صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

ولأهل الأخبار آراء في كيفية ظهور الكتابة عند كل امة من الأمم. أخذوها من أهل الكتاب أيضاً ومن القصص والأساطير. فذكروا مثلاً إن الله أرسل ملكاً اسمه "سيمورس"، علم آدم الكتابة السريانية، على ما في أيدي النصارى. وتفرعت منها ثلاثة أقلام، وهي: المفتوح ويسمى اسطرنجالاً، وهو أجلهّا وأحسنها، ويقال له الخط الثقيل ونظيره قلم المصاحف. والتحرير المخفف، ويسمى اسكوليثا، ويقال له الشكل المدور، ونظيره قلم الوراقين. والسرطا وبه يكتبون الترسل، ونظيره في العربية الرقاع. وذكروا إن أول من كتب بالفارسية "جم الشيد بن اونجهان""جمشيد""جم شيد"، "وكان ينزل أسان من طساسيج تستر، فزعمت الفرس انه لما ملك الأرض ودانت له الجن والارض وسخر له ابليس، أمره ان يخرج ما في الضمير إلى العيان فعلّمه الكتابة، وزعموا إن أول من كتب بالعبرانية عابر بن شالخ، وضع ذلك بين قومه فكتبوا يه. وزعموا إن اليونان لم يكونوا يعرفون الخط حتى ورد رجلان من مصر، يسمى أحدهما قيمس والاخر أغنور ومعهما ستة عشر حرفاً، فكتب بها اليونانيون،ثم استنبط أحدهما أربعة احرف، فكتب بها. ثم استنبط آخر يسمى سمونيدس أربعة أخر، فصارت أربعاً وعشرين.
ترى مما تقدم أن أهل الأخبار أخذوا أخبارهم المتقدمة عن نشوء الخط، من اهل الكتاب ومن الأساطير المترسبة من القصص الساذج القديم الذي كان شائعاً عند الشعوب القديمة، ثم صاغوه صياغة اسلامية،دون نقد ولا تمحيص، ومراجعة لاستخراج عناصر السذاجة والخرافات منها، وسبب ذلك أن ملكة النقد كانت هزيلة عندهم، وقد تقبلت كل ما سمعته من "أهل العلم الأول" دون نقد ولا تمحيص، تقبلت حتى الخرافات والأباطيل المخالفة لأبسط قواعد المنطق والعقل.
قلم النبط

(1/4788)


وقلم النبط هو على عكس الأقلام العربية الأخرى التي عرفناها، وهي: المسند،والقلم الثمودي، والصفوي، واللحياني، قلم يرجع أصله إلى القلم الذي ينتمي إليه قلم بني إرم وقلم تدمر، والى المجموعة السامية الشمالية للخطوط. وقد تطور القلم النبطي، كما تطور غيره من الخطوط، فصار له قلم قديم وقلم متأخر، امتاز بميله إلى ربط حروفه بعضها ببعض، حتى اكتسب شكلاَ يمكن قراء القلم العربي الشمالي من التعرف عليه بسهولة، وبعد استعراض قليل له. وقد عمل مهندسو هذا الخط في تمديد بعض الحروف نحو اليسار، حتى ابتعدت عن سمياتها في الأبجدية الإرمية بعض البعد.
إن هذا التطور الذي مر به الخط النبطي،يظهر لنا إن النبط لم يكونوا يقنعون بالأخذ والاقتباس، وإنما كانوا يكيفون ما يتلقونه من غيرهم ويطورونه حتى يكتسب شخصية خاصة مستقلة.
هذا ولا بد لي من الإشارة إلى أن الألف في اللهجة النبطية قد تقوم مقام الهمزهَ في أبجديتنا في بعض الأحيان،وقد تقوم مقام المدة "آ" A عند وجودها في وسط اللفظة وفي نهايتها. وقد يحل محلها الحرفان ال "و" وال "ي"كما في "روفو" في موضع "رأفو"، و "رُأف"و "اروس"في موضع "أرأس"، ولما كانت الألف من الحروف الساكنة في الأبجديات السامية في الغالب، فاستعمالها في موضع الألف الممدودة وإحلال بعض حروف العلة في موضعها في النبطية وفي بعض الاْبجديات السامية، يدل على إن الأبجديات السامية المتأخرة نظرت اليها على أنها من حروف العلة المعبرة عن بعض الأصوات.
وحرف ال "ج"هو "كيمل"في الأبجديات السامية، وهو قريب في النطق من الكاف "ك""كاف" الفارسية. غير أن الكتابات النبطية المتأخرة استعملت هذا الحرف في مواضع كثيرة على نحو نطقنا بالجيم في عربيتنا.
الفصل الثاني والعشرون بعد المئة
المسند ومشتقاته

(1/4789)


والمسند من الأقلام العتيقة، وهو أعتق من القلم النبطي المتأخر، وهو أقدم الأقلام التي عرفت في جزيرة العرب حتى الآن. وقد أظهرت الاكتشافات الحديثة إن استعماله لم يكن قاصراٌ على اليمن حسب، بل لقد كان القلم المستعمل في كل أنحاء بلاد العرب. وقد استعمله العرب في خارج بلادهم أيضاً،لأنه قلمهم الوطني الذي كانوا به يكتبون فعثر في موضع قصر البنات على طريق "قنا"على كتابات بهذا القلم، كما عثر على كتابة بهذا القلم كذلك بالجيزة كتبت " في السنة الثانية والعشرين من حكم بطلميوس بن بطلميوس". وهي ليست بعد سنة "261" قبل الميلاد بأي حال من الأحوال. وعثر على كتابات بالمسند في جزيرة "ديلوس"من جزر اليونان.
وذكر السائح الانكليزي "وليم كنت لوفتس" William Kennett Loftus انه لاحظ فجوة في "وركاء" Uruk في العراق، فبحْث فيها، فتبين له انها كانت قبراً وجد في داخله حجر مكتوب بالمسند، فيه: إن هذا قبر "هنتسر بن عيسوبن هنتسر".
ولهذه الكتابة المدونة بالمسند، أهمية كبيرة جداً، لأنها أول كتابة وجدت بهذا الخط في العراق. وهي تشير إلى الروابط الثقافية التي كانت بين اليمن والعراق، والى وجود أشخاص في هذا المكان كانوا يستعملون المسند، سواء اكانوا عراقيين أم يمانيين.
وقد عثر على كتابات بالمسند في مواضع من الحجاز، ويظهر أنه كان قلم الحجازيين قبل الميلاد. وقد وصل هذا القلم إلى بلاد الشام. فقد عثرت بعثة علمية قامت بأعمال الحفر في ميناء "عصيون كبر." "عصيون جابر" Ezion Geber على جرار عليها كتابات بحروف المسند رأى بعض العلماء أنها معينية، تفصح عن الأثر العربي في هذا الميناء المهم الذي حاول سليمان أن يجعله ميناء اسرائيل على البحر الأحمر.

(1/4790)


ويظهر من روايات أهل الأخبار أن غير اهل اليمن، لم يكونوا يستعملون المسند في كتابتهم، ولا يتعاطونه، كالذي يستفاد من قصة "قيسبة بن كلثوم السكوني"، وكان ملكاً وقع في أسر بني عامر بن عقيل، فذكر انه كتب بالسكين على مؤخرة رجل أبي الطمحان حنظلة بن الشرقي احد بني القين بالمسند، يخبر قومه بوقوعه في.الأسر. ولم يكن أحد من غير أهل اليمن يكتب بالمسند، فلما قرأه القوم، ساروا إلى بني عامر، وفتكوا بهم، وأنقذوا قيسبة منهم.
ورواية أهل الأخبار هذه لا يمكن أن تكون دليلاّ على عدم وقوف غير اهل اليمن على المسند في العهود البعيدة عن الإسلام. ولا على عدم استعمالهم لذلك القلم في حياتهم اليومية، لأن علم أهل الأخبار بأحوال الجاهليين لا يرتقى كما سبق أن قلت إلى عهود بعيدة عن الإسلام، ولأن في أكثر الذي ذكروه عنهم، قصص ونسج خيال، يستوي في ذلك حتى ما ذكروه عن الجاهلية الملاصقة للاسلام، ثم إن في الذي عثر عليه السياح من كتابات مدو"نة بالثمودية أو بأقلام أخرى مشتقة من قلم المسند ما يفند الرواية المذكورة في عدم استعمال غير أهل اليمن للمسند وفي عدم وقوفهم عليه. ويمكن حمل كلامهم في عدم استعمال أهل الحجاز أو غيرهم للمسند على أيام الجاهلية القريبة من الإسلام. حيث ظهر القلم العربي الشمالي.
والرواية لا يمكن أن ترتقي إلى زمن بعيد عن الإسلام. فنحن نعلم إن "حنظلة بن شرقى" المعروف بالطمحان، وهو من "بني القين بن جسر"كان شاعراً فاسقا من المخضرمين. وكان نديماً للزبير بن عبد المطلب في الجاهلية، ثم أدرك الإسلام، ولو صدقنا الرواية المذكورة وأخذنا بها، وجب إن تكون الكتابة قد وقعت قبيل الإسلام، ومعنى ذلك إن "قيسبة" وهو من "بني السكون" كان يكتب بها، أي إن المسند كان معروفاً ويكتب به خارج اليمن في هذا العهد، ولهذا يكون قول "الاصبهاني": "وليس يكتب به غير أهل اليمن"، مغلوطاً، لأن "قيسبة"لم يكن من أهل اليمن، حتى يصح قوله.

(1/4791)


وكشفت العروض ونجد وأماكن أخرى عن سر كان العلماء يبحثون عنه في شوق، فقدّمت للعلماء عدداً من الكتابات المدونة بالمسند، وبذلك ثبت علميا إن "المسند" كان معروفا قبل الإسلام في كل جزيرة العرب، وربما كان القلم العام للعرب قبل المسيح، أي قبل ظهور أقلام أخرى ولدت على ما يظن بعد الميلاد.
ففي سنة 1911 للميلاد عثر"الكابتن شكسبير" Capt. W. H. Shakespear على كتابتين بالمسند في موضع "حنا""الحنأة "وفي خرائب "ثج""ثأج"التي تبعد خمسين ميلا تقريباً عن ساحل الخليج و زهاء مئة ميل من شمال غربي القطيف. وقد نشر ترجمة الكتابتين "ماركليوث". وعثر بعد ذلك على كتابة أخرى في موضع "ثج""ثأج"دخلت في ملك أمير الكويت، وقد نشر ترجمتها. "ركمنس"، وهي حجر قبر لشخص من قبيلة "شذب". وعثر على كتابة أخرى في هذا الموضع، وقد بلغ عدد ما عثر عليه في هذا المكان أربع كتابات.
وعثر عمال شركة البترول العربية السعودية الأمريكية "أرامكو"في أثناء الحفر على مقربه من "عين جوان""جون""جاوان "عام 1945 للميلاد على حجر مكتوب تكسرت بعض أطرافه بالمعاول قبل معرفته، اتضح بعد أنه حجر قبر لامرأة يقال لها "جشم بنت عمرت""عمرت"بن تحيو من أسرة "عور" "آل عور"من قبيلة شذب.
واستخرج "كورنول" ؛P.B. Coronwall لوحا مكتوباً بالمسند كان مدفوناً في أحد بساتين القطيف، دفنه اصحاب البستان، وقد ذكر أنه نقل من جزيرة "ثاروت". أو من موضع لا يبعد كثيراً عن القطيف، وقد وجد أن هذا اللوح هو مثل الألواح التي عثر عليها قبلاّ، شاهد قبر، وضع على قبر رجل يقال له "ايليا بن يرخما بن شصر من أسرة سمم من عشيرة ذال من قبيلة شذب". ويرى بعض الباحثين أن صاحب القبر كان نصرانياً، عاش في القرن الخامس أو السادس للميلاد".

(1/4792)


وعثر على شاهد قبر آخر مدوّن بالمسند، هو شاهد قبر "شبام بنت صحار ابن عنهل بن صامت"من قبيلة "يدعب"، وجد على مقربة من القطيف. و "يدعب"يطن من بطون قبيلة "شذب". ويظهر إن قبيلة "شذب" كانت من القبائل المعروفة في العروض، وكانت ذات عدد من البطون، ولا تحمل الكتابة تأريخاً، ويرى الذين درسوها أنها تعود إلى القرن السادس للميلاد. واما الرقم الذي ذكر في نهاية النص وهو رقم "90"، فالظاهر انه يشير إلى عمر صاحبة القبر.
هذا ما عثر عليه من كتابات بالمسند في العروض. وأما في أواسط جزيرة العرب وفي باطنها وفي الأماكن التي لم يكن يتصور العثور فيها على أثر لحضارة، فقد عثر فيها على كتابات بهذا القلم كذلك، ولهذه الكتابات أهمية كبيرة ؛ لأنها أول وثيقة تاريخية لا يتطرق إليها الشك، ترد الينا عن هذه المناطق التي لم يرد لها ذكر مفصل عند المؤرخين السابقين، لأنها أول دليل عملي يثبت انتشار هذا الخط في اواسط جزيرة العرب. عثر "فلبي" في هذه المناطق على فخار وآثار أرسلها إلى المتحف البريطاني ظهر انها تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد. ويظن من فحصها انها من آثار السبئيين. كما عثر على كتابات وصور، وبقايا مقابر و عظا م.

(1/4793)


وقد صور "فلبي"بعض الكتابات، وصور بعضاً آخر رجال شركة البترول العربية السعودية الذين وصلوا إلى هذه المواضع للبحث عن البترول. وقد وصلت تصاوير عدد منها إلى العلماء فنشروا نصوصها وترجماتها، مثل كتابات "القرية"أو "قرية الفأو"التي سبق أن تحدثت عنها. وقد وجد اسم الصنم "ودّ"مكتوبا بحروف كبيرة بين تلك الكتابات، وحيث أن هذه الكنوز الثمينة إنما عثر عليها ظاهرة على سطح الأرض، وحيث أن الباحثين لم يفحصوا الكهوف فحصاً دقيقاً، ولم ينظفوها من الأتربة والرمال التي في داخلها، فإننا نأمل العثور على أشياء ثمينة ذات بال بالنسبة للتأريخ الجاهلي إذا اهتمت الحكومة العربية السعودية بهذا الأمر، وقامت بتجهيز بعثة علمية من المتخصصين بالأثريات العربية، أو سهلت للعلماء وللبعثات سبل الوصول إليها، وحافظت على تلك الآثار من التلف وعبث العابثين.
ووجد "فلبي" كهوفاً ومقابر في مواضع أخرى من "وادي الفأو"، وقد وجدت حيطان بعض الكهوف "سردب""سرداب"مكسوة بالكتابات "والوسم"والتصاوير المحفورة. ويظهر أن أبنيه ضخمة كانت في هذه الأماكن.
وعثرت شركة "أرامكو"على رأس نحت من الحجر في "القرية" كتب عليه بالمسند أنه "ثار ونفسي علزن بن قلزن غلونن"، أي "اثر وقبر علزان ابن قلزان الغلوني". كما وجدت كتابات بهذا القلم عند جبل عبيد وفي حصن ناطق وفي شمال موضع "خشم كمدة"على مسافة "100" كيلومتر من شمال قرية الفأو في وادي الدواسر، وفي "و ادي هبن""حبن "على "120" ميلاً شمال شرقي عدن. وفي "عين قرية" على "30" ميلا تقريبا من شمال "زفر" وفي "منخلى" في جنوب خشم العرض حيث يعتقد البدو أن هذا الموضع هو بئر من آبار عاد.

(1/4794)


لم يفسر علماء العربية سبب تسمية "المسند" مسنداً، وقد قرأت لإسرائيل ولفنسون تعليلاً لتسمية هذا القلم مسنداً، فقال: "والخط المسند يميل إلى رسم الحروف رسماً دقيقأ مستقيما كل على هيأة الأعمدة. فالحروف عندهم على شكل العمارة التي تستند إلى أعمدة. وعلى العموم فإن لحضارة جنوب بلاد العرب عقلية تنحو نحو الأعمدة في عمارة القصور والمعابد والأسوار والسدود وأبواب المدن، ومن اجل ذلك يوجد عندهم ميل شديد لإيجاد حروف على هيأة الأعمدة، أي إن الحروف كلها عبارة عن خطوط تستندّ إلى أعمدة.
وقد تنبه علماء المسلمين إلى شكل هذه الكتابات وأطلقوا عليها لفظة المسند، لأن حروفها ترسم على هيأة خطوط مستندهّ إلى أعمدة".
وهو رأي سبقه إليه "ليدزبارسكي" Lidzbarski إذ أشار إلى أثر العمارة والأعمدة في شكل هندسة حروف الخط المسند وهو تفسير يشبه تفاسير الأخباريين واللغويين للاسماء والأعلام التي لا يعرفون من أمرها شيئاً، فيلجأون إلى الخيال ليبتكر لهم سبباً وتعليلاّ يناسب الكلمة،ويتصورون عندئذ أنهم قد أوجدوا السبب، وأن من يأتي بعدهم سيكتفي بذلك ويأخذ به.

(1/4795)


وكذلك كوّنت كلمة "المسند" في مخيلة "اسرائيل ولفنسون"ولدى "ليدزبارسكي"فكرة استناد خطوط الحروف وقيامها بعضها إلى بعض استناد المباني،وقد وجدا من مباني اليمن وقصورها ما قوى هذا الخيال عندهما، مع إن كلمة "المسند" التي تطلق في المؤلفات العربية الاسلامية على خط أهل اليمن قبل الإسلام لا علاقة لها بالقصور والمباني،واستناد أجزاء الحرف الواحد بعضها إلى بعض. وانما تعني شيئاً آخر، تعني خط أهل اليمن القديم لا أكثر ولا أقل. وكلمة "مسند""مزند "في العربية الجنوبية تعني "الكتابة" مطلقاً، وقد وردت في مواضع متعددة من الكتابات والنقوش، فورد في نص أبرهة مثلاً "سطرو ذن مزندن"، وترجمتها: "سطروا هذه الكتابة"، وتؤدي كلمة "سطرو" المعنى نفسه الذي يرد في لغتنا، وهو: "سطروا"، اي كتبوا ودونوا، فكلمة "مزندن"التي صارت "المسند"في عربيتنا تعني في العربية الجنوبية ما تعنيه كلمة الخط أو الكتابة في لغة القران، ولم تكن مخصصة عند اليمانيين بخط حمير، أو غير حمير،وانما حدث هذا التخصيص في المؤلفات الاسلامية فصار فها "المسند" اسم علم لخط حمير وحده. ولا ندري متى حدث ذلك: أحدث في الجاهلية المتصلة بالاسلام "ام في الإسلام ? واذا كان هذا التخصيص قد وقع في الإسلام، فإننا لا نستطيع أيضاً التكهن عن الوقت الذي ظهر فيه هذا.التخصيص، لأننا،لا نملك مصادر اسلامية تشير إلى هذا ولا مؤلفات من صدر الإسلام يمكن إن نجد فيها ما نبحث عنه. ويتألف المسند من تسع وعشرين حرفاً وأبجديته مثل الأبجديات السامية الأخرى من حيث انها تتألف من الحروف الصامتة ولا حركة في الكتابة فيها ولا ضبط في أواخر الكلمات ولا علاقة للسكون او للتشديد. ويفصل بين الكلمة والكلمة التي تليها فاصل هو خط مستقيم عمودي. وقد يكتب الحرف المشدد مرتين كما في اللغات الأوروبية.

