صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : السيرة النبوية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

السيرة النبوية - ابن كثير ج 1
السيرة النبوية
ابن كثير ج 1

(1/)


السيرة النبوية للامام أبى الفداء اسماعيل بن كثير 701 - 747 ه تحقيق مصطفى عبد الواحد الجزء الاول 1396 ه - 1971 م دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع هاتف 236769 - 246161 ص.
ب 5769 بيروت - لبنان

(1/1)


جميع الحقوق محفوظة

(1/2)


بسم الله الرحمن الرحيم تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وبعد: فهذا كتاب السيرة النبوية للامام الحافظ، أبى الفداء إسماعيل بن كثير، أقدمه للامة الاسلامية راجيا أن يكون في نشره من الخير ما يحقق الفائدة وما يقدم سيرة الرسول الكريم في صورة دانية إلى الكمال قريبة إلى الحقيقة دقيقة في العرض ممحصة الروايات والاخبار.
إن الامام ابن كثير وهو الحافظ المتقن قد جمع كل الاخبار عن حياة الرسول ودعوته وما سبقها من فترة الجاهلية، وقد بذل جهدا في تمحيص الاخبار ونقد أسانيدها، وإن كان قد ترخص في رواية بعض الاخبار الواهية كما سنذكر.
وعمله هذا يضع أمام القارئ كل ما يمكن الالمام به في هذا المجال، ويجعله على بصيرة في تفهم السيرة النبوية ووعى أحداثها.
وقد آسفنى أن تظل طبعة هذه السيرة الكريمة مليئة بالتشويه والتحريف بعيدة عن الدقة والضبط، فآثرت عرضها صحيحة بريئة من التحريف والتصحيف قدر الامكان، وضبطها وشرح الغريب فيها، والتعليق على ما يستبعد من الاخبار والآثار.

(1/3)


وسأعود إلى قصة هذا الكتاب وعملى فيه بعد الحديث عن مؤلفه والالمام بشئ من أخباره (1).
ابن كثير: هو أبو الفداء عماد الدين إسماعيل، بن عمر، بن كثير، بن ضوء، ابن كثير، ابن زرع، القرشى، الشافعي.
كان أصله من البصرة، ولكنه نشأ بدمشق وتربى بها.
ولد بمجدل القرية من أعمال مدينة بصرى شرقي دمشق، سنة سبعمائة أو إحدى وسبعمائة.
وتوفى بعد أن فقد بصره، في يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، عن أربع وسبعين سنة.
نشأته: كان أبوه خطيبا لقريته،، وبعد مولد ابن كثير بأربع سنين توفى والده، فرباه
أخوه الشيخ عبد الوهاب.
وعلى هذا الاخ تلقى ابن كثير علومه في مبدأ أمره.
ثم انتقل إلى دمشق سنة 706 في الخامسة من عمره.
شيوخه: كانت دراسة ابن كثير متجهة إلى الفقه والحديث وعلوم السنة، إذ كانت الوجهة الغالبة في عصره، وشيوخه في هذا المجال كثيرون.
__________
(1) ترجمته في شذرات الذهب 6 / 231.
والدرر الكامنة 1 / 374 وذيل تذكرة الحفاظ للحسيني 58.
وديل الطبقات للسيوطي.
(*)

(1/4)


فقد تفقه بالشيخ برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الفزارى الشهير بابن الفركاح، المتوفى سنة 729.
وسمع بدمشق من عيسى بن المطعم، ومن أحمد بن أبى طالب المعمر الشهير بابن الشحنة المتوفى سنة 730 ; ومن القاسم ابن عساكر، وابن الشيرازي، وإسحاق ابن الآمدي، ومحمد بن زراد.
ولازم الشيخ جمال يوسف بن المزكى المزى، صاحب تهذيب الكمال، المتوفى سنة 742.
وقد انتفع به ابن كثير، وتخرج به، وتزوج بابنته.
كما قرأ كثيرا على شيخ الاسلام تقى الدين بن تيمية، المتوفى سنة 728، ولازمه وأحبه وتأثر بآرائه.
وفى ذلك يقول ابن العماد: (كانت له خصوصية بابن تيمية ومناضلة عنه واتباع له في كثير من آرائه، وكان يفتى برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذى).
ويقول ابن حجر: (وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن بسببه).
كما قرأ على الشيخ الحافظ المؤرخ شمس الدين الذهبي محمد بن أحمد بن قايماز المتوفى سنة 748.
وأجاز له من مصر أبو موسى القرافى، والحسيني، وأبو الفتح الدبوسي، وعلى بن عمر الوانى، ويوسى الختنى.
وغير واحد.
وقد ولى ابن كثير مشيخة أم الصالح والتنكزية بعد إمامه الذهبي.
كما ذكره الذهبي في مسودة طبقات الحفاظ.
(1)
__________
(1) ذيل تذكرة الحقاظ للحسيني 58: (*)

(1/5)


عصره: عاش ابن كثير في القرن الثامن الهجرى، من بداية هذا القرن إلى قرب منتهاه، في ظل دولة المماليك التى كانت تبسط سلطانها على مصر والشام.
وكانت في عصره نكبات شديدة شهدها العالم الاسلامي، ممثلة في هجوم التتار، وفى كثرة المجاعات والاوبئة، وفى تقلب السلطة بين أمراء المماليك الذين كانوا يوالون الانتقاض بعضهم على بعض...ويكاد الانسان لا يفتح سنة من سنوات حياة ابن كثير في كتب التراجم والتاريخ إلا ويجد فيها أنباء المجاعات والاوبئة وهجوم الافرنج والتتار ومصارع الامراء، مما لا يوصف بأنه حياة سياسية مستقرة.
ولكن تلك الحقبة التى عاشها ابن كثير من عصر المماليك كان يسودها نشاط علمي، تمثل في كثرة المدارس واتساع نطاق التعليم وكثرة التأليف، ولذلك اسباب مذكورة في التاريخ من تنافس الامراء وكثرة الاوقاف على العلماء وبناء المدارس واتصال الاقطار الاسلامية بعضها ببعض، وغير ذلك.
ولكن ذلك النشاط كان محصورا في دائرة ضيقة دائرة الاتباع والتقليد والتلخيص والاختصار والشرح، كذلك كان هذا النشاط منصرفا في كثرته إلى العلوم
الشرعية وما يخدمها.
ويبدو طابع ذلك العصر واضحا في ابن كثير، إذ كان انصرافه إلى علوم السنة والفقه، أو العلوم الشرعية بوجه عام وكانت مؤلفاته يغلب عليها طابع التأليف في عصره، وهو الميل إلى اختصار كتب الاقدمين، أو إدماج بعضها في بعض أو شرحها والتعليق عليها.

(1/6)


وإذا كان لابن كثير طابع تجديد تميز به، فإنه قد اكتسبه من علاقته بابن تيمية وحبه له وتأثره بآرائه، فقد كان ابن كثير كأستاذه ابن تيمية ينفر من الخرافات ويميل إلى الرجوع إلى السنة ويعتمد على التحقيق والتدقيق بوسيلته التى يملكها، وهى نقد الاسانيد وتمحيص الاخبار.
كذلك كان ابن كثير في تفسيره إماما وصاحب مدرسة، إذ نفر من الاسرائيليات والاخبار الواهية، كما نفر من التفلسف وإقحام الرأى في كتاب الله، وآثر منهج تفسير القرآن بالقرآن ثم بالحديث والاثر.
منزلته وآراء العلماء فيه: احتل ابن كثير منزلة عالية في الفقه والتفسير والحديث والفتوى..يقول عنه الذهبي: (الامام المفتى المحدث البارع، فقيه متفنن، ومفسر نقال، وله تصانيف مفيدة.
ويقول عنه ابن حجر: (اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله، وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في حياته، وانتفع الناس بها بعد وفاته).
ويقول عنه ابن تغرى بردى: (لازم الاشتغال ودأب وحصل وكتب، وبرع في الفقه والتفسير والحديث، وجمع وصنف، ودرس وحدث وألف، وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية، وغير ذلك.
وأفتى ودرس إلى أن توفى).
وقد اشتهر ابن كثير بالضبط والتحرى والاستقصاء، وانتهت إليه في عصره الرياسة في التاريخ والحديث والتفسير.
يقول عنه ابن حجى، أحد تلامذته: (أحفظ من أدركناه لمتون الاحاديث ورجالها، وأعرفهم بجرحها وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك،

(1/7)


وما أعرف أنى اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه).
ويصفه ابن العماد الحنبلى فيقول: (كان كثير الاستحضار قليل النسيان، جيد الفهم يشارك في العربية وينظم نظما وسطا.
قال فيه ابن حبيب: سمع وجمع وصنف، وأطرب الاسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاوية إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير) ويقول عنه ابن حجر: (ولم يكن على طريق المحدثين في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النازل ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء).
ولكن السيوطي يجيب على كلام ابن حجر بقوله: (العمدة في علم الحديث على معرفة صحيح الحديث وسقيمه وعلله واختلاف طرقه ورجاله جرحا وتعديلا، وأما العالي والنازل ونحو ذلك فهو من الفضلات، لا من الاصول المهمة).
شعره: كان ابن كثير - كما قال ابن العماد - (ينظم نظما وسطا) ولا يذكر له إلا القليل من النظم، مثل قوله: تمر بنا الايام تترى وإنما * نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد ذاك الشباب الذى مضى * ولا زائل هذا المشيب المكدر وعلى كل فهو لم يشتهر بقول الشعر.

(1/8)


أسلوبه: كان ابن كثير يشارك في العربية، وثقافته الادبية جيدة، ولكن أسلوبه كان على مقتضى عصره من إيثار السجع والميل إلى المحسنات، ويشتمل أسلوبه في بعض الاحيان على ألفاظ لا تناسب مستوى ابن كثير.
وفي كتابه الذى نقدمه نماذج لذلك، مثل استعماله كلمة (الاذية) وكلمة (مشترى) وغير ذلك من أساليب غير متناسقة وجمل غير متناسبة.
والحقيقة أن ابن كثير لم يكن ممن يهتمون بالعبارة أو يتجملون في الاسلوب، وإن كان أسلوبه في التفسير قويا متناسبا، وإنما هو إمام مفسر وفقيه محدث، ولم يكن أديبا متفننا يحرص على جمال العبارة وتناسق الاسلوب.
كتبه: اشتغل ابن كثير بالتأليف والتصنيف، وأكثر كتبه في الحديث وعلومه، ومؤلفاته معدودة، وأهمها: 1 - تفسير القرآن الكريم الذى قال فيه السيوطي: (لم يؤلف على نمطه مثله).
وهو يعتمد على التفسير بالرواية، فيفسر القرآن بالقرآن، ثم بالاحاديث المشتهرة يسوقها بأسانيدها، ثم ينقد تلك الاسانيد ويحكم عليها، ثم يذكر الآثار المروية عن الصحابة والتابعين.
وهو مطبوع مشهور.
2 - (البداية والنهاية) في التاريخ.
وهو موسوعة ضخمة، ابتدأ فيه بذكر قصص الانبياء وأخبار الامم الماضية، وفقا

(1/9)


لما ورد في القرآن والاحاديث الصحيحة، ويكشف زيف الاسرائيليات والغرائب والمناكير.
ثم يذكر أخبار العرب وأحداث الجاهلية، ثم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وفاته، ثم يتابع أحداث التاريخ الاسلامي منذ خلافة أبى بكر حتى عصر ابن كثير في القرن الثامن الهجرى.
ثم يختمه بأشراط الساعة والفتن والملاحم وأحوال الآخرة.
وتاريخ ابن كثير هذا مرجع دقيق موفق لا يزال عليه التعويل.
قال عنه ابن تغرى بردى: (وهو في غاية الجودة).
وهو مطبوع، وإن كانت طبعة رديئة.
3 - اختصار علوم الحديث لابن الصلاح.
وهو كتاب نافع أضاف فيه ابن كثير فوائد كثيرة، ورتبه واختصره.
وهو مطبوع مع تعليقات للمرحوم الشيخ أحمد شاكر باسم (الباعث الحثيث).
4 - مختصر كتاب (المدخل إلى كتاب السنن) للبيهقي ذكره في مقدمة اختصار علوم الحديث.
وهو مخطوط.
5 - رسالة في الجهاد.
مطبوعة.
6 - (التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل) جمع فيه كتابي (تهذيب الكمال) للمزى و (ميزان الاعتدال) للذهبي.
وزاد عليهما زيادات مفيدة في الجرح والتعديل.
وهو مخطوط.
7 - (الهدى والسنن في أحاديث المسانيد والسنن) وهو المعروف بجامع المسانيد، جمع فيه بين مسند أحمد والبزار وابى يعلى وابن أبى شيبة، مع الكتب الستة الصحيحين والسنن الاربعة.
ورتبه على أبواب وهو مخطوط

(1/10)


