صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الكامل في التاريخ |
فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فسطاط يزيد بن قيس فدخله فصلى فيه ركعتين وأمره على أصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال: ألم أنهك عن كلامهم؟ ثم تكلم فقال: اللهم هذا مقامٌ من يفلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة. ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكوا. قال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتك يوم صفين. قال: أنشدكم الله، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف وقلتم نجيبهم قلت لكم إني أعلم بالقوم منكم أنهم ليسوا باصحاب دين؟ وذكر ما كان قاله لهم، ثم قال لهم: قد اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف، وإن أبيا فنحن عن حكمهما برآء. (2/79)
قالوا: فخبرنا أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال. قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته بينكم؟ قال: ليعلم الجاهل ويتثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله. فدخلوا من عند آخرهم.
قيل: والخوارج يزعمون أنهم قالوا له: صدقت قد كنا كما ذكرت وكان ذلك كفراً منا وقد تبنا إلى الله فتب كما تبنا نبايعك وإلا فنحن مخالفون. فبايعنا علي وقال: ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى نجبي المال ويسمن الكراع ثم نخرج إلى عدونا. وقد كذب الخوارج فيما زعموا.
ذكر اجتماع الحكمين
ولما جاء وقت اجتماع الحكمين أرسل علي أربعمائة رجل عليهم شريح ابن هانىء الحارثي وأوصاه أن يقول لعمرو بن العاص: إن علياً يقول لك: إن أفضل الناس عند الله، عز وجل، من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه من الباطل وإن زاده. يا عمرو والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل؟ إن أوتيت طمعاً يسيراً كنت لله به ولأوليائه عدواً، وكأن والله ما أوتيت قد زال عنك! ويحك فلا تكن للخائنين خصيماً وللظالمين ظهيراً، أما إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم، وهو يوم وفاتك، تتمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم رشوة.
فلما بلغه تغير وجهه ثم قال: متى كنت قبل مشورة علي أو أنتهي إلى أمره أو أعتد برأيه؟ فقال له: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته؟ فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه ويعملان برأيه. فقال له: إن مثلي لا يكلم مثلك. قال شريح: بأي أبويك ترغب عني يا ابن النابغة؟ أبأبيك الوسط أم بأمك النابغة؟ فقام عنه.
وأرسل علي أيضاً معهم عبد الله بن عباس ليصلي بهم ويلي أمورهم، ومعهم أبو موسى الأشعري.
وأرسل معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام حتى توافوا من دومة الجندل بأذرح. وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدرى بما جاء فيه ولا يسأله أهل الشام عن شيء؛ وكان أهل العراق يسألون ابن عباس عن كتاب يصله من علي، فإن كتمهم ظنوا به الظنون وقالوا: أتراه كتب بكذا وكذا؟ فقال لهم ابن عباس: أما تعقلون؟ أما ترون رسول معاوية يجيء لا يعلم أحد بما جاء به ولا يسمع لهم صياح، وأنتم عندي كل يوم تظنون في الظنون؟ وحضر معهم ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وابن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة العدوي والمغيرة بن شعبة.
وكان سعد بن أبي وقاص على ماء لبني سليم بالبادية، فأتاه ابنه عمر فقال له: إن أبا موسى وعمراً قد شهدهما نفرٌ من قريش فاحضر معهم فإنك صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأحد الشورى ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة وأنت أحق الناس بالخلافة. فلم يفعل، وقيل: بل حضرهم سعد وندم على حضوره فأحرم بعمرة من بيت المقدس.
وقال المغيرة بن شعبة لرجال من قريش: أترون أحداً يستطيع أن يأتي برأي يعلم به أيجتمع الحكمان أم لا؟ فقالوا: لا. فقال: إني أعلمه منهما. فدخل على عمرو بن العاص فقال: كيف ترانا معشر من اعتزل الحب؟ فإنا قد شككنا في الأمر الذي استبان لكم فيها. فقال له عمرو: أراكم خلف البرار أمام الفجار. فانصرف المغيرة إلى أبي موسى فقال له مثل قوله لعمرو. فقال له أبو موسى: أراكم أثبت الناس رأياً، فيكم بقية الناس. فعاد المغيرة إلى أصحابه وقال لهم: لا يجتمع هذان على أمر واحد. (2/80)
فلما اجتمع الحكمان قال عمرو: يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً؟ قال: أشهد. قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى. قال: فما يمنعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس: ليست له سابقة، فقل وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة والتدبير وهو أخو أم حبيبة زوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكاتبه وقد صحبه وعرض له بسلطان.
فقال أبو موسى: يا عمرو اتق الله! فأما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف تولاه أهله، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة ابن الصباح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفاً أعطيته علي بن أبي طالب، وأما قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر، فلم أكن لأوليه وأدع المهاجرين الأولين، وأما تعريضك لي بالسلطان، فوالله لو خرج معاوية لي من سلطانه كله لما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله! ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب، رحمه الله.
قال له عمرو: فما يمنعك من ابني وأنت تعلم فضله وصلاحه؟ فقال: إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة. فقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل له ضرس يأكل ويطعم؛ وكانت في ابن عمر غفلة؛ فقال له ابن الزبير: أفطن فانتبه! فقال عبد الله بن عمر: والله لا أرشو عليها شيئاً أبداً. وقال: يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعوا بالسيوف فلا تردنهم في فتنة.
وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام يقول له: أنت صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأسن مني فتكلم، وتعود ذلك أبو موسى، وأراد عمرو بذلك كله أن يقدمه في خلع علي، فلما أراده عمرو على ابنه وعلى معاوية فأبى وأراد أبو موسى بن عمر فأبى عمرو، قال له عمرو: خبرني ما رأيك؟ قال: أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا. فقال عمرو: الرأي ما رأيت. فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال عمرو: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق. فتكلم أبو موسى فقال: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر، تقدم يا أبا موسى فتكلم. فتقدم أبو موسى، فقال له ابن عباس: ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك، إن كنتما اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم به قبلك ثم تكلم به بعده، فإنه رجلٌ غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا بينكما فإذا قمت في الناس خالفك.
وكان أبو موسى مغفلاً فقال: إنا قد اتفقنا، وقال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع علياً ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا، وإني قد خلعت علياً ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلاً. ثم تنحى.
وأقبل عمرو فقام وقال: إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه.
فقال سعد: ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكايده! فقال أبو موسى: فما أصنع؟ وافقني على أمر ثم نزع عنه! فقال ابن عباس: لا ذنب لك يا أبا موسى، الذنب لمن قدمك في هذا المقام. قال: غدر فما أصنع؟ فقال ابن عمر: انظروا إلى ما صار أمر هذه الأمة! صار إلى رجل ما يبالي ما صنع وإلى آخر ضعيف.
وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لو مات الأشعري قبل هذا اليوم لكان خيراً له.
وقال أبو موسى الأشعري لعمرو: لا وفقك الله، غدرت وفجرت! إنما مثلك (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) الأعراف: 176. قال عمرو: إنما مثلك (كمثل الحمار يحمل أسفاراً) الجمعة: 5. فحمل شريح بن هانىء على عمرو فضربه بالسوط وحمل ابن لعمرو على شريح فضربه بالسوط أيضاً وحجز الناس بينهم. وكان شريح يقول بعد ذلك: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ولم أضربه بالسيف. (2/81)
والتمس أهل الشام أبا موسى فهرب إلى مكة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح إلى علي، وكان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمراً وأبا الأعور وحبيباً وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد! فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت سب علياً وابن عباس والحسن والحسين والأشتر.
وقد قيل: إن معاوية حضر الحكمين وإنه قام عشيةً في الناس فقال: أما بعد من كان متكلماً في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه. قال ابن عمر: فاطلعت حبوتي فأردت أن أقول يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة ويسفك فيها دم، وكان ما وعد الله فيه الجنان أحب إلي من ذلك، فلما انصرفت إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك ثم خشيت. فقال حبيب: وفقت وعصمت، وهذا أصح لأنه ورد في الصحيح.
ذكر خبر الخوارج عند توجيه الحكمين وخبر يوم النهر
لما أراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة ابن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فقالا له: لا حكم إلا لله! فقال علي: لا حكم إلا لله. وقال حرقوص بن زهير: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتاباً وشرطنا شروطاً وأعطينا عليها عهوداً، وقد قال الله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) النحل: 91. فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه. فقال علي: ما هو ذنب ولكنه عجزٌ عن الرأي وقد نهيتكم. فقال زرعة: يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك، اطلب وجه الله تعالى. فقال علي: بؤساً لك ما أشقاك! كأني بك قتيلاً تسفي عليك الرياح! قال: وددت لو كان ذلك. فخرجا من عنده يحكمان.
وخطب علي ذات يوم، فحكمت المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل! إن سكتوا غممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال: الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه! اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في الدين إدهانٌ في أمر الله وذل راجع بأهله إلى سخط الله، يا علي أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلم أينا أولى بها صلياً. ثم خرج هو وإخوة له ثلاثة فأصيبوا مع الخوارج بالنهر وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة.
ثم خطب علي يوماً آخر فقام رجل فقال: لا حكم إلا لله! ثم توالى عدة رجال يحكمون. فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل! أما إن لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدأونا، وإنما فيكم أمر الله. ثم رجع إلى مكانه من الخطبة.
ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضاً واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فخطبهم فزهدهم في الدنيا وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة. فقال له حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعوكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، ف (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) النحل: 128. فقال حمزة ابن سنان الأسدي: يا قوم إن الرأي ما رأيتم فولوا أمركم رجلاً منكم فإنكم لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها. فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، وعرضوها على عبد الله بن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقاً من الموت. فبايعوه لعشر خلون من شوال. وكان يقال له ذو الثفنات. (2/82)
ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها ونأخذها بأبوابها ونخرج منها سكانها ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتبعتم ولكن اخرجوا وحداناً مستخفين، فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن سيروا حتى ننزل جسر النهروان وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرأي.
وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمونهم ما اجتمعوا عليه ويحثونهم على اللحاق بهم، وسير الكتاب إليهم، فأجابوه أنهم على اللحاق به.
فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم، وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة، وساروا يوم السبت، فخرج شريح بن أوفى العبسي وهو يتلو قول الله تعالى: (فخرج منها خائفاً يترقب) إلى (سواء السبيل) القصص: 21 - 22. وخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطائي، فاتبعه أبوه، فلم يقدر عليه، فانتهى إلى المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب الراسبي في نحو عشرين فارساً، فأراد عبد الله قتله فمنعه عمرو بن مالك النبهاني وبشر بن زيد البولاني، وأرسل عدي إلى سعد بن مسعود عامل علي على المدائن يحذره أمرهم فحذر، وأخذ أبواب المدائن وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار في طلبهم. فأخبر عبد الله بن وهب خبره، فرابأ طريقه وسار على بغداذ، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبد الله في ثلاثين فارساً، فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم.
وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر؟ خلهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين فإن أمرك باتباعهم اتبعتهم، وإن كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم. فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله بن وهب فعبر دجلة إلى أرض جوخى وسار إلى النهروان فوصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه، وقالوا: إن كان هلك ولينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير.
وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردهم أهلوهم كرهاً، منهم القعقاع بن قيس الطائي عم الطرماح بن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائي، وبلغ علياً أن سالم بن ربيعة العبسي يريد الخروج فأحضره عنده ونهاه فانتهى.
ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى علياً أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم فيه سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي، وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم، فقال له: بايع على كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال ربيعة: على سنة أبي بكر وعمر. قال له علي: ويلك! لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يكونا على شيء من الحق. فبايعه. فنظر إليه علي وقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها. فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة.
وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس فأتبعهم أبا الأسود الدئلي، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج مسعر بأصحابه وأقبل يعترض الناس وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر. (2/83)
فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد علي ابن عباس إلى البصرة قام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أما بعد فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري ونحلتكم رأيي لو كان لقصيرٍ أمرٌ، ولكن أبيتم إلا ما أردتم فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
إلا أن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدىً من الله فحكما بغير حجة بينةٍ ولا سنة ماضية واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد فبرىء الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام وأصحبوا في معسكركم إن شاء الله يوم الإثنين.
ثم نزل، وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أما بعد فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمين قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما بغير هدىً من الله فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا القرآن حكماً فبرىء الله منهما ورسوله والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا إلينا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه.
فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نبذناك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.
فلما قرأ كتابهم أيس منهم ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس حتى يلقى أهل الشام فيناجزهم، فقام في أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه من ترك الجهاد في الله وأدهن في أمره كان على شفا هلكة إلا أن يتداركه الله بنعمته، فاتقوا الله وقاتلوا من حاد الله ورسوله وحاول أن يطفىء نور الله، فقاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين الذين ليسوا بقراء القرآن ولا فقهاء في الدين ولا علماء في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا اجتمعتم شخصنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكتب إلى ابن عباس: أما بعد فإنا خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فاشخص إلى الناس حتى يأتيك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام عليك.
فقرأ ابن عباس الكتاب على الناس وندبهم مع الأحنف بن قيس، فشخص ألف وخمسمائة، فخطبهم وقال: يا أهل البصرة أتاني كتاب أمير المؤمنين فأمرتكم بالنفير إليه فلم يشخص منكم إليه إلا ألف وخمسمائة وأنتم ستون ألف مقاتل سوى أبنائكم وعبيدكم! ألا انفروا إليه مع جارية بن قدامة السعدي، ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلاً، فإني موقع بكل من وجدته متخلفاً عن دعوته عاصياً لإمامه، فلا يلومن رجل إلا نفسه.
فخرج جارية فاجتمع إليه ألف وسبعمائة، فوافوا علياً وهم ثلاثة آلاف ومائتان، فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة ورؤوس الأسباع ووجوه الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق وأصحابي إلى جهاد المحلين بكم أضرب المدبر وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد استنفرت أهل البصرة فأتاني منهم ثلاثة آلاف ومائتان، فليكتب لي رئيس كل قبيلة ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم ويرفع ذلك إلينا.
فقام إليه سعيد بن قيس الهمذاني فقال: يا أمير المؤمنين سمعاً وطاعة، أنا أول الناس أجاب ما طلبت. وقام معقل بن قيس وعدي بن حاتم وزياد ابن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك، وكتبوا إليه ما طلب، وأمروا أبناءهم وعبيدهم أن يخرجوا معهم ولا يتخلف منهم متخلف، فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفاً من الأبناء ممن أدرك وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفاً سوى أهل البصرة، وهم ثلاثة آلاف ومائتا رجل. (2/84)
وكتب إلى سعد بن مسعود بالمدائن يأمره بإرسال من عنده من المقاتلة.
