صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : منهاج القاصدين

ومثل هذا قولهم : الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا . والمعنى انهم ينتبهون بالموت وليس في أيديهم شئ مما ركنوا إليه وفرحوا به . قيل : إن عيسى عليه السلام رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء ( (8) عليها من كل زينة . فقال لها : كم تزوجت ؟ قالت : لا أحصيهم . قال : فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك ؟ قالت : بل كلهم قتلت، فقال عيسى عليه السلام : بؤساً لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف تهلكينهم واحداً بعد واحد، ولا يكونون منك على حذر . وروى ابن عباس رضى الله عنه قال : يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء (9) زرقاء أنيابها بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلق، فيقال : هل تعرفون هذه ؟ فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه . فيقال : هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها وبها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم، فتنادى : يا رب أين أتباعي وأشياعي ؟ فيقول : ألحقوا بها أتباعها وأشياعها . وعن أبى العلاء، قال : رأيت في النوم عجوزاً كبيرة عليها من كل زينة، والناس عكوف عليها متعجبون، ينظرون إليها، فقلت : أعوذ بالله من شرك . قالت : إن أحببت أن تعاذ من شرى فأبغض الدرهم .
وقال بعضهم : رأيت الدنيا في النوم عجوزاً مشوهة الخلقة حدباء .
مثال آخر : واعلم أن أحوالك ثلاث :
حال لم تكن فيها شيئاً، وهى قبل أن توجد .
وحال أخرى، وهى من ساعة موتك إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي، فإن لنفسك وجوداً بعد خروجها من بدنك، إما في الجنة أو النار، وهو الخلود الدائم .

(3/56)


وبين هاتين الحالتين حالة متوسطة، وهى أيام حياتك في الدنيا، فانظر إلى مقدار ذلك، وأنسبه إلى الحالتين، تعلم أنه أقل من طرفه عين في مقدار عمر الدنيا . ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن لها، ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضرر وضيق، أو سعة ورفاهية، ولهذا لم يضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة وقال : " مالي وللدنيا ؟ إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب قال (10) ( ( من القيلولة، وهى النوم في الظهيرة . ) ) " تحت الشجرة، ثم راح وتركها " .
وقال عيس عليه السلام الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها . هذا مثل واضح، فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة، والحد هو الركن الثاني على آخر القنطرة . ومن الناس من قطع نصف القنطرة، ومن الناس من قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيفما كان فلابد من العبور، فمن وقف يبنى على القنطرة ويزينها وهو يستحث للعبور عليها، فهو في غاية الجهل والحمق .
وقيل : مثال طالب الدنيا، مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شراباً ازداد عطشاً حتى يقتله .
وكان بعض السلف يقول لأصحابه : انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول : انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم .

(3/57)


مثال آخر : روى عن الحسن قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " إنما مثلى ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء، حتى إذ لم يدوروا ما سلكوا منها اكثر ما بقى، أنفذوا الزاد واخسروا الظهر، وابقوا بين ظاهراني المفازة، لا زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا : إن هذا قريب عهد بريف، وما جاء هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم قال : يا هؤلاء، علام أنتم ؟ قالوا : على ما ترى . قال : عهودكم ومواثيقكم بالله . قال : فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله، ثم قال : يا هؤلاء، الرحيل . قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى ماء ليس كمائكم، وإلى رياض ليست كرياضكم، فقال أكثر القوم : والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده، وما نصنع بعيش خير من هذا ؟ وقالت طائفة قليلة : ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه ؟ وقد صدقكم في أول حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره . قال : فراح فيمن اتبعه، وتخلف بقيتهم فنزل عدو، فأصبحوا بين أسير وقتيل (11) وفى " الصحيحين " من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إنما مثلى ومثل ما بعثتي الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال : يا قوم، إني رأيت الجيش بعينى، وأنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبته طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم . فصبحهم الجيش في مكانهم، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من حق " .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP8ـ فصل في بيان حقيقة الدنيا والمذموم منها والمحمود

(3/58)


قد سمع خلق كثير ذم الدنيا مطلقاً، فاعتقدوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات التي خلقت للمنافع، فأعرضوا عما يصلحهم من المطاعم والمشارب . وقد وضع الله في الطباع توقان النفس إلى ما يصلحها، فكلما تاقت منعوها، ظناً منهم أن هذا هو الزهد المراد، وجهلا بحقوق النفس، وعلى هذا أكثر المتزهدين، وإنما فعلوا ذلك لقلة العلم، ونحن نصدع بالحق من غير محاباة فنقول : اعلم : أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان، فيها حظ، وهى الأرض وما عليها، فإن الأرض مسكن الأدنى، وما عليها ملبس ومطعم ومشرب ومنكح، وكل ذلك علف لراحلة بدنه السائر إلى الله عز وجل، فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، كما لا تبقى الناقة في طريق الحج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور به مدح، ومن أخذ منها فوق الحاجة يكتنف الشره وقع في الذم، فإنه ليس للشره في تناول الدنيا وجه، لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ويشغل عن طلب الآخرة فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ويرد لها الماء، ويغير عليها ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة للسباع هو وناقته .

(3/59)


ولا وجه أيضاً للتقصير في تناول الحاجة، لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هي الوسطى، وهى أن يؤخذ من الدنيا قدر ما يحتاج إليه من الزاد للسلوك، وإن كان مشتهىً، فإن إعطاء النفس ما تشتهيه عون لها وقضاء لحقها . وقد كان سفيان الثوري يأكل في أوقات من طيب الطعام، ويحمل معه في السفر الفالوذج . وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من الطيبات في بعض الأوقات، فيقول : إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال . ولينظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته، فإنهم ما كان لهم إفراط في تناول الدنيا، ولا تفريط في حقوق النفس . وينبغى أن يتلمح حظ النفس في المشتهى، فإن كان في حظها حفظها وما يقيمها ويصلحها وينشطها للخير، فلا يمنعها منه، وإن كان حظها مجرد شهوة ليست متعلقة بمصالحها المذكورة فذلك حظ مذموم، والزهد فيه يكون .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP9ـ باب في ذم البخل والحرص والطمع

(3/60)


وذم المال ومدحه ومدح القناعة والسخاء، ونحو ذلك اعلم : أن المال لا يذم لذاته بل يقع الذم لمعنى من الآدمي، وذلك المعنى إما شدة حرصه أو تناوله من غير حلة، أو حبسه عن حقه، أو إخراجه في غير وجهه، أو المفاخرة به، ولهذا قال الله تعالى : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } [ الأنفال : 28 ] . وفى " سنن الترمذى " عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه " . وقد كان السلف يخافون من فتنة المال . وكان عمر رضى الله عنه إذا رأى الفتوح يبكى ويقول : ما حبس الله هذا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبى بكر لشر أراده الله بهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له . وقال يحيى بن معاذ : الدرهم عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه . قيل : ما رقيته ؟ قال : أخذه من حله ووضعه في حقه . وقال : مصيبتان للعبد في ماله عند موته لا تسمع الخلائق بمثلهما، قيل : ما هما ؟ قال : يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كله .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP10ـ بيان في مدح المال

(3/61)


قد بينا أن المال لا يذم لذاته بل ينبغي أن يمدح، لأنه سبب للتوصل إلى مصالح الدين والدنيا، وقد سماه الله تعالى خيراً، وهو قوام الآدمي . قال الله تعالى في أول سورة النساء : { ولا تؤتوا السفهاء (12)( ( السفه : ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة، والسفيه : الجاهل، والمراد هنا : الجهالة بموضع النفقة من الرجال ) ) ) " أموالكم التي جعل الله لكم قياماً } [ النساء : 5 ] . وقال سعيد بن المسيب رحمه الله : لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يكف به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه، ويعطى منه حقه . وقال أبو إسحاق السبيعى : كانوا يرون السعة عوناً على الدين . وقال سفيان : المال في زماننا هذا سلاح المؤمنين . وحاصل الأمر؛ أن المال مثل حية فيها سم وترياق، فترياقه فوائده، وغوائله سمه، فمن عرف فوائده وغوائله، أمكنه أن يحترز من شره، ويستدر من خيره .
أما فوائده، فتنقسم إلى دنيوية ودينية :
أما الدنيوية، فالخلق يعرفونها، ولذلك تهالكوا في طلبها .
وأما الدينية، فتنحصر في ثلاثة أنواع :
أحدها : أن ينفقه على نفسه، إما في عبادة، كالحج والجهاد، وإما في الاستعانة على العبادة، كالمطعم والملبس والمسكن وغيرها من ضرورات المعيشة، فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر، لم يتفرغ القلب للدين والعبادة، وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به، فهو عبادة، فأخذ الكفاية من الدنيا للاستعانة على الدين من الفوائد الدينية، ولا يدخل في هذا التنعم والزيادة على الحاجة، فإن ذلك من حظوظ الدنيا .
النوع الثاني : ما يصرفه إلى الناس، وهو أربعة أقسام
أحدها : الصدقة، وفضائلها كثيرة ومشهورة .
القسم الثاني : المروءة، ونعنى بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة ونحو ذلك، وهذا من الفوائد الدينية، إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء .

(3/62)


القسم الثالث : وقاية العرض نحو بذل المال لدفع هجو الشعراء، وثلب (13) السفهاء، وقطع ألسنتهم، وكف شرهم، فهو من الفوائد الدينية، فان النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : " وما وقى الرجل به عرضه فهو صدقة وهذا لأنه يمنع المغتاب من معصية الغيبة، ويحرز مما يثير كلامه من العداوة التي تحمل في الانتقام على مجاوزة حدود الشريعة .
لقسم الرابع : ما يعطيه أجراً على الاستخدام، فإن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لمهنة أسبابها كثيرة، ولو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته، وتعذر عليه سلوك الآخرة بالفكر والذكر اللذين هما أعلى مقامات السالك، ومن لا مال له يفتقر إلى أن يتولى خدمة نفسه بنفسه، فكل ما يتصور أن يقوم به غيرك، ويحصل بذلك غرضك، فإن تشاغلك به غبن، لأن احتياجك إلى التشاغل بما لا يقوم به غيرك من العلم والعمل والذكر والفكر أشد .
النوع الثالث : ما لا يصرفه الإنسان إلى معين، لكن يحصل عليه به خيراً عاماً، كبناء المساجد، والقناطر، والوقوف المؤبدة، فهذه جملة فوائد المال في الدين، سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة، من الإخلاص من ذل السؤال، وحقارة الفقر، والعز بين الخلق، والكرامة في القلوب، والوقار
وأما غوائل المال وآفاته، فتنقسم أيضاً إلى دينية ودنيوية :
أما الدينية فثلاث فئات
الأولى : أنه يجر إلى المعاصي غالباً، لأنه من استشعر القدرة على المعصية، انبعثت داعيته إليها .
والمال نوع من القدرة يحرك داعيته إلى المعاصي، ومتى يئس الإنسان من المعصية، لم تتحرك داعيته إليها .
ومن العصمة أن لا تجد، فصاحب القدرة إن اقتحم ما يشتهى هلك، وإن صبر لقي شدة في معاناة الصبر مع القدرة، وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء .

(3/63)


الثانية : أنه يحرك إلى التنعم في المباحات، حتى تصير له عادة وإلفاً، فلا يصبر عنها، وربما لم يقدر على استدامتها إلا بكسب فيه شبهة، فيقتحم الشبهات، ويترقى إلى آفات من المداهنة والنفاق، لأن من كثر ماله خالط الناس، وإذا خالطهم لم يسلم من نفاق وعداوة وحسد وغيبة، وكل ذلك من الحاجة إلى إصلاح المال .
الثالثة : وهى التي لا ينفك عنها أحد، وهو أن يلهيه ماله عن ذكر الله تعالى، وهذا هو الداء العضال، فإن أصل العبادات ذكر الله تعالى، والتفكير في جلاله وعظمته، وذلك يستدعى قلباً فارغاً . وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكراً في خصومة الفلاحين ومحاسبتهم وخيانتهم، ويتفكر في منازعة شركائه في الحدود والماء، وأعوان السلطان في الخراج والأجراء على التقصير في العمارة ونحو ذلك . وصاحب التجارة يمسي ويصبح متفكراً في خيانة شريكه، وتقصيره في العمل، وتضيعه المال . وكذا سائر أصناف المال، حتى صاحب المال المجموع المكنوز يفكر في كيفية حفظه، وفى الخوف عليه . ومن له قوت يوم بيوم فهو في سلامة من جميع ذلك، وهذا سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا، من الخوف والحزن والهم والغم والتعب . فإذا ترياق المال أخذ القوت منه، وصرف الباقي إلى الخيرات، وما عدا ذلك سموم وآفات .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP11ـ بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة واليأس

(3/64)


واعلم : أن الفقر محمود، ولكن ينبغي للفقير أن يكون قانعاً، منقطع الطمع عن الخلق، غير ملتفت إلى ما في أيديهم، ولا حريص على اكتساب المال كيف كان، ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس . وقد روى في " صحيح مسلم " عن عمرو بن العاص رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه " . وقال سليمان بن داود عليهما السلام : قد جربنا العيش كله، لينه من شديده، فوجدناه يكفى منه أدناه . وفى حديث جابر رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : “القناعة مال لا ينفذ " . وقال أبو حازم : ثلاث من كن فيه كمل عقله : من عرف نفسه، وحفظ لسانه، وقنع بما رزقه الله عز وجل . وقرأ بعض الحكماء : أنت أخو العز ما التحفت بالقناعة . أما الحرص، فقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : " أيها الناس، أجملوا في الطلب، فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له " ونهى عن الطمع فقال : " اجمع اليأس مما في أيدي الناس ( وقال بعضهم : لو قيل للطمع : من أبوك ؟ قال : الشك في المقدور، ولو قيل له : ما حرفتك ؟ قال : اكتساب الذل، ولو قيل له : ما غايتك ؟ قال : الحرمان . وقيل : الطمع يذل الأمير، واليأس يعز الفقير .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP12ـ بيان علاج الحرص والطمعوالدواء الذي تكتسب به صفة القناعة
اعلم : أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان :
الصبر، والعلم، والعمل، ومجموع ذلك خمسة أمور :

(3/65)


الأول : الاقتصاد في المعيشة، والرفق في الإنفاق، فمن أراد اقناعة فينبغي أن يسد عن نفسه أبواب الخروج ما أمكنه، ويرد نفسه إلى ما لابد منه، فيقنع بأي طعام كان، وقليل من الإدام، وثوب واحد، ويوطن نفسه على ذلك، وإن كان له عيال، فيرد كل واحد إلى هذا القدر . قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : “ما عال من اقتصد (14) وفى حدث آخر : " التدبير نصف العيش وفى حديث آخر " ثلاث منجيات : خشية الله تعالى في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقير، والعدل في الرضى والغضب " .
الثاني : إذا تيسر له في الحال ما يكفيه، فلا يكون شديد الاضطراب لأجل المستقبل ويعينه على ذلك قصر الأمل، واليقين بأن رزقه لا بد أن يأتيه، وليعلم أن الشيطان يعده الفقر . وعن ابن مسعود رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " إن روح القدس نفث في روعى، أنه ليس من نفس تموت حتى تستكمل رزقها واجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله عز وجل، فإنه لا يدرك عند الله إلا بطاعته " .
وإذا انسد عنه باب كان ينتظر الرزق منه، فلا ينبغي أن يضطرب قلبه، فإن في الحديث : " أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب ( ( أخرجه الديلمى من حديث أبى هريرة من رواية عمر بن راشد، وهو ضعيف جداً، وقال البيهقى : ضعيف بالمرة، وأورده ابن لجوزي في " الموضوعات " ز ورواه ابن حبان في " الضعفاء " من حديث على بإسناد واه . ) ) ا
الثالث : أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء، وما في الطمع والحرص من الذل . وليس في القناعة إلا الصبر عن المشتبهات والفضول، مع ما يحصل له من ثواب الآخرة، ومن لم يؤثر عزَّ نفسه عن شهوته، فهو ركيك العقل، ناقص الإيمان .

