صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الخبر عن مهلك ابن غانية و حركة السلطان الى بجاية و ولاية ابنه الأمير أبي يحيى زكريا عليها
لما استقل الأمير أبو زكريا بأفريقية و خلع طاعة بني عبد المؤمن صرف عزمه أولا إلى مدافعة يحيى بن غانية عن نواحي أعماله فكانت له في ذلك مقامات مذكورة وشرده عن جهات طرابلس و الزاب و واركلا و اختط بواركلا المسجد لما نزلها في أتباعه و أنزل بالأطراف عساكره و عماله لمنعها دونه و لم يزل ابن غانية و أتباعه من العرب من أفاريق سليم و هلال و غيرهم على حالهم من التشريد و الجلاء إلى أن هلك سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة و انقطع عقبه فانقطع ذكره و محا الله آثار فتنته من الأرض و استقام أمر الدولة و نبضت منها عروق الاستيلاء و اتساع نطاق الملك
و نهضت عزائمه إلى تدويخ أرض المغرب فخرج من تونس سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة يوم بلاد زناتة بالمغرب الأوسط و أغذ السير إلى بجاية فتلوم بها ثم ارتحل إلى الجزائر فافتتحها و ولى عليها ثم نهض منها إلى بلاد مغراوة فأطاعه بنو منديل بن عبد الرحمن و جاهر بنو توجين بخلافه فنزل البطحاء و أوقع بهم و تقبض على رئيسهم عبد القوي بن العباس فاعتقله و بعث به إلى تونس و دوخ المغرب الأوسط و قفل راجعا إلى حضرته و عقد مرجعه من المغرب لابنه الأمير أبي يحيى زكريا على بجاية و أنزله بها و استوزر له يحيى بن صالح بن ابراهيم الهنتاتي و جعل شواره لعبد الله بن أبي تهدى و جبايته لعبد الحق بن ياسين و كلهم من هنتاتة و كتب إليه بوصيته مشتملة على جوامع الخلال في الدين و الملك و السياسة يجب إثباتها لشرف مغزاها و غرابة معناها و يأتي نصها فيما بعد

(6/382)


الخبر عن سطوة السلطان بهوارة
كان لهوارة هؤلاء بأفريقية ظهور و عدد منذ عهد الفتح و كانت دولة العبيديين قد جرت عليهم بكلكلها لما كان منهم في فتنة أبي يزيد كما نذكره في أخبارهم و بقي منهم فل بجبل أوراس و ما بعده من بلاد أفريقية و بسائطها إلى أبة و مرماجنة و سبيبة و تبرسق و لما انقرض ملك صنهاجة بالموحدين و تغلب الأعراب من هلال و سليم على سائر النواحي بأفريقية و كثروا ساكنها و تغلبوا عليهم أخذ هذا الفل بمذهب العرب و شعارهم و شارتهم في اللبوس و الزي و الظعون و سائر العوائد و هجروا لغتهم العجمية إلى لغتهم ثم نسوها كأن لم تكن لهم شأن المغلوب في الاقتداء بغالبه ثم كان لهم انحياش أولد الدولة إلى الطاعة بغلب عبد المؤمن و قومه فلما استبد الأمير أبو زكريا و انقلبت الدولة إلى بني أبي حفص ظهر منهم التياث في الطاعة و امتناع عن المعزم و أضرار بالسابلة فاعتمل السلطان في أمرهم و خرج من تونس سنة ست و ثلاثين و ستمائة موريا بالغزو إلى أهل أوراس و بعث في احتشادهم فتوافدوا في معسكره ثم صبحهم في عسكره من الموحدين و العرب ففتك بهم قتلا و سبيا و اكتسح أموالهم و قتل كبيرهم أبو الطيب بعرة بن حناش و أفلت من أفلت منهم ناجيا بنفسه عاريا من كسبه فألانت هذه البطشة من حدهم و خضدت من شوكتهم و استقاموا على الطاعة بعد

(6/383)


الخبر عن ثورة الهزعي بطرابلس و منال أمره
كان هذا الرجل من مشيخة الموحدين و هو يعقوب بن يوسف بن محمد الهرغي و يكنى بأبي عبد الرحمن و كان الأمير أبو زكرياء و قد عقد له على طرابلس و جهاتها و سرح معه عسكرا من الموحدين من أعراب دباب من بني سليم فقام بأمرها و اضطلع بجباية رعاياها و استخدم العرب و البربر الذين بساحتها و كان بينه و بين الجواهري مصدوقة ود فلما قتل الجواهري سنة تسع و ثلاثين و ستمائة كما قدمناه استوحش لها يعقوب الهرغي و استقدمه السلطان فتلكأ و بعث عنه أخاه ابن أبي يعقوب فازداد نفاره و حدثته نفسه بالاستبداد لما كان أثرى من الجباية و شعر لها أهل البلد فانطلقوا و هم يتخافون أن يعاجلوه قبل مداخلته العرب في أمره فتقبضوا عليه و على أخيه و على أتباعهما ليلة أجمعوا الثورة في صباحها و طيروا بالخبر إلى الحضرة فنفذ الأمر بقتلهم فقتلوا و بعث برؤوسهم إلى باب السلطان و نصبت أشلاؤهم بأسوار طرابلس و أصبحوا عبرة للمعتبرين و أنشد الشعراء في التهنية بهم و قامت للبشائر سوق لكائنتهم
و كان ممن قتل معه محمد ابن قاضي القضاة بمراكش أبي عمران بن عمران وصل علقا إلى تونس و قصد طرابلس فاتصل بهذا الهرغي و نمي عنه أنه أنشأ خطبة ليوم البيعة فكانت سائقة حتفه و كان بالمهدية رجل من الدعاة يعرف بأبي حمراء اشتهر بالنجدة في غزو البحر و قدم على الأسطول فردد الغزو حتى هابه الغزى من أمم الكفر و أمنت سواحل المسلمين من طروقهم و طار له فيها ذكر و نمي أنه كان مداخلا للجواهري و الهرغي و أن القاضي بالمهدية أبا زكرياء البرقي اطلع على دسيستهم في ذلك فنفذ الأمر السلطاني للوالي بها أبي علي بن أبي موسى بن أبي حفص بقتل ابن أبي الأحمر و إشخاص القاضي إلى الحضرة معتقلا فأمضى عهده و لما وصل البرقي إلى تونس فحص السلطان عن شأنه فبرىء من مداخلتهم فسرحه و أعاده إلى بلده و قتل بالحضرة رجل آخر من الجند أتهم بمداخلتهم و سعايته في قيامهم و كان له تعلق برحاب بن محمود أمير دباب فأوعز السلطان إلى بعض الدعار من زناتة فقتله غيلة ثم أهدر دمه و تتبع أهل هذه الخائنة بالقتل حتى حسم الداء و محا شوائب الفتنة

(6/384)


الخبر عن بيعة بلنسية و مرسية و أهل شرق الأندلس و وفدهم
لما استقل أبو جميل زيان بن أبي الحملات مدافع بن أبي الحجاج بن سعد بن مردنيش بملك بلنسية و غلب عليها السيد أبا زيد بن السيد أبي حفص و ذلك عند خمود ريح بني عبد المؤمن بالأندلس و خروج ابن هود على المأمون ثم فتنته هو مع ابن هود و ثورة ابن الأحمر بأرجونة و اضطراب الأندلس بالفتنة و أسف الطاغية إلى ثغور الأندلس من كل جانب و زحف ملك أرغون إلى بلنسية فحاصرها و كانت للعدو سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة سبع محلات لحصار المسلمين :
اثنتان منها على بلنسية و جزيرة شقر و شاطبة و محلة بجيان و محلة بطبيرة و محلة بمرسية و محلة بلبلة و أهل جنوة من وراء ذلك على سبتة
ثم تملك طاغية قشتالة مدينة قرطبة و ظفر طاغية أرغون بالكثير من حصون بلنسية و الجزيرة و بنى حصن أنيشة لحصار بلنسية و أنزل بها عسكره و انصرف فاعتزم زيان بن مردنيش على غزو من بقي بها من عسكره و استنفر أهل شاطبة و شقر و زحف إليهم فانكشف المسلمون و أصيب كثير منهم و استشهد أبو الربيع بن سالم شخ المحدثين بالأندلس و كان يوما عظيما و عنوانا على أخذ بلنسية ظاهرا ثم ترددت عليها سرايا العدو ثم زحف إليها طاغية أرغون في رمضان سنة خمس و ثلاثين و ستمائة فحاصرها و استبلغ في نكايتها و كان بنو عبد المؤمن بمراكش قد فشل ريحهم و ظهر أمر بني أبي حفص بأفريقية فأمل ابن مردنيش و أهل شرق الأندلس الأمير أبا زكرياء للكرة و بعثوا إليه بيعتهم و أوفد عليه ابن مردنيش كاتبه الفقيه أبا عبد الله بن الأبار صريخا فوفد و أدى بيعتهم في يوم مشهود بالحضرة و أنشد في ذلك المحفل قصيدته على روي السين يستصرخه فيها للمسلمين و هي هذه :
( أدراك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا )
( و هب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل منك عز النصر ملتمسا )
( عاش مما تعاينه حشاشتها ... فطالما ذاقت البلوى صباح مسا )
( يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا ... للنائبات و أمسى جدها تعسا )
( في كل شارقة إلمام بائقة ... يعود ماتمها عند العدا عرسا )
( و كل غاربة إجحاف نائبة ... تثني الأمان حذارا و السرور أسا )
( نقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا )
( و في بلنسية منها و قرطبة ... ما يذهب النفس أو ما ينزف النفسا )
( مدائن حلها الإشراك مبتسما ... جذلان و ارتحل الإيمان منبئسا )
( و صيرتها العوادي عائثات بها ... يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا )
( ما للمساجد عادت للعدى بيعا ... و للنداء يرى أثناءها جرسا )
( لهفا عليها إلى استرجاع فائتها ... مدارسا للمثاني أصبحت درسا )
( و أربعا غنمت أيدي الربيع بها ... ما شئت من خلع موشية و كسا )
( كانت حدائق للأحداق مونقة ... فصوح النصر من أدواحها و عسا )
( و حال ما حولها من منظر عجب ... يستوقف الركب أو يستركب الجلسا )
( سرعان ما عاث جيش الكفر و احربا ... عيث الدبا في مغانيها التي كبسا )
( و ابتز بزتها مما تحيفها ... تحيف الأسد الضاري لما افترسا )
( فأين عيش جنيناه بها خضرا ... و أين غصن جنيناه بها سلسا )
( محا محاسنها طاغ أتيح لها ... ما نام عن هضمها حينا و ما نعسا )
( و رج أرجاءها لما أحاط بها ... فغادر الشم من أعلامها خنسا )
( خلا له الجو و امتدت يداه إلى ... إدراك ما لم تنل رجلاه مختلسا )
( و أكثر الزعم بالتثليث منفردا ... و لو رأى راية التوحيد ما نبسا )
( صل حبلها أيها المولى الرحيم فما ... أبقى المراس لها حبلا و لا مرسا )
( و أحي ما طمست منها العداة كما ... أحييت من دعوة المهدي ما طمسا )
( أيام صرت لنصر الحق مستبقا ... و بت من نور ذاك الهدي مقتبسا )
( و قمت فيها لأمر الله منتصرا ... كالصارم اهتز أو كالعارض انبجسا )
( تمحو الذي كتب التجسيم من ظلم ... و الصبح ماحية أنواره الغلسا )
( هذي رسائلها تدعوك من كتب ... و أنت أفضل مرجو لمن يئسا )
( و افتك جارية بالنجح راجية ... منك الأمير الرضى و السيد الندسا )
( خاضت خضارة يعلوها و يخفضها ... عبابه فتعاني اللين و الشرسا )
( و ربما سبحت و الريح عاتية ... كما طلبت بأقصى شدة الفرسا )
( تؤم يحيى بن عبد الواحد بن أبي ... حفص مقبلة من تربه القدسا )
( ملك تقلدت الأملاك طاعته ... دينا و دنيا فغشاها الرضى لبسا )
( من كل غاد على يمناه مستلما ... و كل صاد إلى نغماه ملتمسا )
( مؤيد لو رمى نجما لأثبته ... و لو دعا أفقا لبى و ما احتسبا )
( إمارة تحمل المقدار رايتها ... و دولة عزها يستصحب القعسا )
( يبدي النهار بها من ضوئه شنبا ... و يطلع الليل من ظلمائه لعسا )
( كأنه البدر و العلياء هالته ... تحف من حوله شهب القنا حرسا )
( له الثرى و الثريا خطتان فلا ... أعز من خطتيه ما سما و رسا )
( يا أيها الملك المنصور أنت لها ... علياء توسع أعداء الهدى تعسا )
( و قد تواترت الأنباء أنك من ... يحيى بقتل ملوك الصفر أندلسا )
( طهر بلادك منهم إنهم نجس ... و لا طهارة ما لم تغسل النجسا )
( و أوطىء الفيلق الجرار أرضهم ... حتى يطأطىء رأس كل من رأسا )
( و انصر عبيدا بأقصى شرقها شرقت ... عيونهم أدمعا تهمي زكاء و خسا )
( هم شيعة الأمر و هي الدار قد نهكت ... داء متى لم تباشر حسمه انتكسا )
( املأ هنئيا لك التمكين ساحتها ... جردا سلاهب أو خطية دعسا )
( و اضرب لها موعدا بالفتح ترقبه ... لعل يوم الأعادي قد أتى و عسا )
فأجاب الأمير أبو زكريا داعيتهم و بعث إليهم أسطوله مشحونا بمدد الطعام و الأسلحة و المال مع أبي يحيى بن يحيى بن الشهيد أبي إسحاق بن أبي حفص و كانت قيمة ذلك مائة ألف دينار و جاءهم الأسطول بالمدد و هم في هذا الحصار فنزل بمرسى دانية و استفرغ المدد بها و رجع بالناض إذا لم يخلص إليه من قبل ابن مردنيش من يتسلمه
و اشتد الحصار على أهل بلنسية و عدمت الأقوات و كثر الهلاك من الجوع فوقعت المراودة على إسلام البلد فتسلمها جاقمة ملك أرغون في صفر سنة ست و ثلاثين و ستمائة و خرج عنها ابن مردنيش إلى جزيرة شقر فأخذ البيعة على أهلها للأمير أبي زكريا و رجع ابن الأبار إلى تونس فنزل على السلطان و صار في جملته و ألح العدو على حصار ابن مردنيش بجزيرة شقر و أزعجه عنها إلى دانية فدخلها في رجب من سنته و أخذ عليهم البيعة للأمير أبي زكريا
ثم داخل أهل مرسية و قد كان بويع بها أبو بكر عزيز بن عبد الملك ابن خطاب في مفتتح السنة فافتتحها عليه في رمضان من سنته و قتله و بعث ببيعتهم إلى الأمير أبي زكريا و انتظمت البلاد الشرقية في طاعته و انقلب وفد ابن مردنيش إليه من تونس بولايته على عمله سنة سبع و ثلاثين و ستمائة و لم يزل بها إلى أن غلبه ابن هود على مرسية و خرج عنها إلى لقنت الحصون سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة إلى أن أخذها طاغية برشلونة من يده سنة أربع و أربعين و ستمائة و أجاز إلى تونس و البقاء لله

(6/385)


الخبر عن الجوهري و أوليته و مال أمره
إسم هذا الرجل : محمد بن محمد الجوهري و كان مشتهرا بخدمة ابن أكمازير الهنتاتي والي سبتة و غمارة من أعمال المغرب و كان حسن الضبط متراميا إلى الرياسة و لما ورد على تونس و تعلق بأعمال السلطان نظر فيما يزلفه و يرفع من شأنه فوجد جباية أهل الخيام بأفريقية من البرابرة الموطنين مع الأعراب غير منضبطة و لا محصلة في ديوان فنبه على أنها مأكلة للعمال و نهبة للولاة فدفع إليها فأنمى جبايتها و قرر ديوانها و صارت عملا منفردا يسمى عمل العمود وطار له بذلك بين العمال ذكر جذب له السلطان أبو زكرياء بضبعه و عول على نصيحته و آثره باختصاصه و وافق ذلك موت أبي الربيع الكنفيتي المعروف بابن الغريغر صاحب الأشغال بالحضرة فاستعمل مكانه و كان لا يلي تلك الخطة إلا كبير من مشيخة الموحدين فرشحه السلطان لها لكفايته و غنائه فظفر منها بحاجة نفسه و اعتدها ذريعة إلى أمنيته فاتخذ شارة أرباب السيوف و ارتبط الخيل و اتخذ الآلة في حروبه مع أهل البادية إذا احتاج إليها
و أسف أثناء ذلك أبا علي بن النعمان و أبا عبيد الله بن أبي الحسن بعدم الخضوع لهما فنصبا له و أغريا به السلطان و حذراه غائلة عصيانه و كان فيه إقدام أوجد به السبيل على نفسه و يحكى أن السلطان استشاره ذات يوم في تقويم بعض أهل الخلاف و العصيان فقال له :
عندي ببابك ألف من الجنود أرم بها من تشاء من أمثالهم فأعرض عنه السلطان و اعتدها عليه و جعلها مصداقا لما نمي عنه و لما قدم عنه عبد الحق بن يوسف بن ياسين على الأشغال ببجاية مع زكريا بن السلطان أظهر له الجوهري أن ذلك بسعايته و عهد إليه بالوقوف عند أمره و العمل بكتابه فألقى عبد الحق ذلك إلى الأمير أبي زكريا فقام لها و قعد و أنف من استبداد الجوهري عليه و لم تزل هذه و أمثالها تعد عليه حتى حق عليه القول فسطا به الأمير أبو زكريا و تقبض عليه سنة تسع و ثمانين و ستمائة و وكل امتحانه إلى أعدائه ابن لمان و الندرومي فتجلد على العذاب و أصبح في بعض أيامه ميتا بمحبسه و يقال خنق نفسه و ألقي شلوه بقارعة الطريق فتفنن أهل الشمات في العبث به و إلى الله المصير

(6/389)