وبلغ علياً أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى قتال هذه الحرورية فإذا فرغنا منهم توجهنا إلى قتال المحلين! فقال لهم: بلغني أنكم قلتم كيت وكيت! وإن غير هؤلاء الخارجين أهم إلينا! فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكاً ويتخذوا عباد الله خولاً. فناداه الناس: أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت. وقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال: يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاداك ونشايع من أناب إلى طاعتك من كانوا وأينما كانوا، فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد وضعف نية أتباع.
ذكر قتال الخوارج
قيل: لما أقبلت الخارجة من البصرة حتى دنت من النهروان رأى عصابةٌ منهم رجلاً يسوق بامرأة على حمار، فدعوه فانتهروه فأفزعوه وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم. قالوا: لا روع عليك، حدثنا عن أبيك حديثاً سمعه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم تنفعنا به. فقال: حدثني أبي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح كافراً ويمسي مؤمناً. قالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيراً. قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقاً في أولها وفي آخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم. وبعده؟. قال: إنه أعلم بالله منكم وأشد توقياً على دينه وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلةً ما قتلناها أحداً.
فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته، وهي حبلى متم، حتى نزلوا تحت نخل مواقير، فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدهم فتركها في فيه، فقال آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن، فألقاها. ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير فأرضاه، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم من بأس، إني مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً، ولقد آمنتموني قلتم: لا روع عليك. فأضجعوه فذبحوه، فسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية.
فلما بلغ علياً قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس، بعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم وينظر ما بلغه عنهم ويكتب به إليه ولا يكتمه. فلما دنا منهم يسائلهم قتلوه، وأتى علياً الخبر والناس معه، فقالوا: يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا؟ سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام.
وقام إليه الأشعث بن قيس وكلمه بمثل ذلك، وكان الناس يرون أن الأشعث يرى رأيهم لأنه كان يقول يوم صفين: أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله. فلما قال هذه المقالة علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم.
فأجمع علي على ذلك وخرج فعبر الجسر وسار إليهم، فلقيه منجم في ميسره فأشار عليه أن يسير وقتاً من النهار، فقال له: إن أنت سرت في غيره لقيت أنت وأصحابك ضراً شديداً. فخالفه علي وسار في الوقت الذي نهاه عنه، فلما فرغ من أهل النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمر بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون شيئاً: سار في الساعة التي أمر بها المنجم فظفر. وكان المنجم مسافر بن عفيف الأزدي.
فأرسل علي إلى أهل النهر: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل المغرب فلعل الله يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم. فقالوا: كلنا قتلهم وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم. وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فقال لهم: عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيماً من الأمر، تشهدون علينا بالشرك وتسفكون دماء المسلمين! فقال لهم عبد الله بن شجرة السلمي، إن الحق قد أضاء لنا فلسنا مبايعيكم أو تأتونا بمثل عمر، فقال: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم. (2/85)
وخطبهم أبو أيوب الأنصاري فقال: عباد الله إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها، أليست بيننا وبينكم فرقة فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو تابعناكم اليوم حكمتم غداً. قال: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في القابل.
وأتاهم علي فقال: أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة! وصدها عن الحق الهوى، وطمع بها النزق، وأصبحت في الخطب العظيم! إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غداً صرعى بأثناء هذا الوادي وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ربكم ولا برهان مبين، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، ونبأتكم أنها مكيدة، وأن القوم ليسا بأصحاب دين، فعصيتموني، فلما فعلت شرطت واستوثقت على الحكمين أن ييحا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرهما ونحن على الأمر الأول؟ فمن أين أتيتم؟ فقالوا: إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين وقد تبنا، فإن تبت فنحن معك ومنك، وإن أبيت فإنا منابذوك على سواء. فقال علي: اصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر، أبعد إيماني برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر! لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، ثم انصرف عنهم.
وقيل: إنه كان من كلامه لهم: يا هؤلاء إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي لهذه الحكومة التي أنتم بدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم إنما طلبوا مكيدةً ووهناً فأبيتم علي إباء المخالفين، وعندتم عنود النكداء العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، رأي معاشر والله أخفاء الهام، سفهاء الأحلام، فلم آت، لا أبا لكم، هجراً! والله ما ختلتهم عن أموركم، ولا أخفيت شيئاً من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوةً، ولا دنيت لكم الضراء، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهراً فأجمع رأي ملإكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، فتاها فتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما، والثقة في أيدينا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف، فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا وتضعون أسيافكم على عواتقكم ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم؟ إن هذا لهو الخسران المبين، والله لو قتلتم على هذا دجاجةً لعظم عند الله قتلها! فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام؟ فتنادوا: لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيأوا للقاء الله، الرواح الرواح إلى الجنة! فعاد علي عنهم.
ثم إن الخوارج قصدوا جسر النهر وكانوا غربه، فقال لعلي أصحابه: إنهم قد عبروا النهر. فقال: لن يعبروا. فأرسلوا طليعة فعاد وأخبرهم أنهم عبروا النهر، وكان بينهم وبينه عطفة من النهر، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم، فعاد فقال: إنهم قد عبروا النهر. فقال علي: والله ما عبروه وإن مصارعهم لدون الجسر، ووالله لا يقتل منكم عشرة ولا يسلم منهم عشرة، وتقدم علي إليهم فرآهم عند الجسر لم يعبروه، وكان الناس قد شكوا في قوله وارتاب به بعضهم، فلما رأوا الخوارج لم يعبروا كبروا وأخبروا علياً بحالهم، فقال: والله ما كذبت ولا كذبت! ثم إنه عبأ أصحابه، فجعل على ميمنته حجر ابن عدي، وعلى ميسرته شبث بن ربعي أو معقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة، وهم سبعمائة أو ثمانمائة، قيس بن سعد بن عبادة، وعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدي، وعلى رجالتهم حرقوص بن زهير السعدي. (2/86)
وأعطى علي أبا أيوب الأنصاري راية الأمان، فناداهم أبو أيوب فقال: من جاء تحت هذه الراية فهو آمن، ومن لم يقتل ولم يستعرض، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم.
فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما أدري على أي شيء نقاتل علياً، أرى أن أنصرف حتى يتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه. فانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة. وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلوا الكوفة، وخرج إلى علي نحو مائة، وكانوا أربعة آلاف، فبقي مع عبد الله بن وهب ألف وثمانمائة، فزحفوا إلى علي، وكان علي قد قال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدأوكم. فتنادوا: الرواح إلى الجنة! وحملوا على الناس، فافترقت خيل علي فرقتين: فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة، واستقبلت الرماة وجوههم بالنبل، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فما لبثوا أن أناموهم. فلما رأى حمزة بن سنان الهلاك نادى أصحابه: أن انزلوا! فذهبوا لينزلوا فلم يلبثوا أن حمل عليهم الأسود بن قيس المرادي وجاءتهم الخيل من نحو علي فأهلكوا في ساعة، فكأنا قيل لهم موتوا فماتوا.
وجاء أبو أيوب الأنصاري إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين قتلت زيد بن حصين الطائي، طعنته في صدره حتى خرج السنان من ظهره، وقلت له: أبشر يا عدو الله بالنار. فقال: ستعلم غداً أينا أولى بها صلياً. فقال له علي: هو أولى بها صلياً. وجاءه هانىء بن خطاب الأزدي وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد الله بن وهب، فقال: كيف صنعتما؟ قالا: لما رأيناه عرفناه فابتدرناه وطعناه برمحينا. فقال: كلاكما قاتل.
وحمل جيش بن ربيعة الكناني على حرقوص بن زهير فقتله، وحمل عبد الله ابن زحر الخولاني على عبد الله بن شجرة السلمي فقتله، ووقع شريح بن أوفى إلى جانب جدار فقاتل عليه، وكان جل من يقاتله همدان، فقال:
قد علمت جاريةٌ عبسيه ... ناعمةٌ في أهلها مكفيه
أني سأحمي ثلمتي العشية
فحمل عليه قيس بن معاوية فقطع رجله، فجعل يقاتلهم وهو يقول:
القرم يحمي شوله معقولا
فحمل عليه قيس أيضاً فقتله، فقال الناس:
اقتتلت همدان يوماً ورجل ... اقتتلوا من غدوةٍ حتى الأصل
ففتح الله لهمدان الرجل
ذكر مقتل ذي الثدية
قد روى جماعة أن علياً كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن قوماً يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد، سمعوا ذلك منه مراراً، فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم علي وكان منه معهم ما كان، فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجده، حتى قال بعضهم: ما هو فيهم، وهو يقول: والله إنه لفيهم، والله ما كذبت ولا كذبت! ثم إنه جاءه رجل فبشره فقال: يا أمير المؤمنين قد وجدناه. وقيل: بل خرج علي في طلبه قبل أن يبشره الرجل ومعه سليم بن ثمامة الحنفي والريان بن صبرة فوجده في حفرة على شاطىء النهر في خمسين قتيلاًن فلما استخرجه نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمة عليها شعرات سود فغذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولى ثم تترك فتعود إلى منكبيه. فلما رآه قال: الله أكبر ما كذبت ولا كذبت، لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قص الله على لسان نبيه، صلى الله عليه وسلم، لمن قاتلهم مستبصراً في قتالهم عارفاً للحق الذي نحن عليه. (2/87)
وقال حين مر بهم وهم صرعى: بؤساً لكم! لقد ضركم من غركم! قالوا: يا أمير المؤمنين من غرهم؟ قال: الشيطان وأنفسٌ أمارة بالسوء غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي ونبأتهم أنهم ظاهرون.
قيل: وأخذ ما في عسكرهم من شيء، فأما السلاح والدواب وما شهر عليه فقسمه بين المسلمين، وأما المتاع والإماء والعبيد فإنه رده على أهله حين قدم.
وطاف عدي بن حاتم في القتلى على ابنه طرفة فدفنه، ودفن رجال من المسلمين قتلاهم. فقال علي حين بلغه: أتقتلونهم ثم تدفنونهم؟ ارتحلوا! فارتحل الناس.
فلم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة. وقيل: كانت الوقعة سنة ثمان وثلاثين. وكان فيمن قتل من أصحابه يزيد بن نويرة الأنصاري، وله صحبة وسابقة، وشهد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالجنة، وكان أول من قتل.
ذكر رجوع عليّ إلى الكوفة
ولما فرغ علي من أهل النهر حمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله قد أحسن بكم وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم. قالوا: يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصداً، فارجع إلى مصرنا فلنستعد، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا فإنه أقوى لنا على عدونا. وكان الذي تولى كلامه الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النخيلة فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم ويوطنوا على الجهاد أنفسهم وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم. فأقاموا فيه أياماً ثم تسللوا من معسكرهم فدخلوا إلا رجالاً من وجوه الناس وترك المعسكر خالياً، فلما رأى ذلك دخل الكوفة وانكسر عليه رأيه في المسير وقال لهم أيضاً: أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدوكم ومن في جهاده القربة إلى الله، عز وجل، ودرك الوسيلة عنده، حيارى من الحق جفاة عن الكتاب يعمهون في طغيانهم، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلاً وكفى بالله نصيراً. فلم ينفروا ولا تيسروا. فتركهم أياماً حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذي يبطىء بهم. فمنهم المعتل ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط.
فقام فيهم فقال: عباد الله ما بالكم إذا أمرتكم أن تنفروا (اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) التوبة: 38، وبالذل والهوان من العز خلفاً؟ وكلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة وكأن قلوبكم مألوسة وأنتم لا تعقلون، فكأن أبصاركم كمةٌ وأنتم لا تبصرون! لله أنتم! ما أنتم إلا أسد الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي. ما أنتم بركب يصال به. لعمر الله لبئس حشاش الحرب أنتم! إنكم تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم وأنتم لا تتحاشون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون. ثم قال: أما بعد فإن لي عليكم حقاً وإن لكم علي حقاً، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصح لي في المغيب والمشهد والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيراً تنزعوا عما أكره وترجعوا إلى ما أحب فتنالوا ما تلبون وتدركوا ما تأملون.
ذكر عدة حوادث
قيل: وحج بالناس هذه السنة عبيد الله بن عباس، وكان عامل علي على اليمن؛ وكان على مكة والطائف قثم بن العباس، وكان على المدينة سهل بن حنيف، وقيل تمام بن العباس؛ وكان على البصرة عبد الله بن عباس؛ وعلى مصر محمد بن أبي بكر. ولما سار علي إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري؛ وكان على خراسان خليد بن قرة اليربوعي؛ وكان بالشام معاوية ابن أبي سفيان. (2/88)
وفيها قتل حازم بن أبي حازم أخو قيس الأحمسي البجلي بصفين مع علي. وفيها مات خباب بن الأرت، شهد بدراً وما بعدها، وشهد صفين مع علي والنهروان، وقيل لم يشهدها، كان مريضاً ومات قيل قدوم علي إلى الكوفة، وقد تقدم ذكره، وقيل مات سنة تسع وثلاثين وكان عمره ثلاثاً وستين سنة. وفيها قتل أبو الهيثم بن التيهان بصفين مع علي، وقيل عاش بعدها يسيراً، وقتل بها أخوه عبيد بن التيهان، وكان أبو الهيثم أول من بايع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليلة العقبة، في قول، وهو بدري. وفيها قتل يعلى ابن منية، وهي أمه، واسم أبيه أمية التميمي، وهو ابن أخت عتبة بن غزوان، وقيل ابن عمته، وكان قد شهد الجمل مع عائشة، ثم شهد صفين مع علي فقتل بها، وكان إسلامه يوم الفتح، وشهد حنيناً. وقتل بصفين مع علي أبو عمرة الأنصاري النجاري والد عبد الرحمن، وهو أيضاً بدري. وفيها قتل أبو فضالة الأنصاري في قوله، وهو بدري. وفيها توفي سهل ابن حنيف الأنصاري في قول، وهو بدري، وشهد مع علي حروبه. وتوفي بها صهيب بن سنان وصفوان بن بيضاء، وهو بدري. وفي هذه السنة توفي عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعسقلان فجأة وهو في الصلاة وكره الخروج مع معاوية في صفين، وقيل شهدها، ولا يصح.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين
ذكر ملك عمرو بن العاص مصر
وقتل محمد بن أبي بكر الصديق
في هذه السنة قتل محمد بن أبي بكر الصديق بمصر وهو عامل علي عليها، وقد ذكرنا سبب تولية علي إياه مصر وعزل قيس بن سعد عنها ودخوله مصر وإنفاذه ابن مضاهم الكلبي إلى أهل خرنبا، فلما مضى ابن مضاهم إليهم قتلوه، وخرج معاوية بن حديج السكوني وطلب بدم عثمان ودعا إليه، فأجابه ناس وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك علياً فقال: ما لمصر إلا أحد الرجلين، صاحبنا الذي عزلنا، يعني قيساً، أو الأشتر، وكان الأشتر قد عاد بعد صفين إلى عمله بالجزيرة، وقال علي لقيس: أقم عندي على شرطتي حتى تنقضي الحكومة ثم تسير إلى أذربيجان. فلما بلغ علياً أمر مصر كتب إلى الأشتر وهو بنصيبين يستدعيه، فحضر عنده، فأخبره خبر أهل مصر وقال: ليس لها غيرك فاخرج إليها، فإني لو لم أوصك اكتفيت برأيك، واستعن بالله واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ وتشد حين لا يغني إلا الشدة.
فخرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية عيونه بذلك، فعظم عليه، وكان قد طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت وبقيت. فخرج الحابسات حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول، فنزل عنده، فأتاه بطعام، فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سماً فسقاه إياه، فلما شربه مات.
وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن علياً قد وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله عليه، فكانوا يدعون اله عليه كل يوم، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية خطيباً ثم قال: أما بعد فإنه كانت لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفين، يعني عمار بن ياسر، وقطعت الأخرى اليوم، يعني الأشتر.
فلما بلغ علياً موته قال: لليدين وللفمذ وكان قد ثقل عليه لأشياء نقلت عنه، وقيل: إنه لما بلغه قتله قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! مالك وما مالك وهل موجود مثل ذلك؟ لو كان من حديد لكان قيداً أو من حجر لكان صلداً! على مثله فلتبك البواكي! وهذا أصح لأنه لو كان كارهاً لم يوله مصر.
وكان الأشتر قد روى الحديث عن عمر وعلي وخالد بن الوليد وأبي ذر، وروى عنه جماعة، وقال أحمد بن صالح: كان ثقة.
قيل: ولما بلغ محمد بن أبي بكر إنفاذ الأشتر شق عليه فكتب إليه علي: أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك، وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد ولا ازدياداً مني لك في الجد، ولو نزعت ما تحت يدك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة منه وأعجب إليك ولايةً، إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان لنا نصيحاً وعلى عدونا شديداً، وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضوان فرضي الله عنه وضاعف له الثواب، اصبر لعدوك وشمر للحرب و (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) النحل: 125، وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك على ما ولاك. (2/89)
وكتب إليه محمد: أما بعد فقد انتهى إلي كتابك وفهمته، وليس على أحد من الناس ارضى برأي أمير المؤمنين ولا أجهد على عدوه ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجت فعسكرت وآمنت الناس إلا من نصب لنا حرباً وأظهر لنا خلافاً، وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه. والسلام.
وقيل: إنما تولى الأشتر مصر بعد قتل محمد بن أبي بكر.
وكان أهل الشام ينتظرون بعد صفين أمر الحكمين، فلما تفرقا بايع أهل الشام معاوية بالخلافة، ولم يزدد إلا قومة، واختلف الناس بالعراق على علي، فما كان لمعاوية هم إلا مصر، وكان يهاب أهلها لقربهم منه وشدتهم على من كان على رأي عثمان، وكان يرجو أنه إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي لعظم خراجها، فدعا معاوية عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر ابن أبي أرطأة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد وأبا الأعور السلمي وشرحبيل بن السمط الكندي فقال لهم: أتدرون لم جمعتكم؟ فإني جمعتكم لأمر لي مهم! فقالوا: لم يطلع الله على الغيب أحداً وما نعلم ما تريد. فقال عمرو بن العاص: دعوتنا لتسألنا عن رأينا في مصر، فإن كنت جمعتنا لذلك فاعزم واصبر؛ فنعم الرأي رأيت في افتتاحها! فإن فيه عزك وعز أصحابك وكبت عدوك وذل أهل الشقاق عليك. فقال معاوية: أهمك يا ابن العاص ما أهمك! وذلك أن عمراً كان صالح معاوية على قتال علي على أن له مصر طعمةً ما بقي. وأقبل معاوية على أصحابه وقال: أصاب أبو عبد الله، فما ترون؟ فقالوا: ما نرى إلا ما رأى عمرو. قال: فكيف أصنع؟ فإن عمراً لم يفسر كيف اصنع. فقال عمرو: أرى أن تبعث جيشاً كثيفاً عليهم رجل حازم صابر تأمنه وتثق به فيأتي مصر فإنه سيأتيه من كان على مثل رأينا فيظاهره على عدونا، فإن اجتمع جندك ومن بها على رأينا رجوت أن ينصرك الله.
قال معاوية: أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا فنمنيهم ونأمرهم بالثبات، ونكاتب من بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا، فإن كان ما أردنا بغير قتال فذاك الذي أردنا وإلا كان حربهم من بعد ذلك. إنك يا ابن العاص بورك لك في الشدة والعجلة، وأنا بورك لي في التؤدة. قال عمرو: افعل ما ترى فما أرى أمرنا يصير إلا إلى الحرب.
فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد ومعاوية بن حديج السكوني، وكانا قد خالفا علياً، يشكرهما على ذلك ويحثهما على الطلب بدم عثمان ويعدهما المواساة في سلطانه، وبعثه مع مولاة سبيع.
فلما وقفا عليه أجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن حديج: أما بع فإن الأمر الذي بذلنا له أنفسنا واتبعنا به أمر الله أمر نرجو به ثواب ربنا والنصر على من خالفنا وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا، وأما ما ذكرت من المواساة في سلطانك، فتالله إن ذلك أمر ما له نهضنا ولا إياه أردنا، فعجل إلينا بخيلك ورجلك فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين فإن يأتنا مدد يفتح الله عليك. والسلام.
فجاءه الكتاب وهو بفلسطين، فدعا أولئك النفر وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرى أن تبعث جنداً.
فأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها، وبعث معه ستة آلاف رجل ووصاه بالتؤدة وترك العجلة. وسار عمرو فنزل أداني أرض مصر، فاجتمعت إليه العثمانية، فأقام بهم وكتب إلى محمد بن ابي بكر: أما بعد فتنح عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك وهم مسلموك فاخرج منها إني لك من الناصحين. وبعث معه كتاب معاوية في المعنى أيضاً ويتهدده بقصده حصار عثمان.
فأرسل محمد الكتابين إلى علي ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر وأنه رأى التثاقل ممن عنده ويستمده. فكتب إليه علي يأمره أن يضم شيعته إليه ويعده إنفاذ الجيوش إليه ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله. وقام محمد بن أبي بكر في الناس وندبهم إلى الخروج إلى عدوهم مع كنانة بن بشر، فانتدب معه ألفان. وخرج محمد بن أبي بكر بعده في ألفين وكنانة على مقدمته، وأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا منه سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلا حمل عليها فألحقها بعمرو بن العاص، فلما رأى ذلك بعث إلى معاوية ابن حديج فأتاه في مثل الدهم، فأحاطوا بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب، فلما رأى ذلك كنانة نزل عن فرسه ونزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه حتى استشهد. (2/90)
وبلغ قتله محمد بن أبي بكر فتفرق عنه أصحابه، وأقبل نحوه عمرو، وما بقي معه أحد، فخرج محمد يمشي في الطريق، فانتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها، وسار عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق فسألهم عنه، فقال أحدهم: دخلت تلك الخربة فرأيت فيها رجلاً جالساً. فقال ابن حديج: هو هو. فدخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً، وأقبلوا به نحو الفسطاط، فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص، وكان في جنده، وقال: أتقتل أخير صبراً؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه. فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد، فقال: قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا محمداً؟ (أكفاركم خيرٌ من أولئكم أم لكم براءة في الزبر؟) القمر: 43، هيهات هيهات! فقال لهم محمد بن أبي بكر: اسقوني ماء. فقال له معاوية بن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرةً ابداً، إنكم منعتم عثمان شرب الماء، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم والغساق! فقال له محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك إنما ذلك إلى الله، يسقي أولياءه ويظمىء أعداءه أنت وأمثالك، أما والله ولو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا. ثم قال له: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. فقال محمد: إن فعلت بي ذلك فلطالما فعلتم ذلك بأولياء الله، وإني لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو ناراً تلظى كلما خبت زادها الله سعيراً. فغضب منه وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار.
فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو وأخذت عيال محمد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالهم، ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت.
وقد قيل: إن محمداً قاتل عمراً ومن معه قتالاً شديداً فقتل كنانة وانهزم محمد واختبأ عند جبلة بن مسروق، فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به، فخرج محمد فقاتل حتى قتل.
وأما علي فلما جاءه كتاب محمد بن أبي بكر فأجابه عنه ووعده المدد، قام في الناس خطيباً وأخبرهم خبر مصر وقصد عمرو إياها وندبهم إلى إنجادهم وحثهم على ذلك وقال: اخرجوا بنا إلى الجرعة، وهي بين الكوفة والحيرة؛ فلما كان الغد خرج إلى الجرعة فنزلها بكرة وأقام بها حتى انتصف النهار فلم يأته أحد، فرجع، فلما كان العشي استدعى أشراف الناس وهو كئيب فقال: الحمد لله على ما قضى من أمره وقدر من فعله وابتلاني بكم، أيتها القرية التي لا تطيع إذا أمرت، ولا تجيب إذا دعوت، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بمصركم والجهاد على حقكم؟ فوالله لئن جاء الموت، وليأتيني، ليفرقن بيني وبينكم وأنا لصحبتكم قالٍ، وبكم غير كثير، لله أنتم! أما دين يجمعكم ولا محمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم ينتقص بلادكم ويشن الغارة عليكم؟ أوليس عجيباً أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أي وجه شاء وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على العطاء والمعونة فتتفرقون عني تعصونني وتختلفون علي! فقام كعب بن مالك الأرحبي وأمير المؤمنينيا أمير المؤمنين اندب الناس، لهذا اليوم كنت أدخر نفسي. ثم قال: أيها الناس اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوه وأنا أسير إليه. فخرج معه ألفان. فقال له: سر فوالله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم. فسار بهم خمساً.
ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم من مصر فأخبره بقتل محمد بن أبي بكر، وكان معه، وقدم عليه عبد الرحمن بن شبيب الفزاري من الشام، وكان عينه هناك، فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك مصر وسرور أهل الشام بقتله. فقال علي: أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به لا بل يزيد أضعافاً! فأرسل علي فأعاد الجيش الذي أنفذه وقام في الناس خيباً وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلمة الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجاً! ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد فعند الله نحتسبه! أما والله إن كان كما علمت لممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدى المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على تقصير، وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير، وإني لأتقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأي المصيب وأستصرخكم معلناً وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون لي قولاً ولا تطيعون لي أمراً حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثار، ولا تنقض بكم الأوتار، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتهم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فأفٍ لكم! ثم نزل. (2/91)
ومعاوية بن حديج بضم الحاء، وفتح الدال المهملتين. جارية بن قدامة بالجيم وفي آخره ياء تحتها نقطتان. بسر بن أبي أرطأة رضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة.
ذكر إرسال معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة
في هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبي بكر واستيلاء عمرو بن العاص على مصر سير معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي إلى البصرة وقال له: إن جل أهلها يرون رأينا في عثمان وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم لذلك حنقون يودون أن يأتيهم من يجمعهم وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم، فانزل في مضر وتودد الأزد فإنهم كلهم معك، وادع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم لأنهم كلهم ترابية فاحذرهم.
فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة، وكان ابن عباس قد خرج إلى علي بالكوفة واستخلف زياد بن أبيه على البصرة، فلما وصل ابن الحضرمي إلى البصرة نزل في بني تميم، فأتاه العثمانية مسلمين عليه وحضره غيرهم، فخطبهم وقال: إن عثمان إمامكم إمام الهدى قتل مظلوماً، قتله علي، فطلبتم بدمه فجزاكم الله خيراً.
فقام الضحاك بن قيس الهلالي، وكان على شرطة ابن عباس، فقال: قبح الله ما جئتنا به وما تدعونا إليه، أتيتنا والله بمثل ما أتانا به طلحة والزبير، أتيانا وقد بايعنا علياً واستقامت أمورنا فحملانا على الفرقة حتى ضرب بعضنا بعضاً، ونحن الآن مجتمعون على بيعته، وقد أقال العثرة، وعفا عن المسيء، أفتأمرنا أن ننتضي أسيافنا ويضرب بعضنا بعضاً ليكون معاوية أميراً؟ والله ليوم من أيام علي خير من معاوية وآل معاوية! فقام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك: اسكت فلست بأهل أن تتكلم. ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال: نحن أنصارك ويدك والقول قولك فاقرأ كتابك. فأخرج كتاب معاوية إليهم يذكرهم فيه آثار عثمان فيهم وحبه العافية وسده ثغورهم ويذكر قتله ويدعوهم إلى الطلب بدمه ويضمن أنه يعمل فيهم بالسنة ويعطيهم عطائين في السنة. فلما فرغ من قراءته قام الأحنف فقال: لا ناقتي في هذا ولا جملي. واعتزل القوم. وقام عمرو بن مرحوم العبدي فقال: أيها الناس الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا تنكثوا بيعتكم فنقع بكم الواقعة. وكان عباس بن صحار العبدي مخالفاً لقومه في حب علي فقام وقال: لننصرنك بأيدينا وألسنتنا. فقال له المثنى بن مخربة العبدي: والله لئن لم ترجع إلى مكانك الذي جئتنا منه لنجاهدنك بأسيافنا ورماحنا، ولا يغرنكم هذا الذي يتكلم، يعني ابن صحار.
فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان: أنت ناب من أنياب العرب فانصرني. فقال: لو نزلت في داري لنصرتك.