(3/66)


الرابع : أن يكثر تفكره في تنعم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى منهم، ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء والصالحين، ويسمع أحاديثهم، ويطالع أحوالهم، ويخير عقله بين مشابهة أراذل العالمين، أو صفوة الخلق عند الله تعالى، حتى يهون عليه الصبر على القليل والقناعة باليسير، وأنه إن تنعم بالأكل فالبهيمة أكثر أكلاً منه، وإن تنعم بالوطء فالعصفور أكثر سفاداً (15) منه .
الخامس : أن يفهم ما في جمع المال من الخطر، كما ذكرنا في آفات المال، وينظر إلى ثواب الفقر، ويتم ذلك بأن ينظر أبداً من دونه في الدنيا، وإلى من فوقه في الدين، كما جاء في الحديث من رواية مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " . عماد الأمر : الصبر وقصر الأمل، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل لتمتع دائم، فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لما يرجو من الشفاء .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP13ـ فصل [ في لزوم القناعة لمن فقد المال ]

(3/67)


ينبغي لمن فقد المال أن يستعمل القناعة كما ذكرنا، ولمن وجده أن يستعمل السخاء والإيثار واصطناع المعروف، فإن السخاء أخلاق الأنبياء، وهو أصل من أصول النجاة . وعن جابر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " قال جبريل عليه السلام : قال الله عز وجل : الإسلام دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه وفى حديث آخر : عن ابن عباس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : " تجافوا عن ذنوب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر وفى حديث آخر : " الجنة دار الأسخياء، وما جبل ولى الله إلا على السخاء وعن أنس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بعبادة ولا بصيام، ولكن دخلوها بسخاء النفس، وسلامة الصدر، والنصح للمسلمين وفى حديث آخر : " عليكم باصطناع المعروف، فإنه يمنع مصارع السوء " . وقال ابن السماك : عجبت ممن يشترى المماليك بماله، كيف لا يشترى الأحرار بمعروفه ؟ !
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOPومن حكايات الأسخياء

(3/68)


قد صح عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وأنه ما سئل شيئاً قط فقال : لا وأن رجلاً سأله، فأعطاه غنماً بين جبلين، فأتى الرجل قومه، فقال : يا قوم : أسلموا، فإن محمداً يعطى عطاء من لا يخشى الفقر . وقيل : كان لعثمان على طلحة رضى الله عنهما خمسون ألف درهم، فخرج إلى المسجد، فقال له طلحة : قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال : هو لك يا أبا محمد معونة على مروءتك . وجاء أعرابي إلى طلحة، فسأله، وتعرف إليه برحم، فقال : إن هذه الرحم ما سألني بها أحد قبلك، فأعطاه ثلاثمائة ألف درهم . وقال عروة : رأيت عائشة رضى الله عنها تقسم سبعين ألفا، وهى ترقع درعها . وروى أنها قسمت في يوم ثمانين ألف بين الناس، فلما أمست قالت : يا جارية علىَّ فطوري، فجاءتها بخبز وزيت : فقالت لها أم درة : أما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشترى لنا بدرهم لحماً نفطر عليه ! ؟ فقالت : لو ذكرتني لفعلت . واشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة داره التي في السوق بتسعين ألف درهم، فلما كان الليل، سمع بكاء أهل خالد . فقال لأهله : ما لهؤلاء ؟ قالوا : يبكون على دراهم، قال : يا غلام : ائتهم، فأعلمهم أن الدار والمال لهم جميعاً .
وبعث رجل إلى عبد الله أنه قد وصف لى لبن البقر، فابعث لى بقرة أشرب من لبنها . فبعث إليه بسبعمائة بقرة ورعاتها، وقال : القرية التي كانت ترعى فيها لك .

(3/69)


ودخل على بن الحسن على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل يبكى : فقال : ما شأنك ؟ قال : على دين، قال : كم هو ؟ قال : خمسة عشر ألف دينار، أو بضعة عشر ألف دينار . قال : فهي على . وجاء رجل إلى معن، فسأله، فقال : يا غلام : ناقتي الفلانية وألف دينار، فدفعها إليه وهو لا يعرفه . وبلغنا عن معن أن شاعر أقام ببابه مدة فلم يتهيأ له لقاؤه، فقال لبعض خدمه : إذا دخل الأمير البستان فعرفني، قال : فلما دخل عرفه، فكتب الشاعر بيتاً على خشبة، وألقاها في الماء الذي يدخل البستان، فلما بصر معن بالخشية، أخذها، فإذا فيها مكتوب :
أيا جود معن ناج معناً بحاجتي فما لى إلى معن سواك شفيع
فقال من صاحب هذه ؟ فدعا الرجل، فقال له : كيف قلت ؟ فقاله، فأمر له بعشر بدر (16) ، فأخذها ووضع الأمير الخشبة تحت بساطة فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط، وقرأ ما فيها ودعا الرجل، فدفع إليه مائة ألف درهم أخرى، فلما أخذها الرجل، خاف أن يعود فيستعيدها منه، فخرج، فما كان اليوم الثالث، قرأ ما فيها، فدعا الرجل فطلب فلم يوجد . فقال معن : حق على أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا دينار .
ومرض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه، فقيل له، إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين . فقال : أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً، ينادى : من كان عليه لقيس حق، فهو منه في حل، قال : فانكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده .
وقام رجل إلى سعيد بن العاص يسأله، فأمر له بمائة ألف درهم، فبكى، فقال : سعيد : ما يبكيك ؟ قال : أبكى على الأرض أن تأكل مثلك، فأمر له بمائة ألف أخرى .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP14ـ فصل في البخل وذمه
عن أبى سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " خصلتان لا تجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق " .

(3/70)


وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً "
وفى أفراد مسلم، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول : " اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل " . وروى جابر رضى الله عنه، قال : قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم لبنى سلمة : " من سيدكم ؟ قالوا : جد بن قيس على أننا نبخله، قال : وأي داء أدوأ من البخل ؟ بل سيدكم بشر بن البراء بن معرور " وهي أصح ما من ذكر عمرو بن الجموح ، وغلط بعض الرواة ، فقال : البراء بن معرور، البراء مات قبل الهجرة . وعن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " ثلاث مهلكات : شح مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه " .
قال الخطابي : الشح في المنع أبلغ من البخل .
وقال سلمان : إذا مات السخي، قالت الأرض والحفظة : رب تجاوز عن عبدك فى الدنيا بسخائه، وإذا مات البخيل قالت : اللهم احجب هذا العبد عن الجنة، كما حجب عبادك عما جعلت في يديه من الدنيا . وقال بعض الحكماء : من كان بخيلاً ورث ماله عدوه . وذم أعرابي قوماً فقال : يصومون عن المعروف ويفطرون على الفواحش .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOPمن حكايات البخلاء :

(3/71)


روى عن ابن عباس رضى الله عنه قال : كان الحاجب رجلاً من أجل العرب، وكان بخيلاً، وكان لا يوقد ناراً بليل كراهة أن يراها راء فينتفع بضوئها، فإذا احتاج إلى إيقادها فأوقد ثم بصر بمستضيئ بها أطفأها . وقيل : كان مروان بن أبى حفصة من أبخل الناس، فخرج يريد المهدى، فقالت له امرأته : مالي عليك إن رجعت بالجائزة ؟ قال : إن أعطيت مائة ألف درهم، أعطيتك درهماً، فأعطى ستين ألف درهم . فأعطاها أربعة دوانق . وقيل : كان بعض البخلاء موسراً كثير الأموال، وكان ينظر في دقائق الأشياء فاشترى شيئاً من الحوائج، ودعا حمالاً وقال : بكم تحمل هذه الحوائج ؟ قال : بحبة : قال : أبخس . قال ما أقل من حبة ؟ لا أدرى ما أقول . قال : نشترى بالحبة جزراً، فنجلس جميعاً فنأكله .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP15ـ فصل في فضل الإيثار وبيانه
اعلم أن السخاء والبخل درجات :
فأرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه . وأشد درجات البخل، أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال، ويمرض فلا يتداوى، ويشتهى الشهوة فيمنعه منها البخل . فكم بين من يبخل على نفسه مع الحاجة، وبين ما يؤثر على نفسه مع الحاجة، فالأخلاق عطايا يضعها الله عز وجل حيث يشاء . وليس بعد الإيثار درجة في السخاء . وقد أثنى الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإيثار، فقال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [ الحشر : 8 ] وكان سبب نزول هذه الآية قصة أبى طلحة، لما آثر ذلك الرجل المجهود بقوته وقوت صبيانه، وحكايته مشهورة .

(3/72)


واستشهد باليرموك عكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وجماعة من بنى المغيرة، فأتوا بماءٍ وهم صرعى، فتدافعوه حتى ماتوا ولم يذقوه . أتى عكرمة بالماء فنظر إلى سهيل بن عمرو ينظر إليه، فقال : ابدأ بهذا، ونظر سهيل إلى الحارث ينظر إليه، فقال : ابدأ بهذا، وكل منهم يؤثر الآخر على نفسه بالشربة، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا، فمر بهم خالد بن الوليد فقال : بنفسي أنتم . وأهدى إلى الرجل من الصحابة رضى الله عنه رأس شاة، فقال : إن أخي أحوج إليه منى، فبعث به إلى الرجل، فبعث به ذلك إلى آخر، حتى تداولته سبع أبيات، فرجع إلى الأول . خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له، فنزل على نخل لقوم فيها غلام أسود يعمل فيها، إذ أتى الغلام بقوته، فدخل الحائط كلب، فدنا من الغلام فرمى إليه قرصاُ فأكله، ثم رمى إليه قرصاً آخر فأكله، ثم رمى إليه ثالث فأكله، وعبد الله ينظر فقال : يا غلام ! كم قوتك كل يوم ؟ قال : ما رأيت، قال : فلم آثرت به هذا الكلب ؟ قال : ماهى بأرض كلاب، جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده، قال : فما أنت صانع ؟ قال : أطوي يومي هذا، فقال عبد الله بن جعفر : ألام على السخاء وهذا أسخى منى، فاشترى الحائط وما فيه من الآلات،
واشترى الغلام وأعتقه ووهبه له . واجتمع جماعة من الفقراء في موضع لهم وبين أيديهم أرغفة معدودة لا تكفيهم فكسروا الرغفان، وأطفؤوا السراج، وجلسوا للأكل، فلما رفع الطعام، إذا هو بحاله، لم يأكل أحد منهم شيئاً إيثاراً لأصحابه .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=24 - TOP#TOP16ـ فصل [ في حد البخل والسخاء ]

(3/73)


وقد تكلم الناس في حد البخل والسخاء، فذهب قوم إلى أن حد البخل منع الواجب، وأن من أدى ما يجب عليه، فليس ببخيل، وهذا غير كاف، فإن من لم يسلم إلى عياله إلا القدر الذي يفرضه الحاكم، ثم يضايقهم في زيادة لقمة أو ثمرة فإنه معدود من البخلاء، فالصحيح أن البراءة من البخل تحصل بفعل الواجب في الشرع واللازم بطريق المروءة مع طيب القلب بالبذل . فأما الواجب بالشرع، فهو الزكاة، ونفقة العيال . وأما اللازم بطريق المروءة، فهو ترك المضايقة، والاستقصاء عن المحقرات فإن ذلك يستفتح، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد يستقبح من الغنى ما لا يستقبح من الفقير، ويستقبح من الرجل المضايقة لأهله وأقاربه وجيرانه مالا يستقبح من الأجانب، فالبخيل الذي يمنع مالا ينبغي أن يمنع، إما بحكم الشرع أو لازم المروءة . ومن قام بواجب الشرع، ولازم المروءة، فقد تبرأ من البخل، لكن لا يتصف بصفة الجود مالم يبذل زيادة على ذلك . قال بعضهم : الجواد : هو الذي يعطى بلا من . وقيل : هو الذي يفرح بالإعطاء . فأما علاج البخل، فاعلم أن سبب البخل حب المال .
ولحب المال سببان :
أحدهما : حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل، وإن كان قصير الأمل وله ولد، فإنه يقوم مقام طول الأمل .
الثاني : أن يحب عين المال، فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره لو اقتصر على ما جرت عادته به، ويفضل معه آلاف، ويكون شيخاً لا ولد له، ثم لا تسمح نفسه بإخراج الواجب عليه، ولا بصدقة تنفعه، ويعلم أنه إذا مات أخذه أعداؤه، أو ضاع إن كان مدفوناً، وهذا مرض لا يرجى علاجه .

(3/74)


ومثال ذلك رجل أحب شخصاً، فلما جاء رسوله، أحب الرسول ونسى محبوبه واشتغل بالرسول، فإن الدنيا رسول مبلغ إلى الحاجات، فيحب الدنانير لذاتها، وينسى الحاجات، وهذا غاية الضلال . واعلم : أن علاج كل علة بمضادة سببها . فيعالج حب الشهوات بالقناعة والصبر، وطول الأمل بكثرة ذكر الموت . ويعالج التفات القلب إلى الولد، بأن من خلقه معه رزقه، وكم ممن لم يرث شيئا أحسن حالاً ممن ورث . فليحذر أن يترك لولده الخير، ويقدم على الله بشر، فإن ولده إن كان صالحا فالله يتولاه، وإن فاسقاً فلا يترك ما يستعين به على المعاصي، وليردد على سمعه ما ذكرناه في ذم البخل ومدح السخاء . واعلم : أنه إذا كثرت المحبوبات في الدنيا، كثرت المصائب بفقدها، فمن عرف آفة المال لم يأنس به، ومن لم يأخذ منه إلا قدر حاجته، وأمسك ذلك لحاجته فليس ببخيل، والله أعلم .
كتاب ذم الجاه والرياء وعلاجهما
وروى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : “ إن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفية " . وهذه الشهوة الخفية يعجز عن الوقوف على غوائلها كبار العلماء، فضلاً عن عامة العباد، وإنما يبتلى بها العلماء والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة، فإنهم لما قهروا نفوسهم وفطموها عن الشهوات، وحملوها بالقهر على أسباب العبادات، لم تطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فاستراحت إلى التظاهر بالعلم والعمل، ووجدت مخلصاً من شدة المجاهدة في لذة القبول عند الخلق، ونظرهم إليها بعين الوقار والتعظيم، فأصابت النفس في ذلك لذة عظيمة، فاحتقرت فيها ترك المعاصي، فأحدهم يظن أنه مخلص لله عز وجل، وقد أثبت في ديوان المنافقين، وهذه مكيدة عظيمة لا يسلم منها إلا المقربون .