8 - مسند الشيخين أبى بكر وعمر.
وفيه - كما قال ابن كثير في سيرته التى بأيدينا صفحة 433 - ذكر كيفية إسلام أبى بكر وأورد فضائله وشمائله وأتبع ذلك بسيرة الفاروق رضى الله عنه، وأورد ما رواه كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاحاديث وما روى عنه من الآثار والاحكام والفتاوى، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات ولله الحمد والمنة ! كما قال ابن كثير.
وهو مخطوط أيضا لا ندري أين هو.
9 - السيرة النبوية مطولة ومختصرة ذكرها في تفسيره في سورة الاحزاب في قصة غزوة الخندق.
ولم تنشر قبل.
10 - طبقات الشافعية.
مجلد وسط، ومعه مناقب الشافعي.
مخطوط.
11 - تخريج أحاديث أدلة التنبيه في فقه الشافعية.
12 - وخرج أحاديث مختصر ابن الحاجب.
13 - كتاب المقدمات.
ذكره في اختصاره مقدمة ابن الصلاح وأحال عليه.
14 - ويذكر ابن حجر أنه شرع في شرح للبخاري ولم يكمله.
15 - وشرع في كتاب كبير في الاحكام، لم يكمل، وصل فيه إلى الحج.
وهكذا نجد اتجاه ابن كثير نحو السنة وعلومها يتضح في كتبه، وتغلب عليه روح عصره فيتجه إلى المختصرات والشروح ونحوها، وظهر ابتكاره في كتابته لتاريخه الفذ: (البداية والنهاية) وفى تفسيره للقرآن الكريم.
ولم يخرج في تأليفه عن النطاق الذى دارت حوله دراسته وأفنى فيه عمره، وهو الحديث والتاريخ والتفسير والاحكام.
وقد شاع الانتفاع بالقدر القليل الذى عرف طريقه إلى الناس من كتب هذا الامام

(1/11)


العظيم، ولكن الاسى يغشانا حين نسأل: أين هذه الكتب التى تذكر له ولا يهتدى إلى مكانها ؟ ! والتى نعتقد أنها لو عثر عليها وقدمت إلى الناس لسدت فراغا وحققت نفعا.
إن من المؤسف أن يبدد تراث عزيز وتحرم منه أمة محتاجة.
ونحن ندعو من هنا كل الذين يعنون بأمر الثراث الاسلامي، وخاصة المسئولين عن ذلك في الدولة، أن يبحثوا عن آثار هذا الامام العظيم، وأن يهيئوا لكتبه النافعة السبيل كى تأخذ طريقها إلى أيدى الناس، وأن يعاد تقديم كتبه المطبوعة في صورة صحيحة لائقة، بعيدة عن التجارة والاستغلال.
هذا الكتاب: ولكتابنا هذا الذى نقدمه اليوم قصة.
فلقد كان الخيط الذى أمسكنا به هو أن ابن كثير ذكر في تفسيره في سورة الاحزاب في قصة غزوة الخندق، أنه قد كتب السيرة النبوية مطولة ومختصرة، حيث يقول: (وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة الذى أفردناه موجزا وبسيطا ولله الحمد والمنة).
ومعنى ذلك أن كتابته للسيرة النبوية قد عرفت طريقها إلى أيدى الناس في عصره، ولكن البحث في ناحية المخطوطات لم يدل على وجود تلك السيرة ككتاب مستقل، ويبدو أنه حينما ألف كتابه الضخم (البداية والنهاية) قد أدمج تلك السيرة فيه، وأن شهرة ذلك الكتاب وانتشاره في الانحاء، قد جعل الناس يقرأون تلك السيرة فيه، ولم يعد لها كيان مستقل ككتاب، وإذا كان ابن كثير قد ذكر أنه له السيرة النبوية

(1/12)


مبسوطة، أي مطولة، فإنه لا يعقل أن يكتب فيها أكثر من ذلك القسم الموجود بكتابه (البداية والنهاية).
ومن هنا فقد اتجهت إلى نشر (السيرة النبوية لابن كثير) وهى ذلك القسم الذى
أفرده ابن كثير لاخبار العرب في الجاهلية وسيرة النبي صلوات الله وسلامه عليه وتاريخ دعوته حتى وفاته.
على اعتبار أن هذا القسم هو السيرة النبوية المطولة التى أشار إليها ابن كثير في تفسيره.
والذى دعاني إلى ذلك اسباب منها: 1 - أن تلك السيرة قد شغلت نحو ثلاثة أجزاء من كتاب البداية والنهاية، من أواخر الجزء الثاني حتى أواخر الجز الخامس، وهى بذلك موزعة بين أربعة أجزاء.
2 - أن هذه الاجزاء من البداية والنهاية مرتفعة الثمن جدا، حتى لقد بلغ ثمن الجزء الثالث وحده أربعة جنيهات مصرية إن وجد ! ! تبعا لاحتكار التجارة في المراجع وقلة النسخ الموجودة.
3 - أن هذه الطبعة المشار إليها مليئة بالتحريف والتشويه بصورة فظيعة، ولا أدرى كيف ظلت هذه الطبعة تتداول في أيدى العلماء والطلاب مع أنها لاتكاد تخلو صفحة منها من تحريف أو تصحيف أو سقط.
تلك الاسباب جعلتني أرى في نشر السيرة النبوية لابن كثير تحقيقا لفوائد كثيرة...أهمها تعميم النفع بها بعد أن كانت محصورة في أيدى قلة ممن يقدرون على شراء البداية والنهاية كلها بثمنها المرتفع.

(1/13)


وكذلك تحقيق قصد ابن كثير حين كتب تلك السيرة المطولة وأراد أن تشيع وحدها بين الناس.
وكذلك إنصاف ذلك العمل الجليل من أن يظل في صورته الشائهة المليئة بالتحريف.
سيرة ابن كثير: ونقف هنا مستعرضين كتابة ابن كثير في سيرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، متأملين في خصائصه باحثين عن منهجه.
1 - إن أول ما نلمسه في سيرة ابن كثير أنه اهتم بالرواية بالاسانيد، تمشيا مع صبغته الغالبة عليه كإمام محدث، وأكثر مروياته عن الامام أحمد والبيهقي، وأبى نعيم.
فلم يكتف بنقل ما كتبه أهل السير أمثال ابن إسحاق وموسى ابن عقبة، ولكنه جمع ما رواه أهل الحديث وبذلك اكتسب مزية يتفرد بها بين من كتبوا في السيرة.
وقد نقد ابن كثير بعض الاسانيد عند ما يكون المتن غريبا، ليحكم على بعض الاحاديث، وأحيانا يبين درجة الحديث دون أن ينقد السند 2 - ثم نجد ابن كثير يمتاز بأنه ينقل عن بعض كتب السير المفقودة مثل كتاب موسى بن عقبة، ومثل كتاب الاموى في المغازى، كما ينقل عن بعض شروح السيرة مثل الروض الانف للسهيلي، والشفا للقاضى عياض.
3 - وفى مجال الاستشهاد بالشعر لا يهمل ابن كثير هذه الناحية، ولكنه لا يتابع ابن هشام في كل مروياته من الشعر فيختصر بعضها ويهمل البعض الآخر.
4 - وبالجملة فإن ابن كثير يحرص على جمع كل ما كتب في الموضوع الذى يتناوله،

(1/14)


ولكنه لا يدمج الاحاديث والاخبار بعضها في بعض، بل يحتفظ لكل نقل بطابعه ومكانه، وكثيرا ما يعوزه الترتيب في النقل، فلا ينسق الاخبار التى ينقلها حتى تكون وحدة منسجمة فأحيانا يبدأ بالخبر المطول، ثم يذكر بعده أخبارا تحتوى على جانب من هذا الخبر أو تكرره 5 - فإذا تتبعنا نقول ابن كثير عن غيره وجدنا فيها ظاهرة عجيبة..هي: أنه يكاد لا يلتزم نص أي شئ ينقله..! فنقوله عن ابن إسحاق أغلبها
بالمعنى، وقد تتبعت ذلك في بعض الصفحات، ورأيت أن إثبات الفروق بين ابن كثير وابن إسحاق شئ يطول مداه، فابن كثير يقدم ويؤخر ويزيد وينقص، ويغير ويبدل ويفوت بهذا التغيير والتبديل كثير من جمال عبارة ابن إسحاق وتناسقها كذلك نجد روايات ابن كثير للاحاديث تختلف بعض الاختلاف عما في أيدى الناس من الكتب التى ينقل ابن كثير عنها.
فأحاديث البخاري التى يرويها ابن كثير بقوله: (وقال البخاري) لا تنطبق حرفيا مع صحيح البخاري الذى بأيدينا.
كذلك القول في روايته عن صحيح مسلم وعن مسند أحمد وعن دلائل النبوة لابي نعيم وعن دلائل النبوة للبيهقي، وعن الشفا للقاضى عياض وعن الروض الانف للسهيلي...تكاد لاتجد خبرا مطابقا بحروفه لما في الكتب المتداولة، فلا يخلو الامر من تغيير أو نقص أو اختصار.
وحين نقف أمام هذه الظاهرة نبحث عن أسبابها فإن هناك أحد احتمالين:

(1/15)


1) إما أن يكون ابن كثير - وهو الامام الحافظ المتقن - كان يعتمد على حفظه وروايته ولا ينقل عن النسخ المتداولة 2) وإما أنه كانت هناك نسخ أخرى تختلف عما وصل إلينا من هذه الكتب.
وعلى كل فإن مثل ابن كثير حجة في باب الحديث ولكنها على أي حال ظاهرة تستلفت النظر أن تكون روايات ابن كثير للاحاديث ونقوله عن الكتب مخالفة لما في أيدينا من هذه الكتب...وهى مخالفة لفظية يسيرة في بعض الاحيان.
6 - فإذا ما تفحصنا منهج ابن كثير في الروايات، رأيناه لا يبالي برواية كثير من الاخبار الواهية وخاصة في أخبار الجاهلية وهتاف الجان وقصصه.
وقد كان بإمكانه ألا يلتفت إلى هذه الاخبار التى لا تتمالك أمام النقد، لكنه كان يبرئ نفسه بأمرين: 1) ذكر السند في كل خبر يثبته، وبذلك يلقى التبعة على غيره.
ب) أنه كان يعلق على بعض هذه الاخبار بأنه (غريب جدا) أو (لم يخرجوه) ونحو ذلك مما يضعف جانب الخبر.
لكننا مع ذلك نود أن لو أهمل ابن كثير هذه الاخبار التى ليس لها سند من العقل أو الحقيقة، والتى تزحم الاذهان وتشوش على الحقائق.
وخاصة فيما يتصل بحياة الرسول الكريم صلوات الله عليه، فمثلا الحديث الذى يرويه عن البيهقى عن العباس أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيتك في المهد تناغى القمر وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال) ! ثم يذكر موافقة الرسول على ذلك حديث لا يتفق مع العقل أو مع حقائق الوجود، ولا يغنينا بعد ذلك أن يقول ابن كثير: (تفرد به أحمد بن إبراهيم الحلبي وهو مجهول).
إن مثل هذا الحديث يفتح ثغرة أمام أعداء الاسلام ليهجموا على السيرة النبوية من

(1/16)


باب أمثال هذا الحديث من الواهيات والموضوعات.
كذلك خبر خالد بن سنان، وهتاف الجان وأساطيره، سار فيها ابن كثير شوطا بعيدا ممتلئا بالخرافات والاساطير.
لكننا مع ذلك ننتحل العذر لابن كثير في إثبات مثل هذه الاخبار، إذ كان عصره يحتفل بها ويهتم بروايتها، وإذا كان قصده في كتابه الجمع والاستقصاء وما دام قد أخلى تبعته بإسناد كل خبر إلى روايه واهتم بالتخريج والحكم، فإنه بذلك يكون قد أدى واجبه وقام بما عليه.
7 - إن المطالع للسيرة النبوية لابن كثير يحمد لهذا الرجل جهده الذى قام به، إذ مزج أخبار السيرة بروايات الاحاديث فسن بذلك نهجا جديدا لم يكن من
قبله يهتمون به.
وإذ جمع كل ما يمكن في هذا المجال، فوضع أمام المطالع لكتابه مادة وافية تمكنه من الدراسة والاحاطة والاستيفاء.
وقد أعان ابن كثير على ذلك عصره المتأخر وإحاطته بالاحاديث وإجادته للروايات والاخبار.
منهج التحقيق: اعتمدت في إخراج السيرة النبوية لابن كثير على ما يأتي: 1 - نسخة مصورة من البداية والنهاية لابن كثير تحمل رقم 1110 تاريخ بدار الكتب المصرية، وهى مصورة عن مكتبة ولى الدين 2347 بالآستانه.
وإليها الاشارة بالحرف (ا).
2 - نسخة مخطوطة من البداية والنهاية بالمكتبة التيمورية تحمل رقم 2443 تاريخ وهى ناقصة من أولها.

