صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

حرمت كل ذى ناب من السباع فبين أنه أنزل عليه وحى آخر وهو الحكمة غير الكتاب وان الله حرم عليه فى هذا الوحى ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك نسخا للكتاب فان الكتاب لم يحل هذه قط انما أحل الطيبات وهذه ليست من الطيبات وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم فلم تدخل هذه الآية فى العموم لكنه لم يكن حرمها فكانت معفوا عن تحريمها لا مأذونا فى أكلها
وأما الكفار فلم يأذن الله لهم فى أكل شىء ولا أحل لهم شيئا ولا عفا لهم عن عن شىء يأكلونه بل قال يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيبا فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالا وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله والله لم يأذن فى الأكل الا للمؤمن به فلم يأذن لهم فى أكل شىء الا اذا آمنوا ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكا شرعيا لأن الملك الشرعى هو القدرة على التصرف الذى أباحه الشارع والشارع لم يبح لهم تصرفا فى الأموال الا بشرط الايمان فكانت أموالهم على الاباحة فاذا قهر طائفة منهم طائفة قهرا يستحلونه فى دينهم وأخذوها منهم صار هؤلاء فيها كما كان أولئك
والمسلمون اذا استولوا عليها فغنموها ملكوها شرعا لأن الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم من بعض بالقهر الذى يستحلونه فى دينهم ويجوز أن يشترى من بعضهم ما

(7/47)


سباه من غيره لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات ولهذا سمى الله ما عاد من أموالهم الى المسلمين فيئا لأن الله افاءه الى مستحقه أى رده الى المؤمنين به الذين يعبدونه ويستعينون برزقه على عبادته فانه انما خلق الخلق ليعبدوه وانما خلق الرزق لهم ليستعينوا به على عبادته ولفظ الفىء قد يتناول الغنيمة كقول النبى فى غنائم حنين ليس لى مما أفاء الله عليكم الا الخمس والخمس مردود عليكم لكنه لما قال تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب صار لفظ الفىء اذا أطلق فى عرف الفقهاء فهو ما أخذ من مال الكفار بغير ايجاف خيل ولا ركاب والايجاف نوع من التحريك
وأما اذا فعل المؤمن ما أبيح له قاصدا للعدول عن الحرام الى الحلال لحاجته اليه فانه يثاب على ذلك كما قال النبى صلى الله عليه و سلم وفى بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله يأتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها فى الحرام كان عليه وزر فكذلك اذا وضعها فى الحلال كان له أجر وهذا كقوله فى حديث ابن عمر عن النبى قال ان الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته رواه أحمد وابن خزيمة فى صحيحه وغيرهما فأخبر أن الله يحب اتيان رخصه كما يكره فعل معصيته وبعض الفقهاء يرويه كما يحب أن تؤتى عزائمه وليس هذا لفظ الحديث وذلك لأن الرخص انما أباحها الله لحاجة العباد اليها والمؤمنون يستعينون بها على عبادته

(7/48)


فهو يحب الأخذ بها لأن الكريم يحب قبول احسانه وفضله كما قال فى حديث القصر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ولأنه بها تتم عبادته وطاعته وما لا يحتاج اليه الانسان من قول وعمل بل يفعله عبثا فهذا عليه لا له كما فى الحديث كل كلام ابن آدم عليه لا له الا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت فأمر المؤمن بأحد امرين اما قول الخير أو الصمات ولهذا كان قول الخير خيرا من السكوت عنه والسكوت عن الشر خيرا من قوله ولهذا قال الله تعالى ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد وقد اختلف أهل التفسير هل يكتب جميع أقواله فقال مجاهد وغيره يكتبان كل شىء حتى أنينه فى مرضه وقال عكرمة لا يكتبان الا ما يؤجر عليه أو يؤزر والقرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع فانه قال ما يلفظ من قول نكرة فى الشرط مؤكدة بحرف من فهذا يعم كل قوله وأيضا فكونه يؤجر على قول معين أو يؤزر يحتاج الى أن يعرف الكاتب ما أمر به وما نهى عنه فلابد فى اثبات معرفة الكاتب به الى نقل وأيضا فهو مأمور اما بقول الخير واما بالصمات فاذا عدل عما أمر به من الصمات الى فضول القول الذى ليس بخير كان هذا عليه فانه يكون مكروها والمكروه ينقصه ولهذا قال

(7/49)


النبى من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه فاذا خاض فيما لا يعنيه نقص من حسن اسلامه فكان هذا عليه اذ ليس من شرط ما هو عليه أن يكونه مستحقا لعذاب جهنم وغضب الله بل نقص قدره ودرجته عليه
ولهذا قال تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فما يعمل أحد الا عليه أو له فان كان مما أمر به كان له والا كان عليه ولو أنه ينقص قدره والنفس طبعها الحركة لا تسكن قط لكن قد عفا الله عما حدث به المؤمنون أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يعملوا به فاذا عملوا به دخل فى الأمر واالنهى فاذا كان الله قد كره الى المؤمنين جميع المعاصى وهو قد حبب اليهم الايمان الذى يقتضى جميع الطاعات اذا لم يعارضه ضد باتفاق الناس فان المرجئة لا تنازع فى أن الايمان الذى فى القلب يدعو الى فعل الطاعة ويقتضى ذلك والطاعة من ثمراته ونتائجه لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة فانه وان كان يدعو الى الطاعة فله معارض من النفس والشيطان فاذا كان قد كره الى المؤمنين المعارض كان المقتضى للطاعة سالما عن هذا المعارض
وأيضا فاذا كرهوا جميع السيئات لم يبق الا حسنات أو مباحات والمباحات لم تبح الا لأهل الايمان الذين يستعينون بها على الطاعات والا فالله لم يبح قط لأحد شيئا أن يستعين به على كفر ولا فسوق ولا عصيان ولهذا لعن النبى عاصر الخمر ومعتصرها كما لعن شاربها والعاصر

(7/50)


يعصر عنبا يصير عصيرا يمكن أن ينتفع به فى المباح لكن لما علم أن قصد العاصر أن يجعلها خمرا لم يكن له أن يعينه بما جنسه مباح على معصية الله بل لعنه النبى على ذلك لأن الله لم يبح اعانة العاصى على معصيته ولا أباح له ما يستعين به فى المعصية فلا تكون مباحات لهم الا اذا استعانوا بها على الطاعات فيلزم من انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون الا الحسنات ولهذا كان من ترك المعاصى كلها فلابد أن يشتغل بطاعة الله وفى الحديث الصحيح كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها فالمؤمن لابد أن يحب الحسنات ولابد أن يبغض السيئات ولابد أن يسره فعل الحسنة ويسوءه فعل السيئة ومتى قدر أن فى بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الايمان
والمؤمن قد تصدر منه السيئة فيتوب منها أو يأتى بحسنات تمحوها أو يبتلى ببلاء يكفرها عنه ولكن لابد أن يكون كارها لها فان الله أخبر أنه حبب الى المؤمنين الايمان وكره اليهم الكفر والفسوق والعصيان فمن لم يكره الثلاثة لم يكن منهم ولكن محمد بن نصر يقول الفاسق يكرهها تدينا فيقال ان أريد بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها وهو يحب دينه وهذه من جملته فهو يكرهها وان كان يحب دينه مجملا وليس فى قلبه كراهة لها كان قد عدم من الايمان بقدر ذلك كما فى الحديث الصحيح من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان

(7/51)


وفى الحديث الآخر الذى فى الصحيح أيضا صحيح مسلم فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الايمان مثقال حبة من خردل
فعلم أن القلب اذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه الله لم يكن فيه من الايمان الذى يستحق به الثواب وقوله من الايمان أى من هذا الايمان وهو الايمان المطلق أى ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الايمان ولا قدر حبة خردل والمعنى هذا آخر حدود الايمان ما بقى بعد هذا من الايمان شىء ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الايمان شىء بل لفظ الحديث انما يدل على المعنى الأول

(7/52)


فصل
ومن هذا الباب لفظ الكفر و النفاق فالكفر اذا ذكر مفردا فى وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون كقوله ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو فى الآخرة من الخاسرين وقوله ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا وقوله لا يصلاها الا الاشقى الذى كذب وتولى وقوله كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء ان أنتم الا فى ضلال كبير وقوله وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا حتى اذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وقوله ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس فى جهنم مثوى للكافرين وقوله ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى وقوله

(7/53)


إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية وأمثال هذه النصوص كثير فى القرآن فهذه كلها يدخل فيها المنافقون الذين هم فى الباطن كفار ليس معهم من الايمان شىء كما يدخل فيها الكفار المظهرون للكفر بل المنافقون فى الدرك الأسفل من النار كما أخبر الله بذلك فى كتابه ثم قد يقرن الكفر بالنفاق فى مواضع ففى أول البقرة ذكر أربع آيات فى صفة المؤمنين وآيتين فى صفة الكافرين وبضع عشرة آية فى صفة المنافقين فقال تعالى ان الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا وقال يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا الى قوله فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هى مولاكم وبئس المصير وقال يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم فى سورتين وقال الم تر الى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا الآية
وكذلك لفظ المشركين قد يقرن بأهل الكتاب فقط وقد يقرن بالملل الخمس كما فى قوله تعالى ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شىء شهيد
و الأول كقوله لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين

(7/54)


منفكين حتى تأتيهم البينة وقوله ان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية وقوله تعالى وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وان تولوا فانما عليك البلاغ وليس أحد بعد مبعث محمد الا من الذين أوتوا الكتاب أو الاميين وكل أمة لم تكن من الذين أوتوا الكتاب فهم من الاميين كالأميين من العرب ومن الخزر والصقالبة والهند والسودان وغيرهم من الأمم الذين لا كتاب لهم فهؤلاء كلهم أميون والرسول مبعوث اليهم كما بعث الى الأميين من العرب
وقوله وقل للذين أوتوا الكتاب وهو انما يخاطب الموجودين فى زمانه بعد النسخ والتبديل يدل على أن من دان بدين اليهود والنصارى فهو من الذين أوتوا الكتاب لا يختص هذا اللفظ بمن كانوا متمسكين به قبل النسخ والتبديل ولا فرق بين أولادهم وأولاد غيرهم فان أولادهم اذا كانوا بعد النسخ والتبديل ممن أوتوا الكتاب فكذلك غيرهم اذا كانوا كلهم كفارا وقد جعلهم الذين أوتوا الكتاب بقوله وقل للذين أوتوا الكتاب وهو لا يخاطب بذلك الا من بلغته رسالته لا من مات فدل ذلك على أن قوله وطعام الذين أوتوا الكتاب يتناول هؤلاء كلهم كما هو مذهب الجمهور من السلف والخلف وهو مذهب مالك وأبى حنيفة وهو المنصوص عن أحمد فى عامة أجوبته لم يختلف كلامه الا فى نصارى بنى تغلب وآخر الروايتين عنه أنهم تباح نساؤهم وذبائحهم كما هو قول جمهور الصحابة

(7/55)


وقوله فى الرواية الأخرى لا تباح متابعة لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه لم يكن لأجل النسب بل لكونهم لم يدخلوا فى دين أهل الكتاب الا فيما يشتهونه من شرب الخمر ونحوه ولكن بعض التابعين ظن أن ذلك لأجل النسب كما نقل عن عطاء وقال به الشافعى ومن وافقه من أصحاب أحمد وفرعوا على ذلك فروعا كما كان أحد أبويه كتابيا والآخر ليس بكتابى ونحو ذلك حتى لا يوجد فى طائفة من كتب أصحاب أحمد الا هذا القول وهو خطأ على مذهبه مخالف لنصوصه لم يعلق الحكم بالنسب فى مثل هذا البتة كما قد بسط فى موضعه
ولفظ المشركين يذكر مفردا فى مثل قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وهل يتناول أهل الكتاب فيه قولان مشهوران للسلف والخلف والذين قالوا بأنها تعم منهم من قال هى محكمة كابن عمر والجمهور الذين يبيحون نكاح الكتابيات كما ذكره الله فى آية المائدة وهى متأخرة عن هذه ومنهم من يقول نسخ منها تحريم نكاح الكتابيات ومنهم من يقول بل هو مخصوص لم يرد باللفظ العام وقد أنزل الله تعالى بعد صلح الحديبية قوله ولا تمسكوا بعصم الكوافر وهذا قد يقال انما نهى عن التمسك بالعصمة من كان متزوجا كافرة ولم يكونوا حينئذ متزوجين الا بمشركة وثنية فلم يدخل فى ذلك الكتابيات

(7/56)


فصل
وكذلك لفظ الصالح و الشهيد و الصديق يذكر مفردا فيتناول النبيين قال تعالى فى حق الخليل وآتيناه أجره فى الدنيا وأنه فى الآخرة لمن الصالحين وقال وآتيناه فى الدنيا حسنة وأنه فى الآخرة لمن الصالحين وقال الخليل رب هب لى حكما والحقنى بالصالحين وقال يوسف توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين وقال سليمان وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين وقال النبى صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح المتفق على صحته لما كانوا يقولون فى آخر صلاتهم السلام على الله قبل عباده السلام على فلان فقال لنا رسول الله ذات يوم ان الله هو السلام فاذا قعد أحدكم فى الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فاذا قالها أصابت كل عبد صالح لله فى السماء والأرض الحديث
وقد يذكر الصالح مع غيره كقوله تعالى فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين قال الزجاج وغيره الصالح القائم بحقوق الله وحقوق عباده ولفظ الصالح خلاف الفاسد

(7/57)


فاذا أطلق فهو الذى أصلح جميع امره فلم يكن فيه شىء من الفساد فاستوت سريرته وعلانيته وأقواله وأعماله على ما يرضى ربه وهذا يتناول النبيين ومن دونهم ولفظ الصديق قد جعل هنا معطوفا على النبيين وقد وصف به النبيين فى مثل قوله واذكر فى الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا واذكر فى الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا
وكذلك الشهيد قد جعل هنا قرين الصديق والصالح وقد قال وجىء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق ولما قيدت الشهادة على الناس وصفت به الأمة كلها فى قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا فهذه شهادة مقيدة بالشهادة على الناس كالشهادة المذكورة فى قوله لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء وقوله وإستشهدوا شهيدين من رجالكم وليست هذه الشهادة المطلقة فى الآيتين بل ذلك كقوله ويتخذ منكم شهداء