الخبر عن فتح تلمسان و دخول بني عبد الواد في الدعوة الحفصية
كان الأمير أبو زكريا منذ استقل بأمر أفريقية و اقتطعها عن بني عبد المؤمن كما ذكرناه متطاولا إلى ملك الحضرة بمراكش و الاستيلاء على كرسي الدعوة و كان يرى أن بمظاهرة زناتة له على شأنه يتم له ما يسمو إليه من ذلك فكان يداخل أمراء زناتة فيه و يرغبهم و يراسلهم بذلك على الأحياء من بني مرين و بني عبد الواد و توجين و مغراوة
و كان يغمراسن منذ تقلد طاعة آل عبد المؤمن أقام دعوتهم بعمله متحيزا إليهم سلما لوليهم و حربا على عدوهم و كان الرشيد منهم قد ضاعف له البر و الخلوص و خطب منه مزيد الولاية و المصافاة و عاوده الاتحاف بأنواع الألطاف و الهدايا تيمما لمسراته و ميلا إليه عن جانب أقتاله بني مرين المجبلين على المغرب و الدولة فاستكبر السلطان أبو زكريا اتصال الرشيد هذا بيغمراسن و ألزمهم من جواره بالمحل القريب
و بينما هو على ذلك إذ وفد عليه عبد القوي أمير بني توجين و بعض ولد منديل بن عبد الرحمن أمراء مغراوة صريخا على يغمراسن فسهلوا له أمره و سولوا له الاستبداد على تلمسان و جمع كلمة زناتة و اغداد ذلك ركابا لما يرومه من امتطاء ملك الموحدين بمراكش و انتظامه في أمره و سلما لارتقاء ما يسمو إليه من ملكه و بابا لولوج المغرب على أهله فحركه إملاؤهم و هزه إلى النعرة صريخهم و أهاب بالموحدين و سائر الأولياء و العساكر إلى الحركة على تلمسان و استنفر لذلك سائر البدو من الأعراب الذين في طاعته من بني سليم و رياح بظعنهم فاهطعوا لداعيه
و نهض سنة تسع و ثلاثين و ستمائة في عساكر ضخمة و جيوش وافرة و سرح إمام حركته عبد القوي بن العباس و أولاد منديل بن محمد لحشد من وافى بأوطانهم من أحياء زناتة و ذؤبان قبائلهم و أحياء زغبة أحلافهم من العرب و ضرب معهم موعدا لموافاتهم في في تخوم بلادهم و لما نزل صحراء زاغر قبلة تيطري منتهى مجالات رياح و بني سليم من المغرب تثاقل العرب عن الرحلة بظعنهم في ركاب السلطان و تولوا بالمعاذير فألطف الأمير أبو زكريا الحيلة و زعموا في استنهاضهم و تنبيه عزائمهم فارتحلوا معه حتى نازل تلمسان بجميع عساكر الموحدين و حشود زناتة و ظعن العرب بعد أن كان قدم إلى يغمراسن الرسل من مليانة بالأعذار و الدعاء إلى الطاعة فرجعهم بالخيبة و لما حلت عساكر الموحدين بساحة البلد و برز يغمراسن و جموعه للقاء بصحبتهم ناشية السلطان بالنبل فانكشفوا ولاذوا بالجدران و عجزوا عن حماية الأسوار فاستمكنت المقاتلة من الصعود و رأى يغمراسن أن قد أحيط بالبلد فقصد باب العقبة من أبواب تلمسان ملتفا في زويه و خاصته و اعتراضه عساكر الموحدين فصمم نحوهم و جندل بعض أبطالهم فأفرجوا له و لحقوا بالصحراء و تسللت الجيوش إلى البلد من كل حدب فاقتحموه و عاثوا فيه بقتل النساء و الصبيان و اكتساح الأموال
و لما تجلى غشي تلك الهيعة و خسر تيار الصدمة و خمدت نار الحرب راجع الموحدون بصائرهم و أنعم الأمير أبو زكريا نظره فيمن يقلده أمر تلمسان و المغرب الأوسط و ينزله بثغرها لإقامة دعوته الدائلة من دعوة بني عبد المؤمن و المدافعة عنها و استكبر ذلك أشرافهم و تدافعوه و تبرأ أمراء زناتة ضعفا عن مقاومة يغمراسن علما بأنه الفحل الذي لا يقرع أنفه و لا يطرق غيله و لا يصد عن فريسته
و سرح يغمراسن الغارات في نواحي المعسكر فاختطف الناس من حوله و اطلعوا من المراقب عليه ثم بعث وفده متطارحين على السلطان في الملامة و الاتفاق و اتصال اليد على صاحب مراكش طالب الوتر في تلمسان و أفريقية و أن يفرده بالدعوة الموحدية فأجابه إلى ذلك و وفدت أمه سوط النساء للاشتراط و القبول فأكرم موصلها و أسنى جائزتها و أحسن و فادتها و منقلبها و سوغ ليغمراسن في شرطه بعض الأعمال بأفريقية و أطلق أيدي عماله على جبايته و ارتحل إلى حضرته لسبع عشرة ليلة من نزوله
و في أثناء طريقه و سوس إليه الموحدون باستبداد يغمراسن و أشاروا بإقامة منافسية من زناتة و أمراء المغرب الأوسط شجى في صدره و معترضا عن مرامه و إلباسهم ما لبس من شارة السلطان و زيه فأجابهم و قلد كلا من عبد القوي بن عطية التوجيني و العباس بن منديل المغراوي و منصور المليكشي أمر قومه و وطنه و عهد إليهم بذلك و أذن لهم في اتخاذ الآلة و المراسم السلطانية على سنن يغمراسن قريعهم فاتخذوه بحضرته و بمشهد من ملأ الموحدين و أقاموا مراسمها ببابه و أغذ السير إلى تونس قرير العين بامتداد ملكه و بلوغ وطره و الإشراف على أذعان المغرب لطاعته و انقياده لحكمه و إدالة دعوة بني عبد المؤمن فيه بدعوته فدخل الحضرة و اقتعد أريكته و أنشده الشعراء في الفتح و أسنى جوائزهم و تطاولت أعناق الآفاق تذكره الله أعلم

(6/390)


الخبر عن دول أهل الأندلس في الدعوة الحفصية و وصول بيعة إشبيلية و كثير من أمصارها
كان بأشبيلية أبو مروان أحمد الباجي من أعقاب أبي الوليد و أبو عمرو بن الجد من أعقاب الحافظ أبي بكر الطائر الذكر و رثا التجلة عن جدهما و أجراهما الخلفاء على سننهم و كانا مسمتين و قورين متبوعين من أهل بلدهما مطاعين في أفقهما و كان السادة من بني عبد المؤمن يعولون على شوراهما في مصرها و كان بعدوة الأندلس التياث في الملك منذ وفاة المستنصر و انتزى بها السادة و افترقوا و ثار بشرق الأندلس ابن هود و زيان بن مردنيش و بغربها ابن الأحمر و غلب ابن هود الموحدين و أخرجهم عنها و ملك ابن هود أشبيلية سنة ست و عشرين و ستمائة و اعتقل من كان بها من الموحدين ثم انتقضوا عليه سنة تسع و عشرين و ستمائة بعدها و أخرجوا أخاه أبا النجاة سالما و بايعوا الباجي و تسمى بالمعتضد و استوزر أبا بكر بن صاحب الرد و دخلت بيعته قرمونة و حاصره ابن هود فوصل الباجي يده بمحمد بن الأحمر الثائر بأرجونة و جيان بعد أن ملك قرطبة
و زحف ابن هود إليهم فلقوه و هزموه و رجعوا ظافرين فدخل الباجي إلى أشبيلية و عسكر بخارجها ثم انتهز فرصته في أشبيلية و بعث قريبه ابن اشقيلولة مع أهل أرجونة و النصارى إلى فسطاط الباجي فتقبضوا عليه و على وزيره و قتلوهما سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة و دخل ابن الأحمر أشبيلية و لشهر من دخوله إليها ثار عليه أهلها و رجعوا إلى طاعة ابن هود و ولى عليهم أخاه أبا النجاة سالما و لما هلك محمد بن هود سنة خمس و ثلاثين و ستمائة صرف أهل أشبيلية طاعتهم إلى الرشيد بمراكش و ولوا على أنفسهم محمد بن السيد أبي عمران الذي قدمنا أنه كان واليا بقسنطينة و أن الأمير أبا زكريا غلبه عليها و اعتقله و بعث ولده إلى الأندلس فربي محمد هذا في كفالة أمه بأشبيلية و لما سار أهل أشبيلية للرشيد قدموه على أنفسهم و تولى كبر ذلك أبو عمرو بن الجد و بعثوا وفدهم إلى الحضرة فأقر السيد أبا عبد الله على ولايتهم و استمرت في دعوة الرشيد إلى أن هلك سنة أربعين و ستمائة و قد ملك الأمير أبو زكريا تلمسان و أشرف على أعمال المغرب فاقتدوا بمن تقدم إلى بيعته من أهل شرق الأندلس ببلنسية و مرسية و بايعوا للأمير أبي زكريا بن أبي محمد بن أبي حفص و اقتدى بهم أهل شريش و طريف و بعثوا إليه وفدهم ببيعته سنة إحدى و أربعين و ستمائة و سألوا منه ولاية بعض أهل قرابته فولى عليهم أبا فارس ابن عمه يونس بن الشيخ أبي حفص فقدم أشبيلية و قام بأمرها و سلم له ابن الجد في نقضها و إبرامها
ثم انتقض عليه سنة ثلاث و أربعين و ستمائة و طرده من البلد إلى سبتة و استبد بأمر أشبيلية و وصل يده بالطاغية و عقد له السلم و ضرب على أيدي أهل المغاورة من الجند و أسقطهم من ديوانه فقتلوه بإملاء قائدهم شفاف و استقبل بأمر أشبيلية و رجع أبا فارس بن أبي حفص و ولاه بدعوة الأمير أبي زكريا فسخطهم الطاغية لذلك و انتقض عليهم و ملك قرمونة و مرشانة ثم زحف إلى حصرهم و سألوه الصلح فامتنع
و صار أمر البلد شورى بين القائد شفاف و ابن شعيب و يحيى بن خلدون و مسعود بن خيار و أبي بكر بن شريح و يرجعون في أمرهم آخرا إلى الشيخ أبي فارس بن أبي حفص
و أقاموا في هذا الحصار سنتين و نازلهم ابن الأحمر في جملة الطاغية و بعث إليهم الأمير أبو زكريا المدد و جهز له الأسطول نظر أبي الربيع بن الغريغر التينمللي و أوعز له إلى سبتة بتجهيز أسطولهم معه فوصل إلى وادي أشبيلية و غلبهم أسطول الطاغية على مرسية فرجع و استولى العدو عليها صلحا سنة ست و أربعين و ستمائة بعد أن أعانهم ابن الأحمر بمدده و ميرته و قدم الطاغية على أهل الدخن بها عبد الحق بن أبي محمد البياسي من آل عبد المؤمن و الأمر لله

(6/392)


الخبر عن بيعة أهل سبتة و طنجة و قصر ابن عبد الكريم و تصاريف أحوالهم و مال أمرهم
كان أهل سبتة بعد إقلاع المأمون عنهم و نزول أخيه موسى عنها لابن هود قد انتقضوا و أخرجوا عنهم القشتيني والي ابن هود و قدموا عليهم أحمد الينشتي و تسمى بالموفق ثم رجعوا إلى طاعة الرشيد عندما بايعه أهل أشبيلية سنة خمس و ثلاثين و ستمائة و تقبضوا على الينشتي و ابنه و أدخلوا السيد أبا العباس ابن السيد أبي سعيد كان واليا بغمرة فولوه عليهم ثم عقد الرشيد على ديوان سبتة لأبي علي بن خلاص كان من أهل بلنسية و اتصل بخدمة الرشيد فجلى فيها و دفعه إلى الأعمال فضبطها فولاه سبتة فاستقل بها و ولى على طنجة يوسف ابن الأمير قائدا على الرحل الأندلسي و ضابطا لقصبتها حتى إذا هلك الرشيد سنة أربعين و ستمائة و قد استفحل أمر الأمير أبي زكريا بأفريقية و استولى على تلمسان و بايعه الكثير من أمصار الأندلس فصرف ابن خلاص وجهه إليه
و كان قد اقتنى الأموال و اصطنع الرجال فدخل في دعوته و بعث الوفد ببيعته و اقتدى به في ذلك أهل قصر ابن عبد الكريم فبعثوا بيعتهم للأمير أبي زكريا و عقد لابن خلاص على سبتة و ما إليها فبعث بالهدية إليه في أسطول أنشأه لذلك سماه الميمون و أركب ابنه أبا القاسم فيه وافدا على السلطان و معه الأديب إبراهيم بن سهل فعطب عند إقلاعه و لما رجع الأسطول من أشبيلية كما قدمناه على بقية هذا العطب و حزن أبي علي بن خلاص على ابنه رغب من قائده أبي الربيع بن الغريغر أن يحمله بجملته إلى الحضرة فانتقل بأهله و احتمل ذخيرته و لما مر الأسطول بمرسي وهران نزل بساحلها فأراح و أحضر له تين فأكله فأصابه مغص في معاه هلك منه فجأة سنة ست و أربعين و ستمائة و عقد السلطان على سبتة لأبي يحيى ابن زكريا ابن عمه أبي يحيى الشهيد بن الشيخ أبي حفص و بعث معه على الجباية أبا عمر بن أبي خالد الأشبيلي كان صديقا لشفاف و عدوا لابن الجد و لما قتل شفاف لحق بالحضرة فولاه الأمير أبو زكريا أشغال سبتة استمرت الحال إلى أن كان من استبداد العزفي بسبتة ما نذكره

(6/394)


الخبر عن بيعة المرية
لما هلك محمد بن هود بالمرية سنة خمس و ثلاثين و ستمائة كما ذكرناه و استبد وزيره أبو عبد الله محمد بن الرميمي بها و ضبطها لنفسه و ضايقه ابن الأحمر فبعث ببيعته سنة أربعين إلى الأمير أبي زكريا حين أخذ أهل شرق الأندلس بطاعته و لم يزل ابن الأحمر يحاصره إلى أن تغلب عليه سنة ثلاث و أربعين و ستمائة كما ذكرناه في أخباره و خرج منها إلى سبتة بأهله و ذخيرته و أحله أبو علي ابن خلاص محل البر و التكرمة و أنزله خارج المدينة في بساتين بنيوش و أجمع الثورة بأبي خلاص فنذر به و تغير له فلما رجع الأسطول من أشبيلية ركبه الرميمي و لحق بتونس فنزل على الأمير أبي زكريا و حل من حضرته محل التكرمة و استوطن تونس وتملك بها الضياع و القرى و شيد القصور إلى أن هلك و البقاء لله وحده

(6/395)


الخبر عن بيعة ابن الأحمر
كان محمد بن الأحمر قد انتزى على ابن هود ببلده أرجونة و تملك جيان و قرطبة و أشبيلية و غرب الأندلس و طالت فتنته مع ابن هود و راجع طاعته ثم انتقض عليه و بايع للرشيد سنة ست و ثلاثين و ستمائة عندما بايعه أهل أشبيلية و سبتة فلم يزل على ذلك إلى أن هلك الرشيد على حين استفحال ملك الأمير أبي زكريا بأفريقية و تأميله للنصرة و الكرة فحول ابن الأحمر إليه الدعوة و أوفد بها أبا بكر بن عياش من مشيخة مالقة فرجعهم الأمير أبو زكريا بالأموال للنفقات الجهادية و لم يزل يواصلها لهم من بعد ذلك إلى أن هلك سنة سبع و أربعين و ستمائة فأطلق ابن الأحمر نفسه من عقال الطاعة و استبد بسلطانه

(6/395)


الخبر عن بيعة سجلماسة و انتقاضها
كان عبد الله بن زكريا الهزرجي من مشيخة الموحدين واليا بسجلماسة لبني عبد المؤمن و لما هلك الرشيد و بويع أخوه السعيد سنة أربعين و ستمائة و نميت إليه عن الهزرجي عظيمة من القول خشن بها صدره و بعث إليه مستعتبا فلم يعتبه و مزق كتابه فخشيه الهزرجي على نفسه و اتصل به ما كان من استيلاء الأمير أبي زكريا على تلمسان و نواحيها فخاطبه بطاعته و أوفد عليه بيعته فعقد له الأمير أبو زكريا على سجلماسة و أنحائها و فوض إليه في أمرها و وعده بالمدد من المال و العسكر لحمايتها و خطب له عبد الله بسجلماسة و فر إليه من مراكش أبو زيد الكدميوي بن واكاك و أبو سعيد العود الرطب فلحق بتونس و أقام أبو زيد معه بسجلماسة و زحف إليه السعيد سنة إحدى و أربعين و ستمائة و قيل سنة أربعين ومن معسكره كان مفر أولئك المشيخة و خاطب السعيد أهل سجلماسة و داخلهم أبو زيد الكدميوي فغدروا بالهزرجي و ثاروا به فخرج من سجلماسة و أسلمها و قام بأمرها أبو زيد الكدميوي و طير بالخبر إلى السعيد فشكر له فعلته و غفر له سالفته و تقبض على عبد الله الهزرجي بعض الأعراب و أمكن منه السعيد فقتله و بعث برأسه إلى سجلماسة فنصب بها و رجع من طريقه إلى مراكش و أقامت سجلماسة على دعوة عبد المؤمن إلى أن كان من خبرها ما نذكره في موضعه

(6/396)


الخبر عن بيعة مكناسة و ما تقدمها من طاعة بني مرين
كان بين بني عبد الواد و بين بني مرين منذ أوليتهم و تقبهم في القفار فتن و حروب و لكل منهما أحلاف في المناصرة و أشياع فلما التاثت دولة بني عبد المؤمن غلب كل منهما على موطنه و كانت السابقة في ذلك لبني عبد الواد ليعدهم عن حضرة مراكش حيث محشر العساكر و يعسوب القبائل و لما استبد الأمر أبو زكريا بأمر أفريقية و دوخ المغرب الأوسط و افتتح تلمسان و أطاعه بنو عبد الواد حذر بنو مرين حينئذ غائلتهم و خافوا أن يظاهرهم الأمير أبو زكريا عليهم فألانوا له في القول و لاطفوه على البعد بالطاعة و خاطبوه بالتمويل و أوجبوا له حق الخلافة و وعدوه أن يكونوا أنصارا لدعوته و أعوانا في أمره و مقدمة في عسكره إلى مراكش و زحفه و حملوا من تحت أيديهم من قبائل المغرب و أمصاره على طاعتهم و الاعتصام ببيعتهم و لم تزل المخاطبات بينهم و بين الأمير أبي زكريا في ذلك من أميرهم عثمان بن عبد الحق و أخيه محمد من بعده و رسلهم تفد عليه بذلك مرة بعد أخرى إلى أن هلك الرشيد و قد استولى الأمير أبو زكريا على تلمسان و دخل في دعوته قبائل زناتة بالمغرب الأوسط و استشرف أهل الأمصار من العدوتين إلى إيالته و كان أهل مكناسة قد اعتصموا بوصلة الأمير أبي يحيى بن عبد الحق و جاءهم وال من مراكش و أساء فيهم السيرة فتوثبوا به و قتلوه و بعثوا إلى الأمير أبي يحيى بن عبد الحق فحملهم على بيعة الأمير أبي زكريا فأنفذوها من إنشاء قاضيهم أبي المطرف بن عميرة سنة ثلاث و أربعين و ستمائة و ضمن أبو يحيى بن عبد الحق حمايتهم خلال ما يأتيهم أمر السلطان من تونس و مدده و بلغ الخبر إلى السعيد فأرهف حده و اعتزم على النهوض إليهم فخامهم الرعب و راجعوا طاعته و أوفدوا صلحاءهم و علماءهم في الإقالة و اغتفار الجريدة فتقبل ذلك إلى أن كان من حركته بعد ذلك و مهلكه ما هو معروف