(1/17)


3 - النسخة المطبوعة من البداية والنهاية سنة 1351 بمطبعة السعادة وقد قوبلت على أصلين الاصل المصور المشار إليه في هوامشها بالنسخة المصرية.
وعلى نسخة محفوظة بالمدرسة الاحمدية بحلب وعلى كان فإن مخطوطات البداية والنهاية المذكورة لا تتسم بالدقة، إذ أن فيها أخطاء أشرت إلى كثير منها في هوامش هذا الجزء، ويبدو أنها كتبت في عصور متأخرة، أو تولى نسخها من لا يعول على التحقيق.
وقد كان جهدي في إخراج هذه السيرة متجها إلى ضبطها وتنقيتها من الاخطاء التى خرجت بها إلى الناس في النسخة المطبوعة الشائعة من البداية والنهاية وتشارك في أكثرها النسخ المخطوطة، فرجعت إلى الاصول التى أشار إليها ابن كثير، مثل كتب السير وكتب الحديث، عدا بعض ما لم يتيسر الرجوع إليه مثل معجم الطبراني وهواتف الجان للخرائطي ودلائل النبوة للبيهقي.
ولم أحاول إثبات الفروق بين ابن كثير وبين كل ما ينقل عنه، إذ تبينت - كما أشرت إلى ذلك قريبا - أن ابن كثير يخالف في كتابه النصوص التى بأيدى الناس من الكتب التى ينقل عنها، فلا يخلو الامر من زيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل، ولكني أثبت بعض الفروق على سبيل المثال، مثل الفروق بينه وبين البخاري ودلائل النبوة لابي نعيم ومكارم الاخلاق للخرائطي، والروض الانف للسهيلي، ومسند أحمد وسيرة ابن هشام والشفاء ونحو ذلك، ولو أنى التزمت إثبات كل الفروق بينه وبين إسحق أو البخاري أو أحمد وغير ذلك، لطال الامر واتسع المدى، وليس في ذلك كبير فائدة.
كذلك أثبت أهم الفروق بين النسخ المخطوطة والمطبوعة على ندرة ذلك.
ولم أعول في التعليق إلا على تصويب الاخطاء وشرح ما يغمض من المفردات، ولم أتوسع في التعريف بالاعلام، لان ذلك لا فائدة منه في مثل هذا الكتاب، وحتى لا يخرج

(1/18)


بنا الامر إلى أن يصير الكتاب حاشية من الحواشى القديمة، إذ لا فائدة في التعليق على كل ما يمكن التعليق عليه، بل الفائدة في التعليق ما يجب التعليق عليه، وقد يلمس القارئ أن أسانيد الروايات والاحاديث لم تظفر بما ينبغى لها من التعريف بهؤلاء الرجال وذكر وفياتهم، ولو أنى فعلت ذلك لخرجنا بكتاب في رجال الحديث ما أرى قارئ السيرة النبوية بحاجة إليه، وفى هذا الباب كتب متخصصة ميسرة لمن أرادها.
ويلحظ أنى تدخلت بنقد بعض الاخبار التى ذكرها ابن كثير، ولم أملك أمامها سوى الاستبعاد العقلي، وقد رأيت ذلك واجبا حتى يتنبه القارئ إلى أنه ليس مطالبا بتصديق كل ما أثبته ابن كثير في كتابه هذا مادام ليس ثابتا بدليل شرعى صحيح أو ليس له سند من العقل، وخاصة الاشعار التى تبدو عليها الصفة والتكلف، والاخبار الاسطورية التى لا تناسب يقظة البشرية وارتقاءها، وليس جانب السند هو الذى يهمنا في الخبر فحسب، بل يطلب أن يكون المتن أيضا منتسبا إلى الحقيقة بعيدا عن التزوير.
وقد نقد ابن خلدون، وهو الامام الحجة، كثيرا من الاخبار بهذا المنهج، منهج الاستبعاد العقلي وبيان منافاة الخبر للسنن الكونية والظروف التاريخية، كما أشار إلى ذلك في أول مقدمته.
ولم أر فائدة في تخريج الاخبار، أي ذكر أماكن وجودها في الكتب، إذ أن أكثر أخبار السيرة مشترك بين الكتب التى تتناولها، فلا يفيد القارئ أن نذكر أن هذا الخبر مثلا موجود في سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وشرح المواهب والشفاء والروض الانف ودلائل النبوة لابي نعيم وعيون الاثر والاكتفا للكلاعي والوفا لابن الجوزى والسيرة الحلبية وما إلى ذلك من كتب السيرة بالاضافة إلى ما يمكن أن يوجد فيه الخبر من كتب الحديث، وفى كل ذلك نذكر أرقام الصفحات، إن ذلك كان يملا حيزا كبيرا لا حاجة

(1/19)


إليه، ويكفى أن يعلم القارئ أن أكثر أخبار السيرة النبوية وما قبلها من فترة الجاهلية مشترك بين هذه الكتب التى ذكرناها وغيرها من كتب الحديث والسيرة.
إن الذى عنيت به هو أن تخرج هذه السيرة الكريمة مضبوطة بريئة من التحريف والتشويه الذى كان يحيط بها في طبعة البداية والنهاية، وأن أشرح ما يحتاج إلى الشرح من المفردات وأن أشير إلى ما أصلحته من أخطاء، وما عثرت عليه من أهم الفروق، وأن أنبه إلى ما يستبعد من الاخبار.
ولا أزعم أنى أديت كل ما يجب على في إخراج هذ الكتاب، ولكني بذلت ما أمكن حسب الطاقة والظرف.
وإنى اليوم وأنا أقدم الجزء الاول من هذه السيرة، أخلص النية في بذل ما يمكن في سبيل إخراج بقيتها في أقرب ثوب إلى الصحة والكمال.
إن الظروف التى طبع فيها هذا الجزء، ولم أكن فيها قريبا من المطبعة، بل اضطرتني ظروف العمل إلى أن أكون بعيدا عنها، قد جعلت فرصة لوقوع بعض الاخطاء التى
تداركتها في آخر الكتاب، وبعضها مطبعى بحت، والآخر سهو ونقص، ومنها قسم هو من أخطاء أصول الكتاب تبينته من المراجع ونبهت إليه حتى يكون القارئ على بصيرة من أمره.
وحسبي في هذا العمل نيتى وقصدي، ولكل امرئ ما نوى...راجيا من الله سبحانه أن ينفع به وأن يهيئ لى إتمامه بما يرضيه، إنه واهب الرشد ومانح التوفيق، له الحمد في الاولى والآخرة، نعم المولى ونعم النصير.
القاهرة 23 من ذى الحجة سنة 1383 5 من مايو سنة 1964 مصطفى عبد الواحد

(1/20)


ذكر أخبار العرب (1 / 1 السيرة)

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم قيل: إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام والتحية والاكرام.
والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل، ومنهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق، وأمم آخرون لا يعلمهم إلا الله، كانوا قبل الخليل عليه الصلاة والسلام وفى زمانه أيضا.
فأما العرب المستعربة، وهم عرب الحجاز، فمن ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
وأما عرب اليمن وهم حمير فالمشهور أنهم من قحطان، واسمه مهزم.
قاله ابن ماكولا.
وذكروا أنهم كانوا أربعة إخوة: قحطان وقاحط ومقحط وفالغ.
وقحطان بن هود، وقيل هو هود.
وقيل هود أخوه.
وقيل من ذريته.
وقيل إن قحطان من سلالة إسماعيل، حكاه ابن إسحاق وغيره.
فقال بعضهم: هو قحطان [ ابن الهميسع (1) ] بن تيمن بن قيذر [ بن نبت (1) ] بن إسماعيل.
وقيل غير ذلك في نسبه إلى إسماعيل والله أعلم.
وقد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال: (باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام) حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن يزيد بن أبى عبيد، حدثنا سلمة رضى الله عنه
__________
(1) من المخطوطة (*)

(1/3)


قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال: " ارموا بنى إسماعيل وأنا مع بنى فلان " لاحد الفريقين، فأمسكوا بأيديهم، فقال: مالكم ؟ قالوا: وكيف نرمى وأنت مع بنى فلان، فقال: " ارموا وأنا معكم كلكم (1) ".
تفرد به البخاري.
وفى بعض ألفاظه: " ارموا بنى إسماعيل فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع ابن الادرع " فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم.
قال البخاري: وأسلم (2) بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة.
يعنى: وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم.
كما سيأتي بيانه.
وكانت الاوس والخزرج منهم، وقد قال لهم عليه الصلاة والسلام: " ارموا بنى إسماعيل " فدل على أنهم من سلالته.
وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب، لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل.
لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من
سلالة إسماعيل.
وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية وعدنانية.
فالقحطانية شعبان: سبأ وحضرموت.
والعدنانية شعبان أيضا: ربيعة ومضر، ابنا نزار بن معد بن عدنان، والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم، فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبد البر: وعليه الاكثرون.
ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم، وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام.
وقد ورد في حديث: " قضاعة بن معد " ولكنه لا يصح.
قاله ابن عبد البر وغيره.
__________
(1) صحيح البخاري ج 2 ص 133.
(2) البخاري: ومنهم أسلم.
(*)

(1/4)


ويقال: إنهم لم (1) يزالوا في جاهليتهم وصدر من الاسلام ينتسبون إلى عدنان، فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية، وكانو أخواله، انتسبوا إلى قحطان، فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدة له: أبلغ قضاعة في القرطاس أنهم * لولا خلائف آل الله ما عنقوا قالت قضاعة إنا من ذوى يمن * والله يعلم ما بروا ولا (2) صدقوا قد ادعوا والدا ما نال أمهم * قد يعلمون ولكن ذلك الفرق وقد ذكر أبو عمرو السهيلي أيضا من شعر العرب ما فيه إبداع في تعيير (3) قضاعة في في انتسابهم إلى اليمن.
والله أعلم.
والقول الثاني أنهم من قحطان، وهو قول ابن إسحاق والكلبي وطائفة من أهل النسب.
قال ابن إسحاق: وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وقد قال بعض شعرائهم وهو عمرو بن مرة، صحابي له حديثان: - يا أيها الداعي ادعنا وأبشر * وكن قضاعيا ولا تنزر
- نحن بنو الشيخ الهجان الازهر (4) * قضاعة بن مالك بن حمير النسب المعروف غير المنكر * في الحجر المنقوش تحت المنبر قال بعض أهل النسب: هو قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن حمير.
وقال ابن لهيعة: عن معروف بن سويد، عن أبى عشابة (5) محمد بن موسى، عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله أما نحن من معد ؟ قال لا.
قلت: فمن نحن ؟ قال: أنتم من قضاعة بن مالك بن حمير.
__________
(1) في الاصل: لن، وهو خطأ (2) المطبوعة: وما (3) المطبوعة: تفسير.
وهو خطأ (4) الهجان: الرجل الحسيب.
والازهر: المشرق الوجه.
(5) كذا بالمطبوعة وفى المخطوطة: مشابة ولا وجود لهما.
ولعله أبوعشانة حى بن يؤمن.
(*)

(1/5)


قال أبو عمر بن عبد البر: ولا يختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن الحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجهنى، فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبأ.
وقد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير فولدت له قضاعة، ثم خلف عليها معد بن عدنان، وابنها صغير، وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه، كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه (1) والله أعلم.
وقال محمد بن سلام البصري النسابة: العرب ثلاثة جراثيم: العدنانية والقحطانية وقضاعة.
قيل له: فأيهما أكثر العدنانية أو القحطانية ؟ فقال: ما شاءت قضاعة، إن تيامنت فالقحطانية أكثر وإن تعدننت فالعدنانية أكثر.
وهذا يدل على أنهم يتلونون في نسبهم، فإن صح حديث ابن لهيعة المتقدم فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم.
وقد قال الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من
ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (2).
قال علماء النسب: يقال شعوب، ثم قبائل، ثم عمائر، ثم بطون، ثم أفخاذ، ثم فصائل، ثم عشائر، والعشيرة أقرب الناس إلى الرجل وليس بعدها شئ.
ولنبدأ أولا بذكر القحطانية، ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز وهم العدنانية وما كان من أمر الجاهلية، ليكون ذلك متصلا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
__________
(1) قال الجوانى في كتابه أصول الاحساب: " فجاءت بقضاعة على فراش مالك بن مرة، فنسبته العرب إلى زوج أمه مالك بن مرة، وهى عادة للعرب فيمن يولد على فراش زوج أمه.
وقيل إن اسم الجرهمية.
قضاعة، فلما جاءت بولدها سمته باسمها، وقيل: بل كان اسمه عمرا، فلما تقضع عن قومه أي بعد سمى قضاعة " (2) سورة الحجرات 13.
(*)

(1/6)


وقد قال البخاري (باب ذكر قحطان) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان ابن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبى الغيث، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه " (1) وكذا رواه مسلم، عن قتيبة عن الدراوردى، عن ثور بن زيد به.
قال السهيلي: وقحطان أول من قيل له " أبيت اللعن " وأول من قيل له " أنعم صباحا ".
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، عن جرير حدثنى راشد بن سعد المقرائى عن أبى حى، عن ذى فجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كان هذا الامر في حمير فنزعه الله منهم فجعله في قريش (وس ى ع ود إ ل ى ه م) قال عبد الله: كان هذا في كتاب أبى وحيث حدثنا به تكلم به على الاستواء، يعنى: " وسيعود إليهم ".
__________
(1) صحيح البخاري 2 / 135 (*)

(1/7)


قصة سبأ قال الله تعالى (لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور.
فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل.
ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازى إلا الكفور.
وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى وأياما آمنين.
فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) (1).
قال علماء النسب منهم محمد بن إسحاق: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب ابن قحطان.
قالوا: وكان أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك.
وكان يقال له الرائش، لانه كان يعطى الناس الاموال من متاعه.
قال السهيلي: ويقال إنه أول من تتوج.
وذكر بعضهم أنه كان مسلما، وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قوله: سيملك بعدنا ملكا عظيما * نبى لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك * يدينون العباد بغير ذام ويملك بعدهم منا ملوك * يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبى * تقى، مخبت (2) خير الانام يسمى أحمدا يا ليت أنى * أعمر بعد مبعثه بعام
__________
(1) سورة سبأ 15 - 19 (2) الاصل: جبينه.
وما أثبته من التفسير.
(*)

(1/8)


فأعضده وأحبوه بنصري * بكل مدجج وبكل رامى متى يظهر فكونوا ناصريه * ومن يلقاه يبلغه سلامى حكاه ابن دحية في كتابه " التنوير في مولد البشير النذير ".
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله [ بن هبيرة السبائى عن عبد الرحمن بن وعلة قال (1) ] سمعت عبد الله بن عباس يقول: إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو ؟ أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال: " بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة.
فأما اليمانيون فمذحج وكندة والازد والاشعريون وأنمار وحمير [ عربا كلها (2) ] وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان (3) ".
وقد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفى هو السائل عن ذلك، كما استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك ولله الحمد.
والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها، وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع، وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم، كما كانت الاكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك، وكانت العرب تسمى كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت تبعا، كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك مصر فرعون، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الهند بطليموس، وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس.
وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارة وثمار وزروع كثيرة، وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد، فلما بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار.
__________
(1) سقط من المطبوعة ! وكان فيها: حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن دعلة.
(2) من المسند (3) المسند حديث رقم 2900 (*)