(1/4796)


ومما يلاحظ على الكتابات المعينية انه لم يطرأ عليها تغيير كبير في العهود التي مرت بها. اما الكتابات السبئية، فيمكن التمييز بين القديم منها والمتأخر في الأسلوب، وفي شكل الكتابة.
وللمسند ميزات امتاز بها عن القلم العربي، فحروفه منفصلة، وهي بشكل واحد لا يتغير بتغير مكان الحرف من الكلمة. فإذا جاء الحرف في أول الكلمة أو في وسطها أو في آخرها، كتب بشكل واحد. وقد جعلت هذه الخاصية هذا القلم ميزة أخرى، هي ميزة الكتابة به من أي جهة شاء للكاتب إن يبدأ بها. فله إن يكتب من اليمين إلى اليسار وله أن يكتب من اليسار إلى اليمين، وله إن يمزج بين الطريقتين، بأن يكتب على الطريقة الحلزونية، من اليمين إلى اليسار" ثم من اليسار إلى اليمين، ثم من اليمين إلى اليسار، أو العكس، وله أن يكتب من أعلى إلى أسفل أو العكس وهكذا، ثم إن حروفه غير متشابهة لذلك لم يعرف المسند الإعجام، ولو كتب له إن يكون قلم المسلمين ليسّر لنا اليوم وقتاً ومالاً في موضوع الطباعة به. ولكنه أبطأ في الكتابة نوعاً ما من الخط العربي لشكل حروفه الضخمة بالنسبة إلى الحروف العربية المختزلة، فالخط العربي يمتاز عليه بهذه الناحية فقط. أما موضوع الشكل، فالمسند غير مشكول،بل يكتب بحروف صامتة فقط.
وفي القرن التاسع عشر وما بعده كشف المستشرقون النقاب عن أقلام أخرى لم يعرفها علماء العربية، هي: القلم الثمودي، والصفوي،واللحياني. وكتابات أخرى كتبت بلهجات محلية عثر عليها في الجوف، وفي الحجر وفي العلا، وفي مناطق أخرى كجبل شيحان، وكوكبان، وجبل سمر، لها بعض الخصائص والمميزات اللغوية. والظاهر إن خط هذه الكتابات كان مستعملاّ بين السواد في الأمور الشخصية.

(1/4797)


أما القلم الثمودي، فقد عثر على كتاباته في العربية الغربية، وفي الجمهورية العربية السورية وفي المملكة الأردنية الهاشمية وفي الحجاز، فقد عثر على كتاباته في مواضع متعددة من الحجاز، فيما بين المدينة ومكة وعلى مقربة من الوجه والطائف، وفي "ريع الزلالة"عند السيل الكبير على طريق الطائف مكة. وعثر على كتابات ثمودية في "حائل" وأماكن أخرى من نجد وفي اليمن. وفي هضبات شبه جزيرة سيناء.
هذا وقد عثر على كتابات ثمودية كثيرة في "ربع الزلالة""سيل الغربان"، إلى الشمال من الطائف على مسافة أربعين كيلومتراً منها. وفي وادي "الاب"،وفي مواضع أخرى من الحجاز ونجد، مما يدل على انتشار الثموديين في مواضع واسعة من جزيرة العرب.
وأما القلم الصفوي، فقد عثر عليه في منطقة الصفاة شرقي الشام، وفي بادية الشام، ولا يعني هذا إن هنالك قبائل كانت تسمى قبائل صفوية،لا بل هو اصطلاح أطلقه المستشرقون على الخطوط التي وجدت في ناحية الصفاة، وهي تشتمل على كتابات قريبة من كتابة لحيان وثمود. كما عثر على كتابات صفوية في مواضع من بادية العراق.، ويوجد عدد منها في ملك مديرية الآثار القديمة العامة في العراق. كما عثر على عدد كبير منها في المملكة الأردنية الهاشمية. وقد نشرت نصوص بعض منها في جريدة الآثار للمملكة الأردنية الهاشمية.
والموطن الرئيسي للكتابات اللحيانية هو منطقة العلا، ولا سيما موضع "الخريبة" والصخور الواقعة إلى شرقه، حيث عثر فيها على مئات من الكتابات التي تعود إلى شعب لحيان.

(1/4798)


والأقلام الصفوبة والثمودية واللحيانية، مثل المسند، ليس لها علامات لا للفتح ولا للكسر ولا للضم ولا للاشباع ولا لاتحاد الفتحة والواو والباء "أي الإمالة Diphthoneg"الخ..، كما إن حروفها تأخذ صوراً متعددة، فيرد الحرف الواحد في كل قلم من الأقلام المذكورة بصور مختلفة، ولذلك تجابهنا صعوبات كبيرة في محاولتنا قراءة الكلمات والجمل قراءة صحيحة. ويحتاج القارئ إلى مرانٍ طويل ودراسات للهجات العربية الأخرى لضبط الكلمات في هذه اللهجات، ومعرفة معانيها.
وقد لاحظ المستشرقون مشابهة كبيرة بين الأقلام المذكورة وبين المسند، كما وجدوا هذه المشابهة بين عدد منْ الأقلام التي استعملت في غير جزيرة العرب والمسند،وبعد مقابلات بينها ودراسات ذهبوا إلى تفرعها من المسند. وهذه الأقلام المذكورة صورة كلها متأخرة عن المسند، وتعود تواريخ قسم منها إلى ما قبل الميلاد، ومنها ما يعود تاريخه الى ما بعد الميلاد.
ومما يلاحظ على هذه الأقلام اختلاف صور أكثر الحروف فيها، فقد تكون للحرف صورتان، وأحيانا ثلاث صور أو أكثر، غير إن هذا الاختلاف ليس كبيراً في الغالب بحيث يتعذر معه تمييز أشكال الحرف الواحد، ولا تجد فيها الوضوح والبساطة التي نجدها في المسند، كما لا نجد فيها هذه الخطوط المستقيمة المنقوشة بدقة وعناية في الكتابات المعينية أو السبئية أو الحضرمية أو القتبانية أو الحميرية، فكأن كتابهم كانوا يرون العجلة في الكتابة والاسراع في التسطر لضيق الوقت، لذلك لم تكن حروفهم دقيقة واضحة.

(1/4799)


وأما الأقلام التي تشبه حروفها المسند. واستعملت عند أقوام عاشوا في أقطار لم تكن من جزيرة العرب، فمنها القلم الحبشي القديم، وقد عثر على كتابات به في منطقة "يحا""بها" Jeha، وهي تمثل أقدم نماذج الكتابات الحبشية،وقلمها هو القلم السبئي القديم، وفي "اكسوم" تعود إلى القرن الرابع للميلاد،وكتابات نصرانية كتبت باللهجة "الجعزية"وتعود إلى القرن الخامس للميلاد. وقد استعملت في هذه الكتابات الجعزية.الأصوات مع الحروف، وبذلك اختلفت عن الأبجديات السامية التي استخدمت الحروف الصامتة حسب، وذلك بإضافة شيء يشبه الحركات في صلب الحروف يقرأ معها ولاتفهم هي بدونها. ومع ذلك احتفظت بالأشكال الأصلية للحروف العربية الجنوبية، ولم تبتعد عنها كثيراً. ويمكن إدراك أثر المسند في الكتابة الحبشية المستعملة في الوقت الحاضر دون كبير عناء.
وذهب كثير من المستشرقين إلى أثر المسند نفسه أو بالواسطة في عدد من الأقلام الأخرى، منها كتابات عثر عليها في إفريقية Meroitische Schrift في إحدى اللهجات الكوشية أو النوبية. والخط البربري القديم الذي يعود إلى أيام قياصرة رومة. والقلم البراهمي " Brahma Script-Devanagri Alphbet"، حيث نلاحظ شبهاً كبير بين حروف هذا القلم والمسند. ولا يستبعد أثر المسند فيه ؛ لأن العلاقات بين العربية الجنوبية والهند كانت قديمة جداً.
يظهر أن المسند كان القلم الرئيسي في جزيرة العرب قبل الإسلام، وأن جزيرة العرب كانت تكتب به قبل المسيح. وأن أقلاماً تفرعت منه قبل المسيح وبعد المسيح، لأسباب لا تزال غير واضحة، وقد.تكون لأشكال الحروف التي تتطلب دقة في الرسم علاقة بذلك، فمال الكتاّب إلى ابتكار اشكال مرنة لا تحتاج إلى عناية في الرمم، فاستخدموها في الكتابة لسهولتها. فتولدت منه الكتابات ا لمذكورة.
أصل القلم المسند

(1/4800)


ذكرت أن أكثر المستشرقين رأوا أن القلم العربي الذي دون به القرآن الكريم، أخذ من القلم النبطي المتأخر. أما المسند، فقد رأى كثير منهم أنه اشتق من الأبجديات السامية الشمالية كذلك. وذهب بعضهم إن انه تفرع من الأبجدية السينائية ومنهم من قال إن الأبجدية العربية الجنوبية تفرعت من نفس الأصل الذي أوجد الخط الفينيقي، فهي لنلك من أقدم الأبجديات المعروفة. ونحن إذا أنعمنا النظر في شكل الأبجدية الطورسينائية والمسند، نجدهما لا تتشابهان إِلا في رسم حرفين أو ثلاثة. وتتكون الأبجدية الطورسينائية من اثنين وعشرين حرفاً كالفينيقية والعبرانية. أما الأبجدية العربية الجنوبية، فتتألف من تسعة وعشرين حرفاً، أي بزيادة سبعة أحرف على أبجدية طور سيناء.
وحجة القائلين أن المسند قد أخذ من القلم الفينيقي، وأن الأبجدية الفينيقية هي أقدم الأبجديات وأم الأبجديات.ولكننا إذا أنعمنا النظر في رسم حروف الأبجديتين، نجد التشابه بينهما في هيأة الحروف ورسمها ليس كبيراَ، كما أن الأبجدية العرّبية الجنوبية تزيد عليها في سبعة أحرف،وهذه الأحرف الزائدة لا تختلف عن الأحرف المشتركة بين الأبجديتين في هندسة الرسم والشكل. فلعل الأبجديتين قد تفرعتا من أصل واحده، فلا يعد المسند لذلك فرعا نبت من الفينيقية.

(1/4801)


وزعم نفر من الباحثين في تطور الخط أن المسند مشتق من القلم الكنعاني، ولكن بعض علماء العربية الجنوبية ينكَر هذا الرأي. إذ يرى أن المسند أقدم عهداً من الأبجدية الكنعانية، وأن الكتابات العربية الجنوبية أقدم زمناً من أقدم الكتابات الكنعانية،فلا يصح إذن القول بأن المسند مشتق من القلم الكنعاني. ومما يلاحظ على الأبجديتين إن الأبجدية الكنعانية يعوزها من الحروف: ذ، ض، ظ، س "سامخ"، ث، غ. ولكن الأبجديتين تشتركان اشتراكاً تاماً في الحروف: ج، ط، ل، ن، ع، ش، ق، ت، و. وتختلفان في بعض الحروف اختلافاً كبيراً، وليس بمستبعد أن تكون الأبجديتان قد تفرعتا من أصل واحد.
والرأي عندي إن من الصعب البت في الوقت الحاضر في موضوع أصل المسند،لأن صور الأبجديات القديمة الواصلة الينا لا تزال قليلة، ولا نجد بين صورها وبين صور المسند تشابهاً كبيراً بحيث يمكن إن نستنبط من هذا التشابه حكماً يفيدنا في تعيين أصل المسند. والتشابه بين حروف قليلة لا يمكن إن يكون سبباً للحكم باشتقاق خط من خط. وعندي إن الأبجدية العربية الجنوبية تمثل مجموعة خاصة، تفرعت من أصل لا نعرف من أمره اليوم شيئاً،لان شكل حروف المسند لا يشبه شكل حروف الأبجديات المعروفة، فلننتظر. فلعل المستقبل يكشف للعلماء النقاب عن أبجديات مجهولة.

(1/4802)


ولا يعقل بالطبع إن يكون اهل العربية الجنوبية قد أوجدوا خطهم من العدم، من غير استعانة بعلم مسبق عن الحروف والأبجديات، بل لا بد إن تكون أبجديتهم قد أخذت من أبجدية أخرى، ومن فرع من فروع الخط الذي أوجدته البشرية، ودليل ذلك إن أسماء الحروف الأساسية التي ترد في كل أبجدية هي واحدة، وفي وحدة الأسماء دلالة على وجود اصل واحد، تفرعت منه الخطوط. والمسند بالنسبة لنا، هو خط قائم بذاته، يشابهه الخط الحبشي، ومن فروعه الأبجدية اللحيانية والثمودية و الصفوية. فكل هذه الأبجديات هي من فصيلة واحدة رأسها المسند، أما ما فوق المسند، فلا نعرف من أمره أي شيء.
وفي المسند حرف لا وجود له في أبجديتنا يكون على هذا الشكل: وهو بين الزاي والسين، ولذلك يجعله البعض سيناً حين ينقلون نص كتابة عربية جنوبية الى عربيتنا، أو إلى اللغات الأورربية. كما يقرأ حرف الجيم "6" "كيما"في المسند على نحو نطق المصريين بهذا الحرف في لسانهم.
ومن القلم المسند أخذ الأحباش قلمهم الذي يكتبون به، نقله اليهم السبئيون الذين هاجروا إلى الحبشة قبل الميلاد وأقاموا لهم حكومة هناك وأثروا في الأحباش، فكان من تأثرهم فيهم هذا القلم الحبشي.

(1/4803)


وحروف المسند منفصلة غير متصلة، أعني انها ليست كحروف الأبجدية التي نكتب بها، بل الحروف فيها مستقل بعضها عن بعض غير متصل به. ولتمييز الكلمات بعضها عن بعض، وضع الكتاب خطوطاً مستقيمة عمودية تشير إلى انتهاء الكلمة والى ابتداء كلمة جديدة. وتبدأ الكتابة عندهم من اليمين في العادة،وتنتهي في اليسار، غير انهم قد يكتبون من اليسار أيضاً، وينتهون بالسطر في اليمين. وقد يمزجون بين الطريقتين في فيبتدئون في اليمين مثلا، وينتهون بالسطر في اليسار، ثم يبدأون في السطر الذي يليه من اليسار، وينتهون في اليمين، ويبدأون بالسطر الذي يليه من اليمين لينتهي باليسار،ويبدأون في الثالث من اليسار وينتهون باليمين، وهكذا حتى تنتهي الكتابة. أما إذا ابتدأوا بالكتابة من اليسار، فينتهون بالسطر في اليمين، ثم يبدأون في السطر الثاني باليمين لينتهوا به في اليسار، وليبدأوا بالسطر الثالث من اليسار ولينتهوا به في اليمين، وهكذا يسيرون على هذا المنوال حتى تنتهي الكتابة. ويلاحظ إن لشكل حروفهم خاصية جعلتها تصلح لأن يكتب بها في اول الكلمة أو في وسطها أو في أواخرها من.دون حاجة لاجراء اي تعديل على جسم الحرف العام، لأنها حروف منفصلة غير مربوطة. وهي تمتاز من هذه الناحية عن حروف أبجديتنا، التي ترتبط فيها الحروف، فتستعمل حرف العين مثلاً في أول الكلمة بصورة تختلف عن صورة هذا الحرف إذا استعل في الوسط، وتستعمل هذا الحرف في آخر الكلمة بصورة تختلف عن استعماله في أول اللفظة أو في وسطها، أي انها تحدث تغييراً على جسم الحرف. ولهذه الخاصية صار في الامكان الابتداء بحروف المسند من أية جهة أراد الكاتب أن يكتب بها من ناحية اليمين أو من ناحية اليسار، أو بالجمع بين الطريقتين من غير أي تأثر في قابلية القارئ على القراءة، كما صار من السهل على المبتدئ بالكتابة والقراءة تعلم الخط بالمسند بكل سهولة، لوجود شكل واحد لا يتغير للحروف. فهو لهذا صار أسهل

(1/4804)


تعلماً من الخط الذي نكتب به الان ذي الأشكال المتعددة الحروف، كما انه خال من التنقيط الموجود في عربيتنا لتمييز الحروف المتشابهة في هذا الشكل بعضها عن بعض، وهو مما سبب لنا مشاكل خطيرة في كيفية ضبط الحروف والألفاظ عند وقوع التصحيف، بسقوط نقطة من الكتابة سهواً، أو بوضع النقطة في موضع يجب ألا توضع فيه، أو بوقوع سهو في عدد النقط.
وقد راعى الكتاب استعمال الخطوط العمودية للفصل بين الكلمات مراعاة تامة،لأنها هي العلامة الوحيدة التي ترشد القارئ إلى انتهاء لفظة وابتداء لفظة جديدة، ولم يخطر ببالهم وضع فراغ بين نهاية كلمة وابتداء كلمة جديدة، أو لأنهم لأمر ما لم يستعملوا هذا الفراغ خشية حصول التباس قد يفسد على القارئ قراءته، وقليلاّ ما خالف كتابهم هذه الطريقة فأغفلوا وضع هذه الأعمدة الفاصلة. ولم يستعل كتاّبهم علامةّ ما دالة على انتهاء جملة وابتداء جملة أخرى جديدة أو انتهاء فصل وابتداء فصل جديد، كذلك لم يستعملوا ما نستعمله نحن في الزمن الحاضر من علامات فواصل لأداء معاني خاصة يقتضيها الكلام وعلامات استفهام، لأن هذه الأشياء من الأمور المتأخرة التي أدخلت على الكتابات الغربية، ولم تكن معروفة عند الأقدمين.