(6/397)


الخبر عن مهلك الأمير أبي يحيى زكريا ولي العهد بمكان إمارته من بجاية و تصيير العهد الى أخيه محمد
كان الأمير أبو زكريا قد عقد لابنه أبي يحيى زكريا على ثغر بجاية قاعدة ملك بني حماد و جعل إليه النظر في سائر أعمالها من الجزائر و قسنطينة و بونة و الزاب سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة كما ذكرناه فاستقل بذلك و كان بمكان من الترشيح للخلافة بنفسه و جلاله و انتظامه في سلك أهل العلم و الدين و إيناس العدل فولاه الأمير أبو زكريا عهده سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة و أحضر الملأ لذلك و أشهدهم في كتابه و أوعز بذكره في الخطبة على المنابر مع ذكره و كتب إليه بالوصية التي تداولها الناس من كلامه و نصها :
اعلم سددك الله و أرشدك و هداك لما يرضيه و أسعدك و جعلك محمود السيرة مأمون السريرة إن أول ما يجب على من استرعاه الله في خلقه و جعله مسؤولا عن رعيته في جل أمرهم و دقه أن يقدم رضى الله عز و جل في كل أمر يحاوله و أن يكل أمره و حوله و قوته لله و يكون عمله و سعيه و ذبه عن المسلمين و حربه و جهاده للمؤمنين بعد التوكل عليه و البراءة من الحول و القوة إليه و متى فاجأك أمر مقلق أو ورد عليك نبأ مرهق فريض لبك و سكن جأشك و ارع عواقب أمر تأتيه و حاوله قبل أن ترد عليه و تغشيه و لا تقدم إقدام الجاهل و لا تحجم إحجام الأخرق المتكاسل و أعلم أن الأمر إذا ضاق مجاله و قصر عن مقاومته رجاله فمتاحه الصبر و الحزامة و الأخذ مع عقلاء الجيش و رؤسائهم و ذي التجارب من نبهائهم ثم الإقدام عليه و التوكل على الله فيما لديه و الإحسان لكبير جيشك و صغيره الكثير على قدره و الصغير على قدره و لا تلحق الحقير بالكبير فتجري الحقير على نفسك و تغلطه في نفسه و تفسد نية الكبير و تؤثره عليك فيكون إحسانك إليه مفسدة في كلا الوجهين و يضيع إحسانك و تشتت نفوس من معك
و اتخذ كبيرهم أبا و صغيرهم ابنا و اخفض لهم جناح الذل من الرحمة و شاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين و اتخذ نفسك صغيرة و ذاتك حقيرة و حقر أمورك و لا تستمع أقوال الغالطين المغلطين بأنك أعظم الناس قدرا و أكثرهم بذلا و أحسنهم سيرة و أجملهم صبرا فذاك غرور و بهتان و زور
و اعلم من تواضع لله رفعه الله و عليك بتفقد أحوال رعيتك و البحث عن عمالهم و السؤال عن سير قضاتهم فيهم و لا تنم عن مصالحهم و لا تسامح أحدا فيهم و مهما دعت لكشف ملمة فاكشفها عنهم و لا تراع فيهم كبيرا و لا صغيرا إذا عدل عن الحق و لا تراع في فاجر متصرف إلا و لا ذمة و لا تقتصر على شخص واحد في رفع مسائل الرعية و المتظلمين و لا تقف عند مراده في أحوالهم
و اتخذ لنفسك ثقاة صادقين مصدقين لهم في جانب الله أوفر نصيب و في مسائل خلقه إليك أسرع مجيب و ليكن سؤالك لهم أفذاذ فأنك متى اقتصرت على شخص واحد في نقله و نصحه حمله الهوى على الميل و دعته الحمية إلى تجنب الحق و ترك قول الصدق و إذا رفع إليك أحد مظلمة و أنت على طريق فادعه إليك و سله حتى يوضح قصته لك و جاوبه جواب مشفق مصغ إلى قوله مصيخ إلى نازلته و نقله ففي إصاختك له و حنوك عليه أكبر تأنيس و للسياسة و الرئاسة في نفوس الخاصة و العامة و الجمهور أعظم تأسيس
و أعلم أن دماء المسلمين و أموالهم حرام على كل مؤمن بالله و اليوم الآخر إلا في حق أوجبه الكتاب و السنة و عضدته أقاويل الشرعية و الحجة أو في مفسد عاثت في طرقات المسلمين و أموالهم جار على غيه في فساد صلاتهم و أحوالهم فليس إلا السيف فإن أثره عفاء و وقعه لداء الأدمغة الفاسدة دواء و لا تقل عثرة حسود على النعم عاجز عن السعي فإن إقالته تحمله على القول و القول يحمله على الفعل و وبال عمله عائد عليك فاحسم داءه قبل انتشاره و تدارك أمره قبل إظهاره و اجعل الموت نصب عينيك و لا تغتر بالدنيا و إن كانت في يديك لا تنقلب إلى ربك إلا بما قدمته من عمل صالح و متجر في مرضاته رابح
و اعلم أن الإيثار أربح المكاسب و أنجح المطالب و القناعة مال لا ينفد و قد قال بعض المفسرين في قوله عز من قائل : { و تركنا عليه في الآخرين } إنه النبأ الحسن في الدنيا على ما خلد فيها من الأعمال المشكورة و الفعلات الصالحة المذكورة فليكفك من دنياك ثوب تلبسه و فرس تذب به عن عباده و أرجو بك متى جعلت و صيتي هذه نصب عينيك لم تعدم من ربك فتحا ييسره على يديك و تأييدا ملازما لا يبرح عنك إلا إليك بمن الله و حوله و طوله و الله يجعلك ممن سمع فوعى و لبى داعي الرشد إذ دعا إنه على كل شيء قدير و بالإجابة جدير و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و حسبنا الله و نعم الوكيل
تمت الوصية المباركة فعظم ترشيح الأمير أبي يحيى لذلك و علا في الدولة كعبه و قوي عند الكافة تأميله و هو بحاله من النظر في العلم و الجنوح للدين إلى أن هلك سنة ست و أربعين و ستمائة فأسى له السلطان و احتفل الشعراء في رثائه و تأبينه فكانوا يثيرون بذلك شجو السلطان و يبعثون حزنه و عقد العهد من بعده لأخيه الأمير أبي عبد الله محمد بحضور الملأ و إيداع الخاصة كتابهم بذلك في السجل إلى أن كان من خلافته ما نذكره بعده

(6/398)


الخبر عن مهلك السلطان أبي زكريا و ما كان عقبه من الاحداث
كان السلطان أبو زكريا قد خرج من تونس إلى جهة قسنطينة للإشراف على أحوالها و وصل إلى باغاية فعرض العساكر بها و وافته هنالك الدواودة و شيخهم موسى بن محمد و كان منه اضطراب في الطاعة فاستقام و أصاب السلطان هنالك المرض فرجع إلى قسنطينة ثم أبل من مرضه و وصل منها إلى بونة فراجعه المرض و لما نزل بظاهر بونة اشتد به مرضه و هلك لسبع بقين من جمادي الآخرة سنة سبع و أربعين و ستمائة لاثنتين و عشرين سنة من ولايته و دفن بجامع بونة ثم نقل شلوه بعد ذلك إلى قسنطينة سنة ست و ستين و ستمائة بين يدي حصار النصارى تونس و بويع إثر مهلكه إبنه ولي عهده أبو عبد الله محمد كما نذكره و طار خبر مهلكه في الآفاق فانتقض كثير من أهل القاصية و نبذوا الدعوة الحفصية و عطل ابن الأحمر منابره من الدعوة الحفصية و تمسك بها يغمراسن بن زيان صاحب المغرب الأوسط فلم يزالوا عليها حينا من الدهر إلى أن انقطعت في حصار تلمسان كما نذكره و لما بلغ الخبر بمهلكه إلى سبتة و كان بها أبو يحيى بن الشهيد من قبل الأمير أبي زكريا كما نذكره و أبو عمرو بن أبي خالد و القائد شفاف فثارت العامة و قتل ابن أبي خالد و شفاف و طردوا ابن الشهيد فلحق بتونس و تولى كبر هذه الثورة حجبون الرنداحي بمداخلة أبي القاسم العزفي
و اتفق الملأ على ولاية العزفي و حولوا الدعوة للمرتضى و ذلك سنة سبع و أربعين و ستمائة و تبعهم أهل طنجة في الدعوة و استبد بها ابن الأمير و هو يوسف بن محمد بن عبد الله أحمد الهمداني و كان واليا عليها من قبل أبي علي بن خلاص فلما صار الأمر للعزفي و القائد حجبون الرنداحي خالفهم هو إلى الدعوة الحفصية و استبد عليهم ثم خطب للعباسي و أشرك نفسه معه في الدعاء إلى أن قتله بنو مرين غدرا كما نذكره و انتقل بنوه الى تونس و معهم صهرهم القاضي أبو الغنم عبد الرحمن بن يعقوب من جالية شاطبة انتقل هو و قومه إلى طنجة أيام الجلاء فنزلوا بها و أصهر إليهم بنو الأمير و ارتحلوا معهم إلى تونس و عرف دين القاضي أبي القاسم و فضله و معرفته بالأحكام و الوثائق و استعمل في خطة القضاء بالحضرة أيام السلطان و كان له فيها ذكر
و لما بلغ الخبر بمهلك الأمير أبي زكريا إلى صقلية أيضا و كان المسلمون بها في مدينة بلرم قد عقد لهم السلطان مع صاحب الجزيرة على الاشراك في البلد و الضاحية فتساكنوا حتى إذ بلغهم مهلك السلطان بادر النصارى إلى العيث فيهم فلجأوا إلى الحصون و الأوعار و نصبوا عليهم ثائرا من بني عبس و حاصرهم طاغية صقلية بمعقلهم من الجبل و أحاط بهم حتى استنزلهم و أجازهم البحر إلى عدوته و أنزلهم بوجاره من عمائرها ثم تعدى إلى جزيرة مالطة فأخرج المسلمين الذين كانوا بها و ألحقهم بإخوانهم و استولى الطاغية على صقلية و جزائرها و محا منها كلمة الإسلام بكلمة كفره و الله غالب على أمره

(6/400)


الخبر عن بيعة السلطان أبي عبد الله المستنصر و ما كان في أيامه من الحوادث
لما هلك الأمير أبو زكريا بظاهر بونة سنة سبع و أربعين و ستمائة كما قدمناه اجتمع الناس على ابنه الأمير أبي عبد الله و أخذ له البيعة عمه محمد اللحياني على الخاصة و سائر أهل المعسكر و ارتحل إلى تونس فدخل الحضرة ثالث رجب من السنة فجدد بيعته يوم وصوله و تلقب المستنصر بالله ثم جدد البيعة بعد حين و اختار لوضع علامته : الحمد لله و الشكر لله و قام بأعباء ملكه و تقبض على خاصة أبيه الخصي كافور كان قهرمان داره فأشخصه إلى المهدية و أوعز إلى الجهات المهدية و أوعز إلى الجهات بأخذ البيعة على أهل العمالات فترادفت من كل جانب و استوزر أبو عبد الله بن أبي مهدي و استعمل على القضاء أبا زيد التوزري و كان يعلم ولد عمه اللحياني الثائر عليه كما نذكره و الله تعالى أعلم

(6/402)


البخر عن ثورة ابن عمه محمد اللحياني و مقتله و مقتل أبيه
كان للأمير أبي زكريا من الإخوة إثنان : محمد و كان أسن منه و يعرف باللحياني لطول لحيته و الآخر أبو إبراهيم و كان بينهم من المخالصة و المصافاة ما لا يعبر عنه
و لما هلك الأمير أبو زكريا و قام بالأمر ابنه أبو عبد الله المستنصر و استوزر محمد بن أبي مهدي الهنتاتي و كان عظيما في قومه فأمل أن يستبد عليه لمكان صغره إذ كان في سن العشرين و نحوها و استصعب عليه حجر السلطان بما كان له من الموالي العلوجيين والصنائع من بيوت فقد كان أبوه اصطنع منهم رجالا و رتب جندا كثروا الموحدين و زاحموهم في مراكزهم من الدولة
فداخل ابن أبي مهدي السلطان و بعث عندهما الأسف على ما فاتهما من الأمر فلم يجد عندهما ما أمل من ذلك فرجع إلى ابن محمد اللحياني فأجابه إلى ذلك و بايعه ابن أبي مهدي سرا و وعده المظاهرة و نمي الخبر بذلك إلى السلطان من عمه محمد اللحياني و حذره من غائلة ابنه و أبلغه ذلك أيضا القاضي أبو زيد التوزري منتصحا
و باكر ابن أبي مهدي مقعده للوزارة بباب السلطان لعشرين من جمادى سنة ثمان و أربعين و ستمائة و تقبض على الوزير أبي زيد بن جامع و خرج و مشيخة الموحدين معه فبايعوا لابن محمد اللحياني بداره و استركب السلطان أولياءه و عقد للقائد ظافر على حربهم فخرج في الجند و الأولياء و لقي الموحدين بالمصلى خارج البلد ففض جميعهم و قتل ابن أبي مهدي و ابن وازكلدن و سار ظافر مولى السلطان إلى دار اللحياني عم السلطان فقتله و ابنه صاحب البيعة و حمل رؤوسهما إلى السلطان
و قتل في طريقه أخاه أبا إبراهيم و ابنه و انتهب منازل الموحدين وخربت ثم سكنت الهيعة و هدأت الثورة و عطف السلطان على الجند و الأولياء و أهل الاصطناع فأدر أرزاقهم و وصل تفقدهم و أعاد عبد الله بن أبي الحسين إلى مكانه بعد أن كان هجرة أول الدولة و تزحزح لابن مهدي عن رتبته و تضاءل لاستطالته فرجع إلى حاله و استقامت الأمور على ذلك ثم سعى عند السلطان بمولاه الظافر وقبحوا عنده ما أتاه من الأفتيات في قتل عميه من غير جرم و نذر بذلك فخشي البادرة و لحق بالدواودة و كان المتولي لكبر هذه السعاية هلال مولاه فعقد له مكانه و استنفر ظافر في جوار العرب طريدا إلى أن كان من أمره ما كان

(6/402)


الخبر عن الآثار التي أظهرها السلطان في أيامه
فمنها شروعه في اختطاط المصانع الملوكية و أولها المصيد بناحية بنزرت اتخذه للصيد سنة خمسين و ستمائة فأدار سياجا على بسيط من الأرض قد خرج نطاقه عن التحديد بحيث لا يراع فيه سرب الوحش فإذا ركب للصيد تخطى ذلك السياج إلى قوراء في لمة من مواليه المتخصين و أصحاب بيزرته بما معهم من جوارح بزاة و صقورا و كلابا سلوقية و فهودا فيرسلونها على الوحش في تلك القوراء و قد وثقوا باعتراض البناء لها من أمام فيقضي وطرا من ذلك القنيص سائر يومه فكان ذلك من أفخم ما عمل في مثلها ثم وصل ما بين قصوره و رياض رأس الطائبة بحائطين ممتدين يجوزان عرض العشرة أذرع أو نحوها طريقا سالكا ما بينهما و على ارتفاع عشرة أذرع يحتجب به الحرم في خروجهن إلى تلك البساتين عن ارتفاع العيون عليهن فكان ذلك مصنعا فخما و أثرا على أيام الدولة خالدا
ثم بنى بعد ذلك الصرح العالي بفناء داره و يعرف بقبة أساراك و أساراك باللسان المصمودي هو القوراء الفسيحة و هذا الصرح هو إيوان مرتفع السماك متباعد الأقطار متسع الأرجاء يشرع منه إلى الغرب و جانبيه ثلاثة أبواب لكل باب منها مصرعان من خشب مؤلف الصنعة ينوء كل مصراع منها في فتحه و غلقه بالعصبة أولي القوة
و يفضي بابها الأعظم المقابل لسمت الغرب الى معارج قد نصبت للظهور عليها عريضة ما بين الجوف إلى القبلة بعرض الأيوان يناهز عددها الخمسين أو نحوها و يفضي البابان عن جانبيه إلى طريقين ينتهيان إلى حائط القوراء ثم ينعطفان إلى ساحة القوراء يجلس السلطان فيها على أريكته مقابل الداخل أيام العرض و الفود و مشاهد الأعياد فجاءت من أضخم الأواوين و أحفل المصانع التي تشهد بأبهة الملك و جلالة الدولة
و اتخذ أيضا بخارج حضرته البستان الطائر الذكر المعروف بأبي فهر يشتمل على جنات معروشات و غير معروشات اغترس فيها من شجرة كل فاكهة من أصناف التين و الزيتون و الرمان و النخيل و الأعناب و سائر الفواكه و أصناف الشجر و نضد كل صنف منها في دوحة حتى لقد اغترس من السدر و الطلح و الشجر البري و سمى دوح هذه بالشعراء و اتخذ وسطها البساتين و الرياض بالمصانع و الحوائز و شجر النور و النزه من الليم و النارنج و السرو و الريحان و شجر الياسمين و الخيري و النيلوفر و أمثاله و جعل وسط هذه الرياض روضا فسيح الساحة و صنع فيه للماء حائزا من عداد البحور جلب إليه الماء في القناة القديمة كانت ما بين عيون زغوان و قرطاجنة تسلك بطن الأرض في أماكن و تركب البناء العادي ذا الهياكل الماثلة و القسي القائمة على الأرجل الضخمة في أخرى فعطف هذه القناة من أقرب السموات إلى هذا البستان و أمطاها حائطا وصل ما بينهما حتى ينبعث من فوهة عظيمة إلى جب عميق المهوى زصيف البناء متباعد الأقطار مربع القنا مجلل بالكلس إلى أن يغمره الماء فيرسله في قناة أخرى قريبة الغاية فينبعث في الصهريج إلى أن يعبق حوضه و تضطرب أمواجه يترفه الحظايا عن السعي بشاطئه لبعد مداه فيركبن في الجواري المنشئات ثبجه فيتبارى بهن تباري الفتح و مثلت بطرفي هذا الصهريج قبتان متقابلتان كبرا و صغرا على أعمدة المرمر مشيدة جوانبها بالرخام المنجد و رفعت سقفها من الخشب المقدر بالصنائع المحكمة و الأشكال المنقمة إلى ما اشتملت عليه هذه الرياض من المقاصير و الأواوين و الحوائز و القصور و غرفا من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار و تأنق في مبانيه هذه و استبلغ و عدل عن مصانع سلفه و رياضهم إلى متنزهاته من هذه فبلغ فيها الغاية في الاحتفال و طار لها ذكر في الآفاق

(6/403)