(1/9)


قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا.
وزعم السدى أنه أرسل إليهم اثنى عشر ألف نبى ! فالله أعلم.
والمقصود أنهم عدلوا عن الهدى إلى الضلال وسجدوا للشمس من دون الله وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا، واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم كما قال تعالى (فأعرضوا فارسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل.
ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازى إلا الكفور).
ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته أن المياه تجرى من بين جبلين، فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا، حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين، وغرسوا فيهما البساتين والاشجار المثمرة الانيقة، وزرعوا الزروع الكثيرة، ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب وسلط إليه سبعين واديا يفد إليه وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء، ومات ولم يكمل بناؤه، فكملته حمير بعده، وكان اتساعه فرسخا في فرسخ، وكانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة، حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فيمتلئ من الثمار مما يتساقط فيه من نضجه وكثرته، وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شئ من البراغيث ولا الدواب المؤذية، لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى (لقد كان لسبا في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم، واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) وكما قال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).
فلما عبدوا غير الله وبطروا نعمته، وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها من البساتين وأمن الطرقات، سألوا أن يباعد بين أسفارهم وأن يكون سفرهم في مشاق

(1/10)


وتعب، وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا، كما سأل بنو إسرائيل بدل المن والسلوى البقول والقثاء والفوم والعدس والبصل، فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشتات على وجوه العباد، كما قال تعالى (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم).
قال غير واحد: أرسل الله على أصل السد الفأر وهو الجرذ ويقال له الخلد، فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا، إذ قد حم القدر ولم ينفع الحذر كلا لا وزر، فلما تحكم في أصله الفساد سقط وانهار، فسلك الماء القرار، فقطعت تلك الجداول والانهار وانقطعت تلك الثمار، وبادت تلك الزروع والاشجار، وتبدلوا بعدها بردئ الاشجار والاثمار، كما قال العزيز الجبار " وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل " قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو الاراك وثمره البرير، وأثل وهو الطرفاء.
وقيل يشبهه، وهو حطب لا ثمر له " وشئ من سدر قليل " وذلك لانه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير وثمره بالنسبة إليه، كما يقال في المثل: لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى.
ولهذا قال تعالى " ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازى إلا الكفور " أي إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذب رسلنا وخالف أمرنا وانتهك محارمنا.
وقال تعالى: " فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق " وذلك أنهم لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها وينتقلوا عنها، فتفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدى سبأ شذر مذر، فنزلت طوائف منهم الحجاز، ومنهم خزاعة، نزلوا ظاهر مكة، وكان من أمرهم ما سنذكره، ومنهم المدينة المنورة اليوم، فكانوا أول من سكنها، ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير، فحالفوا الاوس والخزرج وأقاموا عندهم، وكان من أمرهم ما سنذكره، ونزلت طائفة

(1/11)


أخرى منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد، وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم.
قال محمد بن إسحاق: حدثنى أبو عبيدة قال: قال الاعشى بن قيس بن ثعلبة، وهو ميمون بن قيس: - وفى ذاك للمؤتسى أسوة * ومأرب (1) عفى عليها العرم رخام بنته لهم حمير * إذا جاء مواره (2) لم يرم فأروى الزروع (3) وأعنابها * على سعة ماؤهم إذ قسم فصاروا أيادى (4) لا يقدرون * على شرب طفل إذا ما فطم وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمى، ولخم هو ابن عدى بن الحارث بن مرة بن أدد (5) بن زيد بن هميسع (6) بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ.
ويقال لخم بن عدى بن عمرو بن سبأ.
قاله ابن هشام.
قال ابن إسحاق: وكان سبب خروجه من اليمن، فيما حدثنى أبو زيد الانصاري، أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذى كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهى فيه أصغر ولدى.
وعرض أمواله.
فقال أشراف من
__________
(1) المطبوعة: ومأرم.
وهو خطأ (2) مواره: ماؤه الذى يضطرب ويتموج.
(3) المطبوعة: الزرع، وهو خطأ (4) ابن هشام: ما يقدرون (5) المطبوعة: أزد، وهو تحريف (6) المطبوعة: مهع، وهو تحريف.
(*)

(1/12)


أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله.
وانتقل في ولده وولد ولده.
وقالت الازد لا نتخلف عن عمرو بن عامر.
فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، فكانت حربهم سجالا، ففى ذلك قال عباس بن مرداس: وعك بن عدنان الذين تلعبوا (1) * بغسان حتى طردوا كل مطرد قال: فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد، فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزل الاوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا (2)، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان.
ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفى ذلك أنزل الله هذه الآيات.
وقد روى عن السدى قريب من هذا.
وعن محمد بن إسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنا.
وقال غيره: كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم، وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذى سلط على سدهم ففعلوا ما فعلوا والله أعلم.
وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبى حاتم في التفسير.
فصل: وليس جميع سبأ خرجوا من اليمن لما أصيبوا بسيل العرم، بل أقام أكثرهم بها، وذهب أهل مأرب الذين كان لهم السد فتفرقوا في البلاد، وهو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبأ لم يخرجوا من اليمن، بل إنما تشاءم ومنهم أربعة وبقى
__________
(1) في أصول الاحساب للجوانى ص 111: تلقبوا (2) هو الذى يعرف بمر الظهران، على مرحلة من مكة.
(*)

(1/13)


باليمن ستة، وهم مذحج وكندة وأنمار والاشعريون.
وأنمار هو أبو خثعم وبجيلة وحمير، فهؤلاء ست قبائل من سبأ أقاموا باليمن، واستمر فيهم الملك والتبابعة، حتى سلبهم ذلك ملك الحبشة بالجيش الذى بعثه صحبة أميريه أبرهة وأرياط نحوا من سبعين سنة،
ثم استرجعه سيف بن ذى يزن الحميرى، وكان ذلك قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقليل، كما سنذكره مفصلا قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن عليا وخالد بن الوليد، ثم أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل، وكانوا يدعون إلى الله تعالى ويبينون لهم الحجج، ثم تغلب على اليمن الاسود العنسى وأخرج نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فلما قتل الاسود استقرت اليد الاسلامية عليها في أيام أبى بكر الصديق رضى الله عنه.
قصة ربيعة بن نصر بن أبى حارثة بن عمرو بن عامر المتقدم ذكره اللخمى.
كذا ذكره ابن اسحاق.
وقال السهيلي: ونساب اليمن تقول: نصر بن ربيعة (1).
وهو ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم.
وقال الزبير ابن بكار: ربيعة بن نصر بن مالك بن شعوذ بن ملك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم.
ولخم أخو جذام، وسمى لخما لانه لخم أخاه على خده أي لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها، فسمى جذاما.
وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة، وخبره (2) مع شق وسطيح الكاهنين وإنذارهما بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن
__________
(1) الذى في السهيلي: وبعضهم يقول فيه نصر بن ربيعة وهو في قول نساب اليمن ربيعة بن نصر (؟) عطفها على قوله: قصة ربيعة.
(*)

(1/14)


غسان.
وأما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس (1) بن عبقر ابن أنمار بن نزار.
ومنهم من يقول أنمار بن إراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نابت (2) بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
ويقال إن سطيحا كان لا أعضاء له، وإنما كان مثل السطيحة، ووجهه في صدره، وكان إذا غضب انتفخ وجلس.
وكان شق
نصف إنسان، ويقال إن خالد بن عبد الله القسرى كان من سلالته.
وذكر السهيلي أنهما ولدا في يوم واحد، وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية، ويقال إنها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها، وهى امرأة عمرو بن عامر المتقدم ذكره.
والله أعلم.
قال محمد بن إسحاق: وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، فرأى رؤيا هالته وفظع بها (3)، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبروني بها وبتأويلها.
فقالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها.
فقال: إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها، لانه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها.
فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه.
فبعث إليهما، فقدم إليه سطيح قبل شق، فقال له: إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها.
فقال أفعل.
رأيت
__________
(1) في ا: قسر.
(2) وتروى: نبت، كما في الاشتقاق لابن دريد (3) فظع بها: اشتدت عليه.
(*)

(1/15)


حممة (1) خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تهمة (2)، فأكلت منها كل ذات جمحمة.
فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك في تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش (3).
فقال له الملك: يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن أفى زماني أم بعده ؟ فقال: لا وأبيك بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين.
قال: أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون
ويخرجون منها هاربين.
قال ومن يلى ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال يليه (4) إرم ذى يزن (5)، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن.
قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع.
قال ومن يقطعه ؟ قال: نبى زكى، يأتيه الوحى من قبل العلى.
قال وممن هذا النبي ؟ قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر.
قال وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الاولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون.
قال أحق ما تخبرني ؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق.
قال: ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان.
قال: نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة.
فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد، إلا أن سطيحا قال " وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة " وقال شق: " وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة " فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا، فما عندك
__________
(1) الحممة: قطعة النار.
(2) تهمة: منخفضة ومنه سميت تهامة.
(3) ؟ ن وجرش: مخلافان من مخاليف اليمن.
(4) المطبوعة: يليهم وهو خطأ.
(5) إنما قال: ارم ذى يزن، واسمه سيف، لانه شبهه بعاد إرم في عظم الخلق والقوة.
(*)

(1/16)


في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران.
فقال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن أفى زماني أم بعده ؟ قال: لا بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذوشان، ويذيقهم أشد الهوان.
قال: ومن هذا العظيم الشان ؟ قال غلام ليس بدنى ولا مدن (1) يخرج عليهم من بيت ذى يزن.
قال أفيدوم سلطانه
أم ينقطع قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، من أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل.
قال وما يوم الفصل ؟ قال: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات تسمع منها الاحياء والاموات، ويجمع الناس فيه للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات.
قال أحق ما تقول ؟ قال إى ورب السماء والارض، وما بينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض (2).
قال ابن اسحاق: فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة.
قال ابن إسحاق: فمن بقية ولد ربيعة بن نصر: النعمان بن المنذر، بن النعمان بن المنذر، بن عمرو بن عدى، بن ربيعة بن نصر، يعنى الذى كان نائبا على الحيرة لملوك الاكاسرة، وكانت العرب تفد إليه وتمتدحه.
وهذا الذى قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس.
وقد روى ابن إسحاق أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جئ بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان ؟ فقال من أشلاء (3) قنص بن معد بن عدنان.
قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان.
__________
(1) المدن: المقصر في الامور (2) الامض: الشك، بلسان حمير (3) الاشلاء: البقايا (*)

(1/17)


قصة تبع أبى كرب تبان أسعد، ملك اليمن مع أهل المدينة وكيف أراد غزو البيت الحرام، ثم شرفه وعظمه وكساه الحلل فكان أول من كساه قال ابن إسحاق.
فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبى كرب.
وتبان أسعد هو تبع الآخر ابن كلكى كرب (1) بن زيد،
وزيد تبع الاول بن عمرو ذى الاذعار، بن أبرهة ذى المنار، بن الرائش (2)، بن عدى، بن صيفي، بن سبأ الاصغر، بن كعب كهف الظلم، بن زيد، بن سهل، بن عمرو، بن قيس (3)، بن معاوية، بن جشم، بن عبد شمس، بن وائل، بن الغوث، ابن قطن، بن عريب، بن زهير بن أيمن (4) بن الهميسع بن العرنجج (5) والعرنجج هو حمير بن سبأ الاكبر، بن يعرب بن يشجب بن قحطان.
قال عبد الملك بن هشام: سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان (6).
قال ابن إسحاق: وتبان أسعد أبو كرب هو الذى قدم المدينة وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه، وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر، وكان قد جعل طريقه حين رجع من غزوة بلاد المشرق (7) على المدينة، وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لا خرابها
__________
(1) كذا في الروض الانف، وفى ابن هشام: كلى كرب.
(2) ويقال الريش، كما في ابن هشام (3) الاصل: " قس " وهو خطأ.
(4) الاصل: أنس والتصويب من ابن هشام 1 / 20 (5) المطبوعة: العربحج وهو خطأ.
وليست النون في العرنجج زائدة، وهو من قولهم اعرنجج الرجل في أمره: إذا جد فيه، كأنه افعنلل.
الاشتقاق 362.
(6) الذى في ابن هشام: يشجب بن يعرب ؟ بدون ذكر سبأ.
(7) ابن هشام: حين أقبل من المشرق.
(*)

(1/18)


واستئصال اهلها وقطع نخلها، فجمع له هذا الحى من الانصار ورئيسهم عمرو بن طلة (1) أخو بنى النجار ثم أحد بنى عمرو بن مبذول، واسم مبذول عامر بن مالك ابن النجار، واسم النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر.
وقال ابن هشام: عمرو بن طلة (1) هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار، وطلة أمه، وهى بنت عامر بن زريق الخزرجية.
قال ابن اسحاق: وقد كان رجل من بنى عدى بن النجار، يقال له أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع وجده يجد عذقا له فضربه بمنجله فقتله وقال: إنما التمر لمن أبره.
فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم فاقتتلوا.
فتزعم الانصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك منهم ويقول: والله إن قومنا لكرام ! وحكى ابن اسحاق عن الانصار أن تبعا إنما كان حنقه على اليهود وأنهم (2) منعوهم منه.
قال السهيلي: ويقال إنه إنما جاء لنصرة الانصار أبناء عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم.
والله أعلم.
قال ابن اسحاق: فبينا تبع على ذلك من قتالهم إذا جاءه حبران من أحبار اليهود من بنى قريظة عالمان راسخان، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا (3) له: أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك
__________
(1) الاصل: طلحة وهو خطأ (2) المطبوعة أنهم.
(3) المطبوعة: فقالوا.
(*)