(1/4805)


وحروف المسند حروف غير مشكلة، فليس فوقها أو تحتها حركات كما هي الحال في عربيتنا حين نرغب في تحريك الحروف. وهي غير منقطة كذلك فلا نقط فوق بعض الحروف أو تحتها لتمييزها عن غيرها من الحروف المشابهة لها كما هي الحال في ابجديتنا أيضاً، ولم يرمز عن الحركات بحروف أو برموز تستعمل مع الحروف الصامتة داخل الكلمة ليتمكن بها القارئ من النطق بالكلمة النطق الصحيح كما حدث ذلك في الأبجديات اللاتينية، وفي الأبجديات الأخرى التي سارت على نهجها وسبيلها ولم يرمزوا عن حرف المدّ بشيء ولا عن السكون أو التشديد. وهذا مما جعلنا في حيرة من النطق بكلماتهم نطقاً صحيحاً مضبوطاً، وجعل القارئ الحديث يذهب مذاهب مختلفة في كيفية ضبط الكلمة وفي كيفية النطق بها. فلفظة مؤلفة من حروف صامتة وحدها، لا يمكن إن ينطق بها النطق الصحيح المضبوط ولا يمكن معرفة معانيها بسهولة، وقد ولدت هذه الطريقة مشكلات كثيرة لنا من حيث التوصل إلى معرفة نحو تلك اللهجات وصرفها.
ولا توجد في المسند علامة لتشديد الحرف، وقد يكتب الحرف مرتين كما هي الحال في الأبجديات الأوروبية للدلالة على أن الحرف مشددٌ، ويكون ذلك في الكتابات المعينية.
واقتصار الكتاب على استعمال الحروف الصامتة وحدها، جعل من العسير علينا البت في كيفية النطق بالكلمات و التعرف بسهولة على مواضع الكلم من الإعراب.

(1/4806)


ولولا الاستعانة باللهجات العربية الباقية المستعملة في اليمن،وبلغة القرآن الكريم، وبالمعجمات، وباللغة الحبشية، لكان من الصعب على القارئين للكتابات العربية الجنوبية التوصل إلى فهم معانيها والى قراءتها قراءة مضبوطة أو قريبة من القراءة الصحيحة، والتوصل إلى استخراج القواعد منها. فبفضل هذه المواد المساعدة، يمكننا من الوصول إلى ما توصلنا إليه عن تلك اللهجات المكتوبة بالقلم المسند. ومن جملة المسائل التي جعلت فهم النصوص العربية الجنوبية أمراَ صعباً على الباحث في بعض الأحيان، اشتمالها على اصطلاحات غير موجودة في العربية، وعلى كلمات غير موجودة في اللغات السامية الأخرى ثم إن بعضها قد كتب كتابة موجزة صيرتها غامضة غير مفهومة، ولهذا اضطر علماء العربيات الجنوبية إلى تلخيص معناها على وجه التقريب.

(1/4807)


ومما يؤسف عليه كثيراً أن كتبة المسند لم يتركوا لنا كتابة تشير إلى ترتيب حروف الهجاء عندهم، وأسمائها التي كانت تعرف بها عند قرّائهم وكتاّبهم. وعدم وصول كتابة بهذا الموضوع منهم إلينا، خسارة كبيرة، إذ أصبح من الصعب التحدث عن كيفية ظهور الخط بين العرب الجنوبيين وعن صلاته بالخطوط الأخرى، وبنا أشد الحاجة إلى معرفة كيفية توصل الإنسان إلى هذا الاختراع العظيم الذي غيَّر تأريخ البشرية وأحدث فيها انقلابا لا يدركه المرء إلا إذا تصور البشرية وهي جاهلة لا تحسن قراءة ولا كتابة، فما الذي كان يمكن إن نعرفه لولا وجود هذه العلامات الصغيرة المحدودة التي نسميها حروفا والتي نكتب بها وندوّن بها كل ما يجول في خواطرنا من آراء دون أن نعرف عظم قيمة هذه العلامات التي ميزت الإنسان عن الحيوان، ورفعته عنه إلى أعلى الدرجات ! ولو قدر للعلماء الحصول على ألواح فيها الأبجديات مرتبة بحسب الطريقة التي كانت تسير عليها الشعوب القديمة في تعلمها، وخاصة إذا كانت مقرونة بأسمائها التي كانت تعرف بها، لصار في وسع العلماء التوصل إلى نتيجة علمية مقبولة بشأن نشأة الخط وتطوره. فإن في استطاعتهم عند ذاك الحكم من نظرهم إلى أقدم هذه الكتابات والى أصول كلمات المسميات - على أقدم مكان ظهرت فيه تلك الكتابة، وعلى تعيين اسم الشعب الذي كان له شرف هذا الاختراع. وهو اختراع لم يظهر بالطبع فجأة إلى العالم، أي انه لم يكن من ابتكار رجل واحد فاجأ الناس به، بل هو اختراع مرت عليه قرون حتى بلغ ما بلغه من شكل الحروف. مرّ في مراحل كثيرة بدائية في بادئ الأمر، ثم انتقل من تلك الأشكال إلى أشكال أرقى منها، حتى اهتدى عقل الإنسان إلى معرفة الحروف. ولم يتوصل بالطبع إلى هذه المرحلة بسهولة، إذ يقتضي ذلك وجود علم عند الإنسان عن تكون الكلمات من حروف،وهو لم يتوصل إلى هذا العلم الا بعد تعب استمر قروناً، وبتعاون كتاّب مختلف الشعوب لتحليل كلمات الإنسان إلى

(1/4808)


عناصرها الأولى، و عناصرها الأولى هي هذه الحروف.
وقد كان من الضروري وضع أسماء للحروف، ليميز بها حرف عن حرف آخر. وقد وضع مخترعو الحروف تلك الأسماء، وهي أسماء لا تزال البشرية تعيدها مع شيء من الاختصار والتحريف، وقد يمكن التوصل من تلك الأسماء إلى أسماء تلك الشعوب القديمة التي ساهمت وعملت في ترقية ذلك الاختراع العظيم. فإن لتلك الأسماء علاقة وصلة بمسميات مادية، وبالامكان تشخيص مواطن تلك المسميات بالرجوع الي الأماكن التي عرفت واشتهرت بها، ومن ثم نتوصل إلى تعيين تلك الشعوب على وجه التقريب.
وتختلف أشكال حروف المسند اختلافاً كبيراً عن حروفنا المألوفة التي نكتب بها. ولما كانت هذه الحروف حروفاً منفصلة غير متصلة كما هي،الحال في حروفنا، فهي لذلك في أثناء كتابة الكلمات لا تتصل ببعضها ولا يلتقي فيها حرف بحرف آخر. وهذا السبب كان شكل الحرف في المسند لا يتبدل ولا يتغير بتغير موضعه في الكلمة، بل يحافظ على وضعه في أول الكلمة أو في وسطها أو في آخرها، إلا في بعض الأحيان حين يكتبون من اليسار نحو اليمن، فيغيرون اتجاه الحرف بأن يجعلوه نحو اليمين.
وقد يتحد حرف النون الساكن مع الحرف الذي يليه ويسقط من الكتابة، ففي كلمة "بنت" أسقط الكتاب حرف النون من الكلمة، واكتفوا بهذا الشكل: "بت " أي بالحرفين الباء والتاء.
ولا توجد في المسند تاء قصيرة، أي التاء التي نكتبها تاء قصيرة في أواخر الكلم. فاتاء هي تاء طويلة أبداً، وردت في أول الكلمة، أو في وسطها، أو في آخرها، فلفظة "سنة" تكتب "سنت"، "وعمرة"، اسم امرأة يكتب "عمرت"، وهكذا.

(1/4809)


وهناك كتابات برزت حروفها، وذلك إن كاتبها خطها على الحجر أولاّ،ثم حفر ما حولها وفي باطنها بمزبر صلد، أو بسكين أو بالة حادة، فظهرت الكتابة بارزة، وقد استخدمت مثل هذه الكتابات لتوضع على أبواب المعابد وعلى واجهات الدور وفي المناسبات التذكارية، كما فعل الاسلاميون في كتاباتهم التخليدية التي وضعوها على واجهات القصور والمساجد والأبنية المهمة،أما الكتابات المحفورة فقد استخدمت في الأعمال الاعتيادية في الغالب، وهي أسهل في الكتابة من الكتابة البارزة، ولا تحتاج إلى وقت طويل يصرفه الكاتب على الحفر لابراز الحروف.
وأما الفاصل الذي يفصل بين الكلمات، فهو على هذا الشكل:

(1/4810)


ويعبر عن العدد من الواحد إلى الأربعة بخطوط عمودية، فيرمز الخط العمودي الواحد عن "الواحد"، ويرمز الخطان العموديان المتوازيان عن الرقم "2"، وإذا أرادوا كتابة الرقم "3" وضعوا ثلاثة خطوط عمودية متوازية للدلالة عليه. أما الرقم "4"، فيمثل بأربعة خطوط عمودية متوازية. وأما الرقم "5" فيرمز عنه بالحرف "خ" الذي هو الحرف الأول من كلمة "خمس". وإِذا ارادوا الإشارة إلى الرقم "6" وضعوا خطاً عمودياً على الجانب الأيسر لحرف "الخاء" الذي يرمز عن الخمسة، ومن هذا الحرف والخط العمودي الكائن مكانه في موضع العشرات بالقياس إلى حسابنا يتكون الرقم "6". وإذا أرادوا الرقم "7" وضعوا خطين عموديين على الجانب الأيسر للحرف خمسة، فيعبر هذا المجموع المكون من الخاء ومن الخطين العموديين المستقيمين عن الرقم "7". وإذا ارادوا الرقم "8"، وضعوا على الجانب الأيسر من الحرف خاء ثلاثة خطوط تشير إلى الرقم "3"، فيتكون بذلك من حرف الخاء الذي يرمز عن الخمسة ومن الثلاثة،المجموع ثمانية، وهو الرقم المطلوب. أما الرقم "9"، فيتكون من مجموع رقم "5" الذي يرمز عنه الخاء ومن الرقم "4" الذي تمثله خطوط عمودية أربعة. وأما الرقم عشرة، فيرمز عنه بحرف العين الذي يمثل الحرف الأول من كلمة عشرة. وأما الرقم "100" فيرمز عنه بالحرف الأول من الكلمة مئة، أي بحرف الميم. وأما الرقم "1000" فرمز عنه بالحرف ألف، أي بالحرف الأول من الكلمة أيضاً، فيلاحظ من هنا أن العرب الجنوبيين استعملوا الحروف الأولى من أسماء بعض الأرقام عوضاً عن الأرقام نفسها،ولم يتبعوا الطرق التي نتبعها اليوم في كتابة أمثال هذه الأعداد. والظاهر إن استعمالهم حرف الخاء مقام العدد "5"، جعلهم يحارون بعض الحيرة في التعبير عن العدد "55" الذي يبدأ مثل العدد "5" بحرف الخاء" فتخصيص هذا الحرف بالعدد "5" جعل من غير الممكن تخصيصه بالعدد "50" كذلك. ولما كان من الصعب كتابة ال "5" عشر مرات للتعبير

(1/4811)


عن العدد "50" الذي هو حاصل جمع عشر خمسات خاصة لأن هذا العدد يتضاعف ويتكرر، فكروا في حل آخر يحل لهم هذه المشكلة. مشكلة ايجاد حرف أو علامة ترمز عن الرقم "50". وقد وجدوا ذلك الحل من حقيقة العدد "50" الرياضية. فالعدد "50" هو نصف ال "100" كما هو معلوم. ولما كان حرف الميم يرمز عن المئة، والمئة هي حاصل جمع خمسين مع خمسين، فيكون حرف الميم هو حاصل جمع خمسين مع خمسين. ولما كان حرف الميم في المسند هو على شكل خط عمودي يرتكز عليه مثلثان قاعدتهما ملتصقة على ذلك العمود، فإن كل مثلث من ذينك المثلثين يعبر في الواقع عن الرقم "50"، فهداهم تفكيرهم هذا إلى رفع المثلث الأسفل ليبقى مثلث واحد هو المثلث الأعلى مرتكزاً على الخط العمودي، ليعبر عن قيمته المتبقية وهي خمسون، وصار هذا الرمز الذي هو نصف حرف الميم رمزاً عندهم للعدد "55". وبذلك أوجدوا لهم حلاّ لتلك المشكلة التي لا بد انها شغلت بال كتّابهم مدة من الزمن.

(1/4812)


وأما الأعداد التي تلي العشرة فيبدأ بها بحرف العين أولا" ومعناه عشرة، ثم تليه بقية الزيادة أي مقدار زيادة ذلك العدد عن العشرة. فإذا أرادوا الرقم "11" مثلاَ بدأوا بحرف العين، ثم وضعوا بعده أي على يساره خطاً عمودياً واحداً بمعنى واحد، ويكون المجموع أحد عشر. أما إذا أرادوا الرقم "12"، فإنهم يضعون مستقيمين عموديين على يسار حرف العين ليدل ذلك على عشرة زائد اثنين وهو اثنا عشر. واذا أرادوا "13" وضعوا ثلاثة خطوط عمودية مستقيمة لتدل عليه. أما إذا أرادوا "4 ا" فإنهم يضعون أربعة خطوط عمودية، ليكون مجموعها مع العشرة أربعة عشر. أما إذا أرادوا "15"، فإنهم يكتبون حرف العين ثم يضعون من بعده وعلى جهة يساره حرف الخاء الذي هو بمعنى خمسه. واذا أرادوا ""6 ا" وضعوا بعد حرف العين ما يرمز عن الستة، وهكذا بقية الأعداد إلى العدد "19" 0 أما العدد "20" فانهم يكنون عنه بكتابة حرف العين مرتين، ومعنى ذلك عشرة مضافاً إليها عدد عشرة والجمع عشرون. واذا أرادوا الرقم "21" كتبوا حرف العين مرتين ليرمز عن العشرين ثم وضعوا خطا عمودياً واحدا على جهة يساره ليرمز عن الرقم "1"، فيكون المجموع عشرين وواحداً، وهكذا يكتبون بقية الأعداد ابتداء بالعشرين اي بحرفي العين مضافاً العدد المقصود حتى الرقم "30" فيضعون له ثلاثة أحرف من حرف العين. أما ال "40" فيضعون له أربعة أحرف من حرف العين، ثم يستمرون على طريقتهم في العدد بعد الأربعين على الطريقة المألوفة في الابتداء بالعدد العشرات، ثم كتابة الرقم المقصود الذي هو دون العشرة من بعد إلى الرقم التاسع والأربعين. فإذا أرادوا الرقم "50"وضعوا الرمز الخاص الذي تحدثت عنه، وهو نصف حرف الميم. أما الرقم "60" فرمز عنه بهذا الرمز، أي نصف حرف الميم مضافاً إليه الحرف عين رمز العشرة ليشير إلى مجموع العددين وهو ستون. أما الرقم "70"فيتكون من هذا الرمز مضافاً إليه حرفان للعين. وأما الرقم "80" فيكون

(1/4813)


بإضافة ثلاثة أحرف عين على الجهة اليسرى للرقم "50". وأما الرقم "90" فيتكون من رمز "50" مع إضافة أربعة أحرف عين إليه.
وتكتب الأرقام ما بعد المئة إلى الألف على الترتيب الاتي: يكتب الحرف رمز المئة في الأول، ثم يوضع الرقم الذي يلي المئة على جهة يساره على النحو الذي شرحته إلى حد الرقم "199" فإذا أرادوا كتابة "200" كتبوا حرفي ميم، واذا أرادوا "300" وضعوا ثلاثة أحرف من حروف الميم، وإذا أرادوا "400" وضعوا أربعة أحرف من حروف الميم، وإذا أرادوا "500" وضعوا خمسة أحرف من حروف الميم، وهكذا تزاد كتابة الميم بزيادة عدد المئات حتى تصل إلى تسع، ويكون الرقم عندئذ تسع مئة، أما الألف،فيرمز عنه بحرف الألف كما ذكرت.