الخبر عن فرار أخيه أبي إسحاق و بيعة رياح له و ما قارن ذلك من الأحداث
كان الأمير أبو إسحاق في إيالة أخيه المستنصر و كان يعاني من خلقه و ملكته عليه شدة و كان السلطان يخافه على أمره و خرج سنة إحدى و خمسين و ستمائة لبعض الوجوه السلطانية ففر الأمير أبو إسحاق من معسكره و لحق بالدواودة من رياح فبايعوه بروايا من نواحي نقاوس و اجتمعوا على أمره و بايع له ظافر مولى أبيه النازع إليهم و اعتقد منه الذمة و الرتبة و قصدوا بسكرة و حاصروها و نادى بشعار طاعتهم فضل بن علي ابن الحسن بن مزني من مشيختها و ائتمر به الملأ ليقتلوه ففر إليه و صار في جملته ثم بايع له أهل بسكرة و دخلوا في طاعته ثم ارتحلوا إلى قابس فنازلوها و اجتمعت عليه الأعراب من كل أوب و أهم السلطان شأنه و تقبض على ولده فحبسهم بالقصبة جميعا و وكل بهم من يحوطهم و ألطف ابن أبي الحسين الحيلة في فساد ما بين الأمير أبي إسحاق و مولاه ظافر بتحذير ألقاه إلى أخته بالحضرة تنصحا فبعث به إلى أخيها فتنكر لظافر و فارقه و سار إلى المغرب ثم لحق بالأندلس و افترق جموع الأمير أبي إسحاق فلحق بتلمسان و أجاز منها إلى الأندلس
و نزل على السلطان محمد بن الأحمر فرعى له عهد أبيه و أسنى له الجراية و شهد هنالك الوقائع و أبلى في الجهاد و لم يزل السلطان المستنصر يتاحف ابن الأحمر و يهاديه و يوفد عله مشيخة الموحدين مصانعة في شأن أخيه و استجلاء لحاله إلى أن هلك و كان من ولاية أخيه أبي إسحاق ما نذكر لحين مهلكه أجاز ظافر من الأندلس إلى بجاية و أوفد ولده على الواثق مستعتبا و راغيا في السبيل إلى الحج
و قلق المستولي على الدولة بمكانه و راسل شيخ الموحدين أبا هلال عياد بن محمد الهنتاتي صاحب بجاية في اغتياله من قصده فذهب دمه هدرا و بقي ولده عند بني توجين حتى جاءوا في جملة السلطان أبي إسحاق و بيد الله تصاريف الأمور

(6/405)


الخبر عن بني النعمان و نكبتهم و الخروج أثرها إلى الزاب
كان بنو النعمان هؤلاء من مشيخة هنتاتة و رؤسائهم و كان لهم في دولة الأمير أبي زكريا ظهور و مكان و خلصت ولاية قسنطينة لهم يستعملون عليها من قرابتهم
و اتصل لهم ذلك أول دولة المستنصر و كان كبيرهم أبو علي و تلوه ميمون و عبد الواحد و كان لهم في مداخلة اللحياني أثر فلما استوسق للسلطان أمره و تمهدت دولته نكبهم و تقبض عليهم سنة إحدى و خمسين و ستمائة فأشخص أبا علي إلى الإسكندرية و قتل ميمون و انقرض أمرهم و ظهر أثر ذلك بالزاب خارج تسمى بأبي حمارة فخرج السلطان من تونس و قصده بالزاب فأوقع به و بجموعه عليه و سيق إلى السلطان فقتله و بعث برأسه إلى تونس فنصب بها
و قفل السلطان إلى مقره فنزل بها و سخط و جوها من سليم : من مرداس و دباب كان فيهم رحاب بن محمود و ابنه فاعتقلهم و اشخصهم إلى المهدية فأودعهم بمطبقها و رجع إلى تونس ظافرا غانما

(6/406)


الخبر عن دعوة مكة و دخول أهلها في الدعوة الحفصية
كان صاحب مكة و متولي أمرها من سادة الخلق و شرفائهم ولد فاطمة ثم من ولد ابنها الحسن صلوات الله عليهم أجمعين أبو نمى و أخوه إدريس و كانوا قائمين بالدعوة العباسية منذ حولها إليهم بمصر و الشام و الحجاز صلاح الدين يوسف بن أيوب الكردي و أمر الموسم و ولايته راجعة إليه و إلى بنيه و مواليه من بعده إلى هذا العهد
و جرت بينهم و بين الشريف صاحب مكة مغاضبة وافقها استيلاء الططر على بغداد و محوهم رسم الخلافة بها و ظهور الدعوة الحفصية بأفريقية و تأميل أهل الآفاق فيها و امتداد الأيدي إليها بالطاعة و كان أبو محمد بن سبعين الصوفي نزيلا بمكة بعد أن رحل من بلده مرسية إلى تونس و كان حافظا للعلوم الشرعية و العقلية و سالكا مرتاضا بزعمه على طريقة الصوفية و يتكلم بمذاهب غريبة منها و يقول برأي الوحدة كما ذكرناه في ذكر المتصوفة الغلاة و يزعم بالتصوف في الأكوان على الجملة فأرهق في عقيدته و رمي بالكفر أو الفسق في كلماته و أعلن بالنكير عليه و المطالبة له شيخ المتكلمين بأشبيلية ثم بتونس أبو بكر بن خليل السكوني فتنمر له المشيخة من أهل الفتيا و حملة السنة و سخطوا حالته
و خشي أن تأسره البينات فلحق بالمشرق و نزل مكة و تذمم بجوار الحرم الأمين و وصل يده بالشريف صاحبها فلما أجمع الشريف أمره على البيعة للمستنصر صاحب أفريقية داخله في ذلك عبد الحق بن سبعين و حرضه عليه و أملى رسالة بيعتهم و كتبها بخطه تنويها بذكره عند السلطان و الكافة و تأميلا للكرة و نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على الإسوة المختار سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما
إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و يتم نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما و ينصرك الله نصرا عزيزا هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم و لله جنود السماوات و الأرض و كان الله عليما حكيما
هذا النوع من الفتح أعني المبين هو من كل الجهات داخل الذهن و خارجه و هو الذي خصت به مكة و هو أعظم فتح نذر في أيام الدهر و الزمان الفرد منه خير من أيام الشهر و به تتم النعمة و يستقيم صراط الهداية و تحفظ النهاية و تغفر ذنوب البداية و يحصل النصر العزيز و نور السكينة و تتمكن قواعد مكة و المدينة
و كلمة الله عاملة في الموجودات بحسب قسمة الزمان ثم لا يقال إنها متوقفة على شيء و لا في مكان دون مكان
و هذا الفتح قد كان بالقصد الأول و القدر الأكمل للمتبوع الذي أفاد الكمال الثاني كالسبع المثاني فإنه هو الإسوة صلى الله عليه و سلم و كل نعمة تظهر على سعيد ترجع إليه مثل التي ظهرت على خليقته و على يديه و إن كانت نصبة مولده صلى الله عليه و سلم و رسالته تقتضي ختم الأنبياء بهذا القرن الذي نحن فيه و أمامنا فيه هو ختم الأولياء
فمن فتح عليه بفتح مكة تمت له النعمة و رفعت له الدرجة و ضفت عليه الرحمة و من وصل سلطانه إليها فقد هدي الرشد و سار على صراطه و رجح ميزان ترجيحه على أقرانه و أرهاطه و من حرم هذا فقد حرم من ذلك و الأمر هكذا
و سنة الله كذلك و صلى الله على رسوله الذي طلع المجد من مدينته بعدما أطلعه من بلده و رضي الله عن خليفته المنتخب من عنصر خليفة عمر صاحب نبيه ثم من عمر صاحبه و وليه و الحمد لله على نعمه
بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على سيد ولد آدم محمد { حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم * أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين * رحمة من ربك إنه هو السميع العليم }
قد صح أن هذه الليلة فيها تنزيل الآيات و ترتقب البينات و فيها تخصيص القضايا الممكنة و أحكام الأكوان و يفرق الأمر و يفسر الملك الموكل بقيض الأرواح بحمل الآجال في الأزمان و فيها تقرر خطة الإمامة و الملك و تقبض الإمامة بالهلك و هي في القول الأظهر في أفضل الشهور و في السابع و العشرين منه كما ورد في الحديث المشهور ثم هي في أم القرى و في حرمها تقدر بقدر زائد و يعم فضلها إلا للحائد عن الفائد و إنما قلت هذا و رسمته ليعلم من وقف على الخطبة التي اقتضبتها و الليلة التي فيها قرأتها أنها من أفضل المطالب التي قصدت و أن القرائن التي اجتمعت فيها و لها زادت على الفضائل التي لأجلها رصدت و أيضا تأخر فيها مجد إمام عن إمام و بعد مجد إمامه هو وراء الإمام و رحمت فيها نفس خليفة عبرت و تلقب و عظمت فيها ذات خليفة تحيي التي سلفت فهذه نعمة بركة ينبغي أن يقرر حدها و يتحقق مجدها و لا يقدر قدرها فإنها ليلة قدر ليلة قدرها
و الحمد لله حمدا واصلا : بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على واحد الله في عنايته سيدنا محمد { طسم * تلك آيات الكتاب المبين } إلى قوله { منهم ما كانوا يحذرون }
الحق الشاهد لنفسه المتفق من جميع جهاته و في سنة الله التي لا تحول و لا تبدل و المتعارف من عادته التي ربطها بحكمته التي تعدل و لا تعدل أن لكل هداية نبوية ضلالة فرعونية و كذا الحال في الأولياء و مع كل مصيبة فرج و لا ينعكس الأمر في الأتقياء و لكل ظلم ظالم متجبر قهر قاهر متكبر و عند ظهور ظفر المبطل يظهر قصد المحق المفضل
و في عقب كل فترة أو فيها كلمة قائم بحق يغلب لا يغلب و في كل دور أو قرن أمامة تطلب بشخصها و لا تطلب و كواكب الكفر إذا طلعت على أفق الإيمان فيه نكب آفله و كلمة الله إذا عورضت تكر معارضتها قافلة و إنما ذكرت ذلك بعد الذكر المحفوظ ليتذكر بالآيات الظاهرة إلى الآيات القاهرة و ليعلم كل مؤمن أن كل كلمة الله متصلة الاستصحاب و السبب و عاملة في الأشياء مع الأزمان و الحقب و أن رجال المللة و الحنفية أعلى المنازل و الرتب و لذلك يقول في نوع فرعون الأذل و نوع موسى الأجل : أشخاصها متعددة و أكوانها متحدة و الله غالب على أمره و قد قيل إن الملة الحنفية المضرية تنصرها السيرة العمرية المحمدية المستنصرية
و لعل الذي أقام الدين و أطلعه من المشرق و أتلفه منه و يجيره من المغرب و لا ينقله عنه فينبغي لمن آمن بالله و ملائكه و كتبه و رسوله و بما يجب أن لا يتغير قصده و لا يتوقف عند سماع المهلكات حمده قد قيدت أقدام قوم بشرك الشرك و حملهم الضجر إلى الهلك بطاعة الترك وكع كيد الكنود هلك كنعان و كل بصر بصيرته و لبس لهم الذل بالعرض و جعل مصيبة الدين تفئته مع حجوده لسلطان السنة و الفرض و أما هامان المرتدين فليس هم بالمؤمنين و علا فرعون الشرقي الأرض و الله يمن على المستضعفين في الأرض بنصر من عنده و يهلك المفسدين بجند من رفده و ينبغي أو يجب أن نضرب عن ذكر كائنة مدينة السلام فإنها تزلزل الطبع و تحمل الروح إلى ساحة الشام أو تفزع في صلاة كسوف شمس سرورها إلى التسليم بالاستسلام و تكبر أربع تكبيرات على الأنس و يودع بعد ذلك وعد و سلام و ينتظر قيامه بقيام أمر محيي الدين و الإسلام و الحمد لله على كل حال
بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على الذي أعجزت خصاله العد و الحد مسلم و الطبقة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حيثا لا يعده عدا ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال و لا يعد ] زاد أبو العباس الهمداني و أشار بيده إلى المغرب و ذكر بهاء الدين التبريزي في ملحمته التي زعم أنه لا يثبت فيها من الأخبار إلا ما صححته روايته و لا يذكر من الأحكام المنسوبة إلى الصنائع العملية إلا ما أبرزته درايته و لا يعتبر من الأعلام الدينية إلى ما أدركته هدايته قال في الترجمة الأولى : إذا خرجت نار الحجاز يقتل خليفة بغداد و يستقيم ملك المغرب و تبسط كلمته في الأقطار و يخطب له على منابر خلفاء بني العباس و يكثر الدر بالمعبر من بلاد الهند
ذكرت هذا ليعلم المقام أيده الله أنه هو المشار إليه و أنه الذي يعول في إصلاح ما فسد بحول الله عليه و من تأمل قوله صلى الله عليه و سلم :
[ يكون في آخر الزمان الحديث ] تبين له ما أردناه و ذلك يظهر من وجوه منها : أن الخليفة المذكور لم يسمع به فيما تقدم و لا ذكر في الدول الماضية و لو ذكر لرددنا القول به و أهملناه لأجل تقييده بآخر الزمان و الثاني : أن آخر الزمان الذي يراد به ظهور الشروط المتوسطة و أكثر العلامات المنذرة بالساعة هو هذا بعينه الثالث : لا خليفة لأهل المللة في وقتنا غير الذي قصدناه
و هذه أقطار المللة منحصرة و معلومة لنا من كل الجهات و الذي يشاركه في الاسم و يقاسمه في إطلاقه فقط لا يصدق عليه إذ هو أضعف من ذرة في كرة و من نملة في رملة و أقفر من قصد طالب السراب و يده مع أيبس من التراب فصح سبر و التقسيم و بتصفح الموجودات و الأزمان و الدول و المراتب و النعوت إنه هو لا شريك له فيها و المصحح لذلك كله و الذي يصدق و ينطبق عليه مدلول الحديث كرمه الذي يعجز عنه الحد و لا يتوقف فيه العد و هذا خليفة المللة كذلك و هذه دلائله هي أوضح من نار على علم و هذه خصاله شاهدة له بفضائل السيف و القلم و هذه خزائنه تغلب الطالب و تعجز عن الدافع و هذه سعوده في صعوده و هذه متاجر تعويله على الله رابحة و هذه أخواله بالكلية صالحة و هذه سعايته ناجحة
ثم هذه موازين ترجيحه راجحة و الحمد لله كما يجب
و ما النصر إلا من عند الله و صلى الله على عبده محمد بن عبد الله إنه من بكة و إنه للحق و إنه بسم الله الرحمن الرحيم و إنه إلى خضر لا تحصر و يحدر فيها الندر و يحافظ على سنة الرؤوف الرحيم صلى الله عليه و سلم أما بعد فبهداهم اقتداه الحمد لله الذي أحسن بمقام الإحسان و تمم النعمة و بين لمن تبين علم البيان و حكم لمن أحكم الحكمة و سبقت في صفات أفعاله صفة الرحمة و ذكر الهداية في كتابه بعد ذكر النعمة هو الرؤوف بالبرية و هو الرحيم و الحفي بالحنفية و هو القاهر الماضي المشيئة الذي يقبض و يبسط المشيئة شهد له بالكمال الممكن الذي أبرزه و خصصه و عرفه بالجلال من يسره لذلك و خلصه هو الذي استعمل عليها من اختاره لإقامة النافلة و الفرض و أعمى من أهلها من توسل له بنية العرض و أعتق العقاب و سر العقاب بطاعة من يستعمر به الربع المعمور وأنعم على المستضعفين في الأرض بإمام نجر المجد في بحر خصاله يعد بعض البعض
سنته محمدية و سيرته بكرية و سريرته علوية و سلالته عمرية فهذه ذرية و أنواع مجد بعضها من بعض بل هذه خطوط فصل الطول فيها مثل العرض عرف بالرياسة العالية و وصف بالنفاسة السالية و شهد له بذلك الخاص و العام و نزه من النقائض النزيه النفس و من نزهه في سلطانه علمه العام
صلى الله على الإسوة الرؤوف بالمؤمنين سيدنا محمد الذي أنزل عليه التنزيل و كتب اسمه في صحيح القصص و النصوص و بني الله و بائمة أمته الذين شبههم بالبنيان المرصوص و على آله و صحبه الكرام البررة الذين اصطفاهم و طهرهم ثم أيدهم فطهروا الأرض من الكفرة الفجرة و أخرج من ظهورهم ذرياتهم بالدين أظهرهم و يسر بهم السبيل ثم السبيل يسرهم
و منهم الخليفة المستنجد بالله المفضل على الناس و لكن أكثرهم و رضي الله عنهم و عنه و ضاعف للمحب الثواب الدائم منهم و منه و بعد خدمة يتقدم فيها بعد الحمد و التصلية و الدعاء للدولة على قبول الدعوة أصلية تحية بعضها مكية و كلها ملكوتية و روضة ريحها حضرة القدس و نشرها يدرك فيه صحبة النفث روح القدس
و تكبر عن أن تشبيه بالعنبر و الند و الورد و أزهار الربى و الرياض لأن المفارق للمادة لغير المفارق لها مفارقة السواد للبياض ثم هي هذا واجبة القصد عذبة الورد تذكر الذاكر بعرفها الذكي لمدركات جنة الخلد و النعيم و في مثل هذه فليتنافس المتنافسون
و تدرك النفس النفسية لذة النعيم لأنها ظاهرة طيبة كريمة صبية واقفة على حضرة الملك و السلطان و مدار فلك النسك و مستقر الإمامة و الجلالة و معقل الهداية و الدلالة و أصل الأصالة و دار المتقين و بيت العدالة و حزب اليقين و إنسانها الأعظم معلي الموحدي على الملحدين و قائم الدين و قيمه و مقر الإسلام و مقدمه القائم بالدعوة العامة بعد أبيه إمام المجد و الفخر ثم الأمة الذي إذا عزم أوهم بتخصيص مهمل اتخذ في خلده ما هو بالفعل مع ما هو بالقوة و أن يعرض له في طريق إعراضه الممكن العسير يسره سعده و ساعده ساعد القوة و إن سمع بالحمد في جهة حدبه بخاصة خصاله بعد مجد الأبوة و فخر النبوة لا يذكر معه و لا عنده صعب الأمور إلا بالضد فإنه مظهر العناية الإلهية و مرآة المجد و الجد
هو علم العلم ثم هو محل الحلم اسمه متوحد في مدلوله كالإسم العلم و عهده لا يتوقف على اللسان و لا على رسوم القلم
كتب في السماء و سمع به في الكرسي و كذلك العرش و ما هنا إنما هو مما هنالك فهو الأعلى و إن كان في الفرش هو شامخ القدر ظاهر الفضل شديد البطش ثم هو مما ظهر عليه علم أن الشجاعة لم تنتقل من الانسان إلى الأسد و لا يقال هذا بحر العلم فينتقل من الطبيعة إلى بحر الخلد لأن ذلك كله فيه بوجه أكمل و به و عليه و في يديه بنوع أفضل بلغ ذروة النهاية المخصوصة بالمطالب العالية و حصل في الزمان الفرد ما حصله الفرد في الأيام الخالية و يلغ في تبليغ حمده بصفاته ما بلغ الأشد عمره و نال غاية الإنسان و يتعجب منه في القيامة عمره و يسره أمره طلعت سعوده على مولده و مطالعه كلمة مجده لأحكام الفلك و طالعه إن حرر القول فيه و فهم شأنه قيل هو فوق الأطلس و المكوكب و إن قيس سعده بالكمالات الثلاثة كان كالبسيط مع المركب
أي غاية تطلب بعد طاعته و أي تجارة تنظر مع بضاعته له الحمد بيده الملك و الأمانة بل له الكل بفضل الله و فيه المقصد و السلامة لا بل له الفتح المبين و تتميم النعمة و الهداية و نور السكينة و فيه الإمارة و العلامة منير مكة بإزاء بيت بكة خطب بخطبته و الذي ذهب بالمدينة يطلب فلعله يسعفه في خطبته أفئدة السر تطير إذا سمعت بذكره و المهندات البتر تلين لباس ساعده و يقول طباع أربابها بشكره دولة التوحيد توحدت له إذ هو واحدها الأوحد و سياسة التسديد تحكمت له فهو مدبرها الأرشد و مع هذا كتابته أهملت صيت الصادين و كورت شمس الفتح ثم الفتح و الصادين
و كذلك الثلاثة الذين من قبلهم لا نذكر معه الأديب حبيب في رد الأعجاز على الصدور فإنه الذي يعتبر في ذلك و الذي يصدر عنه واقع في الصدور و أفعل في طباع المهرة و في نفوس الصدور يتأخر عن شعره شعر الرجلين و بعده نذكر الطبقة ثم شعراء نجد و الخيب و الجبلي و الولد بعده و الهذلي و المؤكد هو تقديمه في المغرب من ذلك و الهندلي علوم الأدب الخمسة تممها و سادسها و سابعها زاده من عند نفسه و خليل النحو لو حضر عنده كان خليله في تحصيل نوعه و جنسه و الفارسي تلميذه ثم الآخر بعده و الأخفش الكبير ثم الصغير ما ضرب لهم من قبل في مثله بنصيب و أقام أئمة النحو تنحو نحوه بنحو ينحوه نحو نحوه ثم لا يكون كالمصيب و كل كوفي بل كل بصري يحب الظهور إذا سمع به اختفى و المنصف منهم هو الذي بنحوه اكتفى أقيسة الفقه الثلاثة هذبها و حصلها و أصوله كما يجب علمها و فصلها و المسائل الطبولية تكلم على مفصلها و مجملها و سهل الصعب من مخصصها و مهملها
و إن فسر كتاب الله المعجز أرباب البلاغة بإعجاز بعد إعجازه و إن تعرض لعوارض ألفاظه أظهر العجب في اختصاره و إيجازه و إن شرع في شرح قصصه و جدله و في تفسير ترغيبه و ترهيبه و مثله يبصر الناظر فيه و المستمع لما لم يسمع و ما لم يبصر فإنه سلك بقدم كماله على قنطرة بعد لم تعبر و يضطر الزعيم به بتحصيله إلى تجديد قنطرة أخرى و بعد هذا يفتقر في بيانه إليه في الأولى و إلى الله في الأخرى و إن تكلم على متشابهه و محكمه علم الإصطلاح ثم بيان النوع للخبير به و بمحكمه و كذلك القول على الناسخ و المنسوخ و الوعد و الوعيد و إن يشاء طول في مطولاتهم و اختصر من مختصراتهم فبيده الزيادة و ضد المزيد و أما تحرير أمره و نهيه و أسراره و رقائقه و فواتح سوره و حقائقه و الذي يقال إنه لا من جنس الذي يكتسب و الذي هو أعظم من الذي يرد و إليه الأحوال تنتسب فهو الشارح لها و الخبير بها و إن تأخر و ينوع في ذلك و يزيد غير الأول و إن تكرر و أما علوم الحديث و أنواعها السبعة فهو بعلمها و صناعته بجملتها للعلماء يعلمها و الوراقة و الضبط و الخط وقفت عليه مهنة غايتها و حمله المر علوم الشريعة كلها عرفها و وعاها و رعاها حق رعايتها و كل العلوم العقلية و النفلية و رجالها على ذهنه الطاهر من دنس النسيان و المقامات السنية المستنزلات العلوية أدركها بعد التبيان فمن أراد أن يمدحه و يعدل عن إطلاق القول فقد اقترف أعظم الذنب و من ذكره و لم يتلذذ بذلك فق جاء بما ينضح حمله الخبب و نعوت جمالها يمنع عن إدراكها نور المتصل و حضرة جلاله محفوظة بجدها و جدها و قاطعها المنفصل
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قل اللهم مالك الملك الله أعلم حيث يجعل رسالاته
هذه كلها آياته و الرابعة : و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها فإنها هباته إن حدث المحدث بكرمه يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال و لا يعده و نصر الله جاء لا يرده و فتحه من ذا الذي عن السعيد يصده ] و المؤرخ يتذكر بتذكره الكلمات الهذلي من حيث المطالب إذ قال : و قد سئل عن الإمام علي بن أبي طالب و هو الإمام و فيه أربعة و هو واحدها حتى في رفع التشبيه و قطع السبب العلم و الحلم و الشجاعة و فضل الحسب يسر بحكمته و يغتبط بها متى يتبع جملته الباحث الحكيم و لا يشعر بشعره إذا تصفح نعوته الشاعر العليم و ينشد طبعه في الحين و الوقت و الحزة و يخرج الحروف من مخارج الهمزة
( شهدت لقد أوتيت جامع فضله ... و أنت على علمي بذاك شهيد )
( و لو طلبت في الغيب منك سجية ... لقد فر موجود و عز وجود )
أدام الله له المجد الذي يسلك به على النجدين و حفظ عليه مقامه الذي لا يحتقر فيه إلا جوهر النقدين و بسط له في العلم و القدرة و بارك له في نصيب النصرة و جهز به العسرة و رد ه على الشرك و الفتن الكرة و عرفه في كل ما يعتزمه صعا جميلا و لطفا خفيا جليلا و كفاه الشر المحض و خير الشرين كما كشف له عن الخير المحض و علم السرين و أيده بروح منه في السر و السريرة و حفظه في حركاته و سكناته من الصغيرة و الكبيرة و جعل كلمته غالبة للضد و الجند و بلغ صيته الجزائر و البربر ثم إلى السند و الهند
و خلد ملكه و سلم فلكه و رفعه على أوج المجد بحده الطويل العريض و أهبط عدوه من الشرف الأعلى إلى الحضيض
و فتح الله به باب الفتح في المشرق و المغرب بعد فتح الثغور و شرح بنصره و فتحه أوسائط الصدور و ما استنبطته الضمائر من نفثات الصدور و جبر به كسر الظفر و وصل به ما انقطع من الأسباب و عصم جنده من ضد الدنف الأنف و ردهم إلى ردم الأبواب و قدس كلمته بعد الحرمين في البيت المقدس و سلك به مسالك السبل في المقبل و المعرس و بعد هذا فهذه أدعيتنا بل هذه أوديتنا و هذه مسائلنا بل هذه وسائلنا و هذه تحية حياها ذو الفطرة السليمة و هذه خدمة يفتخر بها طبيعة النفس العلمية
و استنبت فيها الكتاب و استثبت فيها الجواب و الموجب لإصدارها محبة أصلها ثابت و فرعها في العلى و حفز عليها حافزان :
شوق قديم و رعاية الآخرة و الأولى بل الأمر الذي هو في خير الأمور من أوسطها و إذا نظم في عقد الأسباب الموجبة لهذه الخطابة يكون في وسطها فإنه يحكي أحكام الشأن و القصة و يعلم المقام أيده الله الذي حصل له في حرم الله و حرم نبيه من النصيب و الحصة و فيه ينبغي أن تذهب الألفاظ و تلحظ عيون الأغراض و يفتح المقاصد و يحمل على جواهر الكمالات كالأعراض فمن ذلك ذكر المللة التي كملت و كبرت و الأخرى التي كانت ثم غمرت و صغرت و المنبر الذي صعد خطب خطبته على الخطيب و عرج إلى سماء السمو و هو على درجه و الآخر الذي درج عنه خطيبه و ضاق صدره الأمر حرجه و قرئت سورة الإمام بحرف المستنجد المستبصر لا بحرف المستعصم بن المستنصر
بسط القول و أطلق ترجمة عبد الله بعدما قبضه الذي أمات و أحيا و قبض على مقامه و دفع للإمام محمد بن يحيى و كان ذلك في يوم وصول الخبر بمصيبة الاختبار ثم في ليلة الآيات و الاعتبار و من ذلك أيضا بعمة الحمد و الدعاء الظاهر القول و المقبول في الحرم الشريف و انقياد الذي ظهر على طائفة الحق و السيد و الشريف و من ذلك صعود علم الأعلام على جبل معظم الحج و مقر و فوق الحاج و وقف به المتكلم في مقام من كانت له سقاية الحاج و ذكر ما يجب بما يجب في موقف الإمام مالك و عرف هنالك أنه الإمام و المالك لكل مالك و تعرف نكرة دعوة التوحيد بتخصيص خصوصية المخصوص بعرفة و تعارف بها من تعارف معه هناك و نعم التعارف و المعرفة
ثم ذكر عند المشعر الحرام و في جهات حدود حرم المسجد الحرام و عظم اسمه بعد ذكر الله و ذكر الوالدين و طلع الذاكر بالتركيب إلى الجدين الساكنين في الخلد و الخالدين فلما وصل الحجيج إلى عقبة الجمرات ذكر مع السبع الأولى سبع مرات
و كذلك عند الركوع في مسجد الخيف و كل كلمات تمجيده بالكم و الكيف و عند التوجه من هناك و يوم النفر قررت آياته المذكورة في كتاب الجفر
ثم جدد الذكر حول البيت العتيق بالحمد و الشكر فلما وصل العلم بانتقال بيت الملك و السلطان من بغداد في شهر رمضان أظهر الخفي المكنون فكان ذلك مع التسبيح و القرآن و كان الخادم في الزمان الأول و في الذاهب ينتظر الخطفة من نحو عراق و المغرب و الآن وجد نفسها من نحو اليمن إقليم الأعراب و العرب
و الذي حمل على هذا كله طاعة كاملة و غبطة عاملة و الله تعالى بفضله يعصمه من كيد المعاند فإنه في إظهار دعوة التوحيد كالمجاهد و المكابد و معاد التحية على المقام الأرفع و المقر الأنفع و على خدام حضرته العلية و أرباب دعوته الجلية و أنواع رحمته تعالى و بركاته و الحمد لله كما يجب و صلى الله على نبيه محمد و على آله و سلم
كتب تجاه الكعبة المعظمة في الجانب الغربي من الحرم الشريف و الحمد لله رب العالمين و لما وصلت هذه البيعة استحضر لها السلطان الملأ و الكافة و قرئت بمجمعهم و قام خطيبهم القاضي أبو البراء في ذلك المحفل فاسحنفر في تعظيمها و الإشادة بحسن موقعها و إظهار رفعة السلطان و دولته بطاعة أهل البيت و الحرم و دخولهم في دعوته ثم جار بالدعاء للسلطان و انفض الجمع فكان من الأيام المشهودة في الدولة

