صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تاريخ ابن خلدون
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

تقديم أو تأخير أو حذف أو حركة أعراب وقد يدل عليها بالحروف غير المستقلة ولذلك تفاوتت طبقات الكلام في اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات كما قدمناه فكان الكلام العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظا وعبارة من جميع الالسن وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا واعتبر ذلك بما يحكى عن عيسى بن عمر وقد قال له بعض النحاة إني أجد في كلام العرب تكرارا في قولهم زيد قائم وإن زيدا قائم وإن زيدا لقائم والمعنى واحد فقال له إن معانيها مختلفة فالاول لافادة الخالي الذهن من قيام زيد والثاني لمن سمعه فتردد فيه والثالث لمن عرف بالاصرار على إنكاره فاختلفت الدلالة باختلاف الاحوال وما زالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب ومذهبهم لهذا العهد ولا تلتفتن في ذلك إلى خرفشة النحاة اهل صناعة الاعراب
القاصرة مدراكهم عن التحقيق حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت وأن اللسان العربي فسد اعتبارا بما وقع في أواخر الكلم من فساد الاعراب الذي يتدارسون قوانينه وهي مقالة دسها التشيع في طباعهم وألقاها القصور في أفئدتهم وإلا فنحن نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها الاولى والتعبير عن المقاصد والتعاون فيه بتفاوت الابانة موجود في كلامهم لهذا العهد وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة في مخاطباتهم وفهم الخطيب المصقع في محافلهم ومجامعهم والشاعر المفلق على أساليب لغتهم والذوق الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك ولم يفقد من أحوال اللسان المدون إلا حركات الاعراب في أواخر الكلم فقط الذي لزم في لسان مضر طريقة واحدة ومهيعا معروفا وهو الاعراب وهو بعض من أحكام اللسان وإنما وقعت العناية بلسان مضر لما فسد بمخالطتهم الاعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب وصارت ملكته على غير الصورة التي كانت أولا فانقلب لغة اخرى وكان القرآن منزلا به والحديث النبوي منقولا بلغته وهما أصلا الدين والملة فخشي تناسيهما وانغلاق الافهام عنهما بفقدان اللسان الذي نزلا به فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستنباط قوانينه وصار علما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل سماه أهله بعلم النحو وصناعة

(1/556)


العربية فاصبح فنا محفوظا وعلما مكتوبا وسلما إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله وافيا ولعلنا لو اعثنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الاعرابية في دلالتها بامور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تخصها ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الاول في لغة مضر فليست اللغات وملكاتها مجانا ولقد كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بهذه المثابة وتغير عند مضر كثير من موضوعات اللسان الحميري وتصاريف كلماته تشهد بذلك
الانقال الموجودة لدينا خلافا لمن يحمله القصور على أنها لغة واحدة ويلتمس إجراء اللغة الحميرية على مقاييس اللغة المضرية وقوانينها كما يزعم بعضهم في اشتقاق القيل في اللسان الحميري أنه من القول وكثير من أشباه هذا وليس ذلك بصحيح ولغة حمير لغة أخرى مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها كما هي لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر إلا أن العناية بلسان مضر من أجل الشريعة كما قلناه حمل ذلك على الاستنباط والاستقراء وليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على مثل ذلك ويدعونا إليه ومما وقع في لغة هذا الجيل العربي لهذا العهد حيث كانوا من الاقطار شأنهم في النطق بالقاف فإنهم لا ينطقون بها من مخرج القاف عند أهل الامصار كما هو مذكور في كتب العربية أنه من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الاعلى وما ينطقون بها أيضا من مخرج الكاف وإن كان أسفل من موضع القاف وما يليه من الحنك الاعلى كما هي بل يجيئون بها متوسطة بين الكاف والقاف وهو موجود للجيل أجمع حيث كانوا من غرب أو شرق حتى صار ذلك علامة عليهم من بين الامم والاجيال مختصا بهم لا يشاركهم بها غيرهم حتى إن من يريد التقرب والانتساب إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها وعندهم أنه إنما يتميز العربي الصريح من الدخيل في العروبية والحضري بالنطق بهذه القاف ويظهر بذلك أنها لغة مضر بعينها فان هذا الجيل الباقين معظمهم ورؤساؤهم شرقا وغربا في ولد منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان من سليم بن منصور ومن بني عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور وهم لهذا العهد أكثر الامم في المعمور وأغلبهم وهم من أعقاب مضر وسائر الجيل منهم في النطق بهذه القاف

(1/557)


أسوة وهذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل بل هي متوارثة فيهم متعاقبة ويظهر من ذلك انها لغة مضر الاولين ولعلها لغة النبي صلى الله عليه وسلم بعينها قد ادعى ذلك فقهاء
أهل البيت وزعموا أن من قرأ في أم القرآن إهدنا إلى الصراط المستقيم بغير القاف التي لهذا الجيل فقد لحن وأفسد صلاته ولم أدر من أين جاء هذا فان لغة أهل الامصار أيضا لم يستحدثوها وإنما تناقلوها من لدن سلفهم وكان أكثرهم من مضر لما نزلوا الامصار من لدن الفتح وأهل الجيل أيضا لم يستحدثوها إلا أنهم أبعد من مخالطة الاعاجم من أهل الامصار فهذا يرجح فيما يوجد من اللغة لديهم أنه من لغة سلفهم هذا مع اتفاق أهل الجيل كلهم شرقا وغربا في النطق بها وأنها الخاصية التي يتميز بها العربي من الهجين والحضري فتفهم ذلك والله الهادى المبين الفصل التاسع والثلاثون في ان لغة اهل الحضر والامصار لغة قائمة بنفسها للغة مضر إعلم أن عرف التخاطب في الامصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة ولا بلغة أهل الجيل بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا وهي عن لغة مضر أبعد فاما إنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنا وهي مع ذلك تختلف باختلاف الامصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشئ للغة أهل المغرب وكذا أهل الاندلس معهما وكل منهم متوصل بلغته إلى تادية مقصوده والابانة عما في نفسه وهذا معنى اللسان واللغة وفقدان الاعراب ليس بضائر لهم كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد وأما إنها أبعد عن اللسان الاول من لغة هذا الجيل فلان البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الاصلي ابعد لان الملكة انما تحصل بالتعليم كما قلناه وهذه ملكة ممتزجة من الملكة الاولى التي كانت للعرب ومن الملكة الثانية التي للعجم فعلى مقدار ما يسمعونه من العجم ويربون عليه يبعدون عن الملكة الاولى واعتبر ذلك في أمصار أفريقية والمغرب والاندلس والمشرق أما أفريقية والمغرب
فخالطت العرب فيها البرابرة من العجم بوفور عمرانها بهم ولم يكد يخلو عنهم مصر

(1/558)


ولا جيل فغلبت العجمة فيها على اللسان العربي الذي كان لهم وصارت لغة أخرى ممتزجة والعجمة فيها أغلب لما ذكرناه فهي عن اللسان الاول أبعد وكذا المشرق لما غلب العرب على أممه من فارس والترك فخالطوهم وتداولت بينهم لغاتهم في الاكرة والفلاحين والسبي الذين اتخذوهم خولا ودايات وأظآرا ومراضع ففسدت لغتهم بفساد الملكة حتى انقلبت لغة أخرى وكذا أهل الاندلس مع عجم الجلالقة والافرنجة وصار أهل الامصار كلهم من هذه الاقليم أهل لغة أخرى مخصوصة بهم تخالف لغة مضر ويخالف أيضا بعضهم بعضا كما نذكره وكانه لغة أخرى لاستحكام ملكتها في أجيالهم والله يخلق ما يشاء ويقدر الفصل الاربعون في تعليم اللسان المضري إعلم أن ملكة اللسان المضري لهذا العهد قد ذهبت وفسدت ولغة أهل الجيل كلهم مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن وإنما هي لغة أخرى من امتزاج العجمة بها كما قدمناه إلا أن اللغات لما كانت ملكات كما مر كان تعلمها ممكنا شان سائر الملكات ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن ياخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم وتاليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة
ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الاحوال والذوق يشهد بذلك وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما كما نذكر وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها وهكذا ينبغي

(1/559)


أن يكون تعلمها والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه الفصل الحادي والاربعون في ان ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة فهو علم بكيفية لانفس كيفية فليست نفس الملكة وانما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما ولا يحكمها عملا مثل أن يقول بصير بالخياطة غير محكم لملكتها في التعبير عن بعض أنواعها الخياطة هي أن يدخل الخيط في خرت الابرة ثم يغرزها في لفقي الثوب مجتمعين ويخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا ثم يردها إلى حيث ابتدأت ويخرجها قدام منفذها الاول بمطرح ما بين الثقبين الاولين ثم يتمادى على ذلك إلى آخر العمل ويعطي صورة الحبك والتثبيت والتفتيح وسائر أنواع الخياطة وأعمالها وهو إذا طولب أن يعمل ذلك بيده لا يحكم منه شيئا وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن تفصيل الخشب فيقول هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة وتمسك بطرفه وآخر قبالتك ممسك بطرفه الآخر وتتعاقبانه بينكما وأطرافه المضرسة المحددة تقطع ما مرت عليه ذاهبة وجائية إلى أن ينتهي إلى آخر الخشبة وهو لو طولب بهذا العمل أو شئ منه لم يحكمه وهكذا العلم بقوانين الاعراب مع هذه الملكة في نفسها فان العلم بقوانين الاعراب إنما هو علم
بكيفية العمل ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك و العبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي وكذا نجد كثيرا ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المفعول من المجرور ولا شيئا من قوانين صناعة العربية فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية وأنها مستغنية عنها بالجملة وقد نجد بعض المهرة في صناعة الاعراب بصيرا بحال هذه الملكة وهو قليل واتفاقي وأكثر ما يقع للمخالطين لكتاب سيبويه فانه لم يقتصر على قوانين الاعراب فقط

(1/560)


بل ملا كتابه من أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم فكان فيه جزء صالح من تعليم هذه الملكة فتجد العاكف عليه والمحصل له قد حصل على حظ من كلام العرب واندرج في محفوظه في أماكنه ومفاصل حاجاته وتنبه به لشأن الملكة فاستوفى تعليمها فكان أبلغ في الافادة ومن هؤلاء المخالطين لكتاب سيبويه من يغفل عن التفطن لهذا فيحصل على علم اللسان صناعة ولا يحصل عليه ملكة وأما المخالطون لكتب المتأخرين العارية عن ذلك إلا من القوانين النحوية مجردة عن أشعار العرب وكلامهم فقل ما يشعرون لذلك بامر هذه الملكة أو ينتبهون لشانها فتجدهم يحسبون أنهم قد حصلوا على رتبة في لسان العرب وهم أبعد الناس عنه وأهل صناعة العربية بالاندلس و معلموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم والتفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم فتنقطع النفس لها وتستعد إلى تحصيلها وقبولها وأما من سواهم من أهل المغرب وأفريقية وغيرهم فأجروا
صناعة العربية مجرى العلوم بحثا وقطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب إلا إن أعربوا شاهدا أو رجحوا مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه فاصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل وبعدت عن مناحي اللسان وملكته وما ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم لكنهم أجروها على غير ما قصد بها وأصاروها علما بحتا وبعدوا عن ثمرتها وتعلم مما قررناه في هذا الباب أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم والله مقدر الامور كلها والله اعلم بالغيب

(1/561)


الفصل الثاني والاربعون في تفسير الذوق في مصطلح اهل البيان وتحقيق معناه وبيان انه لا يحصل للمستعر بين من العجم إعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان وقد مر تفسير البلاغة وأنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده فإذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه وسهل عليه أمر التركيب حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى
البلاغة التي للعرب وإن سمع تركيبا غير جار على ذلك المنحى مجه ونبا عنه سمعه بادنى فكر بل وبغير فكر إلا بما استفاد من حصول هذه الملكة فان الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شان الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابا وبلاغة أمر طبيعي ويقول كانت العرب تنطق بالطبع وليس كذلك وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلة وطبع وهذه الملكة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان فان هذه القوانين إنما تفيد علما بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها وقد مر ذلك وإذا تقرر ذلك فملكة البلاغة في اللسان تهدي البليغ إلى وجود النظم وحسن التركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذه السبل المعينة والتراكيب المخصوصة لما قدر عليه ولا وافقه عليه لسانه لانه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده وإذا عرض عليه الكلام حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجه وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم وربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما تصنع أهل القوانين النحوية

(1/562)


والبيانية فان ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب حتى يصير كواحد منهم ومثاله لو فرضنا صبيا من صبيانهم نشأ وربي في جيلهم فانه يتعلم لغتهم ويحكم شان الاعراب والبلاغة فيها حتى يستولي على غايتها وليس من العلم القانوني في شئ وإنما هو بحصول هذه الملكة في لسانه ونطقه وكذلك تحصل هذه الملكة لمن بعد ذلك
الجيل بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك بحيث يحصل الملكة ويصير كواحد ممن نشأ في جيلهم وربي بين أجيالهم والقوانين بمعزل عن هذا واستعير لهذه الملكة عندما ترسخ وتستقر اسم الذوق الذي اصطلح عليه أهل صناعة البيان وإنما هو موضوع لا دراك الطعوم لكن لما كان محل هذه الملكة في اللسان من حيث النطق بالكلام كما هو محل لادراك الطعوم استعير لها اسمه وأيضا فهو وجداني اللسان كما أن الطعوم محسوسة له فقيل له ذوق وإذا تبين لك ذلك علمت منه أن الاعاجم الداخلين في اللسان العربي الطارئين عليه المضطرين إلى النطق به لمخالطة أهله كالفرس والروم والترك بالمشرق وكالبربر بالمغرب فانه لا يحصل لهم هذا الذوق لقصور حظهم في هذه الملكة التي قررنا أمرها لان قصاراهم بعد طائفة من العمر وسبق ملكة أخرى إلى اللسان وهي لغاتهم أن يعتنوا بما يتداوله أهل مصر بينهم في المحاورة من مفرد ومركب لما يضطرون إليه من ذلك وهذه الملكة قد ذهبت لاهل الامصار وبعدوا عنها كما تقدم وإنما لهم في ذلك ملكة أخرى وليست هي ملكة اللسان المطلوبة ومن عرف تلك الملكة من القوانين المسطرة في الكتب فليس من تحصيل الملكة في شئ إنما حصل أحكامها كما عرفت وإنما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتكرر لكلام العرب فان عرض لك ما تسمعه من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وامثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم فاعلم أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط وأما المربى والنشأة فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلمها منهم فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا شئ وراءها وكانهم في أول نشأتهم من العرب الذين نشأوا في أجيالهم

(1/563)


حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا باعجام
في اللغة والكلام لانهم أدركوا الملة في عنفوانها واللغة في شبابها ولم تذهب آثار الملكة ولامن أهل الامصار ثم عكفوا على الممارسة والمدارسة لكلام العرب حتى استولوا على غايته واليوم الواحد من العجم إذا خالط أهل اللسان العربي بالامصار فاول ما يجد تلك الملكة المقصودة من اللسان العربي ممتحية الآثار ويجد ملكتهم الخاصة بهم ملكة أخرى مخالفة لملكة اللسان العربي ثم إذا فرضنا أنه أقبل على الممارسة لكلام العرب وأشعارهم بالمدارسة والحفظ يستفيد تحصيلها فقل أن يحصل له ما قدمناه من أن الملكة إذا سبقتها ملكة اخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة وإن فرضنا أعجميا في النسب سلم من مخالطة اللسان العجمي بالكلية وذهب إلى تعلم هذه الملكة بالمدارسة فربما يحصل له ذلك لكنه من الندور بحيث لا يخفى عليك بما تقرر وربما يدعي كثير ممن ينظر في هذه القوانين البيانية حصول هذا الذوق له بها وهو غلط أو مغالطة وإنما حصلت له الملكة إن حصلت في تلك القوانين البيانية وليست من ملكة العبارة في شئ والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم الفصل الثالث والاربعون في ان اهل الامصار على الاطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم ومن كان منهم ابعد عن اللسان العربي كان حصولها له اصعب واعسر والسبب في ذلك ما يسبق إلى المتعلم من حصول ملكة منافية للملكة المطلوبة بما سبق إليه من اللسان الحضري الذي أفادته العجمة حتى نزل بها اللسان عن ملكته الاولى إلى ملكة أخرى هي لغة الحضر لهذا العهد ولهذا نجد المعلمين يذهبون إلى المسابقة بتعليم اللسان للولدان وتعتقد النحاة أن هذه المسابقة بصناعتهم وليس كذلك وإنما هي بتعليم هذه الملكة بمخالطة اللسان وكلام
العرب نعم صناعة النحو أقرب إلى مخالطة ذلك وما كان من لغات اهل الامصار أعرق في العجمة وأبعد عن لسان مضر قصر بصاحبه عن تعلم اللغة المضرية وحصول