(1/4814)


وطريقة التعبير عن الأعداد في حالة الآحاد وفي العشرات وفي المئات هي طريقة واضحة مفهومة بعض الفهم كما رأينا، إذ عبر عن الأرقام من واحد إلى أربعة بخطوط مستقيمة، وعبر عن الخمسة بحرف الخاء تزاد عليه خطوط بزيادة الأرقام المطلوبة،حتى تصل إلى الرقم "10"، فيعبر عنه بحرف عين. وفي باب العشرات يقدم حرف العين الذي هو عشرة على الأرقام المقصودة التي هي دون العشرة، وتتبع هذه الطريقة إلى المئة. أما في حالة المئات إلى الألف فيبتدئ العدد بالمئات، ثم تليه العشرات، فالآحاد، فهو في نفس المبدأ الذي وضعه علماء الرياضيات عندهم للعشرات، أي على قاعدة تفضيل العدد الأكبر من ناحية العدّ على العدد الأصغر، فقدموا العشرات على الآحاد، وقدموا المئات على العشرات، ثم الآحاد أما في حالة الاعداد الالوف، فلم يتقيد كتّاب حسابهم بهذه القاعدة، بل ساروا على طرق أخرى، فكتبوا حروف الالف بعد الاعداد الالوف التي ارادوا كتابتها. فللتعبير عن ألفين وضعوا حرفي ألف، وهما مجموع ألف مع ألف أخرى،وللتعبير عن ثلاثة آلاف وضعوا ثلاثة أحرف ألف، وهكذا ساروا في كتابة بقية الاعداد الآلاف، غير انهم ساروا على طريقة أخرى في كتابة العدد ستة عشر ألفاٌ مثلاً. فوضعوا ستة أحرف ألف، ووضعوا إلى الجانب الأيسر من الحرف الألف الأخير الحرف عين رمز العشرة، وقد رمزت العشرة هنا عن العدد "10000"، ورمزت الحروف الستة عن "6000"، ومن مجموع الستة آلاف والعشرة آلاف يتكون العدد "0 0 0 6 1"، وفي كتابة العدد"0 0 0 31" كتبوا حرفاً واحداً من حروف الألف ليدل على الرقم ألف، ووضعوا على الجهة اليسرى منه ثلاثة أحرف عين وتعني ثلاثين ألفاً. ومن الألف والثلاثين ألفاً يتكون العدد "31000". أما في حالة كتابة الرقم "40000"، فقد اكتفوا بكتابة أربعة أحرف من حروف العين، مع أن هذه الأحرف تعني مجموع أربع عشرات، أي أربعين، بينما أرادوا بهذه الأحرف العدد "40000" في هذا الموضع. أما

(1/4815)


في رقم مثل "45000"، فقد كتبوا خمسة أحرف من حروف الألف أولاً، ثم وضعوا أربعة احرف من العين في أيسر آخر ألف، والمجموع هو خمسة آلاف وأربعون ألفاً. وفي الرقم "63000" وضعوا ثلاثة أحرف من "الألف" لتعني ثلاثة آلاف، ووضعوا نصف حرف ميم وهو رمز الخمسين، وفي أيسره حرف العين رمز العشرة،وبذلك عبروا عن الستين. ولورود هذا الرقم بعد عدد آلاف قصدوا به ستين ألفاَ. ومن مجموع ثلاثة الاف والستين ألفاً، يتكون العدد ثلاثة وستون ألفاً. وقد اكتفوا في كتابة الرقم "50000ا" بكتابة الرمز الخمسين وهو نصف حرف ميم، ووضعوا إلى الأيسر منه حرف ميم رمز المئة، وقصدوا بذلك خمسين ومئة ألف. ولو كانوا قد كتبوا حرف الميم أولاء، ثم وضعوا نصف محرف الميم إلى يساره، لكان حاصل جمع العددين خمسين ومئة. وبتقديم نصف حرف الميم وتتغير اتجاه مثلثي حرف الميم ومثلث نصف حرف الميم بجعله نحو اليمين،عبروا عن الرقم "150000" 0 أما في كتابتهم الرقم 200000، فقد كتبوا ميمين، وقد عبر كل ميم في هذا الموضع عن مئة ألف.
ويرى بعض المتخصصين بقراءة النصوص العربية الجنوبية. إن كتّاب المسند لم يتركوا كتابة حروف الألف التي تشير إلى الأعداد الآلاف إلا إذا كان العدد مدوراً، وآلافاً خالية من الأرقام الآحاد، كما رأينا في الرقم "40000"، و "150000"، و "200000".
وقد سار كتّاب المسند على قاعدة كتابة الرقم لفظاً، أي كتابة مقداره بالكلمات، وتدوين المقدار المكتوب بعد الرقم، وقد حملهم على اتباع هذه الطريقة خوفهم من الوقوع في الخطأ في قراءة الأرقام والرموز التي خصصوها بالأرقام، كما انهم اصطلحوا على رسم مستطيل تتخله خطوط تجعله على هيأة شباك تقريباً، يوضع في أيمن الرقم، أي.قبل ابتدائه، ومستطيل آخر يوضع في يسراه أي في نهاية الرقم تماماً للدلالة على إن ما هو مكتوب بين هذين الرقمين هو عدد، وبذلك تسهل قراءته.

(1/4816)


ولم يصل الينا إن كتّاب المسند استخدموا علامات خاصة بكسور الأعداد، كالأنصاف أو الأرباع أو الأثلاث أو الأخماس أو ما شاكل ذلك، أو انهم استعملوا علامات خاصة للجمع أو الطرح أو القسمة أو الضرب أو علامات للتربيع أو للجذور وأمثال ذلك من العلامات المستعملة في علوم الرياضيات. وقد عبروا عن كسور الأعداد بذكر ألفاظها. واذا لم تصل الينا كتابات في موضوعات رياضية، فلا نستطيع إن نجزم في موضوع أمثال هذه العلامات عند العرب الجنوبيين. فلعل الأيام تكشف لنا عن كتابات رياضية ترينا إن رياضيي العرب الجنوبيين كانوا أرقى كثيراً مما نظن الآن.
وللوقوف على صور الأعداد عند العرب الجنوبيين أدون نماذج من الإرقام، مقرونة بما يقابلها من الأرقام التي نستعملها عندنا في الحساب: وأما الفواصل التي تشير الى الأرقام وتوضع في أول الرقم وعند منتهاه، فهي على هذا الشكل: ومادة الكتابة عند العرب الجنوبيين، هي الحجارة والصخر والخشب والمعادن، يكتبون عليها بالحفر، ولم أسمع أن أحداً من الآثاريين حتى الآن عثر على كتابات بالمسند مدونة بالحبر على القراطيس والجلود والرق أو على ورق البردي على نحو ما كان يفعله المصريون وغيرهم. والظاهر أنهم لم يكونوا يتبعون طريقة كتّاب بابل في الكتابة على ألواح الطين. التي تجفف بعد ذلك بالشمس أو بالنار، فتكون كتابة ثابتة مدوّنة على مادة صلبة، لأن الباحثين لم يعثروا على كتابات بالمسند مدونة على هذه الطريقة.

(1/4817)


غير إن عدم وصول كتابات بالمسند مدونة على القراطيس أو الجلود، لا يعني إن العرب الجنوبيين لم يكونوا يعرفون الكتابة عليها وعلى مواد مشابهة لها، إذ لا يعقل عدم وقوف العرب الجنوبيين على استعمال الجلود والقراطيس وعظام الحيوانات مادة للكتابة، وقد كان استعمالها، في العالم يومئذ شائعاً معروفاً. ومرد السبب في عدم وصول شيء من الكتابات المدونة على تلك المواد، إلى قابلية هذه المواد للتلف، وحاجتها إلى العناية الشديدة، بدليل عدم وصول شيء ما من الكتابات المدونة على الجلود وعلى جريد النخل وعلى اللخاف والعظام والقراطيس من صدر الإسلام ومن أيام الرسول خاصة مع أهميتها وقدسيتها. وليس في استطاعة أحد أن ينكر إن القرآن الكريم قد كتب على هذه المواد المذكورة، وان الرسول قد أمر فكتبت له عدة كتب وعقود ومواثيق، ولكن بادت أصولها.

(1/4818)


والبحث في أصل المسند مثله في أصل الخط، ما زال موضع جدل بين العلماء الباحثين في العربيات.الجنوبية. فمنهم من يرجع أصله إلى الخط الفينيقي، ومنهم من يرجعه إلى كتابات سيناء حيث عثر فيها على كتابات قديمة جداً يعدها الباحثون أقدم عهداً من الكتابات العربية الجنوبية، وقد وجد بين بعض حروف هذه الكتابات وحروف المسند شبه جعلهم يذهبون إلى اشتقاق المسند من خطوط سيناء ومنهم من يذهب إلى اشتقاق المسند من الخط الكنعاني، للتشابه بين بعض حروف الخطين. وللتوصل إلى معرفة منشأ الخط المسند، لا بد من تعيين تاًريخ لأقدم كتابة مدونة بالمسند، ولم يتفق العلماء على تأريخ ثابت معين. انما رجع بعضهم تأريخ اقدم الكتابات إلى سنة 1500 أو 1300 قبل الميلاد، على حين لم يرتفع آخرون بتأريخ أقدم كتابة عثر عليها بالمسند إلى أكثر من 755 أو 850 قبل الميلاد. ولضبط هذا التأريخ أهمية جد عظيمة في البحث عن أصل منشأ ذلك الخط. ثم انه لا بد في تعيين أصل الخط المسند من النص على أسماء الحروف نصاً ليس في أمره شك، ثم لا بد أيضاً من النص على نظام ترتيب حروف المسند عند العرب الجنوبيين. وكل هذه الأمور غير متفق عليها، واذن فليس من الممكن في مثل هذه الظروف التوصل إلى حل عّلمي يوافق عليه جميع الباحثين في العربيات الجنوبية.
واذا كان أغلب الكتابات في موضوع واحد، هو التقرب إلى الآلهة بهدايا وبنذور، كان أسلوبها يكاد يكون واحداً، فهي تبدأ عادة باسم المهدي أو بأسماء المهدين، ثم يعقب ذلك فعل يشير إلى التقديم مثل استعمال فعل قدّم أو أهدى وما شاكل ذلك من أفعال مناسبة، ثم اسم الإله أو أسماء الآلهة التي قدمت لها الهدايا، يليها بيان السبب التي من أجله قدمت،. مثل شفاء من مرض أو وفاء لنذر، أو طلباً من الإلهَ أو الآلهة إن تطيل عمر المهدي، أو تشفيه من مرضه، أو لتحل له مشكلاّ وقع فيه أو مشكلات تحيط به.
القلم اللحياني

(1/4819)


ومن القلم المسند اشتق القلم اللحياني، والقلم الثمودي، والقلم الصفوي، و ذلك لأن القلم المسند متقدم في الوجود على هذه الأقلام، فلا يمكن إن يكون قد أخذ منها. ثم إن المناطق التي وجدت فيها الكتابات اللحيانية والكتابات الثمودية، كانت في حكم المعينيين والسبئيين، بدليل عثور العلماء على كتابات معينية فيها. وهذه الكتابات أقدم عهدا من الكتابات اللحيانية والثمودية، ولذلك ذهب الباحثون في اللحيانيات والثموديات إلى اشتقاق خطها من الخط المسند.
ولم ينقل أهل أعالي الحجاز القلم المسند نقلاّ تاماً، بل عدّلوا بعض حروفه وغيرّوا فيها بعض التغيير، فظهر من ذلك القلمِ القلمُ اللحياني والقلم الثمودي، غير اننا نجد أن كتابات القلم اللحياني تختلف بعض الاختلاف. وقد قسّمها "ورنر كاسكل"إلى نوعين: كتابات لحيانية متقدمة، وكتابات لحيانية متأخرة. وقد بني تقسيمه هذا على أساس قدم الكتابات وتأخرها في التأريخ. والواقع اننا نجد الكتاّب قد تحرروا في كتابة حروفهم في جميع العهود، في العهد المتقدم وفي العهد المتأخر، بحيث لم يتركوا لنا مجالاّ للاخذ بهذا التقسيم. فنراهم وقد كتبوا بعض الحروف بأوضاع قد تزيد على الخمسة. غير أننا إذا ما تصفحنا هذه الحروف المختلفة الأشكال،لا نجدها تختلف اختلافاً بينا، إنما يرجع هذا الاختلاف في الواقع إلى ضعف وقوة يد الكاتب الذي حفر تلك الكتابات على الحجارة أو الخشب أو المواد الأخرى التني حفر الكتابة فيها. فمنهم من كان قوياً في حفره للحروف، ومنهم من كان ضعيفاً، فبان هذا الاختلاف في هيئات رسم الحروف. ومن هنا أرى إن اختلاف صور الحروف، لا يدل حتماً على تطور الخط، بقدر ما يدل على مهارة أو ضعف الكاتب في الكتابة.

(1/4820)


والقلم اللحياني مثل المسند خال من الشكل، وخال من الرموز أو الحروف التي تشير إلى المدّ أو التشديد أو اًلإشباع أو الإشمام أو الإمالة وما شابه ذلك. وقد أوجد هذا النقص لقراء الكتابات اللحيانية مشكلات كثيرة في فهمها وفي ضبط الكلمات والأسماء فيها. فلفظة "زد"مثلا" المكتوبة بحرفين، قد تقرأ على أشكال مختلفة، قد تقرأ "زَ د"و "زٍ د"و "زُ د"و "زاد"و"زَيدْ" و "زود"، إلى غير ذلك من أشكالَ. وهي قد تكون اسماً، كما قد تكون فعلاً أو مصدراً، وعلى القارئ استخراج نوعها من موقعها في الجملة ومن مقتضى الحال. ومثل ذلك عن "شم"التي تعني "شيم"اسم رجل، و"كتب"بمعنى "كاتب"اسم رجل أيضاً، مع أن للكلمة عدة معان يفهمها الإنسان من موقع اللفظة في النص.
ولم يتقيد كتاب الكتابات اللحيانية تقيداً تاماً بكتابة الفواصل العمودية الني تستعمل للفصل بين الكتابات، كما تقيد بها كتّاب المسند. غير أنهم لم يسيروا في كتاباتهم على وتيرة واحدة، فنراهم يخالفونها اًحياناً فيفصلون الألفاظ بفواصل. وقد رفعت الفواصل عن الألفاظ المؤلفة من مقطع واحد، مثل مع، وكتبت مع اللفظة التي تليها. أما إذا اجتمعت لفظتان، كل واحدة منهما ذات مقطع واحد مثل "و" حرف عطف و "لِ" فالكتاب يكتبونهما على طريقة كتّاب المسند أي ممزوجتين، على هذا الشكل: "ول".

(1/4821)


وتجد في هذه الصورة كتابة لحيانية متأخرة، يظهر منها وكأن صاحبها قد كتبها على عجل، فالخط فيها سريع ضعيف يدل على عجلة، والحروف غير واضحة، وقد كتبت بطريقة الحفر بقلم من حديد أو سكين أو آلة حادة أخرى على الحجر، حفراً سريعاً، كما نكتب بسرعة في القلم. ومن هنا يختلف القلم اللحياني عن القلم المسند، يختلف عنه في عدم تمسك كتّابه بكتابة الحروف بصورة واضحة بينة وبخط قوي واضح يقرأ بسهولة. ولعل لموقع اللحيانيين ولموقع من كتب مثلهم بسرعة وبغير نظام ثابت وتقيد بهندسة الحروف وأشكالها، فيما بين الأبجديات الشمالية، والأبجدية العربية الجنوبية أثراً في هذا التغير، إذ نكاد نلمس من قراءتنا لهذه الخطوط انها تحاول الهروب من نظام المسند، المستند على الشكل الهندسي المرتب للحروف، الذي يفصل بين الحروف، والذي يحتاج الكاتب فيه إلى التأني في كتابة الحرف، فيضيع بعض الوقت بسبب ذلك، كما يحتاج إلى إشغال مكان واسع للحروف. بينما نرى الأبجديات الشمالية تقلص من حجم حروفها وتحاول جهد امكانها ربطها بعضها ببعض اختصاراً في الوقت وفي المكان وفي الجهد. وحروف هذه الأبجديات وإن بقيت محافظة على استقلالها وعلى أشكالها الدالة على انها من نبت المسند،إلا انها اتخذت صوراً متعددة، كما انها لم تتقيد بما تقيد به المسند في نظامه من السير على طريقة السطور، وهو نظام يسهل على القارئ قراءة الكتابة من اليمين إلى اليسار، أو من اليسار نحو اليمين، أو بطريقة "حلزونية"، بل خرجت على هذا النظام، ولا سيما في حالة الكتابات الثمودية والصفوية، فكتبت بصور غير منتظمة، على صورة هلال، أو كرة، أو نسيج العنكبوت، مما جعل من الصعب على القارئ فهم الكتابة، ويظهر إن ذلك انما وقع بسبب إن الكتبة كانوا من الرعاة أو الفلاحين، وان الكتابات التي عثر عليها هي من كتاباتهم، وقد كتبوها تعبيراً عن خاطر عنّ لهم، فهي لا تمثل اذن كتابات رسمية أو كتابات جماعة من المثقفين

(1/4822)


الذين يعتنون بحسن الخط، وانما هي خواطر دونت على اي حجر وجده الكاتب، ودوّنها بالشكل الذي وجده يناسب ذلك الحجر.
وهذه الكتابة التي تراها في هذه الصورة هي كتابة محفورة على لوح من الحجر، وهي من الكتابات اللحيانية المتأخرة، المحافظة على نظام السطور. وخطهّا وإن كان ضعيفاً غير أنه واضح نوعاً ما ونجد الشبه كبيراً بينه وبين المسند.
الخط الثمودي
والخط الثمودي مثل الخط المسند والخط اللحياني والخط الصفوي، خال من الشكل ومن التشديد ومن الإشباع ومن علامات للحركات تكتب مع الحروف في صلب الكلمة. ولهذا يلاقي قارئه من الصعوبات ما يلاقيه قارىء القلم المسند والقلم اللحياني. فكلمة "بت" يمكن إن تقرأ بأوجه متعددة كأن تقرأ "باتَ" فعلاً ماضياً، و "بيت" اسماً، ولفظة "عف"، تكتب بهذه الصورة، ويقصد بها "عوف" إن كتبت مع الأسماء. ولفظة "زد" هي "زيد"، ولفظة "تم" هي "تيم"، ولفظة "منت" هي "مناة"، وقد يراد بها "منيت"، أي المنية. وجملة "قنص اسد" تحتمل أن تكون على هذا النحو: "قنَصَ أسدٌ"، وقنص اسم رجل، وهو مبتدأ خبره "أسدٌ". ويحتمل أن تكون على هذه الصورة: "قنص أسداً" فتكون جملة فعلية "قنص" فيها فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقديره هو، واسداً مفعول به.

(1/4823)


غير أن بعض الكتابات قد استعملت حروف العلة: الواو والألف والياء، في بعض الأحيان لسد النقص الحاصل من عدم وجود الحركات، كما في "نور"، و "اموت" "أموت" حيث قامت "الواو" بأداء واجب إلى "أو" "U وكما في لفظة "دين"، وعظيم، حيث قامت الياء بأداء الحركة "إي" "I "ي"، وكما في "موت" "بيت" و "عليت" بمعنى كنت معتلاً، و "رضو" اسم" الإلهَ، و "مو" بمعنى ماء، و "لى" بمعنى "لي"، و"ذى" بمعنى "هذا"، و "اتا" بمعنى "أتى"، وأمثال ذلك. غير إن هذا الاستعمال لم يكن عاماً، وإنما كان خاصاً يرد في بعض الكتابات. ونجد هذه الكلمات التي ذكرتها، خالية من الحروف المذكورة، في نصوص أخرى، مما يدل على أن هذه حالات كتابية خاصة، ولم تكن قاعدة عامة متبعة في كل الكتابات.
ومن مميزات القلم الثمودي أنه لم يتقيد باستعمال الخطوط العمودية للفصل بين الكلمات، ولهذا نجد الحروف والكلمات متصلة بعضها ببعض في كثير من الكتابات لا يفصل فاصل بينها. وقلما نجدها تستعمل بعض العلامات مثل النقط أو الخطوط الصغيرة لتحديد الجمل. ثم إنه أطلق لنفسه العنان في اتباع الجهة التي يسير عليها الخط، فتراه تارةّ يسير سيرنا في الخط، أي من اليمين إلى اليسار وباتجاه أفقي، وتارة أخرى يتجه من اليسار الى اليمين. وأحياناً من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى في أحيان أخرى، كما تراه يتخذ شكل قوس في بعض الأحيان، أو أشكالاً أخرى، كأن يمزج بين هذه الطرق بحسب رغبة الكاتب وشكل المادة التي يكتب عليها. وعلى قارىء النص لذلك الأنتباه إلى هذه الاتجاهات، لمعرفة مبدأ الكلام من منتهاه.