(1/19)


عاجل (1) العقوبة.
فقال لهما ولم ذلك ؟ قالا هي مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره.
فتناهى [ عن ذلك ] ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما.
قال ابن اسحاق: وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فتوجه إلى مكة وهى طريقه إلى اليمن، حتى إذا كان بين عسفان وأمج (2) أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، فقالوا له: أيها الملك، ألا ندلك على بيت
مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؟ قال: بلى.
قالوا: بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده.
وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، ما نعلم بيتا لله عزوجل اتخذه في الارض لنفسه غيره، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا.
قال: فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه ؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه، وتحلق رأسك عنده وتذلل له حتى تخرج من عنده.
قال فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم عليه السلام، وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالاوثان التى.
نصبوها حوله وبالدماء التى يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك.
أو كما قالا له.
__________
(1) المطبوعة: جل، وهو تحريف.
(2) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة.
وأمج: بلد من أعراض المدينة.
(*)

(1/20)


فعرف نصحهما وصدق حديثهما، وقرب (1) النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم مضى حتى قدم مكة، فطاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل، وارى في المنام أن يكسو البيت، فكساه الخصف (2)، ثم أرى في المنام أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر (3) ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل (4)، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت، وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مثلاة وهى المحايض، وجعل له بابا ومفتاحا.
ففى ذلك قالت سبيعة بنت الاحب تذكر ابنها خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب وتنهاه عن البغى بمكة وتذكر له ما كان من أمر تبع فيها: أبنى لا تظلم بمك * كة لا الصغير ولا الكبير واحفظ محارمها بن * ي ولا يغرنك الغرور أبنى من يظلم بمك * كة يلق أطراف الشرور أبنى يضرب وجهه * ويلح بخديه السعير أبنى قد جربتها * فوجدت ظالمها يبور الله آمنها وما * بنيت بعرصتها قصور والله آمن طيرها * والعصم تأمن في ثبير ولقد غزاها تبع * فكسا بنيتها الحبير
__________
(1) ابن هشام: فقرب (2) الخصف: حصر تنسج من خوص النخل ومن الليف.
(3) المعافر: ثياب تنسب إلى قبيلة من اليمن.
(4) الملاء: جمع ملاءة، والوصائل: ثياب مخططة يمنية يوصل بعضها ببعض.
(*)

(1/21)


وأذل ربى ملكه * فيها فأوفى بالنذور يمشى إليها حافيا * بفنائها ألفا بعير ويظل يطعم أهلها * لحم المهارى والجزور يسقيهم العسل المصف * في والرحيض من الشعير والفيل أهلك جيشه * يرمون فيها بالصخور والملك في أقصى البلا * د وفى الاعاجم والخزير (1) فاسمع إذا حدثت واف * هم كيف عاقبة الامور
قال ابن إسحاق: ثم خرج تبع متوجها إلى اليمن بمن معه من الجنود وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التى كانت باليمن.
قال ابن اسحاق: حدثنى أبو مالك بن ثعلبة بن أبى مالك القرظى، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا.
فدعاهم إلى دينه وقال إنه خير من دينكم.
قالوا: تحاكمنا (2) إلى النار ؟ قال: نعم.
قال: وكانت باليمن، فيما يزعم أهل اليمن، نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج منه، فخرجت النار إليهم فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها فذمرهم (3) من حضرهم من الناس
__________
(1) الخزير: أمة من العجم، ويقال لهم الخزر أيضا.
وفى المطبوعة: الخزور وهو تحريف.
(2) ابن هشام: فحاكمنا (3) ذمرهم: حضهم.
وفى المطبوعة: فزجرهم.
(*)

(1/22)


وأمروهم بالصبر لها، فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الاوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرهما فأصفقت (1) عند ذلك حمير على دينهما، فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن.
قال ابن اسحاق: وقد حدثنى محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها، وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق.
فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها، فدنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وهى تنكص (2) عنهما حتى رداها إلى مخرجها الذى خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما.
والله أعلم أي ذلك كان.
قال ابن اسحاق: وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم بذلك، فحل بيننا وبينه.
قال.
فشأنكما به.
فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه، ثم هدما ذلك البيت، فبقياه اليوم - كما ذكر لى - بها آثار الدماء التى كانت تهراق عليه.
وقد ذكرنا في التفسير الحديث الذى ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم " قال السهيلي: وروى معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا أسعد الحميرى فإنه أول من كسى الكعبة ".
قال السهيلي: وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرا: شهدت على أحمد أنه * رسول من الله بارى النسم
__________
(1) أصفقت: اجتمعت.
(2) المطبوعة: تنقص، وهو تحريف.
(*)

(1/23)


فلو مد عمرى إلى عمره * لكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه * وفرجت عن صدره كل هم قال: ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الانصار ويحفظونه بينهم، وكان عند أبى أيوب الانصاري رضى الله عنه وأرضاه قال السهيلي: وذكر ابن أبى الدنيا في كتاب القبور أن قبرا حفر بصنعاء، فوجد فيه امرأتان معهما لوح من فضة مكتوب بالذهب وفيه: هذا قبر لميس وحبى ابنتى تبع، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما.
ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تبان أسعد، وهو أخو اليمامة الزرقاء التى صلبت
على باب مدينة " جو " فسميت من يومئذ اليمامة.
قال ابن إسحاق: فلما ملك ابنه حسان بن أبى كرب تبان أسعد، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض الاعاجم، حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم، فكلموا أخا له يقال له عمرو، وكان معه في جيشه، فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملكك علينا وترجع بنا إلى بلادنا.
فأجابهم، فاجتمعوا على ذلك إلا ذارعين الحميرى، فإنه نهى عمرا عن ذلك فلم يقبل منه، فكتب ذو رعين رقعة فيها هذان البيتان: ألا من يشترى سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين فإما حمير غدرت وخانت (1) * فمعذرة الاله لذى رعين
__________
(1) رواية البيت في الاشتقاق 225: * فإن تك حمير غدرت وحانت * (*)

(1/24)


ثم استودعها عمرا.
فلما قتل عمر وأخاه حسان ورجع إلى اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر، فسأل الاطباء والحزاة (1) من الكهان والعرافين عما به، فقيل له: إنه والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر.
فعند ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه، فلما خلص إلى ذى رعين قال له: إن لى عندك براءة.
قال وما هي ؟ قال: الكتاب الذى دفعته إليك.
فأخرجه فإذا فيه البيتان فتركه ورأى أنه قد نصحه.
وهلك عمرو فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا.
وثوب لخنيعة ذى شناتر على ملك اليمن وقد ملكها سبعا وعشرين سنة.
قال ابن إسحاق: فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك (2) يقال له لخنيعة (3) ينوف ذو شناتر، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، وكان مع
ذلك امرأ فاسقا يعمل عمل قوم لوط، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة (4) له قد صنعها لذلك، لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده قد أخذ مسواكا فجعله في فيه، ليعلمهم أنه قد فرغ منه.
حتى بعث إلى زرعة ذى نواس بن تبان أسعد أخى حسان، وكان صبيا صغيرا حين قتل أخوه حسان، ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه، فأخذ سكينا حديدا لطيفا فخبأه بين قدميه ونعله، ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله، ثم حز رأسه فوضعه في الكوة التى كان يشرف منها،
__________
(1) الحزاة: جمع حاز وهو الذى ينظر في النجوم ويقضى بها.
وفى المطبوعة: الحذاق.
(2) ابن هشام: المملكة.
(3) قال ابن دريد: المعروف فيه لخيعة بغير نون، وهو مشتق من اللخع وهو استرخاء اللحم - الاشتقاق (4) المشربة: الغرفة المرتفعة.
(*)

(1/25)


ووضع مسواكه في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذا نواس أرطب أم يباس ؟ فقال ؟ ل نخماس استرطبان لا باس (1) فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع، فخرجوا في أثر ذى نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغى أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث.
فملكوه عليهم، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير، وتسمى يوسف، فأقام في ملكه زمانا، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الانجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له عبد الله ابن الثامر.
ثم ذكر ابن إسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى، وأن ذلك كان على يدى رجل يقال له فيميون، كان من عباد النصارى بأطراف الشام، وكان مجاب الدعوة، وصحبه رجل يقال له صالح، فكانا يتعبدان يوم الاحد ويعمل فيميون بقية
الجمعة في البناء، وكان يدعو للمرضى والزمنى وأهل العاهات فيشفون، ثم استأسره وصاحبه بعض الاعراب فباعوهما بنجران، فكان الذى اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذى هو فيه في الليل يمتلئ عليه البيت نورا، فأعجبه ذلك من أمره.
وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلقون عليها حلى نسائهم ويعكفون عندها، فقال فيميون لسيده: أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذى أنتم عليه باطل ؟ قال: نعم.
فجمع له أهل نجران، وقام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها، فأرسل الله عليها قاصفا فجعفها (2) من أصلها ورماها إلى الارض، فاتبعه أهل نجران على
__________
(1) نخماس الرأس بلغة حمير.
ومعنى استرطبان: أخذته النار، وهى كلمة فارسية.
(2) جعفها: اقتلعها.
(*)

(1/26)


دين النصرانية، وحملهم على شريعة الانجيل حتى حدثت فيهم الاحداث التى دخلت على أهل دينهم بكل أرض.
فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب.
ثم ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر حين تنصر على يدى فيميون، وكيف قتله وأصحابه ذو نواس وخدلهم الاخدود.
قال ابن هشام: وهو الحفر المستطيل في الارض مثل الخندق.
وأجج فيه النار وحرقهم بها، وقتل آخرين حتى قتل قريبا من عشرين ألفا.
كما هو مستقصى في تفسير سورة (والسماء ذات البروج) من كتابنا التفسير ولله الحمد.
ذكر خروج الملك باليمن من حمير وصيرورته إلى الحبشة السودان كما أخبر بذلك شق وسطيح الكاهنان.
وذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر ملك الروم، فاستنصره على ذى نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم،
وذلك لانه نصراني على دينهم.
فقال له بعدت بلادك منا، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك.
فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره.
فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر، فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط، ومعه في جنده أبرهة الاشرم، فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس، وسار إليه ذو نواس في حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن.

(1/27)


فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى به إلى غمره.
فأدخله فيها، فكان آخر العهد به، ودخل أرياط اليمن وملكها.
وقد ذكر ابن إسحاق هاهنا أشعارا للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة، وفيها فصاحة وحلاوة وبلاغة وطلاوة، ولكن تركنا إيرادها خشية الاطالة وخوف الملالة.
والله المستعان.
ذكر خروج ابرهة الاشرم على أرياط واختلافهما واقتتالهما وصيرورة ملك اليمن إلى أبرهة بعد قتله أرياط قال ابن إسحاق: فأقام أرياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه أبرهة حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل منهما طائفة، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا، فابرز لى وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه أرياط: أنصفت.
فخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحيما، وكان ذا دين في النصرانية، وخرج إليه ارياط وكان رجلا جميلا عظيما طويلا، وفى يده حربة له، وخلف أبرهة غلام يقال له
عتودة يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته، فبذلك سمى أبرهة الاشرم، وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وودى أبرهة أرياط.

(1/28)


فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الذى بعثهم إلى اليمن غضب غضبا شديدا على أبرهة، وقال: عدا على أميرى فقتله بغير أمرى ! ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته.
فحلق أبرهة رأسه، وملا جرابا من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشي ثم كتب إليه: أيها الملك، إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكل طاعته لك، إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب تراب من أرضى ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه في.
فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضى عنه وكتب إليه أن اثبت برأض اليمن حتى يأتيك أمرى.
فأقام أبرهة باليمن.
ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه الله عاجلا غير آجل كما قال الله تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.
ألم يجعل كيدهم في تضليل.
وأرسل عليهم طيرا أبابيل.
ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول).
قيل: أول من ذلل الفيلة إفريدون بن أثفيان الذى قتل الضحاك.
قاله الطبري.
وهو أول من اتخذ للخيل السرج.
وأما أول من سخر الخيل وركبها فطهمورث، وهو الملك
الثالث من ملوك الدنيا، ويقال إن أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب.
والله تعالى أعلم.