(1/564)


ملكتها لتمكن المنافاة حينئذ واعتبر ذلك في أهل الامصار فاهل أفريقية والمغرب لما كانوا أعرق في العجمة وأبعد عن اللسان الاول كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم ولقد نقل ابن الرقيق أن بعض كتاب القيروان كتب إلى صاحب له يا أخي ومن لاعدمت فقده أعلمني أبو سعيد كلاما أنك كنت ذكرت أنك تكون مع الذين تاتي وعاقنا اليوم فلم يتهيأ لنا الخروج وأما أهل المنزل الكلاب من أمر الشين فقد كذبوا هذا باطلا ليس من هذا حرفا واحدا وكتابي إليك وأنا مشتاق إليك إن شاء الله وهكذا كانت ملكتهم في اللسان المضري شبيه بما ذكرنا وكذلك أشعارهم كانت بعيدة عن الملكة نازلة عن الطبقة ولم تزل كذلك لهذا العهد ولهذا ما كان بأفريقية من مشاهير الشعراء إلا ابن رشيق وابن شرف وأكثر ما يكون فيها الشعراء طارئين عليها ولم تزل طبقتهم في البلاغة حتى الآن مائلة إلى القصور وأهل الاندلس أقرب منهم إلى تحصيل هذه الملكة بكثرة معاناتهم وامتلائهم من المحفوظات اللغوية نظما ونثرا وكان فيهم ابن حيان المؤرخ إمام أهل الصناعة في هذه الملكة ورافع الراية لهم فيها وابن عبد ربه والقسطلي وأمثالهم من شعراء ملوك الطوائف لما زخرت فيها بحار اللسان والادب وتداول ذلك فيهم مئين من السنين حتى كان الانفضاض والجلاء أيام تغلب النصرانية وشغلوا عن تعلم ذلك وتناقص العمران فتناقص لذلك شان الصنائع كلها فقصرت الملكة فيهم عن شانها حتى بلغت الحضيض وكان من آخرهم صالح بن شريف ومالك بن مرحل من تلاميذ الطبقة الاشبيليين بسبتة وكتاب دولة ابن الاحمر في أولها وألقت الاندلس أفلاذ كبدها من أهل تلك الملكة بالجلاء إلى العدوة لعدوة
الاشبيلية إلى سبتة ومن شرقي الاندلس إلى أفريقية ولم يلبثوا إلى أن انقرضوا وانقطع سند تعليمهم في هذه الصناعة لعسر قبول العدوة لها وصعوبتها عليهم بعوج ألسنتهم ورسوخهم في العجمة البربرية وهي منافية لما قلناه ثم عادت الملكة من بعد ذلك إلى الاندلس كما كانت ونجم بها ابن بشرين وابن جابر وابن الجياب وطبقتهم ثم إبراهيم الساحلي الطريخي وطبقته وقفاهم ابن الخطيب من بعدهم الهالك هذا العهد شهيدا بسعاية أعدائه وكان له في اللسان ملكة لا تدرك واتبع أثره تلميذه وبالجملة

(1/565)


فشان هذه الملكة بالاندلس أكثر وتعليمها أيسر وأسهل بما هم عليه لهذا العهد كما قدمناه من معاناة علوم اللسان ومحافظتهم عليها وعلى علوم الادب وسند تعليمها ولان أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم إنما هم طارئون عليهم وليست عجمتهم أصلا للغة أهل الاندلس والبربر في هذه العدوة وهم أهلها ولسانهم لسانها إلا في الامصار فقط وهم فيها منغمسون في بحر عجمتهم ورطانتهم البربرية فيصعب عليهم تحصيل الملكة اللسانية بالتعليم بخلاف أهل الاندلس واعتبر ذلك بحال أهل المشرق لعهد الدولة الاموية والعباسية فكان شانهم شان أهل الاندلس في تمام هذه الملكة وإجادتها لبعدهم لذلك العهد عن الاعاجم ومخالطتهم إلا في القليل فكان أمر هذه الملكة في ذلك العهد أقوم وكان فحول الشعراء والكتاب أوفر لتوفر العرب وأبنائهم بالمشرق وانظر ما اشتمل عليه كتاب الاغاني من نظمهم ونثرهم فان ذلك الكتاب هو كتاب العرب وديوانهم وفيه لغتهم وأخبارهم وأيامهم وملتهم العربية وسيرتهم وآثار خلفائهم وملوكهم وأشعارهم وغناؤهم وسائر معانيهم له فلا كتاب أوعب منه لاحوال العرب وبقي أمر هذه الملكة مستحكما في المشرق في الدولتين وربما كانت فيهم أبلغ ممن سواهم ممن كان في الجاهلية كما نذكره بعد حتى تلاشى أمر العرب ودرست لغتهم وفسد كلامهم وانقضى أمرهم ودولتهم
وصار الامر للاعاجم والملك في أيديهم والتغلب لهم وذلك في دولة الديلم والسلجوقية وخالطوا أهل الامصار والحواضر حتى بعدوا عن اللسان العربي وملكته وصار متعلمها منهم مقصرا عن تحصيلها وعلى ذلك نجد لسانهم لهذا العهد في فني المنظوم والمنثور وإن كانوا مكثرين منه والله يخلق ما يشاء ويختار والله سبحانه وتعالى اعلم وبه التوفيق لا رب سواه الفصل الرابع والاربعون في انقسام الكلام إلى فني النظم والنثر إعلم أن لسان العرب وكلامهم على فنين في الشعر المنظوم وهو الكلام الموزون المقفى ومعناه الذي تكون أوزانه كلها على روي واحد وهو القافية وفي النثر وهو الكلام غير الموزون وكل واحد من الفنين يشتمل على فنون ومذاهب

(1/566)


في الكلام فاما الشعر فمنه المدح والهجاء والرثاء وأما النثر فمنه السجع الذي يؤتي به قطعا ويلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة يسمى سجعا ومنه المرسل وهو الذي يطلق فيه الكلام إطلاقا ولا يقطع أجزاء بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها ويستعمل في الخطب والدعاء وترغيب الجمهور وترهيبهم وأما القرآن وإن كان من المنثور إلا أنه خارج عن الوصفين وليس يسمى مرسلا مطلقا ولا مسجعا بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها ثم يعاد الكلام في الآية الاخرى بعدها ويثنى من غير التزام حرف يكون سجعا ولا قافية وهو معنى قوله تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم وقال قد فصلنا الايات ويسمى آخر الآيات منها فواصل إذ ليست أسجاعا ولا التزم فيها ما يلتزم في السجع ولاهي أيضا قواف وأطلق اسم المثاني على آيات القرآن كلها على العموم لما ذكرناه واختصت بام القرآن للغلبة
فيها كالنجم للثريا ولهذا سميت السبع المثاني وانظر هذا مع ما قاله المفسرون في تعليل تسميتها بالمثاني يشهد لك الحق برجحان ما قلناه.
واعلم أن لكل واحد من هذه الفنون اساليب تختص به عند اهله ولا تصلح للفن الاخر ولا تستعمل فيه مثل النسيب المختص بالشعرو الحمد والدعاء المختص بالخطب والدعاء المختص بالمخاطبات وأمثال ذلك وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في المنثور من كثرة الاسجاع والتزام التقفية وتقديم النسيب بين يدي الاغراض وصار هذا المنثور إذا تأملته من باب الشعر وفنه ولم يفترقا إلا في الوزن واستمر المتأخرون من الكتاب على هذه الطريقة و استعملوها في المخاطبات السلطانية وقصروا الاستعمال في المنثور كله على هذا الفن الذي ارتضوه وخلطوا الاساليب فيه وهجروا المرسل وتناسوه وخصوصا أهل المشرق وصارت المخاطبات السلطانية لهذا العهد عنه الكتاب الغفل جارية على هذا الاسلوب الذي أشرنا إليه وهو غير صواب من جهة البلاغة لما يلاحظ في تطبيق الكلام على مقتضى الحال من أحوال المخاطب والمخاطب وهذا الفن المنثور المقفى أدخل المتأخرون فيه أساليب الشعر فوجب أن تنزه المخاطبات السلطانية عنه إذ أساليب الشعر تنافيها اللوذعية وخلط الجد بالهزل والاطناب في

(1/567)


الاوصاف وضرب الامثال وكثرة التشبيهات والاستعارات حيث لا تدعو ضرورة إلى ذلك في الخطاب والتزام التقفية أيضا من اللوذعة والتزيين وجلال الملك والسلطان وخطاب الجمهور عن الملوك بالترغيب والترهيب ينافي ذلك ويباينه والمحمود في المخاطبات السلطانية الترسل وهو إطلاق الكلام وإرساله من غير تسجيع إلا في الاقل النادر وحيث ترسله الملكة إرسالا من غير تكلف له ثم إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فان المقامات مختلفة ولكل مقام أسلوب يخصه من إطناب أو إيجاز أو حذف أو إثبات أو تصريح أو إشارة أو كناية
واستعارة وأما إجراء المخاطبات السلطانية على هذا النحو الذي هو على أساليب الشعر فمذموم وما حمل عليه أهل العصر إلا استيلاء العجمة على ألسنتهم وقصورهم لذلك عن إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد أمده في البلاغة وانفساح خطوبه وولعوا بهذا المسجع يلفقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود ومقتصى الحال فيه ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالاسجاع والالقاب البديعة ويغفلون عما سوى ذلك وأكثر من أخذ بهذا الفن وبالغ فيه في سائر أنحاء كلامهم كتاب المشرق وشعراؤه لهذا العهد حتى إنهم ليخلون بالاعراب في الكلمات والتصريف إذا دخلت لهم في تجنيس أو مطابقة يجتمعان معها فيرجحون ذلك الصنف من التجنيس ويدعون الاعراب ويفسدون بنية الكلمة عساها تصادف التجنيس فتأمل ذلك بما قدمناه لك تقف على صحة ما ذكرناه والله الموفق للصواب بمنه وكرمه والله تعالى أعلم.
الفصل الخامس والاربعون في انه لا تتفق الا جادة في فني المنظوم والمنثور معا إلا للاقل والسبب في ذلك أنه كما بيناه ملكة في اللسان فإذا تسبقت إلى محله ملكة أخرى قصرت بالمحل عن تمام الملكة اللاحقة لان تمام الملكات وحصولها للطبائع التي على الفطرة الاولى أسهل وأيسر وإذا تقدمتها ملكة أخرى كانت منازعة لها في المادة القابلة وعائقة عن سرعة القبول فوقعت المنافاة وتعذر التمام في الملكات الصناعية كلها على الاطلاق وقد برهنا عليه في موضعه بنحو من هذا

(1/568)


البرهان فاعتبر مثله في اللغات فانها ملكات اللسان وهي بمنزلة الصناعة وانظر من تقدم له شئ من العجمة كيف يكون قاصرا في اللسان العربي أبدا فالاعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي ولا يزال قاصرا فيه
ولو تعلمه وعلمه وكذا البربري والرومي.
والافرنجي قل أن تجد أحدا منهم محكما لملكة اللسان العربي وما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الآخر حتى إن طالب العلم من أهل هذه الالسن إذا طلبه بين أهل اللسان العربي جاء مقصرا في معارفه عن الغاية والتحصيل وما أوتي إلا من قبل اللسان وقد تقدم لك من قبل أن الالسن واللغات شبيهة بالصنائع وقد تقدم لك أن الصنائع وملكاتها لا تزدحم وأن من سبقت له إجادة في صناعة فقل أن يجيد في أخرى أو يستولي فيها على الغاية والله خلقكم وما تعملون الفصل السادس والاربعون في صناعة الشعر ووجه تعلمه هذا الفن من فنون كلام العرب وهو المسمى بالشعر عندهم ويوجد في سائر اللغات إلا أننا الآن إنما نتكلم في الشعر الذي للعرب فان أمكن أن تجد فيه أهل الالسن الاخرى مقصودهم من كلامهم وإلا فلكل لسان أحكام في البلاغة تخصه وهو في لسان العرب غريب النزعة عزيز المنحى إذ هو كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن متحدة في الحرف الاخير من كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا ويسمى الحرف الاخير الذي تتفق فيه رويا وقافية ويسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة وينفرد كل بيت منه بافادته في تراكيبه حتى كانه كلام وحده مستقل عما قبله وما بعده وإذا أفرد كان تاما في بابه في مدح أو تشبيب أو رثاء فيحرص الشاعر على إعطاء ذلك البيت ما يستقل في إفادته ثم يستأنف في البيت الآخر كلاما آخر لذلك ويستطرد للخروج من فن إلى فن ومن مقصود إلى مقصود بان يوطئ المقصود الاول ومعانيه إلى أن تناسب المقصود الثاني ويبعد الكلام عن التنافر كما يستطرد من التشبيب إلى المدح ومن وصف البيداء والطلول إلى وصف الركاب أو الخيل أو الطيف ومن وصف الممدوح إلى وصف

(1/569)


قومه وعساكره ومن التفجع والعزاء في الرثاء إلى التاثر وأمثال ذلك ويراعي فيه اتفاق القصيدة كلها في الوزن الواحد حذرا من أن يتساهل الطبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه فقد يخفى ذلك من أجل المقاربة على كثير من الناس ولهذه الموازين شروط وأحكام تضمنها علم العروض وليس كل وزن يتفق في الطبع استعملته العرب في هذا الفن وإنما هي أوزان مخصوصة تسميها أهل تلك الصناعة البحور وقد حصروها في خمسة عشر بحرا بمعنى أنهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية نظما.
واعلم أن فن الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وشاهد صوابهم وخطائهم وأصلا يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم وكانت ملكته مستحكمة فيهم شان الملكات كلها والملكات اللسانية كلها إنها تكتسب بالصناعة والارتياض في كلامهم حتى يحصل شبه في تلك الملكة والشعر من بين الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين لاستقلال كل بيت منه بانه كلام تام في مقصوده ويصلح أن ينفرد دون ما سواه فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب ويبرزه مستقلا بنفسه ثم يأتي ببيت اخر كذلك ثم ببيت ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده ثم يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض بحسب اختلاف الفنون التي في القصيدة ولصعوبة منحاه وغرابة فنه كان محكا للقرائح في استجادة أساليبه وشحذ الافكار في تنزيل الكلام في قوالبه ولا يكفي فيه ملكة الكلام العربي على الاطلاق بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الاساليب التي اختصته العرب بهاو استعمالها ولنذكر هنا سلوك الاسلوب عند أهل هذه الصناعة وما يريدون بها في إطلاقهم
فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الاعراب ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التراكيب الذى هو وظيفة البلاغة والبيان ولا باعتبار الوزن كما استعملة العرب فيه الذي هو وظيفة العروض فهذه العلوم

(1/570)


الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية وإنما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الاعراب والبيان فيرصها فيه رصاكما يفعله البناء في القالب أو النساج في المنوال حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام ويقع على الصورة الصحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه فان لكل فن من الكلام أساليب تختص به وتوجد فيه على أنحاء مختلفة فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول كقوله يادار مية بالعلياء فالسند ويكون باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال كقوله.
قفانسأل الدار التي خف أهلها.
أو باستبكاء الصحب على الطلل كقوله.
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير معين كقوله.
ألم تسأل فتخبرك الرسوم.
ومثل تحية الطلول بالامر لمخاطب غير معين بتحيتها كقوله.
حي الديار بجانب الغزل.
أو بالدعاء لها بالسقيا كقوله أسقى طلولهم أجش هزيم * وغدت عليهم نضرة ونعيم أو سؤاله السقيا لها من البرق كقوله يا برق طالع منزلا بالابرق * واحد السحاب لها حداء الاينق أو مثل التفجع في الجزع باستدعاء البكاء كقوله
كذا فليجل الخطب وليفدح الامر * وليس لعين لم يفض ماؤها عذر أو باستعظام الحادث كقوله.
أرأيت من حملوا على الاعواد.
أو بالتسجيل على الاكوان بالمصيبة لفقده كقوله منابت العشب لا حام ولاراع * مضى الردى بطويل الرمح والباع أو بالانكار على من لم يتفجع له من الجمادات كقول الخارجية أيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف أو بتهنئة فريقه بالراحة من ثقل وطأته كقوله ألقى الرماح ربيعة بن نزار * أودى الردى بفريقك المغوار