(1/4824)


ونجد بعض الكتابات الثمودية، وكأنها رموز أو طغراء؛ إذ نجد حروفها وقد تداخل بعضها في بعض، أو بعض حروف منها وقد تشابكت بحيث يصعب على القارىء حلها. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها نوع من "الوسم"، غير أن من المهتمين بالثموديات من لا يوافقونهم على هذا الرأي، وإنما يرون أنها تمثل رموزاً دينية، أو الأحرف الأولى من أسماء كاتبيها، أو أسماء بعض الآلهة، أو ما شاكل ذلك مما كان له معنى معروف في نفوس أصحابه، وقد خفي ذلك علينا، لعدم وجود مفاتيح لدينا تحل لنا هذه الكتابات المتخذة طابع الرموز و الإشارات.
ونجد الكتابات الثمودية تعاف بعض حروف الكلمات أحياناً وتختزلها، كما في "ب"، التي تعني "ابن"، فقد تركت حرف النون واكتفت بالباء. ويستطيع القارىء ادراك معنى "ب " من القراءة. وكما في "ل" بمعنى "لنا" و "لي"، و "ب" بمعنى "بي"، أي انها تقطع الضمير اللاحق بحرف الجر في بعض الأحيان.
الابجدية الصفوية
والأبجدية الصفوية مثل الأبجدية اللحيانية والأبجدية الثمودية، أصلها من القلم العربي الجنوبي. وهي تتألف من ثمانية وعشرين حرفاً، غير إن كتاب هذا القلم قد تلاعبوا به كما تلاعب كتاب القلم اللحياني والثمودي بحروف المسند، وأوجدوا لهم منها أشكالاً أخرى ميزتها عن الأصل، فأخذ الحرف الواحد أشكالاً متعددة، تباعد أشكال بعضها تباعداً كثيراً عن الأصل، حتى عسرت على القارىء قراءة النص، وهذا مما أوجد مشاكل لقراء هذه النصوص في قراءتها قراءة صحيحة.
و "هاليفي" الذي هو أول من تمكن من تشخيص الأبجدية الصفوية، واول من سمّاها بهذه التسمية، لم يتوفق في الواقع إلا في معرفة "16" حرفاً من الحروف الثمانية والعشرين التي تتكون منها الأبجدية الصفوية. أما الحروف الباقية، فقد أخطأ في تشخيصها، حتى جاء "بريتوريوز" فتمكن من تشخيص خمسة أحرف أخرى، كما تمكن الأستاذ "ليتمان" من تشخيص هوية سبعة احرف، فاكتمل العدد ثمانية وعشرين حرفاً.

(1/4825)


ومن الصعوبات التي تعترض قارىء الكتابات الصفوية في قراءة هذه الكتابات وفي فهمها أن للحروف فيها كما قلت آنفاً جملة رسوم، وان بعض رسوم الحرف الواحد هي رسوم لحرف آخر. فبعض صور الباء هي أيضاً صور للظاء، ولهذا قد تقرأ "باء"، كما تقرأ "ظاءً". ويتشابه كذلك رسم الخاء مع التاء، واللام مع النون، والهاء مع الصاد، وكذلك رسوم حروف أخرى، فكانت من هذا كله صعوبات كبيرة تعترض الباحث في قراءة هذه النصوص وفي تثبيت معناها، ولا سيما إن هذه الأبجدية هي كالأبجديات الأخرى خالية من الشكل ومن التشديد ومن حروف العلة في أكثر الأحيان ومن المقاطع، فلا فرق فيها في الكتابة بين الفعل والاسم والفاعل والمفعول به، وفيها مصطلحات وتراكيب نحوية غير معروفة في عربيتنا أو في اللهجات السامية الأخرى. وعلى الباحث إعمال ذكائه في كشف المعاني ومواقع الكلم في هذه النصوص.
وهناك صعوبة اخرى تعترض الباحث في قراءة النصوص الصفوية تكمن في عدم وجود قاعدة معينة للابتداء في الخط. فالكاتب بهذا القلم حر كما يظهر من الكتابات في اختيار الجهة التي يبدأ بها في الكتابة، فله إن يبدأ بكتابته من اليمين إلى اليسار، أي على نحو ما نفعله نحن في كتابتنا وعلى نحو ما فعله اكثر كتاّب المسند، وله أن يكتب من اليسار إلى اليمين، أي على نحو ما يفعله الكاتبون بالأبجدية اللاتينية، وله إن يمزج بين الطريقتين كما رأينا ذلك في بعض كتابات المسند، كما إن له أن يبدأ بالكتابة من أعلى إلى أسفل، وله إن يعكس الوضع فيكتب من أسفل إلى أعلى، وله أن يبدأ بالكتابة من أيسر الجهة السفلى للحجر ويتجه إلى اليمن، ثم إلى اليسار وفي أي اتجاه أحبّ وأشتهى، وله أن يختار العكس، أو أية جهة شاء، حتى انك لترى بعض الكتابات وكأنها خيوط متداخلة، وعلى القارىء إن ينفق جهداً طويلاً في استخراج رأس الخيط واستلاله للوصول إلى منتهاه.

(1/4826)


والكتابات الصفوية مثل الكتابات الثمودية واللحيانية هي في أمور شخصية، فهي إِما في بيان ملكية شيء، أو في تعيين قبر أي كتابات قبورية، أو في رجاء وتوسل إلى الآلهة. وإما تسجيل خاطر، مثل تذكر أهل أو صديق أو حبيبة أو نزول في مكان أو في تعليق على كتابة قديمة. وكتابات مثل هذه تكون قصيرة في الغالب، وقد تكون من كلمة واحدة في بعض الأحيان. ولما كان معظمها في هذه الأمور، صارت أساليبها في الانشاء متشابهة، لا تختلف أحياناً إلا في أسماء أصحابها. وهي لذلك لا تفيدنا كثيراً من ناحية الدراسات اللغوية، غير أنها مع ذلك أفادتنا فاثدة كبيرة في نواحي أخرى، من مثل الكشف عن أسماء آلهة العرب الجاهلين، أو أسماء القبائل والأشخاص والنبات والحيوان وبعض العادات وغير ذلك مما يتصل بحياة العرب قبل الإسلام.
وترى في هذه الصورة كتابة صفوية وقد كتبت على شكل ثعبان، إذ لم يسر كتابتها على طريقة الكتابة بالسطور، وتكتب بعضها فوق بعض. وهي من الكتابات المؤرخة، وترى بعض الحروف مشابهة لحروف المسند، أما البعض الآخر، فقد ابتعد كثيراً عن الأصل.
وفي هذه الصورة لثانية كتابة صفوية، وقد كتبت على النحو الذي نراه في الصورة، وقد تصرف كاتبها في الحروف، تصرفاً تظهر عليه روح الاختزال وتصغير حجم الحرف وهي من الكتابات المؤرخة.
والصفوية مثل اللهجات العربية الأخرى في خلوّها من الشكل، لذلك تجابه الباحث في قراءة كتاباتها ما يجابهه قارىء اللهجات الأخرى من مشكلات في فهم الكتابات فهماً صحيحاً واضحاً، فلا بدّ من الاستعانة بعربية القرآن الكريم وباللهجات السامية لفهمها فهماً صحيحاً، ولم يحفل الكتاب بتثبيت الحروف في صلب الكتابة باعتبارها تعبيراً عن الحركات، ولم يستعملوا المقاطع المعبرة عن الأصوات، لضبط النطق. وقد يكتب فيها الحرف مرتين في مواضع نستعمل لها الشدّة في عربيتنا.

(1/4827)


ومادة الكتابات الصفوية، هي الحجارة الطبيعية بأشكالها المختلفة، يأخذها الكاتب فيحفر عليها بآلة ذات رأس حاد الكلمات التي يريد تدوينها. أما الورق أو المواد المشابهة الأخرى المستعملة في الكتابة، فلم يعثر على شيء منها مكتوب بهذه الأبجدية.
ويجب إن أبين إن هذه الكتابات اللحيانيهّ والثمودية، والصفوية، لا تعني انها خطوط "بني لحيان"، و "قوم ثمود" بالضرورة، فبين الكتابات المنسوبة إلى مجموعة من هاتين المجموعتين ما لا يمكن عده من كتابة قوم من "بني لحيان" ولا من قوم ثمود، وانما هي من كتابات قبائل أخرى، وقد أدخلت في الخط اللياني أو في القلم الثمودي، لمجرد تشابه الخط. وقد ذكرت إن الكتابة الصفوية، انما عرفت بهذه التسمية، بسبب عثور العلماء عليها في "الصفاة" في الغالب، فنسبوها إلى هذه الأرض، مع إنها قبائل وعشائر مختلفة. ويلاحظ إن التباين في إشكال الحروف داخل المجموعة الواحدة مثل اللحيانية، والثمودية والصفوية، لا يقل عن التباين الذي نراه بين صور الحروف المكونة لهذه المجموعات. فأنت ترى في هذه الصورة وقد كتب حرف الألف في الصفوية بصور متباينة، تكاد تجعل من الصعب التوصل إلى إنها تمثل كلها هذا الحرف، ثم ترى الحرف نفسه في "الثمودية"، وقد كتب بصور متباينة، ويقال نفس الشيء بالنسبة لهذا الحرف في الكتابة اللحيانية. ونجد هذا التباين في كل الحروف الباقية كذلك، أما المسند، فلا نجد فيه هذا التباين، مما يحملنا على ارجاع سببه إلى ضعف وقوة يد الكتاب، والى تباين القلم الذي يكتب به. فالمسند قلم، استعمل في تدرينه قلم حاد قوي، حفر الكتابة على الحجر حفراً وبعناية، بسبب إنها وثائق وكتابات ذات أهمية بالنسبة لكاتبها، أما الأقلام الأخرى، فقد استعملت في التعبير عن خواطر في الغالب، لذلك سجلها كاتبها بأي أداة وجدها أو كانت عند تؤدي إلى إحداث خدش أو خفر على المادة التي وجدها أمامه صالحة للكتابة، فنقش عليها رأيه بسرعة

(1/4828)


وبغير تأنق، فظهرت الخطوط متباينة متغاريرة لهذا السبب، كما ترى في هذه الصورة
الترقيم
لقد تحدثت عن الترقيم عند الصفويين، وذكرت أنهم ساروا في من الواحد إلى الخمسة على أساس وضع خطوط عمودية، يمثل كل خط منها العدد "1". فإذا أرادوا كتابة الرقم "1"، وضعوا خطاً واحداً يمثله. وإذا أرادوا كتابة "2"، وضعوا خطين عموديين. وإذا أرادوا العدد "3"، وضعوا ثلاثة أعمدة. وإذا أرادوا العدد "4"، كتبوا أربعة خطوط عمودية. وأما إذا أرادوا الرقم "5" وضعوا خمسة خطوط.
وكتابة الأرقام من المسائل العويصة التي جابهت الكتّاب في الأزمنة القديمة. وقد كان كتاّبهم يكتبون بالحروف، ولكنهم كانوا إذا أرادوا تدوين الأرقام تحيروا: هل يكتبونها كتابة بالحروف أو يجعلون لها رموزاً خاصة تشير إلى الأعداد. وقد وجدنا أن العرب الجنوبيين كانوا قد اختاروا الخط العمودي لتمثيل الرقم "1"، فإذا أرادوا الرقم "2"، وضعوا خطين، وإذا أرادوا الرقم "3"، وضعوا ثلاثة خطوط. وإذا أرادوا الرقم "4"، وضعوا أربعة خطوط. ولصعوبة الاستمرار على هذه الطريقة، بسبب كبر الأعداد، اختاروا الحرف الأول من لفظة خمسة وهو الخاء لتمثيل العدد "5"، واختاروا الحرف "ع" وهو الحرف الأول من العدد عشرة لتمثيل هذا العدد، واختاروا رموزاً أخرى كما رأينا لمعالجة مشكلة العدد عندهم، فحلوا بذلك عقدة الترقيم بعض الحل، ولم يبلغوا منه التمام.

(1/4829)


وقد اختارت بعض الشعوب النقط، بدلاً من الخطوط. فالرقم "7" مثلاً تمثله سبع نقط، والرقم "31" تمثله ثلاث نقط. وسارت شعوب أخرى عل طريقة الخطوط فرمزوا عن الرقم "5" بخمسة خطوط، وعن الرقم "0 ا" بعشرة خطوط عمودية، وعن الرقم "5ا" بخمسة عشر خطاً عمودياً. ودفعتهم صعوبة كتابة الأرقام الكبيرة بهذه الطريقة، إلى التفكير في طريقة أخرى تكون مختصرة بعض الاختصار وسهلة في التعبير عن قيم الأرقام، فاختار بعضهم النقطة رمزاً عن العدد "0 ا"، واختار بعض آخر خطاً أفقياً ليكون ذلك الرمز، وبذلك سهلت عليهم كتابة الأرقام الآحاد مع العشرات. فإذا أرادوا كتابة الرقم "0 ا"، وضعوا نقطة واحدة"."أو خطاً افقياً على هذا الشكل - ليشير الى الرقم "10"، وإذا أرادوا الرقم "1 ا"، كتبوه على هذه الصورة: "10" أو "- 1".
وإذا أرادوا الرقم "15"، كتبوه على هذا الشكل "0 111 11" أو على هذا الشكل: "- 11111".
وغيّر الفينيقيون وبنو إرم وأهل تدمر بعض التغيير في شكل الخط الأفقي الدال على العدد "10"، بأن جعلوا في طرفه الأيمن خطاً ممتداً إلى الأسفل قليلاً على شكل زاوية متجهة نحو اليسار. ثم أجرى النبط تعديلاً يسيراً في هذه العلامة الجديدة بأن جعلوا رأسها متجهاً إلى أعلى اليمين، اي نحو الزاوية اليمنى للمادة التي يكتب عليها. أما مؤخرتها، فقد وجهوها نحو الجهة الجنوبية اليسرى.

(1/4830)


وقد سار الفينيقيون وبنو إرم على طريقة الترقيم بالخطوط العمودية للأعداد من "1" إلى العدد "9". ولتسهيل قراءة الأعداد التي تزيد قيمتها العددية على ثلاثة، جعلوا كل ثلاثة خطوط متقاربة، بحيث تظهر في شكل مجموعة واضحة، وتمثل هذه المجموعة الرقم "3"، ووضعوا على يسار هذه المجموعة ما يكملها لتكوين العدد المطلوب. فكانوا إذا أرادوا مثلاً كتابة الرقم "5"، كتبوه على هذه الصورة: "111 11" اي الرقم "3" الذي تمثله ثلاثة خطوط عمودية منضمة بعضها إلى بعض، ثم الرقم "2" الذي يمثله خطان منضمان، وبين هذين الرقمين فراغ قليل يفصل بين العددين. واذا أرادوا الرقم "6" كتبوه مجموعتين متجاورتين، كل مجموعة ذات ثلاثة خطوط منضمة، وبين المجموعتين فراغ صغير. غير إن بعض الكتابات كتبت الرقم "6" على هذا الشكل: 111 أي انها وضعت الرقمين ثلاثة أحدهما فوق الآخر، ليشير هذا الوضع إلى حاصل جمع العددين، وهو ستة.
وقد اصطلح النبط على اتخاذ علامة خاصة بالعدد "4" جعلوها على هيأة التاء في المسند، أي على هذا الشكل: "?"، كما اصطلحوا على اتخاذ علامة اخرى خاصة بالرقم "5"، شكلها قريب من شكل الرقم "5" في الحروف اللاتينية، اي على هذا الشكل تقريباً: " 5". على حين رمز غيرهم مثل أهل تدمر عن الرقم "5" برمز يشبه حرف ال" Y" في الأبجدية اللاتينية. فإذا أرادوا كتابة الرقم "6"، وضعوا الرقم الذي يرمز عن العدد "5"، ووضعوا خطاً على يساره ليشير بذلك إلى العددين خمسة زائداً واحداً "5 + 1" " Y ا" ومجموعهما. ستة. واذا أرادوا الرقم "7"، كتبوا خمسة زائداً خطين يوضعان على يسار الرقم "5"، ليتكون من العددين العدد "7"، " Y11"، وهكذا العدد "9".