(7/58)


فصل
وكذلك لفظ المعصية و الفسوق و الكفر فاذا أطلقت المعصية لله ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق كقوله ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا وقال تعالى وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد فأطلق معصيتهم للرسل بأنهم عصوا هودا معصية تكذيب لجنس الرسل فكانت المعصية لجنس الرسل كمعصية من قال فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء ومعصية من كذب وتولى قال تعالى لا يصلاها الا الأشقى الذى كذب وتولى أى كذب بالخبر وتولى عن طاعة الأمر وانما على الخلق أن يصدقوا الرسل فيما أخبروا ويطيعوهم فيما أمروا وكذلك قال فى فرعون فكذب وعصى وقال عن جنس الكافر فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى فالتكذيب للخبر والتولى عن الأمر وانما الايمان تصديق الرسل فيما اخبروا وطاعتهم فيما أمروا ومنه قوله كما ارسلنا الى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول
ولفظ التولى بمعنى التولى عن الطاعة مذكور فى مواضع من القرآن

(7/59)


كقوله ستدعون الى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وان تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما وذمه فى غير موضع من القرآن من تولى دليل على وجوب طاعة الله ورسوله وان الأمر المطلق يقتضى وجوب الطاعة وذم المتولى عن الطاعة كما علق الذم بمطلق المعصية فى مثل قوله فعصى فرعون الرسول وقد قيل ان التأبيد لم يذكر فى القرآن الا فى وعيد الكفار ولهذا قال ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما
وقال فيمن يجوز فى المواريث ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين فهنا قيد المعصية بتعدى حدوده فلم يذكرها مطلقة وقال وعصى آدم ربه فغوى فهى معصية خاصة وقال تعالى حتى اذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون فأخبر عن معصية واقعة معينة وهى معصية الرماة للنبى حيث أمرهم بلزوم ثغرهم وان رأوا المسلمين قد انتصروا فعصى من عصى منهم هذا الأمر وجعل أميرهم يأمرهم لما رأوا الكفار منهزمين وأقبل من أقبل منهم على المغانم
وكذلك قوله وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان جعل ذلك ثلاث مراتب وقد قال ولا يعصينك فى معروف فقيد المعصية ولهذا فسرت بالنياحة قاله إبن عباس
وروى ذلك مرفوعا وكذلك قال زيد بن أسلم لا يدعن ويلا ولا يخدشن

(7/60)


وجها ولا ينشرن شعرا ولا يشققن ثوبا وقد قال بعضهم هو جميع ما يأمرهم به الرسول من شرائع الاسلام وأدلته كما قاله أبو سليمان الدمشقى ولفظ الآية عام أنهن لا يعصينه فى معروف ومعصيته لا تكون الا فى معروف فانه لا يأمر بمنكر لكن هذا كما قيل فيه دلالة على أن طاعة أولى الأمر انما تلزم فى المعروف كما ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال انما الطاعة فى المعروف ونظير هذا قوله استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم وهو لا يدعو الا الى ذلك والتقييد هنا لا مفهوم له فانه لا يقع دعاء لغير ذلك ولا أمر بغيره معروف وهذا كقوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا فانهن اذا لم يردن تحصنا امتنع الاكراه ولكن فى هذا بيان الوصف المناسب للحكم ومنه قوله تعالى ومن يدع مع الله الها آخر لا برهان له به فانما حسابه عند ربه أنه لا يفلح الكافرون وقوله ويقتلون النبيين بغير الحق
فالتقييد فى جميع هذا للبيان والايضاح لا لإخراج فى وصف آخر ولهذا يقول من يقول من النحاة الصفات فى المعارف للتوضيح لا للتخصيص وفى النكرات للتخصيص يعنى فى المعارف التى لا تحتاج الى تخصيص كقوله سبح اسم ربك الأعلى الذى خلق فسوى وقوله الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والانجيل وقوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والصفات فى النكرات اذا تميزت تكون للتوضيح أيضا ومع هذا فقد عطف المعصية على الكفر والفسوق فى قوله وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ومعلوم أن الفاسق عاص أيضا

(7/61)


فصل
ومن هذا الباب ظلم النفس فانه اذا أطلق تناول جميع الذنوب فانها ظلم العبد نفسه قال تعالى ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب وقال تعالى واذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم وقال فى قتل النفس رب انى ظلمت نفسى فاغفر لى وقالت بلقيس رب انى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين وقال آدم عليه السلام ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ثم قد يقرن ببعض الذنوب كقوله تعالى والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم وقوله ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما
وأما لفظ الظلم المطلق فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب قال تعالى احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله

(7/62)


فاهدوهم الى صراط الجحيم وقفوهم أنهم مسؤولون قال عمر بن الخطاب ونظراؤهم وهذا ثابت عن عمر وروى ذلك عنه مرفوعا وكذلك قال ابن عباس واشباههم وكذلك قال قتادة والكلبى كل من عمل بمثل عملهم فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا وعن الضحاك ومقاتل قرناؤهم من الشياطين كل كافر معه شيطانه فى سلسلة وهذا كقوله واذا النفوس زوجت قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه الفاجر مع الفاجر والصالح مع الصالح قال ابن عباس وذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة وقال الحسن وقتادة ألحق كل امرىء بشيعته اليهودى مع اليهود والنصرانى مع النصارى وقال الربيع بن خيثم يحشر المرء مع صاحب عمله وهذا كما ثبت فى الصحيح عن النبى لما قيل له الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال المرء مع من أحب وقال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وقال المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل
وزوج الشىء نظيره وسمى الصنف زوجا لتشابه افراده كقوله وأنبتنا فيها من كل زوج كريم وقال ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون قال غير واحد من المفسرين صنفين ونوعين مختلفين السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والسهل والجبل والشتاء والصيف والجن والانس والكفر والايمان والسعادة والشقاوة والحق والباطل والذكر والانثى والنور والظلمة والحلو والمر وأشباه ذلك

(7/63)


لعلكم تذكرون فتعلمون أن خالق الأزواج واحد وليس المراد أنه يحشر معهم زوجاتهم مطلقا فان المرأة الصالحة قد يكون زوجها فاجرا بل كافرا كامرأة فرعون وكذلك الرجل الصالح قد تكون امرأته فاجرة بل كافرة كامرأة نوح ولوط لكن اذا كانت المرأة على دين زوجها دخلت فى عموم الأزواج ولهذا قال الحسن البصرى وازواجهم المشركات
فلا ريب أن هذه الآية تناولت الكفار كما دل عليه سياق الآية وقد تقدم كلام المفسرين انه يدخل فيها الزناة مع الزناة وأهل الخمر مع أهل الخمر وكذلك الأثر المروى اذا كان يوم القيامة قيل أين الظلمة وأعوانهم أو قال وأشباههم فيجمعون فى توابيت من نار ثم يقذف بهم فى النار وقد قال غير واحد من السلف أعوان الظلمة من أعانهم ولو أنهم لاق لهم دواة أو برى لهم قلما ومنهم من كان يقول بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم وأعوانهم هم من أزواجهم المذكورين فى الآية فان المعين على البر والتقوى من أهل ذلك والمعين على الاثم والعدوان من أهل ذلك قال تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها والشافع الذى يعين غيره فيصير معه شفعا بعد ان كان وترا ولهذا فسرت الشفاعة الحسنة باعانة المؤمنين على الجهاد و الشفاعة السيئة باعانة الكفار على قتال المؤمنين كما ذكر ذلك ابن جرير وابو سليمان
وفسرت الشفاعة الحسنة بشفاعة الانسان للانسان ليجتلب له نفعا

(7/64)


أو يخلصه من بلاء كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد فالشفاعة الحسنة اعانة على خير يحبه الله ورسوله من نفع من يستحق النفع ودفع الضر عمن يستحق دفع الضرر عنه و الشفاعة السيئة اعانته على ما يكرهه الله ورسوله كالشفاعة التى فيها ظلم الانسان أو منع الاحسان الذى يستحقه وفسرت الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين والسيئة بالدعاء عليهم وفسرت الشفاعة الحسنة بالاصلاح بين اثنين وكل هذا صحيح فالشافع زوج المشفوع له اذ المشفوع عنده من الخلق اما ان يعينه على بر وتقوى واما أن يعينه على اثم وعدوان وكان النبى اذا أتاه طالب حاجة قال لأصحابه اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء وتمام الكلام يبين أن الآية وان تناولت الظالم الذى ظلم بكفره فهى أيضا متناولة ما دون ذلك وان قيل فيها وما كانوا يعبدون فقد ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش وثبت عنه فى الصحيح أنه قال ما من صاحب كنز الا جعل له كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمته انا مالك أنا كنزك وفى لفظ الا مثل يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه وهو يتبعه حتى يطوقه فى عنقه وقرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وفى حديث آخر مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه هذا مالك الذى كنت تبخل به

(7/65)


فاذا رأى أنه لابد منه أدخل يده فى فيه فيقضمها كما يقضم الفحل وفى رواية فلا يزال يتبعه فيلقمه يده فيقضمها ثم يلقمه سائر جسده وقد قال تعالى فى الآية الأخرى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون
وقد ثبت فى الصحيح وغيره عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ما من صاحب كنز لا يؤدى زكاته الا أحمى عليها فى نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله اما الى الجنة واما الى النار وفى حديث أبى ذر بشر الكانزين برضف يحمى عليها فى نار جهنم فتوضع على حلمة ثدى أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل وتكوى الجباه والجنوب والظهور حتى يلتقى الحر فى أجوافهم وهذا كما فى القرآن ويدل على أنه بعد دخول النار فيكون هذا لمن دخل النار ممن فعل به ذلك أولا فى الموقف فهذا الظالم لما منع الزكاة يحشر مع أشباهه وماله الذى صار عبدا له من دون الله فيعذب به وان لم يكن هذا من أهل الشرك الأكبر الذين يخلدون فى النار ولهذا قال فى آخر الحديث ثم يرى سبيله اما الى الجنة واما الى النار فهذا بعد تعذيبه خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يدخل الجنة وقد قال النبى الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب

(7/66)


النمل قال ابن عباس وأصحابه كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وكذلك قال أهل السنة كأحمد بن حنبل وغيره كما سنذكره ان شاء الله
وقد قال الله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا الا ليعبدوا الها واحدا لا اله الا هو سبحانه عما يشركون وفى حديث عدى بن حاتم وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذى وغيرهما وكان قد قدم على النبى صلى الله عليه و سلم وهو نصرانى فسمعه يقرأ هذه الآية قال فقلت له أنا لسنا نعبدهم قال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه قال فقلت بلى قال فتلك عبادتهم وكذلك قال أبو البخترى اما أنهم لم يصلوا لهم ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية
وقال الربيع بن أنس قلت لأبى العالية كيف كانت تلك الربوبية فى بنى اسرائيل قال كانت الربوبية أنهم وجدوا فى كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه فقالوا لن نسبق احبارنا بشىء فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فقد بين النبى أن عبادتهم اياهم كانت فى تحليل الحرام وتحريم الحلال لا أنهم صلوا لهم وصاموا لهم ودعوهم من دون الله فهذه عبادة للرجال وتلك عبادة للأموال وقد بينها النبى وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله لا اله الا هو سبحانه عما يشركون فهذا من الظلم الذى

(7/67)


يدخل فى قوله احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فان هؤلاء والذين أمروهم بهذا هم جميعا معذبون وقال انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون وانما يخرج من هذا من عبد مع كراهته لأن يعبد ويطاع فى معصية الله فهم الذين سبقت لهم الحسنى كالمسيح والعزيز وغيرهما فأولئك مبعدون
وأما من رضى بأن يعبد ويطاع فى معصية الله فهو مستحق للوعيد ولو لم يأمر بذلك فكيف اذا أمر وكذلك من أمر غيره بأن يعبد غير الله وهذا من أزواجهم فان أزواجهم قد يكونون رؤساء لهم وقد يكونون اتباعا وهم أزواج وأشباه لتشابههم فى الدين وسياق الآية يدل على ذلك فانه سبحانه قال احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم الى صراط الجحيم قال ابن عباس دلوهم وقال الضحاك مثله وقال ابن كيسان قدموهم والمعنى قودوهم كما يقود الهادى لمن يهديه ولهذا تسمى الأعناق الهوادى لأنها تقود سائر البدن وتسمى أوائل الوحش الهوادى وقفوهم أنهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون أى كما كنتم تتناصرون فى الدنيا على الباطل بل هم اليوم مستسلمون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا انكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوم طاغين فحق علينا قول ربنا انا لذائقون فأغويناكم

(7/68)


انا كنا غاوين فانهم يومئذ فى العذاب مشتركون انا كذلك نفعل بالمجرمين انهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الا الله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون
وقال تعالى قال ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم من الجن والانس فى النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى اذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون وقال تعالى واذ يتحاجون فى النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا انا كنا لكم تبعا فهل انتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا انا كل فيها ان الله قد حكم بين العباد وقال تعالى ولو ترى اذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم الى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد اذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار اذ تأمروننا ان نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال فى أعناق الذين كفروا هل يجزون الا ما كانوا يعملون
وقوله فى سياق الآية انهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الا الله يستكبرون

(7/69)


ولا ريب أنها تتناول الشركين الأصغر والأكبر وتتناول أيضا من استكبر عما أمره الله به من طاعته فان ذلك من تحقيق قول لا اله الا الله فان الاله هو المستحق للعبادة فكل ما يعبد به الله فهو من تمام تأله العباد له فمن استكبر عن بعض عبادته سامعا مطيعا فى ذلك لغيره لم يحقق قول لا اله الا الله فى هذا المقام
وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم فى تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين
أحدهما أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا وان لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره فى خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء
و الثانى أن يكون اعتقادهم وايمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتا لكنهم أطاعوهم فى معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصى التى يعتقد أنها معاص فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال انما الطاعة فى المعروف وقال على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية

(7/70)