(1/571)


وأمثال ذلك كثير من سائر فنون الكلام ومذاهبه وتنتظم التراكيب فيه بالجمل وغير الجمل إنشائية وخبرية إسمية وفعلية متفقة وغير متفقة مفصولة وموصولة على ما هو شان التراكيب في الكلام العربي في مكان كل كلمة من الاخرى يعرفك فيه ما تسفيده بالارتياض في أشعار العرب من القالب الكلي المجرد في الذهن من التراكيب المعينة التي ينطبق ذلك القالب على جميعها فان مؤلف الكلام هو كالبناء أو النساج والصورة الذهنية المنطبقة كالقالب الذي يبنى فيه أو المنوال الذي ينسج عليه فان خرج عن القالب في بنائه أو عن المنوال في نسجه كان فاسدا ولا تقولن إن معرفة قوانين البلاغة كافية لذلك لانا نقول قوانين البلاغة إنما هي قواعد علمية قياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيئتها الخاصة بالقياس وهو قياس علمي صحيح مطرد كما هو قياس القوانين الاعرابية وهذه الاساليب التي نحن نقررها ليست من القياس في شئ إنما هي هيئة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب لجريانها على اللسان حتى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل على مثالها والاحتذاء بها في كل تركيب من الشعر كما قدمنا ذلك في الكلام باطلاق وإن
القوانين العلمية من العربية والبيان لا يفيد تعليمه بوجه وليس كل ما يصح في قياس كلام العرب وقوانينه العلمية استعملوه وإنما المستعمل عندهم من ذلك أنحاء معروفة يطلع عليها الحافظون لكلامهم تندرج صورتها تحت تلك القوانين القياسية فإذا نظر في شعر العرب على هذا النحو وبهذه الاساليب الذهنية التي تصير كالقوالب كان نظرا في المستعمل من تراكيبهم لا فيما يقتضيه القياس ولهذا قلنا إن المحصل لهذه القوالب في الذهن إنما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم وهذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون في المنثور فإن العرب استعملوا كلامهم في كلا الفنين وجاءوا به مفصلا في النوعين ففي الشعر بالقطع الموزونة والقوا في المقيدة واستقلال الكلام في كل قطعة وفي المنثور يعتبرون الموازنة والتشابه بين القطع غالبا وقد يقيدونه بالاسجاع وقد يرسلونه وكل واحدة من هذه معروفة في لسان العرب والمستعمل منها عندهم هو الذي يبني مؤلف الكلام عليه تأليفه ولا يعرفه إلا من حفظ كلامهم حتى يتجرد في ذهنه من القوالب المعينة الشخصية

(1/572)


قالب كلي مطلق يحذو حذوه في التأليف كما يحذو البناء على القالب والنساج على المنوال فلهذا كان من تآليف الكلام منفردا عن نظر النحوي والبياني والعروضي نعم إن مراعاة قوانين هذه العلوم شرط فيه لا يتم بدونها فإذا تحصلت هذه الصفات كلها في الكلام اختص بنوع من النظر لطيف في هذه القوالب التي يسمونها أساليب ولا يفيده إلا حفظ كلام العرب نظما ونثرا وإذا تقرر معنى الاسلوب ما هو فلنذكر بعده حدا أو رسما للشعر به تفهم حقيقته على صعوبة هذا الغرض فإنا لم نقف عليه لاحد من المتقدمين فيما رأيناه وقول العروضيين في حده إنه الكلام الموزون المقفى ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده ولا رسم له وصناعتهم إنما تنظر في الشعر باعتبار ما فيه من الاعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة فلا جرم إن
حدهم ذلك لا يصلح له عندنا فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية فنقول الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والاوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به فقولنا الكلام البليغ جنس وقولنا المبني على الاستعارة والاوصاف فصل عما يخلو من هذه فإنه في الغالب ليس بشعر وقولنا المفصل بأجزاء متفقة الوزن والروي فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكل وقولنا مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده بيان للحقيقة لان الشعر لا تكون أبياته إلا كذلك ولم يفصل به شئ وقولنا الجاري على الاساليب المخصوصة به فصل له عما لم يجر منه على أساليب العرب المعروفة فإنه حينئذ لا يكون شعرا إنما هو كلام منظوم لان الشعر له أساليب تخصه لا تكون للمنثور وكذا أساليب المنثور لا تكون للشعر فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الاساليب فلا يكون شعرا وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الادبية يرون أن نظم المتنبئ والمعري ليس هو من الشعر في شئ لانهما لم يجريا على أساليب العرب من الامم عند ما يرى أن الشعر يوجد للعرب وغيرهم ومن يرى أنه لا يوجد لغيرهم فلا يحتاج إلى ذلك ويقول مكانه الجاري على الاساليب المخصوصة وإذ قد فرغنا من الكلام على حقيقة الشعر فلنرجع

(1/573)


إلى الكلام في كيفية عمله فنقول.
إعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطا أولها الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الاساليب وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الاسلاميين مثل ابن أبي ربيعة وكثير وذي الرمة وجرير وأبي نواس وحبيب والبحتري والرضي وأبي فراس وأكثره
شعر كتاب الاغاني لانه جمع شعر أهل الطبقة الاسلامية كله والمختار من شعر الجاهلية ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر ردئ ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ فمن قل حفظه أو عدم لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم وبالاكثار منه تستحكم ملكته وترسخ وربما يقال إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة إذ هي صادرة عن استعمالها بعينها فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها انتقش الاسلوب فيها كأنه منوال يؤخذ بالنسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة ثم لا بد له من الخلوة واستجادة المكان المنظور فيه من المياه والازهار وكذا المسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذ السرور ثم مع هذا كله فشرطه أن يكون على جمام ونشاط فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال الذي في حفظه قالوا وخير الاوقات لذلك أوقات البكر عند الهبوب من النوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر وفي هؤلاء الجمام وربما قالوا إن من بواعثه العشق والانتشاء ذكر ذلك ابن رشيق في كتاب العمدة وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقها ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله قالوا فإن استصعب عليه بعد هذا كله فليتركه إلى وقت آخر ولا يكره نفسه عليه وليكن بناء البيت على القافية من أول صوغه ونسجه بعضها ويبني الكلام عليها إلى آخره لانه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها فربما تجئ نافرة قلقة وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الذي عنده فليتركه إلى موضعه الاليق به فإن كل بيت مستقل بنفسه ولم تبق إلا المناسبة فليتخير فيها كما يشاء وليراجع شعره بعد

(1/574)


الخلاص منه بالتنقيح والنقد ولا يضن به على الترك إذا لم يبلغ الاجادة فإن
الانسان مفتون بشعره إذ هو نبات فكره واختراع قريحته ولا يستعمل فيه من الكلام إلا الافصح من التراكيب والخالص من الضرورات اللسانية فليهجرها فإنها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة وقد حظر أئمة اللسان المولد من ارتكاب الضرورة إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة ويجتنب أيضا المعقد من التراكيب جهده وإنما يقصد منها ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم وكذلك كثرة المعاني في البيت الواحد فإن فيه نوع تعقيد على الفهم وإنما المختار منه ما كانت ألفاظه طبقا على معانيه أو أوفى فإن كانت المعاني كثيرة كان حشوا واستعمل الذهن بالغوص عليها فمنع الذوق عن استيفاء مدركه من البلاغة ولا يكون الشعر سهلا إلا إذا كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الذهن ولهذا كان شيوخنا رحمهم الله يعيبون شعر أبي بكر (1) بن خفاجة شاعر الاندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد كما كانوا يعيبون شعر المتنبئ والمعري بعدم النسج على الاساليب العربية كما مر فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر والحاكم بذلك هو الذوق وليجتنب الشاعر أيضا الحوشي من الالفاظ والمقصر وكذلك السوقي المبتذل بالتداول بالاستعمال فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة أيضا فيصير مبتذلا ويقرب من عدم الافادة كقولهم النار حارة والسماء فوقنا وبمقدار ما يقرب من طبقة عدم الافادة يبعد عن رتبة البلاغة إذ هما طرفان ولهذا كان الشعر في الربانيات والنبويات قليل الا جادة في الغالب ولا يحذق فيه إلا الفحول وفي القليل على الشعر لان معانيها متداولة بين الجمهور فتصير مبتذلة لذلك وإذا تعذر الشعر بعد هذا كله فليراوضه ويعاوده فإن القريحة مثلا الضرع يدر بالامتراء ويجف بالترك والاهمال وبالجملة فهذه الصناعة وتعلمها مستوفى في كتاب العمدة لابن رشيق وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد ومن أراد استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب ففيه البغية من ذلك وهذه نبذة كافية والله المعين وقد نظم الناس
في أمر هذه الصناعة الشعرية ما يجب فيها ومن أحسن ما قيل في ذلك وأظنه لابن رشيق
__________
(1) قوله ابي بكر وفي نسخة ابي اسحاق الخ (*)

(1/575)


لعن الله صنعة الشعر ماذا * من صنوف الجهال منه لقينا يؤثرون الغريب منه على ما * كان سهلا للسامعين مبينا ويرون المحال معنى صحيحا * وخسيس الكلام شيئا ثمينا يجهلون الصواب منه ولا يدم * رون للجهل أنهم يجهلونا فهم عند من سوانا يلاموم * ن وفي الحق عندنا يعذرونا إنما الشعر ما يناسب في النظم م * وإن كان في الصفات فنونا فاتى بعضه يشاكل بعضا * وأقامت له الصدور المتونا كل معنى أتاك منه على ما * تتمنى ولم يكن أن يكونا فتناهى من البيان إلى أن * كاد حسنا يبين للناظرينا فكأن الالفاظ منه وجوه * والمعاني ركبن فيها عيونا إنما في المرام حسب الاماني * يتحلى بحسنه المنشدونا فإذا ما مدحت بالشعر حرا * رمت فيه مذاهب المشتهينا فجعلت النسيب سهلا قريبا * وجعلت المديح صدقا مبينا وتنكبت ما يهجن في السمع م * وإن كان لفظه موزونا وإذا ما عرضته بهجاء * عبت فيه مذاهب المرقبينا فجعلت التصريح منه دواء * وجعلت التعريض داء دفينا وإذا ما بكيت فيه على العا م * دين يوما للبين والظاعنينا حلت دون الاسى وذللت ما كا م * ن من الدمع في العيون مصونا ثم إن كنت عاتبا جئت * بالوعد وعيدا وبالصعوبة بينا
فتركت الذي عتبت عليه * حذرا آمنا عزيزا مهينا وأصح القريض ما قارب النظم م * وإن كان واضحا مستبينا فإذا قيل أطمع الناس طرا * وإذا ريم أعجز المعجزينا ومن ذلك ايضا قول بعضهم الشعر ما قومت ربع صدوره * وشددت بالتهذيب أس متونه ورأيت بالاطناب شعب صدوعه * وفتحت بالايجاز عور عيونه

(1/576)


وجمعت بين قريبه وبعيده * وجمعت بين محمه ومعينه وإذا مدحت به جوادا ماجدا * وقضيته بالشكر حق ديونه أصفيته بتفتش ورضيته * وخصصته بخطيره وثمينه فيكون جزلا في مساق صنوفه * ويكون سهلا في اتفاق فنونه وإذا بكبت به الديار واهلها * أجريت للمحزون ماء شؤونه وإذا أردت كناية عن ريبة * باينت بين ظهوره وبطونه فجعلت سامعه يشوب شكوكه * بثبوته وظنونه بيقينه الفصل السابع والاربعون في ان صناعة النظم والنثر انما هي في الالفاظ لا في المعاني إعلم أن صناعة الكلام نظما ونثرا إنما هي في الالفاظ لا في المعاني وإنما المعاني تبع لها وهي أصل فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم والنثر إنما يحاولها في الالفاظ بحفظ أمثالها من كلام العرب ليكثر استعماله وجريه على لسانه حتى تستقر له الملكة في لسان مضر ويتخلص من العجمة التي ربي عليها في جيله ويفرض نفسه مثل وليد نشأ في جيل العرب ويلقن لغتهم كما يلقنها الصبي حتى يصير كأنه واحد منهم في لسانهم وذلك أنا قدمنا أن اللسان ملكة
من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تحصل والذي في اللسان والنطق إنما هو الالفاظ وأما المعاني فهي في الضمائر وأيضا فالمعاني موجودة عند كل واحد وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى فلا يحتاج إلى صناعة وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه وهو بمثابة القوالب للمعاني فكما أن الاواني التي يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف والماء واحد في نفسه وتختلف الجودة في الاواني المملؤة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد والمعاني واحدة في نفسها وإنما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه على مقتضى ملكة اللسان إذا حاول العبارة عن مقصوده ولم يحسن بمثابة المقعد الذي يروم النهوض

(1/577)


ولا يستطيعه لفقدان القدرة عليه والله يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون الفصل الثامن والاربعون في ان حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ وجودتها بجودة المحفوظ قد قدمنا أنه لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه وكثرته من قلته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ فمن كان محفوظه شعر حبيب أو العتابي أو ابن المعتز أو ابن هانئ أو الشريف الرضي أو رسائل ابن المقفع أو سهل ابن هارون أو ابن الزيات أو البديع أو الصابئ تكون ملكته أجود وأعلى مقاما ورتبة في البلاغة ممن يحفظ شعر ابن سهل من المتأخرين أو ابن النبيه أو ترسل البيساني أو العماد الاصبهاني لنزول طبقة هؤلاء عن أولئك يظهر ذلك للبصير الناقد صاحب الذوق وعلى مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده ثم إجادة الملكة من
بعدهما فبارتقاء المحفوظ في طبقته من الكلام ترتقي الملكة الحاصلة لان الطبع إنما ينسج على منوالها وتنموقوى الملكة بتغذيتها وذلك أن النفس وإن كانت في جبلتها واحدة بالنوع فهي تختلف في البشر بالقوة والضعف في الادراكات واختلافها إنما هو باختلاف ما يرد عليها من الادراكات والملكات والالوان التي تكيفها من خارج فبهذه يتم وجودها وتخرج من القوة إلى الفعل صورتها والملكات التي تحصل لها إنما تحصل على التدريج كما قدمناه فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر وملكة الكتابة بحفظ الاسجاع والترسيل والعلمية بمخالطة العلوم والادراكات والابحاث والانظار والفقهية بمخالطة الفقه وتنظير المسائل وتفريعها وتخريج الفروع على الاصول والتصوفية الربانية بالعبادات والاذكار وتعطيل الحواس الظاهرة بالخلوة والانفراد عن الخلق ما استطاع حتى تحصل له ملكة الرجوع إلى حسه الباطن وروحه وينقلب ربانيا وكذا سائرها وللنفس في كل واحد منها لون تتكيف به وعلى حسب ما نشأت الملكة عليه من جودة أو رداءة تكون تلك الملكة في نفسها فملكة البلاغة العالية الطبقة في جنسها إنما تحصل بحفظ العالي في طبقته من الكلام ولهذا كان الفقهاء وأهل العلوم كلهم قاصرين في البلاغة وما ذلك إلا لما

(1/578)


