وزاد عمر في أبياته:
أزهقت أم نوفلٍ إذ دعتها ... مهجتي، ما لقاتلي من متاب
حين قالت لها أجيبي فقالت ... من دعاني؟ قالت أبو الخطاب
فاستجابت عند الدعاء كما لب ... ى رجالٌ يرجون حسن الثواب
قال الزبير: وما دعتها أم نوفلٍ إلا لابن أبي عتيق، ولو دعتها لعمر ما أجابت. قال: وسألت عمي عن أم نوفلٍ، فقال: هي أم ولد عبد الله بن الحارث أبي الثريا. وسألته عن قوله:
... كما لبى ... رجال يرجون حسن الثواب
فقال: كررت في التلبية كما يفعل المحرم، فقالت: لبيك لبيك.
وأخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه أن بعض المكيين قال: كانت الثريا تصب عليها جرة ماءٍ وهي قائمة فلا يصيب ظاهر فخذيها منه شيءٌ من عظم عجيزتها.
وأخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى بخبر الثريا هذا مع عمر، فذكر نحواً مما ذكره الزبير، وقال فيه: لما أناخ ابن أبي عتيق بباب الثريا أرسلت إليه: ما حاجتك؟ قال: أنا رسول عمر بن أبي ربيعة وأنشدها الشعر. فقالت: ابن أبي ربيعة فارغٌ ونحن في شغل، وقد تعبت فانزل بنا. فقال: ما أنا إذاً برسول. ثم كر راجعاً إلى ابن أبي ربيعة بمكة فأخبره الخبر فأصلح بينهما.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني إبراهيم بن إسحاق العنزي قال حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي، وأخبرني به الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية، وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير عن مؤمن بن عمر بن أفلح عن عبد العزيز بن عمران، قالوا: قدم عمر بن أبي ربيعة المدينة، فنزل على ابن أبي عتيق - وهو عبد الله " بن محمد " بن عبد الرحمن بن أبي بكر - فلما استلقى قال: أوه!.
من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب
فقال ابن أبي عتيق: كل مملوكٍ لي حرٌ إن بلغها ذاك غيري. فخرج، حتى إذا كان بالمصلى مر بنصيبٍ وهو واقفٌ فقال: يا أبا محجنٍ. قال لبيك! قال: أتودع إلى سلمى شيئاً؟ قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: تقول لها يابن الصديق: إنك مررت بي فقلت لي: أتودع إليها شيئاً، فقلت:
أتصبر عن سلمى وأنت صبور ... وأنت بحسن العزم منك جدير
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنى بارقٍ نحو الحجاز أطير
قال: فمر بسلمى وهي في قريةٍ يقال لها " القسرية " فأبلغها الرسالة، فزفرت زفرةً كادت أن تفرق أضلاعها. فقال ابن أبي عتيق: كل مملوكٍ حر إن لم يكن جوابك أحسن من رسالته، ولو سمعك الآن لنعق وصار غراباً. ثم مضى إلى الثريا فأبلغ الكتاب. فقالت له: أما وجد رسولاً أصغر منك! انزل فأرح. فقال: لست إذاً برسولٍ! وسألها أن ترضى عنه، ففعلت. وقال الزبير في خبره: فقال لها: أنا رسول ابن أبي ربيعة إليك، وأنشدها الأبيات، وقال لها: خشيت أن تضيع هذه الرسالة. قالت: أدى الله عنك أمانتك. قال: فما جواب ما تجشمته إليك؟ قالت: تنشده قوله في رملة:
وجلا بردها وقد حسرته ... ضوء بدرٍ أضاء للناظرينا
فقال: أعيذك بالله يابنة أخي أن تغلبيني بالمثل السائر. قالت: وما هو؟ قال: " حريصٌ لا يرى عمله " . قالت: فما تشاء؟ قال: تكتبين إليه بالرضا عنه كتاباً يصل على يدي، ففعلت. فأخذ الكتاب ورجع من فوره حتى قدم مكة، فأتى عمر. فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من حيث أرسلتني. قال: وأنى ذلك؟ قال: من عند الثريا، أفرخ روعك! هذا كتابها بالرضا عنك إليك.