(6/407)


الخبر عن الوفود من بني مرين و السودان و غيرهم
كان بنو مرين كما قدمناه قد تمسكوا بطاعة الأمير أبي زكريا و دخلوا في الدعوة الحفصية و حملوا عليها من تحت أيديهم من الرعايا مثل : أهل مكناسة و تازى و القصر و خاطبوا السلطان بالتمويل و الخضوع
و لما هلك السلطان و ولي ابنه المستنصر و قارن ذلك ولاية المرتضى بمراكش ثم كان بينهم و بين المرتضى من الفتنة و الحرب ما ذكرناه و نذكره فاتصل ذلك بينهم و بعث الأمير أبو يحيى بن عبد الحق بيعة أهل فاس و أوفد بها مشيخة بني مرين على السلطان و ذلك سنة اثنتين و خمسين و ستمائة فكان لها موقع من السلطان و الدولة و قابلهم من الكرامة كل على قدره و انصرفوا محبورين إلى مرسلهم و لما هلك أبو يحيى بن عبد الحق و استقل أخوه يعقوب بالأمر أوفد إليه ثانية رسله و هديته و طلب الإعانة من السلطان على المرتضى و أمر أهل مراكش على أن يقيموا بها الدعوة له عند فتحها و لم يزل دأبهم إلى أن كان الفتح
و في سنة خمس و خمسين و ستمائة وصلت هدية ملك كانم من ملوك السودان و هو صاحب برنو مواطنه قبلة طرابلس و كان فيها الزرافة و هو الحيوان الغريب الخلق المنافر الحلى و الشيات فكان لها بتونس مشهد عظيم برز إليها الجفلى من أهل البلد حتى غص بها الفضاء و طال إعجابهم بشكل هذا الحيوان و تباين نعوته و أخذها من كل حيوان بشبه و في سنة ثمان و خمسين و ستمائة وصل دون الرنك أخو ملك قشتالة مغاضبا لأخيه و وفد على السلطان بتونس فتلقاه من المبرة و الحباء بما يلقى به كرام القوم و عظماء الملوك و نزل من دولته بأعز مكان و كان تتابع هذه الوافدات مما شاد بذكر الدولة و رفع من قدرها

(6/417)


الخبر عن مقتل ابن الابار و سياقة أوليته
كان هذا الحافظ أبو عبد الله بن الأبار من مشيخة أهل بلنسية و كان علامة في الحديث و لسان العرب و بليغا في الترسيل و الشعر و كتب عن السيد أبي عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن ببلنسية ثم عن ابنه السيد أبي زيد ثم دخل معه دار الحرب حين نزع إلى دين النصرانية و رجع عنه قبل أن يأخذ به ثم كتب عن ابن مردنيش و لما دلف الطاغية إلى بلنسية و نازلها بعث زيان بوفد بلنسية و بيعتهم إلى الأمير أبي زكريا و كان فيهم ابن الأبار هذا الحافظ فحضر مجلس السلطان و أنشد قصيدته على روي السين يستصرخه فبادر السلطان بإغاثتهم وشحن الأساطيل بالمدد إليهم من المال و الأقوات و الكسى فوجدهم في هوة الحصار إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية و رجع ابن الأبار بأهله إلى تونس غبطة بإقبال السلطان عليه فنزل منه بخير مكان و رشحه لكتب علامته في صدور رسائله و مكتوباته فكتبها مدة ثم إن السلطان أراد صرفها لأبي العباس الغساني لما كان يحسن كتابتها بالخط المشرقي و كان آثر عنده من الخط المغربي فسخط ابن الابار إنفة من إيثار غيره عليه و افتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه و أن يبقى مكان العلامة منه لواضعها فجاهر بالرد و وضعها استبدادا و إنفة و عوتب على ذلك فاستشاط غضبا و رمى بالقلم و أنشد متمثلا
( و اطلب العز في لظى و ذر الذل ... و لو كان في جنان الخلود )
فنمى ذلك إلى السلطان فأمر بلزومه بيته ثم استعتب السلطان بتأليف رفعه إليه عد فيه من عوتب من الكتاب و اعتب و سماه أعتاب الكتاب و استشفع فيه بإبنه المستنصر فغفر السلطان له و أقال عثرته و أعاده إلى الكتابة
و لما هلك الأمير أبو زكريا رفعه المستنصر إلى حضور مجلسه مع الطبقة الذين كانوا يحضرونه من أهل الأندلس و أهل تونس و كان في ابن الأبار أنفة و بأو و ضيق خلق فكان يزري على المستنصر في مباحثه و يستقصره في مداركه فخشن له صدره مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس و ولايتها عليه
و كانت لابن أبي الحسين فيه سعاية لحقد قديم سببه أن ابن الآبار لما قدم في الأسطول من بلنسية نزل ببنزرت و خاطب ابن أبي الحسن بغرض رسالته و وصف أباه في عنوان مكتوبة بالمرحوم و نبه على ذلك فاستضحك و قال : إن أبا لا تعرف حياته من موته لأب خامل و نميت إلى ابن أبي الحسين فأسرها في نفسه و نصب له إلى أن حمل السلطان على إشخاصه من بجاية ثم رضي عنه و استقدمه و رجعه إلى مكانه من المجلس و عاد هو إلى مساءة السلطان بنزعاته إلى أن جرى في بعض الأيام ذكر مولد الواثق و ساءل عنه السلطان فاستبهم فعدا عليه ابن الأبار بتاريخ الولادة و طالعها فأتهم بتوقع المكروه للدولة و التربص بها كما كان أعداؤه يشنعون عليه لما كان يتظر في النجوم فتقبض عليه و بعث السلطان إلى داره فرفعت إليه كتبه أجمع و ألقى أثناءها فيما زعموا رقعة بأبيات أولها :
( طغى بتونس حلف سموه ظلما خليفة )
فاستشاط لها السلطان و أمر بامتحانه ثم بقتله قعصا بالرماح وسط محرم من سنة ثمان و خمسين و ستمائة ثم أحرق شلوه و سيقت مجلدات كتبه و أوراق سماعه و دواوينه فأحرقت معه

(6/418)


الخبر عن مقتل اللياني و أوليته و تصاريف أحواله
أصل هذا الرجل من لليانة قرية من قرى المهدية مضمومة اللام مكسورة الثانية و كان أبوه عاملا بالمهدية و بها نشأ ابنه أبو العباس و كان يتنحل القراءة و الكتاب حتى حذق في علوم اللسان و تفقه على أبي زكريا البرقي ثم طالع مذاهب الفلاسفة ثم صار إلى طلب المعاش من الإمارة فولي أعمال الجباية ثم صودر في ولايته على مال أعطاه و تخلص من نكبته فنهض في الولايات حتى شارك كل عامل في عمله بما أظهر من كفايته و تنميته للأموال حتى قصر بهم و أديل منهم
و كان الكثير منهم متعلقا من ابن أبي الحسين رئيس الدولة بذمة خدمة فأسفه بذلك و أغرى به بطانة السلطان ومواليه حتى سعوا به عند السلطان و أنه يروم الثورة بالمهدية حتى خشن له باطن السلطان فدخل عليه ذات يوم أبو العباس الغساني فاستجازه السلطان في قوله :
اليوم يوم المطر فقال الغساني : و ويوم رفع الضرر فتنبه السلطان و استزاده فأنشد : و العام تسعة كمثل عام الجوهري فكانت إغراء باللياني فأمر أن يتقبض عليه و على عدوه ابن العطار و كان عاملا و أمر أبا زيد بن يغمور بامتحانهما فعذبهما حتى استصفى أموالهما و الميل في ذلك على اللياني و كان في أيام امتحانه يباكر موضع عمله ثم نمي عنه أنه يروم الفرار إلى صقلية و بوحث بعض من داخله في ذلك فأقر عليه فدفع إلى هلال كبير الموالي من العلوج فضربه إلى أن قتله و رمى بشلوه إلى الغوغاء فعبثوا به و قطعوا رأسه ثم تتبع أقاربه و ذووه بالنكال إلى أن استنفذوا