(3/75)


ولذلك قيل : آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة، وإذا كان هو الداء الدفين، الذي هو أعظم شبكة للشياطين، وجب شرح القول في سببه، وحقيقته وأقسامه . اعلم : أن أصل الجاه هو حب انتشار الصيت والاشتهار، وذلك خطر عظيم، والسلامة في الخمول . وأهل الخير لم يقصدوا الشهرة، ولم يتعرضوا لها ولا لأسبابها، فإن وقعت من قبل الله تعالى، فروا عنها، وكانوا يؤثرون الخمول، كما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه خرج من منزله، فتبعه جماعة، فالتفت إليهم وقال : علام تتبعونى ؟ فوالله لو علمتم ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان . وفى لفظ آخر أنه قال : ارجعوا، فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع . وكان أبو العالية رحمه الله إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام . وكان خالد بن معدان رحمه الله إذا عظمت حلقته، قام وانصرف كراهة الشهرة . وقال الزهري رحمه الله : ما رأينا الزهد في شىء أقل منه في الرياسة، نرى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال، فإذا نوزع الرياسة، حامى عليها وعادى . قال رجل لبشر الحافي رحمه الله : أوصني، فقال : أخمل ذكرك، وطيب مطعمك . وقال : لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس . وقد روى في “ صحيح مسلم” أن عمر بن سعد انطلق إلى أبيه سعد وهو في غنم له خارجاً عن المدينة، فلما رآه قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه قال : يا ابت أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم ؟ فضرب سعد في صدره وقال : اسكت، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفي .

(3/76)


وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضاً في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافاً، فصبر على ذلك " ثم نقر بيده، فقال : " عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه " حديث حسن .
وكان ابن مسعود رضى الله عنه يوصى أصحابه، فيقول : كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في السماء، وتخفون على أهل الأرض . فإن قيل : هذا فيه فضيلة الخمول، وذم الشهرة وأي شهرة أكثر من شهرة الأنبياء، وأئمة العلماء . قلنا : المذموم طلب الإنسان الشهرة، وأما وجودها من جهة الله تعالى من غير طلب الإنسان فليس بمذموم، غير أن في وجودها فتنة على الضعفاء، فإن مثل الضعيف كالغريق القليل الصنعة في السباحة، إذا تعلق به أحد غرق وغرقه، فأما السابح النحرير، فإن تعلق الغرقى به سبب لنجاتهم وخلاصهم .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=25 - TOP#TOP1ـ فصل [ في أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا ]

(3/77)


واعلم : أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا، ومعنى المال ملك الأعيان المنتفع بها، ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها، وطاعتها، والتصرف فيها . فالجاه هو قيام المنزلة في قلوب الناس، وهو اعتقاد القلوب نعتاً من نعوت الكمال في هذا الشخص، إما من علم أو عبادة، أو نسب أو قوة، أو حسن صورة، أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالاً فبقدر ما يتعقدون له من ذلك، تذعن قلوبهم لطاعته، ومدحه وخدمته، وتوفيره . فبهذا يبين أن الجاه محبوب بالطبع وأنه أبلغ من حب المال، لأن المال لا يتعلق الغرض بعينه، بل لكونه وسيلة إلى المحبوبات، فاشتراك الجاه والمال في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة، والجاه في ذلك أرجح من المال . واعلم : أن من الجاه ما يحمد وما يذم، لأن من المعلوم أنه لابد للإنسان من مال لضرورة المطعم والملبس ونحوهما، فكذلك لابد له من جاه لضرورة المعيشة مع الخلق، لأن الإنسان لا يخلو من الحاجة إلى سلطان يحرسه، ورفيق يعينه، وخادم يخدمه، فحبه ذلك ليس بمذموم، لأن الجاه وسيلة إلى الأغراض، كالمال . والتحقيق في هذا أن لا يكون المال والجاه محبوبين لأعيانهما، ومتى طلب الإنسان قيام جاهه لأجل صفة هو متصف بها لغرض صحيح، كقول يوسف عليه السلام : { اجعلني على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم } [ يوسف : 55 ] أو قصد إخفاء عيب من عيوبه لئلا نزول منزلته، كان ذلك مباحاً، فإن طلب المنزلة باعتقادهم فيه صفة ليست فيه، كالعلم، والورع، والنسب، فذلك محظور . وكذلك لو حسن الصلاة بين أيديهم ليعتقدوا فيه الخشوع . فإنه يكون مرائياً بذلك، فلا يجوز تملك القلوب بتزوير ، ولا تملك المال بتلبيس .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=25 - TOP#TOP2ـ بيان علاج حب الجاه

(3/78)


اعلم : أن من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتردد إليهم، والمرآة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق، وأصل الفساد، لأن كل من طلب المنزلة في قلوب الناس اضطر أن ينافقهم بإظهار ما هو خال عنه، ويجر ذلك إلى المراءاة بالعبادات واقتحام المحظورات، والتوصل إلى اقتناص القلوب . ولذلك شبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حب المال والشرف وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين أرسلا في غنم . فحب الجاه إذاً من المهلكات، يجب علاجه وعلاجه مركب من علم وعمل، أما الأول، فهو أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه، هو كمال القدوة على أشخاص الناس وقلوبهم، وذلك إذا صفا وسلم يكون في آخره الموت فينبغي أن يتفكر في نفسه في الأخطار والآفات اللاحقة لأصحاب الجاه في الدنيا، من تطرق الحسد إليهم، وقصدهم بالإيذاء، فتراهم خائفين على الدوام من زوال جاههم، محترزين من تغيير منزلتهم في القلوب .
والقلوب أشد تغيراً من القدرة في غليانها، فالاشتغال بمراعاة ذلك غموم عاجلة، مكدرة لحفظ الجاه، فلا يفي مرجو الدنيا بمخوفها، فضلاً عما يفوت في الآخرة، فهذا من حيث العلم .
وأما العلاج من حيث العمل، فهو إسقاط الجاه من قلوب الخلق بأفعال توجب ذلك، كما روى أن بعض الملوك قصد زيارة رجل زاهد، فلما قرب منه، استدعى طعامه وبقلاً ولبناً وجعل يأكل بشره، ويعظم اللقمة فلما نظر إليه الملك سقط من عينه . ولما أريد إبراهيم النخعى على القضاء لبس قميصاُ أحمر وقعد في السوق . واعلم : أن انقطاع الزاهد عن الناس يوجب جاهاً له عندهم، فإذا خاف من تلك الفتنة، فليخالطهم على وجه السلامة، وليمش في الأسواق، وليشتر حاجته ويحملها، وكان بشر الحافي يجلس إلى عطار، وكانوا يراعون نواميس المتزهدين اليوم .

(3/79)


http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=25 - TOP#TOP3ـ فصل [ في عدم الاكتراث بذم الناس ]
واعلم : أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات، فوجبت معالجته . وطريق ذلك أن ننظر إلى الصفة التي مدحت بها، إن كانت موجودة فيك فلا يخلو : إما أن يكون مما يفرح به كالعلم والورع، أو مما لا يصلح أن يفرح به، كالجاه والمال . أما الأول : فينبغي أن يحذر من الخاتمة، فإن الخوف منها شغل عن الفرح بالمدح، ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة، فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا بمدح الناس . وأما القسم الثاني، وهو المدح بسبب الجاه والمال، فالفرح بذلك، كالفرح بنبات الأرض الذي يصير عن قريب هشيماً، ولا يفرح بذلك إلا من قل عقله، وإن كنت خالياً عن الصفة التي مدحت بها، ففرحك بالمدح غاية الجنون .
وقد ذكرنا آفات المدح فيما تقدم في كتاب آفات اللسان، فلا ينبغي أن تفرح به، بل تكرهه، كما كان السلف يكرهونه، ويغضبون على فاعله .
وعلاج كراهية الذم يفهم من علاج حب المدح، فإنه ضده، والقول الوجيز فيه أن من ذمك، إما أن يكون صادقاً فيما قال، قاصداً للنصح لك، فينبغي أن تتقلد منته، ولا تغضب، فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن لم يقصد بذلك النصح، فإنه يكون قد جنى هو على دينه، وانتفعت بقوله، لأنه عرفك ما لم تكن تعرف، وذكرك من خطاياك ما نسيت، وإن افترى عليك بما أنت منه بريء، فينبغي أن تتفكر في ثلاثة أشياء :
أحدهما : أنك إن خلوت من ذلك العيب لم تخل من أمثاله، فما ستر الله عز وجل عليك من عيوبك أكثر، فاشكره إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك فذكر ما أنت عنه بريء .
الثاني : أن ذلك كفارات لذنوبك .

(3/80)


الثالث : أنه جنى على دينه، وتعرض لغضب الله عليه، فينبغي أن يسأل الله العفو عنه، كما روى أن رجلاً شج إبراهيم بن أدهم، فدعا له بالمغفرة وقال : صوت مأجور بسببه، فلا أجعله معاقباً بسببي، وقد تقدمت هذه الحكاية في فضل الحلم .
باب في بيان الرياء وحقيقته وأقسامه وذمه
وقد ورد ذم الرياء في الكتاب والسنة، من ذلك قوله تعالى : { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون } [ الماعون : 4-6 ] وقوله : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً . [ الكهف : 110 ] وأما الأحاديث، فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : " من عمل عملاً أشرك فيه غيرى، فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء " . وفى حديث آخر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر . قالوا : يا رسول الله : وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذ جزى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم خيراً " وقال بشر الحافي : لأن أطلب الدنيا بمزمار أحب إلى من أن أطلبها بالدين .
واعلم : أن الرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع، فالمرائي يرى الناس ما يطلب به الحظوة عندهم وذلك أقسام :
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=26 - TOP#TOPالأول : الرياء في الدين، وهو أنواع :

(3/81)


http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=26 - TOP#TOPأحدهما : أن يكون من جهة البدن، بإظهار النحول والصفار، ليريهم بذلك شدة الاجتهاد، وغلبة خوف الآخرة، وكذلك يرائي بتشعث الشعر، ليظهر أنه مستغرق في هم الدين، لا يتفرغ لتسريح شعره . ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، وذبول الشفتين، ليدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، ولهذا قال عيسى بن مريم عليه السلام : إذا صام أحدكم فليدهن رأسه، ويرجل شعره . وذلك لما يخاف على الصائم من آفات الرياء، فهذا الرياء من جهة البدن لأهل الدين . وأما أهل الدنيا، فيراؤون بإظهار السمن، وصفاء اللون، واعتدال القامة، وحسن الوجه، ونظافة البدن .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=26 - TOP#TOPالنوع الثاني : الرياء من جهة الزي، كالإطراق حالة المشي، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب، ولبس الصوف، وتشمير الثياب كثيراً، وتقصير الأكمام، وترك الثوب مخرقاُ غير نظيف . ومن ذلك لبس المرقعة، والثياب الزرق، تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس من صفاتهم في الباطن . ومنه التقنع فوق العمامة، لتنصرف إليه الأعين بالتمييز بتلك العادة . وهؤلاء طبقات، منهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح، بإظهار التزهد بلبس الثياب المخرقة الوسخة الغليظة، ليرائي بذلك، ولو كلف هذا أن يلبس ثوباً وسطاً نظيفاً مما كان السلف يلبسونه، لكان عنده بمنزلة الذبح، لخوفه أن يقول الناس : قد بدا له من الزهد، وقد رجع عن تلك الطريقة .

(3/82)


وطبقة أخرى : يطلبون القبول عند أهل الصلاح، وعند أهل الدنيا من الملوك والأمراء والتجار، فلو لبسوا الثياب الفاخرة لم تقبلهم القراء أهل الصلاح، ولو لبسوا المخرقة الدنية لازدرتهم الملوك والأغنياء، فهم يريدون الجمع بين قبول أهل الدين والدنيا، فيطلبون الأثواب الرقيقة، والأكسية الرفيعة والفوط الرفيعة فيلبسونها، وأقل قيمة ثوب أحدهم قيمة ثوب الغنى، ولونه وهيئته لون ثياب الصلحاء، فيلتمسون القبول عند الفريقين . وهؤلاء لو كلفوا لبس خشن أو وسخ، لكان عندهم كالذبح، خوفاً من السقوط في أعين الملوك والأغنياء، ولو كلفوا لبس الرقيق ورفيع الكتان الأبيض ونحو ذلك، لعظم ذلك عليهم، خوفاً من أن تنحط منزلتهم عند أهل الصلاح، وكل مراء بزي مخصوص ثقل عليه الانتقال إلى ما دونه أو فوقه خوفاً من المذمة . وأما أهل الدنيا، فمراءاتهم بالثياب النفيسة، والمراكب الحسنة، وأنواع التجميل في الملبس والمسكن وأثاث البيت، وهم في بيوتهم يلبسون الثياب الخشنة، ويشتد عليهم أن يروا بتلك المنزلة .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=26 - TOP#TOPالنوع الثالث : الرياء بالقول، ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير وحفظ الأخبار والآثار، لأجل المحاورة، وإظهار غزارة العلم والدلالة على شدة العناية بأحوال السلف، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن، ليدل بذلك على الخوف والحزن ونحو ذلك .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=26 - TOP#TOPالنوع الرابع : الرياء بالعمل، كمرآة المصلى بطول القيام، وتطويل الركوع والسجود، وإظهار الخشوع، ونحو ذلك . وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة ونحو ذلك . وأما أهل الدنيا فمراءاتهم، بالتبختر، والاختيال، وتحريك اليدين، وتقريب الخطى، والأخذ بأطراف الذيل، وإمالة العطفين، ليدلوا بذلك على الحشمة .

(3/83)


http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=26 - TOP#TOPالنوع الخامس : المراءاة بالأصحاب والزائرين، كالذي يتكلف أن يستزير عالماً أو عابداً، ليقال : إن فلاناً قد زار فلاناً، وإن أهل الدين يترددون إليه، ويتبركون به، وكذلك من يرائي بكثرة الشيوخ، ليقال : لقي شيوخاً كثيرة، واستفاد منهم، فيباهى بذلك، فهذه مجامع ما يرائي به المراؤون، يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد . ومنهم من يطلب مجرد الجاه، وكم من عابد اعتزل في جبل، وراهب انزوى إلى دير، مع قطع طمعهم من مال الناس، لكنه يحب مجرد الجاه . ومنهم من يكون قصده المال، ومنهم من قصده الثناء وانتشار الصيت . فإن قيل : هل الرياء حرام، أم مكروه، أو مباح ؟ فالجواب : أن فيه تفصيلاً، وهو إما أن يكون بالعبادات، أو بغيرها، فان كان الرياء بالعبادات ،فهو حرام، فإن المرائي بصلاته وصدقته وحجته، ونحو ذلك، عاص آثم، لأنه يقصد بذلك غير الله تعالى المستحق للعبادة وحده، فالمرائي بذلك في سخط الله . وأما إن كان بغير العبادات، فهو كطلب المال على ما تقدم، لا يحرم من حيث إنه طلب منزلة في قلوب العباد، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورة، فكذلك الجاه، وكما أن كسب قليل من المال وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام في قوله : { إنى حفيظ عليهم } [ يوسف : 55 ] ولا نقول بتحريم الجاه وإن كثر، إلا إذا حمل صاحبه على ما لا يجوز على نحو ما ذكرنا في المال . وأما سعة الجاه من غير حرص على طلبه، ومن غير اغتمام بزواله وإن زال، فلا ضرر فيه، إذ لا جاه أوسع من جاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلماء الدين بعده، ولكن انصراف الهمم إلى طلب الجاه نقصان في الدين، ولا يوصف بالتحريم . وتحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس، إنما هو ليراه الناس، وكذلك كل تجمل لأجلهم لا يقال : إنه منهي عنه . وقد تختلف المقاصد بذلك، فإن أكثر الناس يحبون أن لا

(3/84)


يروا بعين نقص في حال . وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " ، فقال رجل : إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنة، ونعله حسنة، فقال : " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس " . ومن الناس من يؤثر إظهار نعمة الله عليه، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=26 - TOP#TOP1ـ فصل [ في أبواب الرياء بعضها أشد من بعض ]
واعلم : أن بعض أبواب الرياء أشد من بعض، لأنه درجات . أشدها وأغلظها أن لا يكون مراده بالعبادة الثواب أصلاً، كالذي يصلى بين الناس، ولو انفرد لم يصل .
الدرجة الثانية : أن يقصد الثواب مع الرياء قصداً ضعيفاً بحيث لو كان خالياً لم يفعله، فهو قريب من القسم الأول في كونهما ممقوتين عند الله تعالى .
الدرجة الثالثة : أن يكون قصد الرياء، وقصد الثواب متساويين، بحيث لو انفرد كل واحد منهما عن الآخر لم يبعثه على العمل، فهذا قد أفسد مثل ما اصلح، ولا يسلم من الإثم
الرابعة : أن يكون إطلاع الناس عليه مقوياً لنشاطه، ولو لم يطلع عليه أحد لم يترك العبادة، فهذا يثاب على قصده الصحيح ، ويعاقب على قصده الفاسد، وقريب من ذلك الرياء بأوصاف العبادة لا بأصلها، كالذي يصلى وغرضه تخفيف الركوع والسجود ولا يطيل القراءة، فإذا رآه الناس أحسن ذلك فهذا أيضاً من الرياء المحظور، لأنه يتضمن تعظيم الخلق، ولكنه دون الرياء بأصول العبادات .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=26 - TOP#TOP2ـ بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل
اعلم أن الرياء جلى وخفى .