(1/60)


تغني ابن عائشة بشعره
في مجلس حسن بن حسن بن علي
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية قال: اجتمع ابن عائشة ويونس ومالكٌ عند حسن بن حسن بن علي فقال الحسن لابن عائشة: غنني " من رسولي إلى الثريا... " ؛ فسكت عنه فلم يجبه. فقال له جليسٌ له: أيقول لك غنني فلا تجيبه! فسكت. فقال له الحسن: مالك؟ ويحك! أبك خبالٌ! كان والله ابن أبي عتيق أجود منك بما عنده؛ فإنه لما سمع هذا الشعر قال لابن أبي ربيعة: أنا رسولك إليها، فمضى نحو الثريا حتى أدى رسالته، وأنت معنا في المجلس تبخل أن تغنيه لنا! فقال له: لم أذهب حيث ظننت، إنما كنت أتخير لك أي الصوتين أغني: أقوله:
من رسولي إلى الثريا فإني ... ضافني الهم واعترتني الهموم
يعلم الله أنني مستهامٌ ... بهواكم وأنني مرحوم
أم قوله:
من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب
فقال له الحسن: أسأنا بك الظن أبا جعفر غَن بهما جميعاً، فغناهما. فقال له الحسن: لولا أنك تغضب إذا قلنا لك: أحسنت، لقلت لك: أحسنت والله! قال: ولم يزل يرددهما بقية يومه.
عمر وابن أبي عتيق
وإنشاده شعره في الثريا
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني يعقوب بن إسحاق الربعي عن أبيه قال: أنشد عمر بن أبي ربيعة ابن أبي عتيق قوله:
لم تر العين للثريا شبيهاً ... بمسيل التلاع يوم التقينا
فلما بلغ إلى قوله:
ثم قالت لأختها قد ظلمنا ... إن رددناه خائباً واعتدينا
قال: أحسنت والهدايا وأجادت. ثم أنشده ابن أبي عتيق متمثلاً قول الشاعر:
أريني جواداً مات هزلاً لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا
فلما بلغ عمر إلى قوله في الشعر:
في خلاءٍ من الأنيس وأمنٍ
قال ابن أبي عتيق: أمكنت للشارب الغدر " من عال بعدها فلا انجبر " .
فلما بلغ إلى قوله:
فمكثنا كذاك عشراً تباعاً ... في قضاءٍ لديننا واقتضينا
قال: أما والله ما قضيتها ذهباً ولا فضةً ولا اقتضيتها إياه، فلا عرفكما الله قبيحاً! فلما بلغ إلى قوله:
كان ذا في مسيرنا إذ حججنا ... علم الله فيه ما قد نوينا
قال: إن ظاهر أمرك ليدل على باطنه، فأرود التفسير، ولئن مت لأموتن معك، أف للدنيا بعدك يا أبا الخطاب! فقال له عمر: بل عليها بعدك العفاء يا أبا محمد! قال: فلقي الحارث بن خالد ابن أبي عتيق فقال: قد بلغني ما دار بينك وبين ابن أبي ربيعة، فكيف لم تتحللا مني؟ فقال له ابن أبي عتيق: يغفر الله لك يا أبا عمرو، إن ابن أبي ربيعة يبرىء القرح، ويضع الهناء مواضع النقب، وأنت جميل الخفض. فضحك الحارث بن خالد وقال: " حبك الشيء يعمي ويصم " . فقال: هيهات أنا بالحسن عالم نظار! خبر السواد في ثنيتي عمر وأما خبر السواد في ثنيتي عمر فإن الزبير بن بكار ذكره عن عمه مصعب في خبره: أن امرأةً غارت عليه فاعترضته بمسواكٍ كان في يدها فضربت به ثنيتيه فاسودتا.
وذكر إسحاق الموصلي عن أبي عبد الله المسيبي وأبي الحسن المدائني: أنه أتى الثريا يوماً ومعه صديقٌ له كان يصاحبه ويتوصل بذكره في الشعر، فلما كشفت الثريا الستر وأرادت الخروج إليه، رأت صاحبه فرجعت. فقال لها: إنه ليس ممن أحتشمه ولا أخفي عنه شيئاً؛ واستلقى فضحك - وكان النساء إذ ذاك يتختمن في أصابعهن العشر - فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها، فأصابت الخواتيم ثنيتيه العلييين فنغضتا وكادتا تسقطان، فقدم البصرة فعولجتا له، فثبتتا واسودتا. فقال الحزين الكناني يعيره بذلك - وكان عدوه وقد بلغه خبره - :
ما بال سنيك أم ما بال كسرهما ... أهكذا كسرا في غير ما باس
أم نفحةٌ من فتاةٍ كنت تألفها ... أم نالها وسط شربٍ صدمة الكاس
قال: ولقيه الحزين الكناني يوماً فأنشده هذين البيتين؛ فقال له عمر: اذهب اذهب، ويلك! فإنك لا تحسن أن تقول:
صوت
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرةً واحدةً ... إنما العاجز من لا يستبد

(1/61)