(1/29)


ويقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر، وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء، كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشئ من الارض، وكتب إلى النجاشي: إنى قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب.
فذكر السهيلي أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة، وسخرهم فيها أنواعا من السخر، وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة، وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاما وأحجارا وأمتعة عظيمة، وركب فيها صلبانا من ذهب وفضة، وجعل فيها منابر من عاج وأبنوس، وجعل ارتفاعها عظيما جدا واتساعها باهرا، فلما هلك بعد ذلك أبرهة وتفرقت الحبشة كان من يتعرض لاخذ شئ من بنائها وأمتعتها أصابته الجن بسوء، وذلك لانها كانت مبنية على اسم صنمين، كعيب وامرأته، وكان طول كل منهما ستون ذراعا، فتركها أهل اليمن على حالها.
فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بنى العباس، فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم فنقضوها حجرا حجرا ودرست آثارها إلى يومنا هذا.
قال ابن إسحاق: فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة، الذين ينسئون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم، كما قررنا ذلك عند قوله: (إنما النسئ زيادة في الكفر).
قال ابن إسحاق: فخرج الكنانى حتى أتى القليس فقعد فيها (1)، أي أحدث حيث لا يراه أحد، ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر أبرهة بذلك، فقال من صنع هذا ؟
فقيل له: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذى تحجه العرب بمكة، لما سمع بقولك أنك
__________
(1) المطبوعة: فيه.
(*)

(1/30)


تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك (1) هذا، فغضب فجاء فقعد فيها، أي أنه ليس لذلك بأهل.
فغضب أبرهة عند ذلك، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت.
ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام.
فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه، وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله.
فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل.
فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما.
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلى (2) خثعم وهما شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا، فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني، فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلى خثعم، شهران وناهس، بالسمع والطاعة.
فخلى سبيله وخرج به معه يدله.
حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو ابن سعد بن عوف بن ثقيف، في رجال ثقيف، فقالوا له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذى تريد،
__________
(1) عبارة ابن اسحق مختلفة عما أورده المؤلف.
(2) المطبوعة: قبيلتي.
(*)

(1/31)


يعنون اللات، إنما تريد البيت الذى بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه.
فتجاوز عنهم.
قال ابن إسحاق: واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة.
قال: فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذى يرجم الناس بالمغمس.
وفى قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلا منهم وكان يمتنع بالحرم، فلما خرج منه أصابه حجر فقتله، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه: " وآية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب " فحفروا فوجدوهما.
قال وهو أبو ثقيف.
قلت: والجمع بين هذا وبين ما ذكر ابن إسحاق، أن أبا رغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الاعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الاول أيضا والله أعلم.
وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه * كرجمكم لقبر أبى رغال الظاهر أنه الثاني.
قال ابن إسحاق: فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الاسود بن مقصود (1) على خيل له، حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك.
وبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له إن الملك يقول إنى لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت،
__________
(1) الاصل: مفصود.
والتصويب من ابن هشام (*)

(1/32)


فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب فلا حاجة لى بدمائكم.
فإن هو لم يرد حربى فائتني به.
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم.
فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة.
فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه ومالنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام.
أو كما قال.
فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته، وإن يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه.
فقال له حناطة: فانطلق معى إليه فإنه قد أمرنى أن آتيه بك.
فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذى نفر، وكان له صديقا، حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدى ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ! ما عندي غناء في شئ مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لى، فسأرسل إليه وأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك.
فقال: حسبى.
فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين (1) مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت.
قال: أفعل.
فكلم أنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك،
__________
(1) الطبري: عير.
والمقصود بعين مكة زمزم التى حفرها عبد المطلب.
(*)

(1/33)


وهو صاحب عين مكة، وهو الذى يطعم الناس بالسهل والوحوش في رءوس الجبال.
فائذن له عليك فليكلمك في حاجته، فأذن له أبرهة.
قال: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم (1)، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال حاجتى أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لى.
فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لاهدمه لا تكلمني فيه ! ؟ فقال له عبد المطلب: إنى أنا رب الابل، وإن للبيت ربا سيمنعه.
فقال: ما كان ليمتنع منى.
قال: أنت وذاك.
فرد على عبد المطلب إبله.
قال ابن إسحاق: ويقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة ابن عدى بن الديل (2) بن بكر بن عبد مناة بن كنانة سيد بنى بكر، وخويلد بن وائلة سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك.
فالله أعلم أكان ذلك أم لا.
فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رءوس الجبال، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
__________
(1) وتروى: أوسم الناس وأجمله وأعظمه.
(2) الطبري: الدئل، بضم الدال وبكسر الهمزة.
(*)

(1/34)


- لا هم إن العبد يم * نع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم (1) غدوا محالك إن كنت تاركهم وقب * لتنا فأمر ما بدا لك قال ابن هشام: هذا ما صح له منها.
قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه، وكان اسم الفيل محمودا.
فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمود وارجع راشدا من حيث أتيت، فإنك في بلد الله الحرام.
وأرسل أذنه، فبرك الفيل.
قال السهيلي: أي سقط إلى الارض، وليس من شأن الفيلة أن تبرك، وقد قيل إن منها ما يبرك كالبعير.
فالله أعلم.
وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه (2) بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.
وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان (3) مع كل طائر منها
__________
(1) محالهم: قوتهم وبأسهم.
وغدوا: غدا.
استعملت تامة ولا تستعمل كذلك إلا في الشعر.
(2) الطبرزين: آلة معقفة من حديد.
والمحاجن جمع محجن وهو عصا معوجة قد يجعل فيها حديدة، وتبزغوه: ضربوه حتى أدموه، ومراق البطن: مارق منه ولان، جمع مرق، أولا واحد لها.
(3) قال ابن الاثير: قال عباد بن موسى: أظنها الزرازير.
النهاية 1 / 111 (*)

(1/35)


ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت.
وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التى منها جاءوا، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل في ذلك: ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الاصباح عينا ردينة لو رأيت فلا تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت أمرى * ولم تأسى على ما فات بينا (1) حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا وكل القوم يسأل عن نفيل * كأن على للحبشان دينا قال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة تمث (2) قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه.
فيما يزعمون.
قال ابن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤى بها مرائر الشجر: الحرمل والحنظل والعشر، ذلك العام.
قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال تعالى:
__________
(1) بينا: نصب نصب المصدر المؤكد لما قبله إذ كان في معناه ولم يكن على لفظه.
(2) تمث ترشح.
(*)

(1/36)


(ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.
ألم يجعل كيدهم في تضليل.
وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل.
فجعلهم كعصف مأكول).
ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتى بعدها.
وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وله الحمد والمنة.
قال ابن هشام: الابابيل: الجماعات، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه.
قال: وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب.
قال: وزعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وأنها سنج وجل فالسنج: الحجر، والجل: الطين.
يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين.
قال: والعصف: ورق الزرع الذى لم يقصب.
وقال الكسائي (1): سمعت بعض النحويين يقول واحد الابابيل إبيل.
وقال كثيرون من السلف: الابابيل: الفرق من الطير التى يتبع بعضها بعضا من ههنا وههنا.
وعن ابن عباس: كان لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب.
وعن عكرمة كانت رؤوسها كرءوس السباع خرجت عليهم من البحر وكانت خضرا.
وقال عبيد بن عمير: كانت سودا بحرية، في مناقيرها وأكفها الحجارة.
وعن ابن عباس: كانت أشكالها كعنقاء مغرب.
وعن ابن عباس كان أصغر
__________
(1) من هنا ليس عن ابن هشام.
(*)

(1/37)


حجر منها كرأس الانسان.
ومنها ما هو كالابل.
وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن
إسحاق.
وقيل: كانت صغارا والله أعلم.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبى شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبى سفيان، عن عبيد بن عمير، قال لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار: حجرين في رجليه وحجرا في منقاره، قال فجاءت حتى صفت على رؤوسهم، ثم صاحت وألقت ما في رجليها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شئ من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة، فأهلكوا جميعا.
وقد تقدم أن ابن إسحاق قال: وليس كلهم أصابته الحجارة.
يعنى بل رجع منهم راجعون إلى اليمن حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال.
وذكروا أن أبرهة رجع وهو يتساقط أنملة أنملة، فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره فمات لعنه الله.
وروى ابن إسحاق قال: حدثنى عبد الله بن أبى بكر، عن عمرة (1) عن عائشة، قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان.
وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيسا، فأما قائده فلم يسم.
والله أعلم.
وذكر النقاش في تفسيره أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر.
قال السهيلي: وكانت قصة الفيل أول المحرم من سنة ست وثمانين وثمانمائة (2) من تاريخ ذى القرنين.
__________
(1) المطبوعة: سمرة.
وهو تحريف.
وهى عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، كانت في حجر عائشة رضى الله عنها فحفظت عنها، توفيت سنة 98 ه وقيل سنة 106.
(2) والذى في السهيلي: سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة.
(*)

(1/38)


قلت: وفي عامها ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهور، وقيل كان قبل مولده بسنين، كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الاشعار في هذه الكائنة العظيمة التى نصر الله فيها بيته الحرام، الذى يريد أن يشرفه ويعظمه، ويطهره ويوقره ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما يشرع له من الدين القويم، الذى أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه، وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة، ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة، فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش، وإنما كان النصر للبيت الحرام، وإرهاصا وتوطئة لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم.
فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعرى السهمى: تنكلوا (1) عن بطن مكة إنها * كانت قديما لا يرام حريمها لم تخلق الشعرى ليالى حرمت * إذ لا عزيز من الانام يرومها سائل أمير الحبش (2) عنها ما رأى * فلسوف ينبى الجاهلين عليمها ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم * بل لم يعش بعد الاياب سقيمها كانت بها عاد وجرهم قبلهم * والله من فوق العباد يقيمها ومن ذلك قول أبى قيس بن الاسلت الانصاري المدنى: ومن صنعه يوم فيل الحبو * ش إذ كلما بعثوه رزم (3) محاجنهم تحت أقرابه * وقد شرموا أنفه فانخرم (4) وقد جعلوا سوطه مغولا * إذا يمموه قفاه كلم (5) فولى وأدبر أدراجه * وقد باء بالظلم من كان ثم
__________
(1) رويت أيضا: تنكبوا بالباء.
ومعناها على كلا الروايتين: انصرفوا وارجعوا خوفا وهيبة.
(2) ابن هشام: أمير الجيش.
(3) رزم: أقام في مكانه لم يتحرك.
(4) الاقراب جمع قرب بضمتين، وهو الخاصرة، أو من الشاكلة إلى مراق البطن.
(5) المغول: سكين كبيرة.
(*)

(1/39)


فأرسل من فوقهم حاصبا * فلفهم مثل لف القزم (1) تحض على الصبر أحبارهم * وقد ثأجوا كثؤاج الغنم (2) ومن ذلك قول أبى الصلت ربيعة بن أبى ربيعة وهب بن علاج الثقفى، قال ابن هشام: ويروى لامية ابن أبى الصلت: إن آيات ربنا ثاقبات * ما يمارى فيهن إلا الكفور خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابه مقدور ثم يجلو النهار رب رحيم * بمهاة شعاعها منشور حبس الفيل بالمغمس حتى * صار يحبو كأنه معقور لازما حلقة الجران كما ق * - د من صخر كبكب محدور (3) حوله من ملوك كندة أبطا * ل ملاويث في الحروب صقور (4) خلفوه ثم ابذعروا جميعا * كلهم عظم ساقه مكسور (5) كل دين يوم القيامة عند الل * - ه إلا دين الحنيفة (6) بور ومن ذلك قول أبى قيس بن الاسلت أيضا: فقوموا فصلوا ربكم (7) وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الاخاشب فعندكم منه بلاء مصدق * غداة أبى يكسوم هادى الكتائب (8) كتيبته بالسهل تمشى ورجله * على القاذفات في رأس المناقب (9) فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب (10)
__________
(1) القزم: جمع قزم، وهو الضئيل الجسم.
(2) ثأجوا: صاحوا.
(3) ابن هشام: كما قطر.
وكبكب: جبل (4) الملاويث جمع ملاث، وهو الشريف.
(5) ابذعروا: تفرقوا وفروا (6) أي الامة الحنيفة، وهو دين التوحيد دين ابراهيم (7) صلوا ربكم: ادعوا ربكم.
(8) أبو يكسوم: هو أبرهة.
(9) وتروى تمسى (10) السافى: الذى يرمى بالتراب والحاصب:
الذى يرمى بالحصباء.
(*)

(1/40)


فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب (1) ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء: كاده الاشرم الذى حاء بالفي * ل فولى وجيشه مهزوم واستهلت عليهم الطير بالجن * دل حتى كأنه مرجوم ذاك من يغزه من الناس يرجع * وهو فل من الجيوش ذميم (2) قال ابن إسحاق وغيره: فلما هلك أبرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق ابن أبرهة، وهو آخر ملوكهم، وهو الذى انتزع سيف بن ذى يزن الحميرى الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان.
كما سيأتي بيانه.
وكانت قصة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذى القرنين، وهو الثاني اسكندر ابن فلبس المقدونى الذى يؤرخ له الروم.
ولما هلك ابرهة وابناه، وزال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الذى كان بناه أبرهة وأراد صرف حج العرب إليه، لجهله وقلة عقله، وأصبح يبابا لا أنيس به.
وكان قد بناه على صنمين، وهما كعيب وامرأته، وكانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعا في السماء، وكانا مصحوبين من الجان، ولهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شئ من بناء القليس وأمتعته إلا أصابوه بسوء، فلم يزل كذلك إلى أيام السفاح أول خلفاء بنى العباس فذكر له أمره وما فيه من الامتعة والرخام الذى كان أبرهة نقله إليه من صرح بلقيس
__________
(1) ملحبش: أصلها من الحبش.
(2) الفل: المهزوم (*)

(1/41)