(3/85)


فالجلى : هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه . وأخفى منه قليلاً رياء لا يبعث على العمل بمجرده، لكن يخفف العمل الذي أريد به وجه الله تعالى، كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل عنده ضيف نشط له وسهل عليه . وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ولا في التسهيل، لكنه مع ذلك مستبطن في القلب، ومتى لم يؤثر الدعاء في العمل لم يكن أن يعرف إلا بالعلامات، وأجلى علاماته أنه يسر باطلاع الناس على طاعته، فرب عبد مخلص يخلص العمل، ولا يقصد الرياء بل يكرهه، ويتم العمل على ذلك، لكن إذا اطلع الناس عليه سره ذلك وارتاح له، وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة، فهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور، ثم إذا استشعر تلك اللذة بالاطلاع لم يقابل ذلك بكراهة، بل قد يتحرك حركة خفيفة، ويتكلف أن يطلع عليه بالتعريض لا بالتصريح . وقد يخفى، فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضاً ولا تصريحاً، ولكن بالشمائل كإظهار النحول، والصفار، وخفض الصوت، ويبس الشفتين وآثار الدموع وغلبة النعاس الدالة على طول التهجد .

(3/86)


وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع عليه، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدؤوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وينشطوا في قضاء حوائجه، ويسامحوه في المعاملة، ويوسعوا له المكان، فان قصر في ذلك مقصر، ثقل ذلك على قلبه، كأن نفسه تتقاضى الاحترام على الطاعة التي أخفاها . ومتى لم يكون وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق، لم يكن خالياً عن شوب خفي من الرياء، وكل ذلك يوشك أن يقص الأجر، ولا يسلم منه إلا الصديقون . وقد روينا عن وهب بن منبه، أن رجلاً من العباد قال لأصحابه : إنا قد فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان ، وأنا نخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا من هذا الطغيان أكثر مما دخل على الأهل الأموال في أموالهم، إن أحدنا إذا لقي أحب أن يعظم لمكان دينه، وإن كان له حاجة أحب أن تقضى لمكان دينه : وإن اشترى شئياً أحب أن يرخص له لمكان دينه، فبلغ ذلك ملكهم، فركب في موكبه، فإذا السهل والجبل قد امتلأ من الناس، فقال العابد : ما هذا ؟ قيل : هذا الملك، فقال لصاحبه : ائتني بطعام، فأتاه ببقل وزبيب وقلوب الشجر، فجعل يحشو شدقيه ويأكل أكلاً عنيفاً، فقال الملك : أين صاحبكم ؟ فقالوا : هذا ، كيف أنت ؟ قال : كالناس، فقال الملك ما عند هذا خير، وانصرف عنه، فقال : الحمد

(3/87)


مختصر منهاج القاصدين
ابن قدامة المقدسي
ربع المنجيات

الربع الرابع : ربع المنجيات
كتاب التوبة وذكر شروطها وأركانها
1ـ فصل في بيان أقسام الذنوب
2ـ فصل في كيفية توزع الدرجات فى الآخرة على الحسنات والسيئات
3ـ فصل في بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب
4ـ فصل في شروط التوبة
5ـ فصل [ في شروط التوبة ]
6ـ بيان أقسام العباد فى دوام التوبة
7ـ فصل [ فيما ينبغي للتائب فعله ]
8ـ فصل في دواء التوبة وطريق علاج حل عقد الإصرار
كتاب الصبر والشكر
فضل الصبر وحقيقته وأقسامه
1ـ فصل [ في أقسام الصبر ]
2ـ فصل [ في آداب الصبر ]
3ـ فصل في بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه
في الشكر وفضله وذكر النعم وأقسامها
5ـ فصل [ في كون الشكر بالقلب واللسان والجوارح ]
6ـ فصل [ في فعل الشكر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله ]
7ـ فصل في بيان النعم وحقيقتها وأقسامها
8ـ فصل في بيان كثرة نعم الله وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء
9ـ فصل [ من نعم الله الأسباب التي يتم بها الأكل ]
10ـ فصل [ في عجائب الأغذية والأدوية ]
أسباب الغفلة عن النعم
11ـ فصل في بيان اجتماع الصبر والشكر على وجه واحد
12ـ فصل في بيان أيهما أفضل الصبر أم الشكر
كتاب الرجاء والخوف
الشطر الأول : الرجاء
1ـ فصل في فضيلة الرجاء
2ـ فصل في دواء الرجاء والسبب الذي يحصل به
الشطر الثاني : الخوف
4ـ فصل [ الخوف سوط الله تعالى ]
5ـ بيان أقسام الخوف
6ـ فصل في فضيلة الخوف والرجاء وما ينبغي أن يكون الغالب منهما
7ـ فصل في بيان الدواء الذي يستجلب به الخوف
8ـ ذكر خوف الملائكة عليهم السلام
9ـ ذكر خوف الأنبياء عليهم السلام
10ـ ذكر خوف نبينا صلى الله عليه وآله وسلم
11ـ ذكر خوف أصحابه رضى الله عنهم
12ـ ذكر خوف التابعين ومن بعدهم
كتاب الزهد والفقر
الشطر الأول من الكتاب في الفقر
1ـ فصل في فضيلة الفقر وتفضيل الفقر على الغنى
2ـ فصل في آداب الفقير فى فقره

(4/1)


3ـ بيان آدابه في قبول العطاء
4ـ فصل في بيان تحريم السؤال من غير ضرورة
5ـ بيان أحوال السائلين
الشطر الثاني من الكتاب في الزهد
7ـ فصل في درجات الزهد وأقسامه
8ـ فصل في بيان تفصيل فيما هو من ضروريات الحياة
9ـ فصل في بيان علامات الزهد
كتاب التوحيد والتوكل
بيان فضيلة التوكل
أحوال التوكل وأعماله وحده
أعمال المتوكلين
كتاب المحبة والشوق والأنس والرضى
فصل في بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله سبحانه وتعالى
فصل في بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى
فصل في بيان معنى الشوق إلى الله تعالى
فصل في بيان محبة الله تعالى للعبد ومعناها
فصل في بيان معنى الأنس بالله والرضى بقضاء الله عز وجل
فصل في تصور الرضى في مخالفة الهوى
فصل في أن الدعاء لا يناقض الرضى
باب في النية والإخلاص والصدق
النية وحقيقتها وفضلها وما يتعلق بذلك
أقسام الأعمال
الإخلاص وفضيلته وحقيقته ودرجاته
حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به
الصدق وحقيقته وفضله
المحاسبة والمراقبة
المقام الأول : المشارطة
المقام الثاني : المراقبة
المقام الثالث : المحاسبة
المقام الرابع : المعاقبة
المقام الخامس : المجاهدة
التفكر
بيان مجارى الفكر وثمراته
التفكر فى ذات الله ممنوع
ذكر الموت وما بعده وما يتعلق به
ما جاء فى فضل ذكر الموت
تفاوت الناس فى طول الأمل
شدة الموت وما يستحب من الأحوال عنده
وفاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين رضى الله عنهم
كلمات نقلت عن جماعة عند موتهم من الصحابة وغيرهم
حقيقة الموت
ذكر القبر
أحوال الميت من وقت نفخة الصورإلى حين الاستقرار في الجنة أو النار
ذكر جهنم أعاذنا الله منها
محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
صفة الجنة نسأل الله العظيم من فضله
سعة رحمة الله تعالى
الربع الرابع : ربع المنجيات
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOPكتاب التوبة وذكر شروطها وأركانها وما يتعلق بها

(4/2)


اعلم : أن الذنوب حجاب عن المحبوب، والانصراف عما يبعد عن المحبوب واجب . وإنما يتم ذلك بالعلم والندم والعزم، فإنه متى لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب، لم يندم على الذنوب، ولم يتوجع بسبب سلوكه طريق البعد، وإذا لم يتوجع لم يرجع . وقد أمر الله تعالى بالتوبة فقال : { وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَميعاً أَيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفْلِحُونِ } [ النور : 31 ] وقال سبحانه : { يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلى الله تَوْبَةً نَصُوحاً } الآية [ التحريم : 8 ] . وقال : { إِنَّ الله يُحِبُّ التَوَّابينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ } [ البقرة : 222 ] . وقال النبى صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله فى اليوم مائة مرَّة " . وفى " الصحيحين " من حديث ابن مسعود رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل فى أرض دَوِّيةٍ (1) " مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال : أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته " . والأحاديث فى هذا كثيرة، والإجماع منعقد على وجوب التوبة، لأن الذنوب مهلكات مبعدات عن الله تعالى، فيجب الهرب منها على الفور . والتوبة واجبة على الدوام، فإن الإنسان لا يخلو عن معصية، لو خلا عن معصية بالجوارح لم يخل عن الهم بالذنب بقلبه، وإن خلا عن ذلك، لم يخل عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، لو خلا عنه لم يخل عن غفلة وقصور فى العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، ولا يسلم أحد من هذا النقص، وإنما الخلق يتفاوتون فى المقادير، وأما أصل ذلك، فلا بد منه . ولهذا قال النبى

(4/3)


صلى الله عليه وآله وسلم : " إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله فى اليوم والليلة سبعين مرة " . ولذلك أكرمه الله تعالى بقوله : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] فأما غيره فكيف يكون حاله ؟ ومتى اجتمعت شروط التوبة كانت صحيحة مقبولة، قال الله تعالى : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } [ الشورى : 25 ] وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " . والأحاديث فى ذلك كثيرة .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOP1ـ فصل في بيان أقسام الذنوب
أعلم : أن للإنسان أخلاقاً وأوصافاً كثيرة، لكن تنحصر مثارات الذنوب فى أربع صفات :
أحدها : صفات ربوبية، ومنها يحدث الكبر والفخر، وحب المدح والثناء، والعز وطلب الاستعلاء ونحو ذلك ، وهذه ذنوب مهلكات، وبعض الناس يغفل عنها، فلا يعدها ذنوباً .
الثانية : صفات شيطانية، ومنها يتشعب الحسد، والبغي والحيل والخداع والمكر ، والغش والنفاق والأمر بالفساد ونحو ذلك .
الثالثة : الصفات البهيمية، ومنها يتشعب الشر والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، فيتشعب من ذلك الزنى واللواطة والسرقة، وأخذ الحطام لأجل الشهوات .
الرابعة : الصفات السبعية، ومنها يتشعب الغضب والحقد، والتهجم على الناس بالقتل والضرب، وأخذ الأموال، وهذه الصفات لها تدرج فى الفطرة .

(4/4)


فالصفة البهيمية هي التي تغلب أولاً، ثم تتلوها الصفة السبعية ثانياً، فإذا اجتمعت هاتان، استعملتا العقل فى الصفات الشيطانية، من المكر والخداع والحيل، ثم تغلب الصفات الربوبية . فهذه أمهات الذنوب ومنابعها، ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع إلى الجوارح، فبعضها فى القلب، كالفكر، والبدعة، والنفاق، وإضمار السوء، وبعضها فى العين، وبعضها فى السمع، وبعضها فى اللسان ، وبعضها فى البطن والفرج، وبعضها فى اليدين والرجلين، وبعضها على جميع البدن، ولا حاجة إلى تفاصيل ذلك فإنه واضح .
ثم الذنوب تنقسم إلى ما يتعلق بحقوق الآدميين، وإلى ما بين العبد وبين ربه .
فما يتعلق بحقوق العباد، فالأمر فيه أغلظ، والذي بين العبد وبين ربه، فالعفو فيه أرجى وأقرب، إلا أن يكون شركاً والعياذ بالله ، فذلك الذي لا يغفر . وقد روى عن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة : ديوان لا يعبأ الله به، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله . فأما الديوان الذي لا يغفره الله تعالى، فالشرك . قال الله تعالى { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً ، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله عز وجل، يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء . وأما الديوان الذي لا يترك منه شيئاً، فظلم العباد بعضهم بعض، فالقصاص لا محالة " .
قسمة أخرى :
اعلم : أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر الاختلاف فيها ، واختلفت الأحاديث فى عدد الكبائر . والأحاديث الصحاح فى ذكرها خمسة .
الأول : حديث أبى هريرة رضى الله عنه ، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : اجتنبوا السبع الموبقات . قالوا يا رسول الله : وما هن ؟ قال : الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " .

(4/5)


الثاني : حديث ابن مسعود رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، سئل أي الذنب أكبر ؟ قال : " أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك " .
الثالث : حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : " الكبائر : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين " .
الرابع : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر : قول الزور - أو قال - شهادة الزور " .
الخامس : حديث أبى بكرة أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت عنده الكبائر قال : " الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس، فقال : ألا وقول الزور، وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت .

(4/6)


وقت اختلفت العلماء فيها على أقوال كثيرة، والأحاديث فى الكبائر لا تدل على حصرها فيها، ولعل الشارع قصد الإبهام ليكون الناس على وجل من الذنوب، لكن يعرف من الأحاديث أجناس الكبائر، ويعرف أيضاً الكبائر . فأما أصغر الصغائر، فلا سبيل إلى معرفته، وقد تكلم العلماء فى عدد الكبائر، فروى عن ابن مسعود رضى الله عنه : وهي أربع : وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال : هي سبع . وكان ابن عباس رضى الله عنهما إذا بلغه قول عمر : إنها سبع، قال : هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع . وقال أبو صالح عن ابن عباس : هي ما أوجب الحد فى الدنيا . وعن ابن مسعود أن الكبائر من فاتحة النساء إلى قولة : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } [ النساء : 31 ] . وقال سعيد بن جبير وغيره : هي كل ذنب أوعد الله عليه النار . وقال أبو طالب المكي : الكبائر سبع عشرة جمعتها من جملة الأخبار . أربعة فى القلب : الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله تعالى . وأربعة في اللسان : شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر . وثلاثة فى البطن : شرب الخمر، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا . واثنتان فى الفرج : الزنا واللواطة . وواحدة فى الرجلين : الفرار من الزحف .
واحدة فى جميع البدن، وهى عقوق الوالدين . وهذا يمكن أن يزاد عليه ، وينقص منه، فإن ضرب اليتيم وتعذيبه أكبر من أكل ماله، والله أعلم .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOP2ـ فصل في كيفية توزع الدرجات فى الآخرة على الحسنات والسيئات فى الدنيا .