وقال لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق وقال من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام ان كان مجتهدا قصده اتباع الرسول لكن خفى عليه الحق فى نفس الأمر وقد اتقى الله ما استطاع فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذى أطاع به ربه ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من هذا الشرك الذى ذمه الله لا سيما ان اتبع فى ذلك هواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه
ولهذا اتفق العلماء على أنه اذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد فى خلافه وانما تنازعوا فى جواز التقليد للقادر على الاستدلال وان كان عاجزا عن اظهار الحق الذى يعلمه فهذا يكون كمن عرف أن دين الاسلام حق وهو بين النصارى فاذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه وهؤلاء كالنجاشى وغيره وقد أنزل الله فى هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى وان من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل اليهم وقوله ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون وقوله واذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
وأما ان كان المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل

(7/71)


ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد فى التقليد فهذا لا يؤاخذ ان أخطأ كما فى القبلة وأما ان قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق فهذا من أهل الجاهلية وان كان متبوعه مصيبا لم يكن عمله صالحا وان كان متبوعه مخطئا كان آثما كمن قال فى القرآن برأيه فان أصاب فقد أخطأ وان أخطأ فليتبوأ مقعده من النار وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذى تقدم فيه الوعيد ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة فان ذلك لما أحب المال حبا منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبدا له وكذلك هؤلاء فيكون فيه شرك أصغر ولهم من الوعيد بحسب ذلك وفى الحديث ان يسير الرياء شرك وهذا مبسوط عند النصوص التى فيها اطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب
والمقصود هنا أن الظلم المطلق يتناول الكفر ولا يختص بالكفر بل يتناول ما دونه أيضا وكل بحسبه كلفظ الذنب والخطيئة والمعصية فان هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان كما فى الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال قلت يا رسول الله أى الذنب أعظم قال ان تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أى قال ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أى قال ثم ان تزانى بحليلة جارك فأنزل الله تعالى والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا

(7/72)


الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب الى الله متابا
فهذا الوعيد بتمامه على الثلاثة ولكل عمل قسط منه فلو أشرك ولم يقتل ولم يزن كان عذابه دون ذلك ولو زنى وقتل ولم يشرك كان له من هذا العذاب نصيب كما فى قوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ولم يذكر أبدا وقد قيل ان لفظ التأبيد لم يجىء الا مع الكفر وقال الله تعالى ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلنى عن الذكر بعد اذ جاءنى وكان الشيطان للانسان خذولا فلا ريب أن هذا يتناول الكافر الذى لم يؤمن بالرسول وسبب نزول الآية كان فى ذلك فان الظلم المطلق يتناول ذلك ويتناول ما دونه بحسبه
فمن خال مخلوقا فى خلاف أمر الله ورسوله كان له من هذا الوعيد نصيب كما قال تعالى الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين وقال تعالى اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب قال الفضيل بن عياض حدثنا الليث عن مجاهد هى المودات التى كانت بينهم لغير الله فان المخالة تحاب وتواد ولهذا قال المرء على دين خليله فان المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب فاذا اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله نقص من دينهما بحسب ذلك الى أن ينتهى

(7/73)


الى الشرك الأكبر قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله والذين قدموا محبة المال الذى كنزوه والمخلوق الذى اتبعوه على محبة الله ورسوله كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك فلهذا ألزمهم محبوبهم كما فى الحديث يقول الله تعالى أليس عدلا منى أن أولى كل رجل منكم ما كان يتولاه فى الدنيا وقد ثبت فى الصحيح يقول ليذهب كل قوم الى ما كانوا يعبدون فمن كان يعبد الشمس الشمس ومن كان يعبد القمر القمر ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت ويمثل للنصارى المسيح ولليهود عزير فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها كما سيأتى هذا الحديث ان شاء الله فهؤلاء أهل الشرك الأكبر
وأما عبيد المال الذين كنزوه وعبيد الرجال الذين أطاعوهم فى معاصى الله فأولئك يعذبون عذابا دون عذاب أولئك المشركين أما فى عرصات القيامة واما فى جهنم ومن أحب شيئا دون الله عذب به وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون فالكفر المطلق هو الظلم المطلق ولهذا لا شفيع لأهله يوم القيامة كما نفى الشفاعة فى هذه الآية وفى قوله وانذرهم يوم الآزفة اذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور وقال فكبكبوا فيها هم والغاوون

(7/74)


وجنود ابليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله ان كنا لفى ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا الا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو ان لنا كرة فنكون من المؤمنين
وقوله اذ نسويكم لم يريدوا به أنهم جعلوهم مساوين لله من كل وجه فان هذا لم يقله أحد من بنى آدم ولا نقل عن قوم قط من الكفار أنهم قالوا ان هذا العالم له خالقان متماثلان حتى المجوس القائلين بالأصلين النور والظلمة متفقون على أن النور خير يستحق أن يعبد ويحمد وان الظلمة شريرة تستحق أن تذم وتلعن واختلفوا هل الظلمة محدثة أو قديمة على قولين وبكل حال لم يجعلوها مثل النور من كل وجه
وكذلك مشركوا العرب كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله فى خلق السموات والأرض بل كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وما بينهما كما أخبر عنهم بذلك فى غير آيه كقوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ان الله بكل شىء عليم ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون وقال تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذى جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون

(7/75)


والذى نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم اذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وانا الى ربنا لمنقلبون
وهذه الصفات من كلام الله تعالى ليست من تمام جوابهم وقال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله الآيات وقال تعالى قل أرأيتكم ان أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون ان كنتم صادقين بل اياه تدعون فيكشف ما تدعون اليه ان شاء وتنسون ما تشركون وكذلك قوله آلله خير أما يشركون أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أم جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسى وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله أى أإله مع الله فعل هذا وهذا استفهام انكار وهم مقرون بأنه لم يفعل هذا اله آخر مع الله
ومن قال من المفسرين ان المراد هل مع الله اله آخر فقد غلط فانهم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى

(7/76)


قل لا أشهد وقال تعالى فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء وقال تعالى عنهم أجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشىء عجاب
وكانوا معترفين بأن آلهتهم لم تشارك الله فى خلق السموات والأرض ولا خلق شىء بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط كما قال تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وقال عن صاحب يس وما لى لا أعبد الذى فطرنى واليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون وقال تعالى وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع وقال تعالى الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون وقال قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يمكلون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له فنفى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك أو يكون عونا لله ولم يبق الا الشفاعة فبين أنها لاتنفع الا لمن أذن له الرب كما قال تعالى من ذا الذى يشفع عنده الا باذنه وقال تعالى عن الملائكة ولا يشفعون الا لمن ارتضى وقال وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى فهذه الشفاعة التى يظنها المشركون هى منتفية يوم القيامة كما نفاها

(7/77)


القرآن وأما ما أخبر به النبى أنه يكون فأخبر أنه يأتى فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا فاذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه يقال له أى محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فيقول أى رب أمتى فيحد له حدا فيدخلهم الجنة وكذلك فى الثانية وكذلك فى الثالثة وقال له أبو هريرة من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال من قال لا اله الا الله خالصا من قلبه فتلك الشفاعة هى لأهل الاخلاص باذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا تكون الا باذن الله وحقيقته ان الله هو الذى يتفضل على أهل الاخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذى أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك وينال به المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون كما كان فى الدنيا يستسقى لهم ويدعو لهم وتلك شفاعة منه لهم فكان الله يجيب دعاءه وشفاعته
واذا كان كذلك فالظلم ثلاثة أنواع فالظلم الذى هو شرك لا شفاعة فيه وظلم الناس بعضهم بعضا لابد فيه من اعطاء المظلوم حقه لا يسقط حق المظلوم لا بشفاعة ولا غيرها ولكن قد يعطى المظلوم من الظالم كما قد يغفر لظالم نفسه بالشفاعة فالظالم المطلق ما له من شفيع مطاع وأما الموحد فلم يكن ظالما مطلقا بل هو موحد مع ظلمه لنفسه وهذا انما نفعه فى الحقيقة اخلاصه لله فبه صار من أهل الشفاعة
ومقصود القرآن بنفى الشفاعة نفى الشرك وهو أن أحدا لا يعبد الا الله

(7/78)


ولا يدعو غيره ولا يسأل غيره ولا يتوكل على غيره لا فى شفاعة ولا غيرها فليس له أن يتوكل على أحد فى أن يرزقه وان كان الله يأتيه برزقه بأسباب
كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله فى أن يغفر له ويرحمه فى الآخرة وان كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها فالشفاعة التى نفاها القرآن مطلقا ما كان فيها شرك وتلك منتفية مطلقا ولهذا أثبت الشفاعة باذنه فى مواضع وتلك قد بين الرسول أنها لا تكون الا لأهل التوحيد والاخلاص فهى من التوحيد ومستحقها أهل التوحيد
وأما الظلم المقيد فقد يختص بظلم الانسان نفسه وظلم الناس بعضهم بعضا كقول آدم عليه السلام وحواء ربنا ظلمنا أنفسنا وقول موسى رب انى ظلمت نفسى وقوله تعالى والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم لكن قول آدم وموسى إخبار عن واقع لا عموم فيه وذلك قد عرف ولله الحمد أنه ليس كفرا واما قوله والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم فهو نكرة فى سياق الشرط يعم كل ما فيه ظلم الانسان نفسه وهو اذا أشرك ثم تاب تاب الله عليه وقد تقدم ان ظلم الانسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الاطلاق وقال تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره فلا يدخل فيه الشرك الأكبر وفى الصحيحين عن ابن مسعود أنه لما أنزلت هذه الآية الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب النبى

(7/79)


وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال النبى انما هو الشرك ألم تسمعوا الى قول العبد الصالح ان الشرك لظلم عظيم
والذين شق ذلك عليهم ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه وأنه لا يكون الأمن والاهتداء الا لمن يظلم نفسه فشق ذلك عليهم فبين النبى لهم ما دلهم على أن الشرك ظلم فى كتاب الله تعالى وحينئذ فلا يحصل الأمن والاهتداء الا لمن لم يلبس ايمانه بهذا الظلم ومن لم يلبس ايمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء كما كان من أهل الاصطفاء فى قوله ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا الى قوله جنات عدن يدخلونها وهذا لا ينفى أن يؤاخذ أحدهم بظلم نفسه اذا لم يتب كما قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وقال تعالى من يعمل سوءا يجز به
وقد سأل أبو بكر النبى صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا فقال يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء فذلك ما تجزون به فبين أن المؤمن الذى اذا تاب دخل الجنة قد يجزى بسيئاته فى الدنيا بالمصائب التى تصيبه كما فى الصحيحين عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقومها تارة وتمليها أخرى ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة

(7/80)


على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة وفى الصحيحين عنه أنه قال ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه وفى حديث سعد بن أبى وقاص قلت يا رسول الله أى الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه وان كان فى دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على الأرض وليس عليه خطيئة رواه أحمد والترمذى وغيرهما وقال المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها والأحاديث فى هذا الباب كثيرة
فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام والاهتداء التام ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك فى الآية الأخرى وقد هداه الى الصراط المستقيم الذى تكون عاقبته فيه الى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من ايمانه بظلمه نفسه وليس مراد النبى صلى الله عليه و سلم بقوله انما هو الشرك ان من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام فان أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الامن التام ولا الاهتداء التام الذى يكونون به مهتدين الى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم بل معهم أصل الاهتداء الى

(7/81)


هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولابد لهم من دخول الجنة وقول النبى صلى الله عليه و سلم انما هو الشرك ان أراد به الشرك الأكبر فمقصوده ان من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو مهتد الى ذلك وان كان مراده جنس الشرك فيقال ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب فى هذا الظلم بهذا الاعتبار

(7/82)


فصل
ومن هذا الباب لفظ الصلاح و الفساد فاذا أطلق الصلاح تناول جميع الخير وكذلك الفساد يتناول جميع الشر كما تقدم فى اسم الصالح وكذلك اسم المصلح والمفسد قال تعالى فى قصة موسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس ان تريد الا أن تكون جبارا فى الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين وقال موسى لأخيه هارون اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين وقال تعالى واذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالوا انما نحن مصلحون ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون
والضمير عائد على المنافقين فى قوله ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين وهذا مطلق يتناول من كان على عهد النبى ومن سيكون بعدهم ولهذا قال سلمان الفارسى أنه عنى بهذه الآية قوما لم يكونوا خلقوا حين نزولها وكذا قال السدى عن أشياخه الفساد الكفر والمعاصى وعن مجاهد ترك امتثال الأوامر واجتناب النواهى والقولان معناهما واحد وعن ابن عباس الكفر وهذا معنى قول من قال النفاق الذى صافوا به الكفار وأطلعوهم على أسرار المؤمنين وعن أبى العالية ومقاتل العمل بالمعاصى وهذا أيضا عام كالأولين

(7/83)


وقولهم انما نحن مصلحون فسر بانكار ما أقروا به أى انا انما نفعل ما أمرنا به الرسول وفسر بأن الذى نفعله صلاح ونقصد به الصلاح وكلا القولين يروى عن ابن عباس وكلاهما حق فانهم يقولون هذا وهذا يقولون الأول لمن لم يطلع على بواطنهم ويقولون الثانى لأنفسهم ولمن أطلع على بواطنهم لكن الثانى يتناول الأول فان من جملة أفعالهم أسرار خلاف ما يظهرون وهم يرون هذا صلاحا قال مجاهد أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لافساد وعن السدى إن فعلنا هذا هو الصلاح وتصديق محمد فساد وقيل أرادوا أن هذا صلاح فى الدنيا فان الدولة ان كانت للنبى صلى الله عليه و سلم فقد أمنوا بمتابعته وان كانت للكفار فقد أمنوهم بمصافاتهم
ولأجل القولين قيل فى قوله ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون أى لا يشعرون ان ما فعلوه فساد لا صلاح وقيل لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم والقول الأول يتناول الثانى فهو المراد كما يدل عليه لفظ الآية وقال تعالى ان ولى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين وقال قال موسى ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لا يصلح عمل المفسدين وقول يوسف توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين وقد يقرن أحدهما بما هو أخص منه كقوله واذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد قيل بالكفر وقيل بالظلم وكلاهما صحيح وقال تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون

(7/84)


علوا فى الأرض ولا فسادا وقد تقدم قوله تعالى ان فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم انه كان من المفسدين وقال تعالى من أجل ذلك كتبنا على بنى اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا وقتل النفس الأول من جملة الفساد لكن الحق فى القتل لولى المقتول وفى الردة والمحاربة والزنا الحق فيها لعموم الناس ولهذا يقال هو حق لله ولهذا لا يعفى عن هذا كما يعفى عن الأول لأن فساده عام قال تعالى انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف الآية قيل سبب نزول هذه الآية العرنيون الذين ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال وقيل سببه ناس معاهدون نقضوا العهد وحاربوا وقيل المشركون فقد قرن بالمرتدين المحاربين وناقضى العهد المحاربين وبالمشركين المحاربين وجمهور السلف والخلف على أنها تتناول قطاع الطريق من المسلمين والآية تتناول ذلك كله ولهذا كان من تاب قبل القدرة عليه من جميع هؤلاء فانه يسقط عنه حق الله تعالى
وكذلك قرن الصلاح والاصلاح بالايمان فى مواضع كثيرة كقوله تعالى ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومعلوم أن الايمان أفضل الاصلاح وأفضل العمل الصالح كما جاء فى الحديث الصحيح أنه قيل يا رسول الله أى الأعمال أفضل قال ايمان بالله وقال تعالى وانى لغفار لمن تاب وآمن وعمل

(7/85)


صالحا ثم اهتدى وقال إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة وقال الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وقال فى القذف الا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله غفور رحيم وقال فى السارق فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فان الله يتوب عليه وقال واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ولهذا شرط الفقهاء فى أحد قوليهم فى قبول شهادة القاذف أن يصلح وقدروا ذلك بسنة كما فعل عمر بصبيغ بن عسل لما أجله سنة وبذلك أخذ أحمد فى توبة الداعى الى البدعة أنه يؤجل سنة كما أجل عمر صبيغ بن عسل

(7/86)


فصل
فان قيل ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالاطلاق والتقييد فى كلام الله ورسوله وكلام كل أحد بين ظاهر لا يمكن دفعه لكن نقول دلالة لفظ الايمان على الأعمال مجاز فقوله الايمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا اله الا الله وادناها اماطة الأذى عن الطريق مجاز وقوله الايمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله الى آخره حقيقة وهذا عمدة المرجئة والجهمية والكرامية وكل من لم يدخل الأعمال فى اسم الايمان
ونحن نجيب بجوابين أحدهما كلام عام فى لفظ الحقيقة والمجاز والثانى ما يختص بهذا الموضع فبتقدير أن يكون أحدهما مجازا ما هو الحقيقة من ذلك من المجاز هل الحقيقة هو المطلق أو المقيد أو كلاهما حقيقة حتى يعرف أن لفظ الايمان اذا أطلق على ماذا يحمل فيقال أولا تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها الى حقيقة ومجاز وتقسيم دلالتها أو المعانى المدلول عليها ان استعمل لفظ الحقيقة والمجاز فى المدلول أو فى الدلالة فان هذا كله قد يقع فى كلام المتأخرين ولكن المشهور

(7/87)


أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين فى العلم كمالك والثورى والأوزاعى وأبى حنيفة والشافعى بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبى عمرو بن العلاء ونحوهم
وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتابه ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة وانما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية ولهذا قال من قال من الأصوليين كأبى الحسين البصرى وأمثاله انها تعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا هذا حقيقة وهذا مجاز فقد تكلم بلا علم فانه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا ولم يقل ذلك احد من اهل اللغة ولا من سلف الامة وعلمائها وانما هذا اصطلاح حادث والغالب انه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين فانه لم يوجد هذا فى كلام احد من اهل الفقه والاصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف
وهذا الشافعى هو أول من جرد الكلام فى أصول الفقه لم يقسم هذا التقسيم ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز وكذلك محمد بن الحسن له فى المسائل المبنية على العربية كلام معروف فى الجامع الكبير وغيره ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز وكذلك سائر الأئمة لم يوجد

(7/88)


لفظ المجاز فى كلام أحد منهم إلا فى كلام أحمد بن حنبل فانه قال فى كتاب الرد على الجهمية فى قوله انا ونحن ونحو ذلك فى القرآن هذا من مجاز اللغة يقول الرجل انا سنعطيك انا سنفعل فذكر أن هذا مجاز اللغة
وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال ان فى القرآن مجازا كالقاضى أبى يعلى وابن عقيل وأبى الخطاب وغيرهم وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون فى القرآن مجاز كأبى الحسن الخرزى وأبى عبدالله بن حامد وأبى الفضل التميمى بن أبى الحسن التميمى وكذلك منع أن يكون فى القرآن مجاز محمد بن خويز منداد وغيره من المالكية ومنع منه داود بن على وابنه أبو بكر ومنذر بن سعيد البلوطى وصنف فيه مصنفا
وحكى بعض الناس عن أحمد فى ذلك روايتين وأما سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد ان فى القرآن مجازا لا مالك ولا الشافعى ولا أبو حنيفة فان تقسيم الألفاظ الى حقيقة ومجاز انما اشتهر فى المائة الرابعة وظهرت أوائله فى المائة الثالثة وما علمته موجودا فى المائة الثانية اللهم الا أن يكون أو اواخرها والذين أنكروا أن يكون أحمد وغيره نطقوا بهذا التقسيم قالوا ان معنى قول أحمد من مجاز اللغة أى مما يجوز فى اللغة أن يقول الواحد العظيم الذى له أعوان نحن فعلنا كذا ونفعل كذا ونحو ذلك قالوا ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل فى غير ما وضع له
وقد أنكر طائفة أن يكون فى اللغة مجاز لا فى القرآن ولا غيره كأبى

(7/89)


اسحاق الاسفرائينى وقال المنازعون له النزاع معه لفظى فانه اذا سلم أن فى اللغة لفظا مستعملا فى غير ما وضع له لا يدل على معناه الا بقرينة فهذا هو المجاز وان لم يسمه مجازا فيقول من ينصره ان الذين قسموا اللفظ حقيقة ومجازا قالوا الحقيقة هو اللفظ المستعمل فيما وضع له والمجاز هو اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له كلفظ الأسد والحمار اذا أريد بهما البهيمة أو أريد بهما الشجاع والبليد وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ قد وضع أولا لمعنى ثم بعد ذلك قد يستعمل فى موضوعه وقد يستعمل فى غير موضوعه ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم ان كل مجاز فلابد له من حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز فاعترض عليهم بعض متأخريهم وقال اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز فاذا استعمل فى غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة له
وهذا كله انما يصح لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم بعد ذلك استعملت فيها فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال وهذا انما صح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية فيدعى أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ويجعل هذا عاما فى جميع اللغات وهذا القول لا نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبى هاشم بن الجبائى فانه وأبا الحسن الأشعرى كلاهما قرأ على أبى على الجبائى لكن الأشعرى رجع عن مذهب المعتزلة وخالفهم فى القدر والوعيد وفى الأسماء والأحكام وفي

(7/90)


صفات الله تعالى وبين من تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه فتنازع الأشعرى وأبو هاشم فى مبدأ اللغات فقال أبو هاشم هى اصطلاحية وقال الأشعرى هى توقيفية ثم خاض الناس بعدهما فى هذه المسألة فقال آخرون بعضها توقيفى وبعضها اصطلاحى وقال فريق رابع بالوقف
والمقصود هنا أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة فى اللغة ثم استعملوها بعد الوضع وانما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعانى فان ادعى مدع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل فان هذا لم ينقله أحد من الناس ولا يقال نحن نعلم ذلك بالدليل فانه ان لم يكن اصطلاح متقدم لم يمكن الاستعمال
قيل ليس الأمر كذلك بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض وقد سمى ذلك منطقا وقولا فى قول سليمان علمنا منطق الطير وفى قوله قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم وفى قوله يا جبال أوبى معه والطير وكذلك الآدميون فالمولود اذا ظهر منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير الى المعنى فصار يفهم أن ذلك اللفظ يستعمل فى ذلك المعنى أى أراد المتكلم به ذلك المعنى ثم هذا يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم بل ولا أوقفوه على معانى الأسماء

(7/91)


وان كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف عليها كما يترجم للرجل اللغة التى لا يعرفها فيوقف على معانى ألفاظها وان باشر أهلها مدة علم ذلك بدون توقيف من أحدهم
نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه كما يولد لأحدهم ولد فيسميه اسما إما منقولا واما مرتجلا وقد يكون المسمى واحدا لم يصطلح مع غيره وقد يستوون فيما يسمونه وكذلك قد يحدث للرجل آلة من صناعة أو يصنف كتابا أو يبنى مدينة ونحو ذلك فيسمى ذلك باسم لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم فى اللغة العامة وقد قال الله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان و قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء وقال الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى فهو سبحانه يلهم الانسان المنطق كما يلهم غيره
وهو سبحانه اذا كان قد علم آدم الأسماء كلها وعرض المسميات على الملائكة كما أخبر بذلك فى كتابه فنحن نعلم أنه لم يعلم آدم جميع اللغات التى يتكلم بها جميع الناس الى يوم القيامة وان تلك اللغات اتصلت الى أولاده فلا يتكلمون الا بها فان دعوى هذا كذب ظاهر فان آدم عليه السلام انما ينقل عنه بنوه وقد اغرق الله عام الطوفان جميع ذريته الا من فى السفينة وأهل السفينة انقطعت ذريتهم الا أولاد نوح ولم يكونوا يتكلمون بجميع ما تكلمت به الأمم بعدهم فان اللغة الواحدة كالفارسية والعربية والرومية والتركية فيها من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه الا الله والعرب أنفسهم

(7/92)


لكل قوم لغات لا يفهما غيرهم فكيف يتصور أن ينقل هذا جميعه عن أولئك الذين كانوا فى السفينة وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل وانما النسل لنوح وجميع الناس من أولاده وهم ثلاثة سام وحام ويافث كما قال الله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين فلم يجعل باقيا الا ذريته وكما روى ذلك عن النبى أن أولاده ثلاثة رواه أحمد وغيره
ومعلوم أن الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله ويمتنع نقل ذلك عنهم فان الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه واذا كان الناقل ثلاثة فهم قد علموا أولادهم واولادهم علموا أولادهم ولو كان كذلك لاتصلت ونحن نجد بنى الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى والأب واحد لا يقال أنه علم أحد ابنيه لغة وابنه الآخر لغة فان الأب قد لا يكون له الا ابنان واللغات فى أولاده أضعاف ذلك
والذى أجرى الله عليه عادة بنى آدم أنهم انما يعلمون أولادهم لغتهم التى يخاطبونهم بها أو يخاطبهم بها غيرهم فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها فلا يعلمونها أولادهم وأيضا فانه يوجد بنو آدم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم والعلماء من المفسرين وغيرهم لهم فى الأسماء التى علمها الله آدم قولان معروفان عن السلف
أحدهما أنه انما علمه أسماء من يعقل واحتجوا بقوله ثم عرضهم على الملائكة قالوا وهذا الضمير لا يكون الا لمن يعقل وما لا يعقل يقال

(7/93)


فيها عرضها ولهذا قال أبو العالية علمه أسماء الملائكة لأنه لم يكن حينئذ من يعقل الا الملائكة ولا كان ابليس قد انفصل عن الملائكة ولا كان له ذرية وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم علمه أسماء ذريته وهذا يناسب الحديث الذى رواه الترمذى وصححه عن النبى أن آدم سأل ربه أن يريه صور الأنبياء من ذريته فرآهم فرئى فيهم من يبص فقال يا رب من هذا قال ابنك داود فيكون قد أراه صور ذريته أو بعضهم وأسماءهم وهذه أسماء أعلام لا أجناس
والثانى ان الله علمه أسماء كل شىء وهذا هو قول الأكثرين كابن عباس وأصحابه قال ابن عباس علمه حتى الفسوة والفسية والقصعة والقصية أراد الأسماء الاعراض والأعيان مكبرها ومصغرها والدليل على ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال فى حديث الشفاعة إن الناس يقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شىء وأيضا قوله الاسماء كلها لفظ عام مؤكد فلا يجوز تخصيصه بالدعوى وقوله ثم عرضهم على الملائكة لأنه اجتمع من يعقل ومن لا يعقل فغلب من يعقل كما قال فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع قال عكرمة علمه أسماء الأجناس دون أنواعها كقولك انسان وجن وملك وطائر وقال مقاتل وابن السائب وابن قتيبة علمه أسماء ما خلق فى الأرض من الدواب والهوام والطير

(7/94)


ومما يدل على أن هذه اللغات ليست متلقاة عن آدم ان أكثر اللغات ناقصة عن اللغة العربية ليس عندهم أسماء خاصة للأولاد والبيوت والأصوات وغير ذلك مما يضاف الى الحيوان بل انما يستعملون فى ذلك الاضافة فلو كان آدم عليه السلام علمه الجميع لعلمها متناسبة وأيضا فكل أمة ليس لها كتاب ليس فى لغتها أيام الأسبوع وانما يوجد فى لغتها اسم اليوم والشهر والسنة لأن ذلك عرف بالحس والعقل فوضعت له الأمم الأسماء لأن التعبير يتبع التصور وأما الأسبوع فلم يعرف الا بالسمع لم يعرف أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش الا بأخبار الانبياء الذين شرع لهم أن يجتمعوا فى الأسبوع يوما يعبدون الله فيه ويحفظون به الأسبوع الأول الذى بدأ الله فيه خلق هذا العالم ففى لغة العرب والعبرانيين ومن تلقى عنهم أيام الأسبوع بخلاف الترك ونحوهم فانه ليس فى لغتهم أيام الأسبوع لأنهم لم يعرفوا ذلك فلم يعبروا عنه
فعلم أن الله ألهم النوع الانسانى أن يعبر عما يريده ويتصوره بلفظه وان أول من علم ذلك أبوهم آدم وهم علموا كما علم وان اختلفت اللغات وقد أوحى الله الى موسى بالعبرانية والى محمد بالعربية والجميع كلام الله وقد بين الله بذلك ما أراد من خلقه وأمره وان كانت هذه اللغة ليست الأخرى مع أن العبرانية من أقرب اللغات الى العربية حتى انها أقرب اليها من لغة بعض العجم الى بعض
فبالجملة نحن ليس غرضنا اقامة الدليل على عدم ذلك بل يكفينا أن يقال