فلما رأى زياد ذلك خاف فاستدعى حضين بن المنذر ومالك بن مسمع فقال: أنتم يا معشر بكر بن ائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته وقد كان من ابن الحضرمي ما ترون وأتاه من أتاه فامنعوني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين. فقال حضين بن المنذر: نعم. وقال مالك وكان رأيه مائلاً إلى بني أمية: هذا أمر لي فيه شركاء أستشير فيه وأنظر. فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف عليه ربيعة فأرسل إلى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي يطلب أن يجيره وبيت مال المسلمين. فقال: إن حملته إلى داري أجرتكما. فنقله إلى داره بالحدان ونقل المنبر أيضاً، فكان يصلي الجمعة بمسجد الحدان ويطعم الطعام. فقال زياد لجابر بن وهب الراسبي: يا أبا محمد إني لا أرى ابن الحضرمي يكف وأراه سيقاتلكم ولا أدري ما عند أصحابك، فانظر ما عندهم. فلما صلى زياد جلس في المسجد واجتمع الناس إليه، فقال جابر: يا معشر الأزد إن تميماً تزعم أنهم هم الناس وأنهم أصبر منكم عند البأس، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم ويأخذوا جاركم ويخرجوه قسراً، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين! فقال صبرة بن شميان، وكان مفخماً: إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء حتاتهم جئت، وإن جاء شبابهم ففينا شباب. (2/92)
وكتب زياد إلى علي بالخبر، فأرسل علي إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي ثم التميمي ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فإن امتنعوا قاتل بمن أطاعه من عصاه، وكتب إلى زياد يعلمه ذلك. فقدم أعين، فأتى زياداً، فنزل عنده، وجمع رجالاً وأتى قوم ونهض إلى ابن الحضرمي ومن معه ودعاهم، فشتموه، وواقفهم نهاره ثم انصرف عنهم، فدخل عليه قوم، قيل إنهم من الخوارج، وقيل وضعهم ابن الحضرمي على قتله، وكان معهم، فقتلوه غيلةً، فلما قتل أعين أراد زياد قتالهم، فأرسلت تميم إلى الأزد: إنا لم نعرض لجاركم فما تريدون إلى جارنا؟ فكرهت الأزد قتالهم وقالوا: إن عرضوا لجارنا منعناه.
وكتب زياد إلى علي يخبره خبر أعين وقتله، فأرسل علي جارية بن قدامة السعدي، وهو من بني سعد من تميم، وبعث معه خمسين رجلاً، وقيل خمسمائة من تميم، وكتب إلى زياد يأمره بمعونة جارية والإشارة عليه. فقدم جارية البصرة، فحذره زياد ما أصاب أعين، فقام جارية في الأزد فجزاهم خيراً وقال: عرفتم الحق إذ جهله غيركم. وقرأ كتاب علي إلى أهل البصرة يوبخهم ويتهددهم ويعنفهم ويتوعدهم بالمسير إليهم والإيقاع بهم وقعة تكون وقعة الجمل عندها هباء. فقال صبرة بن شيمان: سمعاً لأمير المؤمنين وطاعة! نحن حرب لمن حاربه وسلم لمن سالمه. وقال أبو صفرة، والد المهلب، لزياد: لو أدركت يوم الجمل ما قاتل قومي أمير المؤمنين. وقيل: إن أبا صفرة كان توفي في مسيره إلى صفين، والله أعلم.
وصار جارية إلى قومه وقرأ عليهم كتاب علي ووعدهم، فأجابه أكثرهم، فسار إلى ابن الحضرمي ومعه الأزد ومن تبعه من قومه، وعلى خيل ابن الحضرمي عبد الله بن خازم السلمي، فاقتتلوا ساعة، وأقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع جارية، فانهزم ابن الحضرمي فتحصن بقصر سنبيل ومعه ابن خازم، فأتته أمه عجلى، وكانت حبشية، فأمرته بالنزول، فأبى، فقالت: والله لتنزلن أو لأنزعن ثيابي! فنزل ونجا، وأحرق جارية القصر بمن فيه، فهلك ابن الحضرمي وسبعون رجلاً معه، وعاد زياد إلى القصر، وكان قصر سنبيل لفارس قديماً وصار لسنبيل السعدي، وحوله خندق، وكان فيمن احترق دراع بن بدر أخو حارثة بن بدر؛ فقال عمرو بن العرندس:
رددنا زياداً إلى داره ... وجار تميمٍ دخاناً ذهب
لحى الله قوماً شووا جارهم ... ولم يدفعوا عنه حر اللهب
في أبيات غر هذه؛ وقال جرير بن عطية الخطفي.
غدرتم بالزبير فما وفيتم ... وفاء الأزد إذ منعوا زيادا
فأصبح جارهم بنجاة عزٍّ ... وجار مجاشعٍ أمسى رمادا
فلو عاقدت حبل أبي سعيدٍ ... لذاد القوم ما حمل النجادا
وأدنى الخيل من رهج المنايا ... وأغشاها الأسنة والصعادا
جارية بن قدامة بالجيم والياء تحتها نقطتان. وحارثة بن بدر بالحاء المهملة، وبعدها ثاء مثلثة. وعبد الله بن خازم بالخاء المعجمة والزاي. والمثنى ابن مخربة بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المشددة، وآخره باء موحدة.
ذكر خبر الخريت بن راشد وبني ناجية (2/93)
قيل: وفي هذه السنة أظهر الخريت بن راشد الناجي الخلاف على علي، فجاء إلى أمير المؤمنين وكان معه ثلاثمائة من بني ناجية خرجوا مع علي من البصرة فشهدوا معه الجمل وصفين وأقاموا معه بالكوفة إلى هذا الوقت، فحضر عند علي في ثلاثين راكباً فقال له: يا علي والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك، وإني غداً مفارق لك، وذلك بعد تحكيم الحكمين. فقال له: ثكلتك أمك! إذاً تعصي ربك وتنكث عهدك ولا تضر إلا نفسك! خبرني لم تفعل ذلك؟ فقال: لأنك حكمت وضعفت عن الحق، وركنت إلى القوم الذين ظلموا، فأنا عليك زارٍ وعليهم ناقم، ولكم جميعاً مباين. فقال له علي: هلم أدارسك الكتاب وأناظرك في السنن وأفاتحك أموراً أنا أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر، قال: فإني عائدٌ إليك. قال: لا يستهوينك الشيطان، ولا يستخفنك الجهال، والله لئن استرشدتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد.
فخرج من عنده منصرفاً إلى أهله، وسار من ليلته هو وأصحابه. فلما سمع بمسيرهم علي قال: بعداً لهم كما بعدت ثمود! إن الشيطان اليوم استهواهم وأضلهم وهو غداً متبرىء منهم. فقال له زياد بن خصفة البكري: يا أمير المؤمنين، إنه لم يعظم علينا فقدهم فتأسى عليهم، إنهم قل ما يزيدون في عددنا لو أقاموا، ولقل ما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعةً كثيرة ممن يقدمون عليك من أهل طاعتك، فأذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك. فقال: أتدري أين توجهوا؟ قال: لا، ولكني أسأل وأتبع الأثر. فقال له: اخرج، رحمك الله، وانزل دير أبي موسى وأقم حتى يأتيك أمري، فإن كانوا ظاهرين فإن عمالي سيكتبون بخبرهم.
فخرج زياد فأتى داره وجمع أصحابه من بكر بن وائل وأعلمهم الخبر، فسار معه مائة وثلاثون رجلاً، فقال: حسبي. ثم سار حتى أتى دير أبي موسى فنزله يوماً ينتظر أمر علي، وأتى علياً كتاب من قرظة بن كعب الأنصاري يخبره أنهم توجهوا نحو نفر، وأنهم قتلوا رجلاً من الدهاقين كان أسلم. فأرسل علي إلى زياد يأمره باتباعهم ويخبره خبرهم وأنهم قتلوا رجلاً مسلماً ويأمره بردهم إليه، فإن أبوا يناجزهم، وسير الكتاب مع عبد الله بن والٍ، فاستأذنه عبد الله في المسير مع زياد، فأذن له، وقال له: إني لأرجو أن تكون من أعواني على الحق وأنصاري على القوم الظالمين. قال ابن وال: فوالله ما أحب أن لي بمقالته تلك حمر النعم.
وسار بكتاب علي إلى زياد، وساروا حتى أتوا نفر، فقيل إنهم ساروا نحو جرجرايا، فتبعوا آثارهم حتى أدركوهم بالمذار وهم نزول قد أقاموا يومهم وليلتهم واستراحوا، فأتاهم زياد وقد تقطع أصحابه وتعبوا، فلما رأوهم ركبوا خيولهم، وقال لهم الخريت: أخبروني ما تريدون. فقال له زياد، وكان مجرباً رفيقاً: قد ترى ما بنا من التعب، والذي جئناك له لا يصلحه الكلام علانية ولكن ننزل ثم نخلو جميعأً فتذاكر أمرنا، فإن رأيت ما جئناك به حظاً لنفسك قبلته، وإن رأينا فيما نسمع منك أمراً نرجو فيه العافية لم نرده عليك. قال: فانزل. فنزل زياد وأصحابه على ماء هناك وأكلوا شيئاً وعلقوا على دوابهم، ووقف زياد في خمسة فوارس بين أصحابه وبين القوم، وكانوا قد نزلوا أيضاً، وقال زياد لأصحابه: إن عدتنا كعدتهم، وأرى أمرنا يصير إلى القتال، فلا تكونوا أعجز الفريقين.
وخرج زياد إلى الخريت فسمعهم يقولون: جاءنا القوم وهم كالون تعبون، فتركناهم حتى استراحوا، هذا والله سوء الرأي. فدعاه زياد وقال له: ما الذي نقمت على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا؟ فقال: لم أرض صاحبكم إماماً ولا سيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى، فقال له زياد: وهل يجتمع الناس على رجل يداني صاحبك الذي فارقته علماً بالله وسنته وكتابه مع قرابته من الرسول، صلى الله عليه وسلم، وسابقته في الإسلام؟ فقال له: ذلك لا أقول لك. فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم؟ فقال له: ما أنا قتلته وإنما قتله طائفة من أصحابي. قال: فادفعهم إلينا. قال: ما لي إلى ذلك سبيلز فدعا زيادٌ أصحابه ودعا الخريت أصحابه، فاقتتلوا قتالاً شديداً تطاعنوا بالرماح حتى لم يبق رمح، وتضاربوا بالسيوف حتى انحنت، وعقرت عامة خيولهم، وكثرت الجراحة فيهم، وقتل من أصحاب زياد رجلان ومن أولئك خمسة وجاء الليل فحجز بينهما، وقد كره بعضهم بعضاً وجرح زياد، فسار الخريت من الليل وسار زياد إلى البصرة، وأتاهم خبر الخريت أنه أتى الأهواز فنزل بجانب منها وتلاحق به ناسٌ من أصحابهم فصاروا نحو مائتين، فكتب زياد إلى علي يخبرهم وأنه مقيم يداوي الجرحى وينتظر أمره. (2/94)
فلما قرأ علي كتابه قام إليه معقل بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل واحد منهم عشرة، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم عددهم فلعمري ليصبرن لهم فإن العدة تصبر للعدة. فقال: تجهز يا معقل إليهم، وندب معه ألفين من أهل الكوفة، منهم يزيد بن المعقل الأسدي. وكتب علي إلى ابن عباس يأمره أن يبعث من أهل البصرة رجلاً شجاعاً معروفاً بالصلاح في ألفي رجل إلى معقل وهو أمير أصحابه حتى يأتي معقلاً، فإذا لقيه كان معقل الأمير. وكتب إلى زياد ابن خصفة يشكره ويأمره بالعود.
واجتمع على الخريت الناجي علوج من أهل الأهواز كثيرٌ أرادوا كسر الخراج ولصوصٌ وطائفةٌ أخرى من العرب ترى رأيه، وطمع أهل الخراج في كسره فكسروه، وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس، وكان عاملاً لعلي عليها، في قول من يزعم أنه لم يمت سنة سبع وثلاثين. فقال ابن عباس لعلي: أنا أكفيك فارس بزياد، يعني ابن أبيه، فأمره بإرساله إليها وتعجيل تسييره، فأرسل زياداً إليها في جمع كثير، فوطىء بلاد فارس، فأدوا الخراج واستقاموا، وسار معقل بن قيس، ووصاه علي فقال له: اتق الله ما استطعت، ولا تبغ على أهل القبلة، ولا تظلم أهل الذمة، ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين.
فقدم معقل الأهواز ينتظر مدد البصرة، فأبطأ عليه فسار عن الأهواز يطلب الخريت، فلم يسر إلا يوماً حتى أدركه المدد مع خالد بن معدان الطائي، فساروا جميعاً، فلحقوهم قريب جبل من جبال رامهرمز، فصف معقل أصحابه، فجعل على ميمنته يزيد بن المعقل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة، وصف الخريت أصحابه فجعل من معه من العرب ميمنةً، ومن معه من أهل البلد والعلوج ميسرة، ومعهم الأكراد، وحرض كل واحد منهما أصحابه، وحرك معقل رأسه مرتين ثم حمل في الثالثة، فصبروا له ساعة ثم انهزموا، فقتل أصحاب معقل منهم سبعين رجلاً من بني ناجية ومن معهم من العرب، وقتلوا نحواً من ثلاثمائة من العلوج والأكراد، وانهزم الخريت بن راشد فلحق بأسياف البحر، وبها جماعةٌ كثيرة من قومه، فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي ويخبرهم أن الهدى في حربه حتى اتبعه منهم ناس كثير.
وأقام معقل بأرض الأهواز وكتب إلى علي بالفتح، فقرأ علي الكتاب على أصحابه واستشارهم، فقالوا كلهم: نرى أن تأمر معقلاً أن يتبع آثار الفاسق حتى يقتله أو ينفيه فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس. فكتب إلى معقل يثني عليه وعلى من معه ويأمره باتباعه وقتله أو نفيه. فسأل معقل عنه، فأخبر بمكانه بالأسياف وأنه قد رد قومه عن طاعة علي وأفسد من عنده من عبد القيس وسائر العرب، وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين وذلك العام. فسار إليهم معقل فأخذ على فارس وانتهى إلى أسياف البحر.