يسبق إلى محفوظهم ويمتلئ به من القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة لان العبارات عن القوانين والعلوم لا حظ لها في البلاغة فإذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر وكثر وتلونت به النفس جاءت الملكة الناشئة عنه في غاية القصور وانحرفت عباراته عن أساليب العرب في كلامهم وهكذا نجد شعر الفقهاء والنحاة والمتكلمين والنظار وغيرهم من لم يمتلئ من حفظ النقي الحر من كلام العرب.
أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان كاتب العلامة بالدولة المرينية قال ذكرت يوما حاصبنا أبا العباس بن شعيب كاتب السلطان
أبي الحسن وكان المقدم في البصر باللسان لعهده فأنشدته مطلع قصيدة ابن النحوي ولم أنسبها له وهو هذا لم أدرحين وقفت بالاطلال * ما الفرق بين جديدها والبالي فقال لي على البديهة هذا شعر فقيه فقلت له ومن أين لك ذلك فقال من قوله ما الفرق إذ هي من عبارات الفقهاء وليست من أساليب كلام العرب فقلت له لله أبوك إنه ابن النحوي.
وأما الكتاب والشعراء فليسوا كذلك لتخيرهم في محفوظهم ومخالطتهم كلام العرب وأساليبهم في الترسل وانتقائهم لهم الجيد من الكلام ذاكرت يوما صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب وزير الملوك بالاندلس من بني الاحمر وكان الصدر المقدم في الشعر والكتابة فقلت له أجد استصعابا علي في نظم الشعر متى رمته مع بصري به وحفظي للجيد من الكلام من القرآن والحديث وفنون من كلام العرب وإن كان محفوظي قليلا وإلما أتيت والله أعلم من قبل ما حصل في حفظي من الاشعار العلمية والقوانين التأليفية فإني حفظت قصيدتي الشاطبي الكبرى والصغرى في القراءات وتدارست كتابي ابن الحاجب في الفقه والاصول وجمل الخونجي في المنطق وبعض كتاب التسهيل وكثيرا من قوانين التعليم في المجالس فامتلا محفوظي من ذلك وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القرآن والحديث وكلام العرب تعاق القريحة عن بلوغها فنظر إلي ساعة معجبا ثم قال لله أنت وهل يقول هذا إلا مثلك.
ويظهر لك من هذا الفصل وما تقرر فيه سر آخر وهو إعطاء السبب في أن كلام الاسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها

(1/579)


من كلام الجاهلية في منثورهم ومنظومهم فإنا نجد شعر حسان بن ثابت وعمر بن ابي ربيعة والحطيئة وجرير والفرزدق ونصيب وغيلان ذي الرمة والاحوص وبشار ثم كلام السلف من العرب في الدولة الاموية وصدرا من الدولة العباسية في
خطبهم وترسيلهم ومحاوراتهم للملوك أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة وعنترة وابن كلثوم وزهير وعلقمة بن عبدة وطرفة بن العبد ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاوراتهم والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الاسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الاتيان بمثليهما لكونها ولجت في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسهم فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة وأصفى رونقا من أولئك وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة وتأمل ذلك يشهد لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والبصر بالبلاغة.
ولقد سألت يوما شيخنا الشريف أبا القاسم قاضي غرناطة لعهدنا وكان شيخ هذه الصناعة أخذ بسبتة عن جماعة من مشيختها من تلاميذ الشلوبين واستبحر في علم اللسان وجاء من وراء الغاية فيه فسألته يوما ما بال العرب الاسلاميين أعلى طبقة في البلاغة من الجاهليين ولم يكن ليستنكر ذلك بذوقه فسكت طويلا ثم قال لي والله ما أدري فقلت أعرض عليك شيئا ظهر لي في ذلك ولعله السبب فيه وذكرت له هذا الذي كتبت فسكت معجبا ثم قال لي يا فقيه هذا كلام من حقه أن يكتب بالذهب وكان من بعدها يؤثر محلي ويصيخ في مجالس التعليم إلى قولي ويشهد لي بالنباهة في العلوم والله خلق الانسان وعلمه البيان الفصل التاسع والاربعون في ترفع اهل المراتب عن انتحال الشعر إعلم أن الشعر كان ديوانا للعرب فيه علومهم وأخبارهم وحكمهم وكان رؤساء العرب منافسين فيه وكانوا يقفون بسوق عكاظ لانشاده وعرض كل واحد منهم

(1/580)


ديباجته على فحول الشأن وأهل البصر لتمييز حوله حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت إبراهيم كما فعل امرؤ القيس ابن حجر والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد وطرفة بن العبد وعلقمة بن عبدة والاعشى وغيرهم من أصحاب المعلقات السبع فإنه إنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من كان له قدرة على ذلك بقومه وعصبيته ومكانه في مضر على ما قيل في سبب تسميتها بالمعلقات ثم انصرف العرف عن ذلك أول الاسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبؤة والوحي وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا ثم استقر ذلك وأونس الرشد من الملة ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وأثاب عليه فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه وكان لعمر بن أبي ربيعة كبير قريش لذلك العهد مقامات فيه عالية وطبقة مرتفعة وكان كثيرا ما يعرض شعره على ابن عباس فيقف لاستماعه معجبا به ثم جاء من بعد ذلك الملك والدولة العزيزة وتقرب إليهم العرب بأشعارهم يمتدحونهم بها ويجيزهم الخلفاء بأعظم الجوائز على نسبة الجودة في أشعارهم ومكانهم من قومهم ويحرصون على استهداء أشعارهم يطلعون منها على الآثار والاخبار واللغة وشرف اللسان والعرب يطالبون ولدهم بحفظها ولم يزل هذا الشأن أيام بني أمية وصدرا من دولة بني العباس وانظر ما نقله صاحب العقد في مسامرة الرشيد للاصمعي في باب الشعر والشعراء تجد ما كان عليه الرشيد من المعرفة بذلك والرسوخ فيه والعناية بانتحاله والتبصر بجيد الكلام ورديئه وكثرة محفوظه منه ثم جاء خلق من بعدهم لم يكن اللسان لسانهم من أجل العجمة وتقصيرها باللسان وإنما تعلموه صناعة ثم مدحوا بأشعارهم أمراء العجم الذين ليس اللسان لهم طالبين معروفهم فقط لا سوى ذلك من الاغراض كما فعله حبيب والبحتري والمتنبئ
وابن هانئ ومن بعدهم وهلم جرا فصار غرض الشعر في الغالب إنما هو الكذب والاستجداء لذهاب المنافع التي كانت فيه للاولين كما ذكرناه آنفا وأنف منه لذلك أهل الهمم والمراتب من المتأخرين وتغير الحال وأصبح تعاطيه هجنة في الرئاسة ومذمة لاهل المناصب الكبيرة والله مقلب الليل والنهار

(1/581)


الفصل الخمسون في اشعار العرب واهل الامصار لهذا العهد إعلم أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط بل هو موجود في كل لغة سواء كانت عربية أو عجمية وقد كان في الفرس شعراء وفي يونان كذلك وذكر منهم أرسطو في كتاب المنطق أو ميروس الشاعر وأثنى عليه وكان في حمير أيضا شعراء متقدمون ولما فسد لسان مضر ولغتهم التي دونت مقاييسها وقوانين إعرابها وفسدت اللغات من بعد بحسب ما خالطها ومازجها من العجمة فكانت تحيل العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الاعراب جملة وفي كثير من الموضوعات اللغوية وبناء الكلمات وكذلك الحضر أهل الامصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الاعراب وأكثر الاوضاع والتصاريف وخالفت أيضا لغة الجيل من العرب لهذا العهد واختلفت هي في نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق فلاهل الشرق وأمصاره لغة غير لغة أهل المغرب وأمصاره وتخالفهما أيضا لغة أهل الاندلس وأمصاره ثم لما كان الشعر موجودا بالطبع في أهل كل لسان لان الموازين على نسبة واحدة في أعداد المتحركات والسواكن وتقابلها موجودة في طباع البشر فلم بهجر الشعر بفقدان لغة واحدة وهي لغة مضر الذين كانوا فحوله وفرسان ميدانه حسبما اشتهر بين أهل الخليقة بل كان جيل وأهل كل لغة من العرب المستعجمين والحضر أهل الامصار يتعاطون منه ما يطاوعهم في انتحاله ورصف بنائه على مهيع كلامهم
فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الاعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء ويستطردون في الخروج من فن إلى فن في الكلام وربما هجموا على المقصود لاول كلامهم وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر ثم بعد ذلك ينسبون فأهل أمصار المغرب من العرب يسمون هذه القصائد بالاصمعيات نسبة إلى الاصمعي راوية العرب في أشعارهم وأهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع من الشعر بالبدوي وربما يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على طريقة الصناعة الموسيقية ثم

(1/582)


يغنون به ويسمون الغناء به باسم الحوراني نسبة إلى حوران من أطراف العراق والشام وهي من منازل العرب البادية ومساكنهم إلى هذا العهد.
ولهم فن آخر كثير التداول في نظمهم يجيئون به معصبا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثلاثة في رويه ويلتزمون القافية الرابعة في كل بيت إلى آخر القصيدة شبيها بالمربع والمخمس الذي أحدثه المتأخرون من المولدين ولهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة وفيهم الفحول والمتأخرون والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد وخصوصا علم اللسان يستنكر صاحبها هذه الفنون التي لهم إذا سمعها ويمج نظمهم إذا أنشد ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الاعراب منها وهذا إنما أتى من فقدان الملكة في لغتهم فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الآفات في فطرته ونظره وإلا فالاعراب لا مدخل له في البلاغة إنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه سواء كان الرفع دالا على الفاعل والنصب دالا على المفعول أو بالعكس وإنما يدل على ذلك قرائن الكلام كما هو في لغتهم هذه فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة
فإذا عرف اصطلاح في ملكة واشتهر صحة الدلالة وإذا طابقت تلك الدلالة المقصود ومقتضى الحال صحت البلاغة ولا عبرة بقوانين النحاة في ذلك وأساليب الشعر وفنونه موجودة في أشعارهم هذه ما عدا حركات الاعراب في أواخر الكلم فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الاعراب (الموشحات والازجال للاندلس) وأما أهل الاندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون من أعاريضها المختلفة ويسمون المتعدد منها بيتا واحدا ويلتزمون عند قوافي تلك الاغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات ويشتمل كل بيت على أغصان عددهما بحسب الاغراس والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد وتجارو

(1/583)


في ذلك إلى الغاية واستظرفه الناس جملة الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه وكان المخترع لها بجزيرة الاندلس مقدم بن معافر الفريري من شعراء الامير عبد الله بن محمد المرواني وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة القزاز شاعر المعتصم ابن صمادح صاحب المرية بدر تم.
شمس ضحا * غصن نقا.
مسك شم ما اتم.
ما اوضحا * ما اورقا.
ما انم لا جرم.
من لمحا * قد عشقا.
قد حرم وزعموا أنه لم يسبقه وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمن الطوائف
وذكر غير واحد من المشايخ أن أهل هذا الشان بالاندلس يذكرون أن جماعة من الوشاحين اجتمعوا في مجلس بأشبيلية وكان كل واحد منهم اصطنع موشحة وتأنق فيها فتقدم الاعمى الطليطلي للانشاد فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله ضاحك عن جمان.
سافر عن در * ضاق عنه الزمان.
وحواه صدري صرف ابن بقي موشحته وتبعه الباقون وذكر الاعلم البطليوسي أنه سمع ابن زهير يقول ما حسدت قط وشاحا على قول إلا ابن بقي حين وقع له أما ترى أحمد.
في مجده العالي لا يلحق * أطلعه الغرب.
فأرنا مثله يا مشرق وكان في عصرهما من الموشحين المطبوعين أبو بكر الابيض وكان في عصرهما أيضا الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التلاحين المعروفة ومن الحكايات المشهورة أنه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة فألقى على بعض قيناته موشحته جرر الذيل أيما جر * وصل الشكر منك بالشكر فطرب الممدوح لذلك لما ختمها بقوله عقد الله راية النصر * لامير العلا أبي بكر فلما طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح واطرباه وشق ثيابه وقال ما احسن ما بدأت وختمت وحلف بالايمان المغلظة لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه

(1/584)


وذكر أبو الخطاب بن زهر أنه جرى في مجلس أبي بكربن زهير ذكر أبي بكر الابيض الوشاح المتقدم الذكر فغص منه بعض الحاضرين فقال كيف تغص ممن يقول مالذلي شراب راح على رياض الاقاح * لولا هضيم الوشاح إذا أسا في الصباح أوفي الاصيل.
أضحى يقول * ما للسمول لطمت خدي وللشمال هبت فمالي * غصن اعتدال ضمه بردي
مما أباد القلوبا يمشي لنا مستريبا * يالحظه رد نوبا ويالماه الشنيبا برد غليل صب عليل * لا يستحيل فيه عن عهدي ولا يزال في كل حال * يرجو الوصال وهو في الصد واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف قال الحسن بن دويدة رأيت حاتم بن سعيد على هذا الافتتاح شمس قاربت بدرا راح ونديم وابن بهرودس الذي له * يا ليلة الوصل والسعود * بالله عودي وابن مؤهل الذي له.
ما العيد في حلة وطاق.
وشم وطيب.
وإنما العيد في التلاقي.
مع الحبيب وأبو إسحاق الرويني قال ابن سعيد سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول إنه دخل على ابن زهير وقد أسن وعليه زي البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس وجرت المحاضرة فانشد لنفسه موشحة وقع فيها كحل الدجى يجري من مقلة الفجر على الصباح ومعصم النهر في حلل خضر.
من البطاح فتحرك ابن زهير وقال أنت تقول هذا قال اختبر قال ومن تكون فعرفه فقال ارتفع فو الله ما عرفتك قال ابن سعيد وسابق الحلبة الذي أدرك هولاء أبو بكر بن زهير وقد شرقت موشحاته وغربت قال وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول قيل لابن زهير لو قيل لك ما أبدع وأرفع ما وقع لك في التوشيح قال كنت أقول ما للموله من سكره لا يفيق.
ياله سكران.
من غير خمر.
ما للكئيب المشوق.
يندب الاوطان هل تستعاد.
ايامنا * بالخليج.
وليالينا أو نستفاد.
من النسيم الاريج.
مسك دارينا

(1/585)


واد يكاد.
حسن المكان البهيج.
ان.
يحيينا
نهر اظله.
دوح عليه أنيق.
مورق فينان.
والماء يجري.
وعائم وغريق.
من جنى الريحان ومن محاسن الموشحات للمتأخرين موشحة ابن سهل شاعر أشبيلية وسبتة من بعدها فمنها قوله هل دري ظبي الحمى أن قد حمى * قلب صب حله عن مكنس فهو في نار وخفق مثل ما * لعبت ريح الصبا بالقبس وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الاندلس والمغرب لعصره وقد مر ذكره فقال جادك الغيث إذا الغيث همى * يا زمان الوصل بالاندلس لم يكن وصلك إلا حلما * في الكرى أو خلسة المختلس إذ يقود الدهر أشتات المنى * ينقل الخطو على ما يرسم زمرا بين فرادى وثنا * مثل ما يدعو الوفود الموسم والحيا قد جلل الروض سنى * فثغور الزهر فيه تبسم وروى النعمان عن ماء السما * كيف يروي مالك عن أنس فكساه الحسن ثوبا معلما * يزدهي منه بابهى ملبس في ليال كتمت سر الهوى * بالدجى لو لا شموس الغرر مال نجم الكأس فيها وهوى * مستقيم السير سعد الاثر وطرما فيه من عيب سوى * أنه مر كلمح البصر حين لذ النوم منا أو كما * هجم الصبح هجوم الحرس غارت الشهب بنا أو ربما * أثرت فينا عيون النرجس أي شئ لامرئ قد خلصا * فيكون الروض قد مكن فيه تنهب الازهار فيه الفرصا * أمنت من مكره ما تتقيه فإذا الماء يناجي والحصا * وخلا كل خليل بأخيه
تبصر الورد غيورا برما * يكتسي من غيظه ما يكتسي وترى الآس لبيبا فهما * يسرق الدمع باذني فرس

(1/586)


يا أهيل الحي من وادي الغضا * وبقلبي مسكن أنتم به ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا * لا أبالي شرقه من غربه فاعيدوا عهد أنس قد مضى * تنقذوا عانيكم من كربه واتقوا الله وأحيوا مغرما * يتلاشى نفسا في نفس حبس القلب عليكم كرما * أفترضون خراب الحبس وبقلبي منكم مقترب * باحاديث المنى وهو بعيد قمرا أطلع منه المغرب شقوة المغرى به وهو سعيد قد تساوى محسن أو مذنب * في هواه بين وعد ووعيد ساحر المقلة معسول اللمى * جال في النفس مجال النفس سدد السهم فاصمى إذ رمى * بفؤادي نبلة المفترس إن يكن جار وخاب الامل * وفؤاد الصب بالشوق يذوب فهو للنفس حبيب أول * ليس في الحب لمحبوب ذنوب أمره معتمل ممتثل * في ضلوع قد براها وقلوب حكم اللحظ بها فاحتكما * لم يراقب في ضعاف الانفس ينصف المظلوم ممن ظلما * ويجازي البر منها والمسي ما لقلبي كلما هبت صبا * عاده عيد من الشوق جديد كان في اللوح له مكتتبا * قوله إن عذابي لشديد جلب الهم له والوصبا * فهو للاشجان في جهد جهيد لاعج في أضلعي قد أضرما * فهي نار في هشيم اليبس
لم يدع من مهجتي إلا الدما * كبقاء الصبح بعد الغلس سلمي يانفس في حكم القضا * واعبري الوقت برجعى ومتاب واتركي ذكرى زمان قد مضى * بين عتبى قد تقضت وعتاب واصر في القول إلى المولى الرضى * ملهم التوفيق في أم الكتاب الكريم المنتهى والمنتمى * أسد السرج وبدر المجلس ينزل النصر عليه مثلما * ينزل الوحي بروح القدس