(1/4831)


وقد سار الكتّاب في ترقيم الأعداد التي بعد العشرة على طريقتهم التي اتبعوها في السير أفقياً في الترقيم، إلا في حالات قليلة ساروا على طريقة وضع الأرقام بعضها فوق بعض، وجعلوا للرقم "20" علامة تتألف من نقطتين إحداهما فوق الأخرى، أو من خطين أفقيين أحدهما فوق الآخر على شكل علامة مساوٍ "=" في علم الحساب، أو من علامة تشبه حرف الشين في المسند "4"، أو من علامة تشبه حرف ال " N" في اللاتية. ووضع النبط للعشرين علامة تشبه ال " 3" اللاتيني في بعض الأحيان، وتشبه الرقم " 8" اللاتيني في أحيان أخرى، غير انهم فتحوا النهاية السفلى من الرقم " 8" جعلوها مفتوحة في الغالب.
وتكتب الأعداد الآحاد على الجهة اليسرى من العشرات، فإذا أردنا كتابة الرقم "11"، كتبنا الرقم "10" أولاً ثم العدد "1" من بعده ويكتب الى يسار الرقم "10". فإذا أردنا كتابته على الطريقة الفينيقية أو الإرمية، كتبناه على هذه الصورة: "- ا". واذا أردنا كتابته على طريقة اهل تدمر أو طريقة النبط، وضعنا العلامة التي وصفتها الخاصة بالعشرة، ووضعوا الى يسارها خطاً واحداً يمثل العدد "1"، واذا أرادوا العدد "12"، وضعوا خطين بعد الرقم "10"، واذا أرادوا "13" وضعوا ثلاثة خطوط. واذا أرادوا "14"، وضعوا أربعة خطوط. أما إذا أرادوا الرقم "15"، فإن منهم من وضع خمسة خطوط بعد الرقم عشرة كما كان يفعل الفينيقيون، ومنهم من اتبع هذه الطريقة وطريقة تمثيل العدد بخطوط، فوضع خمسة عشر خطاً لهذا العدد. ومنهم من وضع بعد العلامة الخاصة بالرقم "10" العلامة الخاصة بالرقم "5" كالنبط وأهل تدمر.
أما مكررات العشرة، فتكتب على هذه الصورة. إن كان العدد العشرات

(1/4832)


من الأعداد الزوجية فيكتب العدد بقدر احتواء العدد المراد تسجيله على العدد عشرين. فإذا أردنا كتابة الرقم "40"، كتبنا الرقم "20" مرتين، وإن كان العدد "60"، كتبنا العدد "20" ثلاث مرات. وإن كان العدد "80"، كتبناه أربع مرات. أما إذا كان العدد العشرات من غير الأعداد الزوجية كما في مثل ثلاثين، فإننا نكتب العدد "20" أولاً ثم نضع الرقم "0 ا" على يساره، فيتكون من مجموع قيمة العددين "30" 0 أما إذا أردنا الرقم "70" مثلاً، كتبنا العدد "20" ثلاث مرات، ثم العدد "10" على الجهة اليسرى من الأرقام الثلاثة. وقد كتب هذا العدد في بعض الكتابات الإرمية بست نقُط: ثلاث نقط في أعلا وثلاث نقط في أسفلها، ونقطة على الجهة اليسرى من المجموعتين وفي مقابل الموضع الوسط الذي يكون الحد الفاصل بين المجموعتين وعلى هذا الشكل "000" أما العدد مئة، فقد رمز عنه بعلامات متعددة، منها هذه العلامات: "15" و " "و "". ونرى أن العلامة الأولى هي توسيع للرقم الذي رمز إليه عن العشرة. وقد اتخذ النبط علامة تشبه الرقم "9"، أو الحرف " P" في اللاتينية. وقد سبق أن ذكرت إن العرب الجنوبيين كانوا قد اتفقوا على اعتبار الحرف الأول وهو الميم من لفظة مئة هو الرمز الذي يشير إلى العدد، واعتبروا نصف هذا الحرف رمزاً على العدد "50" باعتبار إن الخمسين نصف المئة،فنصف الحرف ميم هو رمز عن هذا العدد.
أما العدد الألف، فقد وجدت له في بعض الكتابات علامات خاصة. وقد رمز عنه الفينيقيون وبنو إرم بعلامة هي عبارة عن خط مائل يتصل به ما يشبه نصف القوس من جهة اليمين، ورأس الخط مائل إلى ايمن، أما أسفله فمتجه نحو اليسار.

(1/4833)


و لم ترد في الكتابات الصفوية أرقام كثيرة، لذلك لا نستطيع أن نحكم على طريقتهم في الترقيم وفي العدّ. غير أن في استطاعتنا القول، استناداٌ إلى هذه النماذج،القليلة التي وصلت الينا، انهم اتبعوا في الترقيم الطريقة النبطية وطريقة أهل تدمر، ولم يتبعوا طريقة العرب الجنوبيين في تدوين العدد. ويمكن ارجاع سبب ذلك إلى اتصالهم اتصالا مباشراً بالنبط وبأهل تدمر، والى تأثرهم بثقافتهم. ولما كانوا محتاجين إلى تدوين الأرقام اضطروا إلى اقتباس طريقة النبط وأهل تدمر في كتابة الأعداد بالأرقام.
ونجد في الجدول المقابل كيفية تدوين الأرقام في الفينيقية الآرامية،والتدمرية، والنبطبة. وهي تختلف اختلافاً بيناً عن صور الأرقام التي نستخدمها اليوم في عربيتنا. ونلاحظ إن من بين الترقيم في المسند، وبين الترقيم في هذه الأبجديات تشابه كبير إلى حد الرقم "4"، ثم يختلف، فقد اخذ العرب الجنوبيون الحرف الأول من لفظة "خمسة"، وجعلوه رمزاً إلى العدد "5"، بينما اتبع الباقون طريقة التخطيط بالرقم "1" إلى العدد "9" في الفينيقية، ثم بدلوا الطريقة. وسلكت هذا المسلك الأبجدية الارامية، أما الابجدية التدمرية والابجدية النبطية، فقد اتبعتا سبيلا" آخر، فيه اختلاف في بعض الأعداد، ولكن بينهما تجانسا بوجه عام. مما يدل على أنهما أخذا الترقيم من منبع واحد.
الفصل الثالث والعشرون بعد المئة
الكتابة و التدوين
لا خلاف في أن التدوين كان معروفاً عند العرب قبل الإسلام، بدليل ما تحدثنا عنه من وجود الاْلوف من النصوص الجاهلية التي عثر عليها في العربية الجنوبية وفي العربية الغربية وفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب. كتبت بلهجات عربية متنوعة، تختلف عن عربية القرآن الكريم، اختلافاً متبايناٌ، أقربها إلى عربيتنا الكتابة التي وسمت ب "نص النمارة""أو كتابة النمارة، التي هي شاهد قبر "امرئ القيس"، المتوفى سنة "328" للميلاد، والكتابات الأخرى التي كتبت بعده.

(1/4834)


ولا خلاف بين العلماء في أنهم لم يتمكنوا حتى الآن من العثور على أي نص جاهلي مكتوب بهذه اللهجة التي نزل بها القرآن، والتي ضبط بها الشعر الجاهلي، لا من الجاهلية البعيدة عن الإسلام، ولا من الجاهلية القريبة منه، مع أنهم تمكنوا من العثور على كتابات جاهلية مدونة بلهجة عربية أخرى، تعود إلى عهد لا يبعد كثيرا عن الإسلام، مثل النص المعروف بنص "حران"المدون سنة "568 م".
وإذا صح أن الكتابة المعروفة ب "أم الجمال"الثانية، هي كتابة جاهلية أصيلة، تكون أول نص يمكن أن نعتبره بحق وحقيقة من النصوص المدونة بلغة القرآن والشعر الجاهلي. ويرجع العلماء الذين درسوه تأريخه إلى أواخر القرن السادس للميلاد. وقد جاء فيه: 1 - الله غفرا لاليه 2 - بن عبيده كاتب 3 - الخليدا على بنى 4 - عمرى كتبه عنه من 5 - يقروه ولكن عبارة واسلوب تدوين الكتابة، يوحيان للمرء، أنها من الكتابات المدونة في الإسلام. واًنا أشك في كونها من مدونات أواخر القرن السادس للميلاد، حتى إذا ذهبنا أن صاحبها كان نصرانياً، وأن لفظة "غفرا" من الألفاظ الدينية التي كان يستعملها النصارى، فلا غرابة من ورودها في نص جاهلي، لأنها كتابة نصرانية. وحجتي أن أسلوبها يفصح عن اسلوب الكتابات الإسلامية القديمة التي دونت في صدر الإسلام. وقد تكون في القراءة بعض الهفوات والشطحات، على كلّ فإن الزمن بين العهدين غير بعيد، ثم إن استعمال "التاء القصيرة" في "عبيدة " الاسم الوارد في السطر الثاني من النص لم يكن معروفاً في هذا العهد ولا في صدر الإسلام، لذلك أرى أنها من الكتابات الاسلامية. وفيها هفوات.

(1/4835)


وبناءً على ما تقدم نقول إننا لم نتمكن من الحصول على نص جاهلي مدوٌن بلغة عربية قرآنية، لا شك في أصالته، ولا شبهة في كونه جاهلياً. وأن أقدم ما عثر عليه من كتابات بهذه العربية، هي كتابات دوّنت في الإسلام. في رأسها الكتابات التي عثر عليها مدوّنة على جبل "سلع"قرب المدينة، يرى "الدكتور حميد الله "أنها ترجع إلى السنة الخامسة للهجرة.
ثم الكتابة التي كتبت على شاهد قبر رجل اسمه "عبد الله بن خير"، أو "عبد الله بن جبر."الحجازي أو الحجري،المحفوظة في دار الآثار العربية بالقاهرة ويعود عهدها إلى "جمادى الآخرة "من سنة احدى وثلاثين.

(1/4836)


ولا خلاف بين الباحثين في أن كل ما وصل الينا من نصوص جاهلية إنماهو بلغة النثر، إذ لم يعثر حتى الان على نص مكتوب شعراً. ونظراً إلى وجود التدوين عند أصحاب هذه النصوص، ونظراً لأن الشعر، شعور، لا يختص بإنسان دون إنسان، وبعرب دون عرب،فأنا لا استبعد احتمال، تدوين الجاهليين الشعر أيضاً، مثل تدوينهم لخواطرهم وأمورهم نثراً. دوّنوه بلهجاتهم التي كتبوا بهاّ. وهي بالنسبة لهم لهجاتهم الفصيحة المرضية. أما سبب عدم وصول شيء مدون منه الينا، فقد يعود حسب رأيي، إلى أن تدوين الشعر والنثر يكون في العادة على مواد قابلة للتلف، مثل الجلود والخشب والعظام وما شاكل ذلك، وهي لا تستطيع مقاومة الزمن، لا سيما إذا طمرت تحت الأتربة، ثم هي معرضة لالتهام النار لها عند حدوث حريق، أو للتلف إن أصابها الماء، أضف إلى ذلك أنهم كانوا يغسلون الجلد المكتوب، للكتابة عليه مرة أخرى،لغلاء الجلود، وهو ما حدث عند غير الجاهليين أيضاً. ونجد في المؤلفات الاسلامية أمثلة كثيرة على غسل الصحف المكتوبة للكتابة عليها من جديد. ورسائل النبي وكتبه وأوامره إلى عماله ورسله على القبائل، فقد فقدت وضاعت مع ما لها من أهمية في نظر المسلمين، وقل مثل ذلك عن كتب الخلفاء، فلا نستغرب من ضياع ما كان مدونا من شعر جاهلي،فقد نص مثلاً على إن الشاعر "عدي ابن زيد"العبادي، وكان كاتبأَ مجوداً بالعربية وبالفارسية حاذقاً باللغتين قارئاً لكتب العرب والفرس، كان يدون شعره وهو في سجن النعمان ويرسل به إلى الملك، يتوسل إليه فيه أن يرحم به، وأن يعيد إليه حريته، وكان الشعر يصل إلى الملك، فلما طال سجنه صار يكتب إلى أخيه أبي بشعر، لم تبق من أصوله المكتوبة أية بقية، وقد ضاعت أصول شعره المكتوب المرسل إلى النعمان كذلك،حتى اننا لا نجد أحداً من رواة شعره يروى أنه رجع اليها فنقل منها، مما يبعث على الظن أنها فقدت من عهد بعيد عن بداية عهد التدوين.

(1/4837)


ويدفعنا موضوع التدوين إلى البحث عن تدوين الأدب والعلم عند الجاهليين،وعما إذا كان للجاهليين أدب منثور وعلم مدوّن ? لقد ذهب بعض الباحثين إلى وجود هذا الأدب عند أهل الجاهلية، وتوقف بعض آخر، فلم يبد رأياً في الموضوع، وتوسط قوم، فقالوا باحتمال وجود تدوين أو شيء منه عندهم، إلا أنهم أحجموا عن الحكم على درجة تقدمه واتساعه في ذلك العهد. لعدم وجود أدله ملموسة يمكن اتخاذها سنداً لابداء رأي واضح علمي في هذا الموضوع.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أنه لو كانت هنالك مدوّنات في الأدب، لما خفي ذكرها وطغى اسمها حتى من ذاكرة أهل الأخبار، ومن أحاديث الرواة. إنه لو كان أهل الجاهلية قد زاولوا التأليف وتدوين العلم، لما اقتصر علم أهل الأخبار في الأدب على ذكر قطع من الحكم، يشك في صحتها، وعلى إيراد الشعر رواية وعلى رواية بعض القصص والأمثال، وسردهم كل شيء يتعلق بأمر الجاهلية رواية. وانه لو كان لديهم تأليف منظم، لسار على هديهم من جاء بعدهم في الإسلام، وسلكوا مسلكهم في التدوين: تدوين الكلام المنثور وتدوين الكلام الموزون المقفى، وحيث أن احداً لم يذكر اسم مدون من مدونات أهل الجاهلية، وحيث أن المسلمين لم يشرعوا بالتدوين إلا بعد حين، فلا يمكن لأحد النص بكل تأكيد على وجود تدوين عند الجاهليين.

(1/4838)


ولم نعثر على خبر في كتب أهل الأخبار يفيد أن أحداً من الرواة والعلماء أخذ نص كلام حكيم من حكماء الجاهلية، أو خبر أو شعر من صحف جاهلية،أو من كتب ورثوها من ذلك العهد. هذا "قس بن ساعدة"الايادي، مع ما قيل عنه من أنه كان كاتبا قارئاً للكتب، واقفاً على كتب أهل الكتاب، خطيباً عاقلاً حكيماً، وان العرب كانت تعظمه وضربت به شعراؤها الأمثال، وأنه كان خطيب العرب قاطبة، نجدهم يختلفون في خطابه المعروف، ويروونه بمختلف الروايات، حتى ذكر أن الرسول كان قد سمعه، وسمع خطابة، فلما جاء ذكره، وأراد أن يتذكر خطابه، وجد بين الصحابة اختلافاً في تلاوته، لأنه لم يكن مدوناً، ولو كان مدوناً لم يختلف فيه.
وليس في الأخبار عن الجاهلية خبر يفيد أن السدنة أو غيرهم من الساهرين على الأصنام والأوثان وبيوتها ألفوا كتباً في الوثنية وفي أحكامها وقواعدها. أما اليهود والنصارى، فقد كان لهم علماء يشرحون للناس في معابدهم أحكام دينهم، ويعلمونهم الكتابة والقراءة وما في كتبهم المقدسة من أوامر ونواه. فكان " ايو الشعثاء، وهو رجل ذو قدر في اليهود، رأس اليهود التي تلي بيت الدراسة للتوراة". وهو من يهود بني ماسكة. وكان آخرون بينهم يعلمونهم أحكام دينهم في بيت المدارس.
وفي لغة الجاهليين مفردات تستعمل في القراءة والكتابة، مثل: قلم،وقرطاس، ودواة، ومداد، ولوح، وصحف، وكتاب، ومجلة، وغير ذلك لا يشك في استعمال الجاهليين لها، لورودها في القرآن الكريم. وورودُها فيه، دليل على استعمالهم لها. وورد بعضها أيضاً في الحديث النبوي وفي الشعر الجاهلي. ويفيدنا حصر هذه الألفاظ وضبطها في تكوين رأي علمي صحيح سديد في الكتابة والقراءة عند الجاهليين، والمؤثرات الخارجة التي أثرت في العرب في هذا الباب، وفي تكوين رأي قاطع في الجهة التي أمدت العرب كثيراً أو قليلا بعلمهم في قلمهم العربي الشمالي الذي يكتب به إلى هذا اليوم.

(1/4839)


وأعتقد إن من واجب علماء العربية في هذا اليوم، العمل على حصر ألفاظ العلوم والحضارة والثقافة التي ثبت لديهم استعمال الجاهليين لها، وتعيين تأريخ استعمالها وأصولها التي وردت منها إن كانت أعجمية دخيلة، والاستشهاد بالأماكن التي وردت فيها، ففي هذا العمل العلمي، مساعدة كبيرة للباحثين على تشعب علومهم وموضوعاتهم في الوقوف علي تطور الفكر العربي قبل الإسلام. ولا أقصد الإحاطة بالمفردات الواردة في الشعر الجاهلي أو القرآن الكريم أو الحديث النبوي أو معجمات اللغة وغيرها من الموارد الاسلامية وحدها، بل لا بد من اضافة المفردات الواردة في الكتابات الجاهلية التي عثر والتي سيعثر عليها إلى تلك المادة لأنها مادة العصر الجاهلي وجرثومة اللغة، وبدونها لا تسعنا الاحاطة بلغة أهل الجاهلية وبتطور فكرهم ابداً.
ومن يراجع الموارد العربية وعلى رأسها المعجمات، يدرك الصعوبات التي يلاقيها المرء في الحصول على مادة ما،لعدمُ وجود الفهرسة للالفاظ والمواد في معظم هذه الموارد، فعلى المراجع قراءة صفحات وأجزاء أحياناً للحصول على شيء زهيد. ولهذا زهد معظم المؤلفين في مراجعة ما هو مطبوع مع أهميته ودسم مادته، لأن الصبر قاتل، والاكثار من المراجعة عمل شاق مرهق، والحياة تستلزم السرعة والانتاج بالجملة، وقد ماتت همم الماضين، وحلت محلها عجلة المستعّجلين الذين يريدون الانتاج السريع الخفيف الجالب للاسم والمال.

(1/4840)


وبعض الألفاظ الخاصة بالكتابة والقراءة، هي ألفاظ معربة، وإن وردت عند الجاهلين واستعملت قبل الإسلام بزمن طويل، عرّب بعضها عن اليونانية، وعرّب بعض آخر عن الفارسية أو السريانية أو القبطية، وذلك بحسب الجهة التي ورد منها المعرب ووجد سبيله إلى العربية، ويمكن التعرف عليه بمقابلة اللفظ العربي مع اللفظ المقابل له عند الأمم المذكورة، وبضبط الزمن الذي استعمل فيه والظروف المحيطة به، للتأكد من أصله، فقد يكون عربيا أصيلاَ انتقل من العرب إلى تلك الأقوام، وقد يكون العكس، نتمكن من الحصول على دراسة علمية قيمة في باب المعربات والتبادل الفكري بين الجاهليين والأعاجم.
والقلم، هو من أدوات الكتابة المذكورة عند الجاهليين. وقد ذكر في القرآن الكريم. اقسم به في سورة "ن والقلم"، وعظم وفخم شأنه في سورة العلق. يكتب به على الورق والرق والجلود والقراطيس والصحف ومواد الكتابة الأخرى، وكان يتخذ من القصب في الغالب، فتقطع القصبة قطعاً يساعد على مسكه باليد، ثم يبرى أحد رأسيها، ويشق في وسطه شقاً لطيفاً خفيفاً يسمح بدخول الحبر فيه، فإذا أريدت الكتابة به، غمس في الحبر، ثم كتب به. ويعرف هذا القلم بقلم القصب، تمييزاً له عن الأقلام المستعملة من مواد أخرى.
ولفظة "القلم" من الألفاظ المعربة عن أصل يوناني، فهو"قلاموس"في اليونانية، ومعناها القصب، لأن اليونان اتخذوا قلمهم منه.
وينبت القصب في مواضع من جزيرة العرب حيث تتوافر المياه. وقد أشار "بلينيوس" Pliny، في تأريخه إلى قصب Kalamus عربي، وقصب ينمو في الهند، وذكر أنهم يستعملونه في عمل الأنسجة.
وهناك نوع من القصب قوي متين، يطول فيستعمل في أغراض متعددة، يقال له "قنا"، ومنه "القنى"و "القناة"التي يستعملها المحاربون، وتعرف ب "قنة"في العبرانية. وكانوا يستوردونه من "صور".