(7/95)


هذا غير معلوم وجوده بل الالهام كاف فى النطق باللغات من غير مواضعة متقدمة واذا سمى هذا توقيفا فليسم توقيفا وحينئذ فمن ادعى وضعا متقدما على استعمال جميع الأجناس فقد قال ما لا علم له به وانما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال ثم هؤلاء يقولون تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ فاذا دل اللفظ بمجرده فهو حقيقة واذا لم يدل الا مع القرينة فهو مجاز وهذا أمر متعلق بإستعمال اللفظ فى المعنى لا بوضع متقدم
ثم يقال ثانيا هذا التقسيم لا حقيقة له وليس لمن فرق بينهما حد صحيح يميز به بين هذا وهذا فعلم أن هذا التقسيم باطل وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول بل يتكلم بلا علم فهم مبتدعة فى الشرع مخالفون للعقل وذلك أنهم قالوا الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له و المجاز هو المستعمل فى غير ما وضع له فاحتاجوا الى اثبات الوضع السابق على الاستعمال وهذا يتعذر ثم يقسمون الحقيقة الى لغوية وعرفية وأكثرهم يقسمها الى ثلاث لغوية وشرعية وعرفية
فالحقيقة العرفية هى ما صار اللفظ دالا فيها على المعنى بالعرف لا باللغة وذلك المعنى يكون تارة أعم من اللغوى وتارة أخص وتارة يكون مباينا له لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها فالأول مثل لفظ الرقبة و الرأس ونحوهما كان يستعمل فى العضو المخصوص ثم صار يستعمل فى جميع البدن والثانى مثل لفظ الدابة ونحوها كان يستعمل فى كل ما دب ثم صار

(7/96)


يستعمل فى عرف بعض الناس فى ذوات الأربع وفى عرف بعض الناس فى الفرس وفى عرف بعضهم فى الحمار والثالث مثل لفظ الغائط و الظعينة و الراوية و المزادة فان الغائط فى اللغة هو المكان المنخفض من الأرض فلما كانوا ينتابونه لقضاء حوائجهم سموا ما يخرج من الانسان باسم محله والظعينة اسم الدابة ثم سموا المرأة التى تركبها باسمها ونظائر ذلك و المقصود أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد بها ذلك المعنى العرفى ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال ولهذا زاد من زاد منهم فى حد الحقيقة فى اللغة التى بها التخاطب ثم هم يعلمون ويقولون انه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ فيصير المعنى العرفى أشهر فيه ولا يدل عند الاطلاق الا عليه فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية واللفظ مستعمل فى هذا الاستعمال الحادث للعرفى وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح
وان قالوا نعنى بما وضع له ما استعملت فيه أولا فيقال من أين يعلم أن هذه الألفاظ التى كانت العرب تتخاطب بها عند نزول القرآن وقبله لم تستعمل قبل ذلك فى معنى شىء آخر واذا لم يعلموا هذا النفى فلا يعلم أنها حقيقة وهذا خلاف ما اتفقوا عليه وأيضا فيلزم من هذا أن لا يقطع بشىء من الألفاظ أنه حقيقة وهذا لا يقوله عاقل

(7/97)


ثم هؤلاء الذين يقولون هذا نجد أحدهم يأتى إلى ألفاظ لم يعلم أنها استعملت الا مقيدة فينطق بها مجردة عن جميع القيود ثم يدعى أن ذلك هو حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة ولا وضعت مجردة مثل أن يقول حقيقة العين هو العضو المبصر ثم سميت به عين الشمس والعين النابعة وعين الذهب للمشابهة لكن أكثرهم يقولون ان هذا من باب المشترك لا من باب الحقيقة والمجاز فيمثل بغيره مثل لفظ الرأس يقولون هو حقيقة فى رأس الانسان ثم قالوا رأس الدرب لاوله ورأس العين لمنبعها ورأس القوم لسيدهم ورأس الأمر لاوله ورأس الشهر ورأس الحول وأمثال ذلك على طريق المجاز وهم لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجردا بل يجدون أنه استعمل بالقيود فى رأس الانسان كقوله تعالى وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين ونحوه وهذا القيد يمنع أن تدخل فيه تلك المعانى
فاذا قيل رأس العين ورأس الدرب ورأس الناس ورأس الأمر فهذا المقيد غير ذاك المقيد الدال ومجموع اللفظ الدال هنا غير مجموع اللفظ الدال هناك لكن اشتركا فى بعض اللفظ كاشتراك كل الأسماء المعرفة فى لام التعريف ولو قدر أن الناطق باللغة نطق بلفظ رأس الانسان أولا لأن الانسان يتصور رأسه قبل غيره والتعبير أولا هو عما يتصور أولا فالنطق بهذا المضاف أولا لا يمنع أن ينطق به مضافا الى غيره ثانيا ولا يكون هذا من المجاز كما فى سائر المضافات فاذا قيل ابن آدم أولا لم يكن قولنا ابن

(7/98)


الفرس وابن الحمار مجازا وكذلك اذا قيل بنت الانسان لم يكن قولنا بنت الفرس مجازا وكذلك اذا قيل رأس الانسان أولا لم يكن قولنا رأس الفرس مجازا وكذلك فى سائر المضافات اذا قيل يده أو رجله
فاذا قيل هو حقيقة فيما أضيف الى الحيوان قيل ليس جعل هذا هو الحقيقة بأولى من أن يجعل ما أضيف الى الانسان رأس ثم قد يضاف الى ما لا يتصوره أكثر الناس من الحيوانات الصغار التى لم تخطر ببال عامة الناطقين باللغة فاذا قيل أنه حقيقة فى هذا فلماذا لا يكون حقيقة فى رأس الجبل والطريق والعين وكذلك سائر ما يضاف الى الانسان من أعضائه وأولاده ومساكنه يضاف مثله الى غيره ويضاف ذلك الى الجمادات فيقال رأس الجبل ورأس العين وخطم الجبل أى أنفه وفم الوادى وبطن الوادى وظهر الجبل وبطن الأرض وظهرها ويستعمل مع الألف وهو لفظ الظاهر والباطن فى امور كثيرة والمعنى فى الجميع أن الظاهر لما لما ظهر فتبين والباطن لما بطن فخفى وسمى ظهر الانسان ظهرا لظهوره وبطن الانسان بطنا لبطونه فاذا قيل ان هذا حقيقة وذاك مجاز لم يكن هذا أولى من العكس و أيضا من الأسماء ما تكلم به أهل اللغة مفردا كلفظ الانسان ونحوه ثم قد يستعمل مقيدا بالاضافة كقولهم انسان العين وابرة الذراع ونحو ذلك وبتقدير أن يكون فى اللغة حقيقة ومجاز فقد ادعى بعضهم ان هذا من المجاز وهو غلط فان المجاز هو اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له اولا وهنا لم يستعمل اللفظ بل ركب مع لفظ آخر فصار وضعا آخر بالاضافة

(7/99)


فلو استعمل مضافا فى معنى ثم استعمل بتلك الاضافة فى غيره كان مجازا بل اذا كان بعلبك وحضرموت ونحوهما مما يركب تركيب مزج بعد ان كان الأصل فيه الاضافة لا يقال انه مجاز فما لم ينطق به الا مضافا أولى أن لا يكون مجازا
وأما من فرق بين الحقيقة والمجاز بأن الحقيقة ما يفيد المعنى مجردا عن القرائن والمجاز ما لا يفيد ذلك المعنى الا مع قرينه أو قال الحقيقة ما يفيده اللفظ المطلق و المجاز ما لا يفيد الا مع التقييد أو قال الحقيقة هى المعنى الذى يسبق الى الذهن عند الاطلاق و المجاز ما لا يسبق الى الذهن أو قال المجاز ما صح نفيه و الحقيقة ما لا يصح نفيها فانه يقال ما تعنى بالتجريد عن القرائن والاقتران بالقرائن
ان عنى بذلك القرائن اللفظية مثل كون الاسم يستعمل مقرونا بالاضافة أو لام التعريف ويقيد بكونه فاعلا ومفعولا ومبتدأ وخبرا فلا يوجد قسط فى الكلام المؤلف اسم الا مقيدا وكذلك الفعل ان عنى بتقييده أنه لابد له من فاعل وقد يقيد بالمفعول به وظرفى الزمان والمكان والمفعول له ومعه والحال فالفعل لا يستعمل قط الا مقيدا واما الحرف فأبلغ فان الحرف أتى به لمعنى فى غيره ففى الجملة لا يوجد قط فى كلام تام اسم ولا فعل ولا حرف الا مقيدا بقيود تزيل عنه الاطلاق فان كانت القرينة مما يمنع الاطلاق عن كل

(7/100)


قيد فليس فى الكلام الذى يتكلم به جميع الناس لفظ مطلق عن كل قيد سواء كانت الجملة اسمية أو فعلية ولهذا كان لفظ الكلام و الكلمة فى لغة العرب بل وفى لغة غيرهم لا تستعمل الا فى المقيد وهو الجملة التامة اسمية كانت أو فعلية أو ندائية ان قيل انها قسم ثالث
فأما مجرد الاسم أو الفعل أو الحرف الذى جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فهذا لا يسمى فى كلام العرب قط كلمة وانما تسمية هذا كلمة اصطلاح نحوى كما سموا بعض الألفاظ فعلا وقسموه الى فعل ماض ومضارع وأمر والعرب لم تسم قط اللفظ فعلا بل النحاة اصطلحوا على هذا فسموا اللفظ باسم مدلوله فاللفظ الدال على حدوث فعل فى زمن ماض سموه فعلا ماضيا وكذلك سائرها وكذلك حيث وجد فى الكتاب والسنة بل وفى كلام العرب نظمه ونثره لفظ كلمة فانما يراد به المفيد التى تسميها النحاة جملة تامة كقوله تعالى وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذبا وقوله تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا وقوله تعالى تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم وقوله وجعلها كلمة باقية فى عقبه وقوله وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وقول النبى أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد
ألا كل شىء ما خلا الله باطل

(7/101)


وقوله كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وقوله ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه الى يوم القيامة وان الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله بها سخطه الى يوم القيامة وقوله لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله مداد كلماته
واذا كان كل اسم أو فعل أو حرف يوجد فى الكلام فانه مقيد لا مطلق لم يجز أن يقال للفظ الحقيقة ما دل مع الاطلاق والتجرد عن كل قرينة تقارنه
فان قيل أريد بعض القرائن دون بعض قيل له اذكر الفصل بين القرينة التى يكون معها حقيقة والقرينة التى يكون معها مجاز ولن تجد الى ذلك سبيلا تقدر به على تقسيم صحيح معقول ومما يدل على ذلك أن الناس اختلفوا فى العام اذا خص هل يكون استعماله فيما بقى حقيقة أو مجازا وكذلك لفظ الأمر اذا أريد به الندب هل يكون حقيقة أو مجازا وفى ذلك قولان لأكثر الطوائف لأصحاب أحمد قولان ولأصحاب الشافعى قولان ولأصحاب مالك قولان
ومن الناس من ظن أن هذا الخلاف يطرد فى التخصيص المتصل كالصفة

(7/102)


والشرط والغاية والبدل وجعل يحكى فى ذلك أقوال من يفصل كما يوجد فى كلام طائفة من المصنفين فى أصول الفقه وهذا مما يعرف أن أحدا قاله فجعل اللفظ العام المقيد فى الصفات والغايات والغايات والشروط مجازا بل لما أطلق بعض المصنفين أن اللفظ العام اذا خص يصير مجازا ظن هذا الناقل أنه عنى التخصيص المتصل وأولئك لم يكن فى اصطلاحهم عام مخصوص الا اذا خص بمنفصل وأما المتصل فلا يسمون اللفظ عاما مخصوصا البتة فانه لم يدل الا متصلا والاتصال منعه العموم وهذا اصطلاح كثير من الأصوليين وهو الصواب لا يقال لما قيد بالشرط والصفة ونحوهما أنه داخل فيما خص من العموم ولا فى العام المخصوص لكن يقيد فيقال تخصيص متصل وهذا المقيد لا يدخل فى التخصيص المطلق
وبالجملة فيقال اذا كان هذا مجازا فيكون تقييد الفعل المطلق بالمفعول به وبظرف الزمان والمكان مجازا وكذلك بالحال وكذلك كل ما قيد بقيد فيلزم أن يكون الكلام كله مجازا فأين الحقيقة
فان قيل يفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة فما كان مع القرينة المتصلة فهو حقيقة وما كان مع المنفصلة كان مجازا قيل تعنى بالمتصل ما كان فى اللفظ أو ما كان موجودا حين الخطاب فان عنيت الأول لزم أن يكون ما علم من حال المتكلم أو المستمع أولا قرينة منفصلة فما استعمل بلام التعريف لما يعرفانه كما يقول قال النبى وهو عند المسلمين رسول الله أو قال الصديق وهو عندهم أبو بكر واذا قال الرجل لصاحبه اذهب الى

(7/103)


الأمير أو القاضى أو الوالى يريد ما يعرفانه أنه يكون مجازا وكذلك الضمير يعود الى معلوم غير مذكور كقوله انا أنزلناه وقوله حتى توارت بالحجاب وأمثال ذلك أن يكون هذا مجازا وهذا لا يقوله أحد
و أيضا فاذا قال لشجاع هذا الأسد فعل اليوم كذا ولبليد هذا الحمار قال اليوم كذا أو لعالم أو جواد هذا البحر جرى منه اليوم كذا ان يكون حقيقة لأن قوله هذا قرينة لفظية فلا يبقى قط مجازا
وان قال المتصل أعم من ذلك وهو ما كان موجودا حين الخطاب قيل له فهذا أشد عليك من الأول فان كل متكلم بالمجاز لابد أن يقترن به حال الخطاب ما يبين مراده والا لم يجز التكلم به
فان قيل أنا أجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب الى وقت الحاجة قيل أكثر الناس لا يجوزون أن يتكلم بلفظ يدل على معنى وهو لا يريد ذلك المعنى الا اذا بين وانما يجوزون تأخير بيان ما لم يدل اللفظ عليه كالمجملات ثم نقول اذا جوزت تأخير البيان فالبيان قد يحصل بجملة تامة وبأفعال من الرسول وبغير ذلك ولا يكون البيان المتأخر الا مستقلا بنفسه لا يكون مما يجب اقترانه بغيره فان جعلت هذا مجازا لزم أن يكون ما يحتاج فى العمل الى بيان مجازا كقوله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها
ثم يقال هب ان هذا جائز عقلا لكن ليس واقعا فى الشريعة أصلا وجميع ما يذكر من ذلك باطل كما قد بسط فى موضعه فان الذين قالوا