(1/587)


وأعلم أن الاذواق كلها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها حتى يحصل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية فلا الاندلسي بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الاندلس والمشرق ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر الاندلس والمغرب لان اللسان الحضري وتراكيبه مختلفة فيهم وكل واحد منهم.
مدرك لبلاغة لغته وذائق لمحاسن الشعر من أهل جلدته وفي خلق السماوات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم آيات وقد كدنا نخرج عن الغرض ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الاول الذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاية ولعل من ياتي بعدا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه والمتاخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل والله يعلم وأنتم لا تعلمون قال مؤلف الكتاب عفى الله عنه اتممت هذا الجزء الاول بالوضع والتاليف قبل التنقيح والتهذيب في مدة خمسة اشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة ثم نقحته بعد ذلك وهذبته والحقت به تواريخ الامم كما ذكرت في اوله وشرطته وما العلم الا من عند
سلمي يانفس في حكم القضا * واعبري الوقت برجعى ومتاب واتركي ذكرى زمان قد مضى * بين عتبى قد تقضت وعتاب واصر في القول إلى المولى الرضى * ملهم التوفيق في أم الكتاب الكريم المنتهى والمنتمى * أسد السرج وبدر المجلس ينزل النصر عليه مثلما * ينزل الوحي بروح القدس

(1/588)


وأعلم أن الاذواق كلها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها حتى يحصل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية فلا الاندلسي بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الاندلس والمشرق ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر الاندلس والمغرب لان اللسان الحضري وتراكيبه مختلفة فيهم وكل واحد منهم.
مدرك لبلاغة لغته وذائق لمحاسن الشعر من أهل جلدته وفي خلق السماوات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم آيات وقد كدنا نخرج عن الغرض ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الاول الذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاية ولعل من ياتي بعدا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه والمتاخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل والله يعلم وأنتم لا تعلمون قال مؤلف الكتاب عفى الله عنه اتممت هذا الجزء الاول بالوضع والتاليف قبل التنقيح والتهذيب في مدة خمسة اشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة ثم نقحته بعد ذلك وهذبته والحقت به تواريخ الامم كما ذكرت في اوله وشرطته وما العلم الا من عند الله العزيز الحكيم

(1/588)


تاريخ ابن خلدون ق1 - ابن خلدون ج 2
تاريخ ابن خلدون ق1
ابن خلدون ج 2

(2/)


[ تاريخ ابن خلدون ] المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفى سنة 808 هجرية الجزء الثاني 1391 ه.
- 1971 م.
منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص.
ب.
7120

(2/1)


(بسم الله الرحمن الرحيم) (الكتاب الثاني في اخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدا الخليقة إلى هذا العهد) وفيه ذكر معاصريهم من الامم المشاهير مثل السريانيين والنبط والكلدانيين والفرس والقبط وبني اسرائيل وبني يونان والروم والالمام باخبار دولهم ويتقدم الكلام في ذلك مقدمتان احداهما في أمم العالم وانسابهم على الجملة الثانية في كيفية اوضاع الانساب في هذا الكتاب * (المقدمة الاولى في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام على الجملة في انسابهم) * اعلم أن الله سبحانه وتعالى اعتمر هذا العالم بخلقه وكرم بنى آدم باستخلافهم في أرضه
وبثهم في نواحيها لتمام حكمته وخالف بين أممهم وأجيالهم اظهارا لآياته فيتعارفون بالانساب ويختلفون باللغات والالوان ويتمايزون بالسير والمذاهب والاخلاق ويفترقون بالنحل والاديان والاقاليم والجهات فمنهم العرب والفرس والروم وبنو اسرائيل والبربر ومنهم الصقالبة والحبش والزنج ومنهم أهل الهند وأهل بابل وأهل الصين وأهل اليمن وأهل مصر وأهل المغرب ومنهم المسلمون والنصارى واليهود والصابئة والمجوس ومنهم أهل الوبر وهم أصحاب الخيام والحلل وأهل المدر وهم

(2/2)


أصحاب المجاشر والقرى والاطم ومنهم البدو الظواهر والحضر الاهلون ومنهم العرب أهل البيان والفصاحة والعجم أهل الرطانة بالعبرانية والفارسية والاغريقية واللطينية والبربرية خالف أجناسهم وأحوالهم وألسنتهم وألوانهم ليتم أمر الله في اعتمار أرضه بما يتوزعونه من وظائف الرزق وحاجات المعاش بحسب خصوصياتهم ونحلهم فتظهر آثار القدرة وعجائب الصنعة وآيات الوحدانية ان في ذلك لآيات للعالمين (واعلم) أن الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الاجيال والامم لخفائه واندراسه بدروس الزمان وذهابه ولهذا كان الاختلاف كثيرا ما يقع في نسب الجيل الواحد أو الامة الواحدة إذا اتصلت مع الايام وتشعبت بطونها على الاحقاب كما وقع في نسب كثير من أهل العالم مثل اليونانيين والفرس والبربر وقحطان من العرب فإذا اختلفت الانساب واختلفت فيها المذاهب وتباينت الدعاوى استظهر كل ناسب على صحة ما ادعاه بشواهد الاحوال والمتعارف من المقارنات في الزمان والمكان وما يرجع إلى ذلك من خصائص القبائل وسمات الشعوب والفرق التى تكون فيهم منتقلة متعاقبة في بنيهم (وسئل) مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك وقال من أين يعلم ذلك فقيل له فالى اسمعيل فأنكر ذلك وقال من يخبره به وعلى هذا درج كثير من علماء السلف وكره أيضا أن يرفع في انساب الانبياء مثل أن يقال ابراهيم بن
فلان بن فلان وقال من يخبره به وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى والذين من بعدهم لا يعلمهم الا الله قال كذب النسابون واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال من ههنا كذب النسابون واحتجوا أيضا بما ثبت فيه أنه علم لا ينفع وجهالة لا تضر إلى غير ذلك من الاستدلالات (وذهب) كثير من أئمة المحدثين والفقهاء مثل ابن اسحق والطبري والبخاري إلى جواز الرفع في الانساب ولم يكرهوه محتجين بعمل السلف فقد كان أبو بكر رضى الله عنه أنسب قريش لقريش ومضر بل ولسائر العرب وكذا ابن عباس وجبير بن مطعم وعقيل بن أبى طالب وكان من بعدهم ابن شهاب والزهرى وابن سيرين وكثير من التابعين قالوا وتدعو الحاجة إليه في كثير من المسائل الشرعية مثل تعصيب الوراثة وولاية النكاح والعاقلة في الديات والعلم بنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه القرشى الهاشمي الذى كان بمكة وهاجر إلى المدينة فان هذا من فروض الايمان ولا يعذر الجاهل به وكذا الخلافة عند من يشترط النسب فيها وكذا من يفرق في الحرية والاسترقاق بين العرب والعجم فهذا كله يدعو إلى معرفة الانساب ويؤكد فضل هذا العلم وشرفه فلا ينبغى أن يكون ممنوعا وأما حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه إلى عدنان قال

(2/3)


من ههنا كذب النسابون يعنى من عدنان فقد أنكر السهيلي روايته من طريق ابن عباس مرفوعا وقال الاصح انه موقوف على ابن مسعود وخرج السهيلي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال معد ابن عدنان بن أدد بن زيد بن البرى بن اعراق الثرى قال وفسرت أم سلمة زيدا بأنه الهميسع والبرى بأنه نبت أو نابت واعراق الثرى بأنه اسمعيل واسمعيل هو ابن ابراهيم وابراهيم لم تأكله النار كما لا تأكل الثرى ورد السهيلي تفسير أم سلمة وهو الصحيح وقال انما معناه معنى قوله صلى الله عليه وسلم كلكم بنو آدم
وادم من تراب لا يريد أن الهميسع ومن دونه ابن لاسمعيل لصلبه وعضد ذلك باتفاق الاخبار على بعد المدة بين عدنان واسمعيل التى تستحيل في العادة إن يكون فيها بينهما أربعة آباء أو سبعة أو عشرة أو عشرون لان المدة أطول من هذا كله كما نذكره في نسب عدنان فلم يبق في الحديث متمسك لاحد من الفريقين وأما ما رووه من أن النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر فقد ضعف الائمة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مثل الجرجاني وأبى محمد بن حزم وأبى عمر بن عبد البر والحق في الباب أن كل واحد من المذهبين ليس على اطلاقه فان الانساب القريبة التى يمكن التوصل إلى معرفتها لا يضر الاشتغال بها لدعوى الحاجة إليها في الامور الشرعية من التعصيب والولاية والعاقلة وفرض الايمان بمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم ونسب الخلافة والتفرقة بين العرب والعجم في الحرية والاسترقاق عند من يشترط ذلك كما مر كله وفي الامور العادية أيضا تثبت به اللحمة الطبيعية التى تكون بها المدافعة والمطالبة ومنفعة ذلك في اقامة الملك والدين ظاهرة وقد كان صلى الله عليه وسلم واصحابه ينسبون إلى مضر ويتساءلون عن ذلك وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وهذا كله ظاهر في النسب القريب وأما الانساب البعيدة العسرة المدرك التي لا يوقف عليها الا بالشواهد والمقارنات لبعد الزمان وطول الاحقاب أو لا يوقف عليها رأسا لدروس الاجيال فهذا قد ينبغى أن يكون له وجه في الكراهة كما ذهب إليه من ذهب من أهل العلم مثل مالك وغيره لانه شغل الانسان بما لا يعنيه وهذا وجه قوله صلى الله عليه وسلم فيما بعد عدنان من ههنا كذب النسابون لانها أحقاب متطاولة ومعالم دارسة لا تثلج الصدور باليقين في شئ منها مع أن علمها لا ينفع وجهلها لا يضر كما نقل والله الهادى إلى الصواب (ولنأخذ) الآن في الكلام في أنساب العالم على الجملة ونترك تفصيل كل واحد منها إلى مكانه فنقول ان النسابين كلهم اتفقوا على ان الاب الاول للخليقة هو آدم عليه
السلام كما وقع في التنزيل الا ما يذكره ضعفاء الاخباريين من أن الجن والطم

(2/4)


أمتان كانتا فيما زعموا من قبل آدم وهو ضعيف متروك وليس لدينا من أخبار آدم وذريته الا ما وقع في المصحف الكريم وهو معروف بين الائمة واتفقوا على أن الارض عمرت بنسله أحقابا وأجيالا بعد أجيال إلى عصر نوح عليه السلام وإنه كان فيهم أنبياء مثل شيث وادريس وملوك في تلك الاجيال معدودون وطوائف مشهورون بالنحل مثل الكلدانيين ومعناه الموحدون ومثل السريانيين وهم المشركون وزعموا أن أمم الصابئة منهم وأنهم من ولد صابئ بن لمك بن أخنوخ وكان نحلتهم في الكواكب والقيام لها كلها واستنزال روحانيتها وأن من حزبهم الكلدانيين أي الموحدين وقد ألف أبو اسحق الصابى الكاتب مقالة في أنسابهم ونحلتهم وذكر أخبارهم أيضا داهر مؤرخ السريانيين والبابا الصابى الحرانى وذكروا استيلاءهم على العالم وجملا من نواميسهم وقد اند رسوا وانقطع أثرهم وقد يقال ان السريانيين من أهل تلك الاجيال وكذلك النمروذ والازدهاق وهو المسمى بالضحاك من ملوك الفرس وليس ذلك بصحيح عند المحققين واتفقوا على أن الطوفان الذى كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الارض أجمع بما كان من خراب المعمور ومهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار أهل الارض كلهم من نسله وعاد أبا ثانيا للخليقة وهو نوح بن لامك ويقال لمك بن متوشلخ بفتح اللام وسكونها ابن خنوخ ويقال أخنوح ويقال أشنخ ويقال اخنخ وهو ادريس النبي فيما قاله ابن اسحق ابن يرد ويقال بيرد ابن مهلائيل ويقال ماهلايل بن فاين ويقال قينن بن أنوش ويقال يانش بن شيث بن آدم ومعنى شيث عطية الله هكذا نسبه ابن اسحق وغيره من الائمة وكذا وقع في التوراة نسبه وليس فيه اختلاف بين الائمة ونقل ابن اسحق ان خنوخ الواقع اسمه في هذا النسب هو ادريس النبي صلوات الله عليه وهو خلاف ما عليه الاكثر من النسابين فان
ادريس عندهم ليس بجد لنوح ولا في عمود نسبه وقد زعم الحكماء الاقدمون أيضا أن ادريس هو هرمس المشهور بالامامة في الحكمة عندهم وكذلك يقال ان الصابئة من ولد صابئ بن لامك وهو أخو نوح عليه السلام وقيل ان صابئ متوشلخ جده (واعلم) أن الخلاف الذى في ضبط هذه الاسماء انما عرض في مخارج الحروف فان هذه الاسماء انما أخذها العرب من أهل التوراة ومخارج الحروف في لغتهم غير مخارجها في لغة العرب فإذا وقع الحرف متوسطا بين حرفين من لغة العرب فترده العرب تارة إلى هذا وتارة إلى هذا وكذلك اشباع الحركات قد تحذفه العرب إذا نقلت كلام العجم فمن ههنا اختلف الضبط في هذه الاسماء (واعلم) أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط (واعلم) أن آدم هو كيومرث وهو

(2/5)


نهاية نسبهم فيما يزعمون وأن افريدون الملك في آبائهم هو نوح وانه بعث لازدهاق وهو الضحاك فلبسه الملك وقبله كما يذكر بعد في أخبارهم وقد تترجح صحة هذه الانساب من التوراة وكذلك قصص الانبياء الاقدمين إذ أخذت عن مسلمى يهودا ومن نسخ صحيحة من التوراة يغلب على الظن صحتها وقد وقعت العناية في التوراة بنسب موسى عليه السلام واسرائيل وشعوب الاسباط ونسب ما بينهم وبين آدم صلوات الله عليه والنسب والقصص أمر لا يدخله النسخ فلم يبق الا تحرى النسخ الصحيحة والنقل المعتبر وأما ما يقال من ان علماءهم بدلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم فقد قال ابن عباس على ما نقل عنه البخاري في صحيحه ان ذلك بعيد وقال معاذ الله ان تعمد أمة من الامم إلى كتابها المنزل على نبيها فتبدله أو ما في معناه قال وانما بدلوه وحرفوه بالتأويل ويشهد لذلك قوله تعالى وعندهم التوراة فيها حكم الله ولو بدلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التى فيها حكم الله وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فانما المعنى به التأويل اللهم الا أن يطرقها التبديل في
الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة لا سيما وملكهم قد ذهب وجماعتهم انتشرت في الآفاق واستوى الضابط منهم وغير الضابط والعالم والجاهل ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف غير معتمد من علمائهم وأحبارهم ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه ثم اتفق النسابون ونقلة المفسرين على أن ولد نوح الذين تفرعت الامم منهم ثلاثة سام وحام ويافث وقد وقع ذكرهم في التوراة وأن يافث أكبرهم وحام الاصغر وسام الاوسط وخرج الطبري في الباب أحاديث مرفوعة بمثل ذلك وأن سام أبو العرب ويافث أبو الروم وحام أبو الحبش والزنج وفي بعضها السودان وفي بعضها سام أبو العرب وفارس والروم ويافث أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وحام أبو القبط والسودان والبربر ومثله عن ابن المسيب ووهب بن منبه وهذه الاحاديث وان صحت فانما الانساب فيها مجملة ولا بد من نقل ما ذكره المحققون في تفريع أنساب الامم من هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وكذلك نقل الطبري أنه كان لنوح ولد اسمه كنعان وهو الذي هلك في الطوفان قال وتسميه العرب يام وآخر مات قبل الطوفان اسمه عابر وقال هشام كان له ولد اسمه بو ناطر والعقب انما هو من الثلاثة على ما أجمع عليه الناس وصحت به الاخبار فأما سام فمن ولده العرب على اختلافهم وابراهيم وبنوه صلوات الله عليهم باتفاق النسابين والخلاف بينهم انما هو في تفاريع ذلك أو في