(1/4841)


وقد وردت لفظة "القلم"و "قلم"في شعر عدد من الشعراء الجاهليين في شعر لبيد وعديّ بن زيد العبادي والمرقش وأمية بن أبي الصلت وغيرهم ممن وقفوا على الكتابة وكانت لهم صلات بالحضارة وبأصحاب الديانات. وذكر أن الخط يكون بالقلم.
ويعرف القلم ب "المِزْبرَ"كذلك، من أصل زبر بمعنى كتب. وقد ذكر في الحديث النبوي. ويعرف ب "المِرقمَْ"أيضاً، إذ هو أداة للرقم، أي الكتابة.
ويقط القلم بمقطة، وتستعل السكين في بريه أيضاً. ويعتني بذلك حتى يكون القلم جيداً سهلاً في الكتابة. ويقال للسكين: المدية على بعض لهجات العرب. والقلم قبل أن تبريه: أنبوبة، فإذا بريته، فهو قلم. وما يسقط منه عند البري: البُرايةُ. والمِقطُّ: ما يقط عليه. والقط: القطع عرضاً، والقدّ: أن يقطع الشيء طولا.
وهناك انواع أخرى من الأقلام غير قلم القصب، صنعت من الحديد. وقد استعمل العبرانيون وغيرهم أقلاماً من حديد ذات رؤوس من الماس، ليكتب بها على صفائح من الحجر أو من المعدن، كما استعملوا القلم الحديد أو القلم الرصاص وأقلاماً من معادن أخرى للكتابة بها على صفائح من الخشب مغطاة بشمع. ولهذا القلم رأسان: رأس محدد للكتابة، ورأس مفلطح. لمحو الغلطات وتسوية سطح الشمع ثانية، كما استعملت الفرشاة لرسم الحروف، واستعمل أيضاً ريش الطيور. وقد عرف القلم المصنوع من الحديد. ب "عيت" ET عند العبرانيين.
وذكر إن "زيد بن ثابت" دخل على رسول الله وهو يملي في بعض حوائجه، فقال: "ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملى به".

(1/4842)


وقد استعملوا السكين والآلات الحادة في الكتابة على الخشب أو الحجر، كما استخدموا الفحم وكل ما يترك أثراً على شيء، مادة للكتابة. وذلك حين يعن لهم خاطر أو حين يريدون ابلاغ رسالة أو تقييد أمر هام، مثل وقوع اعتداء على شخص، فيكتب ما وقع له، وهو لا زال متمكنا من الكتابة،على ما قد يكون عنده، حتى يعلم بمصيره من قد يمر به ميتا. وقد حقر "قيسبة بن كلثوم السكوني" على رحل "أبي الطمحان القيني" رسالة، دوّنها بسكين. ودوّن أحدهم، وهو يحتضر، خبر قتله على راحلة قاتله، بعد أن غافله، ذكر فيها اسم قاتله. وهناك أمثلة أخرى من هذا القبيل، توسل فيها كاتبوها بمختلف الوسائل لايصال رسائلهم إلى من يريدون وصولها لهم. وقد وصلت بعضها وجاءت بالنتائج التي كان يريدها أصحابها منها.
وأما المادة التي يكتب بها، فهي عديدة، أهمها: الحبر، ويعرف أيضاً بالمداد ويصنع من مواد متعددة تترك أثراً في المادة التي يكتب عليها. من ذلك الزاج وسخام المصابيح، يمزج مع مادة لزجة مثل صمغ العفص أو صمغ اخر، فيكتب به. ولما كان الحبر أسود، قيل له "ديو"في العبرانية، وقد عرف بهذا المعنى أي "سواد"في اليونانية كذلك وعرف ب Atramentumفي اللاتينية، وهي في المعنى نفسه.
وقيل للمداد "نقِس"، وقد وردت اللفظة في بيت شعر للشاعر "حميد بن ثور" حيث قيل إنه قال: لمن الديار بجانب الحبس كخط ذي الحاجات بالنقس
وأشير إلى "المداد"في شعر ل "عبد الله بن عنمة"، حيث يقول: فلم يبق إلا دمنة ومنازلٌ كما رُدّ في خط الدواة مدادها
وقد ذكر "المداد" في القرآن: "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر، قبل أن تنفد كلمات ربي"، "يقول عز ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات ربي"، فالمداد إذن من الألفاظ التي كانت مستعملة قبل الإسلام.

(1/4843)


وقد صنُع الحبر من مواد مختلفة، صنعه العبرانيون من سخام المصابيح، أما المصريون فصنعوه من مواد متعددة، فصار اتقن من المداد العبراني، ولذلك حافظ على بريقه ولونه، كما أنه لا يمحى بسهولة، بينما كان الحبر العبراني قابلا" للغسل بكل سهولة. ولا نجد بين العلماء اتفاقاً في أصل معنى "الحبر"، مما يدل على أن اللفظة من المعربات. أما المداد، فذكر علماء اللغة، أنه ما مددت به السراج من زيت ونحوه، ثم خص بالحبر. والظاهر أنها أخذت من سخام الزيت الذي يحترق في السراج، وأنها تعني "سواد"، على نحو ما نجده في لفظة Melan اللاتينية، التي تعني السواد، سواد السراج، وخصصت بالحبر.

(1/4844)


وليست لدينا اخبار عن كيفية صنع الحبر عند الجاهليين، ولم يصل الينا نص جاهلي مدون بالحبر نتمكن بتحليل مادته من الوقوف على تكوينه. ولكننا نستطيع أن نقول إن حبر الجاهليين لم يكن مختلفا عن أنواع الحبر المستعملة عند الشعوب الأخرى في ذلك العهد وأبسطها الحبر المصنوع من الفحم المسحوق، مضافاً إليه الماء وقليل من الصمغ في بعض الأحيان، والحبر المصنوع من بعض المواد المستخرجة من زيوت بعض الأشجار وعصارتها، أو من مسحوق عظام الحيوانات المحروقة أو من بعض الأوراق المؤكسدة بالحديد وببعض المعادن. ويراد بالحبر "الحبر الأسود في الغالب، غير إن القدماء كانوا يستعملون أصباغاً مثل الأحمر والأخضر، في تلوين الشروح "والملاحظات والأمور المهمة التي تلفت النظر، كما استعملت في التصوير وفي رسم بعض الرسوم التوضيحية، كما يظهر ذلك من الأوراق القديمة التي عثر عليها في مصر وفي اليونان وغير ذلك من الأماكن. وقد ورد في كتب الحديث النبوي وموارد اسلامية أخرى، إن الجاهليين كانوا يستعملون الصور والنقوش. ويريدون بالنقش تلوين الشيء بلونين أو عدة ألوان. ويقولون له: النمنمة كذلك. وكان منهم مصورون يصورون الإنسان والحيوان والأشجار وغير ذلك. وقد نهى الرسول عن تصوير كل ما هو ذو روح. وهذا التحريم هو دليل شيوع التصوير واستعمال الصور عند الجاهليين.

(1/4845)


ويحفظ الحبر في أداة، يقال لها "الدواة"و "المحبرة"، يحملها الكاتب معه، فيعلقها بحزامه، أو يضعها تحت ثيابه، ويكون لها غطاء يمنع الحبر أن ينساب منها، ويكون بها تجويف تخزن فيه الأقلام والمقطة. وقد تكون المحبرة كأساً صغيرة ذات غطاء يخزن الحبر فيها. وقد عرفت لذلك ب"كست هسفر" "كَاست هاسيفر"، أي "كأس الكتاب" في العبرانية. وقد بقي الكتاّب وطلاب العلم والعلماء يستعملون تلك المحابر القديمة إلى عهد قريب، إذ حلت محلها الأقلام الحديثة المحملة بالحبر، وما زال بعض رجال الدين ومن يعنون بجمال الخط وتحسينه يستعلمون أقلام القصب والحبر القديم على الطريقة القديمة المذكورة. وقد عرفت المحبرة الكبيرة التي يحفظ فيها الحبر والأقلام والمقطة ومواد الكتابة الأخرى ب "قلمارين""قلماريون""ق ل م ر ي ن"في "المشنا" أي المقلمة في العربية، تمييزاً لها عن أداة أخرى عرفت ب "ترنتوق"، وهي مقلمة توضع فيها الأقلام والمبراة. وهناك لفظة أخرى، هي "ليلرين"وتقابل Libelari في اللاتينية يطلقها المتأدبون على المقلمة.
وقد أشير إلى الدوي، أي المحابر في بيت شعر ينسب لأبي ذؤيب: عرفت الديار كخط الدوي ي حبره الكَاتبُ الحميري
وذكر أن من أسماء المحبرة "ن"وأن "ن والقلم" بمعنى الدواة والقلم.
وقد كان من عادة الكتاب ترميل الكتابة لتجف، وكانوا يضعون الرمل في إناء خاص ثم يذرون منه في شيئاً على الكتابة.
وأما المواد التي يكتب عليها، فعديدة، تتوقف على ظروف المكان ومقدرة أهله المالية، منها الحجر والخشب ومختلف أنواع المعادن والطين وورق الشجر والجلود والقراطيس واكتاف الإبل واللخاف والعسب وإلقضم وغير ذلكْ. والى الحجر المكتوب.، يعود الفضل الأكبر في حصولنا على معارفنا عن عرب اليمن قبل الإسلام، وعرب بلاد الشام وأعالي الحجاز. فلولاه لكان علمنا بهم نزراً يسيراً.

(1/4846)


والعسب، جريد النخل، وهي السعفة مما لا ينبت عليه الخوص. ولوفرته في الحجاز استعمله كتاب الوحي وحفظة القرآن في تدوين الوحي عليه. وقد رجع إليه زيد بن ثابت في جملة ما رجع إليه من مواد يوم كُلِّف جمع القرآن الكريم. وقد ورد "عسيب يماني" في شعر لامرئ القيس، هو قوله: لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبورٍ في عسيب يماني
وقد ورد عن "زيد بن ثابت"، إن "أبا بكر" لما أمره بجمع القرآن، أخذ يتتبعه من "الرقاع والعسب واللخاف"، واللخاف: حجارة بيض وورد في حديث "الزهري": "قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن في العسب والقضيب والكرانيف".
وذكر "لبيد" العسب في شعره حيث ورد: متعودِ لحن يعيد بكفه قلماً على عسب ذبلن وبان
والجريد من مادة التدوبن عند أهل الحجاز. والجريدة السعفة، بلغة أهل الحجاز، وفي الحديث: كتب القرآن في جرائد، جمع جريدة.
واستعمل "الكرناف" "الكرانيف"و "الكرب" مادة للكتابة كذلك. وقد ورد أن كتبة القرآن استعملوا الكرانيف مادة لتدوين الوحي. والكرانيف والكرب، أصول السعف. الغلاظ العراض التي تلاصق الجذع، وتكون على هيأة الأكتاف. قال الطبري قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، " ولم يكن القرآن جمع، وإنما كان في الكرانيف والعسب".
واستعمل الجاهليون كتف الحيوان أيضاً، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان للكتابة عليه، وقد كتب عليه كتبة الوحي. وفي الحديث: ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده. أو ائتوني باللوح والدواة والكتف. ولما كانت العظام مادة مبذولة ميسورة في استطاعة الكاتب الحصول عليها بغير ثمن، وهي صالحة للكتابة بكل سهولة عل شكلها الطبيعي أو بعد صقل وتشذيب قليلين، لذلك أستعملها الكتاب بكثرة. فكانت مادة مهمة استعملها كتبة الوحي في تدوين القرآن. وقد ذكر "ابن النديم" أن في جملة العظام التي كتب عليها العرب: اكتاف الإبل.

(1/4847)


وكانوا إذا كتبوا في الأكتاف حفظوا ما كتبوه في جرة أو في صندوق حتى يحفظ، ويكون في الامكان الرجوع إليه. وقد كانت الأكتاف في جملة المواد المكتوبة التي استنسخ "زيد بن ثابت" منها ما دوّن من القرآن.
واستعملوا الجلود مادة من مواد الكتابة: الجلد المدبوغ والجلد الغير المدبوغ، وقد كانوا يدبغون الجلد أحياناً ويصقلونه ويرققونه حتى يكون صالحاً مناسباً للكتابة. وقد يدبغونه ويصبغونه، وقد ذكر علماء اللغة أنواعاً من أنواع الجلود التي استعملوها في كتابتهم، منها: القضم، جمع قضيم، الجلد الأبيض يكتب فيه. وقيل الصحيفة البيضاء، أو أي أديم كان. وقد أشير إليه في شعر للنابغة: كأن مجرّ الرامسات ذيولها عليه قضيم نمقته الصوانع
وأشير إلى "القضيم"، و "القضيمة" في شعر "زهير بن أبي سلمى"، وفي شعر "امرئ القيس".
ويظهر من تفسير العلماء للكلمة، إن "القضيم" الصحف البيضاء المستعملة من الجلد. وذلك بأن تقطع وتصقل حتى تكون صالحة للكتابة. وقد ورد إن كتبة الوحي استعملوا القضم في جملة ما استعملوه من مواد الكتابة.
وأما الأدم، وهي الجلود المدبوغة، فقد كانت مثل القضم من مواد الكتابة الثمينة. وقد استعان بها كتبة الوحي في تدوين القرآن. كما كانت مادة لتدوين المراسلات والعهود والمواثيق. وقد أشير إلى "الأديم" في شعر للمرقش الأكبر". وذكر إن بعضه كان أديما أحمر، أي مدبوغ بمادة حمراء، ومن أنواعه "الأديم الخولاني". والظاهر انه كان من أوسع مواد الكتابة استعمالاً في أيام الجاهلية وصدر الإسلام، لوجوده عندهم، ولرخص ثمنه بالنسبة إلى الورق المستورد من مصر أو من بلاد الشام. وقد جاء في بعض الأخبار إن بعض مكاتبات الرسول كانت في الأدم.

(1/4848)


وكان الدباغون يدبغون الأهب ويصلحونها بصقلها، فإذا دبغ الإهاب صار أديماً. وقد ذكر إن أهل مكة كانوا يشترون قطع الأديم، ويكتبون عليه عهودهم ومواثيقهم وكتبهم. ولما توفي "سعيد بن العاص" جاء فتى من قريش يذكر حقاً له في كراع من أديم بعشرين ألف درهم على "سعيد"، بخط مولى لسعيد كان يقوم له على بعض نفقاته، وبشهادة "سعيد" على نفسه بخطه. فأعطي حقه على ما كان مدوناً في قطعة الأديم.
وذكر بعض علماء اللغة أن القرطاس: الكاغد، يتخذ من بردي يكون بمصر. وذكر بعض آخر أن القرطاس الصحيفة من اي شيء كانت، يكتب فيها، والجمع قراطيس. وقد وردت لفظة "قرطاس" و "قراطيس" في القرآن الكريم. وورود اللفظة في القرآن الكريمّ دليل على وقوف العرب عليها. وهي من الألفاظ التي دخلت إلى العربية من مصر أو من بلاد الشام، حيث استورد أهل مكة والعربية الغربية مختلف التجارة منها، ومنها القراطيس، ويعرف القرطاس في اليونانية ب Khartis.
ويظهر أن أهل بلاد الشام كانوا قد استعملوا اللفظة اليونانية، فلما نقل الجاهليون القرطاس منهم وتعلموه عنهم، استعملوا المصطلح اليوناني بشيء من التحريف والتحوير ليناسب النطق العربي، وقد نص بعض علماء اللغة على أن اللفظة من الألفاظ المعربة.
وتقابل لفظة "قرطاس" لفظة Papyri فيَ اللغة الانكليزية. وقد كان القدماء في مصر وفي حوض البحر المتوسط يكتبون على القراطيس. وهي على صورة لفات تلف كالأسطوانة تحفظ في غلاف حذر تلفها وتمزقها. وأسفار اليهود هي على هذه الصورة. ولا زالت معابدهم تستعمل توراتهم المكتوبة على هيئة "سفر" أي مكتوبة على هيأة صفحات متصلة بعضها ببعض على شكل اسطوانة، يسحب أحد طرفيها الذي يوصل باسطوانة أخرى، ثم يقرأ من السفر.
وذكر علماء اللغة أن "الرقاع"، هي القرطاس.