فلما سمع الخريت بمسيره قال لمن معه من الخوارج: أنا على رأيكم وإن علياً لم ينبغ له أن يحكم. وقال للآخرين من أصحابه: إن علياً حكم ورضي فخلعه حكمه الذي ارتضاه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة وإليه كان يذهب. وقال سراً للعثمانية: إنا والله على رأيكم، قد والله قتل عثمان مظلوماً. فأرضى كل صنف منهم. وقال لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم على صدقاتكم وصلوا بها أرحامكم. وكان فيها نصارى كثير قد أسلموا، فلما اختلف الناس قالوا: والله لديننا الذي خرجنا منه خير من دين هؤلاء، لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء. فقال لهم الخريت: ويحكم! لا ينجيكم من القتل إلا قتل هؤلاء القوم والصبر فإن حكمهم فيمن أسلم ثم ارتد أن يقتل ولا يقبلون منه توبةً ولا عذراً. فخدعهم جميعهم. وأتاه من كان من بني ناجية وغيرهم خلق كثير. فلما انتهى معقل إليه نصب راية أمان وقال: من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا أول مرة. فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه، وعبأ معقل أصحابه وزحف نحو الخريت ومعه قومه مسلمهم ونصرانيهم ومانع الزكاة منهم. فقال الخريت لمن معه: قاتلوا عن حريمكم وأولادكم، فوالله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم وليسبنكم. فقال له رجل من قومه: هذا والله ما جرته علينا يدك ولسانك. فقال: سبق السيف العذل. (2/95)
وسار معقل في الناس يحرضهم ويقول: أيها الناسش ما ترون أفضل مما سبق لكم من الأجر العظيم؟ إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدوا عن الإسلام، ونكثوا البيعة ظلماًن فأشهد لمن قتل منكم بالجنة، ومن بقي منكم فإن الله مقر عينه بالفتح. ثم حمل معقل وجميع من معه فقاتلوا قتالاً شديداً وصبروا له، ثم إن النعمان بن صبهان الراسبي بصر بالخريت فحمل عليه فطعنه فصرع عن دابته، ثم اختلفا ضربتين فقتله النعمان وقتل معه في المعركة سبعون ومائة رجل وذهب الباقون يميناً وشمالاً، وسبى معقل من أدرك من حريمهم وذرياتهم، وأخذ رجالاً كثيراً، فأما من كان مسلماً فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله، وأما من كان ارتد فعرض عليهم الإسلام فرجعوا فخلى سبيلهم وسبيل عيالهم، إلا شيخاً كبيراً نصرانياً منهم يقال له الرماحسن لم يسلم فقتله، وجمع من منع الصدقة وأخذ منهم صدقة عامين، وأما النصارى وعيالهم فاحتملهم مقبلاً بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم، فلما ودعوهم بكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض حتى رحمهم الناس.
وكتب معقل إلى علي بالفتح، ثم أقبل بهم حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامل علي على أردشير خره، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيان وصاح الرجال: يا أبا الفضل! يا حامي الرجال ومأوى المعضب وفكاك العناة امنن علينا واشترنا وأعتقنا! فقال مصقلة: أقسم بالله لأتصدقن عليكم! إن الله يجزي المتصدقين. فبلغ قوله معقلاً فقال: والله لو أعلم أنه قالها توجعاً عليهم وإزراء علينا لضربت عنقه ولو كان في ذلك تفاني تميم وبكر. ثم إن مصقلة اشتراهم من معقل بخمسمائة ألف، فقال له معقل: عجل المال إلى أمير المؤمنين. فقال: أنا أبعث الآن ببعضه ثم كذلك حتى لا يبقى منه شيء.
وأقبل معقل إلى علي فأخبره بما كان منه، فاستحسنه، وبلغ علياً أن مصقلة أعتق الأسرى ولم يسألهم أن يعينوه بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالة سترونه عن قريب منها مبلداً. وكتب إليه يطلب منه المال أو يحضر عنده، فحضر عنده وحمل من المال مائتي ألف.
قال ذهل بن الحارث: فاستدعاني ليلةً فطعمنا ثم قال: إن أمير المؤمنين يسألني هذا المال ولا أقدر عليه. فقلت: والله لو شئت ما مضت جمعة حتى تحمله. فقال: والله ما كنت لأحملها قومي، أما والله لو كان ابن هند ما طالبني بها ولو كان ابن عفان لوهبها لي، ألم تره أطعم الأشعث بن قيس كل سنة من خراج أذربيجان مائة ألف؟ قال: فقلت: إن هذا لا يرى ذلك الرأي ولا يترك منها شيئاً. فهرب مصقلة من ليلته فلحق بمعاوية، وبلغ علياً ذلك فقال: ما له، ترحه الله، فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر! أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدنا له شيئاً أخذناه وإلا تركناه.
ثم سار علي إلى داره فهدمها وأجاز عتق السبي وقال: أعتقهم مبتاعهم وصارت أثمانهم ديناً على معتقهم.
وكان أخوة نعيم بن هبيرة شيعة لعلي، فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب اسمه حلوان يقول له: إن معاوية قد وعدك الإمارة والكرامة فأقبل ساعة يلقاك رسولي، والسلام. فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرحه إلى علي، فقطع يده، فمات، وكتب نعيم إلى مصقلة يقول: (2/96)
لا ترمين هداك الله معترضاً ... بالظن منك فما بالي وحلوانا
ذاك الحريص على ما نال من طمع ... وهو البعيد فلا يحزنك إن خانا
ماذا أردت إلى إرساله سفهاً ... ترجو سقاط امرىء لم يلف وسنانا
قد كنت في منظرٍ عن ذا ومستمعٍ ... تحمي العراق وتدعى خير شيبانا
حتى تقحمت أمراً كنت تكرهه ... للراكبين له سراً وإعلانا
عرضته لعلي إنه أسدٌ ... يمشي العرضنة من آساد خفانا
لو كنت أديت مال القوم مصطبراً ... للحق أحييت أحيانا وموتانا
لكن لحقت بأهل الشام ملتمساً ... فضل ابن هندٍ وذاك الرأي أشجانا
فاليوم تقرع سن العجز من ندمٍ ... ماذا تقول وقد كان الذي كانا
أصبحت تبغضك الأحياء قاطبةً ... لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا
فلما وقع الكتاب إليه علم أنه قد هلك، وأتاه التغلبيون فطلبوا منه دية صاحبهم، فوداه لهم.
وقال بعض الشعراء في بني ناجية:
سما لكم بالخيل قوداً عوابساً ... أخو ثقةٍ ما يبرح الدهر غازيا
فصحبكم في رجله وخيوله ... بضرب ترى منه المدجج هاويا
فأصبحتم من بعد كبرٍ ونخوةٍ ... عبيد العصا لا تمنعون الذراريا
وقال مصقلة بن هبيرة:
لعمري لئن عاب أهل العراق ... علي انتعاش بني ناجيه
لأعظم من عتقهم رقهم ... وكفي بعتقهم ماليه
وزايدت فيهم لإطلاقهم ... وغاليت إن العلى غاليه
ذكر أمر الخوارج بعد النهروان
لما قتل أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على علي بالدسكرة في مائتين ثم سار إلى الأنبار، فوجه إليه علي الأبرش بن حسان في ثلاثمائة فواقعه، فقتل أشرس في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين.
ثم خرج هلال بن علفة من تيم الرباب ومعه أخوه مجالد فأتى ماسبذان، فوجه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله وقتل أصحابه، وهم أكثر من مائتين، وكان قتلهم في جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين.
ثم خرج الأشهب بن بشر، وقيل الأشعث، وهو من بجيلة، في مائة وثمانين رجلاًن فأتى المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه فصلى عليهم ودفن من قدر عليه منهم، فوجه إليهم علي جارية بن قدامة السعدي، وقيل حجر ابن عدي، فأقبل إليهم الأشهب، فاقتتلا بجرجرايا من أرض جوخى، فقتل الأشهب وأصحابه في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين.
ثم خرج سعيد بن قفل التيمي من تيم الله بن ثعلبة في رجب بالبندنيجين ومعه مائتا رجل فأتى درزنجان، وهي من المدائن على فرسخين، فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم في رجب سنة ثمان وثلاثين.
ثم خرج أبو مريم السعدي التميمي فأتى شهرزور، وأكثر من معه من الموالي، وقيل لم يكن معه من العرب غير ستة نفر هو أحدهم، واجتمع معه مائتا رجل، وقيل أربعمائة، وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل إليه علي يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل وقال: ليس بيننا غير الحرب. فبعث إليه علي شريح بن هانىء في سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا وبقي شريح في مائتين، فانحاز إلى قرية، فتراجع إليه بعض أصحابه ودخل الباقون الكوفة، فخرج علي بنفسه وقدم بين يديه جارية بن قدامة السعدي، فدعاهم جارية إلى طاعة علي وحذرهم القتل فلم يجيبوا، ولحقهم علي أيضاً فدعاهم فأبوا عليه وعلى أصحابه، فقتلهم أصحاب علي ولم يسلم منهم غير خمسين رجلاً استأمنوا فآمنهم. وكان في الخوارج أربعون رجلاً جرحى، فأمر علي بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برأوا. وكان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين، وكانوا من أشجع من قائل من الخوارج، ولجرأتهم قاربوا الكوفة.
ذكر عدة حوادث
وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من قبل علي، وكان عامله على مكة، وكان على اليمن عبيد الله بن عباس، وعلى البصرة عبد الله بن عباس، وعلى خراسان خليد بن قرة اليربوعي، وقيل كان ابن أبزى، وأما الشام ومصر فكان بهما معاوية وعماله. (2/97)
وفي هذه السنة مات صهيب بن سنان، في قول بعضهم، وكان عمره سبعين سنة، ودفن بالبقيع.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين
ذكر سرايا أهل الشام
إلى بلاد أمير المؤمنين
وفي هذه السنة فرق معاوية جيوشه في العراق في أطراف علي، فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلي في ألف رجل، وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة ولم يبق معه إلا مائة رجل، فلما سمع بالنعمان كتب إلى أمير المؤمنين يخبره ويستمده، فخطب علي الناس وأمرهم بالخروج إليه، فتثاقلوا، وواقع مالكٌ النعمان وجعل جدار القرية في ظهور أصحابه، وكتب مالك إلى مخنف بن سليم يستعينه، وهو قريب منه، واقتتل مالك والنعمان أشد قتال، فوجه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلاً، فانتهوا إلى مالك وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشام انهزموا عند المساء وظنوا أن لهم مداداً، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر.
ولما تثاقل أهل الكوفة عن الخروج إلى مالك صعد علي المنبر فخطبهم ثم قال: يا أهل الكوفة كلما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلكم انجحر كل امرىء منكم في بيته وأغلق عليه بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها، المغرور من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرار عند النداء ولا إخوان عند النجاء! إنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا منيت به منكم؟ عمي لا يبصرون، وبكم لا ينطقون، وصم لا يسمعون! إنا لله وإنا إليه راجعون.
ووجه معاوية في هذه السنة أيضاً سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل وأمره أن يأتي هيت فيقطعها، ثم يأتي الأنبار، والمدائن فيوقع بأهلها. فأتى هيت فلم يجد بها أحداً، ثم أتى الأنبار وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل وقد تفرقوا ولم يبق منهم إلا مائتا رجل، وكان سبب تفرقهم أنه كان عليهم كميل ابن زياد، فبلغه أن قوماً بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت فسار إليهم بغير أمر علي، فأتى أصحاب سفيان وكميل غائبٌ عنها، فأغضب ذلك علياً على كميل، فكتب إليه ينكر ذلك عليه، وطمع سفيان في أصحاب علي لقلتهم فقاتلهم، فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم، وهو أشرس بن حسان البكري، وثلاثون رجلاً، واحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية، وبلغ الخبر علياً فأرسل في طلبهم فلم يدركوا.
وفيها أيضاً وجه معاوية عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي ويقتل من امتنع، ففعل ذلك، وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك، واجتمع إليه بشرٌ كثيرٌ من قومه، وبلغ ذلك علياً فأرسل المسيب بن نجبة الفزاري في ألفي رجل، فلحق عبد الله بتيماء، فاقتتلوا حتى زالت الشمس قتالاً شديداً، وحمل المسيب على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات لا يريد قتله ويقول له: النجاء النجاء! فدخل ابن مسعدة وجماعة معه الحصن وهرب الباقون نحو الشام، وانتهب الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحصره ومن معه ثلاثة أيام، ثم ألقى الحطب في الباب وحرقه، فلما رأوا الهلاك أشرفوا عليه وقالوا: يا مسيب قومك، فرق لهم، وأمر بالنار فأطفئت، وقال لأصحابه: قد جاءتني عيوني فأخبروني أن جنداً قد أتاكم من الشام. فقال له عبد الرحمن ابن شبيب: سرحني في طلبهم، فأبى ذلك عليه، فقال: غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم.
وفيها أيضاً وجه معاوية الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه، فسار الناس، وأخذ الأموال ومضى إلى الثعلبية، وقتل وأغار على مسلحة علي، وانتهى إلى القطقطانة. فلما بلغ ذلك علياً أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف وأعطاهم خمسين درهماً خمسين درهماً، فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلاً، وقتل من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل، فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن معه.
وفي هذه السنة سار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة ثم نكص راجعاً.
واختلف فيمن حج بالناس هذه السنة، فقيل: حج بالناس عبيد الله بن عباس من قبل علي، وقيل: بل حج عبد الله أخوه، وذلك باطل، فإن عبد الله بن عباس لم يحج في خلافة علي، وإنما كان على هذه السنة على الحج عبيد الله بن عباس، وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي، فاختلف عبيد الله ويزيد بن شجرة واتفقا على أن يحج بالناس شيبة بن عثمان، وقيل: إن الذي حج من جانب علي قثم بن العباس، وكان عمال علي على البلاد من تقدم ذكرهم. (2/98)
ذكر مسير يزيد بن شجرة إلى مكة
وفي هذه السنة دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي، وهو من أصحابه، فقال له: إني أريد أن أوجهك إلى مكة لتقيم للناس الحج وتأخذ لي البيعة بمكة وتنفي عنها عامل علي.