(4/7)


اعلم : أن الناس يتفاوتون فى الآخرة ، كما يتفاوتون فى الدنيا، وينقسمون إلى أربعة أقسام : هالكين ، ومعذبين ، وناجين ، وفائزين . ومثال ذلك أن يستولي ملك من الملوك على إقليم ، فيقتل بعض أهله، ويعذب بعضهم ولا يقتلهم، ويخلى بعضهم، فهم الناجون، ويخلع بعضهم وهم الفائزون . وإذا كان الملك عادلاً، فلا يقسمهم كذلك إلا باستحقاق ، ولا يقتل إلا جاحداً لاستحقاق الملك، معانداً له فى أصل الولاية، ولا يعذب إلا من قصَّر فى خدمته مع الاعتراف له بالملك ، ولا يخلى إلا معترفا له بالملك، ولم يقصر، ولا يخلع إلا على من أبلى عمره فى الخدمة والنصرة، وكل واحد من هذه الأقسام يتفاوتون فى النعيم والتعذيب على حسب أحوالهم، ويشهد لذلك ما ورد فى الحديث أن من الناس من يمر على الصراط كالبرق الخاطف، ومنهم من يبقى فى النار سبعة آلاف سنة، وبين اللحظة وسبعة آلاف سنة تفاوت كثير . وأما اختلاف العذاب بالشدة، فلا نهاية لأعلاه، وأدناه التعذيب بالمناقشة فى الحساب، كما أن الملك قد يعذب بعض المقصرين فى الأعمال بالمناقشة في الحساب، ثم يعفو، وقد يضرب بالسياط أو يعذب بغيرها من أنواع العذاب . وتفاوت منازل أهل السعادة على نحو ذلك فى النعيم، فهذه الأمور الكلية معلومة بالنقل ونور المعرفة . فأما من جهة التفصيل، فنقول : كل من أحكم أصل الإيمان ، واجتنب جميع الكبائر، أحسن جميع الفرائض ولم يكن منه إلا صغائر متفرقة لا يصر عليها، فيشبه أن يعفى عنه ، فقد نص القرآن على اجتناب الكبائر مكفر للصغائر . وهذا إما أن يلتحق بالمقربين، أو أصحاب اليمين، وذلك بحسب إيمانه، ويقينه، فإن قل أو ضعف، دنت منزلته، وإن كثر وقوى، علت منزلته . ثم إن المقربين يتفاوتون بحسب تفاوت معرفتهم بالله تعالى، ودرجات العارفين فى المعرفة لا تنحصر، لأن بحر المعرفة لا ساحل له، وإنما يغوص فيه الغواصون بقدر قواهم، فأعلى درجات أصحاب اليمين، أدنى درجات المقربين، هذا حال من اجتنب

(4/8)


الكبائر وأدى الفرائض . فأما من ارتكب، أو أهمل أركان الإسلام، فإنه إن تاب توبة نصوحاً قبل قرب الأجل، التحق بمن لم يرتكب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والثوب المغسول كالذي لم يتسخ أصلاً . فأما إن مات قبل التوبة، فأمره خطر، إذ ربما يكون موته على الإصرار سبباً لتزلزل إيمانه، فيختم له بسوء الخاتمة، لا سيما إذا كان إيمانه تقليداً فإنه قابل للانحلال بأدنى شك وخيال، والعارف الموقن أبعد من أن يخاف عليه سوء الخاتمة . ثم إن عذاب الميت عن غير توبة يكون بحسب قبح الكبائر ومدة الإصرار . ثم ينزل البله المقلدون الجنة، وينزل العارفون المستبصرون أعلى عليين، وما ذكرناه من مراتب العباد فى المعاد حكم ظاهر الأسباب، يضاهى حكم الطبيب على مريض بأنه يموت لا محالة، ولا يقبل إصلاح العلاج، وعلى مريض آخر بأن عارضه خفيف، وعلاجه هيَّن، فإن ذلك ظن يصيب غالباً، وقد تثوب إلى الهلاك نفسه من حيث لا يشعر الطبيب، وقد يساق إلى ذي العارض الخفيف أجله من حيث لا يطلع عليه، وذلك لأسرار الله تعالى الخفية، وفى أرواح الأحياء غموض للأسباب التي رتبها المسبب، وليس فى قوة البشر الوقوف على كنهها، وكذلك الفوز والهلاك في الآخرة لهما أسباب خفية ليس فى قوة البشر الاطلاع عليها، وكذلك يجوز العفو عن المعاصي وإن كثرت سيئاته، والغضب على المطيع وإن كثرت طاعاته الظاهرة، فإن الاعتماد على التقوى، والتقوى فى القلب، وأحوال القلب قد تخفى على صاحبه، فكيف على غيره
وأما الناجون، ونعنى بالنجاة السلامة فقط دون السعادة والفوز، وهم قوم لم يخدموا فيخلع عليهم، ولم يقصروا فيعذبوا، ويشبه أن يكون هذا حال المجانين، وأولاد الكفار، والذين لم تبلغهم الدعوة، فلم يكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة ولا معصية، ويصلح أن يكونوا على الأعراف .

(4/9)


وأما الفائزون، فهم العارفون، وهم المقربون والسابقون، وهؤلاء الذين لم تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وليس حرصهم على الجنة، بل على لقاء الله سبحانه وتعالى والنظر إليه . ومثالهم مثال المحب، فإنه في تلك الحال غافل عن نفسه، لا يحس بما يصيبه فى بدنه، ولا همَّ له سوى محبوبه ، فهؤلاء الواصلون إلى قرة أعين، ولا تخطر على قلب بشر، فهذا القدر كافي بيان توزيع الدرجات على الحسنات .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOP3ـ فصل في بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب
اعلم : أن الصغيرة تكبر بأسباب : منها الإصرار والمواظبة . وفى الحديث من رواية ابن عباس رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار " . واعلم : أن العفو عن كبيرة قد انقضت ولم يتبعها مثلها، أرجى من العفو عن صغيرة يواظب عليها العبد . ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على حجر متواليات، فإنها تؤثر فيه، ولو جمعت تلك القطرات فى مرة وصبت عليه لم تؤثر، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم " أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل " . ومن الأسباب التي تعظم الصغائر أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد، صغر عند الله تعالى، وكلما استصغره العبد، كبر عند الله تعالى، فإن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه وكراهيته له . قال ابن مسعود رضى الله عنه : إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه فى أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا . أخرجاه فى " الصحيحين " .

(4/10)


وإنما يعظم الذنب فى قلب المؤمن لعلمه بجلال الله تعالى، فإذا نظر إلى عظمة من عصى، رأى الصغيرة كبيرة . وفى البخاري من حديث أنس رضى الله عنه : " إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الموبقات " وقال بلال بن سعد رحمه الله : لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت . ومن الأسباب أن يفرح بالصغيرة ويتمدح بها، كما يقول : أما رأيتني كيف مزَّقت عرض فلان، وذكرت مساويه حتى خجلته، أو يقول التاجر : أما رأيت كيف روجت عليه الزائف، وكيف خدعته وغبنته، فهذا وأمثاله تكبر به الصغيرة . ومنها أن يتهاون بستر الله تعالى وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا يدرى أن ذلك قد يكون مقتاً ليزداد بالإهمال إثماً . ومنها أن يأتى الذنب ثم يذكره بمحضر من غيره، وفى " الصحيحين " من حديث أبى هريرة رضى الله عنه ، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول : يا فلان : عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره الله عليه، ويصبح يكشف ستر الله عنه " . ومنها أن يكون المذنب عالماً يُقتدي به، فإذا علم منه الذنب، كبر ذنبه، كلبسه الحرير، ودخوله على الظلمة مع ترك الإنكار عليهم، وإطلاق اللسان فى الأعراض، واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه، كعلم الجدل، فهذه ذنوب يتبع العالم عليها، فيموت ويبقى شره مستطيراً فى العالم، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه . وفى الحديث : " ومن سن فى الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ " .
فعلى العالم وظيفتان :

(4/11)


إحداهما : ترك الذنب، والثانية : إخفاؤه إذا أتاه . وكما تتضاعف أوزار العلماء إذا أُتبعوا على الذنوب، كذلك تتضاعف حسناتهم إذا أُتبعوا على الخير . وينبغى للعالم أن يتوسط فى ملبسه ونفقته، وليكن إلى التقلل أميل، فإن الناس ينظرون إليه .
وينبغى له الاحتراز مما يقتدي به فيه، فإنه متى ترخص فى الدخول على السلاطين وجمع الحطام، فاقتدى به غيره، كان الإثم عليه، وربما سلم هو فى دخوله، ولم يفهموا كيفية سلامته . وقد رأينا أن ملكاً كان يُكْرِهُ الناس على أكل لحم الخنزير، فجيء برجل عالم، فقال له حاجب الملك : قد ذبحت له جدياً فكل منه، فلما دخل قرب إليه فلم يأكل، فأمر بقتله، فقال له الحاجب : ألم أقل لك إنه جدى، فقال : ومن أين يعلم حالي من يقتدي بى .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOP4ـ فصل في شروط التوبة

(4/12)


واعلم : أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزماً وقصداً، وذلك الندم يورث العلم بأن تكون المعاصي حائلا بين الإنسان وبين محبوبه . والندم هو توجع القلب عنده شعوره بفراق المحبوب، وعلامته طول الحزن والبكاء، فإن من استشعر عقوبة نازلة بولده أو من يعزُّ عليه، طال بكاؤه، واشتدت مصيبته، وأي عزيز أعز عليه من نفسه ؟ وأي عقوبة أشد من النار ؟ وأي سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصى ؟ وأى خبر أصدق من رسول الله ؟ ولو أخبره طبيب أن ولده لا يبرأ من مرضه لاشتد فى الحال حزنه، وليس ولده بأعز من نفسه، ولا الطبيب أعلم من الله ورسوله، ولا الموت بأشد من النار، ولا المرضى أدل على الموت من المعاصي على سخط الله، والتعرض بها للنار . وينبغى للتائب أن يتفقد ما عليه من صلاة فائتة، أو بغير شرطها ؟ مثل أن يكون صلاها فى ثوب نجس، أو بنية غير صحيحة، لجهله بذلك، فيقضيها كلها . وكذلك إن كان عليه صوم، أو زكاة، أو حج، أو غير ذلك من الموجبات، يقضيها كلها، ويفتش على ذلك ويتداركه . وأما المعاصى، فينبغى أن يفتش من أول بلوغه عن معصية صدرت منه، وينظر فيها، فما كان من ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، فالتوبة منه الندم والاستغفار .

(4/13)


ثم ينظر إلى مقادير ذنوبه، فيطلب لكل معصية منه حسنة تناسبها، فيأتي من الحسنات بمقدار تلك السيئات . قال الله تعالى : { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود : 114 ] وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " أتبع السيئة الحسنة تمحها " . مثال ما ذكرنا : أن يكفر سماع الملاهي بسماع القرآن ومجالس الذكر، ويكفر مسح المصحف بغير طهارة بإكرامه وكثرة القراءة فيه، وإن أمكنه أن يكتب مصحفاً ويقفه فليفعل، ويكفِّر شرب الخمر بالتصدق بالشراب الحلال . وعلى هذا فاسلك سبيل المضادة، فإن الأمراض إنما تعالج بضدها، فهذا حكم ما بينه وبين الله تعالى . وأما مظالم العباد، ففيها أيضاً معصية الله تعالى، لأنه نهى عن ظلم العباد، فالظالم لهم قد ارتكب نهيه تعالى، فيتدارك ذلك بالندم والعزم على ترك مثل ذلك فى المستقبل، والإتيان بالحسنات المضادة لتلك المظالم كما تقدم فى القسم الأول . فيقابل إيذاء الناس بالإحسان إليهم، ويكفر غصب الأموال بالتصدق بماله الحلال، ويكفر تناول أعراضهم بالثناء على أهل الدين، ويكفر قتل النفوس بالعتق . هذا فيما يتعلق بحق الله تعالى، فإذا فعل ذلك، لم يكفه حتى يخرج من مظالم العباد . ومظالمهم إما فى النفوس، أو الاموال، أو الأعراض، أو إيذاء القلوب .
أما الأول : فإنه إذا قتل خطأ أو أوصل الدية إلى مستحقيها، إما منه أو من عاقلته، وإن قتل عمداً، وجب عليه القصاص بشروطه، فعليه أن يبذل نفسه لولى الدم، إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، ولا يجوز له إخفاء أمره، بخلاف ما لو زنا، أو سرق، أو شرب الخمر، أو باشر ما يجب فيه حد لله تعالى، فإنه لا يلزمه فى التوبة أن يفضح نفسه، بل عليه أن يستر نفسه، فإن رفع أمره إلى الولي حتى أقام عليه الحد، وقد ذلك موقعه وكانت توبته صحيحة مقبولة عند الله تعالى، بدليل قصة ماعز والغامدية . وكذلك حد القذف، لابد فيه من تحكيم المستحق فيه .

(4/14)


الثاني : المظالم المتعلقة بالأموال، نحو الغضب، والخيانة، والتلبيس فى المعاملات، فيجب عليه رد ذلك إلى أصحابه والخروج منه . وليكتب إلى أصحاب المظالم، وليؤدِّ إليهم حقوقهم، ويستحلهم، فإن كثر ظلمه بحيث لا يقدر على أدائه، فليفعل ما يقدر عليه من ذلك، ولم يبق له طريق إلا الاستكثار من الحسنات، لتؤخذ منه في القصاص يوم القيامة فتوضع فى موازين أرباب المظالم، فإنها إن تفي بذلك أخذ من سيئاتهم، فتوضع فوق سيئاته . هذا حكم المظالم الثابتة فى الذمة والأموال الحاضرة، فإن كان عنده أموال من شئ من ذلك لم يعرف مالكه ولا ورثته، تصدق به عنه، وإن اختلط الحلال بالحرام، عرف قدر الحرام بالاجتهاد، وتصدق بمقداره .
الثالث : الجناية على الأعراض، وإيذاء القلوب، فعليه أن يطلب كل واحد منهم، وليستحله، وليعرفه قدر الجناية، فإن الاستحلال المبهم لا يكفى، وربما لو عرف ذلك لم تطب نفسه بالإحلال، إلا أن تكون تلك الجناية إذا ذكرت كثر الأذى، كسبته إلى عيب من خفايا عيوبه، أو كزنى بجارته، فليجتهد فى اللطف به والإحسان إليه، ثم ليستحله مبهماً، ولابد أن يبقى فى مثل ذلك مظلمة تجبر بالحسنات يوم القيامة، وكذلك من مات من هؤلاء فإنه يفوت أمره، ولا يتدارك إلا بكثير الحسنات، لتؤخذ منه عوضاً يوم القيامة، ولا خلاص إلا برجحان الحسنات .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOP5ـ فصل [ في شروط التوبة ]

(4/15)


ومن شروط التوبة الصحيحة العزم على أن لا يعود فى المستقبل إلى تلك الذنوب، ولا إلى أمثالها، ويعزم على ذلك عزماَ مؤكداً . مثال ذلك المريض الذي يعلم أن الفاكهة تضر فى مرضه، فيعزم عزماً جزماً أن لا يتناول شيئاً من الفاكهة ما دام فى مرضه ذلك، فإن هذا العزم يتأكد فى الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة فى ثاني الحال، ولكن لا يكون تائباً ما لم يتأكد عزمه فى الحال، ولا يتصور أن يتم ذلك للتائب فى أول مرة إلا بالعزلة، والصمت وقلة الأكل والنوم، وإحراز قوتٍ حلال، ويترك الشبهات والشهوات من المأكولات والملبوسات . قال بعضهم : من صدق فى ترك الشهوة، وجاهد نفسه فيها سبع مرات، لم يبتل بها، وقال : من تاب من ذنب واستقام سبع سنين، لم يعد إليه أبداً .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOP6ـ بيان أقسام العباد فى دوام التوبة
الناس فى التوبة أربع طبقات :
الطبقة الأولى : تائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، ويتدارك ما فرّط من أمره، ولا يحدِّث نفسه بالعودة إلى ذنوبه، إلا الزلات التي لا ينفك عنها البشر فى العادات، فهذه هي الاستقامة في التوبة، وصاحبها هو السابق بالخيرات . وتسمى هذه التوبة : النصوح، وتسمى هذه النفس : المطمئنة، وهؤلاء يختلفون منهم من سكنت شهوته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها، ومنهم من تنازعه نفسه وهو ملئ بمجاهدتها .