(2/6)


نسب غير العرب إلى سام (فالذي نقله ابن اسحق) أن سام بن نوح كان له من الولد خمسة وهم ازفحشذ ولاوذ وإرم وأشوذ وغليم وكذا وقع ذكر هذه الخمسة في التوراة وان بنى أشوذ هم أهل الموصل وبنى غليم أهل خوزستان ومنها الاهواز ولم يذكر في التوراة ولد لاوذ وقال ابن اسحق وكان للاوذ اربعة من الولد وهم طسم وعمليق وجرجان
وفارس قال ومن العماليق أمة جاسم فمنهم بنو لف وبنو هزان وبنو مطر وبنو الازرق ومنهم بديل وراحل وظفار ومنهم الكنعانيون وبرابرة الشأم وفراعنة مصر وعن غير ابن اسحق أن عبد بن ضخم وأميم من ولد لاوذ قال ابن اسحق وكانت طسم والعماليق وأميم وجاسم يتكلمون بالعربية وفارس يجاورونهم إلى المشرق ويتكلمون بالفارسية (قال) وولد إرم عوص وكاثر وعبيل ومن ولد عوص عاد ومنزلهم بالرمال والاحقاف إلى حضر موت ومن ولد كاثر ثمود وجديس ومنزل ثمود بالحجر بين الشأم والحجاز (وقال) هشام بن الكلبى عبيل بن عوص أخو عاد وقال ابن حزم عن قدماء النسابين ان لاوذ هو ابن إرم بن سام أخو عوص وكاثر قال فعلى هذا يكون جديس وثمود اخوين وطسم وعملاق أخوين أبناء عم لحام وكلهم بنو عم عاد قال ويذكرون أن عبد بن ضخم ابن إرم وأن أميم بن لاوذ ابن إرم قال الطبري وفهم الله لسان العربية عادا وثمود وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم العرب العاربة وربما يقال ان من العرب العاربة يقطن ايضا ويسمون أيضا العرب البائدة ولم يبق على وجه الارض منهم أحد قال وكان يقال عاد ارم فلما هلكوا قيل ثمود ارم ثم هلكوا فقيل لسائر ولد ارم ارمان وهم النبط وقال هشام بن محمد الكلبى ان النبط بنو نبيط بن ماش بن ارم والسريان بنو سريان بن نبط (وذكر) أيضا أن فارس من ولد أشوذ بن سام وقال فيه فارس ابن طبراش بن أشوذ وقيل انهم من أميم بن لاوذ وقيل ابن غليم (وفى التوراة) ذكر ملك الاهواز واسمه كرد لا عمرو من بنى غليم والاهواز متصلة ببلاد فارس فلعل هذا القائل ظن أن أهل أهواز هم فارس والصحيح أنهم من ولد يافث كما يذكر وقال أيضا ان البربر من ولد عمليق بن لاوذ وأنهم بنو تميلة من مارب بن قاران بن عمر بن عمليق والصحيح أنهم من كنعان بن حام كما يذكر وذكر في التوراة ولد ارم أربعة عوص وكاثر وماش ويقال مشح والرابع حول ولم يقع عند بنى اسرائيل في تفسير هذا شئ الا أن الجرامقة من ولد كاثر وقد قيل ان الكرد والديلم من العرب وهو قول مرغوب عنه وقال ابن سعيد كان لاشوذ أربعة
من الولد ايران ونبيط وجرموق وباسل فمن ايران الفرس والكرد والخزر ومن نبيط النبط والسريان ومن جرموق الجرامقة وأهل الموصل ومن باسل الديلم وأهل الجبل قال الطبري ومن ولد ازفحشذ العبرانيون وبنو عابر بن شالخ بن ازفخشذ وهكذا نسبه

(2/7)


في التوراة وفي غيره أن شالخ ابن قينن بن أزفحشذ وانما لم يذكر قينن في التوراة لانه كان ساحرا وادعى الالوهية (وعند بعضهم) أن النمروذ من ولد ازفحشذ وهو ضعيف وفى التوراة ان عابر ولد اثنين من الولد هما فالغ ويقطن وعند المحققين من النسابة أن يقطن هو قحطان عربته العرب هكذا ومن فالغ ابراهيم عليه السلام وشعوبه ويأتى ذكرهم ومن يقطن شعوب كثيرة ففى التوراة ذكر ثلاثة من الولد له وهم المرذاذ ومعربه ومضاض وهم جرهم وارم وهم حضور وسالف وهم اهل السلفات وسبا وهم أهل اليمن من حمير والتبابعة وكهلان وهدرماوت وهم حضرموت هؤلاء خمسة وثمانية أخرى ننقل أسماءهم وهى عبرانية ولم نقف على تفسير شئ منها ولا يعلم من أي البطون هم وهم بباراح وأوزال ودفلا وعوثال وافيمايل وأيوفير وحويلا ويوفاف وعند النسابين أن جرهم من ولد يقطن فلا أدرى من أيهم وقال هشام بن الكلبى ان الهند والسند من نوفير بن يقطن والله اعلم

(2/8)


وأما يافث فمن ولده الترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأجوج باتفاق من النسابين وفى آخرين خلاف كما يذكر وكان له من الولد على ما وقع في التوراة سبعة وهم كومر وياوان وماذاى وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش وعدهم ابن اسحق هكذا وحذف ماذاى ولم يذكر كومر وتوغرما واشبان وريغاث هكذا في نص التوراة ووقع في الاسرائيليات أن توغرما هم الخزر وأن اشبان هم الصقالبة وأن ريغاث هم الافرنج ويقال لهم برنسوس والخزر هم التركمان وشعوب الترك كلهم من بنى كومر ولم
يذكروا من أي الثلاثة هم والظاهر أنهم من توغرما ونسبهم ابن سعيد إلى الترك ابن عامور بن سويل بن يافث والظاهر أنه غلط وأن عامور هو كومر صحف عليه وهم أجناس كثيرة منهم الطغرغر وهم التتر والخطا وكانوا بأرض طمغاج والخزلقية والغز الذين كان منهم السلجوقية والهياطلة الذين كان منهم الخلج ويقال للهياطلة الصغد أيضا ومن أجناس الترك الغور والخزر والقفچاق ويقال الخفشاخ ومنهم يمك والعلان ويقال الازو منهم الشركس وأزكش ومن ماغوغ عند الاسرائيليين يأجوج ومأجوج وقال ابن اسحق انهم من كومر ومن ماذاى الديلم ويسمون في اللسان العبراني ماهان ومنهم أيضا همذان وجعلهم بعض الاسرائيليين من بنى همذان بن يافث وعد همذان ثامنا للسبعة المذكورين من ولده وأما ياوان واسمه يونان فعند الاسرائيليين انه كان له من الولد أربعة وهم داود بن واليشاوكيتم وترشيش وأن كيتم من هؤلاء الاربعة هو أبو الروم والباقى يونان وأن ترشيش أهل طرسوس وأما قعلوبال فهم أهل الصين من المشرق واللمان من المغرب ويقال ان أهل افريقية قبل البربر منهم وأن الافرنج أيضا منهم ويقال أيضا ان أهل الاندلس قديما منهم وأما ماشخ فكان ولده عند الاسرائيليين بخراسان وقد انقرضوا لهذا العهد فيما يظهر وعند بعض النسابين أن الاشبان منهم وأما طيراش فهم الفرس عند الاسرائيليين وربما قال غيرهم انهم من كومر وأن الخزر والترك من طيراش وأن الصقالبة وبرجان والاشبان من ياوان وأن يأجوج ومأجوج من كومر وهى كلها مزاعم بعيدة عن الصواب وقال اهروشيوش مؤرخ الروم ان القوط والطين من ما غوغ وهذا آخر الكلام في أنساب يافث

(2/10)


(وأما) حام فمن ولده السودان والهند والسند والقبط وكنعان باتفاق وفى آخرين خلاف نذكره وكان له على ما وقع في التوراة أربعة من الولد وهم مصر ويقول بعضهم
مصرايم وكنعان وكوش وقوط فمن ولد مصر عند الاسرائيليين فتروسيم وكسلوحيم ووقع في التوراة فلشنين منهما معا ولم يتعين من أحدهما وبنو فلشنين الذين كان منهم جالوت ومن ولد مصر عندهم كفتورع ويقولون هم أهل دمياط ووقع الانقلوس ابن أخت قيطش الذى خرب القدس في الجلوة الكبرى على اليهود قال ان كفتورع هو قبطقاى ويظهر من هذه الصيغة انهم القبط لما بين الاسمين من الشبه ومن ولد مصر عناميم وكان لهم نواحى اسكندرية وهم أيضا بفتوحيم ولوديم ولهابيم ولم يقع الينا تفسير هذه الاسماء وأما كنعان بن حام فذكر من ولده في التوراة أحد عشر منهم صيدون ولهم ناحية صيدا وايمورى وكرساش وكانوا بالشأم وانتقلوا عندما غلبهم عليه يوشع إلى افريقية فأقاموا بها ومن كنعان أيضا بيوسا وكانوا ببيت المقدس وهربوا أمام داود عليه السلام حين غلبهم عليه إلى افريقية والمغرب وأقاموا بها والظاهر أن البربر من هؤلاء المنتقلين أولا وآخرا الا أن المحققين من نسابتهم على أنهم من ولد مازيغ ابن كنعان فلعل مازيغ ينتسب إلى هؤلاء ومن كنعان أيضا حيث الذين كان ملكهم عوج بن عناق ومنهم عرفان وأروادى وخوى ولهم نابلس وسبا ولهم طرابلس وضمارى ولهم حمص وحما ولهم انطاكية وكانت تسمى حما باسمهم وأما كوش بن حام فذكر له في التوراة خمسة من الولد وهم سفنا وسبا وجويلا ورعما وسفخا ومن ولد رعماشاو وهم السند ودادان وهم الهند وفيها أن النمروذ من ولد كوش ولم يعينه وفى تفاسيرها أن جويلازويلة وهم أهل برقة وأما أهل اليمن من ولد سبأ وأما قوط فعند أكثر الاسرائيليين أن القبط منهم ونقل الطبري عن ابن اسحق أن الهند والسند والحبشة من بنى السودان من ولد كوش وان النوبة وفزان وزغاوة والزنج منهم من كنعان وقال ابن سعيد أجناس السودان كلهم من ولد حام ونسب ثلاثة منهم إلى ثلاثة سماهم من ولد غير هؤلاء الحبشة إلى حبش والنوبة إلى نوابة أو نوى والزنج إلى زنج ولم يسم أحدا من آباء الاجناس الباقية وهؤلاء الثلاثة الذين ذكروا لم يعرفوا من ولد حام
فلعلهم من أعقابهم أو لعلها أسماء أجناس وقال هشام بن محمد الكلبى ان النمروذ هو ابن كوش بن كنعان وقال أهروشيوش مؤرخ الروم ان سبا وأهل افريقية يعنى البربر من جويلا بن كوش ويسمى يضول وهذا والله أعلم غلط لانه مر أن يضول في التوراة من ولد يافث ولذلك ذكر أن حبشة المغرب من دادان بن رعما من ولد مصر بن حام بنو قبط بن لاب بن مصر اه الكلام في بنى حام وهذا آخر الكلام في أنساب أمم العالم على الجملة والخلاف الذى في تفاصيلها يذكر في أماكنه والله ولى العون والتوفيق

(2/12)


* (المقدمة الثانية في كيفية وضع الانساب في كتابنا لاهل الدول وغيرهم) * اعلم أن الانساب تتشعب دائما وذلك أن الرجل قد يكون له من الولد ثلاثة أو أربعة أو أكثر ويكون لكل واحد منهم كذلك وكل واحد منهم فرع ناشئ عن أصل أو فرع أو عن فرع فرع فصارت بمثابة الاغصان للشجرة تكون قائمة على ساق واحدة هي أصلها والفروع عن جانبها ولكل واحد من الفروع فروع أخرى إلى أن تنتهى إلى الغابة فلذلك اخترنا بعد الكلام على الانساب للامة وشعوبها أن نضع ذلك على شكل شجرة نجعل أصلها وعمود نسبها باسم الاعظم من أولئك الشعوب ومن له التقدم عليهم فيجعل عمود نسبه أصلا لها وتفرع الشعوب الاخرى عن جانبه من كل جهة كأنها فروع لتلك الشجرة حتى تتصل تلك الانساب عمودا وفروعا بأصلها الجامع لها ظاهرة للعيان في صفحة واحدة فترسم في الخيال دفعة ويكون ذلك أعون على تصور الانساب وتشعبها فان الصور الحسية أقرب إلى الارتسام في الخيال من المعاني المتعلقة ثم لما كانت هذه الامم كلها لها دول وسلطان اعتمدنا بالقصد الاول ذكر الملوك منهم في تلك الشجرات متصلة أنسابهم إلى الجد الذى يجمعهم بعد أن نرسم على كل واحد منهم رتبته في تعاقبهم واحدا بعد واحد بحروف أ ب ج د فالالف للاول والباء للثاني والجيم للثالث والدال للرابع والهاء للخامس وهلم جرا ونهاية الاجداد لاهل
تلك الدولة في الآخر منهم ويكون للاول غصون وفروع في كل جهة عنه فإذا نظرت في الشجرة علمت أنساب الملوك في كل دولة وترتبهم بتلك الحروف واحدا بعد واحد والله أعلم بالصواب [ القول في أجيال العرب وأوليتها واختلاف طبقاتهم وتعاقبها وأنساب كل طبقة منها ] اعلم أن العرب منهم الامة الراحلة الناجعة أهل الخيام لسكناهم والخيل لركوبهم والانعام لكسبهم يقومون عليها ويقتاتون من ألبانها ويتخذون الدف ء والاثاث من أوبارها وأشعارها ويحملون أثقالهم على ظهورها يتنازلون حللا مفترقة ويبتغون الرزق في غالب أحوالهم من القنص ويختطف الناس من السبل ويتقلبون دائما في المجالات فرارا من حمارة القيظ تارة وصبارة البرد أخرى وانتجاعا لمراعى غنمهم وارتيادا لمصالح ابلهم الكفيلة بمعاشهم وحمل أثقالهم ودفئهم ومنافعهم فاختصوا لذلك بسكنى الاقليم الثالث ما بين البحر المحيط من المغرب إلى اقصى اليمن وحدود الهند من المشرق فعمروا اليمن والحجاز ونجد أو تهامة وما وراء ذلك مما دخلوا إليه في المائة الخامسة كما ذكروه من مصر وصحارى برقة وتلولها وقسنطينة وافريقية وزاغا

(2/14)