(7/104)


الظاهر الذى لم يرد به ما يدل عليه ظاهره قد يؤخر بيانه احتجوا بقوله ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وادعوا أنها كانت معينة واخر بيان التعيين وهذا خلاف ما استفاض عن السلف من الصحابة والتابعين لهم باحسان من أنهم أمروا ببقرة مطلقة فلو أخذوا بقرة من البقر فذبحوها أجزأ عنهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم والآية نكرة فى سياق الاثبات فهى مطلقة والقرآن يدل سياقه على أن الله ذمهم على السؤال بما هى ولو كان المأمور به معينا لما كانوا ملومين ثم ان مثل هذا لم يقع قط فى أمر الله ورسوله أن يأمر عباده بشىء معين ويبهمه عليهم مرة بعد مرة ولا يذكره بصفات تختص به ابتداء
واحتجوا بأن الله أخر بيان لفظ الصلاة والزكاة والحج وان هذه الالفاظ لها معان فى اللغة بخلاف الشرع وهذا غلط فان الله انما أمرهم بالصلاة بعد أن عرفوا المأمور به وكذلك الصيام وكذلك الحج ولم يؤخر الله قط بيان شىء من هذه المأمورات ولبسط هذه المسألة موضع آخر
وأما قول من يقول ان الحقيقة ما يسبق الى الذهن عند الاطلاق فمن أفسد الأقوال فانه يقال اذا كان اللفظ لم ينطق به الا مقيدا فانه يسبق الى الذهن فى كل موضع منه ما دل عليه ذلك الموضع واما اذا اطلق فهو لا يستعمل فى الكلام مطلقا قط فلم يبق له حال اطلاق محض حتى يقال ان الذهن يسبق اليه أم لا
و أيضا فأى ذهن فان العربى الذى يفهم كلام العرب يسبق الى

(7/105)


ذهنه من اللفظ ما لا يسبق الى ذهن النبطى الذى صار يستعمل الألفاظ فى غير معانيها ومن هنا غلط كثير من الناس فانهم قد تعودوا ما اعتادوه اما من خطاب عامتهم واما من خطاب علمائهم باستعمال اللفظ فى معنى فاذا سمعوه فى القرآن والحديث ظنوا أنه مستعمل فى ذلك المعنى فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطية وعادتهم الحادثة وهذا مما دخل به الغلط على طوائف بل الواجب أن تعرف اللغة والعادة والعرف الذى نزل فى القرآن والسنة وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله لا بما حدث بعد ذلك
وأيضا فقد بينا فى غير هذا الموضع أن الله ورسوله لم يدع شيئا من القرآن والحديث الا بين معناه للمخاطبين ولم يحوجهم الى شىء آخر كما قد بسطنا القول فيه فى غير هذا الموضع فقد تبين أن ما يدعيه هؤلاء من اللفظ المطلق من جميع القيود لا يوجد الا مقدرا فى الأذهان لا موجودا فى الكلام المستعمل كما أن ما يدعيه المنطقيون من المعنى المطلق من جميع القيود لا يوجد الا مقدرا فى الذهن لا يوجد فى الخارج شىء موجود خارج عن كل قيد ولهذا كان ما يدعونه من تقسيم العلم الى تصور وتصديق وان التصور هو تصور المعنى الساذج الخالى عن كل قيد لا يوجد وكذلك ما يدعونه من البسائط التى تتركب منها الأنواع وأنها أمور مطلقة عن كل قيد لا توجد وما يدعونه من أن واجب الوجود هو وجود مطلق عن كل أمر ثبوتى لا يوجد

(7/106)


فهذه الصفات المطلقات عن جميع القيود ينبغى معرفتها لمن ينظر فى هذه العلوم فانه بسبب ظن وجودها ضل طوائف فى العقليات والسمعيات بل اذا قال العلماء مطلق ومقيد انما يعنون به مطلقا عن ذلك القيد ومقيد بذلك القيد كما يقولون الرقبة مطلقة فى آية كفارة اليمين ومقيدة فى آية القتل أى مطلقة عن قيد الايمان والا فقد قيل فتحرير رقبة فقيدت بأنها رقبة واحدة وأنها موجودة وأنها تقبل التحرير والذين يقولون بالمطلق المحض يقولون هو الذى لا يتصف بوحدة ولا كثرة ولا وجود ولا عدم ولا غير ذلك بل هو الحقيقة من حيث هى هى كما يذكره الرازى تلقيا له عن ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة وقد بسطنا الكلام فى هذا الاطلاق والتقيد والكليات والجزئيات فى مواضع غير هذا وبينا من غلط هؤلاء فى ذلك ما ليس هذا موضعه
وانما المقصود هنا الاطلاق اللفظى وهو أن يتكلم باللفظ مطلقا عن كل قيد وهذا لا وجود له وحينئذ فلا يتكلم أحد الا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ببعض فتكون تلك قيود ممتنعة الاطلاق فتبين أنه ليس لمن فرق بين الحقيقة والمجاز فرق معقول يمكن به التمييز بين نوعين فعلم أن هذا التقسيم باطل وحينئذ فكل لفظ موجود فى كتاب الله ورسوله فانه مقيد بما يبين معناه فليس فى شىء من ذلك مجاز بل كله حقيقة
ولهذا لما ادعى كثير من المتأخرين أن فى القرآن مجازا وذكروا ما يشهد

(7/107)


لهم رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه فمن اشهر ما ذكروه قوله تعالى جدارا يريد أن ينقض قالوا والجدار ليس بحيوان والارادة انما تكون للحيوان فاستعمالها فى ميل الجدار مجاز فقيل لهم لفظ الارادة قد استعمل فى الميل الذى يكون معه شعور وهو ميل الحى وفى الميل الذى لا شعور فيه وهو ميل الجماد وهو من مشهور اللغة يقال هذا السقف يريد أن يقع وهذه الأرض تريد أن تحرث وهذا الزرع يريد أن يسقى وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا الثوب يريد أن يغسل وأمثال ذلك
واللفظ اذا استعمل فى معنيين فصاعدا فاما أن يجعل حقيقة فى أحدهما مجازا فى الآخر أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا أو حقيقة فى القدر المشترك بينهما وهى الأسماء المتواطئة وهى الأسماء العامة كلها وعلى الأول يلزم المجاز وعلى الثانى يلزم الاشتراك وكلاهما خلاف الأصل فوجب أن يجعل من المتواطئة وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها والا فلو قال قائل هو فى ميل الجماد حقيقة وفى ميل الحيوان مجاز لم يكن بين الدعويين فرق الا كثرة الاستعمال فى ميل الحيوان لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الحيوان وهنا استعمل مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الجماد
والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلى عام لا يوجد كليا عاما الا فى الذهن وهو مورد التقسيم بين الأنواع لكن ذلك المعنى العام

(7/108)


الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون الى التعبير عنه لأنهم انما يحتاجون الى ما يوجد فى الخارج والى ما يوجد فى القلوب فى العادة وما لا يكون فى الخارج الا مضافا الى غيره لا يوجد فى الذهن مجردا بخلاف لفظ الانسان والفرس فانه لما كان يوجد فى الخارج غير مضاف تعودت الأذهان تصور مسمى الانسان ومسمى الفرس بخلاف تصور مسمى الارادة ومسمى العلم ومسمى القدرة ومسمى الوجود المطلق العام فان هذا لا يوجد له فى اللغة لفظ مطلق يدل عليه بل لا يوجد لفظ الارادة الا مقيدا بالمريد ولا لفظ العلم الا مقيدا بالعالم ولا لفظ القدرة الا مقيدا بالقادر بل وهكذا سائر الأعراض لما لم توجد الا فى محالها مقيدة بها لم يكن لها فى اللغة لفظ الا كذلك
فلا يوجد فى اللغة لفظ السواد والبياض والطول والقصر الا مقيدا بالأسود والأبيض والطويل والقصير ونحو ذلك لا مجردا عن كل قيد وانما يوجد مجردا فى كلام المصنفين فى اللغة لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من القدر المشترك ومنه قوله تعالى فأذاقها الله لباس الجوع والخوف فان من الناس من يقول الذوق حقيقة فى الذوق بالفم واللباس بما يلبس على البدن وانما استعير هذا وهذا وليس كذلك بل قال الخليل الذوق فى لغة العرب هو وجود طعم الشىء والاستعمال يدل على ذلك قال تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر وقال ذق انك أنت العزيز الكريم وقال فذاقت وبال أمرها وقال فذوقوا

(7/109)


العذاب بما كنتم تكفرون فذوقوا عذابى ونذر لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الأولى لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا الا حميما وغساقا وقال النبى ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا وفى بعض الادعية أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك فلفظ الذوق يستعمل فى كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته فدعوى المدعى اختصاص لفظ الذوق بما يكون بالفم تحكم منه لكن ذاك مقيد فيقال ذقت الطعام وذقت هذا الشراب فيكون معه من القيود ما يدل على أنه ذوق بالفم واذا كان الذوق مستعملا فيما يحسه الانسان بباطنه أو بظاهره حتى الماء الحميم يقال ذاقه فالشراب اذا كان باردا أو حارا يقال ذقت حره وبرده
وأما لفظ اللباس فهو مستعمل فى كل ما يغشى الانسان ويلتبس به قال تعالى وجعلنا الليل لباسا وقال ولباس التقوى ذلك خير وقال هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ومنه يقال لبس الحق بالباطل اذا خلطه به حتى غشيه فلم يتميز فالجوع الذى يشمل ألمه جميع الجائع نفسه وبدنه وكذلك الخوف الذى يلبس البدن فلو قيل فأذاقها الله الجوع والخوف لم يدل ذلك على أنه شامل لجميع أجزاء الجائع بخلاف ما اذا قيل لباس الجوع والخوف ولو قال فألبسهم لم يكن فيه ما يدل على أنهم ذاقوا ما يؤلمهم الا بالعقل من حيث أنه يعرف أن الجائع الخائف يألم بخلاف لفظ ذوق الجوع والخوف فان هذا اللفظ يدل على الاحساس بالمؤلم واذا أضيف الى الملذ دل

(7/110)


على الاحساس به كقوله صلى الله عليه و سلم ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا فان قيل فلم لم يصف نعيم الجنة بالذوق قيل لأن الذوق يدل على جنس الاحساس ويقال ذاق الطعام لمن وجد طعمه وان لم يأكله وأهل الجنة نعيمهم كامل تام لا يقتصر فيه على الذوق بل استعمل لفظ الذوق فى النفى كما قال عن أهل النار لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا أى لا يحصل لهم من ذلك ولا ذوق وقال عن أهل الجنة لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الأولى
وكذلك ما ادعوا أنه مجاز فى القرآن كلفظ المكر و الاستهزاء و السخرية المضاف الى الله وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء اذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له وأما اذا فعلت بمن فعلها بالمجنى عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلا كما قال تعالى كذلك كدنا ليوسف فكاد له كما كادت اخوته لما قال له أبوه لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا وقال تعالى انهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا وقال تعالى ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم وقال تعالى الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات والذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم كما

(7/111)


روى عن ابن عباس أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم فى النار فيسرعون اليه فيغلق ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون اليه فيغلق فيضحك منهم المؤمنون قال تعالى فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
وعن الحسن البصرى اذا كان يوم القيامة خمدت النار لهم كما تخمد الاهالة من القدر فيمشون فيخسف بهم وعن مقاتل اذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فيبقون فى الظلمة فيقال لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقال بعضهم استهزاؤه استدراجه لهم وقيل ايقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم وقيل انه يظهر لهم فى الدنيا خلاف ما أبطن فى الآخرة وقيل هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه وهذا كله حق وهو استهزاء بهم حقيقة
ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز فى القرآن واسأل القرية قالوا المراد به أهلها فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه فقيل لهم لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التى فيها الحال والمحال كلاهما داخل فى الاسم ثم قد يعود الحكم على الحال وهو السكان وتارة على المحل وهو المكان وكذلك فى النهر يقال حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء وكذلك القرية قال تعالى ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة وقوله وكم من قرية

(7/112)


أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما كان دعواهم اذ جاءهم بأسنا الا ان قالوا انا كنا ظالمين وقال فى آية أخرى أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون فجعل القرى هم السكان وقال وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم وهم السكان وكذلك قوله تعالى وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا وقال تعالى أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها فهذا المكان لا السكان لكن لابد أن يلحظ أنه كان مسكونا فلا يسمى قرية الا اذا كان قد عمر للسكنى مأخوذ من القرى وهو الجمع ومنه قولهم قريت الماء فى الحوض اذا جمعته فيه
ونظير ذلك لفظ الانسان يتناول الجسد والروح ثم الاحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمهما فكذلك القرية اذا عذب أهلها خربت واذا خربت كان عذابا لأهلها فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال البدن والروح ما يصيب أحدهما فقوله واسأل القرية مثل قوله قرية كانت آمنة مطمئنة فاللفظ هنا يراد به السكان من غير اضمار ولا حذف فهذا بتقدير أن يكون فى اللغة مجاز فلا مجاز فى القرآن بل وتقسيم اللغة الى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف والخلف فيه على قولين وليس النزاع فيه لفظيا بل يقال نفس هذا التقسيم باطل لا يتميز هذا عن هذا ولهذا كان كل ما يذكرونه من الفروق تبين أنها فروق باطلة وكلما ذكر بعضهم فرقا أبطله الثانى كما يدعى المنطقيون أن الصفات القائمة بالموصوفات