(4/16)


الطبقة الثانية : تائب قد سلك طريق الاستقامة فى أمهات الطاعات وكبائر الفواحش، إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه، لا عن عمد، ولكنه يبتلى بها فى مجارى أحواله من غير أن يقدم عزماً على الإقدام عليها، وكلما أتى شيئاً منها لام نفسه، وندم وعزم على الاحتراز من أسبابها، فهذه هي النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة، فهذه رتبة عالية أيضاً، وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهى أغلب أحوال التائبين، لأن الشر معجون بطينة الآدمى، فقلما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره، حتى يثقل ميزانه، فترجح حسناته، فأما إن تخلو كفة السيئات، فبعيد . وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله سبحانه وتعالى، إذ قال : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة } [ النجم : 32 ] والى هذه الرتبة الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن الله يحب المؤمن المُفتّن التواب "
الطبقة الثالثة : أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته فى بعض الذنوب، فيقدم عليها لعجزه عن قهر الشهوة، إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات، وترك جملة من الذنوب مع القدرة عليها والشهوة لها، وإنما قهرته شهوة واحدة أو شهوتان، وهو يود لو أقدره الله على قمعها، وكفاه شرها، فإذا انتهت ندم، لكنه يعد نفسه بالتوبة عن ذلك الذنب، فهذه هي النفس المسؤولة، وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } فأمر هذا من حيث مواظبته على الطاعات وكراهيته لما يتعاطاه مرجو لقوله تعالى : { عسى الله أن يتوب عليهم } [ التوبة : 103 ] وعاقبته خطرة من حيث تأخيره وتسويفه، فربما يختطف قبل التوبة، فإن الأعمال بالخواتيم، فعلى هذا يكون الخوف من الخاتمة، وكل نفس يمكن أن يتصل به الموت، فتكون الخاتمة، فليراقب الأنفاس، وليحذر وقوع المحذور .

(4/17)


الطبقة الرابعة : أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكاً من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، فهذا من المصرين، وهذه النفس هي الأمارة بالسوء، ويخاف على هذا سوء الخاتمة . فإن مات هذا على التوحيد، فإنه يرجى له الخلاص من النار، ولو بعد حين، ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفي لا يطلع عليه، إلا أن التعويل على هذا لا يصلح، فإن من قال : إن الله تعالى كريم، وخزائنه واسعة، ومعصيتي لا تضره، ثم تراه يركب البحار فى طلب الدينار، فلو قيل له : فإذا كان الحق كريماً فاجلس فى بيتك لعله يرزقك، استجهل قائل هذا وقال : إنما الأرزاق بالكسب فيقال له : هكذا النجاة بالتقوى .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOP7ـ فصل [ فيما ينبغي للتائب فعله ]
وقد ذكرنا أن التائب ينبغي له أن يأتى بحسنات تضاد ما عمل من السيئات لتمحوها وتكفرها، والحسنات المكفرة تكون بالقلب واللسان والجوارح على حسب السيئات، فما كان بالقلب، فنحو التضرع والتذلل، وأما اللسان، الاعتراف بالظلم والاستغفار، مثل أن يقول : رب ظلمت نفسي فاغفر لى . روى فى الحديث، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ما من رجل يذنب ذنباً، فيتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلى ركعتين، ويستغفر الله عز وجل، إلا غفر له " . وأما الجوارح فبالطاعات، والصدقات، وأنواع العبادات .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=30 - TOP#TOP8ـ فصل في دواء التوبة وطريق علاج حل عقد الإصرار

(4/18)


اعلم : أنه لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى بالدواء إلا مناقضة أسباب الداء، ولا يبطل الشيء إلا بضده، وسبب الإصرار الغفلة والشهوة، ولا تضاد الغفلة إلا بالعلم، ولا تضاد الشهوة إلا بالصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة . الغفلة رأس الخطايا، فلا دواء إذاً للتوبة إلا بمعجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر، كما يجمع فى السكنجبين حلاوة السكر وحموضة الخل، فيحصل بمجموعهما قمع الصفراء .
والأطباء لهذا المرض هم العلماء، لأنه مرض القلوب ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان، وإنما صار مرضها أكثر لأمور :
أحدها : أن المريض لا يدرى أنه مريض .
الثاني : أن عاقبته غير مشاهدة فى هذا العالم، بخلاف مرض الأبدان، فإن عاقبته مشاهد ينفر الطبع عنه، وما بعد الموت غير مشاهد، فقلّت النفرة عن الذنوب وإن علمها مرتكبها، فلذلك تراه يتكل على فضل الله فى مرض القلب، ويجتهد فى علاج البدن من غير اتكال .
الأمر الثالث : وهو الداء العضال فقد الطبيب، فإن الأطباء هم العلماء، وقد مرضوا فى هذه الأعصار، لأن الداء المهلك هو حب الدنيا، وقد غلب هذا الداء على الأطباء، فلم يقدروا على تحذير الخلق استنكافاً من أن يقال لهم : فما لكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم ؟ فبهذا السبب عم الداء وانقطع الدواء .
فإن قيل : فما ينبغي للواعظ سلوكه من الخلق ؟ فالجواب : أن ذلك يطول، لكنا نشير إلى الأعمال النافعة في ذلك، وهى أربعة أنواع :
الأول : أن يذكر ما فى القرآن العزيز من الآيات المخوفة للمذنبين، وما ورد فى الأخبار والآثار من ذلك، ويمزج ذلك بمدح التائبين .

(4/19)


النوع الثاني : حكايات الأنبياء عليهم السلام، والسلف الصالح، وما أصابهم من المصائب بسبب الذنوب، كحال آدم عليه السلام، وما لقي في عصيانه الإخراج من الجنة، وما جرى لداود وسليمان ويوسف عليهم السلام، ولم يورد القرآن هذه الأشياء إلا للاعتبار . وكان من سعادتهم معالجتهم بذلك، والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما، ولأن عذاب الآخرة أشد، فينبغي أن يكثر من هذا على أسماع المصرين، فإنه نافع فى تحريك دواعي التوبة .
النوع الثالث : أن يقرر عندهم، أن تعجل العقوبة فى الدنيا متوقع، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب، فهو سبب جناياته، فرب عبد يتساهل فى أمر الآخرة يخاف عقوبة الدنيا أكثر لفرط جهله، والذنوب قد يتعجل فى الدنيا شؤمها، كما قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " . وقال فضيل بن عياض : إنى لأعصى الله، فأعرف ذلك فى خلق حماري وخادمي . وقال أبو سليمان الداراني : الاحتلام عقوبة، ولا يفوت أحداً صلاة [ جماعة ] إلا بذنب يذنبه . وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن المؤمن إذا أذنب كان نكتة سوداء فى قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وذلك الران الذي ذكر الله عز وجل فى كتابه : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } [ المطففين : 14 ] قال الترمذى : حديث حسن صحيح .
وقال الحسن رحمه الله : الحسنة نور فى القلب، وقوة فى البدن، والسيئة ظلمة فى القلب، ووهن فى البدن .
النوع الرابع : ذكر ما ورد من العقوبات فى آحاد الذنوب، كشرب الخمر، والزنى، والقتل، والكبر، والحسد، والغيبة .
وينبغى أن يكون طبيباً يعلم الداء، ويدرى كيف يصنع الدواء، فإن رجلاً سأل النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أوصني، قال : " لا تغضب " وقال آخر : أوصني، فقال : " عليك باليأس مما فى أيدي الناس "

(4/20)


فكأنه تخايل فى الأول مخايل الغضب، وفى الثاني مخايل الطمع . وهذا الذي ذكرنا هو علاج الغفلة، فيبقى علاج الشهوة، وطريق علاجها يؤخذ مما ذكرنا فى كتاب " رياضة النفس " ولابد من الصبر، فإن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ما يضره، وإنما يحمله على ذلك شدة شهوته، أو غفلته أو مضرته، فلابد من مرارة الصبر، وكذلك يعالج الشهوة فى المعاصي، كالشاب مثلاً إذا غلبته شهوة، فصار لا يقدر على حفظ عينه وقلبه وجوارحه فى السعى وراء الشهوة، فينبغي أن يستحضر المخوفات التي جاءت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا اشتد خوفه تباعد عن الأسباب المهيجة للشهوة . والذي يهيج الشهوة من خارج، هو حضور المشتهى، والنظر إليه، وعلاجه : الجوع والصوم الدائم، وكل ذلك لا يتم إلا بصبر، ولا يصبر إلا عن خوف، ولا يخاف إلا عن علم، ولا يعلم إلا عن بصيرة، فأول الأمر حضور مجالس الذكر، والاستماع بقلب مجرد عن الشواغل، ثم التفكر فيما قيل، فينبعث الخوف، ويسهل الصبر، وتتيسر الدواعي لطلب العلاج، وتوفيق الحق سبحانه من وراء ذلك كله . فإن قيل : ما بال الإنسان يقع فى الذنب مع علمه بقبح عواقبه ؟ فعن ذلك أجوبة : منها : أن العقاب الموعود ليس بحاضر . ومنها : أن المؤمن إذا أذنب لابد أن يعزم على التوبة، وقد وعد أن التوبة تجبر ما فعل، وطول الأمل غالب على الطباع، فلا يزال يسوف بالتوبة، فلما رجا التوبة أقبل على الذنب . ومنها : أنه يرجو عفو الله عنه، وعلاج هذه الأسباب أن يفكر فى نفسه أن كل ما هو آتٍ قريب، والمسوف يبنى الأمر على ما ليس إليه، وهو البقاء، فلعله لا يبقى، وإن بقى فربما لا يقدر على الترك غداً كما يقدر عليه اليوم، وهل عجز عن الحال إلا لغلبة الشهوة وهى غير مفارقة له غداً ؟ بل يتأكد بالاعتياد، ومن هذا هلك المسوفون، لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين، وما مثال المسوف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة، فرآها قوية لا تنقطع

(4/21)


إلا بمشقة شديدة، فقال : أؤخرها سنة ثم أعود إليها، وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها، وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه، فالعجب من عجزه مع قوته عن مقاومتها فى حال ضعفها، كيف ينظر الغلبة إذا ضعف وقويت . وأما انتظار عفو الله تعالى، فعفو الله سبحانه ممكن، إلا أن الإنسان ينبغي له الأخذ بالحزم، وما مثال ذلك إلا كمثل رجل أنفق أمواله كلها، وترك نفسه وعياله فقراء ينتظر من الله تعالى أن يرزقه العثور على كنز فى خربة، وهذا ممكن إلا أن صاحبه ملقب بالأحمق، والله سبحانه وتعالى أعلم .
كتاب الصبر والشكر
وهو شطران :
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOPالأول : فضل الصبر وحقيقته وأقسامه ونحو ذلك . وقد ذكر الله تعالى الصبر في القرآن في نحو من تسعين موضعاً، وأضاف إليه أكثر الخيرات والدرجات وجعلها ثمرة له، فقال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } [ السجدة : 24 ] . وقال : { وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا } [ الأعراف : 137 ] وقال : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر : 10 ] .
فما من قربة إلا أجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر قال الله تعالى (1): { الصوم لى وأنا أجزى به } . وقد وعد الله الصابرين بأنه معهم، وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم، فقال : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [ البقرة : 157 ] والآيات في هذا كثيرة .

(4/22)


وأما الأحاديث، ففى " الصحيحين " من حديث أبى سعيد رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " ما أعطى أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر " وفى حديث آخر : " الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد " (2) وقال الحسن : الصبر من خاصية الإنسان، ولا يتصور في البهائم لنقصانها، وغلبة الشهوات عليها من غير شئ يقابلها، ولا يتصور الصبر أيضاً في الملائكة لكمالها، فإن الملائكة جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية، ولم تسلط عليهم شهوة صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصدها عن حضرة الجلال .
وأما الإنسان فإنه يخلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة، لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة، ثم شهوة النكاح، وليس له قوة الصبر، فإذا تحرك العقل وقوى، ظهرت مبادئ إشراق نور الهداية عند سن التمييز، ولكنها هداية قاصرة لا مرشد لها إلى المصالح الآخرة، فإذا عقد بمعرفة الشرع تلمح ما يتعلق بالآخرة وكثر سلاحه، إلا أن الطبع يقتضي ما يحب، وباعث الشرع والعقل يمنع، والحرب بينهما قائمة، ومعركة هذا القتال قلب العبد، فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوات، فإن ثبت حتى قهر الشهوة التحقق بالصابرين، وإن ضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر على دفعها، التحق بأتباع الشياطين، وإذا ثبت أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة الهوى، فهذه المقاومة من خاصية الآدميين .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOP1ـ فصل [ في أقسام الصبر ]
اعلم أن الصبر على ضربين :
أحدهما : بدني، كتحمل المشاق بالبدن، وكتعاطي الأعمال الشاقة من العبادات أو من غيرها .