(1/4849)


ووردت لفظة "رق" في القرآن الكريم: )والطور وكتاب مسطور في رق منشور(. وقد فسّر العلماء الرق بأنه ما يكتب فيه شبه الكاغد، أو جلد رقيق يكتب فيه، أو الصحيفة البيضاء. وقد اشتهرت جملة مواضع في الحجاز وفي اليمن بترقيق الجلد ودباغته، ليصلح للعمل، وفي جملته الرق المستعمل في الكتابة. ويعرف الرق ب "رقو" Raqo و "رق" Raq في الإرمية. وتؤدي اللفظة في هذه اللغة المعنى نفسه المفهوم منها في عربيتنا، ولهذا ذهب بعض العلماء الي إن اللفظة من أصل إرمي. ومن أجود أنواع الرق، الرق المعمول من جلد الغزال. وذكر إن الصحابة اجمعوا على كتابة القرآن في الرق، لتشره عندهم، ولطول بقاء الكتابة فيه.
وقد كان الكتاّب يستعملون الرق في المراسلات وفي السجلات وفي الكتب الدينية. فقد استعمل الفرس جلود البقر المدبوغة لكتابة كتبهم الدينية عليها، واستعمل العبرانيون جلود الغنم والمعز والغزال لكتابة التوراة والتلمود عليها. وقد اشترطوا في الجلود أن تكون من جلود الحيوانات الطاهرة. استعملوها صحائف منفصلة، واستعملوها صفائح على هيأة الكتب، كما استعملوها مدورة ملفوفة قطعة واحدة يتصل كل رأس منها بقضيب، فتكون لفتين متصلتين، وذلك بربط قطع الجلود بعضها ببعض وتثبيتها لتكون صحيفة واحدة طويلة مستطيلة، يقال لها "مجلوت" "م ج ل و ت"، أي المجلة، من أصل "جلل"، بمعنى لف وأدار.
وفي الشعر الجاهلي إشارات إلى استعمالهم "الرق" في كتاباتهم، وقد أشار بعضهم إلى سطور الرق، وكيف رقشها كاتبها ونمق الكتابة مسطرها، وكيف خط مملي الكتاب ما أريد إملاؤه في الرق. وقد عبر عن الخطاط الذي خط السطور على الرق بالمرقش وبالكاتب. ومن أنواع الرق الجيد، الرق المصنوع ب "خولان" والذي عرف ب "الأديم الخولاني".
ونجد الشاعر المخضرم "معقل بن خويلد" الهذلي، يشير إلى "مملي كتاب " يملي على كاتب، بخط على رق، وذلك بقوله: فإني كما قال مملي الكتا ب في الرق اذ خطه الكاتب

(1/4850)


يرى الشاهد الحاضر المطمئن من الأمر ما لا يرى الغائب
ومعقل من سادات قومه، ومن شعرائهم المعروفين، وكان أبوه رفيق "عبد المطلب" الى "أبرهة".
وأما "القتب"، فالإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير. ويصنع من الخشب. وقد كتب الناس على "القتب". وقد استخدم "الرحل" مادة للكتابة عليها، عند الحاجة والضرورة.
وقد استعملت الألواح مادة للكتابة، ومن هذه الألواح ما صنع من الحجر، بنشر الحجر وصقله، ومنها ما صنع من الخشب، ومنه من لوح الكتف أي العظم الأملس منه. واللوح كل صفيحة عريضة خشباً أو عظماً. وأشير في القرآن الكريم الى اللوح، فورد: )بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ (. وورد )وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ( وغير ذلك. فيظهر من ذلك أن الألواح كانت تكتب فيحفظ بها ما يراد حفظه من آراه وأفكار.
وقد كان بعض الصحابة والتابعين يستعملون الألواح لتقييد ما يريدون حفظه وتقييده من أقوال الرسول ومن سيرته أو غير ذلك. فذكر أن "ابن عباس" كان يأتي "أبا رافع" ويسأله: ما صنع رسول الله يوم كذا ? ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها. وأن مجاهداً كان يسأل "ابن عباس" عن تفسير القرآن ومعه الواحه، يكتب فيها ما يمليه عليه. وعرف اللوح ب "السبورجه"، وهي لفظة فارسية الأصل.
وقد ورد في حديث زيد بن ثابت عن جمع القرآن أنه جمعه من الرقاع واللِّخاف والعُسُب. وقصد باللخاف حجارةً بيضاً رقاقاً، واحدها لخفة. كان يكتب عليها أهل مكة.
والحجارة هي المورد الرئيس الذي استخرجنا منه علمنا بتأريخ العرب الجنوبيين وبتأريخ أعالي الحجاز وأماكن أخرى من جزيرة العرب. ويضاف إلى ذلك الصخور الصغيرة والحصى الكبيرة، فقد نقش عليها الجاهليون أوامرهم وأحكامهم وخواطرهم ورسائلهم وذكرى نزولهم في مكان، فالفضل يعود إلى هذه الكتابات في حصولنا على أخبار الجاهليين المذكورين.

(1/4851)


وقد كتبوا على الخزف، وبقي الناس يكتبون على الحجارة والخزف الي الإسلام. فقد كان "ابو الطيب" اللغوي، وهو "عبد الواحد بن علي"، يعلق عن "أبي العباس" ثعلب على خزف، ثم يجلس فيحفظ ما دوّنه عليه.
ويقال لما يكتب في الحجارة وينقش عليها "الوحي". والوحي الكتابة والخط. وبهذا المعنى ورد في شعر شعراء جاهليين واسلاميين، مثل شعر "لبيد"، حيث قال: فمدافع الرياّن عُرّي رسمها خلقاً كما ضمن الوحي سلامها
وشعر "زهير" حيث يقول: لمن الديار غشيتها بالفدفدكالوحي في حجر المسيل المخلد وأما الورق، فأريد يه جلود رقاق يكتب فيها، ومنها ورق المصحف.
ويظهر انهم أطلقوا اللفظة على القطع الرقيقة من الجلود أو من المواد الأخرى التي كانوا يكتبون عليها، تشبيهاً بورق الشجر. ولذلك فإنها لا تعني نوعاً معيناً من الورق. كما يجوز إن يكون المراد من الورق المستورد من بلاد الشام أو من مصر، أو المصنوع من صقل الكتان ونسيج القطن وغير ذلك.
ولقلة وجود القصب الصالح لصنع الورق في جزيرة العرب، لا نستطيع أن نذهب إلى وجود صناعة ورق من هذه المادة في هذه البلاد، بل كانوا يستوردونه من مصر مصدر الورق المصنوع من القصب، والمعروف ب "البابيروس".
والصحيفة المبسوط من الشيء، والتي يكتب فيها، والكتاب، وجمعها صحائف وصحف، ومنها )إن هذا لفي الصُّحفُ الأولى: صحف ابراهيم وموسى (، و )رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة (.
وقد أشير إلى الصحيفة في كتب السيرة حين اتفقت قريش على مقاطعة بني هاشم، وكتبت بذلك صحيفة، كتبها "بغيض بن عامر بن هاشم"، أو "منصور بن عبد شرحبيل" المعروف بأبي الروم على بعض الروايات. والمصحف ما جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين. والتصحيف قراءة المصحف وروايته على غير ما هو لاشتباه حروفه.

(1/4852)


وقد قيل للقران؛ المصحف، وإنما سُمي المصحف مصحفاً لأنه أصحف أي جُعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين. ونقرأ في الأخبار أن بعضاً من الصحابة والتابعين كانوا يملكون صحيفة أو صحفاً دوّنوا فيها حديث الرسول أو أمراً من مور الشعر وأخبار العرب وأمثال ذلك، فكان "عبدة لله بن عمرو بن العاص" قد كتب حديث الرسول في صحيفة؛ وقد أذن الرسول له أن يكتب حديثه فيها.
وقد أشير إلى الصحيفة في شعر "المتلمس"، ويظهر من الشعر الذي ذكرت اللفظة فيه، أنه قصد بها رسالة، أي كتاباً أمر ملك الحيرة "عمرو بن هند" بتدوينه، وأعطاه إليه، ليحمله إلى عامله على البحرين على نحو ما ورد في خبره. كما أشير إلى الصحيفة في شعر شعراء آخرين.
ويقال للصحيفة طرس، ويجمع على طروس. ويقال إن الطرس الصحيفة المكتوبة، وقيل: الكتاب الممحو الذي يستطاع أن تعاد فيه الكتابة. والتطريس: فعلك به. وطرّس الباب سوّده، والطِلس: كتاب لم ينعم محوه، فيصير طرساً. والتطريس اعادة الكتابة على المكتوب الممحو.
ورأى بعض العلماء أن الصحف ما كان من جلود. وذهب بعض آخر إلى أنها من جلد أو قرطاس. وأن القرطاس والصحيفة، هما في معنى واحد، وهو الكاغد.
وذكرت "الصحيفة" في شعر للقيط بن يعمر الإيادي، هو قوله: سلام في الصحيفة من لقيط إلى من بالجزيرة من إياد
و ذلك في قصيدته التي كتبها اليهم، يخبرهم فيها بمسير "كسرى" عليهم، ويحذرهم من قدومه.
كما ذكرت في شعر لعدي بن زيد العبادي، وصف فيه قصة "الزباّء" و "جذيمة" و "قصير"، حيث يقول: ودست في صحيفتها إليه ليملك بُضعها ولأن تدينا
وكان من عادة أهل الجاهلية تدوين أحلافهم في صحف، توكيداً للعهد، وتثبيتاً له. وقد أشير إلى ذلك في الشعر وفي الأخبار. ورد في شعر قيس بن الخطيم: لما بدت غُدوة جباههم حنت الينا الأرحام والصحف

(1/4853)


وأشير إليها في شعر ينسب لدرهم بن زيد الأوسي، يخاطب الخزرج بما كان بينهم من عهود ومواثيق، إذ يقول: وإن ما بيننا وبينكم حين يقال الأرحام والصحف
ولما قاطعت قريش "بني هاشم وبني المطلب"، كتبت بذلك كتاباً عرف ب "صحيفة قريش"، وختموا عليها ثلاثة خواتيم، وعلقّوها في سقف الكعبة، وقيل: بل كانت عند ام الجلاّس مخربة الحنظلية، خالة أبي جهل، وقيل عند هشام بن عبد العزى.
وترد الصحف بمعنى الوثائق، وكل تسجيل يراد الاحتفاظ به للرجوع إليه عند الحاجة، فالديون تسجل في صحف وكتب، والأمور الهامة تسجل فيها كذلك، هذا "علباء بن أرقم بن عوف" الشاعر اليشكري، يذكر ديَناً دوّن في صحيفة، فيقول: أخذت لدين مطمئن صحيفة وخالفت فيها كل من جار أو ظلم
وقد ورد ذكر صحف الدين هذه في كتاب الرسول إلى ثقيف، إذ جاء فيه: "وما كان لثقيف من دين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس فإنه لهم".
وذكر أن الناس كانوا يكتبون بالمهارق قبل القراطيس في العراق. وقد ذكر "المهرق" في شعر حسّان: كم للمنازل من شهر وأحوال كما تقادم عهد المهرق البالي
وكانوا يغسلون الصحف المكتوبة للاستفادة منها، بكتابة شيء جديد يراد كتابته عليها، وذلك لغلاء مادة الكتابة وصعوبة الحصول عليها، فيطمسون معالم الكتابة السابقة بغسلها بالماء مثلاً، فإذا جفت كتبوا عليها. وقد تسبب هذا الغسل إلى وقوع خسارة كبيرة بالنسبة لتدوين العلم، إذ غسل هذا الماء مادة علمية ثمينة كانت ستفيدنا كثيراً بالطبع لو بقيت مدونة على الصحف. فخسرنا نحن خسارة ثمينة ولا شك لا تعوض.
واستعمل الجاهليون السبورة في الكتابة. ويريدون بها جريدة من الألواح من ساج أو غيره، يكتب عليها. فإذا استغنوا عنها محوها، وهي معربة. وقد رواها جماعة من أهل الحديث "ستورة"، وبهذا المعنى وردت السفورة، وهي معربهّ كذلك.

(1/4854)


والمهارق من الألفاظ المعربة، يرى علماء اللغة انها من الفارسية، وان أصلها "مهركُرده" "مهركرد"، أي صُقلت بالخرز. وقد عرفها بعض علماء اللغة بأنها ثياب بيض أو حرير أبيض، تسقى بالصمغ وتصقل، ثم يكتب عليها. وقيل: هي الصحائف، الواحد مهرق. وذكر الجاحظ إن الكتب لا يقال لها مهارق، حتى تكون كتب دين، أو كتب عهود، أو ميثاق وأمان.
ويظهر من الشعر المنسوب للحارث بن حلزة اليشكري، إن أصل المهارق من الفرس ولهذا عبر عنها بقوله: "كمهارق الفرس". ولعله قصد كتباً وصحفاً دينية من ديانتهم المجوسية. وقد وردت اللفظة في شعر ينسب للاعشى وفي شعر آخر ينسب للحارث بن حلزة اليشكري المذكور.
قال "الجاحظ": "والمهارق، ليس يراد بها الصحف والكتب، ولا يقال للكتب مهارق حتى تكون كتب دين، أو كتب عهود، وميثاق، وأمان". وقال قبل ذلك: "لولا الخطوطُ لبطلت العهود والشروط والسجلات والصُّكاك، وكل إقطاع، وكل انفاق، وكل أمان، وكل عهد وعقد، وكل حوار وحلف، ولتعظيم ذلك، والثقة به والاستناد إليه، كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة، تعظيماً للامر، وتبعيداً من النسيان، ولذلك قال الحارث بن حلزة، في شأن بكروتغلب: واذكروا حلف ذي المجاز وما قدّم فيه، العهود والكفلاء
حذر الجور والتعدي، وهل ينقض ما في المهارق الأهواء"
وقد أشار "الحارث بن حلزة" اليشكري إلى "مهارق الفرس"، و ذلك في قوله: لمن الديار عفون بالحبس آياتها كمهارق الفرس
ونوع آخر من "المهارق". عمل من الكرابيس، أي من الثياب المصنوعة من الكرباس وهو القطن الأبيض، وذلك بسقي الكرباس، بصمغ أو بإطلائه بشيء آخر يسد المسامات، ثم يصقله بالخرز. فهو إذن من النوع الجيد الغالي بالنسبة إلى مواد الكتابة، ولذلك كانوا يستعملونه في الأمور الكتابية الجليلة.

(1/4855)


وقد أشير في شعر "الأسود بن يعفر" إلى سطور يهوديين في مهرقيهما مجيدين في الكتابة، هما من أهل "تيماء" أو من "أهل مدين". ولم يشر إلى نوع القلم الذي كتبا به، وأغلب الظن أنه قلم عبراني.
وقد استعمل الجاهليون "الصكوك" في تعاملهم. وذكر علماء اللغة أن "الصك" الذي يكتب للعُهدة، وكانت الأرزاق تسمى صكاكاً لأنها كانت تخرج مكتوبة. ومنه الحديث في النهي عن شراء الصكاك، وذلك أن الأمراء كانوا يكتبون للناس بأرزاقهم وأعطياتهم كتباً، فيبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها معجلاً، ويعطون المشتري الصك ليمضي ويقبضه، فنهوا عن ذلك لأنه بيع ما لم يقبض. وذكروا أن اللفظة من الألفاظ المعربة، أصلها فارسي. واستعملت الصكوك في الدين. فورد "صك دين".
وقد أمدتنا جزيرة العرب بحجارة كثيرة مكتوبة، ولكنها لم تمدنا باللبن المكتوب أو الطين المكتوب المشوي بالنار إلا في النادر. مع أن الكتابة على الطين أسهل من الكتابة على الحجر. ولعلى وجود الحجر بكثرة في العربية الغربية والجنوبية ومقاومة الحجر للبلى والتلف هما اللذان دفعا أهل هذه البلاد على تفضيل الحجر في الكتابة على الطين. ولا يستبعد عثور الاثاريين والمنقبين في المستقبل على كتابات جاهلية مسجلهَ على الطين ولا سيما في المناطق الماحلة أو التي يقل فيها وجود الحجر، هي الآن مطهورة في باطن الأرض.
وأعطوا للصحف أسماء إذا كانت قد كتبت في أغراض خاصة. فإذا كانت الصحيفة اعطاء أرض لشخص، كإقطاعه أرضاً، يعطى الشخص صحيفة مدونة بذلك، تثبت له تسجيل الأرض المقطعة باسمه يقال لها "الوصر" و "الاصر". وقد ذكر علماء اللغة إن الاصر: العهد والعقد. وقيل العهد الثقيل. وان سطور "الوصر" الصك اللذي تكتب فبه السجلات. والأصل اصر، سمي به لأن الأصر العهد ويسمى كتاب الشروط كتاب العهد والوثائق، ويطلق غالباً على كتاب الشراء، قال عدي بن زيد: فأيكم لم ينله عرف نائله دثراً سواما وفي الأرياف أوصارا

(1/4856)


أما اذا كانت الصحيفة صحيفة جوائز، كان يعطي الملك جوائز لأصحابه وأتباعه، قيل للصحف التي يدون قدر الجائزة أو نوعها عليها القطوط والمفرد: القط. وقد ذكرها الأعشى في شعره: ولا الملك النعمان يوم لقيته بإمته يعطي القطوط ويأفق
وورد ذكرها في شعر المتلمس، إذ قال: وألقيتها بالثنى من جنب كافر كذلك ألقى كل قط مضلل
وقد عرفت "القط" انها الصك بالجائزة، وهي الصحيفة للانسان بصلة يوصل بها. وقبل القط الصحيفة المكتوبة وكتاب المحاسبة. قيل: سميت قطوط لأنها كانت تخرج مكتوبة في رقاع وصكاك مقطوعة.
وقد كانت الحاجة تدفع الكتّاب إلى تدوين ما يريدون تقييده وكتابته على ملابسهم وعلى راحة أيديهم، بل على نعالهم أحياناً. روي عن "سعيد بن جبير" انه قال: "كان ابن عباس يملى علي في الصحيفة حتى أملأها وأكتب في نعلي حتى أملأها". وقد كانوا يكتبون على الهودج أو على أي شيء يجدونه أمامهم، مثل الرحل، لندرة الورق عندهم ولحاجتهم إلى تسجيل ما يسمعونه، أو ابلاغ قومهم بسر أو برسالة، فيغافل المرسل من يعرف أنه قاصد الجهة التي يريدها فيحفي بسكينه عل الراحلة ما يريد تبليغه من سر. وورد عن "سعيد بن جبير" قوله "كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلي، ثم أكتب في كفي". وروى انهم كانوا يكتبون على أكفهم بالقصب عند البراء، وان "الزهري" ربما كتب الحديث في ظهر نعله مخافة إن يفوته.
ولفظة: "كتب" التي نستعملها اليوم، ومن أصلها اشتقت لفظة "كتابة " و "كتاب" وكاتب وأمثالها، هي من الألفاظ العربية الشمالية المعروفة المتداولة عند الجاهليين. وقد وردت لفظة "كتاب" بمعان متعددة، منها هذا المعنى المعروف، ومنها الصحيفة مع المكتوب فيها. وقد قصد بها التوراة في مواضع من القرآن الكريم. وأريد ب "أهل الكتاب" اليهود والنصارى، أهل التوراة و الانجيل.

(1/4857)