الذى كان باليمن، فبعث إليه من خربه حجرا حجرا، وأخذ جميع ما فيه من الامتعة والحواصل.
(1) هكذا ذكره السهيلي.
والله أعلم.
ذكر خروج الملك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذى يزن الحميرى كما أخبر بذلك الكاهنان لربيعة بن نصر اللخمى قال محمد بن إسحاق رحمه الله: فلما هلك أبرهة ملك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، فلما هلك يكسوم ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة.
قال: فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذى يزن الحميرى.
وهو سيف بن ذى يزن بن ذى أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن ابن الهميسع بن العرنجج، وهو حمير بن سبأ (2) وكان سيف يكنى أبا مرة.
حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا إليه ما هم (3) فيه، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو، ويخرج إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه (4).
فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمر الحبشة، فقال له النعمان: إن لى على كسرى وفادة في كل عام، فأقم عندي حتى يكون ذلك.
ففعل.
ثم خرج معه فأدخله على كسرى.
__________
(1) سبق أن ذكر المؤلف هذا القول آنفا ص 30.
(2) ليست في ابن هشام (3) المطبوعة: هو.
(4) أي لم يستجب لشكواه (*)

(1/42)


وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذى فيه تاجه، وكان تاجه مثل القنقل (1) العظيم، فيما يزعمون، يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة معلقا بسلسلة
من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له.
فلما دخل عليه طأطأ رأسه، فقال الملك: إن هذا لاحمق يدخل على من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه ! فقيل ذلك لسيف، فقال: إنما فعلت هذا لهمى لانه يضيق عنه كل شئ.
ثم قال له: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الاغربة.
قال كسرى: أي الاغربة، الحبشة أم السند ؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني ويكون ملك بلادي لك.
فقال له كسرى: بعدت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لاورط جيشا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لى بذلك.
ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة.
فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس، فبلغ ذلك الملك فقال: إن لهذا لشأنا.
ثم بعث إليه فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس ! قال وما أصنع بحبائك (2) ما جبال أرضى التى جئت منها إلا ذهب وفضة.
يرغبه فيها.
فجمع كسرى مرازبته فقال لهم: ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له ؟
__________
(1) القنقل: المكيال.
(2) ابن هشام: وما أصنع بهذا.
(*)

(1/43)


فقال قائل: أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذى أردت بهم، وإن ظفروا كان ملكا ازددته.
فبعث معه كسرى من كان في سجونه، وكانوا ثمانمائة رجل واستعمل عليهم [ رجلا
منهم يقال له ] وهرز، وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا، فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن.
فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له: رجلى ورجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا.
فقال له وهرز: أنصفت.
وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنده، فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم.
فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز: أرونى ملكهم.
فقالوا له: أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوته حمراء.
قال: نعم.
قالوا: ذلك ملكهم.
فقال اتركوه.
قال فوقفوا طويلا ثم قال علام هو ؟ قالوا قد تحول على الفرس.
قال: اتركوه.
فتركوه طويلا، ثم قال: علام هو ؟ قالوا على البغلة.
قال وهرز: بنت الحمار، ذل وذل ملكه، إنى سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإنى قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاثوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم.
ثم أوتر قوسه، وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها، وأمر بجاجبيه فعصبا له، ثم رماه فصك الياقوتة التى بين عينيه وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه، ونكس عن دابته، واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه.

(1/44)


وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتى منكسة أبدا، اهدموا هذا الباب.
فهدم، ثم دخلها ناصبا رايته.
فقال سيف بن ذى يزن الحميرى:
يظن الناس بالملكي * ن أنهما قد التأما ومن يسمع بلامهما * فإن الخطب قد فقما (1) قتلنا القيل مسروقا * وروينا الكثيب دما وإن القيل قيل النا * س وهرز مقسم قسما يذوق مشعشعا (2) حتى * يفئ السبى والنعما ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه وامتدحوه، فكان من جملة من وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم (3)، فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما يعلم من أمره، وسيأتى ذلك مفصلا في باب البشارات به عليه الصلاة والسلام.
قال ابن إسحاق: وقال أبو الصلت بن ربيعة الثقفى، قال ابن هشام: وتروى لامية ابن أبى الصلت.
ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن * ريم في البحر للاعداء أحوالا (4) يمم قيصر لما حان رحلته * فلم يجد عنده بعض الذى سالا ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة * من السنين يهين النفس والمالا
__________
(1) فقم: اشتد وعظم.
(2) يذوق: يريد لا يذوق.
والمشعشع: الشراب الممزوج بالماء.
(3) المخطوطة ا: فكان من جملة وفد قريش عبد المطلب.
(4) كذا في ابن هشام وفى نسخة من الاكتفاء للكلاعي: مذأم.
أي ابتدأ يطلب الوتر منذ غادر يلاده واتجه في البحر يطلب العون من قيصر وكسرى.
والمعنى على الرواية المثبتة: أنه أقام في البحر، أو غاب زمانا وأحوالا ثم رجع للاعداء.
(*)

(1/45)


حتى أتى ببنى الاحرار يحملهم * إنك عمرى لقد أسرعت قلقالا (1) لله درهم من عصبة خرجوا * ما إن أرى لهم في الناس أمثالا غلبا مرازبة بيضا أساورة * أسدا تربب في الغيضات أشبالا (2)
يرمون عن شدف كأنها غبط * بزمخر يعجل المرمى إعجالا (3) أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد * أضحى شريدهم في الارض فلالا (4) فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا * في رأس غمدان دارا منك محلالا (5) واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * وأسبل اليوم في برديك إسبالا تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا يقال: إن غمدان قصر باليمن بناه يعرب بن قحطان، وملكه (6) بعده واحتله وائلة ابن حمير بن سبأ، ويقال كان ارتفاعه عشرين طبقة.
فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: وقال عدى بن زيد الحيرى (7) وكان أحد بنى تميم: ما بعد صنعاء كان يعمرها * ولاة ملك جزل مواهبها رفعها من بنى لدى قزع ال * مزن وتندى مسكا محاربها (8) محفوظة بالجبال دون عرى ال * كائد ما ترتقى غواربها (9) يأنس فيها صوت النهام إذا * جاوبها بالعشى قاصبها (10) ساقت إليها الاسباب جند بنى ال * أحرار فرسانها مواكبها
__________
(1) القلقال: شدة الحركة.
(2) ابن هشام: بيضا مرازبة غلبا أساورة.
والغلب: الشجعان (3) الشدف: جمع شدفاء، وهى القوس العوجاء الفارسية.
كما في القاموس، وقد اضطرب السهيلي في تفسيرها إذ فسرها بالشخص ئم تكلف تكلفا بعيدا.
والغبط: الهوادج.
والزمخر: النشاب.
(4) الفلال: المنهزمون.
(5) غمدان: قصر كان باليمن بناه يشرح بن يحصب.
(6) المخطوطة ا: وأكمله.
(7) المطبوعة والاصل: الحميرى وهو خطأ.
(8) قزع المزن: السحاب المتفرق.
(9) عرى الكائد: يريد عرى السماء وأسبابها.
(10) النهام: ذكر البوم.
والقاصب: الذى يزمر في القصب.
(*)

(1/46)


وفوزت بالبغال توسق بال * - حتف وتسعى بها توالبها (1)
حتى رآها الاقوال من طرف ال * منقل مخضرة كتائبها (2) يوم ينادون آل بربر وال * - يكسوم لا يفلحن هاربها فكان يوما (3) باقى الحديث وزا * لت إمة (4) ثابت مراتبها وبدل الفيج بالزرافة (5) والاي * - ام خون جم عجائبها بعد بنى تبع نخاورة (6) * قد اطمأنت بها مرازبها قال ابن هشام: وهذا الذى عنى سطيح بقوله: " يليه إرم ذى يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن " والذى عنى شق بقوله: " غلام ليس بدنى ولا مدن، يخرج من بيت ذى يزن ".
قال ابن إسحاق: فأقام وهرز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الابناء (7) الذين باليمن اليوم.
وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق ابن أبرهة وأخرجت الحبشة، اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة.
__________
(1) فوزت: ركبت المفاوز.
وتوسق بالحتف: أي وسقها الحتوف.
والتوالب: جمع تولب وهو ولد الحمار، والتاء فيه بدل من واو.
(2) الاقوال: الملوك.
والمنقل: الحصن.
ومخضرة كتائبها: يعنى من الحديد، ومنه الكتيبة الخضراء.
(3) ابن هشام: وكان يوم.
(4) إمة: أي نعمة (5) الفج: المنفرد في مشيته، والزرافة: الجماعة.
(6) النخاورة: الكرام.
(7) قال في النهاية: ويقال لاولاد فارس الابناء، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذى يزن.
فقيل لاولادهم الابناء وغلب عليهم هذا الاسم، لان أمهاتهم من غير جنس آبائهم.
(*)

(1/47)


ذكر ما آل إليه أمر الفرس باليمن قال ابن هشام: ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن،
ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان، ثم مات فأمر ابن التينجان، ثم عزله عن اليمن وأمر عليها باذان، وفى زمنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن هشام: فبلغني عن الزهري أنه قال: كتب كسرى إلى باذان: إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبى، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إلى برأسه.
فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا " فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر، وقال: إن كان نبيا فسيكون ما قال.
فقتل الله كسرى في اليوم الذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن هشام: على يدى ابنه شيرويه.
قلت.
وقال بعضهم: بنوه تمالاوا على قتله.
وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ، وهو الذى غلب الروم في قوله تعالى: " ألم غلبت الروم في أدنى الارض " كما سيأتي بيانه.
قال السهيلي: وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الاولى سنة تسع (1) من الهجرة.
وكان، والله أعلم، لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الاسلام فغضب ومزق كتابه، كتب إلى نائبه باليمن يقول له ما قال.
__________
(1) الذى في السهيلي: سنة سبع.
(*)

(1/48)


وفى بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرسول باذان: " إن ربى قد قتل الليلة ربك " فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قتل تلك الليلة بعينها، قتله بنوه لظلمه بعد عدله، بعد ما خلعوه وولوا ابنه شيرويه فلم يعش بعد قتله اباه إلا ستة أشهر أو دونها.
وفى هذا يقول خالد بن حق الشيباني: وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم * ألا ولكل حاملة تمام قال الزهري: فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الرسل [ من الفرس ] (1): إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال: " أنتم منا وإلينا أهل البيت ".
قال الزهري: ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سلمان منا أهل البيت ".
قلت: والظاهر أن هذا كان بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولهذا بعث الامراء إلى اليمن لتعليم الناس الخير ودعوتهم إلى الله عزوجل، فبعث أولا خالد بن الوليد وعلى بن أبى طالب، ثم أتبعهما أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل، ودانت اليمن وأهلها للاسلام.
ومات باذان فقام بعده ولده شهر بن باذان، وهو الذى قتله الاسود العنسى حين تنبأ وأخذ زوجته، كما سيأتي بيانه، وأجلى عن اليمن نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قتل الاسود عادت اليد الاسلامية عليها.
قال ابن هشام: وهذا هو الذى (2) عنى به سطيح بقوله: " نبى زكى، يأتيه
__________
(1) من ابن هشام (2) ابن هشام: فهو الذى (*)

(1/49)


الوحى من قبل العلى " والذى عنى شق بقوله: " بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل ".
قال ابن إسحاق: وكان في حجر باليمن، فيما يزعمون، كتاب بالزبور كتب في الزمان الاول: لمن ملك ذمار ؟ لحمير الاخيار، لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الاشرار.
لمن ملك ذمار ؟ لفارس الاحرار، لمن ملك ذمار ؟ لقريش التجار ".
وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي: حين شيدت (1) ذمار قيل لمن أن * - ت ؟ فقالت لحمير الاخيار ثم سيلت من بعد ذاك فقالت * أنا للحبش أخبث الاشرار ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن * - ت فقالت لفارس الاحرار ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن * - ت فقالت إلى قريش التجار ويقال: إن هذا الكلام الذى ذكره محمد بن إسحاق، وجد مكتوبا عند قبر هود عليه السلام، حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن، وذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذى المنار، أخى عمرو ذى الاذعار بن ذى المنار.
ويقال كان مكتوبا على قبر هود أيضا وهو من كلامه عليه السلام.
حكاه السهيلي.
والله أعلم.
قصة الساطرون صاحب الحضر وقد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام لاجل ما قاله بعض علماء النسب: أن النعمان بن المنذر الذى تقدم ذكره في ورود سيف بن ذى يزن عليه، وسؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن إليه، أنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر.
__________
(1) شدت.
وهو خطأ.
(*)

(1/50)


وقد قدمنا عن ابن إسحاق أن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر، وأنه روى عن جبير بن مطعم أنه من أشلاء قنص (1) بن معد بن عدنان.
فهذه ثلاثة أقوال في نسبه فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر.
والحضر حصن عظيم بناه هذا الملك، وهو الساطرون، على حافة الفرات، وهو منيف مرتفع البناء، واسع الرحبة والفناء، دوره بقدر مدينة عظيمة.
وهو في غاية الاحكام والبهاء والحسن والسناء، وإليه يجبى ما حوله من الاقصار والارجاء.
واسم الساطرون: الضيزن بن معاوية بن عبيد بن أجرم من بنى سليح (2) بن حلوان ابن الحاف بن قضاعة.
كذا نسبه ابن الكلبى.
وقال غيره: كان من الجرامقة، وكان أحد ملوك الطوائف، وكان يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم، وكان حصنه بين دجلة والفرات.
قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الاكتاف غزا الساطرون (3) ملك الحضر.
وقال غير ابن هشام: إنما الذى غزا صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بنى ساسان، أذل ملوك الطوائف ورد الملك إلى الاكاسرة.
وأما سابور ذو الاكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل.
والله أعلم.
ذكره السهيلي.
قال ابن هشام: فحصره سنتين.
وقال غيره: أربع سنين.
وذلك لانه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق.
فأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج وعلى رأسه تاج
__________
(1) المطبوعة: قيصر.
وهو خطأ.
(2) المخطوطة ا: بن عبيد بن سليح.
(3) ابن هشام: ساطرون.
(*)