والمغرب الاقصى والسوس لاختصاص هذه البلاد بالرمال والقفار المحيطة بالارياف والتلول والارياف الآهلة بمن سواهم من الامم في فصل الربيع وزخرف الارض لرعى الكلا والعشب في منابتها والتنقل في نواحيها إلى فصل الصيف لمدة الاقوات في سنتهم من حبوبها وربما يلحق أهل العمران اثناء ذلك معرات من اضرارهم بافساد السابلة ورعى الزرع مخضرا وانتهابه قائما وحصيدا الا ما حاطته الدولة وذادت عنه الحامية في الممالك التى للسلطان عليهم فيها ثم ينحدرون في فصل الخريف إلى القفار لرعى شجرها ونتاج ابلهم في رمالها وما أحاط به عملهم من مصالحها وفرارا بأنفسهم وظعائنهم من
أذى البرد إلى دفاء مشاتيها فلا يزالون في كل عام مترددين بين الريف والصحراء ما بين الاقليم الثالث والرابع صاعدين ومنحدرين على ممر الايام شعارهم لبس المخيط في الغالب ولبس العمائم تيجانا على رؤسهم يرسلون من أطرافها عذبات يتلثم قوم منهم بفضلها وهم عرب المشرق وقوم يلفون منها الليت والاخدع قبل لبسها ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها وهم عرب المغرب حاكوا بها عمائم زناتة من أمم البربر قبلهم وكذلك لقنوا منهم في حمل السلاح اعتقال الرماح الخطية وهجروا تنكب القسى وكان المعروف لاولهم ومن بالمشرق لهذا العهد منهم استعمال الامرين ثم ان العرب لم يزالوا موسومين بين الامم بالبيان في الكلام والفصاحة في المنطق والذلاقة في اللسان ولذلك سموا بهذا الاسم فانه مشتق من الابانة لقولهم أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم الثيب تعرب عن نفسها والبيان سمتهم بين الامم منذ كانوا وانظر قصة كسرى لما طلب من خليفته على العرب النعمان بن المنذر أن يوفد عليه من كبرائهم وخطبائهم من رضى لذلك فاختار منهم وفدا أوفده عليه وكان من خبره واستغراب ما جاؤا به من البيان ما هو معروف فهذه كلها شعائرهم وسماتهم وأغلبها عليهم اتخاذ الابل والقيام على نتاجها وطلب الانتجاع بها لارتياد مراعيها ومفاحص توليدها بما كان معاشهم منها فالعرب أهل هذه الشعار من أجيال الآدميين كما أن الشاوية أهل القيام على الشاة والبقر لما كان معاشهم فيها فلهذا لا يختصمون بنسب واحد بعينه الا بالعرض ولذلك كان النسب في بعضهم مجهولا عند الاكثر وفى بعضهم خفيا على الجمهور وربما تكون هذه السمات والشعائر في أهل نسب آخر فيدعون باسم العرب الا أنهم في الغالب يكونون أقرب إلى الاولين من غيرهم وهذا الانتقال لا يكون الا في أزمنة متطاولة وأحقاب متداولة ولذلك يعرض في الانساب ما يعرض من الجهل والخفاء (واعلم) أن جيل العرب بعد الطوفان وعصر نوح عليه السلام كان في عاد الاولى وثمود والعمالقة وطسم وجديس وأميم وجرهم وحضرموت ومن ينتمى

(2/15)


إليهم من العرب العاربة من أبناء سام بن نوح ثم لما انقرضت تلك العصور وذهب أولئك الامم وأبادهم الله بما شاء من قدرته وصار هذا الجيل في آخرين ممن قرب من نسبهم من حمير وكهلان وأعقابهم من التبابعة ومن إليهم من العرب المستعربة من أبناء عابر بن شالخ بن أزفحشذ بن سام ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن عابر أعالم من بين ولده واختص الله بالنبوة منهم ابراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ وكان من شأنه مع نمروذ ما قصه القران ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور وتخلف ابنه اسمعيل مع أمه هاجر بالحجر قربانا لله ومرت بها رفقة من جرهم في تلك المفازة فخالطوها ونشأ اسمعيل بينهم وربى في أحيائهم وتعلم لغتهم العربية بعد ان كان أبوه أعجميا ثم كان بناء البيت كما قصه القران ثم بعثه الله إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بالحجاز فآمن كثير منهم واتبعوه ثم عظم نسله وكثر وصار بالجيل آخر من ربيعة ومضر ومن إليهم من إياد وعك وشعوب نزار وعدنان وسائر ولد اسمعيل وهم العرب التابعة للعرب ثم انقرض أولئك الشعوب في أحقاب طويلة وانقرض ما كان لهم من الدولة في الاسلام وخالطوا العجم بما كان لهم من التغلب عليهم ففسدت لغة أعقابهم في آماد متطاولة وبقى خلفهم أحياء بادين في القفار والرمال والخلاء من الارض تارة والعمران تارة وقبائل بالمشرق والمغرب والحجاز واليمن وبلاد الصعيد والنوبة والحبشة وبلاد الشأم والعراق والبحرين وبلاد فارس والسند وكرمان وخراسان أمم لا يأخذها الحصر والضبط قد كاثروا أمم الارض لهذا العهد شرقا وغربا واعتزوا عليهم فهم اليوم أكثر أهل العالم وأملك لامرهم من جميع الامم ولما كانت لغتهم مستعجمة على اللسان المضرى الذى نزل به القران وهو لسان سلفهم سميناهم لذلك العرب المستعجمة فهذه أجيال العرب منذ مبدا الخليقة ولهذا العهد في أربع طبقات متعاقبة كان لكل طبقة منها عصور وأجيال ودول وأحياء وقعت العناية بها دون
من سواهم من الامم لكثرة أجيالهم واتساع النطاق من ملكهم فلنذكر لكل طبقة أحوال جيلها وبعض أيامهم ودولهم ومن كان على عهدهم من ملوك الامم ودولهم ليتبين لك بذلك مراتب الاجيال في الخليقة كيف تعاقبت والله سبحانه وتعالى ولى العون [ برنامج بما تضمنه الكتاب من الدول في هذه الطبقات الاربع على ترتيبها والدول المعاصرين من العجم في كل خليقة منها ] فنبدأ أولا بذكر الطبقة الاولى وهم العرب العارية ونذكر انسابهم ومواطنهم وما كان لهم من الملك والدولة ثم الطبقة الثانية وهم العرب المستعربة من بنى حمير بن سبا

(2/16)


ونذكر أنسابهم وما كان لهم من الملك باليمن في التبابعة وأعقابهم ثم نرجع إلى ذكر معاصرهم من العجم وهم ملوك بابل من السريانيين ثم ملوك الموصل ونينوى من الجرامقة ثم القبط وملوكهم بمصر ثم بنى اسرائيل ودولهم ببيت المقدس قبل تخريب بختنصر وبعده وبالصابئة ثم الفرس ودولهم الاولى والثانية ثم يونان ودولهم الاسكندر وقومه ثم الروم ودولهم في القياصرة وغيرهم ثم نرجع إلى ذكر الطبقة الثالثة وهم العرب التابعة للعرب من قضاعة وقحطان وعدنان وشعبيها العظيمين ربيعة ومضر فنبدأ بقضاعة وأنسابهم وما كان لهم من الملك البدوى في آل النعمان بالحيرة والعراق ومن زاحمهم فيها من ملوك كندة بنى حجر آكل المرار ثم ما كان لهم أيضا من الملك البدوى بالشأم في بنى جفنة بالبلقاء والاوس والخزرج بالمدينة النبوية ثم عدنان وأنسابهم وما كان لهم من الملك بمكة في قريش ثم ما شرفهم الله به وجيل الآدميين أجمع من النبوة وذكر الهجرة والسير النبوية ثم نذكر ما أكرمهم الله به من الخلافة والملك فنترجم للخلفاء الاربعة وما كان على عصرهم من الردة والفتوحات والفتن ثم نذكر خلفاء الاسلام من بنى أمية وما كان لعهدهم من أمر
الخوارج ثم نذكر خلفاء الشيعة وما كان لهم من الدول في الاسلام فالاولى الدولة العظيمة لبنى العباس التى انتشرت في أكثر ممالك الاسلام ثم دولة العلوية المزاحمين لها بعد صدر منها وهى دولة الادراسة بالمغرب الاقصى ثم دولة العبيدية من الاسماعيلية بالقيروان ومصر ثم القرامطة بالبحرين ثم دعاة طبرستان والديلم ثم ما كان من هؤلاء العلوية بالحجاز ثم نذكر بنى أمية المنازعين لبنى العباس بالاندلس وما كان لهم من الدولة هنا لك والطوائف من بعدهم ثم نرجع إلى ذكر المستبدين بالدعوة العباسية بالمغرب والنواحى وهم بنو الاغلب بافريقية وبنو حمدان بالشأم وبنو المقلد بالموصل وبنو صالح ابن كلاب بحلب وبنو مروان بديار بكر وبنو أسد بالحلة وبنو زياد باليمن وبنو هود بالاندلس ثم نرجع إلى القائمين بالدعوة العبيدية بالنواحي وهم الصليحيون باليمن وبنو أبى الحسن الكلبى بصقلية وصنهاجة بالمغرب ثم نرجع إلى المستبدين بالدعوة العباسية من العجم في النواحى وهم بنو طولون بمصر ومن بعدهم بنو طغج وبنو الصفار بفارس وسجستان وبنو سامان فيما وراء النهر وبنو سبكتكين في غزنه وخراسان وغوربة في غزنة والهند وبنو حسنويه من الكرد في خراسان ثم نرجع إلى ذكر المستبدين على الخلفاء ببغداد من العجم وهم أهل الدولتين العظيمتين القائمتين بملك الاسلام من بعد العرب وهم بنو بويه من الديلم والسلجوقية من الترك ثم نرجع إلى ملوك السلجوقية المستبدين بالنواحي وهم بنو طغتكين بالشأم وبنو قطلمش ببلاد الروم وبنو خوارزم شاه ببلاد

(2/17)


العجم وما وراء النهر وبنو سقمان بخلاط وارمينيه وبنو ارتق بماردين وبنو زنكى بالشأم وبنو أيوب بمصر والشأم ثم الترك الذين ورثوا ملكهم هنالك وبنو رسول باليمن ثم نرجع إلى ذكر التتر من الترك القائمين على دولة الاسلام والملصين للخلافة العباسية ثم ما كان من دخولهم في دين الاسلام وقيامهم بالملك بالنواحي وهم بنو هولاكو بالعراق وبنو ذو شيخان بالشمال وبنو ارتنا ببلاد الروم ومن بعد بنى هولاكو بنو الشيخ حسن
ببغداد وتوريز وبنو المظفر باصبهان وشيراز وكرمان وبعد بنى ارتنا ملوك بنى عثمان من التركمان ببلاد الروم وما وراءها ثم نرجع إلى الطبقة الرابعة من المغرب وهم المستعجمة ومن له ملك بدوى منهم بالمغرب والمشرق ثم نخرج بعد ذكر ذلك إلى ذكر البربر ودولهم بالمغرب لانهم كانوا من شرط كتابنا وهنا لك نذكر برنامج دولهم والله سبحانه اعلم [ الطبقة الاولى من العرب وهم العرب العارية وذكر نسبهم والالمام بملكهم ودولهم على الجملة ] هذه الامة اقدم الامم من بعد قوم نوح وأعظمهم قدرة وأشدهم قوة وآثارا في الارض وأول أجيال العرب من الخليقة فيما سمعناه لان اخبار القرون الماضية من قبلهم يمتنع اطلاعنا عليها لتطاول الاحقاب ودروسها الا ما يقصه علينا الكتاب ويؤثر عن الانبياء بوحى الله إليهم وما سوى ذلك من الاخبار الازلية فمنقطع الاسناد ولذلك كان المعتمد عند الاثبات في أخبارهم ما تنطق به آية القران في قصص الانبياء الاقدمين أو ما ينقله زعماء المفسرين في تفسيرها من أخبارهم وذكر دولهم وحروبهم ينقلون ذلك عن السلف من التابعين الذين أخذوا عن الصحابة أو سمعوه ممن هاجر إلى الاسلام من أحبار اليهود وعلمائهم أهل التوراة أقدم الصحف المنزلة فيما علمناه وما سوى ذلك من حطام المفسرين وأساطير القصص وكتب بدء الخليقة فلا نعول على شئ منه وان وجد لمشاهير العلماء تأليف مثل كتاب الياقوتية للطبري والبدء للكسائي فانما نحوا فيها منحى القصاص وجروا على أساليبهم ولم يلتزموا فيها الصحة ولا ضمنوا لنا الوثوق بها فلا ينبغى التعويل عليها وتترك وشأنها وأخبار هذا الجيل من العرب وان لم يقع لها ذكر في التوراة الا أن بنى اسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصرا وأوعى لاخبارهم فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لاخبار هذا الجيل ثم ان هذه الامم على ما نقل كان لهم ملوك ودول فملوك جزيرة العرب وهى الارض التى أحاط بها بحر الهند
من جنوبها وخليج الحبشة من غربها وخليج فارس من شرقها وفيها اليمن والحجاز والشحر وحضر موت وامتد ملكهم فيها إلى الشأم ومصر في شعوب منهم على ما يذكر

(2/18)


ويقال انهم انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام فسكنوا جزيرة العرب بادية مخيمين ثم كان لكل فرقة منهم ملوك وآطام وقصور حسبما نذكره إلى أن غلب عليهم بنو يعرب بن قحطان وهؤلاء العرب العاربة شعوب كثيرة وهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وعبيل وعبد ضحم وجرهم وحضر موت وحضورا والسلفات وسمى أهل هذا الجيل العرب العاربة إما بمعنى الرساخة في العروبية كما يقال ليل أليل وصوم صائم أو بمعنى الفاعلة للعروبية والمبتدعة لها بما كانت أول أجيالها وقد تسمى البائدة أيضا بمعنى الهالكة لانه لم يبق على وجه الارض أحد من نسلهم (فأما عاد) وهم بنو عاد بن عوص بن إرم بن سام فكانت مواطنهم الاولى باحقاف الرمل بين اليمن وعمان إلى حضر موت والشحر وكان أبوهم عاد فيما يقال أول من ملك من العرب وطال عمره وكثر ولده له أربعة آلاف ولد ذكر لصلبه وتزوج ألف امرأة وعاش ألف سنة ومائتي سنة وقال البيهقى انه عاش ثلثمائة سنة وملك بعده بنوه الثلاثة شديد وبعده شداد وبعده ارم وذكر المسعودي ان الذى ملك من بعد عاد وشداد منهم هو الذى سار في الممالك واستولى على كثير من بلاد الشأم والهند والعراق وقال الزمخشري ان شدادا هو الذى بنى مدينة ارم في صحارى عدن وشيدها بصخور الذهب وأساطين الياقوت والزبر جديحا كى بها الجنة لما سمع وصفها طغيانا منه وعتوا ويقال ان بانى ارم هذه هو إرم بن عاد وذكر ابن سعيد عن البيهقى أن بانى ارم هو ارم بن شداد بن عاد الاكبر والصحيح أنه ليس هناك مدينة اسمها ارم وانما هذا من خرافات القصاص وانما ينقله ضعفاء المفسرين وارم المذكورة في قوله تعالى ارم ذات العماد القبيلة لا البلد (وذكر المسعودي) أن ملك عوص كان ثلثمائة وان الذى ملك من بعده
ابنه عاد بن عوص وان جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم وانه الذى اختط مدينة دمشق ومصرها وجمع عمد الرخام والمرمر إليها وسماها ارم ومن أبواب مدينة دمشق إلى هذا العهد باب جيرون وذكره الشعراء في معاهدها قال الشاعر النخل فالقصر فالحماء بينهما * أشهى إلى القلب من أبواب جيرون وهذا البيت في الصوت الاول من كتاب الاغانى وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق جيرون ويزيد اخوان هما ابنا سعد بن لقمان بن عاد وبهما عرف باب جيرون ونهر يزيد والصحيح أن باب جيرون انما سمى باسم مولى من موالى سليمان عليه السلام في دولة بنى اسرائيل جيرون كان ظاهرا في دولتهم (وذكر ابن سعيد) في أخبار القبط ان شداد بن بداد بن هداد بن شداد بن عاد حارب بعضا من القبط وغلب على أسافل مصر ونزل الاسكندرية وبنى بها حينئذ مدينة مذكورة في التوراة يقال لها أون ثم

(2/19)