فأجابه إلى ذلك وسار إلى مكة في ثلاثة آلاف فارس وبها قثم بن العباس عامل علي، فلما سمع به قثم خطب أهل مكة وأعلمهم بمسير الشاميين ودعاهم إلى حربهم، فلم يجيبوه بشيء، وأجابه شيبة بن عثمان العبدري بالسمع والطاعة، فعزم قثم على مفارقة مكة واللحاق ببعض شعابها ومكاتبة أمير المؤمنين بالخبر فإن أمده بالجيوش قاتل الشاميين، فنهاه أبو سعيد الخدري عن مفارقة مكة وقال له: أقم فإن رأيت منهم القتال وبك قوة فاعمل برأيك وإلا فالمسير عنها أمامك. فأقام وقدم الشاميون ولم يعرضوا لقتال أحد، وأرسل قثم إلى أمير المؤمنين يخبره، فسير جيشاً فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة بن علي الحنفي وأبو الطفيل أول ذي الحجة، وكان قدوم ابن شجرة قبل التروية بيومين، فنادى في الناس: أنتم آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا. واستدعى أبا سعيد الخدري وقال له: إني أريد الإلحاد في الحرم ولو شئت لفعلت لما فيه أميركم من الضعف، فقل له يعتزل الصلاة بالناس وأعتزلها أنا ويختار الناس رجلاً يصلي بهم. فقال أبو سعيد لقثم ذلك، فاعتزل الصلاة، واختار الناس شيبة بن عثمان فصلى بهم وحج بهم، فلما قضى الناس حجهم رجع يزيد إلى الشام، وأقبل خيل علي فأخبروا بعود أهل الشام، فتبعوهم، وعليهم معقل بن قيس، فأدروهم وقد رحلوا عن وادي القرى، فظفروا بنفر منهم فأخذوهم أسارى وأخذوا ما معهم ورجعوا بهم إلى أمير المؤمنين، ففادى بهم أسارى كانت له عند معاوية.
الرهاوي منسوب إلى الرهاء: قبيلة من العرب، وقد ضبطه عبد الغني ابن سعيد بفتح الراء: قبيلة مشهورة، وأما المدينة فبضم الراء.
ذكر غارة أهل الشام على أهل الجزيرة
وفيها سير معاوية عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شبيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان، وكان شبيب بنصيبين فكتب إلى كميل بن زياد، وهو بهيت، يعلمه خبرهم، فسار كميل إليه نجدة له في ستمائة فارس، فأدركوا عبد الرحمن ومعه معن بن يزيد السلمي، فقاتلهما كميل وهزمهما فغلب على عسكرهما وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح، وقتل من أصحاب كميل رجلان، وكتب إلى علي بالفتح فجزاه خيراً وأجابه جواباً حسناً ورضي عنه، وكان ساخطاً عليه لما تقدم ذكره.
وأقبل شبيب بن عامر من نصيبين فرأى كميلاً قد أوقع بالقوم فهنأه بالظفر واتبع الشاميين فلم يلحقهم فعبر الفرات وبث خيله فأغارت على أهل الشام حتى بلغ بعلبك، فوجه معاوية إليه حبيب بن مسلمة فلم يدركه، ورجع شبيب فأغار على نواحي الرقة فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها ولا خيلاً ولا سلاحاً إلا أخذه وعاد إلى نصيبين وكتب إلى علي، فكتب إليه علي ينهاه عن أخذ أموال الناس إلا الخيل والسلاح الذي يقاتلون به وقال: رحم الله شبيباً، لقد أبعد الغارة وعجل الانتصار.
ذكر غارة الحارث بن نمر التنوخي
ولما قدم يزيد بن شجرة على معاوية وجه الحارث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب، وكان جماعة من بني تغلب قد فارقوا علياً إلى معاوية، فسألوه إطلاق أصحابهم فلم يفعل، فاعتزلوه أيضاً، وكتب معاوية إلى علي ليفاديه بمن اسر معقل بن قيس من أصحاب يزيد بن شجرة، فسيرهم علي إلى معاوية، وأطلق معاوية هؤلاء، وبعث علي رجلاً من خثعم يقال له عبد الرحمن إلى ناحية الموصل ليسكن الناس، فلقيه أولئك التغلبيون الذين اعتزلوا معاوية وعليهم قريع بن الحارث التغلبي، فتشاتموا ثم اقتتلوا فقتلوه، فأراد علي أن يوجه إليهم جيشاً، فكلمته ربيعة وقالوا: هم معتزلون لعدوك داخلون في طاعتك وإنما قتلوه خطأ. فأمسك عنهم. (2/99)
ذكر أمر ابن العشبة
بعث معاوية زهير بن مكحول العامري من عامر الأجدار إلى السماوة وأمره أن يأخذ صدقات الناس، وبلغ ذلك علياً فبعث ثلاثة نفر: جعفر بن عبد الله الأشجعي، وعروة بن العشبة والجلاس بن عمير الكلبيين، ليصدقوا من في طاعته من كلب وبكر بن وائل، فوافوا زهيراً فاقتتلوا، فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر بن عبد الله ولحق ابن العشبة بعلي، فعنفه وعلاه بالدرة، فغضب ولحق بمعاوية، وكان زهير قد حمل ابن العشبة على فرس فلذلك اتهمه. وأما الجلاس فإنه مر براع فأخذ جبته وأعطاه جبة خز، فأدركته الخيل، فقالوا: أين أخذ هؤلاء الترابيون؟ فأشار إليهم: أخذوا ها هنا، ثم أقبل إلى الكوفة.
ذكر أمر مسلم بن عقبة بدومة الجندل
وبعث معاوية مسلم بن عقبة المري إلى دومة الجندل، وكان أهلها قد امتنعوا من بيعة علي ومعاوية جميعاً، فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته، فامتنعوا، وبلغ ذلك علياً فسير مالك بن كعب الهمداني في جمع إلى دومة الجندل، فلم يشعر مسلم إلا وقد وافاه مالك، فاقتتلوا يوماً ثم انصرف مسلم منهزماً وأقام مالك أياماً يدعو أهل دومة الجندل إلى البيعة لعلي فلم يفعلوا، قالوا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام. فانصرف وتركهم.
وفيها توجه الحارث بن مرة العبدي إلى بلاد السند غازياً متطوعاً بأمر أمير المؤمنين علي، فغنم وأصاب غنائم وسبياً كثيراً، وقسم في يوم واحد ألف رأس وبقي غازياً إلى أن قتل بأرض القيقان هو ومن معه إلا قليلاً سنة اثنتين وأربعين أيام معاوية.
ذكر ولاية زياد بن أبيه بلاد فارس
وفي هذه السنة ولى علي زياداً كرمان وفارس.
وسبب ذلك أنه لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس على علي طمع أهل فارس وكرمان في كسر الخراج، فطمع أهل كل ناحية وأخرجوا عاملهم، وأخرج أهل فارس سهل بن حنيف، فاستشار علي الناس فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صلب الرأي عالم بالسياسة كافٍ لما ولي؟ قال: من هو؟ قال: زياد. فأمر علي ابن عباس أن يولي زياداً، فسيره إليها في جمع كثير، فوطىء بهم أهل فارس، وكانت قد اضطرمت، فلم يزل يبعث إلى رؤويسهم يعد من ينصره ويمنيه ويخوف من امتنع عليه، وضرب بعضهم ببعض، فدل بعضهم على عورة بعضٍ، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضاً،وصفت له فارس ولم يلق منهم جمعاً ولا حرباًن وفعل مثل ذلك بكرمان. ثم رجع إلى فارس وسكن الناس واستقامت له، ونزل إصطخر، وحصن قلعة تسمى قلعة زياد قريب إصطخر ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكري، فهي تسمى قلعة منصور. وقيل إن ابن عباس أشار بولايته، وقد تقدم ذكره.
وفيها مات أبو مسعود الأنصاري البدري، وقيل في أول خلافة معاوية، وقيل غير ذلك، ولم يشهد بدراً وإنما قيل له بدري لأنه نزل ماء بدر، وانقرض عقبه.
ثم دخلت سنة أربعين
ذكر سرية بسر بن أبي أرطأة
إلى الحجاز واليمن
في هذه السنة بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة، وهو من عامر بن لؤي، في ثلاثة آلاف، فسار حتى قدم المدينة، وبها أبو أيوب الأنصاري عامل علي عليها، فهرب أبو أيوب فأتى علياً بالكوفة، ودخل بسر إلى المدينة ولم يقاتله أحد، فصعد منبرها فنادى عليه: يا دينار يا نجار يا زريق! وهذه بطون من الأنصار، شيخي شيخي عهدته ها هنا بالأمس فأين هو؟ يعني عثمان. ثم قال: والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلماً إلا قتلته. فأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله! فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال لها: ماذات ترين؟ إن هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن أقتل. قالت: أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمر وختني ابن زمعة أن يبايعا، وكانت ابنتها زينب تحت ابن زمعة، فأتاه جابر فبايعه. (2/100)
وهدم بالمدينة دوراً ثم سار إلى مكة، فخاف أبو موسى الأشعري أن يقتله فهرب منه، وأكره الناس على البيعة، ثم سار إلى اليمن، وكان عليها عبيد الله ابن عباس عاملاً لعلي، فهرب منه إلى علي بالكوفة، واستخلف علي على اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه وأخذ ابنين لعبيد الله بن عباس صغيرين هما: عبد الرحمن وقثم فقتلهما، وكانا عند رجل من كنانة بالبادية، فلما أراد قتلهما قال له الكناني: لم تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما! فقتله وقتلهما بعده. وقيل إن الكناني أخذ سيفه وقاتل عن الغلامين وهو يقول:
الليث من يمنع حافات الدار ... ولا يزال مصلتاً دون الجار
وقاتل حتى قتل. وأخذ الغلامين فدفنهما. فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن: يا هذا! قتلت الرجال فعلام تقتل هذين؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام! والله يا ابن أبي أرطاة إن سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء! وقتل بسر في ميسره ذلك جماعةً من شيعة علي باليمن، وبلغ علياً الخبر فأرسل جارية بن قدامة السعدي في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى أتى نجران فقتل بها ناساً من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه منه واتبعه جارية حتى أتى مكة فقال: بايعوا أمير المؤمنين. فقالوا: قد هلك فمن نبايع؟ قال: لمن بايع له أصحاب علي. فبايعوا خوفاً منه.
ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بالناس، فهرب منه، فقال جارية: لو وجدت أبا سنور لقتلته. ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي، فبايعوه، وأقام يومه، ثم عاد إلى الكوفة ورجع أبو هريرة يصلي بهم.
وكانت أم ابني عبيد الله أم الحكم جويرية بنت خويلد بن قارظ، وقيل: عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان. فلما قتل ولداها ولهت عليهما، فكانت لا تعقل ولا تصفي ولا تزال تنشدهما في المواسم فتقول:
يا من أحس بنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف
يا من أحس بنيي اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
يا من أحس بنيي اللذين هما ... قلبي وسمعي، فقلبي اليوم مختطف
منن ذل والهةٍ حيرى مدلهةٍ ... على صبيين ذلا إذ غدا السلف
نبئت بسراً وما صدقت ما زعموا ... من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا
أحنى على ودجي إبني مرهفةً ... من الشفار، كذاك الإثم يقترف
وهي أبيات مشهورة، فلما سمع أمير المؤمنين بقتلهما جزع جزعاً شديداً ودعا على بسر فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله! فاصابه ذلك وفقد عقله فكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه، ولم يزل كذلك حتى مات.
ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه عبيد الله بن عباس وعنده بسر فقال لبسر: وددت أن الأرض أنبتتني عندك حين قتلت ولدي. فقال بسر: هاك سيفي. فأهوى عبيد الله ليتناوله فأخذه معاوية وقال لبسر: أخزاك الله شيخاً قد خرفت! والله لو تمكن منه لبدأ بي! قال عبيد الله: أجل، ثم ثنيت به.
سلمة، بكسر اللام: بطن من الأنصار.
وقيل: إن مسير بسر إلى الحجاز كان سنة اثنتين وأربعين، فأقام بالمدينة شهراً يستعرض الناس لا يقال له عن أحد إنه شرك في دم عثمان إلا قتله.
وفيها جرت مهادنةٌ بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة. (2/101)
بسر بضم الباء الموحدة، والسين المهملة. زريق، بالزاي والراء: قبيلة من الأنصار أيضاً. وجارية بالجيم والراء.
ذكر فراق ابن عباس البصرة
في هذه السنة خرج عبد الله بن عباس من البصرة ولحق بمكة في قول أكثر أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم وقال: لم يزل عاملاً عليها لعلي حتى قتل علي، وشهد صلح الحسن مع معاوية ثم خرج إلى مكة. والأول أصح. وإنما كان الذي شهد صلح الحسن عبيد الله بن عباس.
وكان سبب خروجه أنه مر بأبي الأسود فقال: لو كنت من البهائم لكنت جملاً، ولو كنت راعياً لما بلغت المرعى. فكتب أبو الأسود إلى علي: أما بعد فإن الله، عز وجل، جعلك والياً مؤتمناً وراعياً مستولياً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توفر لهم فيئهم، وتكف نفسك عن دنياهم، ولا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، ولم يسعني كتمانك، رحمك الله، فانظر فيما هناك، واكتب إلي برأيك فيما أحببت، والسلام.
فكتب إليه علي: أما بعد فمثلك نصح الإمام والأمة ووالى على الحق، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي، ولم أعلمه بكتابك، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه صلاح للأمة، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك، والسلام.
وكتب إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابن عباس، أما بعد فإن الذي بلغك باطلٌ، وإني لما تحت يدي لضابطٌ وله حافظٌ، فلا تصدق الظنين، والسلام. فكتب إليه علي: أما بعد فأعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذت وفيما وضعت. فكتب إليه ابن عباس: أما بعد فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك، إني رزأته من أهل هذه البلاد، فباعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعنٌ عنه، والسلام.
واستدعى أخواله من بني هلال بن عامر، فاجتمعت معه قيس كلها، فحمل مالاً وقال: هذه أرزاقنا اجتمعت، فتبعه أهل البصرة، فلحقوه بالطف يريدون أخذ المال، فقالت قيس: والله لا يوصل إلينا وفينا عين تطرف! فقال صبرة بن شيمان الحداني: يا معشر الأزد إن قيساً إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدو، وإن الذي يصيبكم من هذا المال لقليل وهو لكم خير من المال. فأطاعوه فانصرفوا وانصرفت معهم بكر وعبد اليس، وقاتلهم بنو تميم، فنهاهم الأحنف، فلم يسمعوا منه، فاعتزلهم وحجز الناس بينهم، ومضى ابن عباس إلى مكة.
ذكر مقتل عليّ بن أبي طالب
ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
وفي هذه السنة قتل علي في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، وقيل: لإحدى عشرة، وقيل: لثلاث عشرة بقيت منه، وقيل: في شهر ربيع الآخر سنة أربعين. والأول أصح.