(6/419)


الخبر عن انتقاض أبي علي الملياني بمليانة على يد الأمير أبي حفص
كان المغرب الأوسط من تلمسان و أعمالها إلى بجاية في طاعة السلطان منذ تغلب أبوه الأمير زكريا عليه و فتح تلمسان و أطاعه يغمراسن و كان بين زناتة بتلك الجهات فتن و حروب شأن القبائل اليعاسيب و كانت مليانة من قسمة مغراوة بني ورسيفان و كانوا أهل بادية
و تقلص ظل الدولة عن تلك الجهات بعض الشيء و كان أبو العباس الملياني من مشيخة مليانة صاحب فقه و رواية و سمت و دين رحل إليه الأعلام و أخذ عنه العلماء و انتهت إلى رئاسة الشورى ببلده و نشأ ابنه أبو عليه علي من الخلال متهالكا في الرياسة متبعا غواية الشبيبة فلما رأى تقلص ظل الدولة و فتن مغراوة مع يغمراسن و مزاحمته لهم حدثته نفسه بالاستبداد فخلع طاعة آل أبي حفص و نبذ دعوتهم و انبرى بها داعيا لنفسه و بلغ الخبر إلى السلطان فسرح إليه أخاه الأمير أبا حفص و معه الأمير أبو زيد بن جامع ودن الرنك أخو الفنش و طبقات الجند فخرج من تونس سنة تسع و خمسين و ستمائة و أغذ السير إلى مليانة فنازلها مدة و شد حصارها حتى اقتحموها غلابا و فر أبو علي الملياني و لحق ببني يعقوب من آل العطاف أحد شعوب زغبة فأجاروه و أجازوه الى المغرب الأقصى إلى أن كان من خبره ما نذكره بعد
و دخل الأمير أبو حفص مليانة و مهد نواحيها و عقد عليها إلى ابن منديل أمير مغراوة فملكها مقيما فيها لدعوة السلطان شأن غيرها من عمالات مغراوة و قفل الأمير أبو حفص إلى تونس و لقيه بطريقه كتاب السلطان بالعقد له على بجاية و إمارتها فكره ذلك غبطة بجوار السلطان و ترددت في ذلك رغبته فأديل منها بالشيخ أبي هلال عياد بن سعيد الهنتاتي و عقد له على بجاية و لحق الأمير أبو حفص بالحضرة إلى أن كان من خلافته ما نذكر بعد و هلك شقيقه أبو بكر بن الأمير أبي زكريا ثانية مقدمه إلى تونس سنة إحدى و ستين و ستمائة فتفجع له الخليفة و القرابة و الناس و شهد السلطان جنازته و البقاء لله وحده

(6/420)


الخبر عن فرار أبي القاسم بن أبي زيد ابن الشيخ أبي محمد و خروجه في رياح
كان أبو القاسم بن أبي زيد هذا في جملة ابن عمه الخليفة و تحت جرايته و أبوه أبو زيد هو القائم بالأمر بعد أبيه الشيخ أبي محمد و لحق بالمغرب و جاء أبو القاسم في جملة الأمير أبي زكريا و أوصى به ابنه إلى أن حدثته نفسه بالتوثب و الخروج
و خامره الرعب من إشاعة تناقلها الدهماء سببها أن السلطان استحدث سكة من النحاس مقدرة على قيمته من الفضة حاكى بها سكة الفلوس بالمشرق تسهيلا على الناس في المعاملات باسرافها و تيسيرا لاقتضاء حاجاتهم و لما كان لحق سكة الفضة من غش اليهود المتناولين لصرفها و صوغها و سمى سكته التي استحدثها بالحندوس
ثم أفسدها الناس بالتدليس و ضربها أهل الريب ناقصة عن الوزن و فشا فيها الفساد و اشتد السلطان في العقوبة عليها فقطع و قتل و صارت ريبة لمن تناولها
و أعلن الناس بالنكير في شأنها و تنادوا بالسلطان في قطعها و كثر الخوض في ذلك و توقعت الفتنة و أشيع من طريق الحدثان الذي تكلف به العامة أن الخارج الذي يثير الفتنة هو أبو قاسم بن أبي زيد فأزال السلطان تلك السكة و عفا عليه و أهمه شأن أبي القاسم ابن عمه و بلغه الخبر فخامره الرعب إلى ما كان يحدث نفسه من الخروج ففر من الحضرة سنة إحدى و ستين و ستمائة و لحق برياح و نزل على أميرهم شبل بن موسى بن محمد رئيس الدواودة فبايع له و قام بأمره ثم بلغه اعتزام السلطان على النهوض إليه فخشي بادرته و اضطرب أمر العرب من قبيله و لما أحس أبو القاسم باضطرابهم و خشي أن يسلموه إذا أزادهم السلطان عليها تحول عنهم و لحق بتلمسان و أجاز البحر منها إلى الأندلس و صحبت الأمير أبا إسحاق ابن عمه في مثوى اغترابهما بالأندلس ثم ساءت أفعاله و عظم استهتاره و فشا النكير عليه من الدولة فلحق بالمغرب و أقام بتينملل مدة ثم رجع إلى تلمسان و بها مات و قام الأمير أبو إسحاق بمكانه من جوار ابن الأحمر إلى أن كان من أمره ما نذكره

(6/421)


الخبر عن خروج السلطان إلى المسيلة
لما اتصل بالسلطان شأن أبي قاسم ابن عمه أبي زيد و فصاله عن رياح إلى المغرب بعد عقدهم معه خرج من تونس سنة أربع و ستين في عساكر الموحدين و طبقات الجند لتمهيد الوطن و محو آثار الفساد منه و تقويم العرب على الطاعة و تنقل في الجهات إلى أن وصل بلاد رياح فدوخها و مهد أرجاءها و فر شبل بن موسى و قومه الدواودة إلى القفر و احتل السلطان بالمسيلة أخر وطن رياح و وافاه هنالك محمد من عبد القوي أمير بني توجين من زناتة مجددا لطاعته و متبركا بزيارته فتلقاه من البرور تلقي أمثاله و أثقل كاهله بالحباء و الجوائز و جنب له الجياد المقربات بالمراكب المثقلة بالذهب و اللجم المحلات
و ضرب له الفساطيط الفسيحة الأرجاء من ثياب الكتان و جدل القطن إلى ما يتبع ذلك من المال و الظهر و الكراع و الأسلحة و اقطع له مدينة مقرة و بلد أوماش من عمل الزاب و انقلب عنه الى وطنه
و رجع السلطان إلى تونس و في نفسه من رياح ضغن إلى أن صرف إليهم وجه تدبيره كما نذكره و لثانية احتلاله في الحضرة كان مهلك مولاه هلال و يعرف بالقائد و كان له في الدولة مكان بمكان تلادا للسلطان و كان شجاعا جوادا خيرا محببا سهلا مقبلا على أهل العلم و ذوي الحاجات و له في سبل الخير آثار منقولة صار له بها ذكر فارتمض السلطان لمهلكه و الله أعلم

(6/422)


الخبر عن مقتل مشيخة الدواودة
كان شبل بن موسى و قومه من الزواودة فعلوا الأفاعيل في اضطراب الطاغية ونصب من لحق بهم من أهل هذا البيت للملك فبايعوا أولا للأمير أبي إسحق كما ذكرناه ثم بعده لأبي القاسم ابن عمه أبي زيد و خرج إليهم السلطان سنة أربع و ستين و ستمائة و دوخ أوطانهم و لحقوا بالصحراء و دافعوه على البعد بطاعة ممرضة فتقبلها و طوى لهم على البت و رجع إلى تونس فأوعز إلى أبي هلال عباد عامل بجاية من مشيخة الموحدين باصطناعهم و استئلافهم لتكون وفادتهم عليه من غير عهد و جمع السلطان أحلافه من كعوب بني سليم و دباب و أفاريق بني هلال و خرج من تونس سنة ست و ستين و ستمائة في عساكر الموحدين و طبقات الجند و وافاه ابن عساكر ابن السلطان إخوة بني مسعود ابن السلطان من الزواودة فعقد لمهدي ابن عساكر عن إمارته قومه و غيرهم من رياح و فر بنو مسعود ابن السلطان مصحرين و السلطان في أثرهم حتى نزل نقاوس و عسكروا بثنايا الزاب و رسلهم تختلف إلى أبي هلال إيناسا للمراجعة على يده للدخلة في الساحة فأشار عليهم بالوفادة على السلطان وفاء بقصده من ذلك فثقبلوا إشارته و وفد أميرهم شبل بن موسى بن محمد بن مسعود و أخوه يحيى و بنو عمهما أولاد زيد بن مسعود : سباع بن يحيى بن دريد و ابنه و طلحة بن ميمون بن دريد و حداد بن مولاهم بن خنفر بن مسعود و أخوه فتقبض عليهم لحينهم و على دريد ابن تازير من شيوخ كرفة و انتهبت أسلابهم و ضربت أعناقهم و نصبت أشلاؤهم بزوايا من جهات نقاوس حيث كانت بيعتهم لأبي القاسم بن أبي زيد و بعث برؤسهم إلى بسكرة فنصبها بها و أغذ السير غازيا إلى أحيائهم و أحلهم بمكانها من ثنايا الزاب
و صحبهم هنالك فأجفلوا و تركوا الظهر و الكراع و الأبنية فامتلأت أيدي و سدويكش منها و نجوا بالعيال و الولد على الأقتاب و العساكر في أتباعهم إلى أن أجازوا وادي شدى قبلة الزاب و هو الوادي الذي يخرج أصله من جبل راشد قبلة المغرب الأوسط و يمر إلى ناحية الشرق مجتازا بالزاب إلى أن يصب في سبخة نفراوة من بلاد الجريد
فلما جاز فلهم الوادي أصحروا إلى المفازاة المعطشة و الأرض الحرة السوداء المستحجرة المسماة بالحمادة فرجعت العساكر عنهم و انقلب السلطان من غزاته ظافرا ظاهرا و أنشده الشعراء في التهنئة و لحق فل الزواودة بملوك زناتة فنزل بنو يحيى بن دريد على يغمراسن بن زيان و بنو محمد بن مسعود على يعقوب بن عبد الحق فأجازوهم و أوسعوهم حباء و ملؤا أيديهم بالصلات و مرابطهم بالخيل و أحياءهم بالأبل و رجعوا إلى مواطنهم فتغلبوا على واركلة و قصور ريغة و اقتطعوها من إيالة السلطان ثم انحرفوا إلى الزاب فجمع لهم عامله ابن عتو و كان موطنا بمقرة و لقيهم على حدود أرض الزاب فهزموه و اتبعوه إلى بطاوة فقتلوه عندها و استطالوا على الزاب و جبل أوراس و بلاد الحصنة إلى أن اقتطعهم الدول إياها من بعد ذلك فصارت ملكا لهم و الله تعالى أعلم

(6/423)


الخبر عن طاغية الافرنجة و منازلته تونس في أهل نصرانيته
هذه الأمة المعروفة بالإفرنجة و تسميها العامة بالإفرانسيس نسبة إلى بلد من أمهات أعمالهم تسمى إفرانسة و نسبهم إلى يافث بن نوح و هم بالعدوة الشمالية من عدوتي هذا البحر الرومي الغربي ما بين جزيرة الأندلس و خليج القسنطينة مجاورون الروم من جانب الشرق و الجلالقة من جانب الغرب و كانوا قد أخذوا بدين النصرانية مع الروم و منهم لقنوا دينها و استفحل ملكهم عند تراجع ملك الروم و أجازوا البحر إلى أفريقية مع الروم فملكوها و نزلوا أمصارها العظيمة مثل سبيطلة و جلولا و قرطاجنة و مرناق و باغاية و لمس و غيرها من الأمصار و غلبوا على من كان بها من البربر حتى اتبعوهم في دينهم و أعطوهم طاعة الانقياد ثم جاء الإسلام و كان الفتح بانتزاع الأعراب من أيديهم سائر أمصار أفريقية العدوة الشرقية و الجزر البحرية مثل أقريطش و مالطة و صقلية و ميورقة و رجوعهم إلى عدوتهم
ثم أجازوا خليج طنجة و غلبوا القوط و الجلالقة و البشكتس و ملكوا جزيرة الأندلس و خرجوا من ثناياها و دورها إلى بسائط هؤلاء الإفرنجة فدوخها و عاثوا فيها
و لم تزل الصوائف تتردد إليها صدرا من دولة بني أمية بالأندلس و كان ولاة أفريقية من الأغالبة و من قبلهم أيضا يرددون عساكر المسلمين و أساطيلهم من العدوة حتى غلبوهم على الجزر البحرية و نازلوهم في بسائط عدوتهم فلم تزل في نفوسهم من ذلك ضغائن فكان يخالجها الطمع في ارتجاع ما غلبوا عليه منها
و كان الربع أقرب إلى سواحل الشام و طمع فيها فلما وصل أمر الروم بالقسنطينة و رومة و استفحل ملك الفرنجة هؤلاء و كان ذلك على هيئة سمو الخلافة بالمشرق
فسموا حينئذ إلى التغلب على معاقل الشام و ثغوره و زحفوا إليها و ملكوا الكثير منهم و استولوا على المسجد الأقصى و بنوا فيه الكنيسة العظمى بدل المسجد و نازلوا مصر و القاهرة مرارا حتى جاد الله للإسلام من صلاح الدين أبي أيوب الكردي صاحب مصر و الشام في أواسط المائة السادسة جنة واقية و عذابا على أهل الكفر مصبوبا فأبلى في جهادهم و ارتجع ما ملكوه و طهر المسجد الأقصى من أفكهم و كفرهم و هلك على حين غرة من الغزو و الجهاد ثم عاودوا الكرة و نازعوا مصر في المائة السابعة على عهد الملك الصالح صاحب مصر و الشام و أيام الأمير أبي زكريا بتونس فضربوا أبنيتهم بدمياط و افتتحوها و تغلبوا في قرى مصر و هلك الملك الصالح خلال ذلك ولي ابنه المعظم و أمكنت المسلمين في الغزو فرصة أيام فيض النيل ففتحوا الغياض و أزالوا مدد الماء فأحاط بمعسكرهم و هلك منهم عالم و قيد سلطانهم أسيرا من المعركة إلى السلطان فاعتقله بالإسكندرية حتى مر عليه بعد حين من الدهر و أطلقه على أن يمكنوا المسلمين من دمياط فوفوا له ثم على شرط المسالمة فيما بعد فنقضه لمدة قريبة و اعتزم على الحركة إلى تونس متجنيا عليهم فيما زعموا بمال أدعياء تجار أرضهم و أنهم أقرضوا اللياني فلما نكبه السلطان طالبوه بذلك المال و هو نحو ثلثمائة دينار بغير موجب يستندون إليه فغضبوا لذلك و اشتكوه إلى طاغيتهم فامتعض لهم و رغبوه في غزو تونس لما كان فيها من المجاعة و الموتان
فأرسل الفرنسيس طاغية الإفرنج و اسمه سنلويس بن لويس و تلقب بلغة الإفرنج روا فرنس و معناه ملك إفرنس فأرسل إلى ملوك النصارى يستنفرهم إلى غزوها و أرسل إلى القائد خليفة المسيح بزعمهم فأوعز إلى ملوك النصرانية مظاهرته و أطلق يده في أموال الكنائس مددا له و شاع خبر استعداد النصارى للغزو في سائر بلادهم و كان الذين أجابوه للغزو ببلاد المسلمين من ملوك النصرانية ملك الإنكثار و ملك اسكوسيا و ملك نزول و ملك برشلونة و اسمه ريدراكون و جماعة آخرون من ملوك الإفرنج هكذا ذكر ابن الأثير و أهم المسلمين بكل ثغر شأنهم و أمر السلطان في سائر عمالاته بالاستكثار من العدة و أرسل في الثغور لذلك بإصلاح الأسوار و اختزان الحبوب و انقبض تجار النصارى عن تعاهد بلاد المسلمين و أوفد السلطان رسله إلى الفرنسيس لاختبار رحاله و مشارطته على ما يكف عزمه و حملوا ثمانين ألفا من الذهب لاستتمام شروطهم فيما زعموا فأخذ المال من أيديهم و أخبرهم أن غزوه إلى أرضهم فم طلبوا المال اعتل عليهم بأنه لم يباشر قبضه و وافق شأنهم معه وصول رسول عن مصاحب مصر فأحضر عند الفرنسيس و استجلس فأبى و أنشده قائلا من قول أبي مطروح شاعر السلطان بمصر :
( قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق من وزير نصيح )
( آجرك الله على ما جرى ... من قتل عباد نصارى المسيح )
( أتيت مصرا تبتغي ملكها ... تحسب أن الزمر بالطبل ريح )
( فساقك الحين إلى أدهم ... ضاق به عن ناظريك الفسيح )
( و كل أصحابك أودعتهم ... بسوء تدبيرك بطن الضريح )
( سبعون ألفا لا يرى منهم ... إلا قتيل أو أسير جريح )
( ألهمك الله إلى مثلها ... لعل عيسى منكم يستريح )
( إن كان باباكم بذا راضيا ... فرب غش قد أتى من نصيح )
( فاتخذوه كاهنا إنه ... أنصح من شق لكم أو سطيح )
( و قل لهم إن أزمعوا عودة ... لأخذ ثار أو لشغل قبيح )
( دار ابن لقمان على حالها ... و القيد باق و الطواشي صبيح )
يعني بدار ابن لقمان موضع اعتقاله بالإسكندرية و الطواشي في عرف أهل مصر هو الخصي فلما استكمل إنشاده لم يزد ذلك الطاغية إلا عتوا و استكبارا و اعتذر عن نقض العهد في غزو تونس بما يسمع عنهم من المخالفات عذرا دافعهم به و صرف الرسل من سائر الآفاق ليومه فوصل رسل السلطان منذرين بشأنهم و جمع الطاغية حشده و ركب أساطيله إلى تونس آخر ذي القعدة سنة ثمان و ستين و ستمائة فاجتمعوا بسردانية و قيل بصقلية ثم واعدهم بمرسى تونس و أقلعوا و نادى السلطان في الناس بالنذير بالعدو و الاستعداد له النفير إلى أقرب المدائن و بعث الشواني لاستطلاع الخبر و استفهم أياما
ثم توالت الأساطيل بمرسى قرطاجنة و تفاوض السلطان مع أهل الشورى من الأندلس و الموحدين في تخليتهم و شأنهم من النزول بالساحل أو صدهم عنه فأشار بعضهم بصدهم حتى تنفد ذخيرتهم من الزاد و الماء فيضطرون إلى الأقلاع و قال آخرون إذا أقلعوا من مرسى الحضرة ذات الحامية و العدد صبحوا بعض الثغور سواها فملكوه و استباحوه و استصعبت مغالبتهم عليه فوافق السلطان على هذا و خلوا و شأنهم من النزول فنزلوا بساحل قرطاجنة بعد أن ملئت سواحل رودس بالمرابطة بجند الأندلس و المطوعة زهاء أربع آلاف فارس لنظر محمد بن الحسين رئيس الدولة
و لما نزل النصارى بالساحل و كانوا زهاء ستة آلاف فارس و ثلاثين ألفا من الرجالة فيما حدثني أبي عن أبيه رحمهما الله قال : و كانت أساطيلهم ثلثمائة بين كبار و صغار و كانوا سبعة يعاسيب كان فيهم الفرنسيس و إخوة جرون صاحب صقلية و صاحب الجزر و العلجة زوج الطاغية تسمى الرينة و صاحب البر الكبير و تسميهم العامة من أهل الأخبار ملوكا و يعنون أنهم متباينون ظاهروا على غزو تونس و ليس كذلك
و إنما كان واحدا و هو طاغية الفرنجة و إخوته و بطارقته عد كل واحد منهم ما ملكا لفضل قوته و شدة بأسه فأنزلوا عساكرهم في المدينة القديمة من قرطاجنة و كانت مائلة الجدران اضطرام المعسكر بداخلها و وصلوا ما فصله الخراب من أسوارها بألواح الخشب و نضدوا شرفاتها و أداروا على السور خندقا بعيد المهوى و تحصنوا و ندم السلطان على إضاعة الحزم في تخريبها أو دفاعهم عن نزلها و أقام ملك الفرنجة و قومه متمرسين بتونس ستة أشهر و المدد يأتيه في أساطيله في البحر من صقلية و العدوة بالرجل و الأصلحة و الأقوات
و سلك بعض المسلمين طريقا في البحيرة و اتبعهم العرب فأصابوا غرة في العدو فظفروا و غنموا و شعروا بمكانهم فكفلوا بحراسة البحيرة و بعثوا فيها الشواني بالرماة و منعوا الطريق إليهم و بعث السلطان في ممالكه حاشدا فوافته الأمداد من كل ناحية و وصل أبو هلال صاحب بجاية و جاءت جموع العرب و سدويكش و ولهاصة و هوارة حتى أمده ملوك المغرب من زناتة و سرح إليه محمد بن عبد القوي عسكر بني توجين لنظر ابنه زيان و أخرج السلطان أبنيته و عقد لسبعة من الموحدين على سائر الجند من المرتزقة و المطوعة و هم : إسمعيل بن أبي كلداسن و عيسى بن داود و يحيى بن أبي بكر و يحيى بن صالح و أبو هلال عياد بجاية و محمد بن عبو و أمرهم كلهم راجع ليحيى بن صالح و يحيى بن أبي بكر منهم
و اجتمع من المسلمين عدد لا يحصى و خرج الصلحاء و الفقهاء و المرابطون لمباشرة الجهاد بأنفسهم و التزم السلطان القعود بإيوائه مع بطانته و أهل اختصاصه و هم :
الشيخ أبو سعيد المعروف بالعود و ابن أبي الحسين و قاضيه أبو القاسم بن البراء و أخو العيش و اتصلت الحرب و التقوا في منتصف محرم سنة تسع بالمنصف فرحف يومئذ يحيى بن صالح و جرون فمات من الفريقين خلق و هجموا على المعسكر بعد العشاء و تدامر المسلمون عنده ثم غلبوا بعد أن قتل من النصارى زهاء خمسمائة فأصبحت أبنيته مضروبة كما كانت و أمر بالخندق على المعسكر فتعاورته الأيدي و احتفر فيه الشيخ أبو سعيد بنفسه و ابتلي المسلمون بتونس و ظنوا الظنون و اتهم السلطان بالتحول عن تونس إلى القيروان
ثم إن الله أهلك عدوهم و أصبح ملك الفرنجة ميتا يقال حتف أنفه و يقال أصابه سهم غرب في بعض المواقف فأبته و يقال أصابه مرض الوباء و يقال و هو بعيد أن السلطان بعث إليه مع ابن جرام الدلاصي بسيف مسموم و كان فيه مهلكه و لما هلك اجتمع النصارى على ابنه دمياط سمي بذلك لميلاده بها فبايعوه و اعتزموا على الإقلاع و كان أمرهم راجعا إلى العلجة فراسلت المستنصر أن يبذل لها ما خسروه في مؤنة حركتهم و ترجع بقومها فأسعفها السلطان لما كان العرب اعتزموا على الإنصراف إلى مشايتهم
و بعث مشيخة الفقهاء لعقد الصلح في ربيع الأول سنة تسع و ستين و ستمائة فتولى عقده و كتابه القاضي ابن زيتون لخمسة عشر عاما و حضر أبو الحسن علي بن عمرو و أحمد بن الغماز و زيان بن محمد بن عبد القوى أمير بني توجين و اختص جرون صاحب صقلية بسلم عقده على جزيرته و أقلع النصارى بأساطيلهم و أصابهم عاصف من الريح أشرفوا منه على العطب و هلك الكثير منهم و أغرم السلطان الرعايا ما أعطى العدو من المال فأعطوه طواعية يقال إنه عشرة أحمال من المال و ترك النصارى بقرطاجنة تسعين منجنيقا و خاطب السلطان صاحب المغرب و ملوك النواحي بالخبر و دفاعه عن المسلمين و ما عقده من الصلح و أمر بتخريب قرطاجنة و أن يؤتي بنيانها من القواعد فصير أبنيتها طامسة و رجع الفرتجة إلى دعوتهم فكان آخر عهدهم بالظهور و الاستفحال و لم يزالوا في تناقص و ضعف إلى أن افترق ملكهم عمالات
و استبد صاحب صقلية لنفسه و كذا صاحب نايل و جنوده و سردانية و بقى بيت ملكهم الأقدام لهذا العهد على غاية من الفشل و الوهن و الله وارث الأرض و من عليها و هو خير الوارثين