(1/51)


من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، [ وكان جميلا ] (1)، فدست إليه: أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال: نعم.
فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر، وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه وبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب.
ويقال: بل دلتهم على نهر يدخل منه الماء متسع فولجوا منه إلى الحضر.
ويقال: بل دلتهم على طلسم كان في الحضر، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك
الطلسم فبفتح الباب.
ففعل ذلك فانفتح الباب.
فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحضر وخربه وسار بها معه فتزوجها.
فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها، فوجد عليه ورقة آس، فقال لها سابور: أهذا الذى أسهرك ؟ قالت: نعم.
قال: فما كان أبوك يصنع بك.
قالت: كان يفرش لى الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ ويسقيني الخمر.
قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعت به ! أنت إلى بذلك أسرع.
فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها.
ففيه يقول أعشى بنى قيس بن ثعلبة: - ألم تر للحضر إذ أهله * بنعمى وهل خالد من نعم أقام به شاهبور الجنو * د حولين تضرب فيه القدم
__________
(1) ليست في ا.
(*)

(1/52)


فلما دعا ربه دعوة * أناب إليه فلم ينتقم (1) فهل زاده ربه قوة * ومثل مجاوره لم يقم وكان دعا قومه دعوة * هلموا إلى أمركم قد صرم فموتوا كراما بأسيافكم * أرى الموت يجشمه من جشم وقال عدى بن زيد في ذلك: والحضر صابت عليه داهية * من فوقه، أيد مناكبها (2) ربية لم توق والدها * لحينها إذ أضاع راقبها (3) إذ غبقته صهباء صافية * والخمر وهل يهيم شاربها (4)
فأسلمت أهلها بليلتها * تظن أن الرئيس خاطبها فكان حظ العروس إذ جشر الص * - بح دماء تجرى سبائبها (5) وخرب الحضر واستبيح وقد * أحرق في خدرها مشاجبها (6) وقال عدى بن زيد أيضا: أيها الشامت المعير بالده * - ر أأنت المبرء الموفور ! أم لديك العهد الوثيق من الاي * - ام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم من * ذا عليه من أن يضام خفير ؟ ! أين كسرى كسرى الملوك أنوشر * وان أم أين قبله سابور ! وبنو الاصفر الكرام ملوك ال * - روم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج * - لة تجبى إليه والخابور
__________
(1) اقتصر ابن هشام على هذه الابيات.
(2) صاب السهم من باب باع، لغة في أصاب.
والايد: القوى.
والمعنى أنها هائلة.
(3) ربية: فعيل بمعنى مفعول، أي مرباة.
والحين: الهلاك.
والراقب: المراقب.
(4) غبقته: سقته الغبوق، وهو ما يشرب بالعشى.
والوهل: الوهم.
(5) جشر الصبح: طلع.
(6) المشاجب: جمع مشجب.
ما تعلق به الثياب.
(*)

(1/53)


شادة مرمرا وجلله كل * سا فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فبان ال * - ملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذ أش * - رف يوما وللهدى تفكير (1) سره ماله وكثرة ما يم * لك والبحر معرضا والسدير (2) فارعوى قلبه وقال: وما غب * - طة حى إلى الممات يصير ثم أضحوا كأنهم ورق ج * - ف فألوت به الصبا والدبور (3)
قلت: ورب الخورنق الذى ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين، وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذى كان قد أسرف فيه وعتا (4) وتمرد فيه وأتبع نفسه هواها ولم يراقب فيها مولاها، فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول، وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد، وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى من بعده، فأخذته موعظته وبلغت منه كل مبلغ، فارعوى لنفسه، وفكر في يومه وأمسه، وخاف من ضيق رمسه، فتاب وأناب ونزع عما كان فيه، وترك الملك ولبس زى الفقراء، وساح في الفلوات وحظي بالخطوات، وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات وعصيان رب السموات.
وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الامام موفق بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب " التوابين " وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب " الروض الانف " المرتب أحسن ترتيب وأوضح تبيين.
__________
(1) ا: تذكير.
(2) ا: معرض.
(3) ألوت به: ا: ذهبت به، والصبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.
والدبور ريح تقابل الصبا.
(4) ا: وعق.
(*)

(1/54)


خبر ملوك الطوائف وأما صاحب الحضر وهو ساطرون، فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف، وكان من زمن اسكندر بن فلبيس المقدونى اليونانى، وذلك لانه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا، وأذل مملكته وخرب بلاده واستباح بيضة قومه ونهب حواصله، ومزق شمل الفرس شذر مذر، عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ولا يلتئم لهم أمر.
فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في إقليم من أقاليم الارض ما بين عربها وأعاجمها، فاستمر كل ملك منهم يحمى حوزنه ويحفظ حصته ويستغل محلته، فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه، فاستمر الامر كذلك قريبا من خمسمائة سنة.
حتى كان أردشير بن بابك من بنى ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب، فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه، ورجعت الممالك برمتها إليه، وأزال ممالك ملوك الطوائف، ولم يبق منهم تالد ولا طارف، وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذى كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم، فلما مات أردشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه، كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1/55)


باب ذكر بنى إسماعيل وهم عرب الحجاز وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة ذكرنا إسماعيل نفسه عليه السلام مع الانبياء (1)، وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أمه هاجر فأسكنها بوادي مكة بين جبال فاران، حيث لا أنيس به ولا حسيس، وكان إسماعيل رضيعا، ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك، ليس عند أمه سوى جراب فيه تمر ووكاء فيه ماء، فلما نفد ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التى هي طعام طعم وشفاء سقم، كما في حديث ابن عباس الطويل الذى رواه البخاري رحمه الله.
ثم نزلت جرهم، وهم طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الاقدمين عند هاجر بمكة، على أن ليس لهم في الماء شئ إلا ما يشربون منه وينتفعون به، فاستأنست هاجر بهم.
وجعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين.
يقال إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه.
ثم لما ترعرع الغلام وشب وبلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح، والذبيح هو إسماعيل على الصحيح.
ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة ثم فارقها وتزوج غيرها، وتزوج بالسيدة بنت
مضاض بن عمرو الجرهمى وجاءته بالبنين الاثنى عشر كما تقدم ذكرهم وهم: نابت وقيذر [ وأذبل (2) ].
ومشا، ومسمع، وماشى، ودما، وأذر، ويطور، ونبش، وطيما،
__________
(1) وذلك في الجزء الاول من البداية والنهاية للمؤلف.
(2) من ابن هشام..(*)

(1/56)


وقيذما.
هكذا ذكره محمد بن إسحاق وغيره عن كتب أهل الكتاب، وله ابنة واحدة اسمها نسمة، وهى التى زوجها من ابن أخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم، فولد له منها الروم وفارس (1) والاشبان أيضا في أحد القولين.
ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت وقيذر.
وكان الرئيس بعده والقائم بالامور الحاكم في مكة، والناظر في أمر البيت وزمزم، نابت بن إسماعيل وهو ابن أخت الجرهميين.
ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بنى أختهم، فحكموا بمكة وما والاها عوضا عن بنى إسماعيل مدة طويلة، فكان أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن عيبر (2) بن نبت بن جرهم.
وجرهم بن قحطان، ويقال: جرهم بن يقطن بن عيبر (2) بن شالخ بن أرفخشذ بن سام ابن نوح الجرهمى.
وكان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان.
وكان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل مكة، وكل منهما يعشر (3) من مر به مجتازا إلى مكة.
ثم وقع بين جرهم وقطوراء فاقتتلوا، فقتل السميدع واستوثق الامر لمضاض وهو الحاكم بمكة والبيت، لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتشارهم (4) بمكة وبغيرها وذلك لخؤولتهم له ولعظمة البيت الحرام.
ثم صار الملك بعده إلى ابنه الحارث، ثم إلى عمرو بن الحارث.
ثم بغت جرهم بمكة وأكثرت فيها الفساد، وألحدوا بالمسجد الحرام، حتى ذكر
__________
(1) ا: واليونان.
(2) ا: هيبر (3) يعشر: يأخذ عشر الاموال (4) المطبوعة وانتشارهم.
وهو خطأ.
(*)

(1/57)


أن رجلا منهم يقال له إساف بن بغى وامرأة يقال لها نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة فكان منه إليها الفاحشة، فمسخهما الله حجرين، فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما، فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة.
كما سيأتي بيانه في موضعه.
فكانا صنمين منصوبين يقال لهما إساف ونائلة.
فلما أكثرت جرهم البغى بالبلد الحرام تمالات عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم، وكانوا من ذرية عمرو بن عامر الذى خرج من اليمن لاجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم.
وقيل إن خزاعة من بنى إسماعيل.
فالله أعلم.
والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا.
واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين.
فغلبت خزاعة، وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان، وأجلوهم عن البيت.
فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى، وهو سيدهم، إلى غزالي الكعبة، وهما من ذهب، وحجر الركن وهو الحجر الاسود، وإلى سيوف محلاة وأشياء أخر، فدفنها في زمزم وطم زمزم، وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن.
وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض: وقائلة والدمع سكب مبادر * وقد شرقت بالدمع منها المحاجر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر فقلت لها والقلب منى كأنما * يلجلجه بين الجناحين طائر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا * صروف الليالى والجدود العواثر وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر

(1/58)


ونحن ولينا البيت من بعد نابت * بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا * فليس لحى غيرنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته * فأبناؤه منا ونحن الاصاهر فإن تنثن الدنيا علينا بحالها * فإن لها حالا وفيها التشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك يا للناس تجرى المقادر أقول إذا نام الخلى ولم أنم * أذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منها أوجها لا أحبها * قبائل منها حمير ويحابر وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة * بذلك عضتنا السنون الغوابر فسحت دموع العين تبكى لبلدة * بها حرم أمن وفيها المشاعر وتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه * يظل به أمنا وفيه العصافر وفيه وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منه فليست تغادر قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضا يذكر بنى بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة: يا أيها الناس سيروا إن قصركم (1) أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا حثوا المطى وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا كنا أناسا كما كنتم فغيرنا * دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا قال ابن هشام: هذا ما صح له منها.
وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الابيات أول شعر قيل في العرب، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم قائلها.
__________
(1) المطبوعة: قصاركم.
وهو خطأ.
وقصركم: أي نهايتكم.
(*)

(1/59)


وذكر السهيلي لهذه الابيات إخوة، وحكى عندها حكاية معجبة وإنشادات مغربة.
قال: وزاد أبو الوليد الازرقي في كتابه " فضائل مكة " على هذه الابيات المذكورة المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض: قد مال دهر علينا ثم أهلكنا * بالبغى فيه (1) وبز الناس ناسونا واستخبروا في صنيع الناس قبلكم * كما استبان طريق عنده الهونا كنا زمانا ملوك الناس قبلكم * بمسكن في حرام الله مسكونا قصة خزاعة، وخبر عمرو بن لحى، وعبادة الاصنام بأرض العرب قال ابن إسحاق: ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة وكان الذى يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشانى.
وقريش إذ ذاك حلول وصرم (2) وبيوتات متفرقون في قومهم من بنى كنانة.
قالوا: وإنما سميت خزاعة خزاعة لانهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلوا بمر الظهران فأقاموا به.
قال عون بن أيوب الانصاري ثم الخزرجي في ذلك: فلما هبطنا بطن مر تخزعت * خزاعة منا في حلول كراكر (3)
__________
(1) المطبوعة: فينا.
(2) الحلول: جمع حال بتشديد اللام.
والصرم بكسر الصاد وسكون الراء: الطائفة من القوم ينزلون بإبلهم ناحية من الماء والجمع أصرام.
(3) الكراكر: جمع كركرة بكسر الكاف وسكون الراء وهى الجماعة من الناس.
(*)

(1/60)


حمت كل واد من تهامة واحتمت * بصم القنا والمرهفات البواتر وقال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الانصاري الاوسي: فلما هبطنا بطن مكة أحمدت * خزاعة دار الآكل المتحامل فحلت أكاريسا وشتت قنابلا * على كل حى بين نجد وساحل (1) نفو اجرهما عن بطن مكة واحتبوا * بعز خزاعي شديد الكواهل فوليت خزاعة البيت، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل ابن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعى، الذى تزوج قصى بن كلاب ابنته حبى، فولدت له بنيه الاربعة: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا، ثم صار أمر البيت إليه.
كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من ثلاثمائة سنة، وقيل خمسمائة سنة والله أعلم.
وكانوا مشئومين (2) في ولايتهم، وذلك لان في زمانهم كان أول عبادة الاوثان بالحجاز.
وذلك بسبب رئيسم عمرو بن لحى لعنه الله، فإنه أول من دعاهم إلى ذلك.
وكان ذا مال جزيل جدا.
يقال: إنه فقأ أعين عشرين بعيرا، وذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير.
وكان من عادة العرب أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها، لانه يدفع بذلك العين عنها.
وممن ذكر ذلك الازرقي.
__________
(1) الاكاريس: جمع الجمع للكرس وهو أبيات من الناس مجتمعة.
والقنابل جمع قنبل، وهو الطائفة من الناس والخيل.
(2) المطبوعة: سوس.
وهى تحريف بالاصل عما أثبتناه.
(*)

(1/61)