هلك في حروبهم وجمع القبط اخوتهم من البربر والسودان وأخرجوا العرب من ملك مصر (ثم لما اتصل ملك عاد) وعظم طغيانهم وعتوهم انتحلوا عبادة الاصنام والاوثان من الحجارة والخشب ويقال ان ذلك لانتحالهم دين الصابئة فبعث الله إليهم أخاهم هودا وهو فيما ذكر المسعودي والطبري هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد وفي كتاب البدء لابن حبيب رباح ابن حرب بن عاد وبعضهم يقول هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ فوعظهم وكان ملوكهم لعهده الخلجان ولقمان بن عاد بن عاديا بن صدا بن عاد فآمن به لقمان وقومه وكفر الخلجان وامتنع هود بعشيرته من عاد وحبس الله عنهم المطر ثلاث سنين وبعثوا الوفود من قومهم إلى مكة يستسقون لهم وكان في الوفد على ما قاله الطبري نعيم بن هزال بن هزيل بن عبيل بن صدا بن عاد وقيل ابن عنز منهم وحلقمة بن الخسرى ومرثد بن سعد بن عنز وكان ممن آمن بهود واتبعه وكان بمكة من عاد هؤلاء معاوية بن بكر وقومه وكانت هزيلة أخت معاوية عند نعيم بن هزال وولدت له عبيدا
وعمرا وعامرا فلما وصل الوفد إلى مكة مروا بمعاوية بن بكر وابنه بكر ونزل الوفد عليه ثم تبعهم لقمان بن عاد وأقاموا عند معاوية وقومه شهرا لما بينهم من الخؤلة ومكثوا يشربون وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية بن بكر وابنه بكر ثم غنتاهم شعرا تذكرهم بأمرهم فانبعثوا ومضوا إلى الاستسقاء وتخلف عنهم لقمان بن عاد ومرثد بن سعد فدعوا في استسقائهم وتضرعوا وأنشأ الله السحب ونودى بهم ان اختاروا فاختاروا سوداء من السحب وأنذورا بعذابها فمضت إلى قومهم وهلكوا كما قصه القران (وفي خبر الطبري) ان الوفد لما رجعوا إلى معاوية بن بكر لقيهم خبر مهلك قومهم هنا لك وان هودا بساحل لبحر وان الخلجان ملكهم قد هلك بالريح فيمن هلك وان الريح كانت تدخل تحت الرجل فتحمله حتى تقطعوا في الجبال وتقلع الشجر وترفع البيوت حتى هلكوا أجمعون انتهى كلام الطبري (ثم ملك لقمان ورهطه) من قوم عاد واتصل لهم الملك فيما يقال ألف سنة أو يزيد وانتقل ملكه إلى ولده لقمان وذكر البخاري في تاريخه ان الذى كان يأخذ كل سفينة غصبا هو هدد بن بدد بن الخلجان بن عاد بن رقيم ابن عابر بن عاد الاكبر وأن المدينة بساحل برقة اه ولم يزل ملكهم متصلا إلى أن غلبهم عليه يعرب بن قحطان واعتصموا بجبال حضر موت إلى أن انقرضوا وقال صاحب زجار ان ملكهم عاد بن رقيم بن عابر بن عاد الاكبر هو الذى حارب يعرب بن قحطان وكان كافرا يعبد القمر وانه كان على عهد نوح وهذا بعيد لان بعثة هود كانت عند استفحال دولتهم أو عند مبتدئها وغلب يعرب كان عند انقراضها وكذلك هدد الذى ذكر البخاري انه ملك برقة انما هو حافد الخلجان الذى اعتصم آخرهم بجبل حضر موت

(2/20)


وخبر البخاري مقدم وقال على بن عبد العزيز الحرجانى وكان من ملوك عاد يعمر بن شداد وعبد أبهر بن معد يكرب بن شمد بن شداد بن عاد وحناد بن مياد بن شمد بن شداد وملوك آخرون أبادهم الله والبقاء لله وحده (فأما عبيل) وهم اخوان عاد بن عوص فيما
قاله الكلبى واخوان عوص بن ارم فيما قاله الطبري وكانت ديارهم بالجحفة بين مكة والمدينة وأهلكهم السيل وكان الذى اختط يثرب منهم هكذا قال المسعودي وقال هو يثرب بن بائلة بن مهلهل بن عبيل وقال السهيلي ان الذى اختط يثرب من العماليق وهو يثرب بن مهلايل بن عوص بن عمليق (وأما عبد ضخم بن ارم) فقال الطبري كانوا يسكنون الطائف وهلكوا فيمكن هلك من ذلك الجيل وقال غيره انهم أول من كتب بالخط العربي

(2/21)


(وأما ثمود) وهم بنو ثمود بن كاثر بن ارم فكانت ديارهم بالحجر ووادى القرى فيما بين الحجاز والشأم وكانوا ينحتون بيوتهم في الجبال ويقال لان أعمارهم كانت تطول فيأتى البلاء والخراب على بيوتهم فنحتوها لذلك في الصخر وهى لهذا العهد وقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ونهى عن دخولها كما في الصحيح وفيه اشارة إلى أنها بيوت ثمود أهل ذلك الجيل ويشهد ذلك ببطلان ما يذهب إليه القصاص ووقع مثله للمسعودي من أن أهل تلك الاجيال كانت أجسامهم مفرطة في الطول والعظم وهذه البيوت المشاهدة المنسوبة إليهم بكلام الصادق صلوات الله عليه يشهد بأنهم في طولهم وعظم حجراتهم مثلنا سواء فلا أقدم من عادوا أهل أجيالهم فيما بلغنا ويقال ان أول ملوكهم كان عابر بن ارم بن ثمود ملك عليهم مائتي سنة ثم كان من بعده جندع بن عمرو بن الدبيل بن ارم بن ثمود ويقال ملك نحوا من ثلثمائة سنة وفي أيامه كانت بعثة صالح عليه السلام وهو صالح بن عبيل بن أسف بن شالخ بن عبيل بن كاثر بن ثمود وكانوا أهل كفر وبغى وعبادة أوثان فدعاهم صالح إلى الدين والتوحيد قال الطبري فلما جاءهم بذلك كفروا وطلبوا الآيات فخرج بهم إلى هضبة من الارض فتمخضت عن الناقة ونهاهم أن يتعرضوا لها بعقر أو هلكة وأخبرهم مع ذلك انهم عاقروها ولابد ورأس عليهم قدار بن سالف وكان صالح وصف لهم عاقر الناقة بصفة قدار هذا ولما طال النذير عليهم
من صالح سئموه وهموا بقتله وكان يأوى إلى مسجد خارج ملائهم فكمن له رهط منهم تحت صخرة في طريقه ليقتلوه فانطنقت عليهم وهلكوا وحنقوا ومضوا إلى الناقة ورماها قدار بسهم في ضرعها وقتلها ولجأ فصيلها إلى الجبل فلم يدركوه وأقبل صالح وقد تخوف عليهم العذاب فلما رآه الفصيل أقبل إليه ورغا ثلاث رغا آت فأنذرهم صالح ثلاثا وفي صبح الرابعة صعقوا بصيحة من السماء تقطعت بها قلوبهم فأصبحوا جاثمين وهلك جميعهم حيث كانوا من الارض الا رجلا كان في الحرم منعه الله من العذاب قيل من هو يا رسول الله قال أبو رغال ويقال ان صالحا أقام عشرين سنة ينذرهم وتوفى ابن ثمان وخمسين سنة وفي الصحيح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في غزوة تبوك بقرى ثمود فنهى عن استعمال مياههم وقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم الا وأنتم باكون أن يصيبكم ما أصابهم اه كلام الطبري (وقال الجرجاني) كان من ملوكهم دوبان بن يمنع ملك الاسكندرية وموهب بن مرة بن رحيب وكان عظيم الملك وأخوه هوبيل بن مرة كذلك وفيما ذكره المفسرون انهم أول من نحت الجبال والصخور وانهم بنوا ألفا وسبعمائة مدينة وفي هذا ما فيه ثم هبوا بما كسبوا ودرجوا في الغابرين وهلكوا ويقال ان من بقاياهم أهل الرس الذين كان نبيهم حنظلة بن صفوان وليس

(2/23)


ذلك بصحيح وأهل الرس هم حضور ويأتى ذكرهم في بنى فالغ بن عابر وكذلك يزعم بعض النسابة أن ثقيفا من بقايا ثمود هؤلاء وهو مردود وكان الحجاج بن يوسف إذا سمع ذلك يقول كذبوا وقال والله جل من قائل يقول وثمود فما أبقى أي أهلكهم فما أبقى أحدا منهم وأهل التوراة لا يعرفون شيأ من أخبار عاد ولا ثمود لانهم لم يقع لهم ذكر في التوراة ولا لهود ولا لصالح عليهما السلام بل ولا لاحد من العرب العاربة لان سياق الاخبار في التوراة عن أولئك الامم انما هو لمن كان في عمود النسب ما بين موسى وآدم صلوات الله عليهم وليس لاحد من آباء هؤلاء الاجيال ذكر في عمود ذلك
النسب فلم يذكروا فيها (وأما جديس وطسم) فعند ابن الكلبى أن جديسا لارم بن سام وديارهم اليمامة وهم اخوان لثمود بن كاثر ولذلك ذكرهم بعدهم وان طسما للاوذ بن سام وديارهم بالبحرين وعند الطبري انهما معا للاذ وديارهم باليمامة ولهذين الاثنين خبر مشهور ينبغى سياقه عند ذكرهم قال الطبري عن هشام بن محمد الكلبى بسنده إلى ابن اسحق وغيره من علماء العرب ان طسما وجديسا كانوا من ساكنى اليمامة وهى إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا وثمارا وحدائق وقصورا وكان ملك طسم غشوما لا ينهاه شئ عن هواه ويقال له عملوق وكان مصر الجديس مستذلا لهم حتى كانت البكر من جديس لا تهدى إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها وكان السبب في ذلك أن امرأة منهم كان اسمها هزيلة طلقها زوجها وأخذ ولده منها فأمر عملوق ببيعها وأخذ زوجها الخمس من ثمنها فقالت شعرا تتظلم منه فأمر أن لا تزوج منهم امرأة حتى يفترعها فقاموا كذلك حتى تزوجت الشموس وهى عفيرة ابنة غفار بن جديس أخت الاسود فافتضها عملوق فقال الاسود بن غفار لرؤساء جديس قد ترون ما نحن فيه من الذل والعار الذى ينبغى للكلاب ان تعافه فأطيعوني أدعوكم إلى عز الدهر فقالوا وما ذاك قال اصنع للملك وقومه دعوة فإذا جاؤا يعنى طسما نهضنا إليهم باسيافنا فنقتلهم فاجمعوا على ذلك ودفنوا سيوفهم في الرمل ودعوا عملوقا وقومه فلما حضروا قتلوهم فافنوهم وقتل الاسود عملوقا وأفلت رباح بن مرة بن طسم فأتى حسان بن تبع مستغيثا فنهض حسان في حمير لاغاثته حتى كان من اليمامة على ثلاث مراحل قال لهم رباح ان لى أختا مزوجة في جديس اسمها اليمامة ليس على وجه الارض أبصر منها وانها لتبصر الراكب على ثلاث مراحل وأخاف أن تنظر القوم فأمر كل رجل أن يقلع شجرة فيجعلها في يده ويسير كأنه خلفها ففعلوا وبصرت بهم اليمامة فقالت لجديس لقد سارت اليكم حمير وانى أرى رجلا من وراء شجرة بيده كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فاستبعدوا ذلك ولم يحفلوا به وصبحهم حسان وجنوده

(2/24)


من حمير فأبادهم وخرب حصونهم وبلادهم وهرب الاسود بن غفار إلى جبلى طى فأقام بهما ودعا تبع باليمامة أخت رباح التى ابصرتهم فقلع عينها ويقال انه وجد بها عروقا سودا زعمت أن ذلك من اكتحالها بالاثمد وكانت تلك البلد تسمى جو فسميت باليمامة اسم تلك المرأة قال أبو الفرج الاصبهاني وكانت طى تسكن الجرف من أرض اليمن وهى اليوم محلة مراد وهمدان وسيدهم يومئذ سامة بن لؤى بن الغوث بن طى وكان الوادي مسبعة وهم قليل عددهم وكان يجتاز بهم بعير في زمن الخريف ويذهب ثم يجئ من قابل ولا يعرفون مقره وكانت الازد قد خرجت أيام سيل العرم واستوحشت طى فظعنوا على أثرهم وقالوا لسامة هذا البعير انما يأتي من الريف والخصب لان في بعره النوى فلما جاءهم زمن الخريف اتبعوه يسيرون لسيره حتى هبط عن الجبلين وهجموا على النخل في الشعاب وعلى المواشى وإذا هم بالاسود بن غفار في بعض تلك الشعاب فهالهم خلقه وتخوفوه ونزلوا ناحية ونفضوا الطريق فلم يروا أحدا فأمر سامة ابنه الغوث بقتل الاسود فجاء إليه فعجب من صغر خلقه وقال من أين أقبلتم قال من اليمن وأخبره خبر البعير ثم رماه فقتله واقامت طى بالجبلين بعده وذكر الطبري عن غير ابن اسحق أن تبع الذى أوقع بجديس هو والد حسان هذا وهو ثبان أسعد أبو كرب بن ملكى كرب ويأتى ذكره في ملوك اليمن ان شاء الله تعالى انتهى كلام الطبري وقال غيره ان حسان بن تبع لما سار بحمير إلى طسم بعث على مقدمته إليهم عبد كلال بن منوب بن حجر بن ذى رعين من أقيال حمير فسلك بهم رباح بن مرة الرمل وكانت الزرقاء أخت رباح ناكحا في طسم وتسمى عنزة واليمامة وكانت تبصر على البعد فأنذرتهم فلم يقبلوا وصبح عبد بن كلال جديسا إلى آخر القصة وبقيت اليمامة بعد طسم يبابا لا يأكل ثمرها الا عوافي الطير والسباع حتى نزلها بنو حنيفة وكانوا بعثوا رائدهم عبيد بن ثعلبة الحنفي يرتاد لهم في البلاد فلما أكل من ذلك الثمر قال ان هذا الطعام وحجر بعصاه على موضع قصبة اليمامة فسميت حجرا
واستوطنها بنو حنيفة وبها صبحهم الاسلام كما يأتي في أخبارهم ان شاء الله تعالى

(2/25)


(وأما العمالقة) فهم بنو عمليق بن لاوذو بهم يضرب المثل في الطول والجثمان قال الطبري عمليق أبو العمالقة كلهم أمم تفرقت في البلاد فكان أهل المشرق وأهل عمان البحرين وأهل الحجاز منهم وكانت الفراعنة بمصر منهم وكانت الجبابرة بالشأم الذين يقال لهم الكنعانيون منهم وكان الذين بالبحرين وعمان والمدينة يسمون جاسم وكان بالمدينة من جاسم هؤلاء بنو لف وبنو سعد بن هزال وبنو مطر وبنو الازرق وكان بنجد منهم بديل وراحل وغفار وبالحجاز منهم إلى تيما بنو الارقم ويسكنون مع ذلك نجدا وكان ملكهم يسمى الارقم قال وكان بالطائف بنو عبد ضخم بن عاد الاول انتهى (وقال ابن سعيد) فيما نقله عن كتب التواريخ التى اطلع عليها في خزانة الكتب بدار الخلافة من بغداد قال كانت مواطن العمالقة تهامة من أرض الحجاز فنزلوها أيام خروجهم من العراق أمام النماردة من بنى حام ولم يزالوا كذلك إلى أن جاء اسمعيل صلوات الله عليه وآمن به من آمن منهم وتطرد لهم الملك إلى أن كان منهم السميدع بن لاوذ بن عمليق وفي أيامه خرجت العمالقة من الحرم أخرجتهم جرهم من قبائل قحطان فتفرقوا ونزل بمكان المدينة منهم بنو عبيل بن مهلايل بن عوص بن عمليق فعرفت به ونزل أرض ايلة ابن هومر بن عمليق واتصل ملكها في ولده وكان السميدع سمة لمن ملك منهم إلى ان كان آخرهم السميدع بن هومر الذى قتله يوشع لما زحف بنو اسرائيل إلى الشأم بعد موسى صلوات الله عليه فكان معظم حروبهم مع هؤلاء العمالقة هنالك فغلبه يوشع وأسره وملك أريحا قاعدة الشأم وهى قرب بيت المقدس ومكانها معروف لهذا العهد ثم بعث من بنى اسرائيل بعثا إلى الحجاز فملكوه وانتزعوه من أيدى العمالقة ملوكه ونزعوا يثرب وبلادها وخيبر ومن بقاياهم يهود قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع وسائر يهود الحجاز على ما نذكره ثم كان لهم ملك بعد ذلك في دولة الروم وملكوا أذينة
ابن السميدع على مشارف الشأم والجزيرة من ثغورهم وأنزلوهم في التخوم ما بينهم وبين فارس وهذا الملك أذينة بن السميدع هو الذى ذكره الشاعر في قوله أزال أذينة عن ملكه * وأخرج عن أهله ذا يزن وكان من بعده حسان بن أذينه ومن بعده طرف بن حسان بن يدياه نسبة إلى أمه وبعده عمرو بن طرف وكان بينه وبين جذيمة الابرش حروب وقتله جذيمة واستولى على ملكهم وكان آخرا من العمالقة كما نذكر ذلك في موضعه ومن هؤلاء العمالقة فيما يزعمون عمالقة مصر وان بعض ملوك القبط استنصر بملك العمالقة بالشأم لعهده واسمه الوليد بن دومغ ويقال ثوران بن اراشة بن فادان بن عمرو بن عملاق فجاء معه ملك مصر واستعبد القبط (قال الجرجاني) ومن ثم ملك العماليق مصر ويقال ان منهم فرعون ابراهيم وهو سنان

(2/27)