(6/424)


الخبر عن مهلك رئيس الدولة أبي عبد الله بن أبي الحسين و أبي سعيد العود الرطب
أصل هذا الرجل من بني سعيد رؤسا القلعة المجاورة لغرناطة و كان كثير منهم قد استعملوا أيام الموحدين بالعدوتين و كان جده أبو الحسن سعيد صاحب الأشغال بالقيروان و نشأ حافده محمد هذا في كفالته و لما عزل و قفل إلى المغرب هلك ببونة سنة أربع و ستمائة و رجع حافده محمد إلى تونس و الشيخ أبو محمد بن أبي حفص صاحب أفريقية لذلك العهد فاغتلق بخدمة ابنه أبي زيده و لما ولي المر بعد وفاة أبيه غلب محمد هذا على هواه ثم جاء السيد أبو علي من مراكش و على أفريقية محمد ابن أبي الحسين في جملته إلى أن هلك في حصار هسكورة بمراكش كما قدمناه و رجع ابن أبي الحسين إلى تونس و اتصل بالأمير أبي زكريا لأول استبداده فغلب على هواه و كان مبختا في صحابة الملوك و لما ولي المستنصر أجراه على سنته برهة
ثم تنكر له إثر كائنة اللحياني و عظمت سعاية أعدائه من الباطنية و أشاعوا مداخلته لأبي القاسم بن عزومة أبي زيد ابن الشيخ أبي محمد فنكبه السلطان و اعتقله بدارة تسعة أشهر ثم سرحه و أعاده إلى مكانه و ثأر من أعدائه و استولى على أمور السلطان إلى أن هلك سنة إحدى و سبعين و ستمائة و كلف ابن عمه سعيد بن يوسف بن أبي الحسن أشغال الحضرة و كان قد اقتنى مالا جسيما و نال من الحضرة منالا عظيما و كان الرئيس أبو عبد الله متفننا في العلوم مجيدا في اللغة و الشعر ينظم فيجيد و ينثر فيحسن و له من التآليف :
كتاب ترتيب المحكم لابن سيده على نسق الصحاح للجوهري و اختصاره و سماه الخلاصة و كان في رياسته صليب الرأي قوى الشكيمة عالي المهمة شديد المراقبة و الحزم في الخدمة و له شعر نقل منه التيجاني و غيره و من أشهره ما نقل له يخاطب عنان بن جابر عن الأمير أبي زكريا لما خالف و اتبع ابن غانية و هي على روي الراء و كان قبلها أخرى على روي الدال و كان له ولد إسمه سعيد و ترقى في حياة أبيه في المراتب السلطانية
ثم اغتبط دون غايته و في ثالث مهلكه كان مهلك الشيخ أبي سعيد عثمان بن محمد الهنتاتي المعروف بالعود الرطب و يعرف أهل بيته بالمغرب ببني أبي زيد و كان منهم عبد العزيز المعروف بصاحب الأشغال كان فر من المغرب أيام السعيد لجفوة نالته و لحق بسجلماسة سنة إحدى و أربعين و قد كان انتزى بها عبد الله الهزرجي و بايع للأمير أبي زكريا فأجازه عبد الله إلى تونس و نزل على الأمير أبي زكريا و نظمه في طبقات مشيخة الموحدين و أهل مجلسه ثم حظي عند إبنه المستنصر بعد نكبة بني النعمان حظوة لا كفاء لها و استولى على الرأي و التدبير إلى أن هلك سنة ثلاث و سبعين و ستمائة فشيع طيب الذكر ملحقا بالرضوان من الخاصة و العامة و الله مالك الأمور

(6/430)


الخبر عن انتقاض أهل الجزائر و فتحها
كان أهل الجزائر لما رأوا تقلص ظل الدولة عن زناتة و أهل المغرب الأوسط حدثوا أنفسهم بالاستبداد و القيام على أمرهم و خلع ربقة الطاعة من أعناقهم فجاهروا بالخلعان و سرح السلطان إليهم العساكر سنة تسع و ستين و ستمائة و أوعز إلى صاحب القفر صاحبه و هو أبو هلال عياد بن سعيد الهنتاتي فقدم إليها في عساكر الموحدين سنة إحدى و سبعين و ستمائة و نازلها مدة حول و إمتنعت عليه فأقلع عنها و رجع إلى بجاية و هلك بمعسكر ببني ورا سنة ثلاث و سبعين و ستمائة
ثم إن السلطان صرف عزمه إلى منازلتهم سنة أربع و سبعين و ستمائة و سرح إليهم العساكر في البر و أنفذ الأساطيل في البحر و عقد على عسكر تونس لأبي الحسن بن ياسين و أوعز إلى عامل بجاية بإنفاذ عسكر آخر فانفذه لنظر أبي العباس بن أبي الأعلام و نهضت هذه العساكر برا و بحرا إلى أن نازلتها و أحاطت بها من كل جانب و اشتد حصارها
ثم افتتحها عنوة و أثخن فيهم القتل و انتهبت المنازل و افتضح الكرائم في أبكارهن و تقبض على مشيخة البلد فنقلوا إلى تونس و صفدين و اعتقلوا بالقصبة أن سرحهم الواثق بعد مهلك السلطان و الله تعالى أعلم

(6/431)


الخبر عن مهلك السلطان المستنصر و وصف شيء من أحواله
كان السلطان بعد فتح الجزائر قد خرج من تونس للصيد و تفقد العمالات فأصابه في سفره مرض و رجع إلى داره و اشتدت علته و كثر الارجاف بموته و خرج يوم الأضحى سنة خمس و خمسين و ستمائة يتهادى بين رجلين و رجالاه تخطان في الأرض و جلس للناس على منبر متجلدا ثم دخل بيته و هلك لليلته تلك رضوان الله عليه و كان شأن هذا السلطان في ملوك آل حفص عظيما و شهرته طائرة الذكر بما انفسح من أمر سلطانه و مدت إليه ثغور القاصية من العدوتين يد الاعتصام به و ما اجتمع بحضرته من أعلام الناس الوافدين على إبنه و خصوصا الأندلس من شاعر مفلق و كاتب بليغ و عالم نحرير و ملك أورع و شجاع أهيش متفيئين ظل ملكة متناغين في اللياذبه لطموس معالم الخلافة شرقا و غربا على عهده و خفوت صوت الملك إلا في إيوانه
فقد كان الطاغية التهم قواعد الملك بشرق الأندلس وغربها فأخذت قرطبة سنة ثلاث و ثلاثين وستمائة بعدها و أشبيلية سنة ست و أربعين و ستمائة و استولى التتر على بغداد دار خلافة العرب بالمشرق و حاضرة الإسلام سنة ست و خمسين و ستمائة و انتزع بنو مرين ملك بني عبد المؤمن و اشتملوا على حضرة مراكش دار خلافة الموحدين سنة ثمان و ستين و ستمائة كل ذلك على عهده و عهد أبيه و دولتهم أشد ما كانت قوة و أعظم رفاهية و جباية و أوفر قبيلا و عصاية و أكثر عساكر و جندا فأمله أهل العلم للكرة و أجفلوا إلى الإمساك بحقونه و كان له في الأبهة و الجلال أخبار و في الحروب و الفتوح آثار مشهودة و في أيامه عظمت حضارة تونس و كثر ترف ساكنها و تأنق الناس في المراكب و الملابس و المباني و الماعون و الآنية فاستجادوها و تناغوا في اتخاذها و انتقائها إلى أن بلغت غايتها رجعت من بعده أدراجها و الله مالك الأمور و مصرفها كيف يشاء

(6/432)


الخبر عن بيعة الواثق يحيى بن المستنصر و هو المشهور بالمخلوع و ذكر أحواله
لما هلك السلطان المستنصر سنة خمس و سبعين و ستمائة كما قدمناه اجتمع الموحدون و سائر الناس على طبقاتهم إلى ابنه يحيى فبايعوه ليله مهلك أبيه و في غدها و تلقب الواثق و افتتح أمره برفع المظالم و تسريح أهل السجون و افاضة العطاء في الجند و أهل الديوان و إصلاح المساجد و إزالة كثير من الوظائف عن الناس و امتدحه الشعراء فأسنى جوائزهم و أطلق عيسى بن داود من اعتقاله و رده إلى حاله و كان المتولي لأخذ البيعة عن الناس و القائم بأمره سعيد بن يوسف بن أبي الحسين لمكانه من الدولة و رسوخه في الشهرة فقام بالأمر و لم يزل على ذلك إلى أن نكبه و أدال منه بالجبر و الله أعلم

(6/433)


الخبر عن نكبة ابن أبي الحسين و استبداد ابن الجبر على الدولة
هذا الرجل اسمه يحيى بن عبد الملك الغافقي و كنيته أبو الحسن أندلسيا من أعمال مرسية وفد مع الجالية من شرق الأندلس أيام استيلاء العدو و كان يحسن الكتابة و لم يكن له من الخلال سواها فصرف في الأعمال ثم ارتقى إلى خدمة أبي الحسين فاستكتبه ثم رقاه إلى ولاية الديوان فعظمت حالته و كانت له أثناء ذلك مداخلة للواثق ابن السلطان و اعتدها له سابقة فلما استوثق الأمر رفع منزلته و اختصه بالشورى و قلده كتاب علامته و كان سعيد بن أبي الحسين مزاحما له منافسا لما كان أسف من تقديمه فأغرى به السلطان و رغبه في ماله فتقبض على أبي سعيد بن أبي الحسين لستة أشهر من الدولة سنة ست و سبعين و ستمائة و اعتقل بالقصبة
و استقل على معلة ابن ياسين و ابن صياد الرجالة و غيرهم و قدم على الأشغال مدافعا في الموالي المعلوجين و وكل أبا زيد بن أبي الأعلام من الموحدين بمصادرة ابن أبي الحسين على المال و امتحانه
و لم يزل يستخرج منه حتى ادعى الاملاق و استخلف فخلف ثم ضرب فادعى مؤتمنا من ماله عند قوم استكشفوا عنه فأدوه ثم دل بعض مواليه على ذخيرة بداره دفينة فاستخرج منه زهاء ستمائة ألف من الدنانير فلم يقبل بعدها مقاله و بسط عليه العذاب إلى أن هلك في ذي الحجة من سنته و دفن شلوه بحيث لم يعرف مدفنه
و استبد أبو الحسن الجبر على الدولة و السلطان و بعث أخاه أبا العلاء واليا على بجاية و أسف المشيخة و البطانة بعتوه و استبداده و ما يتجشمونه من مكابرة بابه إلى أن عاد و بال ذلك على الدولة كما نذكره إن شاء الله تعالى

(6/433)


الخبر عن إجازة السلطان أبي إسحق من الأندلس و دخول أهل بجاية في طاعته
كان السلطان المستنصر قد عقد على بجاية سنة ستين و ستمائة لأبي هلال عياد بن سعيد الهنتاتي و أدال به من أخيه الأمير أبي حفص فأقام واليا عليها إلى أن هلك ببني ورا سنة ثلاث و سبعين و ستمائة كما قدمنا و عقد عليها من بعده لإبنه محمد و كان له غناء في ولايته و اضطلع بأمره إلى أن هلك المستنصر و ولي ابنه الواثق فبادر إلى انقياد طاعته و بعث وفد بجاية ببيعتهم ثم قلد أبو الحسن القائم بالدولة أخاه إدريس ولاية الأشغال ببجاية فقام بها و أفنى الأموال و تحكم في المشيخة و أنف محمد بن أبي هلال من استبداده عليه فهم إدريس بنكبته فخشي محمد بن أبي هلال بادرته و داخل بعض بطانته في قتله و فاوض الملأ فيه فعدوا عليه لأول ذي القعدة سنة سبع و سبعين و ستمائة بمقعده من باب السلطان فقتلوه و رموا برأسه إلى الغوغاء و الزعانف فبعثوا به
و وافق ذلك حلول السلطان أبي إسحاق بتلمسان و كان عند بلوغ الخبر إليه بمهلك أخيه المستنصر أجمع أمره على الإجازة لطلب حقه بعدما تردد برهة ثم اعتزم و عاد إلى تلمسان و نزل على يغمراسن بن زيان فقام لمورده و احتفل في مبرته و فعل أهل بجاية و ابن أبي هلال فعلتهم و خشوا بوادر السلطان بالحضرة فخاطب السلطان أبا إسحق و أتوه ببيعتهم و بعثوا وفدهم يستحثونه للملك فأجابهم و دخل إليها آخر ذي القعدة من سنته فبايعه الموحدون و الملأ من أهل بجاية و قام بأمره محمد بن هلال ثم زحف في عساكره إلى قسنطينة فنازلها و بها عبد العزيز بن عيسى بن داود فامتنعت عليه فأقلع عنها إلى أن كان من أمره ما نذكره

(6/434)