(4/23)


الضرب الآخر : هو الصبر النفساني على مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى، وهذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن والفرج، سمى عفة، وإن كان الصبر في قتال، سمى شجاعة، وإن كان في كظم غيظ سمى حلماً، وإن كان في نائبة مضجرة، سمى سعة صدر، وإن كان في إخفاء أمر سمى كتمان سر، وإن كان في فضول عيش سمى زهداً، وإن كان صبراً على قدر يسير من الحظوظ سمى قناعة .
وأما المصيبة، فإنه يقتصر فيها على اسم الصبر، فقد بان بما ذكرنا أن أكثر أخلاق الإيمان داخلة في الصبر، وإن اختلفت الأسماء باختلاف المتعلقات .
ثم اعلم أن العبد لا يستغني عن الصبر في كل حال من الأحوال، وذلك أن جميع ما يلقى العبد في الدنيا لا يخلو من نوعين :
النوع الأول : ما يوافق هواه من الصحة، والسلامة والمال، والجاه، وكثرة العشيرة، والأتباع، وجميع ملاذ الدنيا، فالعبد محتاج إلى الصبر في جميع هذه الأمور، فلا يركن إليها، ولا ينهمك في التلذذ بها، ويراعى حق الله تعالى في ماله بالإنفاق، وفى بدنه بالمعونة للحق .
ومتى لم يضبط نفسه عن الانهماك في الملاذ والركون إليها، أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان، حتى قال بعض العارفين : المؤمن يصبر على البلاء، ولا يصبر على العافية إلا صدِّيق .
وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه : ابتلينا بالضراء فصبرانا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر .
ولذلك قال الله تعالى : { لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } [ المنافقون : 9 ] وقال تعالى : { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } [ الأنفال : 28 ] { إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم } [ التغابن : 14 ]
فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية، وهذا الصبر متصل بالشكر، فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر، وإنما كان الصبر على السراء شديداً، لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ .
النوع الثاني المخالف للهوى وهو ثلاثة أقسام :

(4/24)


أحدها : الطاعات، فيحتاج العبد إلى الصبر عليها، لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية .
ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة، ومنا ما يكره بسبب البخل كالزكاة، ومنها ما يكره بسببها جميعاً كالحج والجهاد .
ويحتاج المريد إلى الصبر على طاعته في ثلاثة أحوال :
حال قبل العبادة، وهى تصحيح النية، والإخلاص والصبر على شوائب الرياء، وحال في نفس العبادة، وهى أن لا يغفل عن الله تعالى في أثناء العبادة، ولا يتكاسل عن تحقيق الآداب والسنن، فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ من العمل .
الحالة الثالثة بعد الفراغ من العمل : وهى الصبر عن إفشائه، والتظاهر به لأجل الرياء والسمعة، وعن كل ما يبطل عمله، فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى أبطلها .
القسم الثاني : الصبر عن المعاصي، وما أحوج العبد إلى ذلك .
ثم إن كان الفعل مما تيسر فعله، كمعاصي اللسان من الغيبة، والكذب والمراء ونحوه، كان الصبر عليه أثقل، فترى الإنسان إذا لبس حريراً استنكر ذلك، ويغتاب أكثر نهاره، فلا يستنكر ذلك . ومن لم يملك لسانه في المحاورات، ولم يقدر على الصبر، لم ينجه إلا العزلة .
القسم الثالث : ما لا يدخل تحت الاختبار : كالمصائب، مثل موت الأحبة، وهلاك الأموال، وعمى العين، وزوال الصحة، وسائر أنواع البلاء، فالصبر على ذلك من أعلى المقامات، لأن سنده اليقين . وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : " من يرد الله به خيراً يصب به " .
وقريب من هذا القسم، الصبر على أذى الناس، كالذي يؤذى بقول أو فعل أو جناية على نفسه أو ماله، والصبر على ذلك يكون بترك المكافآت .
والصبر على أذى الناس من أعلى المراتب، قال الله تعالى : { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } [ آل عمران : 186 ] وقال { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } [ الحجر : 97 ] وقال : { ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } [ النحل : 126 ] .

(4/25)


وقد روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : { الصبر ثلاثة : صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر عن المصيبة حتى يردها بحسن عزائها، كتب الله له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الأخرى كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتبت له ستمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش، ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش مرتين " ( ( أخرجه ابن أبى الدنيا في " فضل الصبر " وأبو الشيخ في " الثواب " من حديث على رضى الله عنه وسنده ضعيف ) )
والأحاديث في فضائل الصبر كثيرة، منها : ما أخرجناه في " الصحيحين " عن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز وجل بها عنه، حتى الشوكة يشاكها " .
وفى حديث آخر : " ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه " أخرجاه في " الصحيحين " .
وفى حديث آخر : " لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة، في جسده وفى ماله وفى ولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة " .
وفى حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال : قلت : يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء ؟ قال " الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشى على الأرض وليس عليه خطيئة " قال الترمذى : حديث حسن صحيح .

(4/26)


وروينا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : قال الله تعالى : " إذا وجهت إلى عبد من عبادي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً، أو أنشر له ديواناً " ( ( أخرجه ابن عدى في " الكامل " والديلمى في مسند الفردوس، والحكيم الترمذى في النوادر من حديث أنس بن مالك، وسنده ضعيف كما قال الحافظ العراقي ) )
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOP2ـ فصل [ في آداب الصبر ]
ومن آداب الصبر استعماله في أول صدمة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " حديث صحيح .
ومن الآداب الاسترجاع عند المصيبة، لحديث أم سلمة رضى الله عنها وهو من رواية مسلم .
ومن الآداب سكون الجوارح واللسان، فأما البكاء فجائز .
قال بعض الحكماء : الجزع لا يرد الفائت، ولكن يسر الشامت .
ومن حسن الصبر أن لا يظهر أثر المصيبة على المصاب، كما فعلت أم سليم امرأة أبى طلحة لما مات ابنها، وحديثها مشهور في صحيح " مسلم " .
وقال ثابت البنانى : مات عبد الله بن مطرف، فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن، فغضبوا، وقالوا : يموت عبد الله، ثم تخرج في ثياب من هذه مدهنا ؟ ! قال : أفأستكين لها، وعدني ربى تبارك وتعالى ثلاث خصال، كل خصلة منها أحب إلى من الدنيا وما فيها .
قال الله تعالى : { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [ البقرة : 156و 157 ] .
وقال مطرف : ما شىء أعطى به في الآخرة قدر كوز من ماء، إلا وددت أنه أخذ منى في الدنيا .
وكان صلة بن شيم في مغزىً له ومعه ابنه، فقال : أي بنى ! تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم فقتل، فاجتمع النساء عند أمه معاذة العدوية، فقالت : مرحباً إن كنتن جئتن تهنئننى، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن .

(4/27)


وإذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها، فكتمانها من نعم الله عز وجل الخفية .
وروى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين، فيقول : انظروا ما يقوله لعواده، فإن هو حمد الله تعالى إذا دخلوا عليه، رفعا ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم . فيقول : لعبدي إن أنا توفيته أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أكفر عنه خطاياه " ( ( أخرجه مالك في " الموطأ " 2/940 : باب ما جاء في أجر المريض من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، ووصله ابن عبد البر من طريق عباد بن كثير عن زيد عن عطاء عن أبى سعيد الخدري، وعباد بن كثير ليس بالقوى ) )
وقال على رضى الله عنه : من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك .
وقال الأحنف : لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، ما ذكرتها لأحد .
وقال رجل للإمام أحمد : كيف تجدك يا أبا عبد الله ؟ قال : بخير في عافية . فقال له : حممت البارحة ؟ قال : إذا قلت لك : أنا في عافية فحسبك، لا تخرجني إلى ما أكره .
وقال شقيق البلخى : من شكي مصيبة به إلى غير الله، لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبداً .
وقال بعض الحكماء : من كنوز البر كتمان المصائب، وقد كانوا يفرحون بالمصائب نظراً إلى ثوابها، وحكاياتهم مشهورة في ذلك .
منها : ما روى أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لما مات دفنه عمر، وسوى عليه ثم استوى قائماً، فأحاط به الناس، فقال : رحمك الله بابني ! قد كنت براً بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لى مسروراً بك، ولا والله ما كنت قط أشد بك سروراً، ولا أرجى بحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه .

(4/28)


فإن قيل : إن كان المراد من الصبر عدم كراهية المصائب، فلا قدرة للآدمي على ذلك، وإن كان الفرح بوجودها كما حكيتم، فهو أبعد .
والجواب : أن الصبر لا يكون إلا عن محبوب أو على مكروه، ولا ينهى عما لا يدخل تحت الكسب، وهو انزعاج الباطن، وإنما ينهى عن المكتسب، كشق الجيوب، ولطم الخدود، والقول باللسان، فأما ما ذكرنا من فرح بعضهم، فذلك فرح شرح لا طبعي، إذ الطبع لابد له من كراهة المصائب .
ومثال هذا رجل مريض له شربة لمرضه، فسعى في طلب حوائجها، وأنفق عليها مالاً، فلما تمت، فرح بتمامها وتناولها لما يرجو لها من العافية، فأما طبعه، فما زالت عنه كراهة التناول أصلاً . ولو أن ملكاً قال لرجل فقير : كلما ضربتك بهذا العود اللطيف ضربة أعطيتك ألف دينار، لأحب كثرة الضرب، لا لأنه لا يؤلم، ولكن لما يرجوا من عاقبة، وإن أنكاه الضرب، فكذلك السلف تلمحوا الثواب، فهان عليهم البلاء .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOP3ـ فصل في بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه
اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد بالشفاء، فالصبر وإن كان شاقاً فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل، فمنهما تركب الأدوية لأمراض القلوب كلها، فيحتاج كل مرض إلى علم وعمل يليق به، فإن العلل إذا اختلفت اختلف العلاج، إذ معنى العلاج : مضادة العلة .
ونضرب لك مثالاً، فنقول : إذا افتقر الإنسان إلى الصبر عن شهوة الجماع، وقد غلبت عليه بحيث لا يملك فرجه ولا عينه ولا قلبه، فعلاج ذلك بثلاثة أشياء :
أحدها : مواظبة الصوم، والاقتصار عند الإفطار على قليل من الطعام .
الثاني : قطع أسباب المهيجة، فإنه إنما يهيج بالنظر، والنظر بالقلب، والقلب يحرك الشهوة، ودواء هذا العزلة، والاحتراز عن مظان وقوع البصر على الصور المشتهاة، فان النظر سهم مسموم من سهام إبليس، ولا يمنع عنه إلا غمض الجفن أو الهرب .

(4/29)


الثالث : تسلية النفس بالمباح من جنس المشتهى، وذلك بالنكاح، وكل ما يشتهيه الطبع من الحرام، ففى المباحات غنية عنه، وهذا هو العلاج الأرفع في حق أكثر الناس، لأن قطع الغذاء يضعف ، ولا يقمع الشهوة بخلاف هذا .
وينبغى للإنسان أن يعود نفسه المجاهدة، فإن من عَّود نفسه مخالفة الهوى، غلبها متى أراد .
واعلم : أن أشد أنواع الصبر والمجاهدة، كف الباطن من حديث النفس، وإنما يشتد ذلك على من تفرغ واعتزل، فان الوساوس لا تزال تجاذبه، ولا علاج لهذا إلا قطع العلائق ، وجعل الهم هماً واحداً، وصرف الفكر إلى ملكوت السموات والأرض وعجائب صنع اللَّه تعالى، وجميع أبواب معرفة الله تعالى، حتى إذا استولى ذلك على قلبه، دفع اشتغاله مجاذبة الشيطان ووسواسة، وإن لم يكن له سير الباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة، من القراءة، والأذكار، والصلوات، ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور، فإن الفكر الباطن هو الذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة، فهذا الذي يمكن أن ينال بالاكتساب والجهد .

(4/30)


فأما مقادير ما ينكشف، ومبالغ ما يرد من لطف الله تعالى من الأحوال والأعمال، فذلك يجرى مجرى الصيد، وهو بحسب الرزق، فقد يقل الجهد، ويكثر الصيد، وقد يطول الجهد ويقل الصيد، والمعلوم وراء هذا الاجتهاد على جذبه من جذبات الرحمن عز وجل، فإنها توازى أعمال الثقلين، وليس ذلك اختيار العبد، بل اختياره أن يتعرض لتلك الجذبة، بأن يقلع عن قلبه جواذب الدنيا، فان المجذوب إلى أسفل سافلين، لا يجذب إلى أعلى عليين، وكل منهوم بالدنيا هو منجذب إليها، فقطع العلائق الجاذبة، هو المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم : " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها " . فالذي علينا تفريغ المحل، والانتظار لنزول الرحمة، كالذي يصلح الأرض وينقيها من الحشيش، ويضع فيها البذر، وكل ذلك لا ينفع إلا بمطر، ولا يدرى متى يقدر الله أسباب المطر، إلا أنه يثق بفضل الله تعالى أنه لا يخلى سنة عن مطر، وكذلك قلما تخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات .
فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب من حشيش الشهوات، وبذر الإرادة والإخلاص، وعرضه لمهاب ريح الرحمة، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع عند ظهور الغيم، كذلك انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة، وعند اجتماع الهم ونشاط القلوب، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وفى رمضان . والهمم والأنفاس أسباب لاستدرار رحمة الله تعالى بحكمته وتقديره .
الشطر الثاني من الكتاب
4ـ http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOPفي الشكر وفضله وذكر النعم وأقسامها ونحو ذلك

(4/31)


قال الله تعالى : { وسنجزى الشَّاكريَن } ( آل عمران : 145 ) وقال الله تعالى : { ما يفعل اللَّه بِعَذَابكُم إِن شَكَرُتم َوآمنْتُم } ( النساء : 147 ) وقال : { وقَلَيلّ من عبادي الشكُّور } ( سبأ : 13 ) وقطع بالمزيد مع الشكر فقال : { لَئن شكرتم لأزيدَّنكُم } [ إبراهيم : 7 ] مع كونه وقف أشياء كثيرة غيره على المشيئة كقوله : { فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } [ التوبة : 28 ] وقوله : { والله يرزق من يشاء } [ البقرة : 212 ] { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] ، { ويتوب الله على من يشاء } [ التوبة : 15 ] . ولما عرف إبليس قدر الشكر في الطعن على بنى آدم : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [ الأعراف : 17 ] .
وروى أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم قام حتى تفطرت قدماه، فقالت عائشة رضى الله عنها : أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ ! قال : " أفلا أكون عبداً شاكراً " .
وعن معاذ رضى الله عنه قال : قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم : " إنى أحبك فقل : اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOP5ـ فصل [ في كون الشكر بالقلب واللسان والجوارح ]
والشكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح .
أما بالقلب، فهو إظهار الشكر لله بالتحميد .
وأما بالجوارح، فهو استعمال نعم الله في طاعته، والتوقى من الاستعانة بها على معصيته، فمن شكر العينين أن تستر كل عيب تراه لمسلم، ومن شكر الأذنين أن تستر كل عيب تسمعه، فهذا يدخل في جملة شكر هذه الأعضاء .
والشكر باللسان : إظهار الرضى عن الله تعالى، وهو مأمور به . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " التحدث بالنعم شكر، وتركها كفر " .