(7/113)


تنقسم اللازمة لها الى داخل فى ماهيتها الثابتة فى الخارج والى خارج عنها لازم للماهية ولازم خارج للوجود وذكروا ثلاثة فروق كلها باطلة لأن هذا التقسيم باطل لا حقيقة له بل ما يجعلونه داخلا يمكن جعله خارجا وبالعكس كما قد بسط فى موضعه
وقولهم اللفظ ان دل بلا قرينة فهو حقيقة وان لم يدل الا معها فهو مجاز قد تبين بطلانه وأنه ليس فى الالفاظ الدالة ما يدل مجردا عن جميع القرائن ولا فيها ما يحتاج الى جميع القرائن وأشهر أمثلة المجاز لفظ الأسد و الحمار و البحر ونحو ذلك مما يقولون أنه استعير للشجاع والبليد والجواد وهذه لا تستعمل الا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية كما تستعمل الحقيقة كقول أبى بكر الصديق عن أبى قتادة لما طلب غيره سلب القتيل لاها الله اذا يعمد الى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله وصف له بالقوة للجهاد فى سبيله وقد عينه تعيينا أزال اللبس وكذلك قول النبى ان خالدا سيف من سيوف الله سله الله على المشركين وأمثال ذلك
وان قال القائل القرائن اللفظية موضوعة ودلالتها على المعنى حقيقة لكن القرائن الحالية مجاز قيل اللفظ لا يستعمل قط الا مقيدا بقيود لفظية موضوعة والحال حال المتكلم والمستمع لابد من اعتباره فى جميع الكلام

(7/114)


فانه اذا عرف المتكلم فهم من معنى كلامه ما لا يفهم اذا لم يعرف لأنه بذلك يعرف عادته فى خطابه واللفظ انما يدل اذا عرف لغة المتكلم التى بها يتكلم وهى عادته وعرفه التى يعتادها فى خطابه ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية ارادية اختيارية فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى فاذا اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده بها عرف عادته فى خطابه وتبين له من مراده ما لا يتبين لغيره
ولهذا ينبغى أن يقصد اذا ذكر لفظ من القرآن والحديث ان يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها الله ورسوله فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التى يخاطب بها عباده وهى العادة المعروفة من كلامه ثم اذا كان لذلك نظائر فى كلام غيره وكانت النظائر كثيرة عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة لا يختص بها هو بل هى لغة قومه ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده فى الخطاب لم تكن معروفة فى خطابه وخطاب أصحابه كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك فى زمانه ولهذا كان استعمال القياس فى اللغة وان جاز فى الاستعمال فانه لا يجوز فى الاستدلال فانه قد يجوز بلانسان أن يستعمل هو اللفظ فى نظير المعنى الذى استعملوه فيه مع بيان ذلك على ما فيه من النزاع لكن لا يجوز أن يعمد الى ألفاظ قد عرف استعمالها فى معان فيحملها على غير تلك المعانى ويقول انهم أرادوا تلك بالقياس على تلك بل هذا تبديل وتحريف

(7/115)


فاذا قال الجار أحق بسقبه فالجار هو الجار ليس هو الشريك فان هذا لا يعرف فى لغتهم لكن ليس فى اللفظ ما يقتضى انه يستحق الشفعة لكن يدل على ان البيع له اولى
واما الخمر فقد ثبت بالنصوص الكثيرة والنقول الصحيحة انها كانت اسما لكل مسكر لم يسم النبيذ خمرا بالقياس وكذلك النباش كانوا يسمونه سارقا كما قالت عائشة سارق موتانا كسارق احيانا واللائط عندهم كان أغلظ من الزانى بالمرأة
ولابد فى تفسير القران والحديث من ان يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الالفاظ وكيف يفهم كلامة فمعرفة العربية التى خوطبنا بها مما يعين على ان نفقة مراد الله ورسوله بكلامه وكذلك معرفة دلالة الالفاظ على المعانى فان عامة ضلال اهل البدع كان بهذا السبب فانهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون انه دال عليه ولا يكون الامر كذلك ويجعلون هذة الدلالة حقيقة وهذه مجازا كما أخطأ المرجئة فى اسم الايمان الايمان جعلوا لفظ الايمان حقيقة فى مجرد التصديق وتناولة للاعمال مجازا
فيقال ان لم يصح التقسيم الى حقيقة ومجازا فلا حاجة الى هذا وان صح فهذا لا ينفعكم بل هو عليكم لا لكم لان الحقيقة هى اللفظ الذى يدل باطلاقه بلا قرينة والمجاز انما يدل بقرينة وقد تبين ان لفظ الايمان حيث اطلق فى الكتاب والسنة دخلت فية الاعمال وانما يدعى خروجها منه

(7/116)


عند التقييد وهذا يدل على أن الحقيقة قوله الايمان بضع وسبعون شعبة
وأما حديث جبريل فان كان أراد بالايمان ما ذكر مع الاسلام فهو كذلك وهذا هو المعنى الذى أراد النبى قطعا كما أنه لما ذكر الاحسان أراد الاحسان مع الايمان والاسلام لم يرد أن الاحسان مجرد عن ايمان واسلام
ولو قدر أنه أريد بلفظ الايمان مجرد التصديق فلم يقع ذلك الا مع قرينة فيلزم أن يكون مجازا وهذا معلوم بالضرورة لا يمكننا المنازعة فيه بعد تدبر القرآن والحديث بخلاف كون لفظ الايمان فى اللغة مرادفا للتصديق ودعوى أن الشارع لم يغيره ولم ينقله بل أراد به ما كان يريده اهل اللغة بلا تخصيص ولا تقييد فان هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم بواحدة منهما فلا يعارض اليقين كيف وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين وانها من أفسد الكلام
و أيضا فليس لفظ الايمان فى دلالته على الأعمال المأمور بها بدون لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج فى دلالته على الصلاة الشرعية والصيام الشرعى والحج الشرعى سواء قيل ان الشارع نقله أو أراد الحكم دون الاسم أو أراد الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف أو خاطب بالاسم مقيدا لا مطلقا
فان قيل الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت بخلاف الايمان

(7/117)


فانه لا يبطل عند الصحابة وأهل السنة والجماعة بمجرد الذنب قيل أن اريد بالبطلان أنه لا تبرأ الذمة منها كلها فكذلك الايمان الواجب اذا ترك منه شيئا لم تبرأ الذمه منه كله وان أريد به وجوب الاعادة فهذا ليس على الاطلاق فان فى الحج واجبات اذا تركها لم يعد بل تجبر بدم وكذلك فى الصلاة عند أكثر العلماء اذا تركها سهوا أو مطلقا وجبت الاعادة فانما تجب اذا أمكنت الاعادة والا فما تعذرت اعادته يبقى مطالبا به كالجمعة ونحوها
وان أريد بذلك أنه لا يثاب على ما فعله فليس كذلك بل قد بين النبى فى حديث المسىء فى صلاته أنه اذا لم يتمها يثاب على ما فعل ولا يكون بمنزلة من لم يصل وفى عدة أحاديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة من النوافل فاذا كانت الفرائض مجبورة بثواب النوافل دل على أنه يعتدله بما فعل منها فكذلك الايمان اذا ترك منه شيئا كان عليه فعله ان كان محرما تاب منه وان كان واجبا فعله فاذا لم يفعله لم تبرأ ذمته منه وأثيب على ما فعله كسائر العبادات وقد دلت النصوص على أنه يخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من الايمان
وقد عدلت المرجئة فى هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم باحسان واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة وهذه طريقة أهل البدع ولهذا كان الامام أحمد يقول أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل والقياس

(7/118)


ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبى والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فلا يعتمدون لا على السنة ولا على اجماع السلف وآثارهم وانما يعتمدون على العقل واللغة وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف وانما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التى وضعتها رؤوسهم وهذه طريقة الملاحدة أيضا انما يأخذون ما فى كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة وأما كتب القرآن والحديث والآثار فلا يلتقون اليها هؤلاء يعرضون عن نصوص الانبياء اذ هى عندهم لا تفيد العلم وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبى وأصحابه وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره فى انكار هذا وجعله طريقة أهل البدع
واذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل والقاضى أبو بكر الباقلانى نصر قول جهم فى مسألة الايمان متابعة لأبى الحسن الأشعرى وكذلك أكثر أصحابه فأما أبو العباس القلانسى وأبو على الثقفى وأبو عبدالله بن مجاهد شيخ القاضى أبى بكر وصاحب أبى الحسن فانهم نصروا مذهب السلف وابن كلاب نفسه والحسين بن الفضل البجلى ونحوهما كانوا يقولون هو التصديق والقول جميعا موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبى سليمان ومن اتبعه مثل أبى حنيفة وغيره

(7/119)


فصل وأبو الحسن الأشعرى نصر قول جهم فى الايمان مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يستثنى فى الايمان فيقول أنا مؤمن ان شاء الله لأنه نصر مذهب أهل السنة فى أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة ولا يخلدون فى النار وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك وهو دائما ينصر فى المسائل التى فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قول أهل الحديث لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم فينصره على ما يراه هو من الأصول التى تلقاها عن غيرهم فيقع فى ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء كما فعل فى مسألة الايمان ونصر فيها قول جهم من نصره للاستثناء ولهذا خالفه كثير من أصحابه فى الاستثناء كما سنذكر مأخذه فى ذلك واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم فى ذلك ومن لم يقف الا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة فى هذا الباب فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم فى الايمان الذى نصره أبو الحسن وهو عندهم شر من قول المرجئة ولهذا صار من يعظم الشافعى من الزيدية والمعتزلة ونحوهم يطعن فى كثير ممن ينتسب اليه

(7/120)


يقولون الشافعى لم يكن فيلسوفا ولا مرجئا وهؤلاء فلاسفة أشعرية مرجئة وغرضهم ذم الارجاء ونحن نذكر عمدتهم لكونه مشهورا عند كثير من المتأخرين المنتسبين الى السنة
قال القاضى أبو بكر فى التمهيد فان قالوا فخبرونا ما الايمان عندكم قيل الايمان هو التصديق بالله وهو العلم والصديق يوجد بالقلب فان قال فما الدليل على ما قلتم قيل اجماع أهل اللغة قاطبة على أن الايمان قبل نزول القرآن وبعثة النبى هو التصديق لا يعرفون فى اللغة ايمانا غير ذلك ويدل على ذلك قوله تعالى وما أنت بمؤمن لنا أى بمصدق لنا ومنه قولهم فلان يؤمن بالشفاعة وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أى لا يصدق بذلك فوجب أن الايمان فى الشريعة هو الايمان المعروف فى اللغة لأن الله ما غير اللسان العربى ولا قلبه ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله وتوفرت دواعى الأمة على نقله ولغلب اظهاره على كتمانه وفى علمنا بأنه لم يفعل ذلك بل اقرار أسماء الاشياء والتخاطب بأسره على ما كان دليل على أن الايمان فى الشريعة هو الايمان اللغوى ومما يبين ذلك قوله تعالى وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه وقوله انا جعلناه قرآنا عربيا فأخبر أنه أنزل القرآن بلغة العرب وسمى الأسماء بمسمياتهم ولا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة لا سيما مع القول بالعموم وحصول التوقيف على أن القرآن نزل بلغتهم فدل على ما قلناه من أن الايمان ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات هذا لفظه

(7/121)


وهذا عمدة من نصر قول الجهمية فى مسألة الايمان وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة
أحدهما قول من ينازعه فى أن الايمان فى اللغة مرادف للتصديق ويقول هو بمعنى الاقرار وغيره
و الثانى قول من يقول وان كان فى اللغة هو التصديق فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح كما قال النبى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه
و الثالث أن يقال ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها وليس هذا نقلا للفظ ولا تغييرا له فان الله لم يأمرنا بايمان مطلق بل بايمان خاص وصفه وبينه
و الرابع أن يقال وان كان هو التصديق فالتصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح فان هذه لوازم الايمان التام وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم ونقول ان هذه اللوازم تدخل فى مسمى اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى
الخامس قول من يقول أن اللفظ باق على معناه فى اللغة ولكن الشارع زاد فيه أحكاما
السادس قول من يقول ان الشارع استعمله فى معناه المجازى فهو حقيقة شرعية مجاز لغوى

(7/122)


السابع قول من يقول انه منقول
فهذه سبعة أقوال الأول قول من ينازع فى أن معناه فى اللغة التصديق ويقول ليس هو التصديق بل بمعنى الاقرار وغيره قوله اجماع أهل اللغة قاطبة على أن الايمان قبل نزول القرآن هو التصديق فيقال له من نقل هذا الاجماع ومن أين يعلم هذا الاجماع وفى أى كتاب ذكر هذا الاجماع
الثانى أن يقال أتعنى بأهل اللغة نقلتها كأبى عمرو والاصمعى والخليل ونحوهم أو المتكلمين بها فان عنيت الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام باسناد وانما ينقلون ما سمعوه من العرب فى زمانهم وما سمعوه فى دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالاسناد ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الايمان فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه وان عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك
الثالث أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا الايمان فى اللغة هو التصديق بل ولا عن بعضهم وان قدر أنه قاله واحد أو اثنان فليس هذا اجماعا
الرابع أن يقال هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا معنى هذا اللفظ كذا وكذا وانما ينقلون الكلام المسموع من العرب وأنه يفهم منه كذا وكذا وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلاما عن العرب يفهم منه أن الايمان هو

(7/123)


التصديق لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبى واذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى
الخامس أنه لو قدر أنهم قالوا هذا فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر و التواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن أنهم كانوا لا يعرفون للايمان معنى غير التصديق
فان قيل هذا يقدح فى العلم باللغة قبل نزول القرآن قيل فليكن ونحن لا حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن والقرآن نزل بلغة قريش والذين خوطبوا به كانوا عربا وقد فهموا ما أريد به وهم الصحابة ثم الصحابة بلغوا لفظ القرآن ومعناه الى التابعين حتى انتهى الينا فلم يبق بنا حاجة الى أن تتواتر عندنا تلك اللغة من غير طريق تواتر القرآن لكن لما تواتر القرآن لفظا ومعنى وعرفنا أنه نزل بلغتهم عرفنا أنه كان فى لغتهم لفظ السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر ونحو ذلك على ما هو معناها فى القرآن والا فلو كلفنا نقلا متواترا لآحاد هذه الألفاظ من غير القرآن لتعذر علينا ذلك فى جميع الألفاظ لا سيما اذا كان المطلوب أن جميع العرب كانت تريد باللفظ هذا المعنى فان هذا يتعذر العلم به والعلم بمعانى القرآن ليس موقوفا على شىء من ذلك بل الصحابة بلغوا معانى