الخبر عن خروج الأمير أبي حفص بالعساكر للقاء السلطان أبي إسحاق ثم دخوله في طاعته و خلع الواثق
لما بلغ الخبر إلى الواثق و وزيره المستبد عليه ابن الحببر بدخول السلطان أبي إسحق بجاية شيع العساكر إلى حربه و عقد عليها لعمه أبي حفص و استوزر له أبا زيد بن جامع فخرج من تونس و اضطرب معسكره بجباية
و عقد الواثق على قسنطينة لعبد العزيز بن عيسى بن داود لذمة صهر كانت له من ابن الجببر فتقدم إلى قسنطينة و مانع عنها الأمير أبا إسحق كما ذكرناه ثم اضطرب رأي ابن الجيد في خروج الأمير أبي حفص و أراد انفضاض عسكره فكتب الواثق إلى أبي حفص و وزيره ابن جامع يغري كل واحد منهما بصاحبه فتفاوضا و اتفقا على الدعاء للأمير أبي إسحق و بعثوا إليه بذلك و اتصل الخبر بالواثق و هو بتونس منتبذا عن الحامية و البطانة فاستيقن ذهاب ملكه و أشهد الملأ و انخلع عن الأمر لعمه السلطان أبي إسحق غرة ربيع الأول من سنة ثمان و سبعين و ستمائة و تحول عن قصور الملك بالقصبة إلى دار الأقورى و انقرضت دولته و أمره و البقاء لله وحده

(6/435)


الخبر عن استيلاء السلطان أبي اسحق على الحضرة
لما بلغ السلطان أبا إسحق كتاب أخيه الأمير أبي حفص و ابن جامع من بجاية بادر مغذا إليهم ثم وافاه خبر انخلاع الواثق ابن أخيه بتونس فارتحلوا جميعا و سائر أهل الحضرة على طبقاتهم إلى لقائه و آتوا طاعتهم و دخل الحضرة منتصف الحجة آخر سنة ثمان و سبعين و ستمائة و محمد بن هلال شيخ دولته و عقد على حجابته لأبي القاسم بن الشيخ كاتب أبي الحسين و على خطة الأشغال لابن أبي بكر بن الحسن ابن خلدون كان وفد مع أبيه الحسن على الأمير أبي زكريا من أشيلية لذمة رعاها لهم لما كانت أم ولده أم الخلائف من هدايا ابن المحتسب أبي زكريا محلهم
و رحل الحسن إلى المشرق و مات هنالك و بقي ابنه أبو بكر بالحضرة فاستعمله الأمير أبو اسحق لأول دخوله في خطة الأشغال و لم يكن يليها إلا الموحدون كما قلناه
و عقد لفضل بن علي بن مزني على الزاب و لم يكن أيضا يليها إلا الموحدون لكن رعى لفضل بن مزني ذمة اغترابه معه إلى الأندلس فعقد له على الزاب و لأخيه عبد الواحد على بلاد قسطيلية ثم تقبض على أبي الحببر و أمر باعتقاله و دفعه إلى موسى بن محمد بن ياسين للمصاردة و الامتحان و وجد مكان التمائم عليه طوابع و طلسمات مختلفة الأشكال و الصور و تسحر بها فيما زعموا مخدومه فحاق به و بالها
و كان شأنه في الامتحان و الاستحلاف و الهلاك بالعذاب شأن سعيد بن أبي الحسين أيام صولته إلى أن هلك في شهر جمادي الأولى من سنته و الله لا يظلم مثقال ذرة
و لما اعتقد السلطان أبو إسحق كرسي ملكه و استوثق عرى خلافته تقبض على محمد بن أبي هلال و قتله بجر نكبته سنة ست و سبعين و ستمائة لما كان يتوقع منه من المكروه في الدولة و ما عرف به من المساعي في الفتنة و الله أعلم

(6/436)


الخبر عن مقتل الواثق و ولده
لما انخلع الواثق عن الأمر و تحول إلى دار الأقوري فأقام بها أياما و كان له ثلاثة من الولد أصاغر : الفضل و الطاهر و الطيب فكانوا معه ثم نمي عنه السلطان أبي اسحق أنه يروم الثورة و أنه داخل في ذلك بعض رؤساء النصارى من الجند فأقلق مكان ترشيحه و اعتقله بمكان اعتقال بنيه و هو من القصبة أيام أخيه المستنصر ثم بعث إليهم ليلتهم فذبحوا جميعا في شهر صفر سنة تسع و سبعين و ستمائة واستوثق له الأمر و أطلق من عنان الأمارة لولده إلى أن كان من شأنهم ما يذكر إن شاء الله تعالى

(6/437)


الخبر عن ولاية الأمير أبي فارس ابن السلطان أبي إسحق على بجاية بعهد أبيه و السبب في ذلك
كان للسلطان أبي إسحق من الأبناء خمسة : أبو فارس و عبد العزيز و كان أكبرهم و أبو محمد عبد الواحد و أبو زكريا يحيى و خالد و عمر و كان السلطان المستنصر قد حبسهم عند فرار أبيهم إلى رياح في أيامه ببعض حجر القصر و أجرى عليهم رزقا فنشؤا في ظل كفالته و جميم رزقه إلى أن استولى أبوهم السلطان أبو إسحق على الملك فطلعوا بآفاقه
و طالت فروعهم في دوحه و اشتملوا على العز و اصطنعوا أهل السوابق من الرجال و أرخى السلطان لهم ظلهم في ذلك و كان المجلي فيها كبيرهم أبو فارس لما كان مرشحا لولاية العهد و كان ممن اصطنعه و ألقى عليه رداء محبته في الناس و عنايته أحمد بن أبي بكر بن سيد الناس اليعمري و أخوه أبو الحسين لسابقة رعاها لهما و ذلك أن أباهما أبا بكر بن سيد الناس كان من بيوت أشبيلية حافظا للحديث رواية له ظاهريا في فقهه على مذهب داود و أصحابه و كانت لأهل أشبيلية خصوصا من بين الأندلس وصلة بالأمير أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص و بنيه منذ ولايته غرب الأندلس
فلما تكالب الطاغية على الدولة والتهم ثغورها و اكتسح بسائطها و أشف إلى قواعدها و أمصارها أجاز الأعلام و أهل البيوت إلى أرض المغربين و أفريقية و كان قصدهم إلى تونس أكثر لاستفحال الدولة الحفصية بها فلما رأى الحافظ أبو بكر اختلال أحوال الأندلس و قبح مصايرها و خفة ساكنها أجمع الرحلة عنها إلى ما كان بتونس من سابقته عند هؤلاء الخلفاء فأجاز البحر و نزل بتونس فلقاه السلطان تكرمه و جعل إليه تدريس العلم بالمدرسة عند حمام الهواء التي أنشائها أمه أم الخلائف
و نشأ بنوه أحمد و أبو الحسين في جو الدولة و حجر كفالتها للاختصاص الذي كان لأبيهم بها و عدلوا عن طلب العلم إلى طلب الدنيا و تشوقوا إلى مراتب السلطان و اتصلوا بأبناء السلطان أبي إسحق بمكانهم من حجر القصر حيث أنزلهم عمهم بعد ذهاب أبيهم فخالطوهم و استخدموا لهم و لما استولى السلطان على الأمر و رشح ابنه أبا فارس للعهد و أجراه على سنن الوزارة فاصطنع أحمد بن سيد الناس و نوه باسمه و خلع عليه ملبوس كرامته و اختصه بلقب حجابته و أخوه أبو الحسين يناهضه في ذلك عنوة و نفس ذلك عليهما البطانة فأغروا السلطان أبا اسحق بابنه و خوفوه شأنه و أن أحمد بن سيد الناس داخله في التوثب بالدولة و تولى كبر هذه السعاية عبد الوهاب بن قلائد الكلاعي من علية الكتاب و وجوههم كان يكتب للعامة يومئذ فسطا السلطان بابن سيد الناس سنة تسع و ستين و ستمائة آخر ربيع استدعى إلى باب القصر فتعاورته السيوف هبرا و وري شلوه ببعض الحفر و بلغ الخبر إلى الأمير أبي فارس فركب إلى أبيه في لبوس الحزن فعزاه أبوه عن ذلك بأنه ظهر لابن سيد الناس على المكر و الخديعة بالدولة و أماط سواده بيده و نجا أبو الحسين من هذه المهلكة و اعتقل في لمة من رجال الأمير أبي فارس بعد أن توارى أياما إلى أن أطلق من محبسه و كان من أمره ما نذكره بعد و استبلغ السلطان في تأنيس ابنه و مسح الضغينة عن صدره فعقد له على بجاية و أعمالها و أنفذه إليها أميرا مستقلا و أنفذ معه في رسم الحجابة جدي محمد ابن صاحب أشغاله أبي بكر بن الحسن بن خلدون فخرج إليها سنة تسع و ستين و ستمائة و قام بأمرها و لم يزل أميرا بها إلى آخر دولته كما نذكر و الله أعلم

(6/437)


الخبر عن ثورة ابن الوزير بقسنطينة و مقتله
اسم هذا الرجل أبو بكر بن موسى بن عيسى و نسبته في كوميه من بيوت الموحدين كان مستخدما لابن كلداسن الوالي بقسنطينة بعد ابن النعمان من مشيخة الموحدين أيام المستنصر و وفد ابن كلداسن على الحضرة و أقام ابن وزير نائبا عنه بقسنطينة فكان له غناء و صداقة و ولاه السلطان أبو إسحق حافظا على قسنطينة و اتصلت ولايته و هلك المستنصر و اضطربت الأحوال ثم ولاه الواثق ثم السلطان أبو إسحق و كان ابن وزير هذا طموحا لأموال الناس لا يمل
و علم أن قسنطينة معقل ذلك القطر و حصنه فحدثته نفسه بالإمتناع بها و الاستبداد على الدولة و ساء أثره في أهلها فرفعوا أمرهم إلى السلطان أبي اسحق و استعدوه فلم يعدهم لما رأى من مخايل الحرابة من الطاغية و كتب هو بالاعتذار و النكير لما جاء به فتقبله و أغضى له عن هناته و لما مر به الأمير أبو فارس إلى محل إمارته من بجاية سنة تسع و سبعين و ستمائة قعد عن لقائه و أوفد إليه جمعا من الصلحاء بالمعاذير و الاستعطاف فمنحه من ذلك كفاء مرضاته حتى اذا أبعد الأمير أبو فارس إلى بجاية اعتزم على الانتزاء و كاتب ملك أرغون في جيش من النصارى يكون معهم في ثغره يردد بهم الغزو على أن يكون فيما زعموا داعية له فأجابه و وعده ببعث الأسطول إليه فجاهر بالخلعان و انتزى بثغر قسنطينة داعيا لنفسه آخر سنة ثمانين و ستمائة
و زحف إليه الأمير أبو فارس من بجاية في عساكره و احتشد الأعراب و فرسان القبائل إلى أن احتل بميلة و وفد عليه من أهل قسنطينة جمع من الرعية بعثهم ابن وزير فأعرض عنهم و قصد قسنطينة في أول ربيع سنة إحدى و ثمانين و ستمائة فثار بها و جمع الأيدي على حصارها
و نصب المجانيق و قرب قواعد الرماة و قاتلها يوما أو بعض يوم و تسور عليهم المعقل من بعض جهاته و كان المتولي لتسوره صاحبه محمد ابن أبي بكر بن خلدون و أبلى بن وزير عند الصدمة حتى أحيط به و قتل هو و أخوه و أشياعهما و نصبت رؤسهم بسور البلد و تمشى الأمير في سكك البلد مسكنا و مؤنسا و أمر برم ما تثلم من الأسوار و بإصلاح القناطر و دخل إلى القصر و بعث بالفتح إلى أبيه بالحضرة وجاء أسطول النصارى إلى مرسى القل في مواعدة ابن وزير فأخفق مسعاهم و ارتحل الأمير أبو فارس ثالثة الفتح إلى بجاية فدخلها آخر ربيع من سنته و الله أعلم

(6/439)


الخبر عن قيادة ابن السلطان العساكر إلى الجهاد
كان السلطان يؤثر أبناءه بمراتب ملكه و يوليهم خطط سلطانه شفعا بهم و ترشيحا لهم فعقد في رجب سنة إحدى و ثمانين لابنه الأمير زكريا على عسكر من الموحدين و الجند و بعثه إلى قفصة للإشراف على جهاتها و ضم جبايتها فخرج إليها و قضى شأنه من حركته و انصرف إلى تونس في رمضان من سنته ثم عقد لابنه الآخر أبي محمد عبد الواحد على عسكره و أنفذه إلى وطن هوارة لانقضاء مغارمهم و جباية ضرائبهم و فرائضهم و بعث معه عبد الوهاب بن قلائد الكلاعي مباشرا لذلك و واسطة بينه و بين الناس فانتهى إلى القيروان و بلغه شأن الدعي و ظهوره في دباب بنواحي طرابلس فطير بالخبر إلى السلطان و أقبل على شأنه ثم انتشر أمر الدعي و انكفأ راجعا إلى تونس و الله تعالى أعلم

(6/440)


الخبر عن صهر السلطان مع عثمان بن يغمراسن
كان السلطان لما أجاز البحر من الأندلس لطلب ملكه و نزل على يغمراسن بن زيان بتلمسان فاحتفل لقدومه و أركب الناس للقائه و أتاه ببيعته على عادته من سلفه لما علم أنه أحق بالأمر و وعده النصرة من عدوه و المؤازرة على أمره و أصهر إليه في إحدى بناته المقصورات في خيام الخلافة بابنه عثمان تشريفا خطبه منه فأولاه اسعافا به ولما استولى السلطان على حضرته و استبد بأحوال ملكه بعث يغمراسن ابنه إبراهيم المكنى بأبي عامر في وفد من قومه لإتمام ذلك العقد فاعتمد السلطان مبرتهم و أسعف طلبتهم و أقاموا بالحضرة أياما و ظهر من إقدامهم في فتن الدعي مقامات و انصرفوا بظعينتهم سنة إحدى و ثمانين و ستمائة مجبورين محبورين و ابتغى بها عثمان لحين وصولها فكانت من عقائل قصورهم و مفاخر دولتهم و ذكرا لهم و لقومهم إلى آخر الأيام

(6/441)


الخبر عن ظهور الدعي أبي عمارة و ما وقع من الغريب في أمره
كان أحمد بن مرزوق أبو عمارة من بيوتات بجاية الطارئين عليهما من المسيلة نشأ ببجاية و سيما محترفا بصناعة الخياطة غرا غمرا
و كان يحدث نفسه بالملك لما كان يزعم أن العارفين يخبرونه بذلك و كان هو يخط فيريه خطه ذلك ثم اغترب عن بلده و لحق بصحراء سجلماسة و اختلط بعرب المعقل و انتمى إلى أهل البيت و ادعى أنه الفاطمي المنتظر عند الأغمار و أنه يحيل المعادن إلى الذهب بالصناعة فاشتملوا عليه و حدثوا بشأنه أياما أخبرني طلحة بن مظفر من شيوخ العمارية إحدى بطون المعقل أنه رآه أيام ظهوره بالمعقل ملتبسا بتلك الدعوى حتى فضحه العجز ثم لما زهدوا فيه لعجز مدعاه ذهب يتقلب في الأرض حتى وصل إلى جهات طرابلس و نزل على دباب و صحب منهم الفتى نصيرا مولى الواثق بن المستنصر و يلقب برى و لما رآه تبين فيه شبها من الفضل ابن مولاه فطفق يبكي و يقبل قدميه فقال له ابن أبي عمارة : ما شأنك ؟ فقص عليه الخبر فقال : صدقتني في هذه الدعوى و أنا أثئرك من قاتلهم
و أقبل نصير على أمراء العرب مناديا بالسرور بابن مولاه حتى خيل عليهم ثم نزل بادس إلى ابن أبي عمارة من محاورات وقعت بين العرب و بين الواثق قصها عليهم ابن أبي عمارة نفيا للريب بأمره فصدقوا و اطمأنوا و أتوه ببيعتهم و قام بأمره صرغم بن صابر بن عسكر أمير دياب و جمع له العرب و نازلوا طرابلس و بها يومئذ محمد بن عيسى الهنتاتي و شهر بعنق الفضة فامتنعت عليهم و رحلوا إلى بحر بين الموطنين بزيزور و جهاتها من هوارة فأوقعوا بهم ثم سار في تلك النواحي و استوفى جباية لماية و زواورة و زواغة و أغرم نفوسة و غريان و نفزة من بطون هوارة و ضائع ألزمهم إياها و استوفاها ثم زحف إلى قابس فبايع له عبد الملك بن مكي في رجب سنة إحدى و ثمانين و ستمائة و أعطاه صفقته طواعية وفاه بحق آبائه فيما طوقوه و ذريعة إلى الاستقلال الذي كان يؤمله و أعلن بخلافته و نادى بقومه و استخدم له بني كعب بن سليم و رياستهم في بني شيخة لعبد الرحمن بن شيخة فأجابوا داعيه و أنابوا إلى خدمته و توافت إليه بيعة أهل حزبه و الحامية و قرى نفزاوة ثم زحف إلى توزر و بلاد قسطيلية فأطاعوه ثم رجع إلى قفصة فبايع له أهلها و عظم أمره و علاصيته فجهز إليه السلطان أبو إسحق العساكر من تونس كما نذكره و الله تعالى أعلم

(6/441)


الخبر عن انفضاض عساكر السلطان و تقويضه عن تونس
لما تفاقم أمر الدعي بنواحي طرابلس و دخل الكثير من أهل الأنصار في طاعته جهز السلطان عساكره و عقد لابنه الأمير أبي زكريا على حربه فخرج من تونس و نزل القيروان و اقتضى منها غرائم و وضائع استأثر منها بأموال ثم ارتحل إلى لقاء الدعي و انتهي إلى تموده و بلغه هنالك ما كان من استيلاء الدعي على قفصة فأرجف به العسكر و انفضوا من حوله و رجع إلى تونس فدخلها آخر يوم من رمضان من سنته و ارتحل الدعي على أثره من قفصة و احتل بالقيروان فبايع له أهلها و اقتدى به أهل المهدية و صفاقس و سوسة فبايعوا له و كثر الإرجاف بتونس فاضطرب السلطان و أخرج معسكره بظاهر البلد في وسط شوال و ضرب الغزو على الناس و استكثر من العدد و خرج إلى معسكره بالمهدية و تلوم بها لإزاحة العلل و ارتحل الدعي من القيروان زاحفا إليه فتسربت إليه طبقات الجنود و مشيخة الموحدين رضي الله عنهم بمكاته و طاغية بني المستنصر خليفتهم الطويل أمد الولاية عليهم و رحمة لما نال الواثق و أبناءه من عملهم ثم انفض عن السلطان كبير الدولة موسى بن ياسين في معظم الموحدين و لحق الدعي بطريقة فاحتل أمر السلطان و انتقضت عرى ملكه و فر إلى بجاية كما نذكره إن شاء الله تعالى

(6/442)