قال أنس بن مالك: مرض علي فدخلت عليه وعنده أبو بكر وعمر فجلست عنده، فأتاه النبي، صلى الله عليه وسلم، فنظر في وجهه فقال له أبو بكر وعمر: يا نبي الله ما نراه إلا ميتاً. فقال: لن يموت هذا الآن ولن يموت حتى يملأ غيظاً ولن يموت إلا مقتولاً.
وقيل من غير وجه: إن علياً كان يقول: ما يمنع أشاقكم أن يخضب هذه من هذه؟ يعني لحيته من دم رأسه.
وقال عثمان بن المغيرة: كان علي لما دخل رمضان يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند أبي جعفر لا يزيد على ثلاث لقم، يقول: أحب أن يأتيني أمر الله وأنا خميص، وإنما هي ليلة أو ليلتان، فلم تمض ليلة حتى قتل.
وقال الحسن بن كثير عن أبيه قال: خرج علي من الفجر فأقبل الإوز يصحن في وجهه فطردوهن عنه، فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم في ليلته.
وقال الحسن بن علي يوم قتل علي: خرجت البارحة وأبي يصلي في مسجد داره فقال لي: يا بني إني بت أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر، فملكتني عيناي فنمت فسنح لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: والأود العوج، واللدد الخصومات - فقال لي: ادع عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني! فجاء ابن النباج فآذنه بالصلاة، فخرج وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم فقتله؛ وكان، كرم الله وجهه، إذا رأى ابن ملجم قال:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليك من مراد
وكان سبب قتله أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي، وقيل اسم البرك الحجاج، وعمرو بن بكر التميمي السعدي، وهم من الخوارج، اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا عمل ولاتهم ثم ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلالة وأرحنا منهم البلاد! فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علياً، وكان من أهل مصر. وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. (2/102)
فتعاهدوا أن لا ينكص أحدهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، وأخذوا سيوفهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان، وقصد كل رجل منهم الجهة التي يريد؛ فأتى ابن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه بالكوفة وكتمهم أمره، ورأى يوماً أصحاباً له من تيم الرباب، وكان علي قد قتل منهم يوم النهر عدة، فتذاكروا قتلى النهر، ولقي معهم امرأة من تيم الرباب اسمها قطام. وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال. فلما رآها أخذت قلبه فخطبها. فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي. فقال: وما تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبداً وقينةً وقتل علي. فقال: أما قتل علي فما أراك ذكرته وأنت تريدينني. قالت: بلى، التمس غرته فإن أصبته شفيت نفسك ونفسي ونفعك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. قال: والله ما جاء بي إلا قتل علي، فلك ما سألت. قالت: سأطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك. وبعثت إلى رجل من قومها اسمه وردان وكلمته، فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع اسمه شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وماذا؟ قال: قتل علي. قال شبيب: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئاً إداً! كيف تقدر على قتله؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا فقد شفينا أنفسنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. قال: ويحك! لو كان غير علي كان أهون، قد عرفت سابقته وفضله وبلاءه في الإسلام، وما أجدني أنشرح لقتله. قال: أما تعلمه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى. قال: فنقتله بمن قتل من أصحابنا. فأجابه.
فلما كان ليلة الجمعة، وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي ومعاوية وعمرو، أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك! وهرب وردان فدخل منزله، فأتاه رجل من أهله، فأخبره وردان بما كان، فانصرف عنه وجاء بسيفه فضرب به وردان حتى قتله، وهرب شبيب في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه وجلس عليه، فلما رأى الحضرمي الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه ونجا، وهرب شبيب في غمار الناس.
ولما ضرب ابن ملجم علياً قال: لا يفوتنكم الرجل. فشد الناس عليه فأخذوه، وتأخر علي وقدم جعدة بن هبيرة، وهو ابن أخته أم هانىء، يصلي بالناس الغداة، وقال علي: أحضروا الرجل عندي. فأدخل عليه. فقال: أي عدو الله! ألم أحسن إليك؟ قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحاً وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال علي: لا أراك مقتولاً به ولا أراك إلا من شر خلق الله. ثم قال: النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قد قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي، انظر يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربةً بضربة ولا تمثلن بالرجل، فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور).
هذا كله وابن ملجم مكتوف. فقالت له أم كلثوم ابنة علي: أي عدو الله! لابأس على أبي، والله مخزيك! قال: فعلى من تبكين؟ والله إن سيفي اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة بأهل مصر ما بقي منهم أحد.
ودخل جندب بن عبد الله على علي فقال: إن فقدناك، ولا نفقدك، فنبايع الحسن؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر، ثم دعا الحسن والحسين فقال لهما: أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضائع، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصيماً، وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في كتاب الله، ولا تأخذكما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم. قال: فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمراً دونهما. ثم قال: أوصيكما به، فإنه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه. وقال للحسن: أوصيك أي بني بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش. (2/103)
ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله، حتى مات، رضي الله عنه وأرضاه.
وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبر عليه الحسن سبع تكبيرات.
فلما قبض بعث الحسن إلى ابن ملجم فأحضره، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله قد أعطيت الله عهداً أن لا أعاهد عهداً إلا وفيت به، وإني عاهدت الله عند الحطيم أن اقتل علياً ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه فلك الله علي إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: لا والله حتى تعاين النار. ثم قدمه فقتله، وأخذه الناس فأدرجوه في بواري وأحرقوه بالنار.
قال عمرو بن الأصم: قلت للحسن بن علي: إن هذه الشيعة تزعم أن علياً مبعوث قبل القيامة! فقال: كذب والله هؤلاء الشيعة، لو علمنا أنه مبعوث قبل القيامة ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله، أما قوله: هذه الشيعة، فلا شك أنه يعني طائفة منها، فإن كل شيعة لا تقول هذا إنما تقوله طائفة يسيرة منهم، ومن مشهوري هذه الطائفة: جابر بن يزيد الجعفي الكوفي، وقد انقرض القائلون بهذه المقاتلة فيما نعلمه.
بجرة بفتح الباء والجيم. والبرك بضم الباء الموحدة، وفتح الراء، وآخره كاف.
وأما البرك بن عبد الله فإنه قعد لمعاوية في تلك الليلة التي ضرب فيها علي، فلما خرج معاوية ليصلي الغداة شد عليه بالسيف، فوقع السيف في أليته، فأخذ، فقال: إن عندي خبراً أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم. قال: إن أخاً لي قد قتل علياً هذه الليلة. قال: فلعله لم يقدر على ذلك. قال: بلى، إن علياً ليس معه أحد يحرسه. فأمر به معاوية فقتل.
وبعث معاوية إلى الساعدي، وكان طبيباً، فلما نظر إليه قال: اختر إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة. فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه شربة فبرأ ولم يولد له بعدها.
وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرط على رأسه إذا سجد، وهو أول من عملها في الإسلام. وقيل: إن معاوية لم يقتل البرك وإنما أمر فقطعت يده ورجله وبقي إلى أن ولي زياد البصرة، وكان البرك قد صار إليها وولد له، فقال له زياد: يولد لك وتركت أمير المؤمنين لا يولد له؟ فقتله وصلبه.
وأما عمرو بن بكر فإنه جلس لعمرو بن العاص تلك الليلة فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن أبي حبيبة، وكان صاحب شرطته، وهو من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي بالناس، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص، فضربه فقتله، فأخذه الناس إلى عمرو فسلموا عليه بالإمرة. فقال: من هذا؟ قالوا: عمرو. قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة. قال: أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك! فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة. فقدمه عمرو فقتله.
قال: ولما بلغ عائشة قتل علي قالت:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
ثم قالت: من قتله؟ فقيل: رجل من مراد. فقالت:
فإن يك نائياً فلقد نعاه ... نعيٌّ ليس في فيه التراب
فقالت زينب بنت أبي سلمة: أتقولين هذا لعلي؟ فقالت: إنني أنسى فإذا نسيت فذكروني؛ وقال ابن أبي مياس المرادي: (2/104)
فنحن ضربنا، يا لك الخير، حيدرا ... أبا حسنٍ مأمومةً فتفطرا
ونحن خلعنا ملكه من نظامه ... بضربة سيفٍ إذ علا وتجبرا
ونحن كرامٌ في الصباح أعزةٌ ... إذا المرء بالموت ارتدى وتأزرا
وقال أيضاً:
ولم أر مهراً ساقه ذو سماحةٍ ... كمهر قطام بين عربٍ ومعجمٍ
ثلاثة آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ ... وضرب عليٍ بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من عليٍ وإن غلا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
وقال أبو الأسود الدئلي في قتل علي:
ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ... فلا قرت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طراً أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا ... ورحلها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمبينا
إذا استقبلت وجه أبي حسينٍ ... رأيت البدر راع الناظرينا
لقد علمت قريشٌ حيث كانت ... بأنك خيرها حسباً ودينا
وقال بكر بن حسان الباهري:
قل لابن ملجم والأقدار غالبةٌ: ... هدمت للدين والإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدمٍ ... وأعظم الناس إسلاماً وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سن الرسول لنا شرعاً وتبيانا
صهر النبي ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نوراً وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدرٌ ... فقلت سبحان رب العرش سبحانا
إني لأحسبه ما كان من أنسٍ ... كلا ولكنه قد كان شيطانا
قد كان يخبرهم هذا بمقتله ... قبل المنية أزماناً فأزمانا
فلا عفا الله عنه سوء فعلته ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا
يا ضربةً من شقيٍ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
بل ضربة من غوي أوردته لظىً ... وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصداً بضربته ... إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
ذكر مدة خلافته ومقدار عمره
وقد قال بعضهم: كانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة، وقيل: كان عمره تسعاً وخمسين، وقيل: خمساً وستين، وقيل: ثمانياً وخمسين. والأول أصح. ولما قتل دفن عند مسجد الجماعة، وقيل: في القصر، وقيل غير ذلك. والأصح أن قبره هو الموضع الذي يزار ويتبرك به.
ذكر نسبه وصفته ونسائه وأولاده
كان آدم شديد الأدمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذا بطن، أصلع، عظيم اللحية، كثير شعر الصدر، هو إلى القصر أقرب، وقيل: كان فوق الربعة، وكان ضخم عضلة الذراع، دقيق مستدقها، ضخم عضلة الساق، دقيق مستدقها، وكان من أحسن الناس وجهاً، ولا يغير شيبه، كثير التبسم.
وأما نسبه فهو علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، وأما فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. وهو أول خليفة، أبواه هاشميان، ولم يل الخلافة إلى وقتنا هذا من أبواه هاشميان غيره، وغير الحسن ولده، ومحمد الأمين، فإن أباه هارون الرشيد وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور.
وأما أزواجه فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، وكان له منها الحسن والحسين، وقد ذكر أنه كان له منها ابن آخر يقال له محسن وأنه توفي صغيراً، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى. ثم تزوج بعدها أم البنين بنت حرام الكلابية، فولدت له العباس وجعفراً وعبد الله وعثمان، قتلوا مع الحسين بالطف ولا بقية لهم غير العباس، وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية، فولدت له عبيد الله وأبا بكر، قتلا مع الحسين، وقيل: إن عبيد الله قتله المختار بالمذار، وقيل: لا بقية لهما. وتزوج أسماء بنت عميس الخثعمية، فولدت له محمداً الأصغر ويحيى، ولا عقب لهما، وقيل: إن محمداً لأم ولد، وقتل مع الحسين، وقيل: إنها ولدت له عوناً، وله من الصهباء بنت ربيعة التغلبية، وهي من السبي الذي أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر، وولدت له عمر بن علي، ورقية بنت علي، فعمر عمر حتى بلغ خمساً وثمانين سنة، فحاز نصف ميراث علي، ومات بينبع. وتزوج علي أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وأمها زينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فولدت له محمداً الأوسط، وله محمد ابن علي الأكبر الذي يقال له ابن الحنفية، أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة. وتزوج علي أيضاً أم سعيد ابنة عروة بن مسعود الثقفية، فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى، وأم كلثوم، وكان له بنات من أمهات شتى لم يذكرن لنا، منهن أم هانىء، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة، كلهن من أمهات أولاد. وتزوج أيضاً مخباة بنت امرىء القيس بن عدي الكلبية، فولدت له جارية هلكت صغيرة، كانت تخرج إلى المسجد فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول: وه وه، تعني كلباً. (2/105)
فجميع ولده أربعة عشر ذكراً، وسبع عشرة امرأة، وكان النسل منهن للحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية.
ذكر عماله
وكان عامله على البصرة هذه السنة عبد الله بن عباس، وقد ذكرنا الاختلاف في أمره، وكان إليه الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها، وكان على قضائها من قبل علي أبو الأسود الدئلي، وكان على فارس زياد، وقد ذكرنا مسيره إليها، وكان على اليمن عبيد الله بن عباس، حتى كان من أمره وأم بسر بن أبي أرطأة ما ذكر، وكان على الطائف ومكة وما اتصل بذلك قثم ابن عباس، وكان على المدينة أبو أيوب الأنصاري، وقيل: سهل بن حنيف، وكان عند قدوم بسر عليه من أمره ما كان، وذكر.
ذكر بعض سيرته
كان أبو رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خازناً لعلي على بيت المال، فدخل علي يوماً وقد زينت ابنته، فرأى عليها لؤلؤة كان عرفها لبيت المال فقال: من أين لها هذه؟ لأقطعن يدها! فلما رأى أبو رافع جده في ذلك قال: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها. فقال علي: لقد تزوجت بفاطمة وما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار وما لي خادم غيرها.
قال ابن عباس: قسم علم الناس خمسة أجزاء، فكان لعلي منها أربعة أجزاء ولسائر الناس جزء شاركهم علي فيه فكان أعلمهم به.
وقال أحمد بن حنبل: ما جاء لأحد من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، ما جاء لعلي.
وقال عمرو بن ميمون: لما ضرب عمر بن الخطاب وجعل الخلافة في الستة من الصحابة، فلما خرجوا من عنده قال: إن يولوها الأجلح يسلك بهم الطريق، فقال له ابنه عبد الله: فما يمنعك يا أمير المؤمنين من توليته؟ قال: أكره أن أتحملها حياً وميتاً.
وقال عاصم بن كليب عن أبيه: قدم على علي مال من أصبهان فقسمه على سبعة أسهم، فوجد فيه رغيفاً فقسمه على سبعة، ودعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر أيهم يعطى أولاً.
وقال هارون بن عنترة عن أبيه: دخلت على علي بالخورنق وهو فصل شتاء وعليه خلق قطيفة وهو يرعد فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً وأنت تفعل هذا بنفسك؟ فقال: والله ما أرزأكم شيئاً وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة.