(7/124)


القرآن كما بلغوا لفظه ولو قدرنا أن قوما سمعوا كلاما أعجميا وترجموه لنا بلغتهم لم نحتج الى معرفة اللغة التى خوطبوا بها أولا
السادس أنه لم يذكر شاهدا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم وانما استدل من غير القرآن بقول الناس فلان يؤمن بالشفاعة وفلان يؤمن بالجنة والنار وفلان يؤمن بعذاب القبر وفلان لا يؤمن بذلك ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة لما صار من الناس أهل البدع يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر ومرادهم بذلك هو مرادهم بقوله فلان يؤمن بالجنة والنار وفلان لا يؤمن بذلك والقائل لذلك وان كان تصديق القلب داخلا فى مراده فليس مراده ذلك وحده بل مراده التصديق بالقلب واللسان فان مجرد تصديق القلب بدون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه
السابع أن يقال من قال ذلك فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون خوف ولا رجاء بل يصدق بعذاب القبر ويخافه ويصدق بالشفاعة ويرجوها والا فلو صدق بأنه يعذب فى قبره ولم يكن فى قلبه خوف من ذلك أصلا لم يسموه مؤمنا به كما أنهم لا يسمون مؤمنا بالجنة والنار الا من رجا الجنة وخاف النار دون المعرض عن ذلك بالكلية مع علمه بأنه حق كما لا يسمون ابليس مؤمنا بالله وان كان مصدقا بوجوده وربوبيته ولا يسمون فرعون مؤمنا وان كان عالما بأن الله بعث موسى وأنه هو الذى أنزل

(7/125)


الآيات وقد استيقنت بها أنفسهم مع جحدهم لها بألسنتهم ولا يسمون اليهود مؤمنين بالقرآن والرسول وان كانوا يعرفون أنه حق كما يعرفون أبناءهم فلا يوجد قط فى كلام العرب أن من علم وجود شىء مما يخاف ويرجى ويجب حبه وتعظيمه وهو مع ذلك لا يحبه ولا يعظمه ولا يخافه ولا يرجوه بل يجحد به ويكذب به بلسانه أنهم يقولون هو مؤمن بل ولو عرفه بقلبه وكذب به بلسانه لم يقولوا هو مصدق به ولو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه لم يقولوا هو مؤمن به فلا يوجد فى كلام العرب شاهد واحد يدل على ما ادعوه
وقوله وما أنت بمؤمن لنا قد تكلمنا عليها فى غير هذا الموضع فان هذا استدلال بالقرآن وليس فى الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن فان صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر كما بسطناه فى موضعه
الوجه الثامن قوله لا يعرفون فى اللغة ايمانا غير ذلك من أين له هذا النفى الذى لا تمكن الاحاطة به بل هو قول بلا علم
التاسع قول من يقول أصل الايمان مأخوذ من الأمن كما ستأتى أقوالهم ان شاء الله وقد نقلوا فى اللغة الايمان بغير هذا المعنى كما قاله الشيخ أبو البيان فى قول

(7/126)


الوجه العاشر أنه لو فرض أن الايمان فى اللغة التصديق فمعلوم أن الايمان ليس هو التصديق بكل شىء بل بشىء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول وحينئذ فيكون الايمان فى كلام الشارع أخص من الايمان فى اللغة ومعلوم أن الخاص ينضم اليه قيود لا توجد فى جميع العام كالحيوان اذا أخذ بعض أنواعه وهو الانسان كان فيه المعنى العام ومعنى اختص به وذلك المجموع ليس هو المعنى العام فالتصديق الذى هو الايمان أدنى أحواله أن يكون نوعا من التصديق العام فلا يكون مطابقا له فى العموم والخصوص من غير تغيير اللسان ولا قلبه بل يكون الايمان فى كلام الشارع مؤلفا من العام والخاص كالانسان الموصوف بأنه حيوان وأنه ناطق الوجه الحادى عشر أن القرآن ليس فيه ذكر ايمان مطلق غير مفسر بل لفظ الايمان فيه اما مقيد واما مطلق مفسر فالمقيد كقوله يؤمنون بالغيب وقوله فما آمن لموسى الا ذرية من قومه و المطلق المفسر كقوله تعالى انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية وقوله انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم الصادقون ونحو ذلك وقوله فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وأمثال هذه الآيات وكل ايمان مطلق فى القرآن فقد يبين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنا الا بالعمل مع التصديق فقد بين فى

(7/127)


القرآن أن الايمان لابد فيه من عمل مع التصديق كما ذكر مثل ذلك فى اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج
فان قيل تلك الأسماء باقية ولكن ضم الى المسمى أعمالا فى الحكم لا فى الاسم كما يقوله القاضى أبو يعلى وغيره قيل ان كان هذا صحيحا قيل مثله فى الايمان وقد أورد هذا السؤال لبعضهم ثم لم يجب عنه بجواب صحيح بل زعم أن القرآن لم يذكر فيه ذلك وليس كذلك بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الايمان الا بالعمل مع التصديق وهذا فى القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة والزكاة فان تلك انما فسرتها السنة والايمان بين معناه الكتاب والسنة واجماع السلف
الثانى عشر أنه اذا قيل أن الشارع خاطب الناس بلغة العرب فانما خاطبهم بلغتهم المعروفة وقد جرى عرفهم أن الاسم يكون مطلقا وعاما ثم يدخل فيه قيد أخص من معناه كما يقولون ذهب الى القاضى والوالى والأمير يريدون شخصا معينا يعرفونه دلت عليه اللام مع معرفتهم به وهذا الاسم فى اللغة اسم جنس لا يدل على خصوص شخص وأمثال ذلك فكذلك الايمان والصلاة والزكاة انما خاطبهم بهذه الأسماء بلام التعريف وقد عرفهم قبل ذلك أن المراد الايمان الذى صفته كذا وكذا والدعاء الذى صفته كذا وكذا فبتقدير أن يكون فى لغتهم التصديق فانه قد يبين أنى لا أكتفى بتصديق القلب واللسان فضلا عن تصديق القلب وحده بل لابد أن يعمل بموجب ذلك التصديق كما فى قوله تعالى انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم

(7/128)


لم يرتابوا انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم وفى قوله لا تؤمنون حتى تكونوا كذا وفى قوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله وفى قوله ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل اليه ما اتخذوهم أولياء ومثل هذا كثير فى الكتاب والسنة كقوله عليه السلام لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن وقوله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه وأمثال ذلك
فقد بين لهم أن التصديق الذى لا يكون الرجل مؤمنا الا به هو أن يكون تصديقا على هذا الوجه وهذا بين فى القرآن والسنة من غير تغيير للغة ولا نقل لها
الثالث عشر أن يقال بل نقل وغير قوله لو فعل لتواتر قيل نعم وقد تواتر أنه اراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج معانيها المعروفة وأراد بالايمان ما بينه بكتابه وسنة رسوله من أن العبد لا يكون مؤمنا الا به كقوله انما المؤمنون وهذا متواتر فى القرآن والسنن ومتواتر أيضا أنه لم يكن يحكم لأحد بحكم الايمان الا أن يؤدى الفرائض ومتواتر عنه أنه أخبر أنه من مات مؤمنا دخل الجنة ولم يعذب وان الفساق لا يستحقون ذلك بل هم معرضون للعذاب فقد تواتر عنه من معانى اسم الايمان وأحكامه ما لم يتواتر عنه فى غيره فأى تواتر أبلغ من هذا وقد توفرت الدواعى على نقل ذلك واظهاره ولله الحمد ولا يقدر أحد أن ينقل عن النبى صلى الله عليه و سلم نقلا يناقض هذا لكن أخبر أنه يخرج منها من كان معه شىء من الايمان ولم يقل

(7/129)


أن المؤمن يدخلها ولا قال ان الفساق مؤمنون لكن أدخلهم فى مسمى الايمان فى مواضع كما أدخل المنافقين فى اسم الايمان فى مواضع مع القيود واما الاسم المطلق الذى وعد أهله بالجنة فلم يدخل فيه لا هؤلاء ولا هؤلاء
الوجه الرابع عشر قوله ولا وجه للعدول بالآيات التى تدل على أنه عربى عن ظاهرها فيقال له الآيات التى فسرت المؤمن وسلبت الايمان عمن لم يعمل أصرح وأبين وأكثر من هذه الآيات ثم اذا دلت على أنه عربى فما ذكر لا يخرجه عن كونه عربيا ولهذا لما خاطبهم بلفظ الصلاة والحج وغير ذلك لم يقولوا هذا ليس بعربى بل خاطبهم باسم المنافقين وقد ذكر أهل اللغة أن هذا الاسم لم يكن يعرف فى الجاهلية ولم يقولوا أنه ليس بعربى لأن المنافق مشتق من نفق اذا خرج فاذا كان اللفظ مشتقا من لغتهم وقد تصرف فيه المتكلم به كما جرت عادتهم فى لغتهم لم يخرج ذلك عن كونه عربيا
الوجه الخامس عشر أنه لو فرض أن هذه الألفاظ ليست عربية فليس تخصيص عموم هذه الألفاظ بأعظم من اخراج لفظ الايمان عما دل عليه الكتاب والسنة واجماع السلف فان النصوص التى تنفى الايمان عمن لا يحب الله ورسوله ولا يخاف الله ولا يتقيه ولا يعمل شيئا من الواجب ولا يترك شيئا من المحرم كثيرة صريحة فاذا قدر أنها عارضها آية كان تخصيص اللفظ القليل العام أولى من رد النصوص الكثيرة الصريحة

(7/130)


السادس عشر ان هؤلاء واقفة فى ألفاظ العموم لا يقولون بعمومها والسلف يقولون الرسول وقفنا على معانى الايمان وبينه لنا وعلمنا مراده منه بالاضطرار وعلمنا من مراده علما ضروريا ان من قيل أنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالايمان مع قدرته على ذلك ولا صلى ولا صام ولا أحب الله ورسوله ولا خاف الله بل كان مبغضا للرسول معاديا له يقاتله ان هذا ليس بمؤمن كما قد علمنا ان الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعلمون أنه رسول الله وفعلوا ذلك معه كانوا عنده كفارا لا مؤمنين فهذا معلوم عندنا بالاضطرار أكثر من علمنا بأن القرآن كله ليس فيه لفظ غير عربى فلو قدر التعارض لكان تقديم ذلك العلم الضرورى أولى
فان قالوا من علم أن الرسول كفره علم انتفاء التصديق من قلبه
قيل لهم هذه مكابرة ان أرادوا أنهم كانوا شاكين مرتابين وأما ان عنى التصديق الذى لم يحصل معه عمل فهو ناقص كالمعدوم فهذا صحيح ثم انما يثبت اذا ثبت ان الايمان مجرد تصديق القلب وعلمه وذاك انما يثبت بعد تسليم هذه المقدمات التى منها هذا فلا تثبت الدعوى بالدعوى مع كفر صاحبها ثم يقال قد علمنا بالاضطرار أن اليهود وغيرهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول الله وكان يحكم بكفرهم فقد علمنا من دينه ضرورة أنه يكفر الشخص مع ثبوت التصديق بنبوته فى القلب اذا لم يعمل بهذا التصديق بحيث يحبه ويعظمه ويسلم لما جاء به

(7/131)


ومما يعارضون به أن يقال هذا الذى ذكرتموه ان كان صحيحا فهو أدل على قول المرجئة بل على قول الكرامية منه على قولكم وذلك ان الايمان اذا كان هو التصديق كما ذكرتم فالتصديق نوع من أنواع الكلام فاستعمال لفظ الكلام والقول ونحو ذلك فى المعنى واللفظ بل فى اللفظ الدال على المعنى أكثر فى اللغة من استعماله فى المعنى المجرد عن اللفظ بل لا يوجد قط اطلاق اسم الكلام ولا أنواعه كالخبر أو التصديق والتكذيب والأمر والنهى على مجرد المعنى من غير شىء يقترن به من عبارة ولا اشارة ولا غيرهما وانما يستعمل مقيدا
واذا كان الله انما أنزل القرآن بلغة العرب فهى لا تعرف التصديق والتكذيب وغيرهما من الأقوال الا ما كان معنى ولفظا أو لفظا يدل على معنى ولهذا لم يجعل الله أحدا مصدقا للرسل بمجرد العلم والتصديق الذى فى قلوبهم حتى يصدقوهم بألسنتهم ولا يوجد فى كلام العرب أن يقال فلان صدق فلانا أو كذبه اذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك كما لا يقال أمره أو نهاه اذا قام بقلبه طلب مجرد عما يقترن به من لفظ او اشارة أو نحوهما ولما قال النبى ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شىء من كلام الناس وقال ان الله يحدث من أمره ما شاء وان مما أحدث أن لا تكلموا فى الصلاة اتفق العلماء على أنه اذا تكلم فى الصلاة عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على ان ما يقوم بالقلب من تصديق

(7/132)


بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة وانما يبطلها التكلم بذلك فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام
وأيضا ففى الصحيحين عن النبى أنه قال ان الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس الا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء فعلم أن هذا هو الكلام فى اللغة لأن الشارع كما قرر انما خاطبنا بلغة العرب
وأيضا ففى السنن ان معاذا قال له يا رسول الله وانا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال وهل يكب الناس فى النار على وجوههم أو قال على مناخرهم الا حصائد السنتهم فبين أن الكلام انما هو ما يكون باللسان وفى الصحيح عن النبى أنه قال أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد
ألا كل شىء ما خلا الله باطل
وفى الصحيحين عنه أنه قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وقد قال الله تعالى وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون الا كذبا وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال افضل الكلام بعد القرآن أربع كلمات وهن فى

(7/133)