(4/32)


وروى أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه : كيف أصبحت ؟ فقال : الحمد لله . فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " قولوا هكذا " .
وروى أن رجلاً سلم على عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فرد عليه، ثم قال له عمر : كيف أصبحت ؟ قال : أحمد الله، فقال عمر : ذاك الذي أرادت .
وقد كان السلف يتساءلون، ومرادهم استخراج الشكر لله، فيكون الشاكر مطيعاً، والمستنطق مطيعاً .
وقال أبو عبد الرحمن الحبلى : إن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف أصبحت ؟ فقال له الآخر : أحمد الله إليك، قال : يقول الملك الذي عن يساره للذي عن يمينه : كيف تكتبها ؟ قال : أكتبه من الحامدين . فكان أبو عبد الرحمن إذا سئل : كيف أصبحت ؟ يقول : أحمد الله إليك والى جميع خلقه .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOP6ـ فصل [ في فعل الشكر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله ]
اعلم : أن فعل الشكر وترك الكفران، لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى، إذ معنى الشكر استعمال نعمة في محابه، ومعنى الكفران نقيض ذلك، إما بترك الاستعمال، أو استعماله فيما يكرهه .
ولتمييز ما يحبه الله فيما يكرهه مدركان :
أحدهما : السمع، ومستنده الآيات .
والثاني : بصيرة القلب، وهو النظر بعين الاعتبار،وهذا الأخير عسير عزيز، ولذلك أرسل الله تعالى الرسل، وسهل بهم الطرق على الخلق، ومعرفة ذلك تبنى على معرفة جميع أحكام الشرع في . أفعال العباد، فمن لا يطلع على حكم الشرع في جميع أفعاله، لم يمكنه القيام بحق الشكر أصلاً .
وأما الثاني : وهو النظر بعين الاعتبار، فهو إدراك حكمة الله تعالى في كل موجود خلقه : إذ ما خلق الله تعالى شيئاً في العالم إلا وفيه حكمة، وتحت الحكمة مقصود، وذلك المقصود هو المحبوب . وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية .

(4/33)


أما الجلية، فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس أن يحصل الليل والنهار، فيكون النهار معاشاً، والليل سباتاً، فتتيسر الحركة عند الأبصار، والسكون عند الاستتار، فهذا من جملة حكم الشمس، لا كل الحكمة فيها، كذلك معرفة الحكمة في الغيم ونزول الأمطار .
وأما الحكمة في خلق الكواكب، فخفية لا يطلع عليها كل الخلق، وقد يطلعون على بعض ما فيها من الحكم، نحو كونها زينه للسماء، وجميع أجزاء العالم لا تخلو منه ذرة عن حكمة، وكذلك أعضاء الحيوان، منها ما تبين حكمته بياناً ظاهراً، كالعلم ،بأن العين للإبصار، واليد للبطش، والرجل للمشى . فأما الأعضاء الباطنة، كالمرارة، والكلية والكبد، وآحاد العروق، والأعصاب وما فيها من التجاويف والرقة والغلظة، فلا يعرف الحكمة فيها كل الناس، والذين يعرفونها إنما يعرفون منها قدراً يسيراً بالنسبة إلي علم الله تعالى، فكل من استعمل شيئاً في جهة غير الجهة التي خلق لها ذلك الشيء على غير الوجه الذي أريد به، فقد كفر نعمة الله تعالى فيه، فمن ضرب غيره بيده بغير حق، فقد كفر نعمة الله تعالى في اليد لأنها خلقت ليدفع بها عن نفسه ما يؤذيه، ويتناول ما ينفعه، لا ليؤذى بها غيره، وكذلك العين إذا نظر بها إلى محرم، فقد كفر نعمتها، ونعمة الشمس أيضاً، إذا الإبصار يتم بها، فالعين والشمس خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه، ويبقى بهما ما يضره فيهما .

(4/34)


واعلم : أن المراد من خلق الخلق وخلق الدنيا وأسبابها، أن يستعين بها الخلق على الوصول إلى الله تعالى، ولا أنس إلا بدوام الذكر، ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر، ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام البدن، ولا يبقى البدن إلا بالأرض والماء والهواء، ولا يتم ذلك إلا بخلق السماء والأرض وخلق جميع الأعضاء الباطنة والظاهرة، وكل ذلك لأجل البدن، والبدن مطية النفس، والراجع إلى الله هي النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة، ولذلك قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [ الذاريات : 56 ] فكل من استعمل شيئاً في غير طاعة الله، فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لا بد منها، لإقدامه على تلك المعصية .

(4/35)


ولنذكر مثالاً واحداً للحكم الخفية التي ليست في غاية الخفاء، حتى يعتبر بها، ويعلم طريق الشكر والكفران على النعم، فيقول : من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير اللذين بهما قوام الدنيا، وهما حجران لا منفعة في أعينهما، ولكن يضطر الخلق إليهما، من حيث كل إنسان يحتاج إلى أعيان كثيرة، في مطعمه، ومشربه، وملبسه، ومركبه، وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه، ويملك ما يستغني عنه، كمن يملك قدراً من الزعفران مثلاً وهو يحتاج إلى جمل يركبه، وآخر يملك الجمل، وربما استغنى عنه، ويحتاج إلى الزعفران، فلا بد بينهما من معاوضة، ولابد في مقدار العوض من تقدير، إذا لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران، ولا مناسبة بين الزعفران والجمل، حتى يعطى مثله في الوزن والصورة . وكذا من يشترى داراً بثياب، أو عبداً بخف، أو دقيقاً بحمار ، فهذه الأشياء لا تناسب بينهما ، فخلق الله تعالى الدراهم والدنانير، حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال، حتى تقدر بهما، فيقال : هذا الجمل يساوى مائة ، وهذا القدر من الزعفران يساوى مائة، فحصل التساوي بينهما حينئذ، وإنما أمكن التعديل بينهما بالنقدين ، إذ لا غرض في أعيانهما ، فإنه لو كان في أعيانهما فرض لم ينتظم الأمر، فخلقهما الله لتداولها الأيدي ، ويكون حاكمين بين الأموال بالعدل ، وجعلهما عزيزين في أنفسهما، ونسبتهما الى سائر الأموال نسبة واحدة، فمن ملكهما ، فكأنه ملك كل شئ .

(4/36)


إذا عرفت حكمتهما، فكل من عمل فيهما عملاً يخالف المقصود منهما، ولا يليق بحكمتهما، فقد كفر نعمة الله فيهما، فمن كنزهما فقد أبطلهما وأبطل الحكمة فيهما، ومنع الأيدى من تداولهما . ولما كان كثير من الخلق عاجزين عن قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة على صفحات الموجودات بخط إلهي لا يدرك بعين البصر، بل بعين البصيرة، أخبرهم الله تعالى بكلام سمعوه بواسطة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم، فقال : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } [ التوبة : 34 ] .
وكل من اتخذ الدراهم والدنانير آنية، فقد كفر نعمة الله فيهما ،لأنه أسوأ حالاً ممن كنزهما .
ومثال ذلك من استعمل حاكم البلد في الحياكة والكنس والأعمال التي يقوم بها أخس الناس، وذلك أن الحديد والنحاس والخزف وغيرها يقوم مقام الذهب والفضة من كونهما قيم الأشياء، فمن لم تنكشف له هذه الحكمة بالرحمة الإلهية قيل له : " من شرب في إناء ذهب أوفضة، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم " وكذلك كل من عامل بالربا في الدراهم والدنانير، فقد أخرجهما عن مقصودهما، فهذا مثال لحكمة خفية من حكم النقدين .
فينبغي أن تعتبر شكر النعمة وكفرها بهذا المثال في غيره من جميع أمورك، في حركتك، وسكونك، ونطقك، وسكوتك في كل فصل صادر منك، إما شكراً أوعكسه، وهو الكفر وبعض ذلك تصفه بالكراهة، وبعضه بالحظر .
ومن ذلك أن الله تعالى خلق لك يدين، جعل إحداهما أقوى من الأخرى، فاستحقت بمزيد القوة رجحاناً وشرفاً على الأخرى، وقد أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال، بعضها شريفة، كأخذ المصحف، وبعضها خسيسة، كإزالة النجاسة، فإذا أخذت المصحف باليسار، وأزلت النجاسة باليمين، فقد عكست المقصود، وخصصت الشريف بما هو خسيس، فظلمته، وكذلك في الرجلين، إذا ابتدأت باليسرى في لبس الخف، فقد ظلمت اليمنى، لأن الخف وقاية الرجل، وقس على ذلك .

(4/37)


وكذلك نقول : من كسر غصناً من شجرة لغير حاجة مهمة وغرض صحيح، فقد خالف الحكمة في خلق الأشجار، لأنها خلقت للمنفعة بها، فإن كان كسره لغرض صحيح، فلا بأس، وإن فعل ذلك في ملك غيره، فهو ظالم، وإن كان محتاجاً، إلا أن يأذن صاحبه .
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOP7ـ فصل في بيان النعم وحقيقتها وأقسامها
واعلم : أن كل مطلوب يسمى نعمة، ولكن النعمة في الحقيقة هي السعادة الأخروية، وتسمية ما عداها نعمة تجوز، والأمور كلها بالإضافة إلينا تنقسم أربعة أقسام :
أحدهما : ما هو نافع في الدنيا والآخرة جميعاً، كالعلم، وحسن الخلق، وهو النعمة الحقيقية .
الثاني : ما هو ضار فيهما جميعاً، وهو البلاء حقيقة .
القسم الثالث : ما ينفع في الحال، ويضر في المآل، كالتلذذ، واتباع الشهوات، فهو بلاء عند ذوى الأبصار، والجاهل يظنه نعمة .
ومثاله : الجائع إذا وجد عسلاً فيه سم، فأنه يعده نعمة إن كان جاهلاً، فإذا علم ذلك عدة بلاًء .
القسم الربع : الضار فىالحال، النافع في المآل،وهو نعمة عند ذوى الألباب، بلاء عند الجهال .
ومثاله : الدواء الشنيع مذاقه في الحال، الشافي في المآل من الأسقام، فالصبىالجاهل، إذا كلف شربه ظنه بلاء، والعاقل يعده نعمه، وكذلك إذا احتاج الصبي الى الحجامة، فإن الأب يدعوه إليها ويأمره بها، لما يلحظ في عاقبتها من الشفاء، والأم تمنعه من ذلك لفرط حبها وشفقتها، لكونها جاهلة بالمصلحة في ذلك، فالصبي يتقلد من أمه بجهله ، ويأنس إليها دون أبيه، ويقدر أباه عدواً، ولو عقل لعلم أن الأم هي العدو الباطن في صورة صديق، لأن من منعها إياه من الحجامة يسوقه إلى أمراض أشد من ألم الحجامة، فالصديق الجاهل شر من العدو العاقل، وكل إنسان صديق نفسه، ولكن النفس صديق جاهل، فلذلك تعمل بما لا يعمل العدو .

(4/38)


http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOP8ـ فصل في بيان كثرة نعم الله وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء
اعلم : أن النعم تنقسم إلى ما هو غاية مطلوبة لذاتها، وإلى ما هو مطلوب لأجل الغاية .
أما الغاية فهي سعادة الآخرة، ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور : بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لاجهل معه، وغنى لا فقر بعده، وهى السعادة الحقيقية .
وأما القسم الثاني : فهو الوسائل إلى السعادة المذكورة، وهى أربعة أقسام :
أعلاها : فضائل النفس، كالإيمان وحسن الخلق .
الثاني : فضائل البدن، من القوة والصحة ونحوهما .
الثالث : النعم المطيفة للبدن، من المال والجاه والأهل .
الرابع : الأسباب التي جمع بينها وبين ما يناسب الفضائل، من الهداية والإرشاد، والتسديد، والتأييد، وكل هذه نعم عظيمة .
فإن قيل : ما وجه الحاجة لطريق الآخرة إلى النعم الخارجة في المال والجاه ونحوهما ؟
قلنا : هذه الأشياء جارية مجرى الجناح المباح، والآلة المستعملة للمقصود .
أما المال، فإن طالب العلم إذا لم تكن معه كفاية، كان كساع إلى الهيجاء بغير سلاح، ولأنه يبقى مستغرق الأوقات في طلب القوت، فيشغله عن تحصيل العلم، وعن الذكر، والفكر، ونحو ذلك .
وأما الجاه فيه يدفع عن نفسه الذل والضيم، ولا ينفك عن عدو يؤذيه، وظالم يهوش عليه، فيشغل قلبه، وقلبه رأس ماله، وإنما تدفع هذه الشواغل بالعز والجاه .
وأما الصحة والقوة وطول العمر ونحوها، فهي نعم، إذ لا يتم علم ولا عمل إلا بذلك .
وقد قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم : " نعمتان مغبون فيهما كثر من الناس : الصحة، والفراغ " .
ولما سئل : من خير الناس ؟ قال : " من طال عمره وحسن عمله " .
وأمال المال والجاه، وإن كانا نعمتين، فقد ذكرنا ما فيهما من الآفات فيما تقدم، وأنهما ليسا بمذمومين على الإطلاق .

(4/39)


وأما الهداية والرشد والتسديد والتأييد، فلا خفاء في كونهما من أعظم النعم، فلا يستغني أحد عن الحاجة إلى التوفيق، ولذلك قيل :
إذا لم يكن عون الله للفتى فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
http://mirror.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=250&CID=31 - TOP#TOP9ـ فصل [ من نعم الله الأسباب التي يتم بها الأكل ]
واعلم : أنا قد ذكرنا جملة من النعم، وجعلنا صحة البدن نعمة واحدة من النعم الواقعة في الرتبة الثانية، فلو أردنا أن نستقصي الأسباب التي بها تمت هذه النعمة، لم نقدر عليها، ولكن الأكل أحد أسباب الصحة، فلنذكر شيئاً من جملة الأسباب التي يتم بها الأكل على سبيل التلويح، لا على سبيل الاستقصاء، فنقول : من جملة نعم الله عليك أن خلق لك آلة الإحساس، وآلة الحركة في طلب الغذاء، فانظر إلى ترتيب حكمة الله تعالى في الحواس الخمس، التي هي آلة للإدراك .

(4/40)


فأولهما : حاسة اللمس، وهو أول حس يخلق للحيوان، وأنقص درجات الحس أن يحس بما يلاصقه، فإن الإحساس بما يبعد منه أتم لا محالة، فافتقرت إلى حس تدرك به ما بعد عنك، فخلق لك الشم تدرك الرائحة من بعيد، ولكن لا تدرى من أي ناحية جاءت الرائحة، فتحتاج أن تطوف كثيراً حتى تعثر على الذي شممت رائحته، وربما لم تعثر، فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد عنك، وتدرك جهته فتقصدها بعينها، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصاً، إذ لا تدرك بذلك ما وراء الجدار والحجاب، فربما قصدك عدو بينك وبينه حجاب، وقرب منك قبل أن يكشف الحجاب، فتعجز عن الهرب، فخلق لك السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الحجرات عند جريان الحركات، ولا يكفى ذلك، لو لم يكن لك حسن الذوق، إذ به تعلم ما يوافقك وما يضرك، بخلاف الشجرة، فإنه يصب في أصلها كل مائع، ولا ذوق له فتجذبه، وربما يكون ذلك سبب جفافها، ثم أكرمك الله تعالى بصفة أخرى، هي أشرف من الكل، وهو العقل، فبه تدرك الأطعمة ومنفعتها، وما يضر في المآل، وبه تدرك طبخ الأطعمة وتأليفها وإعداد أسبابها، فتنتفع به في الأكل الذي هو سبب صحتك، وهو أدنى فوائد العقل، والحكمة الكبرى فيه معرفة الله تعالى، وما ذكرنا من الحواس الخمس الظاهرة فهي بعض الحركات، ولا تظن أننا استوفينا شيئاً من ذلك، فإن البصر واحد من الحواس، والعين آلة له، وقد ركبت العين من عشر طبقات مختلفة، بعضها رطوبات، وبعضها أغشية مختلفة، لكل واحد من الطبقات العشر صفة، وصورة، وشكل، وهيئة، وتدبير، وتركيب، لو اختلت طبقة واحدة أو صفة واحدة لاختل البصر، وعجز عنه الأطباء كلهم، فهذا في حس واحد، وقس حاسة السمع وسائر الحواس، ولا يمكن أن يستوفى ذلك في مجلدات، فكيف ظنك بجميع البدن ؟ !

(4/41)