لابن سريج في هذا الشعر رملٌ بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق، وخفيف رملٍ " أيضاً " في هذه الإصبع وهذا المجرى عن ابن المكي. ولمالكٍ " فيه " ثقيلٌ أول عن الهشامي. ولمتيم ثاني ثقيلٍ عن ابن المعتز. وذكر أحمد بن أبي العلاء عن مخارقٍ أن خفيف الرمل ليحيى المكي صنعه وحكى فيه لحن " هذا الصوت " :
اسلمي يا دار من هند
خبر الثريا مع الحارث الملقب بالقباع حدثني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن رجاله المذكورين: أن الثريا واعدت عمر بن أبي ربيعة أن تزوره، فجاءت في الوقت الذي ذكرته، فصادفت أخاه الحارث قد طرقه وأقام عنده، ووجه به في حاجة له ونام مكانه وغطى وجهه بثوبه، فلم يشعر إلا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله، فانتبه وجعل يقول: اغربي عني فلست بالفاسق، أخزاكما الله! فلما علمت بالقصة انصرفت. ورجع عمر فأخبره الحارث بخبرها؛ فاغتم لما فاته منها، وقال: أما والله لا تمسك النار أبداً وقد ألقت نفسها عليك. فقال له الحارث: عليك وعليها لعنة الله.
وأخبرني بهذه القصة الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن يعقوب بن إسحاق الربعي عن الثقة عنه عن ابن جريج عن عثمان بن حفصٍ الثقفي: أن الحارث بن عبد الله زار أخاه، ثم ذكر نحواً من الذي ذكره إسحاق، وقال فيه: فبلغ عمر خبرها، فجاء إلى أخيه الحارث وقال له: جعلت فداءك! ما لك ولأمة الوهاب " ابنتك " ؟ أتتك مسلمةً عليك فلعنتها وزجرتها وتهددتها، وها هي تيك باكية. فقال: وإنها لهي! قال: ومن تراها تكون؟ قال: فانكسر الحارث عنه وعن لومه.
تزوج الثريا بسهيل في غيبة عمر
وما قاله من الشعر في ذلك
أخبرني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن جعفر بن سعيد عن أبي سعيد مولى فائد هكذا قال إسحاق، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني جعفر بن سعيد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار. ورواه أيضاً حماد بن إسحاق عن أبيه عن جعفر بن سعيد فقال فيه: عن أبي عبيدة العماري، ولم يذكر أبا سعيد مولى فائد، قالوا: تزوج سهيل بن عبد العزيز بن مروان الثريا - وقال الزبير: بل تزوجها أبو الأبيض سهيل بن عبد الرحمن بن عوف - فحملت إليه وهو بمصر. والصواب قول من قال: سهيل بن عبد العزيز؛ لأنه كان هناك منزله، ولم يكن لسهيل بن عبد الرحمن هناك موضعٌ. فقال عمر:
صوت
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شاميةٌ إذا ما استقلت ... وسهيلٌ إذا استقل يماني
الغناء للغريض خفيف ثقيلٍ بالبنصر. وفيه لعبد الله بن العباس ثاني ثقيلٍ بالبنصر. وأول هذه القصيدة:
أيها الطارق الذي قد عناني ... بعد ما نام سامر الركبان
زار من نازحٍ بغير دليلٍ ... يتخطى إلي حتى أتاني
وذكر الرياشي عن ابن زكريا الغلابي عن محمد بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد المخزومي قال: كان عمر بن أبي ربيعة قد ألح على الثريا بالهوى، فشق ذلك على أهلها، ثم إن مسعدة بن عمرو أخرج عمر إلى اليمن في أمر عرض له، وتزوجت الثريا وهو غائب، فبلغه تزويجها وخروجها إلى مصر، فقال:
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان
وذكر الأبيات. وقال في خبره: ثم حمله الشوق على أن سار إلى المدينة فكتب إليها:
كتبت إليك من بلدي ... كتاب مولهٍ كمد
كئيبٍ واكف العيني ... ن بالحسرات منفرد
يؤرقه لهيب الشو ... ق بين السحر والكبد
فيمسك قلبه بيدٍ ... ويمسح عينه بيد
وكتبه في قوهيةٍ وشنفه وحسنه وبعث به إليها. فلما قرأته بكت بكاءً شديداً، ثم تمثلت:
بنفسي من لا يستقل بنفسه ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع
وكتبت إليه تقول:
أتاني كتابٌ لم ير الناس مثله ... أمد بكافورٍ ومسكٍ وعنبر
وقرطاسه قوهيةٌ ورباطه ... بعقدٍ من الياقوت صافٍ وجوهر
وفي صدره: مني إليك تحيةٌ ... لقد طال تهيامي بكم وتذكري
وعنوانه من مستهامٍ فؤاده ... ألى هائمٍ صبٍّ من الحزن مسعر