وقال يحيى بن سلمة: استعمل علي عمرو بن سلمة على أصبهان فقدم ومعه مال وزقاق فيها عسل وسمن فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمناً وعسلاً، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن. فلما كان الغد خرج علي وأحضر المال والعسل والسمن ليقسم، فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأل عنهما، فكتمه وقال: نحن نحضرهما، فعزم عليه إلا ذكرها له، فأخبره، فأرسل إلى أم كثلوم فأخذ الزقين منها فرآهما قد نقصا فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، فأرسل إليها فأخذها منها ثم قسم الجميع. (2/106)
قيل: وخرج من همذان فرأى رجلين يقتتلان ففرق بينها ثم مضى، فسمع صوتاً: يا غوثاه بالله! يحضر نحوه وهو يقول: أتاك الغوث. فإذا رجل يلازم رجلاً. فقال: يا أمير المؤمنين بعت هذا ثوباً بسبعة دراهم وشرطت أن لا يعطيني مغموزاً ولا مقطوعاً، وكان شرطهم يومئذ، فأتاني بهذه الدراهم، فأتيت ولزمته فلطمني. فقال للاطم: ما تقول؟ فقال: صدق يا أمير المؤمنين. فقال: أعطه شرطه. فأعطاه. وقال للملطوم: اقتص. قال: أو أعفو يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك إليك. ثم قال: يا معشر المسلمين خذوه، فأخذوه، فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب، ثم ضربه خمس عشرة درة وقال: هذا نكالٌ لما انتهكت من حرمته.
ولما قتل، كرم الله وجهه، قام ابنه الحسن خطيباً فقال: لقد قتلتم الليلة رجلاً في ليلة نزل فيها القرآن وفيها رفع عيسى وفيها قتل يوشع بن نون، والله ما سبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد يكون بعده، والله إن كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعثه في السرية وجبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ثمانمائة أو سبعمائة أرصدها لجارية.
وقال سفيان: إن علياً لم يبن آجرة على آجرة، ولا لبنةً على لبنة، ولا قصبةً على قصبة، وإن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب.
وقيل: إنه أخرج سيفاً له إلى السوق فباعه وقال: لو كان عندي أربعة دراهم ثمن إزار لم أبعه. وكان لا يشتري ممن يعرفه، وإذا اشترى قميصاً قدر كمه على طول يده وقطع الباقي. وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير الذي يأكل منه ويقول: لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم.
وقال الشعبي: وجد علي درعاً له عند نصراني فأقبل به إلى شريح وجلس إلى جانبه وقال: لو كان خصمي مسلماً لساويته، وقال: هذه درعي! فقال النصراني: ما هي إلا درعي، ولم يكذب أمير المؤمنين؟ فقال شريح لعلي: ألك بنية؟ قال: لا، وهو يضحك، فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيراً ثم عاد وقال: أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه. ثم أسلم واعترف أن الدرع سقطت من علي عند مسيره إلى صفين، ففرح علي بإسلامه ووهب له الدرع وفرساً، وشهد معه قتال الخوارج.
وقيل: إن علياً رؤي وهو يحمل في ملحفته تمراً قد اشتراه بدرهم، فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله.
وقال الحسن بن صالح: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب.
وقال المدائني: نظر علي إلى قوم ببابه فقال لقنبر مولاه: من هؤلاء؟ قال: شيعتك يا أمير المؤمنين. قال: وما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة؟ قال: وما سيماهم؟ قال: خمص البطون من الطوى، يبس الشفاه من الظمإ، عمش العيون من البكاء.
ومناقبه لا تحصى، وقد جمع قضاياه في كتاب مفرد.
ذكر بيعة الحسن بن علي
وفي هذه السنة، أعني سنة أربعين، بويع الحسن بن علي بعد قتل أبيه. وأول من بايعه قيس بن سعد الأنصاري، وقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلين. فقال الحسن: على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما يأتيان على كل شرط. فبايعه الناس. وكان الحسن يشترط عليهم: إنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت. فارتابوا بذلك وقالوا: ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا إلا القتال.
ذكر عدة حوادث
حج بالناس هذه السنة المغيرة بن شعبة، وافتعل كتاباً على لسان معاوية، فيقال: إنه عرف يوم التروية، ونحر يوم عرفة خوفاً أن يفطن لفعله، وقيل: فعل ذلك لأنه بلغه أن عتبة بن أبي سفيان مصبحه والياً على الموسم.
وفيها بويع معاوية بالخلافة ببيت المقدس، وكان قبل ذلك يدعى بالأمير في بلاد الشام، فلما قتل علي دعي بأمير المؤمنين، هكذا قال بعضهم، وقد تقدم أنه بويع بالخلافة بعد اجتماع الحكمين، والله أعلم. (2/107)
وكانت خلافة الحسن ستة أشهر.
وفيها مات الأشعث بن قيس الكندي بعد قتل علي بأربعين ليلة وصلى عليه الحسن بن علي. وفيها مات حسان بن ثابت وأبو رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهما من الصحابة. وفيها مات شرحبيل بن السمط الكندي وهو من أصحاب معاوية، قيل له صحبة، وقيل لا صحبة له. وفي أول خلافة علي مات جهجاه الغفاري له صحبة. وفيها مات الحارث بن خزمة الأنصاري، شهد بدراً وأحداً وغيرهما. وفيها مات خوات بن جبير الأنصاري بالمدينة، وكان قد خرج مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى بدر فرجع لعذر فضرب له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسهمه، وهو صاحب ذات النحيين.
وفي خلافة علي مات قرظة بن كعب الأنصاري بالكوفة، وقيل: بل مات في إمارة المغيرة على الكوفة لمعاوية، شهد أحداً وغيرها وشهد سائر المشاهد مع علي. ومات معاذ بن عفراء الأنصاري في أول خلافة علي، وهو بدري، شهد المشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وفي خلافته مات أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، وكان نقيباً، شهد بدراً، وقيل: بل استخلفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة ورده من طريق بدر وضرب له بسهمه. وفيها توفي معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، له صحبة، قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وكان على خاتم النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان مجذوماً، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، وكان معه الخاتم أيام عثمان، فمن يده وقع الخاتم، وقيل: إنه توفي آخر خلافة عثمان.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين
ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية
كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفاً من عسكره على الموت لما ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل الشام، فبينما هو يتجهز للمسير قتل، كرم الله وجهه، وإذا أراد الله أمراً فلا مرد له. فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه، فتجهز هو والجيش الذين كانوا بايعوا علياً وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية، وكان قد نزل مسكن، فوصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفاً، وقيل بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس، فجعل عبد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة. فلما نزل الحسن المدائن نادى مناد في العسكر: ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا. فنفروا بسرادق الحسن، فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطاً كان تحته، فازداد لهم بغضاً ومنهم ذعراً ودخل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، فقال له المختار، وهو شاب: هل لك في الغنى والشرف. قال: وما ذاك؟ قال: تستوثق من الحسن وتستأمن به إلى معاوية. فقال له عمه: عليك لعنة الله! أثب على ابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأوثقه؟ بئس الرجل أنت! فلما رأى الحسن تفرق الأمر عنه كتب إلى معاوية وذكر شروطاً وقال له: إن أنت أعطيتني هذا فأنا سامعٌ مطيعٌ وعليك أن تفي لي به. وقال لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر: إنني قد راسلت معاوية في الصلح. فقال له الحسين: أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك! فقال له الحسن: اسكت، أنا أعلم بالأمر منك.
فلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية أمسكه، وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى الحسن قبل وصول الكتاب ومعهما صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه: أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك.
فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده، فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية، فأبى ذلك معاوية وقال له: قد أعطيتك ما كنت تطلب. فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال: يا أهل العراق إنه سخى بنفسي عنكم ثلاثٌ: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي.
وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه خمسة آلاف ألف، وخراج دار ابجرد من فارسن وأن لا يشتم علياً، فلم يجبه إلى الكف عن شتم علي، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به أيضاً، وأما خراج دار ابجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا: هو فيئنا لا نعطيه أحداً، وكان منعهم بأمر معاوية أيضاً. (2/108)
وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ربيع الأول من هذه السنة، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، وقيل: إنما سلم الحسن الأمر إلى معاوية لأنه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنا والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلام بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، وأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر، ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفةٌ، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله، عز وجل، بظبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى.
فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية! وأمضى الصلح.
ولما عزم على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس فقال: أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه. فلما ساروا إلى معاوية في الصلح اصطلحا على ما ذكرناه وسلم إليه الحسن الأمر.
وكانت خلافة الحسن، على قول من يقول: إنه سلم الأمر في ربيع الأول، خمسة أشهر ونحو نصف شهر، وعلى قول من يقول: في ربيع الآخر، يكون ستة أشهر وشيئاً، وعلى قول من يقول: في جمادى الأولى، يكون سبعة أشهر وشيئاً، والله تعالى أعلم.
ولما اصطلحا وبايع الحسن معاوية دخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، وكتب الحسن إلى قيس بن سعد، وهو على مقدمته في اثني عشر ألفاً يأمره بالدخول في طاعة معاوية، فقام قيس في الناس فقال: أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام. فقال بعضهم: بل نختار الدخول في طاعة إمام ضلالة. فبايعوا معاوية أيضاً. فانصرف قيس فيمن تبعه، على ما نذكره.
ولما دخل معاوية الكوفة قال له عمرو بن العاص ليأمر الحسن أن يقوم فيخطب الناس ليظهر لهم عيه. فخطب معاوية الناس ثم أمر الحسن أن يخطبهم. فقام فحمد الله بديهةً ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دولٌ، وإن الله، عز وجل، قال لنبيه (وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حينٍ) الأنبياء: 111. فلما قاله قال له معاوية: اجلس، وحقدها على عمرو وقال: هذا من رأيك.
ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمهم، وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة.
قيل للحسن: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحدٌ أبداً إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر، لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً، فليت شعري لمن يصلحون بعدي، وهي أسرع البلاد خراباً! ولما سار الحسن من الكوفة عرض له رجل فقال له: يا مسود وجوه المسلمين! فقال: لا تعذلي فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام بني أمية ينزون على منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك فأنزل الله، عز وجل: (إنا أعطيناك الكوثر: 1، وهو نهر في الجنة، و (إنا أنزلناه في ليلة القدر) إلى قوله تعالى: (خيرٌ من ألف شهرٍ) القدر: 1 - 3، يملكها بعدك بنو أمية.
ذكر صلح معاوية وقيس بن سعد
وفيها جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد، وكان قيس امتنع من ذلك، وسبب امتناعه أن عبيد الله بن عباس لما علم بما يريده الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية كتب إلى معاوية يسأله الأمان لنفسه على ما أصاب من مال وغيره، فأجابه إلى ذلك، وأرسل عبد الله بن عامر في جيش كثيف، فخرج إليهم عبيد الله ليلاً وترك جنده الذين هو عليهم بغير أمير وفيهم قيس بن سعد، فأمر ذلك الجند عليهم قيس بن سعد وتعاقدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشرط لشيعة علي ولمن كان معه على دمائهم وأموالهم. وقيل: إن قيساً كان هو الأمير على ذلك الجيش في المقدمة، على ما ذكرناه، وكان شديد الكراهة لإمارة معاوية ابن أبي سفيان، فلما بلغه أن الحسن بن علي صالح معاوية اجتمع معه جمع كثير وبايعوه على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي على دمائهم وأموالهم وما كانوا أصابوا في الفتنة، فراسله معاوية يدعوه إلى طاعته، وأرسل إليه بسجل، وختم على أسفله وقال له: اكتب في هذا ما شئت فهو لك. فقال عمرو لمعاوية: لا تعطه هذا وقاتله. فقال معاوية: على رسلك فإنا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك؟ فإني والله لا أقاتله أبداً حتى لا أجد من قتاله بداً. (2/109)
فلما بعث إليه معاوية ذلك السجل اشترط قيس له ولشيعة علي الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل في سجله ذلك مالاً، وأعطاه معاوية ما سأل، ودخل قيس ومن معه في طاعته.
وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسةً يقال إنهم ذوو رأي العرب ومكيدتهم: معاوية، وعمرو، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل الخزاعي، وكان قيس وابن بديل مع علي، وكان المغيرة معتزلاً بالطائف، ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه سعد بن أبي وقاص فقال: السلام عليك أيها الملك! فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت: يا أمير المؤمنين؟ فقال: أتقولها جذلان ضاحكاً؟ والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به!
ذكر خروج الخوارج على معاوية
قد ذكرنا فيما تقدم اعتزال فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة من الخوارج ومسيرهم إلى شهرزور، وتركوا قتال علي والحسن؛ فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية قالوا: قد جاء الآن ما لا شك فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى حلوا بالنخيلة عند الكوفة، وكان الحسن ابن علي قد سار يريد المدينة، فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة، فلحقه رسوله بالقادسية أو قريباً منها، فلم يرجع وكتب إلى معاوية: لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإني تركتك لصلاح الأمة وحقن دمائها.
فأرسل إليهم معاوية جمعاً من أهل الشام، فقاتلوهم، فانهزم أهل الشام، فقال معاوية لأهل الكوفة: والله لا أمان لكم عندي حتى تكفوهم. فخرج أهل الكوفة فقاتلوهم. فقالت لهم الخوارج: أليس معاوية عدونا وعدوكم؟ دعونا حتى نقاتله، فإن أصبنا كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لابد لنا من قتالكم. فأخذت أشجع صاحبهم فروة فحادثوه ووعظوه فلم يرجع، فأخذوه قهراً وأدخلوه الكوفة، فاستعمل الخوارج عليهم عبد الله بن أبي الحوساء، رجلاً من طيء، فقاتلهم أهل الكوفة فقتلوهم في ربيع الأول، وقيل: في ربيع الآخر، وقتل ابن أبي الحوساء، وكان ابن أبي الحوساء حين ولي أمر الخوارج قد خوف من السلطان أن يصلبه، فقال:
ما إن أبالي إذا أرواحنا قبضت ... ماذا فعلتم بأوصالٍ وأبشار
تجري المجرة والنسران عن قدرٍ ... والشمس والقمر الساري بمقدار
وقد علمت، وخير القول أنفعه، ... أن السعيد الذي ينجو من النار
ذكر خروج حوثرة بن وداع