(1/62)


قال مؤلف هذا الكتاب: وهذا الخبر عندي مصنوعٌ، وشعره مضعفٌ يدل على ذلك، ولكني ذكرته كما وقع إلي.
قال أبو سعيد مولى فائدٍ ومن ذكر خبره مع الثريا: فمات عنها سهيلٌ أو طلقها، فخرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفةٌ بدمشق في دينٍ عليها، فبينا هي عند أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، إذ دخل عليها الوليد فقال: من هذه؟ فقالت: الثريا جاءتني، تطلب إليك في قضاء دينٍ عليها وحوائج لها. فأقبل عليها الوليد فقال: أتروين من شعر عمر بن أبي ربيعة شيئاً؟ قالت: نعم، أما إنه يرحمه الله كان عفيفاً عفيف الشعر، أروي قوله:
صوت
ما على الرسم بالبليين لو ب ... ين رجع السلام أو أجابا
فإلى قصر ذي العشيرة فالصا ... ئف أمسى من الأنيس يبابا
وبما قد أرى به حي صدقٍ ... ظاهري العيش نعمةً وشبابا
إذ فؤادي يهوى الرباب وأني ال ... دهر حتى الممات أنسى الربابا
وحساناً جوارياً خفراتٍ ... حافظاتٍ عند الهوى الأحسابا
لا يكثرن في الحديث ولا يت ... بعن ينعقن بالبهام الظرابا
فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت منه. فلما خلا الوليد بأم البنين قال لها: لله در الثريا! أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر؟ قالت: لا.
قال: إني لما عرضت لها به عرضت لي بأن أمي أعرابيةٌ. وأم الوليد وسليمان ولادة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسي.
نسبةالأبيات التي أنشدتها الثريا
الغناء في الأبيات التي أنشدتها الثريا الوليد بن عبد الملك لمالك بن أبي السمح خفيف ثقيلٍ بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وفيها لابن سريج رملٌ بالخنصر في مجرى البنصر. وفيها لإبراهيم خفيف ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر حبشٌ أيضاً أن فيها لابن مسجحٍ خفيف رملٍ بالوسطى. وذكر عمرو بن بانة أن لابن محرزٍ فيها خفيف ثقيلٍ بالوسطى.
ومما يغنى فيه من أشعار عمر بن أبي ربيعة التي قالها في الثريا من القصيدة التي أولها " من رسولي " :
صوت
وتبدت حتى إذا جن قلبي ... حال دوني ولائدٌ بالثياب
يا خليلي فأعلما أن قلبي ... مستهامٌ بربة المحراب
الغناء لابن سريج ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. ومنها:
صوت
أقتليني قتلاً سريعاً مريحاً ... لا تكوني علي سوط عذاب
شف عنها محققٌ جندي ... فهي كالشمس من خلال السحاب
الغناء للغريض ثاني ثقيلٍ بالبنصر عن عمرو. ومنها:
صوت
قال لي صاحبي ليعلم ما بي ... أتحب البتول أخت الرباب
قلت وجدي بها كوجدك بالما ... ء إذا منعت برد الشراب
الغناء لمالكٍ رملٌ مطلقٌ في مجرى الوسطى عن إسحاق. ومنها:
صوت
أذكرتني من بهجة الشمس لما ... برزت من دجنةٍ وسحاب
أزهقت أم نوفلٍ إذ دعتها ... مهجتي، ما لقاتلي من متاب
حين قالت لها أجيبي فقالت ... من دعاني؟ قالت أبو الخطاب
الغناء للغريض خفيف رملٍ عن الهشامي وحماد بن إسحاق.
ومنها:
صوت
مرحباً ثم مرحباً بالتي قا ... لت غداة الوداع عند الرحيل
للثريا قولي له أنت همي ... ومنى النفس خالياً وخليلي
الغناء لابن محرز ثقيلٌ مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج خفيف رملٍ بالوسطى عن عمرو.
ومنها:
صوت
زعموا بأن البين بعد غدٍ ... فالقلب مما أزمعوا يجف
تشكو ونشكو ما أشت بنا ... كل لوشك البين يعترف
حلفوا لقد قطعوا ببينهم ... وحلفت ألفاً مثل ما حلفوا
الغناء للغريض خفيف ثقيلٍ بالوسطى.
ومنها:
صوت
فلوت رأسها ضراراً وقالت ... لا وعيشي ولو رأيتك متا
حين آثرت بالمودة غيري ... وتناسيت وصلنا ومللتا
قد وجدناك إذ خبرت ملولاً ... طرفاً لم تكن كما كنت قلتا

(1/63)